كتاب الوصايا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ولو وطىء الوارث الجارية الموصى بمنفعتها، وأولدها، صارت أم ولدٍ له بمصادفة العلوق الملكَ.
ولا خلاف أن الموصى له إذا وطىء وأعلق، لم يثبت الاستيلاد، وإن درأنا الحدَّ، ولم نُلزمه المهر، وصرفنا إليه القيمة عند القتل، فلا سبيل مع هذه الأصول إلى الحكم بالاستيلاد؛ لأن وطأه لم يصادف ملك الرقبة.
نعم، إن حكمنا بأن الولد لو حدث رقيقاً لكان له، [فالولد] 1 حر؛ فإنه لا يعلق مولوده ملكاً له، ثم إذا كان المُولدُ الوارثَ، فالوصية بالمنفعة تبقى مع ثبوت الاستيلاد.
7395 - ومما يتصل بهذا المنتهى أن العبد الموصى بخدمته لا ينكح إلا بإذن المالك، والموصى له بالمنفعة: أما المالك، فلا بد من استئذانه؛ فإن التزوج تسلط على الاستمتاع، وذلك يؤثر في الملك، ولا بد من استئذان الموصى له بالمنفعة [فإن ذلك يؤثر في استيفاء المنفعة] 2.
وذهب بعض الأصحاب إلى أن إذن الموصى له بالمنفعة كافٍ، وهذا القائل يقول: إنما يفتقر نكاح العبد الخالص لمولاه إلى إذنه، لتعلق المهر والنفقة بالكسب، ولا معنى للنظر إلى ما في الوطء من [إنهاك] 3 القوى؛ فإن ذلك بعيد، غيرُ مدرك بالحس.
والدليل عليه أنه لو صح نكاحه، لم يكن للسيد أن يحجر عليه، ويكلّفه الاقتصادَ 4، والحكمُ في ذلك [مَيْلَ] 5 النفس، والنظر في الضارّ منه خوضٌ في التطبيب الذي لا ينتهي إليه نظر الفقيه، وهذا يقرب 6 من المأكل؛ فإن معظم [الاعتلال] 7 من الإكثار أو الإقلال في المطعم، ولا حجر على العبد فيه،
[فالعهدة] 1 إذاً في افتقار النكاح إلى الإذن أنه إذا صح، تعلقت حقوقه بالكسب، والكسب مستحق للمولى.
فإذا تبين ذلك، فالمنافع والاكساب للموصى له، فليقع الاكتفاء بإذنه في النكاح.
فإن كان الموصى [بخدمته] 2 جارية، فلا بد في تزويجها من إذنهما جميعاً وفاقاً؛ فإن التزويج ينقُص من القيمة، وما ينقص من القيمة يؤثر في الملك لا محالة.
ثم قال فقهاؤنا: الولي في التزويج الوارثُ، ولكن لا بد من رضا الموصى له، وهذا حسن ظاهر.
7396 - ومما ألحقه الأصحاب بالقواعد المقدمة القولُ في [بيع] 3 الوارث العبدَ الموصَى بخدمته، وقد اختلف أصحابنا في ذلك على ما تقدم الشرح فيه.
فإن ملّكنا الوارثَ البيعَ، فلا شك في نفوذ إعتاقه.
فإن قلنا: لا ينفذ بيعه، فالذي قطع 4 به معظم الأصحاب أن إعتاقه ينفذ، ثم بنَوْا عليه أن العتق إذا نفذ، بقيت المنفعة مستحقةً للموصى له.
وقد ذكر شيخي وطوائف من الأئمة أن العبد المستأجر إذا عَتَق في أثناء مدة الإجارة، هل يملك فسخ الإجارة؟ فعلى وجهين، فالرأي في الإجارة القطعُ بأنه لا يملك الفسخ 5.
فأما إذا كانت الوصية بالمنفعة، فهذه [منيحة] 6، [ويتجه] 7 في ذلك ترددٌ لمثابة الاستحقاق، والظاهر [أنْ لا خيار] 8 [في أن الاستحقاق يهدم] 9 كما إذا أُعتقت
الأمة تحت زوجها الحر؛ فإن النكاح مؤبد عليها، وهو رق كما قال المصطفى صلى الله عليه، وإنما ثبت الخيار [للمعتَقة] 1 تحت العبد للخبر 2.
ويجوز أن يقال: إذا أُعتق العبد الموصى له بخدمته أبداً، [يُخيّر] 3 كالأمة تُعتَق تحت العبد؛ فإنها لو عتقت تحت حر، [لرجع] 4 إليها حظ ظاهر في [الاستمتاع] 5، فلا ضرار إلا استمرار حكم النكاح.
ولو أثبتنا حق الانتفاع للموصى له بعد الحرية، لكان دوام هذا الاستحقاق كالاسترقاق، وهذا يزيد على ما ينال [المعتقة] 6 من الضرار تحت العبد.
فإن قيل: إذا أثبتم الخيار، فهل يحتمل أن يقال: تنقطع الوصية من غير حاجة إلى خيار؟ قلنا: لم يصر إلى ذلك أحد من الأصحاب، وإذا كنا نثبت الوصية بالمنفعة على التأبيد والملك في الرقبة [بعدُ للموصي] 7؛ فلا يبعد أن تبقى المنفعةُ مستحقةً بعد زوال الملك، ولكن الخيار يعتمد الضرار، كما قدمناه.
فهذا منتهى الكلام في ذلك.
ثم من [قالى] 8: نفقة الموصَى [بمنفعته] 9 على المالك، فإذا [أعتقه] 10 يتخلص = أن الظاهر أنه لا خيار للعبد المعتق واستحقاق الموصى له بمنفعته قائم، كما أنه لا خيار للمعتقة تحت حُرّ.
من النفقة، وإن قلنا: النفقة على الموصى له، فالاستحقاق دائم عليه؛ فإن سبب الاستحقاق عليه ثبوت المنفعة له على التأبيد، وهذا المعنى دائم مع حصول الخدمة.
فرع:
7397 - الصحيح من المذهب أنه لا يجوز 1 إعتاق الموصى بمنفعته عن الكفارة؛ لعجزه عن الكسب لنفسه، فأشبه ذلك عجزه عن الكسب بالزمانة.
ومن أصحابنا من قال: يصح إعتاقه عن الكفارة لكمال الرق والأطراف، فليقع النظر في ذاته وصفاته، لا في مصرف منافعه.
فرع:
7398 - ذهب طوائف من أئمتنا إلى أن مكاتبة العبد الموصى بخدمته غيرُ صحيحة 2، فإنه ليس قادراً على أكساب نفسه لنفسه، وقال هؤلاء: يجوز كتابة العبد المؤاجَر في مدة الإجارة.
ومن أصحابنا من صحح الكتابة؛ تعويلاً على صرف الصدقات إليه، ويجب أن يكون في مكاتبة العبد الزمن هذا التردد.
ومن منع كتابة العبد الموصى بمنفعته رأى هذين التصرفين متناقضين.
فعلى هذا من أوصى بالمنفعة، ثم [كاتب] 3، كانت الكتابة من الموصي رجوعاً عن الوصية بالخدمة، والذي قدمناه من منع الكتابة مفروض في الوارث إذا أراد مكاتبة العبد بعد استقرار الوصية بالمنفعة.
فرع:
7399 - إذا غصب رجلٌ العبد الموصى بمنفعته أياماً، وعطل منافعه على مستحقها، فإنه يغرَم له أجرة المثل، من جهة أنه أتلف عليه المنافعَ المملوكة له.
ولو غصب غاصب العبد المستأجَر في أثناء المدة، وضيّع منافعه على المستأجر، فقد ذكرنا أن المذهب الصحيح أنه لا يغرَم شيئاً للمستأجِر، وإنما يغرَم أجر المثل للمالك المكري ويحط 4 عن المستأجِر قسطاً من الأجرة المسماة.
والفرق بين الموضعين أن المنافع إذا لم تتلف في يد المستأجِر، فليست مضمونة عليه، بل هي محسوبةٌ على المكري، ثم [عهدة] 1 العقد توجب ما ذكرناه، وليس في الوصية بالمنفعة عوضٌ يفرض سقوطه في مقابلة تضييع المنفعة على الموصى له، فلا وجه إلا تغريم الغاصب قيمة ما يتلفه من المنفعة لمستحقها ومالكها، ومستحقُّها الموصى له.
فرع:
7399/م- إذا ذكَر للمنفعة وقتاً، لم يخف حكم التأقيت، وقد بان حكم التأبيد أيضاً.
فلو أوصى لإنسانٍ بمنفعة عبد، ولم يتعرض لتأقيتها، ولا لتأبيدها، فالذي ذكره الشيخ أبو علي في الشرح القطعُ بحمل ذلك على التأبيد؛ فإن العقود المطلقة القابلة للتأبيد محمولةٌ على التأبيد.
هذا ما ذكره، ولم أر في الطرق ما يخالف ذلك.
فصل 2
قال: " فإن كان أكثرَ من الثلث، فأجازه الورثة في حياته، لم يجز ذلك إلا أن يجيزوه بعد موته ... إلى آخره " 3.
7400 - الوصية إذا كانت زائدةً على الثلث، فلو أجاز الوارث الزيادة قبل موت الموصي، فإجازته ملغاة لا أصل لها؛ فإنها [حدثت] 4 عنه قبل أن يثبت له حق الإرث، فكذلك لو استأذن الموصي ورثته، فأوصى وزاد، فتلك الزيادة لا تنفذ.
وهذا بمثابة ما لو أذن الشفيع لشريكه في بيع الشقص وإذا باع نثبت الشفعة [ولا] 5 أثر للإذن المتقدم.
وكذلك إذا قبل الموصى له الوصية في حياة الموصي، فقبوله مردود؛ فإنه لا يدخل وقتُ القبول ما لم [يمت] 1 الموصي، فهو على خِيرَته بعد موته.
وإن قبل في حياته.
فكذلك إن رد الوصية، فلا حكم لرده في الحياة.
ولو كان يؤثر قبوله ورده في حياة الموصي لاشتُرط اتصالُ القبول بالإيصاء، وسيكون لنا إلى هذا [عودة] 2 في أثناء الكتاب، إن شاء الله عز وجل.
فصل
أورده صاحب التقريب، مضمونه يشابه الوصيةَ بالمنفعة على التأبيد، وله تعلق بالثلث ومقدارِه وتفصيل الإجازة.
7401 - قال رضي الله عنه: إذا أوصى لإنسان بدينارٍ كلَّ سنة، ولم يذكر مقدارَ الدنانير، ومنتهى السنين، قال: تصح الوصية بالدينار الواحد في السنة الأولى؛ فإنه مضبوط لا شك فيه.
فأما بقية الدنانير في السنين المستقبلة، فقد ذكر صاحب التقريب فيها قولين: أحدهما - أن الوصية باطلة فيها؛ فإن ضبطها غير ممكن، ولا ندري كم مبلغها، لنقدر خروجها من الثلث، وقد يتفق معها وصايا، فلا يتحقق مبلغ حصة هذه الوصية في المضاربة، ولو صححناها، لبقينا في موجَبها أبداً.
هذا أحد القولين.
والقول الثاني - أنه لا تبطل الوصية في باقي السنين؛ فإن الجهالة لا تتضمن بطلان الوصايا، كالوصية بالمنفعة.
ومن قال بالقول الأول، (3 نفصل عن الوصية بالمنفعة، بأن قال: الوصية بالمنفعة 3) على التأبيد غايتها أن تقتضي احتساب العبد من الثلث، ولتقويم المنفعة3
جهةٌ أوضحناها، أما إخراج دينار في كل سنة من غير ذكر نهاية، فهو مشكل جداً.
ثم اختار 1 من القولين تصحيحَ الوصية، وقال مفرعاً على هذا:
7402 - إذا ثبتت هذه الوصية، فلا يخلو: إما أن يكون في التركة وصايا سواها، أو لا يكون في التركة وصيةٌ غيرُها.
فإن لم يكن في التركة وصيةٌ غيرها، فلا شك أن الورثة لهم أن يتصرفوا في ثلثي التركة؛ إذ لهم رد الوصية في الثلثين، فأما الثلث، فهل ينفذ تصرفهم [فيه؟] 2 فعلى وجهين ذكرهما: أحدهما - ينفذ تصرفهم فيه، بعد إخراج الدينار الواحد؛ فإن مِلْكه متحقق، ولا يُدرى هل يستحق الموصى له في مستقبل الأعوام أم لا.
والوجه الثاني - أن الثلث يوقف؛ فإن الموصى له إذا قبل الوصية، فقد ثبتت، ولا نهاية لها، فلا وجه إلا وقفُ الثلث.
فإن رأينا الوقفَ، فلا كلام، فإذا بقي من له الحق على مر السنين، حتى استوعب بالدنانير الثلث، فذاك.
فإن مات قبل ذلك، فبقية الثلث مردودةٌ على الورثة.
وهذا الذي ذكره فيه نظر؛ فإن الوصية بالدنانير إلى غير نهاية، كالوصية بثمار الأشجار من غير نهاية، فإذا صححنا الوصية بثمار الأشجار، ثم مات الموصى له بها، فالوجه إقامة وارثه في الاستحقاق مقامه.
7403 - والغرض في ذلك يبين بفرض ثلاث مسائل: إحداها - الوصية بالمنفعة، فالمذهب الظاهر أن الموصى له إذا مات، قام وارثه مقامَه، وخلفه في الاستحقاق.
وفيه وجهٌ بعيد ذكرناه 3.
وإذا 4 أوصى بثمار الأشجار، فتخصيص الاستحقاق به وقطعه عن الورثة يظهر
بعض الظهور؛ فإنّ في الوصية بالثمار احتمالاً في أصلها.
وإذا أوصى بأن يُصرفَ إلى إنسان 1 كلَّ سنة دينار، [فمات] 2 ذلك الشخص، فيظهر في هذه 3 الصورة جداً انقطاعُ الوصية بموته، ويتجه أيضاً إذا صححنا الوصية أن يدوم الاستحقاق لورثته، ولهذا الإشكال في التفريع خرج قولٌ في إبطال الوصية.
ولو قيدَ الكلامَ بصرف دينار إليه كل سنة ما بقي، فلا شك في أن ذلك ينقطع بموته.
فإن صورنا المسألة في هذه الصورة، أو فرعنا على ما قطع به صاحب التقريب من حمل الوصية على الدنانير التي تكون على سني عمر الموصى له، فنقول: [نصرف] 4 الثلث على وجه الوقف، ونصرف إلى الموصى له ديناراً ديناراً، فإن استغرق الثلثَ في حياته، [فذاك] 5. وإن مات، وقد بقي من الثلث بقية، رددناها على الورثة.
فإن قلنا: لا يُوقف الثلث، فالورثة يتصرفون فيه، ومهما استحق عند انقضاء سنة ديناراً، طالب الورثةَ به، وكان ذلك بمثابة ما لو اقتسم الورثةُ التركة، ثم ظهرت وصية.
وهذا فيه نظر؛ فإنه إذا ظهرت وصية تتبَّعْنا تصرَّفَ الورثة في الثلث [بالنقض] 6، فإن كان الأمر كذلك في مسألتنا، فلا فرق.
وظاهر كلام صاحب التقريب أن تصرّفهم في الثلث ينفذ، ولا يُتْبَع بنقض.
وهذا فيه إشكال واحتمالٌ ظاهر، وبين المسألة التي نحن فيها وبين ظهور الوصية فرقٌ؛ من جهة أن [الدنانير] 7 تنقسم على أواخر السنين في هذه المسألة وتثبت ديناراً ديناراً، وليس كالذي [يبين] 8 أنه كان ثابتاً، ولم نعلمه.
وجميع ما ذكرناه فيه إذا تجردت تلك الوصية، ولم يكن معها وصايا.
7404 - فأما إذا أوصى بوصايا ومن جملتها الوصيةُ التي ذكرناها 1، فإن [جعل] 2 الوصية التي ذكرناها معلّقةً بعُمر الموصى له، فقد قطع صاحب التقريب بأن الثلث يُفضّ على مستحقي الوصايا في الحال، ولا نؤخر حقوقهم؛ فإنا لا نضبط مبلغ الوصية الأخرى، فلا وقف في حقوقهم، وإنما الاختلاف في وقف الثلث في حق الورثة إذا تجردت الوصية التي نحن فيها 3، والفرق أن الثلث إن وقفناه، فهو حق المتوفَّى، ومحل تبرعاته، فلا بُعد لو [حُلْنا] 4 بين الورثة وبينه، فأما إذا ثبتت وصايا ناجزة، فالثلث محلُّ حقوقهم، فيبعد أن نقف الثلث إلى أن نتبين منتهى هذه الوصية المجهولة، فإذا فضضنا الثلث على الدينار الذي انتجز من هذه الوصية في هذه السنة وعلى سائر الوصايا، فإذا انقضت سنة أخرى، استحق الموصى له ديناراً وضارب به أربابَ الوصايا، واسترد منهم ما يقتضيه التقسيط في ذلك القدر، ثم لا يزال يفعل ذلك في كل ما يستحقه حتى تنتهي الوصية.
وهذا الذي ذكره بيّنٌ إذا كانت الوصية مقيّدة بحياة الموصى له، فأما إذا لم تتقيّد بحياته، ورأينا أن نقيم ورثته مقامه، فهذا مشكلٌ لا يُهتدى إليه، وحاصله مضاربةُ [أقوام] 5 حقوقُهم مقدرة بما لا نهاية له.
ولو قيل: إنه لا يضارب إلا بمقدار الثلث، ويبطل ما وراءه، لانتفاء النهاية عنه، لم يبعُد.
وهذا الإشكال في مضاربة الوصايا؛ فإن الورثة إذا [ردّوا الوصية إلى الثلث] 6 انحصرت فيه، والغموض في مضاربة ما لا نهاية له أقداراً متناهية، فيجوز
أن تبطل الوصية في الزائد على الثلث، ويكون هذا في هذه المسألة مناظراً لمذهب أبي حنيفة 1 في رده ما يزيد من الأجزاء على الثلث إذا رُدّت الوصايا إلى الثلث، وهذه مناظرة لفظية، وإلا [فما] 2 ذكره أبو حنيفة باطل؛ فإنه أبطل السدس من الوصية بالنصف، وهو [مقدّر] 3، وإنما الغموض في هذه المسألة من جهة انتفاء النهاية عن الوصية.
وينقدح أن يقال: يضارب بمقدار المال كله، حتى كأنه أوصى له بكل المال، ثم ردت الوصايا إلى الثلث، فإنا نثبت المضاربة بالزائد على الثلث.
ومنتهى الأمر تقدير الوصية بجميع المال، ثم هذا التضارب يقع شيئاً شيئاً.
كذلك قال صاحب التقريب.
ويجوز أن يقال: يوقف له القدر الذي ذكرناه، إما في تقدير الثلث وإما في تقدير الكل، بحكم المضاربة.
وقد قال صاحب التقريب: إذا قال: ادفعوا إلى فلان في انقضاء كل سنة ديناراً إلى عشرين سنة، فهل نقف هذا القدر له في معارضة الوصايا؟ فعلى وجهين.
7405 - فليتأمل المتأمل أطراف هذه المسألة ولْيقْضِ العجبَ منها، وفي [اختباط] 4 تفاريعها يظهر للإنسان بطلان الوصية، وليت شعري ما قول الأصحاب فيه إذا قال: أوصيت لفلان بما لا نهاية له من الدنانير؟ هذا فيه تردد، فينقدح إبطال الوصية؛ فإنها [وقعت] 5 بغير ممكن، ويجوز أن يقال: هي وصية بالمال كله، والعلم عند الله عز وجل.
فصل
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قال أعطوه رأساً من رقيقي ... إلى آخره" 1.
7406 - إذا قال الموصي: أعطوا فلاناً رأساً من رقيقي، فمضمون هذا اللفظ الوصيةُ له بمملوك من جملة مماليك، ومقصود الفصل بيانُ مقتضى هذا اللفظ، وإيضاحُ المعنى الذي يكون وفاء في المطلوب منه، فإذا كان للموصي عبيد وإماء، فأعطى الوارثُ الموصى له عبداً أوْ أمةً من جملة رقيقه، فقد خرج عن موجَب الوصية ومقتضى لفظها؛ فإن الرقيق يتناول الذكر والأنثى.
ولو كان في رقيقه خنثى، فالمذهب الصحيح أنه مجزىء، وبذلُه كافٍ؛ فإن اسم الرقيق يتناوله.
وذكر صاحب التقريب وجهاً آخر أنه لا يجزىء، ولا يكون بذله وفاءً باللفظ؛ فإن هذا الاسم يتناول ما يفهم منه [في] 2 العرف، والخنثى يندر اتفاق وجوده، فلا يتناوله الاسم العام.
وهذا عريّ عن التحصيل، لا اعتداد به؛ فإن الاسم العام، وهو رأس من الرقيق يتناول الخنثى تناوله للذكر والأنثى، ولو قال الرجل: [مماليكي] 3 أو أرقائي أحرار، دخل الخنثى [بحيث يعتِق] 4، فإن [منع] 5 صاحب التقريب [ذلك] 6، كان في نهاية البعد، وإن سلّمه، وفرّق بأن المماليك إذا [تناولت] 7 الجميع عموماً،
لم يبعد اشتمال اللفظ على الخنثى مع جريانها على مقتضى عمومها؛ فإن اللفظ المُجرى على حقيقة عمومه يتناول [النادر] 1 مع تناوله لغيره، وإذا قال: رأساً من رقيقي، فحمل على النادر الذي لا يخطر بالبال دون غيره، كان بعيداً، فهذا الفرق لا حاصل له؛ فإن قوله: رأساً من رقيقي وإن كان مقتضاه بذلَ واحدٍ، فهو مضاف إلى لفظ جامع شامل على أصل، فهذا الوجه 2.
7407 - ولو قال: أوصيت لفلان برأسٍ من رقيقي، ولم يكن له رقيق حالة [الإيصاء] 3، ولم يمت عن رقيق أيضاً، فالوصية باطلة، فإنه أضاف الموصى به إلى أرقائه، فإذا لم يكن له مماليك، فلا أصل ولا مستند للفظه.
ولو قال: أوصيت لفلان برأس من رقيقي، ولم يكن له حالة الإيصاء رقيق، ثم ملك مماليك، ومات عنهم، فالمذهب أن الوصية تنفذ في واحد منهم.
ومن أصحابنا من قال: الوصية مردودة؛ فإن لفظه حالة الإيصاء لم يجد متعلقاً فلغَى وبطل، ثم لا أثر لوجود الأرقاء بعد ذلك، وهذا يضاهي ما لو قال: أوصيت لفلان بثلث مالي، وكان لا يملك إذ ذاك شيئاً أصلاً، ثم تموّل ومات عن مال، فالأصح أن ثُلث ماله مصروفٌ إلى وصيته.
ومن أصحابنا من قال: الوصية مردودة؛ لأنها لم تتناول مورداً، [ولم] 4 تثبت بمتعلَّقٍ حالة الإنشاء.
ولم يختلف أصحابنا أنه لو كان يملك درهماً، فقال: أوصيت لفلان بثلث مالي، فخوله الله تعالى مالاً جماً، ومات، فثلث جميع ما خلف مصروف إلى وصيته.
هكذا ذكر الشيخ أبو علي في صورة الوفاق والخلاف في شرح التلخيص.
فعلى هذا لو كان قال؛ أعطوه رأساً من رقيقي، وكان يملك إذ ذاك أرقاء، ثم ملك غيرهم ومات، فللوارث أن يسلّم رأساً من الذين استفادهم بعد الإيصاء.
ولو قال: أعطوه رأساً من مماليكي، وكان لا يملك إلا مملوكاً واحداً ومات على ذلك، ولم يخلّف غيرَه من المماليك، فهذا اللفظ فيه خبلٌ، واضطراب؛ من جهة أنه أضاف المملوك الموصى به إلى مماليكه، وليس له جمع من المماليك يصح إضافة المملوك الموصى به إليهم، ولكن الذي يقتضيه المذهب القطع بتنزيل وصيته على ذلك المملوك الواحد، وإن لم نجد في ملكه جمعاً من المماليك، يضيف ذلك العبدَ إليهم؛ فإنا وجدنا متعلقاً لوصيته، فاستقلت به، ولا مبالاة بأن يختل بعد هذا المتعلق لفظهُ.
ولم يختلف أصحابنا في أنه إذا أوصى برأسٍ من رقيقه، وكان له جمع من الأرقاء، فماتوا إلا واحداً منها، نزلت الوصية عليه.
7408 - ومما يتصل بمقصود الفصل، وهو المعتبر فيه -وعلى المنتهي إلى هذا الموضع من هذا الفصل أن يتامل ما نلقيه إليه- أنَّ هذه الوصية مفروضةٌ فيه إذا أطلق الموصي لفظه، وأرسل وصيته، وحاول أن تنفذ فيما ينطلق عليه لفظُه، ولم يضمر إرادةَ تعيينٍ من رقيقه، فمسائل الفصل مدارةٌ على هذه القاعدة، والغرض بيان مقتضى هذه الصيغة عند الإطلاق.
وعلى هذا قال الأئمة: لو أوصى برأسٍ من رقيقه، وكان له جمع من المماليك، فانتحى الوارث معيَّناً منهم، واعتمد أحسنهم قدراً، أجزأ ما يُخرجه عن الوصية؛ فإن اسم رأسٍ من رقيق يتناوله، وهذا متفق عليه بين الأصحاب.
فإن قال الموصى له: لم يُرد الموصي هذا، لم يردّه، على أن نُفهمه معنى عموم اللفظ وشمول الصيغة ونبين له أن المسألة مفروضةٌ فيه إذا لم يعيّن الموصي بلفظه أحداً من مماليكه، وإنما أراد أيَّ واحدٍ كان من أرقائه.
ولو قال الموصى له: إنه أضمر واحداً منهم، وإن أبهم لفظه، فليس يبعد أن يضمر مع الإطلاق، وإن كان لفظه عاماً؛ فإن سيد المماليك لو قال: واحد منهم
حُرٌّ، ثم زعم أنه عنى عند اللفظ متعيناً منهم، تبيّنا نزول العتق عليه.
وكذلك إذا قال الزوج: واحدةٌ من نسائي طالق.
وأضمر عند إطلاق هذا اللفظ واحدةً متعينة منهم في نفسه، فهي المطلقة.
وإن أطلق إبهام العتاق والطلاق، ولم يضمر معيناً، خوطب بإيجاب التعيين عليه، على ما ستأتي هذه المسائل مشروحةً في كتاب الطلاق، إن شاء الله عز وجل.
7409 - فإذا وقع التنبيه لها، فنقول: الموصى له غير بعيد عن الاحتمال، ولكن لا نقبل دعواه، ما لم يعيّن عبداً، وما لم يقل هذا مَعْنِيُّه ومرادُه؛ فإن الدعوى المبهمة مردودة ممّن يبغي مالاً.
ثم إن عين، فالقول قول الورثة، فإن قالوا: لم يعيّن، ولم يُضمر تعييناً أصلاً، وإنما أبهم اللفظ ليُجرى على [مقتضى] 1 عمومه، فالرجوع إلى أقوالهم.
وإن فرض عرْضُ يمين، فالقول في صيغتها يأتي في سياق الكتاب، فليس تفصيلها من غرضنا الآن.
7410 - ولو قال: اشتروا عبداً من مالي وسلموه إلى فلان، فاشترى الورثة عبداً معيناً، وسلموه إلى الموصى له، وقع الاكتفاء به في قول أصحابنا المعتبرين؛ تعلّقاً بما ذكرناه من مقتضىً، وتشبيهاً لهذا بما لو قال: أعطوه رأساً من رقيقي، وكان فيهم معيب [فقصدوه] 2 وأخرجوه إلى جهة الوصية.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن الوصية إذا كانت متقيّدة بالشراء، فلا يقبل [فيها] 3 معيب؛ فإن الشراء يقتضي سلامة المشترَى، ولذلك يثبت الرد بالعيب.
فإذا قال: اشتروا عبداً أو مملوكاً، وسلموه إلى فلان، فقد أوصيت [له به] 4،
فربْطُه المملوكَ الموصى به بجهةٍ مقتضاها طلب السلامة يقتضي السلامة.
وهذا لا أصل له؛ فإن الوصية تستقل بموجب اللفظ، واللفظ عام، كما سبق تقريره، فلئن كان مقتضى العهدة في البيع ثبوت خيار الرد، فلا تعلق لهذا بوضع الوصية، والدليل عليه أن الرجل إذا وكل وكيلاً ليشتري له مملوكاً، وأطلق التوكيل ولم يقيّده بالسلامة، فاشترى الوكيل عبداً، ثم اطلع على عيب به، وكان العبد مع ذلك العيب يساوي الثمن المذكور، فالبيع يصح عن الموكل؛ حملاً على مقتضى الاسم المطلق، ثم عهدة العقد تقتضي ثبوتَ الخِيَرة في الرد، فلزم تنزيل الوصية على العبد المشترى وإن كان معيباً، ثم لا عهدة في الوصية حتى نفرض رد العبد فيها.
7411 - ومما يتعلق بتحقيق الفصل أنه إذا قال: أوصيت لفلان برأسٍ من رقيقي، وكان له مماليك، فماتوا قبل [موت] 1 هذا الموصي، انقطعت الوصية.
وكذلك لو ماتوا بعد موت الموصي، وقَبْل قبول الموصى له، فلا فائدة للحكم ببقاء الوصية؛ فإنها لو ثبتت، لكانت متعلقة بعبد من العبيد الذين خلّفهم الموصي، فإذا ماتوا موتاً لا يُعقب ضماناً على آخر، فقد فاتت الوصية في أعيان العبيد، ولم يُعقب موتُهم أَبْدَالاً، وعَسُر الوفاء، ونزل هذا منزلة ما لو ماتوا قبل وفاة الموصي.
7412 - ولو أوصى برأس من رقيقه، فقُتِل أرقاؤه في حياته قتلَ ضمان، فاتت الوصية؛ فإنّ نَفَذ 2 الوصية ما بعد الموت، وقد [مات] 3 ولا رقيق له.
ولو قتلوا بعد موته، وقبل قبول الموصى له، نزلت قيم العبيد القتلى منزلة العبيد بأنفسهم، فيعيّن الوارث [قيمة] 4 من شاء من المماليك.
وعلى الناظر تأملٌ في هذا؛ فإن الأقوال [مختلفة] 1 في أن الملك في الموصى به متى يحصل للموصى له؟ ففي قولٍ يحصل الملك بنفس موت الموصي، ويستقر بالقبول.
وفي قولٍ يقف الأمر على القبول، فإن قُبل، تبيَّنا استنادَ الملك إلى موت الموصي، وإن ردّ الموصى له الوصية، تبيّنا انتفاء الملك أصلاً، ومسألتنا مفروضة [فيه] 2 إذا قُتل العبيد، وقَبِل الموصى له الوصية بعد قتلهم، [فيستدّ] 3 على القولين المذكورين صرفُ قيمة عبد إلى حقه؛ فإنا نتبيّن على الوقف، أو نحكم على تحقق أن عبداً من العبيد قُتل ملكاً للموصى له.
وفي أصل المسألة قولٌ ثالث، وهو أن الملك يحصل للموصى له بالقبول، فعلى هذا يقع قبوله [بعد] 4 فوات رقاب المماليك، والوصية [بواحدٍ] 5 منهم، فقد يُشْكل ورود الملك على قيمة عبد ابتداء، ولكن أطلق الأصحاب ما حكيته، والممكن منه أنا وإن حكمنا بأن الملك يحصل بالقبول، فللموصى له حق في الموصى به قبل القبول.
وآية ذلك أنه يستبد بتملكه، ولا يقدر أحد على إبطال هذا الحق عليه، وليس كحق القبول في البيع والهبة بعد الإيجاب من الموجِب؛ فإن الموجِب لو أراد بعد التلفظ بالإيجاب أن يُبطل إمكان القبول، تُصوِّر ذلك منه، ولا يتصور من الورثة قطع حق القبول، فخرج منه أنا وإن حكمنا بأن [القبول] 6 يستعقب الملك، فلسنا ننكر
ثبوت حق الموصى له قبل القبول، فالحقوق اللازمة الماليّة إذا تعلقت بأعيانٍ 1، لم يمتنع انتقالُها من الأعيان إلى أبدالها، كحق الموصى [له] 2، فهذا هو الممكن.
ولا يبعد عن القياس أن يقال: إذا حكمنا بأن القبول يستعقب الملك، تسقط الوصية [و] 3 تفوت بفوات الأعيان قبل القبول، وهذا ابتداء احتمال من طريق النظر، ولم يصر إليه أحد من الأصحاب، فلا 4 اعتداد به.
7413 - ولو قتل العبيد بعد موت الموصي وقبل القبول إلا واحداً منهم، فالذي ذكره أئمتنا في الطرق أن للورثة أن يصرفوا الوصية إلى قيمة [قتيلٍ] 5، كما لو قتلوا بأجمعهم، ولهم إخراج العبد الباقي.
ووجه ما قالوه أن [القتلى بمثابة] 6 الأحياء في بقاء الوصية؛ إذ لو قتلوا، لكانت الوصية قائمة، فبقيت خِيرَةُ الورثة، ولا فرق بين الحي الباقي وبين [القتلى] 7.
وقطع العراقيون قولهم بأنه يتعين على الوارث تسليم العبد الباقي، وإن كان لو قتلوا جميعاً، لعيَّنُوا [أيَّةَ] 8 قيمةٍ شاؤوا، واعتلّوا بأن قالوا: الأصل في الوصية إخراج (9 رأسٍ من الرقيق، فما دام ذلك ممكناً، فالوفاء بحق الوصية إخراج 9) رقيق؛ فإن فاتوا من عند آخرهم، أقمنا الأبدال لتعلق الوصية بالأعيان مقام الأعيان.
وهذا الذي ذكروه فقيه 10 متجه، وما ذكره أصحابنا المراوزة ممكن غيرُ بعيد.9
7414 - ولو أوصى بعبد معيَّنٍ لإنسانٍ، فقُتل ذلك العبد قبل موت الموصي قَتْلَ ضمان، فقد فاتت الوصية بفوات العبد، ولا تعويل على القيمة؛ فإنه لم يوص 1 بالقيمة، ولما قتل العبد، لم يقع مثلُه في وقتٍ ثبت فيه ملكُ الموصى له، أو حق تملكه.
فلو قتل بعد موت الموصي وقبل القبول، فإذا قبل الموصى له، كانت القيمة له، وهذا خارج على ما قدمناه من قول الأصحاب.
7415 - وقد نجز الغرض في الفصل المفروض فيه إذا قال: أعطوه رأساً من رقيقي، وتبين أن شرط هذه الوصية أن يخلّف أرقاء، أو رقيقاً، كما بينا ذلك مفصلاً.
7416 - فلو قال: أوصيت لفلان بعبد من مالي، أو قال: أعطوا فلاناً رقيقاً من مالي، فلا يشترط في صحة هذه الوصية أن يخلف مملوكاً، ولكن لو لم يخلف مملوكاً أصلاً، اشترينا من الثلث مملوكاً، وصرفناه إلى جهة الوصية.
ولو خلف مملوكاً [أو] 2 مماليك، ولفظ وصيته: أعطوا فلاناً عبداً من مالي، فلو أراد الورثة أن يشتروا عبداً ويسلموه إلى الموصى له، فالذي صار إليه المحققون أن لهم ذلك، ولا يتعين عليهم إخراج عبد من عبيد التركة؛ فإنهم لو لم يكونوا، لاستقلت الوصية في مكان تحصيل العبد من المال، فلا أثر [لوجود العبيد ولعدمهم] 3.
ورأيت في بعض التصانيف رمزاً إلى أنه يتعين تسليم عبد من الموجودين، إذا كانوا في التركة، فإن لم يكونوا، فتحمل الوصية حينئذ [على] 4 تحصيل العبد من التركة.
وهذا غير معتد به، ولا سبيل إلى عد مثله من المذهب.
فصل
قال: " ولو قال: شاةً من مالي ... إلى آخره " 1.
7417 - إذا أوصى بشاةٍ من ماله، فالمذهب الذي عليه التعويل أن اسم الشاة ينطلق على الذكر والأنثى، فلو أخرج كبشاً أو تيساً أجزأه؛ فإن الهاء في الشاة ليست هاء التأنيث، وإنما هي هاء التوحيد، فيما يتميز الواحد فيه عن الجمع بالهاء، على قياس التمر والتمرة، والجوز والجوزة، [فقولك] 2 شاة أصله شاهة، ويتبين ذلك بقولك في التصغير شويهة، والتصغير يرد المحذوف إلى أصله.
هذا هو المذهب.
وأبعد بعض أصحابنا؛ فحمل الشاة على الأنثى.
ثم لا خلاف أن الضانية والماعزة، مندرجان تحت الشاة، فيجوز للوارث أن يخرج من أي نوع شاء، ولو أخرج سخلة، فظاهر النص أنها تجزئه، وهو الذي قطع به صاحب التقريب وأئمة العراق، ومعظم المراوزة.
وذكر الشيخ أبو بكر في مجموعه في طريقة القفال، [في روايةٍ أن] 3 السخلة لا تجزىء؛ فإن اسم الشاة لا يتناولها، كما أن اسم الرجل والمرأة لا يتناولان الطفل.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه في الوصية بالشاة: " لو أخرج الوارث صغيرة، أجزأت "، فحمل الشيخ أبو بكر 4 الصغيرة على جذعةٍ من الضأن صغيرة الجثة، وهذا الذي ذكره وإن كان له اتجاه على حالٍ، فهو خلاف ما صرح به الأصحاب أجمعون في طريقهم؛ فإنهم متفقون على إجزاء السخلة، وذلك أن اسم الشاة يتناول
في اللسان ما يعد من جنس الغنم، والسخالُ من جنس الغنم، ويكمل بها نصاب الجذاع [والثنايا] 1 في الزكاة، فلا اغترار [بما ذكره] 2 الصيدلاني، والتعويل على الجنس كما [ذكرناه] 3، ثم إن جرى جارٍ على ما رآه 4 اعتُرِض له بالجذعة من المعز؛ فإنها غيرُ مجزئة في الضحايا، والظاهر أنها مقبولة في الوصية بالشاة.
[فإنها منزلة على مرتبة السخال والجذاع، والله أعلم] 5.
7418 - والكلام في الفرق بين أن يقول: شاة من غنمي أو شاة من مالي، والكلام في موت الشياه وقتلها، والفرق بين قتل جميعها وبقاء بعضها كما ذكرناه في الأرقاء، فلا معنى لإعادة ما تقدم.
وإنما نذكر في كل فصل ما يتجدد فيه، والقول في المعيبة والسليمة، كما سبق.
7419 - ولو أوصى لإنسان ببعيرٍ، فالنص أنه محمول على الذكر، لا تجزىء الناقة فيه.
وقد ذهب طوائف من أئمتنا إلى أن الناقة مقبولةٌ، فكان هذا منهم قولاً مخرَّجاً، وهو موافقٌ للغة؛ فإن من كلام أئمة اللسان أن البعير من الإبل، كالإنسان يتناول الذكر والأنثى، والجمل كالرجل، والناقة كالمرأة.
هذا وضع اللسان.
وما ذكره الشيخ أبو بكر في أن السخلة لا تجزىء عن الشاة الموصى [بها] 6 على الإطلاق يظهر 7 في البعير؛ فإنه قد يبعد حمله على فصيلٍ وحُوارٍ [ومن] 8 قبل
السخال في الغنم طرَدَ مذهبَه في الفُصلان ولم يُناقَض.
ثم قد ذكرنا أن مذهب جماهير الأصحاب أن الشاة مترددة بين الذكر والأنثى، والهاء للتوحيد، وما يخالف هذا بعيدٌ.
7420 - واشتهر خلاف الأصحاب في الوصية بالبقرة والبغلة، فذهب بعضهم إلى أن البقرة محمولة على الأنثى، وكذلك البغلة، وذهب آخرون إلى أنها مترددة بين الذكر والأنثى تردد الشاة، ورأيت الطرق متفقةً على أن الكلب محمولٌ على الذكر من جنسه، لا غير.
وهذه الفصول المتداخلة تقتضي ترتيباً، فنقول:
ما لا يتخيل فيه التأنيث ويجري في قبيله تمييز الواحد عن الجمع بالهاء، فالمذكور بالهاء واحدٌ من الجنس، وهذا كالجوزة والتمرة واللوزة والشجرة والنخلة ولا [تعويل] 1 على ما يُذْكر في النخيل من الذكور والإناث، والجنس الذي تتحقق فيه الذكورة والأنوثة من جهة الخلقة ينقسم، فمنه ما يتميز فيه الذكر عن الأنثى بالهاء، مع اتحاد البناء، وهذا بمثابة الكلب والكلبة، والحمار والحمارة، فالاسم المذكور مع الهاء الأنثى، ومن غير هاءٍ للذكور.
وعليه 2 يخرّج قول الأصحاب في حمل الوصية [بالكلب] 3 على الذكر، وإن خطر لإنسانٍ فيه إشكال، فسببه [ردّ] 4 الاسم إلى العجمية، وليس في لغة العجم فرق بين الذكر والأنثى.
فأما ما لم يثبت في اللسان فيه [فرق] 5 بين الذكر والأنثى بالهاء ثبوتاً متحققاً = على فصيل وجوب قبل السخال في الغنم، طرد مذهبه في الفضلا.
منقولاً، [ففيه] 1 اختلاف الأصحاب، وهذا ينقسم: فمنه ما غلب منه إرادة التوحيد، حتى لا يكاد العرب تفهم منه التأنيث، وهو كالشاة، وفيه ما لا يبعد فهم التأنيث منه، وهو كالبقرة والبغلة، [فظهر] 2 الخلاف في البقرة والبغلة [للتردد] 3 بين التوحيد والأنوثة، وبُعد الخلاف في الشاة.
فهذا ما يجب ضبطه في هذه المسائل.
7421 - ولو أوصى لإنسانٍ بدابةٍ، فاسم الدابة في اللسان ينطبق على ثلاثة أجناس: الخيل، والبغال، والحمير، ولا يندرج تحتها الإبل، وإن كانت [مركوبة] 4، وهذا متفق عليه، ومعناه في اللسان واضحٌ، لا إشكال فيه.
ثم تردد أئمتنا في لفظ الدابة، إذا جرت في [مصر، وقد] 5 قيل: إن أهلها لا يفهمون منه إلا الحمار، فلو فرضت بلدة لا يفهم أهلها من الدابة إلا الفَرَس، نفرض 6 الكلامَ [على] 7 ما يتحمل اللفظ على موجب اللسان ليتردّد بين الأجناس الثلاثة 8: الخيل، والبغال، والحمير، أو يُحمل اللفظ على موجب عرف المكان؟ فيه تردد للأصحاب: فمنهم من لم يبال بالعرف [لظهور] 9 معنى اللسان، ومنهم من حمل اللفظ على موجب عرف المكان؛ فإن العرف قرينة الألفاظ.
7422 - ويتصل بهذا الفصل أن ألفاظ العقود في النقود قد تحمل على الدراهم
المغشوشة إذا كانت بيّنة العيار جاريةً في المعاملات، وقد ذكرنا أن الإقرار بالدراهم محمول على المطبوع من النقرة، وذكرت وجه ذلك على ما ينبغي، ولم أر للأصحاب في الوصية بالدراهم شيئاً، ووجدت صَغْوَهم الأظهرَ إلى تنزيل ألفاظ الوصايا منزلة ألفاظ المقرّين 1، ولكن لا يبعد عن الاحتمال عندي صرف الوصية بالدراهم إلى الدراهم الجارية في المعاملات، والظاهر إجراء الوصية مجرى الإقرار، والعلم عند الله تعالى.
وتمام القول في حمل الألفاظ على العرف يأتي في كتاب الأَيمان، إن شاء الله عز وجل.
فصل
قال: " ولو قال: أعطوه كلباً من كلابي ... إلى آخره " 2.
7423 - الوصية بالكلب الذي يجوز اقتناؤه صحيحة، والكلب الذي لا يُقتنى لا تصح الوصية به، وقد فصلنا في كتاب البيع ما يصح اقتناؤه، وما لا يحل اقتناؤه، وذكرنا تفصيلاً في الجرو الذي ينتفع به إذا كبر.
والقدر الذي يُكتفى به هاهنا ما ذكرناه من الرجوع إلى جواز الاقتناء، (3 وعماد جواز الاقتناء 3) الانتفاع المشروع، ثم البيع وإن كان ممتنعاً، فالوصية جائزة؛ فإن البيع يستدعي الملكَ المطلقَ التامّ، والوصية لا تقتضي ذلك، بل أقرب معتبر فيها الوراثة، فكل ما يتعلق به حقُّ الإرث تتعلق الوصية به إذا انتفع الموصى له انتفاع الوارث.
وهذا فيه احتراز عن القصاص [وحدّ القذف] 4؛ فإن الوارث ينتفع به من جهة3
شفاء الغليل، وهذا لا يحصل للموصى له، والوارث يخلف الموروث في الانتفاع بالكلب المنتفع به، والموصى له بمثابة الوارث، وهذا يجري مطرداً في الأعيان النجسة التي يجوز الانتفاع بها، كالزبل والخمرة المحترمة، والجلدِ القابلِ للدباغ قبل الدباغ، [فالوصية] 1 جائزة بهذه الأشياء؛ تعويلاً على تعلق استحقاق الوراثة بها مع التقييد الذي قدمناه.
ثم إن قال: أوصيت لفلان بكلب من كلابي، وله كلاب، فالوصية نافذة.
ولو قال: أوصيت لفلان بكلبٍ من مالي، ولم يكن له كلاب، فالوصية باطلة، فإن سبيل تقدير صحة الوصية ابتياع كلبٍ، وتسليمه إلى الموصى له، وهذا لا سبيل إليه؛ فبطلت الوصية.
7424 - ومما يتعلق بمقصود الفصل كيفية اعتبار خروج الكلب من الثلث: قال الأئمة: إن كان له مال سوى الكلب، فالكلب خارج، وإن كان لا يملك إلا دانقاً، ولم يخلف على ورثته غيرَ ذلك الدانق 2، وعللوا بأن ما خلّفه من المال، وإن قل قدرُه، فهو أعلى قدراً من الكلاب؛ فإنها لو قُتلت، لم تُضمن، ولا يصح بيعها.
وعلى هذا لو أوصى بكلابه، وخلف درهماً، أو أقلَّ، فالكلاب بجملتها مسلمةٌ، والوصية بها نافذةٌ.
وذكر العراقيون هذا المسلك، وحكَوْا وجهاً آخر معه، وهو أنه لا أثر لوجود المال وعدمه في الوصية بالكلاب، حتى لو كان في يده كلب، وخفف مالاً جمّاً، وقد أوصى بذلك الكلب، فالوصية تقع بثلث الكلب، وذلك أن الكلب ليس من قبيل الأموال، وليست الأموال من جنس [الكلاب] 3، والثلث المعتبر من ثلاثة أجزاء،
فإذا لم يكن الكلب من جنس المال، فعدُّه جزءاً من المال محال، فلا أثر إذاً للمال كان [أو] 1 لم يكن.
وهذا الذي ذكروه بعيد، لا أصل له.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أوصى بكلب أو كلاب، ومعه شيء من المال، فأما إذا لم يكن له إلا الكلاب، فأوصى بكلب منها، فللأصحاب في المعتبر الذي إليه الرجوع في الخروج من الثلث، أوجه: أحدها - أن الاعتبار بالعدد لا غير، إذ لا قيم 2 لها فتعتبر.
ومن أصحابنا من قال: [تعتبر قيمتها عند من يرى لها قيمة، ومبنى الثلث على هذا التقدير.
ومن أصحابنا من قال:] 3 مبنى الثلث على اعتبار منافعها، وهذا قريب من اعتبار قيمتها، فإن قيمتها لمكان منافعها.
هذا منتهى القول في ذلك.
ومن تمامه أنه لو أوصى لإنسان بكلب [أو] 4 خمر محترمة وأُهب، لم تدبغ بعدُ، فلا يمكننا اعتبار العدد في ذلك، ولا يتجه إلا قيمتها لو كانت لها قيمة، فإن منافعها لا تتجانس، فتعتبر.
ومن أصحابنا من يقول: إذا أخلف، 5 كلاباً وأزقةً من الخمر المحترمة، فتعتبر الأعداد.
وهذا بعيد.
...
فصل
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قال: طبلاً من طبولي ... إلى آخره" 1.
7425 - الطبل له ثلاثة محامل: أحدها - طبل العطارين 2، والثاني - طبل الحرب، وفي معناه طبل الحجيج، والثالث -[طبل] 3 اللهو، وهو الذي يضربه النسوة والمخنثون، وهو المسمى [الكوبة] 4.
فأما طبل الحرب وطبل الحجيج [وطبل] 5 العطارين، فيجوز بيعها، وتصح الوصية بها.
وأما طبل اللهو وهو الكوبة، فمن آلات الملاهي، وسبيله سبيل المعازف، ثم الضبط فيها أنه إذا وجب تغييرها إلى حدٍّ 6 يُسقط عنها الاسمَ المذكور، فالبيع باطل فيها وفاقاً.
فإن قيل: هلا صححتم البيع 7 [ونزلتموه] 8 على الأجزاء التي تبقى بعد التغيير؟ فإن آلات المعازف لا تبطل [بالكلّية] 9 ولكنها تغير وتفسد فيها الصيغة التي [تتهيّأ] 10 لهو لأجلها.
ويبقى أجزاؤها ورُضَاضها، وقد ذكرنا 11 في الغصوب
طرق الأصحاب في [المنتهى] 1 الذي لا يتجاوز في الكسر والتغيير؟
قلنا 2: البيع وإن كان سائغاً في الرضاض، فلا يصح إيراده على آلة اللهو قبل الترضيض.
وهذا متفق عليه.
والسبب فيه [استحثاث] 3 الناس على الانكفاف عن التصرف في آلات الملاهي، ولو جوزنا بيعها، ثم حملناه على [الأجزاء] 4 التي تبقى، لكان هذا تنجيزَ 5 تصرف فيما أمرنا باجتنابه، والتباعدِ عن التصرف [فيه] 6، فنخرّج عليه أنه لو قال: " بعتك هذا "، وأشار إلى كوبة أو بَرْبَط، فالبيع باطل، وإن لم يسم؛ فإن تعليل البطلان ما ذكرناه من الانكفاف عن التصرف فيه رأساً.
ثم إذا بان فساد البيع فيها، فالوصية بالآت الملاهي فاسدة أيضاً.
فإن قيل: قد صححتم الوصية بالكلب وإن منعتم بيعه، فهلا صححتم الوصية بآلات الملاهي، حملاً على رُضاضها؛ فإن الوصية تحتمل ما لا يحتمله البيع، ولذلك صححنا الوصية بالكلب وإن لم نصحح بيعه؟
قلنا: حق من يبغي دَرْك حقائق المذهب ألا يتبع الألفاظ، ويضرب عن المعاني، فالمعنى الذي لأجله رددنا البيعَ هو المنع 7 من تعاطي هذه الأشياء، والجريان على شعار الدين في الانكفاف عن التصرف في هذه الأشياء، وهذا المعنى يجري في الوصية جريانَه في البيع، والدليل عليه أنا أخذنا الوصية من الوراثة، وقلنا: ما يستحقه الوارث لا يمتنع الوصيةُ به، ثم طبل اللهو لا يبقى في يد الوارث، فإذا كان
لا يبقى في يد الورثة، فلا يصح الوصية به، غيرَ أن الوارث لا يستحقه طبلاً، ولو [رُضّض] 1، لكان الرضاض ملكَه إرثاً.
وإذا أبطلنا الوصية بطبل اللهو، لم نثبت للموصى له حقاً في رضاض الطبل، ومُكَسَّره 2؛ فإن الوصية من العقود، فإذا أُبطلت، قُدّر كأنها لم تكن، والإرث خلافة ضرورية، ووضعُها يقتضي أن يكون الوارث كالموروث، وقد كان الطبل مقرّاً على الموروث، وملكُه مستمر في المكسّر المغيّر.
7426 - ولو أوصى لإنسان بطبل لهو، وكان يخرج عن صلاحية اللهو بتغييرٍ، كما فصلناه في كتاب الغصوب، واسم الطبل يبقى مع انتهاء التغيير المستحق نهايته، فقد قال العلماء: تصح الوصية بالطبل على هذا الوجه؛ فإن الاسم الذي اعتمد به الوصية يمكن تقريره وتنزيلُ الوصية عليه، فصحت [الوصية] 3 على هذا النسق، واتفقت الطرق عليه.
ويجب على مقتضى ذلك القطع بتصحيح الوصية بمكسّر الطبل، أو رُضاض العود؛ فإنه جَعل موردَ العقد لفظاً مشعراً بمملوك محترم، وكأنه قال: رضضوه وسلموا إليه رضاضه، والوصية تقبل التعليق.
7427 - ولو قال صاحب [البَرْبَط] 4: بعت منك رُضاض هذا، لم يصح البيع؛ فإن البيعَ لا يحتمل التعليق، فقوله: بعتك رضاضه تقديره: إذا رُضّض، فقد بعتك رُضاضه.
ثم ليس للترضيض منتهى يوقف [عنده] 5 على ضبط.
فإن قلنا: يكفي في تغيير البَرْبط نزعُ الأوتار منه، فقال: بعتك هذا دون وتره [أو] 6 محلولاً الوتر 7.
فهذا يقرب من بيع ذراعٍ من خشبة تُعنى للحطب، والعلم عند الله.
7428 - ولو باع إناء من فضة، وكان اتخذ آلة من آلات الملاهي من الفضة، فإذا باعه، فهذا [محتمل] 1 عندي؛ فإن الصنعة، وإن لم تكن محترمة في آلة اللهو، وفرعنا على منع استصناع الآنية من التبرين، فالمقصود الأعظم نفاسة الجوهر، والصنعة تابعة، وليس كذلك الآلات المتخذة من الجواهر الخسيسة، كالخشب وغيرها؛ فإن المقصود الأظهرَ منها الصنعةُ، والرضاضُ بعد التكسير تابع غير مقصود، فيجوز أن يكون النظر إلى المقصود في النوعين، حتى يصحّ بيع الإناء وآلات الملاهي من التبرين.
ولا يجوز بيع آلات الملاهي من الخشب؛ فإن عماد المقصود فيها الصنعة، وهي مستحقة التغيير.
ويجوز أن يقال: لا يصح البيع في النوعين نظراً إلى الصنعة، فإن ما يبقى من آلة الخشب متموّل، وإن قل قدره.
فإذا ثبت ما ذكرناه، قلنا بعده:
7429 - إذا أوصى بطبلٍ من طبوله، وله طبولُ حرب، وطبول لهوٍ، فالوصيةُ محمولةٌ على طبل الحرب، ثم للوارث أن يعيّن من طبول الحرب ما شاء.
ولو قال الوارث: لفظُ الطبل يتناول طبلَ اللهو، وطبلَ الحرب، والطبول موجودة في تركته، فلست أحمل لفظه على طبول الحرب ليصحّ، بل أحمله على طبل اللهو ليفسد، فنقول له: إذا أوصى، فقد أثبت والتزم، فلا بد من إثبات وصيته ما وجدنا إلى الإثبات سبيلاً.
[فانتظم] 2 من هذا أن اللفظ إذا تردد بين محملين يصح في أحدهما، ويفسد في الثاني، فهو محمول على الوجه الذي يصح [فيه] 3؛ فإن الموصي أثبت للوصية لفظاً
وقصد إثباته، فلاح [لنا] 1 من لفظه وقصده الإثبات، [فمِلنا] 2 إليه.
ولو تردد لفظُ الموصي [بين] 3 الكثرة والقلة، حملناه على القلة؛ فإن اللفظ مع القلة [مستقل] 4 والوصية ثابتة، ونحن على تردد في الزائد على حد القلة، فلا يثبت ما ترددنا فيه.
هذا أصل المذهب.
7430 - وقال الأئمة: لو أوصى بعودٍ من عيدانه، فاسم العود ينطلق على البَرْبط، وعلى العود الذي هو خشب كالعصا وغيرها، فاللفظ يحمل على العود الذي تصح الوصية به، لتناول اللفظ للنوعين، قياساً على ما ذكرناه في طبل اللهو والحرب.
7431 - وممّا ذكره الشافعي رضي الله عنه الوصية بالقسيّ 5، فنقول: إذا أوصى بقوسٍ من قسيه، أو [من] 6 ماله، اندرج تحت لفظه قسيُّ العجم، وقسيُّ العرب، وقسي الحُسبان، والحُسبان سهام صغار، ترمى على قسيِّ العجم 7، وهي المسماة نازك 8، ولا يدخل تحت اسم القوس قوسُ النَّدْف ولا قوس الجُلاهق، وهو قوس البنادق؛ فإن قسيّ النَّدْف مشبهة في الصورة بالقسي لمكان أوتارها، فكان تسميتها قوساً بحق التشبيه لا بوضع الاسم، وكذلك قوس الجُلاهق.
هكذا ذكره الشافعي وأطبق الأئمة عليه.
ولو جرت الوصية في ناحية لا يعرف فيها إلا نوعٌ من هذه الأنواع، فهذا يخرّج على التردد الذي ذكرناه في الوصية بالدابة في القطر الذي لا يفهم منها إلا صنفاً واحداً.
وهذه المسألة وتيك تخرّجان على أن المتبع موجب اللسان في إطلاق اللفظ، أو ما يفهم منه في طرد العرف؟.
7432 - ولو أوصى بقوس معيَّنٍ، وكان عليه وترٌ، فقد ذكر العراقيون وجهين في دخول الوتر في الوصية: أقيسهما عندنا - أنه [لا يدخل الوتر؛ لأنه ليس جزءاً من] 1 القوس متصلاً به اتصال صيغة.
والآخر - لا اتجاه له وإن ذكره العراقيون، ولعلهم إنما يقولون هذا في القوس المعيّن، أو في قوسٍ من قِسيٍّ كلها موترة، فأما إذا لم يكن على القسيّ أوتار، وقال: اشتروا قوساً [وسلموه] 2 إلى فلان، فلا يجوز أن يُتخيلَ خلافٌ في أنه لا يجب ضمُّ وترٍ إلى القوس الموصى بها.
وما ذكروه من الخلاف في دخول الوتر تحت الوصية بالقوس يجب طرده في بيع القوس الموتر؛ فإن ما يؤخذ من الألفاظ ولا يختلف فيه موجب الوصيةِ والبيعِ [يجب] 3 طَرْدُ البابين [فيه] 4 على قضية واحدة.
7433 - ومن تمام القول في هذا أنه إذا كان عند الرجل قسيُّ ندْفٍ أو قسي جُلاهق، فقال: أوصيت لفلان بقوسٍ من قسيَّي، فالوصية تُصرف إلى قوسٍ من قسيّ الندف؛ فانه ليس [يملك] 5 غيرَها، فإضافته القوس إلى ما يملك تصريحٌ منه بقوس الندف، وهو كما لو قال: أوصيت لفلان بقوس ندف.
ولو كان له قسيُّ ندفٍ، فقال: أوصيت لفلان بقوسٍ، أو قال: أعطوه قوساً، لم يصرف ما أوصى به إلى ما عنده، فالقوس محمولة على قوس الرمي لا غير.
وإن كان يظن الظان أنه يريد بالقوس [ما] 1 عنده.
ولو قال: أعطوه عوداً من القسي، فقوس العرب يُتخذ من نبعة واحدة، وليست القوس غيرَها، فالوصية تحمل على عودٍ مهيىءٍ لقوس العرب.
فأما قسيُّ العجم، فهي مركبة من [أجناس شتى] 2، وقد يكون الخشب أقلها، فلا ينتظم لفظ العود فيها، فيتعين الصرف إلى أعواد قسي العرب، وأمثال هذا سهلة مع إحكام الأصول.
فصل
قال: " ويجعل وصيته في الرقاب والمكاتبين ... إلى آخره " 3.
7434 - إذا قال: "اجعلوا ثلث مالي في الرقاب"، فهو موضوع في المكاتبين عندنا، وعند أبي حنيفة 4 رحمه الله، وقال مالك 5: يُشترى بثلث ماله عبيد يعتقون.
واتفق العلماء على أن الرقاب في صيغة الوصية محمولة على ما يُحمل عليه قول الله تعالى في آية الصدقات: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60] غيرَ أنا حملنا الرقاب في آية الصدقات على المكاتبين، وحملها مالكٌ على صرف قسط 6 الصدقات إلى شراء عبيد ليعتقوا.
فإن قيل: اسم الرقاب يتناول المكاتبين والأرقاء، فلِمَ يتعين في الوصية الحمل على المكاتبين؟ قلنا: رأى العلماءُ لفظَ الرقاب لفظاً عاماً في اللغة، خاصاً في عرف الشريعة، فغلّبوا [اللفظ] 1 الشرعي، كما غلبوا لفظ الصوم، والصلاة، والحج، فإنها إذا جرت في وصيةٍ، أو نذر، أو يمين، كانت محمولةً على عرف الشرع، فكذلك القول في الرقاب.
ثم إذا قال: ضعوا ثلث مالي في الرقاب، فلا بد من وضعه في ثلاثة من المكاتبين فصاعداً، والاقتصار على الثلاثة جائز، والزيادة حسنة جائزة، والنقصان ممتنع، وكذلك الوصية للفقراء والمساكين، وما في معانيهم.
والقول الضابط [فيه] 2 أنه إذا أوصى لأشخاصٍ، تعيّن استيعابهم، ثم إذا كانت الوصية مطلقةً، يجب صرف الموصى به إلى جميعهم بالسوية من غير تفصيل، وإذا أوصى بشيء لموصوفين لا [حصر] 3 لهم، وكانت الصفات فيهم عوارض لا تلزم، كالفقر، والمسكنة، والغُرم، والكتابة، فهذه الوصية مستقلّة بأقلّ الجمع، ولا نقصان من الأقل، وأقل الجمع في وضع الشرع ثلاثة، ويجوز الازدياد على الأقل إلى غير نهاية، والأمر مفوض إلى رأي الوصي إذا كانت الوصية مطلقة.
وفي حكم هذا القسم جواز تفضيل [البعض] 4 على البعض، حتى لو رأى الصرف إلى ثلاثة، فصرف المعظم إلى واحد منهم، وصرف إلى كل واحد من الباقين مقداراً نزراً، جاز ذلك، على ما سيأتي تقرير هذا في قَسْم الصدقات، إن شاء الله عز وجل.
7435 - ولو أوصى لأقوامٍ يبعد عن الإمكان حصرهم، وكانوا موصوفين بصفات ملازمة لهم، لا تحل محل العوارض التي يفرض طريانُها وزوالُها، وهذا بمثابة الوصية للعلويّة، فأنسابهم في حكم الصفات اللازمة، وحصرهم غير ممكن، ففي
صحة الوصية لهم قولان؛ فإن الصفات إذا لزمتهم، تضمن ذلك كونَهم مقصودين بأعيانهم، وليسوا كالموصوفين بما يعرِض ويزول؛ فإن الأشخاص ليسوا معينين، فإنما العَرَضُ يتبع الصفة التي يقع التعرض لها في جمعٍ، وسيأتي تفصيل القول في الوصية للعلوية وغيرهم، وإنما اعترض ذكرهم لاستيعاب أقسام الكلام، والغرض الآن أن الاقتصار على ثلاثة في الوصية للرقاب سائغ، كما يسوغ الاقتصار على ثلاثة في صرف سهام الرقاب من الزكاة إليهم، ثم الوصي إن صرف الموصى به إلى ثلاثة من المكاتبين، فقد وفَّى، وإن صرف الموصى به إلى اثنين وفات الأمرُ، فإنه يغرَم حصة ثالث، وفي القدر الذي يغرَمه خلاف مشهور.
ومن أصحابنا من قال: يغرَم له أقلَّ ما يتموّل، فإنه لو صرف إليه ذلك القدر ابتداء، لكان خارجاً عن العهدة [وافياً] 1 بموجب الوصية، فخرج عن عهدة [الغرم، بما كان يخرج به عن عهدة] 2 الوصية ابتداء.
ومن أصحابنا من قال: يلزم لمكاتب ثلث الموصى به، فإنه غرم واحداً من ثلاثة، وانتسب إلى المخالفة الملزمة للغرامة، فيجب أن يكون مطالباً بمقدارٍ منضبط، وأقرب الأمر الفَضُّ على رؤوسٍ ثلاثة.
وسنشرح هذا أيضاً في قَسْم الصدقات، إن شاء الله عز وجل، فاكتفينا بذكر مراسمَ في التقاسيم.
7436 - فإن قيل: إذا صححتم الوصية للعلوية، فهل توجبون استيعابهم؟ قلنا: إيجاب ما لا يستطاع محال، فالوصية إذا صحت لهم، فهم نازلون منزلة الفقراء، فيجوز الاكتفاء بثلاثة منهم، ثم لا يجب التسوية، بل يجوز تفضيل البعض على البعض، كما ذكرناه في الفقراء، ثم إذا أوجبنا على الوصي أن يغرم لمكاتبٍ ثالث شيئاً، فقد قال القفال [فيما] 3 حكاه الصيدلاني: ليس لهذا الوصي أن يدفع بنفسه ما لم يلزمه إلى مكاتبٍ؛ فإنه إنما يسلم إلى المكاتَبَيْن [ما] 4 يسلِّم بحكم الوصية،
وكونه وصياً، وهو الآن غارم، وليس وصيّاً [فيما] 1 يغرمه ولا مؤتمناً، فيتعين عليه أن يسلم ما يلزمه إلى حاكمٍ ليقبضه منه.
ثم لو ائتمنه ذلك الحاكم فأمره بصرفه إلى مكاتب، جاز له ذلك امتثالاً لأمر الحاكم، وهذا حسن ظاهر.
فصل
قال: "فإن لم يبلغ ثلاث رقاب، وبلغ أقل من رقبتين ... الفصل" 2.
7437 - ذكر المزني هذا الفصلَ معطوفاً على الوصية للرقاب، وفي العطف إخلالٌ؛ فإن مضمون هذا الفصل الكلامُ في صرف ثلث المال إلى عبيد يشترَوْن ويعتقون، ومضمون الفصل الأول في صرف طائفة من المال إلى جمعٍ من المكاتبين، فإذا قال بعد نجاز الكلام في المكاتبين: " فإن لم يبلغ ثلاث رقاب وبلغ أقل من رقبتين "، لم ينتظم مبتدأ هذا الكلام مع مختتم الفصل الأول، وكان الوجه أن يبتدىء، فيقول: " لو أوصى بصرف شيء من ماله إلى شراء عبيدٍ، فلم يبلغ [ثلاث] 3 رقاب، فحكمه كذا ".
نعود إلى مقصود الفصل وفقهه ونقول:
7438 - إذا أوصى بصرف ثلث ماله إلى شراء عبيد ليعتقوا، فلا بد من صرفه إلى ثلاثة من العبيد؛ لأن اللفظ لفظ الجمع، فإن لم يوجد بثُلثِه ثلاثةُ أعبد، فقد قالت الأئمة المعتبرون من المراوزة: نصرف الثلثَ إلى عبدين [نفيسين] 4، فإن لم يتأت إلا صرفُه إلى عبدين، وفضل فضلٌ لم نجد به رقبة، ولم نجد عبدين يستوعب [ثمنهما] 5 الثلثَ، فالفاضل مردود على الورثة، والوصية باطلةٌ فيه، ولا يجب
صرف ذلك الفضل إلى شقصٍ 1 من عبد، وعللوا هذا بأنه ذكر العبيد، واسم العبد لا ينطلق على شقص من عبد.
هذا مسلك أئمتنا المراوزة.
وأخذ العراقيون مأخذاً آخر، وقالوا: لا يرتدّ الفاضل إلى الورثة، بل يجب صرفه إلى شقصٍ من عبد؛ فإن غرض الموصي أن يصرف الثلث إلى جهة العتق، فإن تمكنا من الوصول إلى تحصيل العتق في أشخاصٍ، فعلنا ذلك، وإن لم نقدر على تحصيل العتق في [جمعٍ] 2 من الأشخاص، حصلناه في شخصٍ أو شخصين، فإن فضل فضلٌ، [فصرفه] 3 إلى شقصٍ أقربُ إلى مقصودِ الموصي من رده إلى الورثة.
ثم قالوا: إن أمكن صرف الثلث إلى عبدين نفيسين يستوعب ثمنهما الثلث، وأمكن صرفه إلى عبدين دونهما مع صرف الفاضل إلى شقص، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يجب أن نشتري العبدين النفيسين؛ حتى لا يؤدي إلى التبعيض.
وهذا المسلك حتمٌ.
قالوا: وهو اختيار ابن سريج.
والوجه الثاني - وهو اختيار أبي إسحاق فيما حَكَوْه أنه يجب أن نشتري عبدين، ونُفْضل، ونشتري بالفضل جزءاً من ثالثٍ؛ فإن هذا أقربُ إلى مقصود الموصي؛ إذ من مقصوده ربطُ العتق [بجمع] 4.
وطريق العراقيين بعيدةٌ عن طريق المراوزة؛ فإنهم لم يرَوا لشراء الشقص وإعتاقه وجهاً، وإذا [فرض] 5، لم يقع عن جهة الوصية عندهم.
فالخارج من أقوال الأئمة [أن] 1 الصرف إلى ثلاثة من غير تشقيص إن أمكن تعيّن.
ولو في أخسّاء من المماليك.
وإن لم نجد ثلاثة، ووجدنا عبدين وشقصاً، فالمراوزة قاطعون بردّ الفضل إلى الورثة، والعراقيون قاطعون بوجوب صرفه إلى شقصٍ.
وإن [تصدّى] 2 لنا شراء نفيسين وشراء عبدين دونهما مع شراء شقصٍ في ثالث، [فقد] 3 ذكر العراقيون وجهين، كما قدمنا، وقطع المراوزة بما حَكوه من اختيار ابن سُريج.
7439 - ثم قال العراقيون: إذا قال المريض: اشتروا عبداً وأعتقوه عنِّي، فاشترى الوارث عبداً وأعتقه، ثم ظهر دينٌ مستغرق للتركة، نُظر: فإن كان اشترى من عين التركة، فقد بان بطلان البيع؛ إذ لا وصية مع الدين ولا ينفذ صرف شيء من التركة إلى ثمن العبد المشترى، لمكان الدَّين المستغرِق للتركة، فالعبد مردود على بائعه، والعتق فاسدٌ، وثمن العبد يُسترد ويصرف إلى الدين.
وإن كان اشترى العبد في الذمة وأعتقه، نفذ البيع والعتقُ؛ فإن البيع اعتمد الذمة، فصح للوارث 4، ثم يَسْري العتقُ منه مطلقاً في ملكه، فلا مرد له.
وهذا واضح لا خفاء به.
فصل
قال: "ولو أوصى أن يحج عنه، ولم يكن حج حجةَ الإسلام ... الفصل" 5.
7440 - ذكرنا صدراً صالحاً في الاستئجار على الحج المفروض والمتطوّع به في كتاب الحج، وقد يتكرر في أثناء الكلام بعضُ تلك القواعد.
فإذا استجمع الكامل شرائط الاستطاعة، والتزم حجةَ الإسلام، ومات فتحصيل الحج دين من رأس التركة، أوصى به أو لم يوصِ.
وقال أبو حنيفة 1: إذا مات ولم يوص، لم يحج عنه، وطرد هذا في الزكوات المستقرة في حالة الحياة، فقال: إذا مات من تجمعت عليه الزكاة، ولم يوصِ بأدائها، لم تُخرج من ماله، وإن لقي الله عاصياً، وإن أوصى بإخراجها، أُخرجت من ثُلثه إن وفّى بها.
وكان شيخنا أبو محمد رحمة الله عليه يحكي هذا قولاً قديماً للشافعي رضي الله عنه، ولم يتعرض لحكاية هذا أحد من الأئمة الذين يبعد أن يشذ [عنهم] 2 قريب وبعيد.
ثم معتمد أبي حنيفة رحمة الله عليه افتقارُ الزكاة إلى النية، ثم إن صدرت النية من ملتزم الزكاة، فذاك، وإلا 3 قامت نية من يستنيبه مقامَ نيته، فإذا مات، فقد فات صدَرُ 4 النية منه، ولم يوص، فتقوم نية وصيِّه ومأموره مقام نيته.
وهذا لا يستقيم على أصلنا مع مصيرنا إلى أن السلطان يأخذ زكوات الممتنعين، كما صح ذلك في سيرة الصديق رضي الله عنه، وإنما تردد أصحابنا في أن السلطان إذا أخذ الزكاة قهراً، وسقطت طَلِبتُه، فهل تسقط الزكاة عمن عليه باطناً بينه وبين الله تعالى؟ فيه اختلاف ذكرناه في موضعه من الزكاة.
ثم كنا نقول في مراجعة شيخنا أبي محمد: القياس إن لم يكن من هذا القول [بُدّ] 5 أن يقال: إذا أوصى، فالزكاة محسوبة من رأس المال؛ فإن متعلق هذا المذهب [تعذّرُ] 6 النية وسقوطُ الزكاة بتعذرها، فإذا جرت الوصاية، فقد أمكنت النية على طريق النيابة، فليؤدِّ الزكاة ديناً، فكان يأبى هذا ويقول: "القول القديم مثلُ مذهب أبي حنيفة، فالزكاة تسقط إذا لم
تجر وصية، فإن جرت، فهي من الثلث"، وهذا لا أعرف له وجهاً أصلاً.
رجع بنا الكلامُ إلى التفريع على أصل المذهب، فنقول:
7441 - إذا استقر الحج في ذمته ومات، [فحجة] 1 الإسلام الواقعة ركناً ميقاتية، هذا هو الركن، فيستأجر من الميقات أجيراً بأجرة قريبة، ويتأدى حج الإسلام به.
ولو كان نذر حجاً في صحته، لزمه الوفاء به إن استطاع إلى الحج سبيلاً، فلو مات قبل الوفاء، ففي الحجة المنذورة قولان: أحدهما - أنها دَيْنٌ، كحجة الإسلام من رأس المال 2، ووجهه أنه وجب في الصحة، فاستقر في الذمة، فكان ديناً لله تعالى كحجة الإسلام.
والقول الثاني - أنها لا تكون من رأس التركة؛ فإن الناذر أدخل الوجوبَ على نفسه، فيجوز أن يقال: يُلزمه الشرع الوفاء به في تمكنه، فأما أن يصير ما أدخله على نفسه مزاحماً [لحقوق] 3 الورثة، فلا.
وهذا التوجيه فيه مخيلةٌ 4 من الفقه، وهو معنى 5 قول بعض الأصحاب: إن هذين القولين [مبنيان] 6 على أن [المنذور] 7 هل يثبت له حكم الواجب شرعاً أم لا؟ وهذا فيه لبس وتعقيد؛ فإن الذي ذُكر من التردّد في أن الواجب بالنذر هل يأخذ حكم الواجب شرعاً؛ معناه أن من نذر لله تعالى صلاةً، ثم صلى قاعداً مع القدرة على القيام، فهل يخرج عن موجَب نذره؟ فهذا ومثله يخرّج على القولين في أن الواجب بالنذر هل يتقيد بالشرائط المرعية في الواجب شرعاً، ففي قولٍ نحمل [النذر] 8 على
ما يسمى صلاة؛ اتباعاً للفظ، وفي قول نحمله على مضاهاة الواجب شرعاً؛ تقريباً وتشبيهاً.
فهذا مأخذ ذلك.
فأما القول في أن المنذور هل يكون من رأس التركة يبعد 1 أخذه مما ذكره هؤلاء.
والخلاف في احتساب الكفارة من رأس التركة، وقد لزمت الكفارة في الصحة، كالخلاف في الملتزم بالنذر؛ فإن الكفارات دخلت عليه بتسبُّبِه إلى التزامها، وليست من وظائف الشرع، فنزلت منزلة المنذور.
وهذا فيما يجري في الصحة.
والنذرُ الذي يصدر من المريض في مرضه المخوف من الثلث، لا خلاف فيه، وكذلك الكفارات التي تجري أسبابها في المرض.
ونقول وراء ذلك: نذر الصحة إن 2 جعلناه ديناً، فلا كلام.
وإن لم نجعله ديناً، فالذي أشعر به كلام الأئمة أنه لا بد من الوصية فيه، فإن لم تكن 3، [سقط] 4 بالكلية.
وفي بعض كلام المحققين ما يدل على أنها تخرج من الثلث، وإن لم يكن وصية؛ فهي مستحقة من الثلث، ونفسُ جريان النذر في حكم الوصية به، وكذلك القول في الكفارات وأسبابها.
وهذا فقيهٌ حسن.
7442 - ومما نذكره في قاعدة الفصل أن الوصية بحج التطوع هل تصح؟ فعلى قولين 5 مشهورين ذكرناهما في المناسك، والأصح في الفتوى الصحة، وهو الذي