كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: والزيتون كالنخل والعنب في ذلك.
قال ابن المواز وابن حبيب: وكذلك ما اشتري جزة واحدة من قضب وقرط وقصيل، فأما إن اشترى منه جززًا أو شيئًا وخلفته، فكالمقاثي والورد وشبهه، ينظر، فإن كان البطن المجاح قدر ثلث النبات في النبات وضع عنه من الثمن بقدره في التقويم.
وقال أشهب: إنما أنظر إلى قيمة المجاح لا إلى كيله، فما بلغ ثلث الثمرة فهو جائحة.
قال: وذلك في المقثاة وغيرها، لا ينظر إلى ثلث النبات.
قال: وإذا اشترى ثمرة حائط فيه اصناف من الثمر، فيجاح صنف منها، فلينظر إلى قيمته من قيمة الأصناف، فإن كان ثلث قيمة الجميعز وضع عنه.
وقال أصبغ: إذا كانت متفاوتة غير متقاربة وكذلك الحائط فيه أصناف من نخل وكرم ورمان وخوخ أو حوائط في صفقة، حائط نخل، وحائط رمان وحائط كرم، فيجاح صنف منها فينظر إلى قيمته من قيمة جميع الأصناف، فإن كان ثلث الجميع وضع عنه.
قال محمد: وهذا خلاف مالك ومن ذكرنا من أصحابه، والذي نأخذ به إن كان الحائط تمرًا كله أو كرمًا كله، إلا أنه اصناف منه، فلينظر إلى الثلث فأكثر في المقدار فيكون جائحة.
يريد محمد: فيحط ما قابل ذلك الصنف منه من الثمن بالقيمة.
قال أصبغ في موضع آخر: إنما استعمل قول أشهب في أصناف من الفاكهة في صفقة، يجاح صنف منها، فينظر في ذلك إلى القيمة، لا إلى المقدار.
وإن أجيح بعض صنف منها، وهي أصناف، نخل، وكرم، ورمان، وغيره،
[6/ 205]
فالقياس أن ينظر، فإن كان جميع ذلك الصنف لا يبلغ قيمة ثلث قيمة الجميع، فلا جائحة فيه، سواء أجيح كله أو بعضه، وإن بلغ ثلث القيمة، نظر ما أجيح منه، فإن كان قدر ثلث ثمرته، وضع قدر ثلث قيمة ذلك، يريد من الثمن، وإن كان أقل من ثلث ثمرته، لم يوضع منه شيء.
وهو كقول ابن القاسم فيمن اكترى دارًا مع ثمرة فيها قد طابت.
محمد: وقال أصبغ بخلاف ذلك.
يريد محمد: ما استحسن أولاً أصبغ.
وقال: إن كان المجاح ثلث القيمة، وضع، ولم يراع ثلث الثمرة ورواه عن ابن القاسم، قال: وقاله أشهب وابن عبد الحكم، وراعى في النخيل المختلفة مبلغ ثلث الثمرة.
قال ابن حبيب في أصناف من الثمر تباع في صفقة واحدة، بعضها أبرع في الثمن من بعض كالصيحاني والبرني والعجوة، فأجيح صنف منها، فإن كان قدر ثلث جميع الأصناف في الثمرة، فإنه يوضع بقدر ما يصيبه بالتقويم في تفاضله، وكذلك في أصناف التين واصناف العنب وغيره مما ييبس ويدخر، وهو أجناس، هذا قول مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.
وكان ابن القاسم لا يفرق بين ما تفاضلت قيمته في ذلك من النوع الواحد ويقول قولاً مجملاً: إذا بلغت الجائحة ثلث الثمرة كلها وضع عنه، رجع بثلث الثمن بلا تقويم، والذي قاله ابن حبيب عنه شيء تأوله عليه، وهو قد غلط في تأويله لأن هذا الذي حكاه بعيد من مذهب ابن القاسم.
[6/ 206]
قال ابن حبيب: وإن كان الزيتون أجناسًا، فكما قلنا في أجناس التمر وغيره، وما ذكرنا فيه من الاختلاف.
وإن كان جنسًا واحدًا، فلا تقويم فيه.
قال: وإذا بلغ منتهى يمكن فيه جمعه كله، فلا جائحة فيه، مثل ما ييبس من الثمر.
قال: ومن قول مالك في من ابتاع بستانًا، فيه تمر وتين وعنب ورمان وغيره، وقد حل بيع كل صنف منه، وهو في موضع واحد، أو افترقت أماكنه، وجمعته الصفقة، فأجيح صنف منها كله أو بعضه، فإن جائحة كل ثمرة منها على حدة لا تضم إلى غيرها، فإذا بلغت ثلث ذلك النوع حط عنه ثلث حصته من الثمن بالقيمة.
ومن كتاب ابن المواز، والمختصر، والعتبية، قال مالك: ومن اشترى حوائط فأجيح أحدها، فإن كان ذلك في صفقات شتى روعي بالحائجة ثلث كل صفقة، وإن جمعتهم صفقة، فلا وضيعة حتى يكون المجاح قدر ثلث جميع الحوائط.
ومن العتبية، قال سحنون: قال ابن القاسم: في الفحل والإسفنارية والورد والياسمين وشبهه والعصفر وقصب السكر أن ذلك في الجائحة سواء، لا يوضع حتى تبلغ الثلث.
قال: وهو تجوز فيه المساقاة، فكل ما جازت فيه فالجائحة فيه موضوعة، إذا بلغ الثلث، إلا الموز، فإن المساقاة لا تجوز فيه، ولا توضع فيه الجائحة حتى تبلغ الثلث.
[6/ 207]
قال: وأما الزعفران والريحان والبقل والقرط والقضب وقصب السكر، فإن الجوائح توضع في قليله وكثيره، ولا تصلح فيه المساقاة، وأما الكمون فتجوز فيه المساقاة كالزرع، وإنما يراد حبه لا شجره.
وأما الموز والمقاثي والباذنجان، فهي ثمار، فلا توضع فيها الجائحة حتى تبلغ الثلث.
وما بيع أخضر من فول وجلبان وما يشبهه، فلا يوضع فيه حتى يبلغ الثلث، ويرد إلى أصله، هكذا في العتبية قول مختلف في قصب السكر.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: وكل ما بيع قبل طيبه على أن يجد من البلح والحصرم والجوز والتين والقطاني وغيرها، والفواكه، ففيه الجائحة إذا بلغ الثلث.
وقال ابن القاسم: لا جائحة في قصب السكر.
وقال ابن عبد الحكم: فيه الجائحة، وقاله أصبغ.
قال أصبغ: قيل لابن القاسم: أفيه جائحة؟ قال: لا، هو لا يباع حتى يتم.
قيل: فإن تم ما بيع، أتوضع فيه الجائحة؟ قال: عسى به.
وكأنه لم يوجبها.
وقال بعد ذلك: لا جائحة فيه، والأول أحب إليَّ.
قال ابن عبد الحكم: وإنه إنما يقطع شيئًا بعد شيء، بخلاف الزرع.
ومن الواضحة قال: ومن قول مالك: إن في قصب السكر الجائحة، وإن بيع بعدما يطيب؛ لأنه يتأخر قطعه لما يزيد من استنضاج وحلاوة، كمدخر
[6/ 208]
التمر، فإذا بلغ الثلث، وضع فيه بلا تقويم، كالقصيل تباع منه جزة واحدة، إلا أن يكون القصب متفاضلاً، بعضه أعظم من بعض وأفخر، فيقوم كأصناف التمر يجاح صنف منه.
قال: وجائحة القصب غير الحلو كجائحة الحلو؛ لأنه يجوز بيعه إذا بلغ مبلغ الانتفاع به أو ببعضه، كالبقل، ثم يستأخر جمعه ليزداد ريا وعظمًا، فإذا بلغ تمامه انقطعت الجائحة فيه كيبس الثمرة.
قال: وجائحة ورق التوت الذي يباع ليجمع أخضر لعلف دود الحرير كجائحة البلح وشبهه، الثلث فصاعدًا، وليس كالبقل.
وروى أبو زيد في ورق التوت عن ابن القاسم في العتبية أنه كالبقل يوضع ما قل منه وكثر.
ومن كتاب ابن المواز، قال أشهب: في المقاثي توضع الجائحة فيما قل منها وكثر كالبقل.
قال أصبغ: وهذا خلاف مالك وأصحابه، وليس بشيء.
مالك: ومن اشترى عريته بخرصها ففيها الجائحة كغيره.
وقاله ابن القاسم وابن وهب.
وقال أشهب: لا جائحة فيها.
وفي الواضحة مثل قول مالك.
وروى أبو زيد في العتبية عن ابن القاسم في من نكح بثمرة أنه لا جائحة فيها، والمصيبة من المرأة.
وقال ابن الماجشون: بل توضع فيها الجائحة كالبيع.
ومن الواضحة، وفي كتاب محمد نحوه.
قال: ولا جائحة فيما بيع بعد يبسه من جميع الثمار، أو بيع قبل يبسه فأجيح بعد يبسه، ولا فيما بيع بأصله، كان تبعًا للأصل، أو الأصل تبعًا له، أبر أو لم يؤبر، طاب أو لم يطب، وهذا قول مالك.
[6/ 209]
قال ابن حبيب: إلا أن أصبغ قال: إلا فيما يعظم خطره من الثمرة ففيها الجائحة بعد أن يقيض الثمن على الأصل وعلى الثمرة، لأنه زيد من أجلها في الثمرة زيادة عظيمة.
وأما كل ثمرة لا يعظم قدرها، فلا جائحة فيها مع الأصل.
وقال في كتاب ابن المواز: إن ذلك كله تبع، ولا حصة له من الثمن، كمال العبد، ولا جائحة فيه.
ومن العتبية: روى سحنون عن ابن القاسم في من ابتاع زرعًا بعد طيبه ويبسه بثمن فاسد، فأصابته عاهة قبل أن يحصده فمصيبته من المشتري، وهو قابض له، بخلاف مشتريه قبل بدو صلاحه على أن يتركه، فيصاب هذا بعد يبسه، فمصيبته من البائع؛ لأنه لم يكن المبتاع قبض ما اشترى حتى يحصده، يريد لفساد البيع، ولو كان البيع صحيحًا لم ييبس، لم تكن فيه جائحة.
قال ابن القاسم عن مالك في من اشترى ثمرة، فأجيح، فطلب الوضيعة، فقال له رب الحائط: أنا أقيلك ولا أضع عنك.
قال: يلزمه أن يضع عنه، دعاه إلى الإقالة أو إلى ربح في بقية الثمرة، إذ لو حبس أكثر من ذلك لم يرجع بشيء، فوضيعة الجائحة له ثابتة.
قال ابن حبيب: ومن قول مالك: إن كل ثمرة اشترطت في كراء دار أو أرض، وهي تبع، فلا جائحة فيها، أبرت أو لم تؤبر، طابت أو لم تطب، يبست أو لم تيبس، فإن لم تكن تبعًا، لم يجز اشتراطها، إلا أن تطيب، ثم تكون فيها
[6/ 210]
الجائحة، وإن كانت مثل نصف الصفقة أو ثلثها، ففي ذلك الجزء تكون الجائحة، إن بلغت ثلثه فأكثر، وكذلك في كتاب ابن المواز.
وقال: وكذلك الأرض فيها شجر يشترط.
قال ابن القاسم: ومن اشترى رقاب النخل دون الثمرة، ثم اشترى الثمرة بعدها، فإن كانت مزهية، ففيها الجائحة، وإن لم تزه، فلا جائحة فيها، وكذلك روى عنه أبو زيد في العتبية.
قال ابن المواز في من اشترى الأصول ثم الثمرة بعد ذلك، فقال ابن القاسم في الأسدية: لا جائحة فيها، وكذلك روى عنه يحيى بن يحيى، قال: وإن اشترى الثمرة - يريد: مزهية - ثم الأصل بعدها، ففيها الجائحة.
قال سحنون: هو إذا باع الأصل، ثم باع الثمرة، لم يكن على البائع سقي.
ولو باع الثمرة وحدها، كان عليه السقي، يحتج بهذا في الجائحة.
يريد سحنون أن مشتريها بعد الأصول يصير كالقابض، إذ لم يبق له على البائع سقي ينتظره منه فتسقط الجائحة فيها.
ومن العتبية: قال أصبغ: قال ابن القاسم: من ابتاع نصف ثمرة الحائط أو ثلثها، فأجيح أقل من الثلث، فذلك عليها، ولا يوضع من الثمن شيء.
وإن بلغ الثلث، وضع عنه ثلث الثمن، وإن أجيح النصف، وضع عنه النصف، ولو كانت صبرة ابتاع نصفها، فالمصيبة منهما، ولا جائحة فيها.
ومن كتاب محمد، قال مالط: ومن باع ثمرة واستثنى منها آصعًا أو أوسقًا قدر الثلث فأقل، فإن أجيح منها قدر الثلث فأكثر، وضع بقدره مما استثنى
[6/ 211]
البائع.
رواه ابن القاسم، وأشهب، وعبد الله.
وإن أجيح أقل من الثلث، أخذ البائع مما سلم جميع ما استثنى.
وروى عنه ابن وهب أنه يأخذ ذلك الذي استثنى كاملاً، أجيح ثلثها أو أكثر أو أقل.
ولا جائحة على البائع حتى يستثنى جزءًا شائعًا.
وقال به ابن عبد الحكم، وقال بالأول ابن القاسم وأصبغ.
وما استثنى، فكالثمن.
ومن الواضحة: ومن باع ثمر حائطه وقد يبس، واستثنى منه كيلاً ما يجوز له، فأجيح قدر ثلثها فأكثر، فلا يوضع عنه من الثمن ولا من الكيل المستثنى، كالصبرة.
وإن أجيح منها جميع الثمرة، سقط عن المبتاع ما استثنى البائع وتكون، والمصيبة منهما جميعًا.
ذكر ما يُعد من الحوادث جائحة ومن شرط رفع الجائحة
من كتاب ابن المواز، قال مالك في الثمرة يصيبها الجيش: إنه جائحة.
قال ابن القاسم: والسارق جائحة.
ولم ير أصبغ أن السارق جائحة، وقال: إنما الجائحة ما لو علم، لم يقدر على دفعه.
وهو قول ابن نافع في المدونة.
قال ابن حبيب: ولم ير مطرف وابن الماجشون الجيش وغلبة اللصوص جائحة.
وقال ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ: إن ذلك جائحة، وبه أقول، وهو قول عطاء، والأول قول سهل بن أبي حتمة.
[6/ 212]
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك في الثمرة يصيبها غبار وتراب حتى تبيض وتصير ملحًا وتتفتت: إنه جائحة.
وإن أصابها ريح كسر أصول النخل، فهو جائحة.
قال مالك: وما جاء من فساد الثمرة من قبل العطش وضع قليله وكثيره في جميع الثمار.
قال ابن القاسم: وإن كان يشرب بمطر أو عيون.
وكذلك قال مالك في الواضحة.
ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: عفن الثمرة جائحة.
والفغا - وهو يبس الثمرة - جائحة.
تقول: أفغت، إذا يبست.
ومن اليبس أيضًا القشام، تقول: استقشمت.
ومنه الجرس، والترز: ضمران الثمرة.
والشريان تساقطها.
والشمرخة إذا لم يجد في الشمراخ الماء لم تطب ولم ترطب حسًا.
وكل أمر غالب من مطر وسيل وبرد وطير وجراد وسموم ونار وريح.
وقاله مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
[6/ 213]
ومن كتاب محمد: قال مالك: ومن باع ماء يوم من عين، فنقص ماء ذلك اليوم ثدر الثلث، وضع عنه.
وقال ابن القاسم فيه: إنه يوضع قليله وكثيره إلا ما لا يضره كالبعل.
قال مالك: ومن باع ثمرة وشرط البراءة من الجائحة، لم ينفعه ذلك وقضي عليه بها.
وكذلك في العتبية من سماع ابن القاسم.
تم الكتاب بحمد الله وعونه
وصلى الله على محمد نبيه وسلم
[6/ 214]
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله الجزء الأول من كتاب أقضية البيوع
في عهدة الرقيق في الثلاث والسنة
من كتاب محمد، قال مالك، في عهدة الثلاث والسنة في الرقيق: إنما ذلك بالمدينة وأعراضها الذين جروا عليها، فبيعهم أبدًا على العهدة، حتى تشترط البراءة، ولا تلزم بغيرها من البلدان إلا أن تشترط.
ولا براءة أيضًا أبدًا حتى تشترط البراءة، ولا براءة أيضًا إلا بشرط.
قال ابن القاسم: وإذا كتب في الشراء من غير بلد العهدة، وله عهدة المسلمين، لم ينفعه ذلك، إذا لم تجر فيهم.
قال محمد: ومن يعرفها، فيبيع عليها لزمته.
[6/ 215]
قال ابن حبيب: قال المصريون من أصحاب مالك: لا تلزم عهدة الثلاث أهل بلد حتى يحملهم السلطان عليها.
وقال المدنيون منهم: يقضى بها بكل بلد وإن لم يعرفوها ولا جرت فيهم، وعلى الإمام أن يجريها، وليحكم بها على من عرفها أو جهلها قبل التقدم بها وبعده، ورووه عن مالك.
ومن العتبية، روى أشهب، عن مالك وسئل: أيحمل أهل الآفاق على عهدة الثلاث والسنة؟ قال: يتركون على عادتهم، مثل بيع البراءة عندنا، ولا يعمل بها أهل مكة.
وأما المواضعة فليحملوا عليها.
وفي سماع ابن القاسم: أرى أن يحمل الناس على العهدة.
وقال: وددت ذلك، ولكن لا يعملون بها.
ومن كتاب ابن المواز، قال ابن القاسم، عن مالك، في من باع نصف النهار، فليلغ بقية يومه، وليأتنف ثلاثًا بعده.
قال: وتؤتنف عهدة السنة بعد الثلاث، وبعد الاستبراء، والثلاث داخلة في الاستبراء، وكذلك روى عنه أشهب وابن القاسم في العتبية.
محمد: فقال ابن الماجشون: يدخل في السنة الثلاث والاستبراء.
قال ابن حبيب عن مالك: والسنة من يوم عقد البيع.
[6/ 216]
وروى عيسى، عن ابن القاسم، في العتبية، أن عهدة الثلاث في بيع الخيار مؤتنفة بعد أيام الخيار.
قال محمد: وليس في ذات الاستبراء عهدة الثلاث، إلا أن تحيض من يومها حيضة بينة، فيحسب فيها بقية الثلاث.
قال ابن حبيب: وفي المبيعة في أول دمها عهدة الثلاث، كانت لا استبراء فيها إلا أبعد منها.
في النقد والنفقة في العهدة والاستبراء
وما يحدث في الثلاث،
وذكر إباق العبد
وذهاب ماله ونمائه في الثلاث
من كتاب ابن المواز: قال مالك: لا يجوز النقد في الثلاث بشرط، ولا في الاستبراء.
ابن حبيب: لأن الضمان من البائع بعد.
قال مالك: والنفقة فيه على البائع.
محمد: قال مالك: وإذا تشاحا في النقد في الثلاث والمواضعة، حبس بيد أمين، ثم مصيبته ممن يصير له.
وكذلك ذكر ابن عبدوس، وابن حبيب.
قال مالك في العتبية: ليس على المبتاع إيقاف الثمن، إلا أن يتطوع.
ومن كتاب ابن المواز: كل ما أصاب العبد في الثلاث، فمن البائع، والمبتاع مخير، إلا أن يذهب عنه، وكذلك إن أصابه عمى، أو عمش، أو
[6/ 217]
بياض بعينه، وما ذهب قبل الثلاث، فلا رد له.
قال أشهب: أما الحمى، فلا يعلم ذهابها وليتأن به، فإن عاودته بالقرب رده، وإن كان بعد الثلاث؛ لأن برءه فيها.
ومن العتبية: من سماع عيسى، عن ابن القاسم: وما أحدث العبد في الثلاث، من زنى، أو سرقة، أو شرب خمر.
قال ابن حبيب: أو إباق، فللمبتاع رده بذلك، وكذلك الأمة في المواضعة.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون تبرأ من مثل ذلك فيهما.
قال: وقاله كله ابن الماجشون، وأصبغ وابن القاسم، وفرق بين الإباق والسرقة، وبين الزنا وشرب الخمر فيهما فلا يعجبني.
قال عيسى، عن ابن القاسم: وما نما للعبد في ماله في الثلاث، وقد اشترط ماله، فنما بربح، أو هبة، أو وصية، فذلك للمبتاع، وإن لم يبع بماله، فذلك للبائع.
قال عنه يحيى بن يحيى: وإن ذهب ماله في الثلاث، قال ابن المواز، وابن حبيب: وقد اشترطه المبتاع.
قال ابن حبيب: وهو عين، أو عرض، أو حيوان، قالوا: فلا رد له بذلك.
قال ابن حبيب: وقاله مالك وأصحابه.
ومن كتاب ابن المواز: وإن أبق العبد في الثلاث، وقد تبرأ منه، في الإباق، فابن القاسم يراه من المبتاع، حتى يعلم أنه هلك في الثلاث، وكذلك كل ما أصابه من كسر، أو عور، ثم وجده، فذلك من المبتاع حتى يعلم أنه أصابه
[6/ 218]
ذلك في الثلاث، وهذه رواية ابن القاسم، عن مالك في العتبية، وروى أشهب، عن مالك في العتبية، وفي كتاب ابن المواز، أن ذلك كله من البائع حتى يعلم أنه خرج من الثلاث سالمًا، ويرد الثمن إن أبق، ولكن بعد ن يضرب في ذلك أجل حتى يتبين أمره، فإن وجده مثل رد الثمن، فهو للمبتاع، وإن وجده بعد رد الثمن، فهو للبائع؛ لأنه بيع قد انتقض.
قال عيسى، عن ابن القاسم: وإن لم يبرأ من الإباق فهو من البائع، مات في إباقه أو لم يمت.
ومن كتاب ابن سحنون: وسأل حبيب سحنون عن الرأس يصيبه في اليوم الثاني حمى، فلم يرفقه إلى الحاكم أو ترافقا، فلم يجداه، ثم أتيا في اليوم الثالث وقد زالت الحمى، وهما مقران بذلك، وقال المبتاع: لا آمن أن تعود.
قال: فله رده، ولو كان ابتاعه جماعة، فأقر اثنان منهم أنه حم في اليوم الثاني، فأنكر ذلك الثالث، فشهادة الاثنين جائزة على الثالث، إذا لم يجز بشهادتهما منفعة، لكراهيتهم لشركة المشتري معهم.
[6/ 219]
في العهدة فيما أسلم فيه، أو نكح به، أو أقيل منه، أو رد بعيب، أو وهب،
ومن ابتاع زوجته، هل فيها عهدة أو مواضعة أو قيام بحمل؟
من كتاب ابن المواز: قيل لمالك فيمن أسلم في عبد، فقبضه، أفيه عهدة الثلاث؟ قال: نعم.
قال محمد: لا عهدة فيه، وإن كان ببلد العهدة، إلا أن يشترطها، وأما إن كانت أمة، ففيها الاستبراء.
وقال ابن القاسم: إذا قبض عبدًا من سلم، فأصابه في السنة جذام، فلا عهدة فيه، إنما ذلك في البيع.
قال مالك: في العبد المنكح به، العهدة.
وقال أيضًا: لا عهدة فيه.
قال ابن حبيب: والعهدة فيما أسلم فيه من الرقيق إذا قبض، كذلك سمعت أهل العلم، ولا عهدة في سلف الرقيق، ولا في غقالة منها في البيع.
ومن العتبية قال أشهب، عن مالك: ومن رد عبدًا أو أمة بعيب بعد أن أقاما عنده، فلا عهده فيهما، إلا أن الأمة إن كانت رائعة ترقبت فيها الحيضة، وإن كانت وخشًا، فهي بالرد، والعبد من البائع، ولو ماتت الرائعة، أو تلفت في ترقبنا بها الحيضة، كانت من البائع، وكذلك إن كان وطئها المبتاع؛ لأنا
[6/ 220]
إنما أوقفناها لاختبار الحمل، فإن كانت غير حامل، فهي من البائع، وإن كانت حاملاً، لزمت المبتاع، ورجع بقيمة العيب.
ومن كتاب ابن المواز: ومن اشترى زوجته بعد البراءة وبعهدة الإسلام، ففيها العهدة، ولا استبراء فيها، ولا مواضعة، ولا يضمنها البائع إلا في العهدة، فإن نزل بها فيها ما ترد به وردها وقد ثبت، فسخ النكاح، وإن ظهر بها حمل لم يردها ورجع بقيمة عين الحمل.
ولا يحل للمشترى أختها قبل تناهي العهدة إلا بتحريم يحدثها فيها بلا عهدة ولا استبراء يعني المشتري.
قال محمد: لأنه شرط بيع الإسلام ورفع البراءة.
هكذا الأمر.
والمبتاع لا يمكنه فيها بيع وهي حامل منه، فلا معنى لذكره العهدة والاستبراء.
ابن القاسم: وليس بيع الخيار فيها بيعًا أفسخ به النكاح وأحل به الأخت وأعتق به على ذي القرابة؛ لأنه إنما يقع البيع بعد تمام أيام الخيار.
وقال سحنون في العتبية: ليس في المعتدة وذات الزوج مواضعة، ولا الحمل فيها عيب، إلا أنه لم يذكر في السؤال شرط العهدة، ووقع الموارثة.
[6/ 221]
في عتق أحد المتبايعين في العهدة والاستبراء
وفي العبد يعتق ثم يتجذم في السنة
من كتاب ابن المواز: وإذا أعتق المبتاع العبد المبيع في عهدة الثلاث، أو حنث فيه بعتق، نفذ فيه، وعليه أن يعجل الثمن، ويسقط بقية العهدة ولا يجوز فيه للبائع عتق وإن لزمه ضمان بعتق؛ لأنه ليس له إسقاط العهدة، وذلك للمبتاع.
وإذا أعتق أحد المتابعين الأمة في الاستبراء من وطء البائع، لم يعجل عتقه حتى تحيض، كما ليس له تعجيلها وترك الاستبراء، إلا أن يكون الاستبراء من غير وطء السيد، فينفذ عتقه ويتعجلها.
ولو أعتقها البائع والمبتاع، أو حنثا فيها بعتق، والاستبراء من وطء البائع تربصنا بها، فإن ظهر بها حمل، عتقت عليه، وإن حاضت، عتقت على المبتاع، ولو حدث بها عيب، لم يكن له تعجيل ردها للعتق، فإن كان الاستبراء من غير وطء للبائع، عجلنا عتق المبتاع فيها، ثم إن ظهر بها حمل عتقت عليه، ويرجع بقيمة عيب الحمل؛ لأنه لو ظهر بها عيب أو حمل، ولم يكن عتق، كان له الرضا به، وتعجيل قبضها.
قال ابن القاسم: وإن ابتاع عبدًا فأعتقه، أو أمة فأحبلها، ثم ظهر بها في السنة جنون، أو جذام، أو برص، فلا يرجع بشيء، وما أحدث من ذلك،
[6/ 222]
فكالرضا بترك العهدة.
وقال أصبغ: له الرجوع بقيمة العيب؛ لأنه كعيب كان عند البائع، وكذلك لو أعتق في عهدة الثلاث، فليس ذلك بقطع لها، فإن أصابه فيها ما يرد بمثله، رجع بأرشه على البائع، وكذلك في العتبية قول ابن القاسم هذا، وقول أصبغ، وقال سحنون مثل قول أصبغ.
وقال أصبغ في العتبية: قال ابن كنانة: إذا أعتق العبد، ثم تجذم في السنة، نُظر، فإن كان له قيمة وإن قلت، رجع بما بين الصحة والداء، وإن لم تكن له قيمة، رجع بالثمن كله، ونفذ عتقه، فإن مات العبد عن مالك، أخذ البائع منه مثل الثمن، وورث المبتاع منه ما بقي، وإن كان قد رجع أولاً بما بين الصحة والداء، فميراثه كله للمشتري، إذا كانت له قيمة ولو درهم واحد يوم رجع بالعيب.
ومن الواضحة: ذكر ابن الماجشون في العبد يعتق ثم يتجذم في السنة أو تلد الأمة من السيد، ثم تتجذم في السنة، أنه يرجع بما بين الصحة والداء.
قال ابن حبيب: وكان ابن القاسم يلوذ في هذا، فقال مرة بقول ابن الماجشون، وقال مرة برد العتق، وقال أيضًا: يرجع بجميع الثمن، ويمضي العتق.
[6/ 223]
في العبد يجني أو يجنى عليه في الثلاث
من الواضحة: قال مالك: وإذا جني على العبد في الثلاث، فأرشه للبائع، ثم للمبتاع حبسه بجميع الثمن أو رده.
قال ابن حبيب: وإن جنى العبد جناية خطأ، قيل للبائع: أتفدي الثمن وتسلمه؟ فإن فداه لزم المبتاع العبد، وإن أسلم الثمن إلى المجروح وفيه قدر الأرض فأكثر فلا كلام للمجروح، وإن كان أقل من الأرش.
قيل: للمبتاع إن شئت أن تجيز شراءك فافده بالأرض، فإن فعل، فالعبد له، ولا يرجع على البائع بشيء، كما لو فداه وهو رهن أحيا لرهنه، لم يلزم ذلك ربه، ولو كانت جنايته في الثلاث عمدًا، فللمبتاع رده بذلك، وكذلك الجواب في هذا كله، في بيع الخيار، إن كان الخيار للبائع، وإن كان للمبتاع فقط، أو لهما، فهو مثل ذلك، إلا في رد المبتاع إياه، فإن هذا له رده متى شاء، افتكه البائع أو لم يفتكه، وقاله كله من كاشفت من أصحاب مالك فيه.
فيما يظهر في السنة من الأدواء الثلاثة
من العتبية: روى يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم، في مبتاع الأمة يدعي في السنة أن بها جنونًا، فرفع ذلك إلى الإمام، فوضعت بيد رجل [6/ 224]
ليستبرئ ذلك، فلا تظهر للعدول حقيقة جنونها إلا بعد السنة، فلا ترد بهذا حتى يثبت أن جنونها كان قبل السنة.
وكذلك ما يظهر في السنة من سبب يخاف عاقبته إلى غير ذلك من جنون، أو جذام، أو برص، ولا يقطع به أهل النظر ويريبهم، فلا يرد بهذا حتى يشهد عدلان أنه جذام أو برص.
قال: ولو شاء فنظرها في السنة من خفة حاجبيها، وغير ذلك مما يظن الناظر أنه جذام، ولا يقطع به أهل المعرفة ويخافونه؛ لأن بدايته يشك فيها، فلم يردها بهذا الإمام، ثم يستحكم الأمر فيها بعد السنة بجذام بيِّن.
قال: إن استحق ذلك بها بقرب السنة، فله الرد، وإن طال ذلك بعد السنة، فلا رد له.
ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: وإذا ذهب عقل العبد في السنة من ضربة أو ترد، لم يرد بهذا، وإنما يرد بما يعلم أنه من قبل الجان، إلا أن يعلم أن عقله ذهب من شيء خالطه مع الضربة، فيكون من البائع.
وقاله المدنيون والمصريون من أصحاب مالك، إلا ابن وهب، فإنه قال: بأي وجه زال عقله في السنة، من ضربة أو غيرها، فهو من البائع.
قال ابن حبيب: فإن ظهر به جذام
[6/ 225]
بيِّن، أو برص ظاهر، في السنة، ثم خفي وذهب، لرد به؛ لأنه لا يؤمن كالجنون، ولأن مثل هذا له كمون في البدن، ألا ترى أنه لو ظهر قبل السنة بيوم لرد به.
قال ابن الماجشون: وإن ظهر به في السنة من ذلك ما يشك في حقيقته، ثم انتشر، واتضح بعد تمام السنة، فإنه يرد مما كان بدوه في السنة، وإن لم يوقن به في السنة حتى تحقق بعدها.
وبهذا قال ابن وهب، وأشهب، وأصبغ.
وبه أقول.
ولم ير ابن القاسم، وابن كنانة بذلك ردًا حتى يتحقق قبل تمام السنة.
وفي باب عيوب الرقيق في أبدانهم، ذكر العبد يقال: إن به جذامًا لا يظهر إلا إلى سنة أو سنتين.
وفي باب من قام بعيب في غيبة البائع: مسألة بعضها من معنى هذا الباب.
وفي باب اختلاف المتبايعين ذكر الدعوة في زوال السنة في العهدة.
في العهدة في الدرك فيما ابتعته
ثم بعته أو وليته أو أشركت فيه من شيء بعينه أو في ذمة
غريمك بشرط أو بغير شرط من كتاب ابن المواز: قال مالك: ومن ولى شيئًا له في ذمة رجل، أو أشركه فيه من طعام أو غيره، أو كان عرضًا أو حيوانًا، فباعه، فعهدة ذلك على من [6/ 226]
ذلك في ذمته، شرط ذلك أو لم يشترطه؛ لأنه باع ذلك أو ولاه وأشرك فيه قبل يضمنه.
فأما السلعة الحاضرة بعينها يبتاعها، فقد ضمنها، فإن فعل ذلك فيها بحضرة البيع وقربه، ولم يفترقا، فعهدة ذلك في الشركة، والتولية على البائع الأول، ولا شيء على المشتري الأول من استحقاق أو عيب، اشترط ذلك أو لم يشترط.
وأما في العيب، فتباعة ذلك على البائع الثاني، إلا أن يشترط عليه أن عهدتك على الأول، ويكون ذلك عند مواجبة البيع الأول، وقيل يبين بالسلعة، فيلزم ذلك.
قال مالك: وإن تفاوت ذلك، لم ينتفع بشرط زوال العهدة عن البائع الثاني.
قال أصبغ: وفوات افتراقهما الذي لا ينفع معه اشتراط العهدة في الشركة والتولية على البائع الأول افتراق الأول والمشتري منه افتراقًا بينًا وانقطاع ما كانا فيه من مذاكرة البيع.
وفي العتبية: قال فيها مثل ما ذكرنا من ذلك كله، من رواية عيسى، عن ابن القاسم.
وروى أصبغ، عن ابن القاسم في العتبية في من ولى رجلاً بحضرة البيع، قال: تباعته على الذي ولاه، إلا أن يشترطها على البائع الأول بقرب البيع الأول، فيلزم، فإن تباعد لم ينتفع بما شرط، وعهدته على المولي، قال: فإن كان بالقرب، فشرط العهدة على الأول وهو غائب أو حاضر، فذلك لازم.
[6/ 227]
وروى يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم، مثل ما ذكر ابن المواز عن مالك، فيما أسلم فيه يباع أو يشرك فيه أن العهدة فيه على من ذلك في ذمته.
قال يحيى في كتاب السلم: وإن شرط للبائع الثاني أنها منك حتى أقبضها من الأول لم يجز ذلك.
ومن كتاب ابن المواز، قال مالك: وإن بنت بالسلعة، وافترقتما، فلا تكون العهدة في البيع والتولية والشركة إلا على الثاني، ولا ينفعه إن شرط شيئًا، وكان مالك يقول: إن شرطه العهدة على رجل، فسمى رجلاً غائبًا معروفًا، فإن أقر لزمه، وإلا كانت العهدة على البائع الثاني، وإن لم يكن الغائب معروفًا، فسخ البيع، ثم رجع مالك، فقال: إن لم يكن بحضرة البيع، فشرطه باطل، حضر الأول أو غاب، عرف أو جهل، وبهذا أخذ ابن القاسم، وكذلك في العتبية، من سماع ابن القاسم هذا القول.
وروى عيسى، عن ابن القاسم، في من يقدم ويبيع بشرط العهدة على رجل سماه معروف، مقر أو منكر، فلا خير فيه، إلا عند مواجبة البيع.
وفي سماع أشهب، قال مالك في ورثة باعوا رقيقًا، فطلب المبتاع أن يكتب على واحد منهم نصيبه، فأبى، إلا على جميعهم، فإن وجه ما يعرف من ذلك، أن يكتب على جميعهم.
[6/ 228]
ومن كتاب ابن المواز، قال مالك في المبتاع إذا أشرك رجلاً أو ولاه عند مواجبة البيع، فشرط الرجل العهدة على المبتاع، فذلك يلزمه.
قال محمد: ولزمه لمغمزًا من الضمان الذي لم يكن يلزمه لولا الشركة والتولية، وهو لا يجيز الضمان بجعل، ولكني أتقيه استحسانًا، إذ لو زاده على الثمن، لزمه الضمان؛ لأنه بيع حادث.
جامع القول في العهدة في الدرك في العيب
والاستحقاق على بائعك أو على بائع بائعك
من كتاب ابن المواز: قال لي أبو زيد، عن ابن القاسم: ومن ابتاع عبدًا، ثم باعه من غير مواجبة شرائه، فاستحق من يد الثاني بحرية أو ملك، أو قام فيه بعيب كان عند الأول، ومبايعه عديم مفلس، حاضر أو هو غائب، مليء أو معدم، فأما في العيب، فلا يرجع على الأول، وليرده على بائعه المفلس إن شاء، ويحاص غرماءه، أما عن الاستحقاق، فليرجع على الأول في غيبة مبايعه أو عدمه؛ لأنه غريم غريمه، إلا أن يكون عليه دين يحيط به، فيحاص غرماؤه.
وروى مثله أصبغ في الاستحقاق.
قال أصبغ: وكذلك في العيب عندي بعد أن يقيم بينة أنه باع بيع الإسلام من غير براءة، فيعدل على الإتلاف، إلا أن يقيم الأول بينة أنه باع بالبراءة.
قال محمد: لا يعجبني قول أصبغ في العيوب، وإنما نزع فيه إلى قول ابن كنانة.
وفي العتبية مثل ما ذكر ابن المواز من رواية أصبغ وبروايته هذا.
[6/ 229]
قال أصبغ في العتبية عن ابن القاسم: ولو ثبت أن الأول باع بالبراءة فلا يرد إلا على الثاني، ويحلف الأول أنه ما علمه.
قال عنه عيسى: ولو ادعى الأول أنه باعه بالبراءة، فصدقه مبتاعه المفلس، فإقراره بذلك قبل التفليس مقبول، وأما بعد التفليس فلا، ويرجع على الأول أيضًا بقيمة العيب في فوت العبد، أو يرد إن لم يفت.
قال عنه يحيى بن يحيى: يرجع على البائع الثاني في فوته بقيمة العيب من ثمنه، ويرجع الثاني على الأول أيضًا بقيمة العيب، فإن لم يتبع بشيء، لم يرجع على الأول بشيء، وإن مات العبد من العيب أراه يريد: وقد دلس الأول به، فليأخذ المشتري الأول من بائعه ثمنه، فإن كان أكثر مما باعه هو به، رفع إلى المبتاع منه ثمنه، وحبس الفضل، وإن باعه بأكثر، غرم له ما بقي.
قال سحنون في مسألة التدليس بالإباق: إن لم يكن فيما أخذ من الأول تمام ثمن المشتري الثاني، أن البائع الثاني يغرم له الأول من تمام ثمنه أو من قيمة العيب.
قال يحيى، عن ابن القاسم: إن كان الأول عديمًا، لم يتبع الثاني إلا بقيمة العيب ويتبع المشتري الثاني البائع الأول بالثمن الذي قبض، حتى يستكمل منه تمام ثمنه.
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: ورواه أصبغ في العتبية عن ابن القاسم، في من باع عبدًا، دلس فيه في الإباق، فباعه المبتاع ولم يعلم، فأبق
[6/ 230]
عند مبتاعه، فمات، قال في العتبية: أو لم يمت، قالا: والبائع الثاني عديم.
قال في كتاب محمد: فليؤخذ الثمن من البائع الأول فيدفع منه إلى المشتري الثاني مثل ثمنه، فإن فضل منه شيء، دفع إلى البائع الثاني.
وقال في العتبية: يؤخذ من الأول قدر ما اشتراه به الثاني فيدفع إلى المشتري الثاني، ثم إن شاء البائع الثاني أن يتبع الأول بقيمة ماله إن كان له فضل، وإن شاء ترك، قالا: وإن لم يوجد الأول، لم يرجع على الآخر إلا بقيمة عيب الإباق من ثمنه، ثم إن وجد الأول أخذ منه الثمن، فأعطى منه المشتري الثاني بقيمة رأس ماله، وما بقي فللمشتري الأول.
قال في كتاب ابن المواز: فإن لم يكن فيه إلا أقل من ثمن الآخر، فليس له غيره، ولا يرجع بتمامه على بائعه إن لم يدلس، إلا أن يكون الثمن الأول أقل من قيمة العيب من الثمن الثاني، فليرجع في بائعه بتمام قيمة عيبه.
يريد محمد: ولم يكن يرجع الأول بقيمة عيبه على بائعه.
قال سحنون في كتاب ابنه: إذا أخذ الثمن من الأول في عدم الثاني، فلم يكن فيه مثل رأس مال المشتري الثاني، فإنه يرجع على البائع الثاني بالأقل من تمام ثمنه، أو من قيمة العيب من ثمنه.
وقال ابن القاسم في العتبية: إن لم يكن فيه وفاء، فليس له غيره، يريد ابن القاسم في معنى ما ذكر ابن المواز، ما لم يكن ذلك أقل من قيمة العيب من ثمنه، فليرجع بتمام ذلك على الثاني.
قال محمد بن يحيى، عن ابن القاسم: إن كان
[6/ 231]
الأول عديمًا، لم يتبع الثاني، إلا بقيمة العيب، ويتبع المشتري الثاني البائع الأول بالثمن الذي قبض، حتى يستكمل منه تمام ثمنه.
وقال أصبغ في باب آخر من كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: إذا كان الثاني عليمًا، أخذ من الأول الثمن، فدفع منه إلى المشتري الثاني قيمة عيب الإباق فقط.
محمد: بل يؤخذ من الأول ما كان يرجع به عليه الثاني لو عدم قيمة عيب الإباق للآخر، فإنه يرجع بذلك ما لم يكن ذلك أكثر من الثمن الذي ابتاعه به الأول.
قال ابن القاسم: فإن لم يوجد الأول، قال: فلا يرجع على الثاني إلا بما بين القيمتين، ثم إن وجد الأول، أخذ منه الثمن، فأتم منه للمشتري الثاني تمام ثمنه، وما بقي للمشتري الأول.
قال محمد: ولم أر هذا الجواب يصححه أحد، وهو منكسر من غير وجه، والذي يصح عندنا، أن ليس للثالث إلا قيمة عيب الإباق على بائعه، وليس لبائعه على الأول إلا ما غرم بسبب الإباق ما لم يكن ذلك أكثر من الثمن الذي اشتراه به منه.
وقد قال ابن القاسم في عبد يتداوله ثلاثة، ثم يتبايعونه بالبراءة، فإن وجد عيبًا، فإن كان عند الأول، ولم يعلم به الأوسط، والأول عالم به، فليس على الأوسط إلا يمينه ما علمه، ثم لا يرد عليه، ولا على الأول، إلا أن يعلم أنهم أرادوا بذلك الغش والتدليس، فيرد عليه، وإلا فلا.
محمد: وهذا أصح من الأول.
[6/ 232]
وفي باب آخر، قال مالك: وإذا قام الثالث بعيب، كان عند الأول، ولم يبايعوه بالبراءة، والثاني عديم، فلا يرده إلا على الثالث.
محمد: ثم له ولغرمائه رده على الأول، وأخذ ثمنه، والمحاصة فيه، فإن فات، فللآخر ولغرمائه أخذ قيمة العيب من الأول من ثمنه، فيتحاصوا فيه، هذا بقيمة العيب من ثمنه، وهؤلاء بعينهم.
محمد: إن كان الثاني عديمًا، ولا دين عليه، وقد فات العبد، فليأخذ الثالث من الأول ما كان يرجع به على مبايعه، إلا أن يدفع إليه الأول قيمة راس ماله، أو قيمة الغيب الذي كان يلزم الأول من ثمنه.
في عهدة الدرك في من باع لغيره بوكالة أو وصاية أو تعد
وفي من باع لغيره وبين ذلك وفي يمين الوكيل والوصي من كتاب ابن المواز: ومن وجد عبده في يد مشتر من غاصب، فإن أجاز البيع، فالعهدة عليه دون الغاصب، وهذا إن لم يفت، فإن فات حتى يخير في الثمن، أو في القيمة، فالعهدة على الغاصب وطولب بالقيمة أو بالثمن، ولا عهدة على الوصي، وبيعه بيع براءة إلا أن يعلم عيبًا، فيكتمه، فيرد عليه، [6/ 233]
وكذلك الورثة يكتمون عيبًا، قال: ويحلف منهم في العيوب من يظن به علم ذلك على علمه، وكذلك الوصي ممن يرى أنه علم ذلك.
قال: ولا يتبع الوصي من الثمن إلا بما وجد بيده منه، أو من مال الميت إن أكل الورثة الثمن، فإن دفع المال إلى الغرماء، فعليهم المرجع، ويباع عليهم العبد ثانية، وهذا أحب إلينا، واختلف قول مالك في يمين الوكيل، فقال: يخلق في العيب، وإلا رد عليه، وإن بين أنه لغيره، وقال: إنه علم أنه لغيره لم يحلف، وإلا حلف إن لم يخبره، قال مالك في عبد أبق عند مبتاعه، وقال لهم: أبقت عن بائعي، وقال أيضًا: إذا لم يعلمه، حلف إلا المنادين، والنخاسين، ومن يبيع الميراث في من يزيد، فلا تباعة، ولا عهدة عليهم.
قال محمد: أما هؤلاء فكذلك، وأما الذي أخذ به الوصي والوكيل المفوض إليهم، فعليهم اليمين، وإن أعلموا أنه لغيرهم، إلا أن يشترط ذو الفضل منهم أن لا يمين عليه، فذلك له، أتبع فيه مالكًا استحسانًا، وأما الوكيل غير المفوض إليه أرسل ليبيع شيئًا، فلا يمين عليه إذا أعلمه أنه لغيره؛ لأنه ليس له أن يقبل، ولو أقر أنه كان يعلم العيب لينقض البيع، ما قبل قوله، فكيف يحلف؟! فإن لم يعلمه أنه لغيره، فله الرد عليه، وإن باعه بالبراءة، وكان عيبًا يشك في قدمه، فله يمينه، وإن نكل رد عليه وإن حلف فللمشتري إن شاء يمين ربه أنه ما علم بالعيب.
[6/ 234]
قال مالك: وإن علم المبتاع بعد البيع أنه لغيره، فهو مخير: إن شاء تماسك على أن عهدته على الآمر، وإن شاء رد، إلا أن يرضى الرسول أن يكتبها على نفسه، فلا حجة للمبتاع.
محمد: وهذا إذا أثبت أنه لغيره.
قال ابن القاسم: وإن قام بعيب وأقر أنه أعلمه أنها لفلان، فادعى المبتاع أنه قال: ليس بيني وبين فلان عمل، فلا يصدق، وليحلف المأمور: ما بعتك إلا على أن تباعتك على الآمر.
قال مالك في الوكيل يشترط أن لا يمين عليه، ثم يوجد عيب: فأما الرجل الوصي، فذلك له، وأما غيره، فلا، ويحلف، وإلا رد البيع.
قال محمد: وإنما ذلك في الوكيل المفوض إليه.
ومن العتبية، روى أشهب، عن مالك في الوضي يبيع لمن يلي عليه، ويشترط أن لا يمين عليه، قال: ذلك له، وإن باه الوصي دار الميت، ثم استحقت، فليس على الوصي من الثمن شيء وهو في التركة إن طرا للميت شيء.
قال ابن الماجشون، وأصبغ، في المديان يبيع عليه الإمام داره لغرمائه أو لغريمه، ويهلك الثمن قبل يقبضه الغرماء، ثم تستحق الدار، أن المبتاع يرجع بالثمن على الغرماء الذين بيعت لهم الدار، ومن كل غريم كان للميت، ولو طرا
[6/ 235]
للميت مال، أخذ من المشتري ثمنه، وحسب ما تلف من الغرماء، حتى كأنهم قبضوه وأكلوه.
وقال أشهب في كتاب آخر: ورواه عن مالك: لا يرجع على الغرماء بشيء.
والقول الأول رواية ابن القاسم، عن مالك، وقال به.
ومن أخذ من رجل سلمًا على طعام، وقال له: لفلان أخذه، أو اشترى له منه سلعة، فأخره به، على أنه إن اعترف ودى، وإلا كان لك على الطعام أو الثمن فأجازه مالك.
قال ابن القاسم: ولم يجزه غيره.
قال: وإن لم يقل: إن أقر فلان، وإلا فأنا ضامن.
قال: إن كان في قوله: بعثني فلان إليك، أو قال: أبتاع له منك، فإن أنكر هذا، غرم الرسول رأس المال، وإن كان إنما قال له: بعثني، ولم يقل: إليك، ولا منك، ضمن القمح، ولو أقر بذلك المرسل لم يبرأ الرسول، وكان عليهما.
قال ابن القاسم في أخوين بينهما أرض، غاب أحدهما، فباع الحاضر نصيب الغائب، واشترط أنه إن لم يجز، فنصيبي لك مكانه، فإن كانت مقسومة، لم يجز، إذ لا يدري ما وقع معه، وإن كانت شائعة، فجائز إن قربت غيبة أخيه ليطلع رأيه مثل اليوم ونحوه، وإن بعدت، لم يجز، وقد خاطره؛ لأنه ممنوع من القسم.
قال محمد: ذلك جائز؛ لأن المبتاع قد تم أمره، ولا طلب لأحد عليه، كما لو اشترى مصابة الحاضر، والقاسم يقسم ذلك.
[6/ 236]
ولمن ابتاع لرجل شيئًُا بنسيئة، وقال: لفلان أسباعه، فلا يبريه ذلك من الثمن، حتى يقول له: وإني لست من الثمن في شيء، فهذا لا يتبع إلا فلانًا، وإن لم يقل هذا، وقال: لفلان هذا، فليتبع المأمور، إلا أن يقر فلان، فليتبع أيهما شاء، إلا أنه يقول الآمر: كنت دفعت الثمن إلى المأمور، فيحلف ويبرأ، ويتبع البائع المأمور.
قال محمد: وإن قال له: فلا بعثني إليك، لتبيعه، فهذا كالشرط المؤكد، ولا يتبع إلا فلانًا.
قال أشهب: ولو قال: بعثني إليك لأشتري منك، أو لتبيعني، فالثمن على الرسول حتى يبين: إني لست من الثمن في شيء.
أو يقول: بعثني إليك لتبيع منه.
ومن الواضحة: ومن باع عبدًا، وقال: هو لفلان، فإن كان حاضرًا، أو قريبًا، فالعهدة عليه إن أقر، وإن لم يقر، فعلى البائع، وإن كان رب العبد غائبًا بعد الغيبة، فالعهدة على متولي البيع، وإن لم يشترط عليه، ولا ينفعه قوله: إنه لفلان، وكذلك إن نسبة إلى امرأة بالبلد محجوبة لا تبلغها المؤامرة، فالعهدة عليه، إلا أن يشترط أن عهدتكم على من نسبه إليه، وليس علي منها شيء، فيبرأ في ذلك كله.
وقاله مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ.
قال ابن الماجشون: وإن دفعت عبدك إلى غريمك يبيعه، ويستوفي، فيبيعه على أنه لفلان، ثم يستحق أو تدركه عهدة السنة أو الثلاث، فالعهدة والرجوع
[6/ 237]
على ربه، وهذا وكيل لا شيء عليه إذا أخبر أنه لفلان، بخلاف بيع السلطان للغرماء، ذلك يرجع فيه على الغرماء في عدم المطلوب.
وساوى أصبغ بينه وبين بيع السلطان، وليس ذلك بشيء.
قال محمد بن عبد الحكم: ليس على القاضي عهدة فيما باعه لغيره، فإن باع شيئًا ولم يبين أنه لغيره، فاستحق، فقال: بعته لغيره.
ولا بينة على ذلك، فالعهدة على القاضي، وإن قامت بينة أنه باعه لغيره من دين أو وصية.
غير أنه لم يذكر ذلك للمشتري، فالعهدة على القاضي، ويرجع بها القاضي على من باع له، وكذلك الوصي فيما باع إن بين، وإلا فهي عليه يؤديها، ثم يرجع بذلك على من باع ذلك عليه إذا صحت عليه البينة.
في بيع البراءة
من كتاب محمد: قال ابن القاسم: الذي آخذ به قول مالك الأول في بيع البراءة: أن البراءة جائزة في الرقيق.
قال ابن القاسم: وبيع البراءة أمر جائز بالمدينة، قضى به عثمان وغيره، وبيع البراءة إذا شرط يبرأ من جل
[6/ 238]
عيب، قل أو كثر، لا يعلمه البائع، وبيع السلطان في المغنم والتفليس وغيره بيع براءة وإن لم يشترط، وكذلك بيع الميراث، إذا علم المبتاع أنه بيع ميراث، وإنما ذلك كله في الرقيق خاصة، إلا أن يعلموا عيبًا فيكتموه، وقاله كله مالك.
ورواه ابن القاسم، وأشهب، وقاله كله عبد الملك.
قال مالك: وأما الدواب وسائر الحيوان والعروض، فلا ينفع في ذلك شرط البراءة، ولا يبرأ فيها في بيع الميراث، ولا سلطان ولا غيره، وذلك مردود.
قال سحنون، ومحمد بن المواز: قال أشهب: فإن وقع بيع البراءة في الرقيق غير الحيوان، لم أفسخه، وإن وقع في العروض، سوى الحيوان، فسخته، إلا أن يطول ويتباعد، فلا أفسخه، وخالفه ابن القاسم، وقال: لا ينفعه ذلك، وشرطه باطل.
قال محمد: وأرى أشهب إنما قال: لا أفسخه في الحيوان لما روي لمالك في كتاب محمد: من باع عبدًا أو وليدة أو حيوانًا بالبراءة، فقد برئ.
وقد قال في غير كتاب ابن المواز: إنه ذكر لمالك أن ذلك في كتبه، فقال: امح الحيوان.
وقال في كتاب ابن المواز: قلت له: في كتبك: يجوز بيع الحيوان بالبراءة، قال: إنما نعني به الرقيق.
محمد: وروى عنه أشهب في بعير باعه سلطانه، أيرد؟ قال: لا، إلا أن يعلم عيبًا فيكتمه، وإن كان لنفسه، فهو كسائر الناس، وإن باعه في دين ونحوه، فلا يرد.
قال محمد: بيع الميراث، وبيع
[6/ 239]
السلطان، وبيع البراءة واحد، لا ينفع في غير الرقيق من حيوان أو عروض.
وروى مثله أشهب، عن مالك.
وقال ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وعبد الملك، وابن عبد الحكم، وأصبغ: إن بيع الميراث بيع البراءة، وإن لم يشترط.
قال ابن القاسم، وأشهب: وكذلك بيع السلطان، وذلك في الرقيق.
ومن العتبية، وكتاب ابن المواز: قال ابن القاسم، عن مالك: ولا ينفع البراءة في الثياب، إلا أن يكون الشيء التافه غير المضر ولا المفسد في الثوب أو قي العلم، فلا ترد به، وأما الخرق وما هو مضر به، فليرد به، وكذلك الحيوان.
قال ابن القاسم، عن مالك، في من يأتي بثوب مرتفع إلى بصير به، فيقول: اشتر مني بالبراءة، وانظر لنفسك، فيشتريه منه على ذلك، ثم يجد عيبًا: فإما عيب كثير، فله الرد، ولا رد له في الخفيف الذي ولا ينقصه كبير نقص.
فقال مالك: في جرار الزيت مدفونة في الأرض، فتباع في تركة الرجل بالبراءة، ثم يأمر السلطان بالكشف عنها، ثم يوجد فيها عيوب، فلا تنفعه البراءة، وله ردها.
ومن الواضحة: قال ابن شهاب، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وغيرهم: تجوز البراءة في كل شيء.
وقاله مالك مرة: إنه يلزم في الرقيق والحيوان والعروض.
ثم
[6/ 240]
رجع إلى أنها لا تكون إلا في الرقيق.
وقال ابن وهب بقوله الأول، ونحن نقول بقوله الآخر فيما باع طوعًا، فأما ما باعه السلطان، في فلس، أو موت، أو على أصاغر، أو في مغنم، فيأخذ فيه بقوله الأول أنه بيع براءة في كل شيء، من رقيق، أو حيوان، أو عروض، وإن لم يشترطه.
وقاله مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وغيرهم.
وقول مالك: إن البراءة تنفع في كل عيب وإن كثر في الرقيق.
وقاله أصحابه إلا المغيرة، فإنه قال: ما لم يجاوز ثلث الثمن، فلا تنفع فيه البراءة حينئذ.
ومن كتاب ابن المواز: وقد كان مالك رجع، وقال: لا تنفع البراءة في ميراث ولا غيره، في رقيق وغيرها، إلا في عيب خفيف.
وقال أيضًا: لا تنفع في الرقيق، إلا في بيع السلطان في الديون، فأما في بيع الميراث أو غيره، فلا، إلا فيما حق، فعسى به.
ومن الواضحة: وما بيع من المغنم فوجد به عيبًا، فأرى إن لم يفرغ، ولم يقسم، أن يقيله ويبيعها ثانية، ويقسم ثمنه، وإن قسمه، لزم مشتريه على بيه البراءة، وما بيع بإذن الإمام على مفلس أو ميت، لقضاء دين، أو إنفاذ وصية، أو على أصاغر، فهو بيع براءة، وإن لم يذكر متوليه أنه بيع ميراث أو مفلس، وأما إن وليه الوصي بنفسه كما ذكرنا، بغير إذن الإمام، أو باعه الورثة وهم أكابر، ليقضوا دين الميت ووصاياه، فليس بيع براءة حتى يخبر من يليه أنه بيع براءة أو يذكر الميراث.
[6/ 241]
وما باع الوصي على يديه للأيتام من رقيق وغيره، فليس بيع براءة، وإن بين أنه لأصاغر من ميراثهم حتى يشترط البراءة.
وقاله أصبغ في ذلك كله.
ومن كتاب محمد، قال مالك: بيع الميراث، وبيع السلطان بيع براءة، إلا أن يكون المشتري لم يعلم أنه بيع ميراث أو سلطان، فهو مخير في أن يحبسه بلا عهدة أو يرده.
قال في بيع السلطان: وإن علم الإمام عيبًا، فكتمه، فللمبتاع الرد، وكذلك لو علمه المفلس وقد بيع عليه، فللمبتاع الرد، ولا تباعة على الإمام، ولا على الغرماء، وذلك على السيد، ولو كان السيد هو الذي باعه بنفسه، وقضى دينه، ثم أخبر بعيب علمه، فلا سبيل إلى الغرماء، أراه يريد: ولو قامت بينة بعلمه في هذا.
محمد: هذا بيع في السلطان، ثم أقر المفلس بعد البيع بالعيب، فأما إن كانت بينة أنه كان يعلمه، فإنه يرد، ويؤخذ الثمن من الغرماء، ويباع لهم ثانية.
وقاله ابن القاسم في بيع الوصي إن قامت بينة.
فأما بإقراره، فلا، إن شاء المشتري رده على ربه، ولا يرجع على الغرماء بشيء.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: بيع الصفقة في العبد الغائب بيع براءة، ولا يرد بعيب إلا ما علم وكتم، وكذلك ما وهب من الرقيق للثواب، وهو أحسن ما سمعت.
[6/ 242]
ومن كتاب ابن المواز: والنقد جائز في بيع البراءة، إذ لا عهدة فيه إلا في الجارية الرائعة، فلا ينقد فيها بشرط في الاستبراء، وإن بيعت على البراءة من غير الحمل، إذ لا تجوز البراءة فيها من حمل لم يظهر، وليتواضعا الثمن حتى تحيض، وتجوز فيها البراءة من حمل ظاهر.
وأما الوخش، فتجوز البراءة فيها من حمل، وإن لم يظهر، وأما وطيئة السيد من الوخش وغيره، فلا يجوز ذلك فيها بحال.
وبيع البراءة المشترط، وبيع السلطان، وبيع الميراث، يقطع العهدة في الثلاث والسنة، إلا الجارية الرائعة في ذلك، فهي في ضمان البائع حتى تحيض، وكذلك ما مسه السيد من الوخش فهو في ضمان حتى تحيض.
وهذا كله قول مالك.
قال أصبغ، ومحمد: وشرط البراءة في هاتين يفسد البيع.
قال ابن القاسم وأشهب: وعبد الملك، قالوا: ولا يجوز بيع الرائعة التي يضع الحمل من ثمنها ما له بال بالبراءة من الحمل، وأما التي لا يضع ذلك من ثمنها ما له بال، فذلك فيها جائز.
محمد: وإن بيعت الرائعة بالبراءة مطلقًا، ولم يذكر الحمل، فذلك جائز وفيها المواضعة.
ابن القاسم: قال مالك في الجارية تباع بيع السلطان، أو بيع براءة، فتوجد حاملاً، فإن كانت رائعة حاملاً، لم تنفع فيها البراءة، وقاله ابن الماجشون.
وذكر ابن حبيب، في باب بيع الإماء، في الجارية المسبية تقع في سهم رجل، أو يشتريها من المقاسم، فله أن يلتذ منها بدون الجماع قبل أن تحيض؛ لأن بيع المقاسم بيع براءة، ولو ظهر بها حمل، لم يردها عليه به.
[6/ 243]
قال مالك: ومن باع عبدًا بالبراءة فقيم عليه بعيب قديم، فأنكر أن يكون علم به وليحلف على ذلك.
قال في باب آخر: على علمه في الظاهر والخفي في هذا خاصة، فإن نكل، رد عليه، ولا يمين على المبتاع.
من كتاب ابن سحنون: وسأله حبيب عن العبد قام فيه المبتاع بأضراس ساقطة، وقال البائع: تبرأت إليك منها.
وأنكر المبتاع، فكلف البائع البينة، فأتى ببينة تشهد أنه باعه منه بالبراءة من كل عيب، وأنا لا أعرف هذه الأضراس، فقال البائع: إنما أردت بقولي: برئت منها: إنما أردت البراءة من كل عيب.
قال: لا ينفعه قوله.
وقوله: برئت منها، إقرار منه أنه كان يعلمها، وإنما البراءة مما لا يعلمه البائع.
وقال سحنون: البراءة من العيوب كلها في الرقيق لازمة، إذا كانت حيوانًا لا يعرفها البائع.
قال: فإن كان أعور أو أشل؟ قال: نعم، إذا كان البائع لا يعرفها، وإن كانت فاحشة.
ومن العتبية قال أشهب، عن مالك: إذا باعه بالبراءة، فظهر منه على بياض، فيأتي البائع اليمين أنه ما علمه، وقال المبتاع: احلف أنك ما رأيته، ولا علمته، ولا رضيته، فليس على المبتاع يمين في ذلك.
قال ابن حبيب: إذا ثبت أنه قديم، حلف البائع على علمه، خفيًا كان أو ظاهرًا، وكذلك المفلس، ومن يظن أنه علم ذلك من صغار الورثة ثم يبلغ.
فأما عيب يمكن قدمه ويمكن حدوثه، فلا يحلف فيه البائع في بيع البراءة، خفيًا كان أو ظاهرًا، فأما في بيع العهدة، فيرد بالعيب القديم، بلا يمين، وأما ما يمكن قدمه وحدوثه، فيحلف في الخفي على علمه، وفي الظاهر على البت، وهو أصل خفي حسن.
وقاله مطرف وابن
[6/ 244]