باب (تحريم القتل ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب)
1 لا يخلد القاتل في النار 2، (وتصح توبته منه) (3).
..................................1 = عنه، وعنده أيضًا من حديث ابن عمر ولفظه (لقتل مؤمن أعظم عند اللَّه من زوال الدنيا) وكذلك الترمذي، وعند ابن ماجه من حديث البراء./ المجموع 17: 178/ سنن ابن ماجه 2: 874. وروى ابن عباس رضي اللَّه عنه: (أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: لو أن أهل السموات والأرض اشتركوا في قتل مؤمن لعذبهم اللَّه عز وجل إلا أن لا يشاء ذلك، أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وأبي هريرة بلفظ: (لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لكبهم اللَّه في النار، في الديات/ الجامع الصحيح للترمذي 4: 17 وأنظر المجموع 17: 187. وروى عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) / الترمذي 4: 19، المغني لابن قدامة 8: 259، ولا خلاف بين الأمة في تحريمه.
وتصح توبة القاتل عمدًا، لأن الكافر تصح توبته، فهذا أولى ولا يحتم عذابه، بل هو في خطر المشيئة، ولا يخلد عذابه إن عذب، وإن أصر على ترك التوبة كسائر ذوي الكبائر غير الكفر، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ فالمراد بالخلود المكث الطويل، فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم، أو مخصوص بالمستحل لقتله، كما ذكره عكرمة وغيره، وإذا اقتص منه الوارث، أو عفا على مال أو مجانًا، فظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة في الدار الآخرة، كما أفتى به المصنف، وذكر مثله في شرح مسلم، لكن ظاهر تعبير الشرح والروضة يدل على بقاء العقوبة فإنهما قالا: ويتعلق بالقتل المحرم وراء العقوبة الأخروية مؤاخذات دنيوية ومذهب أهل السنة: أن المقتول لا يموت إلا بأجله، والقتل لا يقطع الأصل، خلافًا للمعتزلة فإنهم قالوا: القتل يقطعه/ المحتاج 4: 2.
وحكي عن ابن عباس، وزيد بن ثابت رضي اللَّه عنهم، وهو قول الضحاك بن مزاحم: أنه يخلد في النار ولا تقبل له توبة 1. يقتل الناقص بالكامل، ولا يقتل الكامل بالناقص، ولا يعتبر في التكافؤ الدية فيقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل 2، واليهودي بالمجوسي، والمجوسي باليهودي.
وحكى عن عطاء أنه قال: إذا قتل الرجل المرأة، كان وليها بالخيار, إن شاء أخذ ديتها (ست آلاف) 1 وإن شاء دفع إلى القاتل (ست آلاف) 2 وقتله.
ولا يقتل المسلم بالكافر 3، وبه قال عطاء والحسن البصري, ومالك, والأوزاعي, والثوري, وأحمد، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: (يقتل بالذمي) 4، ولا يقتل بالمستأمن 5، وبه قال الشعبي، والنخعي, وهو المشهور عن أبي يوسف.
وروي عنه في الإِملاء: أنه يقتل المسلم بالمستأمن.
(إذا قتل كافر كافرًا، ثم أسلم القاتل, فإنه يقتل, وكذلك) 6
إذا جرح كافر كافرًا ثم أسلم الجارح، ومات المجروح، فإنه يقتل 1.
وقال الأوزاعي: لا يقتل.
ومن أصحابنا من حكى في ذلك، قولين:
أحدهما: كقول الأوزاعي، وليس بمعروف.
فإن قتل عبد مسلم، عبدًا مسلمًا لذمي، ففي وجوب القود وجهان:
أصحهما: أنه يجب.
ولا يقتل حر بعبد، وبه قال مالك، وأحمد، (وهو قول داود) 2.
وقال أبو حنيفة: يجب عليه القود 3، بقتل عبد غيره، ولا يقتل بقتل عبد نفسه 4.
وقال النخعي: يقتل بقتل عبد نفسه، وعبد غيره، (وهو قول داود) 1.
(إذا قتل عبد مكاتبًا) 2 وجب عليه القود.
وقال أبو حنيفة: إذا خلف (وفاء وله) 3 وارث غير المولى لم يجب القود.
فإن قتل من نصفه (رق، ومن نصفه) 4 حر.
فقد حكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه في المجرد: أنه لا يقتل به، لأنه يؤدي إلى أن يقتل نصفًا حرًا، بنصف، تصفه حر ونصفه رقيق، (وهو) 5 قول القفال.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وفي هذا نظر، لأن القصاص يقع بين الجملتين، فلا اعتبار بالتفضيل، والأول: أصح.
(فإن) 1 جرح مسلم مسلمًا، فارتد المجروح، وعاد إلى الإسلام، ولم يقم في الردة زمانًا، فسرى فيه الجرح، ففيه قولان:
أصحهما: أنه يجب القود 2.
(فإن) 3 قطع يد مسلم، وارتد المقطوع، ومات على الردة، وجب القصاص عليه في الطرف 4 في أصح القولين.
(وإن) 5 قتل (مرتد) 6 ذميًا (عمدًا) 7 وجب عليه القود، في
أصح القولين، وهو اختيار المزني رحمه اللَّه 1.
وإن قتل ذمي مرتدًا، لم يجب عليه قصاص, ولا دية في أصح الوجوه 2.
والثاني: أنه يجب عليه القصاص, إن كان القتل عمدًا، والدية إن كان (القتل) 3 خطأ.
وقال أبو سعيد الاصطخري: يجب عليه القود, إن كان قد قتله عمدًا 4، ولا يجب (عليه) 5 الدية, إن كان قد قتله خطأ 6.
وإن حبس السلطان مرتدًا، (فأسلم) 7 وخلاه, فقتله مسلم (لم) 8، يعلم بإسلامه, ففيه قولان:
أحدهما: (أنه) 1 لا قصاص عليه.
والثاني: (يجب) 2 عليه القصاص.
وإن قتله المسلم الزاني المحصن، لم يجب عليه القود على المنصوص 3.
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه 4.
ولا يجب القود على الوالد، بقتل (الولد) 5، وبه قال ربيعة، والثوري, وأبو حنيفة، وأحمد وإسحاق.
وقال مالك: إذا تعمد (قتله) 1 قتل به، كذا ذكر أصحابه 2.
وحكى أصحابنا عنه: أنه (إن) 3 قتله حذفًا بالسيف، لم يقتل به.
وحكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه، عن عثمان البتي، وداود: أنه يقتل الوالد بولده 4، (ويقتل الابن بأبيه) 5.
وإن جنى المكاتب على أبيه، وهو في ملكه، ففيه وجهان:
(أحدهما) 6: أنه لا يقتص منه 7.
والثاني: يقتص منه، وأومأ إليه الشافعي رحمه اللَّه في بعض كتبه 8.
فإن قتل المسلم ذميًا، أو قتل الحر عبدًا، أو قتل الأب ابنه في المحاربة، ففيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه القصاص 1.
والثاني: يجب 2.
ويقتل الجماعة بالواحد، إذا اشتركوا في قتله 3، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس رضي اللَّه عنهم وعطاء، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
والمذهب: أنه يستحق كمال نفس كل واحد منهم في مقابلة جزء الجزء (من نفسه 4 تغليظًا.
وقال الحليمي: يستحق من روح كل واحد منهم جزء في مقابلة جزء) من روح المقتول، إلا أنه لا يمكن استيفاء ذلك الجزء, إلا باستيفاء الباقي فيستوفي الجميع.
والأول: أصح.
وحكى عن عبد اللَّه بن الزبير، ومعاذ بن جبل: أنه لا يقتل الجماعة بالواحد، ولكن الولي، يقتل واحدًا، ويأخذ من الباقين (حصصهم) 1 من الدية.
وقال داود, وربيعة, لا يجب على واحد منهم قود 2.
وإن كانت جراحة بعضهم عمدًا، وطرحة بعضهم خطأ، (وسرت) 3 إلى النفس فلا قصاص على واحد منهم.
وقال مالك: يجب القود على شريك المخطىء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
(وإن) 4 اشترك الأب، والأجنبي في قتل ولده، وجب القود على الأجنبي 5.
وقال أبو حنيفة: لا قود على واحد منهما.
وإن اشترك صبي، وبالغ في القتل.
- فإن قلنا: إن (عمده) 1 (خطأ) 2 وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، فلا قود على شريكه.
- وإن قلنا: إن عمده عمد، وجب القود على شريكه 3. وإن جرح نفسه، وجرحه آخر، أو جرحه سبع، وجرحه آخر، ففيه قولان: أحدهما: يجب القصاص على الجارح 4. والثاني: لا قود عليه 5. وإن جرحه رجل، فتداوى بسم غير (موج) 6 إلا أنه يقتل في الغالب، أو خاط جرحه في لحم حي، أو خاف التآكل، فقطعه، فمات، ففي وجوب القود على الجاني طريقان: من أصحابنا: من قال فيه قولان: أحدهما: يجب عليه (القتل) 7.
والثاني: لا يجب كما لو (شارك) 1 (من) 2 جرح نفسه.
ومنهم من قال: لا قود عليه، قولًا واحدًا 3.
وإن كان على رأس مولى، عليه سلعة (فبطّها) 4 ولبه، (ففيه) 5 قولان:
أحدهما: يجب القود على الولي 6.
والثاني: لا قود عليه 7.
وإن كان الولي أبًا، أو جدًا.
فقد حكى في الحاوي: في وجوب الضمان عليهما وجهين:
أحدهما: (أنه) 8 يجب الضمان.
والثاني: لا يجب، وليس بشيء.
باب ما يجب به القصاص من الجنايات
إذا غرزه بإبرة في غير مقتل، كالألية، والفخذ، فإن بقي ضمنًا حتى مات، وجب عليه القود 1، وإن مات في الحال، ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، أنه يجب عليه القود 2. والثاني: وهو قول أبي سعيد الأصطخري، وأبي العباس: أنه لا يجب هذا، ذكره الشيخ أبو (حامد) 3. (قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه) 4: (وهذا) 5 التفصيل لا وجه له
عندي، لأنه كانت (العلة) 1 أنه لا تقتل غالبًا, فلا فصل بين أن تبقى ضمنًا, وبين أن يموت في الحال.
وإن كان يقول: أنه إذا لم يزل ضمنًا فقد مات منه, (وإذا) 2 مات في الحال, لم يعلم أنه مات منه, فينفي أن يكون الوجهان في وجوب الضمان, إذا مات في الحال دون القود.
قال أبو علي في الإفصاح: (فقد) 3 قال الشافعي رحمه اللَّه في الأم: ولو ضرب رجلًا بسيف وضربه أسد، (أو نمر) 4، (أو خنزير) 5، وكان ضرب السبع (ثقلا) 6 لا يقتل في الغالب, أو جرحًا خفيفًا, كالخدش, فلا قصاص على من (شاركه) 7.
وكذا قال: إذا جرحه, فخاط جرحه ثم مات, فعلى الجاني نصف الدية, ولم يجعل الخياطة بالإِبرة عمدًا.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهو الصحيح.
ولا قود في شبه العمد, وهو بالسوط، والعصا.
وعن مالك: (فيه) 8 روايتان.
أحداهما: أنه إذا قصد به القتل، وجب القود، وهذا خلاف الحديث 1.
فإن ضربه بمثقل كبير من حديد، أو خشب، أو حجر فقتله, وجب عليه القود.
وبه قال مالك، وأحمد، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، (ومحمد) 2.
وقال الشعبي، والنخعي، والحسن البصري: لا قود بغير محدد
بحال، وهو قول أبي حنيفة إلا أنه قال: إذا قتله بالنار، وجب عليه القود 1.
وعنه في مثقل الحديد، روايتان:
وإن خنقه بيده، أو بحبل، أو منديل حتى مات، وجب عليه القود.
وذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: في هذا النوع من الخنق، أنه إن كان قد فعل ذلك به زمانًا في مثله غالبًا، وجب القود، (فإن) 2 كان لا يموت في مثله، لم يجب (القود) 3.
والقاضي أبو الطيب: ذكر القود مطلقًا، وهو الأصح.
وذكر في الحاوي: في هذا القسم، أنه إذا كان المقصود خنقه، (فقدر) 4 على دفعه عن نفسه، فسكت حتى خنقه، فلا قود، وفي وجوب الدية قولان، ولم يذكره غيره.
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه) 5: وعندي أنه لا اعتبار بقدرته على
دفعه, والقود واجب (سيما) 1 إذا قلنا: أنه لا يجب عليه الدفع عن نفسه.
وكل موضع أو جبنًا القود في الخنق، فالولي بالخيار، إن شاء اقتص، وإن شاء عفى.
وحكي عن أبي يوسف: أنه (قال) 2: إذا كان قد تكرر منه التخنيق، انحتم (قتله) 3 كالمحارب.
(وإن) 4 (حبس) 5 إنسانًا، ومنعه الطعام والشراب، مدة يعلم أنه لا يعيش فيها (وجهل) 6 حاله قبل ذلك، أنه كان به جوع، (أم لا) 7، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجب عليه القود، كما لو علم أنه كان به جوع (شديد) 8.
والثاني: لا قود (عليه) 9 والأول: أصح.
فإن حبس حرًا، وأطعمه وسقاه، فمات، فلا ضمان عليه، صغيرًا كان، أو كبيرًا.
وقال أبو حنيفة: إن كان صغيرًا، ومات بسبب كلدغ الحية، أو سقوط حائط عليه، ضمن.
(إذا) 1 ألقاه في لجة لا يمكنه التخلص 2، (فالتقمه) 3 حوت قبل أن يصل إلى الماء، ففي وجوب القود عليه قولان:
أحدهما: يجب عليه القود 4.
والثاني: لا قود عليه 5.
إذا أمسك رجلًا على رجل ليقتله، فقتله، وجب القود على القاتل، دون الممسك، وهو قول أبي حنيفة والجماعة 6.
وقال مالك: إذا أمسكه ليقتله، فقتله (عمدًا) 1، كانا شريكين في قتله, فيجب عليهما القود إذا كان القاتل لا يمكنه قتله إلا بالإِمساك، وكان لمقتول لا يقدر على الهرب بعد الإِمساك.
فإن أنهشه حية تقتل غالبًا، وجب عليه القود، وإن كان لا يقتل ففيه قولان:
أحدهما: يجب القود 2.
والثاني: لا يجب 3.
وإن خلط السم بالطعام لرجل، وقدمه إليه، فأكله ومات، ففيه قولان:
أحدهما: (أنه) 4 لا يجب القود.
والثاني: يجب 5.
(وإذا) 1 قلنا: لا يجب القود.
فقد حكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: في وجوب الدية قولين.
أصحهما: أنها تجب 2.
إذا حفر بئرًا في (ممر) 3 داره وغطاها، وأذن لإِنسان في الدخول، فوقع في البئر.
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، كالسم.
ومنهم من قال: لا يجب القود قولًا واحدًا.
(وإن) 4 أكره رجل رجلًا على قتل رجل، فقتله، وجب القود على المُكْرِه 5، وفي المُكْرَه قولان:
أحدهما: يجب عليه القود، وهو قول مالك، وأحمد، وزفر 6.
وحكى عن زفر أنه قال: يجب (القود) 1 على (المكره) 2 دون (المُكْرَه) 3.
والقول الثاني: (أنه) 4 لا قود على (المكره) 5 وهو قول أبي حنفية، ومحمد بن الحسن.
واختلف على هذا القول في علة سقوط القود.
فمنهم من قال: العلة، أن الإكراه شبهة (تدرأ) 6 الحدود، وهذا طريقة البغداديين، فعلى هذا يجب عليه، نصف الدية.
وقال البصريون: الإِكراه، الجاء ينقل حكم الفعل.
وقال أبو يوسف: لا قود على المكره ولا على المكره، ولا فرق بين المكره من جهة الإمام، وبين المكره من جهة غيره.
ومن أصحابنا من قال: (في) 7 المكره من جهة الإمام، في وجوب القود عليه قولان، والمكره من جهة غيره، يجب عليه القود، قولًا واحدًا.
والأول: أصح.
وأن أمر الإمام رجلًا، بقتل رجل بغير حق، وهل يعلم أنه بقتله ظلمًا، ولم يكرهه على قتله، فالقاتل، هو المأمور دون الآمر، وحكم القتل يتعلق به 1.
وذكر في الحاوي: أن من أصحابنا من قال: (أنه) 2 يجب القود أيضًا على الآمر للزوم أمره.
وفي إكراه الإمام رجلًا على القتل ظلمًا، وارتكابه الكبيرة، هل يخرج به من الإمامة؟ فيه وجهان حكاهما أبو علي بن أبي هريرة.
واختلف أصحابنا فيما يكون إكراهًا على القتل.
فمنهم من قال: ما يكون إكراهًا على الطلاق من قتل، أو ضرب، أو حبس، أو أخذ مال (يكون إكراهًا على القتل) 3.
ومنهم من قال: لا يتحقق الإكراه على القتل إلا بالقتل، وبما يفضي إليه من تهديد بقطع، أو جرح، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
فإن قال: إن قتلت فلانًا (أو) 1 فلانًا، وإلا قتلتك، قال القفال: لا يكون إكراهًا.
وقال القاضي حسين: هو عندي (إكراه) 2، وهذا صحيح.
وإن شهد شاهدان (على) 3 رجل بما يوجب القتل، فقتل 4 ثم رجعا عن الشهادة.
وقالا: (تعمدنا) 5، قتله بالشهادة عليه، وجب القود عليهما.
وقال أبو حنيفة: لا (قود) عليهما 6.
فإن شرب دواء، ليزول عقله، فزال عقله، وقتل رجلًا، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كالسكران.
والثاني: أنه لا قود عليه.
= القصاص، قال: فعفا القوم، ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبر قسمه.
أخرجه البخاري في التفسير عن عبد اللَّه ابن منير، وفي الصلح وفي الديات عن الأنصاري وعن محمد بن سلام.
وأخرجه مسلم في الحدود عن أبي بكر.
وأخرجه أبو داود في الديات عن مسدد وأخرجه النسائي في القود عن محمد بن المثنى، وعن أحمد بن سليمان، وعن حميد ابن مسعده وإسماعيل بن مسعود.
وأخرجه ابن ماجه في الديات عن محمد بن المثنى/ المجموع 17: 240 وأنظر/ سنن ابن ماجه 2: 884 - 885.
باب القصاص في الجروح والأعضاء
كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس، جرى بينهما القصاص في الأطراف السليمة كالرجلين، والرجل والمرأة، والحرين، والعبدين وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يجزىء القصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف، ولا بين العبيد في الأطراف، ولا بين الحر والعبد فيها، وإن جرى القصاص بينهم في النفوس 1.
فإن اشترك جماعة في إبانة طرت دفعة واحدة، وجب عليهم القصاص، وبه قال مالك، وأحمد 2.
وقال أبو حنيفة، والثوري: لا قصاص عليهم.
ويجب القصاص في الموضحة في الرأس 1، والوجه، وهل يجب فيها القصاص إذا كانت على الساعد، والعضد، والساق؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يجب.
فإن أوضحه في جميع رأسه، وكان (رأس) 2 الجاني أكبر، فله أن يبتدئي بالإيضاح من أي جانب شاء من رأسه 3، فإن أراد أن يستوفي بعض حقه من مقدم رأسه، وبعضه من مؤخره.
فقد قال بعض أصحابنا: أنه لا يجوز 4.
وقيل: يحتمل أن يجوز إلا أن (يقال) 5: فيه زيادة ضرر، أو شين، (فيمنع) 6 منه.
فإن أوضح رأس رجل، فذهب ضوء عينه.
فالمنصوص: (أنه يجب) 1 فيه: القصاص.
وقال: فيمن قطع أصبع رجل، فتآكلت كفه، (وسقطت) 2، إنه لا قصاص في الكف.
فنقل أبو إسحاق: قوله في الكف إلى العين، ولم ينقل قوله في العين إلى الكف.
فجعل في ضوء العين قولين:
أحدهما: لا يجب (فيه) 3 القود.
والثاني: يجب 4.
ومن أصحابنا: من حمل المسألتين على ظاهرهما، وفرق بينهما 5.
وهل تقطع الأذن التي ليست مستحشفة 6، بإذن مستحشفة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يؤخذ 1.
والثاني: يؤخذ 2.
وتؤخذ الشفة بالشفة 3، نص عليه في الأم.
ومن أصحابنا من قال: لا يؤخذ، واختاره الشيخ أبو حامد 4.
ويجب القود في اللسان في قول أبي علي بن أبي هريرة 5.
وقال أبو إسحاق: لا قود فيه، وهو قول أصحاب أبي حنيفة 6.
فإن قطع بعض أذنه، من ربع، أو نصف، اقتص منه فيه على (ما ذكر) 1 الشيخ أبو حامد.
وذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه لا يجب القصاص فيه.
قال الشيخ أبو نصر: وهذا أقيس.
(وحكى) 2 في الحاوي عن مالك: أنه لا يؤخذ أذن (السميع) 3 بإذن الأصم.
فإن وجب له القصاص في سن، فاقتص منه، فنبت مكانه سن، ففيه قولان:
أحدهما: أن النابت هو المقلوع من جهة الحكم 4، فعلى هذا يجب على المجني عليه (دية) 5 سن الجاني وهو قول أبي حنيفة، وأحمد 6.
والثاني: أن النابت هبة مجددة 7.
فإن اقتص من الجاني، فنبت للجاني سن مكانه.
- فإن قلنا: إن النابت، هبة مجددة، لم يكن للمجني عليه قلعه 1.
- وإن قلنا: إن النابت هو المقلوع من جهة الحكم، فهل يجوز للمجني عليه قلعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: له قلعه، ولو نبت مرارًا 2.
والثاني: ليس له قلعه 3.
ويجب القود في قلع سن من قد (ثغر) 4 في الحال.
وذكر الشيخ أبو حامد: أنه يسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: إنها لا تعود، وجب القود في الحال.
وإن قالوا: يرجى عودها إلى مدة (انتظر) 5 ذلك.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: والأول أقيس، وهو الذي ذكره القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه.
وذكر في الحاوي: أنه إذا كسر نصف سنه، فإن أمكن أن يقتص منه بأن يكون في نصف السن بالطول، اقتص منه.
ولم يذكر القاضي أبو الطيب، ولا الشيخ أبو نصر.
وذكر: أنه لا يجب في كسر العظم قصاص.
فإن قطع نصف لسان رجل، أو ثلثه، اقتص منه في قدره.
وقال أبو إسحاق: لا يقتص منه فيه 1.
ولا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء 2.
حكي عن داود: أنه تؤخذ الصحيحة بالشلاء.
وفي أخذ الشلاء بالشلاء وجهان:
أحدهما: يجوز 3.
والثاني: لا يجوز، وهو قول أبي إسحاق 4.
ولا تؤخذ يمين بيسار 5.
وقال ابن شبرمة: تؤخذ بها.
وحكى عن ابن سيرين أنه قال: إذا قطع يمينه، ولا يمين له، قطعت يسراه، وإن قطع (يسراه) 1 ولا يسار له، قطعت يمينه.
ولا تؤخذ يد كاملة الأصابع، بيد ناقصة الأصابع، فإن قطع رجل في يده ستة أصابع، يد رجل له خمسة أصابع، لم تقطع يده 2، (ولكنه) 3 يقطع من أصابع الجاني خمسة أصابع في مقابلة أصابعه 4، وهل يدخل أرش ما تحت الأصابع من الكف في القصاص؟ فيه وجهان:
(أحدهما) 5: أنه لا يدخل، وهو قول أبي إسحاق، فيأخذ الأرش لما تحتها من الكف 6.
والثاني: يدخل.
وتؤخذ الناقصة بالكاملة.
فإن قطع من له أربع أصابع يد، من له (خمس) 7 أصابع،
كان له أن يقتص في يده ويأخذ منه أرش الأصبع المفقودة 1.
وقال أبو حنيفة: ليس له أن يستوفي مع القود فيها (أرشًا) 2 وله أن يعفو، (ويأخذ) 3 (دية يده) 4.
فإن أوضحه في مقدم رأسه، وكان مقدم رأس الجاني أصغر من مقدم رأس المشجوج، فهل يقتصر في الاستيفاء على مقدم رأسه، وينتقل في الباقي إلى الدية؟
قال أبو علي الطبري: يفعل كذلك.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يحتمل وجهين:
أحدهما: ما ذكرناه.
والثاني: أنه (تيمم) 5 قدر مساحته من مؤخر رأسه، وهو الأصح.
ولا قصاص فيما دون الموضحة.
ونقل المزني: أنه يجب القصاص، واختلف أصحابنا في ذلك على وجهين.
وتؤخذ (الأليتان) 1 بالأليتين، وهما (اللحمان) 2 (الناتئان) 3 بين الظهر والفخذ.
ومن أصحابنا من قال: لا يؤخذ وهو قول (المزني) 4.
ويؤخذ الذكر بالذكر 5، والبعض منه بالبعض.
وقال أبو إسحاق: لا يؤخذ بعضه ببعض، والمذهب: الأول 6.
ويؤخذ الشفران بالشفرين على المنصوص 7.
ومن أصحابنا من قال: لا يؤخذ، وهو قول الشيخ أبي حامد الأسفراييني 1. فإن قطع ذكر خنثى مشكل، (أو أنثييه) 2 وشفريه، قبل أن (يتبين) 3 حاله، ولم يختر العفو عن القصاص، فإنه يوقف الأمر فيه، إلى أن (يتبين) 4، وأما المال، ففيه قولان: أحدهما: (أنه) 5 لا يعطى شيئًا وهو قول أبي علي بن أبي هريرة 6.
والثاني: أنه يعطى أقل ما يستحقه مع القود 1، وهو قول أكثر أصحابنا، فيعطى حكومة في الشفرين ويوقف القود في الذكر والأنثيين.
وحكى القاضي أبو حامد في جامعه: أنه يعطى دية الشفرين، (وهذا) 2 خطأ.
(وإن) 3 قتل واحد جماعة، أو قطع عضوًا من جماعه 4، قتل بواحد منهم، أو قطع به، واستوفى للباقين الديات من تركته.
وقال أبو حنيفة، ومالك: يقتل بجماعتهم، ويقطع للجميع، ويستوفي لهم ما بقي لهم من الديات في الطرف 5.
وقال أحمد: إن طلبوا القصاص، قتل بجماعتهم، وإن طلب بعضهم القصاص، والبعض الدية، قتل (لمن) 6 طلب القود، واستوفى للآخرين الدية.
فإن قطع أصبع رجل، (فتآكلت) 1 الكف، (وسقطت) 2، لم يسقط القود في الأصبع، وبه قال أحمد ومالك.
وقال أبو حنيفة: يسقط (القطع) 3 في الأصبع.
باب استيفاء القصاص
من ورث المال، ورث الدية 1، ويقضى منها ديونه، وينفذ منها وصاياه.
وقال أبو ثور: لا يقضى دينه، ولا (تنفذ) 2 (وصيته) 3 من ديته