كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
سوق، فلا بأس أن يبيعه فيها.
قيل: فإذا أراد أن يخزنه في منية موسى، ثم بدا له أن يبيعه، قال: لا بأس بذلك.
قال ابن القاسم: قال مالك في الأجنة التي تكون حول الفسطاط من نخيل وأعناب، يخرج إليها التجار، فيشترونها ويحملونها في السفن إلى الفسطاط ليبيعوها، فلا بأس بذلك.
قال في سماع أشهب في الذين يشترون الثمار من الحوائط، ثم يدخلونها المدينة، فيبيعونها على أيديهم، فرآه من التلقي.
وقال أشهب: لا بأس به، وليس من التلقي، والتلقي: أن تلقى الجلاب قبل أن يهبط إلى السوق، فتبتاع منه.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك في قوم خرجوا إلى الغزو في تجارة، فيلقون تجارة ببعض الطريق، فلا أحب أن يشتروا منها للبيع، وإن جلبوا إلى البلد أو غيرها، ولا باس بشرائهم ما يأكلون، وكذلك القرى الذين يمرون بهم، فأما البيع بموضعهم بضرب أو جلب، فلا.
وأما التجار يخرجون إلى الحوائط يشترون منها، ويردون الأسواق، فلا بأس، وما أرسي بالساحل من السفن من التجار، فلا بأس أن يشتري منهم الرجل الطعام وغيره فيبيعه بها، إلا أن تأتي الضرورة والفساد، فيكون من باب الحكرة، فلا يصلح.
قال مالك: ولا تلقى السلع بالجبانة.
قال مالك: ولا يطيب للمتلقي ربح ما تلقى.
ولا أحب أن يشترى من لحم ما تلقى.
وكذلك في العتبية من سماع ابن القاسم.
[6/ 445]
قال محمد: واختلف قول مالك في شراء المتلقي، فقال عنه ابن القاسم: ينهى، فإن عاد أدب، ولا ينزع منه شيء.
وروى عنه ابن وهب أنه ينزع منه، فيباع لأهل السوق، فما ربح فهو بينهم، والوضيعة على المتلقي.
قال ابن القاسم: أرى أن يشرك فيها التجار وغيرهم ممن يطلب ذلك، ويكون كأحدهم.
وقاله ابن عبد الحكم بالحصص بالثمن الأول.
وقال أصبغ بقول مالك الأول: إن عاد أدب، ونفي من السوق، وإنما يشتركون فيما يحضرون فيه بالسوق، فيطلبون الشرك، فيكون كأحدهم.
قال محمد: الصواب في المتلقي أن يرد شراؤه، وترد على بائعها إن وجد، فإن فات أو من يقوم ببيعها عن صاحبها.
وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو مردود.
قال في الواضحة: ويفسخ شراء المتلقي، وترد السلعة، فإن فات بائعها، فإن كان المتلقي ليس بمعتاد، ترك له، وزجر، وإن كان معتادًا، فإن كان لها سوق، وقوم راتبون فيه لبيعها، فلهم أخذها بالثمن أو يدعوها، وإن لم يكن لها أهل راتبون، عرضت في السوق بثمنها لعامة الناس، فإن ام يوجد من يأخذها بذلك تركت لربها، ويؤدب المعتاد بما يراه الإمام من سجن أو ضرب أو إخراج من السوق.
وهذا في العروض.
فأما في الطعام كله، فليوقف لكل الناس بالثمن، وإن كان له أهل راتبون.
قالوا: وإذا بلغت السعة موقفها، ثم انقلب بها ولم يبع، أو باع بعضها، فلا بأس أن يشتريها من مرت ببابه، أو من أراد بيعها.
وروى عيسى في العتبية عن ابن القاسم نحو ما ذكر ابن حبيب إن كان لها أهل راتبون، فإن لم يكن لها أهل راتبون يبيعونها في حوانيتهم من الناس، وإنما جل شأنها أن جالبها يبيعها من الناس كافة، فلتوقف للناس كافة بالثمن، فإن لم يأخذها أحد إلا بأنقص منه، تركت له.
قال: وإن فاتت بيده وكان معتادًا أدب، وإن لم يكن
[6/ 446]
معتادًا، زجر وأمر ألا يعود.
قيل: هل يتصدق بالربح؟ قال: ليس بحرام، ولو فعل ذلك احتياطًا، لم أر به بأسًا.
ومن العتبية: قال سحنون، عن ابن القاسم في المتلقي، قال: يعرض على أهل السوق، فإن لم يوجد بالثمن، ردت إليه، لا إلى ربها، ويؤدب إن لم يعذر بجهل.
قال: وقال لي غير ابن القاسم: يفسخ البيع في هذا، وفي بيع حاضر لباد، وفي السوم على سوم أخيه، وترد إلى ربها.
وروى أصبغ، عن ابن القاسم، في بيع الحاضر لباد: يفسخ، كان البادي حاضرًا أو غائبًا، وذلك في المتلقي مثل ما روى عنه سحنون.
وفي العتبية من سماع ابن القاسم في أهل السوق يبيعون على أيديهم، يشترون من أهل السوق الطعام مثل أهل الحوانيت ممن يبيع بالأفلس، يشترون من أهل السواحل، فلا بأس به.
قال: والذي يتلقى السلع، فيقدم بها المدينة ليبيعها، قال: لا ينبغي ذلك، باع أو أمسك، ولمثل هذا كره المتلقي أن يخرج من المدينة عارف بالسعر، فيشتري على معرفة.
في بيع الحاضر للبادي
من كتاب ابن المواز: قال مالك في النهي عن بيع الحاضر للبادي: هم الأعراب أهل العمود، لا يباع لهم، ولا يشار عليهم.
قال محمد: فيما يأتون به للبيع.
وكذلك قال في الواضحة، وقال: ولم يرد بذلك أهل القرى الذين يعرفون الأثمان والأسواق.
ومن كتاب ابن المواز: قيل لمالك: فإن كانوا أيام الربيع في القرى، ومن بعد ذلك في الصحراء على الميلين من القرية، وهم عالمون بالسعر، قال: لا يباع لهم.
[6/ 447]
قال مالك: ولا يبيع مدني لمصري، ولا مصري لمدني.
قال أصبغ: ويفسخ إن ترك.
وقال مالك قبل ذلك: إنما يكره ذلك لمن كان من أهل القرى يشبهون أهل البادية، فأما أهل القرى من أهل الريف، ممن يرى أنه يعرف السوم، فلا بأس به، وأرجو أن يكون خفيفًا.
وذكره كله في العتبية، ولكنه قال: فأما أهل المدائن يبيع بعضهم لبعض فأرجو أن يكون خفيفًا.
قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: وهذا أحب إلينا.
قال مالك: وأهل القرى ممن يشبهون أهل البادية، فلا يباع لهم، ولا يشار عليهم، ولا بأس أن يشترى لهم.
قال مالك في العتبية: إذا قدم البدوي، فأكره أن يخبره الحضري بالسعر، ولا بأس أن يشتري له، بخلاف البيع له.
قال ابن القاسم: وإن باع حضري لباد، فسخ البيع، حضر البادي أو بعث إليه بالسلعة.
ولم ير ابن عبد الحكم فسخه.
وقول ابن القاسم هو الصواب.
وذكر ابن حبيب عن مالك أنه يفسخ.
قال ابن حبيب: وكذلك الشراء؛ لأنه يدخل فيه مثل ما له نهي عن البيع.
وروى ابن القاسم عن مالك أنه أجازه ولم يره مثل البيع.
قال: ولا يبعث البدوي إلى الحضري بمتاع يبيعه له، ولا يشتري له وهو غائب، ولا يشير عليه في البيع إن قدم، وقاله مالك في المشورة.
ومن العتبية: أصبغ عن ابن القاسم في أهل أبي منا وأهل أبي صير، هل ينهى عن البيع لهم، كما ينهى عن بيع حاضر لباد؟ قال: لا، إنما يراد بهذا أهل القرى، ومن ذكرت أهل مدائن وكور من كور مصر.
[6/ 448]
قال ابن القاسم: إن باع حاضر لباد، فسخ البيع، ويؤدب المعتاد وبزجر.
وروى سحنون، قال: لا يفسخ، ويؤدب فاعله.
قال: وقال غيره: يفسخ.
وروى زونان، عن ابن وهب، قال: يزجر، لا يؤدب وإن كان عالمًا بمكروهه.
وقال أشهب، وابن وهب، في الحضري يأتي البادي في باديته، فلا ينبغي أن يخبره بالسعر، ولا يشير عليه.
وقال أشهب في البدوي يأتي إلى الحضر بسلعته، فيعرضها على الحضري، فلا يبيعها له.
قال ابن القاسم: ولا يشير عليه إن قدم، وله أن يشير له، أو يشير عليه في الشراء ويجهز عليه.
وكذلك روى عنه أصبغ: لا بأس أن يشتري لرسوله.
باب في التسعير في الطعام وغيره
وما يحمل الناس على المساواة بين السكك
وجواز النقد الرديء وقطع الدنانير والدراهم
من العتبية: من سماع ابن القاسم، قال مالك في السوق إذا أفسده أهله، وحطوا سعره، أيسعر عليهم؟ فكره التسعير وأنكره.
أشهب عن مالك قال: وصاحب السوق يقول للجزارين: اشتروا على ثلث رطل بسعره من الضأن، وعلى نصف رطل من الإبل، وإلا فاخرجوا من السوق.
قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى في شرائهم، فلا بأس به، ولكن أخاف أن يقوموا من السوق.
قيل: إن صاحب الجار أراد أن يسعر على السفن، قال: بئس ما صنع.
قال أصبغ، عن ابن القاسم، عن مالك: لا يقدم على أهل الحوانيت ولا غيرهم شيئًا مما في السوق من طعام وإدام وزيت وزبد وبقل وغيره.
[6/ 449]
قال: ولو باع الناس ثلاثة أرطال بدرهم، فباع واحد منهم أربعة بدرهم، قال: لا يقام الناس لواحد، ولا اثنين، ولا أربعة، ولا خمسة، وإنما يقال الواحد والاثنان إذا كان جل الناس على سعر، فحط هذان منه.
ومن كتاب ابن المواز: لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع الناس.
محمد: يريد صنف سلعته في جودتها فيما قد جرى سعره، وليس عليه أن يبيع الجيد مثل الرديء.
وكذلك في العتبية مثله.
ومثل هذا التفسير لسحنون.
ومن كتاب محمد والعتبية، ومن سماع ابن القاسم، قال مالك: ولا يسعر على الناس في السوق، ومن حط من السعر، منع وأخرج من السوق، ومن زاد في السعر، لم يؤمر غيره أن يلحق به.
قال في العتبية: ومن طعامه ليس بجيد من أهل السوق، فنزل السعر، فلا يقال لغيره: إما بعت مثله، وإلا فاخرج، وإنما يقال ذلك إن حط من سعر الناس، وأراد الفساد.
ومن كتاب محمد، قال مالك: وإذا حط أهل السوق كلهم إلا واحدًا، فلا يمنع، وإذا حط السعر واحد، فهذا يقال له: الحق بهم، وإلا فاخرج.
وكره مالك التسعير وأعابه.
ومن الواضحة: ونهى ابن عمر، والقاسم، وسالم، عن التسعير.
وأرخص فيه ابن المسيب.
وقال ربيعة، ويحيى بن سعيد: إذا كان الإمام عدلاً، وكان ذلك صلاحًا ونظرًا للمسلمين يقوم بقيمة يقوم عليها أمر التاجر، ولا ينفر منها الجالب.
قال ابن حبيب: وليس ما أجازوه من ذلك في القمح والشعير وشبهه؛ لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه لأن الجالب يبيعه، ولا يترك التجار يشترونه ليبيعوه
[6/ 450]
على أيديهم، وأما مثل الزيت، والسمن، والعسل، واللحم، والبقل، والفواكه، وشبهه، ذلك مما يشتريه أهل السوق للبيع على أيديهم، ما عدا البز والقطن وشبهه، فينبغي للعدل إن أراد أن يسعر شيئًا من ذلك أن يجمع وجوه أهل السوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارًا على صدقهم، فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون؟ فإن رأى شططًا نازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سدادًا حتى يرضوا به، ثم يتعاهدهم، فمن حط من ذلك قيل له: إما بعت بسعر الناس، وإما دفعت، ويؤدب المعتاد، ويخرجه من السوق، ومن باع أرخص من ذلك، لم يمنعه إن فعله واحد أو اثنان، فأما إن كثروا، فليحمل من بقي على ذلك، أو يخرجوا.
قال: ولا يجبرون على التسعير، ولكن على ما ذكرنا.
وعلى هذا أجازه من أجازه، ولا يكون التسعير إلا عن رضًا، ومن أكره الناس عليه فقد أخطأ، ويكشف الإمام كل حين عن شرائهم من التجار، فإن حط السعر عن الأول عاودهم في التسعير، وراوضهم إلى ما فيه سدد، ولا يسعر على جلاب شيء ما لم يزد بأرفع من السعر الذي رضي به أهل الحوانيت، فليس لهم الزيادة عليه، فإما باعوا به، وإلا رفعوا.
وأما جلاب القمح والشعير وشبهه من الأقوات، فلا تسعير فيه، لا بتراض ولا غيره، ولهم بيعه على أيديهم في السوق.
والبزاز كيف شاءوا، فإن رخص بعضهم في السعر، تركوا إن قلوا، وإن كثر المرخصون، قيل لمن بقي: إما أن تبيع مثل أولئك، وإلا فارفعوا، إلا من أغلى لجودة بينة، ولا يفعل مثل هذا بمن أغلى في العروض وما لا يكال ولا يوزن، وإن اتفق في الجنس والصفة، ويفعل ذلك فيما يكال ويوزن، كان يؤكل ويشرب، أو لا يؤكل ولا يشرب.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: ولا ينبغي للإمام أن يكره أحدًا على أن يأخذ من النقد ما لا يريد، ولا ينبغي أن ينادي أن تجوز الدراهم كلها،
[6/ 451]
وكذلك دنانير مختلفة النفاق في الصرف، ولا يكره الناس على أخذ المنحط في الصرف، وإن كان جيد الذهب، وليبع كل أحد بما شاء، وكذلك الدنانير القائمة والناقصة، والدراهم كذلك، يترك كل واحد وما اختار وفي ذلك رفق.
وكره مالك أن يأتي بدرهم فيه نقصان، فيقول: أعطني بما فيه.
وهذا مجهول، ويمنع الناس من قطع الدنانير والدراهم، وجاء أن ذلك من الفساد، وقيل: إن ذلك معنى قول الله سبحانه: ﴿أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ [هود: 37].
وكره مالك قطع الدنانير المقطعة.
وسئل مالك عن جواز الدراهم الرديئة، فقال: أما كل بلد مثل مكة يجوز بها كل شيء، فلا بأس، وأما غيرها، فلا أحب ذلك حتى يبين.
باب في احتكار الطعام وغيره
وهل يخرج من أيدي أهله في الغلاء؟
من كتاب ابن المواز: قال مالك: وينهى عن الاحتكار عند قلة تلك السلعة، وعند الخوف عليها.
قال مالك: وذلك في الطعام وغيره من السلع، فإذا كان الشيء كثيرًا موجودًا، أجاز شراءه للاحتكار، أو ليخرج به من البلد.
قال: وإذا خيف انحطاط سوقه، منع أن يحتكر، أو يخرج من البلد، وإن أمن من ذلك، لم يمنع مما ذكرنا.
قال مالك: ومما يعيبه من مضى، ويرونه ظلمًا، منع التجر إذا لم يكن مضرًا بالناس، ولا بأسواقهم.
[6/ 452]
ومن العتبية: من سماع ابن القاسم، قيل لمالك: أفيحتكر الرجل ما عدا القمح والشعير؟ قال: لا بأس بذلك.
ومن كتاب محمد والعتبية: قال مالك في الطحانين يشترون الطعام من السوق، فيغلوا سعر الناس، قال: فإنه يمنع مما أضر بالناس في ذلك.
وكره ابن حبيب عن مالك مثله، وقال: قلت لمطرف وابن الماجشون مثل ما أخبراني بذلك عن مالك إن ذلك ربما رفق بالمساكين، فقالا: إنما ينظر إلى الذي رفقه أعم نفعًا، فيقر ويمنع ما هو أشد ضررًا فماذا ... ضرره أمكن من قدر ما يرفقه بالمساكين، ومنعوا مما يضر بالناس.
وعمن يشتري من الساحل ويبيعونه بنواحي الفسطاط على أيديهم؟ قال: فلا بأس بذلك في الطعام والزيت وغيره، وكذلك في ساحل الجار ليبيعه بها.
ومن الواضحة: كان ابن الماجشون ومطرف لا يريان احتكار الطعام في وقت من الأوقات إلا مضرًا بالناس، ويذكر أن مالكًا كرهه.
قال ابن حبيب: فلا يرخص في ذلك إلا لجالب أو زارع.
ولم ير مالك بأسًا على هذين أن يحتكرا.
قال ابن حبيب: ولا يحتكر غيرهما، وليخرج من يده إلى أهل السوق، يشركون فيه بالثمن، فإن لم يعلم كم ثمنه فسعره يوم احتكره وقد فعل مثله عمر.
وكذلك ينبغي في القطنية والحبوب التي هي كالقوت والعلوفة، وكذلك الزيت، والعسل، والسمن، والزبيب، والتين، وشبهه، أضر ذلك بالناس يوم احتكره أو لم يضر.
وأما العروض، فيراعى فيها احتكارها في وقت يضر بالناس ذلك، فيمنع منه، ويكون سبيله مثل ما ذكرنا في الطعام، ولا يمنع من احتكارها في وقت لا يضر.
[6/ 453]
ومن كتاب ابن المواز: قيل لمالك: فإذا كان الغلاء الشديد، وعند الناس طعام مخزون أيباع عليهم؟ قال: ما سمعت، وإن من يشتريه على هذا يمنع، ولا يعرض للجالب، فمن عنده طعام من جلبه أو زرعه، أو ثمر من جنانه، فليبع متى شاء، ويتربص إذا شاء بالمدينة وغيرها.
قال مالك: وإذا كان بالبلد طعام مخزون، واحتيج إليه للغلاء، فلا بأس أن يأمر الإمام بإخراجه إلى السوق فيباع.
قال مالك: وإذا احتاج أهل الريف إلى شراء الطعام من مصر، لم يمنعوا من الشراء لطعامهم من الفسطاط إن كان بها كثيرًا، وإن كان يضر ذلك بأهل الفسطاط لقلته، فليمنعوا، وإذا كان بها كثيرًا، وعند أهل الريف ما يغنيهم، فليمنعوا.
وسئل مالك عن التربص بالطعام وغيره رجاء الغلاء.
قال: ما علمت فيه بنهب، ولا أعلم به بأسًا، يحبس إن شاء، ويبيعه إذا شاء، أو يخرجه إلى بلد آخر.
قيل لمالك فيمن يبتاع الطعام، فيحب غلاءه، قال: ما من أحد يبتاع طعامًا أو غيره إلا ويحب غلاءه، ولكن لا أدري ما يغلو، ولا أحب ذلك.
ومن الواضحة، قال: وينبغي للإمام أن يديم دخول السوق والتردد إليه، ويمنع من يكثر الشراء منه، ولا يدع من يشتري إلا القوت، ويخرج منه من يشتري فضول الطعام، ويقر فيه الجلاب ويمنع الجلابين بيه الطعام في غير سوقه.
وإن أراد غير الجلاب بيع الطعام في دورهم بسعر سوق الطعام، فليمنعه، وينبغي في الطعام أن يخرج به إلى البزاز، كما جاء في الحديث.
[6/ 454]
في صفة الكيل وأجر الكيل وذكر المكاييل والموازين
وفيمن يفجر في ذلك
وذكر ما يباع وزنًا وكيلاً
من كتاب محمد والعتبية: من سماع ابن القاسم، قال مالك: إذا ملأ رأس المكيال، فهو الوفاء من غير رزم ولا تحريك ولا زلزلة.
قال في كتاب محمد: ولكن يصب حتى يملأه، فإذا امتلأ، أرسل يده، ولم يمسك، وكذلك الوزن: أن يعتدل لسان الميزان، وإن سأله المشتري أن يميله له، لم أره من باب المسألة.
ومن العتبية: قال في سماع ابن القاسم: يمسك الكيال على رأسها، ثم يسرح يديه.
قال في سماع أشهب: ولا يطفف، ولا يجلب، ولكن يصب حتى يجتبذه، فإذا اجتبذ به، أرسل يديه، ولم يمسك.
قال عنه ابن القاسم: وأجر الكيال على البائع، وذلك أن المبتاع لو لم يجد كيالا، كان على البائع أن يكيل له.
قال إخوة يوسف: ﴿فأوف لنا الكيل﴾ [يوسف: 87]، فكان يوسف هو الذي يكيل.
قال مالك في كتاب محمد: أجر المكيال عندنا على المبتاع، والزيت عندنا على البائع.
قال ابن القاسم وابن وهب: قال مالك: أجر الكيال على البائع، ويلزم البائع الوفاء، ولا يوكل ذلك إلى أجيره أو غيره.
[6/ 455]
ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: بلغني أن كيل فرعون إنما كان الطفاف مسحًا بالأيدي، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وأمر بتصبير الكيل، وقال: ((إن البركة في رأسه))، فينبغي أن يكون الكيل في البلد الواحد واحدًا، كيل القفيز، وكيل القسط، ووزن الأرطال، فيكون أمرًا عرفه الناس، واستحب أن يكون القفيز معروفًا بمد النبي صلى الله عليه وسلم وصاعه، وأن يتبايعوا فيما دون القفيز بالصاع والمد.
وينبغي للإمام تفقد المكاييل والموازين في كل حين، وأمر مالك بذلك، وينبغي أن يضرب الناس على الوفاء، وكتب عمر بتعاهد المكيال والميزان.
ومن العتبية من سماع ابن القاسم، قال مالك فيمن جعل من أهل السوق في مكياله زفتًا: أرى أن يخرج من السوق، فذلك أشد عليه من الضرب.
قيل: فأهل الجار يقدمون بالقمح معلوثًا، فيؤمرون بغربلته قبل البيع.
قال: ذلك الحق، وأرى أن يؤخذ الناس به.
قال ابن المواز: كره مالك بيع الرطب عددًا بالدراهم، كفعل أهل الذمة.
قال عنه ابن عبد الحكم، في المجلب يباع بالبصرة وزنًا، وبالمدينة كيلاً.
قال: لا بأس بذلك.
وروى محمد بن خالد، عن ابن القاسم في العتبية في الوالي يعزل، ويلي آخر، فيزيد في المكيال، فإن كان في ذلك نظر للمسلمين يوافقه حتى لا يكره الناس على البيع، فلا بأس به.
[6/ 456]
باب ما يستحب في البيع من المسامحة والسوم وإقالة النادم
وما يكره من المدح والذم وغبن المسترسل
من الواضحة: وتستحب المسامحة في البيع والشراء، وليس هي ترك المكايسة فيه، إنما هي ترك المواربة والمضاجرة والكزازة، والرضا بالإحسان، ويسير الربح، وحسن الطلب بالثمن، وفي ذلك آثار ورغائب.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صاحب السلعة أحق أن يسوم بها من أن يسام)).
وأنه قال: ((البركة في أول السوم، والبركة في المسامحة))، ورغب في إقالة النادم.
وروي أنه عليه السلام، قال: غبن المسترسل ظلم.
وسمعت أهل العلم يقولون: له الرد إذا غبن، ويرد القيمة في فوت السلعة، وغيره من الخديعة، ولا يكون الاسترسال في البيع، إنما هو في الشراء، وذلك في ترك المساومة، ويقول: بعني كما تبيع من الناس، فإن قصر به عن ذلك، فقد ظلمه، وكانوا يحبون المكايسة في الشراء وأن تحاصه.
ولو أبى أحد المتبايعين من جهله بالبيع، فباع أو اشترى ما يسوى مائة درهم بدرهم، لزمهما.
ويكره المدح والذم في التبايع، ولا يفسخ به البيع، ويأثم فاعله، لشبهه بالخديعة.
ومن المكر والخديعة فيه الإلغاز في اليمين، وقد نهى عن ذلك عمر، والحلف فيه مكروه، وإن لم يلغز، وروي أن البركة ترتفع منه باليمين.
والمواربة في البيع من الخديعة، وقد نهى ابن الزبير عن ذلك.
[6/ 457]
باب جامع لمسائل مختلفة
مسألة من باع عبد غيره ثم اشتراه
من العتبية: روى يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم، في من سام رجلاً بعبد لغيره، فقال: اشتره مني بستين دينارًا، فإني أعطيته فيه عطاء نرجو أن يمضيه لي، فيقول: نعم، قد أخذته.
ثم يرجع البائع، فيبتاعه من ربه بخمسين نقدًا، أو يمضيه للآخر بستين نقدًا على السوم الأول.
قال: أكرهه، وإن وقع أمضيته إذا كان البيعان بالنقد وانتقدا.
قال ابن المواز: ومن ربح ما لم يضمن أن يبيع لرجل شيئًا بغير أمره، ثم تبتاعه منه بأقل من الثمن، وهو لا يعلم بفعلك، وكذلك بيعك لما ابتعت على خيارك قبل تختار، فربحه البائع.
وهذا مذكور في باب بيع الطعام قبل قبضه.
واختلف فيمن باع ثوب رجل بغير أمره ثم ورثه هل له نقض بيعه؟
مسألة في بيع المريض وليس في عقله والسكران
والعبد الشديد المرض هل يباع؟
من العتبية: قال عيسى، عن ابن القاسم، في المريض يبيع، وليس في عقله، فأراد المبتاع نقض البيع، وأبى البائع رده.
قال: فالبيع له لازم.
وقد جرى من بيع السكران في ذكر نكاحه.
ومن الواضحة: ومن الغرر بيع العبد أو غيره من سائر الحيوان مريضًا مرضًا يخاف منه الموت، ويفسخ، وهو من بائعه حتى يقبضه مبتاعه، فيكون منه إن فات بقيمته يوم قبضه.
قاله ابن الماجشون.
[6/ 458]
مسألة في شراء أنقاض أرض الصوافي وغيرها
من العتبية: روى أشهب عن مالك، في من ابتاع جميع نقض دار، إلا أن البقعة قطيعة من أمير المؤمنين، على أن العهدة في النقض دون البقعة، قال: ليس بجائز ولا حسن.
ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتنى في أرض الصافية من أرض السلطان ويؤدي إليه الكراء، فيبيع الباني النقض قائمًا، وربما زاد عليهم السلطان في الكراء.
فإذا باع النقض ولم يشترط كراء مسمى، ولا يقول: أحول اسمك مكان اسمي، فذلك جائز.
قال محمد: وإنما هذا في أرض السلطان التي لا تنزع الأرض ممن بنى فيها وكذلك الغراس فيها.
فأما لغيره، فلا يجوز للباني بيع النقض، ولا شيء منه على حال.
من يستوضع من الثمن، هل هو من المسألة؟
من كتاب محمد: قال مالك: ومن اشترى سلعة، هو بها مغتبط، فاستوضع من ثمنها، فلا بأس بذلك، وما هو من المسألة، وهو يستعير منه ثوبه ودابته، ما لم يكن من الإلحاح والتضرع والتبكي، فأكرهه، أو يقول: إن لم تضع لي خاصمتك، فلا خير فيه، وسئل أيضًا عنه مالك، فقال: جائز، وغيره أحسن منه.
قال أشهب: فإن باعها المشتري بربح، ثم استوضع بائعه، قال: غير ذلك أصوب.
قال أصبغ: ولو بين أنه مغتبط، كان أحب إليّ، وإن لم يفعل، فهو خفيف ما لم يأخذه بأخف أن يضع له، أو يجد عيبًا فيما يعرض له من ذلك.
[6/ 459]
باب الشراء من العبد
قال مالك في الشراء من العبد مثل الخفين وشبهه.
فلا يفعل إلا من عبد يشتري ويبيع إلا بإذن أهله، ولا يصدقه أنهم أذنوا، وليرد عليه.
وفي موضع آخر: إنه خفف الشراء من العبد الراعي، مثل اللبن والشاة، إذا كان لا يستخفى، ومثله يبيع لأهله.
قال: وعمن قال لرجل اشتر سلعة كذا، فما ربحت فلك، وما خسرت فعلي على المعروف، فجائز، ما لم يكن المأمور ملزمًا بذلك لا يحرج منه.
قال مالك: وإذا سأل المشتري البائع معروفه، وهو غريب، فليس ذلك عليه، إلا أن يشترطه عند البيع.
وقال في من دعا عبدًا، فدخل معه في شراء ثمرة، على أن لا نقصان عليك، فخسر، قال: فلا خسارة على العبد، وله أمر مثله.
وعن امرأة ورثت سدسًا من ابن ابنها، فباعته مشاعًا، فإن عرفت جميع التركة، فجائز.
باب فيمن أحاط الدين به وفي المريض يحابي في البيع
من الواضحة: ومن أحاط به الدين، فباع بيعًا، فذلك جائز، ما لم يفلس، إلا أن يحابي فيه محاباة بينة، تشبه الهبة، فللغرماء رد البيع، وإن قال المشتري: أنا أتم الثمن.
وأبى الغرماء، فذلك لهم، وإنما للمشتري أن يأخذ من السلعة بمقدار ما أعطى من الثمن على العدل، أو يردها كلها إن شاء، لما نقص عليه منها، وكذلك المريض يبيع بمحاباة، فليس للمبتاع أن يكره الورثة على أخذ السلعة، ويتم لهم الثمن، ولكن له من السلعة بمقدار ما أعطى، أو يردها.
وقاله لي أصبغ، وغيره.
[6/ 460]
باب في شراء امرئ ما وكل عليه أو أسند إليه وسلفه منه
من الواضحة: وكل من وكل بيع شيء، فلا تشتريه لنفسه.
قاله مالك.
وقد نهى عنه عمر، وكذلك الوصي، وأجاز ابن القاسم ذلك في الوكيل والوصي في اليسير، ورواه عن مالك في الوصي.
وروى عنه مطرف أنه نهى عنه فيما قل أو كثر، قال: ولا أحب أن يتسلف مما أودع، أو كان فيه وصيًا، وإذا اشتراه الوكيل لنفسه، فلربه إن جاء أخذه منه، أو إجازة بيعه بذلك الثمن، وإن فات، فله أن يضمنه قيمته يوم باعه، وكذلك لو باعه بربح، وكذلك الوصي بسلطان، عليه مثل ذلك.
وضمانه منه حتى يسترجع من يده، ولا ينبغي أن يتزوج في بنات من أوصى إليه، إلا أن يزوجهن بنيه، فإن فعل، تعقبه الإمام، فإن رأى صوابًا أمضاه، إلا أن يفوت بالبناء، فلا يرد، ويؤخذ بصداق المثل إن كان أكثر مما سمى.
باب في الشيء بين الرجلين يريد أحدهما المقاواة
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون، وأصبغ، في الشيء لا ينقسم بين الرجلين، فيريد أحدهما المقاواة فيه، أو البيع، قالا: لا يلزم صاحبه المقاواة معه، وعليه أن يبيع معه، وإن رضيا بالمقاواة تقاوياه بينهما بالمزايدة أو بما أحبا بلا قيمة، ولا يقوم بقيمته، ثم يتزايدان عليها، وإذا أمر بالبيع معه، فإذا بلغ، فمن شاء منهما أخذه بذلك، ومن شاء تركه، وإن باع أحدهما نصيبه وحده، مضى ذلك، ولم يكن له أخذه بالثمن، وليعمل مع من صار له إن شاء، كما كان يعمل مع الشريك الأول.
يريد إن لم يقم بالشفعة فيما فيه شفعة، ولم يكن بائعه معه، وإن استحق العرض المأخوذ في الدنانير، رجع بالدنانير بكل حال، تجاوز فيه أو لم يتجاوز.
قاله مالك وأصحابه.
[6/ 461]
فيمن باع دارًا من رجل
على أنها إن غصبت منك فلا رجوع لك علي
قال ابن حبيب: ومن باع دارًا، وشرط على المشتري أنه إن غصبها سلطان، فلا رجعة لك علي، فهو بيع فاسد وخطر، إذ لعله انطوى من علمه بولد السلطان فيها، على ما لم يعلمه المبتاع، فيخاطر ويفسخ، فإن غصبها السلطان، فهي من المشتري ويرد فيها إلى قيمتها على غرر ما يخشى من ذلك فيها، وما يرضى من السلامة، كما يقوم الزرع الأخضر يستهلك.
وقاله ابن القاسم، ومطرف، وابن نافع، وأصبغ.
من باع بيعًا فاسدًا
قال ابن حبيب: ومن باع سلعة بيعًا فاسدًا بفضة، فلا تقوم السلعة في فواتها بفضة، ولكن بالدنانير أو بالدراهم، ويرجع بفضته، فإن فاتت، فمثلها، وإن كان عرضًا بعرض وقد فاتا، تقاصا بالقيمة، قيمة كل عرض يوم قبضه قابضه.
باب من باع سلعة بدنانير
فأخذ فيها دراهم أو عرضًا ثم استحقت
قال ابن حبيب: ومن ابتاع سلعة بدنانير، فدفع فيها دراهم، ثم استحقت السلعة، فليرجع بالدراهم، ولو دفع عرضًا، رجع بالدنانير، إلا أن يكون يهضم له في العرض على التجاوز، لعدم أو صلة إخاء، فليرجع بقيمة العرض يوم أخذ منه.
[6/ 462]
باب في بيع المضغوط
من العتبية من سماع ابن القاسم: قال مالك في بيع أهل الذمة، وهم يلزمون بالخراج، قال: أكره الشراء منهم على هذه الحال، وعلى الضغطة، فأما إن لم يكن على هذه الحال، فذلك جائز.
قال ابن القاسم: وليرد عليه ما باع بغير ثمن، إذا كان بيعه على عذاب وما يشبه من الشدة، ولا أرى إن اشترى منهم ذلك على هذا أن يحبسه.
باب في الرجلين يسكنان في دار الإمارة
فيعطي أحدهما الآخر شيئًا على أن يخرج
من كتاب ابن المواز قال مالك في رجلين كانا في منزل من منازل الإمارة، فضاق بهما، فأراد أحدهما يعطي صاحبه شيئًا، على أن يخرج، فلا خير فيه؛ لأنه لا يدري متى يخرج منه، فهو إلى غير أمد.
تم الجزء الرابع من أقضية البيوع وبتمامه كملت كتب البيوع
يليه في الجزء السابع