حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ط الرسالة الحديثةصفحات 369-408

(وذكر) 1 في الحاوي: أنه إذا ذكر لونًا من سواد، أو حمرة (أو خضرة) 2 ووصف صبغها، (بأي) 3 صبغ كان، (ولو) 4 أسلم فيها مصبوغًا، جاز.
قال الشيخ الإمام 5: وهذا عندي أصح مما ذكره غيره، من الفرق بين ما صبغ غزله ثم نسج، وبين ما صبغ بعد النسج.
وإن أسلم في ثياب مطرزة، وكانت منسوجة، جاز.
وإن كانت مركبة عليها: فمن أصحابنا: من أجراها مجرى الصبغ، فأجازه.
ومنهم: من منع السلم لامتيازها عن الثوب.
وذكر 6 الشيخ أبو حامد: أنه يجوز السلم في القماقم، والأسطال المدورة والمراجل 7.

قال القاضي أبو الطيب: وقد نص الشافعي على خلاف ذلك.
ويذكر في السمن: لونه أبيض، أو أصفر، ويذكر أنه حديث، أو عتيق.
قال الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: قال الشافعي رحمه اللَّه: اطلاقه يقتضي الحديث.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: العتيق الذي قد تغير لا يدخل فيه، لأنه (معيب) 1، وليس كل عتيق متغيرًا.
ويجوز السلم في اللبا قبل الطبخ إذا كان حليبًا.
وقال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: يجوز السلم فيه أيضًا بعد الطبخ لأن ناره يكون نارًا (لينه) 2. والأول: أقيس.
وفي السلم في الدقيق وجهان: = أما قطع الجلد، فيجوز السلم فيها وزنًا لانضباطها، لأن جملتها مقصودة، وما فيها من التفاوت يجعل عفوًا.
ويصح السلم في الأسطال المربعة لعدم اختلافها، والمدورة كالمربعة كما صرح به.
وقال الأذرعي: إنه الصواب واقتضاه كلام الشيخ أبي حامد.
ويصح السلم في كل ما لا يختلف من ذلك مضروبًا كان أو مصبوبًا كما صرح به الماوردي.
ولو شرط كون السطل من نحاس ورصاص جميعًا لم يصح، نص عليه في الأم، قال: لأنهما يخلطان، فيعرف قدر كل واحد منهما/ مغني المحتاج 3: 114. وروضة الطالبين 4: 28.

أحدهما: وهو قول أبي القاسم 1 الداركي، أنه لا يجوز.
والثاني: يجوز.
وفي السلم في السويق، وجهان: إذا قلنا: يجوز السلم في الدقيق.
وفي السلم في الرؤوس قولان: أحدهما: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة 2. ومن أسلم فيما لا يكال (ولا يوزن) 3، كالجوز، والبيض، والقثا، والبطيخ، والبقل.

والروس إذا جوزنا السلم فيها، اسلم فيها وزنًا 1. قال أبو إسحاق: يجوز السلم في الجوز كيلًا.
وقال أبو حنيفة: يجوز السلم في البيض، والجوز، عددًا 2. وحكى في الحاوي عن الأوزاعي أنه قال: يجوز السلم فيما (يتقارب) 3 من ذلك ولا يتفاوت (كثيرًا) عددًا 4 كالبيض، والرمان، والسفرجل، والباذنجان.
وإن أسلم إلى أجل (وجب) 5 أن يكون معلومًا 6، فإن أسلم

إلى (الحصاد) 1، (أو العطاء) 2 لم يجز، وبه قال أبو حنيفة 3. وقال مالك: يجوز السلم إلى الحصاد.
وإن قال: إلى ربيع، أو جمادي، صح، وحمل على الأول، على أصح الوجهين وقيل: لا يصح حتى يتبين.
وإن جعل المحل: (النفر) 4 الأول (وهو) 5 الثاني عشر من ذي الحجة، أو النفر الثاني وهو الثالث عشر من ذي الحجة، جاز لأهل مكة، لأنهم يعرفون، وهل يجوز لغيرهم؟ فيه وجهان ذكره في الحاوي (وذكر) 6 أنه إذا جعل المحل يوم (القر لا يقع) 7 وهو الحادي عشر من ذي الحجة، أو يوم الجلاء وهو الثالث عشر من ذي الحجة، لم يجبر = الصفات، والأجل المعلوم: ما يعرفه الناس كشهور العرب، وشهور الفرس، وشهور الروم وأعياد المسلمين، والنيروز والمهرجان: المجموع 12: 151.

لغير أهل مكة (وفي) 1 أهل مكة وجهان، لأنه لا يعرف ذلك إلا خواصهم، وإن جعل المحل: النيروز، (أو المهرجان) 2، أو شهرًا من شهور الفرس، أو الروم، فإن كان من العرب الذين لا يعرفون (ذلك) 3 من الأشهر الهلالية، لم يجز، وإن كان من الفرس، أو غيرهم ممن يعرف عوامهم ذلك، ففيه وجهان: (مذهب البصريين: أنه لا يجوز) 4. ولا يجوز إلى أعياد أهل الذمة، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه.
قال أبو إسحاق: (فإن) 5 علم المسلمون من حسابهم مثل ما يعلمونه، جاز أن يجعل أجلًا في السلم.
وذكر في الحاوي في ذلك: وجهين: وإن قال: محله (من) 6 يوم كذا، أو في شهر كذا، ففيه وجهان: أصحهما: أنه لا يصح.
والثاني: أنه يصح، ويحمل على أوله.

(حكاه الحاوي عن بعض أصحابنا، والمذهب: أنه كالشهر) 1. (فإن) 2 قال في سنة كذا: لم يجبر وجهًا واحدًا، حكاه الحاوي.
وإن أسلم في جنسين إلى أجل (أوفى) 3 جنس واحد إلى أجلين، صح في أصح القولين 4. (فأما) 5 بيان موضع (التسليم) 6 إذا كان العقد في موضع يصلح للتسليم 7، ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه يجب بيانه 8.

والثاني: لا يجب، ويحمل على موضع العقد، وبه قال أبو يوسف ومحمد 1. وقال أحمد: لا يجب ذكره، وإذا ذكر، فهل يبطل به السلم عنه؟ فيه روايتان 2. والوجه الثالث: أنه إن كان لحمله مؤونة، وجب بيانه 3، وإن لم

يكن لحمله مؤونة، لم يجب 1. فإن قال في المحل على أن أسلم إليك ببغداد (والبصرة) 2، فقد حكى فيه وجهان: أحدهما: أنه يصح، ويجعل بينهما نصفين، والأصح أنه لا يصح.
ويجب أن يكون رأس المال معلومًا، وهل يجوز أن يكون جزافًا إذا كان مشاهدًا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه لا بد من ذكر كيله، أو وزنه، وذكر صفاته، وبه قال مالك، وأحمد، واختاره، أبو إسحاق المروزي.
والقول الثاني: أنه لا يجب، وهو اختيار المزني.
وقال أبو حنيفة: إن كان رأس المال مكيلًا، أو موزونًا، وجب ضبط صفاته، وإن كان مزروعًا، أو معدودًا، لم يجب 3.

فإن كان رأس المال موصوفًا في الذمة، ثم عيناه في المجلس وقبضه فيه، جاز 1. وحكى في الحاوي عن أبي العباس بن رجاء البصري: أنه لا يجوز لأنه بيع دين بدين.
= وكذلك العدديات المتقاربة من الجوز والبيض، لأن الجهالة فيها يسيرة لا تفضي إلى المنازعة، وصغير الجوز والبيض وكبيرهما سواء، لأنه يجري التنازع في ذلك القدر من التفاوت وبين الناس عادة فكان ملحقًا بالعدم، فيجوز السلم فيها عددًا، وكذلك كيلًا، وهذا عندنا، وقال زفر: لا يجوز/ بدائع الصنائع للكاساني 7: 3164 - 3165.

ولا يجوز تأخير قبض رأس المال عن المجلس 1، فإن أخره، بطل العقد، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين، وثلاثة، وأكثر ما لم يكن ذلك بشرط: فإن قبض بعض رأس المال في المجلس دون البعض، وتفرقا، فقد حكى في الحاوي ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو قول البصريين أن العقد في الكل باطل قولًا واحدًا.
والثاني: وهو قول البغدادين، أن السلم فيما قبض صحيح لازم، وفيما بقى باطل.
والثالث: أن السلم فيما لم يقبض باطل، وفيما (قبض) 2 على القولين في تفريق الصفقة، وللمسلم إليه الخيار، وهذا هو الصحيح.

باب تسليم المسلم فيه

1 إذا أسلم إليه في عبد موصوف (فجاء) 2 المسلم إليه بعبد على الصفة فكان (أبا) 3 المسلم، أو ابنه، لم يلزمه قبوله.
وإن قبضه، ولم يعلم بحاله ثم علم، ففيه وجهان: أصحهما: أنه يعتق عليه، ولا شيء له.
والثاني: أن القبض وقع فاسدًا، ذكره في الحاوي.
وإن جاءه بعبد على الصفات، فكان أخاه، أو عمه، فهل يلزمه قبوله؟ ذكر فيه وجهين:

أصحهما: أنه يلزمه، ويلزمه ما يقع عليه الاسم من الأوصاف من جودة وغيرها.
وحكى في الحاوي عن مالك: أنه يلزمه الوسط.
فإن أسلم في طعام بالكيل (أو اشترى) 1 طعامًا بالكيل فقبضه جزافًا، لم يصح قبضه 2، فإن تلف، تلف من ضمانه 3، (فإن) 4 باع جميعه، لم يصح بيعه 5، وإن باع منه القدر الذي يتحقق أنه يستحقه ففي صحة بيعه وجهان: أصحهما: أنه لا يصح، وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة 6. والثاني: أنه يصح وهو قول أبي إسحاق 7. وإن أسلم في نوع، فجاء بنوع آخر من ذلك الجنس، كالبرني عن

المعقلي، لم يلزمه قبوله وإن كان أكثر قيمة منه، وهل يجوز قبوله بالتراضي؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، أنه لا يجوز 1. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يجوز 2، ذكره القاضي أبو الطيب.
وذكر الشيخ أبو حامد: أنه يجوز له قبوله.
وهل يلزمه قبوله؟ فيه وجهان: والأول: أصح.
إذا أحاله بالمسلم فيه على رجل له عليه طعام، لم تصح الحوالة 3 فإن كان له على رجل طعام من قرض، وعليه طعام من قرض، (فأحال) 4 به عليه، جاز.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز، وليس بشيء.

(فإن) 1 قال المسلم إليه: لي عند رجل طعام، فاحضر معي حتى أكتاله لك، فحضر معه فاكتاله له، لم يصح قبضه للمسلم 2، وهل يصح (قبض) 3 المسلم إليه لنفسه؟ فيه وجهان، بناء على القولين فيمن باع نجوم الكتابة، فقبض منه المشتري، لم يصح قبض المشتري لنفسه، وهل يصح قبضه للسيد؟ فيه قولان: أصحهما: أنه لا يصح 4. فإن أكتاله لنفسه، ثم سلمه إليه في الكيل، فهل يصح؟ فيه وجهان 5:

وأجرة الكيال على البائع.
قال أبو حنيفة: أجرة الذي (يملأ) 1 القفيز على البائع، وأجرة الذي يفرغه على المشتري، وأجرة وزان الثمن على المشتري.
وفي أجرة الناقد وجهان: أحدهما: على المشتري.
والثاني: على البائع.
فإن دفع إليه دينارًا وقال: اشتر لي به طعامًا، واقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك ففعل، صح قبضه للآمر، وهل يصح لنفسه؟ فيه وجهان ذكره القاضي حسين رحمه اللَّه.
فإن باعه طعامًا بمائة إلى سنه، فلما حل، أعطاه بالثمن الذي عليه طعامًا، جاز سواء كان مثل الأول، أو أقل، أو أكثر.
وقال مالك: لا يجوز.
وإن قبض المسلم فيه، ثم وجد به عيبًا، فله رده 2 والمطالبة ببدله 3، فإن حدث عنده عيب، كان له الرجوع بالأرش.
وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك.
فإن باع صبرة من طعام جزافًا.
قال الشافعي رحمه اللَّه: البيع جائز، ولا بأس به.

وقال في موضع آخر: ولا أحب ذلك (فحصل في الكراهية) 1 قولان.
ولا يصح كتابة العبد المبيع قبل قبضه.
وقال أبو علي بن خيران: يصح.
فإن كان لرجل على رجل دين، ولمن عليه الدين عنده وديعه، فباعه إياها بالدين، فهل يحتاج إلى نقل، أو يكفي مضي الزمان؟ فيه وجهان: فإن قايله 2 عقد السلم، صح والإقالة فسخ، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه يقول: إنها بمنزلة البيع في حق غير المتعاقدين، (يثبت) 3 فيها الشفعة 4.

وقال أبو يوسف: هي بيع بعد القبض، وفسخ قبله إلا في العقار، فإنها بيع قبل القبض وبعده 1. وقال مالك: الإِقالة بيع.
فإن أقاله على أكثر من الثمن، أو أقل (لم تصح) 2 الإِقالة، والمبيع على ملك المشتري.
فقال أبو حنيفة: تصح الإِقالة، ويجب رد الثمن 3. ولا تصح التولية، ولا الشركه في المسلم فيه 4. وحكى أصحابنا عن مالك: أنه يصح.

وتصح الإِقالة في بعض المسلم فيه، وبه قال عطاء، وطاووس، وأبو حنيفة والثوري.
وروى عن ابن عباس رضي اللَّه (عنهما) 1 أنه قال: لا بأس به، وهو المعروف.
وقال مالك وربيعة، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك وكرهه: (أحمد وإسحاق) 2، ورواه ابن المنذر عن بن عمر رضي اللَّه عنهما: فإن أسلم دينارًا موصوفًا في طعام، وسلمه ثم انفسخ السلم (بتعذر) 3 الطعام، فهل (يجب) 4 رد الدينار بعينه؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يلزمه رده، كما لو كان معينًا.
فإن كان رأس المال بعد الإِقالة باقيًا، وجب رده، وإن كان تالفًا، وجب رد بدله، فإن أراد أن يأخذ عنه عوضًا، (كان) 5 (مما يحرم) 6 = ولأنه دين، وفي الوضيعة أضرار برب السلم فيبعد وجودهما، بخلاف أخذه بمثل ما اشتراه به فإنه قريب.
والشركة هي معنى أخذ بعضه بمثل ما اشتراه به، وقيل: هو إحتراز عن قول البعض، أن التولية تجوز عنده في بيع العين والسلم.

الربا (فيه بعلة) 1 واحدة، كالحنطة عن (الحبوب) 2، والدراهم عن الحنطة، جاز التفرق فيهما قبل القبض في أصح الوجهين 3. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يأخذ العوض عن رأس المال استحسانًا.
فإن انقطع المسلم فيه (في محله، أو غاب المسلم إليه) 4، فتعذر مطالبته فيه قولان: أحدهما: أن العقد ينفسخ 5. والثاني: أنه لا ينفسخ، ولكنه بالخيار، بين أن يصير حتى (توجد) 6، وبين أن يفسخ العقد، وهو قول أبي حنيفة.
وفي مدة هذا الخيار، الوجهان في خيار التلقي.

وإن وجد البعض، وتعذر عليه البعض.
فإن قلنا: إنه ينفسخ فيما فقده، كان في الباقي الطريقان في التلف الطارىء في أحد العبدين قبل القبض.
وإن قلنا: لا ينفسخ، كان بالخيار في الفسخ في الكل، واسترجاع رأس المال، وبين أخذ الموجود والصبر بالمفقود إلى أن يوجد.
وهل له أخذ الموجود، والفسخ في المفقود؟ يبتنى على تفريق الصفقة، فإن قلنا: يجوز (أخذ) 1 الموجود بحصته من رأس (المال) 2 في أصح القولين.
إستصناع 3 الخفاف، والنعال، والأواني من خشب، أو صفر، أو رصاص، لا يجوز.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
4 وحكى في الحاوي عن أبي العباس بن سريج: أنه كان يرى السلف في الخفاف والنعال.

ولا يجوز أن يشتري (سلعة) 1 ويشترط على البائع أن يحذوها له أو يشركها.
وقال أبو حنيفة: يجوز 2. = الصفر والحديد والرصاص، والزجاج وسائر الأمتعة.
والأسلحة وغيرها: ذكر فيها قدرًا معلومًا، وصفة معلومة، ولكل واحد منهما الخيار إذا رآه مفروغًا إن شاء أخذ، وإن شاء ترك، وهذا قول عامة فقهاء الحنفية.
وعن أبي يوسف: أنه لا خيار لواحد منهما إذا جاء على الصفة التي أراده/ الحاوي القدسي ورقة: 233 ب وبدائع الصنائع 5: 2، وفتح القدير 5: 355، ومرشد الحيران: 571 م. أما جوازه، فإنما من ناحية الاستحسان لا من ناحية القياس، إذ القياس يأبى جوازه لأنه بيع المعدوم كالسلم، بل هو أبعد جوازًا من السلم، وهو قول زفر والشافعي إذ لا يمكن إجارة، لأنه استئجار على العمل في ملك الأجير وذلك لا يجوز، كمن قال لصباغ: اصبغ ثوبك أحمر بكذا، لا يصح، والاستحسان: أن الناس تعاملوه في سائر الأعصار من غير نكير، فكان إجماعًا منهم على الجواز/ فتح القدير 5: 355 والزيلعي 4: 59. وأصل شروعيته: التعامل الراجع إلى الإجماع العملي من لدن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى اليوم بلا نكير، والتعامل بهذه الصفة أصل مندرج في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: لا تجتمع أمتي على ضلالة/ ابن ماجه 2: 1303، وكذلك فقد استصنع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خاتمًا، واحتجم -صلى اللَّه عليه وسلم- وأعطى الحجام مع أن مقدار عمل الحجامة، وعدد كرات وضع المحاجم ومصها غير لازم عند أحد، وسمع -صلى اللَّه عليه وسلم- بوجود الحمام فأباحه بمئزر ولم يبين له شرطًا وتعامل الناس بدخوله.
من غير نكير من الصحابة والتابعين على هذا الوجه إلى الآن، وهو أن لا يذكر عدد ما يصبه من مليء الكأس ونحوه، فقصرناه على ما فيه تعامل، واستصنع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المنبر، وكذلك شرب الماء من السقاء بفلس: ابن عابدين 5: 223، وفتح القدير 5: 356، وأنظر كتابنا نظرية الغرر في الشريعة الإسلامية جـ 2: 30 - 37.

فإن أسلم في (سلعة) 1 من جلود (الشيات) 2 مقدودة الثلول والعرض موصوفة اللون، والثخن.
حكى في الحاوي: فيه وجهين: أحدهما: لا يجوز.
والثاني: يجوز، وبه قال (أبو الفياض) 3، والقاضي أبو حامد.
فإن قال اشتريت (منك) 4 هذه (السلعة) 5 بدرهم، واستأجرتك (لتشريكها) 6 بدرهم.
فقد ذكر في الحاوي: فيه وجهين: أحدهما: أنه بمنزلة ما لو جمع (بين) 7 بيع وإجارة في صفقة واحدة.
والثاني: أنه يجوز، لأنه شرط العمل (فيما لا) 8 يملكه، وهو الأصح.
= يتقضيه العقد، وجه الاستحسان: أن الناس تعاملوه، وبمثله يترك القياس./ الزيلعي 4: 59.

باب القرض

1 في الوقت الذي يحصل الملك للمقترض وجهان:

أحدهما: أنه يملك بالقبض 1. والثاني: أنه لا يملك إلا بالتصرف 2. = ورواه مسلم بلفظ: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة.
ومن يسر على معسر، يسر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل اللَّه له به طريقًا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه تعالى يتلون كتاب اللَّه تعالى ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه".
مسلم 16: 135. وفي حديث طويل عن ابن عمر رضي اللَّه عنه: (ومن فرج عن مسلم كربة، فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره اللَّه يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم: صحيح البخاري بحاشية السندي 2: 66. وعن ابن الدرداء رضي اللَّه عنه أنه قال: لأن أقرض دينارين ثم يردا ثم أقرضهما أحب إليّ من أن أتصدق بهما.
القرض لغة: القطع والفرض في المكان المعدول عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ الكهف.
وقرضت الوادي: جزته، وقرض فلان: مات، وقرضت الشعر: نظمته قال ابن دريد: (وليس في الكلام: يقرض على وزن ينصر البتة، وإنما الكلام على وزن يضرب).
والقرض: ما تعطيه غيرك من المال لتقضاه، والجمع قروض، واستقرض، طلب القرض، واقترض: أخذه، ولأنه قطع له من ماله قطعة.

(فأما) 1 حكم الرجوع والرد: (فمنصوص) 2 الشافعي رحمه اللَّه: أن له أن يرجع فيما (أقرضه) 3. ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: أنه يملك بالقبض، لم يكن له أن يلزمه رده عليه، وثبت حقه في بدله في ذمته.
والأول: أصح.
والمستقرض أن يرده وجهًا واحدًا.
واختلف أصحابنا فيمن قدم طعامًا إلى غيره ليأكله، فأكله، على أربعة أوجه: أحدها: أنه يملكه بالتناول 4. والثاني: أنه يملكه بتركه في فيه 5. والثالث: بالبلع.
والرابع: أنه يتلفه على ملك صاحبه 6.

ويجوز قرض كل مال يملك بالبيع، (ويضبط) 1 بالوصف 2، وما لا يضبط بالوصف، في جواز قرضه وجهان: أحدهما: أنه يجوز 3. والثاني: لا يجوز 4. قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذان الوجهان مبنيان على أن (ما لا مثل له) 5 بماذا يضمن في القرض، وفيه وجهان: أحدهما: أنه يضمنه بمثله من جهة الصورة، فعلى هذا لا يصح القرض في الجواهر.
= وقال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب: له أن يفعل به ما شاء من وجوه التصرفات، مثل البيع والهبة لغيره، لأنه ملكه، فهو كما لو وهبه شيئًا وأقبضه إياه.
قال ابن الصباغ: وهذا الذي قالاه لا يجيء على أصولهما، لأن من شرط الهبة عندهما: الإيجاب والقبول، والأذن بالقبض إلا أن يتضمنها لقوله: ولم يوجد ذلك ها هنا، ولأن الأذن بالتناول إنما تضمن إباحة، الأكل، فلا يصح أن يحصل به الملك، ولو كان ذلك صحيحًا، لجاز له تناول جميع الذي قدم إليه ويتصرف به إلى بيته، وكذلك إذا قلنا: بتركه في فمه فإنه لم يحصل الأكل المأذون فيه، وإنما يملكه بالبلع.
قال: وعندي أن بالبلع يبطل معنى الملك فيه، ويصير كالتالف.
قال: والأوجه في ذلك أن يكون أذنًا في الإتلاف، لا تمليك فيه واللَّه أعلم/ المجموع 12: 180.

والثاني: أنه يضمنه بالقيمة، فعلى هذا يصح قرض ما لا يضبط (بالوصف) 1. ولم يذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: في ذلك إلا وجهًا واحدًا، أنه يصح ويضمن بالقيمة.
ويجوز استقراض الجارية لمن لا يحل له وطئها، ولا يجوز لمن يحل له وطئها 2. وقال المزني رحمه اللَّه، وداود، وابن جرير: إنه يجوز 3 (إقراضها) 4 مطلقًا.

وقال أبو حنيفة: لا يجوز قرض الحيوان 1. ولا يجوز القرض إلا فيما له مثل، كالمكيل، والموزون 2. فإن أقرضه ما يحرم فيه الربا بالوزن، وكان مكيلًا (ففيه) 3 وجهان: أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز، وبه قال القاضي أبو حامد.
فإن اقترض رجل من رجل مالًا، ثم أن المقترض أهدى للمقرض هدية (جاز) 4 له 5 قبولها من غير كراهة، وكره ذلك ابن مسعود 6، وأجازه ابن عباس.

فإن قال رجل لرجل: اقترض لي مائة درهم، ولك عشرة دراهم فقد كره ذلك إسحاق، (وأجازه) 1 أحمد 2. وعندنا: يجرى مجرى الجعاله 3. = جرت العادة به بينهما قبل القرض، لما روى ابن سيرين: أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم، فأهدى إليه أبي بن كعب من ثمرة أرضه، فردها عليه ولم يقبلها فأتاه أبي فقال: لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة، وأنه لا حاجة لنا، فيم منعت هديتنا؟ ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل.
وعن زر بن حبيش قال: (قلت لأبي بن كعب: أن أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق، فقال: إنك تأتي أرضًا فاش فيها الربا، فإن أقرضت رجلًا قرضًا فأتاك يقرضك ومعه هدية، فاقبض قرضك، واردد عليه هديته) رواه الأثرم السنن الكبرى للبيهقي 5: 349. وروى البخاري عن أبي بردة عن أبي موسى قال: (قدمت المدينة، فلقيت عبد اللَّه بن سلام -وذكر حديثًا- وفيه: ثم قال لي: إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل دين فأهدي إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت فلا تأخذ فإنه ربا./ صحيح البخاري بحاشية السندي 4: 315. روى ابن ماجة في سننه عن أنس قال قال: رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (إذا أقرض أحدكم قرضًا، فأهدى إليه، أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك).
سنن ابن ماجة 2: 813. المغني لابن قدامة 4: 355 - 356.

فإن قال رجل لرجل: أقرض فلانًا مائة درهم، وأنا لها ضامن.
ذكر في الحاوي: أن ذلك جائز، فإذا أقرضه، لزمه الضمان.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 1 وهذا عندي: لا يجيء على أصلنا، لأنه ضمان قبل الوجوب، (وقبل سببه) 2، وليس بوكيل لفلان فيه.
فإن شرط في القرض أن يرد عليه دون ما دفع إليه، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجوز، كما لا يجوز أن (يشترط) 3 أن يدفع إليه أجود (منه) 4. والثاني: أنه يجوز 5. فإن عرف لرجل عادة في القرض أن يقضي خيرًا مما أخذ، ويزيد عليه، ففيه وجهان: = الآخذ، لأنه لم يأخذه لنفسه، وإنما هو وكيل عن الآمر وقد انتهت وكالته بموته، وليس للآخذ الرد عليه فإن رد، ضمنه للورثة، حق الدافع يتعلق بتركة الميت عمومًا، لا بما دفع خصوصًا لأن الحق قد انتقل للغير.
مغني المحتاج للخطيب الشربيني 2: 12 - 121.

المذهب: أنه يجوز 1. والثاني: لا يجوز 2. ومن أصحابنا: من حكى الوجهين في كراهة إقراضه.
ومن أصحابنا من قال: إنما يحرم شرط الزيادة فيما يحرم فيه الربا دون ما لا يحرم الربا فيه، وهذا ليس بشيء.
وبجوز أخذ الرهن، والضمين بالقرض، إذا قلنا: أنه يضمن بالمثل وإن قلنا: أنه يضمن بالقيمة، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز أخذ الرهن به، إذا قلنا: يضمن بقيمته وقت الأخذ 3. = فإن بدأ المستقرض فزاده، أو رد عليه ما هو أجود منه، أو كتب له سفتجه (كمبيالة) أو باع منه داره، جاز، لما روى أبو رافع رضي اللَّه عنه قال: استسلف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من رجل بكرًا، فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكرًا، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملًا خيارًا رباعيًا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أعطه، فإن خياركم أحسنكم قضاء./ صحيح مسلم 11: 36 وروى جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه قال: (كان لي على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حق فقضاني وزادني).
رواه البخاري في الصحيح عن خلاد بن يحيى وثابت الزاهد.

والثاني: أنه لا يصح إذا قلنا: يضمن بأكثر القيمتين، هذا فاسد، ولا وجه للتضمين بأكثر الأمرين (في القرض) 1، وإنما يصح أخذ الرهن إذا عرفا القيمة، والمثل، (فأما) 2 مع الجهالة فلا يجوز.
فإن شرط في القرض شرطًا فاسدًا، بطل الشرط، وفي القرض وجهان: أصحهما: أنه يبطل.
والثاني: أنه يصح.
ويجوز قرض الخبز وفيما يرد (عليه) 3 وجهان: أحدهما: أنه يرد عليه (مثله) 4. والثاني: أنه يرد عليه قيمته 5. وعلى قول أبي حنيفة: لا يصح قرض الخبز.
وقال أبو يوسف: يجوز (قرض الخبز) 6 وزنًا.
= للعقد لا زيادة فيه، فله إذا لم يوفِّ المقترض به الفسخ، على قياس ما ذكر في اشتراطها في البيع وإن كان له الرجوع بلا شرط، لأنه يبقى رجوع بلا سبب/ مغني المحتاج للخطيب الشربيني 2: 120.

وقال محمد: يجوز عددًا.

  • فإن قلنا: يرد القيمة، فشرط أن يرد عليه الخبز، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز 1. والثاني: لا يجوز 2. والشيخ الإمام أبو إسحاق رحمه اللَّه: ذكر أنا إذا قلنا: يجوز اقتراض ما لا مثل له فاقترض الخبز فماذا يرد؟ فيه وجهان: وإذا كان له على رجل دين حال من قرض، أو غيره، فأجله، لم يتأجل.
    وقال أبو حنيفة: إن كان ثمنًا (تأجل بالتأجيل) 3. وقال مالك: يثبت التأجيل في القرض أيضًا.
    وغلط بعض أصحابنا من (كلام) 4 الشافعي رحمه اللَّه: فذهب إلى جوازه وليس بشيء.
    وحكم (عوض) 5 القرض، حكم رأس المال في السلم بعد فسخه في قبضه وأخذ العوض عنه 6.

باب الرهن

1 (يجوز أخذ الرهن) (2)

..................................12 = والشيعة الإمامية: الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية: 4: 51 ط النجف الأشرف.
أركان الرهن: أركان الرهن أثنان، وهما الإيجاب والقبول، كان يقول الراهن: رهنتك هذه السيارة بما لك علي من الدين، ويقول المرتهن: قبلت ورضيت.
وذكر الشربيني الخطيب: أن أركان الرهن أربعة: صيغه، وعاقد، ومرهون ومرهون به: مغني المحتاج 2: 121. وليس للإيجاب والقبول ألفاظ مخصوصة، بل كل لفظين يدلان على حبس العين للتوثق من استيفاء الدين يصلحان إيجابًا وقبولًا، فلو اشترى ماتورًا لتوليد طاقة كهربائية وقال له: اجعل هذه السيارة عندك حتى أعطيك الثمن، فأخذ السيارة فإنها تكون رهنًا، وذلك لأن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني، وقيل: إن الركن: هو الإيجاب فقط، على أساس أن الرهن يلحق بعقود التبرعات، لأنه عقد غير لازم: حاشية ابن عابدين 6: 478 - 479، ودور الحكام 2: 248 ومجمع الأنهر 2: 684. أصل مشروعيته: ثبتت شرعيته بالكتاب والسنة والإجماع.
الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ سورة البقرة 283 وتقرأ فرهان وهو أمر بصيغة الخبر، لأنه معطوف على قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ومعطوف أيضًا على قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وأدنى ما يثبت بصيغة الأمر الجواز/ المبسوط للسرخسي 21: 63، وكشاف القناع 3: 321. السنة:

على الدين في السفر (1) والحضر (4).12356 = بنفقته إذا كان مرهونًا ولبن الدر يشرب بنفقته، إذا كان مرهونًا وعلى ذلك يركب ويشرب بالنفقة) رواه البخاري أنظر البخاري بهامش فتح الباري 6: 69، وأنظر المغني لابن قدامة 4: 245.

.................................. = اليهودي رجل من بني ظفر في شعير) وأبو الشحم بفتح المعجمة وسكون المهملة كنية، وظفر بفتح الظاء والفاء بطن من الأوس، وكان حليفًا لهم.
وفي الحديث الذي روته عائشة رضي اللَّه عنهما عند البخاري ومسلم ولأحمد والنسائي وابن ماجة مثله (توفي -صلى اللَّه عليه وسلم- ودرعه مرهونه عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير، وفي رواية للترمذي والنسائي من هذا الوجه (بعشرين) وقال في فتح الباري لعله كان دون الثلاثين، فجبر الكسر تاره والغي الجبر أخرى.
السنن الكبرى للبيهقي 6/ 36، والنسائي 7: 254. ودليلنا على جوازه في الحضر ما روي: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اقترض من أبي الشحم اليهودي ثلاثين صاعًا من شعير لأهله بعد ما عاد من غزوة تبوك بالمدينة، ورهن عنده درعه، فكانت قيمتها أربعمائة درهم./ أنظر نيل الأوطار 5: 347. ففي هذا الخبر فوائد: منها: جواز الرهن، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رهن.
ومنها: جواز الرهن في الحضر، لأن ذلك كان بالمدينة، وكانت موطن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ومنها: أنه يجوز معاملة من في ماله حلال وحرام إذا لم يعلم عين الحلال والحرام، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عامل اليهودي، ومعلوم أن اليهود يستحلون ثمن الخمر ويربون.
ومنها: أن الرهن لا ينفسخ بموت الراهن، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مات ودرعه مرهونة.
ومنها: أن الابراء يصح وإن يقبل المبرأ، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يعدل عن معاملة مياسير الصحابة رضي اللَّه عنهم وأرضاهم، مثل عثمان، وعبد الرحمن رضي اللَّه عنهما وأرضاهما، إلا لأنه كان يعلم أنه لو استقرض منهم أبروه، فلو كانت البراءة لا تصح إلا بقبول المبرأ، لكان لا تقبل البراءة، فعدل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى اليهودي الذي يعلم أنه يطالب بحقه، ولأنه وثيقة في السفر، فجازت في الحضر كالضمان والشهادة: العمراني في البيان.
وقال ابن المنذر: لا نعلم =

وحكى عن مجاهد وداود أنهما قالا (لا يجوز) 1 الرهن في الحضر 2. ولا يجوز أخذ الرهن على نجوم الكتابة 3. = أحدًا خالف في الرهن في الحضر إلا مجاهد قال: ليس الرهن إلا في السفر، لأن اللَّه تعالى شرط السفر في الرهن.
قال الشافعي رحمه اللَّه، بعد أن ساق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ سورة البقرة 282 وقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ سورة البقرة 283. قال: فكان بينًا في الآية الأمر بالكتاب في الحضر والسفر، وذكر اللَّه تبارك وتعالى الرهن إذا كانوا مسافرين ولم يجدوا كاتبًا، فكان معقولًا -واللَّه أعلم- فيها أنهم أمروا بالكتاب والرهن احتياطًا لمالك الحق بالوثيقة، والمملوك عليه بأن لا ينسى ويذكر، لا أنه فرض عليهم أن يكتبوا، ولا أن يأخذوا رهنًا لقول اللَّه عز وجل ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فكان معقولًا أن الوثيقة في الحق في السفر والاعواز غير محرمة في الحضر وغير الاعواز، ولا بأس بالرهن في الحق الحال والدين في الحضر والسفر وما قلت من هذا مما لا أعلم فيه خلافًا أورد أحاديث رهن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- درعه عند أبي الشحم ثم قال: والدين حق لازم، فكل حق مما يملك، أو لزم بوجه من الوجوه، جاز الرهن فيه ولا يجوز الرهن فيما لا يلزم فلو أدعى رجل على رجل حقًا فأنكره وصالحه ورهنه به رهنًا كان الرهن مفسوخًا، لأنه لا يلزم الصلح على الإنكار) المجموع 12: 190 - 191.

وقال أبو حنيفة: يجوز.
وفي أخذ الرهن على الجعل في الجُحالة قبل (العمل) 1 وجهان: أحدهما: لا يجوز، وهو اختيار القاضي أبي الطيب رحمه اللَّه، وقول أبي علي الطبري 2. والثاني: يجوز 3. وهل يجوز على مال السبق، والرمي؟ فيه قولان:

  • إن قلنا: إنه (إجارة) 4، جاز.
  • وإن قلنا: إنه جعاله، فعلى وجهين 5. والأعيان المغصوبة 6، لا يجوز أخذ الرهن عليها.
    = والمعوض في الكتابة هو الرقبة، وهي باقية على ملكه لا يزول ملكه عنها إلا بالأداء، فلا حاجة به إلى الرهن، ولأن الرهن إنما يعقد لتوثيق الدين حتى لا يبطل، والمكاتب يملك أن يبطل الدين بالفسخ إذا شاء فلا يصح توثيقه/ المهذب للشيرازي 12: 194.
جارٍ التحميل