موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ت حسين أسدصفحات 17-56

ابن حبان

صفحات 17-56
عن هذه الطبعة
عَلَم
نور الدين الهيثمي
الكتاب
موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان
المؤلف
أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807هـ)
المحقق
حسين سليم أسد الدّاراني - عبده علي الكوشك
الناشر
دار الثقافة العربية، دمشق
الطبعة
الأولى، (1411 - 1412 هـ) = (1990 م -1992 م)
عدد الأجزاء
9 (8 ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(1)

التعريف به وببيئته

: هوَ الإمام العَلاَّمَةُ، الحَافظ المجوِّدُ، المحقِّقُ الفَاضِلُ، شَيْخ خراسانَ، محمد بن حبان، بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، بن سَعيد بن سَهِيد، ويقال: ابن معبد بن هدية بن مُرَّةَ، بن سعد بن يزيد بن زيد، بن عبد الله بن دَارم ابن مالك، بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مُرة بن أُدّ، بن طابخة بن إلياس، بن مُضر بن معد بن عدنان، أبو حاتم التميمي البستي، القاضي، أحد الأئمة الرحّالين والمصنفين.1

وُلِدَ بِبُست 1؟ تلك البلدة التي ازدهت بجمالها، وكانت دُرَّةً في عِقْد الاسلام إذا مَا عُرِّجَ عَلَى ذكْر عُلمَائِهَا وَرِجَالِهَا: إِذَا قِيلَ: أَيُّ الأرْضِ فِي النَّاسِ زِينَةٌ ... أَجَبْنَا وَقُلْنَا: أَبْهَجُ الأرْضِ بُسْتُها فَلَوْ أَنَّنِي أَدْرَكْتُ يَوْماً عَمِيدَهَا ... لَزِمْتُ يَدَ الْبُسْتِيِّ دَهْراً وَبُسْتُهَا 2 في هذه البقعة من العالم الإِسْلامي، التي حمل إليها الفاتحون- مَعَ العَدالة والدِّيَانَةِ، والرَّحمَةِ " وَالعِمْرَانِ- الحضارةَ والعلمَ والبيانَ وصُنُوفَ المعرفَةِ.
فِي هذِهِ البقعة الطِّيبَةِ وُلِدَ هذا الإِمامُ العظيمُ، فَكَانَ عَدْنَانِيَّ النَّسَبِ، أَفَغَانِيَّ الْمَوْلِدِ وَالنَّشْاةِ.
وَتدُور عَجَلَةُ الزَّمَنِ، وَيمْضي أَكْثَرُ مِنْ رُبْع قَرْنٍ عَلَى مولد هذَا الإِمام الكبيرِ، دُونَ أَنْ تُحَدِّثَنَا كُتُبُ التَّرَاجِمِ شَيْئاً عَنْ نَشاتِهِ الَأولَى، وَالأحْداثِ الَّتي تعرَّضَ لَهَا، وَطَلبِهِ للعلم، وَاشْتِرَاكِهِ فِي أحْدَاثِ عَصْرِهِ.

لقد ضَنَّتْ عَلَيْنَا كُتُبُ التَّرَاجِم بكُلِّ ذلِكَ، فَأصْبَحَ ضَائعاً فِي مَتَاهَةِ تاريخ بَعيدٍ لَمْ يُدْرَسْ، وَلَمْ تُسَلِّط، وَلَو شعاعاً وَاحِداً عَلَى جَانبٍ مِنْ جَوانِب هذِهِ الْحَيَاةِ الْكَريمَةِ!! ..

أسباب خروجه من بلده

: بَعْد مُضي هذهِ الفترةِ الغامِضَةِ، نَجدُ ابنَ حبان شَريداً طَريداً، أُكْره عَلى مُفارقة الأهلِ الذين أَحَبَّ، وَالموْطِنِ الَّذي هَام بِهِ وترعرع فِيه.
ونسأل عن سبب ذلكَ، فتحدد لنا كتب التراجم سببين لهذا الإخراج المقيت: يَقولُ الذَّهبي في "ميزان الاعَتدال" 3/ 507: "قال أبو إسماعيل الأنصاري، شيخ الإسلام: سألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم بن حبان: رَأيْتَهُ؟.
فَقَالَ رَأيتُهُ، وَنَحْن أخْرَجناهُ مِنْ سَجستان، كان لهُ علمٌ كَثيِرٌ، ولم يكنْ لهُ كبيرُ دينٍ، قدمَ علينا، فَأنكرَ الحدَّ لله، فَأخرجْنَاهُ" 1. وقال أبو إسماعيل الأنصاري: "سَمِعْتُ عَبْدَ الصمدِ بْنَ مُحمد بن

محمد يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: أنكروا عَلَى ابن حبانَ قَوْلَهُ، النُبُوَّةُ: الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ، وَحَكَمُوا عَلَيْهِ بالزَّنْدَقَةِ،- وهَجَرُوهُ، وَكَتَبُوا فِيهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَأمَرَ بِقَتْلِهِ.
وَسَمِعْتُ غَيْرَهُ يَقُولُ: لِذلِكَ أُخْرِجَ مِنْ سَمَرْقَنْد" 1.

وإمعانُ النَّظَرِ في هذين الخبرَيْن يُوَضِّحُ أُموراً ينبغي التوقف عندها: أولاً: إنهما يَرْسُمان صورَةً لِبَعْضِ أدْعِيَاءِ العِلْم، الذينَ نَما الحسَدُ في نفوسهم، وَترعرع الحِقْدُ في قلوبهم، فتوهموا أن بيَدِهِمْ أمْرَ تَوْجِيهِ الفكر بَيْنَ النَّاسِ، وَمُصَادَرَةَ كُلِّ مَا لا يُناسِبُ مُيُولَهُمْ وأهْوَاءهَم، سِلاحُهُمْ في ذلِكَ إثارَةُ العَوَامِّ مِنَ النَّاسِ، والوشايةُ بهم إلَى الخليفة، يسند ذلِك افتراءٌ مَرْذولٌ، ويدعمُهُ بَاطل مَخْذولٌ.
ثانياً: إنهما يحدِّدَان جِهَةَ الرِّحْلَةِ الَّتي قامَ بِهَا ابن حِبَّان، فقد تَوَجَّهَ إلى مَشْرِق الخِلاَفَة- الإِسلامية إشفاقاً عَلَى نَفْسِه من هياج الغَوْغَاءِ مِنَ العوامِّ، الذين يقول فيهم أبو يوسف كبير القضاة في زمن الخليفة هارون الرشيد: "لَوْ انَّ العَوَامَّ كُلَّهُمْ عَبِيدي لأَعْتَقْتُهُمْ".
وَتَبَرَّأْتُ مِنْ وَلاَئِهِمْ"، وَمِنَ المُتَطَفِّلينَ عَلَى مَوَائِدِ الْعِلْمِ، الْحاقِدينَ، ائَذينَ أَرادُوا بِهِ شَرّاً.
وَلَعَلَّة اختارَ ذلِكَ المكانَ في أطرافِ الخِلاَفَةِ حيث تضعُفُ قبضةُ السُّلطانِ، فَلاَ يَنَالُهُ عقابُة، وَلا تَطالُهُ سياطُ عَذَابهِ، حتى إذَا مَا هَدَأ الْحَالُ، وتُنُوسِىَ مَا كَانَ، وَشَعَرَ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالأمْنِ، عَادَ إِلى قلب الخِلافَةِ".
وَجَابَ نَواحِيَهَا المختلِفَةَ، لِيُتِمَّ مَا بَدَأ بهِ، وَلِيُشْبِعَ نَهَمَهُ في طلَب الحديثِ، ولقِي الشُّيوخِ،- والأخذ عنهم، والإِفَادة منهم، ليتسنَّى لهُ أن يَتبوا مركزَ الصَّدَارَةِ بَيْنَ أهل العلم في بَلَدِهِ، وَيكُونَ الإمَامَ المَرْجُوعَ إِلَيْهِ في هذَا الْعِلْم الشَريفِ.
ثالثاً: يُوَضِّحُ لَنا النَّص أنَّ سمرقند كانت مِنْ أوَائِل الْبلْدان الَّتي حَطَّ فيها عَصَا تَرْحَاله، وَفي هذا البلدِ الطيبِ اتَّصَلَ بشَيْخِهِ أبي حَفْص عمر بن = وتعقب الحافظ ابن حجر شي "لسان الميزان "5/ 114 هذه المقولة بقوله: "مَاذَا؟ إلا تَعَصّبٌ زَائِدٌ عَلَى الْمُتَأَوِّلينَ، وَابْنُ حِبَّانَ كَانَ صَاحِبَ فُنُونٍ، وَذَكَاءٍ مُفْرِطٍ، وَحِفْظٍ وَاسِعٍ إِلَى الْغَايَةِ".

محمد الهمداني السمرقندي، المتوفى سنة (311) للهجرة 1. وَإِذَا ضممنا إلى هذا ما أجمع عليه مُتَرْجِمُوا ابن حبان، من أنه توفي سنة (354 هـ) وهو في عشر الثمانين يتبين لنا: أ- أنَّ مولده كان في عشر الثمانين من القرن الثالث، وَهذا ما ذَهَبَ إليه بعض مَن ترجم له.
ب- أن ابن حبان بَدَأ رحْلَتَهُ وَعُمُرُهُ لا يقل عن الخامسة والعشرين، كما أنه لا يزيد عَلى الخامسَةِ وَالثلاثين ج- يَتَحدَّدُ لَنَا مَعْنَى مَا قالَهُ الذهبي في "ميزانه "3/ 506 - وتابعه عليه ابن حجر-: "وَطَلَبَ الْعِلْمَ عَلَى رَأْسِ الثَلاَثِ مِئَةٍ"، فَإِنَهُ يَعْنِي: بَدْأ الرَّحْلَةِ في طَلَب الْعِلْمِ، وَإِلاَّ فَإِنَ ابْنَ حبان عندمَا خَرَجَ مِنْ بلده، كان قد اسْتوعبَ الكثيرَ مِنْ مَعَارِفِ العَصْرِ، وَلا يُمْكنُ أنْ يَغيبَ هذَا عَلَى مِثْلِ الحافِظِ الذَّهَبِي، وَالحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ.
وقَدْ دامَتْ هذه الرحلةُ المباركَةُ التي زَرَعَ فيها العالَمَ الإسْلامِيَّ مِنْ أقْصاهُ إِلَى أقْصَاه نيفاً وثلاثين عاماً، فقد قال الحاكم- وهو تلميذه-: "كَانَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ في الْفِقْهِ، وَاللُّغَةِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْوَعْظِ، وَمِنْ عُقَلاَءِ الرِّجَالَ.
قَدِمَ نَيْسَابُورَ سَنَةَ أرْبَعٍ وَثَلاثِينَ وَثلاثِ مِئَةٍ، فَسَارَ إِلَى قَضَاءِ نَسَا، ثُمَ انْصَرَفَ إِلَيْنَا فِي سَنَةِ سِبْعٍ، فَأقَامِ عِنْدَنَا فِي نَيْسَابُورَ، وَبَنَى الْخَانقاه، وَقُرِىءَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، ثُمَّ خرَجَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى وَطَنِهِ سَجِستان عَامَ أربعينَ، وكانت الرَّحْلَةُ إِلَيْهِ لِسَمَاعِ حَدِيثِهِ" 2.

وقد تابعَ الحاكمَ على هذا معظمُ المترجمينَ لابن حِبَّانَ.

شيوخه في هذه الرحلة ونتائجها

انطلق هذا الإِمام العظيم- وَقَلْبُهُ يَكْتَوي بنار الشوق للأهل، والحنين إلى الوطن- يجوب الأرْضَ، ويصَارعُ أعباءَ الحياةِ وَأوْهَاقَهَا، يُذَلِّلُ الصِّعَابَ متناسياً المتاعبَ.
ويتجاوز العقباتِ عَلَّهُ يَجِدُ مَا يُعَزِّيهِ، مُنْصرفاً إلى الجَمْع والتَّحْصِيل، فَكَان يَنْتَزِعُ الْعِلْم مِنْ صُدورِ الرِّجَالِ، وُيدَوِّنُ كلَّ مَا يَسْمَعُ، وَيُسَجِّلُ كُلَّ مَا يُشَاهِدُ، دُونَ أنْ يَصرِفَهُ عَنْ غَايَتِهِ صَارِفٌ.
يَقُولُ فِي مُقَدِّمَةِ صحِيحهِ: "لَقَدْ كَتَبْنَا عَنْ أكْثَرَ مِنْ ألْفَيْ شَيْخٍ ... " 1. فَقَدْ زَارَ مُعْظَمَ البلدانِ في الخلافَةِ الإِسْلاميةِ المتراميةِ الأطْرَافِ، وفي كل بلدٍ حَلَّهُ كانَ لَهُ شَيْخٌ.
أو شيوخٌ تَلَقَّى عَنْهُمُ العِلْمَ، وَروَى عَنْهُمُ الْحَديثَ، وَقَدْ سَمَّى لَنَا مُتَرْجِمُوهُ بَعْضَ شُيوخِهِ، فَقَالُوا: إِنَهُ أَخَذَ الْعِلْمَ فِي: 1 - مَرْو: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن سليمان، وعن أبي يحيى محمد بن محمد بن خالد المديني.
2 - سِنْج: عن أبي علي الحسين بن محمد بن مصعب السنجي، وعن أبي عبد الله محمد بن نصر الهُورَقَاني.
3 - نَسَا: عن الحسن بن سفيان، وعن محمد بن يوسف النسائي، وعن محمد بن محمود بن عديّ النسائي.
4 - نَيْسَابُور: عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج، وعن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه الأزدي.
5 - أَرْغِيان: عن محمد بن المسيب بن إسحاق الأرغياني.

6 - جُرْجَان: عن عمران بن موسى بن مجاشع الجرجاني، وأحمد بن محمد بن عبد الكريم الوزان الجرجاني.
7 - الرَّي: عن العباس بن الفضل بن عاذان المقرئ، وعلي بن الحسن بن مسلم الرازي.
8 - الْكَرَجِ: عن أحمد بن عمارة بن الحجاج الحافظ، والحسين بن إسحاق الأصبهاني.
9 - عَسْكَر مُكْرَم: عن عبد الله بن أحمد بن موسى الجواليقى المعروف بـ"عبد ان الأهوازي".
10 - تُسْتَر: عن محمد بن أحمد الرقام، وأحمد بن محمد بن زهير الحافظ.
11 - جُنْدَيْسَابُور: عن عمر بن حفص البزار.
12 - الأهواز: عن محمد بن يعقوب الخطيب.
13 - الأُبُلَّةَ: عن محمد بن زهير الأُبُلِّي، وعن عمر بن عبد الله بن عمر الهَجَرِيّ، والحسين بن محمد بن بسطام الأبلي.
14 - البصرة: عن الفضل بن الحُبَاب الجَمَحِيّ، وأحمد بن عمرو الزَّيْبَقِيّ، وبكر بن أحمد بن سعيد الطاحي، وزكريا بن يحيى الساجي، ومحمد بن علي الصيرفي، وعبد الكريم بن عمر الخطابي، ومحمد بن إبراهيم البدوري، ومحمد بن غدار الحارثي.
15 - واسط: عن جعفر بن أحمد بن سنان القطان، وأحمد بن موسى، والخليل بن محمد الواسطي.
16 - فم الصِّلح: عن عبد الله بن قحطبة بن مرزوق الصِّلْحِيّ.
17 - نَهَر سَابس: عن خلاد بن محمد بن خالد الواسطي.
18 - بغداد: عن حامد بن محمد بن شعيب البلخي، والهيثم بن خلف الدوري، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وعبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي.

19 - الكوفة: عن أبي عبد الله بن زيدان البَجَلي.
20 - مكة المكرمة: عن محمد بن إبراهيم بن المنذر النَيْسَابُورِي، والمفضل بن محمد بن إبراهيم الجندي.
21 - سَامُرَّاء: عن علي بن سعيد العسكري.
22 - الْمَوْصِل: عن أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، وهارون بن المسكين البلدي، وزيد بن علي بن عبد العزيز بن حبان الموصلي، وروح بن عبد المجيد الموصلي، وإبراهيم بن علي بن عبد العزيز العمري.
23 - سِنْجَاد: عن علي بن إبراهيم بن الهيثم الموصلي.
24 - نَصِيبين: عن هاشم بن يحيى النصيبيني، ومسدد بن يعقوب بن إسحاق الفلوسي.
25 - كفرتوثا، من ديار ربيعة: عن محمد بن الحسين بن أبي معشر السلمي.
26 - سرغامرطا، من ديار مضر: عن أحمد بن خالد بن عبد الملك بن مسرح الحرّاني.
27 - الرافقة: عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن فروخ البغدادي.
28 - الرقة: عن الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان.
وأحمد بن محمد بن يحيى الشحام.
وعلي بن الحسين العسكري.
29 - مَنْبِج: عن عمر بن سعيد بن سنان الحافظ، وصالح بن الأصبغ بن عامر التنوخي.
30 - حلب: عن أحمد بن داود بن محسن بن هلال المصيصي.
31 - أنْطَاكية: عن وصيف بن عبد الله الحافظ.
32 - طَرَسُوس: عن محمد بن يزيد الدرقي، وإبراهيم بن أبي أُمية الطرسوسي.
والحسن بن إسحاق بن إبراهيم الخولاني.

33 - أذَنَةَ: عن محمد بن علان الأذني.
34 - صَيْداء: عن محمد بن أبي المعافى بن سليمان الصَّيْداوي.
35 - صُور: عن جعفر بن محمد الهمداني.
36 - بَيْروت: عن محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي- مكحول-.
37 - حِمْص: عن محمد بن عبد الله بن الفضل الكَلاعي الرَّاهب.
38 - دمشق: عن أحمد بن عمير بن جوصاء الحافظ الدمشقي، وعن جعفر ابن أحمد بن عاصم الأنصاري الدمشقي، وعن حاجب بن أركين الفرغاني.
39 - عَسْقَلان: عن محمد بن قتيبة اللخمي.
40 - بَيْت المقدس: عن عبد الله بن محمد بن مسلم الخطيب المقدسي.
41 - الرمْلَة: عن محمد بن الحسن أبي بكر بن قتيبة العسقلاني.
42 - الفُسْطاط من مصر: عن أحمد بن شعيب بن علي النسائي، وعن سعيد بن داود بن وردان المصري، وعلي بن الحسين بن سليمان.
43 - هَرَاة: محمد بن المنذر بن سعيد المعدل 1. رحم الله ابنَ حبان ما كانَ أصبرَهُ عَلَى تَحَمُّل المشاقّ في سبيل العلم، وَجَمْعِ الحديثِ النبويِّ الشَّريفِ، وَتَلَقَيهِ مِنْ أفْوَاهِ أَساتِيذِهِ الذينَ عُرِفوا به في كل مصر من الأمصار.
وَهذَا غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ، من الشيوخِ والعلماء ائَذين اتَّصَلَ بهم وأخذ عنهم العلم.
ولكن ما الذي خلّفه ابن حبان للمكتبة الِإسلامية؟ قال الخطيب البغدادي الحافظ، فيما رواه عنه ياقوت في "معجم

البلدان" 1/ 417: "ومن الكتب الَّتي تَكْثُرُ منافعها، إِنْ كانَتْ عَلَى قَدْرِ مَا تَرْجَمَهَا بهِ وَاضِعُهَا، مصنفات أبيَ حَاتِمٍ محمد بن حبان البُسْتِي، الَّتي ذَكَرَها لِي مَسْعودُ بْنُ نَاصِر السَّجَزيّ ووقفني عَلَى تَذْكِرَةٍ بأسمائِها، ولم يُقَدَّرْ لِيَ الوُصُولُ إلَى النَّظَرِ فِيهَا، لِأنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ بَيْنَنَا، وَلَا مَعْرُوفَة عِنْدَنَا، وأنَا أذْكُرُ مَا اسْتَحْسَنْتُهُ سِوَى مَا عَدَلْتُ عَنْهُ وَاطَّرَحْتُهُ".
وقَدْ ذَكَرَ الخطيبُ اسْمَاءَ طَائِفةٍ كبيرةٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ ابْنِ حِبَّانَ نقلها عنه ياقوت، فكان لَهُمَا الْفَضْلُ في حِفْظ أسْمَاءِ هذَا التُّرَاثِ الْعِلْمِيّ الْعَظِيمِ.

تآليف ابن حبان

: وَأمَّا الكُتُبُ الّتِي انْتَهَتْ إِلَيْنَا مِنْ مُؤَلَّفَاتِ هذَا الإمَامِ البَّارِعِ، وَالْحافِظِ النَّاقِدِ، فَهِيَ: 1 - "الْمُسْنَدُ الصَّحيحُ عَلَى التَّقَاسِيم وَالأنْوَاعِ، مِنْ غَيْرِ وُجُودِ قَطْع.
فِي سَنَدِهَا، وَلَا ثُبُوتِ جَرْحٍ فِي نَاقِلِيهَا" وَالْمَشْهُور جمنْدَ الْعُلَمَاءِ بِ "صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان " وسنتحدث عنه فيما بعد.
2 - "كِتَابُ الثِّقَات" يقول ابن حبان في مقدمته 1/ 3: "فَلَمَّا رأيْتُ مَعْرفَةَ السُّنَنِ مِنْ أعْظَمِ أَرْكَانِ الدِّينِ، وَأنَّ حِفْظَهَا يَجِبُ عَلَى أكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأنَّهُ لا سبيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ السَّقِيمِ مِنَ الصَّحيحِ، ولا صحة إخراج الدليل من الصريَح، إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين، وكيفية ما كانوا عليه من الحالات، فأردت أن أُملي أسامي أكثر المحدّثين، ومن الفقهاء من أهل الفضل والصالحين، ومَن سلك سبيلهم من الماضين".
لقد بيّن لنا في هذا النص الدَّافعَ إلى كتابة "الثقات" و"الضعفاء" أيضاً.
ولكن ما الخطة التي اتبعها في تأليف كتابه "الثقات"؟.
يقول في مقدمته 1/ 10 "وأبدأ منهما بالثقات، فنذكر ما كانوا عليه

من الحالات: فأول ما أبدأ في كتابنا هذا ذكر المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ومولده، ومبعثه، وهجرته إلى أن قبضه الله تعِالى إلى جنته، ثم نذكر بعده الخلفاء الراشدين المهديين بأيامهم إلى أنْ قُتِلَ عَلِي - رحمة الله عليه- ثم نذكر صَحْبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحداً واحداً عَلَى المعجم إذْ هُمْ خَيْرُ النَّاسِ قَرْناً بَعْدَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم، ثم نَذكر بَعْدَهُمُ التابعين الذين شافَهُوا أصحابَ رَسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في الأقاليم كُلِّها عَلَى المعجم، إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرناً، ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين، فأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأوليين، ثم نذكر القرن الرابع الذين هم أتباع التابعين على سبيل مَن قبلهم.
وهذا القرن ينتهي إلى زماننا هذا، ولا أذكر في هذا الكتاب إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم".
ونسأل: متى يجوز الاحتجاج بخبر هذا الثقة؟ فيجيبنا: "إذا تعرّى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممّن أذكره في كتابي هذا، فإن الخبر لا ينفك من إحدى خصال خمس: 1 - إمَّا أنْ يكونَ فوق الشَّيْخ الَّذي ذكرتُ اسْمَهُ في كِتَابي هذا، في الإِسناد رَجُل ضعيف.
2 - أو يكون دونَهُ رجلٌ واهٍ لا يجوزُ الاحتجَاجُ بِرِوَايَتِهِ.
3 - أو الْخَبَرُ يَكُونُ مُرْسلاً لا يَلْزَمُنَا بهِ الْحُجَّةُ.
4 - أوْ يَكُونُ مُنْقَطِعاً لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ الحُجَّةُ.
5 - أوْ يَكُونُ في الإسناد رَجُلٌ مُدَلِّس لم يبيِّنْ سَمَاعَهُ في الخبر من الذي سمعه منه" الثقات 1/ 12.

"فَكُلَّ مَنْ ذكرته في كتابي هذَا، إِذَا تَعَرَّى خبره عن الخصال الخمَس التي ذكرتها، فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره، لأن العدل مَن لم يعرف منه الجرح، والجرح ضد التعديل، فمَن لم يعلم بجرح، فهو عدل إذا لم يبيّن ضده، إِذْ لَم- يُكَلَّفِ النَّاسُ مِنَ النَّاسِ مَعْرِفَةَ مَا غَابَ عَنْهُمْ، وَإنَّمَا كُلِّفُوا الْحُكْمَ بِالظَّاهِرِ من الأَشْيَاءِ غير المغيب عنهم، جعلنا الله ممّن أسبل عليهم جَلابيبَ السَّتْر في الدُّنيا، واتَّصل ذلِكَ بالْعَفْوِ عَنْ جِنَايَاتِهِ في العُقْبَى، إِنَّه الفَعَّالُ لما يُريدُ".
الثقات 1/ 13 - 14 آخر مقدمَته.
وَقَدْ طُبِعَ هذا الكتاب في تسعة أجزاء، وصنعت لهِ فهارس في مجلد عاشر 1. 3 - كتاب "الجرح والتعديل" وهو في تراجم الرجال مِنْ جِهَة مَنَازِلهم في الرِّوَايَةِ.
وهو مُكَمِّلُ لِكِتَابِهِ "الثِّقَات".
4 - كتاب "الضُّعَفَاء" الذي قام بتحقيقه المحقّق الفاضل محمود إبراهيم زايد بعنوان "المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين".
وتمّ طبعه بثلاثة أجزاء.
وقد قال في تقدمته: 1/ 1. "من خير الكتب وأجمعها، فإن ابن حبان يخطو في هذا الكتاب خطوة واسعة في هذا الفن؛ أ- هو أولاً وضع قواعده العشرين في التضعيف والجرح وترك الرجال.
ب- يذكر اسم الرجل كاملاً، والحكم عليه، والأسباب التي استند إليها في تكوين هذا الحكم، بينما كان النسائي- وهو أُستاذ ابن حبان- وَمَنْ عاصرَهُ أو مَنْ سَبَقَهُ مق الشيوخ يكتفون في مصنفاتهم عن

ضعفاء الرجال بذكر اسم الراوي، والرأي فيه باختصار شديد مثل: فلان ضعيف، منكر الحديث، ضعّفه فلان، تركه فلان.
ج- ينقل بعد هذا رأي الأئمة في الرجال.
د- ينهي الترجمة برواية الأحاديث التي أنكرها المحدّثون عليه، ويصدر ذلك بقوله: "قال أبو حاتم: .... " لكن لا يسلم له بكل ما جاء فيه، فقد يندّ عن الصواب في بعض ما ذهب إليه كما بيّنه النقاد.
5 - كتاب "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" وهو كتاب نفيس في مكارم الأخلاق والخصال المحمودة، وهو مطبوع بتحقيق محي الدين عبد الحميد، ومحمد عبد الرزاق حمزة، ومحمد حامد الفقي سنة (1949). 6 - كتاب "مشاهير علماء الأمصار" قام بتحقيقه مـ: فلايشهمر سنة (1959). وقد ضم (1602) ترجمة من الصحابة، والتابعين، وأتباع التابعين، ومن تبعهم من الأخيار والصالحين: من الحجاز بحواليها، والعراق بنواحيها، والشام بأطرافها، ومصر بجوانبها، واليمن بما والاها، وخراسان بما دار عليها.
هذا ما اطّلعنا عليه من مؤلفات هذا الِإمام التي انتهت إلينا، أما مؤلفاته التي ذكرها مَن ترجم له، ولم نقف عليها، ويغلب على الظن أنها أصبحتِ في حكم المفقود فهي: 1 - كتاب "الهداية إلى علم السنن" الذي قصد فيه إظهارَ الصِّنَاعَتيْنِ، وَهُمَا صِنَاعَتَا الحديثِ والفِقْهِ، يذكر فيه الحديثَ، ويترجم لَه، ثم يذكرُ مَنْ يَتَفَرَّدُ بِذلِكَ الحديثِ، وَمِنْ مَفَارِيدِ أي بَلَدٍ هوَ.
ثم يذكر كُلَّ اسْمٍ فِي إسْنَادِهِ مِنَ الصَّحابيِّ إِلَى شَيْخِهِ بما يعرفُ مِنْ نِسْبَتِهِ، ومولده، وتاريخ وفاته، وكنيته وقبيلته، وفضله وتيقظه، ثم يذكر ما في الحديث من الفقه والحكمة.
فإن عِارضه خبِر ذكره وجمع بينهما، وإن تَضادَّ لَفْظُهُ مع خَبر آخرَ تَلَطَّفَ للجمع بينهما حتى يعلم ما في كل خبر من صناعة الحديث والفقه معاً.

وقال الكثير من العلماء: وَهذَا مِنْ أنْبَلِ كُتُبِهِ وَأعَزِّهَا.
2 - كتاب "شعب الإِيمان" يعدّ ابن حبان من أقدم مَن ألّف في ذلك، ثم تبعه الحليمي والبيهقي.
3 - كتاب "الصحابة" ويتألف من خمسة أجزاء.
4 - كتاب "التابعين" ويتألف من اثني عشر جزءاً.
5 - كتاب "أتباع التابعين" ويتألف من خمسة عشر جزءاً.
6 - كتاب "تبع الأتباع" ويتألف من سبعة أجزاء.
7 - كتاب "تبع التبع" ويتألف من عشرين جزءاً.
8 - كتاب "الفصل بين النقلة" ويتألف من عشرة أجزاء.
9 - كتاب "علل أوهام التواريخ" ويتألف من عشرة أجزاء.
10 - كتاب "ما انفرد به أهل المدينة من السنن" ويتألف من عشرة أجزاء.
11 - كتاب "ما انفرد به أهل مكة من السنن" ويتألف من عشرة أجزاء.
12 - كتاب "غرائب الأخبار" ويتألف من عشرين جزءاً.
13 - كتاب "ما أغرب الكوفيون عن البصريين" ويتألف من عشرة أجزاء.
14 - كتاب "ما أغرب البصريون عن الكوفيين" ويتألف من ثمانية أجزاء.
15 - كتاب "الفصل والوصل" ويتألف من عشرة أجزاء.
16 - كتاب "موقوف ما رفع" ويتألف من عشرة أجزاء.
17 - كتاب "أدب الرحّالة" وهو جزآن.
18 - كتاب "علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه" وهو عشرة أجزاء.
19 - كتاب "علل ما استند إليه أبو حنيفة" عشرة أجزاء.
20 - كتاب "ما خالف الثوري فيه شعبة" ثلاثة أجزاء.
21 - كتاب "علل حديث الزهري" وهو عشرون جزءاً.
22 - كتاب "مناقب مالك بن أنس" جزآن.
23 - كتاب "علل حديث مالك" عشرة أجزاء.

24 - كتاب "مناقب الشافعي" جزآن.
25 - كتاب "المعجم على المدن" عشرة أجزاء.
26 - كتاب "المقلّين من الحجازيين" عشرة أجزاء.
27 - كتاب "المقلّين من العراقيين" عشرون جزءاً.
28 - كتاب "الجمع بين الأخبار المتضادّة" جزآن.
29 - كتاب "وصف المعدِّل والمعدَّل" جزآن.
30 - كتاب "ما عند شعبة عن قتادة وليس عند سعيد عن قتادة" جزآن.
31 - كتاب "أسامي مَن يعرف بالكنى" ثلاثة أجزاء.
32 - كتاب "كنى مَن يعرف بالأسامي" ثلاثة أجزاء.
33 - كتاب "التمييز بين حديث النضر الحداني، والنضر الخزاز" جزآن.
34 - كتاب "الفصل بين حديث أشعث بن مالك، وأشعث بن سوار" جزآن.
35 - كتاب "الفصل بين حديث منصور بن المعتمر ومنصور بن زاذان" ثلاثة أجزاء.
36 - كتاب "الفصل بين مكحول الشامي ومكحول الأزدي" جزء واحد.
37 - كتاب "ما أسند جنادة عن عبادة" جزء واحد.
38 - كتاب "الفصل بين حديث ثور بن يزيد، وثور بن زيد" جزء واحد.
39 - كتاب "ما جعل عبد الله بن عمر، عبيد الله بن عمر" جِزآن.
40 - كتاب "ما جعل شيبان سفيان، أو سفيان شيبان" ثلاثة أجزاء.
41 - كتاب "الأبواب المتفرقة" ثلاثون جزءاً.
42 - كتاب "الفصل بين حدّثنا وأخبرنا" جزء واحد.
43 - كتاب "التاريخ"، وهو من الكتب الكبيرة لذلك لجأ إلى تأليف "الثقات" و"الضعفاء" منه ليسهل العودة إليهما على مَن يريد ذلك.
انظر مقدمة "الثقات".
44 - كتاب "وصف العلوم وأنواعها" ثلاثون جزءاً

45 - كتاب "صفة الصلاة" ذكره في "صحيحه".
46 - كتاب "محجّة المبتدئين " ذكره في الصفحة (19) من "روضة العقلاء".
47 - كتاب "العالم والمتعلّم" ذكره في الصفحة (27) من "روضة العقلاء".
48 - كتاب "حفظ اللسان " ذكره في الصفحة (36) من "روضة العقلاء".
49 - كتاب "مراعاة العشرة" ذكره في الصفحة (74) من "روضة العقلاء".
50 - كتاب "الثقة بالله" ذكره في الصفحة (111) من "روضة العقلاء".
51 - كتاب "التوكل" ذكره في الصفحة (135) من "روضة العقلاء".
52 - كتاب "مراعاة الإِخوان" ذكره في الصفحة (159) من "روضة العقلاء".
53 - كتاب "الفصل بين الغنى والفقر" ذكره في الصفحة (200) من "روضة العقلاء".
54 - كتاب "السخاء والبذل" ذكره في الصفحة (205) من "روضة العقلاء".
قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي لما وقف على تذكرة ابن ناصر السجزي المتضمنة أسماء مصنفات ابن حبان: "سألتُ مسعودَ بن ناصر، فقلت لَهُ: أكُلُّ هذِهِ الْكُتُبِ مَوْجُودَةٌ عِنْدَكُمْ وَمَقْدُورٌ عَلَيْهَا بِبِلاَدِكُمْ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا يُوجَدُ مِنْهَا الشَيْءُ الْيَسِيرُ والنزْرُ الْحَقِيرُ" وكان هذا بعد مئة سنة من عصر ابن حبان.
قال الخطيب البغدادي: "ومِثْلُ هذِهِ الكُتُب الْجَليلَةِ كانَ يجبُ أن يكثرَ بها النَسْخُ، فيتنافسَ فيهَا أهلُ العلم ويَكْتَبُونَهَاَ وُيجَلِّدُونَهَا إِحْرَازاً لَهَا، ولا أحْسَبُ المانِعَ مِنْ ذلِكَ كانَ إلا قِلَّةَ مَعْرِفَةِ أهْلِ تِلْكَ البلادِ بمَحَلِّ الْعِلْم وَفَضْلِهِ وَزُهْدِهمُ فِيهِ، وَرَغْبَتَهُمْ عَنْهُ، وَعَدَمَ بَصيرَتِهِمْ بِهِ" 1. فإذا ما علمنا أن هذه الثروة الهائلة من الكتب- على تنوّع أبحاثها

واختلاف حجوم أجزائها- قد ضاعت، ما عدا اليسير منها، أدركنا بالغ الخسارة التي منيت بها المكتبة الإسلامية بضياع هذا العلم العظيم.

موقفه مما جمع

: لقد وفِّق ابن حبان في رحلته الطويلة أيما توفيق، فقد اجتمع له من الشيوخ، والروايات، والأخبار، الشيء الكثير، والعدد الوفير، فقد جاء في مقدمة صحيحه أنه كتب عن أكثر من ألفي شيخ، وهذا العدد الجمّ من الشيوخ يندر أن تجده في إمام من الأئمة، إلا أنه حين شرع في تدوينه الصحيح، أسقط كثيراً من الشيوخ، ولم يعتد بمروياتهم، لأنه لم تتحقق فيهم شروط الصحة التي أبان عنها في مقدمة كتابه، واقتصر على مئة وخمسين شيخاً منهم، أقل أو أكثر، وقد عوَّل على عشرين منهم أدار السنن عليهم، واقتنع بروايتهم عن رواية غيرهم، فقد جاء في المقدمة: "ولم نرو في كتابنا هذا إلا عن مئة وخمسين شيخاً، أقل أو أكثر، ولعلّ معول كتابنا هذا يكون على نحو من عشرين شيخاً، أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا بروايتهم عن رواية غيرهم".
ويعلّق الِإمام الذهبي على هذا النص، فيقول: "كذا فلتكن الهمّة، هذا مع ما كان عليه من الفقه، والعربية، والفضائل الباهرة، وكثرة التصانيف" 1. وأما الشيخ أحمد شاكر فيقول: "وفي هذا مقنعٌ لمن أراد علماً وطمأنينة" 2. فابن حبان إذاً لم يكن جامعاً فحسب، وإنما كان ناقداً فذّاً، وعالماً حصيفاً، ومدقِّقاً ذكياً، ومجتهداً جريئاً، له منهجه وأُسلوبه، شجاعاً متقحماً،

صحيح ابن حبان

ص (2).

تجاوز هيبة الصحيحين، ونقد الشيخين، بل نقض أُسلوب ترتيبهما.
ولم يسلم منه حتى شيخه ابن خزيمة، علماً بأنه احتل من نفسه مكانة لم يحتلها غيره من المشايخ الذين اتصل بهم، ونقل العلم عنهم 1. يقول ابن حبّان فيما نقله عنه الحازمي: "فإن الحديث إذا صحّ سنده، وسلم من شوائب الجرح فلا عبرة بالعدد والأفراد، وقد يوجد- على ما ذكرت- حديث، فينبغي أن يناقش البخاري في ترك إخراج أحاديث هي من شرطه، وكذلك مسلم، ومَن بعده" 2. ولم نعلم- فيما اطّلعنا عليه- أنه كتب في الصحيح بعد مسلم إلا ابن خزيمة.
ويقول أيضاً في مقدمة صحيحه: "وإني لما رأيت الأخبار طرقها كَثُرت، ومعرفة الناس بالصحيح منها قلَّت، لاشتغالهم بكتبة الموضوعات، وحفظ الخطأ والمقلوب، حتى صار الخبر الصحيح مهجوراً، لا يكتب، والمنكر المقلوب عزيزاً يستغرب، وأن من جمع السنن من الأئمة الماضين المرضيين، وتكلم عليها أهل الفقه والدين، أمضوا في ذكر الطرق للأخبار، وأكثروا من تكرار المعاد للآثار، قصداً منهم لتحصيل الألفاظ على مَن دام حفظها من الحفّاظ فكان ذلك سبب اعتماد المتعلّم على ما في الكتاب، وترك المقتبس التحصيل للخطات، فتدبرت الصحاح لأسهِّل حفظها على المتعلمين، وأمعنت الفكر فيها لئلا يصعب وعيها على المقتبسين" 3.

فابن حبَّان إذا لم يكن سائحاً في العالم الِإسلامي، تخلبه الظواهر، وتخدعه المظاهر، وإنما كان باحثاً عن العلم، متشوقاً إلى الِإحاطة بالحقائق، متطلعاً إلى معرفة الأسباب والنتائج ليحكم عليها حكم العالم المجرِّب الخبير، والناقد المتأنّي البصير.
ولعلّنا لا نجانب الحق إذا قلنا: إن قِمَّةَ حَصِيلَة هذه الرحلة المباركة كتابه العظيم "التقاسيم والأنواع ... " أو "

صحيح ابن حبان

". صحيح ابن حبان: إن الاسم الكامل الذي وضعه أبو حاتم لمصنفه العظيم هو: "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع، من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها".
غير أن العلماء الذين تعرضوا لذكره في مصنفاتهم اختلفوا في تسميته، وكلٌ منهم قد أطلق عليه جزءاً من هذه التسمية الطويلة.
فالذهبي ينقل عن الِإدريسي قوله: "صنّف -يعني ابن حبان- المسند الصحيح" 1 ويذكره في الصفحة نفسها باسم "الأنواع" ويقول فيها أيضاً: "وفي صحيحه" أي: صحيح ابن حبان.
بينما يطلق عليه في "تذكرة الحفّاظ" 2 اسم "الأنواع" و"كتاب الأنواع والتقاسيم".
وأما أبو عمرو بن الصلاح فقد أطلق عليه في "مقدمته" 3 اسم "صحيِح أبي حاتم ابن حبان" وسمّاه العراقي "صحيح ابن حبان" وقال أيضاً: "وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي"، المسمى بـ"التقاسيم والأنواع".
وأطلق عليه محمد بن إسماعيل الصنعاني في كتاب "توضيح

الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار" 1/ 64 "صحيح ابن حبان" وبهذه التسمية وسمه السيوطي في "التدريب" 1/ 109 إذ قال: "صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع".
وهذا الصحيح- بترتيبه المخترع- ليس موجوداً كاملاً، وإنما الموجود بين أيدينا "الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان" الذي رتبه الفارسي على أبواب الفقه، غير أنه لم يترك شاردة ولا واردة إلا أثبتها، حتى رموز التقاسيم والأنواع التي تدل على مكان وجودها في الأصل.
فالفارسي- بحق- قمة شامخة في الأمانة العلمية، وفي المحافظة على الأصل، وفي عمله هذا إبقاء على النسب الواضح بين المؤلَّف وبين صاحبه.
وأما نحن فقد اخترنا هذه التسمية "صحيح ابن حبان" للأسباب التالية: 1 - لأن هذا الاسم هو الشائع الذائع في الأوساط العلمية، والعامة، وفي المؤلفات التي يتعرض أصحابها لذكر هذا الصحيح.
2 - لأنه أخصر التسميات، وأسهلها نطقاً على اللسان، وأعذبها وقعاً على الآذان.
3 - تأسياً بـ"الجامِع الصحيح" للِإمام البخاري، الذي لم يذع ولم ينتشر بهذا الاسم، وإنما انتشر وذاع باسم "صحيح البخاري".

شروط ابن حبان وموقف العلماء منها

: تربع ابن حبان على كرسي الأُستاذية- وهو به جدير- بعد أن أفنى نصفَ عُمُرِهِ جوّاباً في الآفاقِ، جَمَّاعاً لِلْعِلْمِ، طَلَّاباً للحق، حَتَّى أصْبَحَ الأسْتَاذَ الْعَلَمَ في أكثر من فَنٍّ، وبخاصة في هذا العلم الشريف، وأصبحت الرحلة إليه لقراءة كتبه عليه، واِلافادة منه.
لقد أصبحَ الِإمامَ المجْتَهِدَ الذي يتدبَّرُ الصِّحَاحَ بفكرٍ ثاقبٍ، ورويَّةٍ

مُدْهِشَةٍ، عُمْدَتُهُ فِي ذلِكَ ذكاءٌ نَادِرٌ، وَخِبْرَةٌ طويلةٌ، وممارَسَةٌ أصيلَةٌ، وشجاعَةٌ فِي الْحَقِّ نَادِرَةٌ.
فَهُوَ بذلِكَ كله الإمامُ القادِرُ عَلَى الأخْذِ والردِّ، مِنْ كُلِّ شَيْخٍ سَابِقٍ لَهُ فِي هذَا المِضمَارِ النَّبِيل.
فَمَا الشُرُوطُ الًتي يَنْبَغِي أنْ تَتَوَفَّرَ فِي الْحَدِيثِ لِيَكُونَ مِنْ مَرْوَيَّاتِهِ، مُثْبَتاً فِي مُدَوَّنَاتِهِ؟ إِنَهُ يُقَررُ ذلِكَ- بِلَهْجَةِ الأُسْتَاذِ الوَاثِقِ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ: "وَأمَّا شَرْطُنَا فِي نَقَلَةِ مَا أوْدَعْنَاهُ كِتَابَنَا هذَا مِنَ السُّنَنِ، فَإِنَّنَا لَمْ نحتجَّ فِيهِ إلاَّ بِحَديثٍ اجْتَمَعَ فِي كُل شَيْخٍ مِنْ رُوَاتِهِ خَمْسَةُ أشْيَاءَ: الأول: العدالةُ في الدينِ بالسَّتْر الْجَمِيلِ.
والثاني: الصِّدْقُ في الحديثِ بالشَهْرَةِ فِيهِ.
والثالث: العَقْلُ بِمَا يُحَدِّثُ مِنَ الْحَدِيثِ.
والرابع: العِلْمُ بِمَا يُحِيلُ مِنْ مَعَانِي الآثَارِ.
والخامس: المتَعَرِّي خَبَرُهُ فَي التَّدْلِيسِ.
فَكُلُّ مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ هذِهِ الخِصَالُ الخَمْسُ، احْتَجَجْنَا بحَديثِهِ، وَبَنَيْنَا الْكِتَابَ عَلَى رِوَايَتهِ وَكُلُّ مَنْ تَعَرَّى عَنْ خَصْلَةٍ مِن هذه الْخِصَالِ الْخَمْسِ، لَمْ نحْتَجَّ بِهِ" 1. لقد كتب هذا المحقّق العظيمِ عن أكثر من ألفي شيخ، ولكن مُعَوَّلَ صَحِيحِهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ شَيْخاَ، اقْتَنَعَ بِرِوَايَتِهِمْ واطَّرَحَ الْبَاقِي.
فَكَيْفَ كانَتْ تَحْصُلُ لَهُ الْقنَاعَةُ؟ وَمَا الطَّرِيقُ الّذِي يَسْلُكُهُ لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا؟

يقول: "وَقَدِ اعْتَبَرْنَا حَديثَ شَيْخٍ شَيْخٍ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الاعْتِبَارِ عَلَى سَبيلِ الدِّينِ، فَمَنْ صحَّ عِنْدَنَا مِنْهُمْ أنَّهُ عَدْلٌ احْتَجَجْنَا بهِ، وَقَبلْنَا مَا رَوَاهُ، وَأدْخَلْنَاهُ فِي كِتَابنَا هذَا، وَمَنْ صحَّ عِنْدَنَا أنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ بالَاعْتِبَارَ الَّذِي وَصَفْنَا لَمْ نَحْتَجَّ بِهِ، وَأدْخَلْنَاهُ فِي كِتَاب (الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ) بِأحَدِ أسْبَابِ الْجَرْحِ" (1). فابن حبان يعتدّ بهذه الشروط الآنفة الذكر في كل شيخ من رواة السند، ومن ثم يحكم على الحديث بالصحة، ويدرجه في كتابه هذا، إذا استوفى الشروط المذكورة، أو يطرحه ويدرجه في "كتاب الضعفاء" إذا أخلّ بواحد منها، وهو في صنيعه هذا يعد نفسه إماماً مجتهداً، لا يقلد أحداً من الأئمة الذين تقدموه، ولا يعبأ بمخالفتهم له فيما انتهى إليه، يقول: "فَمَنْ صحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ بِالْبَرَاهِين الْوَاضِحَةِ، وَصِحَّةِ الاعْتِبَارِ- عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ- أنَّهُ ثِقَة احْتَجَجْتُ بِهِ، وَلَمْ اعَرِّجْ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَدَحَ فِيهِ.
وَمَنْ صَحَّ عِنْدِي بالدلائل النيرة، وَالاعْتِبَارِ الْوَاضِحِ- عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ- أنَهُ غَيْرُ عَدْلٍ، لَمْ أحْتَجَّ بِهِ، وَإِنْ وَثَّقَهُ بَعْضُ أئِمَّتِنَا" (2). وهذه الشروط التي شرطها ابن حبان لتصحيح الحديث في كتابه- وهي شروط دقيقة تتطلب جهداً كبيراً، ويقظة تامة، وإحاطة واسعة- قد التزمها، ووفى بها في عامة ما أدرجه في صحيحه هذا من الأحاديث، ولم يُخِل بذلك إلا فيما لا يخلو منه عالم أو كتاب من السهو والغلط، أو من اختلاف الرأي في الجرح والتعديل، والتوثيق والتضعيف، والتعليل والترجيح.

ترتيبه، وموقف العلماء منه

: إن ابن حبان الذي يعتقد أن في لزوم السنة "تَمَامَ.
السلامه، وَجِمَاعَ12

الْكَرَامَةِ، لَا تُطْفَأُ سُرُجُهَا، وَلا تُدْحَضُ حُجَجُهَا، مَنْ لَزِمَهَا عُصِمَ، وَمَنْ خَالَفَهَا نَدِمَ، إِذْ هِيَ الْحِصْنُ الْحَصِينُ، والرُّكْنُ الركِين" 1، لم يرضَ عن ترتيب الذين "أمْعَنُوا فِي ذكْرِ الطُّرُقِ لِلأخْبَارِ، وَأكْثَرُوا مِنْ تَكْرَارِ الْمُعَادِ لِلآثَارِ، قَصْداً مِنْهُمْ لِتَحْصِيلِ الأَلْفَاظِ عَلَى مَنْ رَامَ حِفْظَهَا مِنَ الْحُفَّاظِ، فَكَان ذلِكَ سَبَبَ اعْتِمَادِ الْمُتَعَلَمِ عَلَى مَا فِي الْكِتَاب، وَتَرْكِ الْمُقْتَبِسِينَ التَّحْصِيلَ لِلْخِطَابِ" 2. فلا بد إذاً- والحال هذه- من حيلة يحتالها، لِيَحْفَظَ النَّاسُ السُّنَنَ، وَلأِنْ لاَ يُعَرِّجُوا عَلَى الْكِتْبَةِ وَالْجَمْعِ إِلّاَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، دُونَ الْحِفْظِ وَالْعِلْم بهِ فَمَا الْحِيلَةُ التِي احْتَالَهَا، لِتَحْقِيقِ هذِهِ الغَايَةِ النَّبِيلَةِ؟! يقول: "فَتَدَبَّرْتُ الصِّحَاحَ لأسَهِّلَ حِفْظَهَا عَلَى المتعلِّمِينَ، وَأمْعَنْتُ الْفِكْرَ فِيهَا لِئَلاً يَصْعُبَ وَعْيُهَا عَلَى المقتبسِينَ، فَرأيتُهَا تَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أقْسَامٍ مُتَسَاوِيةٍ، مُتَّفِقةِ التَّقْسِيمِ غَيْرِ مُتَنَافِيَةٍ.
فأولها: الأوامرُ الَّتي أمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بِهَا.
والثاني: النَّواهِي الًتي نَهَى عِبَادَهُ عَنْهَا.
والثالث: إخْبَارُهُ عَمَّا احْتِيج إِلَى مَعْرِفَتِهَا.
والرابع: الإبَاحَاتُ الّتِي أُبِيحَ ارْتِكَابُهَا.
والخامس: أفْعَالُ النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الَّتِي انْفَرَدَ بِفِعْلِهَا.
ثمَّ رَأيْتُ كلَّ قِسْمٍ مِنْهَا يَتَنَوَّعُ أنْواعاً كَثِيرَةً" 3. "فَجَمِيغ أنْوَاعِ السنن

أربعُ مِئَةِ نَوْعٍ عَلَى حَسبِ مَا ذَكَرْنَاهَا" 1. فَهذِهِ إذاً تَقاسيمُهُ الخَمْسَةُ التي يتألفُ منها الصحيحُ، والتي تشتمل عَلَى أربع مِئَةِ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ وَقَدْ وَضَعَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا عُنْواناً يَدُلُّ عَلَى فِقْهٍ سَلِيمٍ، وَفَهْمٍ مُسْتَقِيمٍ، وقدكشفَ عنْ غَايَتِهِ مِنْ هذَا التَنْويعِ، وَأوْضَحَ مَا يُريدُ بِقَوْله- فِي الْمُقَدِّمَةِ 1/ 137 - "قَصْدُنَا فِي تَنْوِيعِ السُّنَنِ الكَشْفُ عَنْ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُمَا: خَبَرٌ تَنَازَعَ الأئِمَّةُ فِيه وَفِي تَأْوِيلِهِ، وَالآخَرُ: عُمُومُ خِطَابٍ صَعُبَ عَلَى أكْثِرِ النَاسِ الْوُقُوفُ عَلَى مَعْنَاهُ".
فهو إذاً- والحقَّ نَقولُ- العالمُ الذكيُّ، والأستاذُ الكُفْءُ الَّذي يُدرِكُ مَواطِنَ الصُّعوبَةِ فَيُذَلِّلُهَا، وَيدْرِي الأسْبَابَ في تَشَعُّب الآراءِ، فَيُحَاوِلُ جَمْعَهَا وتَسْلِيطَ الأضْوَاءِ عَلَيْهَا لِئَلاّ يَضِلَّ الفَهْمُ، وتَتَشَعَّبَ الآرَاءُ.
وَإِذَا سألنا: ما المثالُ الَّذي احتذاهُ فِي ترتيبِ صَحِيحِهِ؟ وَجَدْنا إجابتَهُ مَشْفوعَةً بِالتَّعْلِيلِ "لأنَّ قَصْدَنَا فِي نَظْمِ السُّنَنِ حَذْوُ تَألِيفِ الْقُرْآنِ، لأِنَّ الْقُرْآنَ أُلِّفَ أجْزَاءً فَجَعَلْنَا السُنن أقْسَاماً بِإِزَاءِ القُرْآنِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الأجْزَاءُ مِنَ الْقُرْآن كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى سُوَرٍ، جَعَلْنَا كُلَّ قِسْمٍ مِنَ السنن يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ، فَأنْوَاعُ السُنَنِ بِإِزَاءِ سُوَرِ القرْآنِ.
وَلَمَّا كَانَتْ كُلًّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ تَشْتَمِلُ عَلَى آيٍ، جَعَلْنَا كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أنْوَاعِ السُّنن يَشْتَمِلُ عَلَى أحَاديثَ.
وَالأحَادِيثُ مِنَ السُّنَنِ بِإِزَاءِ الآي مِنْ القُرْآنِ" 2.

هذَا هُوَ التَّرْتيبُ الّذِي ابْتَدَعَتْهُ عَقْلِيَّةٌ جَبَّارَةٌ، عميقَةُ الغَوْرِ، دقيقَةُ التنظيمِ، قَد اجْتَمَعَ لِصَاحِبِهَا مِنَ الصِّفَاتِ، مَا لَا يَجْتَمعُ إِلاَّ فِي القَلِيلِ النَادِرِ مِنَ النَّاسِ، فَهُوَ الذكِيُّ الألْمَعِيُّ، وَهُوَ البَاحِثُ الْمُنَقِّبُ، وَهُوَ الْعَالِمُ الْمُطَّلِعُ، وَهُوَ النَّاقِدُ العَبْقَرِيُّ.
اطَّلَعَ عَلَى كُل مَا تَرَكَهُ السَّابقون- وَقَدْ انْضَجَهُ الزَمَانُ، وَصَقَلَتْهُ التَّجْربَةُ، وَمَحَّصَتْهُ الاخْتِبَارَاتُ، فَنَفَذ بِبَصِيرَتِه إِلَى لُبِّهِ، وَتَغَلْغَلَ فِي أَعْمَاقِهِ، وَتَعرفَ أسْرَارَهُ، مُرَاعِياً القَانُونَ الجَامِعَ، لِيَرْبِطَ بِهِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَيجْمَعَ حَوْلَهُ الأشْتَاتَ الَّتي تَرْبِطُهَا بِهِ رَابِطَةٌ مِنْ مَعْنَى، فَيَرْصُفُ ذلِكَ فِي تَقْسِيمٍ واحد مُتَفَرعَ إِلَى أنْوَاعٍ.
هذَا هُوَ التَرْتِيبُ الّذِي.
وَصَفَهُ السيوطى في "التَدْرِيب" بقَوْلهِ: (صَحِيحُ ابْن حِبَّانَ تَرْتِيبُهُ مُخْتَرَعٌ، لَيْسَ عَلَى الأبْوَابِ، وَلَيْسَ عَلَىَ المَسَانِيدِ، وَلِهذا سَمَّاهُ "التَقَاسِيمَ وَالأنْوَاع " ... ) 1. فكيف استقبل هذا الترتيب، وماذا قال العلماء فيه؟ أوَّلُ عِبَارَةٍ نُطَالِعُهَا فِي الْحُكْمِ عَلَى أُسْلُوبِ ابْنِ حبان وَتَرْتِيبِهِ لِصَحِيحِهِ - فِيما اطلَعْنَا عَلَيْهِ- عِبَارَةٌ قَالَهَا الامَامُ الذَهَبِي فِي "سِيَرِ اعْلاَم النُبَلاَءِ" 2: "وَقَدِ اعْتَرَفَ- يَعْنِي ابْنَ حبان- أنَّ صَحِيحَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَشْفِ مِنْهُ إلاَّ من حَفِظَهُ، كَمَنْ عِنْدَهُ مُصْحَفٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَوْضِعِ آيَةٍ يُرِيدُهَا مِنْهُ إلاَّ مَنْ حَفِظَهُ".
وَهِيَ عِبَارَةٌ مَبْتُورَةٌ، تَنَاوَلَهَا الذَّهَبي بحَذَرٍ لِيَجْعَلَهَا دَليلاً عَلَى صحة حُكْمِهِ.
وَلِعَظِيمِ مَكَانَةِ الْحَافِظِ الذهَبِى فِي النفوس- وَهُوَ بِهَا جَدِيرٌ - وَهُوَ

الْمَعْرُوفُ بالإسْتِقْصَاءِ التَامِّ المشهودُ له بالإِمامة في هذا الفن- تَلَقَّفَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ هذَاَ الحُكْمَ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِأُسْلُوبِهِ الْخَاصِّ دُونَ سَبْرٍ لأِبْعَادِهِ وَإمْتِحَانٍ لِمُسَوِّغَاتِهِ.
فَالأمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ الفَارِسيّ- وَهُوَ الَّذي أعادَ ترتيبَ صَحيح ابن حبَّان عَلَى أبْواب الفِقْه- يَقُولُ: "لكِنَّهُ أيْ صَحِيح ابن حِبَّان- لِبَديعِ صُنعِهِ، وَمَنِيعِ وَضْعِهِ قَدْ عَزَّ جَانِبُهُ، فَكَثُرَ مُجَانِبُهُ" 1. وَعِبَارَتُهُ- كَمَا تَرَى- لَا تَصِفُ الصَّحِيحَ بِعُسْرِ التَّرْتِيب بمِقْدَارِ مَا تَصِفُ النَّاسَ بفُتُورِ الْهِمَمِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَضَعْفِ الْعَزَائِمِ أمَامَ مَنَاعَةِ الصُّنْعِ وَعِزَّةِ الجَانِبِ.
وَأما الْحَافِظُ السيوطى فَقَدْ قَالَ: "وَالْكَشْفُ مِنْ كِتَابِهِ- يَعْنِي صَحِيحَ ابْنِ حِبَّان- عَسِرٌ جداً" 2. وَلكِنَّ الشَيْخَ أحمد شاكر قَدْ أطَال فِي التَعْبِيرِ فَقَالَ: "وَقَدْ قَصَدَ بِهذَا التَرْتِيب الَّذِي اخْتَرَعَهُ وَتَفَنَّنَ فِيهِ إِلَى مَقْصدٍ لَمْ يَتَحَقَقْ، وَصَارَ الْكَشْفُ مِنْ كِتَابِهِ عَسِراً جداً".
وقَالَ أيْضاً: "وَلكِنَّ حِيلَتَهُ لِلْحِفْظِ لَمْ تُفْلحْ، ثُمّ نَجَحَ أيَّ نَجَاحٍ فِي تَصْعِيبِ الْكَشْفِ مِنْ كِتَابِهِ" 3. وَهُنَا نَسْالُ: هَلِ العسرُ الَّذي وصفَتْ بِهِ طريقَةُ ابْنِ حِبَّان مَنْفِيٌ عَنِ الطرُقِ الَّتِي ألِفَهَا النَّاسُ وَاعْتادُوهَا؟

إِنَّ كُلَّ مَنْ مَارَسَ هذَا الفنَّ يُدركُ الصُّعوبَةَ الْجَسِيمَةَ الَّتي يَلْقَاهَا الْبَاحِثُ عَنْ حَدِيثٍ في المسنَدِ، وَبخاصَّةٍ إِذَا كانَ هذا الحديثُ في مُسْندِ أبِي هُرَيْرَةَ مَثَلاً، أوْ مُسْندِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، أوْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، دُونَ اسْتِخْدَام الْفَهَارِسِ، ومن البديهي أنَّ هذِهِ الفَهَارِسَ لم تكن معروفة في عصر ابنَ حبان.
وَلِكَيْ نَتَصَوَّرَ الأمْرَ عَلى شَكْلٍ قَريبِ منَ الواقع، بالنَسْبَةِ إِلَى أسْلُوب الْكُتُبِ وَالأبْوَابِ، لاَ بُدَّ لَنَا مِنْ إِجْرَاءِ الْمُوَازَنَةِ التَّالِيَةِ: مِنَ الْمَعْلُوم أنَّ صحيحَ البخاريِّ يتالفُ مِنْ سَبْعَةٍ وَتِسْعينَ كِتاباً مَجْمُوعُ أبوابِهَا (3731) بَاباً.
أمَّا صَحِيحُ ابنِ حِبَّان فَيَبْتَنِي عَلَى خَمْسَةِ تَقاسِيمَ، تَنْطَوِي عَلَى أرْبَع مِئَةِ نَوْعً.
فَهَلْ يُتَصَوَّرُ عَقْلاً أنَّ الْبَحْثَ عَنْ حَدِيثٍ فِي الأوَّلِ أيْسَرُ وَأسْهَلُ مِنْهُ فِي الثَّانِي لِمَنْ لَمْ يَتَمَرَّسْ أيَّ الأسْلُوبَيْنِ سَابِقاً؟ الجواب النَّظَريُّ ليسَ لصَالحِ الأسْلُوب الأوَّلِ: أسْلُوبِ الْكُتُبِ وَالأبْوَابِ، فَلِمَاذَا إِذاً وُصِفَتْ طَرِيقَةُ ابْنِ حِبَّان بِالْعُسْرِ؟ وَلَوْ عُدْنَا إِلَى عبارة الحافظِ الذَهبى وَأمْعَنَّا النَّظَرَ فِيهَا لَوَجَدْنَا أنَّ الْحُكْمَ الّذِي أطْلَقَهُ عَلَى هذَا الأسْلُوب حُكْمٌ مُسْتَنْبَط مِنْ مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ، وَلَيْسَ حُكْماً قَائِماً عَلَى التجربة والاخَتبار.
فَالْخَطِيبُ البغداديُّ الْمُتَوَفَّى (463) هـ- وَالزَّمَنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ حبَّانَ قَرِيبٌ نِسْبيّاً- لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى كُتِبِ ابْنِ حبَّانَ، وَإِنَّمَا تَحَدَّثَ عَنْهَا بأسفٍ لِضَيَاعِهَا، َ فَفِي أيِّ مَيْدَان جُرِّبَتْ بعْد ذلِكَ طريقة ابن حبان، وَمَنْ مَارَسَهَا وَطَبَّقَهَا فَظَهَرَ لَهُ نَجَاحُها أوْ عَدَمُهُ؟

وَفِي رَأْيِنَا انَّ هذَا الْحُكْمَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَسْويغ لموقفٍ غَيْرِ عَمَلِي مِنْ جَديدٍ قَدْ يَكُونُ مُفِيداً، دَفَعَهُمْ إِلَيْهِ الْحِرْصُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى أسْلُوب ألِفُوهُ وَتَمَرَّسُوا بهِ وَعَايَشُوهُ، حَتَّى أصْبَحَ جُزْءاً مِنْ شخصيَّتهم الْعِلْمِيَّةِ وَهُوَ الْمُتَّبَعُ فِي تَصْنِيف أقْدَسِ مَا يَكُونُ بَعْدَ كِتَابِ اللهِ الْعَزيزِ الْحَمِيدِ.
لَقَدْ حَكَمُوا عَلَى هذِهِ الطَّريقَةِ دُونَ أيَّةِ مُمَارَسَةٍ، وَوَصَفُوهَا بِالْعُسْرِ دُونَ اخْتِبَارٍ وَتَجْرِيبٍ، وَلَمْ يَتَّبِعْهَا أحدٌ بَعْدَ ابْنِ حِبَّان فَمَاتَتْ بَعْدَهُ.

أقوال العلماء في ابن حبان ومصنفاته

: مما لا يختلف فيه اثنان، أنَّ مِنْ أكْثَرِ الناس معرفةً بالرجلِ تلاميذُهُ الذين تَطولُ مُلازَمَتُهُمْ لَه، لأنهُمْ يَطلِعونَ عَلَى كلِّ أحوالِهِ: في الرِّضَى، وَالغَضَب، وَالْعُسْرِ، وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ، وَالْمَكْرَهِ لِذلِكَ نَبْدَأُ بِأقوالِ الحاكِمِ في شيخَهِ الإمَام مُحمد بن حبان.
قال الحاكَمُ: "أبو حاتِم البُسْتِيُّ القاضي كَانَ مِنْ أوعيَةِ العِلْم في اللُّغَةِ، والفِقْهِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْوَعْظِ، وَمِنْ عُقَلاءِ الرِّجَالِ صَنَّفَ فَخَرَجَ لَهُ مِنَ التَصنِيفِ فِي الْحَدِيثِ مَالَا يُسْبَقُ إِلَيْهِ" 1. وًقَالَ أيضاً: "سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ- وذكر كتاب المجروحين لأبي حاتم البستي- فقال: كان لعمر بن سعيد بن سنان ابنٌ رحلَ في طلبِ الحديثِ، وأدركَ هؤلاءِ الشيوخَ، وَهذا تَصنيفُهُ، وأسَاءَ القولَ في أبي حاتمٍ.
قَالَ الحاكمُ: أبو حَاتِم كبيرٌ في العلومِ، وَكَانَ يُحْسَدُ لِفَضْلِهِ وَتَقَدُّمِهِ" 2.

ووصفة الخطيب البغداديُّ بقوله:"وكان ابن حبان ثقهً نبيلا فاضلا" 1. وَقَالَ الخطيبُ- بعد أن ذكر عدداً من مصنفات ابن حبان-: "وَمثلُ هذِهِ الكتب الجَليلة، كانَ يَجِبُ أنْ يَكْثُرَ بهَا النَسْخُ فَيَتَنَافَسَ فِيهَا أهلُ الْعِلْمِ، ويَكْتُبُوهَا وُيجَلِّدُوهَا إِحْرَازاً لَهَا، وَلاَ أحْسَبُ الْمَانِعَ مِنْ ذلِكَ إلاَّ قِلَّةَ مَعْرِفَةِ أهْلِ تِلْكَ الْبلاَدِ بِمَحَلِّ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، وَزُهْدَهُمْ فِيهِ وَرَغْبَتَهُمْ عَنْهُ، وَعَدَمَ بَصيرَتِهِمْ بِهِ" 2. وَقَالَ عبدُ اللهِ بن محمد الأستراباذي: "وَكَانَ- ابنُ حبان- مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفَّاظِ الآثارِ، وَالْمشْهُورِينَ فِي الأمْصَارِ وَالأقْطَارِ، عَالماً بالطِّبِّ والنُّجُومِ، وَفُنُونِ الْعِلْمِ" 3. وَقالَ أبو سَعْدٍ الإِدريسي: "كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفاظِ الآثَارِ، عَالِماً بالطِّبِّ، والنّجُومِ، وَفُنُونِ الْعِلْمِ" 4. وَقَالَ يَاقوت الحموي: "كَانَ- ابنُ حبان- مُكْثراً مِنَ الْحَدِيثِ، وَالرِّحْلَةِ، وَالشُّيُوخِ، عَالِماً بالْمُتُونِ وَالأسَانِيدِ، أخْرَجَ مِنْ عُلُوم الْحَدِيثِ مَا عَجَزَ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَمَنْ تَأمَّلَ تَصَانِيفَهُ تَامُّلَ مُنْصِفٍ، عَلِمَ أنَّ الرَّجُلَ كَانَ بَحْراً فِي الْعُلُومَ" 5. وقال أحمد بن علي بن ثابت البغدادي: "مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي تَكْثرُ مَنَافِعُهَا

  • إن كانت على قدر ما ترجمها به واضعها- مُصَنَّفَاتُ أبي حَاتِمٍ البستي ... وَلَمْ يُقَدَّرْ لِي الوُصُولُ إلى النَّظَرِ فِيهَا، لأِنَهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ بَيْنَنَا" 1. وقال الإمام الذهبي: "وَكَانَ عَارِفاً بالطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، وَالْفِقْهِ، رَاساً فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ" 2. وَقَالَ السمعاني: "كَانَ أبو حَاتمٍ إمامَ عَصْرِهِ صنّف تصانيف لم يسبق إلى مثلها" 3. وقال ابن الأثير: "إِمَامُ عَصْرِهِ، لَهُ تَصَانِيفُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا" 4. وقال الحافظ ابن حجر: "كَانَ مِنْ أئِمَّةِ زَماَنِهِ، وَطَلَبَ الحديثَ عَلَى رَأْسَ سَنَةِ ثَلاَثِ مِئَةٍ".
    وقال أيضاً: "وَكَانَ عَارِفاً بالطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، وَالكَلامِ، وَالْفِقْهِ، رَأْساً فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ".
    وقال أيضاً: "وَابْنُ حِبَّانَ كَانَ صَاحِبَ فُنُونٍ، وَذَكَاءٍ مُفْرِطٍ، وَحِفْظٍ وَاسِعٍ إِلَى الْغَايَةِ" 5. وقال علاءُ الدين الفارسي: "فَإِنَّ مِنْ أجْمَعِ الْمُصَنَّفَاتِ فِي الأخْبَارِ النبوية، وَأنْفَعِ الْمُؤَلَّفَاتِ فِي الآثارِ المحَمَّدِيَّةِ كِتَابَ: التَّقاسِيمِ وَالأنْوَاعِ" 6. وقال ابن العماد: "العَالِمُ الحَبْرُ، وَالعَلَاّمَةُ الْبَحْرُ، كَانَ حَافِظاً ثَبتاً إِماماً

حُجَّةً، أحَدَ أوْعِيَةِ الْعِلْم ... وَكَانَ مِنْ أوعِيَةِ الْعِلْمِ فِي الحَديثِ، وَالْفِقْهِ، وَاللُّغَةِ، وَالوَعْظِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى الطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، والْكَلاَمِ" (1). وقال الأسنوي: "كَانَ مِنْ أوعِيَةِ الْعِلْمِ، لًغَةً، وَحَدِيثاً، وَفِقْهاً، وَوَعْظاً، وَمِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ" (2). وقال الصفدي: "كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفَّاظِ الآثَارِ، عَالِماً بالطِّبِّ، وَالنُّجُوم وَفُنُونِ الْعِلْمِ" (3). وقَال الحافظ ابن كثير: "مُحمدُ بن حبان صَاحِبُ "الأنْوَاعِ والتقاسيم" وَأحَدُ الحُفَّاظِ الْكِبَارِ الْمُصَنِّفِينَ، الْمُجْتَهِدينَ" (4). فهذه شهاداتٌ - دون الحصول على واحدة منها خرطُ القَتَادِ- صدرت عن علماء ثقات- متخصصين في الحديث النبوي الشريف رواية ودراية، وفي غيره من العلوم وفنون المعرفة، تدل كلها على أن ابن حبان بلغ مرتبة الإِمامة في علم الحديث، وفي غيره من العلوم، وتدل أيضاً على أن مصنفاته غاية في النفاسة، والد قة، والجدّة، والجودة، والاتقان.

آراء العلماء في هذا الصحيح ومناقشتها

: إنه لمن المؤسف جداً أن مصنفاً عظيماً في الحديث النبوي الشريف، يحاول جامعه أن يستوعب فيه ما صحّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكون نصيبه الترك والِإهمال، حتى الضياع، إذ لم نجد عالماً تعقب ابن حبان في صحيح، ولا شارحاً له، ولا دارساً منصفاً استقصاه.1234

نعم لقد أعاد الأمير علاء الدين الفارسي (675 - 739) ترتيبه على أبواب الفقه، وسمّاه "الِإحسان في تقريب صحيح ابن حبان".
وقد خطا الحافظ مغلطاي خطوة أوسع من هذه ولكنها لم تتكامل.
قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" 6/ 74: (ومن تخريجاته- يعني: مغلطاي- ترتيب بيان "الوهم والإِيهام" لابن القطان، وزوائد ابن حبّان على الصحيحين، وترتيب صحيح ابن حبان على أبواب الفقة رأيتهما بخطّه ولم يكملا ... ". كما جرّد الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي زوائده على الصحيحين وسمّاه "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبّان".
كما قام عمر بن علي المعروف بابن الملقن، والمتوفى سنة (804) باختصاره وترتيبه على أبواب الفقه أيضاً.
وجميع هذه الخدمات ظاهر أنها تتعلق بالشكل، ولم تمسّ المضمون بشرح أو تعليق، أو تقويم يعتمد على النقد الصحيح للإسناد والمتن وفق القواعد التي أرسى قواعدها أساطين هذا الفن.
وقد بدأ فعلاً بخدمة هذا المصنّف الجليل الخدمة الفعلية الشيخ الأُستاذ أحمد شاكر، فحقق في جزء واحداً وثلاثين ومئة حديث نشرها مع مقدمات كتبها الحافظ ابن حبان مقدِّماً بها أنواعه وتقاسيمه، وقد جمعها الأمير علاء الدين في "الِإحسان" في مكان واحد.
وأما ما عدا ذلك فأحكام يطلقها قائلها على عجالة من أمره، ثم يتناولها مَنْ بَعْده إمَّا مسلماً بها لحُسْن ظنه وثقته بقائلها، وإما رادّاً لها ردّاً لا يعتمد أيضاً على الدراسة الشاملة، والنقد البصير، والاستقصاء التام، وإليك ما اطّلعنا عليه من أقوال، وقد جعلناها في قسمين ليسهل أمر مناقشتها والرد عليهما:

1 - القسم الأول: إن أول عبارة نقدية نقرؤها- فيما اطلعنا عليه- هي قول الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة" ص: (31 - 32): "ابنُ حِبَّان أمْكَنُ فِي الْحديثِ مِنَ الْحَاكِمِ".
وبين وفاتيهما ثلاث ومئة سنة.
ثم نقرأ في مقدمة أبي عمرو بن الصلاح المتوفى (643 هـ) ص: (11) بعد وصفه للحاكم بأنه واسع الخطو في شرط الحديث قوله: "وُيقَارِبُهُ فِي حُكْمِهِ صَحيحُ ابْنِ حبان.
ويشْرحُ العِرَاقِي مُرادَ ابن الصَّلاح بقَوْلهِ: "أرادَ أنَّهُ يُقَارِبُهُ فِي التَّسَاهُلِ، فَالْحَاكِمُ أشَدُّ تَسَاهُلاً مِنْهُ، وَهُوَ كَذلِكَ".َ ثُمّ اسْتَشْهَدَ بِقَولِ الَحازِميّ السَابِقِ.
ويقول السخاوي في شرح "ألفية الحديث" 1/ 35: "وابن حبان يداني الحاكم في التساهل وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضاً، لأنه غير متقيد بالمعدلين، بل ربما يخرج للمجهولين 1 ولا سيما ومذهبه إدراج الحسن في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234 = وبعد التتبع والدرس والتمحيص وجدنا أن المجاهيل الذين يوثقهم ابن حبان- كما يزعم الكثير- فريقان: الفريق الأول: وهم الذين لا يروي عنهم غير واحد، وهو الأهم.
والفريق الثاني: وهم الذين روى عنهم أكثر من واحد.
نقول: أما بالنسبة للفريق الأول، فإن عبد الرحمن بن نمر قد تفرد بالرواية عنه الوليد بن مسلم، وقد غمز جانبه بعض أئمة الجرح، ومع ذلك فهو من رجال الشيخين.
وقد انفرد البخاري في الرواية عن:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والخلاف في ذلك متجه في التعديل نحو اتجاه الخلاف المعروف في الاكتفاء بواحد في التعديل على ما قدمناه والله أعلم".
وقال ابن حزم في "المحلَّى" 4/ 53: " ... وعبد الله بن بدر ثقة مشهور، وما نعلم أحداً عاب عبد الرحمن- يعني: ابن علي بن شيبان- بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الله بن بدر، وهذا ليس بجرحة".
وقد زعم الحاكم في "المدخل" أن الشيخين لم يخرّجا في الصحيحين عن أحد من الصحابة الوحدان، وتعقبه النووي في مقدمته لشرح صحيح مسلم 1/ 22 بقوله: "وأما قول الحاكم: إن من لم يرو عنه إلا راو واحد فليس هو من شرط البخاري ومسلم، فمردود، غلطه الأئمة فيه بإخراجهما حديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب، لم يرو عنه غير ابنه سعيد، وبإخراج البخاري حديث عمرو بن تغلب (إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إليّ)، لم يرو عنه غير الحسن.
وحديث قيس بن أبي حازم، عن مرداس الأسلمي (يذهب الصالحون)، لم يرو عنه غير قيس.
وبإخراج مسلم حديث رافع بن عمرو الغفاري، لم يرو عنه غير عبد الله-بن الصامت.
وحديث ربيعة بن كعب الأسلمي، لم يرو عنه غير أبي سلمة، ونظائر - في الصحيحين- لهذا كثيرة.
والله أعلم.
وتبع البيهقي الحاكم، وتعقبه ابن التركماني بمثل ما تعقب به النووي الحاكم.
انظر سنن البيهقي4/ 105. وقال محمد بن إبراهيم الوزير في "تنقيح الأنظار": "بل الذي تقتضيه الأدلة أنه لو وثقه واحد، ولم يرو عنه أحد، أو روى عنه واحد، ووثقه هو بنفسه، لخرج عن حد الجهالة، فقد نصَّ أهل الحديث أن التعديل يثبت بخِبر الواحد".
انظر "توضيح الأفكار" 2/ 187. وقال أبو الحسن بن القطان- ووافقه ابن حجر-: "إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه، قُبل، وإلاّ فلا".
=

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما بالنسبة للفريق الثاني، فإن إسحاق بن إبراهيم بن محمد الصواف روى عنه جماعة، ولم يوثقه غير ابن حبان، ومن وثقه بعده فقد تابعه، وهو من رجال البخاري.
وقد روى مسلم للوليد بن سريع، وعبد الله بن سلمان الأغر، وقد روى عن كل منهما أكثر من واحد ولكن لم يوثقهما غير ابن حبان.
وهناك كثير ممن هذه حالهم، وقد أخرج لهم أصحاب السنن كأبي الأحوص، وأبي أرطأة، وأبي إبراهيم الأشهلي، وأبي راشد، ويزيد بن الحوتكية، ومحمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث .......... غير أنني اكتفيت في إيراد بعض من هذا وصفه، وله رواية في الصحيح ليكون دفع ما وصف فيه ابن حبان أبلغ، ونفيه عنه أحكم.
وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" 3/ 426: "وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحداً نص على توثيقهم.
والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه، أن حديثه صحيح".
وقال أيضاً في الميزان 1/ 556 ترجمة حفص بن بُغَيْل: " ... فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل- أو أخذ عمّن عاصره- ما يدل على عدالته، وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد، ولا هم بمجاهيل".
وقال أيضاً في الميزان 2/ 66 ترجمة الزبير بن جنادة الهجري: " .. ذكره ابن حبان في الثقات وأخطأ من قال؟ فيه جهالة ...... ". وقال الحافظ ابن حجر في "شرح نخبة الفكر" ص (99 - 100): "فإن سمي الراوي، وانفرد راو واحد بالرواية عنه فهو مجهول العين، كالمبهم فلا يقبلِ حديثه إلاَّ أن يوثقه غير من ينفرد عنه على الأصح، وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهلاً لذلك".
وهل فعل ابن حبان أكثر من هذا؟.
وأما ما وقع فيه من خطأ، أو سهو، أو اضطراب، فهذه صفات بشرية لا يمكن لبشر تجاوزها لذا قال العزيز الحكيم في وصف كتابه الكريم: (أَفَلاَ يَتَدَبرونَ الْقرْآنَ؟ وَلَوْ كَانَ مَنْ عِنْد غَيْرِ اللهَ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) [النساء: 82].
ومن المسلم أيضاً أن هذه الأمور تزداد نسبتها بازدياد عطاء الرجل وكثرة إنتاجه، =

الصحيح مع أن شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- قد نازع في نسبته إلى التساهل إلا من هذه الحيثية.
وعبارته -يعني عبارة ابن حجر-: إن كانت باعتبار وجدان الحسن في كتابه فهي مشاحّة في الاصطلاح لأنه يسمّيه صحيحاً، وإن كانت باعتبار خفّة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع ممّن فوقه وسمع منه الآخذ عنه، ولا يكون هنا إرسال ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل، وكان كلُّ من شيخه والراوي عنه ثقة، ولم يأتِ بحديث منكر، فهو عنده ثقة.
وفي كتاب "الثقات" له كثير ممّن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعْتَرَضَ عليه في جعلهم من الثقات مَنْ لم يعرف اصطلاحَه، وَلا اعْتِرَاضَ عليه فإنه لا يُشَاح في ذلك" قلت- القائل هو السخاوي-: ويتأيد بقول الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم، وكذا قال العماد ابن كثير: "قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة وهما خير من المستدرك، وأنظف أسانيد ومتوناً".
وجاء في كشف الظنون 2/ 77: "قال ابن حجر في "النكت": وفيه -يعني صحيح ابن حبّان- تَسَاهُلٌ، لكنهُ أقلُّ من تَساهُل الحاكم في المستدرك.
= وابن حبان واحد من المكثرين، بل والمكثرين جداً، ولو وازنا نسبة أخطائه إلى إنتاجه لوجدناها عنده أقل منها عند غيره بكثير.
وانظر تدريب الراوي 1/ 316 - 324، سنن البيهقي 4/ 105، توضيح الأفكار 2/ 173 - 198، قواعد في علوم الحديث ص (202 - 209)، وألفية السيوطي في علم الحديث تحقيق أحمد شاكر ص (251 - 252). ومقدمة ابن الصلاح ص (54)، والباعث الحثيث ص: (206 - 208)، وهدي الساري ص: 9 - 12، وشروط الأئمة الخمسة للحازمي ص (40 - 47)، وشروط الأئمة الخمسة لابن طاهر المقدسي ص (11 - 13). وانظر أيضاً الفصل الآتي بعنوان: آراء العلماء في هذا الصحيح ومناقشتها.
وشرح نخبة الفكر ص (100). وإحكام الأحكام 1/ 262 نشر مكتبة عاطف.

قيل: هذا غير مسلم، وليس عند البستي تساهل وإنما غايته أن يسمى الحسن صحيحاً، فإنه وفى بالتزامه، ولم يوف الحاكم.
ذكره البقاعي".
وقد رَدَّ الإِمام اللكنوي في "الرفع والتكميل" صفحة 139 دعوى التساهل هذه فقال: "وقد نسب بعضهم التساهل إلى ابن حبان وقال: هو واسع الخطو في باب التوثيق، يوثق كثيراً ممّن يستحق الجرح وهو قول ضعيف.
فإنك قد عرفت سابقاً -يعني في الصفحة (117 - 120) حيث ذكر وصف الذهبي له بالتقعقع، ووصفه بالخساف، وذكر وصف الحافظ ابن حجر له بالتشدد واعتبره من المتعنتين المتشددين،- أن ابن حبان معدود ممّن له تعنت وإسراف في جرح الرجال، ومَن هذا حاله لا يمكن أن يكون متساهلاً في تعديل الرجال، وإنما يقع التعارض بين توثيقه وبين جرح غيره لكفاية ما لا يكفي في التوثيق عند غيره، عنده".
ويقول ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" 3/ 16: "وأكثر نقاد الحديث على أن صحيح ابن حبان أصحّ من سنن ابن ماجه".
ويقول الذهبي في "سير أعلام النبلاء" 16/ 97: "وإن كان في تقاسيمه من الأقوال، والتأويلات البعيدة، والأحاديث المنكرة عجائب".
وردنا على كل تعميم سابق أن نضع بين يدي القارئ الكريم ما انتهينا إليه نتيجة دراستنا لأسانيد هذا الكتاب دراسة فاحصة متأنية ماثلة للعيان في تخريجاتنا وتعليقاتنا.
لقد ضم الجزء الأول الذي تقدم له (304) أربعة وثلاث مئة حديث بالمكرر، وقد قمنا بتصنيفها فكانت ثلاث مجموعات: الأولى: ما شاركه فيها البخاري ومسلم أو أحدهما، أو البخاري في

غير صحيحه، وأصحاب السنن، وأحمد وغيره، وبلغت (188) ثمانية وثمانين ومئة حديث.
والثانية: ما شاركه فيها أصحاب السنن الأربعة أو بعضهم، أو الإِمام أحمد، أو مالك، أوالدارقطني، ومنها ما هو صحيح لذاته أو لغيره، ومنها ما هو حسن لذاته أو لغيره، وكلها صالحة للاحتجاج.
وقد بلغت (110) عشرة ومئة حديث.
والثالثة: وقد حكمنا بضعفها بمقتضى القواعد التي اتفق عليها جمهور المحدثين وقد يشاركه غيره من أصحاب السنن بتخريجها أو ينفرد بها.
وعددها (6) ستة أحاديث.
وهذه الِإحصائية القائمة على الاستقراء، والدراسة الجادّة، تبيّن لنا أن نسبة الضعيف في صحيح ابن حبان أقل من 2%، وهذه نسبة قلّما يخلو منها كتاب من كتب السنّة التي تحرى أصحابها الصحة في مروياتهم.
وصدق الإِمام الشافعي في قوله: "أبى الله أن تكون العصمة لغير كتابه".
وفي رأينا أن الرد على كل ما سبق من تعميمات، كامن في هذه الدراسة والحمد لله أولاً وآخراً.
2 - القسم الثاني: لقد جاء في كتاب "توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار" 1/ 64 قولَ ابْنِ النَّحْوي- المعروف بابن الملقن-: "غالبُ صحيحِ ابنِ حبان مُنْتَزَعٌ مِنْ صَحيحِ شَيْخِهِ إِمامِ الأئمةِ محمد بن خزيمة".
ولسَبْر ما في هذا القول من الحق أو المجانبة له، قمنا بإحصاء ما جاء في المجلد الأول من صحيح ابن حبان فبلغ مجموع ما فيه (595) خمسة

جارٍ التحميل