كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فيمن يدعي عليه دعوى في مال أو غيره هل يحلف بغير خلطة بينهما؟
وذكر الخلطة والظنة الموجبة لليمين
من كتاب ابن سحنون، عن أبيه: قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز لا يحلف المدعي عليه، حتى يكون بينه وبين المدعي خلطة/ وملابسة.
قال سحنون: حدثني ابن نافع، عن حسين بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي، أن النبي عليه السلام قال: البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.
إذا كان بينهما خلطة، وهو قول المشيخة السبعة.
قال ابن المواز: فإذا ادعى قبل رجل حقا، فأنكر أن يكون حدث بينهما مخالطة، ولا بينة للمدعي، فلا يمين له حتى يقر له الآخر بخلطة، أو يقيم عليه بينة بخلطة.
[8/ 143]
ومن المجموعة: ابن القاسم، وابن نافع، وعلي عن مالك، وهو الأمر عندنا أن ينظر، فإن كانت بينهما خلطة وملابسة، حلف المدعي عليه، وبري، فإن نكل، ورد اليمين على المدعي، حلف، وأخذ حقه.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولا تجب اليمين عندنا إلا بخلطة، أو يكون الرجل منهما مأمونا فيما ادعى عليه، فإن اليمين تعلق المتهم، وتكون مثل الخلطة، وقد قال مالك في التي تدعي أن رجلا استكرهها، أنه إن كان ممن لا يشار إليه بذلك، حدت، وإن كان ممن يشار إليه بذلك، نظر فيه الإمام، فالتهمة توجب ما توجب الخلطة من اليمين.
ومن العتبية قال أصبغ: قيل لابن القاسم: ما الخلطة الموجبة لليمين؟ قال: يسالفه، يبايعه، ويشتري منه، ولو أقام بينة أنه بائع منه، وقبض الثمن، وقبض هذا السلعة، لم يوجب هذا اليمين، إلا أن يبايعه مرارا، فهي مخالطة، وإن تقابضا في ذلك الثمن والسلعة، ويتفاصلا قبل التفرق، فهي خلطة.
وقاله أصبغ، وقال: كل مخالطة ثبتت بتاريخ قديم يمكن المعاملة/ بينهما ليبين بعدها، وإن لم تتصل، فانقطعت، فهي مخالطة، وقاله سحنون؛ وقال سحنون: ولا تكون المخالطة إلا بالبيع والشراء من الرجلين، ولو ادعى أهل السوق بعضهم على بعض، لم تكن خلطة حتى يقع البيع بينهما، وكذلك القوم يجتمعون في المسجد للصلاة والأنس والحديث، وادعى أحدهما على الآخر، فليس هذه الخلطة الموجبة لليمين في الدعوى.
ومن المجموعة، والعتبية: قال أشهب، وابن نافع، عن مالك في من أوصى أن له عند فلان كذا، قال: يحلف المدعى عليه، وإن أبى أن يحلف، غرم.
قيل: ويحلف من غير خلطة؟ قال: ليس في مثل هذا خلطة.
وقال ابن كنانة، قال: لأن قول الميت عند موته يوجب من ذلك ما توجبه المخالطة؛ لأنه أقرب ما يكون إلى الصدق.
[8/ 144]
قال ابن حبيب: وتفسير المخالطة: أن تقوم البينة، أنه كانت بينهما مخالطة وملابسة في حق لا يعرفون له القضاء، فأما إن قبض حقه بالبينة، ثم ادعى حقا آخر غيره، لا يعرف له سبب، فلا نلحقه بالخلطة الأولى.
ومن المجموعة: قال ابن كنانة: فإن أقام شاهدا على الخلطة، قال: شهادة رجل واحد، أو شهادة امرأة واحدة توجب اليمين انه خليطه.
قال ابن المواز: إذا أقام بالخلطة شاهدا، حلف المدعي معه، ثم ثبتت الخلطة، ثم يحلف حينئذ المدعي عليه.
قال مالك في الذين اشتريا سلعة من رجل، ثم تقاضى أحدهما، فقال: دفعت إلى شريكي ذلك.
فطلبه البائع، فأنكر، قال: لا يمين عليه، وليس هذه خلطة.
قال في كتاب/ ابن المواز: ومن ادعى على رجل بحق، فأنكر أن يكون جربت بينهما مخالطة، ولا بينة على الخلطة، قال: لا يمين له حتى يقر بمخالطة، أو يقيم المدعي بينة بالخلطة، وكذلك إن ادعى عليه كفالة، فلا يحلفه إذا لم تكن بينهما خلطة.
ومن كتاب آخر: قال المغيرة، وسحنون: أهل السوق وغيرهم سواء، لا تجب بينهم يمين إلا بخلطة.
قال يحيى بن عمر: وأما الصناع، فعليهم اليمين لمن ادعى عليهم في صناعتهم، وإن لم يأت بخلطة؛ لأنهم منصوبون للناس.
ومن العتبية، والمجموعة: ابن القاسم عن مالك، فيمن أقام شهودا عدولا على رجل بحق، فأقام الرجل بينة أنهم معادون له فسقطت شهادتهم، قال: فهم كمن لم يشهد.
وكأنه رأى ألا يحلف.
[8/ 145]
وقال سحنون في العتبية: لا يحلف ومن سماع عيسى، قال مالك: كل من شهد فردت شهادته؛ لأنه متهم، أو غير عدل، فلا يمين على المشهود عليه.
قال أبو بكر بن محمد: وقد قيل: يحلف.
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن المواز: وكذلك كل دعوى تكون، ثم تسقط بسقوط البينة، فلا يمين له عليه.
أشهب: وكذلك في تهاتر البينات إذا أكذب بعضهم بعضا، فاستووا في العدالة.
قال: إذا قال المدعي عليه: قد كانت بيننا خلطة وانقطعت.
فإن ثبت انقطاعها، لم يحلف إلا بخلطة ثانية، يقيم بينة أنه أحدثها بعد المنقطعة، وإذا قضى له اليوم عليه بمائة دينار، أقام فيها بينة بقبضها، ثم جاء في الغد يدعي عليه حقا آخر، فلا يمين له عليه، بسبب تلك/ الخلطة، لانقطاعها حتى يقيم بينة على خلطة لم ينقطع أمرها.
ومن المجموعة، وكتاب ابن المواز: قال مالك، في من ابتاع أبصا فانتقلها، ثم أقاله فردها عليه المبتاع، فحلف البائع، ليحلفنه عن المنبر أنه ما خلطها بشيء إن وجب له.
قال مالك: أرى عليه اليمين.
قال محمد: إذا أقاله، ثم أخرجها إليه، فقال: ليست هذه جلودي، أو هذه أقل من عددها.
قال: إن قال: ليست من جلودي.
فالقول قوله مع يمينه، إلا أن يكون أحدهما على الخيار، أو على أن يزنها، أو على أن يعدها لنفسه.
قال ابن عبدوس، وابن سحنون: قال مالك، في المأذون يبيع متاعا من قوم، فادعوا أنهم دفعوا إلى سيده بعض الثمن، قال: أكان سيده يقتضي؟ قال: نعم.
قال: فليحلف السيد والعبد فيما ادعى عليهما.
وقال مالك في من أوصى في ديونه أن تقتضي، وأن يقضي ما عليه، فوجد له صك بأربعة عشر دينارا، وفي أسفله بخط الميت: قبضت منه ثمانية دنانير بما في [8/ 146]
هذا الكتاب، هل يحلف المطلوب ويبرأ من الثمانية؟ قال: يبرأ منها بلا يمين، ويؤخذ منه ما بقي.
ومن كتاب ابن عبدوس، قال ابن كنانة في من أوصى أن لفلان عليه دين، فطلب ورثته يمين المقر أن حقه لحق، قال: لا يأخذ هذا حتى يحلف، وقد قضي عندنا في مثل هذا مرة باليمين، ومرة بغير يمين.
قال ابن كنانة: وإن قال عند الموت: لي عند فلان سبعة دنانير، ثم مات، فقال المطلوب: بل له عندي أكثر.
قال: يؤخذ منه ذلك بغير يمين.
وكذلك/ لو لم يقر إلا بالسبعة فقط، فأما إن أقر بأقل منها، فعليه اليمين فيما زاد على إقراره.
قال مالك في الذي يوصي فيقول: ما دفع إليكم شريكي فصدقوه بغير يمين، فأحضر إلى السلطان فأتى بما بيده من عين، فقسمه بينه وبين ورثة شريكه، ثم أقام يقتضي الديون ويقسم نحو عشرين سنة، وكتب له السلطان براءة من ذلك، وبقي بينهما دين، فبلغ الورثة، فإن ادى يمينه فيما اقتضى فلينظر السلطان، ويكشف أمره، فإن رأى أمرا صحيحا، لم يستحلفه، وإن استنكر شيئا، فليحلفه، قيل: أبعد عشرين سنة؟ قال: نعم، وهذه المسألة في العتبية من سماع ابن القاسم.
وذكرها ابن سحنون.
قال مالك في من بينه وبين رجل خلطه في مال، فتخاصما نحوا من شهرين، وكانت له عنده ثمانية دنانير غير ذلك، فاقتضاها منه، فقال له؟ دفعتها إليك.
فأنكر، فاستحلفه، فقال: إنما تريد يمين لمكان ما بيني وبينك.
قال: أرى أن يحلفه، ولا يمنعه ما بينهما من إحلافه.
قال مالك في مريض حاسب مخالطه في بيه فأدرك عليه فضلا، فأشهد عليه به، ثم تقاضاه ولد الميت فمطله نحو عامين، ثم قال للابن: احلف.
قال: لا يمين عليه.
[8/ 147]
قال ابن نافع عن مالك، في من أمره أبوه أن يقضي دينا عليه، فقضاه عن أبيه لرجل، وزعم أنه قضاه من ماله، وأن أباه لم يدع مالا، فطلب من له دين غيره يمينه: أن أباه لم يأمره أن يقضينا كما أمره في الذي قضاه.
قال: ليس إنما عليه أن يحلف أن أباه/ ما ترك مالا، لا على أنه لم يأمره بالقضاء.
ولو قال: قد أمرني، ولا أفعل.
كان ذلك له.
قال ابن نافع عن مالك، فيمن أسلف رجلا دراهم أمر له بها عند صراف، فتقاضاه، فقال: دفعتها إلى الصراف حسبته وكيلك، قال: عليه أن يؤديها، قال: أفيحلف الصراف، قال: إن كان متهما، وإلا فلا، وقال ابن نافع: يحلف على كل حال.
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن نافع عن مالك، في من توجد بيده السرقة، فيقول: اشترتيها من السوق، ولا أعرف بائعها قال: يأخذ المتاع ربه بعد يمينه: أنه ما خرج من ملكه، وينظر في الذي وجد بيده، فإن كان من أهل الصحة، لم يعرض له بيمين ولا بغيرها، وإن كان من أهل التهم، حبس وعوقب بقدر ما يكون ثمنه، وإن بقى للطالب شيء من المتاع، حلف في المتهم بعد أن بلا في اليمين.
من كتاب ابن المواز: وإنما اليمين مع تحقيق الدعوى، أو تحقيق الإنكار، فول قال رجل لرجل: أنا أظن أن لي عليك يا فلان دينا، فاحلف لي.
وبينهما المخالطة، لم تلزمه يمين إذ لم يحقق الدعوى، وكذلك فلا يمين على المدعى عليه الدعوى الصحيحية إذا لم يحقق البراءة منها فيغرم، حتى ينكره إنكارا بينا فيحلف.
ولو أقام شاهدا على حق له، وقال المدعي: ولا أدري أقضاني أم لا؟ لكن يحلف أنه قضاني، لم تلزمه يمين أيضا، وقد استغنى عن الشاهد، ولو قال الآخر: قد قضيته.
برئ بلا يمين، ولو ادعى عليه دعوى أثبتها ولم يحلف مع شاهده، لحلف المطلوب، فإن قال: أحلف ما أعلم لك علي حقا لزمه/ الغرم بلا يمين.
[8/ 148]
في الدعوى في النكاح والطلاق والعتق والحدود والجراح والدم والغصب ونحوه، وما يوجب اليمين
في ذلك
وهذا الباب قد جرى منه في الثاني من الشهادات ذكر دعوى الزوجة الطلاق، والعبد العتق، وفي كتاب العتق من هذا.
من كتاب الدعوى والبينات لأشهب، وهو في كتاب ابن سحنون: وإن ادعت امرأة أن زوجها طلقها، ولا بينة لها، فلا يمين عليه، إلا أن يكون لدعواها وجه تلحقه به تهمة، فيحلف.
قال: وإن ادعى على رجل جرحا عمدا أو خطأ أو دما، فإن لم يأت ببينة، حلف المدعي عليه – يريد إن كان لطخ يوجب اليمين- فإن حلف برئ، وإن نكل، فعليه القصاص فيما دون النفس.
وقد قال بعض العلماء: لا يقتص منه، وأما في النقس، فيبدأ المدعون للدم بالقسامة بأيمان القسامة – يريد إن قام لطخ يوجبها- فإن أبوا، حلف القاتل، فإن نكل، سجن حتى يحلف، فإن طال سجنه، وأيس أن يقر ويحلف، كان عليه الدية – يريد في ماله- ولو أقر الجارح بجراحة عمدا، فادعى المجروح أنه صالحه فيها بمال، فأنكره، فالمجروح مدع، فإن جاء ببينة، وإلا حلف الجارح، فإن حلف، برئ من المال والقصاص؛ لأن المجروح أبرأه منه، واعى مالا.
وكذا لو قال رجل: قد وجب دمي لك.
وقال الآخر: لم يجب.
لم أمكنه منه، قال: فإن نكل الجارح عن اليمين، حلف المجروح، وأخذ ما ادعى من الصلح.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: من ادعى أن رجلا قذفه، فإن ذكر أن له بينة حاضرة/، أجلس القاضي القاذف عنده، وأمر المقذوف بإحضارها، وإن ادعى بينة غائبة أو بعيدة، لم يسجن له القاذف، ولا أخذ عليه حميلا.
ولو أقام عليه شاهدا أو شهودا لا تعرف عدالتهم، فليحبسه حتى تعدل، أو يأتي بآخر، فإن ثبت عليه فقال القاذف: لي بينة على أنه كما قلت: فإن كانت حاضرة في [8/ 149]
السوق ونحوه، حبسه عنده، وقال له: أرسل رسولا وراء بينتك، وإن كان أمرا يطول، ضربه الحد، ولم يؤخره، وإن ادعى عليه أنه جرحه، أو ضربه ضربا زعم أنه يخاف عليه الموت، والمرمي منكر، فلينظر، فإن كان بالمدعي أثر ضرب مخوف أو جراح، أمر بسجن المرمى، وسأل المدعي عن بينته، وأجل له بقدر قربها وبعدها، فإن جاء ببينة، اقتص له من الخارج، وإن لم يأت ببينة، ومن يلطخ، أو أسباب، أو بشاهد واحد، أو ببينة غير قاطعة، تمادي في سجنه، وإن لم يأت بشيء من ذلك، أطلقه، وكذلك إن أدى أنه قتل له وليا، فإن كان ممن يتهم بذلك، سجنه له مكانه، وسأله عن بينته، فإن جاء بها، نظر له، وإن لم يأت بها، وجاء بلطخ أو سبب، تمادى في سجنه، وإن لم يأت إلا بمن يشهد أنه قتل لهذا ولي لا يدرون من قتله، تمادى في سجنه إن كان ممن يتهم، وهو دون سجن الآخر الذي جنى عليه بلطخ، وإن لم يكن ممن يتهم، لم يسجنه بدءا حتى يشهد له أنه قد قتل له ولي، فليسجنه، وسئل الآخر البينة، ويؤجل له بقدر ما يذكر من بعدها، فإن جاء إلى الأجل مما يستوجب به السجن، وإلا أطلقه، ولا يسجنه أبدا إذا لم يكن من أهل التهم، إلا أن يأتي بسبب،/ مثل أنه قتل له ولي، وشبهه، وأما بدعواه معراة من سبب، ولا يعلم أحد أنه قتل له ولي، فلا يحبس إلا أن يكون من أهل التهم.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم: ومدعي الضرب على رجل، فلا يمين عليه إلا أن يكون لذلك سبب من مشاتمة أو منازعة تشهد عليها العدول، وإن لم يشهدوا على الضرب.
ومن العتبية، روى أشهب، عن مالك، في من أقام شاهدا أن فلانا شتمه قال: لا يقضي في هذا بشاهد ويمين، ولكن إن كان الشاتم معروفا بالسفه والفحش، عزر.
[8/ 150]
قيل: أفعلى الشاتم يمين؟ قال: نعم ولعسابه ازاره وليس كل ما رأى المرء وأراد أن يجعلوه سنة.
قال ابن القاسم: وإذا ادعي القاتل أن ولي الدم عفا عنه، فله أن يحلفه، فإن نكل، ردت اليمين على القاتل.
وقال أشهب: لا يحلف ولي الدم؛ لأنه إن استحق بقسامة فاتت يريد تكرارها عليه، وإن استحق ببينة وأنت تريد أن توجب عليه القسامة بدعواك، فإن قلت: أحلفوه يمينا واحدة.
فليس من الدماء أيمان إلا القسامة، وليس في هذا الخلطة، أرأيت إن حلفه، فلما قرب للقتل قال: قد عفا عني ثانية.
أيحلف له إن ادعى أن أخاه مملوك أو مرتد، أيحلف له؟
ومن المجموعة: قال ابن القاسم: قال مالك، في عبد من الحوائط، أتى به رجل ودم الرجل يسيل، يقول: ضربني فضرب وسجن، ثم أتى به آخر، فضرب به وسجن، ثم أتى به آخر ودماه تسيل، فأنكر العبد، قال: يحلف العبد ويرحل.
أشهب، عن مالك، في من مات ولم يترك فضلا عن دمه، إلا عشرة دنانير، فكفنه الورثة منها بخمسة، وأبت زوجته/ أن تجيز، فلينظر في ذلك ويقومه قيل: إنهم ادعوا أنها رضيت بذلك، وأذنت فيه، هل يحلفونها؟ قال: ما علمت ذلك لهم.
ومن كتاب ابن سحنون: كتب إليه شرحبيل في رجال ادعوا على قوم أنهم غضبوهم مالا، وهم لا يعرفون بالغصب، ويعرفون بالصلاح، فلا يمين عليهم، وكتب إليه أن قوما من الحضرميين، وجماعة من الغافقيين اقتتلوا، فجرح من كل فريق سبعة، وأقر كل فريق منهم أنهم جرحوا الفريق الآخر، ولم يقرا أحد منهم لأحد بعينه، قال: فكتب إليه: من ادعى من المجروحين على رجل أنه جرحه، فأحلفه، [8/ 151]
واقتص له منه إن كان مما فيه قصاص، وإن لم يعرفوا بعينه، فاحمل جراح كل فريق على الفريق الآخر في أموالهم.
قال محمد بن عبد الحكم: والمطلقة واحدة إذا ادعت أن زوجها ارتجعها، فلا يمين عليه في هذا، ولا في النسب، ولا في النكاح، ولا في الإيلاء: أن لم يراجعها، ولو قال: قد جئت إليها.
وأنكرت، أحلف.
وإن شهد شاهد على رجل أنه شرب خمرا، أو أنه سرق، فلا يمين عليه، وإن شهد أنه قذف رجلا، أحلف له، هذا حق الآدميين.
ذكر اليمين، وكيف يحلف؟ وأين يحلف؟
ومن كتاب ابن سحنون: قال مالك: يحلف المدعي عليه، أو من يقيم شاهدا بالله الذي لا إله إلا هو، لا أعرف غير هذا، ولا زيادة عليه قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وكذلك في اللعان، والقسامة، وقد كان قال مالك، وابن القاسم: أنه يحلف في القسامة: اقسم بالله/ الذي أمات وأحيي، وأما الذي يقول ابن القاسم، وأشهب، وهو قول مالك: والله الذي لا إله إلا هو- فقط إن فلانا قتله، وإن فلانا ضربه.
قال مالك، في موضع آخر: لهو ضربه ولمن ضربه مات، قال أشهب: ولو لم يذكر الضرب، وقال لفلان: قتله.
لأجزأه ذلك، لأن القتل يأتي على ذلك.
ورأينا المدنيين يزيدون في اليمين عند المنبر: الرحمن الرحيم.
وأبى ذلك مالك، قال ابن المواز: وهو قول عبد الملك في اللعان.
قال ابن القاسم، وأشهب: ولا يؤخذوا بأن يقولوا مع ذلك: عالم الغيب والشهادة، ولا الطالب المدرك.
قال مالك: هذه أيامن الأعراب.
[8/ 152]
قال محمد: وقال عبد الملك: يحلف في القسامة كما يحلف في الحقوق: لقد مات من الضرب الذي شهد فلان وفلان أن فلانا ضربه إياه تردد هكذا أيمانهم، إلا أنه قال: ويزيدون في أيمانهم: عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.
قال أشهب، عن مالك: لم يحلف بهذا في القسامة إلا حديثا، ولا أدري ذلك.
قال أشهب: وإن حلف، فقال: والذي لا إله إلا هو، لم يقبل منه، وكذلك لو قال: والله.
فقط لا يجزئه حتى يقول: والله الذي لا إله إلا هو.
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن كنانة، عن مالك: ويحلفون في القسامة واللعان، وفيما بلغ من الحدود ربع دينار فأكثر، عند المنبر، بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم.
فيما يحلف فيه يمين واحد، حلف هكذا، وما تردد، رددت هكذا.
وذكر ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون، أن الأيمان في الحقوق والدماء اللعان: بالله الذي لا إله إلا هو، وفي كل ما فيه اليمين على المسلمين، أو النصارى، أو اليهود، أو المجوس.
قال في كتاب ابن المواز: ويمين العبد والنصراني في الحقوق سواء، ويحلف النصراني حيث يعظم، ولا يحلف إلا بالله، ويحلف مع شاهده، قضي له على مسلم أو غيره، وكذلك المجوسي.
ومن كتاب ابن سحنون: قال مالك: وكل ما له بال، فليستحلف فيه في المسجد الجامع.
قيل: عند المنبر؟ قال: لا أعرف المنبر إلا منبر النبي عليه السلام، ولكن حيث يعظم منه.
وقال عنه ابن وهب: لا يستحلف عند منابر المدائن، إلا عند منبر النبي عليه السلام.
[8/ 153]
قال مالك: فان قضي عليه باليمين عند المنبر، ما أرى أن يحلف، وحلف في مقامه، قال: يقضي عليه.
قال سحنون: يعني بعد رد اليمين على الطالب.
قال ابن وهب: قال مالك: لا يستحلف عندنا عند المنبر، إلا في ربع دينار فأكثر.
قيل لسحنون: فإن بعض المكيين قال: إن كان الحق عشرين دينارا أو قيمتها، أو دما أو جراحة فيها قود، أو حد، أو طلاق، حلف بين البيت والمقام، وإن كان بالمدينة، فعلى منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بيت المقدس، ففي مسجده.
وأحب لو حلف بعد العصر، وقد كان من حكام الآفاق من يستحلف على المصحف؛ قال: فذلك عندي حسن، قال: فان كان الحق أقل من عشرين، أو ما أرشه من الجراح اقل من عشرين، أحلف في المسجد، أو في مجلس الحكم؛ فقال سحنون: لسنا نعرف هذا، والذي قضي به بدار الهجرة ما قال مالك.
قال ابن القاسم عن مالك، في كتاب ابن سحنون، وابن المواز، والعتبية، في من باع ثوبا فرد عليه بعيب، فادعى أنه بينه/ له، فأنكر، فأراد يمينه عند المنبر، فقال: إنا لنقول: لا يستحلف عند المنبر إلا في ربع دينار.
قال ابن المواز: قال أصبغ: فإن كان نقصان الحرف أكثر من ربع دينار، لم يحلف إلا في الجوامع.
قال في كتاب ابن المواز: وإذا كان لرجل ربع دينار على رجال، ولرجلين ذلك على رجل، لم يحلفها في المسجد الجامع، ولا عند المنبر.
قال: ويحلف المسلم، حرا أو عبدا مع شاهده في المسجد الجامع، في ربع دينار فأكثر، وفي المدينة على منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال في موضع آخر: في ثلاثة [8/ 154]
دراهم، وهو ربع دينار، وهو الذي جاء فيه القطع، فأما أقل: فليحلف في مقامه، ولا يحلف في مساجد القبائل في ربع دينار، ولا أقل ولا أكثر.
ومن كتاب ابن سحنون، والعتبية: ابن القاسم، قال مالك، إذا كان على جماعة ذكر حق بربع دينار، لم أر أن يحلفوا عند المنبر، قيل لمالك: أيستحلف عند المصحف؟ قال: بل يستحلف في المسجد.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: يستحلفون في كل ماله بال، أو في ربع دينار، في المدينة: عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وبغيرها: في مسجدهم الأعظم، حيث يعظمون منه، أو تلقاء قبلتهم، ومالا يبلغ ربع دينار، فيحلف الرجل في مكانه، وكذلك المرأة في بيتها، يحلفان جالسين إن أحبا، ولا تخرج فيه المرأة، ويجزئ القاضي في ذلك إرسال واحد يحلفها.
ومن كتاب ابن سحنون: قال مالك: يحلف على منبر النبي عليه السلام، في ثلاثة دراهم، وهو كان ربع دينار.
قيل له: أفيحلف في مساجد الجماعات بالأمصار في مثله/؟ قال: ما علمت.
قال ابن القاسم: وسئل مالك: هل يستحلف في المسجد المرأة والرجل؟ قال: نعم إذا كان المال كثيرا.
قال عنه ابن القاسم، في كتاب ابن المواز: يحلف في مساجد الجماعات فيما له بال.
قال ابن القاسم: ولا أشك أنه أرى أن يحلف فيها في ربع، وإنا نراه حسنا.
وقال محمد بن عبد الحكم: وللطالب أن يحلف المطلوب في المسجد، إلا أن يرضي بيمينه في منزله، فإن أحلفه في منزله، فلا يمين عليه بعد ذلك.
ويستحب للإمام تخويف المطلوب من اليمين قبل اليمين، وقد كتب به ابن [8/ 155]
عباس، إلى ابن أبي مليكة، يقرأ عليه (إن الذين يشترون بعهد الله أيمانهم ثمنا قليلا) الآية: فاعتبر.
ومن كتاب ابن سحنون: قيل لمالك: أفيحلف قائما أو قاعدا؟ قال: قائما أبين عندي.
قال مالك: يحلف في القسامة قائما.
قال عنه ابن القاسم: يحلف في القسامة في المساجد، وعلى رؤوس الناس، وفي دبر الصلوات.
قال مالك: وكذلك اللعان في المساجد، وعند الإمام.
وذكر يمين القسامة في الأمصار.
ومن كم يحلف إليها، في المدونة، مستوعب.
قال ابن القاسم، عن مالك: ويحلف الرجل قائما، إلا من به علة.
قال ابن كنانة: إنما يحلفون في مدائنهم، وأمصارهم جلوسا، لا يحلفون قياما، ويحلفون في أعظم الأماكن عندهم؛ في مساجد جماعتهم، ويتحرى، بأيمانهم في المال العظيم، وفي الدماء، واللعان: الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد، ويجتمعون للصلاة، وأما سوى ذلك من حق ومال، ففي كل حين./
قال ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون: ولا يحلف دبر الصوات، إلا في الدماء، واللعان، فأما في الحقوق؛ فوقت ما حضر الإمام، حلفه.
وقاله ابن القاسم، وأصبغ.
قيل لسحنون: واليمين بين الركن والمقام بمكة، هل هو مثل اليمين بالمدينة على المنبر؟ قال: لا.
قيل لابن القاسم: أفيستقبل بالحالف القبلة؟ قال: ما سمعت.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: يستحلف الرجال والنساء قائمين، مستقبلي القبلة، ما ادعى عليهم أو اقتطعوه بأيمانهم سواء إذا كان ربع [8/ 156]
دينار، فإن لم يبلغه، فإنما يحلفون جلوسا إن أحبوا، ويحلف الرجل في مكانه الذي قضي عليه فيه والمرأة في بيتها.
ومن كلف فيما له بال أن يحلف في المسجد عند المنبر أو ما أشبهه من المواضع؛ فقال: أنا أحلف في مكاني، فهو نكوله عند اليمين إن لم يحلفه في مقاطع الحقوق، غرم إن ادعى عليه أو بطل حقه إن كان مدعيا، وكذلك قضى مروان على زيد بن ثابت.
ومن كتاب ابن سحنون، وهو في العتبية، من رواية عيسى، عن ابن القاسم، قال مالك في عبد حنث في يمين بطلاق، وقال: حلفت بواحدة، وسيد زوجته يشهد عليه، ونسي السيد يمينه، فاستحلف العبد، فحلف أنه ما حلف إلا بطلقة، أيجزئه؟ قال: لا يجزئه حتى يحلف عند المنبر.
وقال ابن وهب، عن مالك: إن المرأة تحلف في المسجد – يريد الجامع- تخرج بالليل إليه.
قال ابن القاسم: تخرج فيما له بال؛ فمن كانت تخرج منهن بالنهار، خرجت/، وإلا خرجت بالليل، وقال في كتاب المواز مثله.
قلت لمحمد: أفي ربع تخرج؟ قال: لا، إلا في الشيء الكثير الذي له البال.
ومنهن من هي كالرجل؛ تخرج، فهذه تحلف – بالنهار في المسجد الجامع، في ربع دينار.
وفي المدونة زيادة في هذا المعنى.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: ومن لا تخرج من النساء نهار، فلتخرج بالليل، في ربع دينار فأكثر.
قال سحنون في كتاب ابنه، في امرأتين؛ ادعي عليهما في أرض ودور، وهما ممن لا يخرج، فأمر أن يخرجا إلى الليل في الجامع، فسألناه أن يحلفها في أقرب المساجد منهما، وشق عليهما الخروج إلى الجامع، فأجابها إلى ذلك.
[8/ 157]
قال مالك في كتاب ابن سحنون وغيره: يستحلف النصارى حيث يعظمون من كنائسهم وغيرها.
قال ابن القاسم: ولا أرى أن يستقبل به القبلة.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: يحلف النصارى، واليهود، والمجوس، حيث يعظمون من كنائسهم، فيرسل القاضي في ذلك رسولا، ولا يحلفهم إلا بالله.
وكذلك روي عن مالك.
في اليمين على أصل المعاملة، أو يحلف ما لك علي حق وفي اليمين على البت أوعلى العلم وهل يحلف فيما وليه غيره؟ وهل يحلف من أقام البينة؟
من كتاب ابن المواز، ومن العتبية من سماع ابن القاسم، وعن من حجد ما ادعي عليه، فأراد طالب الحق أن يحلفه: ما أسلفتك شيئا.
وقال الآخر: أحلف: ما لك على شيء.
قال أرى أن يحلف: ما لك عندي/ حق، وما الذي ادعيت علي إلا باطل.
فإن نكل، حلف الطالب استحق.
وقال: هذا يدرك.
قال أصبغ: وقد حضرت ابن القاسم، وقد حكم بأن يحلف: ما أسلفته شيئا.
وكذلك في المدونة، وفي كتاب ابن القاسم، من أول المسألة مثله أيضا.
قال ابن حبيب: قال مطرف فيمن ادعى أنه باع من رجل بيعا، وبقي عليه الثمن، فأنكر المدعى عليه، فيحلف، فيقول: تحلف أنه لا حق لك قبلي.
ويريد الطالب بيمينه: أني ما بعته.
قال: يحلف على ما ادعى الطالب وذكر، وقاله مالك، وقال: يريد أن يدرك هو الإلغاز إلى أنه قضاه.
[8/ 158]
وقال ابن الماجشون: إذا حلف: ما لك علي من كل ما تدعيه قليل ولا كثير.
فقد برئ.
وبه أخذ ابن حبيب، إن كان المدعي عليه ممن لا يتهم، والمدعي من أهل الظنة، والطلب بالسنة.
قال مطرف: ويحلف الورثة في مثل هذا: أني ما أعلم الميت ابتاع منك ما تقول، ولا أعلم لك عليه حقا.
ولا يمين على من كان منهم غائبا أو صغيرا في حياة الهالك، وكذلك فيما أقاموا فيه بينة بحق للمالك، ويثبت، فليحلف الكبير بالله ما علم وليه اقتضى هذا الحق حتى مات، وليس عليهم أن يحلفوا: إن هذا الحق لحق.
وليس على من أقام بينة بحق أن يحلف أن حقه حق، إلا أن يدعي المطلوب أنه قد قضاه، فيحلف: ما اقتضاه.
ورواه ابن القاسم عن مالك، وقال مثله كله ابن الماجشون.
ومن كتاب ابن المواز: عن مالك في البائع يجحد الثمن، فينكره المبتاع البيع، ويريد أن يحلف: ما له عندي شيء.
قال:/ يحلف: ما اشترى منه سلعة كذا.
ومن كتاب ابن سحنون وغيره: قال: ويحلف الرجل في حق نفسه على البت، وفيما عليه نفسه على البت، مثل أن يكون له حق، فيدعي المطلوب منه البراءة، فيحلف الطالب: إن هذا الحق – يسميه – لثابت عليه.
وإن كان الحق لأبيه الميت: حلف على البيت في نفسه، وعلى علمه في أبيه: ما يعلم أنه اقتضاه، فإن قام عليه شاهد، قال في اليمين، إن ما شهد به فلان بن فلان على فلان بن فلان لحق ثابت عليه.
قال ابن المواز: يحلف مع الشاهد في حق أبيه الميت على البت، كما شهد شاهده.
ومن كتاب ابن سحنون: وكان سحنون إذا قال الخصم: لا أقر ولا أنكر.
وقال: ماله عندي حق.
والآخر يدعي دعوى، يقول: أسلفته.
أو: بعته.
أو: أودعته.
فكان لا يقبل قول المدعى عليه: ما له عندي شيء حتى يقر بالدعوى [8/ 159]
نفسها، أو ينكرها، فيقول: ما باعني، ولا أسلفني، ولا أودعني.
فإن تمادى على اللدد، سجنه، فإن تمادى، أدبه، وكذلك إذا تمادى في أن لا يقر ولا ينكر.
وأما قوله: ما له عندي حق.
فكان ربما قبل ذلك منه، وأمر يكتب دعوى المدعي، وإنكار الآخر، وربما لم يقبل منه حتى يقر بالشيء بعينه أو ينكره، ورجع إلى هذا في آخر أيامه.
قال: ويحلف من قضي له على ميت بدين: أنه ما قبض شيئا منه، ويحلف فيما قضي له به من الاستحقاق: أنه ما باع ولا وهب.
وفي كتاب الوكالة مسألة لابن الماجشون، في العبد يموت وله دين، فتقوم فيها البينة، ويزعم الغرماء أنهم دفعوا بعضها إلى السيد، يحلف أنه ما علم أن العبد قبض شيئا من ذلك.
ولو وكل/ السيد من طلب ذلك فأثبته، فقالوا: لا ندفع حتى يحلف السيد.
وهو ببلد آخر، قال: يعجلوا الدين، فإذا اجتمعوا مع السيد، حلف لهم، ولا يحلف الوكيل.
ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون: ويحلف الرجل في الحق الذي له والذي عليه على البت، وما ورثه عن أبيه، حلف فيه على العلم، مثل أن يحلف أنه ما يعلم أن أباه قبض هذا الحق ولا قيم له قابض، وإن طلب منه اليمين أنه هو لم يقبضه، حلف على البت، وكذلك في كل ما وليه هو بنفسه، وأما اليمين مع الشاهد، فلا يحلف إلا على البت على ما قال الشاهد، كان الحق ورثه عن أبيه، أو كان له مما وليه بنفسه؛ لأن يمينه بدل من شاهد آخر.
قال مالك: ويمينه فيما يقضي له به من أبيه، أو عبده، أو غيره، أو شيء يستحقه: أنه ما باع ولا وهب، ولا خرج من يديه بوجه ما يخرج به من الملك.
قال: والبينة إنما يقولون: لا نعلمه باع ولا وهب.
وشهادتهم على البت، أنه ما باع ولا وهب، شاهدة مردودة.
قال ابن كنانة: ويقولون: إنها له على [8/ 160]
البت، وإنهم لا يعلمونها خرجت من ملكه بوجه ما يخرج من السلعة من الملكئ، فيقولون هذا على العلم، والملك على البت.
قال مالك: ومن أقام شاهدين في حق، فلا يحلف معهما إلا أن يدعي أنه قضاه، فليحلف له، فإن نكل، حلف الآخر وبرئ، وإنما يحلف من أقام البينة فيما يستحق من الأشياء؛ لإمكان أن يدعي من يرجع علهي عهدته من البائعين أن هذا باعه منه، أو وهبه له، ويحلف فيما يقيمه من البينة في حق على ميت؛ لإمكان/ أن يدعي الميت أنه قضاه.
وقال مالك، في عبد مأذون باع متاعا من قوم، وعلى ذلك بينة، فادعوا أنهم دفعوا إلى سيده، فإن كان السيد كان يقتضي، فيحلف هو والعبد فيما ادعي عليهما.
وقد قالك ذلك ابن كنانة فيما ذكرنا في هذا الباب.
من كتاب ابن حبيب: قال ابن الماجشون، في عبد هلك بالحجاز، وسيده بالقلزم، فوجد له أذكار حقوق على الناس، فقام وكيل مولاه بها، فأثبتها، فادعوا أنه قبض أكثرها، وقالوا: يحلف السيد على ما قبضه غلامه، ونحن نوقف الحقوق حتى يحلف السيد، قال: للوكيل قبض الحقوق إذا لم يكتبوا بما يراه، فإذا اجتمعوا مع السيد، أحلفوه: أنه ما علم عبده قبض شيئا من ذلك.
في المقضي له بالسلعة، هل يحلف ما باع ولا وهب؟ أو يقيم بينة على حاضر أو غائب هل يحلف معهما؟
وهل يحلف أنه ما قبضه؟ أو يحلف ورثته أو وكيله؟
من المجموعة: ابن القاسم، عن مالك، في من أقام بينة في عبد أو دابة، أو ثوب بيد رجل، أنه له، لا يعلمونه باع ولا وهب، ولا خرج من ملكه، قال: فهذا يستوجب ما ادعى، ويحلفه الإمام مع ذلك: أنه ما باع ولا وهب، ولا خرجت من ملكه بشيء، يحلف على البت، وكذلك لو قال: أعرته ذلك.
أو: [8/ 161]
استودعته.
فهو مثل السارق إن قامت له البينة أنه ثوبه، فليحلف: أنه ما باعه ولا وهبه، ولا خرج من ملكه، ثم يأخذه.
وقاله كله أشهب.
قال ابن القاسم/: بعيد الغيبة، أنه ينفذ القضاء لوكيله، ويؤخر يمينه حتى يقدم، على ما قال محمد.
في النكول عن اليمين، وفي رد اليمين
من كتاب ابن سحنون عن أبيه: قال مالك وأصحابه: لا يجب الحق لنكول المدعي عليه عن اليمين، حتى يرد اليمين على المدعي، فيحلف.
ولم يختلف في ذلك أهل المدينة، وبه حكم أئمتهم.
قال مالك: وإذا جهل ذلك الطالب، فليذكر ذلك له القاضي حتى يحلف الطالب؛ إذ لا يتم الحكم إلا بذلك.
قال أشهب: ولم يختلف أهل العلم أنه لا يقضي بالنكول حتى يرد اليمين على الطالب، وقد رد شريح اليمين على المدعي بعد نكول المدعي عليه، وقضى به الشعبي على ابن شبرمة، وقضى به الضحاك.
وقاله محمد بن سيرين.
وقاله الليث ابن سعد، وليس حجة من احتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه.
لأن ذلك ليس بمانع أن يحلف المدعي، وليس قول من قال: لم يسمع بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة على من سمعه.
وقد حدثنا ابن لهيعة، عن سالم، بن غيلان، أن النبي عليه السلام قال ذلك، ولو لم يأت ذلك، لم يكن الحديث الأول مانعا من ذلك، إنما هو تعريف من يبدأ باليمين، ومن هي عليه، ومن [8/ 162]
عليه البينة، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أعتق شركا له في عبد، قوم عليه.
ولو كان الذي لم يعتق شيئا أن يعتق، لكان له ذلك عند العلماء، وليس هذا في الحديث، لكن فارقهم معنى الحديث أنه أريد تخليص العبد من الرق، وأن لا يضر بالتمسك بالرق أيضا/ بما نقصه العتق الذي أحدث هذا، وقد روي فيه أيضا جبران المتمسك وصب في تضمينه، فأعتقه، ولو لم يأت هذا لكان فيما ذكرنا دليل أنه نهى النبي عليه السلام، أن تباع الثمار حتى يبدو صلاحها.
ولو لم يقل: فإذا بدا صلاحها ببعت.
ففهم هذا بالمعنى، لا يختلفون فيه.
وقوله عز وجل (فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن).
وقد ينفق على المطلقة واحدة وهي غير حامل، وليس ذلك في النص، ولكنه مستدل عليه.
قال سحنون: ومن زعم أن النكول عن اليمين كالإقرار، لزمه أن من ادعى علىر رجل أنه قتل وليه أو عبده عمدا، ولا بينة له، فاستحلف المدعي عليه فنكل، أن يكون ذلك إقرارا، وهذا خلاف جميع العلماء، وإن قالا: يسجن أو يغرم الدية.
وقد اختلفوا فيه، فقد خصموا وفرقوا بينه وبين الإقرار، إذ لا يقبل بالنكول أحد، ومن قولهم: أن نكول الملتعنة عن اللعان، أن يحبس ولا يجلس، فلو كان إقرار، لزمها الحد.
قال سحنون: وإذا لم يحلف مع شاهده، حلف المدعى عليه، فإن نكل ها هنا غرم، ولا ترد اليمين على الطالب، بخلاف الذي لم يأت بشاهد؛ لأن هذه يمين قد ردت إذا كانت على الذي أتى بالشاهد فنكل، فردت على المطلوب، [8/ 163]
وهي إذا لم يأت بشاهد على المدعى عليه، فإن نكل، ردت على المدعي، وإن حلف، فلا شيء له.
وهذا قول مالك.
وقضى به عمر بن عبد العزيز.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن ابتاع عبدا بيع براءة ثم ظهر على عيب قديم، فيحلف البائع: أنه ما علم به، فإن نكل/ رد عليه العبد، ولا يمين على المبتاع في هذا.
ومن كتاب آخر: قال أصحاب مالك في المودع يدعي ضياع الوديعة، فأكذبه ربها، وقال: أكلتها.
فالمودع مصدق، إلا أن يتهم، فيحلف، قال محمد ابن عبد الحكم: فإن نكل، ضمن، ولا ترد اليمين ها هنا على ربها.
ومن كتاب ابن المواز، قال: وإذا وجبت القسامة لأولياء المقتول على العبد، وقد ثبتت بينة أنه جرحه، ثم برئ منه، فمات، فنكل الأولياء عن اليمين، فلا ترد ها هنا اليمين على العبد ولا على سيده، ولكن يضرب مائة، ويخلي وقد ثبت جرحه، فإما قبله سيده بديته أو أسلمه، وأما إن كانت القسامة بقول الميت: دمي عند فلان، أو بشاهد على القتل الموحر فليحلف الأولياء، فإن نكلوا، حلف السيد يمينا واحدة على علمه، فإن نكل، لزمه أن يسلمه أو يفديه بدية المقتول، ويضرب العبد مائة، ولا يحبس.
وقيل: يحلف العبد خمسين يمينا ويضرب مائة.
ومن العتبية: روى عيسى، وأصبغ، عن ابن القاسم، في المدعي يقول للمدعى عليه: احلف وابرأ.
أو يقول له الآخر: احلف أنت وخذ ما ادعيت.
فإذا هم باليمين، بدا للمدعي عليه، وقال: لم أظنك تجترئ على اليمين.
قال: يحق له أن يرجع، وليحلف المدعي، ويأخذ حقه كان ذلك عند السلطان أو عند غير السلطان، فقد لزمه.
وقاله أصبغ.
وقد ذكرنا في باب من حلف خصمه، ثم أقام عليه بينة: ذكرا من النكول ورد اليمين، ونكول من شهد له شاهد على اليمين./ [8/ 164]
قال محمد بن عبد الحكم: قال عبد الله: ومن قول مالك وأصحابه: من أقام بينة على حاضر بدين، فلا يحلف مع بينته على إثبات الحق، ولا على أنه ما قبضه منه حق يدعي المطلوب/ أنه دفعه إليه، أو دفعه عنه دافع، فيحلفه حتى إذا كان الحكم بعبد أو حيوان استحق، فلابد أن يحلف المحكوم له أنه ما باع ولا وهب؛ لإمكان أن يدعي من باع من هذا المحكوم عليه أن هذا الطالب باع منه أو وهبه، أو يدعي ذلك غيره من جرى له عليه ملك، أو استحقه ورثة ميت، أنه كان للميت، وأقاموا بينة أن ذلك الشيء له لا يعلمونه باع ولا وهب، ولا خرج من ملكه بوجه من الوجوه، ولو كان الحكم بالدين على غائب أو ميت، لم يقض للطالب حتى يحلف أنه ما قبضه منه، ولا من أحد يشبهه؛ لإمكان أن يدعي الغائب أو الميت ذلك، ولو كان الدين لميت قام به ورثته، فلابد أن يحلف أكابرهم: أنهم ما يعلمون أن وليهم قبضه من المقضي عليه، ولا من أحد بسببه، ولو كان المطلوب حيا، لم يحلفوا حتى يدعي ذلك المطلوب على الميت أو عليهم.
قال محمد بن عبد الحكم، في وكيل الغائب يطلب بدين فثبت له، فقال المطلوب: من حقي أن يحلف لي المحكوم له: أنه ما قبضه، فإنه ينظر.
فإن كانت غيبته قريبة، انتظر حتى يقدم، وكتب إليه، وإن كان بعيد الغيبة، فإن المطلوب يدفع الحق الساعة إلى الوكيل، ويقال للمقضي عليه: إذا اجتمعت مع الطالب فحلفه على ذلك.
ويكتب له القاضي بذلك كتابا يكون بيده، فإن مات المقضي له، حلف أكابر ورثته على مثل ذلك، ولا يحلف الأصاغر وإن كبروا بعد موته.
قال عبد الله: وكذلك ينبغي لو حكم لوكيل غائب بحيوان، وهو بعيد الغيبة.
وعن مالك: ولو أقام عليه البينة بحق له، فطلب المشهود عليه يمينه مع الشاهد به، فليس له ذلك، إلا أن يدعي أنه قضاه بينه وبينه، فليحلف، فإن نكل، حلف المطلوب وبرئ.
وقاله ابن نافع.
قيل لابن كنانة: ولو أقام عليه شاهدين بالحق، فكلف الطالب تعديلهما، فقال له المطلوب: احلف: أن حقك حق، ولا أكلفك تعديلهما، وأعطيك [8/ 165]
حقك.
قال: ليس ذلك على الطالب، إن شاء قبل ذلك فحلف، وإن شاء عدل الشهود، وقضى بلا يمين.
قال ابن كنانة: وليس على من أقام بينة في أرض، أو حيوان، أو سلعة، يمين إلا أن يدعي الذي ذلك في يده عليه أمرأ ظن بصاحبه أن يكون قد فعله، فيحلف: ما فعله، ويأخذ حقه.
وقال ابن كنانة، في المصري له حق على رجل من أهل أفريقية، فوكل عليه وكيلا يقبض منه حقه، فلما أتى بكتاب القاضي وثبتت خلافته، ادعى المطلوب أنه قد قضى، وسأل التأخير إلى أن يحلف له الطالب، قال: ليس له ذلك، وليحلف له الوكيل: إني ما علمت أنه ما قبض منه شيئا.
ثم يقبض منه الحق، إلا أن يكون الطالب قريبا مثل اليومين، فيكتب إليه، فيحلف، وقال ابن القاسم: لا يحلف الخليفة ولا ينتظر حتى يجامع صاحبه، وقال غيره: لا ينبغي للقاضي أن يكتب للطالب كتابا حتى يحلفه: ما اقتضى من الحق شيئا.
وقد تكرر هذا في كتاب آداب القاضي.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا قال من وجبت عليه يمين: اضرب لي أجلا حتى أنظر في يميني وفي حسابي، وأثبت فعل ذلك به.
قال: يضرب له بقدر ما يراه.
ومن كتاب ابن المواز: قال أشهب، عن مالك، في رجلين ابتاعا طعاما، فحمله إليهما الحمالون، فوجد أحدهما طعامه ينقص أربعة أراداب، فذهب إلى الذي حمل إليه معه، فقال: انظر هل ذهب من قمحي إليك شيء؟ فكال قمحه، وقد كان خلطه بقمح له آخر، فكاله فوجده يزيد غرارة، فردها عليه، فأراد الذي ذهب قمحه أن يستحلفه، قال مالك: ذلك له، يحلفه بالله ما دخل بيته إلا هذا، فإن أبي أن يحلف، حلف الآخر وأخذ، وهو رجل سوء إن حلف على ما لا يعلم ولا يدري أن وصلت إلى هذا أم لا، ولعل الحمالين اختانوا ذلك، ثم قال: ولعل أن لا يكون له في ذلك يمين، لكن أشد ذلك أن الذي فرغ في بيته القمح [8/ 166]
إن نكل غرم، هذا أحب إلي.
وسئل عنها ثانية، فقال: اليمين على المدعي عليه.
قال ابن المواز: يريد وحده.
قال مالك: فإن أبى أن يحلف، لزمه الحق، وأما المدعي، فلا يمين عليه؛ لأنه لا يدري ما يحلف عليه.
جامع الأيمان
من كتاب ابن سحنون: سئل مالك عن من وكل على بيع سلعة فباعها على أن لا يمين عليه، ثم يوجد بها عيب، أيستخلف؟ قال: لولا قطع السنة لرأيت أن يحلف.
وقال أيضا: أما الوصي يقول: لا أحب أن أحلف.
والرجل/ المأمون، بالحال فذلك له، فأما غيرهم، فلا، فليرد البيع إذا أبى أن يحلف.
قال عنه ابن وهب، في من باع على أن لا يمين عليه فيما يوجد بها من عيب، فذلك شرط جائز قد يضع له من الثمن لذلك.
وسئل عن رجل أتى ودماؤه تسيل، وجاء معه بعبد من الحوائط يدعي أنه هو ضربه، فضرب العبد، وسجن، وسرح، ثم جاء به آخر بعد ذلك، فضرب، وسجن، ثم جاء به آخر ودماؤه تسيل، فأنكر ذلك العبد، قال: يحلف العبد، ويخلي سبيله.
وعن من انتهب صرة والناس ينظرون إليه، فطرحها مطرحا لم توجد، فادعى صاحبها عددا وأنكره الآخر، والآخر يكذبه، ولا يعلم المنتهب كم هي؟ فاليمين على المنتهب.
قال مالك: ولا بأس أن يفتدي الرجل اليمين بشيء يعطيه لمن طلبها.
وقاله ابن شهاب، وذكر أن عبيد القسام الأنصاري في إمارة مروان، افتدى من اليمين بعشرة آلاف درهم.
ومن كتاب ابن المواز: وكره مالك للرجل أن يحلف أباه، قيل: أيحلف الرجل في حق لابنه الصغير؟ قال: إن كان هو الذي رفعه، أو لنعه وله بذلك شاهد، فإنه يحلف، قال: ولو أشهد رجل على نفسه، فقال: إن حلف فلان بالله [8/ 167]
أن له عندي مائة دينار، فذلك لازم لي، وقال: إن حلف بالعتق أو بالطلاق، قال: إن حلف باليمين الذي رضيها بقرب قوله ووقته، إلا أن يقول متى حلف فيكون ذلك للمدعي.
قال: ومن لم تكن بينهما مخالطة، وادعى عليه دعوى، وقال له: احلف: أني سلح ملي، وأنا أعطيك كذا/.
فحلف له، قال: يلزمه ما وعده به.
وقد قال مالك، في من قال لرجل: بلغني أنك شتمتني، فاحلف لي وخذ مني دينارا.
فحلف له، وأبى أن يعطيه، قال: يلزمه أن يعطيه دينارا.
قال مالك فيمن صالح على دراهم كانت له عند رجل على أن يدفع إليه خمسة دراهم كل شهر، على أن ليس للدفاع أن يستحلف صاحب الحق، إن أنكر قبض ما يدعيه إذا لم تكن له بينة على دفعه، قال: لا يجوز هذا الشرط، وعليه اليمين فيما ادعى من دفعه إليه.
وقال فيمن ادعى على أحد ورث أباه لا وارث له غيره، أنه أودع أباه عبدا بعينه، فقال الابن: لا أدري أصدقت أم لا؟ فله أن يحلف الابن على علمه، ويبرأ، وهذا صواب.
ومن كتاب ابن المواز: روى أشهب، عن مالك، في شريكين في زرع، شغل أحدهما، أو مرض، فحصده الآخر، وأنفق، ثم صح شريكه، وإنما له أيسره، فقال له المتولي: هذا الذي خرج من الزرع: وقد أنفقت كذا وكذا.
فقال له: احلف لي أنه ما أخرج الزرع إلا هذا، وأن النفقة على ما قلت.
فقال: إنما أحلف أنه الذي دفع إلى وكلائي.
قال: يحلف على ما دفع القوم، ليس عليه غير ذلك، ويحلف على علمه إذا كان عنه غائبا، ولو كان حاصل ما حلف إلا على علمه، لعله ذهب منه ما لا يعلمه.
قال محمد: ويدخل في يمينه: وما خنتك.
[8/ 168]
فيمن أبرأ رجلا من كل طلب ثم أراد أن يحلفه
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا شهدت بينة لرجل أن فلانا أبرأه من جميع الدعوى، وأنها آخر كل حق له، وطلب من جميع المعاملات/، ثم أراد أن يستحلفه بعد ذلك، وادعى أنه قد غلط أو نسي، فليس ذلك له، وكذلك إن شهد عليه بذكر حق مسمى، وفي الكتاب: أنه لم يبق له عليه ولا قبله حق ولا عنده، أو شهدوا أنه لم يبق بينه وبينه معاملة غير ما في هذا الكتاب، فليس له بعد ذلك أن يستحلفه على غير ذلك- يريد مما قبل تاريخ الكتاب- وكذلك لو قال الذي أقر بالحق على ذلك، وكذلك إن أشهد له أنه قبض منه ثمن سلعة باعها منه، ثم ادعى عليه أنه بقي له بقية من الثمن، وأنه وثق به، وأشهد له بالقبض، ثم أراد أن يحلفه، فليس له ذلك، ولو كان له ذلك ما نفعت المرأة ولا انقطعت المعاملة.
فيمن حلف خصمه ثم أقام عليه بينة أو لم يحلف مع شاهده وحلف خصمه ثم وجد عليه شاهدين أو شاهدا آخر
من كتاب ابن سحنون: روى ابن وهب أن عمر بن الخطاب، اختصم إليه يهودي يدعي على مسلم، فدعاه بالبينة، فقال: ما يحضرني اليوم بينة، فأحلف له المطلوب، ثم جاءه المدعي بعد ذلك بالبينة، فقضى له بها.
وقال: البينة العادلة أحب إلي من اليمين الفاجرة.
وقاله شريح، ومكحول، والليث.
وقال مالك: إذا أحلفه، ثم وجد بعد ذلك بينة، قضي له بها إن لم يكن علم بها، فإن كان به عالما، فحلفه تاركا لها، فلا حق له وإن كانت حاضرة أو غائبة/ [8/ 169]
إذا حلفه عالما بها، وتاركا لها، ولو قال: قد علمت بينتي، وهي غائبة، وأنا أحلفه، فإذا جاءت، قمت بها، قال ابن القاسم: إن كانت بعيدة، فذلك له، وإن كانت قريبة على مثل يومين وثلاثة، فلا يحلفه إلا على اسقاطها.
قال سحنون: قال سفيان: قال ابن أبي ليلى: إذا أحلفه، فلا شيء له.
ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون: لا يحلف الرجل حتى يثبت عليه لطخ، فإن أثبته وقال: أحلفه لي.
ثم آتي ببينتي.
قال له القاضي: إما حلفته على إسقاط بينتك، وإلا فأت بالبينة.
ومن العتبية: روى أشهب، عن مالك، وهو في كتاب ابن سحنون، من رواية ابن نافع، في من قضى دينا عليه ببينته، وأشهد الله على القضاء، ثم طولب به، فقال: قد دفعته إليك بشهادة فلان وفلان؛ بما حلف، احلف وخذه فحلف له، وأراد أن يقيم عليه البينة أنه قضاه، قال: ذلك له ويرجع منه.
وقال في كتاب ابن سحنون: قال ابن نافع، عن مالك: إذا أحلفه، وبينته حاضرة، وهو عالم بها، فله القيام بها بعد ذلك، وقال أشهب، في غير كتاب ابن سحنون، وروى عنه ابن عبد الحكم مثله، في كتاب ابن المواز.
ومن كتاب ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: إذا حلف خصمه، ثم أقام بينة، فإن لم يكن علم بها، قضي له بها، كانت يوم أحلفه حاضرة أو غائبة، بعد أن يحلف: أنه ما علم بها، فإن كان عالما بها، وهي في البلد، أو قريبة منه قربا لا يخاف فيه فوت/ حقه، أو أخره إلى قدومها، فلا حق له في البينة، ولا رجوع له على صاحبه، وإن حلف، أن ذلك لم يكن منه، رضى بيمينه، وتركا للآخر لبينته، وإن بعدت بينته، لم يضره علمه بها دون السلطان، وليقم بها، ولا يمين عليه: أن ذلك لم يكن رضى باليمين على ترك البينة؛ لأن السلطان لو علم بها لأحلفه له، وكان له القيام ببينته إذا قدمت، وكذلك روى ابن القاسم، وابن وهب، عن مالك.
[8/ 170]
قال ابن الماجشون، عن مالك: إذا أقام شاهدا، وأبى أن يحلف معه، وحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهدا آخر، أنه يقضي له به مع الأول، وقال ابن كنانة: هذا وهم، وقد كان يقول: لا يضم هذا إلى الشاهد الأول، لأنه نكوله أولا أبطل شهادة ذلك الشاهد، وإنما يكون هذا في المرأة تقيم شاهدا على طلاقها، والعبد على عتقه، وكذلك كل ما لا يقضي فيه بشاهد، ويمين، فيحلف الزوج أو السيد أو الذي شهد عليه الشاهد في غير الأموال، ثم يجد الطالب شاهدا آخر، فهذا يضم إليه إلى شاهده الأول؛ لأنه لم ينكل أولا عن اليمين، فيتركها كما فعل الأول.
وقال ابن الماجشون: قال أصبغ بقول مالك الأول، أنه يضم له الشاهد الثاني إلى الأول الذي نكل معه، إذا كان غائبا عنه غيبة بعيدة، ولم يكن يعرفها ولا حجة عليه بإبائه اليمين، وليس كل الناس يحلف على حقه، ويبين ذلك، أو لو كان لا شاهد له، فأحلف له المدعى عليه، فنكل، فحلف المدعي، وأخذ، ثم وجد المطلوب بينة بالبراءة/ أنه يبرأ بها، ويسترجع ما أخذ منه، ولو نكل المدعي عن اليمين، فلم يأخذ شيئا، ثم وجد بينة على دعواه، فإنه يؤخذ بها، قال أصبغ: وهذا الذي لا أعرف غيره، وهو أبعد في العبرة من الذي لم يحلف مع الشاهد.
وقد ذكرنا هذا كله في الثاني من الشهادات.
قال ابن حبيب: وقال مطرف، في المدعي عليه يحلف المدعي حين لم يجد بينة، وقد ثبتت الخلطة، ثم أتى المدعي بشاهد، فأراد أن يحلف معه، ويأخذ حقه، فليس له ذلك؛ لأنه لا يسقط يمينا قد دري بها حق بشاهد ويمين، ولكن إن جاء بشاهدين، كان ذلك أولى من اليمين وأعدى بحقه.
وقاله ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
ومن كتاب ابن المواز: قال أشهب، وابن وهب، في من حلف غريمه أن له متى ما وجد بينة أن يحكم له بها، ولم يذكر أنه رضي بيمينه، وهو يعلم أن له بينة حاضرة أو قريبة الغيبة غير البعيدة جدا.
[8/ 171]
ومن المجموعة: قال مالك: وإن أقام شاهدا، فلم يحلف معه، ورد اليمين على المطلوب، فحلف ثم أقام شاهدين بعد ذلك، قضى له بهما إن كان لذلك وجه.
قال هو وابن كنانة: ولو وجد شاهدا مع شاهده الأول، فلا يقضى له به مع الأول؛ وذلك قاطع لحقه، قال ابن القاسم: وليس كمن لم يجد بينة فيحلف خصمه، ثم يجد البينة.
وكذلك القسامة.
وفي الجزء الثاني من الشهادات زيادة في هذا في باب من نكل عن اليمين مع الشاهد.
فيمن صالح ثم وجد بينة
أو اشترى من رجل/ شيئا ثم وجد بينة أن له ذلك قبل شرائه
من كتاب ابن سحنون: قال سحنون، في من ادعى دابة أو دارا بيد رجل، وهو منكر، فصالحه على شيء أخذه منه، ثم وجد بينة، أو كانت بينة غائبة لم يعلم بها، قال: الصلح جائز، لا يرجع فيه.
قال ابن القاسم، عن مالك، في من طلب من رجل دينا، فأنكر، فصالحه، ثم وجد بينة؛ فإن كان لم يعلم بها، فله الرجوع عليه بها يحلفه، وإن كان يعلم بها وهي غائبة، يخاف أن يموتو أو يفلس غريمه قبل يقدموا، فهذا يلزمه الصلح، ولا قيام له بالبينة.
قال سحنون: إنما له الرجوع إذا أشهد أني إنما أصالحه لجود وأنا قائم بحقي بعد هذا، فهذا له الرجوع إذا وجد بينة يريد: لم يكن علم بها.
قال ابن القاسم في المدونة: ومن ادعى قبل رجل مالا أو دارا، فأنكره، فصالحه من ذلك، ثم وجد بينة، أو أقر له المطلوب، فإن كان الطالب بالبينة عالما، فلا قيام له، ولو كانت بينة غائبة، فخاف موتهم أو إعدام الغريم إلى [8/ 172]
قدومهم، فلا حجة له بذلك، ولو شاء تربص، فإن لم يعلم بالبينة، فله القيام ببقية حقه.
قال يحيى بن عمر: وبلغني عن سحنون، في الذي أقر له بالدار بعد الصلح: أن الطالب مخير، إن شاء تماسك بصلحه، وإن شاء رد ما أخذ، وأخذ الدار.
وروى أصبغ، عن ابن القاسم، إن كانت بينته غائبة بعيدة جدا، وأشهد: أني إنما أصالحه لذلك، فله القيام.
ومن العتبية: قال أصبغ، في من ادعى سلعة بيد رجل، فخاف عليها أن تتلف، فاشتراها منه، ثم وجد بينة أنها له؛ فإن كان لم يكن علم ببينته قبل الشراء، فله أن يثبت/ البينة، ويرجع بماله فيأخذه به، وهو كمن صالح عالما ببينته، إلا أن تكون بينته بعيدة جدا، وشهد حين اشتراها: أنه إنما فعل ذلك لبعد بينته، وخوف أن يفيت السلعة، فله القيام، ولو قال: اشترتيها، ولم أعلم ببينتي.
وقال له البائع: إن علمت حينئذ ببينتك، فربها مصدق أنه لم يعلم بها مع يمينه، إلا أن يثبت عليه أنه قد علم بها.
فيمن ادعى حقا في دار أو عبد هل يكشف المدعي عليه من أين ملكها؟ أو قال المطلوب لك في ذلك حق لا أدري ما هو
من المجموعة: قال عبد الملك: وإذا لم يبين المدعي دعواه ما هو؟ وكم هو؟ لم يسأل المدعى عليه عن دعواه حتى يبينه الطالب في طلبه، فيسأل حينئذ المطلوب عن دعواه، فأما ما لم يبينه عليه بشبهة، ولم يحق عليه طلبه، فإنه لا يسأل عما بيده، كما لو قال: أن أطلب منك هذا العبد، فاذكر من أين هو [8/ 173]
لك؟ وبماذا ملكته؟ فليس عليه أن يكشف عن هذا.
ولو قال له: إن لي فيما بيدك من هذا العبد، وهذه الدار حقا، فقال له المطلوب: نعم، ولا أعرفه.
فقال الطالب: هو كذا وكذا، ولا بينة لي.
فإنه يحلف المطلوب: أنه ما يعرف ما قال المدعي كما قال، ولا يحق له حقا يعرفه، ثم ينزع منه العبد أو الدار إلى أن يتبين ما عليه، أو يصطلحان على أمر جائز، وهذا إذا أقام بذلك الطالب عند السلطان، وإلا لم يوقف عليه شيئا، قال: ولو رجع، فقال/: قد عملت الذي له.
فإن سمى جزءًا معلوما، حلف على ذلك، ويمينه هذه تبرئه من ما رامت دعوى المدعي.
ومن هذا في غير هذا الباب، وفي كتاب الدعوى في من لم يكذب المدعي، ولا صدقه، إن قال: لك علي حق لا أعلم كم هو؟
قال ابن حبيب: قال مطرف، في رجل قال لرجل: لك علي حق، ولا أدري كم هو؟ فقال المقر له: هو كذا.
قال: إن حلف المقر له، وإلا لم يعط شيئا.
في المدعي عليه لا يقر ولا ينكر أو يقول يسأل المدعي من أي وجه وجب له ذلك علي؟
من المجموعة، والعتبية من سماع أشهب: سأل ابن كنانة مالكا، عن من بيده دور، فيدعي رجل أنها لجده، فقال المطلوب: لا أقر ولا أنكر، ولكن أقم البينة على دعواك.
وقال مالك: يجبر المدعي عليه حتى يقر أو ينكر.
وذكر ابن المواز هذه الرواية، وذكر عن ابن الماجشون مثله، وقال: إن هذا صواب، ولكني استحسن غير هذا إذا ثبت على شكه، وذكر مسألة الذي يدعي عليه بستين دينارا، فيقر بخمسين، ويأبى في العشرة أن يقر أو ينكر، فإنه يجبر بالحبس حتى يقر بها أو ينكر، إذا طلب ذلك المدعي، كما قال مالك، وعبد الملك، وأنا [8/ 174]
أستحسن أنه إذا تمادى على شكه، وقال: لا أحلف على ما لا يقين لي فيه.
فإني أحلفه: أنه ما وقف عن الإنكار أو الإقرار إلا لأنه على غير يقين فيه، فإذا حلف على هذا أدى العشرة، أو يحبس بها بالحكم، فلا يمين على المدعي؛ لأن كل مدعي عليه، لا يدفع الدعوى، فإنه/ يحكم عليه بلا يمين.
وكذلك ابن المواز في المدعى عليه في دور في يديه، فلا يقر ولا ينكر، فإذا أجبر على أن يقر أو ينكر، حكمت عليه للمدعي بلا يمين.
ومن المجموعة: قال أشهب: وإذا ادعى عليه بألف درهم، فسأله القاضي، فلم يقر ولم ينكر، فليجبره على أن يقر أو ينكر، ويحبسه إن أبي ذلك، فإن قال: يسأل الطالب: من أي وجه يدعي علي هذا المال، فقد تقدمت بيني وبينه مخالطة، فينبغي أن يسأل الطالب عن ذلك؟ فإن أخبره، أوقف المطلوب على ذلك حتى يقر أو ينكره، فإن جحده وأراد أن يحلف له: أنه ليس له عليه شيء من هذا السبب، لم يجز ذلك حتى يقول: ولا أعلم له علي شيئا بوجه من الوجوه، فإن أبى أن يخبره، فإنه إن قال المطلوب: لا أذكر وجه ذلك.
قبل منه، وإن لم يقل ذلك، فإنه لا يقضي للطالب بشيء على المدعى عليه حتى يسمي المدعي السبب الذي كان له به الحق، أو يقول: لا أعلم وجهه، ولا أذكره، فلا يكون عليه في ذلك يمينا أنه لا يذكره، ويسأله البينة على ماله.
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا ادعى رجل على رجل ألف درهم عند الحاكم، فيسأله الحاكم عن دعواه، فإن أنكرها، كلفه البينة، وإن أبي أن يقر أو ينكر، أجبره على ذلك، فإن أبى سجنه حتى يقر أو ينكر، وإن قال: سل الطالب من أي وجه يدعي ذلك علي؟ فإنه كانت بيني وبينه خلطة في غير شيء حتى أعرفه، فليسأله؛ فإن ذكر وجها، سأل المطلوب عنه، فإن أنكر، وقال: أحلف: ما له علي شيء من هذا/ السبب.
فلا يجزيه ذلك حتى يزيد في يمينه: ولا أعلم [8/ 175]
له علي شيئا من وجه من الوجوه.
فإن أبى الطالب أن يخبره السبب، فإن قال: لأني لا أذكر وجه ذلك.
قبل منه، وإن لم يقل ذلك، فلا يقضي له بشيء حتى يذكر سبب دعواه، أو يقول: لا أذكر سببه.
ولا يمين عليه في ذلك: أنه لا يذكر سببه، ويسأله البينة على دعواه.
فيمن ادعى على رجل دعوى من مال أو حيوان أو حد أو غيره
هل يأخذ منه حميلا؟
أو يسجن له حتى يأتي بالبينة؟ أو يوقف ما فيه الدعوى؟ وفيمن ادعى عليه في شيء هل يقوم على من باع منه قبل الحكم؟ ومن ادعى على غائب هل يجلب له؟
من المجموعة: قال أشهب: ومن ادعى على رجل مالا، فأنكره، فطلب منه كفيلا، فإن القاضي يسأله: هل له بينة على ظنة، أو خلطة، أو معاملة؟ فإن قال: نعم.
أو: هم حضور وكل بالمطلوب حتى يأتي هذا ببينته على اللطخ فيما قرب من يومه ونحوه.
قال سحنون: لا أرى هذا، أين يجد من يوكل بهذا وهذا؟ ولكنه يأخذ منه كفيلا حتى يأتي بالبينة على الخلطة فيما قرب.
قال أشهب: فإن جاء ببينة الخلطة، وادعى على الحق بينة حاضرة، فليأمره أن يأخذ منه كفيلا بنفسه، ما بينه وبين خمسة أيام إلى الجمعة.
قال سحنون: قد يكثر هذا عليه، وهو إذا تم الأجل نظر في أمرهما، فبصير قد قدمهم على غيرهم ممن ينظر بينهم على المراتب، وإن ترك أولئك إلى أن يدعو بهم، صارت حمالة إلى غير أجل.
[8/ 176]
قال أشهب: وكذلك إن أقام شاهدا، وأبى أن يحلف/، وقال: إنني تاجر، وقد أقام بينة على الخلطة، فله أخذ كفيل إلى مقدار غيبة شاهده الآخر، أو غيبة بينته على الحق، فإن كانت غيبتهم في البعد تضر بالمطلوب، فليستحلفه، ولا يؤخذ منه كفيل، وإن كانت بينة الخلطة بعيدة، فليس له أن يحلف، ولا يأخذ منه كفيلا.
قال سحنون، وقال غيره: وإن ثبتت بينة الخلطة، فطلب أخذ كفيل، فليس له ذلك، وإنما يؤخذ كفيل، ويوقف الحيوان والعروض؛ لتشهد البينة عليها، وأما ما لا يحتاج إلى حضوره ليشهد على عينه، فلا يؤخذ منه كفيل به.
قال ابن القاسم: إذا ثبتت الخلطة، فليس له أخذ كفيل الوجه، ليأتي بالبينة، إلا أن تكون بينة في السوق، أو بعض القبائل، فيوقف القاضي المطلوب حتى يأتي هذا بالبينة، فإن جاء بها، وإلا أطلقه، وإن طلب منه وكيلا بالخصومة حتى يأتي بالبينة، فليس ذلك له؛ لأنا نسمع البينة على الغائب، إلا أن يشاء أن يوكل من يدفع عنه.
قال سحنون: قال غيره، إن ثبتت المعاملة، فله عليه كفيل بنفسه، لتقع البينة على عينه.
قال سحنون: فإن لم يجد كفيلا، حبس حتى يستقصى فيه ما كان يؤخذ منه كفيل.
قال سحنون: يؤخذ منه كفيل؛ لأن الطالب يحتاج إلى إيقاع على خصم حاضر.
ومالك يقول/: لا يحكم في الرباع على الغائب، وآخرون يقولون: إنما يحكم عليه بعد أن يكشف عنه، ويستبرأ أمره، ثم يكون على حجته، فكيف لا يؤخذ في هذا حميل؟
قال سحنون: وإن ادعى عليه دعوى، فيريد أن يكتب له برفعه، فلا يمكن من ذلك حتى يأتي بلطخ على ما ذكرنا من طلبه له بشاهد، أو سماع ونحوه، فإن لم يأت به، لم ينبغ ذلك، وقد يكون بعيد الغيبة، فيجلب ويضر به، ولعل بينه وبينه عداوة، أو تكون الدعوى يسيرة، فيرضى أن يؤديها ولا يشخص.
وكتب إلي سحنون فيمن يأتي فيقول: فلان يدعي علي دعوى، ويحمل إلى العمال، فاكتب لي برفع من له علي دعوى إن أراد طلبني.
فكتب إليه: كتب [8/ 177]
الرفع عندنا غير صواب، ولكن اكتب إن قدرت إلى العامل ألا يعترض للخصوم لما في ذلك من ظلمهم.
ومن كتاب ابن سحنون: قال: وكان سحنون يحبس من لم يعط لخصمه حميلا إذا وجب عليه حميل.
وكتب إليه شجرة، في رجل بعث معه بمال ليوصله إلى رجل، فيتعدى به، فينفقه، ثم يعترف عند الحاكم، فيقول: هذا ربعي أبيعه.
فيعرضه، فلا يجد من يشتريه، فطلب منه الطالب حميلا بوجهه، هل ذلك عليه؟ فإن لم يجد حميلا، هل يحبس؟ فكتب إليه: لا حميل على هذا ولا حبس إذا بذل من نفسه هذا، ولم يتهم، وإنما يحبس المفلس يتهم أن يخفي مالا.
قيل له: فإن عرضها، فلم يجد من يشتري، وزعم/ الطالب أنه يقول للمشترين: لا تشتروا.
أرأيت إن قال للحاكم: بع أنت ربعي، وادفع إليه.
فقال: كيف أبيع، ولا طالب؟ أو كيف أبيع ما ثمنه خمسون دينارا بخمسة دنانير؟ فقال: فاحسبه لي.
فقال سحنون: يدعو الحاكم إلى ضعيته وينشدها ويتسقصي، ثم يبيع بالخيار عسى أن يزيد زائد، فإن لم يجد إلا ما أعطى، باع وأعطى الطالب حقه.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل حدا من الحدود عند قاض، وادعى بينة يأتي بها في غد، فليوقفه القاضي، ولا يحبسه إذا رأى لذلك وجها، وإن أقام عليه شاهدا عدلا، سجن له، فإن ادعى عليه دينا أو استهلاكا أو غصبا، فإن السلطان ينظر؛ فإن كان بينهما مخالطة في الدين، أو تهمة في الوجه الآخر، أحلفه له، أو أخذ منه كافلا، وإن ادعى عليه قذفا، لم يؤخذ بحميل، وإن ادعى بينة قريبة، أمره بملازمته، أو جعل السلطان من عنده من يلازمه، وإن كان أمرا بعيدا لم يعرض له، وإن كان المدعي عليه أيضا على وجه [8/ 178]
سفر يضر به أن يمسك ساعة واحدة عن سفره، أو لم يكن للمدعي وجه دعوى، فلا يمكن من لزومه.
وهذا كله استحسان بقدر ما ينزل، وإن أقام عليه شاهدين، فكان في النظر في عدالتهما، فليحسبه حتى ينظر في ذلك.
قال ابن القاسم، وأشهب: وكذلك يحبس السارق حتى يكشف عن البينة، ولا يؤخذ منه كفيل.
قال أشهب: فإن عدلا قطع،/ وإن سقطا خلي.
وكذلك كل ما كان في الجسد من عقوبة، أو قصاص، أو قتل، ولا يكفل في هذا.
قالا: وإن قام شاهد بقتل عمد، سجن القاتل، فإن ثبت الشاهد، أقسم معه العصبة.
قال ابن القاسم: وإن لم يزك، لم يكن معه قسامة، قالا: ولا يحبس في الخطإ؛ لأن الدية على غيره من عاقلته؛ إذ ليس عليه من الدية ما بحبس به، أو يؤخذ فيه كفيل إلى تزكية الشاهد.
قال سحنون: وكيف لا يؤخذ منه حميل، وهو يحتاج أن تقع البينة على عينه أنه فعل ذلك.
ومن كتاب ابن سحنون: وإن ادعى عبد على حر قذفا، وأراد يعزر له، وطلب منه كفيلا ليأتي بالبينة، فليس للعبد في مثل هذا تعزيز، إلا الرجل الذي قد نهى عن أذى هذا العبد، أو رجل فاحش معروف بالأذى، فيعزز ويؤدب على أذى العبد وغيره، وكذلك في حرية النصراني، فلا كفالة في هذا.
قال أشهب، وإذا ادعى رجل على قصاصا في نفس أو جرح خطأ أو عمدا، فبلغ الخطأ أكثر من ثلث الدية، فلا يؤخذ في هذا كفيل؛ ليأتي بالبينة، وإن جاء بلطخ، وأما ما كان من جراح أقل من ثلث الدية، فليأخذ به كفيلا، وما بلغ ثلث الدية، فليس عليه، وهي على غيره.
وسأله شجرة في من ادعى علىرجل بدم، فأقام شاهدا ليس بعدل، أيحبس المطلوب؟ قال: يتوثق منه حتى يكشف اللطخ الذي ثبتوا عليه.
[8/ 179]
ومن كتاب ابن سحنون: سأل حبيب سحنونا، في من اعترف/ من يده شيء، فثبت عليه شاهد واحد، فيريد المشهود عليه أن يأخذ حميلا على من باع ذلك منه كيلا يحكم عليه في وقت يغيب هذا فيه، قال: لا حميل له عليه، ولا يعرض له حتى يحكم عليه.
فيمن ادعى عبدا أو حيوانا أو طعاما لا يبقى هل يوقف ذلك ليأتي عليه بالبينة؟
أو كان ربعا هل يمنع من ذلك في يديه من الإحداث فيه؟ ومتى يجب العقل فيما يدعي فيه؟
من المجموعة، وكتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم: ومن ادعى عبدا، فطلب إيقافه ليأتي بالبينة، فليس له ذلك، إلا في حضور بينة، أو سماع يثبت له به الدعوى، فيوكل القاضي بالعبد، ويوقفه ليأتي بالبينة إن كان حضورا، إلا أن تبعد البينة مما في إيقافه ضرر، فليحلف المدعى عليه ويتركه بغير كفيل.
قال غيره، وهو سحنون: وإن كانت بينة قريبة نحو الخمسة أيام إلى الجمعة، أوقف له.
قال مالك: وإذا جاء بسماع، أو شاهد، وسأل أخذ العبد يذهب به إلى بيته، دفع إليه إذا وضع قيمته.
قال غيره، وهو سحنون: إنما يوقف مثل هذا مما يشهد على عينه من الرقيق، والحيوان، والعروض، ونحو ذلك مما يخاف زوال عينه، وإنما يشهد على عينه من الرقيق والحيوان والعروض.
وأما إن كانت في ربع من أرض، أو دور ونخل، فإنه إذا اتجه/ أمر الطالب، أوقفت وقفا يمنع من هي في يديه من الإحداث فيها، والغلة له حتى يقضى عليه، قال: وإذا كانت الدعوى فيما يفسد من اللحم والفاكهة الرطبة، وأقام لطخا، أو قام له شاهد، فإنه يوقفه إلى مجيئه بشاهده الآخر، أو بينة إلى مثل ما لا يخشى فيه فساد الذي فيه الدعوى.
فإن خاف فساده، أحلف المدعي عليه، وترك له ما أوقف.
وإن كان أقام شاهدين، [8/ 180]
فكان ينظر في تعديلهما، فخيف على الشيء الفساد، فليبعه ويوقف ثمنه، فإن ركبت أخذ المـ ما بيع به، وأدى الثمن كان أقل أو أكثر، ويقال للبائع، إن أراد ثمن المبيع إذا بيع: أنت أعلم بنفسك في الزيادة على الثمن، وإن لم تزكوا البينة، أخذ القاضي الثمن فدفعه إلى البائع، وإن ضاع، فهو ممن يقضي له به، تلف قبل الحكم أو بعده.
من المجموعة: قال ابن القاسم: ومن ادعى أرضا بيد رجل، أقام فيها البينة ولم تقطع، قال: فللمدعى عليه أن يبيعه.
قال غيره: ليس له أن يبيع؛ لأن ذلك خطر، قال سحنون: إذ لا يدري المبتاع متى يقبضه ومتى تنقضي الخصومة فيه.
قال ابن القاسم: قيل ذلك في أرض حفر فيها صاحبها عينا، فادعاها رجل، فتخاصما إلى صاحب المياه، فأوقفهم حتى يرتفعوا إلى المدينة.
قال مالك: أصاب في إيقافها، وليس للذي هي في يديه أن يتمادى في الحفر، ويقول: إن صحت لك أخذتها.
قال ابن القاسم: وذلك إذا تبين لدعواه وجه/، فحينئذ يوق.
قال مالك: وإن أقام في أرض بينة، فعدلت، فقال الآخر: عندي منافع.
فضرب له الإمام لذلك أجلا، وحضر كراء الأرض للحرث، وإن تركت لم ينفصلا لطول الخصوم فيها حتى يفوت الكراء، أتعقل أم تكري ممن هي بيده؟ فإن ثبتت للطالب ودي الكراء، قال: بل توقف حتى يستحقها أحد، إلا أن يرضيا بكرائها من غيرهما، أو من أحدهما، أو يتقاومانها فيأخذها أكثرها كراء، فما تراضيا عليه من ذلك فعلاه، وإلا أوقفهما القاضي، وإن أضر بهما ذلك، وذلك إذا جاء كل واحد بما يستجاز به إيقافها.
[8/ 181]
قال سحنون: ولو ادعى من دار سدسها، فليستوجب العقل بلطخ، كيف يفعل؟ قال: يقال للمدعى عليه: إما أن تكريها، ويوقف سدس الكراء، فإن استحقه هذا، كان له كراؤه، والعبد والدار كذلك، إلا أن يقول: أريد أن أسكن في نصيبي مما لم يدع فيه ما يكفيني، ولا أكتري.
فيكري ذلك السدس من الدار، ثم يقسم صاحب الدار والمكتري المنافع، وكذلك الأرض، والعبد يخدمه خمسة أيام، ويؤجر اليوم السادس.
ومن كتاب ابن سحنون: قال: كان سحنون إذا ثبت عنده شاهد عدل من شهود المدعي ممن يعرفه بالعدالة، عقل على المدعي عليه ما شهد به شهود المدعي الذي ثبت بعضهم حتى يكشف عن من بقي ويستقصي منافع المدعي عليه، وربما يتثاقل عن العقل بعد ثبوت الشاهد الواحد، فإذا اتجه له العقل أمر كاتبه، فكتب إلى أمينه كتابا، فذكر بعد/ الرسالة: من سحنون بن سعيد، إلى فلان بن فلان.
يذكر فيه دعوى المدعي واسمه، واسم المدعى عليه، ويذكر الأرض أو غيرها، فيحد ذلك، ويذكر موضع ذلك وإقليمه، وأنه بيد فلان بن فلان، وأن البينة شهدت للمدعي بمحضر الخصم أنه يملك ذلك، أو يملكه أبو حتى ورثه عنه، ولا يعلمون له وارثا غيره، ولا يعلمون ذلك خرج من ملك من شهدوا له، وأجر أنت عقل ذلك حتى أكشف عن ذلك فيه، فإذا جاءك كتابي هذا، فاجمع الخصمين إلى هذه الأرض مع صالح من قبلك، فاعقل ذلك عليه، وأشهر عقله، وأشهد على ذلك، وتقدم إلى الذي كانت في يديه ألا يحدث فيها حدثا ولا غيره، لا هو ولا غيره ممن يحدث بسببه، وأشهر ذلك وأرخه، فإن تغيب فلان المشهود عليه، ولد عن الحضور، فاعقل ما كتبت إليك بعقله، وإن غاب، وإن كانت في يد المدعى عليه، أو بعضها، يعلم ذلك من أحضرته أو أكثرهم، فأوقف العقل عن ما ليس في يديه، واعقل ما في يديه من ذلك، واكتب بذلك إلي، وإن نازعك أو دافعك من أمرتك أن تعقل ذلك عليه، فادفع كتابي بذلك إلي، وإن نازعك أو دافعك من أمرتك أن تعقل ذلك عليه، فادفع كتابي إلى عاملكم؛ ليقوي لك أمرك، وينفذه لك، واكتب إلي بما يكون من ذلك إن شاء الله، والسلام عليك.
[8/ 182]