الاختيار من قيام، أو قعود أو ركوع، أو سجود 1.
وإن كان خارج الصلاة، لم ينتقض طهره، وبه قال داود 2.
وقال مالك 5: النوم ينقض الوضوء، إلا أن يكون يسيرًا في حال الجلوس.
وحكي عن أحمد أنه قال 6: النوم اليسير في حال القيام، (والقعود) 7، والركوع، والسجود، لا ينقض.34
فصل
والثالث: اللمس بين الرجل والمرأة من غير حائل، فينقض طهر (اللامس) 1 وهو قول الزهري.
وقال أبو حنيفة وأصحابه 2: إن ذلك لا ينقض الطهارة، وبه قال عطاء، وطاووس 3. وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، غير أن أبا حنيفة، وأبا يوسف قالا: إذا وضع الفرج على الفرج مع الانتشار انتقض
الطهر 1، (وخالفهما) 2 في ذلك محمد بن الحسن 3.
وقال مالك 4، وأحمد 5: إن (لمس) 6 بشهوة انتقض طهره.
وقال داود: إن قصد اللمس انتقض طهره، وخالفه ابنه فقال: ينقض بكل حال.
فأما لمس الشعر، فلا ينقض، وحكي فيه وجه آخر: أنه ينقض وليس بمذهب.
وقال مالك 7: إن لمسه بشهوة انتقض طهره، وكذا قال في اللمس من وراء حائل بشهوة، والملموس: لا ينقض طهره في (أظهر) 8 القولين 9.
ولمس ذوات المحارم، لا ينقض الطهر في أظهر القولين، وكذا لمس الصغيرة (التي لا تقصد) 1 بالشهوة، فيه وجهان 2. فأما لمس المرأة (المسنه) 3، فمن أصحابنا من قال: (ينقض الطهر) 4 ومنهم من قال: يجري مجرى لمس الصغيرة التي لا تشتهي.
ولمس الأمرد لا ينقض الطهر.
وحكي عن أبي سعيد الاصطخري 5: أنه ينقض، وليس بمذهب.
فصل
والرابع: مس الفرج ببطن الكف، فإنه ينقض الطهر 1، وبه قال مالك 2، وأحمد 3، والمزني.
وقال أبو حنيفة وأصحابه 1: لا ينقض بحال.
وعن مالك رواية أخرى 2: أنه يعتبر فيه الشهوة.
وإن مسه بظهر كفه، أو ساعده (لم) 3 ينقض طهره 4.
ويروى عن عطاء: أنه ينقض الطهر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد 5.
ويروى عن مالك 6: وإن مس ذكره بما بين الأصابع لم ينقض طهره في أظهر الوجهين.
وإن مس ذكرًا مقطوعًا 7، انتقض طهره في أظهر الوجهين، وإن
مسه ببطن أصبع زائدة على كفه انتقض طهره (في أظهر الوجهين) 1.
وقال أبو علي في الإفصاح: يحتمل أن لا ينقض.
وإن مس ذكره بيد شلاء 2، فقد ذكر فيه وجهان.
والصحيح: أنه ينتقض طهره.
وإن مس الدبر 3 انتقض طهره.
وحكى ابن القاص قولًا آخر: أنه لا ينتقض، وليس بمشهور، وهو قول مالك 4، وداود.
وإن انسد المخرج المعتاد، وانفتح مخرج آخر، وقلنا: ينتقض الوضوء بالخارج منه فهل ينتقض بمسه؟ فيه وجهان:
وإن مس فرج غيره من صغير، أو كبير، حي، أو ميت، انتقض طهره.
وحكي عن داود أنه قال: (مس) 5 فرج غيره لا ينتقض الطهر.
= 1/ 61، و"فتح المعين" بشرح "قرة العين" 1/ 61، و"إعانة الطالبين" 1/ 61.
وحكي عن مالك 1 أنه قال: لا ينقض الطهر بمس فرج الصغير.
وقال إسحاق (في) 2 من مس فرج الميت: لا ينقض، وقد خرج فيه (وجه) 3 لبعض أصحابنا.
وقال مالك 4: مس المرأة فرجها لا ينقض طهرها، وحكي عن بعض أصحابه: إذا كان بشهوة نقض.
(فإن خلق لرجل ذكران يبول منهما جميعًا، فمس أحدهما).
ذكر بعض أصحابنا: أنه ينتقض وضوؤه، وإن أولج أحدهما في فرج، وجب عليه الغسل، وفي هذا نظر، لأن اللَّه تعالى أجرى العادة أن يكون للواحد ذكر واحد، (والآخر) 5 زائد لا محالة، فيقضى له بحكم المشكل.
ومس فرج البهيمة لا ينقض الطهر.
وحكى ابن عبد الحكم قولًا آخر عن الشافعي رحمه اللَّه: أنه ينقض 6 (الوضوء) 7، وبه قال الليث، وليس بمذهب.
وحكي عن عطاء: نقض الطهر بمس فرج بهيمة مأكولة.
فإن مس العانة 1، والأنثيين، لم ينتقض طهره.
وحكى عن عروة أنه قال: ينتقض طهره.
فإن مس بذكره دبر غيره.
فقد قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: الذي يقتضيه المذهب، أن لا ينتقض طهره، والذي يقتضيه التعليل أن ينتقض.
وقد ذكر الشيخ الإمام (أبو أسحاق) 2 رحمه اللَّه في الخلاف: ما يوافق ما يقتضيه المذهب، وما سوى ما ذكرناه لا ينقض الطهر، (كالخارج) 3 من غير السبيلين من قيء 4، أو رعاف، وهو قول مالك 5، وداود.
وقال أبو حنيفة: كل نجاسة خارجة من البدن، فإنها تنقض الطهر، كالدم إذا سال، والقيء إذا ملأ الفم 6، وبه قال أحمد 7.
وعن أحمد رواية أخرى: أنه إن قطر الدم قطرة لم ينقض.
وعنه رواية أخرى: أنه إن (خرج) 1 منه قدر ما يعفى عنه، وهو شبر (في شبر) لم ينقض.
عن ابن أبي ليلى: أنه ينقض قليله وكثيره.
وروي عن زفر، وعطاء: وأكل شيء من اللحوم لا ينقض الطهر.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز 2، والحسن البصري، والزهري: أنهم كانوا يتوضأون مما مست النار 3. = كثيرها، لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث فاطمة بنت حبيش: "إنه دم عرق فتوضئي لكل صلاة"، رواه الترمذي 1/ 217، والقليل من هذه الأشياء لا تنقض الوضوء، لمفهوم قول ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة، قال أحمد: عدة من الصحابة تكلموا فيه، وابن عمر عصر بثرة، فخرج الدم، فصلى، ولم يتوضأ، وابن أبي أوفى عصر دملًا، وذكر غيرهما، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعًا، "كشاف القناع" 1/ 124.
وقال أحمد: أكل لحم الجزور ينقض الطهر 1، وحكاه ابن (القاص) 2 عن الشافعي رحمه اللَّه في القديم 3 والقهقهة لا تنقض الطهر، وهو قول مالك (4)، وأحمد (5). وقال أبو حنيفة: القهقهة في غير صلاة الجنازة، والعيد من (الصلوات) 4 تنقض الطهر وهو قول الثوري، والنخعي 5.
وعن الأوزاعي: روايتان 1.
ويستحب أن يتوضأ من القهقهة، والكلام القبيح، لآثار رويت فيه 2.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: والأشبه من ذلك أن (يكونوا) 3 أرادوا به غسل اليد (والفم) 4.
والشيخ الإمام أبو إسحاق رحمه اللَّه اختار الأول، وهو الأصح.
= وصلاة الجنازة: ليست بصلاة مطلقة، وكذلك سجدة التلاوة، "مبسوط" 1/ 278. ويقول البابرتي: فلا يتعدى إلى صلاة الجنازة: وسجدة التلاوة، وصلاة الصبي، وصلاة الباني بعد الوضوء على إحدى الروايتين، وصلاة النائم، فإن الوضوء لا يفسد في جميع ذلك، "فتح القدير" 1/ 35. ولذلك فرواية القفال (صلاة العيد) غير صحيحة، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
فصل
إذا تيقن الطهارة، وشك في الحدث، بنى على يقين الطهارة، ويستحب له أن (يتوضأ) 1. وقال مالك: يجب عليه أن (يتوضأ) (2). وقال الحسن البصري: إن (طرأ) 2 عليه الشك في الحدث وهو في الصلاة أتمها، وبنى على اليقين، وإن طرأ عليه ذلك قبل التلبس بها، لزمه الوضوء، (وإن) 3 تيقن حدثًا وطهارة، وشك في السابق منهما، نظر فيما كان (قبلهما) 4 عليه، فإن كان محدثًا، فهو الآن
متطهر، وإن كان متطهرًا، فهو الآن (محدث) 1.
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه الوضوء بكل حال.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهو الأصح لتساوي حالهما، وذكر فيه وجه آخر: أنه يتمسك بالأصل فإن كان محدثًا، فهو محدث، وإن كان متطهرًا، (فهو متطهر) 2، وليس بشيء.
فصل
يحرم على المحدث مس المصحف 1، وحمله على غير طهارة، وهو قول مالك 2. وقال أبو حنيفة: يجوز له حمله (في غلافه) 3 و (بعلاقته) 4
على غير طهارة، (وهو قول مالك) 1، ولا يجوز له (مس أوراقه) 2، وبه قال أحمد 3، وحكاه ابن المنذر عن الحكم 4، وعطاء.
وقال الخراسانيون من أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز له مس موضع الكتابة، ويجوز (له) 5 مس ما سوى ذلك 6.
وقال داود: كل ذلك جائز 7.
إذا وضع الورق بين يدين، وكتب القرآن فيه وهو محدث، جاز.
وحكي فيه وجه آخر: أنه لا يجوز، (وليس بصحيح) 1
(فإن حمل صندوق المتاع، وفيه مصحف جاز، وحكي فيه وجه آخر: أنه لا يجوز، وليس بصحيح) 2.
وفي (حمل) 3 الصبيان الألواح التي يكتبون عليها القرآن على غير طهارة، وجهان 4.
وفي حمل الدراهم الآحادية، والثياب المطرزة بآيات من القرآن، (وكتب الفقه، وفيها آيات من القرآن) 5 غير طهارة وجهان:
أصحهما: جواز ذلك.
وقيل في تفسير القرآن: إنه إن كان القرآن أكثر، حرم حمله، وإن كان التفسير أكثر، فعلى الوجهين، ولا اعتبار بالكثرة عندي في ذلك، وإنما الاعتبار بالمقصود، وقيل: إن كان قد كتب القرآن في سطر بخط غليظ، وتفسيره تحته، في سطر، لم يجز حمله، وإن لم يتميز عنه في الخط كره، وهذا لا معنى له، (فإنه) 6 إن لم يكن قد ترك من القرآن شيئًا في نظمه، فهو مصحف أبدع فيه.
(وإن) 1 كان على موضع من بدنه نجاسة، وهو على طهارة، فمس المصحف بغيره جاز.
وقال أبو القاسم الصيمري 2 من أصحابنا: لا يجوز.
باب الاستطابة
يحرم استقبال القبلة واستدبارها لقضاء الحاجة في الصحراء 1، ويجوز في البنيان 2، وله قال مالك 3، وأحمد 4 في إحدى الروايتين
عنه، وروي ذلك عن العباس 1 وعبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه (عنهم) 2.
وقال داود: يجوز الاستقبال، والاستدبار في المكانين.
وقال أبو حنيفة 3، والثوري: لا يجوز الاستقبال في المكانين، وعنه في الاستدبار، روايتان:
إحداهما: (يجوز) 4.
والثانية: (لا يجوز) 5 فيهما.
= القبلة، ولا يستدبرها لغائط، ولا بول"، سنن البيهقي 1/ 91، و"مسند الشافعي": 338، أما دليل جواز ذلك في البنيان، فلما روت عائشة رضي اللَّه عنها، أن أناسًا كانوا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أو قد فعلوها، حولوا بمقعدتي إلى القبلة" رواه أبو داود أيضًا 2/ 22.
وروي مثل ذلك: عن أحمد 1.
وروي عن أبي أيوب الأنصاري 2: (المنع) 3 منهما في المكانين جميعًا، وهو قول النخعي.
وحكي (عن) 4 بعض أصحاب مالك: أنه ذكر في الجماع مستقبل القبلة، اختلافًا بين أصحاب مالك.
فقال (ابن) 5 القاسم 6: لا بأس به.
وقال ابن حبيب 1: يكره 2.
وعندي: أنه لا يتصور هذا الحكم في الجماع.
والاستنجاء واجب، من البول، والغائط، وبه قال أحمد 3، وداود، ومالك 4 في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو حنيفة 5: الاستنجاء غير واجب، وهو الرواية الثانية عن مالك، ويحكى عن المزنى، وقدّر أبو حنيفة النجاسة التي تصيب الثوب، والبدن، في (العضو) 6 بقدر الدرهم (البغلي) 7 اعتبارًا (بمحل) 8 النجو عندهم.
فإن خرجت منه بعرة يابسة، (أو حصاة) 1، أو دودة لا رطوبة معها، لم يجب منها الاستنجاء في أصح القولين.
فإن (توضأ) 2 قبل أن يستنجي صح وضوؤه، ويستنجي بعده بالحجر.
وإن تيمم قبل أن يستنجي، لم يصح تيممه في أصح القولين.
والقول الثاني: أنه يصح (حكاه الربيع) 3.
وقال أبو إسحاق: هذا من كيسه 4.
وإن كان على بدنه نجاسة في غير محل النجو، فتيمم قبل غسلها، لم يصح تيممه في أصح الوجهين.
وقال أبو علي في الإفصاح: يصح قولًا واحدًا.
وإذا أراد الاستنجاء من الغائط، ولم يجاوز الموضع المعتاد، فالأفضل أن يجمع بين الماء والحجر 5، فإن اقتصر على أحدهما، فالماء أولى، وإن اقتصر على الحجر، جاز، ويلزمه فيه الإِنقاء، حتى
لا يبقى إلّا أثر لاصق، لا يزيله إلّا الماء (واستيفاء ثلاث) 1 مسحات، وبه قال أحمد 2.
وقال داود: الواجب، الإنقاء دون العدد.
وأبو حنيفة يقول: الاستنجاء مستحب، ولا يستحب فيه (العدد) 3.
وفي كيفية الاستنجاء وجهان:
قال أبو علي بن أبي هريرة 4: يضع حجرًا على مقدم الصفحة اليمنى، (ويمره) 5 إلى مؤخرها، ثم يديره إلى الصفحة اليسرى، ويمره عليها إلى الموضع الذي بدأ منه، ويأخذ الثاني، فيمره من مقدم الصفحة اليسرى، ويمره إلى مؤخرها، ويديرها إلى (اليمنى) 6 على ما ذكرناه، ويأخذ الثالث فيمره على الصفحتين، والمسربة.
وقال أبو إسحاق: يأخذ حجرين للصفحتين، وحجرًا للمسربة، والأول أصح.
وإن كان يستنجي من البول، أمسك ذكره بيساره، ومسحه على الحجر.
وحكي عن بعض أصحابنا: أنه يأخذ ذكره بيمينه، والحجر بيساره فيمسحه به.
قال الشافعي رحمه اللَّه: (الثيب) 1، والبكر سواء، وهذا صحيح.
والواجب: أن تغسل ما يظهر من فرجها عند جلوسها، وذلك دون البكارة.
وحكي عن بعض أصحابنا أنه قال 2: الثيب تغسل باطن فرجها، فلا يصح أن تستنجي بالحجر، (وهذا) 3 خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه.
وذكر في الخنثى المشكل: أنه لا يجوز أن يستنجي بالحجر.
(وقال الإِمام أبو بكر) 4: وعندي: أن هذا (ينبني) 5 على الوجهين فيه.
إذا انفتح مخرج (آخر) 1 مع بقاء المخرج المعتاد، فإن هذا الفرج الزائد، الذي يخرج عنه بول، يكون دون هذا الذي انفتح ويخرج منه الخارج.
فصل
ويجوز الاستنجاء بالحجر، وما يقوم مقامه، وهو كل جامد طاهر (منقي) 1 لا حرمة له، ليس بجزء من حيوان.
فإن استنجى بشيء نجس لم يصح، ولزمه أن يستنجي بعده بالماء، ولا يجزئه الحجر، وفيه وجه آخر: أنه يجزئه الحجر بعده.
وقال أبو حنيفة 2: يصح الاستنجاء بالجامد النجس.
ومن أصحابنا من قال في الحجر المستعمل بعد الإنقاء (لاستيفاء) 3 العدد: أنه لا يجوز الاستنجاء به، كالماء المستعمل، وليس بشيء.
ولا يصح الاستنجاء بالطعام، والعظام، وما له حرمة 1.
وقال مالك 2: إذا كان ظاهرًا، جاز الاستنجاء به.
وقال أبو حنيفة 3: يصح الاستنجاء بالعظم.
فإن استنجى بجزء من حيوان، كذنب حمار، لم يصح في أحد الوجهين، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
والثاني: يصح واختاره في الحاوي.
وحكي عن أبي علي بن خيران 4: أنه أجاز أن يستنجي بكف
نفسه، كما يجوز أن يستنجي بكف غيره، وإن استنجى بجلد مذكى غير مذبوح، لم يصح في أظهر القولين.
فإن جاوز الخارج، الموضع المعتاد، إلى باطن الألية (أجزأه فيه إلّا الماء.
ومن أصحابنا من قال: يجوز الحجر في أظهر القولين) 1.
والثاني: لا يجزىء فيه إلّا الماء.
وإن خرج إلى ظاهر الألية (لم يجزئه) 2 إلّا الماء.
ومن أصحابنا من قال 3: يجوز أن يستعمل في ظاهر الألية الماء، وفي الباطن الحجر.
(فأما البول فقد) 4 قال أبو إسحاق المروزي: إذا جاوز المخرج (المعتاد) 5 لم يجز فيه إلّا الماء.
ومن أصحابنا من قال: هو بمنزلة الغائط.
فإذا لم يجاوز الحشفة، كان فيه قولان.
وإن كان الخارج نادرًا، كالدم، فهل يجزىء فيه الحجر؟ فيه قولان 1. فإن انسد المخرج المعتاد، وانفتح مخرج (آخر) 2، (و) 3 قلنا: ينتقض الوضوء بالخارج منه، فهل يجزىء فيه الحجر؟ فيه وجهان.
باب ما يوجب الغسل
1 والذي يوجب الغسل: إيلاج 2 الحشفة في الفرج، وإنزال
المني 1 والحيض، والنفاس.
فالإيلاج: يوجب الغسل، وإن لم يتصل به إنزال 2.
وقال داود: لا يوجب الغسل بحال، وروي ذلك عن أُبي بن كعب في آخرين من الصحابة رضي اللَّه عنهم.
وقيل: إنهم (رجعوا عن) 3 ذلك.
ولا فرق بين فرج الآدمية، والبهيمة.
وقال أبو حنيفة 4: لا يجب الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة، والميتة.
= والفرج: سواء كان قبلًا، أو دبرًا، ولو من ميت، أو بهيمة، وإن لم يشته، ولا حصل إنزال، ولا قصد، ولا انتشار ولا اختيار، أو بحائل غليظ، "نهاية المحتاج" للرملي 1/ 212، "حاشية الشبراملسي" عليه.
إذا لف على ذكره خرقة، وأولجه في الفرج، حتى جاوز حد الختان، وجب الغسل عليهما في أحد الوجهين.
والثاني: أنه لا غسل فيه.
وكان أبو الفياض 1 يقول: إن كانت الخرقة خفيفة، وجب الغسل، وإن كانت صفيقة تمنع وصول اللذة، لم يجب، والأول: أصح.
فإن كان مقطوع الذكر من حد الختان، تعلق الغسل (بالإيلاج) 2 جميع ما بقي.
وفيه وجه آخر: أنه إذا غيب من الباقي بقدر الحشفة، وجب الغسل.
وإنزال المني، يوجب الغسل، بدفق، وغير دفق.
وقال أبو حنيفة 1، ومالك 2، وأحمد 3: إذا خرج المني بغير دفق وشهوة، لم يوجب الغسل.
ولا يجب الغسل بالمني من غير خروج من الذكر.
وقال أحمد 4: إذا انتقل المني من الظهر إلى الاحليل، وجب الغسل، وإن لم يخرج.
إذا استدخلت المرأة المني، ثم خرج، لم يجب عليها الغسل.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يجب عليها بخروجه الغسل.
والمذي: ماء رقيق، لزج، يخرج بأدنى شهوة، (ولا يوجب) الغسل 5.
وقال أحمد 6 في إحدى الروايتين: إنه يجب عليه غسل الذكر، والأنثيين من المذي.
وقال مالك 7: يغسل الذكر منه.
فإن خرج منه، ما يشبه المني، ويشبه المذي، ولم (يتميز له) 1 وجب منه الوضوء.
وقيل: يخير، بين أن يجعله منيًا، فيغتسل منه، وبين أن يجعله مذيًا فيتوضأ منه، ويغسل الثوب منه.
وقال الشيخ الإمام أبو إسحاق: رحمه اللَّه يجب أن يتوضأ (مرتبًا) 2، ويغسل سائر بدنه، ويغسل الثوب منه احتياطًا، والأول أظهر، رجع إليه القفال بعد ما كان يقول بغيره.
فإن اغتسل، ثم خرج منه مني، وجب عليه أن يغتسل ثانيًا، سواء خرج قبل البول، أو بعده.
وقال مالك 3، وأحمد 4، وأبو يوسف 5: يجزئه الغسل الأول بكل حال.
وقال الأوزاعي: إن خرج منه قبل البول، فلا غسل عليه.
وقال أبو حنيفة 6: إن خرج قبل البول، فعليه الغسل، لأنه بقية
مني خرج (منه) 1 بدفق، وشهوة، وإن خرج بعد البول، فلا غسل.
وعن مالك 2: في وجوب الوضوء من هذا المني روايتان.
والحيض، والنفاس، يوجبان الغسل، فإن ولدت المرأة، ولم ترَ نفاسًا، فلا غسل عليها في أصح الوجهين.
فإن أسلم، ولم يكن قد وجب عليه غسل في حال الشرك، فلا غسل عليه، ويستحب أن يغتسل.
وقال مالك وأحمد: يجب عليه الغسل بالإسلام.
وحكى أبو ثور عن الشافعي رحمه اللَّه: (أنه) 5 يجوز للحائض، أن تقرأ، وهو قول مالك في إحدى الروايتين 6.
وقال مالك أيضًا: يقرأ الجنب آيات يسيرة.34
وأنكر أصحابنا: ما ذكر من الرواية عن (الشافعي) 1 رحمه اللَّه.
وحكي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: يقرأ ورده وهو جنب.
وحكي عن سعيد بن المسيب: (أنه) 2 سئل، (أيقرأ) 3 الجنب؟ قال: نعم، أليس هو في جوفه، وهو قول داود، واختاره ابن المنذر.
وقال أبو حنيفة 4، وأحمد 5، يقرأ ما دون الآية.
وعن الأوزاعي أنه قال: يقرأ آية النزول، والركوب، كقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ 6، و ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ 7.
ويحرم بالجنابة: اللبث في المسجد، ولا يحرم العبور، وبه قال عطاء.
وقال أبو حنيفة 8، ومالك 9: لا يجوز له العبور.
وقال أحمد 1: إذا توضأ يجوز له (اللبث فيه) 2.
وقال داود: يجوز له اللبث من غير وضوء، واختاره ابن المنذر.
وأما الحائض: فظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه، أنه لا يجوز لها العبور.
وقال أبو إسحاق: إن أمنت (تلويث المسجد) 3 بالاستيثاق في الشد، جاز لها العبور، وكلام الشافعي رحمه اللَّه محمول عليه، إذا لم تأمن (تلويث) 4 المسجد.
باب صفة الغسل
إذا أراد الغسل من الجنابة، فإنه يسمي اللَّه عز وجل، وينوي الغسل من الجنابة، أو الغسل لأمر لا يستباح إلّا بالغسل، كقراءة القرآن، ويغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، ثم يغسل ما على فرجه من أذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه (العشر) 1 في الماء، فيغرف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويمر يديه على ما يقدر عليه من بدنه، ثم يتحول من مكانه فيغسل قدميه.
والواجب من ذلك: النية 2، وإيصال الماء إلى جميع الشعر، والبشرة، وغسل نجاسته إن كانت عليه، وما سوى ذلك منه.
وحكي عن مالك أنه قال 1: إمرار اليد إلى حيث تناله من بدنه واجب، وهو اختيار المزني.
وحكي عن داود أنه قال: يجب عليه الوضوء، والغسل جميعًا عن الجنابة المجردة، بأن ينظر بشهوة، فينزل المني.
فأما إذا وجد منه جنابة، وحدث، فمنصوص الشافعي 2 رحمه اللَّه، (أنه) يدخل الوضوء في الغسل، فيجزئه الغسل لهما، وهو قول مالك 3.
وفيه وجه آخر: أنه يلزمه أن يتوضأ، ويغتسل.
وفيه وجه ثالث: أنه يقتصر على الغسل، غير أنه يلزمه أن ينوي الحدث، والجنابة.
فإن غسل أعضاء وضوئه من الجنابة، ثم أحدث، لزمه الوضوء مرتبًا.
وذكر في الحاوي وجهًا آخر: أنه (مخير) 4، بين أن يتوضأ، وبين أن يغتسل في جميع بدنه غسلًا واحدًا، فيجزئه عن الجنابة والحدث، وهل يلزمه أن يرتب أعضاء وضوئه، فيه وجهان.