فإن أجتمع على المرأة جنابة، وحيض، كفاها لهما غسل واحد 1.
وحكي عن داود: أنها تحتاج إلى غسلين.
وغسل المرأة كغسل الرجل، إلّا أن الغالب كثرة شعرها، فتحتاج أن تغمره بالماء.
فإن كان يصل إلى جميعه من غير نقض، لم يلزمه نقضه 2.
وقال النخعي: يلزمها نقضه بكل حال.
وحكي عن أحمد أنه قال 3: الحاثض تنقض شعرها، وفي
الجنابة (لا تنقضه) 1.
وبأي موضع بدا من بدنه في غسله، جاز.
وحكي عن إسحاق: (ابن راهوية) 2 أنه قال: يبدأ بأعالي بدنه.
وإن اغتسل الجنب، وعلى موضع من بدنه نجاسة، فاستهلكها الماء في غسله، هل يرتفع حدثه بتلك الغسلة عن ذلك المحل؟ فيه وجهان 3.
فإن انغمس في ماء يبلغ قلتين ينوي به غسل الجنابة، لم يصر مستعملًا، وإن كان أقل من قلتين، صار مستعملًا، وصح غسله في أحد الوجهين 4.
فإن اغترف الماء بيده من الإناء ليغسلها، لم يصر مستعملًا في أصح الوجهين.
وقيل: يصبر مستعملًا.
= لأن المقصود هو إيصال الماء إلى أصول الشعر، فإذا لم يصل الماء، عندئذٍ يتعين نقض ضفائرها، واللَّه أعلم.
فإن غمس يده، أو (غيرها) 1 من الأعضاء في الإناء قبل غسلها لم ينجس الماء.
وقال أبو يوسف: إذا أدخل يده، لم ينجس الماء، وإن أدخل غيرها من الأعضاء، ينجس.
ويجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة في الإناء 2.
وحكي عن أحمد أنه قال 3: لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة إذا خلت به.
وفي رواية أخرى: أنه يكره.45
ويستحب أن لا ينقص في وضوئه عن مد، وفي غسله (من) 1 صاع، فإن كفاه أقل من ذلك، أجزأه 2. وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال 3: لا يمكن المغتسل أن يعمم جميع بدنه بأقل من صاع، ولا المتوضىء أن يسبغ بأقل من مد، وهذا فاسد.
باب التيمّم
1 يجوز التيمم عن الحدث الأصغر، والأكبر 2.
وروي عن عمر 1، وعبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنهما أنهما قالا: لا يجوز للجنب أن يتيمم.
وقيل: إنهما رجعا عن ذلك 2.
وحكي عن النخعي: أن الجنب يؤخر الصلاة، حتى يجد الماء، رواه ابن المنذر.
ولا يجوز التيمم عن النجاسة.
وقال أحمد 3: يجوز.
والتيمم: مسح الوجه، واليدين مع المرفقين بالتراب بضربتين، أو أكثر، وهو قول أبي حنيفة 4، ومالك 5.
وحكي عن الشافعي رحمه اللَّه أنه قال في القديم 6: إن التيمم
في الوجه والكفين، وليس بمشهور عنه، وهو قول أحمد 1، وداود، وهو رواية عن مالك 2.
وعندهم: يقتصر فيهما على ضربة واحدة 3.
وعندنا: يحتاج إلى ضربتين.
وقال الزهري: يمسح اليد إلى الإبط.
وحكي عن ابن سيرين أنه قال: لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين.
= المرفقين، فإن حصل استيعاب الوجه، واليدين بالضربتين، وإلا وجبت الزيادة حتى يحصل الاستيعاب، أما قول الشافعي: ان التيمم يكفي فيه مسح الوجه والكفين، فأنكره الشيخ أبو حامد، والماوردي، وقالوا: لم يذكره الشافعي في القديم، أما نقل أبي ثور عن الشافعي، وهو من خواص أصحاب الشافعي وثقاتهم وأئمتهم، فنقله عنه مقبول، وإذا لم يوجد هذا النقل في القديم، حمل على أنه سمعه منه مشافهة "المجموع" 2/ 229.
ولا يصح التيمم إلّا بتراب طاهر، له غبار يعلق باليد 1، وبه قال أحمد، وداود 2.
وقال أبو حنيفة 3، ومالك 4: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، ولا يعتبر أن يعلق باليد غبار، حتى قال مالك: يصح التيمم بالثلج.
وحكي (عنه) 5 أنه قال: يصح التيمم بكل ما كان متصلًا بالأرض من النبات.
وقال أبو يوسف: يجوز التيمم بالتراب، والرمل، وهو قول الشافعي رحمه اللَّه في القديم.
وحكي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: لا يجوز التيمم
إلّا بتراب عذب، تراب الحرث، وبه قال إسحاق: فإن ضرب يده على ثيابه، فعلق بها غبار، فتيمم به صح تيممه 1.
وقال أبو موسى: لا يصح، وحكي أيضًا عن مالك 2.
وحكي عن داود: أن التراب إن كان (قد) تغير بالنجاسة، لم يجز التيمم به، وإن لم يتغير، جاز.
ولا يجوز التيمم (بتراب) 3 خالطة دقيق، أو جص، وحكي فيه وجه آخر: أنه يجوز إذا كان التراب غالبًا 4.
ولا يصح التيمم بتراب مستعمل في التيمم 5.
وقال أصحاب أبي حنيفة 6: يجوز وهو وجه لبعض أصحابنا.
وما تناثر من العضو مستعمل.
ومن أصحابنا من قال: المستعمل ما بقي على العضو، دون ما تناثر عنه.
فإن أحرق الطين الخراساني، فتيمم بمدقوقة، صح في أحد الوجهين.
فصل
ولا يصح التيمم إلّا بالنية، فينوي استباحة الصلاة، فإن نوى به رفع الحدث، لم يصح تيممه في أصح الوجهين 1.
وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة 2: أن التيمم يرفع الحدث.
ولا بد في استباحة الفريضة من نية التيمم للفرض، وهو قول
مالك 1، وأحمد، وهل يفتقر إلى تعيين الفرض (من) 2 ظهر أو عصر؟ فيه وجهان:
وحكي فيه قول آخر: أنه يستبيح الفريضة بنية التيمم للصلاة المطلقة، والنافلة، حكاه الشيخ الإمام أبو إسحاق، عن أبي حاتم القزويني، عن أبي يعقوب (الأبيوردي) 3 عن الإملاء.
فإن تيمم للفريضة، يعتقد أنه محدث، فذكر أنه كان جنبًا، صح تيممه.
وقال مالك: لا يصح تيممه، وبه قال أحمد.
وحكى (ابن) 4 القصار 5 عن مالك: أنه يصح تيممه، وموضع
الخلاف: أن يكون ذاكرًا للجنابة والحدث، فينوي استباحة الصلاة من الحدث، وفي ذلك عن مالك، روايتان.
وإن تيمم للفرض، استباح به النفل قبل الفرض، (وبعده، وفيه قول آخر: أنه لا يجوز أن يصلي به النفل قبل الفرض) 1 ويجوز بعده، وبه قال مالك 2، وأحمد 3.
وإن تيمم للنفل، جاز أن يصلي به على الجنازة، نص عليه في البويطي.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز، مخرج من الجمع بين (الصلاتين) 4 على جنازتين بتيمم واحد.
وإن (نوى التيمم) 5 لمس المصحف، أو لقراءة القرآن، أو للوطء، استباح ما نواه، وهل يستبيح به النفل؟ فيه وجهان 6.
فإن شك، هل عليه فائتة، أم لا، فتيمم ينوي الفائتة، ثم = على أبي بكر الأبهري، ويقول الشيرازي: له كتاب في مسائل الخلاف كبير، لا أعرف لهم كتابًا في الخلاف أحسن منه، "طبقات الفقهاء" للشيرازي: 168.
تذكر، أنهما عليه، فقد قيل: إنه لا يجوز أن يصليها به، وفي هذا عندي نظر.
فإن تيمم لفوائت، جاز (له) 1 أن يصلي واحدة منها في أصح الوجهين 2.
فإذا أراد التيمم، سمي اللَّه عز وجل، (ونوى) 3، وضرب يديه على التراب 4، فإن كان التراب ناعمًا كفاه وضع اليد، ومسح من وجهه البشرة الظاهرة، وظاهر الشعر على الصحيح من المذهب.
ومن أصحابنا من قال 5: يجب إيصال التراب إلى باطن (الشعور) 6 الأربعة 7، كما يجب في الوضوء، ثم يضرب ضربة أخرى، فيمسح يديه، فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع
يده اليمنى، ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع، جعل أطراف أصابعه على حرف الذراع، ثم يمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى باطن الذراع، ويمره عليه ويرفع إبهامه، فإذا بلغ الكوع، أمرَّ باطن إبهام يده اليسرى على ظاهر إبهام يده اليمنى، ثم يمسح بكفه اليمنى، يده اليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى.
وحكى الحسن بن زياد 1 عن أبي حنيفة 2: أنه إذا مسح أكثر وجهه، وأكثر (يديه) 3 أجزأه، فإن أمر غيره حتى يممه ونوى هو، أجزأه 4.
وقال ابن القاص في التلخيص: لا يجزئه، قلته 5 (تخريجًا) 6.
وإن سفت الريح على وجهه (ترابًا عمه) 1، فأمرَّ يده على وجهه، لم يجزه، وبه قال ابن (القاص) 2، وأبو علي الطبري.
وقال القاضي أبو حامد: هذا إذا لم (يصمد) 3 للريح، (فأما) 4 إذا (صمد) 5 للريح، ونوى، أجزأه 6. = هذا، لأن عادته في كتابه التلخيص: أن يذكر المسائل التي نص عليها الشافعي، ويقول عقبة: قاله نصًا، وإذا قال شيئًا غير منصوص، وقد خرجه هو قال: قلته تخريجًا، وهذه المسألة خرجها من التي بعدها، وهي مسألة الريح، "المجموع" 2/ 256.
(والتكرار) 1 في التيمم غير مستحب، فأما إذا أراد تجديد التيمم لنافلة بعد الفريضة: ذكر القفال: أن ذلك لا يتصوّر بحكم العدم، ويتصوّر في الجريح، فيستحب التجديد في المغسول، وهل يستحب في التيمم للنافلة؟ فيه وجهان، وينبغي أن يستحب التجديد بحكم (العدم للنافلة، والنافلة) 2 أيضًا.
= والثاني: يصح وهو قول القاضي أبي حامد، واختيار الشيخ أبي حامد الأسفراييني، وصورة المسألة: إذا قصد، ثم وقع عليه التراب، فلو وقع عليه، ثم قصد، لم يجزه بلا خلاف، "المجموع" 2/ 256.
فصل
ولا يصح التيمم للمكتوبة، قبل دخول وقتها، وبه قال مالك 1، وأحمد 2، وداود، وقال أبو حنيفة 3: يجوز ذلك.
ومن أصحابنا من قال: إذا لم ينعقد تيممه للفرض قبل دخول الوقت، فهل ينعقد للنفل؟ فيه وجهان، بناء على من أحرم بالظهر قبل الزوال لم ينعقد (الفرض) 1، وهل تنعقد نافلة؟ فيه قولان، وهذا خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه في البويطي.
فإن تيمم للصلاة على الميت قبل غسله، فهل يصح (تيممه)؟ 2 فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يصح.
ولا يجوز التيمم، إلا للعادم للماء، أو الخائف من استعماله.
وقال أبو حنيفة 3: يجوز التيمم، مع وجود الماء لصلاة الجنازة، والعيد، (عند) 4 خوف (فوتهما) 5. فإن تيمم في أول الوقت، فهل يجوز له تأخير الصلاة إلى آخر الوقت ليصليها به، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، وهو قول أبي العباس، وأبي سعيد.
فإن تيمم قبل دخول الوقت لفائته، فلم يصلها حتى دخل وقت الحاضرة، فهل يجوز له فعل الحاضرة أم لا؟
قال ابن الحداد: يجوز.
وقال غيره: لا يجوز.
ويجوز أن يتيمم في أول الوقت.
وحكي عن الزهري أنه قال: لا يجوز أن يتيمم حتى يخاف فوت الوقت.
قال الشافعي رحمه اللَّه: وإذا تيمم لنافلة في الوقت الذي نهي عن الصلاة فيه، لم يجزه ذلك، يريد (به) 1 أنه لا يصلي به نافلة بعد خروج الوقت، فجعله كالتيمم للفرض قبل دخول وقته.
ومن أصحابنا: من بنى صحة تيممه فيه على (انعقاد نفله) 2، وهذا خلاف النص.
ولا يجوز للعادم للماء التيمم، إلّا بعد طلبه في مواضع الطلب في العادة 3.
وقال أبو حنيفة 1: (إذا) 2 كان مسافرًا، ولم يعلم بقربه ماء، جاز له التيمم، إلّا أن يطلع عليه ركب.
فإن (بيع) 3 منه الماء بثمن مثله، وهو واجد للثمن، غير محتاج إليه، لزمه ابتياعه.
قال أبو إسحاق: يعتبر ثمن مثله في موضعه في العرف الجاري، في عامة الأحوال.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: (يحتمل) 4 عندي: أنه إذا كان ما طلب منه في ثمنه، هو ثمن مثله في ذلك الوقت، مع ذلك العارض، لزمه الابتياع به، ولا يجوز له التيمم، وهذا صحيح يقتضيه المعقول، والأصول.
ومن أصحابنا من قال: ليس للماء ثمن، وثمنه أجرة نقله إلى ذلك الموضع، وليس بشيء.
وذكر أيضًا: أنه إذا طلب منه زيادة على ثمن المثل، يعتبر أن (يزيد على ما يُعَدُّ غلا في العادة) 5، فأما إذا كان يسيرًا، بحيث لو اشترى به وكيله (سامحه) 6 ورضي به، لزمه، وإن كان لا يرضى به،
لم يلزمه، وهذا لا يجيء على مذهب الشافعي رحمه اللَّه وإنما هو (ميل) 1 إلى قول مالك، (فإنه قال) 2: إذا طلب منه زيادة لا (يجحف) 3 لزمه أن يشتري، وإن بذل له الماء بثمن مثله في ذمته، وهو غير واجد للثمن في موضعه، ووجد في موضع آخر.
ذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: أنه يلزمه.
وذكر (أقضى القضاة) 4 الماوردي: أنه لا يلزمه.
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه) 5: وهذا عندي (أصح) 6.
فإن كان عنده بئر، وليس معه حبل، ولا دلو، ووجدهما على غيره بثمن المثل، أو أجرة المثل، لزمه الطهارة.
وإن أعير منه دلو، أو حبل، وكان ثمنه بقدر ثمن الماء، لزمه قبول العارية، (وإن كان ثمنه أكثر فهل يلزمه قبول العارية؟ ) 1 فيه وجهان:
أصحهما عندي: وجوب القبول.
وإن لم يمكنه استقاء الماء، إلّا أن يدلي ثوبًا تنقص قيمته إذا ابتل، فإن كان نقصانه لا يزيد على ثمن الماء، لزمه أن يستقي به، وإن زاد، لم يلزمه.
وإن كان معه ثوب إذا شقه نصفين، وصل إلى الماء، ولكنه ينقص قيمته بالشق.
فقد ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا كان النقصان، لا يزيد على أجرة الرشا، لزمه فعل ذلك، وإن كان يزيد، لم يلزمه، فاعتبر الأجرة، وفيما ذكرته قبله عن أصحابنا، اعتبار الثمن.
وقد ذكروا أيضًا: أن الرشا إذا بذل له بثمن مثله، لزمه قبوله، وربما كان بينهما تفاوت.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 2: (والصواب) 3، أن يقال: ينظر إلى أكثر ذلك إذا لم (ينفق) 4، فإذا كان النقص لا يزيد على
أكثر (واحد منهما، وإن زاد على الأجرتين) 1، لزمه احتماله.
فإن كان معه ماء طاهر، وماء نجس، (وخاف) 2 العطش.
قال في الحاوي: لا يتيمم، ويستعمل الطاهر، ويشرب النجس إذا كان قد دخل عليه وقت الصلاة.
قال الإمام أبو بكر 3: وهذا فيه نظر، لأن (ما يحتاج) 4 إليه للعطش، لا يتعلق به فرض الطهارة، فيشرب الطاهر ويتيمم، ولا يشرب النجس.
فإن لم يكن على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت، ولا على (يأس) 5 من وجوده، فالأفضل أن يصلي بالتيمم في أول الوقت، في أصح القولين، وهو اختيار المزني.
والثاني: أن التأخير أفضل.6
وعن أبي حنيفة (6): روايتان كالقولين.
وقال الثوري: التأخير أفضل بكل حال، وبه قال أحمد 1.
وقال مالك 2: يتيمم المريض، والمسافر في وسط الوقت، (لا يؤخره) 3 جدًا، ولا يعجله.
وحكي عن علي رضي اللَّه عنه أنه قال في الجنب لا يجد الماء: يتلوم 4 (ما بينه) 5 وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء، وإلّا يتيمم.
وهكذا حكم تأخير الصلاة عن أول الوقت لأجل الجماعة على ما ذكرناه.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا كان على علم من وجود الماء في آخر الوقت، ففي جواز التيمم في أول الوقت قولان، وليس بصحيح.
فإن تيمم، ثم علم أن في (رحله) 1 ماء، لزمه إعادة الصلاة، وهو قول أبي يوسف 2، وأحمد 3.
وعن مالك 4: روايتان.
قال أبو إسحاق: يشبه أن يكون الشافعي رحمه اللَّه، أجاب بذلك على قوله القديم، إذا نسي القراءة في الصلاة.
وقال غيره: يحتمل أن يكون: أراد مالكًا أو أحمد 5.
ومن أصحابنا من حكى (طريقة) 6 أخرى عن أبي علي بن أبي هريرة، وأبي الفياض: أنه اختلاف الرواية، لاختلاف الحال، (فأوجب) 7 الإعادة إذا كان رحله صغيرًا يمكن الإحاطة به، وحيث قال: (في رحله ماء، قال: لا يعيد) 8 إذا كان رحله (كبيرًا) 9 لا يمكن الإحاطة به.
والطريقة الأولى: هي الصحيحة.
وإن كان في رحله ماء، فأفضل رحله، (فطلبه فلم) 1 يجده فتيمم وصلى، لم يلزمه الإِعادة في أحد الوجهين.
قال الشافعي رحمه اللَّه: إذا تيمم، ثم بان بقربه بئر، حيث يلزمه (الطلب) 2، فعليه الإِعادة، نص عليه في البويطي.
وقال في الأم 3: لا إعادة عليه، (وظاهره) 4 قولان:
ومن أصحابنا: من جعل ذلك على حالين، فحيث قال: (لا إعادة) 5 عليه إذا كانت خفية، وحيث قال: يعيد، إذا كان عليها علم ظاهر.
فصل
إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لجميع الأعضاء، لزمه استعماله في أصح القولين 1، ويتيمم بعد استعماله لما بقي، في وجهه، ويديه، وبه قال مَعْمَرْ 2. والقول الثاني: أنه يقتصر على التيمم، وبه قال أبو حنيفة 3،
ومالك 1، وداود 2، وهو اختيار المزني.
وعن أحمد 3: روايتان كالقولين.
وقال عطاء، والحسن البصري: إذا وجد من الماء ما يكفيه لوجهه، ويديه، غسلهما به، وأغناه عن التيمم.
وقال عطاء: قصده (إذا كان معه) 4 ما يكفي (وجهه) 5 غسله، ومسح يديه بالتراب، وأجزأه.
فإن كان جنبًا فتيمم لعدم الماء وصلى فريضة، ثم أحدث، ووجد من الماء ما يكفيه لأعضاء وضوئه، فإن قلنا: يلزمه استعماله في الابتداء، بطل تيممه، ولزمه استعماله، والتيمم بعده لما بقي، وإن قلنا: لا يلزمه استعماله، فقد قال أبو العباس بن سريج: إن توضأ (به) 6 ارتفع حدثه، وعاد إلى ما كان قبله من حكم التيمم، فيصلي النفل، ولا يصلي فريضة، وهذا وضوء يستبيح به النفل دون الفرض.
(فإن ترك) 1 استعمال هذا الماء، وتيمم للفرض صح تيممه، واستباح به (فريضة وما شاء) 2 من النوافل.
وإن تيمم للنفل فقد قيل: يصح تيممه.
قال القاضي (أبو الطيب) 3 رحمه اللَّه: وهذا ليس بصحيح، بل يجب أن يقال: لا يصح تيممه للنفل، وهذا من الغريب.
فإن لم يجد ماء، ووجد ترابًا لا يكفي وجهه، (ويديه) 4، ففي وجوب استعماله القولان.
وقيل: يجب استعماله قولًا واحدًا.
فإن اغتسل الجنب في جميع بدنه إلًا عضوًا منه لم يجد له ماء، فتيمم عنه ثم أحدث، ثم تيمم ثانيًا ليصلي، فوجد ما يكفي (لذلك) 5 العضو، بني على القولين فيه، إذا لم يجد ابتداء غير ذلك القدر، فإن قلنا: لا يلزمه استعماله غسل به العضو الذي بقي، وتيممه صحيح، وإن قلنا: (لا) 6 يلزمه استعماله، بطل تيممه هاهنا.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 7: وعندي: أنه يلزمه استعماله في
العضو الباقي من الجنابة -قولًا واحدًا- لأنه يُتِمُّ به غسله، ولا يؤثر في تيمم حصل بحكم الحدث 1.
فإن عدم المحدث الماء في السفر، فتيمم، ثم أصابته جنابة، ووجد من الماء ما يكفي أعضاء الوضوء، فإن قلنا: لا يدخل الحدث في الجنابة، لزمه أن يتوضأ به عن الحدث، وتيمم عن الجنابة، (ويقدم أيهما شاء) 2. وإن قلنا: إن الحدث يدخل في الجنابة، سقط حكمه، وكان في استعمال ما وجده من الماء عن الجنابة قولان، فإن قلنا: يلزمه استعماله، قدمه على التيمم.
إذا اجتمع ميت، وحي على بدنه نجاسة، والماء مباح يكفي أحدهما، فالميت أحق به في ظاهر المذهب.
وقيل: استعماله في النجاسة أولى.
وإن اجتمع حائض، وجنب، والماء يكفي أحدهما 3.
قال أبو إسحاق: الجنب أولى.
وقيل: (الحائض) 4 أولى.
وإن اجتمع جنب، ومحدث، والماء يكفي المحدث، ويفضل
منه ما لا يكفي الجنب، ويكفي الجنب ولا يفضل (منه) 1 شيء، فالجنب أولى، وقيل: المحدث أولى، وقيل: هما سواء فيه.
فإن لم يجد ماءً، ولا ترابًا، صلى على حسب حاله وأعاد إذا قدر 2، وبه قال أبو يوسف، ومحمد 3، وأحمد 4، في أصح الروايتين عنه في الإِعادة.
وحكي (عن) 5 الشافعي رحمه اللَّه في القديم: أن الفعل في الوقت مستحب.
وقال أبو حنيفة 1، والثوري: لا يجوز أن يصلي في الوقت، ولكنه يقضي إذا قدر.
وقال مالك 2، وداود: لا يصلي في الوقت، ولا يلزمه القضاء إذا قدر.
وأما الخائف من استعمال الماء، فإنه إذا كان يخاف الزيادة في المرض، أو إبطاء البرء، فقد اختلف نص الشافعي رحمه اللَّه فيه، واختلف أصحابنا فيه على طرق 3:
فمنهم من قال: لا يجوز له التيمم قولًا واحدًا، وهو قول أحمد 4.
ومنهم من قال: يجوز قولًا واحدًا، وهو قول أبي العباس، وأبي سعيد الاصطخري.
ومنهم من قال: فيه قولان، وهو أصح الطرق، وهو قول أبي إِسحاق وعامه أصحابنا.
وأصح القولين: جواز التيمم، وهو قول أبي حنيفة 1، ومالك 2.
فإن كان (به) 3 مرض لا يلحقه معه ضرر من (استعمال) 4 الماء كالصداع، والحمى، لم يجز له التيمم.
وقال داود: يجوز، ويحكى ذلك عن مالك.
وحكي في الحاوي عن عطاء، والحسن 6 البصري: أنه لا يجوز التيمم للمرض إلّا عند عدم الماء.
فإن خاف من استعمال الماء (شينا) 7 في المحل.
قال (أبو العباس) 8: لا يختلف مذهب الشافعي رحمه اللَّه: أنه لا يجوز له التيمم.5
وقال غيره: إن كان (الشين) 1 كأثر الجدري، والجراحة، لم يجز له التيمم، وإن كان يشوه خلقه، ويسود كثيرًا من وجهه، كان على القولين 2.
وإن كان في بعض بدنه قرح يخاف من استعمال الماء فيه، غسل الصحيح، وتيمم عن الجريح.
وقال أبو إسحاق: يحتمل قولًا آخر، أنه يقتصر على التيمم، كما لو وجد من الماء ما يكفي بعض الأعضاء 3.
وقال أبو حنيفة 4: إن كان أكثر بدنه صحيحًا، اقتصر على غسل الصحيح، وإن كان الأكثر جريحًا، اقتصر على التيمم.
وإن كان في بعض بدنه قرح وهو جنب، غسل الصحيح، وتيمم عن الجريح، وبدأ بأيهما شاء.
ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يبدأ بالغسل 5.
وحكي وجه عن بعض أصحابنا الخراسانيين 1: أنه لا يصح التيمم قبل الغسل وليس بشيء.
فأما المحدث إذا كان في وجهه جرح، وفي يده جرح، وفي رجله جرح غسل الصحيح من وجهه، وتيمم عن الجريح فيه في وجهه ويديه، (ثم يغسل الصحيح من يده) 2 ويتيمم عن الجريح منها في وجهه ويديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل الصحيح من رجله، ويتيمم عن الجريح منها في وجهه ويديه 3.
قال ابن الحداد 4:
فإن حضر (وقت) 5 صلاة أخرى فإنه يعيد التيمم دون الغسل.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذا يحتاج إلى تفصيل.
فإن كان الجرح في رجله، أعاد التيمم وأجزأه، وإن كان في
وجهه، (أو يديه) 1، فينبغي على الأصل الذي (قدمناه) 2 أن يعيد التيمم وما بعده من الغسل ليحصل الترتيب.
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه تعالى) 3: وعندي، أن ما ذكره ابن الحداد أصح.
قال الشافعي رحمه اللَّه: ولو ألصق على موضع التيمم لصوقًا، ونزع اللصوق وأعاد 4.
واختلف أصحابنا في صورة ذلك.
فمنهم من قال: صورته: أن يكون القرح على موضع التيمم، لصوقًا، ونزع اللصوق وأعاد.
واختلف أصحابنا في صورة ذلك.
فمنهم من قال: صورته: أن يكون القرح على موضع التيمم، وقد ألصق عليه لصوقًا يمنع وصول التراب إليه، ولا يخاف من نزعه الضرر، وإنما يخاف من إمرار الماء عليه، فإنه يلزمه نزعه، وغسل الصحيح منه، وإمرار التراب على القرح في التيمم عنه، ولا إعادة عليه في الصلاة.
وقوله أعاد: أراد إعادة اللصوق بعد التيمم.
ومنهم من قال: صورة ذلك، أن يخاف من نزع اللصوق الضرر،
فيمسح بالتراب على اللصوق ويغسل الصحيح، ويعيد الصلاة قولًا واحدًا 1.
قال الماوردي: هذا التصوير يبعد، لأنه قال: نزع اللصوق.
وإذا كان يخاف الضرر من نزعه، أو من استعمال التراب فيه، (لم) 2 يلزمه نزعه.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: يحتمل أن يكون أراد نزع اللصوق، إذا (برىء) 3 وأعاد الصلاة التي صلاها بالمسح.
فصل
ولا يجوز أن يصلي بتيمم أكثر من فريضة، وما شاء من النوافل 1، وهو قول مالك 2، واختلف أصحابه في الجمع بين فوائت (بتيمم) 3 واحد.
وقال أبو حنيفة 4: يجوز أن يصلي بتيمم ما شاء من الفرائض، وبه قال الثوري، وداود، واختاره المزني 5.
وقال أحمد 1، وأبو ثور: يتيمم لوقت كل فريضة، ولا فرق عندنا بين (المنذورة) 2، والفائتة 3.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: في الجمع بين الفائتة، والمنذورة جوابين، بناء على أن مطلق النذر ماذا يقتضي، فإن قلنا: أقل ما يتقرب به وهو ركعة حملًا على النفل، جاز له الجمع بين (المنذورتين) 4، والمنذورة والفائتة، وهذا فاسد.
فإن أراد أن يجمع بين فريضتين في وقت الأولى منهما، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز بسبب (تخلل) 5 الطلب.
والثاني: يجوز.
= فريضة طلبًا للماء، وتيممًا بعد الطلب الأول، لقوله عز وجل: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ وقول ابن عباس: لا تصلى المكتوبة إلا بتيمم.
وعلى ذلك فرحم اللَّه القفال، من أين جاء بهذا الرأي من غير كتب الشافعية؟ واللَّه أعلم، "مختصر المزني": 7، وفي "المهذب"، يقول مثل القفال "مهذب" 1/ 43، و"مجموع" 2/ 324.