كتاب الشهادات الثالث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الحكم، وإنما يحكم الحاكم بما يظهر له، وذلك أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار واحتج على أهل العراق بهذا وبغيره مما ذكرته في كتاب الأقضية.
قال: وإذا شهد رجلان أن رجلا قذف امرأته بالزنا، والرجل يعلم أنهما شهدا بزور، فقبلهما القاضي، وأمره باللعان فالتعن خيفة أن يحد بالقذف، والتعنت هي وهو يعلم كذبهما، ففرق بينهما الحاكم بظاهر ما ظهر إليه، وجعلهما لا تحل له أبدا، أن ذلك لا يحرم عليه بينه وبين الله سبحانه، ولكن نكره ذلك لئلا يعد زانيا فتنتهك حرمته، ويضيع نسبه إن كان حملا، ولئلا ترجم هي إذا وضعت أيضا، ولا يجوز لها أن تنكح، وإن كانت هي لا تعلم إلا ظواهر الأمور فمباح لها أن تنكح على ظاهر الحكم، ولو أن الزوج رماها بالزنا وهي يعلم كذب الزوج، فلاعن بينهما الإمام، فالتعنا، وفرق بينهما وحرمها عليه للأبد، فإنها لا يحرم عليها النكاح، لأن / الزوج ها هنا راض بحكم السلطان وتحريمها عليه، وإباحتها للأزواج.
قال: وإذا شهدا أن فلانا فارق زوجته، والزوج يعلم أنهما شهدا بزور، فحكم القاضي بالفراق، ثم رجعا وأقرا بالزور، فالحكم ماض على ظاهره، فإن علمت المرأة باطل قولهما لم يجز لها أن تنكح، ولا يجوز للزوج أن يتزوج أختها ولا أربعة سواها، وهي زوجته في علم الله، ويجوز للزوج أن يصيبها إن خفي له في ذلك، ولكنا نكره ذلك له للتغرير بنفسه في هتك حرمته، وإبطال نسبه، وإن تحبل هي فترجم إذا وضعت، فإن لم تعلم المرأة إلى ما ظهر من الحكم، فلها التزويج بظاهر الحكم، وكل من لم يعلم إلا ظاهر الحكم فله إقامة ما يوجبه ذلك الحكم في الظاهر، ولو علم الحاكم باطل ذلك جاز له أن يحكم بما ظهر، فكذلك من علم بباطنه، فلا يستبحه بظاهره.
[8/ 537]
ولو فرق بينهما السلطان بشهادة عدلين، ثم تزوجها أحد العدلين ورجع عن شهادته أنه شهد بزور، فإنه يفرق بينه وبينها، لأنه مقر أنها زوجة رجل لا تحل له، ويفرق بينهما وبينه بطلقة على ظاهر الحكم، وعليه الصداق إن بنى بها، أو نصفه إن لم يبن بها، ولا حد عليه، ويؤدب في شهادته بالزور، وإن ادعى وهما لم يؤدب، ولو رجع الشاهدين ثم أراد أن يتزوجها وهي لا تعلم أنهما شهدا بزور، فإن الحاكم يمنعه من نكاحها، لأنه أقر أنها ذات زوج [فإن نزع عن قوله وقال: وما شهدت إلا بحق، وثبت عندي ما كنت فيه شاكا، فله أن يتزوجها إذا / حلف، وقد قيل: إنها لا تحل له لإقراره أنها ذات زوج] إلا أن يموت الزوج.
وإن شهدا أنه أعتق جاريته هذه فقضى القاضي لها بالعتق، ثم رجعا فالحكم ماض.
وإن علمت هي أنها شهدا بزور، لم يحل لها أن تبيح نفسها، وإن لم تعلم فلها التعلق بالحكم الظاهر، وإن علمت كذبهما فلا تبيح نفسها إلا أن يرضى السيد بأخذ القيمة من الشاهدين، فيتم بذلك ما قضى لها به القاضي من حريتها.
ومن كتاب محمد عبد الحكم: وإذا شهدا أنه طلق امرأته ثلاثا، فقضى بذلك القاضي، ثم رجعا فلا يحل لأحدهما أن يتزوجها، وهي حلال لغيرهما ممن لا يعلم بكذبهما، والحكم الأول ماض، ولا يجوز للزوج أن يتزوجها إلا بعد زوج، وإن شهدا أن ملك امرأته أن تطلق نفسها ثلاثا إن شاءت، وأنها طلقت نفسها ثلاثا، فقضي عليه بذلك، وهي تعلم أنهما شهدا بزور، فلا يحل لها أن تتزوج، ولا يحل لها أن تمكن من نفسها زوجها المقضي عليه.
وإذا علمت هي أن الزوج فارقها وأنكر، فقامت عليه بالبينة، فلم يثبتوا عند القاضي، فردها إليه، فلا يحل لها أن تمكنه من نفسها، ولا يحل له وطؤها إذا علم مثل ذلك، وحكم القاضي بردها إليه لا يحل أحدهما لصاحبه، ولومات الزوج الأول، جاز للشاهدين أن يتزوجها من شاء منهما بعد انقضاء عدتها من الوفاة.
[8/ 538]
وإذا طلقت امرأة فقالت: قد انقضت عدتي والزوج يعلم/ أنها كاذبة فحكم لها القاضي أن تتزوج، فلا يجوز لها أن تتزوج حتى تخرج من عدتها، ولو كانت حاملا فحتى تضع، والحكم لا يحل لأحد ما يعلم حرامه، وذكر الحديث المتقدم ذكره، قال بعض أصحاب أبى حنيفة: إنه يجوز لأحد الشاهدين اللذين شهدا بطلاقهما وقضي بشهادتهما أن يتزوجها، لأن الحاكم قد فسخ نكاحها، والنبي (صلي الله عليه وسلم) لم يبح بحكمه لمن علم منه مالم يعلم النبي عليه السلام، فكيف بحكم غيره ولزمهم أن من أقام بينة أنه ابن فلان الميت وهو يعلم كذبهما، وأنه ليس بابنه، يجوز له أخذ ميراثه، وكذلك يلزمهم إن حكم في أخت رجل أنها بنت فلان لغير أبيها، أنه يجوز لأخيها أن يتزوجها، أو حكم في أم رجل أنها ليست بأمه، وأن أمه امرأة أخرى، يجوز له تزويجها.
أرأيت إن أشترى شاة مذبوجه، فقام المشتري فقال: قد صح عندي أنها ذبحت بعد أن ماتت، فلم يقبل الحاكم منه ذلك وألزمها إياه، أيحل له أكلها؟ واحتجوا باللعان فقالوا: أرأيت إن علم الزوج أنه كاذب أتحل له بعد ذلك؟ وهذا غير مشتبه، لأن اللعان قد علم الإمام أن أحدهما كاذب، فصار حكما على الصادق والكاذب أن لا يتناكحا أبدا.
والشاهدان- يعنى بالطلاق- لو علم الحاكم أن أحدهما كاذب، لم يفرق بينهما بشهادتهما، وقياس هذا أن يقول: إن المحكوم عليه بالطلاق ثلاثا، للزوج أن يتزوجها، وهذا لم نعلمه نحن ولاهم، والشاهدان بالطلاق / المزوران كيف بتزويجها أحدهما وهما يعلمان أنهما كاذبان؟ وهذه ذريعة إلى أن من طلب نكاح ذات زوج فلم يمكنه: أن يشهد عليه رجلان بطلاقها ثم يتزوجها من شاء منهما.
أرأيت إن شهدا على حر مسلم أنه من أهل الحرب قد أسر، فقضي عليه بالرق، أيحل لأحدهما أو لمن علم ذلك أن يسترقه؟ أو كانت أمة أن يطأها، وإذا شهدا أن فلانا أقر أن هذه الصبية ابنته، فحكم لها بالنسب ثم ماتت على مال، [8/ 539]
والأب يعلم كذبهما فلا يحل له أن يرث منهما شيئا، وكذلك لو استلحقها كاذبا، فالحقت به القضاء، ثم ماتت لم يجز له أن يرثها، ويجوز لها هى أن ترثه، لأنها لا تعلم صدقه من كذبه، ولو كانت أمة له فشهدا أنها ابنته فألحقت به، وهو يعلم كذبها، فلا يجوز له أن يطأها، ويريد: للتغرير بنفسه، وإن ماتت فله جميع ما تركت، لأنها أمته فيما يعلم، فما لها له حلال في الحالين.
قال محمد بن عبد الحكم: وإن شهدا أن رجلا تزوج امرأة بألف درهم، والزوج ينكر ذلك، وهي تدعيه، فألزمه القاضي النكاح [فأرى أن يفسخ النكاح القاضي] ويجعل لها نصف المهر.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إنه يجوز للزوج أن يقيم عليها ويطأها، وإن رجع الشاهدان عن النكاح، قال محمد: وهذا مالا يحله الحكم، أرأيت لو أقر أنها أخته من الرضاعة أيترك؟ أو قال: لي أربع نسوة ببلد آخر، فألزمه الحاكم صداقها، أيحل له أن يطأها؟ أو قال: أنا أعلم أنها في عدة من زوجها وقالت هي: خرجت من العدة، أيثبت نكاحه عليها / أم لا؟ [هذه إلا بتت نكاحه] ولا يبرئه ذلك من نصف الصداق إذا قضى عليه بالفرقة.
ولو شهد شاهدان أن هذا قتل أبا هذا خطأ، ولا وارث له غيره، وأن هذا الرجل ضمن الدية على العاقلة وعن قاتله، وهو منكر، فقضي القاضي بذلك وأغرمه الدية، والمقضي عليه بالضمان يعلم أن المشهود عليه بقتله حيا ببلد آخر، فلا يجوز، للذي ودى بالضمان أن يرجع بما ودى لا على المشهود عليه بالقتل، ولا على العاقلة، لأنه لا شيء عليهم، وأنه لم يضمن عنهم شيئا، وكذلك لو شهدا أن هذا المسلم أفتكه هذا من حربي بمائة دينار، وهو منكر، فقضى عليه [8/ 540]
القاضي بأدائها، وأذن له بالرجوع بها على المعتدي، فلا يجوز له أن يرجع عليه بشيء، لأنه يعلم أنه لم يكن بيد حربي ولا فداه منه، وأنه مظلوم فيما ودى، وأن هذا ليس عليه شيء من ذلك، فإن رجع الشاهدان عن شهادتهما، رجع عليها بما ودى.
وإن شهدا شاهدان على رجل أنه أمر فلانا أن يشتري له من فلان ثوب بدينار، وأنه اشتراه منه ودفعه إلى المأمور، وهما ينكران ذلك، فقضى القاضي على الرسول بغرم الدينار، فلا يجوز للرسول أن يرجع بذلك المشهود عليه أنه أمره، لأنه يعلم أنه بريء، وأنه لم يأمره بشيء، ولا وجب له عليه شيء، وإن شهدا أن فلانا أمره أن يزوجه بمائة دينار، وأن يضمنها عنه، وأنه زوجه وضمان عنه، فقضى القاضي بالنكاح وبالصداق، وحكم على الرجل بأدائها، أنه بالضمان فوداها، وهو منكر، وقدم الزوج فأنكر ذلك، فلا يجوز/ للغارم بالضمان أن يرجع عليه، فإن رجع الشاهدان رجع عليهما بذلك.
وقد جرى في معنى هذا الباب في باب الرجوع عن الشهادات في النسب وغيره من هذا الكتاب.
تم الجزء الثاني من الرجوع عن الشهادات والحمد لك كثيرا وصلى الله على سيدنا محمد واله يليه كتاب الدعوى والبينات الأول
النوادر والزيادات علي ما في المدونة من غيرها من الأمهات لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد القيرواني 310 - 386 هـ تحقيق الأستاذ محمد عبد العزيز الدباغ محافظ خزانة القرويين بفاس
بسم الله الرحمن الرحيم وصلي وسلم علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الجزء الأول
من