كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه: الحمدُ لله الذي بسَط نعمتَه، وأقام حُجَّتَه، وأظْهر حكمَته، وتمَّم إعْذارَه ونَذَارَته بمحمدٍ نبيِّه عليه السلام، فأَوْضَحَ به الدليلَ، وأنْهَج به السبيلَ، وأكْمَلَ به دِينَه، وأَوْضَح به شريعتَه، فبلَّغ إلى الناس ما أُرْسِلَ به إليهم، وبيَّن ما افْتَرَضَ اللهُ عليهم، وسَنَّ لهم وعَلَّمَهم، وأدَّبهم وأرْشَدَهم، ثم مضَى صلى الله عليه وسلم حَمِيدًا فَقِيدًا، فأبْقَى كتابَ اللهِ لأُمَّتِه نُورًا مُبِينًا، وسُنَّته حِصْنًا حَصِينًا، وأصْحابَه حَبْلاً مَتِينًا، وجعل اللهُ سبحانه سَبِيلَهم الأَقْوَمَ، ومِنْهَاجَهم الأَسْلَمَ، وطَرِيقَتَهم الْمُثْلَى، واسْتِنْبَاطَهم الأَوْلَى، وتَوَاعَدَ مَن اتَّبَعَ غيرَ سَبِيلِهم أنْ ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115)، ووَسَّع لهم ولِمَن اتَّبَعَهم بإحْسان، في الاسْتِدْلالِ ممَّا أُجْمِلَ لهم مِن جَوَامِعِ الْكَلِم في كتابِه، وعلى لسانِ نبيِّه، وأَذِنَ لهم في الاجتهادِ في أحكامِهم، والحوادثِ
النَّازلةِ بهم، ممَّا ليس بِنَصٍّ عندهم في الكتابِ والسُّنَّةِ نَصًّا لا يُخْتَلَفُ في تَأْوِيلِهِ، وأَوْجَدَهم السَّبِيلَ إلى أنْ يَجِدُوا في الأُصول لكلِّ حادثةٍ مِثْلاً، ولكلِّ فَرْعٍ عندهم أَصْلاً، ووَسَّع له في اسْتِدْلالِهم، وعَمَّهم بالأجر في اخْتلافِهم، قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (الأنبياء: 79)، وجعل ذلك لهذه الأُمَّةِ رَحْمَةً عَمَّهم بها، وتَوْسِعَةً وفضيلةً خَصَّهم بفَضْلِها، وجعل ما يَخْرُجُ عن اسْتِنْباطِهم، ويَتَّسِعُ فيه الاحْتمالُ في اسْتِدْلالِهم، ويَجْرِي به الاجتهادُ في حَوادثِهم، يَخْرُج إلى حلال بَيِّنٍ، أو حَرامٍ بَيِّنٍ، أو شُبْهَةٍ تُتَّقَى، وجعل الرسولُ عليه السلام تَوَقِّيَ الشُّبُهاتِ أَبْرَأَ للمرءِ في سلامةِ دينهِ وعِرْضِه.
فالحمدُ للهِ الذي مَنَّ بِكِفَايتِه، وأَنْعَمَ بهدايتِه، ورَفَقَ بنا في التَّكْليفِ في عبادتِه، وجعل النجاةَ للمُتَأَخِّرين في اتِّباعِ سَبِيلِ المُتَقَدِّمين، ولم يُوَسِّعْ لِمَنْ بَعْدَهم أَنْ يَرْغَبَ عن إجْماعِهم، أو يَخْرُجَ عن اخْتلافِهم، أو يَعْدِلَ عن تَأْوِيلِهم وَمِنْهَاجِهم.
وَقد اخْتُلِفَ في إجْماعِ مَن كان بالمدينةِ من الصَّدْرِ الأوَّل، وفي اجْتماعِ الجمهورِ مِن كلِّ قَرْن، والذي ذهبْنا إليه أنَّ ذلك لا يَسَع خِلاَفُه، كالإجْمَاعِ الذي يُخَالَفُ فيه، وإن كان هذا مَقْطُوعًا به، ولا يُقْطَعُ بالأوَّل وقد أَوْرَدْنا لذلك ولِمَا يُشْبِهُه كتابًا سَمَّيْنَاه (كتابَ الاقْتِدَاء)، وقُلْنَا:
إنه ليس لأحدٍ أَنْ يُحْدِثَ قولاً أو تَأْويلاً لم يَسْبِقْهُ به سَلَفٌ , وإنه إذا ثَبَت عن صاحبٍ قَوْلٌ لا يُحْفَظُ عن غيرِه من الصحابةِ خِلاَفٌ له ولا وِفَاقٌ , أنَّه لا يسَع خِلافُه.
وقال ذلك معَنا الشافعيُّ , وأهلُ العراقِ , فكلُّ قولٍ نَقُولُه , وتأويلٍ مِنْ مُجْمَلٍ نَتَأَوَّلُه , فعَن سَلَفٍ سَابقٍ قُلْنَا , أو مِن أَصْلٍ من الأصول المذكورةِ اسْتَنْبَطْنَا.
عَصَمَنَا اللهُ وإيَّاكم من الهَوَى , والعُدولِ عن الطريقةِ المُثْلَى , وصلَّى اللهُ على محمدٍ نبيِّه , وعلَى آلِه وسلَّم.
أمَّا بعد , يسَّرنا اللهُ وإيَّاكم لرعايةِ حُقُوقِه, وهدانا إلى توفيقِه, فقد انْتَهَى إليَّ ما رغبتَ فيه , مِنْ جَمْعِ النَّوادرِ والزِّيادات علَى ما في (المُدَوَّنة) مِن غيرِها من الأُمَّهات , مِن مَسائلِ مالكٍ وأصحابِه , وذكرْتَ ما كَثُرَ عليك مِن دَواوِينِهم , مَع رَغْبَتِك في نوادرِها وفوائدِها , وشَرْحِ مُشْكِلٍ في بعضها, واخْتلافٍ من الأقاويلِ يشتملُ عليه كثيرٌ منها، وهي مع ذلك فأكثرُها بعضُها مِنْ بعضٍ يتَكَرَّر في بَسْطِها، ويُبْسَط على كَثْرَةِ التَّبْيِين فيها، ولَعَمْرِي إنَّ العنايةَ بقليلِ ذلك كُلِّه وكثيرِه محمودةٌ، والخيرَ في ذلك كلِّه مَأْمولٌ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وكُلٍّ ينْتَهِي إلى ما يُسِّرَ إليه، وأُعِين عليه، وذلك مِن اللهِ سبحانَه حكمةٌ يَنْفَعُ بها، ورحمةٌ وَسَّع فيها، وعنايةٌ يَأْجُرُ عليها، ودرجةٌ إن شاء اللهُ يَرْفَعُ بها مَنْ صَحَّتْ مَقَاصِدُه فيها، بارَك الله لنا ولك فيما يَسَّرنا إليه
والعلمُ لا يأْتِي إلاَّ بالعنايةِ والمُباحثةِ والمُلازمةِ، مع هدايةِ اللهِ وتَوْفِيقِه، قال أبو الدَّرْدَاء: العلمُ بالتَّعَلُّمِ، والحِلْمُ بالتَّحَلُّم.
وقال ابنُ المُسَيَّب: إنْ كنتُ
لأسيرُ الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد.
وقد كان يرحل إلى المدينة في المسألة الواحدة.
وقد عُنِي موسى صَلَّى الله عليه في طلب المزيد من العلم إلى ما عندَه، وقال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (الكهف: 66)، وأوصى لقمان ابنه بمجالسة العلماء ومزاحمتهم بالرُّكَبِ.
قال مالك: أقمت خمس عشرة سنة أغدو من منزلي إلى ابن هرمز، فأقيم عنده إلى صلاة الظهر.
مع ملازمته لغيره، وكثرة عنايته.
وأقام ابن القاسم متغَرِّبًا عن وطنه عشرين سنة في رحلتيه، ثم لم يرجع حتى مات مالك.
ومما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ؛ مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لاَ يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي دُنْيَا لاَ يَشْبَعُ مِنْهَا».
قال ابن مسعود: لا يستويان؛ المنهوم في العلم يزداد به خشية الرحمن، والمنهوم في المال يُؤَدِّيه إلى طُغيان.
وفي بعض الحديث: «اللَّهُمَّ لاَ فَقْرٌ يُنْسِينِي، ولا غِنًى يُطْغِينِي».
وقيل: إن طالب العلم يحتاج إلى البكور فيه، واستدامة الصبر على طلبه، وشدة الحرص عليه، وإذا كان الحريص لا يُقْلِعُ، والمنهومُ لا يَشْبَعُ، والحوادثُ تَحُولُ دون الأمل، فصرف الجُهْد والهِمَّةِ إلى ما يُتَعَجَّلُ بَرَكَتُه، مِن التَّفَقُّه في دينِ الله، وتتأجَّلُ غِبْطَتُه مِن العملِ به، أوْلَى مِن الاستكثار من الأسفار بلا تفَقُّهٍ، والتَّحَلِّي بغير تَحْقيقٍ.
قال الحسن: إن هذا الدين ليس بالتحلي ولا بالتمنِّي، ولكن ما وَقَرَ في القلوب، وصَدَّقَتْه الأعمال.
قال ابن هرمز: ما طَلَبْنا هذا الأَمْرَ حَقَّ طَلَبِه.
قال غيره: وأرْجَى الناسِ في نَيْلِ ما يَبْقَى مَن جَدَّ في طَلَبِه، واسْتَدامَ الصبرَ عليه وأوْطَنَه.
وممَّا تَمَثَّل به سَحْنُون:
أَخْلِقُ بِذِي الصَّبْرِ أنْ يَحْظَى بِحَاجَتِهِ ... ومُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلأَبْوَابِ أَنْ يَلِجَا
وتمثَّل غَيرُه في حَمْلِ الأسْفارِ بلا تَفَقُّهٍ، فقال:
زَوَامِلُ لِلأَسْفَارِ لا عِلْمَ عِنْدَهُمْ ... بِجَيِّدِهَا إِلاَّ كَعِلْمِ الأَبَاعِرِ
لَعَمْرُكَ مَا تَدْري المَطِيُّ إِذا غَدَا ... بِأَحمالِهِ أَوْ رَاحَ مَا فِي الغَرَائِرِ
وكان يُقالُ: لا يؤْخَذُ العلم من كُتُبِيٍّ، ولا القرآنُ من مُصْحَفِيٍّ.
وإنْ كانت الكتبُ في آخرِ الزمانِ خزائنُ العلوم؛ فإنَّ مَفاتيحَ مَغالِقِها الصُّدورُ، وقد كان العِلْمُ في الصَّدْرِ الأوَّل خزائِنُه الصدورُ ولم تكن كُتُبٌ، وصار في آخِرِ الزمانِ أكثرُه في الكتبِ وأقَلُّه في الصدور، وكثُرت الكتبُ بالشَّرْح والتَّأْلِيد والتَّفْسير لِمَا قال أهلُ المدينةِ وكَثُر التَّقْصير، وإن كان مُتَقَدِّمُو أهلِ المدينةِ أقلَّ تَكَلُّفًا مِن غيرِهم، وكانوا أَعْلَمَ الناس بالأُصولِ مِن الأحكامِ والسُّنَنِ، وما تكلَّم فيه الصحابةُ ومَن بعدَهم من التَّأويل، وما اخْتَلَفُوا من الحوادث، وإنَّما وُلِّفَتِ الكتبُ في القرن الثالث.
قال مالك: لم يكنْ عندَ ابن شهاب كتابٌ إلاَّ كتابٌ فيه نَسَبُ قومِه.
وكان عند أبي قلابة حِمْلُ بغْلٍ كتبًا , وإنَّما كَثُرَ حَمْلُ الفِقْهِ عن أهل المدينة على قِلَّةِ تكَلُّفِهم للتأليف والتأليد لحاجة الناس إليهم، ولم يضعْ مالك كتابًا غير الموطَّأ، لَمَّا سأله المنصور في تأليفه، فاقتصد فيه، ولم يُكْثِر، وأنت كما ترى قلة تكلفه قد نُقِلَ عنه إلى العراق نحوٌ من سبعين ألف مسألة.
قال شيوخ البغداديين: هذا غيرُ ما زاد علينا أهلُ العراق ومصر والمغرب؛ لأن أهل الآفاق كانوا يقصدون إليه رحلة وبحثًا في الفقه والحديث، مع قصد الأمراء وغيرهم من بلده وسائر البلدان، في النوازل وغيرها، فكثُرت الحاجة إليه، هذا مع كثرة توَقُّفه في الفتوى، والهروب منها، وكثرة قوله: لا أدري.
فتأمَّلْ هذا
كلَّه يدُلُّك على جلالة حال الرَّجُل في ذلك العصر الذي كان فيه خيار الناس وكثرة الرغبة إليه، واجتماع القول على نقائه وتمامه، واختيارهم لاختياره، وذلك لما تأكَّد عند أهل العصر من جلالته في الدين، والنفاذ في الفقه والحديث، وجودة العقل والسلامة من الريب، وقد ذكرنا في كتاب (الذبِّ) عن غير شيء من مذاهبه بعض مناقبه وأحواله، ومَحَلَّه عند أئمَّة الناس في عصره، جعلنا الله وإيَّاكم ممَّن اتَّبع سبيل الذين مَضَوْا بإحسان.
وإن كان مَن تقدَّم أهل المدينة يكرهون تأليد السُّؤَال، قال مالك: لم يكن الذين مضوا أكثر الناس مسائل، وأُراهم إنَّما يكرهون التكلُّف إلى ما ينتهي إلى التنطُّع، ولا يكرهون ما يُبَيَّنُ به للمتَعَلِّم مُشْكِلاً، وما يَعرِض من النوازل، وكان يقال: إذا نزل الشيء أُعِينَ عليه صاحبه، ولعمري إن السؤال يفتح العلم.
قال ابن شهاب: العلم خزائن ويفتحها السؤال.
وقال غيره: السؤال نصف العلم.
قال ابن عباس: يُحْتاجُ للعلم لسانٌ سئولٌ، وقلب عَقُولٌ.
وربما قال زيد بن أسلم لبعض من يخلط في سؤاله: اذهب فتعَلَّمْ تَسَل، ثم تأتي.
قال أبو محمد: وذكرت -وفَّقنا الله وإيَّاك إلى مَحَابِّه- ما كَثُرَ من الكتب مع ما قلَّ من الحرص والرغبة، وضَعُفَ من الطلب والعناية، والحاجة إلى ما افترق في كثرة الكتب من شرح وتفسير وزيادة معنًى شديدة، ورَغِبْتَ في أن نستثير العزيمة وتفتح بابًا إلى شدَّة الرغبة بما رغبتَ فيه من اختصار ما افترق من ذلك في أُمَّهات الدواوين من تآليف المتعقِّبين، وذكرْتَ أن ما في
كتاب محمد بن إبراهيم ابن الْمَوَّاز، والكتاب المستخرج من الأسمعة، استخراج العتبي، والكتب المسماة الواضحة والسماع المضاف إليها المنسوبة إلى ابن حبيب، والكتب المسماة المَجْمُوعَة المنسوبة إلى ابن عبدوس، والكتب الفقهية من تأليف محمد ابن سحنون، أن هذه الدواوين تشتمل على أكثر ما رَغِبْتَ فيه من النوادر
والزيادات، ورغبتَ في استخراج ذلك منها وجَمْعِه باختصار من اللفظ في طلب المعنى، وتقصِّي ذلك وإن انبسط بعض البسط، والقناعة بما يُذْكَرُ في أحدها عن تكراره، والزيادة إليه ما زاد في غيره؛ ليكون ذلك كتابًا جامعًا لما افترق في هذه الدواوين من الفوائد، وغرائب المسائل، وزيادات المعاني على ما في المدونة، وليكون لمن جمَعه مع المدونة أو مع مختصرها مَقْنَعٌ بهما، وغِنًى بالاقتصار عليهما؛ لتَجْمع بذلك رغبَتُه، وتيتجمَّ همَّتُه، وتعظم مع قلَّة العناية بالجمع فائدته، وقد رغبتُ في العناية بذلك، لِمَا رَجَوْتُ إن شاء الله من بركة ذلك، والنفع له لمن رسمه، ولكل من تعلَّمه، وأنا أفي لك، إن شاء الله، بنوادر هذه الدواوين المذكورة، وأذكر ما أمكنني وحضرني من غيرها، وبالله نستعين في ذلك، وإيَّاه نستخير فيه، ونستمدُّه توفيقه وعصمته، ونسأله نفع ذلك وبركته، وصَلَّى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلَّم.
واعْلَم أن أسعد الناس بهذا الكتاب مَن تقدمت له عناية، واتسعت له رواية؛ لأنه يشتمل على كثير من اختلاف علماء المالكيين، ولا يسَعُ الاختيار من الاختلاف للمُتَعلِّم ولا للمُقَصِّر، ومَن لم يكن فيه مَحْمَل الاختيار للقول لتقصيره فله في اختيار المتعقِّبين من أصحابنا من نُقَّادِهم مَقْنَعٌ، مِثْل
سحنون، وأصبغ، وعيسى بن دينار ومن بعدهم، مثل: ابن الْمَوَّاز، وابن عبدوس، وابن سحنون، وابن الْمَوَّاز أكثرهم تكلُّفًا للاختيارات، وليس يبلغ ابن حبيب في اختياره، وقوَّة رواياته مبلغ مَن ذكرنا، والله يهدي إلى سواء السبيل.
وأنا أذكر لك رواياتي في هذه الدواوين، فأما المُسْتَخْرَجَة من السماعات فقد حدَّثني بها أبو بكر بن محمد، عن يحيى بن عبد العزيز، عن العتبي محمد بن أحمد.
وأما المَجْمُوعَة فقد حدَّثَني بها حبيب بن الرَّبِيع، عن محمد بن بسطام، عن محمد بن عبدوس، عن سحنون، عن رجال مالك.
وأما كتب ابن الْمَوَّاز فروايتي عن درَّاس بن إسماعيل، عن علي بن عبد الله بن أبي مطر، عن محمد بن إبراهيم بن الْمَوَّاز، وبعضها عند عليٍّ إجازة.
وأما الواضحة، والسماع فروايتي عن عبد الله بن مسرور، عن يوسف بن يحيى المغامي، عن عبد الملك بن حبيب.
وأما كتب ابن سَحْنُون، فعن محمد بن موسى، عن أبيه، عن ابن
سَحْنُون، وبعضها عن محمد بن مسرور، عن غير واحد من أصحاب ابن سَحْنُون، عنه.
ومختصر ابن عبد الحكم حدَّثني به محمد بن مسرور، عن المقدام، عن عبد الله.
وما ذكرت فيه لبكر بن العلاء، وأبي بكر الأبهري، وأبي
إسحاق بن الْقُرْطِيِّ فقد كتبوا إلي به، وكلُّ ما ذكرت فيه عن ابن الجهم فقد أُخْبِرْتُ به عنه به، وكل من ذكرت فيه من غير ذلك فبروايات عندي يكثر ذكرها.
في غسل اليد قبل دخولها في الإناء، وتوضُّئ
النساء قبل الرجال، أو بعدهم من إناء واحد، وذِكْر التسمية عندَ الوُضوء، ومَسْح الوجه بالمنديل
من الواضحة وغيرها: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المستيقط من نومه أَنْ يُدخل يده في وَضوء حتى يغسلها، فقيل: إن ذلك لِمَا لعلَّه قد مسَّ من نجاسة خرجت منه لا يعلم بها، أو غير نجاسة من ما يُتَقَذَّر.
وقيل أيضًا: وقد يكون ذلك لأن أكثرهم كان يستجمر بالحجارة، وقد يمَسُّ موضع ذلك.
والله أعلم.
قال ابن حبيب: وقال الحسن: معنى ذلك في الجُنُب من احتلام.
قال ابن حبيب: أو جُنُب لا يدري ما أصابت يده من ذلك، فإن أدخل هذا يده قبل أَنْ يغسلها أفسد الماء.
وقال مالك: ينبغي لكل متوضِّئ أن لا يدع غَسل يده عند وُضوئه، قبل أَنْ يُدخلها في الإناء على كل حال.
قال مالك في المختصر والمَجْمُوعَة، فِي مَنْ أدخل يده في الإناء قبل أَنْ يغسلها، من جُنُب أو حائض، ومن مسَّ فرجه، أو أنثييه في نوم، فلا يفسد الماء، وإن كان قليلاً، إلاَّ أَنْ يُوقن بنجاسة في يده، ولا ينبغي له ذلك وإن كانت يده طاهرة، وكذلك مَن انْتَقَضَ وُضوؤه.
ومن المَجْمُوعَة: روى ابن القاسم، وابن وهب، عن مالك في الجُنُب
يَمَسُّ فرجَه بيمينه، ثم يُدخلها في الإناء قبل أَنْ يغسلها، ولا يعلم أنَّه أصابت يده شيئًا، قال: يُبْدِلُ ذلك الماء، وما ينبغي له أَنْ يَمَسَّ فرجه بيمينه.
ومن الْعُتْبِيَّة قال ابن القاسم، عن مالك فِي مَنْ قام من النوم، فيُدخل يده في إنائه، قال: لا بأس به ومثله الجَرَّةُ يستيقظ أهل البيت، فيغرفون منها، ويُدخلون أيديهم.
قال أشهب: استحبَّ مالك للمتوضِّئ أَنْ يُفْرِغ على يده اليمنى، ثم يغسلها.
وذكره ابن نافع، عن مالك في المَجْمُوعَة.
قال عيسى عن ابن القاسم: أَحَبُّ إليَّ كما جاء في الحديث، يُفْرِغُ على يديه فيغسلهما ثلاثًا، فإن غسل يمينه، ثم أدخلها في الإناء أجزأه.
قال ابن حبيب يغسل اليمنى ثم يُفْرِغُ بها على اليسرى في الاستنجاء، ثم يغسلها فيُنَقِّيها من الاستنجاء، ثم يتمضمض، ويستنشق.
قال عبد الملك بن الحسن، في الْعُتْبِيَّة، عن ابن وهب: ومن
استنجى ثم قطر منه بول، فحلب ذَكَرَه، فليعد غسل يده قبل أَنْ يُدخلها في الإناء، وكذلك مَن أتَمَّ وضوءه، ثم خرج منه ريح، قاله مالك استحبابًا.
وقال أشهب: ليس ذلك عليه إن لم تُصِبْ يده نجاسة، وعَهْدُه بالماء قريب، إلاَّ أَنْ يبعد ذلك.
قال أبو زيد، عن ابن القاسم: ولو أحدث بعد غسل وجهه ويديه، فليُفْرِغ على يده، ثم يأتنف الوضوء.
قال عنه عيسى: ذلك أَحَبُّ إِلَيَّ.
ومن المَجْمُوعَة، قال ابن وهب، وابن نافع، عن مالك، في المتوضِّئ يخرُج منه ريح ويده طاهرة، فيريد الوضوء، قال: يغسل يده أَحَبُّ إليَّ.
قال عنه ابن نافع: إلاَّ أَنْ يكون عهده بالماء قريبًا.
قال ابن وهب: وقد قال قبل ذلك: لا بأس أَنْ يُدخلها إذا كانت طاهرة.
قال عنه عليٌّ: إذا توضَّأ وغسل يديه، ثم قطر منه بول، أو خرَج منه ريح، فليغسل يده، أفضل في الاحتياط، وإن لم يفعل فذلك واسع.
قال عنه ابن نافع فيها، وفي الْعُتْبِيَّة، فِي مَنْ وجد نهرًا سائلاً، أو غديرًا، ولا يجد ما يأخذ به منه لِيَصُبَّ على يده، فيُدخل يده فيه، ولا يأخذ بفيه، وليس ذلك من عمل الناس أَنْ يأخذ بفيه فيَصُبَّه على يديه.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال موسى بن معاوية، عن ابن القاسم، في الرَّجُل
يَرِدُ الحوض فيه الماء، وليس معه إلاَّ ثوب نجس، وليس معه ما يأخذ به، ويده قَذرة، أيتيمَّم ولا يُدخل يده فيه، أو يدخل يده فيه ويتوضَّأ؟ قال: يَحتال إما بثوب وإما بفيه، أو ما قدر عليه، فإن لم يقدر على حيلة فلا أدري ما أقول فيها، إلاَّ أَنْ يكون ماء كثيرًا مَعِينًا، فلا بأس أَنْ يغتسل فيه.
ومن المَجْمُوعَة، قال ابن نافع، عن مالك، في الخدم يُدخلون أيديهم في الماء من غير غَسل، قال: لا يَضُرُّ ذلك الماء.
قال عنه عليٌّ: قال ابن عمر: كان النساء والرجال يتوضَّأون من إناء واحد بعهد النبي عليه السلام.
قال مالك: يتوضَّأ الرجال، ثم يأتي النساء فيتوضَّأون.
قال عنه ابن وهب: كان لزيد بن أسلم مِرْكَنٌ يتوضَّأ منه هو وأهله، وكان
مثله لسعد بن أبي وقاص، قال: وربما توضَّأنا بفضلهن.
قال مالك: ولا خير في هذا التقَزُّز والتنجُّس، وأَحَبُّ إليَّ أَنْ يكون لهم قدح يغرفون به.
قال عليٌّ: قال مالك: ما أعرف التسمية في الوضوء.
وأنكرها، واستحبَّ ذلك علي بن زياد، وقاله سفيان.
قال ابن حبيب: وما روي: «أنه لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللهَ».
أراه يعني أَنْ يكون نيَّتُه، ويحتمل تسمية الله سبحانه في ابتدائه، وأَحَبُّ إليَّ أَنْ يسمِّي، وقد روي ذلك.
قال غيره: ولا يأتي من طريق يصِحُّ، والتسمية في كل شيء حسنة.
ومن المَجْمُوعَة قال ابن نافع، عن مالك: وَلا بَأْسَ بالسواك بعد الوضوء.
قال عنه عليٌّ: لا بأس بالوضوء بفضل السواك.
قال في المختصر: ومَن تسوَّك بأصبعه فلا بأس أَنْ يُعِيدَ في وضوئه.
قال عنه ابن نافع في المَجْمُوعَة: وأَحَبُّ إليَّ أَنْ يغسلها، وأرجو أَنْ يكون واسعًا.
قال ابن حبيب: ويُكْرَهُ السواك بعُود الرُّمَّان والريحان.
ومن الْعُتْبِيَّة، والمجموع، قال ابن القاسم، عن مالك: وإذا لم
يَجِد سواكًا فالأصبع يجزئ من السواك.
ومن المَجْمُوعَة، قال ابن القاسم عن مالك: قال محمد بن يحيى بن حَبَّان: أدركتُ رجالاً من أهل العلم، تكون معهم أسوكة يتسوَّكون بها لكل صلاة.
قال في الْعُتْبِيَّة ابن القاسم، عن مالك: لا بأس أَنْ يمسح وجهه بخرقة من ماء الوضوء، وإنِّي لأفعله.
قيل: نهى عنه بلال بن عبد الله بن عمر.
فأنكر ذلك , وقال: ولو قاله بلال أيؤخذ ذلك منه!
قال عنه عليٌّ في المَجْمُوعَة، قال: قلت أَفَيَفْعَلُ ذلك قبل غَسْل رجليه، ثم يغسل رجليه بعد؟ قال: نعم، وإني لأفعل ذلك.
في الاستنجاء والاستجمار، واستقبال القبلة
للبخلاء والوطء، وذكر الارتياد للحاجة،
وذكر الوسوسة والاستنكاح
من المختصر قال مالك: لا تُسْتَقْبَلُ القبلة، ولا تُسْتَدْبَرُ لبول، أو غائط، في الفلاة، والسطوح التي يَقر أَنْ ينحرف فيها، فأما المراحيض التي عُمِلَت فلا بأس بذلك فيها.
قال غيره: وقد رأى ابن عمر النبي صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته.
قال ابن حبيب: قال عطاء ك ويُكْره أَنْ يطأ الرَّجُل امرأته مستقبل القبلة.
قال ابن حبيب: يعني إذا أصحر بذلك.
ويُكره أَنْ يتغوَّط في ظلال الجُدُر والشجر وقارعة الطريق، وضَفَّة الماء، وقربه، ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
قال غيره: ويستتر بما وجد من هدف أو جدار أو حائط نخل.
قال ابن حبيب: ولا يُكره البول قائمًا في الموضع الدَّمِثِ لا يتطاير، وَلا بَأْسَ بالبول في الماء الجاري، ويُكره في الراكد وإن كثر، ويُكره أَنْ يبول في المَهْوَاةِ، وليبل دونها، ويجري إليها، وذلك من ناحية الجانِّ ومساكنها.
وَلا بَأْسَ أَنْ يبول في موضع غُسله إن أتبعه ماء، وكان منحدرًا.
واللذان يذهبان إلى الخلاء فليتباعدا، وكُره أَنْ يتقاربا.
وفي كتاب آخر: ويُكره أَنْ يتحدَّث على طرفيهما، ولا يتكلَّم الرَّجُل على طرفه.
ومن المَجْمُوعَة قال ابن نافع: وبال ابن عمر قائمًا من كِبَرٍ، وبال ابن المسيب قائمًا.
قال غيره: وبال النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا.
ونهى أَنْ يَأْخُذَ فَرْجَه
بيمينه للبول.
ومن المَجْمُوعَة قال ابن نافع عن مالك، في قول النبي عليه السلام: «وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».
إنه في الاستطابة.
وقال عنه عليٌّ: إنه تأوَّله في استجمار البخور، ثم رجع إلى أنَّه في الاستطابة.
ومن الْعُتْبِيَّة، ابن القاسم، عن مالك: ولا يُسْتَنْجَى بعظم، ولا رَوْثٍ.
وقال: في سماع أشهب أيضًا في العظم والحُمَمَة.
قال في المَجْمُوعَة في الرَّوْثِ والحُمَمَة: ما سمعتُ فيه بنهي عامٍّ، وقد سمعتَ ما يقال، وأما في علمي فما أرى به بأسًا.
وقال ابن نافع: أنهى عنه لِمَا جاء فيه عن النبي عليه السلام.
قال أصبغ في كتاب آخر: ومَنِ اسْتَجْمَرَ بعُودٍ أو فَحْمٍ، وهي الحممة، أو
بخرق أَعَادَ الصَّلاَة في الوَقْتِ، ووقته وقت الصَّلاَة المفروضة.
قال ابن حبيب: استخفَّ مالك، ما سوى العظم والروث.
وقد جاء النهي عن الحممة والجلد والبَعْرة، فمَن استنجى بذلك، أو بحجر واحد فقد أساء، ولا شيء عليه إذا أنقى.
ومن الْعُتْبِيَّة قال ابن القاسم، عن مالك: ومن استجمر بأحجار، وصَلَّى ولم يستنجِ أجزأه.
قال عيسى، عن ابن القاسم: وكذلك من استنجى بمَدَرٍ، وإن استجمر بحجر واحد فلا إعادة عليه للصلاة، إذا أنقى.
وقال في المختصر: ويُجْزِئُهُ أَنْ يستجمر بالأحجار، إلاَّ أَنْ يكون أصاب ذلك غير المخرج، وغير ما لا بد منه، فإنه يُعِيد في الوَقْتِ.
ومن الْعُتْبِيَّة قال أبو زيد، عن ابن القاسم، فِي مَنْ لم يستنجِ، ولم يستجمر: فليعد في الوَقْتِ، كالذي يصلي به في ثوبه أو جلده.
قال أبو محمد: يريد ناسيًا.
في قول ابن القاسم.
قال ابن القاسم: وإن استجمر لم يُعِدْ، وكذلك لو بالغ بحجر أو بحجرين.
وقال قوم: إن عدا المخرج.
فسألت مالكًا، فلم يذكر: عدا المخرج.
فإن قيل إن مَن مضى كانوا يبعرون.
قيل له: فإن البول منَّا ومنهم واحدٌ.
قال بعض أصحابنا: وإذا أنقى بحجر واحد فليمسح باثنين؛ ليُتِمَّ ثلاثًا.
وقال آخرون: لا بد أَنْ يُخرِج ثلاثًا نقية.
وقيل: إذا أنقى بواحدة اكتفى.
قال ابن حبيب: ولا يجر لآخذ الماء أَنْ يستجمر؛ لأنه أمْرٌ قد تُرِكَ.
قال مطرف: قال لي مالك: قيل لابن شهاب: أُنشدك، هل علمتَ أن مَن مضى كان يستجمر؟ فسكتَ.
قال مالك: كَرِهَ أَنْ يذكر شيئًا صار عملُ الناس خلافه.
ومن المَجْمُوعَة قال عليٌّ، عن مالك فيمن معه ماء قليل: فليستجمر بالحجارة، ويُنَقِّيه لوضوئه.
قال ابن نافع: قيل لمالك: أيُستنجى بالخاتم وفيه ذِكْرُ الله؟ فقال: إنه عندي تخفيفٌ، وتَرْكُهُ أحسن، وفيه سَعَة.
قال ابن حبيب: وأكره أَنْ يستنجي به، وليُحَوِّلْه عند الاستنجاء في يده اليمنى.
قال في المختصر: ولا يستنجي بيمينه.
قال ابن حبيب: ويُكره أَنْ يمسح بها مخرج البول، أو يتمخَّط بها، أو يغسل بها باطن قدميه.
روي عن النبي عليه السلام النهي عنه.
وليس الاستنجاء من سنن الوضوء، ولا من فرائضه، لكن هو من باب غسل النجاسة، يُجزئ بغير نيَّة، وإنما الوضوء من المضمضة إلى ما بعد ذلك.
قال ابن القاسم، عن مالك في الْعُتْبِيَّة: وَلا بَأْسَ أَنْ يستنجي ويُؤَخِّرَ الوضوء.
ولبعض أصحابنا في الاستنجاء أنَّه يُسْتَحبُّ له أَنْ يبدأ بِغَسل مَخرج البول، ثم يمسح الأذى منه بمَدَر أو خرقة أو غيرها، وإلاَّ فبيده، ثم يغسل يده ويُنَقِّيها، ثم يستنجي ويُوَالي صَبَّ الماء، ويسترخي قليلاً؛ ليتمكَّن من الإنقاء، ويُجيد العَرْك حتى يُنَقِّيَ ويُزيل اللُّزُوجة، وذلك في الإبعار أخفُّ منه في الإثلاط، ولا يَضُرُّه إن بقيت بيده رائحة إذا أنقى.
ومن المختصر: وليس على الذي يستبرئ البول أَنْ ينتفض ويتنحنح، ويقوم ويقعد، ولا يمشي، ويستبرئ ذلك بأيسره، بالنفض والسلت الخفيف.
قال ابن القاسم عن مالك في الْعُتْبِيَّة: في الذي يُكْثر السلت ويقوم ويقعد، قال: ليس ذلك بصواب.
قال أبو محمد: وفي باب القصد في الماء، ذكر تخفيف ربعة في سرعة التَّنَظُّف من البول، وإبطاء ابن هرمز فيه، وقوْلَه: لا تقتدوا بي.
قال ابن نافع في المَجْمُوعَة عن مالك: ولم أسمع عن أحد ممن مضى أنَّه كان يُقيم بعد فراغه حتى ينعصر.
ومَن وجد بللاً بعد أن تَنَظَّف فلم يَدْر من الماء هو أم من البول؟ فأرجو أن لا شيء عليه، وما سمعتُ مَن أَعَادَ الوضوء من مثل هذا، وإذا فعل هذا تمادى به.
قال عنه ابن القاسم: فالذي يُحِسُّ شيئًا منه بعد البول فلا تطيب نفسه، قال: هذا من الشيطان.
وكَرِهَه.
قال ابن حبيب: ويُسْتَحبُّ لسلس البول والمذي أَنْ يُعِدَّ خِرقًا يقي بها عن ثوبه، والوضوء له وللمستحاضة لكل صلاة، مع غَسل فرجه.
قال سحنون: ليس عليه غَسل فرجه.
قال عليٌّ عن مالك في المَجْمُوعَة في مَن يَجد بأثر وضوئه بللاً، أو شيئًا ينحدر من ذَكَرِه: فإن كان شيئًا يستنكحه عند الوضوء، فلينضح إزاره، ويَلْهُو عنه، وإن أصابه المرة بعد المرة فليتوضَّأ.
قال عنه ابن نافع: ومَن وجد بللاً في الصَّلاَة فلا ينصرف حتى يُوقن به، فينصرف.
وإنما يتمادى المستنكح.
في القصد في الماء في الوضوء والغُسل، ومقداره
من الْعُتْبِيَّة قال أصبغ: قال سفيان، وابن القاسم: الفَرَقُ ثلاثة آصُع.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثوضَّأ منه، ويتطهَّر.
وفي موضع آخر أنَّه كان يغتسل.
قال ابن حبيب: وروي أنَّه اغتسل بقد الصاع، وتوضَّأ بقدر المُدِّ، وروي أنَّه توضَّأ بقدر نصف المُدِّ.
ومن المَجْمُوعَة قال ابن نافع: قال مالك: سمعتُ مَنْ يقول إنه يُجزئ في الطهور صاعٌ بالصاع الأول.
ومن الْعُتْبِيَّة قال عيسى عن ابن القاسم، عن مالك، ورواه في المَجْمُوعَة، عن ابن القاسم، وابن وهب، عن مالك، قال: رأيتُ
عباس بن عبد الله بن معبد، وكان فاضلاً، يتوضَّأ بِثُلُثِ مُدِّ هشام، ويَفْضُل له منه، ويصلي بالناس، فأعجب ذلك مالكًا.
قال ابن حبيب: والقصد في الماء مُستحبٌّ، والسرف فيه مكروه.
قال مالك: كان ربيعة أسرع الناس وضوءًا، وأقلَّهم لُبْثًا في البول.
وفي الْعُتْبِيَّة من سماع ابن القاسم عن ربيعة مثله.
قال ابن حبيب: وكان ابن هرمز بطيئًا في التَّنَظُّف من البول، وفي الوضوء.
قال عنه مطرف: ويقول: إني مبتلى فلا تقتدوا بي في هذا.
وقال ابن المسيب: ومن الاعتداء في الوضوء الوضوء لكل صلاة.
قال ابن حبيب: هذا لمَنْ فعله استنانًا، فأما للرغبة في ما جاء فيه فلا بأس به.
في صفة الوضوء وترتيبه والغسل في
أعضائه والعدد فيه، والتبدئة فيه والتفرقة في العمد والسهو، وذِكْر تخليل الأصابع واللحية
قال محمد بن مسلمة في آية الوضوء: فيها تقديم وتأخير، والمعنى فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾
﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، فقيل: مُحْدِثين.
وقال زيد بن أسلم: من النوم.
ويدُلُّ على قوله أنَّه ذكر آخر الآية المُحْدِثين، فقال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فجمع بهذا المحدثين.
قال مالك في المختصر: ليس في الوضوء حَدٌّ من العدد، ولا أحب أَنْ يقصر من مرَّتين إذا عمَّتا.
قال عنه ابن حبيب: ولا أحب الواحدة، إلاَّ من العالم بالوضوء، ولا أحب أَنْ ينقُص من اثنتين، ولا يُزادُ في المسح على الواحدة، وأمَّا غَسل القدمين فلا حدَّ في غسلهما، وينبغي أَنْ يتعاهد عقبيه في وضوئه بالماء.
قال غيره: ويُجيد عَرْك ما لا يُداخله الماء بسرعة لجساوة برِجْلَيْه، أو غبرة عرقوبيه، أو سقوق، حتى يُسْبِغَه.
يقول النبي عليه السلام: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
قال ابن حبيب: ويبدأ الوضوء بميامنه، وأكمل الوضوء ثلاثة، وأقلُّه واحدة.
قال ابن عباس: الواحدة تجزئ، والاثنتان يُسبغان، والثالثة سَرَفٌ، والأربعُ سرفز
ومن المَجْمُوعَة قال ابن نافع: قيل لمالك: واحدة؟ قال: لا.
وقال في مسح الرأس: مرة أو مرتين، قد يقلُّ الماء فيكون مرتين، ويكثر فيكون مرة.
وقال عنه عليٌّ: مسحة واحدة.
ومن الْعُتْبِيَّة قال أشهب عن مالك: ومَن غَسَل يساره قبل يمينه من يدٍ أو رِجْل أجزأه.
ومن المَجْمُوعَة قال عليٌّ عن مالك: إن غَسَل ذراعيه، ثم وجهه، فإن ذكر مكانه أَعَادَ ذراعيه، وإن لم يذْكُر حتى جَفَّ استأنف الوضوء، وإن لم يذكر حتى صَلَّى أَعَادَ الوضوء والصَّلاَة.
ثم قال: لا يُعِيد الصَّلاَة وإن كان في الوَقْتِ، ويُعِيد الوضوء لِمَا يستقبل.
قال عنه ابن نافع في استئناف الوضوء: أرى ذلك واسعًا.
ومن الواضحة: ومَن نَكَّس وضوءه وصَلَّى أجزأته صلاته.
وإن تعمَّد ذلك أو جهل ابتدأ الوضوء لِمَا يستقبل؛ كان ذلك في مسنونة أو مفروضة.
وإن كان سهوًا، فلا يُصْلِحه إلاَّ في تنكيس مفروضة، فيؤخِّر ما قدَّم، ثم يغسلُ ما يليه، كأنْ يحضُرَه ذلك، أو بعد أن طال؛ مثل أَنْ يغسل ذراعيه قبل وجهه، فليُعد غَسل ذراعيه، ثم يمسح برأسه وأذنيه، ثم يغسل رِجليه.
وقال ابن القاسم: هذا إذا لم يَطُلْ، فأما إنْ طال، فليُؤخِّر ما قدَّمَ من غَسْل
ذراعيه، ولا يُعِيد ما بعده.
قال ابن حبيب: وبالأول أقول، وهو قول مطرِّف، وابن الماجشون.
قال أبو محمد: والذي ذكر ابن حبيب عن ابن القاسم روي نحوه عن ابن القاسم عن مالك في المَجْمُوعَة.
قال مالك في الموطأ فِي مَنْ غسل وجهه قبل أَنْ يتمضمض.
قال: يتمضمض، ولا يُعِيد غَسْل وجهه.
ولو غَسَل ذراعيه قبل وجهه أَعَادَ بعد غَسْل وجهه.
ومن الْعُتْبِيَّة قال سحنون: حَدُّ الوجه في الوضوء، دَوْرُ الوجه، واللَّحْيُ الأسفل منه.
قال ابن حبيب: قال مالك: وليس ما خَلْفَ الصُّدْغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الأذن من الوجه.
قال عنه ابن القاسم: واللحية من الوجه، وليُمِرَّ عليها من فضل ماء الوجه، ولا يجدِّده لها.
قال: قال سحنون: ومَنْ لم يُمِرَّ عليها الماء أَعَادَ، ولم تجزه صلاته، وأعاب مالك تخليها في الوضوء.
قال عنه ابن نافع في المَجْمُوعَة: ولم يأتِ النبي عليه السلام فغله في وضوئه، وجاء أنَّه خلل أصول شعره في الجنابة.
قال في المختصر: ويُحرِّكها في الوضوء إن كانت كبيرة، ولا يُخَلِّلُها، وأما في الغُسْل فليُحرِّكْها وإن صَغُرَتْ، وتخليلها أحبُّ إلينا.
وقال بعض أصحابنا: معنى تحريكها في الوضوء تحريك اليد عليها عند مرِّ الماء؛ ليُداخلها الماء؛ لأن الشعر ينبو عنه الماء.
ومحمد ابن عبد الحكم يرى تخليلها في الوضوء.
وقال غيره: وليتحفَّظْ من غَسْل مارِنِه بيده، وما غار من أجفانه، وأسارير جبهته، وليس عليه غَسْل ما غار من جُرْح برأ على استِغوار كثير، وكان خَلْقًا خُلِق به، ولا غسل ما تحت ذقنه، وما تحت الَّحْي الأسفل منه.
ومن المَجْمُوعَة قال ابن نافع عن مالك: وليس عليه أَنْ يجاوز بالغسل المرفقين، والكعبين في الوضوء، وإنما عليه أَنْ يبلغ إليهما.
قال غيره: هذا قولُ مالك؛ ولأن (إلى) غاية، وقد قيل بإدخالهما في الغُسْل، وإليه نحا ابن القاسم في المدونة، فذكره أبو الفرج عن مالك.
قال غيره: وقد تكون (إلى) بمعنى (مع)، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (النساء: 2)، يقول: معها.
وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: 52) (الصف: 14).
يقول: مع الله.
وقال أبو الفرج: يُؤْمَر بغَسلها، لتوهُّم التحفُّظ في مبلغ الغَسْل إليهما، وليُزيل ريب الاحتراس بإدخالهما في الغَسْل.
ومن الْعُتْبِيَّة أشهب، عن مالك: سئل عن الكعب الذي إليه الوضوء، قال: هو الملتصق بالساق، المحاذي العقب، وليس بالظاهر في ظهر القدم.
ورواه ابن نافع، عن مالك، في المَجْمُوعَة.
ومن الْعُتْبِيَّة قال أشهب، عن مالك، في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلكُمُ﴾، بالنصب أم بالخفض؟ قال: إنما هو الغسل، لا يُجْزئه المسح.
قال عنه ابن نافع في المَجْمُوعَة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بنصب اللام، وقال: إنما هو الغَسْل.
قال ابن حبيب: ويبالغ في غَسْل عقبيه؛ لقول النبي عليه السلام: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
قال غيره: وهذا بمنزلة الغَسل، كما فعل الرسول عليه السلام، وسلفُ الأمة، والعقبان عند مالك مؤَخَّر الرِّجْل.
ومن المَجْمُوعَة، قال ابن وهب وابن نافع، عن مالك: وليس عليه
تخليل أصابع الرجلين في وضوء، أو غُسْل، ولا خير في الجَفاء، والغُلُوِّ.
قال عنه ابن القاسم في الْعُتْبِيَّة وفي المَجْمُوعَة: ومَنْ لم يُخَلِّلْ أصابع رِجْلَيه في وضوئه فلا شيء عليه.
قال ابن حبيب: تخليل أصابه رجليه في الوضوء مُرَغَّبٌ فيه، ولا بد من ذلك في أصابع يديه، وأما أصابع رجليه، وإن لم يُخَلِّلْها فلا بد من إيصال الماء إليهما.
قال مالك في الْعُتْبِيَّة، من سماع ابن القاسم: ولا خير في أَنْ يجعل الماء بيديه، ثم ينفضهما منه، ويمسح بهما وجهه.
وروي عنه في مجموعة ابن القاسم، وابن وهب: وكَرِه ذلك.
قال عنه ابن وهب: هذا يَبْرُقُ في وجهه.
قال مالك في الْعُتْبِيَّة من سماع ابن القاسم: ولا يُجْزِئُهُ إن فعل.
وقال أصبغ في أُصوله: لا يُجْزِئُهُ حتى ينقُل الماء إلى كلِّ عضو يغسله نقلاً.
وقاله ابن حبيب.
قال عيسى عن ابن القاسم، عن مالك في الْعُتْبِيَّة: وليُدخل المتوضِّئ يديه جميعًا في الإناء ليأخذ الماء لغَسل وجهه.
قال عيسى: ليس ذلك عليه، وليغرف باليمنى، ويصُبَّ حتى يفرغ وضوءه.
قال سحنون في المسافر لا يجد الماء فأصابه مطر: إنه يُجْزِئُهُ أَنْ ينصِبَ له يديه، ويتوضَّأ به.
قال ابن حبيب: ولا يمسح رأسه بماء أصاب رأسه منه.
قاله ابن القاسم.
قال ابن القاسم في الْعُتْبِيَّة عن مالك: وليس عليه تحريك خاتمه في الوضوء.
قال ابن الْمَوَّاز: ولا في الغُسْل.
ومن الْعُتْبِيَّة روى معن بن عيسى، عن عبد العزيز ابن أبي سلمة، قال: إن كان ضَيِّقًا فأُحِلُّه، وأما الواسع فلا.
وقاله ابن حبيب.
قال محمد بن خالد، عن ابن القاسم، عن مالك، فِي مَنْ توضَّأ على نهر، فحرَّك فيه رِجْليه، فلا يُجْزِئُهُ إلاَّ غسلهما بيده.
قال ابن القاسم: وإن قدر على غَسْلِ إحداهما بالأخرى أجزأه.
في مسح الرأس والأذنين، وفي المضمضة،
والاستنشاق، وفِي مَنْ نسي بعض مسنون الوضوء أو مفروضه، أو بعض غَسْلِه
قال ابن حبيب: مفروض الوضوء ما ذُكِر منه في القرآن، ومسنونه المضمضة، والاستنشاق، ومسح الأذنين، ومَن نسي من مفروضه شيئًا،
أَعَادَ الصَّلاَة أبدًا، ومن نسي من مسنونه لم يُعِدْ.
هذا قول مالك وأصحابه.
وليأخذ الماء لمسح رأسه بيديه، ثم يُرْسِلُه، أو يَصُبَّه من يد إلى يد، ثم يمسح رأسه بيديه من أصل منابت شعر جبهته إلى حدِّ شعر القفا، ثم يعيدهما إلى حيث بدأ.
قال غيره: وشعر الصدغين من الرأس يدخل في المسح.
قال ابن حبيب: ثم يأخذ الماء لمسح أذنيه مرَّة بإصبعيه، ظاهر أذنيه، وباطنهما، ويُدخل إصبعيه في صماخيه، ولا يتبع غضونهما، والمرأة كذلك، وتُدخل يديها تحت الشعر من القفا في رَدّش يديها بالمسح حتى تَعُمَّ الشعر، وإن كان لها ضفائر مُرْسَلة على ظهرها أو كان شعرها مسدولاً، فعليها أن تَعُمَّه كلَّه بيديها؛ حتى تأتي على آخره، تُدخل يديها من تحته، فتُحَوِّلُه بِرَدِّ يديها به وبضفائرها إلى مُقَدَّم رأسها، فإن أمكنها جمعُهُ في قبضتها جمعته، وإن لم يُمْكِنْها إلاَّ الماء يُنْقَل بيديها فعلتْ، وإن شاءت أخذت الماء بآنية، وإن شاءت اكتفت بالأولى، وكذلك تفعل ذوات القرون.
وقاله مطرف، وابن الماجشون، وروياه عن مالك.
ومن الْعُتْبِيَّة، روى موسى بن معاوية، عن ابن القاسم، في ذي الشعر:
هل يَمْسَحُ أعلاه، ولا يُمِرُّ يديه على جميعه إلى أطرافه؟ قال: قال مالك: يُمِرُّ يديه من مُقَدَّم رأسه إلى قفاه، ثم يُعيدهما من تحت شعره إلى مُقَدَّمه، والمرأة كذلك.
ومن كتاب آخر: واختُلِفَ في معنى الحديث: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ».
فقيل: إنه مِن حدِّ منابت شعره، وقيل: بناصيته.
لقوله: «فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ».
أنَّه أقبل بهما إلى جبهته، ثم أدبر إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى حيث بدأ من ناصيته، وكلٌّ واسع، والأوَّل أولى.
قال أبن القاسم في الْعُتْبِيَّة، من رواية موسى: ومن مسح رأسه بيده واحدة، أو بإصبع حتى أوعبه أجزأه.
لعلَّه يريد يكون بإصبعه الماء.
قال غيره: ولا يُؤْمَر بذلك.
قال مالك في المختصر: ويُستحبُّ له أَنْ يُجَدِّد الماء لأُذُنيه.
قال محمد بن مسلمة: إن شاء جدَّد لهما الماء وإن شاء مسحهما بماء مسح به رأسه.
قال مالك في المختصر: ويُدخل إصبعيه في صماخيه، في مَسْح أذنيه.
قال ابن حبيب: وإن كثَّرت المرأة شعرها بصوف أو شعر؛ لم يُجزئها أن تمسح عليه حتى تنتزعه، إذا لم يَصِلْ إلى شعرها من أَجْلِه.
وقال موسى بن معاوية في الْعُتْبِيَّة عن ابن القاسم، عن مالك: وليضْغَثَاه في الجنابة، وإن كان مضفورًا.
قال ابن القاسم عن مالك في سماعه فِي مَنْ مسح مُقدِّمَ رأسه: فلا يُجْزِئُهُ، ويُعِيد الصَّلاَة.
وقال البرقي، عن أشهب: لا يُعِيد.
وقال: وأما مَنْ مسح بعض رأسه فليعد.
وقال موسى، عن ابن القاسم في مَنْ نَسي بعض رأسه: أَعَادَ في الوَقْتِ وبعده.
ورواه عن مالك في المَجْمُوعَة.
وقال محمد بن مسلمة في موضع آخر: إن مسح ثُلُثَيْه أجزأه.
وقال أبو الفرج: إن مَسَح ثُلُثه أجزأه.
قاله بعض أصحاب مالك.
ومن المَجْمُوعَة قال ابن القاسم: سئل مالك عن الذي يَمْسَح رأسه بفَضْل ذراعيه.
قال: لا أُحِبُّ ذلك.
وقال ابن حبيب، عن ابن الماجشون: ومَنْ مسح رأسه بِبَلَلِ ذراعيه، لم يُجْزِئُهُ، ولْيَمْسَحْ رأسه فقط، فإن طال في نسيانه، ويبتدئ الوضوء في العَمْد، والجهل، وإن قرب منه الماء وبلحيته الماء فلا يمسحُ به رأسه إلاَّ أَنْ يبعُدَ منه الماء فليمسحْ به، وله أَنْ يمسح رأسه برشِّ المطر، يَنْصِبُ له يديه إذا بَعُدَ عنه الماء، لا بما أصاب الرأس منه.
قال ابن القاسم: ولم يقُلْه في بلل اللحية.
قال ابن القرطي: وإن غسل رأسه أجزأه من المسح.
وقاله ابن حبيب في الخُفَّيْن.
قال ابن حبيب: ومَنْ مسح أذنيه بالماء الذي مسحَ به رأسه، فهو كمَنْ لم يمسحْهُما.
قال مالك: ولا يُعِيد الصَّلاَة.
ومن المَجْمُوعَة روى ابن القاسم، وابن وهب، وابن نافع، وعليٌّ، عن مالك في مَنْ جمع المضمضة والاستنشاق في غَرْفة واحدة: فلا بأس به إذا أخذ من الماء ما يكفيها لهما جميعًا.
قالوا عنه إلاَّ عليّ: وإن تمضمض بغرفة، واستنثر بأخرى فواسعٌ.
قال ابن القاسم: قيل له: أفثلاثٌ.
فأبى أَنْ يَحُدَّ فيه حدًّا.
وذكر نحو هذا في المختصر، وفي الْعُتْبِيَّة من سماع أشهب.
قال ابن حبيب: ولْيُبَالِغْ في الاستنشاق، ما لم يكنْ صائمًا، كما جاء الأثر، سيما بأثر النوم.
ومن المَجْمُوعَة قال ابن وهب: قيل لمالك: استنثر من غير أَنْ يضع يده على أنفه؟ فأنكر ذلك، وقال: هكذا يفعل الحمار.
قال عنه ابن القاسم في الْعُتْبِيَّة: والاستنثار أَنْ يجعلَ يده على أنفه ويستنثر.
قال ابن سحنون: قال أشهب: مَنْ تَرَكَ غَسْلَ أذنيه في الجنابة، ما ظهر منها من باطن وظاهر غسلهما وأَعَادَ الصَّلاَة.
قال مالك في المختصر في مَنْ ترك المضمضة والاستنشاق بأثر الوضوء، فليتمضمض، ويستنشق، ولا يُعيدُ ما بعد ذلك، بخلاف ما ينسى من المفروض.
قال ابن حبيب: في المسنون كلِّه إن ذَكَرَه، وقد طال، فعل ما نسي، ولم يُعِدْ ما بعده، وإن ذَكَرَ بعض وضوئه، وهو جالس على وضوئه، فعل ما نسي وأَعَادَ ما يليه، كان مسنونًا أو مفروضًا، وإن ذكره بعد أن فارق وضوءه، فإن كان من مسنونه قضى ما نسي فقط، طال أو لم يَطُلْ، ولا يعيدُ إن صَلَّى، ولو كان من مفروضه، وطال ذلك فليبتدئ الوضوء إن كان ذلك مما يُغْسل منه وإن كان مما يُمسح منه مَسَحَه فقط.
قاله مطرف، وابن الماجشون عن مالك.
قال في الْعُتْبِيَّة: إن كان ما نسي من الوضوء مما ذُكِر في القرآن، غَسَل ذلك بعينه، ويعيدُ ما صَلَّى.
وفي رواية ابن القاسم، أن ذلك سواء، ويقضي ما نسي فقط في الطُّولِ.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة في غير الواضحة: يبتدئ الوضوء إن طال ذلك، كان مما يُغْسَل أو يُمْسَح.
قال حبيب بن الربيع مولى ابن أبي سليمان: وما ذكر ابن حبيب من روايته عن مالك، في تفريقه بين ما يُغْسل وما يُمْسَحُ: إنَّ هذا غَلَطٌ ممنْ نَقَلَه عن مالك.