النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهاتصفحات 5-44
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب آداب القضاء

صفحات 5-44
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زيد القيرواني
الكتاب
النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
المؤلف
أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت
الطبعة
الأولى، 1999 م
عدد الأجزاء
15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

في الإجابة إلى القضاء وطلبه والتخلف عنه وما يحذر فيه وما يتقي ومن أول من استقضي قال الله تبارك وتعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تبع الهوى فيضلك عن سبيل الله).
قال أبو محمد: حدثني أ؛ مد بن محمد بن زياد الأعرابي قال: حدثني أبو داود سليمان بن الأشعث قال: حدثنا بسر بن عمرالزهراني، عن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأعشى، عن المقبري، والأعرج عن أبي هريرة قال: من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين.
ومن كتاب ابن سحنون: روى سحنون هذا الحديث عن ابن نافع، عن عثمان بن محمد، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
[8/ 5]

ومن كتاب ابن دواود حدثنا ابن الأعرابي: روى بريدة الأسلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: القضاة ثلاثة، واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق قدارى في الحكم فهو في النار، ورجل قضي في الناس على جهل فهو في النار.
ومنه: روى عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد، فأصاب، فله أجران، فإذا حكم، فاجتهد فأخطأ، فله أجر.
ومنه: قال أبو مسعود: كان يكره التسرع إلى القضاء.
ومنه: روى أنس، أن/ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من طلب القضاء، واستعان عليه، وكل إليه، ومن لم يطلبه، ولم يستعن عليه، أنزل الله ملكا يسدده.
روى عنه أبو موسى الأشعري، فقال: لا نستعمل أو لن نستعمل على عملنا من أراده.
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم قال مالك: بلغني أن عمر قال: لا يقوى على هذا الأمر أحد أخذه طائعا.
قال سحنون: أخبرنا ابن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة وحسرة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة.
[8/ 6]

وحدثني ابن غانم، عن مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين ولعامتهم.
قال مالك: كان مما يتحدث به الناس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تسل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة تعن عليها، وإن أعطيتها عن مسئلة، توكل إليها.
ومن الواضحة: قال سليمان بن يسار: قال عمر رضي الله عنه: ليتني أنجو منها كفافا لا علي ولا لي.
وروى طاوس، عن حذيفة، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أععتى الناس على الله، وأبعض الناس إلى الله، وأبعد الناس من الله يوم القيامة، رجل ولاه الله من أمة محمد شيئا، فلم يعدل فيهم.
قال طاوس: شر الناس عند الله يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه/ثم أدخل عليه الجور في عدله، وخير الناس عند الله يوم القيامة إمام مقسط.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من ولى ولاية أحسن فيها أو أساء، أتى به يوم القيامةوقد غلت يمينه إلى عنقه.
[8/ 7]

وروى ابن القاسم، وابن وهب، أن مكحولا، قال: لو خيرت بين القضاء وبين العمى، لاخترت العمي، ولو خيرت بين القضاء وبين ضرب عنفي، لاخترت ضرب عنقي.
روى مالك، أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: لو علمت بمكان رجل هو أقوى على هذا الأمر مني، لكان أن أقدم فتضرب رقبتي أحب إلي من أن أليه، فمن وليه بعدي فليعلم أنه سيزيده عليه القريب والبعيد، وأيم الله إن كنت لأقاتل الناس عن نفسي.
وروى ابن شهاب، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما من أحد أقرب إلى الله مجلسا يوم القيامة بعد ملك مصطفى، أو نبي مرسل، من إمام عدل، ولا أبعد من الله من من إمام جائر يأخذ بحبه.
قال ابن حبيب: يعني يحكم بهواه.
قال قتادة: إن موسى عليه السلام، قال: يا رب ما أقل ما وضعت في الأرض؟ قال: العدل.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إن أقارب الوالي لينحتون أمانته كما تنحت الأصطوانة، حتى يبدو قلبه.
وروى مكحول، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: الولاية ملامة/، وأوسطها ندامة، وآخرها عذاب يوم القيامة، إلا من اتقى الله وعدل، وكيف يعدل الرجل مع قريبه.
[8/ 8]

قال مطرف: قال مالك: قال يحي بن سعيد: وليت قضاء الكوفة وأنا أرى أنه ليس على الأرض شيء من العلم إلا وقد سمعته؛ فأول مجلس جلسته للقضاء، اختصم إلى رجلان في شيء، ما سمعت فيه شيئا.
قال مطرف: قال مالك وكتب سلمان إلى أبي الدرداء: بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي؛ فإن كنت تبرئ فنعما لك، وإن كنت متطيبا، فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار.
فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين، ثم أدبرا عنه، نظر إليهما، فقال: ارجعا إلى أعيدا علي قصتكما.
متطيبا والله.
قال أبو قلابة: مثل القاضي العالم كالسابح في البحر، فكم عسى أن يسبح حتى يعرق! قال مطرف، عن مالك، قال: دعا عمر رجلا ليوليه فأبى، فجعل يريضه على الرضا ويأبى حتى قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أي ذلك تعلم خيرا لي؟ قال: أن لا تلي، قال فأعفني قال: قد فعلت.
قال مالك: قال لي عمر بن حسين: ما أدركت قاضيا استقضي بالمدينةإلا كاره القضاء، وكراهيته في وجهه.
وزاد في المجموعة: إلا قاضيين سماهما.
ومن الواضحة، والمجموعة، والعتبية، وكتاب ابن المواز: قال مالك: أول من استقضى معاوية، ولم يكن/ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لأبي بكر، ولا لعمر، ولا لعثمان، رضي الله عنهم، قاض بل كان الولاة هم الذين يقضون، وأنكر قول أهل العراق، إن عمر رضي الله عنه استقضى شريحا، وقال: كيف يستقضي بالعراق، ولا يستقضي بالشام واليمن وغيرها كما قالوا؟ في العتبية: ومعاوية أول من جلس على المنبر، واستأذن الناس في ذلك، فقال: إني قد ثقلت.
[8/ 9]

وروى العلاء بن كثير، أن عمر بن الخطاب نظر إلى شاب في وفد قدم عليه، فاستحلاه عمر، فأعجبه، فإذا هو يسأله القضاء، فقال له عمر: كدت أن تغرنا بنفسك، إن الأمر لا يقوى عليه من يحبه.
قال مالك، في المجموعة: ومن عيب القاضي أنه إذا عزل لم يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه.

في صفة القاضي، ومن يستوصب القضاء والفتيا وذكر شرائطه وإذا امتنع أن يلي

من الواضحة قال الليث: قال عمر: لا يصلح أن يلي هذا الأمر إلا حصيف العقل، قليل الغزة، بعيد الهمة، لا يطلع الناس منه على عورة، ولا يخشى في الله لومة لائم.
قال ابن شهاب: قال عمر: لا يصلح أن يلي هذا الأمر إلا الشديد في غير عنف، اللين في غير ضعف، الجواد في غير سرف، البخيل في غير وكف، وربما قال: الممسك في غير بخل.
ومن المجموعة، وكتاب ابن المواز، وابن سحنون، بمعنى واحد، قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز، لا ينبغي للرجل أن يكون قاضيا حتى يكون فيه خمس خلال: حتى يكون ورعا، ويكون فقيها، ويكون حليما، عالما بما كان قبله من الأقضية.
وقال ابن زياد وابن حبيب، ورواه مطرف، وابن الماجشون، عن مالك.
وروى مثله أشهب، في المجموعة، وقاله عن عمر، ويكون عالما بالفقه والسنة، ذا نزاهة عن الطمع، مستخفا باللائمة، حليما عن الخصم، مستشيرا لذوي الأمر.
قال ابن حبيب، في رواية أخرى عن عمر، زاد فيهما: عاقلا صارما.
ومن كتاب محمد بن عبد الحكم: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بدمشق: أما بعد: فإني نظرت فلم أجد يصلح في الحكم إلا الرجل الجامع [8/ 10]

للفهم، العالم بأمر الله، القوي على أمر الناس، المستخف بسخطهم وملامتهم، ومن راقب الله، وكانت عقوبة الله أخوف في نفسه من أمر الناس، وهبه الله السلامة، فإن أهل الحق والبصيرة فيه، الملامة عنهم بطيئة.
ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: وإذا كان الرجل العالم فقيرا، وهو أعلم من بالبلد وأرضاهم، اسحق القضاء، ولكن لا ينبغي أن يجلس حتى يغنى، ويقضى عنه دينه.
قال سحنون: ولا يستقضي ولد الزنى، ولا يحكم في الزنى،/ كما أن القاضي لا يحكم لابنه.
وكذلك في المجموعة عنه، قال أشهب في المجموعة: وذكر مثله ابن حبيب، عن مطرف وابن الماجشون، وأصبغ، قالوا: لا يستقضي إلا من يؤمن به في عفافه، وصلاحه، وفهمه، وعلمه بالسنة والآثار، ووجه الفقه الذي يؤخذ منه الكلام، ولا يصلح أن يكون صاحب حديث لا فقه له، أو فقيه لا حديث عنده، ولا يفتي إلا من كان هذا وصفه، إلا أن يخبر بشيء سمعه، ولا ينبغي وإن كان صالحا عفيفا بعد أن لا يكون له علم بالقضاء أو يولي.
قالوا في كتاب ابن حبيب: فإن ما يخاف من الجهل مثل ما يخاف من الجور، قال مالك: ولا أرى خصال العلماء تجتمع اليوم في أحد، فإذا اجتمع منها خصلتان في رجل، رأيت أن يولي: العلم والورع.
قال في المجموعة ابن القاسم، عن مالك: لا يستقضي من ليس بفقيه.
قال ابن حبيب: فإن لم يكن للرجل علم وورع، فعل وورع، فإنه بالعقل يسأل، وبالورع يعف، فإذا طلب العلم وجده، وإن طلب العقل لم يجده.
وقال أصبغ: إذا لم يجد الامام إلا رجلين؛ أحدهما عدل مأمون، لا علم له بالقضاء والسنة، والآخر عالم، وليس مثل الآخر في العدالة، وإن كان العالم لا بأس بحاله وعفافه، وإن كان دون الآخر في ذلك، فليول هو، وإن كان غير مرضي ولا موثوق في عفافه وصلاحه، ولقلة تقارقه ما لا ينبغي، فلا يولي هذا ولا هذا، فإن لم يجد/ غير هذين، ولى العدل القصير العلم وليجتهد ويستشير، وقد [8/ 11]

قال عمر رضي الله عنه: استشر في أمرك الذين يخشون الله.
وإن وجد من يجمع العدل والعلم، فلا يولي غيره وإن لم يكن من أهل ذلك البلد.
ومن المجموعة، وكتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم كره مالك أن يفتي الرجل حتى يستبحر في العلم، وقال: لا يفتي حتى يراه الناس أهلا للفتيا.
قال سحنون: يريد: أهل النظر والمشورة والمعرفة، قال مالك: قال ابن هرمز، حتى يراه الناس أهلا للفتيا، ويرى هو نفسه أهلا لذلك.
قال مالك: قد كان الرجل يرحل إلى بلد في علم القضاء، وقال: علم القضاء ليس كغيره من العلم، ولم يكن ببلدنا أعلم من أبي بكر بن عبد الرحمن، أخذه من أبان، وأبان أخذه من أبيه عثمان، رضي الله عنه، قال ابن المواز: ولا ينبغي أن يستقضي إلا زكي، فهم، فطن، فقيه، متأن غير عجول.
ومن كتاب آخر، قال مالك: وكان عمر بن حسين، ممن يشاوره القضاة بالمدينة، قال في المجموعة: قال لي عمر بن حسين: ما أدركت قاضيا استقضى بالمدينة؛ إلا وكان القضاء وكراهيته في وجهه، إلا قاضيين سماها.
ومن كتاب آخر، قال: ولي بالكوفة قاض، فتخلف عنه بعض أصحابه، فلم يأته فعدله بعد ذلك، فقال لي: إن الأمر الذي صرت فيه لم أره عندك مصيبة فنعزيك، ولا هو عندي مكرمة فنهنيك.
ومن كتاب أصبغ: ولا بأس أن يولي القضاء محدود في زنى، أو في/ قرية، أو مقطوع في سرقة إذا كان في حال توبته اليوم مرضيا عدلا، وكان ذا علم، وليس هذا من ناحية الشهادات، وإن كانت شهادته لا تجوز في الزنى، فإن حكمه يجوز فيه، ألا ترى أن الحكام المسخوطين قد تجوز أحكامهم ما لم يحكموا بجور أو خطأ، ولا تجوز شهادتهم.
قال أبو محمد: أعرف لسحنون: لا يولي المعتق القضاء خوفا أن تستحق رقبته، فتذهب أحكامهم.
[8/ 12]

في الحكم بالعدل والاجتهاد وبماذا يقضي القاضي من الأصول والاجتهاد وفي مشورته للعلماء وفي شدته ولينه ورفقه وسياسته قال الله تعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى) وقال تبارك وتعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) وقال عز وجل: (كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى).
قال اسماعيل القاضي: قال الحسن: أخذ عز وجل على الحكام ثلاثا: ألا يشتروا به غنا، ولا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا فيه أحدا، وقال: (فلا تخشوا الناس واخشون) وقال: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب).
قال الحسن: هو الفهم في القضاء، قال مالك: الخصوم والقضاء، قال مجاهد: الحكمة العقل، وفصل الخطاب: ما قال من شيء أنفذ، وقد ذكرنا في الباب الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ، فله أجر.
قال ابن حبيب/ وغيره: وهذا للحاكم العالم بالحكومة، المتحري للعدل.
والحديث الآخر: القضاة ثلاثة؛ فواحد في الجنة، واثنان في النار فذكر اللذين في النار؛ الذي عرف الحق، فجار في الحكم، وآخر قضى بين الناس على جهل.
[8/ 13]

وقال ابن حبيب: روى أبو موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: الحكام ثلاثة؛ إثنان في النار، وواحد في الجنة، حكم جهل فخسر، فأهلك أموال الناس، وأهلك نفسه، ففي النار، وحكم علم فعدل فهلك، وأهلك أموال الناس، وأهلك نفسه، ففي النار، وحكم علم؛ فعدل، فأحرز أموال الناس، وأحرز نفسه، ففي الجنة.
قوله: فهل هذا بلغه أن القضاة ثلاثة؛ رجل خاف، فهو في النار ورجل تكلف فقضى بما لا يعلم، فهو في النار، ورجل علم فاجتهد فأصاب، فذلك ينجوا كفافا، لا له ولا عليه.
قال اسماعيل القاضي: قال إياس بن معاوية للحسن: بلغني أن القضاة ثلاثة.
فذكر فيهم: ورجل اجتهد فأخطأ، فهو في النار، فقال الحسن: إن فيما قص الله تبارك وتعالى من ثناء داود وسليمان عليهما السلام: ما يرد قول هؤلاء الناس؛ يقول الله سبحانه: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) الآية كلها قال عز وجل: (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) فأثنى على سليمان، ولم يذم داود عليهم السلام.
وقد روي في حديث معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أذن له أن يجتهد رأيا فيما لم يكن في الكتاب والسنة وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله مع القاضي مالم يخفر أحد عهدا يسدده للحق ما لم ير غيره.
وفي/ حديث عمر من رواية مالك: ما من قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك، وعن شماله ملك.
[8/ 14]

وفي رسالة عمر إلى أبي موسى، في كتاب ابن سحنون، وفي غيره: وإذا أدلى إليك الخصم بحجته، فاقض إذا فهمت، ونفذ إذا قضيت، وقال: واس بين الناس في وجهك وفي مجلسك وعدلك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، وقال: وإذا عرفت أهل الشغب، فأنكر وغير، فإنه من لم يزع الناس عن الباطل، لم يحملهم على الحق، ولا يمنعنك قضاء قضيت به اليوم، راجعت فيه نفسك، وهديت لرشدك أن ترجع فيه، وقاتل هواك كما تقاتل عدوك، واركب الحق غير مضار عليه، وإذا رأيت من الخصم العي والفهامة فسدده وفهمه وبصره في غير ميل معه، ولا جور على صاحبه، وقال: ثم شاور أهل الرأي من جلسائك وإخوانك، ثم عليك بشدة العقل فيما يتلجلج في نفسك مما ليس في القرآن، ولا في السنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال والنظائر، وقس الأمور بعضها ببعض، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق منه، واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة، وإلا استحللت عليه القضية، وليس لوال ولا قاض أن يأخذ بظنه وعلمه، ولا بما شبه في حق أو حد دون أن يستحل ذلك ببينة عدل، وإياك والغضب القلق والزجر والتأذي بالناس، في/ الخصمومة.
ومن كتاب ابن سحنون: وقال مالك: وإذا كان ما يقضي فيه القاضي مما قد ظهر وعرف، وأحكمه الماضون، قضى به، وإن لم يبين له، وليس على ما وصفنا من ظهوره، فلا يعجل ويتثبت ويستأني، قال مالك: وما قضى مما في كتاب الله عز وجل، أو مما أحكمته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الحق لا شك فيه، وما كان من اجتهاد الرأي، فالله أعلم به، قال مالك: وليحكم بما في كتاب الله، فإن لم يكن فيه، فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صحبته الأعمال، فإذا كان خبرا صحبت غيره الأعمال، قضى بما صحبته الأعمال، فإن لم يجد ذلك عن رسول [8/ 15]

الله صلى الله عليه وسلم، فيما أتاه عن أصحابه إن اجتمعوا، فإن اختلفوا، حكم بمن صحبت الأعمال قوله عنده، ولا يخالفهم جميعا ويبتدئ شيئا من رأيه، فإن لم يكن ذلك فيما ذكرنا، اجتهد رأيه وقاسه بما أتاه عنهم، ثم يقضي بما يجتمع عليه رأيه، ورأى أن الحق، فإن أشكل عليه، شاور رهطا من أهل الفقه ممن يستأهل أن يشاور في دينه ونظره وفهمه ومعرفته بأحكام من مضى وآثارهم، وقد شاور عمر وعثمان عليا رضي الله عنهم.
قال سحنون: فإن اختلفوا فيما شاورهم، نظر إلى أشبه ذلك بالحق، فأنفذه، وإن رأى خلاف/ رأيهم، لم يعجل، ووقف وازداد نظرا، ثم يعمل من ذلك بالذي هو أشبه عنده بالحق، وقد بلغني عن بعض العلماء، قال: بقي القرآن موضعا للسنة، وبقيت السنة موضعا للرأي.
وفي المجموعة من أول كلام مالك، فيما يحكم به الحاكم، إلى آخره، إلا أنه نسبه إلى سحنون، وزاد: وليدع الخبر الذي صحبت غيره الأعمال، غير مكذب به، ولا معمول به.
قال سحنون: وينبغي له إذا لم يستبن له الحكم ألا يعجل حتى يفكر وينظر، ويشاور فيه أهل الفقه الذين يستحقون أن يشاوروا.
قال أصبغ في كتابه: وإذا لم يجد الحكم في الكتاب، ولا في السنة، ولا فيما اجتمع عليه الصحابة، رضي الله عنهم، ولا فيما اختلفوا فيه، اجتهد رأيه، وشاور من يثق به، وقاس بالأصول، فإذا وداه اجتهاده بالتشبيه إلى شيء، وقدجاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن بعض الصحابة، رضي الله عنهم، فليترك ذلك الحديث، ويرد ذلك إلى الأصول.
وقال محمد بن عبد الحكم نحو قول أصبغ، أنه إذا لم يكن ذلك في كتاب الله، ولا في السنة، ولا في قول الصحابة، رضي الله عنهم، ولا في إجماع، اجتهد رأيا، ومثل الأشياء بعضها ببعض، والنظائر والأشباه، وشاور، ثم حكم وإن أشكل عليه الأمر، ولم يتبين له فيه شيء، تركه/ ولا يحكم وفي قلبه منه شك.
[8/ 16]

ومن المجموعة والعتبية، من سماع أشهب، قيل لمالك: أيقضي إذا حضره الخصمان بما حضره ساعتئذ؟ قال: أما الأمر الذي قد عرفه، ومر عليه، وقضى به، فليقض به فيما رأى، وأما الأمر الذي لا يدري ما هو؟ ولم يفعله، فليتثبت، وينظر، وقال أشهب في المجموعة: ومطرف وعبد الملك في الواضحة: وينبغي للقاضي أن يقضي بما أمر الله في كتابه ولا أحكمت السنة خلافه، فيكون ذلك ناسخا له، ويكون نسخه في كتاب الله مجهولا، فإن لم يجد في كتاب الله فيما أتاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجتمعا عليه، فإن لم يجد، ففيما أتاه عن الصحابة رضي الله عنهم.
قال أشهب: فإن اختلفوا فيه، أخذ بقول أكثرهم.
وقال في موضع آخر، وقاله معه مطرف، وابن الماجشون: وإن اختلفوا فيه نظر فيما أتاهم عن تابعهم، فقضى به، فإن لم يكن فيما جاءه عنهم أو اختلفوا فيه كاختلافهم: تخير من أقاويلهم أحسنها في نفسه.
قال أشهب في المجموعة: ولا يخالفهم أجمع، فإن لم يجد ذلك فيما ذكرناه، اجتهد رأيه إن كان للرأي أهلا، وقاسه بما جاءه عنهم، مع مشورة أهل المشورة، وأحب إلي ألا يقضي إلا عن مشورة، إلا أن يكون قد جرى على يديه، وشاور عليه، فليس عليه أن يشاور فيه آخر، إلا أن يشك/ فيه، فيشاور رهطا من أهل الفقه، قال ابن وهب: قال مالك: الحكم على وجهين، والذي بالقرآن والسنة، فذلك الصواب، فالذي يجهد العالم نفسه فيه فيما لم يأت فيه شيء، فلعله يوفق، وبات متكلف لم لا يفهم، فما أشبه ذلك أن لا يوفق.
[8/ 17]

قال أشهب: وكان عثمان رضي الله عنه، إذا جلس للقضاء، احضر أربعة من الصحابة، ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رأى، أمضاه، وقال: هؤلاء قضوا، لست أنا.
قال ابن نافع: قال مالك: كان عثمان فذكر نحوه.
قال أشهب: وينبغي للقاضي إن قدر على ذلك ألا يقضي إلا وعنده علماء من أهل الفقه، يأمرهم ألا يشتغلوا عن الفهم لما يدلي به عنده من الحجج، ولما يقضي به فيما فهم من ذلك وفهموا، ولا ينبغي لمن حضره منهم إذا بضى بشيء وزل فيه أن يدعه وإمضاءه ليكمله فيه بعد ذلك، لكن يرده مكانه في رفق ولين؛ لئلا يفوت القضاء به، فلا يقدر على رده، إلا أن يخاف الحصر من جلوسهم عنده، أو يشتغل قلبه بهم وبالحذر منهم حتى يكون ذلك نقصانا من فهمه، فأحب إلي أن لا يجلسوا إليه.
قال ابن المواز: ولا أحب له أن يقضي إلا بحضرة أهل العلم، ومشاورتهم، وإن قدر ألا ينظر بين اثنين في شيء إلا بمحضر عدول يحفظون إقرار الخصوم.
قال ابن سحنون: قال سحنون: ولا ينبغي للقاضي أن يكون معه في مجلسه من يشغله عن النظر/، كانوا أهل فقه أو غيرهم، فإن ذلك يدخل عليه الحصر والاهتمام بمن معه.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: لا ينبغي للقاضي أن يجلس معه الفقهاء في مجلس قضائه، ولم يكن هذا فيما مضى، ولكن ليتخذهم مشيرين إذا ارتفع عن مجلس قضائه، شاورهم، وكذلك كان يفعل عمر رضي الله عنه.
قال ابن المواز: ولا يدع مشاورة أهل الفقه الذين يستحقون المشورة، وذلك بعد أن يتوجه الحكم لأحد الخصمين، قاله أشهب، في المجموعة: وقاله سحنون في كتاب ابنه.
[8/ 18]

وينبغي للقاضي أن يشتد حتى يستنصف الحق، ولا يدع من حق الله شيئا، ويلين في غير ضعف.
قال أشهب: حيث ينبغي ذلك لغير ترك شيء من الحق، وينبغي له أن يعتذر إلى كل من يخاف أن يقع في نفسه منه شيء، ويبين ويقيس حتى يقوم الخصم وقد علم أنه فهم عنه حجته.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: لا بأس أن يخبر القاضي الخصم إذا حكم عليه من أي وجه حكم عليه؛ إذا خاف ألا يكون فهم ذلك، وقد فعله عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه.
قال سحنون في كتاب ابنه: وينبغي للقاضي أن يتقدم إلى أعوانه والقوام عليه في الحرف على الناس، والشدة عليهم، ويأمرهم بالرفق واللين والقرب في غير ضعف.
ومن كتاب ابن سحنون، عن أبيه، قال: وإذا شهد العالم عند القاضي في شيء، فأعياه الحكم فيه، فأراد مشورة هذا العالم عند القاضي في ذلك، فلا يجوز أن يستشيره فيما شهد فيه /. وفي كتاب ابن سحنون، وغيره: ومما كتب عمر رضي الله عنه، إلى أبي موسى، ورسالته إلى يزيد بن أبي سفيان، يشتملان من الأدب في القضاء، والموعظة، والوصية، على أمر كثير جامع، وفيه رسائل كتب بها سحنون إلى قضاته من نحو ذلك، تركت حكايتها على وجهها لطولها، فمن أرادها نظرها في موضعها موعبة إن شاء الله.
قال محمد بن عبد الحكم: وأحب إلي أن يجعل القاضي رجالا من إخوانه، ممن يثق بهم وبصدقهم ومعرفتهم، يخبرونه بما يقول الناس فيه من خلقه، وما ينكرون [8/ 19]

عليه من أمره، ومن حكم حكم به من قبول شاهد أورده وأنكروه، فما عرفوه به من ذلك سأل عنه، وفحص فيه، واستقصى، فإن ذلك قوة له على أمره، إن شاء الله تعالى.

في القاضي أين يقضي وعلى أي حال يقضي، ومما يقضي؟

قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: واحتج بعض أصحابنا على قضاء القاضي في المسجد؛ بقول الله سبحانه: (إذ تسوروا المحراب) إلى قوله: (فاحكم بيننا بالحق).
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المسجد.
ومن المجموعة، وكتاب ابن سحنون، وابن المواز: قال مالك: القضاء في المسجد من الحق والأمر القديم، وكان خلدة وقاضي عمر بن عمرالعزيز يقضيان في المسجد، وأراه حسنا؛ لأنه يرضى بالدون من المجلس، ويصل إليه الضعيف والمرأة، وهو أقرب على الناس في خصومتهم وشهودهم، فلا يحجبون عنه./ وإذا احتجب، لم يصل إليه الناس، ولكن لا يضرب في المسجد إلا الخمسة الأسواط، والعشرة، ونحوها، لا الحدود، ولا الضرب الكثير.
ومن الواضحة: قال مطرف، وابن الماجشون: وأحسن مجالسه للقضاء: رحاب المسجد الخارجة من غير تضييق للجلوس في غيرها.
وقد قال مالك: كان أمر من مضي من القضاة، لا يجلسون إلا في الرحاب الخارجة في المسجد، إما موضع الجنائز، وإما في رحبة دار مروان، وما كانت تسمى الأرحبة القضاء.
[8/ 20]

قال مالك: وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق؛ ليصل إليه اليهودي والنصراني، والحائض، والضعيف، وأقرب إلى التواضع لله عز وجل، إن شاء الله، وحيث ما جلس القاضي المأمون فهو له جائز إن شاء الله.
وروى ابن حبيب، أن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن، ألا يقضي في المسجد، فإنه يأتيك الحائض والمشرك.
ومن المجموعة: قال أشهب: ولا بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب، وأ؛ سن ذلك وأحبه من غير تضييق لما سواه، أن يقضي حيث الجماعة جماعة الناس، وفي المسجد الجامع، إلا أن يعلم ضرر ذلك بالنصارى وأهل الملل، أو بالنساء في الحين الذي لا يجوز لهن دخول المسجد.
قال سحنون: قال غيره: إلا أن يدخل عليه في ذلك ضرر من قعوده في المسجد لكثرة الناس، حتى يشغله ذلك عن النظر والفهم، فليكن له موضع من المسجد/ يحول بينه وبين من يشغله، وكذلك فعل سحنون؛ اتخذ بيتا في المسجد الجامع، فكان يقعد فيه الناس، يحول بينه وبين كلامهم.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: ولا بأس أن يتخذ القاضي أوقاتا يجلس فيها للناس، وينظر في ذلك بالذي هو أرفق به وبالناس، وليس القاضي بالمضيق عليه في هذا حتى يصير كالمملوك والأجير، ولا ينبغي للقاضي أن يجلس بين المغرب والعشاء، ولا في الاسحار، وما علمنا من فعله من القضاة، إلا أن يكون للأمر يحدث في تلك الأوقات، ويرجع إليه عن ذلك مما لابد له منه، ولما يحسن النظر في تلك الساعات، فلا بأس أن يأمر فيها وينهى ويأمر بالسجن، فيرسل الأمين أو الشرط، فأما على وجه الحكم لما نشبت فيه الخصومة، فلا.
ومن المجموعة: قال أشهب: لا بأس أن يقضي بين المغرب والعشاء، إذا كان لا يتكل عليه؛ من شاء جاء، ومن شاء ترك، وأما أن يحلف فيه الكارة، وتكلفه فيه الخصوم، فلا أرى ذلك.
[8/ 21]

ولا بأس أن يقضي بعد الأذان بالظهر والعصر أو المغرب أو العشاء أو الصبح، أو يرسل إلى الخصم فيحضر في بعض هذه الساعات ثم يقضي عليه، إن شاء وإن أبي، ما لم يجعل ذلك مجلسا للعامة، فأما الفذ هكذا فلا بأس بذلك.
قال أشهب: ولا بأس أن يقضي في ساعات يلزمها نفسه طرفي النهار، ويزيد على ذلك ما بين الظهر والعصر، ويخفف بذلك عن نفسه بعض جلوسه في طرفي النهار، وإنما في ذلك/ كله الاجتهاد، فيما يدع ويعمل للعامة، فأما النظر في ذلك لنفسه: فليس ذلك له، وليس عليه أن يتعب نفسه فيقضي من بكرة إلى الليل وشبه ذلك، وإن كان ذلك لا يدخل عليه الضجر ولا قلة الفهم.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا بأس إذا مل قبل وقت قيامه أن يحدث جلساءه في غير الحكم، يروح قلبه، ثم يعود إلى الحكم بين الناس، وقد روى ابن وهب، أن ابن شهاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: روحوا القلوب ساعة فساعة.
قال ابن المواز: قال أشهب عن مالك: ينبغي أن يكون جلوسه في ساعات من النهار؛ لأني أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفسه للناس النهار كله.
ومن كتاب ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: لا ينبغي أن يقضي في الطريق من ممره إلى المسجد وإلى بيته، أو إلى غير ذلك قضاء يفصل الحكم فيه خصومة قد نشبت، ولا علمنا أحدا من القضاة فعل ذلك، إلا أن يكون أمر حدث له أو استغيث به أو رفع إليه وهو بتلك الحال، فلا بأس أن يأمر فيه وينهى، ويأمر بالسجن إذا رآه صوابا، فأما الحكم الفاصل فلا.
قال في كتاب محمد: ولا ينبغي أن يقضي وهو ماشي، ولا بأس أن يقضي [8/ 22]

وهو متكئ، وقال أشهب في المجموعة: وقال سحنون في كتاب ابنه: وقال أشهب في كتاب ابن المواز: لا بأس أن يقضي وهو ماش، إذا أم بشغله ذلك عن النظر.
قال أشهب، في المجموعة/: إذا لم يشغله المسير ووجه الناس والنظر إليهم.
قال سحنون، في المجموعة وكتاب ابنه: لا ينبغي للقاضي أن يقضي وهو ماش، ولا وهو سائر، ولا يكلم أحد من الخصوم، ولا يقف معه؛ فإن ذلك يوهن خصمه، ويدخل عليه به سوء الظن.
ومن كتاب ابن سحنون، والواضحة: روى أبو بكر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا يقضي القاضي وهو غضبان.
وقال ابن حبيب: وروى أنه عليه السلام، قال: لا يقضي إلا وهو شبعان ريان.
قال في كتاب ابن المواز: ولا أحب أن يخرج إلى الناس وهو جائع من غير أن يشبع جدا.
محمد: يريد: لا يكون بطينا؛ لأن الجائع يسرع إليه الغضب، والبطين بطيئا.
وقال مالك في المجموعة: يكره للقاضي إن دخله هم، أو نعاس، أو ضجر، أن يقضي حينئذ، ولا ينبغي للقاضي أن يكثر ويتعب نفسه من طول الجلوس، إذا يخلط.
قاله ابن سحنون، عن أبيه.
[8/ 23]

وقال أشهب في المجموعة: ومطرف، وابن الماجشون، في كتاب ابن حبيب: لا ينبغي أن يقضي وبه من الضجر أو الغضب أو النعس.
في كتاب ابن حبيب وفي المجموعة: أو النعاس قال في كتاب ابن حبيب: أو الغرث يريد: الجوع، وفي المجموعة: أو الجوع، قالوا: أو الهم: ما يخاف على فهمه منه الإبطاء والتقصير عن الفهم لما يدلي إليه، وما كان ذلك خفيفا لا يضر به في فهمه، فلا بأس أن يقضي وذلك به.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: ولا يقضي بين اثنين وبه من الغضب أو الضجر أو اللعس يريد: ضيق النفس/ أو الغرث يريد: الجوع أو الهم، ما يخاف على فهمه منه الإبطاء والتقصير عن الفهم، إلا أمر خفيف من ذلك لا يضر به في فهمه.
قال ابن سحنون، عن أبيه: وإذا دخله النعاس، فليكف عن النظر حتى يذهب عنه، ثم يقبل على النظر وهو متفرغ مستمع غير معجل للخصوم عن حجتهم، ولا مخيف، فإن الخوف يقطع حجة الرجل.
قال أشهب في المجموعة: قال سحنون في كتاب ابنه: ولا ينبغي إذا قعد الخصمان بين يديه أن يشغل نفسه عنهما بشيء، وليجعل فهمه وسمعه وبصره احتجاجهما، ولا ينبغي أن يقضي بينهما والخوف بين عنده بينهما.
قال أشهب: ولا يقضي حتى لا يشك أن قد فهم، فأما أن يظن أن قد فهم وهو يخاف أن لا يكون فهم لما يجد من النكول أو الحيرة، ولا ينبغي أن يقضي بينهما وهو يجد شيئا من ذلك، قال أشهب، في المجموعة: وقاله سحنون في كتاب ابنه.
[8/ 24]

جامع في أدب القاضي وفي بيعه وشرائه وحضوره الجنائز وإجابته الدعوة وقبوله الهدية

وحديثه في مجلس قضائه وقيامه عنه وكلامه في العلم وغير ذلك قال أشهب في المجموعة: ولا ينبغي للقاضي أن يتشاغل بالاحاديث في مجلس قضائه، إلا أن يريد بذلك إجمام نفسه، ورجوع فهمه إليه، أو الزيادة، ولا ينبغي له أن يسرع القيام من مجلس قضائه تشاغلا بما يجب أن يؤثر من حوائجه/ قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وإنما يجلس الرجل عند القاضي، فيسأله عما يريد، فقال حيث لا يعلم أقضيتك واقتدى بك قال: فيقيمه ولا يقعده، والجلوس عند القاضي من حيل المتشاكلين للناس، إلا أن يكون عنده معروفا مأمونا، فيدعه.
وقاله أصبغ.
وقال أصبغ في كتابه لا أحب أن يترك من يقعد إليه إن لم يكن فيه منافع، ولا يقعد عنده إلا التقى البار، فإن خاف أن يحقره في قضائه أو يضر به، فلا يقعده، قال مطرف، وابن الماجشون: ولا يتشاغل بالأحاديث في مجلس قضائه، وإن أراد بذلك إجمام نفسه، وإذا وجد الفترة، فليقم ويدخل بيته، أو يرفع الناس عنه ويدع مجلس قضائه، ويجلس مع من يحب للحديث ولما أراد من إجمام نفسه، فأما وهو يقضي فلا ينبغي ذلك، قالا: وإذا عرضت له حاجة، فلا بأس أن يقوم عن مجلس قضائه، وينظر في حاجته، ولا ينبغي أن يقوم للذة تعرض له.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا ينبغي أن يجلس أيام النحر، ولا يوم الفطر وما قاربه مما لا يضر فيه بالناس في حوائجهم، وما لا بد لهم منه، وكذلك يوم عرفه، ويوم التروية مما جرى عليه أمر الناس، ولا يعتكف القاضي؛ لأنه لا ينظر بين الناس في اعتكافه، وإذا كان الطين والوحل فأضره ذلك، ترك الجلوس فيه، [8/ 25]

وأحب إلي ألا يجلس يوم خروج الناس إلى الحج بمصر، لكثرة من يشتغل يومئذ في تشييع الحاج، وإذا كان بلدا فيه يوما يجتمع فيه مثل هذا، فليترك الجلوس يومئذ.
ومن المجموعة، ومن كتاب ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: ولا ينبغي أن يشتغل في مجلس قضائه بالبيع والابتياع لنفسه أو لغيره على وجه العناية منه.
قال ابن عبدوس، ابن سحنون: قال سحنون: وقال ابن حبيب في كتابه: قال مطرف، وابن الماجشون: إلا ما خف شأنه وقل شغله والكلام فيه.
قال سحنون: وتركه أفضل، وقال مطرف، وأشهب، وابن الماجشون: وما باع، جاز بيعه، ولا يرد منه شيء، قال سحنون: ولا بأس بذلك في غير مجلس القضاء، قال ابن الماجشون، ومطرف: لنفسه ولغيره.
قال مطرف، وابن الماجشون: في بيعه وابتياعه في مجلس قضائه: إنه لا ينفذ إلا أن يكون قهره على ذلك، أو أكرهه أو يهضمه، وليس هذا بعدل، وبيعه وابتياعه على هذا مردود، كان في مجلس قضائه، أو حيث كان.
قال أشهب: إن عزل والبائع والمبتاع مقيم بالبلد لا يخاصمه، ولا ينكر مخاصمته لأحد، فلا حجة له عليه، والبي ماض، وكتب عمر إلى بعض عماله: لا تسار ولا تضار، ولا تبيع ولا تبتع، ولا تقض بين اثنين وأنت غضبان، ومن كتاب ابن حبيب: وكتب عمر بن عبد العزيز، أن تجارة الولاة لهم مفسدة، وللرعية مهلكة.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: يقال: من أشراط الساعة تجارة الساعة.
قال أشهب في المجوعة: فأما أن يبيع مال/ ميت في مجلس قضائه على ما يبيع عليه السلاطين أموال من أوصى إليهم في سلطانهم، أو من مات من غير [8/ 26]

وصية، فكان القائم بأمر من غاب من ورثته، أو كان صغيرا، فذلك جائز لا بأس به.
قال في كتاب ابن المواز: وقال أشهب في المجموعة ومطرف وابن الماجشون، في كتاب ابن حبيب، وقال سحنون، في كتاب ابنه: إنه لا بأس للقاضي بحضور الجنائز، قال: إلا في كتاب ابن المواز: وبعيادته المرضى.
قال أشهب، ومطرف، وابن الماجشون: وتسليمه على أهل المجالس، ورده على من سلم عليه، لا ينبغي له إلا ذلك، قال مطرف، وابن الماجشون: لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدعوة، إلا في الوليمة وحدها؛ للحديث؛ ثم إن شاء أكل أول ترك، ذلك أحب إلينا من غير تحريم، ولا يضيق عليه أن أكل، لكن ذلك عندنا أنزه له.
قال أشهب في المجموعة: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة إن كانت وليمة، أو صنيع عام، لفرح كان، فأما أن يدعي مع عامة لغير فرح كان، فلا يجيب، وكأنه دعي خاصة؛ لأن الداعي له لعله جعل دعوته في غير حق وجب عليه ولا شرر دافع به لما أحب من دعائه القاضي.
قال سحنون في كتاب ابنه: يجيب الدعوة العامة، ولا يجيب الخاصة، وإن تنزه عن مثل هذا، فهو أحسن.
قال في كتاب ابن المواز:/ كره له أن يجيب أحدا، فهو في الدعوة الخاصة أشد من دعوة العرس.
وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم.
[8/ 27]

قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: وكل ما لزم القاضي من النزاهات في جميع الأشياء وهو أجمل به وأولى، وأنا لنحب هذا لذي المروءة والهدي أن لا يجيب إلا في الوليمة، إلا أن يكون الأخ في الله، أو خاصة أهله، أو ذي قرابته، فلا بأس بذلك، قال: لا ينبغي له أن يكثر الرحال عليه، ولا الركاب معه، ولا المستمعون له في غير ما خاصة كانت منهم له قبل ذلك، إلا أن يكونوا أهل عز وجل، وأهل فضل في أنفسهم، فلا بأس بذلك.
قال: وأما الهدية، فلا ينبغي له أن يقبلها من أحد، وممن كانت تجري بينه وبينه قبل ذلك، ولا من قريب، ولا من صديق، ولا من أحد وإن كافأ بأضعافها، إلا الوالد والولد وأشباههم من خاصة القرابة التي يجمع من حرمه، إلا أصدقاء هو أخص من الهدية.
قال أشهب في المجموعة: لا ينبغي أن يقبل الهدية من خصم، وإن كان خاصا به، أو من قريب له، وإن كافأه بها، ولا ينبغي أن يقبلها من غير خصم، إلا أن يكافئه بمثلها.
قال: وإن كان يهاديه قبل ذلك، فإن التهمة جارية فيه، وكذلك في ذي الرحم وغيره، فلا يقبلها إلا أن يكافئه بمثلها.
قال سحنون: إلا من ذي رحم محرم: أبويه، وابنته، وخالته، وعمته، وبنت أخيه/، ومن لا تدخل عليه به الظنة؛ لشدة الدخلة والتافئة بينهما.
وكذلك ذكر عنه ابنه، وفي كتاب ابن المواز: مثله.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: حديث إن في بعض الكتب: الهدية تطفئ نور الحكماء.
قال ربيعة: إياك والهدية، فإنها ذريعة الرشوة، وعلة الطلب.
قال محمد بن عبد الحكم: لا تقبل الهدية ممن يخاصم عنك، ولا بأس أن يقبلها من إخوانه الذين يعرف له القبول منهم قبل أن يستقضي وقد كان عمر [8/ 28]

يقبل الهدية من إخوانه، وقد أهدي إليه أبي بن كعب، وكان له عليه سلف، فلم يقبلها لذلك، ولا بأس أن يتسلف من بعض إخوانه ممن يعرف أنه السلف منه، وأن يستعين بإخوانه في حوائجه.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: ولا ينبغي للقاضي أن يتضاحك مع الناس، وينبغي له أن تكون فيه عبوسة بغير غضب، وأن يلزم التواضع والتقرب في غير وهن ولا ضعف، ولا ترك لشيء من الحق، وليتقدم إلى أعوانه والقوام عليه في الحرف على الناس والشدة عليهم، ويأمرهم بالرفق واللين، والقرب منهم في غير ضعف ولا تقصير مما ينبغي لهم، ولو كان يستغني عن الأعوان، لكان أحب إلينا، ولم يكن لأبي بكر، وعمر أعوان ولا قوام، وكان عمر يطوف وحده، إلا أن يضطر إلى الأعوان، فليخفف منهم ما استطاع، وينبغي له أن يمنع من رفع/ الصوت عنده، فإن ذلك مما يحيره، قالا: وليتنزه عن طب الحوائج والعواري من ماعون، ودابة يركبها، ونحوه، أو السلف، أو أن يقارض أحدا، وأن يبضع مع أحد أو يبايعه، والتنزه عن ذلك أحب إلينا، إلا مما لا يجد منه بدا، وإن فعل شيئا من ذلك فخفيف، ما لم يكن بينه وبين من يخاصمه عنده أو عن أحد يجر إلى من يخاصم عنده، وقاله أصبغ.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا بأس أن يطلع ضيعته، فيقيم اليومين والثلاثة إن احتاج إلى ذلك.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم، عن مالك: وإن سمع قاذفا برجل ومعه غيره، أقام عليه حد الفرية/، ولم يجز عفو عن القاذف إلا أن يريد سترا.
وقد روي عن مالك، في غير المجموعة: أنه يقبل عفوه، وإن لم يرد سترا، وأما في الأب، فيقبل عفوه فيه على كل حال.
[8/ 29]

قال ابن القاسم: وإن رأى من يغتصب مالا، فلا يحكم عليه وهو شاهد، فإن كان معه آخر، فلا يحكم إلا بشاهده مع يمينه، وإن لم يكن غيره، شهد له عند غيره، وحلف معه.

في اتخاذ القاضي كاتبا أو قاسما وأرزاق القضاة والعمال والقسام

من المجموعة وغيرها: قال ابن القاسم: قال مالك: لا يستكتب القاضي أحدا من أهل الذمة في شيء من أمور المسلمين، قال ابن القاسم: ولا يتخذه قاسما، ولا يتخذ في ذلك عبدا ولا مكاتبا، ولا يتخذ في شيء من أمور المسلمين إلا العدول المرضيين.
قال مالك: وكان خارجة بن زيد، ومجاهد يقسمان، ولا يأخذان أجرا.
قال أشهب: وينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبا من أهل العفاف، ثم يعقده معه، وهو في سعة أن يجلس حيث جلس بقرب منه أو بعد، فإن استحب هو نفسه إيقاع الشهادات، فذلك حسن، وإن أوقعها كاتبه، وهو ينظر، أجزأه.
ومن كتاب ابن المواز: وينبغي أن يكون كاتبه فقيها عدلا، ويكتب بين يديه/، فينظر فيما يكتب.
قال سحنون، في كتاب ابنه نحول قول مالك الذي ذكرنا، في أن لا يتخذ كاتبا إلا من المسلمين، ومن أهل الصلاح والعفاف.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: لا يستكتب إلا المرضي العدل، وإن لم يغب له على كتاب.
قال أصبغ في كتابه، ويكون مرضيا مثله أو فوقه، ولا يغيب له على كتابه.
[8/ 30]

قال أصبغ في كتابه، وفي كتاب ابن حبيب: وحق على الإمام أن يوسع على القاضي في رزقه، ويجعل له قومة يقومون بأمره، ويدفعون عنه الناس، وينبغي له أن يجري ثمنا لرقوق يدون فيها أقضيته وشهاداته إذا كان عند نفسه، ويجري له ثمنا لمصابيح ينظر بها بالليل في أمور الناس ويدبرها، ولا ينبغي له أن يأخذ رزقه إلا من الخمس، أو الجزية، أو عشور أهل الذمة.
قال أصبغ: إن طاب مجيء ذلك بغير ظلم ولا تعدي، ولا يرتزق من صدقة ولا عشور، ولا يحل ذلك له، وبلغني أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كان قاضيا بالمدينة، فارتزق من العشور أو الصدقة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز، كتب بعزله، فاعتذر بعض العذر، وفرض له من فدك.
قال أصبغ: وأراها كان فيها ذمة، قال ابن حبيب: وكان مسروق لا يأخذ على القضاء رزقا.
قال أبو محمد: وقد ذكرت في باب صفة القاضي قول سحنون: والقاضي إن كان فقيرا: لا يجلسه الإمام حتى يغنيه/،ويقضي دينه، ويكفيه جميع ما يحتاج إليه.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولا بأس أن يكلف الطالب صحيفة يكتب فيها حجته وشهادة شهوده.
قال مالك: ولا بأس بإرزاق القضاة من بيت المال، وأما العمال؛ فإن عملوا على حق، فلا بأس بارتزاقهم.
قال أشهب في المجموعة: وأرى أن يرتزق من كان في عمل المسلمين من الفيء على قدره في أمانته وجزائه إذا جبى من موضعه، ووضع في موضعه، فأما إن كان لا يخرج في مكروه.
[8/ 31]

قال مالك: ولا أرى أن يأخذ قسام القاضي على القسم أجرا.
قال ابن القاسم: وقسام المغانم عندي مثله، فإنما كره مالك ارتزاق القسام؛ لأنها إنما تؤخذ من أموال اليتامى، وفي موضع آخر: لأنه إنما يفرض لهم من أموال الناس، ولا بأس أن يرتزقوا من بيت المال.
قال مالك: وكذلك أشياء من أمور الناس بيوتهم بيعت فيهم، فإنما رزقهم من بيت المال.
ومن العتبية، قال ابن القاسم، عن مالك: كان زياد بن عبد الله يبعث شرطا في الأمر يكون بين الناس من المناهل، ويجعل لهم أموالهم جعلا، فنهيته عن ذلك، وقلت: إنما يرزقهم السلطان فقيل له: فإن صاحب السوق جعل لمن ولى عليهم شركا معهم فيما اشتروا.
قال: ما أمرته بذلك، وهذه يخاف عليها ما يخاف.
وذكر فيها تفسيرا.
قال ابن القاسم: ولو واجر قوم قاسما لأنفسهم، لم أربه بأسا/ كما قال مالك في كتاب الوثيقة: أرى أجرها عليهم.
قال سحنون: ولا بأس أن يرزق القسام من بيت المال، فإن لم يكن لهم رزق، فلا بأس أن يؤاجروا أنفسهم في ذلك.
قال ابن الماجشون، في قاسم الغنيمة: إن فعل ذلك احتسابا ينوي الأجر، ولا يأخذ فيما عمل شيئا، إلا من الله سبحانه، وإن استؤجر، فله أجرته، ولا أعلمها تحرم عليه، وكذلك القاسم؛ جعله فيما قسم من أموال اليتامى، وليس ذلك على السلطان، ولم يزل ذلك بالمدينة، وإن احتسب فله أجره على الله سبحانه.
قال أشهب عن مالك: كان الناس هاهنا عندنا يقتسمون بغير جعل، قيل: فتكرهه؟ قال: من احتسب فهو خير له، ولا أحرمه.
وهذا لابد منه، وكان القضاة عندنا يخبرون الورثة من يقسم بينهم، فمن دعوه إليه، بعثه إذا كان رضيا.
[8/ 32]

قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإذا بعث القاضي قاسما يقسم بين ورثة فيهم صغير، أو غائب، فليأمره أن لا يشهد فيه حتى يرفعه إليه لينظر فيه، فإن رآه صوابا، أمضاه، إن كان مأمونا عنده، واثنان أحب إلي، والواحد يجزئ، وينبغي أن يجعل للصغير أو الغائب وكيلا يقوم مقامه في القسم.
قال سحنون في كتاب ابنه: ويرتزق القاضي من بيت المال لا من الصدقات والعشور، لا هو ولا كاتب ولا قاسم، ولا ينبغي له إذا اتخذ قساما أن يكره الناس على قسمهم خاصة.
قال سحنون: وأيما قوم اصطلحوا على قسمة غير هؤلاء القسام، فذلك جائز، إلا أن يكون فيهم/ غائبا وصغيرا، فالسلطان ينظر في ذلك لهم، وأجر القاسم إذا استؤجر على عددهم سواء، لا على الأنصباء.
قال ابن سحنون: وقد قسم سحنون للناس احتسابا، ولم يرزقهم شيئا من بيت مالهم، فلم يقبل رزقا ولا كسوة ولا حملانا ولا خاتما وضعه في يده، وسمعته يقول للأمير الذي ولاه: والله لو أعطيتني جميع ما في بيت المال ما قبلته، وكان تركه لأخذه من غير تحريم، ويقول: لو أخذته، لجاز.
وكان يأخذ الأرزاق لأعوانه وكتابه، وكلم الأمير لهم حتى أجرى ذلك لهم، وسأله أن يعطيهم ذلك من جزية اليهود، وكلمه حتى أجرى لقضاته أرزاقهم، ثم كلمه في الزيادة لهم، فزادهم، وإذا أبطأت عليهم، كلمه لهم في تعجيلها.
وقد قال عمر: أغنوهم بالعمالة عن الخيانة.
ومن كتاب آخر، روي أن عمر بن عبد العزيز، أجرى للقاضي رزقا؛ أربع مائة دينار في السنة، وكان يوسع في الرزق على عماله، وقد ولاه شيئا من أمور المسلمين، وكان يقول: ودلهم قليل إذا أقاموا كتاب الله وعدلوا.
[8/ 33]

قال ابن سحنون عن أبيه: أنه كلم الأمير في استعجال أرزاقهم: كتابه وأعوانه لما مطلوا بذلك، وقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه.
فنحن نرى لهذا الحديث أن سافي التفليس بحق الأجراء قبل دين الغرماء فيما عمل الأجراء من عمل المفلس.
ما ينبغي للقاضي أن يعمل عند ما يلي من استعداد من يعينه على أمره، و ... ذكر سيرته في دخول/ الخصوم إليه، وقسم أيامه، وخصومة النساء والرجال، والمسافر والحاضر، وذكر الطابع وجلب الخصم، وكتب الرفع وغير ذلك من سيرته قال ابن سحنون: لما ولي سحنون القضاء، وبعد أن أدير عليه حولا وغلظ عليه، وخاف الأمير عليه، وأبى من غرمه عليه ما أخافه وأنصفه في قوله، وخاف أن يكون أمر لزمه لا يقوم غيره في مقامه، فولي يوم الاثنين، لثلاثة أيام مضت من شهر رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين، فأقام أياما بعد أن ولي لا ينظر بين الناس في شيء؛ يلتمس أعوانا، فقعد للناس يوم الأحد لتسعة أيام مضت من شهر رمضان.
وقيل: إنه لما دخل المسجد الجامع، بدأ فركع ركعتين، ثم دعا بدعاء كثير، فروي أنه إنما يدعو بالتوفيق والتسديد والعون على ما قلده، فقعد بعد ما ركع متربعا، وأمر الناس فكتبوا أسماءهم في بطائق، ثم أخبطت تلك البطائق، ثم دعا الأول فالأول ممن يخرج اسمه، فإذا دعا برجل فاستعدى على رجل بحاضرة مدينة القيروان، أو بقصر محمد بن الأغلب، وهو على ثلاثة أميال من المدينة، أعداه على [8/ 34]

خصمه بطابع يعطيه إياه، وإن كان صاحبه حاضرا، أدخلهما وأجلسهما بين يديه على الاعتدال في مجلسهما وكان لا يدفع كتاب عدوا ولا طابع إلى أحد من المسملين، إلا بين يديه، ولا يغيب على ذلك أحد من أعوان، فإذا أتى بصاحبه، أمر بأخذ الطابع منه، وإذا أتى إليه بلا طابع/، لم يأخذه، أدب الذي جاء بخصمه بغير طابع دفعه إليه، وكان يوم الثلاثاء والأربعاء بعد صلاة العصر قرب المساء يأمر برفع الدعوى، ويدخل أصحاب الطوابع، ثم يأمر من يعطيه طابعا ألا يوقعها، أو لغير ذلك بين الناس، وجعل يوم السبت والأحد والاثنين لمن يبتدئ بينة يوقعها، أو لغير ذلك بين الناس، ويعطي الطوابع بالعشي في هذه الأيام من بعد العصر، وأصحاب الالطاخ الذين يطلبون كتاب العدوى.
كتاب عدوى لجلب خصم إلا بلطخ من شاهد عدل، مزكى، فيأمر كاتبه فيكتب له كتاب عدوى إلى أمينه، وكان قد اتخذ في بعض المواضع أمينين،؟ في بعضها أمين، وكان أكثر عدالته، وكان في من ولى رجل سمع بعض كلام أهل العراق، فأمره ألا يحكم إلا بمذهب أهل المدينة.
قال سحنون: وينبغي للقاضي أن يقدم النساء على حدة، والرجال على حدة، وأرى أن يجعل لكل قوم يوما بقدر ما يرى من كثرة الخصوم، فلا بأس به.
قال أشهب في المجموعة: إن رأى أن يبدأ بالنساء في كل يوم، أو بالرجال، فذلك على الاجتهاد؛ إما لكثرة النساء على الرجال، فيبدأ بالرجال، وإما لكثرة الرجال، فيبدا بالنساء ويبدأ لهؤلاء يوم ولهؤلاء يوم أحب إلي إذا جمعتهم الأيام من أن يؤثر أحدهما بالتبدية، ولا ينبغي للقاضي أن يقدم الرجال والنساء مختلطين، ألا ترى النساء في الطواف وفي الصلاة خلف الرجال، وفي الجنائز/ أمامهم، وإن رأى أن يجعل للنساء يوما معلوما أو يومين فعل.
[8/ 35]

قال مطرف، وابن الماجشون، في كتاب ابن حبيب: يفعل ذلك باجتهاده.
قال محمد بن عبد الحكم: وأحب إلي أن يفرد للنساء يوما، وإن كان لا بد أن يخاصمهن الرجال، فذلك أقل لمخالطتهن الرجال، فإن احتاج إلى كشف وجه امرأة ليعرف بها، أو ليشهد شهودا عليها، كشف وجهها بيد أيدي العدول من أصحابه، وإن كان بحضرته من الخصوم من لا يشهد عليها، أمر بتنحيتهم، وكذلك إن كان على رأسه من لا يأمنه على ذلك، لا ينبغي أن يستعين بأحد لا يؤمن في كل شيء، ولا يجلس النساء مع الرجال، وليفرق بينهم في المجلس لا يلصق بعضهم ببعض، ويجعل للنصارى يوما أو عشية أو وقتا من بعض الأيام بقدر قلتهم وكثرتهم، يجلس لهم في غير المسجد، وإذا كانت الخصومة في الفروج مثل طلاق امرأة، أو عتق جارية، فلا بأس أن يسمع البينة في ذلك، ويؤثرها على أهل الدعوى، ويسمعها في غير مجلس الحكم، فإذا كان في ذلك ما توقف به المرأة والجارية، فعل حياطة للفروج، ثم ينظر بعد في ذلك كما ينظر في غيره.
قال سحنون: والغرباء وأهل المصر سواء، إلا أن يرى غير ذلك في الغرباء باجتهاده مما لا يدخل على أهل المصر منه ضرر.
وقال أشهب مثله، وزاد: وإن رأى أن يجعل للغرباء يوما، ولغيرهم يوما ويومين، فذلك له، وإن رأى أن يبدأ بالغرباء كل يوم فعل، وإن كثروا، فلا يبدأ بهم كل يوم، وليجعل لهؤلاء دعوة، ولهؤلاء دعوة.
ثم يبدأ منهم بطائفة في/ أول يوم، ثم يميل إلى أهل المصر حتى يقوم، ثم يبدأ اليوم الثاني بباقيهم، ثم يميل إلى أهل المصر يفعل ذلك حتى تنقضي لك الدعوة، فإن خاصم فيما بين ذلك من لم يكن كتب اسمه في الدعوة، فهو مخير في إثباته في أول من يدعو، أو في وسط، أو في آخر، أو في تركه حتى ينقضي جميع من كتب في الدعوة باجتهاده، وليس من جاء ويخاف أن يفوت أمره، كالذي في أمره أناة ولا يخاف فوته.
[8/ 36]

قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: من شأن القضاة تقديم الغرباء، وتعجيل سراحهم، وترك الأسوة بينهم وبين المقيمين.
قال أشهب وسحنون في المجموعة: ويقدم الناس على منازلهم؛ الأول فالأول.
قال أشهب: إن رأى ذلك.
قال سحنون: وقدر عليه، وكانوا قليلا، ولا يقدم رجل لفضل منزلته وسلطانه.
وقال أشهب: إن رأى إدخالهم جميعا، ثم يدعو من رأى باجتهاده، ليس الضعيف كالقوي، ولا الغريب كالمقيم، ولا من نظر في أمره كمن لم ينظر فيه، وآخر إن دعاه قطع أمره، وآخر يخاف في تأخير أمره الضرر به، يأخذ في ذلك لنفسه ولرعيته بجهد رأيه.
قال سحنون فيه، وفي كتاب ابنه: وإن كثروا كتب أسماءهم في بطائق أو غيرها، ثم ألقوها، ثم يدعو بهم على ذلك، فمن جاء بعد ذلك، كان النظر لهم بعدهم، والغرباء وأهل المصر سواء، إلا أن يرى رأيه في الغرباء، كما ذكرنا.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: يفعل في دعوى الخصوم بالذي هو أعدل وأحسن، والكتاب أعدل، ومن أوسط ومن آخر ليس علي جهة ما كتبوا/، وإن قلوا فلا بأس أن يتصفحهم، فيدعو من رأى باجتهاده حتى يأتي عليهم.
قال محمد بن عبد الحكم: وأحب إلي أن يجعل للبينات يوما؛ لأنه يضر بهم الانتظار حتى يصاح بالخصم، فإن لم يفعل، فلا حرج.
ومن كتاب أصبغ: وإن كان في أعوانه ثقة يرضاه، ولا تقديم الخصوم إليه على منازلهم، فإن لم يكن، فهو نفسه، وإن عجز أو كثر عليه، جعل لذلك من يرضاه.
قال ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون: قلت لهما: إن بعض القضاة يجعل لنفسه يوما في الجمعة لا يقضي فيه.
فقالا: لا ينبغي ذلك، وما هو [8/ 37]

من فعل القضاة عندنا، ولا كن لا بأس أن ينظر لنفسه في كل الأيام في أموره من أمر دنياه وحوائجه التي تصلحه ولابد منها، ينظر فيها في غير حين يقضي فيه.
وقال مالك لبعض من كان يحكم بالمدينة ممن يلي السوق: واجعل لجوسك للقضاء ساعات يعرفها الناس منك، فيأتوك فيها، وخفف عن نفسك بالنظر في غير ذلك.
قال مالك: كان يقال: إذا قل الكلام أصيب الجواب، وإذا كثر الكلام كان من صاحبه فيه الخطأ.
قالا: ولا بأس أن يقضي في رمضان، وفي الشهور كلها، إلا أيام العيد، وبلغنا أن عمر بن عبد العزيز كتب ألا يقضي في العيد، إلا أن تكون أمورا يخاف فيها الفوت مما لا يسعه تأخير النظر فيه، فلينظر فيه وإن كان يوم الفطر أو يوم الأضحى.
قال سحنون في المجموعة وكتاب ابنه: ولا ينبغي أن يكتب عن رجل حجتين أو أكثر في مجلس واحد، إلا أن يقل الناس عنده، فلا يشغله ذلك عنهم.
قال في كتاب ابنه: وقد قيل: إنه ينظر في ذلك، قال سحنون فيهما: ولا ينبغي أن يكثر كتب الرفع لكل من جاءه إلا بلطخ من شهادة أو سماع، وإلا فلا يفعل، ولعله يشخص الرجل البعيد ولا شيء له.
قال أصبغ عليه: أو يدعي بشيء يسير، فيعطيه إياه ويرتفع وإن لم يكن له.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: ولا يكتب في دفع خصم إلا إلى أهل العدل والأمانة، ويكتب إلى العدول أن يأمروهما بالتناصف، فإذا أبيا فانظروا في المدعى فإن سبب لحقه سببا، وظهر لطلبه وجه ولم يتبين أنه يريد تغييب خصمه واللدد به، فارفعه إلي معه، وإلا فلا يرفعوه، وهذا في المكان القريب الذي لا مؤنة فيه على الخصمين، ولا على البينة، فأما المكان البعيد، فلا يرفع منه، وليكتب إلى من [8/ 38]

يرضاه من أهل العدل والعلم: انظر في أمرهما، واسمع البينة، وانظر في جميع منافعهما، ثم اكتب إلي ما يصح عندك لينظر فيه، فإذا جاءه معه الكتاب ونظر فيه: فإن رأى أن يكلفه إنفاذ الحكم بينهم فعل، وإن رأى أن يرجع إليه المتداعيين لينفذ بينهما الحكم فعل، ولا يرجع البينة، فإن لم يرفع القاضي من مكاتب هناك، وذكر له الطالب رجلا أو رجالا يكتب إليهم، فليأمره يأتيه بمن يعرف بهم، فإن ثبت عنه عدالتهم، كتب إليهم، وإلا كتب إلى عامل البلد إن وثق به، فإن لم يكن مأمونا ولا وجد من يكتب إليه/، كتب إلى المطلوب أن فلانا ذكر كذا فتناصفا، وإلا فاقدم معه، فإن قدم وإلا بعث من يأتيه به إن كان المكان قريبا.
وقال محمد بن عبد الحكم: وإذا استعدى رجل على رجل بدعوى عند الحاكم، فإن كان في المصر أو قريبا منه، أعطاه طابعا في جلبه أو رسولا، وإن كان بعيدا عن المصر، لم يجلبه إلا أن يشهد عليه شاهدان أو شاهد، فإذا ثبت عنده، كتب إلى من يثق به من أمنائه: إما أنصفه، وإلا فليرتفع معه، وأما الغريب من المدينة مثل أن يأتي ثم يرجع ويبين في منزله، والطريق مأمونة، فهذا يرفع بالدعوى، كالذي في المصر، والذي يجلب من مكان بعيد أن يأتي في البر والبحر ما لم يرد التطويل والمدافعة، فلا يمكن من ذلك.
قال أصبغ في كتابه: وإذا قضى بين الخصمين في أمر اختصما فيه، ثم أخذا في حجة أخرى وخصومة أخرى، فإن كان بين يديه غيرها، لم يسمع منهما حتى يفرغ ممن بين يديه ويقيمهما، إلا أن يكون شيء لا ضرر فيه بمن حضر من الناس، فلا بأس أن يسمع منهما.
[8/ 39]

في إنصاف الخصمين والعدل بينهما في اللحظ واللفظ، والمسألة، والاستماع، والمجلس،

وغير ذلك، وهل يخص أحدهما بشيء؟ وهل يبدؤهما بالسؤال؟ وهل يأمرهما بالصلح؟ وغير ذلك من سيرته من كتاب ابن حبيب: وروى مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن ابتلى أحدكم بالقضاء، فلا يرفع صوته على أحد/ الخصمين دون الآخر.
أخبرنا ابن الأعرابي، عن أبي داود، قال: حدثنا أحمد بن متيع، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الخصمين يقعدان بين يدي الحكم.
ومن المجموعة: قال أشهب: ويلزم القاضي انصاف الخصمين في مجلسهما منه، وليجلسهما بين يديه، وإن كان شأنه ابن المجالس، جلس الخصم منه فذلك واسع إن كان كذلك فعله في غيرها.
ما لم بحف في أحدهما بصداقة أو قرابة، فإن كان ذلك، أجلسهما منه مجلسا واحدا.
ومن كتاب ابن حبيب: قال أصبغ، في الخصمين، أحدهما ذمي: فليكن مجلسهما واحدا من القاضي، فإن أبى ذلك المسلم وهو الطالب، فلا ينظر له حتى يساويه في المجلس فيرضى بالحق.
[8/ 40]

فإن كان الذمي الطالب: قال للمسلم: إما أن تساويه في المجلس، وإلا نظرت له، وسمعت منه، ولم ألتفت عليك، ولم أسمع منك.
فإن فعل، وإلا نظر له.
قال مطرف، وابن الماجشون: وينبغي أن يكون مجلس الخصمين منه واحدا، معتدلين فيه، قال: وقاله أشهب، في المجموعة، وسحنون، في كتاب ابنه.
وينبغي أن ينصف الخصمين في مجلسهما منه، وفي النظر إليهما، واستماعه منهما، ولا ينبغي له أن يرفع صوته على أحدهما ما لم يرفعه على الآخر، إلا من نظر إليه منهما إغلاظا عليه للدد فذلك جائز، قال أشهب: إذا علم الله/ منه أنه لو كان ذلك من صاحبه، فعل به مثله.
قال أشهب، وسحنون: ولا ينظر إلى أحدهما بوجه أطلق مما يلقى به الآخر.
ومن كتاب ابن حبيب، وهو لأشهب: وله الشد على عضد أحدهما إذا رأى ضعفه عن صاحبه، وخوفه منه؛ ليبسط أمله في الانصاف، وحسن رجائه للعدل، ولا بأس أن يلقنه حجة له عمي عنها، وإنما يكره تلقين أحدهما حجة الفجور، وكان الله عز وجل يعلم أن لو كان لصاحبه، لم يلقنه إياها.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من ثبت عيا في خصم منه حتى يفهمها، ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام".
قال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يلقنه حجة لا يعرفها.
وقال سحنون في المجموعة، وكتاب ابن سحنون: لا ينبغي أن يشد عضد أحدهما، ولا يلقنه حجة.
[8/ 41]

قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: لا ينبغي للقاضي إذا جلس بين يديه خصمان، أو شهيدان أن يسأل أحدهما عن حاله، ولا عن غيره، ولا عن شيء من أموره في مجلسهما ذلك؛ لأن ذلك يكسر في ورع الخصم، ولا بأس إذا أقر أحد الخصمين في الخصومة بشيء للآخر فيه منفعة أن ينبهه ويقول: هذا لك فيه منفعة، هات قرطاسك أكتب لك فيه، ولا ينبغي له ترك ذلك، وليفعل ذلك لجيمع الخصوم.
وقاله كله أصبغ في كتابه.
ومن المجموعة: قال ابن وهب: قال مالك: لا أرى للوالي أن يلح على أحد أن يعرض عن خصومته، أو أن يصالح.
قال ابن سحنون: وتخاصم/ إلى سحنون رجلان من أصحابه صالحان، فأقامها، ولم يسمع منهما، وقال: استرا على أنفسكما، ولا تطلعاني من أمركما على ما ستر عليكما.
وروى ابن حبيب، عن الحكم بن عييينة أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: رددوا القضاء بين ذوي الأرحام حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن.
قال ابن سحنون عن أبيه، من سؤال حبيب: وإن كام الخصمان في أمرهما شبه فلا بأس بالصح.
قال أشهب في المجموعة، وسحنون في كتاب ابنه: ولا ينبغي له أن يسارر أحد الخصمين، ولا يضار بأحدهما ولا بهما في قضائه.
ومن المجموعة: قال أشهب: وأشر ذلك مساررته أحدهما، ولا أحب أن يساررها جميعا إذا كان كل واحد منهما لا يسمع ما يسارر به الآخر، وإن أسمع أحدهما ما يسار به الآخر، ولم يسمع الآخر، فهو أشر، وإن سارهما جميعا بكلام واحد، فلا بأس بذلك ما ل يسارهما بالقضاء بينهما، فإنه لا ينبغي أن يقضي بين المسلمين سرا، بل ينبغي الاشهار به، ولا يكتب إلى أحدهما بطاقة دون [8/ 42]

صاحبه، وإن كتبها إليهما، فلا بأس، ولا ينبغي أن يكتب إلى كل واحد منهما بطاقة، إلا أن يقرأها علانية.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: لا يسارهما ولا أحدهما، ولا يكتب إليهما، أو إلى أحدهما لجمعهما في كتاب أو فوق الكتاب، وهذا ليس من الصلابة ورفع المهابة، ومن السخافة، ولينتزعه، وإن احتاج إليه، ولا يمكن أحدهما/ من أذنه يساره، ولا يقرأ له بطاقة إلا أن يقرأها علانية.
قال أشهب: ولا بأس أن يشاور في مجلس قضائه من لا خصومة له، وكذلك إن كتب إليه القاضي بطاقة، أو كتب هو إلى القاضي، وأما من له خصومة، فلا ينبغي ذلك له وإن لم يحضر خصومة.
قال سحنون في كتاب ابنه وفي المجموعة: ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين، ولا يخلو معه، ولا يكلم أحدا من الخصوم، ولا يقف معه، فإن ذلك مما يدهن خصومه، ويدخل عليه سوء الظن، ولا يخلو معه في منزله، قال محمد بن عبد الحكم: إلا أن يكون من أهل المشورة في غير ذلك قبل الخصومة، فلا بأس أن يخلو معه للمشورة.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: لا بأس أن يخلو الناس، وأكره أن يضيف الخصم عند نفسه، فإن أراد الاحسان إليه، وصله حيث هو إلا أن يضيف الخصمين جميعا.
قال مطرف وابن الماجشون: ولا يسمع من أحد الخصمين إلا بمحضر صاحبه، إلا أن يعرف من المتخلف لددا في تخلفه، ويشكو إليه، فيسمع منه.
[8/ 43]

قال في كتاب ابن المواز: ولا يضيف أحد الخصمين وإن صح، ثم ذكر نحو قول ابن سحنون، ومثله لأشهب في المجموعة، وقال: لا يتعمد الخلوة في غير منزله، فإما أن يلتقيا في غير منزله، أو موضع على غير تعمد، فلا بأس به.
ومن العدل بين الخصمين أن لا يجيب أحدهما في غيبة الآخر، إلا أن يعرف لددا من المتخلف، أو لم يكن يعرف وجه خصومة المدعي، فلا بأس أن يستمع منه حتى يعلم أمره، وإذا جاء أحدهما/ ولم يحضر الآخر، فلا يسمع منه حجته، وليأمره بإحضار خصمه، أو يعطيه طينه، أو يكتب بجلبه؛ إلا أن يكون لم يعلم ما خصومتهما، فلا بأس أن يسمع منه.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإن كان أحد الخصمين ذميا فليكن مجلسهما من القاضي سواء، فإن أبى ذلك المسلم، وهو الطالب، لم ينظر له في ذلك حتى يساويه في المجلس، وإن كان الذمي الطالب، قال للمسلم: إما ساويته في المجلس، وإلا سمعت منه، ولم أسمع منك، ولم أنظر إليك، فإن فعل، وإلا نظر له، فإن رأى له حقا، أنفذه له.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا كان أحد الخصمين لولاية أو غيرها، فجبن عنه خصمه، فلا بأس أن يعلمه القاضي أنه لا ينتفع بذلك عنده، ولا يضره في خصومته حتى يذهب عن الجبن، ويتكلم حجته.
ومن كتاب أصبغ: ويكره أن يدخل عليه أحد من الخصوم في بيته، وإن كان رجل من إخوانه قد كان يغشاه قبل ذلك، إذا كان على الاختصاص ليس بأمر عام، ولا يكره له عيادة أحد الخصمين، ولا شهود جنازة بعض أوليائه.
قال مطرف، وابن الماجشون: ولا ينبغي أن يدخل عليه أحد الخصمين، لا في مجلس قضائه، ولا في خلوته، ولا وحده، ولا في جماعة وإن كان خاصته، ولا بأس إذا [8/ 44]

فصول الكتاب · 83 فصل · 666 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات · 666 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الصوم
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب زكاة الماشية والحَبِّ والفطر
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب السبق والرمى
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الضحاياكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح
كتاب الاستبراء
كتاب العدة
كتاب الرضاع
كتاب طلاق السنة
كتاب الشروط والتمليك والتخيير في النكاحكتاب الخياركتاب المفقودكتاب الخلع والحكمين والرجعة في الخلعكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف
كتاب البيوع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب الجعل والإجارة
كتاب تضمين الصناعكتاب الرواحل والدواتكتاب أكرية الدور والأرضينكتاب الصلح
كتاب الوكالات والبضائع
كتاب القراض
كتاب المساقاةكتاب الشركةكتاب المزراعةكتاب المغارسة
كتاب آداب القضاء
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الشهادات
كتاب الشهادات الثاني
كتاب الشهادات الثالث
كتاب الدعوى والبينات
كتاب الإقرار
كتاب
كتاب الحمالة والحوالة
كتاب الرهون
كتاب الإكراه
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللقطة والضوال والإباق
كتاب الأراضي والشعاري وأحياء الموات
كتاب القضاء في الكلإ والآباركتاب القضاء في نفي الضرركتاب الأرحيةكتاب القضاء في البنيان
كتاب الشفعة
كتاب القَسْمِ
كتاب الوصايا
كتاب الحُبُس السُّنَّة
كتاب الصدقات والهبات
كتاب هبة الثواب
كتاب العتق
كتاب المُدبَّركتاب الخدمة
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الاستلحاق والإقرار بالنسب
كتاب الولاء
كتاب الجنايات
كتاب الجراح
كتاب الحدود في الزني
كتاب الأشربة
كتاب القذف
كتاب القطع في السرقة
كتاب القطع في السرقة
كتاب المحاربين
كتاب المرتدين
جارٍ التحميل