كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وبه قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ.
قال غيره: هذا من خواص النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن الأرض رفعت له، وعلم يوم مات فيه، ونعاه لأصحابه يوم موته، وخرج بهم، فأمهم في الصلاة عليه قبل أن يوارى.
والله أعلم.
ولم يفعل هذا أحد بعده، ولا صَلَّى أحد على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ووري، وفي الصلاة عليه أعظم الرغبة، فهذه أدلة الخصوص.
ومن المجموعة، قال أشهب: وإذا وجد البدن بلا رأس ولا أطراف، صلي عليه، ولا يُصَلَّى على الرأس والأطراف فقط، ولو وجب هذا، وجب أن يُصَلَّى على أصابعه أو أسنانه أو أنفه، وإني مع ذلك لا أدري لعل صاحبه حي، ولو علمت بموته لم أصل على ذلك، ولو وجد أحد شقيه طولا مع رأسه، أو نصفه عرضا مع رأسه، لم يصل عليه.
في الصلاة على الجنازة في المسجد،
أو في المقبرة، أو في الدور
ومن سماع ابن وهب، قال مالك: لا يُصَلَّى على الجنازة في المسجد، إلاَّ أن يضيق المكان.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولو صلي على الجنازة في المسجد، ما كان ضيقا،
لما رُوِيَ من الصلاة على سهيل فيه، وعلى عمر فيه.
قَالَ ابْنُ سحنون: وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهيل فيه، أمر قد تركه، وفعل غيره حين خرج في النجاشي إلى المصلى، وهذا أخف، ومع أن حديث سهيل منقطع.
قال غيره: وقد قيل: كثر الناس في جنازته، فضاق بهم الموضع، ثم لم يفعله بعد ذلك، واستدام الصلاة في المصلى، حتى أنكر الناس على عائشة ما أمرت به، من إدخال جنازة سعد فيه، لتصلي هي عليها.
ومع ذلك، فهو ذريعة إلى إصراف المسجد إلى غير ما جعل له من الصلوات، وقد ينفجر فيه الميت، أو يخرج منه شيء، فترك ذلك أولى من غير وجه، كما تركه النبي صلى الله عليه وسلم، واستدام غيره.
وعمر إنما صلي عليه
فيه لأنه قد دفن مع النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن كتاب (المبسوط)، لإسماعيل القاضي، قال إسماعيل القاضي: ولا بأس بالصلاة على الجنازة في المسجد، إن احتيج إلى ذلك، وما أنكر الناس من أمر سعد، دليل على أن العمل الدائم الصلاة على الجنائز في موضع الجنائز بقرب المسجد، ولعل الصلاة على سهيل كانت قبل يتخذ ذلك الموضع، ولعلهم إنما صَلَّوْا على عمر في المسجد لأنه أوسع عليهم، لكثرة من صَلَّى عليه، وهذا كله واسع إذا احتيج إليه.
وأما ما حدثنا به عاصم بن علي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صَلَّى على جنازة في المسجد، فلا شيء له».
فهذا إسناد ضعيف.
ولا بأس بذلك إذا احتيج إليه.
ومن المجموعة، ابن وهب، عن مالك: ولا بأس أن يُصَلَّى على الجنازة وسط القبور.
قيل لأشهب: أيصلى عليها في الجبانة، أم في الدور؟ قال: كل مجزئ، وبعد الخروج بها أَحَبُّ إِلَيَّ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كره مالك الصلاة على المنفوس في المنزل.
وروى مطرف، أن ابن عمر صَلَّى على صبي في جوف دارهم، ثم بعث به إلى المقبرة، ولم يتبعه.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وما أرى ذلك إلاَّ من عذر؛ لأنه كبر، وكف بصره.
وقد تقدم هذا في باب آخر.
ولم ير مالك بصلاة المكتوبة في المقبرة بأسا، في المواضع الطاهرة، وأن يُصَلَّى فيها على الجنازة.
وقد صَلَّى النبي صلى الله عليه وسلم فيها على الجنائز، وصَلَّى فيها أبو هريرة على عائشة.
في الصلاة على الجنازة بعد الصبح،
وبعد العصر، أو في الليل
من المجموعة، قَالَ ابْنُ وهب، عن مالك: إذا حضرت الجنازة قبل المغرب، فليصلوا عليها بعد المغرب أصوب، فإن صَلَّوْا قبل المغرب، فلا بأس بذلك.
قال عنه ابن وهب، في سماعه: لا يُصَلَّى عليها عند غروب الشمس حتى تغرب، إلا أن يخاف عليها.
وكذلك في (المختصر)، قال عنه علي: ولا بأس بالصلاة عليها في الليل، ولا يُصَلَّى عليها إلاَّ في وقت صلاة.
قال أشهب: وإذا حضرت قبل صلاة المغرب فليبدءوا بالمكتوبة بما شاءوا، إلاَّ
أن يخافوا على الجنازة فسادا، أو فوات الصلاة، فليبدءوا بما يخاف عليه، وأما العصر والصبح، فأحب إلي أن يبدءوا بالجنازة، إلاَّ أن يخاف على الصلاة، فيبدءوا بها، وإن صَلَّوْا عليها عند طلوع الشمس أو عند غروبها، فلا إعادة عليهم.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إن دفنت فلا يعيدوا عليها، وقد أرخص مالك أن يُصَلَّى عليها في هذه الساعات إن خيف عليها.
وقال مالك: يُصَلَّى عليها بعد العصر، ما لم تصفر الشمس، وبعد الصبح ما لم تسفر، ولا يُصَلَّى عليها في الإسفار، ولا في اصفرار الشمس بعد العصر، إلاَّ أن يخاف عليها.
قال في (المختصر): عندما تهم الشمس أن تطلع، وعندما تهم أن تغرب، ويصفر أثرها بالأرض، فلا يُصَلَّى عليها، إلاَّ أن يخاف عليها.
قال أشهب: لا أكره الصلاة عليها نصف النهار، كما لا أكره التنفل حينئذ، ولم يثبت النهي عن الصلاة حينئذ، وثبت النهي عند طلوع الشمس وعند غروبها.
في الصلاة على الجنائز، إذا اجتمعت،
وكيف توضع
من (الواضحة): إذا اجتمعت الجنائز، جمعت في صلاة واحدة، فإن كانا رجلين، جعل أفضلهما مما يلي الإمام وإن كان أصغر سنا؛ فإن استويا في الحال، فليل الإمام أسنهما، فإن كان ذكرا وأنثى؛ فالذكر يلي الإمام وإن كان صغيرا، فإن كان رجل وصبي وامرأة؛ فالرجل يلي الإمام، ثم الصبي، ثم المرأة، وإن كان حر وعبد، فالحر يلي الإمام، وإن صغر، وأما عبد وامرأة، فالعبد يلي الإمام.
هكذا قال لي من لقيت من أصحاب مالك عن مالك.
ورُوِيَ عن كثير من الصحابة والتابعين، وقد تقدم ذكر المنفوس وأمه، من يتقدم منهما، في باب المنفوس.
ومن الْعُتْبِيَّة، أشهب، عن مالك: وإن كانوا رجلين وامرأتين؛ جعل الرجلان مما يلي الإمام سطرا، وإلاَّ واحدا خلف واحد، والمرأتان خلفهما سطرا، فإن كثروا
جعلوا سطرين أو أكثر.
قَالَ ابْنُ كنانة، في رجلين: أَحَبُّ إِلَيَّ أن يكونا واحدا خلف واحد، فإن جعلا سطرا فواسع، وإن كثروا جعلوا سطرا والإمام وسطهم.
قال عيسى: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، في رجلين أحدهما أحسن حالا من الآخر، والآخر أشرف: فليل الإمام أحسنهما حالا.
وقاله سحنون.
ومن المجموعة: ذكر رواية ابْن الْقَاسِمِ، في الجنائز تجتمع، أن مالكا قال: يجعل واحدا خلف واحد.
ثم رجع فقال: ذلك واسع كذلك، أو يجعلوا صفا، ويقف الإمام وسطهم.
وإن كن نساء فكذلك، قال أشهب، عن مالك نحوه.
قال أشهب: وأَحَبُّ إِلَيَّ في القليل، الاثنين والثلاثة، واحدا خلف واحد، وإن كثروا، جعلوا صفين أو ثلاثة، وشبه ذلك.
وذلك كله واسع.
وقال علي، عن مالك: وإن كانوا رجالا ونساء.
فالرجال يلون الإمام، ويجعل رجل خلف رجل، وامرأة خلف امرأة.
قال أشهب: أو سطرا واحدا أو اثنين، ويكون النساء إلى القبلة، على
ما جعل عليه الرجال ولا أحب أن يجعلن على خلاف ما جعل عليه الرجال إذا تكافئوا، فإن جعلن على خلافهم؛ رجوت أن يكون واسعا، فإن كان معهم صغار، فالرجال يلون الإمام، ثم ذكور الصبيان، ثم النساء، ثم إناث الصبيان.
وذكر ابن حبيب، عن مطرف، وعبد الملك، مثل ما تقدم، وقال: وإن كانوا أكثر من اثنين وثلاثة، وكانوا رجالا أو نساء، أو رجالا ونساء؛ جعل أفضلهم يلي الإمام، ثم من يليه خلفه إلى القبلة، ثم من يليه خلفه إلى القبلة، إلى آخرهم، وأما إن كثروا، مثل العشرين والثلاثين، فلا بأس أن يجعلوا صفين وثلاثة، ممدودة عن يمين الإمام ويساره، ويقدم الأفضل والأسن إلى الإمام وقربه.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإذا اجتمعت جنازتان وثلاثة؛ لم ينظر إلى ولي أحدهم، ولكن يقدم أفضلهم وأسنهم.
قال مالك: وكذلك إن كانت واحدة رجلا، والأخرى امرأة.
وقَالَ ابْنُ الماجشون: أولياء الرجل أحق.
واحتج بصلاة ابن عمر على أم كلثوم، وابنها زيد، بمحضر الحسين.
وقد تقدم هذا في باب
الجنازة، يحضرها الوالي مع الأولياء.
في الجنازتين ينوي الإمام بالصلاة أحدهما،
ومن خلفه ينويهما جميعا، وفي الجنازة لا يدري من
صَلَّى عليها أرجل هي أم امرأة
من الْعُتْبِيَّة، من سماع عبد الله بن عمر بن غانم، رواية عون بن يوسف، قال مالك: في إمام يُصَلِّي على جنازتين، فجهل فنوى بالصلاة أحدهما، ومن خلفه ينويهما جميعا، فقال: تعاد الصلاة على التي لم يصل عليها الإمام، دفنت أو لم تدفن، إلاَّ أن تتغير، فيصلون على قبرها بإمام.
ومن (المبسوط) لإسماعيل القاضي، قَالَ ابْنُ نافع، عن مالك، في من يُصَلِّي على الجنازة، ويظنها رجلا، وهي امرأة، فيقول: اللهم اغفر له.
أو هي رجل، يظنها امرأة، فيقول: اغفر لها.
أيعيد الصلاة؟ قال: الصلاة تامة إن شاء الله، ولا أرى بهذا بأسا، وقد يُصَلَّى على الجنازة بالليل، أو يأتي وقد وضعت، وهو في آخر الناس، ولم يأت
ليعرف امرأة هي أو رجل، فذلك واسع إن شاء الله.
في مَنْ دُفِن ولم يُصَلَّ عليه، أو لم يُغَسَّلْ،
أو نُسِيَ عليه بعض التكبير، أو كبر عليه بغير دعاء، أو دفن في مقبرة النصارى
من المجموعة، قال علي، عن مالك، في مسلم مات ليس معه إلاَّ نصارى، فقبروه بغير غسل، وجعلوا وجهه إلى غير القبلة: فإنه يُنْبَشُ، ما لم يتغيَّرْ، فيُغَسَّلُ، ويُكَفَّنُ، ويُحنَّط، ويُصَلَّى عليه، ويُقْبَرُ إلى القبلة.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وكذلك إن نسوا أو جهلوا، فقبروه بغير صلاة، فإنه يُخرج بحدثان ذلك حَتَّى يُغَسَّلَ ويُصَلَّى عليه.
قال أشهب: وإذا وُضع في لحده، وجُعل عليه اللبن، أو جُعل الثرى مكان اللبن، ولم يُهَلْ عليه التراب، ثم ذُكِرَ أنه لم يُغَسَّلْ، فليُخرج، فيُغَسَّل، ثم يُصَلَّى عليه، وإن غُسِّلَ، ولم يُصَلَّ عليه، أُخْرِجَ فصُلِّيَ عليه، فأما إن أهالوا عليه التراب، فليُترك، وإن لم يُصَلَّ عليه، فلا يُنْبَش.
وقاله سَحْنُون، فِي الصَّلاَةِ ينسونها عليه، وإلاَّ فلا يُصَلَّى عليه في قبره، ولْيَدْعُوا له، ولا أجعل ذريعة إلى الصلاة على الجنائز في القبور.
وقال
سَحْنُون في كتاب ابنه: إذا دُفِنَ بغير صلاة، فلا يُصَلَّى على قبره، إلاَّ أن يكون ليس في إخراجه ضرر، ولا طولٌ ولا تغيُّرٌ فليُخرج، ويُصَلَّى عليه.
ومن الْعُتْبِيَّة، وقال عيسى بن دينار، عَنِ ابْنِ وهب، في الميِّتِ يُقبر وقد نسوا الصلاة عليه، فذكروا عندما أرادوا الانصراف، قال: سمعت في هذا أنه لا يُنْبَشُ، ولْيُصَلُّوا على قبره بأربع تكبيرات وإمام.
قال يحيى بن يحيى: لا يُنْبَشُ قَرُبَ ذلك أو بعُدَ، ولْيُصَلُّوا على قبره.
ورَوَى عيسى، وموسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، أنه يُخْرَجُ بحضرة ذلك، حَتَّى يُصَلُّوا عليه، فإن خافوا أن يكون قد تغيَّر، صَلَّوْا على قبره.
وقاله عيسى.
قال عنه موسى، وكذلك إن نسُوا غَسْلَه مع الصلاة عليه.
قال سَحْنُون في المجموعة: فإن ذكروا أنه لم يُغَسَّلْ، فإن لم يَخرجوا من القبر، أُخرج وغُسِّلَ، وإن وارَوْه، تُرِكَ ولا يُنْبَشُ إذا تفاوت.
ومن الْعُتْبِيَّة، رَوَى محمد بن خالد، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في
الغائب، يَقْدَمُ، فيجدُ امرأته النصرانية قد دُفِنَتْ وولده منها، في مقبرة النصارى.
فإن كان بحضرة ذلك، لم يَخَفْ أن يكون تغيَّرَ، فليُخْرجه إلى مقبرة المسلمين، فإن خاف تغيُّرَه فليَدَعْه.
ورَوَى عنه عيسى في نصرانية عرض عليها ختنها الإسلام، فأجابت وغسلت ثيابها، وقالت: كيف أقول؟ فقال قولي: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى روح الله وكلمته.
فقالت ذلك كله ثم ماتت، فدُفِنَتْ في قبور النصارى، قال: أرى أن تُنْبَشَ، وتُغَسَّل، ويُصَلَّى عليها وتُدْفَنَ مع المسلمين، إلاَّ أن تكون تغيَّرَتْ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإذا تُرِكَ بعضُ التكبير في صلاة الجنازة، جهلاً أو نسيانًا، فإن كان بقرب ما رُفعت، أُنزلت، فأتمَّ بقية التكبير مع الناس، ثم سلَّمَ، فإن تطاول ذلك ولم تُدْفَنْ، ابتُدئ عليها الصلاة، وإن دُفِنَتْ تُركت ولم تُكشف، ولا تعاد الصلاة عليها.
وذكر في الْعُتْبِيَّة نحوه.
زاد زيادٌ شبطون، عن مالك، قال: ولو والى بين التكبير،
فلْتُعَدْ عليها الصلاة.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إلاَّ أن يكون بينهما دعاء، وإن قلَّ جدًّا، فلا تعاد الصلاة عليها.
في مَنْ صُلِّيَ عليه إلى غير القبلة، أو جُعِلَ في لحده كذلك،
أو جُعل رأسه موضع رِجْلَيْهِ في قبره، أو فِي الصَّلاَةِ عليه، أو صَلَّوْا عليه جلوسًا أو ركوبًا
ومن الْعُتْبِيَّة قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذا صُلِّيَ عليه إلى غير القبلة، ثم دُفِنَ، فلا شيء عليهم.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإن لم يَتَغَيَّر.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إن لم يُوارَ، فأستحسن أن يُصَلَّى عليه، وليس بواجب.
قال سَحْنُون: ولا تعاد الصلاة عليه، وكذلك لو صَلَّوْا عليه ورأسه موضع رِجْلَيْهِ.
وقاله أشهب.
قال موسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في الْعُتْبِيَّة: إذا جُعل الرأس موضع الرجلين فِي الصَّلاَةِ، لم تُعِد الصلاة وأجزأهم، وإن لم يُدْفَن.
قال أشهب، في المجموعة: إن صَلَّوْا عليها إلى غير القبلة، ثم علموا كما سَلَّمَ فليعيدوا الصلاة، ما لم يخافوا فسادها، فإذا خيف ذلك، دُفِنَتْ، ولا تعاد عليها الصلاة، تعَمَّدوا ذلك أو لم يتعمَّدوا.
وإذا جُعل في اللحد إلى غير القبلة أو على شقِّه الأيسر، فقال ابن القاسم، وأشهب، وسَحْنُون: فإن لم يُوارُوه، أو ألقوا عليه يسيرًا من التراب، فليُحَوَّل إلى ما يَنْبَغِي، وإن فرغوا من دفنه تُرِكَ.
وكذلك رَوَى موسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، إذا جُعِلَ على شِقِّه الأيسر.
وقال سَحْنُون: إذا جعلوا رأسه موضع رِجْلَيْهِ، أو جعلوا وجهه مستدبر القبلة، وقد وارَوْه، ولم يخرجوا من القبر، فلينزعوا عنه التراب، ويجعلونه على ما يَنْبَغِي، وإن خرجوا من القبر، وواروا القبر، فليتركوه، ولا يُنْبَشُ.
وقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ في هذا، أنه يُخْرَجُ بحدثان دفنه، فإن طال وخيف عليه التَّغَيُّرُ، تُرك كذلك.
وقال أشهب في المجموعة: وإذا صَلَّوْا على الجنازة وهم جلوس أو ركوب، فلا يجزئهم، وليعيدوا.
في إمام الجنازة يُحْدِثُ، أو يذكر جنابة،
أو صلاة، أو يضحك، أو يرعف
من الْعُتْبِيَّة رَوَى موسى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وهو عنه في المجموعة، في إمام ذكر أنه صَلَّى على جنازة وهو جنب، وقد دفنت، أو لم تدفن؛ فالصلاة مجزئة، ولا تعاد.
قال هو، وأشهب: وهو كمن فاتته، ولم يصل عليها، وتجزى من خلفه، كصلاة الفريضة.
وكذلك لو كان بعض من خلفه جنبا أو على غير وضوء، فلا شيء عليه وإن لم يدفن.
ورَوَى موسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في الْعُتْبِيَّة، في إمام الجنازة إذا قهقه فِي الصَّلاَةِ، فليقطعوا جَمِيعًا ويبدءوا، وكذلك إن أحدث متعمدا، وإن أحدث غير متعمد، أو رعف، فليقدم غيره، كان وليا لها، أو لم يكن، وإن انصرف ولم يستخلف، فليقدم أحدهم فيتم بهم.
ولو ذكر فيها صلاة نسيها، فليتماد حَتَّى يتم بهم ويسلم، ويُصَلِّي ما ذكر، كان وليها أو إمام المصر، أو غيره.
وكذلك ذكر ابن حبيب، عَنِ ابْنِ المَاجِشُون، وأصبغ.
قَالَ ابْنُ سَحْنُون: قال أشهب: إذا قهقه إمام الجنازة، أو تكلم متعمدا، فليقدموا من يتم بهم بقية التكبير، ويبتدئ هو خلف المستخلف.
وقال سَحْنُون: بل يَنْتَقِض عليهم، ويبتدئون.
وكذلك إن تكلم عامدا.
ولا سجود في سهو صلاة الجنازة.
في مَنْ فاته بعض التكبير على الجنازة، وكيف إن كان الإمام
يكبر خمسا، ومن لم يعلم ببعض تكبير الإمام حَتَّى سلم
من المجموعة، قال علي بن زياد، عن مالك، في مَنْ أتى وقد فاته بعض التكبير في الجنازة، قال: يدعو، ولا يكبر حَتَّى يكبر الإمام فيكبر معه، فإذا سلم الإمام، قضى ما فاته من التكبير متتابعا.
قال عنه ابن نافع: قيل: فإن فاته التكبير كله، يكبر عليه؟ قال: لا أعلمه.
قال في المختصر: إذا سبقه الإمام ببعض التكبير؛ فذكر مثل رِوَايَة علي عنه.
وقال أيضًا: يكبر ولا ينتظره.
قَالَ ابْنُ عبد الحكم: والأول أَحَبُّ إِلَيْنَا.
قال عنه أشهب، في
العتبية: يكبر الآن وَاحِدَة، ثم يقف على ما سبق به، كما يحرم في المكتوبة وقد سبق بتكبير سوى الإِحْرَام، فلا يكبر غيرها، فإذا سلم إمام الجنازة؛ قضى هذا ما بَقِيَ عليه من التكبير تباعا.
قال عنه علي، في المجموعة: ولا يدعو.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإن دعا، فبدعاء خفيف، إلاَّ أن يتأخر رفعها، فيتمهل في دعائه.
وإذا قضى بالتكبير اجتزأ بالتكبيرة التي أحرم بها، ولا يقضيها.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال أَصْبَغُ: وإذا فاته تكبيرتان والإمام يكبر خمسا، فليكبر معه الثلاث، ويحتسب بالخامسة، فإذا سلم الإمام، كبر واحدة.
قال سَحْنُون: وقال أشهب: لا يكبر معه الخامسة، وإن كبرها معه فلا يعتد بها، وليقض كل ما فاته.
وقد تقدم هذا الباب آخر.
ومن المجموعة، ابن القاسم، عن مالك، في إمام الجنازة يشرع في التكبير، فلا يدري الناس ما كبر من كثرتهم، فسلم
الإمام، ولم يكبر هذا إلاَّ تكبيرتين: فليكبر ما بَقِيَ، وليجعل به حَتَّى يفرغ.
وكذلك في سماع ابن وهب.
في الجنازة، هل يُصَلِّي عليها من خاف فوتها بالتيمم،
وهل يُصَلِّي عليها قبل الدفن من فاتته؟
من المجموعة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وعلي، وابن وهب، عن مالك، في مَنْ حضرته الجنازة، وليس على وضوء، فيخاف إن تَوَضَّأَ أن تفوته، قال: لا يتَيَمَّم، ولا يُصَلِّي عليها بِالتَّيَمُّمِ في وجود الماء، في حضر ولا في سفر.
ومن (الموطأ)، رَوَى مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: لا يُصَلِّي على الجنازة إلاَّ طاهر.
قال أشهب: وكذلك لو أحدث فِي الصَّلاَةِ، إلاَّ مسافر لا ماء معه، وإذا انصرف فتوضأ، فليس عليه أن يرجع، وإن أدرك؛ إلاَّ أن يشاء.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال موسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وإذا جاء قوم وقد سلم إمام الجنازة، فلا يجلس ليصلي عليها الذين أتوا أفذاذا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولم ير مالك التَّيَمُّم للجنازة، يخاف فواتها في الحضر، إلاَّ في موضع يجوز التَّيَمُّم فيه للصلاة.
وكان ابن شهاب،
ويحيى بن سعيد، والنخعي، والشعبي، يرون إذا خاف فواتها، أن يتَيَمَّم لها، وإن كان في الحضر.
وبذلك أخذ الليث، وابن وهب.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: والأمر في ذلك، واسع.
ورَوَى أن عليا كان إذا فاتته الجنازة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم ارفع درجته في المهتدين، واخلف عقبه في الغابرين، وتحتسبه عندك يا رب العالمين، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.
وقد تقدم في باب آخر هل يُصَلِّي على القبر إذا لم يصل على الميت.
في الميت يدفن وقد ابتلع مالا، أو جوهرا،
أو الْمَرْأَة تموت تموت بجمع
من الْعُتْبِيَّة، قال أَصْبَغُ، في مَنْ أبضع معه مال، فابتلعه خوف اللصوص، أو كان المال لنفسه، ثم مات قال يشق جوفه ثم يخرج منه الدنانير، إن كان لها قدر.
ورَوَى أبو زيد، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فيه، إذا ابتلع جوهرا لنفسه، أو وديعة عنده، لخوف لصوص، فقال: يشق
جوفه ويخرج ذلك، كان له أو لغيره.
وذكر مثل ذلك ابن حبيب، عَنْ أَصْبَغَ، فيما كان له بال.
واختلف فيه قول سَحْنُون في كتاب ابنه، فقال: يشق فيما له بال.
وقال: لا يشق وإن كثر.
وقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لا يشق جوفه، ولو كانت جوهرة تسوى ألف دينار، وقد قالت عائشة: كسر عظم المؤمن ميتا ككسره حيا.
وقد قالوا فِي الْمَرْأَةِ، تموت بجمع وولدها يضطرب: إنه يستأنى به حَتَّى يموت.
فكيف هذا.
ومن المجموعة، قال سَحْنُون: يبقر على ولدها، إذا علمت حياته، ورجي خلاصه، وكذلك من ابتلع دنانير، ثم مات، فلا بأس أن يبقى عليها [قال]
أبو محمد:.
والذي ذكر ابن حبيب هو قول ابن القاسم.
قَالَ ابْنُ القرطي: ويَدُلُّ على أنه لا يبقر عليه قول الله تعالى: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج: 2]
. ولو قدر النساء على إخراجه برفق من مخرج الولد كان حسنا.
وقال محمد ابن عبد الحكم في كتاب آخر: رأيت بمصر رجلا مبقورا، على رمكة مبقورة.
في الميت يوارى، وقد نسوا في القبر مالا،
أو ثوبا أو غيره
من (كتاب ابن سَحْنُون): وإذا ذكر بعد الدفن أنهم نسوا في القبر كيسا، أو ثوبا لرجل، فإن كان بحدثان ذلك، نبش، وأخرجوا ذلك، فإن طال ذلك، وشاءوا أن يعطوا صاحب الثوب قيمة ثوبه، فذلك لهم، وإلاَّ فلهم أن ينبشوه، ويخرجوا ما نسوا.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال سَحْنُون: ولو ادعى رجل أن الثوب الذي على الكفن له، وقد دفن به، أو كان خاتمًا أو دنانير ادعاها، فإن كان ذلك يعرف، أو أَقَرَّ له به أهل الميت، ولم يدعوه لهم أو للميت، جعل له سبيل إلى إخراج ثوبه، وكذلك الخاتم والدنانير، وإذا كان الثوب الذي سجوه به للميت، وكان نفيسا، فليخرج، وإن لم يكن كثير الثمن ترك، وإن كان لغير الميت، فشح به صاحبه، كشف عنه، وأخذ ثوبه، نفيسا كان أو غيره.
ومن سماع عيسى، من ابن القاسم: وإذا دفن في ثوب ليس له، فلينبش لإخراجه لربه، إلاَّ أن يطول أو يروح الميت، فلا أرى إلى ذلك سبيلا.
في إنزال الميت في قبره، ومن ينزل المرأة،
وفي سترة القبر، وما يدعى للميت عند إقباره
من الْعُتْبِيَّة، قال موسى بن معاوية: حدثني جرير، عن مسعر، قال: كان يقال: إذا دلي الميت في قبره، قال له القبر: ما أعددت لبيت الوحدة، وبيت الوحشة، وبيت الدود.
وحدثني جرير، عن وكيع، عن مالك بن مغول، عن عبيد بن عمير نحوه.
ومن المجموعة، قال علي، عن مالك: ليس في عدد من ينزل القبر سنة، في شفع ولا وتر، ولا بأس أن ينزل فيه الرجل بخفيه أو نعليه.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: واسع أن يلي إقبار الميت الشفع والوتر.
قَالَ ابْنُ المسيب: والذين دلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره أربعة؛ العباس، وعلي، والفضل بن عباس، وصالح مولاه، وهو شقران، وهم ولوا غسله، وتكفينه، وإحباءه.
واختلف في الرابع، فقال ابن المسيب: هو صالح.
وقال موسى بن عقبة: هو أسامة بن زيد.
وقال الشعبي: عبد الرحمن بن عوف.
ومن المجموعة، قال أشهب: وإذا وضع الميت في اللحد، قال: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، اللهم، تقبله بأحسن قبول.
وإن دعي
له بغير ذلك فحسن، وإن تُرِكَ ذلك فواسع.
قال: وإن أُدْخِلَ من القبلة، أو سُلَّ من ناحية رأسه من الشق الأيسر، وأنت في القبر، فواسعٌ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإدخاله من ناحية القبلة أَحَبُّ إِلَيَّ.
قال: ويُلْحَدُ الميت على شقه الأيمن إلى القبلة، ويَمُدُّ يده اليمنى على جسده، ويَعْدِلُ رأسه بالثرى؛ لئلا يتصوب، ويعْدِل رِجْلَيْهِ، ويَرْفُق في ذلك.
ويَحُلُّ عُقَدَ كفنه إن عُقِدَ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ومما يُسْتَحَبُّ أن يقال عند ذلك، وقد بلغني ذلك مفترقًا فجمعته: بسم الله، وبالله، وإلى الله، وعلى مِلَّة رسول الله، وملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين، اللهم افسح له في قبره، ونَوِّر له فيه، ولقِّنْه حُجَّته، ووَسِّعْ عليه حفرته، وألحقه بنبيِّه، وأنت راضٍ عنه، اللهم نَزَل بك صاحبنا هذا، وأنت خير منزول له، اللهم اجعل ما خرج إليه خيرًا مما خلَّفَ وراء ظهره، اللهم وقِهِ فتنة القبر وعذاب جهنَّم، اللهم أَسْلَمَهُ إليك الأهلُ والمالُ والعشيرة، وذنبه عظيم فاغفر له.
قال: ويلي إنزال الْمَرْأَة في قبرها
مع زوجها من حضر من ذوي محارمها، فإن لم يكونوا، فمن حضر من أهل الفضل، وليكونوا في أعلاها، والزوج في أسفلها، فإن لم يكن زوج، فأقربهم إليها من ذوي محارمها، فإن لم يكونوا، فأهل الصلاح مِمَّنْ حضرها، إلاَّ أن يُوجد نساء يلين ذلك من القواعد وذوات الأسنان، ولهن عليه قوة، بلا مضرَّة عليهن فيه، ولا عورة منكشفة، فهن أولى من الرجال، إذا لم يكن ذو رحم منها.
وقال أَصْبَغُ، في ذلك: وليستر قبرها بثوب.
وكذلك فُعِلَ بزينب بنت جحش، وهي أَوَّل من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أشهب في المجموعة: وما أكره أن يُسْتَرا القبر في دفن الرجال، وأما الْمَرْأَة فهو الذي يَنْبَغِي، وذلك واسع في الرجال.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال موسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قال: وسَتْرُ القبر للمرأة بثوب مما يَنْبَغِي فعله، فإن لم يكن من محارمها مَنْ يقبرها، فأهل الصلاح أولى بذلك.
قال: وزوجها أحق بإنزالها في قبرها من الأب والولد.
قال سَحْنُون في المجموعة: يُنْزِلها الزوج مع ذي محرم منها، ويكون الزوج في وسطها، فإن لم يكن لها ذو محرم فليُدْخِلها
النساء في قبرها، فإن لم يكن فأهل الفضل.
وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إن لم يكن قرابة لها، فأهل الفضل من الرجال.
ولم يذكر النساء، وقد تقدَّم هذا في باب آخر: وذِكْر مَنْ أنزل عائشة في قبرها، في باب الدفن ليلاً.
في الميت في البحر كيف يُوارى، وكيف إن ألقاه
البحر بعد أن صُلِّيَ عليه، وأُلقي فيه
من الْعُتْبِيَّة، حدثنا موسى بن معاوية، عن حفص بن عتاب، عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء بن أبي رباح، قال في الميت في البحر: يُغَسَّل ويُكَفَّنُ، ويُحَنَّطُ، ويُصَلَّى عليه، ويُرْبَطُ في رجله شيء يُثَقَّلُ به، ويُلْقى في الماء.
ومن المجموعة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذا طمعوا بالبَرِّ من يومهم، وشبه ذلك حبسوه حَتَّى يدفنوه في البر، وإن يئسوا من البر في مثل ذلك، غُسِّل وكُفِّن وحُنِّط وصُلِّيَ عليه حين يموت، وألقوه في البحر، ولا يحبسوه أيامًا.
وقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مثله، وقال: ويشدُّوا عليه أكفانه، ويُلقوه في الماء، مستَقْبِل القبلة، مُحَرَّفًا على شقِّه الأيمن.
وكذلك قَالَ ابْنُ
المَاجِشُون، وابن القاسم، وأصبغ، ولا يُثَقِّلوا رجله بشيء ليغرق، كما يفعل من لا يعرف، وإن ألقاه البحر على ضفَّته، فحقٌّ على من وجده أن يدفنه.
وقال سَحْنُون في كتاب ابنه: إن طمعوا بالبر صبروا، مثل يوم ونحوه، ما لم يخافوا عليه، فإن خافوا عليه غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه إلى القبلة، وإن دار المركب أداروه، وإن غلبهم ذلك، صَلَّوْا عليه بقدر طاقتهم، ويُثَقَّل بشيء إن قدروا.
في جمع الْمَيِّتَيْنِ في قبر أو كفن
من الْعُتْبِيَّة وفي سماع ابن غانم، من مالك، رِوَايَة عون، قال أشهب: لا أُحِبُّ أن يُكَفَّن رجلان في ثوب، إلاَّ عن ضرورة، فإن فعلوا لضرورة، أو لغير ضرورة، قدَّموا في اللحد أفضلهما، ولا يُجعل بينهما حاجز من الصعيد، ولمن فعل ذلك من غير ضرورة حظُّه من الإساءة.
قال موسى بن معاوية، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وإذا دُفِنَ الرجال والنساء والصبيان في قبر من ضرورة، جُعِلَ الرجال مما يلي القبلة، والصبيان من ورائهم، والنساء من وراء الصبيان، وأما فِي الصَّلاَةِ،
فيلي الإمام الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء.
وفي باب جمع الجنائز فِي الصَّلاَةِ، وفي باب الصلاة على المنفوس من هذا.
في اللحد والشق، وإكفائه بِاللَّبِنِ أو غيرها، والحثان
في القبر، وإعماقه، وتسنيمه، ورشِّه والدفن في التابوت
في القبر، وهل يُدفن على الموتى، ومن دُفن في قبر
لغيره، أو أرضه
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: واللحد أفضل من الشق، وقد أُلحد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، ولا أُحِبُّ ترك اللحد إلاَّ لتُربة تنهلُّ، أو أمر لا يُستطاع.
قَالَ ابْنُ مزين، وغيره: واللحد أن يُحفر في الحرف في حائط القبر، ويُدخل فيه الميت، ويُسَدُّ باللَّبِنِ.
قال مالك في الْعُتْبِيَّة، في سماع ابن غانم: اللحد والشقُّ كلٌّ واسع، واللحد أَحَبُّ إِلَيَّ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ويُستحبُّ ألا يُعَمَّقَ القبر جدًّا , ولكن قدر عَظْمِ
الذراع.
قال عمر بن عبد العزيز: لا تُعَمِّقوا قبري.
قال: ويُنْصَبُ على اللحد اللَّبِنُ، كذلك فُعِل بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر.
ويُكْرَه التابوت، قال موسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ في الْعُتْبِيَّة: أكره الدفن في التابوت، والسُّنَّة اللَّبِنُ، وأما اللوح فلا أراه إلاَّ أن لا يوجد لبن ولا آجُرٌّ.
وذكر سَحْنُون في كتاب الشرح المنسوب إلى ابنه، أنه قال: لم أرَ أحدًا مِنْ أَصْحَابِنَا، ولا سمعت عنه أنه كَرِهَ اللوح، غير ابن القاسم، ولا أرى به بأسًا، وأما التابوت فلا يُدْفَن فيه.
ومن المجموعة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وأشهب: لا بأس أن يُجعل على اللحد اللَّبِنُ، أو القصب أو اللوح، وذلك خفيف.
قال أشهب: ولا أُحِبُّ من ذلك ما كان على وجه السرف والفخر.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا يَنْبَغِي اللوح، ولا الآجرُّ، والقراميد، والقصب، ولا الحجارة، وأشَرُّ ذلك التابوت، وأفضله اللَّبِنُ، فإن لم يوجدْ، فاللوحُ خيرٌ من القراميد،
والقراميد خير من الآجرِّ، والآجرُّ خير من الحجارة، والحجارة خير من القصب، والقصب خير من سنِّ التراب، وسن التراب خير من التابوت، ولم يبلغني سنُّ التراب عن أحد مِمَّنْ مضى، غير عمرو بن العاص أمر به في نفسه.
ويُسْتَحَبُّ سدُّ الخلل الذي بين اللَّبِنِ، ولقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في ابنه إبراهيم، وقال: «إِنَّ ذَلِكَ لا يُغْنِي عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ أَقَرُّ لِعَيْنِ الْحَيِّ».
وقال: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلاً، أَنْ يُحْسِنَهُ».
وفي حديث آخر: «أَنْ يُتْقِنَهُ».
ويُسْتَحَبُّ لمن كان على شفير القبر أن يحثو فيه ثلاث حثيات من التراب، وليس بلازم، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في قبر عثمان بن مظعون، وليس على إلزام، وقد وقف سالم على شفير قبر، فانصرف ولم يَحْثُ فيه.
قَالَ ابْنُ سَحْنُون، عن أبيه، قال مالك: لا أعرف حثيان التراب في القبر ثلاثًا، ولا أقلَّ ولا أكثر، ولا سمعت عن أمر به.
والذين يَلُون
دفنها يلون ردَّ التراب عليها.
ومن المجموعة، قال أشهب: وأَحَبُّ إِلَيَّ أن يُسَنَّمَ القبر، وإن رُفِعَ فلا بأس.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَحَبُّ إِلَيَّ أن يُسنَّم ولا يُرفَعَ.
ورُوِيَ أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر مُسَنَّمَةٌ.
قال: ومن شأنهم رشُّ الماء على القبر ليشتَدَّ.
رُوِيَ أنه فُعِلَ ذلك بقبر النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: وإذا صادف الحافر للقبر قبرًا، فليَرُدَّ ترابه ويَدَعْه، فإن حُرمة كسر عظامه ميِّتًا كَحُرْمَتِهِ حيًّا.
ومن كتاب آخر أن عمر بن عبد العزيز اشترى موضعًا دُفِنَ فيه من ذُمِّيّ من أهل الصلح.
وذكر مالك في الموطأ أن عروة قال: ما أُحِبُّ أن أُدفن بالبقيع، إِنَّمَا هو أحد رجلين إما ظالم، فلا أحب أن أكون معه، وإما صالح فلا أحب أن تُنْبَشَ لي عظامه.
قال سَحْنُون في الْعُتْبِيَّة: قال بعض العلماء: من حفر قبرًا في المقبرة لوليه، فجاء غيره فدفن فيه، فعلى فاعل ذلك أن يحفر للأول قبرا مثله في المقبرة.
قال أبو بكر: عليهم قيمة حفر القبر.
ومن المجموعة ابن القاسم، عن مالك، في قوم كان لهم فناء، يرمون فيه عرضا لهم، ثم غابوا فاتخذ مقبرة، ثم جاءوا فأرادوا تسويتها، وأن يرموا فيها عرضهم، قال: أما ما قدم من ذلك، فذلك لهم، وأما الشيء الجديد، فلا أحب لهم ذلك.
قال أبو محمد: أراد لأنه من الأفنية، وليس من الأملاك المحوزة، ولو كان من ذلك، لكان لهم الانتفاع بظاهرها.
ورَوَى ذلك عن علي بن أبي طالب، قال: واروني في بطنها، وانتفعوا بظهرها.
في إقبار الميت، والصلاة عليه ليلا
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قال مُطَرِّف: ولا بأس بالصلاة على الجنازة ليلاً
وبالدفن ليلاً.
وقاله ابن شهاب، وابن أبي حازم.
وقد دُفن الصديق ليلاً، وفاطمة، وعائشة، ليلاً.
وماتت فاطمة لثلاث خلون من رمضان؛ بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر.
وماتت عائشة في خلافة معاوية، ليلة الثلاثاء لسبع عشرة من رمضان سنة ثمان وخمسين، وأمرت أن تدفن في ليلتها، وصَلَّى عليها أبو هريرة.
ونزل في قبرها ابنا الزبير؛ عبد الله، وعروة، ابنا أختها أسماء، والقاسم وعبد الله، ابنا أخيها محمد، وعبد الملك ابن أخيها عبد الرحمن.
في البناء على القبور، وتجصيصها، والكتاب عليها، وبناء
الْمَسَاجِد عليها، والجلوس والمشي وزيارتها
من الْعُتْبِيَّة، من سماع ابن القاسم: وكره مالك أن يرصص على القبور بالحجارة والطين، أو يبنى عليها بطوب أو حجارة.
قال: وكره هذه الْمَسَاجِد المتخذة على القبور.
فأما مقبرة دائرة يبنى فيها مسجد يُصَلَّى فيه، لم أر به بأسا.
وكره ابن القاسم: أن يجعل على القبر بلاطة، ويكتب فيها، ولم
ير بالحجر والعود، والخشبة بأسا، يعرف الرجل به قبر وليه، ما لم يكتب فيه، ولا أرى قول عمر ولا تجعلوا على قبري حجرا.
إلاَّ أنه أراد من فوقه، على معنى البناء.
ومن (كتاب ابن حبيب): ونهى عن البناء عليها، والكتاب، والتجصيص، ورَوَى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ترفع القبور، أو يبنى عليها، أو يكتب فيها، أو تقصص – ورَوَى: تجصص – وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض.
وفعله عمر.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تقصص أو تجصص، يعني تبيض بالجير أو بالتراب الأَبْيَض، والْقَصَّة: الجير وهو الجص.
ويَنْبَغِي أن تسوى تسوية تسنيم.
ولا بأس أن يوضع في طرف القبر الحجر الواحد؛ لئلا يحفر موضعه إذا عفا أثره.
ولا بأس بالجلوس على القبور، وإِنَّمَا نهي عن الجلوس عليها للمذاهب للغائط والبول.
وكذلك فسر مالك، وخارجة بن زيد.
وقد رَوَى ذلك مفسرًا للنبي صلى الله عليه وسلم.
وكان علي بن أبي طالب يتوسدها، ويجلس عليها.
ولا بأس بالمشي على القبر إذا عفا، فأما وهو منسم، والطريق دونه، فلا أحب ذلك؛ لأن في ذلك كسر تسنيمه، وإباحته طريقا.
وقد رَوَى للنبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ذلك.
ولا بأس بزيارة القبور، والجلوس إليها، والسَّلام عليها عند المرور بها، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قدم ابن عمر من سفر، وقد مات أخوه عاصم، فذهب إلى قبره ودعا له واستغفر.
وفي غير (كتاب ابن حبيب)، ورثاه فقال:
فإن تك أحزان وفائض دمعة ... جرين دَمًا من داخل الجوف منقعا
تجرعتها في عاصم واحتسبتها ... فأعظم منها ما احتسبنا تجرعا
فليت المنايا كن خلفن عاصما ... فعشنا جَمِيعًا أو ذهبن بنا معا
دفعنا بك الأيام حَتَّى إذا دنت ... تريدك لم نستطع لها عنك مدفعا
وقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وفعلته عائشة لما مات أخوها عبد الرحمن، وهي غائبة، فلما قدمت أتت قبره، فدعت له واستغفرت.
قال: وربما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى البقيع يستغفر لهم.
وكان عليه الصلاة والسَّلام إذا سلم على أهل القبور، يقول: «السَّلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا بكم إن شاء الله لاحقون، اللهم ارزقنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم».
والقول في ذلك واسع، بقدر ما يحضر منه.
ويَدُلُّ على التسليم على
أهل القبور، ما جاء من السنة، في السَّلام على النبي عليه الصلاة والسَّلام، وأبي بكر، وعمر، مقبورين.
وقد آتى النبي صلى الله عليه وسلم قبور شهداء أحد، فسلم عليهم ودعا لهم.
ومن المجموعة، قال علي: سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: قد كان نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ثم أذن فيه.
فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلاَّ خيرا، لم أر به بأسا، وليس من عمل الناس.
ورَوَى عنه أنه كان يضعف زيارتها.
قَالَ ابْنُ القرطي: وإِنَّمَا أذن في ذلك ليعتبر بها، إلاَّ للقادم من سفر وقد مات وليه في غيبته، فيدعو له ويرحم عليه.
وتؤتى قبور الشهداء بأحد، ويسلم عليهم، ويؤتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويسلم عليه، وعلى ضجيعيه.
في بقاء الروح، وذكر النفس والروح،
وذكر فتنة القبر
قال أبو محمد: ومن قول أهل السنة، وأئمة الدين في الأرواح، أنها باقية، فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين، وأرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم يبعثون.
قال الله تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: 169، 170]
الآية.
وهذا والذين من خلفهم بعد في الدنيا.
وقال في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: 46]
. وهذا قبل قيام الساعة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]
. وقال: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: 42]
. ولم يقل: فيميت التي قضى عليها الموت.
فوفاة النفوس والأرواح تُوَفِّي قبض، لا تُوَفِّي بلا شيء.
قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: 61]
. وذلك زوال الروح عن الجسد.
وقال في الكفار: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: 93]
. ولم يقل: إنهم يميتوا أنفسهم.
وقال في قول من قال من الموتى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: 99]
، فهذا قول الروح، وإذا كان الشهداء قبل يوم القيامة أحياء
يرزقون، فكذلك لا يدفع أن يكون من سعد بطاعته، أن تكون روحه حيا منعما، ويتفاضلون في الدرجات، وقد تظاهرت الأحاديث بنعيم أرواح المؤمنين بعد الموت، قبل القيامة، وأنها تأوى إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأنها تعلق في شجر الجنة، يقول: تأكل كما قال في الشهداء: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]
. وهذا لا يدفعه إلاَّ زائغ أو ملحد.
وأما حديث في حواصل طير، فليس بصحيح، والصحيح ما ذكرنا، مما يؤيده القرآن؛ ولأن الروح لا يرجع إلاَّ إلى جسده الذي كان فيه، وبذلك جاء الحديث في النفخ في الصور، ليخرج به الأرواح، كل روح إلى جسده.
واختلف في النفس والروح، فقيل: إنهما اسمان بمعنى واحد.
وإليه ذهب غير واحد مِنْ أَصْحَابِنَا، منهم سعيد بن محمد الحداد.
وذكر أصبغ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في الْعُتْبِيَّة: أنه سمع عبد الرحيم بن خالد يقول: بلغني أن الروح له جسد، ويدان، ورجلان، ورأس، وعينان، يسل من الجسد سلا.
وفي رِوَايَة ابن حبيب، عن
أصبغ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عن عبد الرحيم، أن النفس هي التي لها جسد مجسد قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وهي جسد مخلق مركب عليه خلق، وخلق في جوفه خلق، يسل من الجسد عند الوفاة، بخلقها وصورتها، ويبقى الجسد جثة.
وذكر ابن الْقُرْطِيِّ في (كتابه)، نحو رِوَايَة ابن حبيب.
ذكرها عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وقال: والروح كالماء الجاري فيها.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: والروح هو النفس الجاري الداخل والخارج، فلا حياة للنفس إلاَّ به، فالنفس هي التي تلذ وتفرح، وتألم وتغفل، وتسمع وتبصر، وتتكلم الروح لا تلذ ولا تألم، ولا تعرف شَيْئًا.
والنفس تقبض عند النوم، كما قال الله تعالى، وتبقى الروح لا تعرف شَيْئًا.
والنفس هي التي تَرَى في منامها، وتألم وتحزن وتفرح، فمن انقضى أجله تبع روحه نفسه في المنام، فكان ذلك توفيه، وهو من قول الله تعالى: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42]
. فهي التي ترجع إلى جسدها ما بَقِيَ من تمام أجلها.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، عند المضطجع: «اللهم إن أمسكت نفسي، فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك».
ومنه قول الله تعالى: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ
فِيهِ} [الأنعام: 60]
. يقول من وفات نومكم، و ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: 60]
، أجل الموت: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام: 60]
، يقول: بالموت.
فليست تموت الأنفس والأرواح، وإِنَّمَا تموت الأجساد بخروج النفس، ثم هي حية عند الله باقية.
فهذا ما في (كتاب ابن حبيب)، ولم يقل أصبغ في رِوَايَة العتبي: إن النفس غير الروح.
ولا ذكر النفس، وإِنَّمَا قال: الروح هو الذي له جسد مجسد، والله أعلم، والذي ذكر في الحديث؛ «أن أرواح المؤمنين تأوي إلى قناديل».
ولم يذكر النفس، والله أعلم.
وكيف كان ذلك، فلا شك أن الأرواح الخارجة من الأجساد باقية.
في التعزية بمصيبة الموت،
وهل يعزى الكافر؟
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وقد جاء في تعزية المصاب ثواب كثير، وجاء أن الله يلبس الذي عزاه لباس التقوى.
ورَوَى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عزى قال: «بارك الله لك في الباقي، وأجرك في الفاني».
وعزى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة بابنها فقال: «إن لله ما أخذ، وله ما أبقى، ولكل أجل مسمى، وكل إليه راجع، فاحتسبي واصبري، فإنما الصبر عند أَوَّل الصدمة».
وكان