كتاب اللعان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ثم بنى الأصحاب على ما ذكروه أنه لو قذف أجنبيتين بكلمتين، فهل تُقدّم المذكورة أولاً بحق الحد؟ فعلى ما ذكرناه.
ولو قدم ذكرَ أم زوجته، ونسبها إلى الزنا، ثم ذكر زوجته، انقدح وجهان: أحدهما - القرعة، وهو حكمٌ بالاستواء.
والثاني - أن الأم مقدمة لتقدم ذكرها في القذف، ولحرمتها.
ولا يكاد يخفى التفريع، وترديد الصور على من أحاط بالمعاني المعتبرة.
9661 - ثم قال: " ومتى أبى اللعان ... إلى آخره " 1.
قد ذكرنا أن الشبه الظاهر في اللعان من الشهادة أن النكول عنه لا يمنع العودَ إليه، فلو امتنع الزوج عن اللعان، ثم رغب فيه لمّا همَمْنا بإقامة حد القذف عليه فليلتعن، والمرأة لو امتنعت عن اللعان، ثم رغبت فيه لما هممنا بإقامة حد الزنا عليها، فلها أن تلتعن.
قال الشافعي رحمه الله: لو امتنع الزوج وأقمنا عليه معظمَ حد القذف، [ولو لم] 2 يبق إلا سوطٌ، فإذا قال: دعوني ألاعن، تركناه حتى يلاعن، وكذلك لو أقمنا على المرأة معظمَ حد الزنا، وكانت بكراً، فرغبت في اللعان تركناها.
ولعلّ السببَ في ذلك -بعدَ الإجماع- أن الزوج يأتي باللعان إتيانَ المدّعي بالبينة، وإن كان لا تطلب منه، ويؤثِّر لعانُه في إثبات الحد عليها، فلما لم يقف اللعان على العرض والطلب، لم يسقط بالنكول، وشابَه البينةَ من هذا الوجه.
وحق الناظر في الأشباه أن ينظُر إلى أخصها، والنكول عن اليمين امتناعٌ عن المطالبة بها، [فقرب] 3 أخذ حكم النكول من الطلب من طريق الشبه.
وهذا تَرِدُ عليه أيمانُ القسامة، واليمينُ مع الشاهد، ويمينُ الرد، وللأصحاب
كلامٌ في [النكول] 1 عن هذه الأيمان؛ من حيث إنها تجري من غير طلب من الخصم [فيها] 2، وستأتي أحكامها مشروحة، إن شاء الله عز وجل.
9662 - وإذا أقمنا حدَّ القذفِ على الزوج، فقال: أنا ألْتعن، لم يُمَكّن.
قال الشيخ القفال: لم يَفْصِل الأحاب في هذا بين أن يكون ثَمّ ولد وبين ألا يكون.
والصواب عندي 3 أن نقول: إن لم يكن ولد، فالجواب كذلك؛ فإنه لا فائدةَ في اللعان بعد إظهار تكذيبه بإقامة الحد عليه، فأما إذا كان ثَمّ ولد، فالوجه أن يلاعن وإن أقيم الحد عليه.
فحصل إذاً في هذا [الطريق] 4 نقلُ القفال عن الأصحاب أنه لا يلاعن، ووجهُه أن القذف سقط أثره بإقامة الحد، فكأن الزوج بعد 5 الحد ليس قاذفاً، والقذف لا بد منه في نفي الولد، كما سيأتي شرح ذلك، إن شاء الله عز وجل.
وأختارُ 6 أن يلاعن؛ لظهور الغرض في نفي النسب، والقذفُ وإن أقيمت عقوبتُه كائنٌ، ولو قيل: تأكد القذف بالحد لم يكن بعيداً، فإن الذي يلاعن يُخرج نفسه عن كونه قاذفاً.
ثم ذكر الشافعي رحمه الله بعد هذا القذفَ في النكاح الفاسد، والتفصيلَ فيه إذا كان ولد أو لم يكن، وتعرض لمحاجّة أبي حنيفة، وذكر بعده الردَّ عليه في لعان الذمي والعبد، وقد تقدم جميع هذا.
فصل 1
9663 - قد ذكرنا أن النسب الذي يتعرّض للثبوت في النكاح الصحيح أو الفاسد يُنفى باللعان، فكذلك لو فرض تعرُّض نسب للثبوت بسبب وطء شبهة، فاللعان ينفيه.
فأما النسب الذي يلحق بسبب ملك اليمين، فالمذهب الذي عليه التعويل أنه لا سبيل إلى نفيه باللعان.
وقال أحمد بن حنبل ألا تعجبون من أبي عبد الله، يقول: [يلاعن] 2 الرجلُ عن أم ولده، فمنهم من قال: أراد مالكاً 3، فإنه يُكنَّى بعبد الله، ومنهم من قال: أراد الشافعيَّ 4، وأثبت هذا قولاً عنه، وقال: للمَوْلى أن يلاعن عن الأمةِ وأمِّ الولد، فحصل إذاً قولان على رواية أحمد بن حنبل: أحدهما - لا يلاعن [عن الأمة،] وهو المذهب 5؛ لأن نص القرآن في الزوجات والأزواج، ولا مجال للقياس.
والذي يجب التنبيه له أن الشافعي في إثبات اللعان بِنَفْي النسب في النكاح الفاسد حاد عن النص 6 بعض الحَيْد، ولكنه وجَدَ مستمسَكاً قويّاً 7 في الشبه، مأخوذاً من مثل مسلكه 8 في إلحاق الشيء بالشيء لكونه في معناه، وأما ملك
اليمين، فإنه نأْيٌ عن النكاح بعيدٌ، فضَعُفَ تقدير اللعان.
ثم إن لم نثبت اللعان -وهو الرأي- فإذا أقر السيد بوطء أمته، فأتت بولد لزمان يحتمل أن يكون من الوطء المقَرّ به، فالنسب يلحق، ولا دفع باللعان، وتفصيل القول في هذا سيأتي في كتاب الاستبراء، إن شاء الله عز وجل.
ولو ادعى السيد أنه استبرأها بعد أن وطئها، ثم أتت بالولد لزمانٍ يحتمل أن يكون العلوق به بعد الاستبراء، فتفصيل المذهب في هذا مما لا نرى الخوض فيه إذا لم يكن ملك اليمين مترتِّباً على نكاح؛ فإن ذلك يتعلق بأصول الاستبراء، والذي نذكره هاهنا يترتّب ملك اليمين على النكاح فيه إذا اشترى الرجل زوجته.
9664 - فنقول: إذا اشترى زوجتَه الأمةَ، وأتت بولد لأقلَّ من أربع سنين، ولم يُقرّ بوطئها في ملك اليمين، فله النفيُ باللعان -وإن كنا لا نرى إجراء اللعان فيما يتعلق بملك اليمين على الخصوص- والسببُ فيه أنه لو أبانها، فأتت بولدٍ، فأراد نفيه باللعان 1، مُكِّن منه؛ فمِلْكُ اليمين لا ينقص عن زمان البينونة، وتحقيقه أن اللحوقَ [بسبب] 2 النكاح وتوقُّعِ العلوق فيه، فإذا كان اللحوق بسبب النكاح، فاللعان يترتب على النكاح.
وإن هو أقرّ بوطئها في ملك اليمين، وأتت بولدٍ لأقل من ستة أشهر من يوم الوطء المقرّ به، فلا حكم للإقرار بالوطء 3، والمسألة كما قدمناها.
وإن كان لأقلَّ من أربع سنين 4، فهو منفي عنه باللعان.
فإن كان لأكثر من أربع سنين من يوم الشراء، ولأقل من ستة أشهر من وقت الوطء المقرّ به، فالولد منفي من غير لعان 5.
وإن أتت به لأكثرَ من أربع سنين من يوم الإقرار بالوطء، فهو منفي عنه بلا لعان 1.
وإن أتت بالولد لستة أشهر فصاعداً من يوم الإقرار بالوطء، فهو ملتحق به، إلا أن يدَّعي استبراءً وتأتي به لستة أشهر من انقضاء الاستبراء، فإن أتت به لأقلَّ من ستة أشهر من يوم الاستبراء 2 ولستة أشهر فصاعداً من يوم الإقرار بالوطء، فهو ملحق، فلا حكم للاستبراء؛ لأنا علمنا أن ما رأته من الدم، كان على الحمل.
9665 - فإن قيل: إذا أقر بوطئها، فأتت بولدٍ لستة أشهر من يوم الوطء، ولأقلَّ من أربع سنين من يوم الشراء، قُلتم: يَلْحقهُ بحكم اليمين ولا يملك النفيَ باللعان، ومن الجائز أنها علقت به في النكاح قبل الشراء، فهلا 3 أثبتم النفي [باللعان] 4 لهذه الجهة من الاحتمال؟
قلنا: وإن احتمل العلوقَ في النكاح، فالوطء بعده قَطَعَ حكمَ النكاح، وصيّر المملوكةَ مفترشَة بملك اليمين، فلئن جُوّز نفيُ ولد النكاح، فالتفريع على أن ولد ملك اليمين لا ينفى، وقد ثبت فراش ملك اليمين، فَنَسَخَ هذا الفراشُ ذلك الفراشَ في المعنى الذي نحن فيه.
وإذا اعتدت المرأة عن طلاقٍ، وَنَكحت زوجاً، وأتت بولد بعد النكاح الثاني لستة أشهر من النكاح الثاني، وأقلّ من أربع سنين من انقطاع النكاح الأول، فالولد ملحق بالزوج الثاني، وإن احتمل أن يكون العلوق به من الأول 5.
ولو أقر بوطئها في ملك اليمين، وادعى استبراءً بعد الإقرار بالوطء، فأتت بالولد لستة أشهر من انقضاء الاستبراء، ولأقلَّ من أربع سنين من وقت الشراء قال ابن الحداد: ينتفي النسب بلا لعان؛ وذلك أن فراش ملك اليمين ثبت بالإقرار بالوطء، وانقطَعَ أثرُ النكاح، ثم انقطع النسب في ملك اليمين بدعوى الاستبراء وإتيان الولد بعد الاستبراء 1 لستة أشهر فصاعداً، وتابع معظمُ الأصحاب ابنَ الحداد.
قال الشيخ أبو علي: من أصحابنا من قال: إذا انتفى النسب لأجل دعوى الاستبراء في ملك اليمين، فيلحَقُ بحكم النكاح إذا أتت به لزمانٍ يُحتَمل أن يكون العُلوق به من النكاح؛ فإن الأمة وإن صارت فراشاً بالوطء، فلا يقوى فراش ملك اليمين على نسخ حكم النكاح السابق بالكلية، والدليل عليه أن من وطىء معتدة بشبهة، فلا نقول: إذا 2 أمكن إلحاق الولد بالثاني لا نلحقه بالأول، بل يتعرض [ثبوت] 3 الولد لهما، وهو في مجال القيافة.
وهذا الوجه الذي ذكره الشيخ غريب، والمذهب ما اختاره ابن الحداد.
...
باب أين يكون اللعان
9666 - مقصود الباب ذكر ما يُؤَكَّدُ اللعان به، وهو أربعة أشياء: الألفاظ، والمكان، والزمان، وعددٌ من الناس.
فأما الألفاظ، فهي خمسة في الجانبين، وسيأتي شرحها في بابٍ.
فأما الزمان، فليقع اللعان بعد العصر فال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 106]، قيل في التفسير: أراد صلاةَ العصر، وإن لم يظهر ضررٌ في التأخير، ولم يثبت طلبٌ حثيثٌ يمنع منه، أخرناه إلى يوم الجمعة، فإنه معظَّم في النفوس، وروى أبو هريرة في حديثٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله شيئاًً إلا أعطاه إياه " 1، قال كعب الأحبار: هي بعد العصر، فقال أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا صلاة بعد العصر " فقال كعب: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن العبد في صلاةٍ ما دام ينتظر الصلاة "، أشار إلى أنه بعد العصر في انتظار المغرب، فهو في حكم المصلي.
" وكُتب إلى عمر رضي الله عنه في جارية ادُّعي عليها القذف، فأنكرت، فكتب في الجواب: احبسوها إلى ما بعد العصر، ثم حلّفوها، ففعل فاعترفت " 2.
فهذا بيانُ الزمان.
وأما المكان، فليقع اللعان في أشرف المساجد وأحراها بالتعظيم، فإن كانت الواقعة في الحرم، فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة، فبين المنبر ومدفن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو الروضة، وإن كان في القدس، فعند الصخرة، وفي سائر البلاد في المسجد الجامع في المقصورة.
وأما العدد فإنا نأمر بإجراء اللعان على رؤوس الأشهاد، فينبغي أن يكود الذين شهدوا غير ناقصين عن عدد بينة الزنا، وهم الذين نُؤثر أن يشهدوا حدّ الزنا، تأسياً بقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2].
9667 - فأما التغليظ بالزمان والمكان، فمستحق أو مستحب؟ فعلى قولين، ولا اختصاص للقولين في المكان والزمان باللعان؛ فإن كلَّ أمرٍ له خطرٌ كالدماء، والفروجِ، والمالِ إذا بلغ نصاب الزكاة، فتغليظُ الأَيْمان في جميع ذلك في المكان والزمان يخرّج على القولين.
وأما التغليظ بحضور جمعٍ من الناس، ففيه طريقان: من أصحابنا من يراه كالتغليظ بالمكان والزمان، ومنهم من قطع بأنه مستحَبٌّ غيرُ مستحَق.
وقد ذكر بعض الأصحاب في التغليظ بالزمان طريقين أيضاً: أحدهما - القطع بأن التغليظ به مستحَب، فعلى هذا يجري القولان في المكان.
فأما تغليظ الأيمان بالأمور الخطيرة بألفاظ اليمين، فسيأتي مشروحاً في أدب القضاء.
ولا خلاف بين الأصحاب أن كَلِمَ اللعان لا بدّ منها، كما سنصفها على الاتصال بهذا.
وإن كنا نحلّف كافراً، فقد قال الأصحاب: نحلفهم في البقاع التي يعظمونها، كالكنائس والبيع، فنأتيها، ونحلّفهم فيها.
واختلف أصحابنا في أن المجوس هل يحقفون في بيوت النيران: فمنهم من قال: لا نحلفهم فيها، فإنه لا أصل 1 لتعظيم النيران، وبيوتها كمقارّ الأصنام.
ولم يختلف الأصحاب أنا لا نأتي بيوتَ الأصنام إن أمكن تصوُّرُها في طرف بلاد الإسلام، فأما الكنائس والبيع والصوامع؛ فإنها محال العبادات على الجملة.
واختلف الأصحاب في التغليظ بهذه الأسباب على الزنديق فمنهم من قال: لا معنى للتغليظ عليه، وهو لا يعبأ به شيئاً.
9668 - ولكن لا بد من أصل كلمات اللعان لإقامة الخصومة على قاعدة الشرع، ولئن أُكِّدت 1 الألفاظ باللعن في حق المسلمين، فالزنديق به أولى.
ثم إن الشافعي لما ذكر التغليظ بالمكان قال في الحائض المسلمة: تلاعن على باب المسجد، وذكر أن المشركة تلاعن في المسجد، فاعترض المزني 2 وقال: المشركة قد تكون حائضاً، وهي شرّ حالاً من المسلمة الحائض وهذا مما قدمنا الاختلافَ في أصله في كتاب الصلاة، فإن أصحابنا اختلفوا في أنا هل نمكِّن المشركَ الجنبَ من دخول مساجدنا: فمنهم من قال: لا نمكنه، ومنهم من قال: نمكنه، لأنه لا يؤاخذ بتفصيل عقد الإسلام في تعظيم الشعائر، وهذا نُجريه في المشركة، فإن علمنا كونها حائضاً، وخفنا تلويث المسجد، منعناها، وإن لم نخف التلويث، خرج على الخلاف الذي قدمناه.
...
باب سُنّة اللعان ونفيِ الولد وإلحاقِه بالأم وغيرِ ذلك
9669 - غرض الباب أن قضايا اللعان: درءُ الحد عن الزوج، ونفيُ الولد، ووقوعُ الفُرقة، وتأبُّدُ التحريم، وكل ذلك يتعلق بلعان الزوج وحده، لا حاجة في شيء منها إلى لعانها، ولا إلى قضاء القاضي، فإنا نحتاج إلى لعانها في إسقاط الحد عنها فحسب، وأبو حنيفة 1 يخالف في ذلك، وقال: قضايا اللعان تتعلق بلعانهما جميعاً وتتعلق بقضاء القاضي، وأخذ الشافعي رضي الله عنه يحتج بما قررناه في المسائل.
ثم قال: وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الله يعلم أن أحدكما كاذب!! فهل منكما تائب؟ " هذا مما نؤثره للقضاة.
ثم إن الرسول حكم بالظاهر، ولم يتعلق بالأمارات المغلِّبة على الظنون، وكان قد ظهرت أمارةٌ دالّة على صدق الزوج، روي أنه عليه السلام قال: " إن جاءت به [أدعج العينين، عظيم الإلْيتين، خَدَلّج الساقين] 2 لا أراه إلا وقد صدق عليها "، فجاءت به على النعت المكروه، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن أمره لبيّن، لولا ما حكم الله به " 3
وروي أنه عليه السلام قال: " لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن " 1.
ومما نؤثره تهديد النساء في أمثال ذلك، فلعلهن ينزجرن، وقال صلى الله عليه وسلم: " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يُدخلها الله جنته 2، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين "، ومما جاء في تهديد النسوة ما روي في حديث المعراج أنه صلى الله عليه وسلم رأى نسوة معلقات بثُدُيِّهن، فسأل جبريل عن حالهن، فقال: " إنهن اللاتي ألحقن بأزواجهن من ليس منهم " 3. وقال عليه السلام: " اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، يأكل جرايتهم، وينظر إلى عوراتهم " 4 فنُؤثر للقاضي أن يذكر هذه الأشياء حالة إنشاء اللعان، والهمِّ بنفي نسب متعرض للثبوت.
...
باب كيف اللعان
9670 - مقصود هذا الباب بيانُ كَلِم اللعان وكيفيةُ صيغها، وهي بيّنة في كتاب الله تعالى، فيقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، وهذا الولد ولد زنا ما هو مني، إن كان ثَمَّ ولد، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليّ إن كنتُ من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا، وتقابله المرأة فتشهدُ أربعَ شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة: غضب الله عليّ إن كان من الصادقين فيما رماني به.
وذهب معظم الأصحاب إلى تعيين لفظ الشهادة؛ وفاءً 1 بحقيقة الاتباع، وفي بعض التصانيف عن الشيخ أبي حامد أنه لم يُبعد إبدال لفظ الشهادة بالإقسام والحلف أو ترك هذه الصلات، فيقول: بالله إني لمن الصادقين.
والمذهب الظاهر أن اللعنَ في جانب الزوج والغضبَ في جانبها، فلو استعمل الزوجُ الغضبَ، والمرأةُ اللعنَ، فالمذهب أن ذلك لا يجزىء، وحكى بعض الأصحاب جواز ذلك، وعزى 2 هذا إلى الشيخ أبي حامد.
9671 - والمذهب أيضاً أنه يجب رعايةُ الترتيب، فلا يسوغُ تقديمُ اللعن على سائر الكَلِم، وكذلك القول في الغضب في جانبها.
ومن أصحابنا من جوّز ذلك، وهو يُحْكَى عن الشيخ أبي حامد أيضاً.
ولا خلاف بين أصحابنا أن معظم كَلِم اللعان لا يقوم مقام الكل، وخالف أبو حنيفة 3 فيه، [فأقامه] 4.
ثم يتعلق بإقامة هذه الكَلِم ما هو من فن التأكيد، وفي الحديث: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأتِه على المنبر " 1 وقد تردد الأصحاب في هذا: فمنهم من قال: كان الملاعِن على المنبر؛ لظاهر الحديث.
ومنهم من قال: لم يكن الملاعِن على المنبر.
ثم اختلف هؤلاء في معنى الحديت: فقال قائلون: جرى اللعان على المنبر، وقال آخرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر.
ومما نرعاه في التأكيد أن الرجل يلاعن قائماً، فإذا انتهى إلى كلمة اللعن أتاه آتٍ من ورائه، وقبض على فيه، وقال صاحب المجلس: اتق الله؛ فإنها موجبة.
ثم تقام المرأة، فتلتعن، فإذا انتهت إلى كلمة الغضب أتتها امرأة من ورائها، وقبضت على فيها، وقال صاحب المجلس: اتقي الله؛ فإنها موجبة.
فصل
قال: " ولو قذفها برجل ولم يلتعن ... إلى آخره " 2.
9672 - إذا قذف الرجل امرأته برجل عيّنه، ثم لاعن وسماه، لم يجب عليه الحد لذلك الأجنبي، وإن كان محصناً على ظاهر الحال.
هذا مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، ثم لا يجب حد الزنا على الأجنبي المسمَّى في القذف؛ إذ لو أوجبنا حدّ الزنا عليه، لاقتضى ذلك إثباتَ اللعان في جانبه، وهذا لا سبيل إلى القول به، ولا وجه لالتزامه حد الزنا بلعان الزوج.
ولو سمى الزوج ذلك الرجلَ في القذف، ثم لم يتعرض لذكره في اللعان، ففي
المسألة قولان: أحدهما - أنه يسقط حدّه كما لو سماه؛ لأنه صدق نفسه في ذلك الزنا باللعان.
والقول الثاني - أنه يُحد للأجنبي لأنه قذفه، ولم يُقم عليه حجةً على تصديق نفسه.
ثم إن فرعنا على هذا القول الأخير فأراد إسقاط الحد عن نفسه، فإنه يعيد اللعان بكماله، ويعيد ذكرَ المرأة قطعاً، ولا يمكنه أن يقتصر في اللعان المعاد على إثبات الزنا على الأجنبي المسمى.
ثم خلاف أبي حنيفة 1 مشهور، ووجه الرد عليه مذكور، وقد صح أن العجلاني رمى زوجته بشريك بن سحماء، ولم يسمّه في اللعان، ولم يتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيجاب الحد عليه.
وينشأ من هذا الذي ذكرناه أصلٌ، وهو أن من قذف بحضرة القاضي رجلاً، فهل يتعين على القاضي أن يُخبر ذلك المقذوفَ حتى يطلب حقَّه من حد القذف؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب التقريب وغيُره: أحدهما - أنه يجب؛ حتى لا يضيع حقٌّ مستحَق.
والثاني - لا يجب ذلك؛ لأن العقوبات مبناها على الدرء.
ثم تكلم الشافعي في حديث العسيف على ما سيأتي في موضعه، إن شاء الله عز وجل، وفيه أنه قال: " واغد يا أُنيس، فإن اعترفت فارجمها " ولم يكن غرضُ الرسول صلى الله عليه وسلم ببعثه أُنيساً أن يستنطقها بما يوجب عليها حدَّ الزنا، وإنما فعل ذلك ليخبرها بحقها في حدّ القذف " فإنَّ أبا العسيف قَذَفها: إذ قال: إن ابني زنا بامرأة هذا " 2.
9673 - ثم قال: " وأي الزوجين كان أعجمياً ... إلى آخره " 3.
إذا كان الزوج أعجمياً، التعن بلسانه والمترجم يترجم، ثم اختلف الأئمة في عدد
المترجم، فقال قائلون: ينبغي أن يكونوا على عدد شهود الزنا، ومن أصحابنا من اكتفى بمترجمَيْن، وسيأتي ذكر هذا في كتاب الحدود، إن شاء الله عز وجل 1. ...
باب (1) ما يكون بعد التعان الزوجين من الفرقة
9674 - لعان الزوج يوقع الفرقة ويثبت الحرمة المؤبدة، فلا يحل للملاعن نكاحُ التي لاعن عنها أبداً، وهل يستحل وطأها بملك اليمين؟ فيه اختلافٌ ذكرتُه، وهو جارٍ في ثلاث مسائلَ على ثلاث مراتبَ: إحداها - إذا ظاهر وعاد، ثم اشترى التي ظاهر عنها، ففي استباحة وطئها بملك اليمين قبل التكفير وجهان.
وإذا طلقها ثلاثاً، واشتراها، ففي استباحة وطئها بملك اليمين قبل التحليل وجهان.
وإذا لاعن عنها، فاشتراها طريقان: أحدهما - القطع بأنها لا تستباح بملك اليمين لتأبّد الحرمة.
والثانية - أن المسألة فيها على الخلاف.
وخالف أبو حنيفة 2 في تأبيد الحرمة في خَبْطٍ من مذهبه معروف.
وكل لعان جرى في غير النكاح لأجل نفي الولد، ففي تعلّق الحرمة المؤبّدة به وجهان، وهذا يجري في البائنةِ، والمنكوحةِ نكاحاً فاسداً، واللعانُ إذا صادف الرجعيةَ، حرَّمها على الأبد؛ لأنها [في] 3 حكم الزوجات، وهذا من أصدق الشواهد فيما ذكرناه.1
9675 - ثم قال: " وأيهما مات قبل يُكملُ 1 الزوجُ اللعان ... إلى آخره " 2.
إذا مات أحدُ الزوجين قبل التلاعن، فنقول: إن مات الزوج أولاً قبل أن يستكمل كلماتِ اللعان، فالنكاح قائم والوِراثةُ باقيةٌ، ووجودُ تلك الكَلِم وعدمُها بمثابةٍ، ونَسبُ المولود الذي تعرض [لنفيه] 3 ثابت، ولو أراد ورثة الزوج أن يلتعنوا لنفي ذلك المولود، لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ فإن اللعان لا يصدر قطّ إلا من زوج، فإذا امتنع اللعان منهم، استحال انتفاء النسب بلا لعان، وليس هذا كالاستلحاق؛ فإنهم يحلّفون الموروث في الاستلحاق، كما مضى ذِكْرُه في كتاب الأقارير.
والنسب على الجملة يثبت على وجُوهٍ، وليس للنفي وجهٌ غيرُ ما أثبته الشرع.
فإن ماتت المرأة في خلال لعانه، فإن كان ثَمّ ولد، فالزوجِ يستكمل اللعان لنفيه.
وإن لم يكن ثَمّ ولد، وكان القذف في أصله موجباً للحد، فالحدّ يثبت موروثاً لولا اللعان، والزوج من الورثة، أيضاً.
وهذا يخرّج على أصلٍ وهو أن من قذف زوجته، وماتت الزوجة، وقضينا بأن إرث الحد كإرث المال، فالزوج يرث قسطاً من الحد، وهل يتضمن هذا سقوطَ جميع الحد؟ هذا مُرتَّب على ما إذا عفا بعض الورثة عن حقه من الحد، فهل يَسقط حقوقُ الباقين؟ فيه خلافٌ قدمته.
فإن قلنا: لا يسقط، فكأنا أثبتنا لكل واحد منهم حدّ القذف بكماله، فعلى هذا إذا ماتت الزوجة، فحد القذف يقام على الزوج -وإن كان من الورثة- فإن ما تقتضيه الوراثة سقوط حق الزوص بجهة الإرث.
وإذا كان إسقاط البعض لا يُسقط الحد في الباقين، فإذا أتى التبعيض من جهة
الاستحقاق المستفاد 1 من الوراثة، كان الجواب كذلك إذا قلنا: إسقاطُ البعض يوجب سقوطَ حقوق الباقين، فالحد يسقط إذا ماتت الزوجة؛ فإن الزوج قد ورثها 2.
وغرضنا الآن أن الزوجة إذا ماتت في أثناء لعانه، ولا ولد يُنفَى، فقد ماتت على النكاح، والحدُّ موروث، فإن أسقطنا الحدَّ، تركَ الزوجُ اللعان؛ إذ لا فائدة فيه.
وإن حكمنا بأن الحد باقٍ، فله أن يكمل اللعان حينئذ لدفع الحد.
9676 - ثم إن ماتت في الأثناء، وقَرُب الزمانُ وأمكن البناء، قال القاضي: يبني على كَلِم اللعان، فلا يستأنفها، فإن طال الزمان استأنف اللعان.
أما البناء في قِصَر الزمان، فعلّته أن المقصود الذي بُني اللعانُ عليه [نفيُ] 3 الحد، وذلك مُسَتَمدُّه [لا] 4 تبدّل فيه -وإن انتهى النكاح نهايته- ويستحيل أن يلزَمه الحدُّ، لا محالة، وقد [أنشأ] 5 القذفَ في النكاح، فلا يجد دفعاً للحد الذي يلتزمه 6، فبان أن المقصود واحدٌ، لم يتبدل.
وهذا فيه نظر.
وفي كلام الأصحاب [ ... ] 7 من قِبل أن مستحِقّ الحد قد تبدل، فكانت الزوجةُ هي المستحِقة، وانتقل الاستحقاق منها إلى الورثة.
ويجوز أن يقال: اللعان لا يجري في معارضة استحقاق الورثة، وإنما يجري لدفع الحد، من غير نظر إلى من يستحِق؛ إذ لو كنا ننظر إلى المستحِق، لأبطلنا اللعان بالموت قبل تمام الكلمات من الزوج، فإذا لم نحكم ببطلان اللعان مع القطع بأن
اللعان لا يتعلق بغير الزوجة، دل أن وراثة الورثة لا تغير حكماً، ولا تثبت لكلمات اللعان حكمَ التقطع.
فإذا فرض ابتداء اللعان بعد موت الزوجة، فمعتمد اللعان انتفاء الحد من أصله 1، وليس يتضمن قطع حدٍّ وجب؛ فإن الحد الواجب لا يدرؤه إلا إبراء المستحق، فوضح أن مستند اللعان هذا، وذلك لا يختلف بتبدل المستحِق، فليقع التعويل عليه، وما عداه من الإحواج إلى ابتداء اللعان ظنٌّ من بعض الأصحاب لا يُلحَق بالمذهب.
هذا إذا حصل الموت في أثناء كلم اللعان، وأراد الزوج البناء على الاتصال.
9677 - فأما إذا تخلل [فصلٌ] 2 فكبف السبيل فيه؟
نُقدم عليه [أصلاً فنقول:] 3 إن كلماتِ اللعان لو انقطعت بفصولٍ متخِّلَةٍ وِفاقيّة، فهل نحكم بتقطّعها حُكْماً وبطلانِها؛ حتى [نقول] 4: يجب إعادتُها، أم يجوز البناء [عليها] 5 والاعتداد بما مضى؟
فيه تردُّدٌ للأصحاب، وكذلك ذُكر هذا التردُّد في أيمان القسامة إذا تخللها فصلٌ بقطع تواصلها.
وتحقيق القول في ذلك أن كَلِم اللعان لا بد منها، والاقتصارُ على بعضها إعراض عن طريق الاتباع؛ حيث لا مسلك إلا الاتباع.
فأما إبدال لفظ الشهادة بغيره، [فقد] 6 ظن بعض الأصحاب توهينَ الأمر فيه؛
لقرب المعنى والمقصودِ، وهذا غير صحيح، والوجه التزام صيغ الكلم، وفاءً بحق الاتباع.
وعكسُ كلمات اللعان وتركُ ترتيبها في معنى إبدال لفظ الشهادة بغيره.
فأما الوِلاء، فهو الأصل، وإن فُرض تقطّعٌ فالإتيان بالكلم ظاهرٌ، وقد نفهم من الوِلاء مزيدَ تأثير في التغليظ، فكذلك القول في القسامة، فليس أثر المولاة بين خمَسين يميناً بمثابة أثر خمسين يميناً في خمسين مجلساً، فيمكن حمل هذا التردد على ما يتعلق بالتعظيم والتفخيم [كإجراء] 1 اللعان في مشهدٍ وإيقاعِه في مكان مخصوص، وزمانٍ مخصوص، ولسنا ننكر أن تأثير الوِلاء أظهرُ من تأثير المكان والزمان، لاختصاصه بعَيْن الكلم، وليس ثرك الوِلاء في معنى ترك اللفظ أو تبديله.
فهذا مراتب الكلام في ذلك، ولا يستريب ذو تحصيل أن ما صورناه في التقطيع الوفاقي.
فأما إذا عرض السلطان أيمان القسامة، وفُرض النكولُ عن بعضها، فهو نكول محقق، وللنكول [حكمه] 2. نعم، لا يؤثر النكول في اللعان؛ من جهة أن الزوج لو صرح بالنكول عن اللعان، ثم رغب فيه مُكِّن [منه] 3، فلا فرق بين أن تكون الفصول الواقعة وفاقية قدَريّة، وبين أن تكون مترتبة على نكول من الزوج وعَوْد.
9678 - ثم قال: " فإن امتنع أن يكمل اللعان، حُدّ لها ... إلى آخره " 4
هذا بيّنٌ؛ فإذا كانت محصنةً وقذفها، ثم امتنع عن اللعان حَدَدْناه لها إن كان حُرّاً ثمانين، وإن كان عبداً، فأربعين، وإن قذفها برجل بعينه بكلمة واحدة، فقال: زنا بك فلان، فقد ذكرنا أن من قذف شخصين بكلمة واحدة يلزمه حدان أم حدٌّ؟ وسنعيد القولين، والتفريعُ عليهما.
فإن قال لامرأته: زنا بك فلان، فقد قذف شخصين بكلمة واحدة، وقد رأى أصحابنا أن يُجروا القولين في هذه الصورة مرتَّبَيْن على ما إذا قذف أجنبيين أو أجنبيتين، وزعموا أن قذف الزوجة بأجنبي أولى بالاتحاد؛ فإنه نسبهما إلى فعل واحد، فاقتضى ذلك في اتحاد الحدّ تأكيداً.
وقد يخطر لمن يتمسك بطرق الترجيح أن القذف في حق الأجنبي يخالف حكمُه حكمَ القذف في حق الزوج، فيعادل هذا الاختلافُ ما أشرنا إليه من اتحاد الفَعْلة، ويقتضي هذا التعادل الاستواء في المرتبة، فيقال له: اللعان كما يدفع حدّ الزوجة يدفع حدّ الأجنبي، فلا اختلاف إذاً من هذا الوجه، والأمر في ذلك قريب، بعد جريان الخلاف واطراد القولين.
نعم، لو قال [لرجل] 1 وامرأة أجنبيين: زنيتَ أنت بهذه، فاتحاد الحد في هذه الصورة مرتب على ما إذا قال لأجنبيين: زنيتما؛ لما ذكرناه من اتحاد الفعل.
هذا إذا امتنع الرجل عن اللعان.
9679 - فلو أكمل اللعان، وامتنعت المرأة من اللعان، فنقول: يلزمها الحدُّ إذا تحقق امتناعها، فإن كانت بكراً، جُلدتْ وغُرّبت، وإن كانت ثيّباً، رُجمت.
وإذا كان حدّها بالسياط، فلا نحدُّها في شدة الحر والبرد، وهذا مطرد في كل حد هو جلدٌ، على ما سيأتي في الحدود، إن شاء الله.
وإن كانت محصنة تَوَجَّه الرجمُ، ثم المنصوص عليه: أنا لا نؤخر إقامة الرجم عليها عن شدة الحر والبرد، ونص الشافعي على أن من أقر بالزنا، وكان محصناً قال: لا نرجمه في شدة الحر والبرد، بل يؤخر.
وقال المرتِّبون: إن ثبت الزنا بالبيّنة العادلة، فلا توقّف؛ فإن الرجم قتلٌ، ولا محاذرة من الهلاك، ولا نبني الأمر على إمكان رجوع العدول عن شهاداتهم في أخطر الأمور، ومن ظن بهم هذا، فقد حطّهم عن رتبة العدالة، ولا ينتظم في وضع الشرع بناء الأمر الثابت بشهادة الشهود على خروجهم عن كونهم شهوداً.
9680 - فأما إذا ثبت الرجم بالإقرار أو بلعان الزوج للشافعي 1 نصان كما حكيناهما: نصّه في اللعان أنه لا يؤخَّر، ونصه في الأقارير أنه يؤخَّر ويتوقف، فاختلف أصحابنا في المسألة على طريقين: منهم من قال: فيهما قولان بالنقل والتخريج: أحدهما - أنا نتأنى فيهما إلى مُضيّ الحر والبرد؛ لأن المقرَّ قد يصيبه أحجارٌ، فيرجع، والملاعِنُ قد يكون كاذباً ثم يشاهد المرجومة، فيرِقُّ لها، ويرى تعريضَ نفسه لحد القذف أهونَ مما يتداخله من الرقة عليها.
فإن كان هذا ممكناً، لم نبتدىء الحد لتوقع ما ذكرناه، ولا يُقدّرُ مثلُ هذا في شهادة العدول.
ومن أصحابنا من أقر النصّين في اللعان والإقرار قرارهما، وفَرَّق بأن المُقر هو المرجوم، فيغلبُ أن يرجع؛ فإن الرجوع عن الإقرار مما تستحث عليه الطبيعة والشريعةُ، وهذا في الجملة بيّن: أما حث الشرع، فسنذكر في الحدود أنا لا نؤثر للإنسان أن يقر على نفسه بفاحشة، وقد قال عليه السّلام: " من أتى من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله " 2، وهذا يستحثه والمقر صادقٌ، ثم يطرد هذا في الرجوع عن الإقرار، وفيه مسألتُنا، فأما تكذيبُ الزوج نفسَه في كَلِم اللعان، فهو مما لا نستحث عليه، ولا نأمر به، هذه الطريقةُ المشهور.
وذكر صاحب التقريب ما ذكرناه وطريقتين أخريين: إحداهما - طرد القولين في شهادة الشهود أيضاًً، بناء على تقدير الرجوع، سيّما وأدبُ الدين أن يحضروا موضع إقامة الحد، قال الله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ [النور: 2]، قال معظم المفسرين: أراد شهود الزنا، فلعل الغرض أن يعاينوا؛ فإنْ كان من رَيْبٍ، رجعوا إذا عاينوا.
والطريقة الأخرى - القطع بأن الثابت بالإقرار لا يؤخَّر قولاً واحداً، والقولان في الثابت بشهادة الشهود واللعان؛ فإن الإنسان لا يقر بما يوجب هلاكه إلا على ثَبَتٍ
وتوطين نفس على ما يلقاه، فالرجوع بعيدٌ -وإن كان مقبولاً لو وقع- والشهادةُ واللعانُ في معرض الريْب، وهذه الطريقة فاسدة مخالفة لما عليه جماهير الأصحاب.
فصل
9681 - ثم قال: " وزعم بعض الناس ألا يلاعن بحملٍ ... إلى آخره " 1
أراد أبا حنيفة 2 فإن من مذهبه أنه لا يجوز اللعان على الحمل.
مقصود الفصل الكلامُ في نفي الحمل باللعان، والترتيبُ فيه أن الزوج إذا أبان زوجته، ثم قذفها، وثَمَّ ولدٌ متعرِّضٌ للثبوت، فقد ذكرنا أن للزّوج أن يلتعن لنفي النسب، فلو كان بها حملٌ، وقد ظهرت الأمارة، فقذفها، وأراد نفيَ الحمل باللعان، فهل له ذلك؟ فعلى قولين: أحدهما - له النفي؛ فإن حكم اللحوق يثبت في الحمل، كما يثبحت في الولد المنفصل، فأشبه الحملُ الولدَ المنفصل.
والثاني - لا يلتعن؛ فإن الحمل غيرُ مستيقَنٍ، واللعان خطرُه عظيم، فلا يسوغ الإقدام عليه بما ليس مستيقناً.
وبنى بعض أصحابنا القولين على القولين في أن الحمل هل يُعْرف؟ وقد أطلق الأئمة في ذلك قولين، ونحن نشرحهما في هذا المقام، ونستعين بالله تعالى.
اتفق العلماء على أن الحمل غيرُ مستيقن، فكيف يفرض التردد في أن الحمل هل يعرف؟ وكم من امرأة يبدو عليها مخايل الحمل غير أنه يتبين أن الذي بها ريح غليظة مختنقة في الرحم تجد المرأة لها من [خُبْث] 3 النفس، والغثيانِ، ورُبوِّ البطن، واحتباسِ الحيض، ما تراه الحامل، ثم تنفُش 4 الريح، وينفتح [ ... ] 5 الرحم.
هذا لا ننكره، وقد يتفق تورّمٌ في الرحم على نحو ما ذكرناه.
فإطلاق القولين في أن الحمل هل يُعلم لا وجه له، إلا أن يُحمل على التعبير عن
الأحكام التي تنفي وتثبت، فعلى هذا تكون العبارة مائلةً عن النظم السديد؛ فإنا إذا قلنا في هذا الحكم مثلاً: الحمل هل يُنْفى باللعان؟ فعلى قولين بناء على أن الحمل هل يُعلم، رجع حاصل القول إلى أن الحمل هل يُلْحَقُ في اللعان عنه بالمعلوم أم لا؟
9682 - فحاصل الكلام أن القولين أصلهما أن الحمل في هذا الحكم هل يلحق بالمعلومات؟
ونحن نقول: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخَلِفاتِ 1 من الإبل في الدية، وهذا حكم بثبوت الحمل والاكتفاء بالأمارة، ولا يتجه غيرُه؛ لأنا لو أوجبنا الفُصلان، لزِدْنا على العدد، والرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يُثبت الحمل صفةً، ثم لا فَوْت؛ فإن بان بعض الخَلِفات حوائل بدّلناها.
ووجوب الإنفاق على المعتدة البائنة الحامل على طريقين: منهم من خرجه على ما ذكرناه من القولين، فقال في قول: يجب تنجيز الإنفاق، ثم إن بانت حائلاً، استرْدَدْنا [ما أنفقناه] 2؛ فإن في تأخير الإنفاق إضراراً بيّناً ناجزاً، واستردادُ النفقة أهون من تعجيل الإضرار بالحمل على الانتظار.
ومن أصحابنا من خرّج الإنفاق على قولين مَصيراً إلى أن الأصل براءة الذمة عن النفقة، وقد انقطع عصام النفقة، ولم نستيقن سبباً متجدداً، وإذا ظهرت أمارُة الحمل، لم نُقم حدّاً ولا قصاصاً محافظةً على الحمل، فلا ضرار في تأخّر العقوبة.
وفي نفي الحمل باللعان تردُّد، [وهو أنا في وجهٍ نرى النسب حريّاً بالثبوت] 3 فلا نبتدر، بل نتوقف إلى وقوع الاستقلال، وفي قولٍ يجوز اللعان خيفة أن يموت
الزوج، فيلتحق الولد الدَّعي بشجرته، [وليس] 1 منه، فالأحكام إذاً على التفاوت: لا خيفةَ 2، فيجري بعضها على القطع بوجود الحمل، وبعضها على الاختلاف والتردّد، فأطلق بعضُ الناس قولَيْن في أن الحملَ هل يُعلم؟
9683 - هذا كله في الحمل بعد البينونة، فأما إذا كان الحمل في قيام الزوجية، فالذي ذهب إليه المحققون أنه يجوز نفيه باللعان.
وذهب بعض أصحابنا إلى تخريج القولين في حمل النكاح أيضاًً، وهذا إن كان محتملاً في مسلك المعنى [، فتقريب حالة الزوجية] 3 من حالة البينونة في أن نفس النسب فيهما على وتيرة واحدة، كما أن اللحوق فيهما على وتيرة واحدة [لا] 4 سبيل إلى القول به؛ لما صح أن العجلاني لاعن عن امرأته، ونفى حملَها، ثم أتت به بعد اللعان على النعت المكروه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا الإيمان، لكان لي ولها شأن "، وهذا لا دَفْع له، وفي الحديث أنه برّأ ظهره، ونفى نسبه.
وقد يتجه فرقٌ من طريق المعنى؛ فإن اللعان في صلب النكاح، يجد معتمداً؛ إذ يُتصور جريانُ اللعان دون النسب [المتعرض للثبوت] 5 فلا يمتنع أن يجرى اللعان على أصله، ثم الحمل ينتفي تبعاً.
والتبعيةُ ليست منكرة في الحمل، فإن الحمل قد يثبت مبيعاً تبعاً للأم.
نعم، لا يفرد الحمل بالبيع، فلذلك لا يمتنع ألا يفرد بالنفي بعد البينونة، والفرق بين ما يثبت تابعاً وبين ما يثبت مقصوداً بيّنٌ في أصول الشريعة، فالثمار قبل الزَّهو لا تباع مُطْلقة 6، فإذا بيعت مع الأشجار، بيعت مُطْلقة، وزالت التبعية إلى غير ذلك من الأمثلة.
هذا ما أردنا أن نذكره في نفي الحمل.
ثم سيأتي بابٌ في أن نفي الولد على الفور على الأصح من المذهب، ونفيُ الحمل ليس على الفور وفاقاً، لما فيه من التردد.
فلئن كنا نحمل تأخير النفي في الولد على الرضا به واستلحاقه، فهذا لا يتجه في الحمل؛ [فإن الرجل ربما يبني الأمرَ] 1 على أن ما يَحسَبه حملاً ليس بحمل، فإذا لم يكن كُفي التعرضَ للشهرة والفضيحة، فلا يتجرّد في التأخير وجهُ الرضا، وهذا لم أر فيه خلافاًً.
9684 - ثم تعرض الشافعي لمحاجّة يطول ذكرها، فقال: " وزعم بعض الناس أن لو جامعها وهو يعلم حملها ... إلى آخره " 2.
أراد بهذا أبا يوسف؛ فإنه قال: إذا أتت المرأة بولدٍ، أُمهل الزوج في النفي مدة النفاس: أربعين يوماً، وعند أبي حنيفة يُمهل بعد الولادة ثلاثة أيام 3، وسيأتي أقوال الشافعي في ذلك، وإنما نَقِم في هذا الفصل مذهبَ من يقدِّر بمدة النفاس، وأطال في هذا كلامه ولسنا له [الآن] 4.
وذكر محاجة أخرى في ماهيّة اللعان وأنه عقوبة أو حُجة، وتعرض للحبس في اللعان، وقد استقصينا هذه المسالك في (الأساليب).
...
باب ما يكون قذفاًً وما لا يكون قذفاً
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو ولدت امرأته ولداً ... إلى آخره " 1.
9685 - إذا قال الزوج وقد ولدت امرأته ولداً: هذا ليس مني، أو هذا ليس بابني، فنذكر أولاً ما في كلامه من جهات الاحتمال، ثم نبني عليها الحُكمَ، فقوله المذكور يحتمل خمسة أوجه: أحدها - أن هذا لا يشبهني خلْقاً وخلُقاً.
والثاني - أن يريد نسبته إلى الزنا.
والثالث - أن يريد نسبته إلى شبهة.
والرابع - أن يريد نسبته إلى زوجٍ قبله.
والخامس - أن يقول: ما ولدتُ هذا [الوليدَ] 2 أصلاً.
والاحتمالات المتقدمة مفروضة فيه إذا سلّم ولادتها لو ثبتت ولادتُها بطريق من الطرق، ثم يقول ما يقول.
ونحن نذكر الآن الاحتمالات مع تسليم الولادة في الفراش، لزمانٍ يُحتمَلُ أن يكون العلوق به حاصلاً في الفراش، ثم نذكر إنكار الزوج الولادة.
فأما ما يقع مع تسليم الولادة، فيستثنى منها أنه لو فسر ما قاله بنسبتها إلى الزنا، فالذي جاء به قذفٌ؛ فإن القذف يتطرق إليه الصريح والكناية، فإذا أتى الإنسان بكنايةٍ وفسرها بالزنا، استوجب ما يستوجب المصرِّح، ومالك 3 يجعل كل ما يحتمل القذف احتمالاً ظاهراً بمثابة القذف الصريح، ويجعل معتمدَ الباب في إيجاب الحد
الإيذاءَ، ويزعم أن [المكاني] 1 لا تقْصُرُ في الإيذاء [عن] 2 الألفاظ المصرّح بها.
وذهب بعض العلماء إلى أن الكناية لا تكون قذفاًً مع النية؛ فإن النية لا تتضمن إيذاء.
[والشافعي] 3 قسم القذف إلى الصريح والكناية، وفيه سرٌّ، وهو أن الكناية إنما تلتحق بالقذف الصريح إذا فسرها بالقذف الصريح، ثم لا يتأتى منه تفسيرها به إلا بأن يعرب عن قصده، فهذا معنى القصد.
وإن قال قائل: الحدُّ هل يجب بينه وبين الله؟ قيل هو كاذب، ولكن لا يبين كذبُه في حق المقذوف ما لم يفسَّر، ولو روجعنا، فقيل لنا: يجوز أن يترك التفسير أم عليه أن يفسر ليستوجب الحد؟ كان الظاهر عندنا أنه لا يلزمه أن يفسر لو تُرك ولم يُرهَق 4 إلى البيان بالتحليف، ثم إذا لم يبيِّن، فليس بدعاً أن نقول: لا يستوجب الحد بينه وبين الله تعالى، وإن حُمل على البيان وعُرضت عليه اليمين، فلا رخصة في يمين الغموس، فإن نكل، لم يَخْفَ إجراءُ الخصومة إلى منتهاها.
فحاصل القول: أن الكناية التي تُوقع حكماً مع النية كالطلاق، وتنزل منزلة الصريح باطناً، والحدُّ يجب زجراً للكاذب، والكاني [بالقذف مُؤذٍ] 5 وإيذاؤه يسلّط المقذوفَ عليه، حتى يكون أحدَ رجلين: إما أن يصرح فَيُحدَّ، وإما أن ينكل.
ثم يَرجعُ النظر إلى [تورعّ] 6 المردود عليه [عن] 7 اليمين [أو إقدامه] 8 عليها.
هذا مأخذ الشريعة عندنا.
وفي كلام الأصحاب ما يدل على أن الحد يجب باطناً، وليس للكاني أن يكتمه، كما ليس لمستوجب القصاص أن يكتم القصاص الواجب عليه، وهذا [مشكل] 1؛ من جهة أن القذفَ ليس إتلافاً، ولا إنشاءَ حكم، وإنما هو إيذاءٌ بالنسبة إلى فاحشة، وهذا إن كان يحصل بالكناية، فينبغي أن يوجب الحدّ من غير مراجعة، وإن كان لا يحصل بالكناية، فالقصد لا يؤثر في مزيد الإيذاء.
وقد انتهى غاية ما نحاوله.
ثم إذا حلف أنه لم يقصد القذف، فالتعزير يثبت بالكناية، ولا يخلو ما جاء به عن نوعٍ من العقوبة الرادعة.
9686 - فإذا تمهد هذا الأصلُ، فليخرج من الاحتمالات تفسيرُ اللفظ الذي نحن فيه بالزنا؛ فإنه إن جرى ذلك، كان ما ذكره قذفاً، ويتعلق به أحكام قذف الأزواج.
9687 - فإن زعم أنه ما أراد نفيَ النسب، وإنما أراد أن الولد ليس يشبهني خلْقاً وخلُقاً، [فظاهر] 2 النص هاهنا أن هذا التفسير مقبول منه، وإن نازعت، فسنذكر كيفيةَ فصل الخصومة.
وقال الشافعي رضوان الله عليه بعد هذا: " إذا قال رجل لإنسان لست ابنَ فلان، فنفاه عن أبيه المشهور، ثم زعم أنه أراد بذلك أنك لا تشبهه شيمةً وسجيّةً وكرماً وخيراً، فلا يقبل هذا التفسير منه، ويجعلُ قذفاًً صريحاً، فاختلف أصحابنا في قول الزوج 3 وقول الأجنبي على طريقين: فمنهم من قال: فيهما قولان نقلاً وتخريجاً: أحدهما - أن اللفظ صريح في القذف، ووجهه جريانُ العرف على الاطّراد بإرادة القذف بهذا اللفظ، والنسبُ لا ينفى صريحاً إلا والمراد به النسبةُ إلى الغيّ ونقيض الرشد، والصرائح إنما تؤخذ من الشيوعِ وعمومِ القذف؛ إذا لم يكن [للشرع] 4 تعبد في حصر الألفاظ.
والقول الثاني - أن هذا اللفظ ليس بصريح؛ فإنه ليس فيه تعرّض للزنا، ولا لغيره، واللفظة مؤوّلة في نفسها.
[وهذا] 1 هو الأصح.
ومن أصحابنا من أقر النصين قرارَهما، وقال: إن كان القائل أباً، فهذا محتمل منه بتأويل تأديب الابن والتنديد عليه، وإن كان القائل أجنبياً، ولم يكن أباً، فالمحمل الأظهر -وليس الأجنبي في محل التأديب- القذفُ الصريح.
هذا بيان تردد الأصحاب في ذلك.
واختيار المزني طرد القولين، وهذه عادته؛ فإنه يتشوف إلى تخريج القولين مهما اشتمل الكلام على نوعٍ من التردد.
9688 - ونحن نستتم الآن هذا الفصل فنقول: إن لم نجعل هذا اللفظ صريحاً من الأب، فإذا فسره بما ذكرناه من أن هذا المولود لا يشبهني خَلْقاً وخُلُقاً، فلو قالت المرأة: أردتَ به القذفَ، فلها أن تحلّفه، فإن حلف أنه لم يرد به القذفَ والنسبةَ إلى الزنا، وإنما أراد ما أشرنا إليه، برىء من الحد، وإن عرضنا عليه اليمين، فنكل عن اليمين، رُدت على المدّعية، فإن نكلت، كان نكولها كيمين الزوج، وإن حلفت يثبت القذفُ والحدّ.
قال الأصحاب: للزوج أن يلتعن، ولم يتعرضوا لتجديد قذفٍ، والمذهبُ فيه أن الزوج إذا جدد قذفاًً بُني اللعان عليه، وانتفى الحد عنه، وإن لم يجدد قذفاًً، وأراد الاكتفاء بما مضى، فقد ذكرنا أصل هذا فيه إذا ادعت المرأة على زوجها أنك قذفتني، فأنكر الزوج، وأقامت المرأة البينة على أنه قذفها، فهل يلاعن من غير قذف جديد؛ فيه تفصيل قدمناه.
ويتجدد في هذه المسألة أصلٌ آخر لا بد من التنبه له، وهو أن الزوج إذا كنى وثبتت الكناية بيمينه، فقد ذكرنا أن الكناية توجب التعزير؛ من حيث إنها تؤذي،
وإنما يختص بالصريح وبالكناية مع النية الحدُّ، فأما التعزير، فإنه يتعلق بدون ما نحن فيه.
ثم إذا [كان] 1 يَثْبتُ التعزيرُ، فهل له أن يدفع عن نفسه التعزيرَ الذي قُدّر ثبوته باللعان؟ الوجه أنه ليس له دفعه باللعان؛ فإن المدفوع باللعان عقوبةٌ تجب بالنسبة إلى الزنا، سواء كانت حداً أو تعزيراً.
فأما إذا أثبت الزوج أنه لم ينسِب إلى الزنا، فاللعان لا يتعلق بكل إيذاء.
فيخرج منه أنه إذا ادعى أولاً أنه كنى وما قذف، ثم ثبت بيمين الرد كونُه قاذفاً، فهو كما لو أنكر أصل القذف، وأقامت المرأة بينة على أنه قذف، فإن [أراد] 2 أن يلتعن، فقد [تصرّم] 3 القول فيه، والذي ذكرناه من إلحاق الكلام في هذا المنتهى، فذلك بيّن لا إشكال فيه.
9689 - ولو قال: أردت نفي النسب مع الإقرار بالولادة، ولكني رُمت نسبة هذا الولد إلى وطء شبهة أو إلى زوجٍ قبلي، فإن أراد فيما زعم [النسبةَ] 4 إلى وطء الشبهة، فالقول قوله مع يمينه، ثم كيفية إدارة الخصومة كما تقدم، فإن أراد نسبة الولد إلى زوج زعم أنه كان قبله، نُظر: فإن عُهد لها زوجٌ قبله، فتفسيره مقبول مع يمينه، وسياقة الخصومة على نحو ما مضى، فإن لم يعهد لها زوج قبله، فلا يقبل قوله.
9690 - وحقيقة هذا القسم ترجع إلى نفي ولادتها على فراشه، وهذا نقرره الآن في القسم الثاني، فنقول:
إذا قال الزوج لزوجته: ما ولدتِ هذا الولد، بل استعرتيه 5 أو التقطتيه، فالقول قول الزوج في نفي الولادة؛ فإن الأصل عدمُها، ولئن كنا نُلحق الولد المولود على
الفراش بالفراش لقوّته، فلا نحكم بأن الفراش يقتضي وقوعَ الولادة، فالقول إذا قول الزوج.
فإن أقامت المرأة بيّنةً: أربعَ نسوة ثقاتٍ على أنها ولدت هذا الولد على الفراش، فيثبت النسب إلى أن يتكلم في نفيه، وإن لم يكن لها بيّنة، فجاءت بقائف يُلحقه بها بالشبه، [فهل] 1 ينزل منزلةَ البينة على ثبوت الولادة؟ فعلى وجهين ذكرهما بعض المصنفين: أصحهما - أن الولادة لا تثبت بهذا؛ فإنها أمر محسوس يمكن إثباته بطريق العِيان، والقيافة إنما أُثبتت شرعاً عند الالتباس وانحسام المسلك.
وهذا قريب من الاختلاف في أن المولود إذا تداعى ولادتَه امرأتان، فهل يحكم القائفُ في الإلحاق بحداهما، مع إمكان إثبات الولادة بالمشاهدة على الجملة؟ وعليه ينبني أن المرأة هل لها دعوى؛ فإنها على الجملة متمكنة من إثبات الولادة؟ ولهذا قلنا: الأصح أن الزوج إذا علّق الطلاق بولادتها، فذكرت أنها ولدت، فلا يقبل قولها إلا على رأي ابن الحداد، كما قدمناه في الفروع، ولو كان التعليق على حيضها، ثبت الحيض بقولها؛ إذ لا مُطَّلَع عليه إلا من جهتها.
9691 - ونعود بعد ذلك إلى ترتيب الخصومة: فإن لم تقم بينة، ولم نجد قائفاً، أو قلنا: لا حكم للقيافة في هذا المقام، فالقول قول الزوج؛ فإن حلف، انتفت الولادةُ والنسب، وهل يَلحق المولودُ بالأم؟ فوجهان، بناءً على أن المرأة هل لها دعوى، وفيه جوابان أشرنا إليهما.
فإن نكل الرجل عن اليمين، فقد نص الشافعي هاهنا على أن اليمين تردّ عليها، فتحلف، ويثبت النسب، ونص في كتاب العدة على أن المعتدة لو أتت بولد لأكثر من أربع سنين من يوم طلاق الزوج، وادّعت أنه راجعها أو وطئها بالشبهة، فالقول قول الزوج، فإن نكل لا ترد اليمين عليها في دعوى المراجعة والوطء بالشبهة.
واختلف أصحابنا: فمنهم من قال: في المسالتين قولان بالنقل والتخريج:
أحدهما - أن اليمين غيرُ مردودة على المرأة في دعوى الاستعارة ودعوى الرجعة؛ فإن النسب ليس حقَّها، فيستحيل ردّ اليمين عليها.
والقول الثاني - أن اليمين ترد عليها لتغسل العار عن نفسها؛ إذ نُسبت إلى الكذب في دعوى الولادة، وللأم على الجملة حق ولاية على الولد، ولهذا جوز الشافعي لها أن تأخذ نفقة ولدها سراً، كما دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند: " خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف ".
فإن حكمنا بأن اليمين لا ترد عليها، فتصبر إلى أن يبلغ الطفل، فتُرد اليمين عليه.
وإن قلنا: ترد اليمين عليها، فإن حلفت، ثبتت الولادة، وترتب عليها ثبوت النسب، والنسبُ لا يثبت قصداً بشهادة النسوة ولا بيمين الرد، ولكن الولادة تثبت، ثم الولد للفراش، هذا إذا حلفت.
فأما إذا نكلت عن اليمين، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه يوقف الأمر إلى أن يبلغ المولود ويحلف؛ لأن الحق له.
والثاني - ليس للمولود أن يحلف بعد البلوغ؛ لأن يمين الرد لا ترد بهذا.
9692 - ولهذا نظائر سيأتي ذكرها في كتاب الدعاوى إن شاء الله تعالى: منها أنه لو أقرّ الراهن بأن العبد المرهون قد جنى قبل الرهن، وقلنا: لا يُقبل قوله، وجعلنا القول قول المرتهن، فإذا نكل عن اليمين ورددنا على الراهن، فلو نكل عن يمين الرد، ففي ردها على المجني عليه قولان، [وإذا] 1 أقام الوارث شاهداً واحداً بدينٍ [لأبيه] 2، وامتنع عن الحلف معه، فقال غرماء المتوفى: نحن نحلف مع الشاهد 3 فهل لهم ذلك؟ ولعلنا نُحْوَج إلى ذكر هذا الفصل مستقصىً في القسامة، إن شاء الله.
هذه طريقة.
ومن أصحابنا من قال: في [مسألة] 4 الاستعارة والنكاحُ قائم: اليمينُ مردودة
على الزوجة، فإذا كان النزاع في الرجعة أو وطء الشبهة بعد الطلاق، فلا ترد اليمين كما اقتضاه النصان، والفرق أن النكاح إذا كان قائماً، فادعى الزوج الاستعارة فجانبها متقويّة بالفراش الدائم، فصدقناها.
وفي المسألة الأخرى صارت تدعي رجعةً ووطء شبهة والأصل عدمُ ما تدعيه، ودوام الفراش قد يدل على الغِشيان المفضي إلى العلوق.
هذا منتهى الكلام في المسألة، وقد أجرينا في أثناء الفصل نسبةَ الولد إلى وطء الشبهة، ونحن نعقد الآن في هذا فصلاً جامعاً؛ فإنه من غوائل الكتاب من وجه، وهو أيضاًً من الأصول الظاهرة التي [يبتدرُ] 1 السائل ويستفصل فيها، ونحن بعون الله نأتي به موضحاً مصححاً.
فصل
9693 - اللعان لا يجري إلا بعد أن تُنسبَ المرأةُ إلى وطء محرَّمٍ في النكاح، وإن أحْبَبْنا، قلنا: إلى وطٍ؛ لا نحكم بتحليله حتى لا يمنعَ [وطءُ] 2 الشبهة عن الدخول تحت موجَب الكلام، فإذا أتت المرأة بولدٍ في النكاح لمدة يُحتَمل أن يكون العلوق [به] 3 في النكاح، وتثبت الولادة بلا نزاع، فأراد الرجل أن ينفيه، فالمذهب الذي عليه التعويل أنه لا يملك نفيَه ما لم ينسبه إلى وطءٍ غيرِ حلال، فلو [ذكر زنا] 4 ونسب الولدَ والمرأةَ إليه، فهذا أصل كتاب اللعان، فليلتعن.
وإن نسبها إلى وطءٍ غيرِ مُحلَّلٍ ولا مباحٍ، فحاصل القول فيه وجهان على الترتيب المرضي: أحدهما - أنه لا يصح اللعان إلا بقذفٍ صريح، حتى لو نسبها إلى وطء شبهة أو وطء استكراه، فلا سبيل إلى اللعان.
وهذا الوجه ضعيف، ولكن معتمده التعلُّقُ بظاهر القرآن فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ
يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} [النور: 6]، والرمي في مرتبة الصريح، ثم هو مؤكد بالتعرّض لعدم الشهود، وهذا إنما يليق بالقذف الصريح.
والوجه الثاني -وهو الأصح- أنه لو نسبها إلى وطءٍ غيرِ مباح، وأضاف الولد إليه؛ فإنه يلاعن، كما لو صرح بالقذف.
والوجهان ذكرهما المراوزة.
قال الشيخ أبو علي في التفريع عليهما: إذا قلنا: لا بد من القذف الصريح، فلا يُظنّ أنا نشترط قذفاًً يتعلق بالنسبة إليه وجوب الحد، ولكن يكتفى بأن يكون القذف في نفسه صريحاً، ثم لا يضر لو سقط الحد، بمعنىً من المعاني، فلو قذف زوجته الأمة أو الكتابية، فله اللعان ونفي الولد، وإن لم يستوجب حداً، [كما إذا] 1 نسبها إلى وطء استكراه، مثل أن يقول: أكرهك فلان، ووطئك، وهذا الولد من ذلك الوطء، ففي المسألة وجهان؛ فإنه وإن قذف الواطىء يقذفها، والنظرُ في قذفها إلى [جانبه] 2.
وهذا الترتيب ساقه صاحب التقريب، وهو حسن.
9694 - وأما العراقيون، فقد ذكروا في ذلك تفصيلاً: أنا ذاكره، إن شاء الله تعالى، وذلك أنهم قالوا: إذا نسب الولدَ إلى وطء شبهة، فإن قلأرَ الواطىءَ واطئاً بشبهة وقدَّرها ممكِّنةً بشبهة، أو عالمةً زانية، فلا لعان.
هكذا قالوا؛ لأنه إذا وصف الواطىء بالشبهة، فالولد يلحقه، فقد أسند الولدَ إلى شخصٍ في جهةٍ يلحق النسب فيها، وإنما يثبت اللعان إذا نَفى نسبَ الولدِ عن نفسه.
وعللوا هذا بأن قالوا: إذا نسب الولد إلى وطء شبهة، فهذا مكان القيافة؛ إذ المنكوحة إذا وطئت بالشبهة في صلب النكاح، ثم تردد الولد بين الواطىء بالشبهة وبين الزوج، فالحكم أنا نُري الولدَ القائفَ، وكان من الممكن لو أريناه القائف أن ينفيه عن الزوج، وإذا أمكن نفيٌ سوى اللعان، لم يجز اللعان؛ فإن اللعان حجةُ ضرورة.
وقالوا على هذا القياس: لو نسبها إلى الزنا بأن قال: كنتِ عالمة بما يجري، وإنما الواطىء بالشبهة هو الذي اشتبه عليه الأمر، قالوا: فلا تلاعن في هذه الصورة؛ ذلك لأن النسب ثابت في هذه الصورة.
وحاصل كلامهم أن الزوج إذا نسب الولد إلى جهةٍ يثبت النسب فيها، فلا لعان.
ولو قال لها: زنى بك فلان، واستكرهك على الزنا، فأتيتِ بهذا الولد عن هذه الجهة، فهل يلاعن؟ قالوا: في المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يلاعن؛ لأنه لم ينسبها إلى زنا هو زناً من الجانبين، فصار كما لو كان الواطىء بالشبهة.
فانتظم من كلامهم: أنه إذا نسبها إلى ما هو زنا محض وأضاف الولد إلى تلك الجهة، فعند ذلك يلاعن قطعاً، فإذا أضاف الولد إلى جهة يثبت نسبه فيها من الأب، فلا لعان؛ فإن الجهة التي [ذكرها] 1 جهةُ نسب.
وبمثله لو نسبها إلى الاستكراه، ولم ينسبها إلى الزنا، وذكَرَ الزنا في جانب الواطىء، ففي المسألة وجهان.
9695 - فإذا جمعتَ ما ذكرناه عن صاحب التقريب إلى ما ذكره العراقيون، كان مجموعُ ذلك أن الولد إذا نُسب إلى الزنا المحض، لاعن بلا خلاف.
وإن نسبه إلى وطء الشبهة، والشبهة شاملة للجانبين جميعاً، فالذي ذكره العراقيون القطعُ بأن اللعان لا يجري.
وفي طريق صاحب التقريب تردُّدٌ وإشارةٌ إلى خلاف، ووجه الخلاف أنا في مسلكٍ نقول: لا يلاعن أصلاً؛ فإنه لم يُضفها إلى الزنا، والإضافة إلى الزنا مشروطة في كتاب الله تعالى.
والوجه الثاني - أنه يكفي في نفي الولد أن يقطعَه عن نفسه وينسبَه إلى جهة أخرى، ولا معنى لاشتراط كون تلك الجهة زنا، والذي ذكره من أن القيافة ممكنة، لا حاصل له؛ فإن القيافة إنما تجري إذا اعترف الواطىء بالشبهة، ووُجد التداعي بين الزوج وبين الواطىء بالشبهة؛ فإذ ذاك نري الولدَ القائفَ، فلا معنى
للتعليل بما ذكروه والأولى التمسك بالكتاب والدعاء إلى اتباع مقتضاه.
وأما فرق العراقيين بين أن ينسبها إلى الاستكراه والواطىء زانٍ وبين أن يكون الواطىء بشبهة، فحسنٌ.
والأَوْلى في الترتيب أن نقول: إذا نسب الولد إلى وطء شبهة والشبهة تشمل الجانبين جميعاً، فوجهان: أحدهما - أنه يلاعن 1.
والثاني - لا يلاعن، وهو الذي قطع به العراقيون.
فإذا نسبها إلى الاستكراه والرجل زانٍ، ففي المسألة وجهان مرتبان على الوجهين في الصورة الأولى، وهذه الصورة أولى بجريان اللعان.
فأما إذا قال: هذا الولد ليس مني، فإنما هو من غيري، ولم يتعرض للزنا والشبهة، فهذه صورة لم يتعرض لها العراقيون، وإنما ذكرها صاحب التقريب وحكى فيها خلافاً، وهي مردّدة بين النسبة إلى الوطء بالشبهة وبين صورة الاستكراه.
قال: "ولو نفينا عنه ولدها باللعان، ثم جاءت بعده بولد ... إلى آخره" 2.
فصل
9696 - إذا نفى نسبَ مولودٍ، فلا يخلو: إما أن يقع ذلك في النكاح، وإما أن يقع بعد البينونة، فإن وقع ذلك في النكاح، فإذا نفى الولدَ الموجودَ في النكاح باللعان، ثم أتت بعد ذلك بولد لأقلّ من ستة أشهر، فقد تبين أن الولدين جميعاً من حمل واحد، فإنهما توأمان، فنقول له: إن لاعنت مرة أخرى ونفيت الثاني، انتفى عنك الولدان، وإن أبيت يلتحق بك الأول والثاني.
والجملة أن التوأمين لا يتبعض أمرهما، فإذا نفى الأول، لم يكف نفيُه، ولو قال: إذا نفيتُ الأول، فقد نفيتُ الثاني أيضاً، قيل له: لا، بل إذا امتنعت عن اللعان
عن الثاني، فكأنك امتنعت عن اللعان عن الأول، ولم تتعرض في لعانك لغير الأول، ولا سبيل إلى التبعّض.
ولو جرى اللعان الأول في النكاح، كما صورناه، ولكن كان بين الولدين ستةُ أشهر، فنعلم أن الولد الثاني تجدد العلوق به بعد انفصال الولد [الأول] 1، فإذا نَفَى الأولَ، انتفى عنه، وهو رأس أمره 2 في الولد الثاني، فإن نفاه بلعانٍ مجدد، انتفى عنه، وهذا اللعان، وإن كان مُنْشأً في حالة البينونة، فهو يتعلق بنسب متعرِّض للثبوت، والعلوقُ بالولد ممكن في حالة النكاح، فإنه [وإن] 3 نفى الولد الأول، فلعله وطىء بعد انفصال الولد وقبل إنشاء اللعان، فحصل العلوق بالولد الثاني، ثم إنه ابتدأ فنفى الأول باللعان الأول.
وكل ما ذكرناه [فيه] 4 إذا نفى الولدَ الأولَ بعد انفصالٍ، ثم تخلل بين الولدين أقلُّ من ستة أشهر أو ستة أشهر فصاعداً، وقد وقع التعرض للولد.
فأما إذا نفى الحملَ باللعان، ثم انفصل ولدان بينهما أقلُّ من ستة أشهر، فهما جميعاً [منفيان] 5 عنه، ولو أتت بأكثرَ من ذلك عن بطن واحدة، فاللعان الأول كافٍ؛ فإنه تعرض فيه لنفي الحمل، واسمُ الحمل ينطلق على ما اشتمل الرحم عليه واحداً كان أو أكثر.
ولو نفى الحملَ كما ذكرناه، فأتت بولدين بينهما ستة أشهر فصاعداً، فنقول: ينتفي باللعان الولدُ الأول، ولا ينتفي الولد الثاني باللعان، بل ينتفي بلا لعان، والسبب فيه أن الفرقة وقعت باللعان، فلما أتت بالولد الأول، انقضت عدتها بوضع ذلك، فلا يحتمل وقوع العلوق بالولد الثاني في النكاح، وإن كان كذلك، فنسبه منتفٍ بلا لعان.
هذا كله تفصيل القول فيه إذا جرى إنشاء اللعان في النكاح، ثم أتت بتوأمين عن بطني واحد، أو أتت بولدين عن بطنين.
9697 - فأما إذا أبانها بالطلاق، ثم أتت بولد، فنفاه باللعان، فأتت بولدٍ آخر لأقلَّ من ستة أشهر، قلنا له: إن [نفيته] 1 بلعانٍ آخر، فذاك، وإن [أبيت] 2، لحقك الثاني، وإذا لحقك الثاني يلحقك الأول؛ فإن الحمل الواحد لا يتبعض، فلا يجوز فرضه من شخصين، وقد ذكرنا أنه لا ينتفي باللعان إلا من نفاه.
وقد تكلف أئمتُنا في هذا كلاماً لا حاجة إليه، فقالوا: في التوأمين نفيٌ ولحوق، فالحمل الواحد لا يتبغض، فإذا اجتمع النفيُ واللحوقُ وجب تغليبُ الأقوى، واللحوق أقوى من النفي في الأولاد الذين استند العلوق بهم إلى الفراش تحقيقاً أو إمكاناً.
والدليل عليه شيئان: أحدهما - أن الولد يلحق من غير استلحاقٍ إذا كان على النعت الذي ذكرناه، ولا ينتفي من غير نفي، والدليل على ذلك أيضاًً أن الولد الذي نفاه الملاعن باللعان لو استلحقه بعد النفي، لحقه، فإذا استلحق مولوداً، ثم أراد نفيه باللعان، لم يجد إليه سبيلاً.
فظهر من ذلك أن اللحوق أقوى، فإذا تعارض اللحوق والنفيُ في التوأمين، وجب تغليب اللحوق.
وهذا الكلام مستفاد، ولكن لا حاجة إليه في تعليل ما ذكرناه في التوأمين، وذلك أن الحمل الواحد لا يتبعض، وصورةُ ثبوت ولدين فيه إذا كثرت مادّة الزرع، فَيُخلَقُ منها ولدان، ولا يفرض اشتمال الرحم على ولد، ثم [يفرض] 3 علوق بعده بولدٍ آخر؛ فإن الرحم إذا اشتمل انسد فوهةُ الرحم، فاشتغل بتقدير الإله بتربيته، فلا يتأتى منه قبول منيٍّ آخر، فإذا كان كذلك، وقد نفى الملاعن أحد التوأمين، فلا ينتفي
الثاني؛ فإنه لم ينفه، فإذا لم ينتف واستحال التبعض، لزم اللحوق، وهذا القدر كافٍ.
والدليل عليه أن اللحوق والنفيَ لو كانا متكافئين في القوة، لكان الجواب كذلك.
هذا إذا أنشأ اللعان بعد البينونة، وتعرض لنفي المولود المنفصل، ثم بان توأمان.
فأمّا إذا تعرض لنفي الحمل، انتفى الولدان الكائنان من بطن واحد، لما قررناه قبلُ.
ولو نفى الولدَ المنفصلَ بعد البينونة، فأتت بالولد الثاني لستة أشهر فصاعداً، انتفى الولد الثاني بلا لعان؛ فإن الأول تعرض للثبوت لإمكان وقوع العلوق به في النكاح، والولد الثاني تحقق العلوق [به] 1 بعد ولادة الولد الأول، وهذا بيّنٌ.
9698 - وإذا نفى الرجل في النكاح أو بعد البينونة توأمين، إما أن يتعرض للحمل وإما أن يلاعن مرتين، فلا شك أن التوأمين أخوان من الأم، فإن اللعان لا يتضمن قطعَ أحكام الولادة من جانب الأم، وولد الزنا من أمه الزانية كالولد النسيب، فكل قرابةٍ تترتب على الأمومة، فهي ثابتة لا شك فيهما.
ونسبهما ينقطع عن الملاعن، فليس أباهما حكماً، وليسا ولديه.
وهل يثبت بينهما أخوة الأب؛ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه لا تثبت ولعله الأصح؛ فإن الأخوة من الأب مترتبة على ثبوت الأبوة والبنوة، فإذا لم تثبت الأبوة بَعُدَ أن يثبت فرعها.
والوجه الثاني - أنهما يتوارثان بأخوة الأب؛ فإن الأب إنما يقْطَعُ باللعان الذي بينه وبينهما، فأما ما يثبت بينهما، فلا يؤثر اللعان في قطعه.
وهذا ضعيف لا اتجاه له.