كتاب الشفعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
في الحال، وإذا جاء الشفيع بعد جريان الرد، فهذا يتفرع على أنه لو اجتمع طلبُه، مع همّ المشتري، فمن المقدم منهما؟ فإن قلنا: المشتري مقدم، لحق الرد، فإذا نفذ الردّ، فلا مستدرك.
وإن قلنا: حق الشفيع مقدم، فإذا جرى الرد، ثم جاء الشفيع، ففي المسألة وجهان: أحدهما - لا شفعة؛ فإنها فاتت بجريان الردّ وتقدمه.
والوجه الثاني - له حق الشفعة.
وهذا القائل يقول: الرد مردود، والشفعة تترتب على الملك السّابق، ويُجعل كأن الرد لم يجر.
وهذا فيه ضعف؛ من جهة أن الفسخ لا يفسخ.
وكان شيخي يقول: إذا أثبتنا حق الشفعة في هذه الحالة، تبيّنا بطلانَ الردّ؛ لأنه صادف حقاً مقدّماً عليه.
ولا نقول: ينفذ الرَّد، ثم يُرد.
فرجع حاصل القول إلى وجهين في الأصل: أحدهما - أن الشفعة بطلت بالرّد، والثاني - أنها لم تبطل.
فإذا قلنا: إنها بطلت، فلا كلام.
وإن حكمنا بأنها لم تبطل، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الرد يُرد.
والثاني - أنا نتبين فساد الرد من أصله، ويجعل كأنه لم يجر.
وقد قدمنا أن الزوج إذا طلق زوجته قبل المسيس، وكان الصداق شقصاً، وجرى ذلك قبل طلب الشفيع الشفعة، وحكمنا بتشطير الصَّداق، فإذا جاء الشفيع يطلب، فقد قدَّمنا أن ما ارتد إلى الزوج لا ينتزع من يده.
وكان يقول رضي الله عنه: إذا رددنا الرّد على بعد [القول] 1 بفسخ الفسخ، فاسترجاع ما ارتد إلى الزوج أولى.
وبالجملة اختلف أئمتنا، فذهب ذاهبون منهم إلى تنزيل ما ارتد إلى الزوج من الصَّداق بالطلاق قبل المسيس، منزلة ما لو جرى الرد قبل طلب الشفيع؛ فيخرّج على وجهين: أحدهما - أن الشطر منتزع من يد الزوج، ورجوعُه إلى قيمة الصداق.
والثاني- أنه لا ينتزع من يده، ويأخذ الشفيع ما بقي في يد المرأة من الشقص، بحصته من مهر المثل.
هذه طريقة.
ومن أئمتنا من قطع في الطلاق بأن ما رجع إلى الزوج لا يسترد منه، وجهاًً واحداً؛
لأن الطلاق هو الموجب للتشطر، والطلاق لا مردّ له، وشطر الصداق يرتد من غير اختيار، فبعد نقض حكم التشطير فيه.
والأصح عندنا التسويةُ بين طلب الشفعة بعد الطلاق، وبين طلبها بعد جريان الرد؛ فإن القول كما اختلف في اجتماع طلب الشفيع والقصد بالردّ كذلك اختلف القول فيه إذا انضم طلب الشفعة إلى تطليق الزوج قبل المسيس، فإذا اتفقا في الابتداء، فإن لم يكن للطلاق مرد، وجب أن يتفقا في طريان طلب الشفعة.
4736 - وممَّا يتصل بذلك تفصيل الإقالة، فإذا اشترى شقصاً، ثم فرض جريان الإقالة، نظر: فإن لم يكن عفا الشفيع عن الشفعة، وجرت الإقالة، نُفرّع ما نقوله على القولين في أن الإقالة فسخٌ أو بيع؟ فإن جعلنا الإقالة بيعاً، فالشفعة لا تبطل، والشفيع بالخيار إن شاء نقض الإقالة؛ حتى يرتد الشقص إلى ملك المشتري، فيأخذه بالشفعة منه.
وإن قلنا: الإقالةُ فسخ، فهذا طلب شفعة ترتب على جريان فسخ، فيلتحق هذا بما ذكرناه في طلب الشفعة بعد جريان الردّ بالعيب.
وما ذكرناه فيه إذا كان الشفيع على طلب شفعته، وما كان عفا.
فأما إذا عفا الشفيع عن الشفعة، ثم جرت الإقالة من بعدُ، فإن قلنا: الإقالة بيعٌ، فللشفيع أخذ الشفعة من البائع الأول؛ فإنه بالاستقالة 1 صار مشترياً.
فإن قلنا: الإقالة فسخ، لم يتجدد حق الشفيع؛ فإن الفسخ لا يُثبت حقَّ الشفعة.
وإن كان يشتمل على تراد في العوضين.
وهذا مما اتفق عليه الأصحاب.
فصل
قال: "وإن اشتراها بثمنٍ إلى أجل ... إلى آخره" 2.
4737 - إذا اشترى الرجل شقصاً بثمن مؤجلٍ، فالذي نص عليه الشافعي في الجديد، وهو ظاهر المذهب، ولم يحك الصيدلاني وشيخي غيرَه أنّا نقول للشفيع:
إن شئت عجل الثمنَ للمشتري، وتعجل حقك من الشفعة.
وإن شئت، فاضرب عن الطلب حتى يحل الأجل.
ونص الشافعي فيما رواه حرملةُ على أن للشفيع أن يأخذ الشقص بالثمن المؤجل، وحكم ذلك أن يأخذ المبيع من المشتري في الحال، ويكون الثمن للمشتري في ذمة الشفيع، كما أن الثمن للبائع في ذمة المشتري.
وحكى أبو العباس بن سُريج عن كتاب (الشروط) 1 أن الشفيعَ يأخذ الشقص بعَرْضٍ يساوي مقدارَ الثمن مؤجلاً بأجله.
وهذا في ظاهر الأمر فيه إنصاف؛ فإنا لو كلفناه ألفاً حالاً، كان ذلك تفاوتاً في المالية بيّناً.
ولو قلنا: عجل بعضَ الثمن ونكتفي به، مصيراً منا إلى أن البعض الحال يقوم مقام الألف المؤجّل، كان ذلك مقابلةَ ألفٍ مؤجلٍ بستمائة حال، وهذا صورة الربا.
فإذا قدرنا عرضاً قيمته الألف المؤجل، لم يؤد هذا التقدير إلى الربا، وكان رعايةَ الانتصاف في الحقوق المالية.
هذا بيان الأقوال.
وقال مالك 2 رحمه الله: إن كان الشفيع ملياً، ثقةً، سلمنا إليه الشقصَ بالثمن المؤجل، وإن لم يكن ملياً، وأعطانا كفيلاً ملياً، سلمنا إليه الشقص أيضاً بالثمن المؤجل، وإن لم يكن ملياً ولم يجد كفيلاً، لم نسلم إليه الشقص.
4738 - ونحن الآن نوجه الأقوال، ثم نفرع عليها،: فأما وجه قوله الجديد، فعماده أن البائع إن رضي بذمة المشتري ووثق بأمانته، فالمشتري لا يلزمه أن يرضى
بذمة الشفيع، وإن كلفناه أن يسلم الشقص، ويعوّل على ذمّة المشتري، فقد ألزمناه أمراً مخطراً؛ فنقول: إن رددت الشقص، فعجّل؛ فإن المؤجل يصح تعجيله، وإن لم ترُد الشقصَ، فانتظر حلول الأجل، فاجتمع إذن مراعاة حق المشتري واستدامة حق الشفيع.
ومن قال: نُسلِّم الشقصَ المبيع إلى الشفيع بالثمن المؤجل، احتج بأن الشفيع ينزل منزلة المشتري في تملك الشقص، ومقدارِ الثمن، وكل ما تتصور المساواة فيه تقريباً؛ فينبغي أن يحل محله في الأخذ عاجلاً بالثمن المؤجّل.
ومن نصر القول الثالث، فاحتجاجه ما ذكرناه في بيان القول 1 الأول، من اعتبار الإنصاف، واجتناب صور الربا.
وإذا كنَّا نُقيم قيمةَ الثمن إذا كان سلعة مقام السلعة، فلا يبعد أن نقيم سلعة مقام الثمن، مع التقريب في الغرض المالي، إذا كان ينتظم ذلك في المقاصد.
هذا بيان توجيه الأقوال.
التفريع:
4739 - من قال بالقول الجديد، وهو ظاهر المذهب، فوّض الأمرَ إلى الشفيع، كما مضى، وجوز له أن يعجل ويتعجل، وأن ينتظر 2 حلول الأجل، ويترك الشقص في يد المشتري.
ويتفرع على هذا القول ثلاثةُ أشياء: أحدها - أنا إذا فرعنا على قول الفور، فقد اختلف أئمتنا في أنا هل نوجب أن يُشعر الشفيعُ بأنه على الطلب، ثم يؤخر إن أراد التأخير؟ فمن أئمتنا من قال: لا يجب ذلك، ولا فائدة فيه، فإذا جوزنا له التأخير إلى حلول الأجل، جوزنا له السكوت عن الطلب إلى ذلك الوقت.
ومن أصحابنا من قال: لا بُدّ من الإشعار بالطلب، كما فرعنا على قول الفور.
ثم إذا أكّد الشفعة بالطلب، كان تأخير أداء الثمن إلى منتهى الأجل بمثابة تأخر أداء الثمن الحالّ 3 إلى أوقاتٍ [يتيسّر] 4 أداؤه فيها عادة، مع العلم بأن تأخير الطلب إلى تلك الأوقات مبطل لحق الشفعة.
فهذا أحد الأشياء الثلاثة.
والثاني - أن المشتري إذا مات، وحل الأجل عليه بموته، فالأمر موسع على الشفيع في تأخير أداء الثمن كما قدمناه في حالة الحياة، والسبب فيه أنه وإن كان يتلقى من جهة المشتري، فهو مُباين له في المرتبة.
وقد ذكرنا أن من ضمن ديناً مؤجلاً على صفة التأجيل، ثم مات المضمون عنه، وقُضي بحلول الدين، وانقطاع الأجل، فلا يحل الدين على الضامن بسبب حلوله على المضمون عنه.
والأمر الثالث - أن الشفيع لو مات بنفسه، فوارثه يقوم مقامه في استحقاق الشفعة، ثم لا يقضى أنه يحل عليه الثمن؛ [إذ] 1 لم يكن عليه أجل حقيقي، ولم يكن الثمن ديناًً في ذمته حتى يفرض حلوله بموته، لكن كان ثبت له حق الشفعة على وجهٍ، فيثبت ذلك الحق على ذلك الوجه لوارثه.
ذكره الصيدلاني وغيره من المحققين.
وهو ممّا لا يشك فيه.
هذا تمام التفريع على القول الجديد.
4740 - فأمّا التفريع على القول الذي رواه حرملة، فإنا نرى هذا قولاً قديماً، فإنه في الأصل يضاهي مذهب مالك، ثم اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: نعتبر ما اعتبره مالك من كون الشفيع ملياً موثوقاً به في ظاهر الحال؛ فإن لم يكن، اشترطنا أن يقيم كفيلاً ملياً وفياً، فإذ ذاك نوجب على المشتري تسليمَ الشقص، وتركَ الثمن في ذمة المشتري.
وإن لم يتحقق ذلك في المشتري، ولم يأت بكفيلٍ، لم نسلم إليه الشقص.
وهذا هو الذي حكاه الشيخ أبو علي في تفريع هذا القول في مذهبنا.
فكأنَّه إذاً مذهبُ مالكٍ.
ومن أصحابنا من لم يشترط ملاءةَ الشفيع، ولا الإتيانَ بكفيل، وأحل الشفيع محل المشتري، وأوجب تسليم الشقص إليه عاجلاً؛ تنزيلاً له منزلة المشتري، من غير نظر إلى صفته، وهذا فيه بُعد وإجحاف بالمشترى.
وإن كان يميل إلى طرفٍ من القياس بعض الميل.
وقد حكاه موثوقٌ به عن القاضي.
ثم يتفرع على هذا القول أن المشتري لو مات، وحل عليه الأجل، لم يحلّ على الشفيع، كما ذكرناه في الضامن والمضمون عنه.
ولكن لو مات الشفيع، وجب القضاء بحلول الثمن عليه؛ فإن الأجل [تأصّل] 1 في حقه، بدليل استئخار الشقص، وأخذه عاجلاً.
وإذا أخذ الشقص وملكه، استقر الثمن في ذمته.
فليتنبه المفرع لذلك، وليفصل بين ثبوت حقيقة الأجل على هذا القول، وبين ثبوت فسخه على القول الجديد.
[و] 2 ليست من حقيقة الأجل في شيء، ولذلك لا يتعجل الشفيع على الجديد أخذَ الشقص، فلا جرم لم يكن للحكم بالحلول على الشفيع معنى إذا مات قبل حلول الأجل.
ولو فرض في ذلك القول أخذُ الشقص، لكان يتعين أن يعجل الثمن في حياته.
ومما نفرعه أنا إذا أحللنا الشفيعَ محل المشتري في الأجل على قول حرملة، وفرعنا على قول الفور، وجب على الشفيع البدار إلى الطلب؛ فإن الشقص معجل له، حتى إذا أخر، كان مقصراً، ويُقضى بسقوط حقه.
وليس هذا كالتفريع على الجديد؛ فإن تلك الفسحة تثبت في أخذ الشقص، حتى كأنها أجل في الشقص.
فليفهم الناظر ذلك.
4741 - فأما 3 إذا فرعنا على القول 4 الثالث، [فتعيين] 5 العَرْض إلى الشفيع، وتعديل القيمة إلى من يعرفها، فنعتبر مبلغ الثمن مؤجلاً، ثم نقيس به ثمناً حالاً، ونراجع في المقدارين المقومين، ونقول: ما يساوي ألفاً إلى سنةٍ، بكم يُشترى نقداً؟ فيقال: بخمسمائة، فنكلف الشفيع أن يأتي بسلعة تساوي خمسمائة عاجلة، وهذا قد قدمناه في تصوير القول.
فلو لم يتفق طلبُ الشفعة حتى حل الأجل، فالمشتري مطالب بالألفِ، والشفيع يجب أن لا يطالَب إلا بالسلعة المعدّلة التي ذكرناها؛ فإنّ لاعتبار في قيمة عوض الشراء، بحالة العقد، فكأن المشتري لما اشترى بألفٍ
مؤجّل، اشترى بخمسمائةٍ حالةٍ، فالاعتبار إذاً بحالة العقد.
ولهذا قلنا: إن ثمن العقد إذا كان متقوماً، فالاعتبار في مبلغ قيمته بحالة العقد.
فإن قيل: إذا فرعتم على القول الجديد، فهل تنفذون تصرفات المشتري في مدة الأجل في الشقص؟ قلنا: نعم.
ولا يملك الشفيع نقضَها مادام الأجل، إلا أن يعجل الثمن.
ثم إذا تصرم الأجل، يتبع التصرفاتِ بالنقض.
فقد نجز ما أردناه في هذا الفصل.
فصل
قال: "ولو ورثه رجلان، فمات أحدهما، وله ابنان ... إلى آخره" 1.
4742 - الذي نراه أن نقدم على هذا الفصل أصلاً مقصوداً في كتاب الشفعة، وهو أنّه إذا ازدحم شفيعان فصاعداً على المبيع المشفوع، وكانا مختلفين في مقدار الملك في الشركة، فالشفعة مقسومة على الرؤوس بالسوية، أم هي مقسومة على مقدار الحصص في أملاك الشفعاء؟ فعلى قولين: أحدهما - وهو المنصوص عليه في الجديد أن القسمة على أقدارِ الحصص، وبيان ذلك بالتصوير أن الدار إذا كانت مشتركة بين ثلاثة، لواحد نصفها، ولآخر ثلثها، ولآخر سدسها، فإذا باع مالك النصف نصيبه، وهو النصف، فهو مقسوم على الجديد بين صاحب السدس والثلث أثلاثاً على الملكين.
والقول الثاني - وهو المنصوص عليه في القديم أن القسمة تقع على رؤوسهم بالسوية، فيأخذ كل واحد منهما نصفَ الشقص المبيع، وهو ربع الدار، وهذا مذهب أبي حنيفة 2، واختيار المزني، وتوجيه القولين قد استقصيناه في [كتاب] 3 الأساليب والغنية، وليس يتعلق بذكرهما ضبطٌ مذهبي، فنعيده.
ولو انفرد الشفيع، واستحق الشفعةَ، ومات من غير تفريطٍ قبل اتفاق أَخْذ
الشقص، وخلف ابناً وبنتاً، فحقُّ الشفعة موروث، كما سنذكره بعد ذلك.
ثم اختلف أصحابنا على طريقين، في تخريج القولين في قسمة الشفعة، فصار صائرون إلى أن القولين يخرجان في الابن والابنة، وإن تفاوتا في استحقاق نصيب الشفيع، وشِرْكه القديم.
ففي قولٍ نسوي بينهما في الشقص المشفوع.
وفي قولٍ يوزع على مقدار ملكيْهما في الشرك القديم.
ومن أصحابنا من قطع القولَ بأن الشفعة في حق الوارثين مقسومةٌ على اختلاف الملكين؛ فإنها موروثة، والإرث يقتضي التفاوت.
وحقيقة هذا الاختلاف للأصحاب ستأتي واضحة، إن شاء الله تعالى، في الفصل الذي نذكر فيه توريث الشفعة.
4743 - فإذا وضح هذا الذي ذكرناه، عدنا بعده إلى بيان مضمون الفصل.
فإذا مات الرجل، وله دار، وخلف ابنين، ثم مات أحدهما عن ابنين، وانصرفت حصته من الدار إليهما، ثم باع أحد الحافدين نصيبه من الدار، فأخوه أولى بالشفعة، أو يشاركه العم فيه؟ فعلى قولين: أحدهما -وهو المنصوص عليه في القديم- أن الأخ أولى؛ لأنهما اختصا بوراثة أبيهما دون العم، وانحازا عنه بحيازة الميراث، فإذا تصرف أحدهما تعلق حكم تصرفه بأخيه، ولم يتعدَّه، كما اختص الإرث بهما دون العم.
وهذا لست أرى له [وجهاًً] 1 أصلاً.
ولست أصفه بالضعف، فأكون حاكماً باتجاهه على بعد، ولكن لا أصل له في القياس.
والقول الثاني -وهو المنصوص عليه في الجديد- أن العم يشارك في الشفعة؛ فإنه شريك، والشفعة نيطت بالشركة، وهو مساوٍ للأخ في الشركة الشائعة؛ فوجب أن يساويه في استحقاق الشفعة.
ثم قال الأصحاب: القولان لا يختصان بالوراثة، بل لو اشترى شخصان داراً، ثم باع أحدهما نصيبه من شخصين، أو وهبه منهما، واستقر ملكهما، ثم باع أحدهما نصيبه، فالشفعة تختص بمن كان شريكاً له في الدرجة الأولى، أو يشاركه الشريك
الأصلي في الدار، وهو شريك البائع؟ فعلى هذين القولين.
4744 - ولو كانت الدار بين ثلاثة، فباع واحد منهم نصيبه من شخصٍ، أو وهبه منه، واستقر ملكه، ثم باع أحد الأصلين الباقيين نصيبه، فالشفعة تثبت للشريك الأصلي القديم أو يشاركه الشريك الحادث فيه، يعني المتهب، فعلى هذين القولين؛ فإن بين القديمين تواصلاً، واختصاصاً قديماً، ليس ذلك للحادث.
فكما لا يتعدى تصرفُ المحدثين في الشركة إلى القدماء على القول القديم، فكذلك لا يتعدى تصرف القدماء إلى الحادثين، إذا كان في الجهة القديمة شريكان فصاعداً.
ثم إذا وقع التفريع على القديم، فلا شك أن الحافدين 1 في الصورة الأولى لو باعا جميعاً ما يملكان، فالشفعة تثبت للعم، وإنما يقدم أحد الأخوين على العم إذا باع أحد الحافدين، ووقع الكلام في تقديم الاخ، أو التشريك بينه وبين العم.
وهذا واضح.
وكذلك إذا كان الشريك القديم واحداً، فباع ما يملكه، أو كان في المسألة شركاء متقدمون، فباعوا جميعاً حصصهم، فالشفعة تثبت للحادثين.
وإنما الكلام فيه إذا باع بعض القدماء، وثبت شفيع قديم، وشريكٌ حادث؛ فإذ ذاك يجري القولان.
والذي يبين هذا الفصل أنا إذا فرضنا ابنين أولاً، ثم قدرنا موت أحدهما وتخليف ابنين.
ثم باع أحد الأخوين الحافدين نصيبه، والتفريع على القديم، فالشفعة تثبت للأخ الذي لم يبع دون العم على القول القديم.
هذا حكم الحال.
فلو عفا ذلك الأخ عن الشفعة، فهل للعم أن يأخذ الشفعة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا شفعة له؛ لأنه لو كان من أهل الشفعة، لما تقدم الأخ عليه؛ لأنه مساوٍ له في الشركة الشائعة، فلما تقدم الأخ عليه، عُلم أنه لا شفعة له؛ فإن التقديم والتأخير لا يثبت في قاعدة الشفعة.
ولذلك استدل أصحابنا في إسقاط شفعة الجار بتقدم الشريك عليه، وقالوا: لما تُصوّر سقوط استحقاقه مع الشريك، دلَّ ذلك على أنه لا حق له أصلاً.
هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني - أن العم تثبت له الشفعة إذا عفا الأخ؛ لأنه شريك، ولكنا رأينا تقديم الأخ عليه؛ من جهة أنه أقرب، فإذا سقط حق الأقرب، وجب أن يستحق العم لوجود الملك، وأصلِ الشركة.
4745 - وهذا يضاهي مذهب أبي حنيفة 1 في تقديم الشريك على الجار، وهو يناظر من صور الوفاق تقديمَ المرتهن على سائر الغرماء بالمرهون، فلو أسقط المرتهن حقه من الرهن، أو أبرأ عن الدين، صُرف المرهون إلى حقوق الغرماء، وكذلك إذا قتل رجل جماعة، وثبت القصاص عليه، فإذا كان قتلهم ترتيباً، فحق الاقتصاص لولي القتيل الأول، ولو عفا، فحق الاقتصاص لولي القتيل الثاني.
وهكذا إلى انتهاء الأمر إلى ولي القتيل الأخير.
وحقيقة هذا الخلاف ترجع إلى أنا إذا قدمنا الأخ على العم، فهذا إسقاط للعم عن الاستحقاق أصلاً، أم ثبتت له الشفعة ولكنا نراه مزحوماً بالأخ؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه.
وقد يجري مثل ما ذكرناه هاهنا في ازدحام الشفعاء إذا عفا بعضهم عن الشفعة؛ فإن الحق في ظاهر المذهب في جميع الشقص يثبت للباقين، وليس هذا حقاً متجدداً لهم، ولكن لكل واحد من الشفعاء حقُّ استحقاق جميع الشقص لو انفرد، فإذا كان مزحوماً بآخرين، لم يأخذ كل واحد إلا مقداراً، فمن عفا وخرج عن الاستحقاق، عاد الباقون إلى التقدير الذي ذكرناه.
حتى لو عفا الجميع إلا واحداً، فهو يأخذ الشقص بأصل الاستحقاق، لا باستفادةٍ من جهة الشركاء.
وسيأتي تقرير 2 ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ثم ما ذكرناه في الأخوين والعم، وعفوِ الأخ يخرّج في كل صورة ذكرناها في قوله القديم، فإذا اشترى رجلان داراً، ثم وهب أحدهما نصيبه، من اثنين، ثم باع أحد المتهبين نصيبه، وفرعنا على أن صاحبه أولى بالشفعة من الشريك القديم، فعلى ما ذكرناه من خلاف الأصحاب.
4746 - ومما فرعه ابن سريج على هذا الأصل أن من قال: لو مات رجل عن دارٍ وابنتين، وأختين، فللبنتين الثلثان، والباقي للأختين، وهو الثلث، فلو باعت إحدى البنتين نصيبها، والتفريع على القديم فالشفعة تثبت لمن؟ قال ابن سريج: يحتمل أن نقول: تختص بالشفعة البنت التي لم تبِع، ولا شفعة للأختين؛ من جهة أن البنتين كانتا مختصتين بجهة الإرث، ؤالحصة مضافة إليهما، فاقتضى ذلك اختصاصَ إحداهما بالشفعة إذا باعت إحداهما، وعدم تعلق الاستحقاق بالأختين، تفريعاً على القديم.
هذا احتمال أبداه ابن سريج في التفريع على القول القديم، ثم زيَّف هذا الوجهَ، وقال: يجب تشريك الأختين في الشفعة؛ لأن الوراثة تثبت لجميع الورثة دفعةً واحدة، والورثة مستوون، فلا معنى لتقديم بعض الجهات على البعض.
وهذا الذي ذكره في بيع إحدى البنتين يجري في بيع إحدى الأختين، حتى يتردد الجواب تفريعاً على القديم في أن الشفعة تختص بالأخت أو تتعدى إلى البنتين.
وهذا يجري في جملة أصناف الورثة، حتى إذا كان فيهم زوجاتٌ وبناتٌ، وأخوات، فباعت زوجة حصتها، ففي اختصاص الزوجات الكلامُ الذي ذكرناه.
والوجه تشريك جميع الورثة.
4747 - ثم إذا وقع التفريع على القول الجديد، وهو المذهب المبتوت، وإن كنا نحكم بأن القديم مرجوع عنه، فهذا أوانه.
فإذا باع أحد الحافدين نصيبَه، وأثبتنا الشفعة لأخيه وعمّه، فللعم نصف الدار، وللأخ ربعها، والمبيع الربع، ففي كيفية القسمة على الأخ والعم كلامٌ يتعين التأنِّي فيه، في ترتيب المذهب.
فإن جرينا على القياس، أرسلنا القولين في أن المبيع يقسم أثلاثاً بين العم والأخ، أو يقسم بالسوية بينهما.
هذا طريق التفريع القياسي.
وإن راعينا نظم المذهب، قطعنا بالقسمة على التفاوت، نظراً إلى الحصتين والشريكين؛ فإن القسمة على رؤوس الشفعاء في القول القديم.
ونحن في القديم لا نثبت للعم الشفعةَ، وفي الجديد لا نرى القسمةَ على الرؤوس، فإذا فرعنا على تشريك العم في الشفعة، وهو الجديد، قطعنا النظر إلى الحصتين، وفاوتنا في المقدار أخذاً بالجديد، وأصحابنا يمنعون من بناء الجديد على القديم، والقديم على الجديد.
وقد تقدم مراراً أن القول القديم لا ينبغي أن يعد من مذهب الشافعي؛ فإنه مرجوع عنه.
فإن قيل: قد اختار المزني القولَ القديمَ، ورأى قسمةَ الشفعة على رؤوس الشفعاء، واحتج بقول الشافعي في مسألة العم، والأخ، ونقل فيه لفظَ الشافعي، فقال: قال الشافعي: "العم والأخ سواء في استحقاق الشفعة"، وفهم المزني من نص الشافعي القسمةَ على الرؤوس، وهذا تفريع القديم.
وتشريك العم هو القول الجديد، قلنا: لا محمل لهذا في ترتيب المذهب إلا وجهان: أحدهما - أنه يحمل الاستواء على الاستواء في أصل الاستحقاق، لا على التساوي في المقدار.
والثاني - أن نُقدر للشافعي قولاً في الجديد في أن الشفعة تقسم على الرؤوس لا على الأنصباء.
وهذا فيه نظر؛ فإنه لم يصح في الجديد القسمةُ على الرؤوس.
ومهما 1 قطع الشافعي في الجديد فتواه، فالذي أراه موافقةُ المزني في أن ذلك رجوع منه عن ترديد القول.
فصل
قال: "ولورثة الشفيع أن يأخذوا ما كان يأخذ أبوهم ... إلى آخره" 2.
4748 - الشفعة موروثة عندنا على الجملة، فإذا مات الشفيع قبل اتفاق أخذ الشقص، ولم يقصّر، انتقلت الشفعةُ إلى الورثة.
وقال أبو حنيفة 3: الشفعة لا تورث.
فنقول: إذا مات الشفيع وخلّف ابناً وبنتاً، وامرأة، وخلف الشقص الذي كان ملكه من الدار، وبه استحق الشفعة، فالشقص مقسوم بين الورثة، على أربعةٍ وعشرين للزوجة الثُّمن ثلاثة، والباقي بين الابن والبنت للذَّكر مثلُ حظ الأنثيين، فيخص البنتَ ثلث ما بقي، وهو سبعة، ويخص الابن أربعةَ عشرَ.
وحق الشفعة ثابت لهم، ثم الشفعة تقسم على رؤوسهم، أو على حصصهم في الشِّرك القديم؟ فعلى
القولين والتفصيل المقدم.
فمن أصحابنا من قطع بأن الشفعة مفضوضةٌ على نسب الحصص، ولم نر هذا من صور القولين، ومنهم من أجرى القولين.
وحقيقةُ هذا الاختلاف تستند إلى حقيقة الفصل.
وقد اختلف الأئمة في أن الورثة يأخذون الشفعة لأنفسهم في الحقيقة، أم يأخذونها للموروث، ثم يخلفونه؟ وفي ذلك وجهان: فإن قلنا: إنهم يأخذونها لأنفسهم، جرى القولان في كيفية التقسيط.
وإن قلنا: إنهم يأخذونها للميت تقديراً، ثم ينتقل المأخوذ إليهم إرثاً، فليس إلا القطع باعتبار الحصص.
4749 - وممَّا نفرعه في هذا المنتهى أن واحداً من الورثة إذا عفا عن الشفعة،
فكيف يجري هذا التفريع؟ وهذا يستدعي رَمْزاً إلى أصلٍ سيأتي استقصاؤه، إن شاء الله.
وهو أن من انفرد باستحقاق الشفعة إذا عفا عن بعض الشفعة، ففيه أوجه:
أحدها - أنه يبطل جميع حقه بالعفو عن البعض، كما لو عفا مستحق القصاص عن بعض حقه في القصاص؛ فإنه يسقط جميعُ القصاص، ولا يتصور بقاء شيء منه.
والثاني - لا يسقط بالعفو عن البعض شيء ويلغو العفوُ.
والثالث - أنه يسقط ما أسقط، ويَبقى ما أبقى.
وسيأتي ذلك على الاستقصاء، إن شاء الله تعالى.
فإذا عفا واحد من الورثة، نفرِع ذلك على الوجهين في أن الورثة يأخذون الشفعة لأنفسهم أم يأخذونها للميت؟
فإن قلنا: إنّهم يأخذون للميت، فإذا عفا واحدٌ منهم، سقط حق الباقين، ونزل منزلة ما لو عفا عن بعض حقه في حياته، ولو فعل ذلك، بطل حقه في الجميع، في ظاهر المذهب.
وفيه خلاف، سنذكره في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
وإن قلنا: إنّ الورثة يأخذون الشفعة، لأنفسهم، فإذا عفا واحد منهم، أخذ الباقون الشقصَ بكماله، وسقط حق العافي على ظاهر المذهب.
وسنصف هذا بعد ذلك، إن شاء الله تعالى.
وغرضنا الآن أن نلحق عفوَ بعض الورثةِ في وجهٍ، بعفو الشفيع الواحد عن بعض
حقه.
ونلحقَ عفوَ بعض الورثة في وجهٍ بعفوِ واحدٍ من الشفعاء الذين استحقوا الشفعة لأنفسهم من غير وراثة.
والتفصيل وراء ذلك بين أيدينا.
فصل
4750 - إذا كان بين رجلين دارٌ مشتركة، لكل واحد نصفُها، فباع أحدهما عُشرَ نصيبه من إنسانٍ، ثم باع تسعة الأعشار بعد الصفقة الأولى من رجلٍ آخر، فقد قال أبو حنيفة 1 في هذه المسألة: للشريك الذي لم يبع أن يأخذ العشر الذي اشتملت عليه الصفقة الأولى، ثم الشريك القديم ومن اشترى العشر يشتركان في تسعة الأعشار؛ لأن بيع التسعة الأعشار جرى بعد ثبوت الملك في العشر لمشتريه، فاقتضى ذلك اشتراكهما في التسعة الأعشار.
هذا مذهبُ أبي حنيفة.
فأما تفصيل مذهبنا، فحاصل ما ذكره الأئمة طريقان: منهم من قال: إن أراد الشريك القديم أخْذَ مضمون الصفقتين، كان له ذلك: العشر والتسعة الأعشار؛ فإن بيع المبلغين جرى وملك الشريك القديم سابق.
وهؤلاء يخالفون مذهب أبي حنيفة، ويحتجون عليه بأن أخذ العشر المتلقى من الصفقة الأولى متفق عليه.
وإذا أخذه الشريك القديم، استحال بعد زوال ملك المشتري أن يستحق الشفعة في التسعة الأعشار.
ولو عفا الشريك عن الشفعة في الصفقة الأولى وأراد أخذ التسعة الأعشار، فمشتري العشر قد استقر ملكه فيه، وجرى بيع التسعة بعد ملكه، فهل يزاحم الشريكَ القديم في العقد الثاني؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يزاحمه؛ لأنّ ملكه في العشر قد تقرر، وكان متقدماً على الصفقة الثانية، وإذا كان صاحب العشر مع الشريك القديم شريكين عند العقد الثاني، وجب أن يشتركا في الشفعة.
والوجه الثاني - أن صاحب العشر لا يشارك الشريك القديم في العقد الثاني؛ لأن ملكه كان عرضة لأخذ الشريك القديم لما جرى البيع الثاني، ومستحق الشفعة الشريك
القديم، فإذا كان ملكه عرضة لأخذ الشريك القديم وقت جريان العقد الثاني، استحال أن يزاحم بذلك الملك الشريكَ الثاني.
نعم: لو عفا الشريك القديم عن الشفعة في العُشر، ثم جرى البيع الثاني، فلا خلاف أنهما يزدحمان في التسعة الأعشار.
هذه طريقة.
4751 - ومن أصحابنا من قال: إن عفا الشريك بعد جريان [العقد] 1 عن الشفعة في العُشر الذي اشتمل عليه العقد الأول، فصاحب العشر والشريك القديم يزدحمان في التسعة الأعشار وجهاً واحداً.
فإن أخذ الشريك القديمُ العشرَ بالشفعة، فهل للذي اشترى العشرَ أن يزاحم في التسعة الأعشار كما صار إليه أبو حنيفة؟ فعلى وجهين: أظهرهما - أنه لا يزاحم؛ لأن الشريك يأخذ العشر الذي اشتراه وفاقاً، فلا يبقى له مِلكٌ يزاحم به.
والوجه الثاني خرّجه القفال - أنه يزاحم في التسعة الأعشار، وإن أُخذ العشر الذي اشتراه؛ لأن ملكه كان ثابتاً لما جرى العقد الثاني، فاقتضى ثبوتَ حق الشفعة له، فلا يضر زوال ملكه بعد ذلك على قهر.
وكان القفّال يبني هذا التردد على أصلٍ، وهو أن بعض الشركاء في الدار إذا باع حصّته، ولم يُشعر شريكَه بذلك، ولم يعلم ثبوتَ حق الشفعة له، فباع ملك نفسه على جهلٍ منه باستحقاق الشفعة، ثم تبين له ثبوتُ حق الشفعة له، فهل نحكم بأن ما جرى من البيع في ملكه القديم عن جهلٍ وغِرّة يتضمن بطلان الشفعة؟ في المسألة قولان: أحدهما - أن حق الشفعة يبطل؛ فإن الغرض من الشفعة دفع الضرار عن المالك كما فصلناه، فإذا زال الملك، فلا حاجة إلى الدفع، فأشبه ما لو باع على علمٍ بثبوت الشفعة.
والقول الثاني - أن حق الشفعة ثابتٌ، لا ينقطع بما جرى من البيع على الجهل.
ومما يجب الإحاطة به أن الشفيع إذا باع ملكه بعد الإحاطة بالشفعة، فحقه من الشفعة يبطل، وإن قلنا الشفعة على التأبيد، وشرطنا التصريح بالإسقاط، فبيع الملك على عمدٍ وعلمٍ يتضمن إسقاط الشفعةِ، على اتفاق بين الأصحاب، لم أعثر فيه على خلافٍ.
قال القفال: إذا أخذ العشرَ الذي اشتملت عليه الصفقةُ الأولى، فليس ذلك عن اختيارٍ من المشتري، فشابه ذلك ما لو باع الشريك ملكه على جهلٍ بثبوت الشفعة.
هذا حاصل القول في المسألة.
4752 - فإن عفا الشريك القديم عن الشفعة في العشر، وجرينا على الأصح، وأثبتنا له المزاحمة في التسعة الأعشار، فكيف نقسمها بينهما؟ إن حكمنا بأن الشفعة تقسّم على الرؤوس، فتلك الشفعة تقسم بين الشريك القديم، وبين صاحب العشر نصفين، ولا حاجة إلى تصحيح ذلك بطريق الحساب.
وإن أردنا التصحيحَ، لم يخف مُدركه.
وإن قلنا: الشفعة تقسم على الأنصباء وأردنا التصحيحَ والضبط، فالوجه أن نتخيل أصلَ المسألة، وهو عشرون لاشتمالها على نصف العشر؛ فإن الشريك الأول باع عُشراً من نصفه، وعشر النصف نصف العشر، فوضعنا المسألة من عشرين.
النصف للشريك القديم: عَشَرة، وما سُلِّم 1 لمشتري العشر سهمٌ، فبين الشريك القديم، وبين صاحب العشر أحدَ عشرَ سهماً، فتقسم التسعة على أحد عشر سهماً، فلا تنقسم.
وإذا انكسر عدد على عددٍ، فالوجه في التصحيح ضربُ العدد الذي عليه الكسر في أصل المسألة، فنضرب أحدَ عشرَ في عشرين، فتردّ علينا مائتين وعشرين، وهذا المبلغ أجزاء الدار، النصفُ القديم منها مائة وعشرة، والذي سلم في الصفقة الأولى أحدَ عشرَ، بقي تسعة وتسعون.
لصاحب نصف العشر تسعة، وللشريك القديم تسعون، فيخلص للشريك القديم ملكاً أصلياً ومأخوذاً بالشفعة مائتان، ويخلص للمشتري نصف العشر من الصفقة الأولى ومن الثانية عشرون.
ثم إذا تبيّنا هذا من طريق البسط، تلقينا منه نسبةً بيّنة، فالدار بين القديم وبين المزاحم على أحدَ عشرَ جزءاً، عشرة منها للشريك القديم، وواحد للمزاحم.
وما ذكرناه من فرض يتعين 2 في العشر والتسعة الأعشار مع رجلين لو فُرِضا مع رجل
واحد على الترتيب، فالترتيب في الصفقة الأولى والثانية [في العفو، والأخذ، والمزاحمة، كالتفصيل في البيعين من شخصين في جميع ما ذكرناه.
وهذا قد نعيده] 1 في آخر الكتاب عند جمعنا حيلاً في تعسير الشفعة على الشفيع، إن شاء الله تعالى.
فصل
يحوي قواعد من الشفعة، نحيل عليها تفريعات مسائل الكتابِ
4753 - فنقول: إذا ثبت حق الشفعة لرجلٍ واحد، فعفا عن بعض حقه، ففي المسألة أوجه مشهورة مذكورة في الطرق: أحدها - أنه يسقط جميعُ حقّه؛ فإن الشفعة لا تتبعض، فإذا وجب القضاء بسقوط بعضها، تداعى ذلك إلى أصلها، وهي شبيهة عند اتحاد المستحق بحق القصاص، إذا ثبت لواحد؛ فإنه لو عفا عن بعضه، كان كما لو عفا عن جميعه.
والوجه الثاني - أنه لا يلغو العفو عن البعض، ولا أثر له، والشفعة ثابتة بكمالها؛ فإن التبعيض إذا تعذر -وليست الشفعة مما يُدرأ بالشبهة- فالوجه تغليب ثبوتها.
وهذه الأوجه إنما يتسق جريانها إذا لم نقل بأن الشفعة على الفور.
وسنذكر ترتيب الأصحاب فيها على قول الفور، إن شاء الله تعالى.
والوجه الثالث - أنه إذا أسقط بعضَ حقه، سقط ما أسقطه، وبقي ما أبقاه؛ فإنه حق مالي ولا يبعد تطريق الانقسام إليه.
قال الشيخ أبو بكر: هذا الوجه إنما يخرّج -على ضعفه- إذا رضي المشتري بأن تبعّض عليه الصفقة، فأمّا إذا أبى ذلك، وقال للشفيع: إما أن تترك الجميع، أو تأخذ الجميع، فله ذلك.
وهذا الذي قاله حسن، لا يسوغ في القياس غيرُه، فإن تبعيض الصفقة على المشتري إضرار بيّن، وتعييب لما يبقى في يده.
وإن فرّعنا على قول الفور، فقد اختلف أصحابنا على طريقين: منهم من أجرى الأوجه الثلاثة على قول الفور، وصور العفوَ عن البعض مع البدار إلى طلب الباقي.
ومنهم من قطع بأنا إذا فرعنا على قول الفور، فالعفو عن البعض يُسقط الجميع؛ فإن ابتناءه على الفور على هذا القول، يشعر بتسرع السقوط إليه، وكان حَريّاً بمشابهة القصاص، وقد ذكرنا أن العفو عن بعض القصاص يُسقط الجميع.
4754 - ومن الأصول التي نذكرها في هذا الفصل: أنه إذا ثبت في شقص واحدٍ شفيعان، فلو عفا أحدهما عن حقه، فكيف السبيل فيه؟ ذكر الشيخ أبو علي في شرح الفروع أربعةَ أوجه: أحدها - وهو الأصح المشهور أن حق العافي يبطل من الشفعة، ويثبت الحق بكماله للثاني.
فلو أراد أن يأخذ بعضَ الشقص، وهو القدر الذي كان يخصه مع شريكه لو لم يعف، فليس له الاقتصار عليه، وللمشتري أن يقول: إما أن تأخذ الكل، وإما أن تدع.
وهذا هو الذي قطع به شيخنا أبو محمد، والصيدلاني، وكل معتبر من أثبات النقلة.
وتعليل هذا الوجه أنه إذا عفا أحدهما، جُعلَ كأنه لم يكن، وأُخرج من البَيْن، وقدر الثاني منفرداً باستحقاق الشفعة.
وهذا هو الأصل، والمذهب.
وقد ذكر الشيخ أبو علي سواه ثلاثةَ أوجه: أحدها - أَنَّ الذي عفا [قد] 1 سقط بعفوه نصف الشفعة، وثبت ذلك القدر للمشتري، ولو أراد الشفيع الثاني أن يأخذ جميع الشقص، لم يكن له ذلك، ولو أراد المشتري أن يُلزمه أخذ الجميع، لم يكن له ذلك.
وهذا الوجه يوجّه بأن الحق ثبت لهما، وسقط [سهمهُ] 2 بإسقاطه، وحقوق الأموال تقبل الانقسام.
والوجه الآخر أن أحد الشفيعين إذا عفا، سقط نصيبهما جميعاً بعفوه، وانقطعت الشفعة أصلاً، كما إذا ثبت القصاص الواحد لرجلين، فعفا أحدهما.
وهذا ضعيف جداً.
والوجه الثالث - أنه لا يسقط حق من لم يعف، ولا يسقط حق من عفا أيضاًً؛ فإن الشفعة لا تقبل الانقسام، فإذا كان حق من لم يعف ثابتاً؛ من جهة تشميره في طلبه،
فحق صاحبه بمثابة حقه، فينبغي أن يغلّب [جانب] 1 الثبوت على [إخالة] 2 القول بالتبعيض، ويخرج من مجموع ذلك إلغاء عفو العافي.
فهذا الذي ذكره ثلاثة أوجه، وإذا ضممناها إلى ما هو المذهب، كان المجموع أربعة أوجه.
4755 - وليقع التفريع بعد هذا على الوجه الأول، الذي هو المذهب.
قال الشيخ: هذا الذي ذكرناه فيه إذا ثبتت الشفعة لرجلين ابتداء، فأما إذا ثبتت الشفعة لرجل واحد، فمات، وخلّف وارثَيْن، فعفا أحدهما، قال: اختلف أئمتنا على طريقين: منهم من قال: هذه المسألة تجري مجرى المسألة الأولى، وهي إذا ثبتت الشفعة ابتداءً لرجلين، فعفا أحدهما.
ومن أصحابنا من قال: هذه المسألة تنزل منزلة ما لو ثبتت الشفعة لرجلٍ واحد، فعفا عن بعضها.
وحقيقة هذا الخلاف ترجع إلى ما قدمناه من أن الوارث يأخذ الشفعة لنفسه أو
يأخذها للمورث.
فإن قلنا: يأخذها لنفسه، فالورثة بمثابة الشفعاء على الابتداء.
وإن قلنا: إنه يأخذها للمورث، فهو واحد، والتفصيل فيه كالتفصيل في تصرف الشفيع الواحد.
4756 - ومما يتعلق بهذا الأصل أنه لو كانت الدار مشتركة بين ثلاثة، فباع أحد الشركاء نصيبه من أحد الشريكين، فللشريك الذي لم يشتر حقُّ الشفعة، ولكن هذا المشتري يقول: كما ثبتت الشفعة لك لشركتك، فكذلك ثبتت لي، فإني شريكٌ مثلك، فالذي اشتريته، فهو بيننا لحق الشفعة.
قال الأصحاب: للمشتري ذلك.
وقال ابن سريج: لا شفعة للمشتري؛ فإن الشفعة في الشرع أثبتت جلباً للملك، ولو أثبتنا المشتري شفيعاً، لكان مستبقياً للملك بالشفعة، وهذا يخالف موضوعَ الشرعِ في قاعدة الشفعة، فعلى المشتري أن يسلم على رأي ابن سريج تمامَ الشقص الذي اشتراه للشريك الذي لم يشتر.
ولو باع بعضُ الشركاء بعض حصته، ثم لما طلب سائر الشركاء الشفعة قال البائع: قد بقي لي شِرْكٌ في الدار، فأنا أساهمهم فيما بعت لحق الشفعة، فليس له المساهمة عند الكافة.
والفرقُ بين الشراء والبيع أن المشتري جالبٌ، والشفعة جلبٌ، فالمسلكان متوافقان والبيع إزالة، فلم يستقم أن يُقْدمَ على الإزالة، ويُلزمَها بطريق إلزامها، ثم يبغي الاسترجاع من عين ما أزال.
وباع.
فإذا فرعنا في مسألة الشراء على الأصح، وقلنا: إن المشتري له حق الشفعة، فلو قال الشفيع: خذ جميع الشقص، فقد تركت حق الشفعة.
فإما أن تأخذ أنت الشقص المشترَى بكماله، أو تدع، فظاهر المذهب أنه ليس للمشتري ذلك بخلاف ما لو ثبت في الصفقة شفيعان، وليس أحدهما مشترياً؛ فإنا على المذهب المعتبر نجوّز لأحدهما أن يترك الشفعة إلى صاحبه، ثم الحكم على المتروكِ عليه أن يأخذ الكل، أو يدع الكل.
والفرق بين الشفيع الذي ليس مشترياً وبين الشفيع في مسألتنا أن الشفيع الذي ليس مشترياً جالب على الحقيقة، فلا يتحتم عليه الطلب، والمشتري إنما جلب الملك بطريق الشراء، فليس له أن يكلف صاحبه استخراج الملك عن حكمه، وهو لو ترك، كان تاركاً ملكاًً لزم له بالشراء، فلذلك لم [يجز] 1، وكان شفيعه على أخذِ محض حقه.
وذكر الشيخ أبو علي وجهاًً عن بعض الأصحاب أن المشتري إذا ترك حقه من الشفعة في استبقاء ما اشترى، فيجوز ذلك، ثم يتوجه في ظاهر المذهب على الشفيع الذي ليس مشترياً أن يأخذ جميع الشقص أو يدع قياساً على الشفيعين اللذين ليس أحدهما مشترياً.
وهذا بعيد.
والوجه ما ذهب إليه عامة الأصحاب.
هذا مقصود الفصل.
فرع:
4757 - إذا وجد الشريك في الدار نصيب شريكه في يد أجنبي، وألفاه متصرفاً فيه، وزعم أنه اشتراه من شريكه، وكان ذلك الشريك غائباً، فهل يجوز
للشريك الحاضر أن يأخذ ما صادَفه في يده بحكم الشفعة، بناء على تصديقه فيما ادعاه من الشراء؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له ذلك ما لم يتحقق عنده الشراء من جهةٍ أخرى.
والوجه الثاني - وهو الأظهر أن له أن يعوّل على قوله؛ فإن أحكام البياعات يعتمد معظمُها قولَ من يُتلقى الملك منه، فإذا قال هذا المتصرف: قد ملكت بالشراء، فبناء الشفعة على قوله بمثابة بناء الشراء على قوله.
ولا خلاف أنه يجوز الشراء منه تعويلاً على قوله: اشتريت.
ثم إذا رجع الغائب، فإن صدّق [صاحبُ الملك ما ادّعاه صاحبُ اليد] 1 من الشراء، نفذت الشفعة.
وإن كذبه، فالقول قوله حينئذٍ في تكذيبه مع يمينه، فإذا انتهت الخصومة معه، رددنا الشفعة عوداً إلى قول الشريك الراجع المكذب.
فصل 2
قال الشافعي: "فإن حضر أحد الشفعاء أخذ الكل بجميع الثمن ... إلى آخره" 3.
4758 - نصور المسألة فيه إذا كانت الدار بين أربعةٍ، فباع واحد منهم، فالثلاثة الباقون شفعاء، ثم لا يخلو إما أن يكونوا حضوراً، أو غُيَّباً، فإن كانوا حضوراً، أخذوا بالشفعة، ويقسم الربعُ المبيع بينهم بالسوية، والمسألة مفروضة في استوائهم في الحصص.
وإن تركوا الشفعة، جاز، وسلم للمشتري ما اشتراه.
وإن طلب بعضهم الشفعة وعفا البعض، فقد ذكرنا كلامَ الأصحاب في هذا الطرف، وأوضحنا أن المذهب الظاهر أن الذي لم يعفُ يأخذ الكل إن شاء، أو يدع.
فإن قال: آخذ ما يخصني عند المزاحمة، لم يكن له ذلك.
هذا ظاهر المذهب.
4759 - ولو كان الشفعاء غُيّباً لمّا جرت الصفقةُ، فلو حضر واحد منهم، وطلب الشفعةَ، فله ذلك، وليقع البناء على ظاهر المذهب فيه إذا حضر، كما أعدنا المذهب فيه الآن، فنقول في هذا الآيب الراجع: خذ الشقص بتمامه، وابذل جميعَ الثمن للمشتري، ليس لك إلا هذا إن أردت الشفعة.
فلو قال: آخذ ما يخصني عند المزاحمة وأترك نصيب صاحبيَّ الغائبين، لم يكن له ذلك.
وللمشتري أن يقول: لا آمن ألا يحضر صاحباك أو يحضرا ولا يرغبا في الشفعة، فتتبعض الصفقة عليَّ.
هذا حكمنا في الأول إذا حضر.
فلو أخذ تمام الشقص بتمام الثمن، ثم رجع الثاني، فله أن يقول للأول: "أنا وأنت بمثابة واحدةٍ في استحقاق الشفعة، وعودُ الثالث مغيّبٌ، قد يكون وقد لا يكون، فينبغي أن نستوي"، فهذا الكلام الذي أبداه حق، ولا بد من إجابته إلى ملتمسه، فعلى الأول إذن أن يشاطره، ثم الثاني يبذل نصف الثمن، ويسترد نصف الشقص.
فإذا عاد الثالث وهو على الطّلب، فإنَّه يأخذ من كل واحد من الأول والثاني ثلثَ ما في أيديهما، ويبذل مقدار ما يأخذ من الثمن.
هذا هو الترتيب في قاعدة المذهب.
فلو حضر الأول، وقال: أنا آخذ نصيبي، وأتوقف في نصيب صاحبيّ؛ فإني لو أخذتُ الجميع، لكان الظاهر أن ينقضا عليَّ.
فإذا فرعنا على قول الفور، وجرينا على ظاهر المذهب الذي جعلناه قاعدة الفصل، فالمشتري لا يجيبه إلى ما يبغيه من قبض البعض؛ فإن هذا يفرّق الصفقة عليه في الحال.
وهل يُجعل توقف هذا الراجع في أخذ الكل تقصيراً منه مبطلاً لحق شفعته رأساً؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنا نجعل هذا التوقف -على قول الفور- مبطلاً لحقه من الشفعة؛ فإنه يتمكن في الحال من أخذ الجميع، فتركه ما هو متمكن منه لتوقع أمرٍ - مبطلٌ لحقه.
هذا اختيار ابن أبي هريرة.
والوجه الثاني - لا يبطل حقه، وينتصب ما أبداه من توقع استرداد ما يأخذ منه عذراً
في التأخير.
ثم محل عذره في حق صاحبيه ثلثا الشقص، والثلث منه يمتنع عليه أخذه
بسبب امتناع المشتري من تبعيض الصفقة عليه، فانتظم في الجميع عذرٌ في التأخير.
هذا مذهب أبي إسحاق المروزي.
فإن قلنا: بطلت شفعته بهذا التأخير، فهذا جريانٌ على ظاهر المذهب، فنجعل تقصيره بمثابة تصريحه بالعفو، وقد ذكرنا في تصريح بعض الشفعاء بالعفو عن نصيبه الأربعةَ الأوجه.
ونحن وإن كنا نجري مقصود كلّ فصلٍ على ظاهر المذهب، فنشير في الأثناء إلى ما سواه، حتى لا تنسل الوجوه البعيدة عن ذكر الناظر في الفصل وفكرِه.
ونعود بعد التنبيه إلى [الفصل] 1 فنقول: إن قلنا: بطلت شفعته بهذا التأخير، فإذا حضر صاحباه أخذا جميع الشقص، واقتسماه نصفين، على المذهب، ويخرج الأول من البين.
وإن قلنا: لم يبطل حق الأول، فإذا حضر صاحباه، فإن طلبا الشفعة، فإنهم يقتسمون الشقص بينهم بالسويّة، وإن عفا في الحضور بعضُهم، فقد مضى فيه الأوجه الأربعة.
4760 - ومما يتعلق بهذا الفصل أنه لو حضر الأول، وأخذ تمام الشقص، كما رسمناه، ثم حضر الثاني، وكان حقه أن يشاطر الأول، فلو قال: أنا أقنع بمقدار حقي، وهو ثلث الشقص، وأترك نصيب الغائب على الذي رجع أولاً؛ فإني لو أخذتُ النصف، لنقض عليَّ الثالثُ إذا عاد ثلث ما في يدي، فلست أرغبُ أن آخذ ما سيؤخذ مني، فإذا بقي على هذا التقدير الثلثان في يد الأول، وقبض الثلثَ، وبذل مقداره من الثمن، فإذا رجع الثالث، فقد قال ابن سريج: للثالث أن يقول للثاني: تركت ما تركت عافياً مُخلاً بحق نفسك، وجرى ذلك على الشيوع ولي مما في يدك الثلث، فيأخذ منه ثلث ما في يده، ثم يأتي إلى الأوّل ويقول: أضمُّ ما أخذتُه من الثاني إلى ما بقي في يدك، ونشترك فيه، ونقتسمه نصفين بيننا.
هذا هو الذي رآه ابن سريج.
وإذا أردنا تصحيحَ هذا الحساب طلبنا عدداً له ثلث ولثلثه ثلث، ثم أقله تسعة،
فنصرف ستة منها إلى الأول، وثلاثة إلى الثاني ثم ينتزع الثالث من يد الثاني واحداً فيضمه إلى الستة في يد الأوّل، فتصير سبعة، ثم السبعة لا تنقسم على اثنين، فتضرب اثنين في أصل المسألة، وهو تسعة فتصير ثمانية عشر، وقد كان للثاني من التسعة اثنان، فنضربهما في المضروب في المسألة فيرد علينا أربعة، وهي حصة الثاني، فتبقى أربعة عشر، تقسمه بين الأول والثالث، فلكل واحد منهما سبعة.
وإذا كان ربع الدار ثمانية عشر، فجملتها اثنان وسبعون، فهذا وجه القسمة عند ابن سريج.
قال القاضي: لما ترك الثاني على الأول سدساً، كان ذلك عفواً منه في بعض الحق، والشفيع إذا عفا عن بعض حقه، فإنا في ظاهر المذهب نُبطل جميع حقه، فيخرج منه أنه يسقط حق الثاني بالكلية.
ويقسم الشقص نصفين بين الأوّل والثالث.
وهذا الذي قاله متجه في قياس الشيوع.
وابن سريج بنى مذهبه الذي قدّمناه على تقدير العفو، وعليه قال: للثالث أن يقول للثاني: إن أسقطت حقك، لم يسقط حقي ممَّا في يدك.
وحقيقة هذه المسألة عندنا تبتني على الوجهين المقدّمين في أن الأول لو رجع وقال: لا آخذ إلا نصيبي، وأتوقف في نصيب صاحبي، فقوله هذا هل يكون تقصيراً منه مبطلاً لحقه؟ فإن جعلنا هذا تقصيراً، اتجه ما قاله القاضي من سقوط حق الثاني.
وإن قلنا: نعذر الأول في توقفه، ولا نجعل ذلك عفواً منه، فإذا قال الثاني: تركت عليك نصيب الثالث، فيكون معذوراً، ولا يكون ما صدر منه عفواً.
فعلى هذا لا يملك الثالث أن يحط نصيب الثاني من الثلث، ويرجع القول إلى اقتسامهم في آخر الأمر الشقص أثلاثاً بينهم 1. وهذا متجه حسن.
فانتظم إذاً في المسألة ثلاثة أوجه في حق الثاني: أحدها - مذهب ابن سريج.
والثاني - مذهب القاضي، والثالث - اقتسام الثلاثة [آخراً] 2 بالسوية أثلاثاً.
4761 - ومما فرعه العراقيون في أطراف المسألة أن الأول لو أخذ الكل كما رسمناه، ثم شاطره الثاني، ثم عاد الثالث، ولم يظفر إلا بأحدهما، فلو قال له:
لست أظفر إلا بك، ولا [فرق] 1 بيني وبينك، فأشاطرك فيما في يدك ثم [ننظر] 2 ما يكون، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين ذكروهما: أحدهما - له ذلك، وهو قياس أرشد إليه ما حكيناه من صيغة [قول الثالث] 3، فإن مبنى هذه المسألة على استواء الشفعاء آخراً، وبناء الأمر على ترك التبعيض على المشتري.
والوجه الثاني - أنه ليس له أن يأخذ ممّا ظفر به إلا الثلث؛ فإن باقي حقه في يد الآخر، فليس له مؤاخذة هذا الحاضر بما هو في يد غيره.
4762 - ومما يتعلق بتمام البيان في الفصل أن الأول لما أخذ جميع الشقص، فلو انتفع بما أخذه، وأخذ من ثمرة الأشجار، وغَلة 4 الأرض ما أخذ، فإذا رجع الثاني وشاطره، فإنه يشاركه في المنفعة من وقت المشاطرة، ولا يسترد منه شيئاًً مما أخذه؛ إذ 5 كان منفرداً.
والسبب أن الأوَّل لما أخذ الكل ملكه ملكاً محققاً، ولم نقل ملكه موقوف على [ما يبدو من عفو] 6 صاحبيه.
وكيف [يستأخر] 7 وقد بذل جملة الثمن، وزال ملك المشتري 8 عن الشقص.
ويستحيل أن يملك لصاحبيه من غير توكيلهما.
فإذا تحقق زوال ملك المشتري، ولم يكن الأول وكيلاً لصاحبيه، فلا طريق إلا الحكمُ بثبوت الملك للأول، ثم هو عرضة النقض ابتداءً وافتتاحاً في نصيب صاحبيه، وهذا يقتضي صرفَ المنفعة إليه في زمان الانفراد؛ إذ هو في حقهما بمثابة المشتري في حق الشفيع.
ثم لو انتفع المشتري قبل أن يتفق أخذُ الشفيع، فذاك الذي يأخذه غيرُ مسترد منه، ثم إذا جاء الثاني وشاطر، فإنه يشارك في شطر المنفعة من وقت المشاطرة، ثم الثالث
يشارك في ثلث المنفعة من وقت المثالثة.
هذا ترتيبٌ مجمع عليه، وهو يرشد إلى ثبوت الملك للأوّل في الجملة تحقيقاً، وكذلك القولُ في الثاني، ثم القرار على الأثلاث في آخر الأمر.
4763 - وممّا يتعلق بما نحن فيه أن الأول بذل الثمن للمشتري فعهدته عليه، والثاني يبذل شطر الثمن للأول، فعهدته على الأول، والثالث يبذل الثمن للأول، والثاني، فعهدته عليهما، وسنعيد هذا الفصل بعينه 1 في فصل العهد إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: "وكذلك لو أصابها هدم من السَّماء ... إلى آخره" 2.
4764 - نقل المزني عن الشافعي أن الدار إذا انهدمت بعد ثبوت حق الشفعة، فالشفيع يأخذ الكل بكل الثمن، ونقل الربيع أنه يأخذ الباقي بحصته من الثمن.
وقد اضطربت طرق الأصحاب، وأتى بها الباقون على خبطٍ لا يُجدي فائدة، ولا يوضح مقصوداً، والفصل يعترض فيه أمران: أحدهما - أن الدار إذا انهدمت، التحق النقض بالمنقولات، وأَخْذُ المنقول بالشفعة بعيد، ولكن جرى هذا بعد استحقاق الشفعة، فأثار تردّداً ويعترض في المسألة أيضاًً أن النقض إذا تلف، ولم نر أخْذَه، فالشفيع يأخذ العرصة، وما بقي من البناء بكل الثمن أو بقسطه؟ وهذا يُفضي إلى تردُّدٍ أيضاًً.
4765 - والوجه الاقتصار على طريقةٍ تحوي الغرض، وتشتمل على وجه البيان في الأطراف، فنقول: إن ارتجت الدار وتزلزلت، ولم تنهدم ولكن ظهر فيها فطور، وتكسّر، فهذا تعيّبٌ في الشقص المشفوع، ولا نقض، فالشفيع بالخيارِ إذا جرى ذلك في يد المشتري بين التَّرْك والأخذ بكل الثمن.
وهذا بمثابة ما لو تعيب المبيع في يد البائع، فالمشتري بالخيار بين إجازة العقد بجميع الثمن، وبين رد المبيع واسترداد جميع الثمن.
وإن سقط السقف أو [بعض] 1 الجدران على الأرض فلا يخلو النقض إمّا أن يكون قائماً أو تالفاً، فإن تلف النقضُ، فهذا يبتني على أصلٍ، وهو أن أجزاء البناء تجري من الدار مجرى الصفات، (2 أو تجرى مجرى الأعيان؟ وفيه جوابان ظاهران ذكرهما القاضي والأئمة: أحدهما - أنها تجري من الدار مجرى الصّفات 2)، وهي منها بمثابة الأطراف من العبد، ولو سقطت أطرافُ العبد في يد البائع، لم يُسقط من الثمن شيئاً، ولم يثبت للمشتري إلا الخِيَرةُ في الإجازة بالكل والفسخ، واسترداد الثمن.
هذا أحد الوجهين.
وهذا القائل يقول: إذا انهدمت الدار المبيعة، وتلف نقضها، أو بعضُ نقضها في يد البائع، فالمشتري بالخيار بين الرد والإجازة بجميع الثمن، كما ذكرناه في أطراف العبد، فعلى هذا نقول في مسألتنا: يأخذ الشفيع بكل الثمن إن شاء، فإن أحب أعرض.
والوجه الثاني - أن أجزاء البناء تجري مجرى الأعيان المقصودة حتى، إذا انهدمت الدار في يد البائع، وفات النقض، جعلنا فوات النقض بمثابة تلف أحد العبدين قبل القبض، إذا كان المشتري اشترى عبدين، فتلف أحدهما؛ فإنه يأخذ العرصة 3 بحصتها من المسمى في ظاهر المذهب، كما فصلنا ذلك في تفريع تفريق الصفقة، والغرض إلحاق أجزاء البناء بأحد العبدَيْن، والثوبين، كما ذكرناه.
فعلى هذا يأخذ الشفيع العرصةَ بحصتها من الثمن، كما لو اشتملت الصَّفقةُ على شقص وسيف، فالشفيع يأخذ الشقص بقسط من الثمن.
هذا كله إذا كان النقض فائتاً.
4766 - فأما إذا كان النقض قائماً، فهل للشفيع أخذ النقض؟ فعلى وجهين، أو قولين؛ أخذاً للتردد من النَّصيْن: أحدهما- لا يأخذ النقض؛ لأنه منقولٌ ولا يُستحق المنقول بالشفعة.
والثاني- أنه يأخذه؛ فإن ذلك جرى بعد تعلّق الشفعة، وتأكدها، فصار كما لو2
أخذ الشقص بالشفعة، ثم فرض الانهدام، وليس هذا كالشقص والسيف إذا اشتمل العقد عليهما؛ فإن الشفعة لم تتعلق إلا بالشقص وحده.
التفريع:
4767 - إن حكمنا بأن الشفيع يستحق النقضَ، رجع الكلام إلى التعيب بالانهدام، وقد فصلناه، فنقول للشفيع: إن أردتَ الأخذَ، فخذ العرصة والنقضَ بتمام الثمن، وإلا، فأعرض.
وإن قلنا: يخرج النقض عن الاستحقاق، فإن جعلنا أجزاء البناء بمثابة أحد العبديْن، أخذ الشفيع العرصة، وما بقي ثابتاً من البناء بقسطه من الثمن، وإن لم نجعل أجزاء البناء بمثابة أحد العبدين، بل جعلناها أوصافاً، فإذا قطعنا استحقاق الشفيع عن النقض، وبقَّيناه على ملك المشتري، فهل يأخذ الشفيع ما بقي بقسطه، أو يأخذ بالتمام؟ فعلى وجهين: أحدهما -وهو ظاهر القياس- أنه يأخذ بالتمام؛ فإنا نفرع على أن أجزاء البناء صفةٌ.
والثاني - أنه يأخذ بالقسط.
وإن فرعنا على أن البناء صفاتٌ، والسَّبب فيه أنا نُبقي النقضَ -وقد كان من الدار- ملكاًً للمشتري، فيبعد أن يبقى في يده ما هو مملوك، ويغرم الشفيع تمامَ الثمن.
ورب قولٍ يعسر طردُ قياسه لأمر يعترض.
وهذا من ذاك، فليفهم الناظر، وليفرق بين بقاء النقض للمشتري وبين تلفه بآفة سماوية.
والقائل الأول يُلحق النقضَ وقد بقي للمشتري بالثمار، والزوائد التي يستفيدها المشتري قبل قبض الشفيع.
ولو تلف النقض بإتلاف أجنبي، فإن قلنا: النقضُ حق الشفيع غرِم المتلف قيمةَ النقض، وأخذ الشقصَ بتمام الثمن.
وإن قلنا: للمشتري النقضُ، فقيمة النقض على المتلف للمشتري.
وهل يأخذ الشفيع ما بقي بتمام الثمن، أو يأخذه بقسطه؟ فعلى التردد الذي ذكرناه في بقاء النقض، مع البناء على أصلين: أحدهما - أن الشفيع لا يستحق النقضَ، والثاني - أن الأجزاء صفاتٌ، وليست أعياناً في تقدير العقد.
ومن قال مع هذين الأصلين بالرجوع إلى التفصيل، فهذا يُناظر أصلاً ذكرناه لابن
سريج، وذلك أنه قال: إذا رأينا مقابلةَ أطراف العبد بالمقدَّرات نضطر إلى نقض هذا الأصل فيه، إذا قطع المشتري يدي العبد؛ فإنا لو جعلناه قابضاً لجميع العبد، والعبد [بعدُ] 1 في يد البائع، لكان ذلك محالاً، فيرجع في هذا التفريع إلى قول اعتبار النقصان.
كذلك يبعد أن يبقى النقضُ ملكاً للمشتري، ويغرَم له الشفيع تمام الثمن، فيرجع هذا القائل لهذه الاستحالة من قول الصفة إلى قول الجزء في هذه الصورة المخصوصة.
وهذا نجاز الفصل بجميع ما فيه.
فصل
قال: "ولو قاسم، وبنى، قيل للشفيع: إن شئت، فخذ بالثمن وقيمة
البناء ... إلى آخره" 2.
4768 - المشتري إذا بنى بعد جريان القسمة، أو غرس، ثم جاء الشفيع، وطلب الشفعة، فإنه لا ننقض غِراسه وبناءه مجاناً، خلافاً لأبي حنيفة 3.
ومعتمد المذهب أن المشتري بنى وله البناء، وصادف تصرفُه ملكَه، فكان بناؤه محترماً، والبناء المحترم لا يُحبط على الباني.
ثم تفصيل المذهب في البناء والغراس، كتفصيل المذهب فيهما إذا صدرا من المستعير في الأرض المستعارة، ثم للمعير أن يرجع في العاريّة.
وقد تقصَّينا هذا على أحسن مساقٍ في كتاب العواري، وأوضحنا أن مالك الأرض يتخير بين ثلاث خلال: إحداها - أن يقوّم عليه البناء والغراس.
والثانية - أن يبقيها ويُلزمَ المستعيرَ أجر المثل في مستقبل الزمان.
والثالثة - أن ينقضها ويغرَم ما ينقُصه النقضُ، فالشفيع مع المشتري في تفصيل هذه الخلال، بمثابة المعير مع المستعير.
وقد ذكرنا أن المستعير لو زرع الأرض المستعارة بإذنٍ، لم يقلع زرعُه في أصْل المذهب، وأشرنا إلى تردُّدٍ في أنه إذا رجع عن العاريّة هل يغرَم المستعير أجر المثل في بقية المدة؟ والذي قطع به أئمتنا أن المشتري إذا زرع الأرض، ثم أخذ الشفيعُ الشقصَ، فلا شك أن زرعه لا يقلع، ولا يلزمه الأجرة؛ فإنه كان تصرف في ملكه، وليس كالمستعير مع المعير؛ فإن انتفاع المستعير كان يعتمد إباحةَ المعير، وقد انقطعت بالرجوع.
وألحق الأئمةُ سقوطَ الأجر في الزرع عن المشتري بما لو باع الرجل أرضاً مزروعة، فإذا صححنا البيع، فليس على بائع الأرض أجرُ الأرض من وقت البيع إلى الحصد.
وفي كلام صاحب التقريب ما يدل على إلحاق المشتري 1 بالمستعير في أجرة الأرض المزروعة.
وهذا غير بعيد في القياس، وإن كان بعيداً في النقل؛ وذلك أن المشتري زرع الأرضَ، والشفعةُ متعلقة بها، بخلاف من زرع أرضه الخالصة، ثم باعها؛ فإنه لم يكن على بائع الأرض في وقت الزرع استحقاق.
وهذا بيّن من هذا الوجه.
4769 - ثم إن المزني لما نقل من نص الشافعي البناء والغراس، أخذ يعترض ويقول: هذه المسألة لا تتصور على مذهب الشافعي؛ لأن المشتري لو بنى قبل القسمة، فهو متعدٍّ غاصب، لأنه بنى في ملك الغير، فيقلع عليه مجاناً، وإن فرض البناء بعد القسمة، فالقسمة والمفاصلة تُبطل الشفعة، فكيف ينتظم بقاء الشفعة مع جريان البناء والغراس بعد القسمة 2.
فقال الأصحاب: يمكن تصوير القسمةِ من وجوه، مع بقاء الشفعة، فمنها: إذا قيل للشفيع: اشترى فلانٌ الشقص بألف، فرغب الشريك عن طلب الشفعة، ورأى الثمنَ فوق المقدار الذي هو ثمن المثل، فلو قاسم المشتري، ثم بان أنه كان اشترى الشقصَ بخمسمائة، فللشفيع حقُّ الشفعة، وتلك القسمةُ لا تُبطل الشفعةَ؛ لأنه أقدم
عليها على تقدير زيادةٍ في الثمن، وقد بان الأمر بخلاف ما قدّر.
ومما ذكره الأصحاب في وجوه القسمة، أن الشريك إذا رأى الشقصَ في يد إنسان، فقال: اتَّهبتُه، وصدَّقه، وقاسمه، ثم بان أنه اشتراه، فالشفعة ثابتة، والقسمة صحيحةٌ.
ومن الوجوه ما لو غاب عن البلد، ووكّل من يقاسم شريكَه، ومن 1 يشتري من شريكه، فقاسم وكيلُه، صحت القسمةُ، وله الشفعة إذا رجع، والإذن في المقاسمة لو وقع بعد ثبوت الشفعة والعلم بها، لكان مبطلاً للشفعة، ولكن إذا تقدم التوكيل بالمقاسمة على جريان البيع، كان لتصحيح الوكالة وجه على رأي من يرى تعليقها.
والشفعة لا تسقط؛ فإن الإذن تقدَّم على ثبوتها.
ولو علق الشريك العفوَ عن الشفعة بوجود الشراء قبل وجوده، لم ينفذ العفو عند وجوده.
ومن الوجوه أن يرفع المشتري [العقدَ] 2 إلى مجلس الحاكم، ولا تبين حقيقة الحال، ويقول: هذه الدار مشتركة بيني وبين غائب، وأنا أريد القسمة، فعلى الحاكم أن ينصب قيّماً عن الغائب، ليقاسمه، وليس على القاضي طلبُ الشفعة له، لأنه استحداث تملك، فلا يليه على غائب.
ومما ذكره الأصحاب أن المشتري لو وكل البائع بالمقاسمة، ولم يشعر الشريك بحق الشفعة، فقاسمه البائع على تقدير أنه باقٍ على [حقيقة] 3 ملكه، ثم بان له حقيقة الحال ثبتت الشفعة.
فهذه وجوه صوّرها الأصحاب في القسمة، وقضَوْا بأن الشفعة تبقى معها.
وبحقٍّ تمارى 4 المزني في تصوير المسألة.
والذي نراه أن كلَّ قسمة تولاها الشريك، أو وكيلٌ من جهته، وبناها على عدم العلم بالشفعة، فتلك القسمة صحيحة، وعدم علم المالك بثبوت حقٍّ له لا يتضمن ردَّ تصرفٍ أنشأه على اختيارٍ، وهو نافذ التصرف، والإشكالُ في ثبوت الشفعة مع صحة المقاسمة، فإن المقاسمة قاطعةٌ لعلة الشفعة، وكل ما قطع مقتضى الشفعة قبل التملك بها يقطعها، ولهذا كانت الشفعة عرضةَ السقوط على قول الفور بتأخير لحظة.
ومعتمد الأصحاب في الشفعة مختلَفٌ فيه، فمنهم من اعتبر مؤنةَ المقاسمة وإفرازَ المرافق، وقد انفصل الأمر بوقوع القسمة، ومنهم من اعتبر المداخلة والتضييق، وقد زال هذا المعنى بصحة القسمة.
وإذا كانت الشفعة تسقط بالرضا بالضرر، فتسقط بانقطاع الضرر.
4770 - والذي نحققه أن الشفيع يأخذ ملكاً مجاوراً أو شائعاً، فإن كان يأخذ ملكاًً مجاوراً، فهذا بعيد عن مذهب الشافعي، وإن كان يأخذ ملكاً مشاعاً، فلا قسمة إذاً، والبناء تبين وقوعُه في مشاع، فيجب منه سقوطُ حرمته، وليس كالمستعير؛ فإنه يغرس بإذن المالك على بصيرةٍ، وهاهنا لم يجر إذنٌ في البناء، وإنما جرت مقاسمة، فإن صحت، فلاَ شفعةَ بعدهَا، وإن بطلت، لم تقتض جوازَ البناء.
وأقصى الإمكان في ذلك أن نجعل جريان القسمة مع الحكم بالصحة، بمثابة زوال ملك الشفيع عن الشرك القديم، وهو غير عالم بثبوت الشفعة، وقد ذكرنا قولين في ذلك، ولعلنا نعود إليهما من بعدُ، والجملة في ذلك أن الشفعة عمادُها ملكُ الشفيع، والشيوعُ، ثم في بقاء الشفعة مع زوال الملك قولان، فيجب إجراء القولين في زوال الشركة.
وهذا بمثابة اختلاف القول في أن الأمَة إذا عتقت تحت زوجها العبد، ثم لم تشعر حتى عَتَق الزوجُ، ففي بقاء خيارها قولان.
ويلتحق بهذا الفن زوال العيب القديم في يد المشتري، قبل بطلان حقه من الرد.
ولو قلنا: القياس في هذه الأصول تغير الأحكام بهذه الطوارىء، لم يكن قولنا هذا
بعيداً؛ فإن ما ينافي في أصل وضعه ثبوتَ شيءٍ ودوامَه على علمٍ، فوقوعه على الجهل كوقوعه على العلم.
هذا منتهى النظر في ذلك.
4771 - وفي النفس بعدُ بقيةٌ، فلعل الشافعي يرى دوام الشفعة إذا انتهى الشيوع إلى الجوار على صفة الغرور، وقطعُه بهذا مع قطع الأصحاب بعد المزني يُشعر به، فإن كان هذا مذهباً، اعتقدناه، واتبعناه، وانتظم من أصلنا أن الشفعة تبقى مع زوال الشيوع، إذا كان زوالها على الوجوه التي ذكرناها، ويبقى معه أن الضابطين وأصحاب الاستثناء، لم يصرحوا بهذا وأبهموه، والرأي وراء ذلك مشترك؛ فإن سنح لأحد بعدنا أمرٌ، فليلحقه بالكتاب.
وما ذكره الأصحاب من قسمة القاضي، ففيها نظر عندنا، ولسنا نؤثر الخوض فيها الآن؛ فإنها من أحكام القضاة.
ونحن نستوفق الله تعالى، وننتهي من أحكامهم إلى مبالغ لم نسبق إليها.
وغرضُ الفصل يتم بما [سلّفناه] 1 من القسم في الأمثلة السابقة.
فصل
قال: "ولو كان الشقص في النخل فزادت ... إلى آخره" 2.
4772 - الزيادات الحادثة في يد المشتري تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها - الزياداتُ المتصلة: ككبر الوديِّ 3 وسوق 4 النخيل، فلا أثر لها، والشفيع يأخذ الأصول معها، ولا يلتزم للمشتري بسببها مزيداً، وإن كانت الزيادات حاصلة بتنمية المشتري وتعهده.
والقسم الثاني - زيادة منفصلة تخلصُ للمشتري، وهي كالثمار تحدث في يد
المشتري فيجُدُّها أو يؤبّرها، ثم يبتدىء الشفيع طلبَ الشفعة، فتيك الثمار تبقى للمشتري.
وإن كانت موجودة حالة العقد، لم يتعلق بها استحاق الشفيع، إذا كانت بارزة مُؤبرة مُدْخلة في العقد بالتسمية؛ فإنها إذا كانت كذلك، التحقت بالمنقولات، ولو كانت غير مؤبرة حالةَ العقد، وقد دخلت تحت مطلق تسمية المبيع، ثم أبرت، انقطع عنها حقُّ الشفيع 1، إذا جرى التأبير قبل أخذه.
وفي هذا بقية سنوضحها آخر الفصل، إن شاء الله تعالى.
والقسم الثالث - زيادة اختلف القول فيها، وهي الثمرة قبل التأبير، فإذا ظهرت الثمرةُ في يد المشتري، ولم تؤبر، حتى أخذ الشفيع المشفوعَ، فالمنصوص عليه في الجديد أن الثمار للمشتري، لا حظ للشفيع فيها، كما إذا أبرت.
وقال في القديم: هي للشفيع على سبيل التبع 2.
وهذان القولان يجريان في المشتري إذا أفلس، وقد أطلعت النخيل المشتراة، ولم تؤبر، فالبائع هل يرجع في الثمرة أو تخلصُ للمشتري وغرمائِه؟ فعلى قولين.
ولو أطلعت النخيل الموهوبة، ولم يؤبر الطلع، وقد تلف الإطلاع في يد المتهب، فعلى [هذين القولين] 3.
وإذا ردّ المشتري النخيل بعد أن أطلعت في يده، فهل يبقى الطلع للمشتري أو يرده مع الأصل؟ فعلى قولين.
4773 - ومما يجب التنبه له أن الثمار لو كانت موجودة على النخيل حالة العقد، وبقيت غير مؤبرة، فأفلس المشتري، فالبائع يرجع في الثمار قولاً واحداً، رجوعَه في النخيل، وكذلك القول فيه إذا كانت الثمار موجودةً حالة الهبة، ودامت إلى وقت الرجوع، وكذلك لو فرضت موجودةً في البيع، ودامت إلى وقت الردّ.
ولو كانت الثمار موجودة حالة البيع، ودامت غيرَ مؤبرة، ففي أخذ الشفيع لها
قولان، لا يختلف التفريع بأن تحدث بعد الشراء، أو توجد عند الشراء وحالة الأخذ.
وذلك أن الشفعة تنافي استحقاقَ المنقولات، وهذا لا يختلف بأن يكون موجوداً حالة العقد، أو حدث بعده.
فإن التحقت الثمار 1 بالزوائد المتصلة، أخذها الشفيع (2 كيف فرضت، حادثةً أو مقارنةً للعقد، وإن لم نر إلحاقها بزوائد الشجرة المتصلة، فلا يأخذها الشفيع 2)، ولا يختلف الأمر بأن تكون موجودة حالة العقد أو تحدث من بعد.
ولهذا قلنا: الثمار إذا كانت موجودة مؤبرة حالة العقد كذلك، وأدرجت في البيع ذِكْراً، فالشفيع لا يأخذها.
4774 - وقد يخطر للفقيه أنا إذا رأينا أخذ النقض بالشفعة، فيكون التأبير بعد العقد بمثابة انتقاض البناء، وهذا لا ينبني عليه حقائق الفقه؛ فإن الثمار إلى التابير تصير.
فإن لم يتفق أخْذ المشفوع حتى أُبّرت، فقد تبينا أنها، لم تستحق بالشفعة، وهذه قضية لا تخفى على الفقيه، ولا يضر التنبيه عليها، والثمار لو كانت هي المبيعة في الإفلاس، لثبت الرجوع فيها، فيختلف الترتيب بأن تكون موجودة حالة العقد، أو تحدث بعدها والثمار قبل التأبير تدخل تحت مُطلق تسمية الشجر، إذا ثبتت الأشجار مثمنات أو أعواضاً، فيستتبع الشجرُ الثمرَ قبل التأبير في البيع، والصداق، وإذا أثبتت أجرةً، وكذلك القول في الهبة وإن كانت عريّةً عن العوض.
4775 - فإن قيل: قطعتم بالاستتباع في ابتداء هذه العقود، وردّدتم القولَ في الرجوع من البائع في حق المفلس، ومن الواهب، وكذلك في الردود، قلنا: لعل الفرق أن إنشاء التملّك بالتراضي اختيارُ قطع العلائق عن الأحوال، فقوي، واستتبع.
والفسوخ والردود أمورٌ تنشأ قهراً، والرهن لما ضعف عن إفادة الملك، كان في استتباع النخيل الثمارَ التي لم تؤبر اختلافُ قولٍ، كما تقدم، ولا نطنب في هذه التفاصيل، فقد وضحت في مواضعها، وإنما قدرُ غرضنا ذكر ما يتعلق بالشفعة، وقد بان على ما ينبغي.2
فصل
قال: "ولا شفعة في بئرٍ لا بياض لها، لا تحتمل القسمة ... إلى آخره" 1.
4776 - تفصيل القول في بيع شقص من بئر: أنها إن كانت واسعةَ القعر فسيحة المقر، بحيث يمكن أن يتخذ منها بئران، وكان فيها عيون يتأتى وقوع قدرِ الكفاية في كل قسم، فإذا بيع شقصٌ من مثل هذه البئر، ثبتت الشفعة للشريك؛ من جهة احتمالها للقسمة.
وإن ضاقت البئر عن احتمال ما ذكرناه من القسمة، ولم يتأت اتخاذ بئرين منها، فإذا بيع شقص منها، فظاهر المذهب أن الشفعة لا تثبت للشريك.
وفيه تخريج ابن سريج، وقد قدّمنا ذلك في صدر الكتاب.
فإن رأينا إثبات الشفعة فيما لا ينقسم، فلا كلام، وإن لم نر إثبات الشفعة فيما لا ينقسم، فقد قسّم الأصحاب القول في ذلك على وجهين: فقال قائلون: إن لم تكن للبئر حريم، وكانت غيرَ منقسمة، فلا شفعة إذا اشترطنا كونَ المشترك قابلاً للقسمة.
وإن كان للبئر حريم واسع، يقبل القسمة، فهل تثبت الشفعة في البئر تبعاًً للحريم؟ فوجهان: أحدهما - تثبت تبعاًً، كما تثبت الشفعة فى الأشجار؛ تبعاًً للمغارس والأرض.
والثاني - لا تثبت بخلاف الأشجار؛ فإنها متصلة بالشقص في محل الشفعة، بخلاف البئر؛ فإنها مباينة عن الحريم، إذ هي بقعة أخرى، فلم تتبع الحريم.
ولفظ الحريم أطلقه القاضي وغيرُه، وفيه استبهام عندي، فإن أريد به ما يتصل برأس البئر، مما يجب أن يصان لتبقى البئر مصونةً 2 كما [سأستقصي] 3 القول في حريم الأملاك في إحياء الموات، إن شاء الله عز وجل.
فالحريم لا يكاد يوصف بالملك إلا على تفصيلٍ، واتباع البئر الحريمَ، وإن كان مملوكاً بعيدٌ؛ فإن البئر هي الأصل، والحريم تبع، فليس في الحريم على هذا التفسير ما يقتضي استتباعَ البئر.
وصرح بعض أصحابنا بأمرٍ مفهوم في نفسه، فقالوا: إن كانت البئر تسقي مزراعَ، وكانت تيك المزارع قابلةً للقسمة، فإذا بيع قسطٌ منها مع جزء من البئر، ففي ثبوت الشفعة في البئر -على قولنا الصحيح، وهو اشتراط قبول الانقسام- وجهان: أحدهما - لا تثبت الشفعة؛ فإن البئر غيرُ منقسمة.
والثاني - أنها تثبت تبعاًً للمزارع المنقسمة، وتوجيه الوجهين ما تقدم.
والذين أطلقوا الحريم أرادوا به ما صرح به هؤلاء، من ذكر المزارع، وإنما وقع كلام الشافعي على الآبار التي تسقي النواضحُ منها المزارعَ، ثم تيك المزارع تنسب إلى البئر، والبئر تنسب إليها، فإذاً ليس المراد بالحريم ما يتصل بحافات البئر، وإنما المراد ما تسقيه البئر.
4777 - ثم اختلفت عبارة الأئمة فيما يحتمل القسمة، فقال الشيخ القفال، وطبقة من المحققين: المنقسم هو الذي يمكن الانتفاع [بأفراد] 1 الحصص المفروزة من الجنس الذي كان ينتفع [به] 2 قبل الإفراز: فإن كانت مزرعة أمكنت الزراعة في كل حصة، وإن كانت داراً مسكونة أمكنت السكنى، فيخرج مما ذكرناه الحمام الصغير الذي لو قسم، لم يتأت من كل قسم حمّام.
وكذلك ما في معناه.
ومن أصحابنا من قال: إذا كانت الحصة المفرزة بحيث يمكن الانتفاع بها بوجهٍ من الوجوه، كفى ذلك في الحُكم بكون الملك المشترك قابلاً للقسمة، وإن لم يمكن الانتفاع بالحصة من جنس الانتفاع بالجملة المشتركة.
ومن أصحابنا من قال: إن كانت القيمة 3 تنتقص بالقسمة انتقاصاً متفاحشاً، فهو
غير محتملٍ للقسمة.
وإن كان لا ينتقص انتقاصاً متفاحشاً، فهو محتمل للقسمة.
فأما الحمّام، فإن كان كبيراً يمكن أن يُتخذ منه حمامان، فهو محتمِل للقسمة على المذهبين الأولين.
فإن كان لا يتفاحش نقصان القيمة، ارتفع الخلاف، وإن كان صغيراً لا يمكن اتخاذ حمامين منه، لكن لو [أفرز] 1، لصلح كل نصيب لمنفعة أخرى كالسكنى، واتخاذ المخازن، وغيرها، فهو على طريقة القفال غير قابلٍ للقسمة، وعلى طريقة الآخرين هو قابل للقسمة، ومن يرعى القيمة يتّبعها.
4778 - ومما نذكره الطاحونة، فإن كان يمكن أن يتخذ فيه حَجَران دائران تثبت فيها الشفعة، وإلا فعلى الخلاف الذي ذكرناه، ولو لم يكن في الطاحونة الكبيرة إلا حجر واحد وأمكن نصب حجرين، فهو مما ينقسم على المذهب، ثم الكلام في دخول الحجر الأعلى والأسفل تحت مطلق البيع مما سبق في موضعه على الاستقصاء.
وإنما قصدتُ بذلك التنبيهَ على أن المعتبرَ إمكانُ نصب الحجرين، لا ثبوتهما.
والدار إذا قسمت، فقد تمس الحاجة، إلى إفراد كل حصة بمرافق تُستحدث لها، ثم مسيس الحاجة إلى ذلك لا يخرجها عن كونها قابلةً للقسمة.
فرع:
4779 - إذا كان بين رجلين دار مشتركة، لكل واحدٍ منهما نصفها، فبنى أحدُهما على السقف حجرةً، بإذن شريكه وإعارته إياه، أو بأن يعقد عقداً يستحق به ذلك.
قال الشيخ: تثبت الشفعة لشريكه في نصف الدار إذا بيع، ولا تثبت الشفعة في الحجرة؛ فإنه ليس لشريكه في الحجرة شرك أصلاً، بل البائع ينفرد بالحجرة ولا شفعة، فيها.
وكذلك إذا كان بين رجلين أرض مشتركة، ولأحدهما فيها أشجار انفرد بها، فإذا باع شقصَه من الأرض، وباع معه الأشجارَ، فلا شفعة في الأشجار، كما قدمناه.
قال الشيخ: هذا ما علقته عن القفال.
ثم عُرِضت عليه المسألة، فقال 2: ينبغي أن تثبت الشفعة في الحجرة والنخيل التي انفرد بها البائع، وإن لم يكن للشريك فيها
شرك؛ فإن الحجرة متصلة بالدار المشتركة اتصالاً لو بيعت الدار مطلقاً، لتبعها العلو، وكل ما ينسب إلى الدار.
فإذا تحقق هذا الضرب من الاتصال، تثبت الشفعة؛ فإنه فوق اتصال الجوار.
وهذا ليس بشيء، والصحيح ما قدمناه أولاً؛ فإن الشفعة عند الشافعي رضي الله عنه لا تثبت إلا في مشترك.
فرع:
4780 - أصول الأشجار تتبع الأراضي في الشفعة؛ لأنها ثوابت، فتبعت الأرض، وبمثله لو باع مبقلة وفي الأرض أصول البقل، وكانت تخلّف، وينبت منها ما ينبت، وتُجَز، ثم تعود فتخلّف، فقد قال الشيخ أبو علي: إنها بمثابة الأشجار في الاستحقاق بالشفعة.
وهذا فيه نظر، ولم أره إلا للشيخ رضي الله عنه.
فصل
قال: "فأما الطريق التي لا تُملك، فلا شفعة فيها ... إلى آخره" 1.
4781 - الممر الشائع 2 الذي لا اختصاص فيه لا حُكم للاشتراك فيه في اقتضاء الشفعة؛ فإن الشارع غيرُ مملوك؛ فلا يتصور ورود عقد عليه، فإذا بيع ملكٌ يُفضي إلى الشارع أو يُفضي الشارع إليه، فلا يثبت للمشارك في الممر شفعةٌ في الدّار المبيعة، التي بابها لافظٌ في الشارع.
وهذا لا إشكال فيه.
والسكة المنفتحة في الأسفل شارعٌ، فأما السكة المنسدة، فَعَرْصَتُها، أو ساحتها ملك لسكان السكة، فإن فرض بيعُ دارٍ، فليس للمشتركين في عرصة السكة حق الشفعة في الدار التي بيعت؛ إذ لا شركة في الدار.
وأما السكة في نفسها، فملكٌ من الأملاك، فالذي يقتضيه قياس الأصول أن يقال: إن كانت قابلةً للقسمة تثبت الشفعة فيها، وإن لم تكن قابلة للقسمة، فلا شفعة فيها، على ظاهر المذهب.
ثم الصحيح في اعتبار ما يقبل القسمة ما ذكره القفال، فإذا قلنا: السكة قابلة للقسمة عنينا بذلك أنها لو أفرزت، كانت كلُّ حصة بحيث يتأتى اتخاذها ممراً، فهذا هو القابل للقسمة على الطريقة المشهورة.
وإذا ثبت هذا، فمعلوم أن من باع داراً دخل تحت مطلق بيعها ممرُّها من السكة، فلو أثبتنا للشركاء في عرصة السكة حقَّ أخذ حصة الدار المبيعة من عرصة السكة، فهذا يقتضي أن يستحقوا على المشتري الممر الثابت للدار المشتراة، وإذا كان كذلك، فكيف السبيل فيه؟
فصّل الأصحاب هذا أولاً، فقالوا: إن كان المشتري يتمكن من أن يتخذ للدار المشتراة ممراً من جانب آخر يدخل منه ملكَه، فالشفعة ثابتةٌ في الممر على قياس الأصول.
وإن كان لا يتأتى للدار ممرٌّ إلا في هذه الجهة، [فلا] 1.
4782 - وقد عبر الأئمة من أوجه وراء ذلك عن المقصود، فقال قائلون: في ثبوت الشفعة أوجهٌ: أحدُها- أن الشفعة تثبت جرياً على الأصول، ثم يمتنع على المشتري الممرُّ، ولا مبالاة بهذا.
[إذا] 2 أفضى القياس إليه؛ فإن المتبع الدليل.
والوجه الثاني - لا تثبت الشفعة؛ لأن في إثباتها إلحاق ضرر عظيم بمشتري الدار، وهو قطع ممرها، والشفعة أُثبتت في أصلها على دفع الضرر، فيستحيل أن تثبت على وجه يتضمن إلحاق الضرر بغير الشفيع؛ فإن الضرر لا يُزال بالضرر.
والوجه الثالث - أنه يقال للشفيع: إن كنت تُمكِّنُه من المرور، فلك الشفعة، وله حق المرور، وإن كنت تمنعه من المرور، فلا شفعة لك.
وهذا الوجه مختل؛ فإن تخيير الشفيع في هذا غيرُ معقول، فإنا 3 إذا كنا نثبت له أخذ ما اندرج تحت البيع من عرصة السكة، فلا يخلو إما أن نوجب للمشتري حقَّ المرور من غير خِيَرة، أو لا نوجب ذلك، فإن كنا نوجب للمشتري حقَّ المرور، فلا يعبر عن هذا بما ذكره