فإن شهد (للوكيل) 1 بالوكالة (ابنا) 2 الموكل، أو أبواه.
فقد قال بعض أصحابنا: لا تثبت الوكالة.
قال الشيخ أبو نصر -رحمه اللَّه-: (فيه) 3 نظر، لأن هذه الوكالة تثبت بقول الموكل، (فتثبت بشهادة) 4 القريب عليه، كالإقرار.
فإن ادعى المكاتب الوكالة، فشهد له سيده، أو (ابنا) 5 سيده، أو أبواه، لم يقبل.
فإن عتق المكاتب، (فأعادوا) 6 الشهادة، ففيه قولان:
أحدهما: (لا تقبل) 7.
والثاني: تقبل 8.
فإن ثبت وكالة رجل عند الحاكم، فادعى الخصم، أن موكله قد عزله، وأنه يعلم ذلك، وسأل يمينه، حلف أنه لا يعلم.
وإن ادعى أن موكله قد أبرأه من الحق، أو قضاه ولم يدع (علم
الوكيل بذلك) 1 (لم تسمع) 2 دعواه، (ويقال له) 3: ادفع الحق واليمين موقوفة على حضور الموكل، فإن ادعى علم الوكيل بذلك، سمعت دعواه، وحلف الوكيل، وبه قال زفر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يحلف.
فإن وكله في شراء عبد، فاشتراه، ثم اختلفا، فقال الوكيل: اشتريته بألف وقال الموكل: بل بخمسمائة، كان ذلك على القولين، إذا اختلف الوكيل، والموكل في التصرف، لأنه إثبات لحق البائع على الموكل.
وقال أبو حنيفة: إن كان الشراء في الذمة، فالقول قول الموكل، وإن كان قد اشترى بمال (الموكل) 4 فالقول قول الوكيل.
فإن كان عليه دين لرجل فجاء رجل وادعى أنه وكيل صاحب الدين في قبضه وصدقه، جاز له الدفع إليه، ولا يجب عليه الدفع إليه.
وقال المزني رحمه اللَّه: يجب عليه الدفع إليه 5، وهو قول أبي حنيفة، وله في تسليم العين إليه روايتان:
فإن دفع إليه، ثم حضر الموكل، وأنكر التوكيل، فالقول: قوله مع
يمينه 1، فإن كان الحق دينًا فله أن يطالب به الدافع 2. وليس له أن يطالب القابض في أصح الوجهين 3.
والثاني: له ذلك، وهو قول أبي إسحاق 4.
فإن جاء إليه رجل فقال: قد (أحالني) 5 عليك فلان بما له عليك من الحق، فصدقه وجب التسليم إليه في إحد الوجهين، كما لو ادعى أنه وارثه، فصدقه.
والثاني: لا يلزمه 6.
وإن كذبه في المسائل كلها، لم يلزمه الدفع إليه، وهل يحلف له؟ (يبني) 1 على وجوب الدفع إليه عند التصديق 2.
فإن أمر عبده بعقد، ثم أعتقه (أو باعه) 3، انعزل في أحد الوجهين 4.
والثاني: لا ينعزل 5.
وإن وكل عبد غيره (بإذن) 6 سيده في عقد فأعتقه مولاه، فعلى ما ذكرناه من الوجهين.
ومن أصحابنا من قال: لا ينعزل وجهًا واحدًا.
فإن وكله في بيع (عين) 7 فتعدى فيها بأن كان ثوبًا فلبسه، ففيه وجهان:
أحدهما: أن وكالته تبطل 1.
وإن جن الموكل زمانًا يسيرًا ثم أفاق، بطلت الوكالة.
وحكى عن أبي العباس بن سريج: أنها لا تبطل.
فإن عزل الوكيل، ولم يعلم بالعزل، لم ينعزل في أحد القولين 2، وهو قول أبي حنيفة.
والوكيل أمين فيما (يتلف) 1 في يده 2.
وحكي عن أبي علي الطبري: أن الوكيل إذا كان (بجعل) 3 يجري مجرى الأجير المشترك، وليس بشيء.
فإن وكله في بيع سلعة، فباعها، وقبض الثمن (وتلف) 4 في يده من غير تفريط واستحق المبيع، رجع المشتري بالثمن على الموكل 5.
وقال أبو حنيفة: يرجع (بالعهدة) 6 على الوكيل.
فإن وكل وكيلين في تصرف (ثم) 7 عزل أحدهما لا بعينه، لم يجز لواحد منهما أن يتصرف في أصح الوجهين.
والثاني: أنه يجوز لكل واحد منهما أن يتصرف ما لم يعين المعزول.
وللوكيل أن يعزل نفسه بعد الشروع في الخصومة وقبله في حضور الموكل وغيبته 8.
وقال مالك: إن كان على الموكل ضرر في عزل نفسه، لم يجز له أن يعزل نفسه إلا بحضرته.
وقال أبو حنيفة: إذا كان قد شرع في الخصومة، لم يجز له أن يعزل نفسه من غير حضوره 1. = وجملته: أن الوكالة عقد جائز من الطرفين، فللموكل عزل وكيله متى شاء، وللوكيل عزل نفسه، لأنه أذن في التصرف، فكان لكل واحد منهما إبطاله، كما لو أذن في أكل طعامه - وتبطل أيضًا بموت أحدهما أيهما كان، وجنونه المطبق، ولا خلاف في هذا كله فيما نعلم، فمتى تصرف الوكيل بعد فسخ الموكل، أو موته، فهو باطل إذا علم ذلك.
فإن لم يعلم الوكيل بالعزل ولا موت الموكل، فعن أحمد فيه روايتان، وللشافعي فيه قولان: وظاهر كلام الخرقي هذا: أنه ينعزل علم أو لم يعلم، ومتى تصرف فبان أن تصرفه بعد عزله، أو موت موكله، فتصرفه باطل، لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلا يفتقر إلى علمه كالطلاق والعتاق.
والقول الثاني: وهي الرواية الثانية عن أحمد: لا ينعزل قبل علمه بموت الموكل وعزله، نص عليه في رواية جعفر بن محمد إمام العترة، لأنه لو انعزل قبل علمه، كان فيه ضرر، لأنه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة.
وربما باع الجارية فيطؤها المشتري أو الطعام فيأكله أو غير ذلك، فيتصرف فيه المشتري، ويجب ضمانه، ويتضرر المشتري والوكيل، ولأنه يتصرف بأمر الموكل، ولا يثبت حكم الرجوع في حق المأمور قبل علمه كالفسخ، فعلى هذه الرواية، متى تصرف قبل العلم نفذ تصرفه.
(المغني لابن قدامة 5: 123)
فإن اختلفا في التصرف، فادعى الوكيل أنه ابتاع ما وكل فيه، وأنكر (الموكل) 1 أو ادعى أنه قبض الثمن، وأنكر الموَكل، ففيه قولان منصوصان.
أحدهما: وهو اختيار القاضي أبي الطيب رحمه اللَّه، وقول أبي حنيفة: أنه يقبل إلا أنه (ناقض) 2 في مسألة وهي: إذا قال: زوجني = ومتى خرج أحدهما عن أن يكون من أهل التصرف، مثل أن يجن أو يحجر عليه لسفه، فحكمه حكم الموت، لأنه لا يملك التصرف، فلا يملكه غيره من جهته.
وإن حجر على الوكيل لفلس، فالوكالة بحالها، لأنه لم يخرج عن كونه أهلًا للتصرف، وإن حجر على الموكل، وكانت الوكالة في أعيان ماله، بطلت لانقطاع تصرفه في أعيان ماله، وإن كانت في الخصومة، أو الشراء في الذمة، أو الطلاق أو الخلع، أو القصاص، فالوكالة بحالها، لأن الموكل أهل لذلك، وله أن يستنيب فيه ابتداء، فلا تنقطع الاستدامة.
وإن فسق الوكيل لم ينعزل، لأنه من أهل التصرف، إلا أن تكون الوكالة فيما ينافيه الفسق كالإيجاب في عقد النكاح، فإنه ينعزل بفسقه، أو فسق موكله بخروجه عن أهلية التصرف.
فإن كان وكيلًا في القبول للموكل، لم ينعزل بفسق موكله، لأنه لا ينافي جواز قبوله، وهل ينعزل بفسق نفسه؟ فيه وجهان: وإن كان وكيلًا فيما تشترط فيه الأمانة، كوكيل ولي اليتيم، وولي الوقف على المساكين ونحو هذا انعزل بفسقه وفسق موكله بخروجهما بذلك عن أهلية التصرف.
وإن كان وكيلًا لوكيل من يتصرف في مال نفسه انعزل بفسقه، لأن الوكيل ليس له توكيل فاسق، ولا ينعزل بفسق موكله، لأن موكله وكيل لرب المال، ولا ينافيه الفسق، ولا تبطل الوكالة بالنوم، والسكر، والإغماء لأن ذلك لا يخرجه عن أهلية التصرف، ولا يثبت عليه ولاية إلا أن يحصل الفسق بالسكر، فيكون فيه من التفصيل ما أسلفناه (المغني 5: 124 - 125).
امرأة (فأقر) 1 الوكيل أنه قد تزوجها له، وادعت المرأة ذلك، وأنكر الموكل، لم يقبل قول الوكيل.
والقول الثاني: أنه لا يقبل إقراره على موكله 2.
وذكر أبو العباس بن سريج: وجهين آخرين.
أحدهما: أنه إن كان ما أقر به، مما يتم به وحدة كالعتق، والطلاق، والابراء، قبل قوله 3 وإن كان بخلافه لم يقبل.
والوجه الآخر: أن ما كان الإقرار به (كايقاعه) 4 قبل قوله فيه، وما كان بخلافه، لم يقبل قوله فيه 5.
والمذهب: (ما تقدم) 6.
فإن وكله في ابتياع جارية، فابتاعها، ثم اختلفا، فقال الوكيل: ابتعتها بإذنك بعشرين، وقال الموكل: بل أذنت لك في ابتياعها بعشرة، وقد ابتعت بذلك، فالقول: قول الموكل، فإن حلف، كانت الجارية
للوكيل 1، فإن كان صادقًا (فالجارية) 2 له في الظاهر، وللموكل في الباطن.
قال المزني رحمه اللَّه: استحب الشافعي في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالموكل، فيقول: إن كنت أمرتك أن تشتريها بعشرين، فقد بعتكها بعشرين 3.
فمن أصحابنا من قال 4: لا يصح البيع بهذا الشرط، وما قاله المزني إنما هو من كلام الحاكم.
ومن أصحابنا من قال: يصح 5.
فإن امتنع من ذلك.
قال المزني: (يبيعها) 1 الوكيل، ويأخذ حقه من ثمنها.
وقال أبو سعيد الاصطخري: فيه وجهان:
أحدهما: ما قاله المزني.
والثاني: أنه يملكها باطنًا وظاهرًا، بناء على القولين (فيمن) 2 ادعى على رجل أنه اشترى منه دارًا (وأنكر) 3، وحلف أن المستحب للمشتري بأن يقول للبائع: إن كنت اشتريته منك فقد فسخت البيع، فإن لم يفعل المشتري ذلك، ففيه قولان:
أحدهما: أن البائع يبيع الدار، ويأخذ ثمنها.
والثاني: أن البائع يملكها 4.
قال أبو إسحاق المروزي: لا يملك الوكيل الجارية، قولًا واحدًا في الباطن 5، ويكون بمنزلة من له على غيره (حق) 6 لا يصل إليه، فوجد له مالًا، فإنه يبيعه ويستوفي حقه من ثمنه على أحد الوجهين.
فإن أمره أن يشتري له عبدًا بألف، فاشتراه وقال: اشتريته بألف، وقال الموكل: بل بخمسمائة، فالقول: قول الوكيل.
وقال أبو حنيفة: إن كانت الألف في يد الوكيل، فالقول: قوله 1، وإن لم (تكن) 2 في يده، فالقول: قول الموكل.
فإن ادعى الوكيل (بجعل) 3 الرد على موكله، ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل قوله كمودع 4.
والثاني: لا يقبل كالمستأجر، وهو المذهب.
فإن أودعه وديعة، وأذن له في التوكيل في ردها، فهل يقبل قول المودع في التوكيل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يقبل قوله، ويكون قول الوكيل مقبولًا في الرد على المالك 5.
والثاني: لا يقبل قوله في (التوكيل) 1، ولا يقبل قول الوكيل في الرد، ويصير ضامنًا 2.
فإن قبض (الوكيل) 3 الثمن (فطالبه) 4 الموكل بدفعه، فوعده، وأخره عنه، ثم ادعى أنه كان قد تلف قبل مطالبته، أو قال: كنت قد رددته قبل مطالبته، لم يقبل، فإن أقام (بينة) 5 على ذلك، لم (تسمع) 6 على أحد الوجهين، وهو اختيار القاضي أبي الطيب رحمه اللَّه.
فإن ادعى أنه وكله في بيع عبد، فباعه، وقبض ثمنه، فجحد ذلك، ثم أقر وادعى أنه كان قد تلف، أو رده، لم يقبل قوله، وسماع البينة على الوجهين 7.
فإن امتنع من التسليم إلى موكله حتى (يشهد) 1، ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه ليس له ذلك 2.
والثاني: (له ذلك) 3.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: لا بأس به عندى إذا كان الإشهاد ممكنًا لا يؤدي إلى تأخير الحق، فأما إذا أدى إلى تأخير (الدفع) 4 لتعذر الإشهاد 5، (فيفصل) 6 بين أن يكون مضمونًا، أو غير مضمون عليه، ببينة، أو لا بينة عليه.
= منكر، فإن أقام المدعي بينة بالوكالة وقبض المتاع، صار ضامنًا، وخرج بالجحود عن الأمانة، فصار كجاحد الوديعة.
فلو ادعى بعد قيام البينة على تلفها، أو ردها على مالكها، لم تقبل دعواه، لأنه ضمن ما لا يقبل قوله في ادعاء البراءة منه، ولأنه صار بالإنكار الأول مكذبًا لهذه الدعوى منه، وهكذا لو عاد بعد إنكاره، فأقر بقبض المتاع، فادعى تلفه، أو رده لم يقبل منه، وكان ضامنًا له كقيام البينة عليه بقبضه.
(المجموع 13: 205).
والثالث: (أنه إن كان قد قبض) 1 المال بإشهاد، لم يلزمه الدفع، (وإن قبضه من غير إشهاد) 2 لزمه دفعه من غير إشهاد، وهو قول مالك 3: فإن امتنع (الوكيل) 4 من دفع الثمن، ثم بان له أنه كان تالفًا قبل امتناعه، ولم يعلم بحاله، فلا ضمان عليه في أصح الوجهين.