كتاب آداب القضاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زيد القيرواني
- الكتاب
- النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)تحقيق:جـ 1، 2: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ 3، 4: الدكتور/ محمَّد حجيجـ 5، 7، 9، 10، 11، 13: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 6: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 8: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ 12: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ 14، 15 (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1999 م
- عدد الأجزاء
- 15 (14 جزء، ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جلس خارجا في غير مجلس قضائه، وحيث يأتيه الناس ويجلسون معه، أن يجلس إليه أحد الخصمين.
ومن المجموعة: قال أشهب: وإذا جلس الخصمان بين يديه، فلا بأس بمسألته إياهما، فيقول: ما لكما؟ أو: ما خصومتكما؟ / أو: ما تطلبان؟ أو: يتركهما حتى يبتدئانه بالمنطق، ذلك اوسع، غير أنه إذا تكلم المدعي، أسكت المدعي عليه، واستمع من المدعي حتى يسمع حجته، ثم يأمره بالسكوت، ويستنطق الآخر؛ وذلك ليفهم حجة كل واحد منهما، وإن تكلما جميعا، إلتبس عليه، ولا ينبغي أن يبتدئ أحدهما فيفرده، فيقول له: مالك؟ أو: تكلم.
أو: ما تريد؟ إلا أن يكون علم أنه المدعي، فلا بأس بذلك، وإذا علم المدعي منهما، فلا يبتدئ المدعى عليه، ولا بأس إذا جلسا إليه ولم يدر المدعي أن يقول: أيكما المدعي؟ فإن قالا: هذا.
سأله عن دعواه، وأسكت صاحبه، وإن قال أحدهما: أنا المدعي، وسكت صاحبه، فلم ينكر، فلا بأس أن يسأله عن دعواه، وأحب إلي أن لا يسأله حتى يقر له الخصم الآخر بذلك، وإن قال أحدهما: المدعي هذا، فلم ينكره خصمه، فلا بأس أن يسأله عن دعواه، ولا أحب أن يعنى بمسألته عن ذلك؛ لأنه مبدأ في إقرار صاحبه بالكلام، فإن كان لا يرد ذلك، فليس على ما قال صاحبه، فإذا قيل له: تكلم، قال: لست بالمدعي.
وإن قاما على هذا يقول كل واحد منهما للآخر: هذا المدعي: فللقاضي أن يقيمهما عنه حتى يأتي أحدهما إلا الخصوم، فيكون هو الطالب، وقاله أصبغ، في كتاب ابن حبيب.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا قال كل منهما: أنا المدعي.
فإن كان أحدهما الذي استعدى وجلب الآخر إلى القاضي، سمع منه أولا، وإن لم يدر من [8/ 45]
جلب صاحبه إليه، لم أبال استعدى وجلب بأيهما بدأ، وإن كان أحدهما ضعيفا/، فأحب إلي أن يبدأ بالآخر.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإذا تكلم وأدلي بحجته، قال للآخر: تكلم، فإن تكلم، نظر في ذلك، وإن سكت أو تكلم، فقال: لا أخاصمه إليك.
قال له القاضي: إما خاصمت، وإلا أحلفت هذا المدعي على دعواه، وحكمت له، فإن تكلم، نظر في حجته، وإن لم يتكلم، أحلب الآخر، وقضى له بحقه إن كان ما يستحق مع نكول المطلوب إن ثبتت الخلطة؛ لأن نكوله عن التكلم نكول عن، وإن كان مما لا يثبت إلا بالبنية، دعاه بالبينة عنه حتى يتكلم، ولكن يسمع من صاحبه ويحمل الحكم عليه إذا تبين له الفصل، ومن كتاب محمد بن عبد الحكم، ذكر نحو ما تقدم من معرفته للمدعي منهما، وقال: وإذا أقر له له المطلوب بشيء أمره أن يشهد عليه ليلا ينكر.
قال أصبغ في كتابه: وإذا تقدما إليه؛ فقال أحدهما: أنا اتخذت المكان، وهو لي.
وقال الآخر: مثل ذلك، سمع من أيهما شاء، بلا ميل ولا هوى.
قال ابن سحنون: وكان سحنون إذا تشاغب الخصمان بين يديه، أغلظ عليهما، وربما أمر القومة فزجروهما بالدرة، وربما تشاغبا حتى لا يفهم عنهما، فيقول: قوما فإني لا أفهم عنكما، وعودا إلي.
وذلك عند قيامه من مجلسه، وكان إذا تكلم المدعي، منع الآخر من الكلام حتى يفرغ من مسألة خصمه عن ما ذكر المدعي، منع الآخر من الكلام حتى يفرغ من مسألة خصمه عن ماه ذكر المدعي، فإذا تكلم منع المدعي من الكلام حتى يفرغ من حجته، ومن نهاه عن الكلام: فلم يفعل، وألح فخلط على صاحبه، ويمنعه من/من الكلام، ويكثر معارضته في كلامه، أمر بأدبه.
[8/ 46]
ومن كتاب ابن سحنون: قال: وكان سحنون إذا حضر المدعي وخصمه وبينة، أمرهم بالقعود، ثم يسمع دعوى المدعي وإنكار المنكر، ويكون مقعد الكاتب بالقرب منه، فإذا كتب دعوى المدعي، وإنكار المنكر، عرض ذلك عليه، فإن كان ما كتب الكاتب موافقا لما كان منهما، أقر ذلك، وإن أنكر شيئا غيره، ثم يسأل البينة عن شهادتهم، فإن كانت مخالفة لدعوى المدعي، لم يأمر الكاتب أن يكتبها، وأخرجهم، وإن وافقت دعواه، كتبها.
ومن المجموعة: قال ابن أبي حاز في الرجل يأتي القاضي فيخبره بالخصومة فيما بينه وبين خصم: ولا ينبغي للقاضي أن يخبره بما يقضي به له ولا عليه، حتى يحضر خصمه، فيختصمان عنده، ثم يقضي بينهما.
وكان سحنون، رحمة الله عليه، إذا أتاه الرجل يسأله عن مسألة من مسائل الأحكام، لم يحببه، وقال: هذه مسألة خصومة، إلا أن يكون رجلا يعلم أنه متفقة، فيسأل على جهة التعليم، فيجيبه، أو مسائل الوضوء، والصلاة، والزكاة.
قال مطرف، وابن الماجشون، في كتاب ابن حبيب: والصلاة، والطلاق، والنكاح، والعتق.
وأما في الدعوات، والمواريث، والأقضية، وما يعلم أنه من خصومات الناس، فلا يجيب في ذلك إلا المتفقة.
قالا: ولا بأس أن يجلس في مجالس العلماء، فيعلم إن كان يتعلم منه أو يتعلم إن كان متعلما، فكل ذلك حسن، وكان يقال: من عيب القاضي أنه إذا عزل/، لم يرجع إلى الموضع الذي يتعلم فيه العلم.
وقال مالك في المختصر: لا يفتي القاضي في مسائل القضاء، وأما في غير ذلك، فلا بأس به.
[8/ 47]
باب سيرة القاضي في البينة وكتاب الشهادة وسماعها وفي الشاهديشك أو يزيد في الشهادة،
وهل يعرفهم أو يكلفهم إخراج إمرأة شهدوا عليها من بين نساء؟ أو دابة من دواب؟ وتحديد ما شهدوا به من ربع، والوقوف على ما لم يجدوا، أو غير ذلك في سيرته، وهل يركب القاضي إلى شيء ينظر إليه إذا أشكل الأمر فيه؟
من كتاب ابن سحنون قال: كان سحنون إذا أخذ الشاهد في نص الشهادة، أمر الخصمين ألا يعرضا بشي، لا المدعي بتلقين، ولا المدعي عليه بتوبيخ، فإن فعل أحدهما ذلك بعد النهي، أمر بأدبه، وكان إذا خلط الشاهد في شهادته، أعرض عنه، ولم يلقنه، وأمر الكاتب أن لا يكتب، وربما قال له: تثبت ثم يردده، فإذا ثبت شهادته، أمر كاتبه فكتب لفظ الشاهد، ولا يزيد على ذلك، ولا يحسن الشهادة، وكان إذا دخل عليه الشاهد وقد رعب منه، أعرض عنه حتى يذهب روعه، فإذا طال ذلك به، قال له: هون، فإنه ليسمعي سوط، ولا عصي، فليس عليك بأس، قل ما علمت، ودع ما لم تعلم.
ومن المجموعة لأشهب، ومثله لمطرف، وابن الماجشون، من رواية ابن حبيب، قالوا: فإن استخف القاضي إيقاع الشهادات بنفسه، فذلك حسن/، وإن أوقعها كاتبه، وكان مأمونا وهو ينظر، أجزأه ذلك، وإن أوقع الناس شهادتهم أنفسهم، فذلك جائز، وذلك أحب إلينا، قال مطرف، وابن الماجشون: يمكنون من إيقاع شهادتهم، ثم يرفعونها موقعة، وهل فعل الناس عندنا بالمدينة قديما وحديثا: قالوا أجمعون: لأنه ربما أخجله مجلس القاضي، فلا يقوم بشهادته قال أشهب: إلا أن يتهم القاضي أحدا من الشهود إن كان للتهمة أهلا، فيكون له [8/ 48]
إيقاع شهادته عنده، ولا يقبلها منه مرفوعة في رقعة، ويكشفه عن تلك الشهادة، ويختبره بكل ما استطاع حتى يقع منه على حقيقة أمر أو يردها.
قال مطرف وابن الماجشون: وإذا أمر كاتبه فوقع الشهادة وهو عنده كاتب ثقة، فلا بأس.
وأحب إلينا أن ينظر إذا أوقعها كاتبه.
قال سحنون في كتاب ابنه: وينبغي للقاضي أن يعرض كتاب الشهادة بعد ما يكتبه الكاتب، ويقرأها على الشاهد، ثم يطبع عليها فيرفعها في موضع رفع الكتب.
قال: ولا ينبغي أن يلقن شاهدا، ولكن يدعه يشهد بما عنده، فإن كانت شهادته جائزة، قبلها، وإن كانت غير جائزة، ردها.
قال في موضع آخر: وإن أشكل عليه، كتبها حتى ينظر.
وكذلك قال أشهب في المجموعة، وقال أيضا؛ لا يلقن الشاهد ولا يحجبه، ويدعه يشهد بما عنده، ويرفق به في مسألته استفهامه، ولا ينبغي له أن يفرق الشهود إلا عن تهمة،/ فيفعله في رفق، ويكشفها كشفا رفيقا عن كل ما يريد حتى يتضح له برأيهما من تهمته؛ أو يحق الريبة عليهما، فيطرح شهادتهما.
وقاله محمد بن عبد الحكم.
قال سحنون: ولا يقول القاضي للشاهد: أتشهد بكذا؟ فهذا تلقين.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا كان الشهود عدولا، فنسي أحدهما، فلا بأس أن يذكره الآخر، ويصف له الموضع، ومن أشهد فيه، فإن ذكر قبل منه؛ لقول الله سبحانه: (فتذكر إحداهما الأخرى) وقوله: (أن تضل) يريد: أن تنسى.
ومن كتاب أصبغ: وإذا اتهم القاضي الشهود على الغلط، فلا يفرق بينهم، سأله الخصم أو لم يسأله، ولا يدخل عليهم في ذلك رعبا؛ لأنه إذا قصد الشاهد بهذا رعب واختلط عقله، ولكن يسمع منهم، ويسأل عنهم، وإذا شهدوا على [8/ 49]
امرأة، فيسأل القاضي أن يدخلها في جماعة نساء، فليس ذلك على الشهود، وكذلك إن شهدوا على دابة، فلا يمتحنهم بإدخالها في دواب، وإن سأله فيه الخصم، فلا يفعل.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: ولا يحلف القاضي الشاهد، عدلا كان أو غير عدل.
وقاله أصبغ.
أما العدل: فقوله كاف، وغير العدل لا ينفع فيه اليمين.
قال أشهب في المجموعة، وذكر مثله ابن سحنون عن أبيه، وقال في كتاب ابن المواز، وكتاب ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون، بمعنى واحد، واللفظ لأشهب، قالوا: ينبغي للقاضي إذا شهد/ الشاهد عنده، أن يكتب اسمه، ونسبه ومكسبه، والمسجد الذي يصلي فيه، ويكتب حليته وصفته قال ابن المواز: إن لم يكن معروفا.
وفي موضع آخر، عن سحنون: وإن عرف بالكنية، كتب كنيته، وكان ما يعرف به من صنعه وغيرها، وهل يسكن في ملكه أو في ملك غيره.
قالوا: لئلا يتسمى غير العدل بغير اسمه، وينتسب إلى غير نسبه، فيزكي عليه.
قالوا: ويكتب الشهر الذي يشهد فيه، والسنة، ويجعل صحيفة الشهادة في دويانه؛ لئلا يسقط المشهود له شهادته، فيزيد فيها الشاهد أو ينقص.
قال سحنون في كتاب ابنه: ويوصل ذلك إلى من يكشف له.
ومن كتاب ابن سحنون، قال سحنون: وإذا سمع دعوى وإنكار المنكر، ثم سمع شهادة البينة؛ فإن كانت مخالفة لدعوى المدعي لم يكتبها، وإن وافقت دعواه، أمر الكاتب فكتبها، فيكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال القاضي فلان ابن فلان: حضرني فلان بن فلان الفلاني بخصمه فلان، فينسبه أيضا، فادعى عليه كذا، فسألت فلانا عن دعواه، فأنكرها، فسألت فلانا البينة على دعواه، فأ؛ ضرني فلان بن فلان، فيذكر مسكنه حيث هو، وبقرب من يسكن، وأين يسكن، في حانوته، وصنعته، ويذكر حليته، فشهد أنه يعرف الدار التي تنازعا [8/ 50]
فيها، وهي بيد فلان، فينص شهادته، ويستقصي الحدود والمواريث، ويذكر في/ الوراثة: لا يعلم له وارثا غير من ذكرنا، ولا يعلمه أحدث فيها ما يزيل ملكه عنها، وإن شهد معه آخر بمثله، قال: وشهد بمثل ذلك فلانا، فينسبه، ويذكر من صنعته وحليته ومسكنه وغير ذلك ما ذكر من الأول، وإن خالفه في بعض الشهادة في حد، أو ذكر وارث، أو نقص، فليكتب ذلك بقول: إلا أنه قال في الحد: كذا وكذا وكذا.
وإن قال أحدهما: وإذا وقفت عليها حددتها.
كتب كذلك، ويكتب فيما يخالفه في ذكر المواريث: ما يخالفه فيه، وإذا فرغ من كتاب الشهادة، أمر بها فقرئت شهادتهم عليهم، وهو يستمع، فإن مر به شيء مما كتب الكاتب خلاف ما فهم عن الشاهد أولا في نص شهادته، مما يهم فيه الكاتب، رده عليه بمحضر الشاهد، فإذا قرئت شهادتهم عليهم، طوى الكتاب، وجعله في إضبارة، ولا يطبع على الكتاب الذي فيه الشهادة، ويكتب على ظهر الكتاب: خصومة فلان بن فلان، ويؤرخ الشهر والسنة، ويدخل الأضبورات في جراب، ويطبع عليه قال: وإذا كثرت الكتاب، جعلها نوب دعوات، فجعل يوم الثلاثاء والأربعاء للدعوات لمن يوقع بينة، وأسباب خصومة، فيدعوهم على ما يخرج من أسمائهم في الدعوات، وجعل في كل دعوة خمسين شاهدا، وكاتب ثلاث دعوات: أولى وثانية وثالثة/، فكل من جاء بعد، فكتب الأول فالأول، فإذا خرج اسم الرجل، نادى العون باسمه واسم أبيه، فإن حضر، دخل مع خصمه، فإذا دخل أخذ كتابه، فنظر فيه، وفيما فيه من بينة، وفيدبره فيأمر المدعي بزيادة بينة، أو مزكين، أو يبين له العقل، فيأمر به، فإن كان ما يعقله بمدينة القيروان، أمر أحد أعوانه بذلك، فإن سأله المعقول عليه تأخيره أياما لإخراج ماله في الدار، أخره اليومين والثلاثة، وإن سأله أن يترك فيها ما سهل عليه إخراجه، فعل ذلك له، ثم [8/ 51]
يعقلها، أو يطبع عليها، ويكون المفتاح عنده، وكذلك الحانوت، وربما تنازعا في متاع الحانوت، فيأتياه ومفاتحه بأيديهما، فيأمر من يغلقه، ويكون عنده المفاتيح حتى ينظر بينهما إن خاف على ما في الحانوت، أو يخلو به أحدهما قبل النظر فيه، وإن كان ما يفعل في غير الحاضرة، كتب إلى أمنائه في عقل ذلك.
وسأله حبيب، عمن قامت له بينة، فجرحهم المطلوب، فأراد الطالب تجريح من يجرح شهوده، فذلك له، وليعرفه القاضي بأسمائهم إن طلب ذلك.
ومن كتاب ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون، عن القاضي يحكم لرجل على رجل بأرض: أيسأل البينة عن حدها وصفتها، ويكتب حكمه على ذلك، أو ما يكلفهم أن يقفوا عليها، فيحوزوا ما عرفوا منها، ويكتب إلى عدول يرضاهم، أن يرفعوا/ ما ذكرت البينة إلى المحكوم عليه، قال: إن عرفوا صفتها وحدودها المحيطة بها، كتب ذلك، وحكم به، ولا يكلفهم الوقوف عليها، وإذا حكم له بذلك، وشاء أن يكتب له كتابا إلى من يرضاه في الموضع؛ ليدفع إليه ما في الحكم، فإن عرض في ذلك عارض غير المقضي عليه، فليدفعه إليه، وإن لم يعرف صفة الأرض ولا حدودها بالصفة، وهم يعرفوا حوزها، فإن طاعوا بالخروج إلى الأرض، فليحوزوه ما شهدوا بماله منها، وكتبوا ذلك بمحضر عدول الوضع، ولا يكتب الحكم للمحكوم حتى يؤتي بهذا الحوز، فيذكره للمقضي عليه، فإن لم يدفع شيئا من ذلك بحجة، أنفذ قضاءه على ذلك، فإن أبوا الشهود الخروج، لم يكرههم، وإن قربت، إلا أن يكون معه في مدينة، ولكنه يكلف المشهود له أن يأتيه بمن يعرف حدود هذه الدار أو الأرض التي شهد له بها الشهود، فإن جاء بمن يحدها، وإن لم يشهدوا بالملك، أنفذ له القضاء، وإن لم يجد بينة بالحدود، فليكتب له القاضي أن يكتب بما شهدت له بينته إلى سلطان تلك [8/ 52]
القرية، أو عدول من أهلها إن لم يرض سلطانها، ويأمره أن يسأل أهل العدل عن حدود تلك الأرض، فيكتب بما صح من ذلك، ثم يمضيه على ذلك.
وقاله أصبغ.
قال مطرف، وابن الماجشون: ولو كتب إلا أمنائه بدفع ما حد الشهود من الأرض، ودفعوه إليه، ثم قام/ المقضي عليه ثم بعد عزل القاضي، فقال: أخرج ذلك من يدي بغير، حق قالا: فإن لم تقم للمحكوم له بينة على إشهار القاضي على أصل الحكم، وعلى أمره أمناء بدفع ذلك، وعلى أن الأمناء فعلوا ذلك، وثبت ذلك بشهادة غير الأمناء، فإن لم يثبة له هذا، لم ينفذ له الحكم، ورد، ولو شهد له على أصل الحكم فقط، نفعه ذلك، وأنفذ له اليوم بدءا، وإن لم يشهد له على أصل الحكم، وشهد له على أصل على أمر أمناءه، أو كتب إليهم بدفع ذلك، وقد عرفت الخصومة بينهما في ذلك، فذلك ينفعه أيضا، وأنفذ له اليوم، وإن لم يشهد له على أصل الحكم، ولا على الأمر بدفع ذلك إليه، وشهد له أن الأمناء دفعوا ذلك إليه، وزعموا أن القاضي أمرهم بذلك، لم ينفع ذلك المحكوم له، وعادا على ابتداء الخصوم، فيرد الحق في يد المحكوم عليه، وكذلك لو لم يعرف ذلك إلا بشهادة الأمناء؛ لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم، قلت لمطرف: فإن قال المحكوم له للمحكوم عليه: قد استسلمت في دفع ذلك إلى قول الأمناء بعد إشهاد من القاضي على حكمه، أو على كتابه إلى الأمناء، فإن أشهد المحكوم عليه يومئذ سرا، إنما استسلم بشيء ذكره من القاضي من ممالأة، وشبه ذلك، فقام بعد عزله أو موته، لم يضره حكم الأمناء عليه، واستسلامه لهم فيما فعل، وإن لم يشهد سرا بذلك، فليحلف: ما كان استسلامه لذلك إقرارا منه بحق، ثم يكون/ الأمر على ما وصفت لك.
وهذا فيما كان بحدثانه، فأما ما طال زمانه طولا في مثله الحيازة، فلا قول له بعد ذلك، إلا الصغير والغائب، فهما على حجتهما، إلا أن يترك الغائب الكلام في ذلك بعد قدومه، والصغير بعد بلوغه حتى يطول مثل [8/ 53]
ما طال في الكبير الحاضر، فلا كلام لهما بعد ذلك.
وقال أصبغ نحو قول مطرف.
وقاله ابن القاسم.
قال أصبغ في الكبير الحاضر: هو معذور في تركه القيام والدفع؛ لأنه حكم حكم به عليه، ولعله رآه لازما له، فهو عذر وإن طال زمانه ما لم يتفاحش طوله حتى يرى أنه منه رضى تسليما، فيلزمه ذلك.
قال أصبغ: وأما الصغير والغائب: فهما على حقهما أبدا، قال ابن حبيب: وهذا أحب إلي؛ لأن كل الناس لا يعرف أن هذا فعل من كتب إليه القاضي، لا يلزم إلا بإشهاد من القاضي، وإن كان ابن القاسم قد كان يقطع حجة الكبير إذا لم يتكلم مكانه، وقول أصبغ أحج، وبه أقول.
قال أبو محمد: وهذه المسألة من أولها لابن القاسم، قد كتبت مستوعبة في باب شهادة كتاب القاضي وأمنائه والقسام.
قال مطرف: وإذا كتب القاضي إلى قوم يأمرهم بتنفيذ كتابه في هذا، فأنفذه بعضهم، وأبي الباقون النظر فيه، وقد أشهد القاضي على كتابه بذلك، وأشهد المنفذون على تنفيذه، قال: لا يجوز ذلك بحال حتى يجتمعوا على إنفاذ ذلك، ولو مات القاضي، أو عزل/ قبل إنفاذهم: قال: فليكفوا عن إنفاذ ذلك حتى يأمرهم به من ولي بعده، وحق عليه أن ينفذ ذلك إذا شهد عنده عليه وقاله أصبغ.
وقال أصبغ في المجموعة: وإذا كتب الشهادة، فليختمها ويضعها بموضع يثق به حتى ينفذ قضاءه، وكذلك في كتاب ابن المواز.
ومن المجموعة وكتاب ابن حبيب: قال أشهب، عن مالك، في القاضي، قال في كتاب ابن حبيب: يكتب شهادة القوم في الكتاب أو الأمر – يريد من أمر الخصمين- قال، في المجموعة يؤتي بالكتاب فيفضه، ويعلم على الشهادة.
قال، في الكتابين: ثم يختم الكتاب ويدفعه إلى صاحبه، ثم يؤتي به فيعرفه بخاتمة، [8/ 54]
هل يجيزه بغير بينة والخواتم، ربما علم عليها؟ قال: هو أعلم، وأحب إلي أن يكون الكتاب عنده، وكان الكبيري لا يلي كتبه إلا هو نفسه.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: فأرى أن يجيز ما فيه إذا عرفه وعرف خاتمه.
قال محمد بن عبد الحكم: وكان من شأن الأئمة أن يجروا مع أرزاق القضاة شيئا للقراطيس والصحف، حتى لا يكلف الطالب أن يأتي بذلك، فإن لم يجر لذلك شيء، قيل للطالب: إن جئت بما تكتب به الشهادة، وإلا لم أسمعها ظاهرا، لأنه ليس كل شهادة تضبط، وكذلك يأمره بصحيفة يكتب فيها حكمه.
قال سحنون، وابن المواز: ولا بأس أن يكلف القاضي الطالب صحيفة وقرطاسا يكتب فيها خصومته وحجته/ وشهادة شهوده، ثم يطويها ويختمها بخاتمه، قال ابن المواز: إلا أن يخشى أن يكون تكليفه ذريعة لغيره ممن لا يتوثق به.
قال أبو محمد: أراه يريد لغير هذا القاضي أن ينسب بذلك إلى أمر.
قال ابن المواز، وسحنون: ويكون المحضر الذي فيه شهادة الشهود عند القاضي في موضع يثق به.
قال سحنون: حتى ينفذ القضاء، فإذا أنفذه، دفع إليه القضية.
قال سحنون في المجموعة وكتاب ابنه: يختم عليه، ويكتب عليه: خصومة فلان وفلان، في شهر كذا في سنة كذا.
ويجعل خصومة كل شهر على حدة، ولا يخلط ذلك.
قال: ويتولى سؤال الشهود، ثم يكتب شهادتهم، ويكتب بين يديه ويعرضها بعد أن يكتبها ويقرأها على الشاهد.
ثم ذكر نحو ما ذكر عنه ابنه متقدما.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإذا هلكت شهادة الشهود من ديوان القاضي، يشهد عدلان أن شهوده فلان وفلان شهدوا له بكذا، فليقبل ذلك القاضي؛ لأنها [8/ 55]
كشهادة على شهادة، إذا أثبتا الشهادة ولو لم يكتبها القاضي، فلا ينبغي أن يقبل شهادة كاتبه على أحد، أنه شهد عنده.
قال أبو محمد: أرى سحنون يريد في شهادة بينة شهدت بكذا.
يريد: والبينة الأولى قد ماتت، أو غابوا أو مرضوا.
وذكر ابن المواز مثل ما ذكر سحنون من الشهادة على أن الشهود/ شهدوا بكذا، قال: ولا تجوز في هذا شهادة الكتاب على أحد أنه شهد عند القاضي.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإذا كتب القاضي شهادتهم، ثم قرأ ذلك على المشهود له بعد أيام، فقال: لم يكتب كل ما شهدوا لي به.
أو قال: نسوا، ونقصوا، وأنا أعيدهم.
لم يكن للقاضي أن يعيدهم له.
وإن شهد عنده رجلان أن فلانا أخو فلان الميت، فسألهما القاضي، أكان أخوه لأبيه وأمه؟ فقالا: أمهلنا.
فتذكروا آخر اليوم، فلم يحضرنا علم ذلك الساعة.
قال سحنون: إذا قالا: إن عندنا سبب ذلك، فأخرنا نتذكر.
فله أن يؤخرهما اليوم ونحوه، إذا كان شهيدين عدلين، ولو لم يقل الشاهد: عندي سبب من ذلك، ولكنه قال: ما أذكر الساعة، وما أعلم، وأخرني.
فتذكر، فذلك له.
وقد سأل القاضي القسم، وقد شهد عنده عن شيء في الشهادة، فقال: لا أذكر، ثم رجع من بعض الطريق إلى القاضي، فذكر، فقبل القاضي شهادته، وقد اختلف قول مالك في هذا، قال سحنون في كتاب ابنه: وأخبرني ابن نافع، أن شهادته جائزة، جاء بها في قرب ذلك، ولكن الشاهد مبرزا في العدالة؛ لأن القاضي قد أجاز شهادة القاسم لعدله وفضله، فأرى إذا كان عدلا مبرزا أن يمهله القاضي اليوم ونحوه، ويجيز شهادته إن ذكر شيئا.
[8/ 56]
قال محمد بن عبد الحكم: وأرى أن يجعل نسخة في ديوانه، ونسخة/ بيد الطالب، يطبع عليها ليخاصم بها، فإذا أراد الحكم: أخرج التي في ديوانه فقابل بها، وحكم عليه.
قال أبو محمد: وبلغني عن بعض القضاة، وهو ابن طالب، أنه ربما كتب المحضر الذي فيه الشهادة نسختين، فيجعل واحدة في ديوانه، ويعطي للمشهود عليه؛ ليقف على ما شهد عليه به لهما، ويبحث عن منافعه فيه وحجته، وأظن ذلك في الأمر المشكل، وما يحتاج إلى الفحص عنه، والنظر فيه.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: ولا بأس إذا كان شيء يتشاجر فيه، ويختلط أمره، ويطول فيه الخصوم، ولا يجد سبيلا إلى معرفته إلا بمعاينة: أن يركب القاضي إليه حتى ينظر إليه مع الناس، وقد يكون هذا الشيء من الغرر وشبهه.
وقد فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا أشكل الأمر ولم تتحقق صيغته.
وشهادة البينة بغير محضر الخصم، فالكلام مستوعب في كتاب الأقضية.
في كشف القاضي عن البينة، وفيمن يكشف له
في المجموعة وكتاب ابن سحنون: قال أشهب: وينبغي للقاضي أن يتخذ رجلا صالحا مأمونا متنبها، أو رجلين بهذه الصفة، فيسألان عن الشهود في السر في مساكنهم، وأعمالهم.
قال سحنون: ولا يكلف ذلك إلا من يثق به بدينه، وعقله، وأمانته، واحتياطه، ومن هو منه على يقين في حسن نظره لنفسه في دينه، وما حمل من ذلك، فطن غير مخدوع، فربما زكى/ الفاضل من ليس بعدل لقلة نظره، وإن كانا رجلين، فهو أحسن، وإن قدر أن لا يعرف من يسأل له، فذلك حسن.
[8/ 57]
قال في كتاب ابنه: وإن جاءه تزكية رجل من رجل عنده ثقة، وأتاه عن ثقة آخر: أنه غير عدل، أعاد المسألة، فإذا اجتمع رجلان على التزكية فطنان متنبهان غير مخدوعين، أمضى ذلك، ولا يأخذ بقول رجل واحد على الفساد، وإن اجتمع نفر على التزكية، واجتمع رجلان على الفساد، أخذ بقولهما إن كان عدلين مبرزين.
وهذا كله يحكيه ابن سحنون، عن أبيه.
ومن المجموعة: قال أشهب: ولا ينبغي للمكشف أن يسأل رجلا واحدا أو اثنين، وليسأل الثلاثة والأربعة أو أكثر إن قدر، ومثله من أول الكلام عن ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون، إلا أنهما قالا: ولكن يسأل الاثنين والثلاثة، ولا يقتصر على سؤال واحد.
قال أشهب في المجموعة: حيف أن يزكيه من أهل وده، بخلاف ما يعلمه عليه اثنان وثلاثة من غيرهم، ويسأل عنه عدولا، فيجرحه، قال: لا ينبغي للقاضي أن يضع أذنه للناس في الناس حتى يقبل كل ما أتوا به، فإن عداوة بعضهم لبعض تحملهم على ذلك، وقد لا يعلم بعدواته أداه، ومنهم من يدمن من يقول، ثم يصدق هو قوله، ومنهم من يتخذ ذلك صناعة ليستأكل الناس به، ومنهم من يأتيه على النصرة، فلا يقبل شيئا من هذا قبولا يعتقد عليه، ولكن يعي ذلك، ثم يكشف عن المقول/ ذلك فيه، وعن عداوة إن كانت.
قال الله سبحانه "فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة".
قال: وإن بعث القاضي إلى من لا يشك في عدله من العلماء ببلدة، فجمع منهم أئمة وسألهم عن معرفتهم بالناس، فما اجتمعوا عليه منهم من أهل العدالة، استجاز شهادته، ومن لم يعرفوه عدله له من قد عرفوه، رأيت ذلك حسنا.
قال محمد بن عبد الحكم: ومن الناس من لا يحتاج أن يسأل عنه لاشتهار عدالته، ومنهم من لا يسأل عنه لشهرته بغير العدالة، وإنما يسأل عن ما أشكل [8/ 58]
عليه، وقد شهد ابن أبي حازم عند قاضي المدينة أو عاملها، فقال: أما الاسم فاسم عدل، ولكن من يعرف أنك ابن أبي حازم؟ فأعجب ذلك مشايخنا.
قال ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون: ولا يكتب في الكشف عن ما لا يعرف إلى إلا قاض يعرف حاله، ويثق باحتياطه، ويكون على يقين من حسن نظره في دينه، وما حمل من ذلك، فإن لم يكن عنده، فلا يكلفه ذلك، ولكن إن كان في الكورة رجال يرضى حالهم، ويأمن غفلتهم، كاتبهم، فإن لم يكن إلا واحد على هذه الصفة، كتب إليه، وقبل ما أتاه منه أو منهم، ويكتفي برسوله إليهم أو إليه إذا كان مأمونا، وإن سار الخصم بالكتاب، فلا يقبله منه إلا بشاهدين: أنه كتاب القاضي أو الأمين أو الأمناء المكتوب إليهم.
وقاله ابن القاسم، وأصبغ، قالا: وينبغي إذا وثق بعدل الرجل وصلاحه ومعرفته بأهل مكانه، وبوجوه العدالة، أن يسأله عن الناس، فيعرف به من/ جهل عدالته وجرحته، وهذا كله من تعديل السر الذي ينبغي أن يفعله، وينبغي أن يكون مع ذلك تعديل العلانية، يدعو إلى ذلك المشهود له فذاك أقوى له، وقد يجزئ تعديل السر عن تعديل العلانية، ولا أحب أن يجتزئ بتعديل العلانية عن السر.
وذكر في كتاب الشهادات بقية القول في التعديل والتجريح مستوعبا.
قال ابن الماجشون، في القاضي يكتب إلى قاض بعدالة شاهد يشهد عند المكتوب إليه: فذلك جائز إن كان الشاهد من عمل الكاتب بعدالته، وكما لو كتب إليه أنه حكم، ويجتزئ في ذلك بقوله وحده، وسواء ابتدأه بالكتاب إليه بتعديله، أو سأله عنه المكتوب إليه، أو سأله في ذلك المشهود له أحدهما أو لم يسأله، وأما إن كان من غير عمله، فهو كغيره من الناس في تعديله، فإن كان هو ابتدأه بالسؤال عنه بمشافهة أو مكاتبة قبل وحده، وإن كان الكاتب هو المبتدئ بخبره بعدالته بمشافهة أو مكاتبة، فهو كمزكي واحد، ويلتمس مزكي [8/ 59]
آخر معه، وكل ما يبتدئ القاضي السؤال عنه، والكشف عن الأمور، فله أن يقبل فيه قول الواحد، وما لم يبتدئ هو، وإنما يبتدأ به إليه في ظاهر أو باطن، فلابد من شاهدين فيه، وإذا سأله المشهود له أن يرد عدالة شهوده إلى قاضي البلد الذين هم به، فلا يمكنه من ذلك، ولا تعدل البينة إلا حيث شهدت.
وقاله كله مطرف، وأصبغ.
وقاله ابن وهب، وذكر عدالة الغائب وتجريحه، / في باب كتب القضاة إلى القضاة.
ومن كتاب ابن سحنون: وكان سحنون إذا شهد عنده الشاهد وهو معروف مشهور، قبل التزكية فيه، وإن لم يحضر، وإذا لم يكن مشهورا، لم يقبل التزكية إلا بمحضره في المشهور، ويكتب التزكية أسفل من الشهادة، ويكتب: زكي فلان فلانا بمحضره إن حضر، أو بغير محضره إن لم يحضر، في المشهور، ويحلي المزكين، ويصف مواضعهم وصناعتهم، كما يفعل في الشهود، ولا يقبل شهادة الشهود حتى يسأل عنهم في السر.
وإذا زكي الرجل في العلانية عنده عدلا مشهورا بالعدالة، لم يسأل عنه في السر، وإذا كان في البينة من يعرفه بالعدالة، قال للمدعي: زك شهودك، إلا فلان.
وكان يسأل عن المزكين في السر، وكان يقبل قول من يثق به، ومن يتولى له الكشف، ولا يولي ذلك إلا من يعرفه بالدين والعدالة.
فيمن يكلفه القاضي نظر العيب، وقياس الجراح، أو يترجم عن الأعجمي، أو يحسب له تركته، أو يقوم له قيمة، هل يقبل قوله وحده؟ وقول القائف الواحد
ومن العتبية: قال أشهب، ابن نافع، عن مالك، في القاضي يأتيه القوم بينهم خصومة في قسم، فيولي رجلا حساب ذلك، ثقة عنده، فيخبره بما صار [8/ 60]
لكل واحد، هل عليه أن يقف من ذلك على ما وقف أو ينفذ قوله؟ قال: ليس عليه تفتيش هذا، ونرجو أن يكون من ذلك في سعة إن كان الرجل عدلا، وليدع / الورثة إلى الرضا برجل، ثم يوليه حسابهم، وقالا عن مالك: قال ابن حبيب مثله.
عن مطرف، وابن الماجشون: إذا اختصم إليه من لا يتكلم بالعربية، ولا يفقه كلامه، فليترجم له عنهم رجل ثقة مسلم مأمون، واثنان أحب إلينا، والواحد يجزئ، ولا تقبل ترجمة كافر أو عبد أو مسخوط، ولا بأس أن تقبل ترجمة امرأة إذا كانت عدلة.
قال مطرف، وابن الماجشون: إذا لم يجد من الرجال من يترجم له: قالوا: إذا كان ذلك مما تقبل فيه شهادة النساء، وامرأتان ورجل أحب إلينا.
قال أشهب في المجموعة: أو رجلان، ولأنه موضع شهادة.
قال سحنون في كتاب ابنه، والمجموعة: لا تقبل ترجمة النساء، ولا ترجمةرجل واحد، ولا ترجمة من لا تجوز شهادته؛ لأن ما لم يفهم، كالغائب عنه.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا يترجم له عن الخصم الآخر إلا عدل.
وإذا أقر عنده بشيء، فأحب إلي أن يجعل شاهدين على إقراره، يحكيان ذلك عنه، وأما في غير ذلك، فواحد يجزئ، والاثنين أحب إلينا.
قال في العتبية سأل ابن كنانة مالكا عن القاضي يتخذ لقياس جراحات الناس، أيجزئ فيه رجل واحد؟ قال: إن وجد عدلين فليجعلهما، وإن لم يجد إلا رجل، أجزأه إن كان عدلا.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: أما ما اختصم فيه في عيوب العبيد، أو عيوب الإماء التي لا تطلع عليها إلا النساء، ولم يفت العبد ولا الأمة، فليبعثه [8/ 61]
إلى يرضاه أو يثق بنظره بالعيب وغيره من السعاف، والطحال، والبرص المشكوك فيه/، وله أن يأخذ في ذلك بمخبر واحد، وبقول الطبيب وإن كان على غير الإسلام؛ إذ ليس على وجه الشهادة، ولكنه علم يأخذه عمن يبصره من مرضي أو مسخوط واحد أو اثنين، وإن غاب العبد، أو مات، لم يقبل في ذلك إلا ما يقبل في الشهادات، وكذلك عيوبه؛ لأنه يكتفي بقول من يرضى من النساء، وإن كانت امرأة واحدة لا اثنتين على جهة الشهادة، وإن فاتت الأمة، لم يقبل إلا امرأتين بمعنى الشهادة، وذلك فيما هو من عيوبهن تحت الثياب من البرص والقرنه .. والعذرة والنفاس، والعيوب الباطنة، والمرأتين في هذا كرجلين، والقائس في الجراح يجزئ منه الواحد إذا أمره الإمام بنظر الشجة أو الجراح وعورها، وما اسمها، وأحب إلي أن ينصب لمثل هذا عدلا، وإن لم ينصب أحدا، اكتفى بأن يرسل المجروح إلى من يرضاه ويثق بنظره، وإن لم يجد إلا طبيبا فهو كما ذكرن في العيوب، وأما ما قلت، فلا يقبل فيه إلا ما يقبل في الشهادة، وقد أفردنا لشهادة القاسم والكاتب بابا.
من المجموعة: قال ابن القاسم، وأشهب، وعبد الملك: ولا يقطع السارق بتقويم رجل واحد للمسروق حتى يقوماه عدلان، قال أشهب عن مالك: وكذلك لا يؤخذ بقول قائف واحد، قال أشهب: ولا يقبل إلا من عدل من القافة.
قال أشهب: وتجوز شهادة القائف الواحد إن لم يجد غيره، فإن وجد غيره، لم يجز إلا شهادة اثنين.
وروى مالك بن خالد عن/ ابن القاسم، في العتبية أنه يقبل شهادة الغائب الواحد، قال ابن القاسم: وقد اختلف فيه.
[8/ 62]
وقال مالك: لا يقبل إلا اثنان.
وقد ذكرنا قول القاسم بين الورثة والكاتب للقاضي، وشهادتهما إلا فيما وليا في باب مفرد.
في الخصم يلد أو يشتم القاضي أو الشاهد هل يؤدب على ذلك؟
من المجموعة: قال ابن القاسم: قال مالك في الذي يتناول القاضي بالكلام.
يقول: ظلمني: قال ذلك يختلف.
ولم يفسره.
ووجه قوله: أنه إذا أراد بذلك أذاه، وكان القاضي من أهل الفضل، فله أن يعاقبه، ولقد تخاصم أهل الشرق في الأذى.
وفي كتاب ابن المواز نحوه.
محمد: وكذلك إن أبى مما قضى عليه.
قال سحنون في المجموعة: ويؤدبه القاضي لنفسه، ولا يرفعه إلى الإمام.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: ينبغي للقاضي إن لمزه أحد الخصوم بما يكره، أن يؤدبه، ويعزر نفسه، فإن تعزيز سلطان الله من تعزيز الله تعالى، والأدب في مثل هذا أمثل من العفو، وليخف الناس بلزوم الحق واتباعه، فلا شيء أخوف لهم من إبداء الحق على أهوائهم.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم: قال مالك: إذا لم أحد الخصمين لصاحبه، فعرف بذلك القاضي، قال: إذا تبين منه ونهاه فأرى أن يعاقبه.
قال ابن سحنون: وكان سحنون إذا تبين له لداد أحد الخصمين، وسمع الكذبعلى خصمه ولم يأخذ مخرجه، ضربه، وربما سجنه.
قال ابن المواز/: يعاقبه بالسوط، والسجن.
[8/ 63]
قال ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون: إذ شتم الخصم صاحبه، يقول: يا فاجر، يا ظالم، ونحو ذلك، فيلزجر ويضرب على مثل هذا، ما لم يكن فلتة من ذي مروءة، فليتجاف عن ضربه حتى يكون جلوسهم عنده بدعة حسنة وصمت ووقار وحلم، فإنه من لم ينصف الناس في أعراضهم، لم ينصفهم في أقوالهم.
قال سحنون، في كتاب ابنه، والمجموعة: إذا تناول الخصم أحد الشاهدين بما لايصلح؛ يقول: شهدتم علي بزور، أو بما يسألكم الله عنه.
أو يقول: ما أنت من أهل العدل، ولا من أهل الدين.
فلا يمكن الخصم من هذا لأهل الفضل، والقدر، والعدالة، ويكون أيضا على قدر القائل والمقول له؛ فمنهم معروف بالأذى، معاود له، فأدبه بقدر جرمه، وشدة ما انتهك من حرمة الرجل على قدر الرجل المنتهك حرمته في فضله وعدالته، وعلى قدر الشاتم في أذى الناس، وما عرف منه، وإن كان ممن ذلك منه فلتة، أو زلة، وهو من أهل الفضل، وكانت ضارها، فليتجاف عنه، ويشدد عليه، وليتقدم إليهم في ذلك، وذلك بعد التقدمة أبين وأشد.
قال ابن كنانة، في المجموعة: إذا قال الخصم لشاهد: شهدت علي بالزور.
فإن عنى أن ما شهدت به علي باطل، فلا يعاقب، وإن كان إنما قصد أذاه، والشهرة له، نكله الإمام بقدر حال الشاهد والمشهود عليه.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا قال الخصم للقاضي: اتق الله.
فلا ينبغي، ولا يضيق بذلك، ولا يكثر/ عليه، وليتثبت، وينظر، ويجيبه صوابا لينا، مثل أن يقول: رزقني الله تقواه.
أو يقول: ما أمرت إلا بخير، وعلينا وعليك أن نتقي الله.
وليبين له من أين يحكم؟ وكذلك لو قال له: اذكر الله.
فإن بان له أمر، فقال له: إن من تقواي الله أن آخذ منك الحق إذا بان لي.
أو يقول: ولولا تقوى الله ما حكمت عليك.
من غير أن يظهر عليه لذلك غضب.
[8/ 64]
في القاضي وما يحكم فيه بعلمه أو بما أقر به الخصم عنده أو ما يرى
، وشهادة البينة تشهد أن فلانا القاضي حكم بشهادتهما
ومن المجموعة قال أشهب: عن مالك، في القاضي تكون عنده شهادة الرجل، فإن لا يقضي بشهادته.
وقال عنه ابن القاسم: وإذا رأى حدا من حدود الله تعالى، فلا يقمه بعلمه، وكذلك إن كان معه غيره، ولا يتم الحكم إلا به، فلا يقمه، وليرفع ذلك إلى غيره، ويكون شاهدا.
قال ابن كنانة: إذا سمع قاض بالرجل، أو رأى رجلا سكرانا، فليرفع ذلك إلى غيره، ثم شهد، وكذلك إن كان معه رابع أربعة في الزنى.
وقاله أشهب.
وإن كان أربعة سواه، أقام الحد هو.
ومن كتاب ابن سحنون، وابن وهب: أن الصديق، رضي الله عنه، قال: لو رأيت رجلا على حد من حدود الله، ما أحدته، ولا دعوت إليه حتى يكون معي غيري.
قال أصبغ في كتابه: لا يقضي بعلم علمه قبل أن يلي، أو بعد، وإن كان في مجلس قضائه.
وقاله/ مالك: فأما إذا جلس الخصمان إليه، فأقر أحدهما بشيء، وسمعه، فجائز له أن يقضي به بينهما، ولو كان غير هذا لاحتاج إلى أن يحضر معه شاهدين أبدا يشهدان على الناس.
وكذلك قال ابن الماجشون في المجموعة، وبه يأخذ سحنون.
ومن كتاب ابن المواز، وغيره: قال ابن القاسم، وأشهب: لا يقضي القاضي بذلك، لا بما أقر عنده في مجلس القضاء، أو غيره، لا في حد ولا في غيره.
محمد بن المواز: وليس بين أصحاب مالك في هذا اختلاف علمناه.
وقاله مالك.
قلت: أفيشهد بذلك عليه عند غيره؟ قال: أما شهادة عنده عليه غير [8/ 65]
الإقرار في المخاصمة، فليرفع ذلك، ولم أر أنه يقضي بها، وأما إقراره عنده في المخاصمة، فاختلف فيه قول ابن القاسم؛ فقال: لا يجوز وإن عزل.
وقال: يجوز.
والأول أحب إلينا؛ لأنه كأنه يثبت حكم نفسه، فإن جهل فأنفذ عليه هو حكمه بما أقر به عنده في مجلس الحكم، ولو شهد عليه بذلك غيره، فلينقض هو ذلك ما لم يعزل، فأما غيره من القضاة، فلا أحب له نقضه في الإقرار خاصة في مجلس، وأما ما كان من ذلك قبل أن يستقضي، أو رآه، وهو رآه.
وهو قاض نفسه، أو سمعه من طلاق، أو زنى، أو غصب، أو أخذ مال وهو قاض، أو قبل القضاء، فلا ينفذ منه شيء، فإن نفذ منه شيء، فلا ينفذه أحد غيره من الحكام، ولينقضه، وإن كان عنده في إقراره قوم عدول، فإنه يؤخذ بما كان للناس، وقد اختلف فيما كان لله تبارك وتعالي، فقيل: لا يقبل/ منه رجوعه إلا يعذر بين.
وقيل: يقبل منه.
قال ابن القاسم في المجموعة: وإن رآه الخليفة على حد، رفعه إلى قاضيه، وكل ما ذكر من أول المسألة، عن ابن القاسم، روي مثله عيسى بن دينار عنه.
قال أشهب في كتاب محمد: لا يقام هذا الحد أبدا، وأراه عذرا.
قال عبد الملك في المجموعة، وكتاب ابن المواز: وينبغي أن يشهد بما فيه شاهد عند أمثاله من أمير له، أو قاض، أو من تحته، وقد تحاكم عمر رضي الله عنه، إلى أبي، حكم عليه باليمين، فأخذ يحلف في سواك في يديه: إن هذا من أراك.
ليري إباحة اليمين للمحق.
قال في كتاب ابن المواز: وإذا أخذ صاحب الشرط سكرانا، فسجنه، وشهد عليه هو وآخر معه، فلا تجوز شهادته؛ لأنه صار خصما، ولو رفعه قبل سجنه، جازت شهادته عليه إن كان عدلا مع آخر، وإن شهد السلطان وآخر [8/ 66]
معه: إن هذا سرق متاعا لهذا السلطان، ولابنه أو لغيره، فلا يقطعه، وليرفعه إلى من فوقه، أو إلى من ليس ولايته من قبله، وإن شهد رجلان سواه أنه سرق متاع السلطان، قطعه، ولم يعرف حتى يرفعه إلى غيره.
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا رأى القاضي في غير مصره شيئا من حقوق الناس، أو رآه في مصره، فلا يقضي فيه إلا أن تشهد عليه بينة غيره عنده في مصره الذي ينفذ فيه حكمه، أو شهد هو به مع غيره عنده من هو فوقه.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم، عن مالك: وإن سمع قاذفا برجل ومعه غيره، أقام عليه حد الفرية/، ولم يجز عفو عن القاذف إلا أن يريد سترا.
وقد روي عن مالك، في غير المجموعة: أنه يقبل عفوه، وإن لم يرد سترا، وأما في الأب، فيقبل عفوه فيه على كل حال.
قال ابن القاسم: وإن رأى من يغتصب مالا، فلا يحكم عليه وهو شاهد، فإن كان معه آخر، فلا يحكم إلا بشاهده مع يمينه، وإن لم يكن غيره، شهد له عند غيره، وحلف معه.
ومن كتاب ابن سحنون: عن أبيه: وإذا وجد القاضي في ديوانه صحيفة فيها شهادة بينة لا يحفظ أنهم شهدوا عنده، فليقض بذلك بعد أن يكون فيها من الصفة ما وصفت لك في قمطره وتحت خاتمه وخط يده، وإلا أضر ذلك بالناس، وهذا مذكور في باب بعد هذا.
ومن المجموعة: قال مالك، وابن القاسم، وأشهب: الإقرار عند القاضي في سلطانه، أو قبل سلطانه سواء وكذلك في إقرار الخصوم عنده، لا يحكم بشيء من ذلك.
قال أشهب: وإن ما وجد في ديوانه مكتوبا من إقرار الخصوم عنده، فإن قامت على ذلك بينة، أنفذها، وإن لم يكن إلا هو وكاتب عدل، شهدا عند من هو فوقه، فأجازه، وإن وجده قضى بشهادته مع يمين الطالب.
[8/ 67]
وقال ابن الماجشون نحو ما ذكرنا عن أصبغ في كتابه قبل هذا: أنه لا يحكم بعلمه قبل أن يلي أو بعد مما يرى أو يسمع من العلم؛ لأنه كالشاهد لنفسه؛ إذ يمضي بشهادته نفسه، فأما ما أقر به الخصوم عنده في خصومتهم، ليقض به، قال سحنون: هذا أحب إلي/ من قول ابن القاسم، وأشهب.
قال سحنون في كتاب ابنه: وإذا رأى القاضي وهو في مجلس القضاء أو غيره، أو قبل أن يلي من يغصب رجل مالا، أو يقذفه، أو يعقد معه بيعا، أو يجرحه، أو يقتله، أو يعتق، أو ينكح، فهو شاهد في هذا كله ولا ينفذه، وليشهد به عنده غيره، فيقضي له إن كان معه غيره.
قال ابن حبيب، عن ابن الماجشون نحو ما ذكر عنه ابن عبدوس، وقال فيما علمه في غير مجلس قضائه: إن لم يكن أمير فوقه، ولا وال تحته، ولا صاحب شرطة، ولا أمير يحكم بين الناس، فلا بأس أن يرفع ذلك إلى رجل من رعيته.
وقال: وإن أبي المطلوب أن يواضعه عند من رأى القاضي أو يواضعه عنده، وليس بالبلد ناظرا غيره، فواجب أن يجبر الخصمين على التراضي برجل يتحاكمان إليه، ثم يضع شهادته عنده، فيحكم بما ظهر، وأما ما أقر به الخصوم في مجلسه، فله هو أن يحكم به.
قال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب، والمجموعة: وقاله ابن المواز، وأما معرفته للشاهد بجرحة أو عدالة، فلينفذه بعلمه.
وقاله ابن كنانة، ولا يكلف من علم عدالته تعديلا.
قال ابن الماجشون: وإذا علم من الشاهد جرحة، وعدله عنده المعدلون، فلا يقبله بحال، لأنه مما إليه خاصة، كما يمضي علمه بعدالته.
وقاله أشهب.
وقال: وأحب إلي أن يرفع شهادته إلى من هو فوقه، فيخبره فيه بعلمه، فيكون شاهدا عليه عند غيره، فتجوز شهادته عند المرفوع إليه، أو تسقط؛ لأن إسقاطه الرجل/ بعلمه يستشفع عليه، ولا ينبغي له أن يكون حكما بشهادته.
قال ابن الماجشون في الكتابين: ولو كان لا ينفذ في التجريح والتزكية عليه [8/ 68]
ما أجاز عدلا ولا مسخوطا إلا بشاهدين، ولا أجاز الشاهدان إلا بشاهدين، فاستحال الأمر وبطل.
قال ابن القاسم، وابن كنانة، في المجموعة: إذا علم منه الجرحة يأتي بمعدل، ولا يقبله منه.
وقاله ابن القاسم في المجموعة، وقاله أصبغ في كتاب ابن المواز وكتاب ابن حبيب، ومعنى ذلك: إذا شهد عنده بحدثان ما علم منه، فأما إن طال زمان ذلك وتقادم، فلا يطرح شهادته بما علم منه، فلعله قد تاب اجتهد في الخير، وكذلك في العتبية، في رواية عيسى، قال عيسى: معناه مثل ما قال أصبغ سواء.
قال سحنون في كتاب السير: لو شهد عندي عدلان مشهوران بالعدالة، وأنا أعلم بخلاف ما شهدا به، لم يجز لي أن أحكم بشهادتهما، ولم يجز لي ردها لظاهر عدالتهم، ولكن أرفع ذلك إلى الأمير الذي هو فوقي، وأشهب بما علمت، وغيري بما علم، فيرى رأيه.
ولو شهد شاهدان ليسا بعدلين على أمر علم أنه حق، فلا يقضي بشهادتهما؛ لأني أقول في كتاب حكم: بعد أن صحت عندي عدالتهما، وإنما صحت عندي جرحتهما.
وقال عبد الملك في المجموعة: ولو شهد عند الحكام شاهدان؛/ إما مجرحان، وإما من لا يقبلهما إلا بتعديل فيما يعلم القاضي أنه الحق، فلا ينفع ذلك علمه بأن ذلك حق، وليكلفه التعديل، وأما إن شهد عدلان فيما يعلم أنه باطل، إما وهما أو غلطا، فلا ينبغي له أن يمضي باطلا بعلمه، ولا يبطل الشهادة، ولكن يرفع علمه إلى غيره من الحكام، فيؤدي له شهادته.
وقاله ابن كنانة، وكذلك في كتاب ابن حبيب، عن ابن الماجشون.
[8/ 69]
ومن كتاب ابن المواز: قلت: إذا شهد عنده عدول في أمر يعلم خلاف ما شهدوا به أيتوقف؟ قال: وقوفه رد لشهادة العدول، ولكن تنفذ شهادتهم بعد الانتظار اليسير، واستحسن لو خلا بهم، فأعلمهم بعلمه وشهادته، فلعله ينكشف لهم أو له ما وراء ذلك، فإن لم يكن ذلك، فليحكم بشهادتهم، وليعلم المشهود عليه أن له عنده شهادة، فيرفع ذلك المحكوم عليه إلى من فوقه، فإن لم يكن له أحد إلا تحته، فقول أشهب: إنه لا يجيز رفع ذلك إلى من تحته.
وأجاز ذلك عبد الملك، واحتج بفعل عمر، رضي الله عنه.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا شهد عنده عدل معروف بالعدالة، والقاضي يعلم أنه شهد بباطل، وأن الحق غير ما شهد به، فلا يحكم بذلك، ولا يبطل الشهادة، وليرفع القاضي شهادته إلى غيره، ويشهد بتلك الشهادة للقائم بها.
قال أبو محمد: قوله: إنه شهد بباطل.
ليس يعني أن القاضي علم جرحة فيه، ولا تعمد كذبا، ولكن القاضي قال ذلك الحق بوجه ما، ولو علم منه جرحة، لجاز له أن يسقط شهادته بعلمه/، إلا ما استحسن أشهب فيما تقدم ذكره.
قال في المجموعة المغيرة وأشهب في البينة تشهد بحق لرجل، والقاضي يعلم بينهما غيره.
وقال أشهب: فيشهد عنده بما يعلم.
قيل لهما: فلو جاز للقاضي أن لا يأخذ له بينة إذا علم أنه مبطل، ولم يجز له أن يعطي بعلمه إذا لم يعلم ذلك غيره؛ فقالا: لأن القاضي يجوز له أن يترك القضاء بعلمه، ولا يجوز له أن يحكم في شيء لأحد على أحد بعلمه، الذي قامت له البينة بحقه لا يقول: نزع مني حقي، وإنما يقول: لم يقض لي بحقي.
وأما ما يجده القاضي في ديوانه من إقرار وشهادة، فمكتوب في باب بعد هذا.
وفي القاضي يقول: قد حكمت لفلان، ولا يعرف ذلك إلا من قوله.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم، في شهيدين شهدا عند القاضي أن فلانا الذي كان قاضيا، وقد مات أو عزل، قد قضى لهذا الرجل بكذا وكذا بشهادتنا، [8/ 70]
وأشهدنا على قضائه: أن شهادتهما جائزة في هذا كله إن كانا عدلين، ويصير كشهادة مبتدأة.
في شهادة كاتب القاضي على ما كتب، وأمينه على ما ائتمن عليه، ومن أمره بالقسم على قسمه
، وشهادة الطالب على شهادة من شهد عند القاضي في ديوانه، أو على حكم حكم به
من المجموعة: قال أشهب: وإذا ملك ما في ديوان القاضي/ بشهادة رجلين لرجل، ومن يد الرجل، فشهد كاتبان للقاضي، أو غيرهما على شهادة الشاهدين بذلك، فلينفذها، إلا أن يكون الشاهدان حاضرين، فليعدهما حتى يشهدا.
قال ابن القاسم: وإن شهد القسام فيما قسموا، لم تجز شهادتهما، كالقاضي يشهد على حكمه.
قال سحنون: تجوز شهادة كاتب القاضي في قضاء كتبه بيده، عزل عن الكتابة أو لم يعزل، يقول: كتبته بيدي إذا كنت كاتبا، أو: أنا شاهد على ما فيه، بخلاف قسام القاضي، أولئك يشهدون على فعل أنفسهم، وكذلك في كتاب ابن المواز، يشهد الكاتب وهو كاتب، أو بعدما عزل في الإقرار في مجلس الحكم، وفي شهادة عنده، بخلاف القسام.
[8/ 71]
قال عبد الملك في المجموعة في من أقام شاهدا من كتاب الحكام، أنه كتب شهادة رجل، قال: ذلك يجوز، كأنه شاهد على شاهد إن كان عليه آخر، وإن لم يكن، قال له: اشهد.
فقد قال مثل ذلك حين جاء يشهد، فكأنه أشهده، فإذا كان معه شاهد على معرفة خط الشاهد، أو بإشهاد من الشاهد له حيي الشاهد، ولا ينقل ذلك واحد.
قال ابن المواز: اختلف قول مالك، في الشهادة على خط الشاهد؛ فقال: لا يقضي بذلك كما لو سمعه يذكر شهادته، ولم يقل: اشهد على شهادتي.
وعلى هذا أكثر أصحابه.
وقال أيضا، إنه يحكم بذلك.
والأول أحب إلينا.
وهذا مستوعب في كتاب الشهادات.
ومن المجموعة: قال عبد الملك، في المحلف الذي يرتزق، والقاسم الذي/ يؤاجر، شهادتهما جائزة فيما توليا.
قال ابن القاسم، في قوم كتب إليهم القاضي، أنه قضى لرجل بأرض، وسمى لهم البينة الذين حكم بهم، وأمرهم أن يحضروا البينة ليحدوا الأرض، ويدفعوها إلى المقضي له بها، فيفعلوا، ثم يعزل القاضي، أو يموت، فليشهد أولئك أنهم أنفذوا للمقضي له كتاب القاضي بالقضاء في تلك الأرض، ودفعوها إليه كما أمرهم، فلا تجوز شهادتهم، وهم كقاض كتب إليه قاض أنه قضى لفلان، فلا تجوز شهادته حتى يكون قد أشهد على إنفاذ ذلك شهودا غيره، وكذلك وكلاؤهم بمنزلة قضاة معه، قال: ولو أنفذوا كتابه، فلما عزل، وولي غيره، قام من أخرجت الأرض من يده، قال: ومن يعلم أن القاضي كتب ذلك الكتاب، قال: فإما الحاضر لذلك، ولم يدفع ولا تكلف، فهو يقضي به عليهم، لجاز علمه، فذلك [8/ 72]
جائز عليه، وأما الغائب، والصغير، والضعيف؛ فإنه ينظر فيه، فإن كان قد طالت به الحيازة حتى يرى أن قد مات شهوده، وغابوا، فذلك جائز عليه، وإن كان بحدثان ذلك، فلا يجوز ذلك حتى يشهد أنك كاتب القاضي قد ثبت عندهم، أو يكون قد أشهدوا على ما أتاهم من القاضي بما ثبت عندهم بشهادة من شهد عندهم من إنفاذ القاضي لمن أنفذه، فيجوز، وذلك كما لو أشهد القاضي على ما يأتيه من كتب القضاة بما ثبت عنده فيها.
قال ابن حبيب: قال ابن القاسم: وتجوز شهادة القاسم الواحد على ما قسم؛ إذا كان القاضي قد بعثه/ لذلك، ونصبه للقسم، فما نقل من ذلك إلى القاضي فلينفذه بقوله إذا شهد بذلك عند هذا القاضي الذي أمره، وأما عند غيره، فلا يجوز وحده، ولا مع غيره، وكذلك يقبل قول الطبيب والعاقل فيما كلفه القاضي، وقول المرأة فيما ينظره النساء، وينفذه.
وسحنون لا يجيز شهادة القاسم ولا قاسمين على قسمهما، قال: ولا يشهد أحد على فعل نفسه.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وكذلك من أمره القاضي أن يحلف رجلا، فقال: قد حلفته.
والطالب ينكر ذلك، فقوله نافذ، وكذلك شهادة كاتب القاضي فيما أمره أن يكتبه من أموره، ومثل العقل، والقسم، والإحلاف، والكتاب، والنظر إلى العيب، وشبهه فمأموره مقبول القول؛ لأنه كيده وكعقله.
قال أبو محمد: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها فاستكفاه أمرا، وأمر بإنفاذه على ما علم.
قال ابن الماجشون: ولا يضرهم ما يأخذون من الرزق؛ لأن الإمام أجرى لهم ذلك، كما يرتزق القاضي، وينفذ الأمور بقوله.
وهذا
المعنى مستوعب في باب من يكلفه القاضي نظر العيوب.
[8/ 73]
في القاضي يحكم لنفسه أو لولده أو لمن يتهم عليه، وكيف إن حكم بشهادتهم وهو تعلم عدالته؟
من المجموعة، وكتاب ابن سحنون: قال أشهب: لا يجوز قضاء القاضي إلا فيما تجوز فيه شهادته، ولا يجوز أن يقضي لنفسه، ولا لزوجته، ولا لولده، ولا لولد ولده،/ قال سحنون: من قبل الرجال والنساء، ولا لأمه، ولا لأبيه، قالا: ولا لأجداده.
قال سحنون: من قبل الرجال النساء.
قالا: ولا لمكائبه، ولا لمدبره، وأم ولده.
قال أشهب: وتجوز لمن سواهم من قرابته.
قال سحنون: وأصل هذا أن من لا تجوز شهادته عليه، فلا يجوز أن يقضي عليه، ولا أن يحكم برد شهادته، ولينفذ شهادته غيره إذا ولي في ذلك الشيء وفي غيره.
وقاله ابن المواز، إذا ثبت أن بينه وبين القاضي الذي رد شهادته عداوة.
قال ابن سحنون عن أبيه: يجوز قضاؤه لأخيه، وعمه، وابن أخيه، وابن أخته، ابن عمه، وخاله، وابن خاله، وكل رحم من رضاع أو نسب مما تجوز شاهدتهم، وما لا تجوز فيه شهادته لهم، فقضاؤه لا يجوز لهم فيه.
وقال ابن المواز مثله، إلا أنه قال في أخيه وعمه: إن كان القاضي بين العدالة مبرزا جاز قضاؤه.
وقال ابن المواز: إذا حكم القاضي، فأقام المحكوم عليه بينة أن القاضي عدو له، فلا يجوز قضاؤه عليه.
قيل: هل يصلح أن يقضي بين ولده وخصم ولده؟ قال: لا يصلح أن يقضي له، ولا لمن لا يجوز أن يشهد له، وأما من يشهد له، فيجوز أن يحكم له في الحقوق ما لم يعظم ذلك جدا، ولا يجوز في قصاص.
[8/ 74]
وقال ابن حبيب: قال مطرف: وكل من لا يجوز للحاكم أن يشهد له، فلا يجوز حكمه له، وهم الآباء، وإن بعدوا، والأبناء وإن سفلوا، وزوجته، ويتيمه الذي يلي هو ماله.
قال ابن الماجشون: يجوز حكمه لمن لا يجوز له شهادته؛ من أب وابن، إلا ولده الصغير،/ أو يتيما، أو زوجته، فأما غير هؤلاء الثلاثة، فحكمه له وعليه جائز؛ وقال أصبغ مثل قول مطرف إذا قال: ثبت عندي.
ولا يدري أثبت أو لم يثبت، ولم يحضر الشهود، وكانت الشهادة ظاهرة لحق بين، فحكمه له جائز، ما عدا الثلاثة الذين ذكر ابن الماجشون، ورأيت في كتاب أصبغ، أنه يجوز قضاؤه لكل أحد وعليه، من ولاه مثله أو عليه، أو قرابة، أو ولد، أو زوجة، أو أخ، أو مكائب، أو مدبر، إذ صح الحكم، وكان من أهل القيام بالحق، لا من أهل التهم، وهو قد يحكم للخليفة وهو فوقه، فهو أتهم فيه لتوليته إياه، وحكمه له جائز.
ثم قال في كتابه هذا: ولا ينبغي للقاضي أن يطلب حقا، أو يطلب هو له، أو أحد من عترته وخصمه وإن رضي الخصم، بخلاف رجلين رضيا بحكم أجنبي، فينفذ ذلك.
وقال في موضع آخر: ينبغي أن يرفع ذلك إلى غيره، وإن رضي الخصم أن يقضي بينه وبين نفسه، فلا أحب ذلك للقاضي أن يفعله، فإن فعل، فليشهد على رضائه، ويحكم بالعدل ويجتهد، وإن قضى لنفسه أو لمن لا يجوز له قضاؤه، فليذكر في حكمه القصة كلها، ويذكر رضاه بالخصومة عنده، ويقوع شهادة من شهد برضائه، وإذا قضى في ذلك لنفسه، أو لمن لا يجوز له قضاؤه باختلاف من العلماء غير شاذ، فأحب له إن رأى أفضل منه أن يفسخ حكمه، فإن لم يفعل حتى مات، أو عزل، فلا يفسخه غيره إلا في خطأ بين، وإن حكم على نفسه، أو على من لا يجوز حكمه عليه، باختلاف غير شاذ/، فلا أحب له أن يفسخه؛ لأنه يتهم فيه.
قال: وإذا رضى خصم القاضي أن يخاصم عنده، هل يوكل القاضي وكيلا يقوم بحجته؟ قال: يفعل من ذلك ما رآه أقرب إلى الحق، وأقطع للظنة.
قال أيضا: ولا يجوز حكمه لنفسه بحال، ولا ينبغي أن يفعل ذلك برضاء الخصم أو بغير رضائه، كان خصمه مليا أو عديما.
[8/ 75]
ومن المجموعة: قال أشهب: وإذا أخذ القاضي رجلا بسرقة، فله قطع يد سارقه، ولا يحكم عليه بالمال.
وكذلك في كتاب ابن المواز، قال في المجموعة: وكذلك في محارب قطع عليه الطريق، فليحكم عليه بحكم المحارب، ولا يرفعه إلى غيره، ولو جاء تائبا سقط عنه حكم الله سبحانه، ولا يستفيد السلطان منه إن خرجه إلا بإقراره، ولا بينة حتى يرفعه إلى فوقه، وكذلك لو كان السلطان أحد الشاهدين عليه بالحرابة وقطع الطريق عليه، وأخذ قبل أن يتوب، فلا بأس أن يقيم عليه حد الله سبحانه، وأحب إلي رفع ذلك إلى من فوقه.
قال محمد ابن عبد الحكم: قال ابن القاسم، وأشهب: وإذا سرق من بيت القاضي سارق، وقامت عليه بذلك عنده بينة، فله قطعه؛ لأنه حد الله سبحانه، قال محمد بن عبد الحكم: لا يقطعه، وليرفعه إلى من يجوز حكمه عليه، ألا ترى لو شهد هو وآخر على سرقته تلك، لم يجز أن يشهد لنفسه، وإن كان ذلك حدا من حدود الله سبحانه، وكرجل شهد هو وآخر على سرقة سرقت من أحدهما، وكما لا تجوز شهادته في غرم/ القيمة في ملإ السارق، فكذلك في هذا، ولو شهد اثنان على أنه سرق، فقالا للحكم: اقطعه ولا تقضي لنا بمال.
قال سحنون في المجموعة، وكتاب ابنه: إذا سمع الإمام قوما سكارى في دار في طريقه، معهم المزامير والغناء، فينبغي له أن يأمر شرطة فيدخلون عليهم، ويخرجونهم، ويقيم عليهم ما يجب عليهم.
قال ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: إذا خاصم عنده خصمان له قبل أحدهما دين، فلا بأس أن يقضي بينهما، وإن كان غريمه مليا، وإن كان عديما، لم يجز له أن ينظر بينهما، والحكم بينهما، كالشهادة.
قال مطرف، وابن الماجشون: وإذا شهد عند القاضي أبوه، وابنه، ومن لا تجوز له شهادته، فله أن يسمع شهادته ويقبلها على علمه بعدالته إن علمه، بخلاف تعدليه إياه عند غيره.
[8/ 76]
قال سحنون في العتبية: إذا شهد عنده ابنه أو ولد ولده، لم أر أن يجوز شهادتهما، إلا أن يكون مبرزين في العدالة، وبيان الفضل، فليجوزهما.
قال أبو محمد: وقد جرى في باب ما يحكم فيه القاضي بعلمه من معاني هذا الباب، وتكرر فيه بعضه.
قال ابن الماجشون، ومطرف، في القاضي يكون له قبل أحد شيء، أو يكون عليه لأحد، فليرفع ذلك إلى غيره، ويوكل من يخاصم عنه، أو يخاصم لنفسه، فإن رضى خصمه بحكمه في ذلك، فلا يقبل منه، ولا يقضي لنفسه، ولا يجوز ذلك، وإن أراد أن يقضي عليها، كان كالإقرار منه بدعوى خصمه عليه.
تم الجزء الأول بحمد الله وعونه [8/ 77]
صفحة بيضاء
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر الجزء الثاني من كتاب آداب القضاء
في استخلاف القاضي ناظرا لعذر أو مرض أو سفر ورفعه الخصمين إلى العالم، وهل يقضي في سفره؟ وهل يسمع البينات؟ وهل يحكم بعد موت الأمير؟ وكيف إن نهاه أن يحكم في شيء معلوم؟
من المجموعة، وكتاب ابن حبيب: قال ابن الماجشون، ومطرف، وأصبغ، في قاضي الخليفة: ليس له استخلافه قاضيا مكانه إذا كان حاضرا يحكم، وكذلك إن عاقه ما يعوق من الشغل.
قال في كتاب ابن حبيب: وإن عاقه ما يعوق من الشغل؛ لأنه هو القاضي المنفذ لأحكام الناس كلها، وأما إن سافر: قال في كتاب ابن حبيب: أو مرض، فله أن يجعل في مكانه من يقوم مقامه، وينفذ أموره، ثم لا يكون متعديا على من استقضاه، وإذا كان ذلك بأمر الخليفة وإذنه، فلا تبالي كان القاضي غائبا أو حاضرا أو مريضا أو صحيحا، ذلك جائز؛ وكأنه ولى قاضيين أحدهما فوق صاحبه.
[8/ 79]
قال في كتاب ابن حبيب: فإن استخلف القاضي غيره لغير سفر، ولا مرض لم يجز ذلك.
قال سحنون في كتاب ابنه، والمجموعة: لا يستخلف وإن مرض، أو سافر إلا بأمر الخليفة.
قال: ولا يولي بعض أمور الخصوم حكما يحكم بينهم، فإن فعل، لم يجز قضاء الحاكم، إلا أن ينفذه القاضي، فيكون قضاء/ منه مؤتنف.
ومن المجموعة: قيل لابن الماجشون، في قاض يستقضي على كور ثلاثة بينها في عهده، وهي مما لا يصلح لكل واحدة قاض، هل يستقضي غيره في أحدها، أم يدور عليها؟ فإذا ولاه خليفة واحدة من الكور قد استقضى الخليفة في مثلها قاضي، فكأنه أذن له أن يستقضي؛ إذ لا يمكنه أن يكون بجميعها، ولا يقسم زمانه بينها.
قال عنه ابن حبيب، وابن عبدوس: فلو مات القاضي وقد استخلف مكانه رجلا، فقال له: سد مكاني، ونفذ ما كنت أصدرت فيه القضاء، واقض إلى أن تصرف أو تثبت.
قال: لا قضاء له، ولا سلطان، وليس للقاضي أن يستخلف من يقضي بعد موته، قال: وإذا بعث القاضي خصمين إلى فقيه، وقال: انظر بينهما.
فذلك جائز نافذ.
وكأنه مشير أنفذ القاضي حكمه، وكأنما حكمه الخصمان أيضا، قبل مهما ما حكم به.
ومن كتاب ابن حبيب: قال أصبغ: إذا مات الامام الاعظم، فلا بأس أن ينظر قضائه وحكامه حتى يعلموا رأي من بعده، وكذلك القاضي يوليه والي المصر، ثم يعزل الوالي، فهو قاض حتى يعزله الذي ولى بعده.
قال أصبغ في القاضي يبعثه الإمام إلى بعض الأمصار، في بعض ما نابه من أمر العامة، فيأتيه رجل في ذلك المصر، فيذكر حقا له قبل رجل بعمله، وهو [8/ 80]
بجانب من عمله، فيريد منه سماع البينة عليه بهذا المصر، قال: ليسمع بينته ويكتبها، ويسأله تعديلهم، أو يسأل عنهم قاضي ذلك المصر، فإن ذكر له عدالتهم، اجتزأ بذلك، ولو اجتمع الخصمان/ عنده بهذا المصر، فليسمع بنيتهما، ويكتبها، فطلبا الخصوم عنده، والشيء الذي يخاصمان فيه في بلد هذا القاضي الغائب عن عمله، فلا ينظر بينهما، وخصومتهما إلى قاضي ذلك المصر الذي اجتمعا فيه، إلا أن يتراضيا على الأمر، كما يتراضيا على أجنبي مسلم عدل.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا حج قاضي مصر أو غيرها، فيأتيه في سفره قوم من عمله، وطلبوا أن يسمع بينة على رجل من عمله، أو كانوا أوقعوا البينة عنده في عمله، فطلبوا الآن أن يكتب لهم بذلك إلى قاضي العراق، أو قاضي مكة، ويشهد عليه، أو يحكم بذلك الحق، ويشهد على حكمه، فليس له شيء من ذلك؛ لأنه ليس بوال على ذلك البلد، فليس له أن يسمع فيه بينة، ولا ينظر في بينة آخر، ولا يشهد على كتابه إلى قاضي بلد آخر إلا ببلده، وأما كشفه في غير بلده عن عدالة شاهد كان قد شهد عنده في عمله، فذلك له، ولا يشهد في كتاب يكتبه إلى قاضي البلد الذي هو به، ولو كتب قاضي مكة إلى قاضي مصر، وأشهد عليه، فرفع إلى قاضي مصر بمكة وقد قدم حاجا، فلا يسمع عليه البينة حتى يقدم مصر، وكذلك لو ولاه الخليفة مصر، فخرج إليهم، فلا يسمع البينة في طريقه على أحد من أهل مصر حتى يصر إليها.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا كان عمل القاضي واسعا، فينبغي أن يستأذن الأمير أن يولي على ما يرى من عمله من يحكم فيما لا يعظم من الأمور، إذا كان الموضع يشق على أهله الشخوص إلى موضع القاضي/ ممن ولاه، جاز حكمه، ويكون القاضي مستشرف عليهم، فيعزل من رأى عزله، وإن لم يأذن له الإمام في ذلك، لم يكن له أن يولي من يحكم، ولكن يجعل من يكاشفه في الكشف ونحوه.
[8/ 81]
قال سحنون، في العتبية: في القاضي يثبت عنده لرجل حق، فيريد التسجيل له بذلك، ويحضر الإمام خروج في عزو، فيأمره ألا ينظر لأحد حتى ينصرف، فيسجل له بعد نهي الإمام له.
قال: أدى ذلك ماضيا.
قال ابن حبيب: قال أصبغ في الخصمين يريد توجيه الحكم على أحدهما مما يتبين له، فيستغيث بالأمير، وهو جائر، فيأمره بترك النظر في ذلك، ويحجره فيه، هل يطيعه؟ قال: إن كان قد تواضعا عنده الحجج، ونظر حتى تبين له الحق، فلينفذ له الحكم، ولا ينظر إلى نهي الأمير، إلا أن يعزله رأسا، وإن كان في مبتدأ أمرهما قبل أن يتبين له حق أحدهما، فنهاه عن النظر بينهما، فلينتبه، ويدعهما.
في حكم الوالي أو صاحب الشرطة أو صاحب السوق وولاة المياه في الدماء والحدود أو غيره هل يجوز؟
ومن المجموعة: قال ابن القاسم في والي الاسكندرية، إذا استقضى قاضيا، فقضى، أو قضى هو بشيء، فذلك كله ماض، إلا في جور بين.
وكذلك والي الفسطاط أمير الصلاة: وقال: ولا يقيم العمل في/ الحدود ولاة المياه، وليجلب إلى الأمصار، ولا يقام القتل بمصر كلها إلا بالفسطاط، أو يكتب إليه والي الفسطاط بإقامة ذلك.
وقال أشهب: أما من ولي هذا الوالي على بعض المياه، وقد جعل ذلك إليه، فليقم الحد في القطع، والقتل، وغيره، وإن لم يجعله إليه، فلا يقيمه.
وقال سحنون: لا أعرف أن يجعل هذه لولاة المياه، وهذه الأمور تعظم.
قيل لسحنون: في كتاب ابنه، والمجموعة: أيجوز قضاء صاحب السوق في الأموال والأرضين، وللناس قاض، أو مات قاضيهم؟ قال: إن جعل ذلك إليه [8/ 82]
الأمير الذي يولي القضاة، وهو الأمير الكبير أمير الأمصار، مثل مصر، وإفريقية، والأندلس، جاز قضاؤه إن كان عدلا فقيها عالما، وإن لم يجعل ذلك إليه، فلا يجوز قضاؤه إلا فيما أذن له فيه، وإذا حكم الأمير الذي فوق القاضي بحكم، فكتب به إلى القاضي، فهو جائز أقضيتهم إلا أن يكونوا عدولا، ويقضون بصواب.
ومن كتاب ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وإذا كان الأمير مؤمرا، لم تفوض إليه الحكومة، فلا يجوز حكمه، وإن فعل لم ينفذ حتى يفوض إليه نصا، وإذا لم يكن مؤمرا، فهو كالخليفة إن حكمه مضى حكمه، إلا في جور أو خطإ بين، وإذا كان الأمير مؤمرا، قد فوض إليه/ الحكم مع الإمرة، فله أن يستقضي قاضيا، ويجوز حكمه وحكم قاضيه، وإذا لم يفوض إليه الحكم، لم يجز حكمه ولا استقضاؤه.
وقاله مطرف، وأصبغ.
في الخصمين يرضيان بحكم رجل أو شهادته أو يحكمان بينهما امرأة أو من لا يجوز حكمه
في المجموعة: قال مالك في الرجلين حكما بينهما رجلا، فقضى بينهما، فقضاؤه جائز.
قال ابن القاسم: وإن قضى بما يختلف فيه، ويرى القاضي خلافه، فلا ينقض، وحكمه ماض، إلا في جور بين.
وكذلك ابن سحنون، عن سحنون.
قال ابن القاسم: وإذا حكماه، وأقاما البينة عنده، ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم، قال: أرى أن يقضي بينهما، ويجوز حكمه.
وقال ابن الماجشون: ليس لأحدهما أن يبدو له، كان ذلك قبل أن يقاعد صاحبه أو بعدما ناشبه الخصوم، وحكمه لازم لهما، كحكم السلطان، ومن غاب منهما أو كره، نظر لصاحبه كما ينظر السلطان في حق الغائب.
ومنه، ومن كتاب [8/ 83]
ابن سحنون: وقال سحنون: إذا حكما بينهما أن يرجع في ذلك ما لم يمض الحكم فيه، فإذا أمضاه بينهما، فليس لأحدهما أن يرجع فيه.
قال مطرف في كتاب ابن حبيب: له النزوع في ذلك في ابتداء أمرهما، وقبل نظر الحاكم بينهما في شيء، فأما بعد نشوئهما في الخصوم عنده، ونظره في شيء من أمرهما، فلا نزوع لواحد/ منهما، ويلزمها التمادي فيها، وقال أصبغ: كما ليس له إذا تواضعا الخصومة عند القاضي أن يوكل وكيلا، أو يعزل وكيلا له، وذكر عن ابن الماجشون مثل ما تقدم في المجموعة.
قال سحنون، في كتاب ابنه: وإذا حكما بينهما رجلا، فحكم بينهما، ثم رفع ذلك إلى القاضي، فلينظر، فإن كان ما حكم به يوافق الحق عنده، أمضاه، وإن كان لا يوافق رأيه، وكان قضاؤه مما يختلف فيه الفقهاء، وليس من رأي القاضي أن يقضي به، فلا يعرض فيه، إلا أن يكون خطأ بينا، فيرده.
قال سحنون في المجموعة، وفي كتاب ابنه: وإذا حكما بينهما حكما، فحكم ولم يشهد على ذلك الحكم، فإنه لا يصدق على ذلك الحكم، وإذا حكم، كتب للمقضي له كتاب قضاء: أني قضيت لفلان بن فلان.
كما يكتب القاضي.
قال أصبغ في كتابه، في رضى الخصم أن ينظر القاضي بينه وبين نفسه في حق: فلا أحب أن يفعل، فإن فعل مضى ذلك، وليذكر في حكمه رضاه بالتحاكم إليه.
قال سحنون: ولا ينبغي للذي حكمه رجلان أن يقيم حدا، أو يلاعن، ولا يقيم الحدود إلا الأئمة والقضاة قضاة الأمصار العظام.
قال أصبغ في كتابه: ولا يحكم بينهما في قصاص، أو قذف، أو طلاق، أو عناق، أو نسب، أو ولاء؛ لأن هذه الأشياء لا يقطعها إلا الإمام، ولو أمكنه من [8/ 84]