كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الحسنى، فتركه واستحيى الباقين ليفدى بهم أسارى المسلمين، فأرسل إلى الطاغية فى ذلك، وقد غنم المسلمون لهم بطارقة أكثر من هؤلاء، فأرسل الطاغية أن لا أفدى بالحسنى من ذكرت إلا بالبطارقة الذين أخذت ولا أفدى بالباقين حتى أفدى حتى أفدى بالمأخوذين من بعدهم.
قال سحنون: أما العلج الذى بدل الجسنى فقد أعوزه ذلك فليقتل، وهو ممن يوصف بالنجدة.
وأما الباقون فوخرهم واكتب إلى الوالى بكتابة الطاغية: فإن كان عنده بهم فداء فودى بهم، وإلا قتلوا.
(وفى الباب الذى يلى هذا من معانى هذا الباب).
جامع القول فى الرهائن من العدو
من كتاب ابن حبيب قال ابن الماجشون فى الرهن يرهنهم العدو عندنا فيجوز رهنهم، فهو غدر ممن رهنهم بهم ويصيرون فيئاً لا خمس فيهم ولا مغنم، وهم أنزلوا أنفسهم بهذه المنزلة.
فإن كانوا صغاراً فآباؤهم أنزلوهم بهذا، وقد كان لهم بيعهم ولنا شراؤهم، ولا يقتلهم الإمام وهم رقيق للمسلمين.
قال ابن حبيب: وإذا رهن حربى مستأمن ابنه الصغير أوقريباً له أو أجنبياً عند مسلم فى مال، فإن أسلمه بالمال طوعاً فهو رقيق للمرتهن بذلك.
وإن غدر وخرج إلى بلد الحرب ولم يسلمه ولا ودى كان الرهن بذلك رقيقاً للمرتهن.
قال ابن الماجشون: وإذا أسلم الرهن فذلك مخرج لهم من الرهن.
وإن أسلم عبيدهم بيعوا ودفع ثمنهم إلى المرهونين.
(وإن كانوا للراهن بعث بثمنهم إليه، والمرهونون) فيما لهم وعليهم من دية وحد وميراث بمنزلة المعاهد.
وروى ابن وهب عن مالك أنه سألوه أهل المصيصة إذا رهنوا منهم سبعةً وارتهنوا من الروم سبعةً حتى يفرغ ما بينهما، فأسلم الذين بأيدينا وأبوا الرجوع إلى بلدهم إنهم يردون إليهم.
قال ابن حبيب: قال من لقيت من أصحاب
[3/ 331]
المدنيين: ومعنى ذلك أن الروم حبسوا من عندهم من المسلمين، فيرد هؤلاء يستنقذ بهم أولئك.
فإن رجى خلاص أولئك فلا يرد إليهم هؤلاء.
ولو شرط أن يرد إليهم من أسلم، قال ابن الماجشون وغيره: ولا يوفى لهم بذلك، وهذا جهل من فاعله.
ومن كتاب ابن سحنون قال أشهب فى الرهن وغدر الراهن: فما دام أمر ينتظر وله وجه فليتربص له.
فإن طال ففيه المراجعة، ولهم حكم المستأمنين فيما لهم وعليهم.
فإذا استبيح الأمر الذى كان له الرهن غلق الرهن وذهب الأمان.
قال سحنون: إذا تبين غدر الطاغية الراهن فللإمام أن يسترقهم أو يقتلهم، وهم كالفىء.
وقال سحنون: فإن جنى أحدهم خطأ فإن صح الغدر فالجناية فى رقبته إن بقى.
وإن قتل بطلت.
فإن تم الوفاء فذلك فى ماله وذمته.
قال أشهب: وإن أسلم أحدهم خرج من الرهن ولا سبيل عليه، ومن بقى رهن.
ولو أسلم عبد أحدهم بيع عليه ودفع إليه ثمنه.
وإن كان لغيرهم بعث بثمنه إلى ربه.
قال سحنون: وليس هذا قول مالك، ومالك يرى أن يرد من أسلم من الرسل والرهن، وقاله سحنون مرةً، وقال أيضاً سحنون لا يردون.
وسأله أهل الاندلس إذا رهنوا أولادهم وقد صالحناهم إلى خمس سنين فأسلموا، فقال ابن القاسم: يقول: إن شرطوا رد من أسلم فليردوا.
وكذلك العبيد.
وقال غيره: لا يردوا.
وإن كانوا عبيداً أعطوا قيمتهم.
فإن لم يشترطوا رد من أسلم فمن أصحابنا من يرى ردهم ومنهم من لا يرى ردهم.
وإن نكثوا فالإمام مخير فى الرهن فى إبقائهم لما يرى من المصلحة وإمضاء الصلح لضعف المسلمين فعل ذلك.
وإن فسخه لقوة المسلمين وكثرة غدر العدو كان الرهن فيئاً، إن شاء قتل أو باع.
وأنكر ما قال عبد الملك أنهم لا يقتلون.
قال: والإمام فيهم مخير.
وإن لم يشترطوا أنهم لنا إن نكثوا فذلك سواء.
ولكن إن كانوا صغاراً لم يقتلوا (وهم فىء.
[3/ 332] وقال عبد الملك: إن شرطنا للرهون إنا نقتلكم بنكث أصحابكم فذلك لنا.
وليس لنا ذلك فى الصغار) وإن شرطناه.
قال سحنون: ولو بلغ الصغار ثم نكث الروم لم يجز قتل من بلغ إذ كان دمهم قبل ذلك لا يحل.
وكذلك لو بلغوا مجانين.
ولو كان فى الره مجنون لم يقتل.
وإما الراهب والشيخ الزمن فيقتل لأنه لما رضى أن يكون رهناً فقد أباح دمه.
ومن كتاب ابن سحنون قال: إذا رهنوا ورهانهم فقتلوا رهننا فقد غلق رهنهم ولا أمان لهم ولا للرهن.
قلت: قال بعض أصحابنا إن أخذ الرهن منهم حسن على وجه النظر وإن شرطنا عليهم إن غدرتم أو خالفتم فلنا أن نقتل الرهن أو نسترقه.
قال لا يجوز هذا الشرط ولا يلزم، ولا يقتل ولا يرق.
وإن شاء أبقاه رهناً أو رده.
قال سحنون: ليس هذا قولنا والشرط لازم.
جامع القول فى الرسل من أهل الحرب
وهل يقاتلهم والرسل عندنا؟
ومن كتاب ابن حبيب وهو لأشهب فى كتاب ابن سحنون قال: والسنة تأمين الرسل أن لا يهاجوا ولا يخرجوا ما دام لما أرسلوا وجه وانتظار جواب، ولهم فى هذه الحال فيما لهم وعليهم ما يحدثون ويحدث فيهم وفى دمائهم ومواريثهم مثل حكم المستأمنين.
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا جاء الرسول لفداء أو لحاجة فالإمام مخير: إن شاء رده إلى مأمنه ولم يسمع منه شيئاً، وإن شاء أمنه وسمع منه حسب ما يراه أحوط على المسلمين.
قال ويترك الرسل فى حاجتهم بقدر قضائها، فإذا فرغ منها ومن بيع تجارته خرج.
وإن استبطأه الإمام أمر بإخراجه.
فإن كان له دين
[3/ 333]
مؤجل فلم يكن له أن يبيع إلى أجل.
فإن كان قريباً انتظر.
وإما البعيد ومثل السنة، فليؤمر بالخروج.
فإن شاء وكل، أو يقدم إذا حل.
قيل: فإن لم يشترط عليه قدر المقام فقال: ما ظننت أنكم تجعلونى، وقد بعت إلى أجل، قال ما علمت أنه يشترط عليه مقاما.
قال: وليفعل الإمام ما ذكرنا.
فإذا جاء لحلول الدين لم يدخل إلا بأمان مؤتنف.
فإن دخل بغير أمان لم يبح لأن لذلك أصلاً وشبهة، ولا يمنعه الإمام من الدخول لدينه إلا ان يقبضه فيدفعه إليه.
قال سحنون: وإذا جاء إلى العسكر ببلد الحرب حربى بأمان، أو رسول استدل أنه رسول، فرأيا عورةً أو خيف ان يرياها فليس للإمام حبسهما بعد انقضاء ما دخلا فيه، وقد يطول إصلاح تلك العورة، ثم قال عاودنى فعاودته، فقال ان كان إصلاح العورة إلى قريب فعله.
وإما إلى بغيد فلا، ثم قال: عاودنى.
قال ابن سحنون: وأرى إلا يخليهما حتى يأمن من ذلك الأمر ولا يقبل منهما يميناً أنهما لا يخبران بما علماأو حلفا أنهما لم يعلما فلا يخيلهما لأن فى ذلك هلاك الإسلام، ولكن لا يحبسهما فى قيد ولا غل، وليوكل من يحرسهما.
فإن حضر قتال وخاف الشغل عنهما فليقيدهما.
فإذا زال القتال حلهما وجعل من يحرسهما.
فإذا قفل إلى أرض الإسلام مضى بهما حتى يصل إلى موضع يأمن منهما.
فإن أطلقهما ببلد الإسلام، ثم سألاه مالا يتحملان به، فليعطهما مالا يبلغهما إلى الموضع الذى اكرههما فيه الرجوع.
فإن خاف عليهما، بعث معهما من يبلغهما إلى خبرهما إذا كان يأمن فيه على المسلمين، (وإلا فليس عليه أن يبلغهما إلا إلى أدنى موضع يأمن فيه على المسلمين) وليخرج ما يعطيهما من ذلك المغنم لأنه لمصلحة الجيش حبسهما، إلا ان يقسم فيعطيهما من بيت المال.
وكذلك فى الإنفاق عليهما.
[3/ 334]
ومن كتاب ابن حبيب قال: وإذا وجدنا الرسول مرتداً فليستتب ولا يرد إليهم.
وان وجد عبداً لمسلم أبق إليهم أو غنموه فهو لمرسله، فإن كان العبد مسلماً بعث بثمنه إليهم.
وكذلك إن كان مرتداً ويستتاب.
وإن كان نصرانياً فله الرجوع.
وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ، وقاله ابن القاسم وأشهب إلا أن ابن القاسم قال: إن أمنوه وهم يعلمون أنه مرتد ترك.
وخالفه الباقون، وقولهم أقوى.
وإن وجد الرسول ذمياً نزع إليهم أو سبى فإنه يمتنع بالرسالة ولأنه صار حربياً.
وإن ألفى الرسول عليه ديون وحقوق للمسلمين أو فى يديه حر مسلم حكم عليه (فى ذلك بحكم الإسلام.
وكذلك فيما أحدث من زنا أو شرب خمر وفاحشة كالحربى المستأمن.
وإن أسلم) الرسول لم يرد إليهم، يريد ابن حبيب: هذا فى غير قول ابن القاسم.
(قال: وإن أراد الرسول المقام ورفض ما أرسل إليه فيه لم يكن من ذلك).
ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: قيل: فإن أرسل إلينا العدو رسلاً أنغير على العدو والرسول عندنا قبل ان ينعقد الصلح؟ قال: إن كان ذلك عندهم أماناً (قد عرفوه منكم فلا تهاجموا.
وإن كانت رسلكم عندهم فهو كذلك.
فإن لم يكن ذلك عندهم كالأمان).
فلكم ان تغيروا عليهم ان أمنتم على رسلكم.
فإن خفتم عليهم فلا تفعلوا.
وإذا قدم حربى بأمان ومعه سلاح، وقد كانت الرسل تقدم ومعها السلاح، فلا ينزع منهم.
ونزع النبى صلى الله عليه وسلم سيف عمير بن وهب إذ قدم.
وما اشتروا من سلاح وخيل فلا يتركوا يخرجون به ولا يباع منهم.
[3/ 335]
فيمن أسلم من حربى أو مستأمن على شىء فى يديه
من مال لمسلم أو لذمى أو على استرقاق حر مسلم أو ذمى استأمن على ذلك
ومن كتاب ابن سحنون وابن حبيب: (روى أن النبى عليه السلام قال: من أسلم على شىء فهو له.
قال ابن حبيب): فإذا أسلم الحربى أو كان مستأمناً عندنا فأسلم فلم يختلف مالك وأصحابه أن ما بيده (من أموال المسلمين أنه له دون أصحابه لهذا الحديث.
وأما ما كان بيده) من حر أو من أحرار ذمتنا فليطلق ولا سبيل عليه ولا ثمن.
وكل ما بيد من أسلم من أموال المسلمين فهو له إلا أن يتنزه عنه متنزه.
وقد كره مالك ان يشترى ذلك منه أومن معاهد وإن لم يعرف صاحبه من المسلمين.
وذكر ابن سحنون عن أبيه ان ما بيده من مال مسلم فهو له، وكل من بيده من حر مسلم فلا سبيل عليه.
واختلف فى احرار ذمتنا، فابن القاسم يراه رقاً له، وأشهب يراه حراً.
قال ابن حبيب: وما وجدنا بأيدى المستأمن من حر مسلم جبر على أخذ قيمته فى قول عبد الملك ومطرف، وروياه عن مالك.
وقاله ابن نافع وخالفهم ابن القاسم، وقد ذكرنا هذا فى باب آخر.
ولا يؤخذ منهم ما أحرزوا من مال المسلمين إلا بثمن وطوع.
وكذلك من بأيديهم من أحرار ذمتنا.
وقال ابن المواز: لا يعرض للمستأمن عندنا فيما بأيديهم من متاع المسلمين ومن عبيدهم، ولا أحرار مسلمون وذ ميون ومكاتبون ومدبرون، يريد وأمهات وأولاد، قال: وله بيع ما شاء من ذلك وأخذ ثمنه أو الرجوع به بعد أن يغرم ما نزل عليه، يريد: على قول ابن القاسم وروايته.
وعبد الملك يرى ان يعطوا قيمة المسلمين الأحرار وإن كرهوا.
[3/ 336]
قال ابن المواز: فأما إذا أسلم المستأمن والحربى فلا حق له فى كل من بيده من حر مسلم ويخرجون من يده بلا عوض، لم يختلف فى ذلك.
واختلف فى الذمى الحر فرآه ابن القاسم رقيقاً له.
وقال أشهب: لا يرق ويرجع إلى ذمته بلا ثمن.
وأما كل مال لمسلم فهو له حلال إذا أسلم عليه، فلا يؤخذ منه إن عرفه ربه، ولا بالثمن إلا بطوعه.
وكذلك فيمن بيده من عبد لمسلم أو ذمى، وإنما ينزع من يده الحر والحرة من المسلمين.
وأما أم الولد فلترد إلى سيدها ويتبع بقيمتها.
وأما الحر الذمى فقد اختلف فيه كما ذكرنا.
ومن العتبية روى سحنون عن ابن القاسم فى العدو يغلبون على مدينة للمسلمين فاسترقوا الأحرار، ثم راسلونا على أن يسلموا أو يؤدوا الجزية على أن لا يعرض لهم فيما ملكوا من الأحرار من مسلم ومسلمة وذرية، ومال، قال: إن قوى عليهم المسلمون فلا يجيبوهم إلى هذا إلا أن يرضوا بالأموال فقط، فهو سهل إذا كان لا ينالونهم إلا بقتل من المسلمين.
وإن علم أنهم لا يقوون عليهم فذلك لهم.
وهم كالروم لو طلبوا الإسلام على هذا فإنا نجيبهم.
وكذلك من لا يطمع بهم.
فأما إذا جابوا إلى الإسلام وهو بأيديهم فليعتقوا عليهم لإسلامهم.
وان لم يسلموا وصالحوا على الجزية، لم تؤخذ منهم إلأموال، ولكن يباع عليهم العبيد المسلمون كمن أسلم بيد الذمى.
وأما الأحرار فليدفع إليهم قيمتهم من بيت المال ويخرجوا أحراراً.
وذكر ابن سحنون عن أصبغ فى أمير الجيش إذا صالح حصناً أن يخرجوا إلى أرض الإسلام على اداء الجزية على ان يسترقوا من بأيديهم من أحرار المسلمين، وفعل هذا جهلاً، قال قد أخطأ وللإمام ان يعطيهم قيمتهم من بيت المال ويطلقهم أحراراً.
[3/ 337]
ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: وكل من أسلم من الحرب وقد غلب قبل إسلامه على شىء من مال مسلم أو معاهد أو محارب فهو له، كان قائماً أو مستهلكاً.
وإما الدين فمن كان له ربا فلا يأخذ إلا رأس ماله.
وما كان له من خمر أو خنزير فلا شىء له، يريد: كان لمن أسلم ديناً يربى على نصراني أو كان خمراً.
وان كان الدين عليه لم يلزمه كما لو كان بيده مال مسلم.
وقال سحنون فى المكاتبين فى كتابة يغلب العدو على احدهما، ثم يسلمون عليه، فلتقض الكتابة عليهما، ثم يقال لهما اجمعا بينهما فى ملك، يبيع احدهما ما صار على عبده من الكتابة، أو بيعا كتابتهما من رجل واحد ثم يقسم الثمن بين السيدين بقدر ما ثبت من كتابة كل واحد.
فى أهل الحرب يسلمون
ثم يطالب بعضهم بعضاً بالحقوق
من كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا أسلم قوم من أهل الحرب وقد نال بعضهم من بعض، ثم تخاصموا فى ذلك بعد الإسلام، فكل ما تقدم بينهم من غضب أو استهلاك فساقط عنهم، أسلموا طوعاً أو كرهاً.
وكل معاوضة بينهم بفساد من نكاح أو بيع خمر أو خنزير ونحوه وتقايضوا فيه فلا يراجع بينهم بسببه.
قال ابن حبيب: وإذا أسلم قوم من الحربيين، فإن كانوا إنما سبوا، فإن ما كان لبعضهم على بعض قبل السبى من حق ودين وجناية وغضب وكل تباعه فهدر، وإن أسلموا بعد ذلك وعتقوا.
وإما إن دخلوا إلينا بغير سبى لكن متطوعين، إما مسلمين أو ليقيموا على ذمة، فلهم اتباع بعضهم بعضاً بذلك إذا كانوا هم ألزموها انفسهم يومئذ، وسواء بقوا على ذمة أو أسلموا، كان فى ذلك
[3/ 338]
من ثمن خمر أو ربا أو بيع أو قرض أو مهر أو غيره.
وأما ما غضب بعضهم بعضاً بدار الحرب أو جناية لبعضهم على بعض فذلك هدر كله.
فى عبد نصرانى لمسلم أحرزه العدو
ثم أسلم العبد وخرج إلينا
من كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا احرز العدو عبداً نصرانياً لمسلم فأسلم ثم خرج إلينا، فأنه يرد إلى سيده كما لو غنمه المسلمون لرد إليه، وليس كما أسلموا عليه.
فإن لم يعرف سيده بعينه وعرف أنه لمسلم، فقال أصبغ: يصير كالفىء فى مثل من وجد بساحلنا من العدو.
وقال سحنون: لا حق لأحد فيه، وهو كعبد يعرف ربه، لا سبيل لأحد عليه حتى يأتى سيده.
وقا أصبغ فى المسألة الأولى: إن كان العبد عندهم بمحل الأسر والقهر فالأمر على ما قلنا.
وان كان حارب معهم الإسلام وصار منهم ومن أعدادهم لا يبالى كان عندهم على الملك أو على الحرية ثم أسلم (وخرج، فهذا حر لا يأخذه ربه لأنه لحق بالحرب وصار من أهله وصار كعبيدهم، سواء أبق أو أسر.
وقال) سحنون: هذا غلط ولا أراه حراً.
فيمن أسلم وله دين من ربا أو عليه
أو له دين من خمر من بيع أو نكاح
من العتبية روى عيسى عن ابن القاسم قال: وإن تسلف نصراني من نصرانى خمراً أو خنزير ثم أسلم الذى عليه الدين فليغرم قيمة الخمر والخنازير.
وإذا أسلمت النصرانية وقد قبضت فى صداقها خمراً أو خنازير، فإن فات ذلك عندها ردت قيمته.
ولو لم يفت ذلك لردت القيمة وكسر عليها الخمر ويقتل
[3/ 339]
الخنازير.
وإذا أسلم نصرانى وعليه خمر وخنازير من سلم فليرد رأس المال إلى ربه.
ولو أسلم الطالب فإنه يؤخذ الخمر والخنازير من الآخر ويهراق الخمر على المسلم ويقتل الخنازير وتغيب بموضع لا يصل إليها النصرانى.
ولو رضى المطلوب ان يرد عليه رأس ماله عيناً فذلك جائز.
وإن أسلم إليه ديناراً فى دينارين ثم أسلم فليس على المطلوب غير دينار.
وإن أسلم الطالب فلا يأخذ إلا ديناراً.
ولو أسلم المطلوب لودى دينارين.
وإذا أسلما وقد أسلفه خمراً أو خنازير فلا شىء له عليه.
وان تزوجت بخمر وخنازير وقبضت ذلك، ثم أسلما قبل البناء، فأحب إلينا أن يعطيها ما يستحلها به قبل أن يبنى بها.
قال عيسى: وقد اختلف فيه وأحب إلى أن يعطيها ربع دينار.
وإذا لم تكن قبضت شيئاً فليعطها صداق (المثل ان لم يكن بنى بها والنكاح لازم.
ولو بنى بها وقد قبضت ذلك ثم أسلم فلا شىء عليه).
ولو كان بنى بها ولم يدفع إليها ذلك ثم أسلم فليدفع إليها صداق المثل.
فى الصلح والهدنة بيننا وبين أهل الحرب
على الجزية أو على غير الجزية
من كتاب ابن المواز: وإذا طلب منا أهل الحرب الهدنة على قطع الحرب (بيننا وبينهم على مال يعطوناه فى كل عام ونؤمنهم براً وبحراًن فإن علماءنا يكرهون ذلك).
ولقد طلب الطاغية ذلك إلى عبد الله بن هارون، وبذلوا مائة الف دينار كل عام.
فشاور الفقهاء فقالوا له: إن الثغور اليوم عامرة، فيها أهل البصائر، وأكثرهم نازعون من البلدان، فمتى قطع عنهم الجهاد تفرقوا وخلت الثغور للعدو، والذى يصيب أهل الثغور منهم أكثر من مائة الف، فصوب ذلك ورجع إلى رأيهم.
[3/ 340]
وقال عبد الملك فيما كان من هدنة الروم وما ضرب عليهم المهدى من الجزية، قال: فكره ذلك علماؤنا وقالوا: لم يكن هذا فيما مضى.
قا ابن المواز: ولا تقبل الجزية إلاممن (يجرى عليه حكمنا وسلطاننا.
فأما وهم فى عزهم وسلطانهم، فلا) ينبغى ذلك، ولعلهم إنما يريدون سد ما انثلم من حصونهم وعورتهم نحو هذا.
قال عبد الملك واحتج عليه بمهادنة النبى صلى الله عليه وسلم لأهل مكة فقال: كان ذلك أصلح فى وقته لقلة أهل الإسلام ليكثر العدد والعدة حتى أعلى الله الإسلام.
قال ابن حبيب قال ابن الماجشون: وإذا كان الإمام على رجاء من فتح حصن لم ينبغ ان يصالهم على مال.
وإن كان إياس منه لضعفه أو لأمتناعهم أو لما يخاف أن يدهمه من العدو فليفعل، وليس يحرم عليه أن يصبر عليهم إن كان ذا قوة.
وإذا بذلوا الجزية فإن كانوا بحيث ينالهم سلطاننا وإلا لم تقبل منهم إلا ان ينتقلوا إلى بلد الإسلام، أو يكون المسلمون قد حازوا ما خلفهم وما حولهم واستحوذوا عليهم فلتقبل منهم.
وقاله مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ وهو قال مالك.
وقال نحوه ربيعة: أنهم إن كانوا بموضع لا يقدر على أخذها منهم إن منعوها فالمسلمون بالخيار: إن شاءوا قبلوها منهم أو قاتلوهم.
قال ابن حبيب: ولا بأس أن يصالحوا على غير شىء يؤخذ منهم، وقد صالح النبى صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على غير شىء.
قال ابن حبيب: وما صولح به أهل الحصن من مال أعطوه إلى الجيش الذى نزل عليهم، فإنما هو مثل مال الجزية لا خمس فيه لأنه ليس بمغنم لأهل الجيش.
قاله لى أهل العلم وقاله ابن القاسم.
[3/ 341]
قال ابن سحنون: ولا بأس أن يصالح أهل الحرب على أن يبيعوا فى الجزية من شاءوا من أولادهم ونسائهم وصغارهم ومن قهروه من كبارهم ان كان شرط فى العهد مع بطارقتهم، وإن لم يكن شرط فى العقد فلأولادهم من العهد مثل ما لهم وكذلك لضعفائهم ولجميعهم، وقاله مطرف وابن الماجشون وغيرهما من أصحاب مالك.
ورووه عن مالك فيمن قدم إلينا منهم: فلا بأس أن يبتاع منهم أبناءهم ونساءهم إلا أن يكون بيننا وبينهم هدنة فلا يجوز ذلك، كانت الهدنة إلى عام أو إلى عام ين أو إلى غير مدة، إلا أن يكون شرطوا ذلك وعقدوا عليه هدنتهم.
قال ابن حبيب: سواء علم أهل مملكة البطريق بما شرط أو لم يعلموا.
وذكر ما ذكر ابن سحنون من صلح أبى موسى لأهل مدينة ملكها على أن يؤمن ثمانين رجلاً ولم يذكر نفسه.
وذكر سحنون الإختلاف فى هذا، واختار ان مجرى القول فى هذا أنه أمن مع الثمانين.
وهذا مذكور فى الجزء الأول، وفيه ذكر بذل الجزية مستوعباً.
وإذا صالحوا على جزية تؤخذ منهم كل سنة أو كانت سنين مسماه، فأسلموا بعد تمام سنة وقبل أن يؤدوا ما عليهم فيها فإنه يسقط عنهم ما مضى وما بقى.
وكذلك من أسلم من أهل الجزية بعد تمام سنته وقبل أن يؤديها، قاله مالك وأصحابه.
ذكر ما يبيح دم الذمى مما يشبه النكث
من كتاب ابن حبيب: روى عن عمر فى ذمى اغتصب مسلمة أنه يقتل، وهو كنقض العهد.
وروى عنه يهودى دهس ناقةً عليها امرأة فوقعت فإنكشفت، فضربه ابنها بالسيف فقتله فأهدر عمر دمه.
وروى عنه أن نصرانياً
[3/ 342]
نخس بغلاً عليه امرأة يعنى: مسلمة، فوقعت فإنكشفت (عورتها، فكتب ان يصلب فى ذلك الموضع.
وقال إنما عاهدناهم على اعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون.)
قال ابن حبيب: فإذا غصب ذمى مسلمة قتل ولها الصداق من ماله، والولد على دين أمه، والولد مجذوذ النسب.
ولو أسلم الاب لم يقتل لأنه إنما كان يقتل لنقض العهد لا للزنا، ولا يلحق به
الولد وعليه الصداق.
وقاله كله أصبغ.
فى أهل الذمة ينكثون العهد وفى سبى ذراريهم.
من كتاب ابن حبيب قال الأوزاعى فى الذمى يهرب إلى أرض الحرب ويدع ذريته: أنه لا سبيل عليهم.
ولو خرج بهم وحارب عليهم فهم فىء.
ومن العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم فى أهل الذمة ينزع رجالهم فيحاربونا فيظفر بهم، هل يسبى نساؤهم وذراريهم ومن زعم من ضعفاء رجالهم مكره ومن يرى أنه مغلوب على أمره؟ قال إن كان الإمام عدلاً قوتلوا وقتلوا وسبى ذراريهم ونساؤهم وأبناؤهم المراهقون والأبكار وهم تبع لهم.
وأما من يرى أنه مغلوب على أمره مثل الكبير والضعيف والزمن فلا يعرض لهم بقتل ولا رق ولا غيره.
وإذا قاتلونا وظفرنا بالذرية قبل ظفرنا بهم فلا بأس أن نسبيهم إذا كان الإمام عدلاً ولم ينقموا ظلماً.
قال: ولو نقضوا ومضوا إلى بلد الحرب وتركوا الذرية لم يجز سباؤهم.
ولو تحملوا معهم ثم ظفرنا بهم جاز سباؤهم.
وهذا فى الإمام العادل.
فأما إن لم يكن عادلاً ونقموا شيئاً يعرف فلا يقاتلوا.
ولو ظهر عليهم فى تلك الحال لم يسترقوا ولم تسب لهم نساء ولا ذرية وردوا إلى ذمتهم.
وكذلك لو تحملوا بذراريهم إلى أرض العدو، ولم يستحل منهم شىء على هذا إلا أن يعينوا علينا المشركين بعد دخولهم إليهم ويقاتلوا معهم فيسلك بهم مسلك الحربيين فيهم وفى ذراريهم ونسائهم.
[3/ 343]
وقال عنه يحيى بن يحيى فى ناس من أهل الذمة هربوا ليلاً، فأدركتهم خيل المسلمين وقد دخلوا أرض العدو فقسموا وخمسوا، ثم ادعوا أن ما فعلوا خوفاً من البيع والظلم، وكان بجوارهم قوم من العرب أهل استطالة وظلم وقهر لأمثالهم، ومن مثلهم من يهرب ويخاف، ولكن لا يعرف ما خافوا منهم وهل أريد ذلك منهم، قال: إن عرف تصديق دعواهم فى ناحية ما شكوا الظلم من جيرانهم وقدرتهم على ما يخاف منهم وسوء حالهم وما يرتكبون به من جاورهم، آخرجوهم كرهاً أو كانوا بأيديهم على قهرة وظلم، فأرى أن يصدقوا ولا يستحلوا ولا يسبوا، ويردهم الإمام إلى ذمتهم إن كان الذى يلى ذلك يقوى على دفع الظلم عنهم من هؤلاء ومن غيرهم والوفاء لهم بعهدهم، وإلا فليدعهم يذهبوا حيث شاءوا من أرض العدو وغيرها.
قال أصبغ: وكذلك إن أشكل أمرهم لا يستحلوا حتى يظهر نكثهم تحت إمام عادل.
ومن كتاب ابن سحنون: وعن العدو يحل بمرسى لنا فيخرج إليهم المسلمون فيهرب إليهم علوج عندنا، منهم من أسلم ومنهم من لا يسلم، فظفرنا بهم وقد علمنا أنهم ارادوا عونهم علينا، قال لا يقتلوا وليحبسوا.
قيل: فإن لم يصلوا إلى حبسهم إلا بأن يثخنوا بالجراح؟ قال فلا ينبغى ان يجرحوا، ولا ينال منهم جرح ولا قتل إلا فى محاربة.
وكذلك من هرب من أحرار ذمتنا.
ولو خفنا أن يطلعوا منا على عورة فيها هلاكنا لم ينبغ أن نثخنهم بالجراح ولكن نحتال فى حبسهم إن أمكن ذلك.
قال يحيى ابن يحيى فى قوم من أهل الذمة كانوا فى ربض مدينة للمسلمين، فلما نزل بها العدو مع رجل من المسلمين قادهم إليها هربوا إلى العدو طائعين ثم ظفرنا بهم.
قال: إن كان ذلك عن ظلم ركب منهم فلا يباح منهم دم ولا مال، وإن لم ينل منهم ظلم ولا خافوا ذلك من ناحية من عرف بالظلم، فأنهم إن أصيبوا بعد أن وصلوا إلى أرض الحرب فقد حلوا.
[3/ 344]
وقال: ولو وجدوا عند هذا المسلم الذى ساق العدو إلى المسلمين وقالوا نحن لم نأو إلى العدو ولا إلى أرضهم ولكن صرنا إلى هذا المسلم وإن أحدث خلافاً وبغياً، قال لا يستحلون بهذا ولهم بذلك شبهة ما كانوا ببلد الإسلام.
وقال ابن القاسم فى أهل الذمة ببلد المسلمين، فظفر بها العدو وأقام بها أهل الذمة وتليهم مدينة آخرى للمسلمين يغزونهم ويغيرون عليهم، فذكروا أن أولئك الذميين يتجسسون عليهم يطلبونهم مع العدو فيستنقذوا ويقتلوا، فإذا ظفرنا بأحدهم قالوا نؤمر بهذا ونقهر عليه ونخاف القتل إن لم نفعل، ولا يعلم ما ادعوا من القهرة والخوف إلا بقولهم، فما ترى فيمن ظفرنا به منهم؟ قال: إما من قتل منهم مسلماً فليقتل.
ومن لم يقتل ولكن يطلب مع العدو ويستنقذ الغنيمة ونحو هذا، فلا يقتل ويطال سجنه.
قال وإن وجل لهم أجلاً فى الرحيل من عند العدو فجاوزوه وأغاروا معهم علينا وسبوا وأسروا وزعموا أنهم منعوا من الرحيل وأمروا بما فعلوا ولا يعرف ذلك إلا بقولهم، قال: إن تبين ما قالوا لم يستحلوا.
قال: ولو أن أهل ذمتنا سرقوا لنا سرقات فأخفوها حتى نكثوا وحاربونا، ثم صالحناهم على أن رجعوا إلى ذمتهم من غير الجزية التى كانت عليهم وتلك السرقات فى أيديهم، قال: فلا يؤخذ منهم ما وقع الصلح وهو بأيديهم، إلا أن للإمام أن يخيرهم فى ردها طوعاً أو نقض الصلح والحرب، إلا أن يشترطوها فى صلحهم فلا كلام له.
وأما ما أخذوا فى حال حربهم فلا خيار للإمام فيه بعد الصلح.
قال ابن القاسم فى ناس من أهل الذمة ركبوا البحر بأموالهم وذراريهم أو بأبدأنهم فقط مع عبيد استألفوهم أو بغير عبيد، وذلك بغير إذن الإمام، وتساحلوا فى البحر يرتادوا طيب ريح لغير ذلك فظفر بهم، أيستباحون بذلك؟ قال: لا هم ولا أموالهم، وقد يقولون أردنا انتجاعاً إلى بلد لمير أو لمرفق.
قال ولو لججوا
[3/ 345]
فى البحر حتى ينقطع عنهم مثل هذا العذر ما استحلوا بهذا حتى يلحقوا بدار الحرب ويصيروا فى منعهم فحينئذ.
قال ابن المواز عن ابن القاسم فى قوم من أهل الذمة: إذا قطعوا الطريق وقاتلوا على العصبية قظفر بهم فليحكم فيهم بحكم المحاربين من المسلمين.
وأما إن خرجوا نقضاً للعهد ومنعاً للجزية من غير ظلم ظلموا به، فإن كان الإمام عدلاً قوتلوا ويكونون فيئاً.
وقال أشهب: لا يكونون فيئاً ويردون إلى ذمتهم، ويقتل منهم من قتل ويجرح من جرح.
ومن كتاب ابن المواز ذكر نحو ما تقدم وقال: وقف ابن القاسم عن القتل فيما كانوا قتلوا أن يستقاد منهم وقال فيه: لا أدرى.
قال أحمد بن ميسر: لا يؤخذ منهم أحد بما قتل فى مصاف ولا غيره.
ومن كتاب ابن حبيب: روى أن قوماً من المسلمين لجأوا إلى حصن لأهل الذمة، وهم شاتون فلم يفتحوا لهم فباتوا فمات بعضهم من البرد، فاستبحاهم عمر ورآه نقضاً للعهد.
قال ابن القاسم: إذا حارب أهل الذمة والإمام عدل فليستحل بذلك نساؤهم وذراريهم.
وإما من يرى أنه مغلوب منهم أو من زعم من ضعفاء رجالهم من شيخ كبير وذوى زمانة أنه استكره فلا يستباحوا بذلك ولا يسترقوا.
وقال أصبغ: كلهم مستباحون لنقض أكابرهم كما صلحهم صلح عليهم، وقاله الأوزاعى وابن الماجشون، وهو أحب إلى.
قال ابن الماجشون: وكذلك فعل النبى صلى الله عليه وسلم فى قريظة وغيرها: إنما يقوم بالأمر رجالهم وأكابرهم من حرب وعقد وصلح، فيجرى ذلك على الجميع.
قال ابن القاسم ولو ظهر على الذرية قبل أن يظهر على الأباء لا يستحلوا أيضاً.
[3/ 346]
قال: وإن كان الإمام غير عدل أو نقموا ظلماً به يعرف فلا يقاتلوا.
وإن قوتلوا وظفر بهم لم يستباحوا بسبى ولا أخذ مال، ولم يسترقوا ويردوا إلى ذمتهم، وصلوا إلى دار الحرب أو لم يصلوا.
قال أصبغ: وكذلك إن لم يعرف أنهم ظلموا بشىء إلا الإمام جائر والظلم الغالب فى البلد، كما أن بيع المضغوط عندى عند الإمام الجائر لا يلزمه.
وإن كان قبل أن تحل به عقوبته.
وقول أشهب لا يسترق الذمى بنقض العهد ويرد إلى ذمته، وانفرد بهذا أشهب.
قال ابن القاسم عن مالك: إن خرجوا عن ظلم فلا يقاتلوا وإن قتلوا المسلمين فى مدافعتهم.
قال ابن الماجشون وذلك ما احتجروا فى دارهم فلا يقاتلوا ما لم يخرج ذلك منهم إلى الغياثة والخروج على المسلمين والفساد فى الارض.
فإن فعلوا هذا جوهدوا وصاروا فيئاً.
وقال مثله مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ وغيره.
قا ل مطرف وابن الماجشون فى بلد صولح أهلها على اداء الجزية، فجعل الإمام عليهم ولاةً لجباية ذلك، فيستحلون نساءهم ويظلمونهم ويبيعون أولادهم، فيقومون من العمال فيقاتلونهم وينقضون العهد ويمنعون بلادهم: فلا ينبغى أن يقاتلوا ولا يجاهدوا ولا يسبوا (إذا لم يخرجوا على المسلمين ولا قتلوهم.
وأما إن خرجوا ودخلوا بلد الإسلام وقتلوا وسبوا فليجاهدوا ويستباحوا ويسبوا).
ووقف مالك فى قتال الحبشة حين خرجوا بدهلك وقال: إنى أخاف أن يكونوا ظلموا بشىء، ولم يزل المسلمون يغزون الروم وقد ترك هؤلاء، فلا أدرى أتركوا عن شىء كان منهم، فلا ينبغى أن يقاتلوا حين خرجوا حتى يكشف الأمر.
فإن كان عن ظلم ركب منهم تركوا.
وإن لم يكن عن ظلم حل قتالهم.
قا مطرف وابن الماجشون: وان دفعوا عن انفسهم لظلم نيل منهم ثم تعدوا وغزوا المسلمين فليقاتلوا ويستباحوا.
وقاله ابن وهب وابن نافع وابن عبد الحكم وأصبغ وغيره.
[3/ 347]
ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا نقض أهل الذمة العهد بعد ان سرقوا لنا أموالاً وعيبداً فحاربونا، وذلك فى أيديهم ثم صالحونا على أن يعودوا ذمة، قال: يوفى لهم.
فإذا لم يطلعوا على تلك السرقات إلا بعد الصلح، فللإمام أن يخيرهم: أما ردوها أو يرجعوا إلى حالهم من الحرب، إلا أن يشترطوها فى الصلح.
وهذا بخلاف ما أخذوا فى حين حربهم: هذا لهم ولا خيار للإمام فى نقض الصلح بهذا.
القول فى المرتدين
وهل يسبون ويغنمون فى الردة أو فى النكث؟ وإذا تأبوا هل يؤخذون بما جنوا؟ وشىء من ذكر المحاربين وشىء من نكث المعاهدين
من كتاب ابن حبيب قال: وبلغنى عن ربيعة أنه قال فى قوم اتونا بأولادهم ونسائهم فأسلموا، ثم تركوا الإسلام ورجعوا إلى بلدهم فأدركناهم فأسرنا منهم وقتلنا: أنه يستتاب كبار من نفى.
فإن تأبوا وإلا قتلوا.
وكذلك من كان قدم صغيراً فبلغ بدار الإسلام وأسلم.
ومن لم يبلغ إلان منهم ورجعوا به فأنه يسترق ولا يقتل ولا يستتاب.
وإما من ولد وأبواه مسلمان ولم يبلغ إلان فأنه إذا بلغ يستتاب، فإن أبى قتل.
وقاله ابن الماجشون.
وقال ابن القاسم: هم كالمرتدين فى المال والدم، ويجبر صغارهم على الإسلام إذا بلغوا من غير استتابة.
وقال أصبغ: ليسوا كالمرتدين، وهم كالمحاربين لأنهم جماعة، فهم كأهل النكث (لأن المرتد انما هو كالواحد وشبهه.
[3/ 348] قا ابن حبيب: ليس قول أصبغ بحسن، وانما أهل النكث) أهل الذمة، ونحن نسترقهم إذا ظفرنا بهم، ولعمرى أنه أمر خالف فيه عمر ابا بكر فى أهل الردة من العرب: جعلهم أبو بكر كاناقضين، فقتل الكبار وسبى النساء والصغار، وجرت فيهم المقاسم وفى أموالهم.
وسار فيهم عمر السيرة فى المرتدين/، فرد النساءوالصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد، فلهم حكم الإسلام إلا من تمادى بعد بلوغه، والذين كانوا أيام عمر لم ياب احد منهم الإسلام.
وعلى هذا جماعة العلماءوأئمة السلف إلا القليل منهم، فأنهم أخذوا فى ذلك برأى أبى بكر أنهم كالناقضين، وبه قال أصبغ.
وذهب ربيعة وابن الماجشون وابن القاسم إلى فعل عمر فى ذلك، وبه نقول وعليه جماعة أهل العلم.
(ومن كتاب ابن سحنون قال ابن القاسم وإذا نزل عندنا من تجار الحربيين احد بأمان فذهبوا بعبيد لنا ابقوا إليهم أو غلبوا عليهم ثم عادوا إلينا بأمان أخذناهم منهم ولو قدم بهم غيرهم لم نأخذهم).
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم فيمن لحق بأرض الحرب، فتنصر واصاب دماء المسلمين وأموالهم فى ردته ثم أسلم: فإن ذلك يزيل عنه القتل وكل ما اصاب.
ولو اصاب ذلك قبل يرتد، أقيد به.
وروى مثله سحنون.
وروى يحيى ابن يحيى عن ابن القاسم أنه يقتله الإمام ولا ينظر إلى أولياء من ثتل لأنه كالمحارب، ولا عفو فيه لولى الدم، ولا يستتاب استتابة المرتد فى دار الإسلام، وذكر مثله كتاب ابن المواز.
وروى سحنون عن ابن القاسم فى حصن ارتد أهله عن الإسلام: فليقاتلوا ويقتلوا ولا تسبى ذراريهم ولا تكون أموالهم فيئاً.
قال فى كتاب ابن المواز: وتجبر ذراريهم على الإسلام، وما ولد لهم بعد الكفر فليردوا إلى الإسلام ما لم يكبروا على الكفر.
[3/ 349]
قال محمد بن المواز: ولو خلعت قرية من أهل الذمة ونكثت وقاتلوا وقتلوا، فأنه يستباح نساؤهم وذراريهم وأمولهم بنقض رجالهم وأكابرهم.
قال عبد الملك: إذا ارتدت قرية من المسلمين فقوتلوا فظفر بهم فلا سبيل/على نسائهم وذراريهم وأموالهم لأنهم يقولون: لم نرتد نحن.
ولو كانوا أهل الذمة نكثوا وقاتلوا فظفر بهم، فنساؤهم وذراريهم وأموالهم لهم تبع: يستباح ذلك بنقض رجالهم.
وكذلك فعل النبى صلى الله عليه وسلم فى بنى قريظة وغيرهم، فنساؤهم وذراريهم وحاشيتهم فى العهد معهم.
فلو باعوا منا نساء منهم لم يجز لنا ذلك إلا ان يكون عهدهم السنتين والثلاثة.
ومن العتبية قال أشهب: ومن نقض من أهل الذمة أو ارتد من المسلمين سواء فى إلا تسبى ذرارايهم ولا تؤخذ أموالهم ولا يعودوا إلى رق، وترجع عليهم الجزية.
وروى يحيى عن ابن القاسم فى رسول جاء من قبل الروم للهدنة فإذا هو مرتد قد نزع إليهم ممن كان قد أسلم، قال: ان كان قد أمن وفى له ورد.
ان جاء بغير عهد ولا أمان استتيب.
فإن تاب وإلا قتل.
وان كان أبواه مسلمين أصابهما العدو فولد لهما فى ارض الشرك فتنصر وترك دين أبيه، فإن هذا بخلاف ما ولد لهما فى دار الإسلام، وهذا فىء ان استحيى.
وان رأى الإمام قتله قتله.
وان كان ولد بدار الإسلام فأصابه العدو مع أبويه أو دونهما فتنصر، فهذا يكره على الإسلام بالضرب ولا يقتل، وهو حر لا يسترق، وليس لمن اصابه فيه شىء لأنه فى ارض الإسلام فهو من ابناء المسلمين الأحرار.
ومن كتاب ابن حبيب: والسنة فى المرتد يلحق بدار الحرب فيقتل المسلمين ويزنى ويسرق ثم يتوب أنه لا يؤخذ بشىء من ذلك.
وان فعل ذلك فى دار الإسلام بعد ردته فليؤخذ بذلك وان أسلم.
وإذا مجن مسلم فى دار الإسلام ولحق بأرض الحرب على مجونة فحارب معهم وقتل منا أو لم يقتل: أنه يحكم
[3/ 350]
فيه بحكم المحارب فى بلد الإسلام من القتل والصلب، ويؤخذ فيه بأعظم عقوبة الله فى المحارب، قتل أو لم يقتل، ولا تقبل توبته ولا عفو فيه.
وان ادعى أنه كان فى فعله ذلك مرتداً لم يصدق إلا ببينة، فحينئذ يسن به سنة المرتد فى قبول التوبة وهدر ما كان فعل.
وليس تركه الصلاة بدار الحرب وشربه الخمر بردة حتى يفصح بالردة.
وقاله لى ابن الماجشون وقاله أصبغ عن ابن القاسم.
قال أبو محمد هذا خلاف ما قال ابن حبيب فى موضع آخر ان ترك الصلاة واحدة فهو بذلك كافر.
(ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه فى المرتد) يلحق بدار الحرب فيولد له بها أولاد ويولد لهم أولاد ثم ظفرنا بجميعهم، قال سبيله وسبيل ولده وابنائهم سبيله، لا يسلط عليهم السبى، ويستتاب هو ومن بلغ من ذريته.
فمن لم يتب منهم اجمع قتل، ويكره الصغار منهم على الإسلام.
ومن وقعوا فى سهمه نزعوا منه بغير ثمن، ثم رجع سحنون فقال: من بغ من ولده وولد ولده فإن السبى يأخذهم.
وقيل لسحنون: ربما أخذنا اسارى فيسلمون فيباعون ثم يهربون إلى العدو فينكثون ويقاتلون، فنغنمهم فيسلمون فيباعون، ثم يأبقون فيحاربونا فنغنمهم فيعمل على ربط أفواههم لئلا يسلموا فنمتنع من قتلهم.، وقد صار لهم هذا عادةً.
قال: لا ينبغى هذا ويقبل منهم الإسلام، ويباعون بشرط ممن يخرجهم من ذلك البلد ويبعدهم عنه، فإن لم يجد من يشتريهم على ذلك فليبعث بهم الإمام إلى بلد قاص عن موضعهم.
فإن جاء الثمن وقد تفرق الجيش تصدق به.
ومن كتاب ابن سحنون قال ابن القاسم: وإذا نزل عندنا من تجار الحربيين احد بأمان، فذهبوا بعبيد لنا ابقوا إليهم أو غلبوا عليهم، ثم عادوا إلينا بأمان فأصبناهم معهم فلنا أخذهم منهم.
ولو قدم بهم غيرهم لم نأخذهم.
وبقية القول فى المرتد فى كتاب المرتد.
[3/ 351]
فيمن تخلف ببلد الحرب وحارب المسلمين لم يرتد
من العتبية قال يحيى بن يحيى: قلت لأبن القاسم فيمن تخلف من أهلبرشلونة من المسلمين على إلارتحال عنهم بعد السنة التى اجلت لهم يوم فتحت، فأغار على المسلمين واخاف وقتل وسبى أو لم يقتل وأخذ إلأموال وانما أقامته هناك على الإسلام تعوذاً مما يخاف من القتل إذا ظفر به.
قالوهو كالمحارب من المسلمين فى دار الإسلام.
فإن اصيب فأمره إلى الإمام يحكم فيه بما يحكم فى المحارب.
وإما ماله فلا يحل لأحد، قال: وان كان ما صنع مما يكره عليه ويؤمر به فلا يستطيع ان يعصى خوفاً على دمه فلا اراه محارباً، ولا يقتل ان ظفر به ولا يعاقب إذا تبين أنه يؤمر ويخاف على نفسه.
فى الجاسوس من مسلم أو حربى أو معاهد وشى من معانى النكث
من كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا وجدنا بأرض الإسلام عيناً لأهل الشرك، وهو حربى دخل بغير أمان، أو كان ذمياً أو مسلماً يكاتبهم بعورات المسلمين: فإنا الحربى فللإمام/قتله ول هاستحياؤه كمحارب ظفرنا به، وللإمام أخذ ماله ولا خمس فيه وهو فىء.
فإن أسلم قبل ان يقتل فأنه لا يقتل ويبقى رقيقاً كأسير أسلم.
وإما المسلم يكاتبهم فأنه يقتل ولا يستتاب وماله لورثته، وهو كالمحارب والساعى فى الارض فساداً.
وقال بعض أصحابنا: يجلد جلداً منكلاً ويطال حبسه وينفى من موضع كان فيه بقرب المشركين.
قال: وان كان ذمياً قتل ليكون نكإلا لغيره.
ومنه ومن العتبية قال ابن القاسم: يقتل الجاسوس ولا تعرف لهذا توبة.
[3/ 352]
وقا انب وهب عن مالك فى الجاسوس المسلم على الإسلام: ما سمعت فيه بشىء وليجتهد فيه الإمام، ورواه ابن القاسم عن مالك فى العتبية.
قال ابن سحنون قال ابن وهب: إذا ثبت ذلك عليه قتل إلا ان يتوب.
قال ابن المواز قال ابن القاسمك ان ظاهر على أمور المسلمين بأمر دل به على عوراتهم قتل.
وان لم يكن فيما كان منه مظاهرة على عوراتهم سجن حتى
تعرف توبته.
وقال ابن الماجشون: ينظر فيه، فإن ظن به الجهل وعرف بالغفلة وان مثله لا عور عنده وكان منه المرة ولم يكن عادةً وليس من أهل الطعن على الإسلام فلينكل لغيره.
وان كان معتاداً وتوطأ عليه فليقتل.
ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: وان كان حربى قدم لتجارة فظهر لنا أنه عين للعدو ويكتب باخبارنا فللإمام قتله وأخذ ماله.
وان شاء استحياه ولا أمان له فى نفس ولا مال، لأنه لو طلب المقام/لم يكن له إلا بأمان جديد.
وان قدم للمقأم فأنه يقتل ويرث ماله ورثته.
وكذلك ان كان ذمياً لأن الذمة انعقدت لهم ولأولادهم، فليس غدر احدهم يازم باقيهم.
وكذلك من حارب من اله الذمة يرثه ورثته إذا قتل.
وكذلك ان غصب مسلمة فوطئها قتل.
وإذا عاهدنا قوماً من أهل الحرب على مال أو على غير مال عهداً إلى وقت أو إلى غير وقت، ثم تبين لنا أنهم يدولون المشركين على عوراتنا واخبارنا ويأوون عيونهم وثبت ذلك بالبينة فهذا نكث، ولينبذ إليهم لقول الله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة ً فإنبذ إليهم على سواء)،فالخيانة دون ما فعلوا.
فإما من صالح من المستأمنين، ثم ان احدهم قتل مسلماً من غير ملاء منهم فلا يؤخذون بفعله.
وذلك كمن فعل هذا من أهل الذمة فليقتل القاتل.
قال: ولو وجدنا قتيلاً منا فى قرية من قرى أهل الصلح لا يدرون من قتله فإن لم يكثر
[3/ 353]
ذلك منهم ولم يمتنعوا من الحكم عليهم فيه فليس ذلك ناقضاً للصلح، ويطلبون بذلك كما يطلب غيرهم من أهل الذمة.
وفى هذا ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارثين إلى القسأمة فأبوا فوداه من عنده.
فيمن قتل مؤمناً أو معاهداً خطأ وهو مع أهل الحرب
من العتبية: روى ابن القاسم عن مالك فى قول الله تعالى: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) لم يذكر/فيه دية.
قال: هذا فى حرب النبى صلى الله عليه وسلم لأهل مكة، وفيهم المؤمن لم يهاجر فيصيبه المسلمون، والله سبحانه يقول: (ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا)، وإما قوله: (وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق)، فهذا فى الهدنة التى كانت بين النبى صلى الله عليه وسلم ويبن المشركين أنه ان اصيب مسلم خطأ لم يهاجر فديته على المسلمين إلى قومه.
وقد رد النبى صلى الله عليه وسلم أبا جندل، فكذلك ترد ديته لو قتل خطأ.
وقوله تعالى: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)، يقول: ان حبسوا عنكم مهر امرأة ثم حبستم عنهم مهر امرأة آخرى فادفعوا إلى هذا المسلم ما كان انفق على أمرأته التى هربت إلى الكفر، وذلك قوله سبحانه: (وان فاتكم شىء من ازواجكم إلى الكفار) إلاية.
وكان فى تلك الهدنة ان من جاءهم من الرجال مسلماً ردوه إليهم.
وان جاءت امرأة ترغب فى الإسلام لم ترد إليهم.
وكان علينا ان نعطى زوجها الكافر ما كان ساق إليها.
وان فاتت منا إليهم امرأة كان عليهم ان يعطونا مثل ما انفق عليها زوجها، وهو قوله سبحانه: (وسئلوا ما أنفقتم)، وحرم إلأمساك بعضهم الكوافر.
[3/ 354]
ومن كتاب ابن المواز: وإذا أوقف الكفار فى صفهم مسلماً فى وثاق فقتله رجل منا ولم يعلم قال: على عاقلته الدية ويعتق رقبة.
ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه/ومن ضرب علجاً فى القتال فأخطأ فأصاب نفسه فهو شهيد، ولكن يصلى عليه، وروى ان رجلاً اخطأ فاصاب مرتداً فأزال جلدة وجهه، فودى ذلك عثمان من بيت المال.
وقال سحنون فى سرية لقيت سرية ببلد العدو فاقتتلا وكل سرية تظن ان الآخرى من الروم: ان كل سرية تحمل عواقلهم دية من اصأبوا من قتل أصحابهم، ومن الجراح الثلث فاكثر.
وما كان دون ذلك ففى أموالهم، والكفارة عليهم فى كل نفس.
وخالفنا فى ذلك غيرنا، وقد اجمعنا أنه ان قتل مسلماً فى الصف يظنه مشركاً أو رمى مشركاً فرجع إليهم فاصاب مسلماً: ان فيه الدية والكفارة.
ذكر فرض الجزية
وعلى من تجب من اصناف أهل الكفر ومقدارها وجزية أهل الصلح وأهل العنوة
(قال مالك رحمه الله فى الموطأ: ان السنة عندنا إلا جزية على نساء أهلكتاب ولا صبيأنهم، وان الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين بلغوا الحلم منهم صغاراً لهم).
قال ابن حبيب: أول ما بعث الله عز وجل نبيه عليه السلام بعثه بالدعوة بغير قتال ولا جزية، فأقام على ذلك عشر سنين بمكة بعد نبوته يؤمر بالكف عنهم، ثم أنزل عليه: (إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا)، إلاية، ةأمره بالقتال
[3/ 355]
من قاتله والكف عن من لم يقاتله، فقال عز وجل: (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً).
ونسخ الكف فأقام على هذا ختى نزل براءة لثمان سنين من الهجرة، فأمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب من قاتله أو كف عنه إلا من عاهده، فقال: (واقتلوهم/حيث وجدتموهم)، إلى قوله: (فإن تأبوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة) إلاية فلم يسن على العرب الذين لم يتعلقوا بكتاب إلا الإسلام ولم يقبل منهم غيره.
وأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية، فقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)، إلى قوله: (وهم صاغرون)، فدخل فى ذلك من تعلق من العرب بدين أهل الكتاب فأخذ النبى صلى الله عليه وسلم الجزية من أهلنجران وأهل ايلة، وهم نصارى من العرب، ومن أهل اذرح وأهل اذرعات وأهلدومة الجندل، وهم نصارى واكثرهم عرب.
ولم يسم أخذ الجزية إلا من أهل الكتاب.
وأمره بقتال غيرهم من مشركى العرب ومن مجوس إلأمم حتى يدخلوا الإسلام، ولم يستن فيهم الجزية، ثم نسخ الله تعالى من ذلك المجوس على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فيما سن لهم من سنة بغير تنزيل القرآن، فأحل له أخذ الجزية من مجوس العجم إذا رضوا بها، وأقر مشركى العرب، وهم عبدة إلاوثان، على ان يقاتلهم حتى يدخلوا الإسلام بلا جزية، استثناها فيهم اكرإما للعرب وعلماً منه أنهم يدخلون الإسلام، فدخلوا فيه اجمعون إلا من تعلق منهم بكتاب، ولم يكن فى العرب مجوس لكن عبدة إلاوثان.
وأخذ النبى صلى الله عليه وسلم من نصارى هجر ومجوسها الجزية وكتب المنذر ابن سأوى وهو رئيسها، ان يقبل ذلك منهم.
ومجوس هجر هم مجوس البحرين، وهى حاضرة البحرين، ومجوس السواد هم مجوس فارس.
قال ابن حبيب: والسأمرة هم صنف من يهود والصابئون صنف من النصارى فى جزيتهم ونكاح نسائهم واكل ذبائحهم،/وهم يقرأون الزبور ويعبدون
[3/ 356]
الملائكة.
وكل جزية أخذها النبى صلى الله عليه وسلم فإنما هى جزية صالحهم عليها وليست جزية عنوة.
وصالح خالد بن الوليد نصارى بنى تغلب بالشام على ان يأخذ منهم الضعف مما يأخذ من المسلمين من مواشيهم، وكتب به إلى عمر فاجازه.
وهم عثمان ان يأخذ منهم الذهب والورق حتى صح عنده ان عمر فعله، فأمضاه بتلك جزيتهم، وليست بصدقة ولكنها جزية صولحوا عليها.
قال أبو محمد: وتقدم فى الجزء الأول ذكر هذا المعنى والإختلاف فى أخذ الجزية من مجوس العرب مستوعباً.
ومن كتاب ابن سحنون: وكتب عمر فى السأمرة يسبتون ويقرأون التوراة ولا يؤمنون بالبعث: أنهم صنف من أهل الكتاب.
قال سحنون وبهذا نقول فى ذبائحهم وغيرها.
وقال فى طائفة من السودان يسبتون ويختتنون لم يعتقلوا من إليهودية إلا بهذا، قال: ان كان لهم كتاب وإلا فلهم حكم المجوس.
قال سحنون: حق على المسلمين ان يجاهدوا من كفر بالله، أهل الكتاب كانوا أو أوثان أو مجوس أو عبدة نار أو غيرهم من انواع الكفر، ولايهيجوهم حتى يدعوهم إلى عبادة الله وإلاخلاص له وإلايمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشرعون لهم شريعة الإسلام، فإن اجابوا فاخوان، وان أبوا دعوا إلى الجزية.
فإن قبلوها فرضت عليهم ان كانوا فى قرب منا.
وان بعدوا عرض عليهم إلانتقال إلى حيث ينالهم سلطاننا وإلا حوربوا.
فإن اجابوا فرضت عليهم/الجزية كما فرض عمر: اربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهماً على أهل الورق.
وان لم يكونوا إلا أهل ابل فما راضاهم عليه الإمام ورآه نظراً.
ولا ينقص أهل الذهب والورق مما ذكرنا إلا ان يحضر الإمام أمر يراه بمشورة أهل الرأى لما يرونه صالحاً للمسلمين فيفعله.
وكان عمر لا يأخذها إلا ممن جرت عليه المواسى، ولا يأخذ من النساء والعبيد شيئاً.
وكان قد فرض عليهم ارزاق المسلمين من الحنطة مدان على كل
[3/ 357]
نفس فى الشهر مع ثلاثة اقساط زيت ممن كان من أهل الشام والجزيرة.
وإما أهلمصر، فاردب من حنطة كل شهر، ولا ادرى كم من الودك والعسل، وعليهم من الكسوة التى كان عمر يكسوها للناس، وعلى ان يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام.
وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعاً كل شهر على كل رجل، ومع هذا كسوة معروفة لا اعرف قدرها كان عمر يكسوها للناس.
ومن كتاب ابن حبيب قال: ولا حد لجزية الصلح، وانما ما صولحوا عليه.
وإما جزية العنوة، فذكر مثل ما يقدم ذكره من عمر على أهل الذهب والورق.
قال: وقال أسلم مولى عمر: مع ارزاق المسلمين من الطعام يحمل إلى عمر وضيافة ثلاثة أيام.
فمن كان منهم من أهل الشام والجزيرة، فذكر مثل ما ذكرلا سحنون وزاد: وشىء من عسل لا اعرف قدره كل شهر.
ومن كان من أهلمصر فاردب من حنطة كل شهر يعنى: كل رجل منهم.
ومن كان من أهل العراق فخمسة الف صاعاً كل شهر على كل رجل، ومع هذا كسوة معروفة لا اعرف قدرها كان عمر يكسوها للناس، وعلى ان يصيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام.
قال ابن حبيب: وإلاردب بمصر قدر قفيز قرطبة، وخمسة عشر صاعاً اكثر من قفيز قرطبة شيئاً، والضيافة هى على قدر ما استيسر بالعلج مما ينفق على نفسه وعياله، ليس عليه ذبح الغنم أو الدجاج، ولا يكلف إلا ما طاع به وتيسر له.
وكذلك أمر عمر ورأى مالك ان يوضع اليوم عنهم ما جعل عمر عليهم من إلارزاق والضيافة لما احدث عليهم من الجور، وقاله النخعى.
قال الثورى: أوفوا لهم يوفوا لكم.
قال ابن حبيب: ومعنى حديث مالك ان عمر كان يؤتى بنعم تؤخذ فى الجزية: أنه انما أخذها بالقيمة فى الجزية رفقاً بهم.
قال ابن حبيب: ولا يزاد فى الجزية العنوية أو الصلحية على الغنى ولا ينقص منها الفقير إذا كان فيه قوة على احتمالها.
قال ابن الماجشون: ولا تؤخذ من إلاصاغر
[3/ 358]
ولأمن النساء ولا إلارقاء، وقاله مالك فى المحتصر وغيره وروى عن عمر.
قال ابن الماجشون: ولا تؤخذ من العديم من الرجال.
قال ابن حبيب قال مالك: ولا تؤخذ من الرهبان المنهى عن قتلهم ممن اعتزل فى الصوأمع والديارات، وقاله سفيان.
قال مطرف وابن الماجشون: وهذا فى مبتدأ حملها.
فإما من ترهب بعد ان ضربت عليه وأخذت منه فأنها لا تزول عنه.
وكذلك قال مالك.
وإما رهبان الكنائس فلم ينه عن قتلهم ولا توضع الجزية عليهم، وهم الشماسة وهم الذين قال فيهم الصديق: وستجد قوماً قد فحصوا عن أوساط رؤسهم،/فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف.
قال ابن القاسم وابن وهب: وإذا عنق عبيد أهل الذمة أخذت منهم من يومئذ.
قال ابن حبيب: فإما العبد النصرانى يعتقه المسلم فاختلف فيه: فروى ابن شهاب ان معأوية أخذ منهم دون ما يأخذ من أهل الارض، فيأخذ منهم الدينار والدينارين والثلاثة بقدر قوتهم وقال مالك وعبد العزيز واصحاب مالك: لا جزية عليهم.
وقال ابن حبيب: وأحب إلى ان تؤخذ منهم صغاراً لهم.
وأول من فرض الجزية على أهل العنوة عمر حين فتح مصر إذ بعث إليها عمرو بن العاص، ثم اتبعه بالزبير فى اثنى عشر الفاً فافتتحها عنوة.
وشأور عمر فى قسم الارض فكتب إليه ان يقسم ما سواها وتبقى الارض وعمالها.
وتأول قول الله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم)، فابقى خراجها نفعاً لمن يأتى من بعدهم، وجعل عمر على كل علج منهم اربعة دنانير من غير خراج ارضهم.
وجعل على الارض على حدة.
وقال غير ابن حبيب: أنه أقرهم فى الارض وجعل عليهم خراجاً واحداً على الارض والجماجم.
ومن العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم قال مالك: لا يزاد على أهل الذمة (فى جزية جماجمهم وان أيسروا على ما فرض عمر على أهل) الذهب: [3/ 359]
اربعة دنانير، وعلى أهل الورق اربعون درهماً.
قال ويطرح عنهم ضيافة ثلاثة أيام إذ لم يوف لهم.
قال عبد الملك بن الحسن فى الرهبان فى ارض الإسلام فى صوأمع أو غيرها: فلا جزية عليهم.
ومن كتاب ابن المواز: ذكر عن مالك فى جزية جماجم أهل العنوة مثل ما ذكر ابن القاسم عنه فى العتبية إلى آخره، ويسقط/الضيافة عنهم لما قصر عنهم فى حق ذمتهم.
قال أبو محمد: وفى الباب الذى يلى هذا شىء من ذكر جزية الارض، وبعد هذا باب فيما ينبغى ان يلزموه أهل الذمة فى لباسهم وشكلهم.
جامع القول فى أرض العنوة والصلح
وذكر خراج الارض وكيف تقسم والحكم فى أهل العنوة ومن أسلم منهم أو من أهل الصلح
ومن العتبية من سماع ابن القاسم، وفى كتاب ابن المواز ونحوه، قال مالك: والعمل فى ارض العنوة على فعل عمر ان لا تقسم وتقر بحالها.
وقد ألح بلال واصحاب له على عمر فى قسم الارض بالشام فقال اللهم أكفنيهم، فما أتى الحول وبقى منهم احد.
ومن كتاب ابن المواز قال: وما كان من ارض منقطعة عن بلد الإسلام لا يقسم.
وما كان يصل إليه سلطان الإسلام ويقدر على احيائه، فليقر ولا يقسم كما تأول عمر قول الله عز وجل (والذين جاءوا من بعدهم).
ومكة مما فتح عنوة ولم تقسم.
وجرى بذلك فعل عمر وعثمان وغيره، فلم يقسم بذلك دار ولا أرض.
ومن العتبية من سماع أشهب، قال مالك فى خيبر افتتحت بقتال يسير،
[3/ 360]
قال: وقد خمست إلا ما كان منها عنوة أو صلحاً وهو يسير فأنه لم يخمس.
فقلت: فالعنوة والقتال ليس واحد؟ قال: انما اردت الصلح.
وسمعت ابن شهاب يقول: افتتحت خيبر عنوة ومنها بقتال، وما ادرى ما اراد بذلك/.
قال مالك: قسمت خيبر ثمانية عشر سهماً على الف وثمانمائة رجل لكل رجل سهم، قال: وصدقات النبى صلى الله عليه وسلم كلها من أموال بنى النضير، ولم تخمس لأنها كانت صافية، وخمس قريظة لأنها كانت بقتال.
واجلى عمر أهلخيبر.
وإما فدك فصواحوا على النصف، صالحهم النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يوجف عليها إلا أنها كانت عنوة بلا قتال، ثم اجلاها عمر وقوم لهم نصفهم، فأعطاهم به جمالا وأقتاباً وذهباً، واخبر الناس أنه اشتراه من بيت مال المسلمين، فلم يخمس فدك لأنه لم يوجف عليها.
وما افتتح من خيبر بغير قتال فلم يكن فيها خمس، وأقطع منها ازواجه.
وما كان منها بقتال خمسه وقسم باقيه على من افتتحها وهم الف وثمانمائة.
قال مالك: ومن العنوة مثل الصلح يطيعون لهم بغير قتال ولا ايجاف بخيل ولا ركاب.
ومن كتاب ابن المواز عن مالك وذكر ارض العنوة أنها لا تقسم، قال: ويكون أهلها ذمة للمسلمين وتقسم غلة ذلك وخراجه قسم الفىء، يبدأ فيه بإصلاح بلدهم من سد ثغورهم وتحرزهم من عدوهم.
وما بقى منهم قسم: يبدأ فيه بالفقراء من الرجال والنساء وتعطى الذرية ايضاً.
وما فضل قسم إلاغنياء.
وقا أشهب: لا شىء للنساء فيما يقسم من غنيمة الجيش.
وإما الخمس فلهم فيه سهم بقدر الحاجة.
قال: وأراه، يعنى مالكاً، قال: ويقر أهل الذمة فى دورهم لعمارة البلد وخراج جماجمهم.
قال: نعم،/ويكونون احراراً ويكتفى منهم بما يؤخذ من خراج جماجمهم.
ومن أسلم منهم سقط الخراج عن جمجمته وأخذ ما كان بيده
[3/ 361]
من ذلك.
وكذلك من هلك منهم ولم يدع من يخلفه من عصبته وورثته فيما ترك من ارض ودار.
وما كان يملك من ماله فلأهل الإسلام، وتبقى تلك الارض موقوفة ابداً ما بقيت الدنيا.
وما كان من مال يعلم أنه كان بيده يوم الفتح فيكون كالفىء.
قال مالك: وارض مصر عنوة.
فمن أسلم منهم فلا يكون له ارضه ولا داره.
وإما الصلح فذلك لهم وان أسلموا، ويسقط عنهم خراج جماجمهم وأرضهم.
ومن كتاب ابن حبيب، قال: ومن أسلم من أهل العنوة احرز نفسه وماله، وإما الارض فللمسلمين، وإما ماله وكل ما كسب فهو له، ولأن من أسلم على شىء فى يديه كان له.
وان مات العنوى ولم يسلم فذلك كله لورثته إلا الارض فهى للمسلمين وتسقط جزية رأسه، يريد: ان أسلم.
قال: وإذا مات ولا وارث له فكل ما ترك للمسلمين فى بيت المال، وتبقى الارض على ما كانت عليه.
قال والجزية الصلحية جزيتان: فجزية محملة على البلد (وجزية على جماجمهم.
فإذا كانت محملة على البلد) فهى موقوفة لا تباع ولا تورث ولا تقسم، ولا يملكها ان أسلم وانما له ماله.
وإما الارض فموقوفة ابداً لما عليها من الخراج، وذلك بأسره باق على من بقى من النصارى.
فإما ان صولحوا على الجزية على جماجمهم فلهم بيع الارض، وهى لهم ملك يصنعون بها ما يشاءوا وتورث عنهم، وتسقط الجزية بموته عن ذمته وتبقى الارض ملكاً لورثته./وان لم يدع وارثاً فأرضه للمسلمين كميت لا وارث له.
وان أسلم هذا فارضه له وماله لا حق به ولا جزية عليه ولا على ارضه.
وكذلك فسر لى من كاشفته من اصحاب مالك وغيرهم، وجاءت به إلاثار.
ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: وإذا باع الصلحى ارضه من مسلم: فإن كان على ان الخراج على المبتاع لم يجز، يريد: وان ثبت ذلك على البائع فجائز.
[3/ 362]
ومن المدونة قا أشهب: يكون الخراج على المبتاع ويزول عنه باسلأم البائع.
قال ابن المواز: وأهل العنوة كالأحرار لا يسترقون.
قال ابن مزين قال عيسى بن دينار: والفرض الذى يفرض عليهم فعلى جماجمهم، وتترك الارض بايديهم عوناً لهم كما فعل عمر.
ومن أسلم منهم كان حراً وماله للمسلمين.
قا ابن المواز: ما كان له قبل الفتح.
قا عيسى فى كتاب ابن مزين وفى العتبية عن ابن القاسم: ونساؤهم كالحرائر لا ينظر إلى شعورهن، ودية المرأة منهن كدية حرة ذمية.
ومن العتبية روى يحيى ابن يحيى عن ابن القاسم قال: ومن مات من أهل الصلح ولا وارث له من أقاربه فميراثه لأهلخراجه ولا يضع موته عنهم شيئاً من خراجه، وما صولوا عليه قائم عليهم.
وان مات احد من أهل العنوة لا وارث له فيمراثه للمسلمين.
قيل: وكيف علمنا من وارثه ولا علم لنا بمن يرث عندهم ممن لا يرث؟:قال: يرد ذلك إلى أهلدينهم واساقفتهم.
فإن قالوا يرثه من يذكرون من ذى رحم أو غيره من رجل أو امرأة سلم إليه.
وان قالوا لا وارث له كان للمسلمين.
قا سحنون عن ابن القاسم: وإذا/أسلم أهل العنوة أخذ منهم أموالهم من عين ورقيق وغيرها.
قا ابن المواز: مما كان بايديهم يوم الفتح.
قا سحنون قال ابن القاسم: ويجوز شراء رقيقهم منهم، وكأنهم على ذلك تركوا كالمإذون له فى التجارة.
وانما يمنعون ان يهبوا أو يتصدقوا أو يفسدوا أموالهم.
قيل: قتزوج بناتهم؟ قا ل: انى لأتقيه وما اراه حرإما.
قال عنه عيسى: ولهن حكم الحرائر فى النظر إلى شعورهن وفى دياتهن.
وان أسلمن فهن احرار.
قلت: فأهل الصلح إذا صولحوا على ان عليهم الف دينار كل عام أو على ان على جماجمهم دينارين على كل رجل منهم أو على ارضهم على مبذر كذا [3/ 363]
شىء سموه وعلى كل زيتونة كذا؟ قال: ذلك سواء ولهم بيعها.
فإذا أسلموا وضع عنهم ذلك الخراج كله.
القول فى كراء أرض الجزية وذكر الحكم فى الارض إلاندلس التى قسمت ولم تخمس
من كتاب ابن حبيب: وقد روى التغليظ فى النهى عن أخذ المسلمين مالك كراءها، وكره ان يزرعها ايضاً عاريةً.
ونهى ابن عباس عمن يتقبل أرض أهل الذمة وقال: يجعل صغار الكافر فى عنقه.
قال ابن عمر: لا يحل ان يكتب على نفسه الذلة والصغار فى أخذه أرض الجزية بما عليها من الخراج.
وقد كانوا يكرهون الشغل عن الجهاد بالحرث اصلاً، فكيف بكراء ارض الذمة؟ وكان عمر ينهى عن الحرث وكتب/ان يمحى من الديوان من زرع.
قا ابن حبيب: وسألت مطرفاً وابن الماجشون عن ارض إلاندلس التى اختطت وقسمت على وجه المغانم، فقإلا: كان ينبغى ان تقر أولاً خراجاً للمسلمين، كما فعل عمر بأرض العنوة.
فإذا لم يكن ذلك أو كان لا يقدر على ذلك لقربها من العدو، فينبغى لإمامكم ان كان عدلاً ان يعزل خمسها يكون للمسلمين، إذا ايقن أنه لم يوخذعند الفتح من الغنيمة عوضاً عن خمس الارض، ثم لا يعرض للناس فى باقيها على ما توارثوا عليه من المغنم والخطط.
قلت: فمن يجرى ماء الزرع وبيده منها شىء بميراث ان ابتياع وهى لم تخمس؟ قال: يخمسها ويجعل سهم الخمس لجميع المسلمين كما لو حبسه، ثم
[3/ 364]
يسوغ له ما بقى بيعهوملكه.
وإذا لم يفعل ذلك فهو فى خرج من إلانتفاع بها وكرائها، (ولا ينبغى ان يمنع منها احداً من المواساة بقدر الخمس فيها.
قلا: وهذا كله إذا علم أنها قسمت بوجه التسأوى والعدل) إلا أنها لم تخمس.
قلت: فلو كا نكل رجل قعد على ما فتتح وغلب عليه ولم يعدل بينهم بالقسم، أو لعله خرج بعد من حضر الفتح ولم يأخذ منها شيئاً حين خرج موسى بن نصير وطارق مولاه اللذان قد فتحاها، أو لعل الرجل قد غلب على قرية أو بعض قرية وغلب اقوى منه على اكثر منها ثم توارثوا على هذا؟ قا هذا كله غلول ولا ينتفع بشىء منه، وحق عليهم اجتنابها والشراء من أهل الصلح منهم، وقاله كله أصبغ.
ذكر قسم ما يؤخذ فى الجزية وخراج الارض/
وشبه ذلك من الفىء
وهذا الباب مستوعب فى كتاب الزكاة وخزء منه فى هذا الكتاب فى باب فرض الجزية.
من كتاب ابن المواز قا ملك فيما يؤخذ من خراج الارض والجزية: يسلك بذلك مسلك الفىء، ويبدأ فى قسم الفىء وسبهه بأهل البلد الذى جبى فيه ويؤثر الفقراء، ثم ان فضل شىء دفع إلى غيرهم.
وان بلغه عن أهلبلد حاجة وشدة بعث اكثر ذلك إليهم.
قا ابن القاسم: ولا يعمل فيه للحسب لكن للفقر.
وهذا كله فيما جبى من عنوة أو صلح مما أوجف عليه.
قال ابن عبد الحكم عن مالك: وما افاء الله مما لم يوجف عليه، فقد كان ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم خاصةً، من ذلك أموال بنى النضير وغيرها.
وإما النضير خاصةً
[3/ 365]
فقد قسمها النبى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين وثلاثة من إلانصار: أبو دجانة والحارث ابن الصمة وسهل ابن حنيف.
ومن المجموعة قال ابن غانم عن مالك: ان النضير لم يوجف عليها، فصالحت النبى صلى الله عليه وسلم على ان لهم الصفراء والبيضاء والحلقة، يريد: السلاح.
قال: وما اقلت إلابل.
قال: فتحملوا إلى خيبر وبقيت الارض والنخل، فقسمها النبى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين لحاجتهم وخروجهم من ديارهم وأموالهم، ولتخف مؤنتهم عن إلانصار، ولم يقسم منها للأنصار شيئاً إلا لثلاثة كانوا ذوى مسكنة وحاجة: أبو دجانة والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف/
ومن كتاب ابن المواز قا ابن عبد الحكم: والنضير ما سوى النضير مما يشبهها، فكان عليه السلام يأخذ منها نفقته على أهله سنةً، وما فضل جعله فى الكراع والسلاح.
وكذلك فعل فى ذلك من ولى الأمر بعده: ينفذه فى الخيل والسلاح ومصالح المسلمين، ولك يكن ينفق منه على نفسه وأهله.
وانما كانت النفقة للنبى صلى الله عليه وسلم خاصةً.
قال ابن القاسم: ومما يقسم الفىء ما جبى من خراج أرض وجزية وعشور أهل الذمة إذا تجروا من افق إلى افق والركاز وما أخذ من الحربيين إذا نزلوا.
وإما المعدن فما كان منه فيه الزكاة قسم قسم الزكاة.
وما كان فيه الخمس قسم قسم الفىء.
قال: ولا يرتزق العمال من الزكاة ولكن من الفىء.
وانما يرتزق الزكاة، يريد: على غير الفقير، العام ل عليها يأخذ بقدر سعيه وبعد سفره وقربه فيها.
قال أشهب: ان كان من ولاه يضع الأمر فى وجهه وإلا فإنا نكره له ان يرتزق منه.
قال مالك: ولا باس ان يجيز الوالى من الفىء رجلاص يراه لذلك أهل ا، ويجوز للرجل أخذها.
قال أصبغ: ان كان الإمام عدلاً.
[3/ 366]
قال ابن القاسم: ويعطى من الفىء القضاة ولاعمال الذين يلون اعمال المسلمين وما بهم الحاجة إليه، ومستخرجى جبايتهم والقائمين بأمرهم واسواقهم ويفرض لهم فيه، ويعطى منه الغزاة، وذلك على الإجتهاد لا على جزء معلوم.
وإما العام ل على الزكاة فيأخذ منها بقدر/عمله، لا ينظر إلى كثرة عياله وولده، وأولئك يعطون من الفىء.
ولا سهم للمؤلفة قلوبهم اليوم، ولا يقسم ذلك بين بقية إلاصناف الثمانية إلا على الإجتهاد، واسعدهم به احوجهم إليه.
وربما انتقلت الحاجة فى عام آخر إلى الصنف الآخر فيصرف إليه.
قال أصبغ: وأحب إلى ان يرضخ المستغنى من إلاصناف لئلا يندرس اسمه من ذلك.
وبعد هذا الباب فى سيرة الإمام فى مال الله، فيه معانى هذاالباب.
آخر الخأمس من الجهاد من النوادر والحمد لله وصلواته على نبيه وعبده وعلى آله وصحبه وسلم
[3/ 367]
صفحة بيضاء
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا ومولأنا محمد وآله وصحبه وسلم
كتاب الجهاد السادس
ذكر ما يؤخذ من أهل الذمة إذا تجروا من بلد إلى بلد
وما يؤخذ من الحربيين إذا نزلوا
وهذا الباب مستوعب فى كتاب الزكاة الأول إلا ما كان لابن حبيب، وكتبنا ها هنا شيئاً منه لتعلق احكأمه باحكأم الفىء.
من كتاب ابن حبيب قال ابن شهاب: كان يؤخذ من النبط العشر إذا تجروا إلى المدينة، وكان يؤخذ ذلك منهم فى الجأهلية، فألزمهم اياه عمر، وأخذ منهم فى الحنطة والزيت نصف العشر ليكثر حملهم ذلك إلى المدينة، وأخذ منهم فى القطنية العشر.
قال مالك: وذلك إذا تجروا من بلدهم إلى بلد آخر، فإن تجروا إليها مراراً فى السنة أخذ منهم كلما رجعوا، ولم يؤخذ بما روى عن عمر بن عبد العزيز فى الكتاب لهم براءة إلى الحول فى تحديد ما يتجرون به من مال.
قال ابن القاسم: ولا يؤخذ منه حتى يبيع، وله ان يرجع بمتاعه ولا يؤخذ منه شىء.
قال ابن حبيب: ب يجب عليه العشر بالنزول، ويصير المسلمون شركاءه فيما بيده/من رقيق وغيرهم، ويحال بينهم وبين وطء إلإماء.
ويبين ذلك ان عمر
[3/ 369]
انما كان يأخذ منهم الحنطة والزيت نصف العشر ومن القطنية العشر، ولم يأخذ عشر الثمن.
وكذلك قال مالك والمدنيون من أصحابه: فيؤخذ منه عشر ما معه من العين.
وفى قول ابن القاسم: حتى يشترى به فيؤخذ منه عشر المشترى.
وإما ان باع واشترى مراراً قبل ان يرجع إلى بلده فلا يزاد عليه شىء عند جمعيهم.
قال ابن حبيب: وإذا أخذ منه عشر ما قدم به وكره البيع لبوار سلعته فرحل إلى بلد آخر، فليؤخذ ايضاً منه بالبلد الآخر عشرما معه لحركتهم يتقلبون بالتجارة فى غير بلدهم أمنين.
وإذا اكرى منهم الشامى ابله إلى المدينة أخذ منه لأنه انما تم له بالمدينة، وابن القاسم لا يرى عليه شيئاً حتى يكريها من المدينة، ونحن لا نرى عليه شيئاً كما لو تجر مراراً قبل ان يرجع، واجمع مالك وأصحابه أنه يؤخذ من عبيدهم إذا تجروا إلى غير بلدهم.
قال: وإما الحربيون فإنما يؤخذ منهم ما صولحوا عليه.
وان كان فيهم يهود من بلدهم معهم فإن نزلوا إلى خمس أو عسر ثم طلبوا الرجوع قبل البيع فقد لزمهم ذلك والمسلمون شركاؤهم بذلك الجزء، ويحال بينهم وبين ذلك وبين وطء إلإماء حتى يقاسموا ما ينقسم يبع وقسموا الثمن.
ومن المجموعة قال ابن نافع: لهم الرجوع ولا يؤخذ منهم حتى يبيعوا ونحوه لأشهب.
وهذا مذكور فى كتاب الزكاة.
قا ابن حبيب: وان نزل/الحربيون على أمر مبهم انزلهم الوالى كذلك وجهل، فإن نزلوا قبل ذلك على أمر فهم عليه.
وان كان أول ما نزلوا فعليهم العشر لأنه الأمر الفاشى.
وما كان معهم من خمر وخنازير فليرق الوالى الخمر ويقتل الخنازير ويغيب جيفها.
وان طلبوا النزول على بقاء خمرهم وخنازيرهم فلا يمكنهم من ذلك.
وان
[3/ 370]