حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ط الرسالة الحديثةكتاب الاعتكاف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1 لا يجوز للمرأة أن تعتكف بغير إذن زوجها، ولا (للعبد) 2 بغير إذن مولاه، فإن شرعا في الاعتكاف تطوعًا بالإذن (كان) 3 لهما منعهما (من المضي فيه) 4 لا (المضي) 5 فيه.
وقال أبو حنيفة: يملك منع العبد، ولا يملك منع الزوجة.
وقال مالك: ليس لهما المنع من تتميمه.

الجزء: 3 - الصفحة: 216

فإن شرع في اعتكاف نذره بالإِذن، وكان في الذمة، لم يجز له الخروج منه في أصح الوجهين، ولا يجوز إخراجه.
والثاني: (أنه) 6 إن كان متتابعًا، لم يجز له إخراجه، وإن لم يكن متتابعًا، جاز.
وأما المكاتب: فيجوز له أن يعتكف بغير إذن المولى.
وقال أبو حنيفة ومالك: للمولى منعه من ذلك.
(ولا يصح) 7 اعتكاف الرجل والمرأة إلَّا في المسجد 8، والأفضل: أن يعتكف في المسجد الجامع، وبه قال مالك.
وحكي عن حذيفة أنه قال: لا يصح الاعتكاف إلَّا في ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، والمسجد الأقصي، ومسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال الزهري: لا يصح الاعتكاف إلَّا في مساجد الجمعات.
وذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه في التعليق: أن الشافعي رحمه اللَّه أومأ في القديم إلى هذا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يصح الإِعتكاف إلَّا في مسجد تقام فيه الجماعة.
وحكي أن الشافعي رحمه اللَّه قال: وأكره للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، هذا قوله الجديد وهو قول مالك، وأحمد.
وذكر الشيخ أبو حامد في التعليق: أن الشافعي رحمه اللَّه قال في القديم: وأكره للمرأة أن تعتكف إلَّا في مسجد بيتها.

الجزء: 3 - الصفحة: 217

وقال أبو حنيفة: اعتكافها في مسجد بيتها أفضل من مسجد الحي، ومسجد بيتها: هو الموضع الذي تتخذه لصلاتها من بيتها.
وإن نذر الاعتكاف في (غير) 9 أحد المساجد الثلاثة، جاز أن يعتكف في غيره.
وذكر فيه وجه آخر: أنه يتعين الاعتكاف، وإن لم (يتعين للصلاة) 10. وإن نذر الاعتكاف في المسجد الحرام، لم يعتكف في غيره 11 وإن نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى، أو مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لزمه في أحد القولين 12. ويصح الاعتكاف بغير صوم.
(وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح الاعتكاف بغير صوم) 13. وعن أحمد: روايتان: إحداهما: كقولنا.
والثانية: كقول أبي حنيفة، وقالا: لا يصح الاعتكاف بالليل مفردًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 218

إذا نذر اعتكافًا بصوم، لزمه أن يعتكف صائمًا.
وقال أبو علي في "الإِفصاح": يجوز أن يفرد كل واحد منهما عن الآخر.
فإن نذر أن يصوم معتكفًا، فعلى الوجهين.
ومن أصحابنا من قال: (لا يجب) 14 الجمع بينهما وجهًا واحدًا، فإن نذر أن يعتكف مصليًا فعلى (الوجهين) 15. وقيل: لا يجب الجمع وجهًا واحدًا.
(فإذا قلنا) 16 قلنا يجب، (لم يجب أن يصلي (في) 17 جميع زمان الاعتكاف، فإن نذر اعتكاف العشر الأخير من رمضان، فإنه يدخل فيه قبل غروب الشمس من يوم العشرين من الشهر، وبه قال مالك، وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الأوزاعي وأبو ثور: يدخل فيه قبل طلوع الفجر من يوم الحادي والعشرين ليلة الحادي والعشرين، وهو ظاهر كلام أحمد، ومن أصحابه من تأول كلامه على الأيام المطلقة، (فأما) 18 العينة فقوله فيها كمذهبنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 219

وليس للاعتكاف زمان مقدر، وبه قال أحمد في الرواية المشهورة عنه.
وحكى بعض أصحابنا وجهًا آخر: أنه لا يصح الاعتكاف حتى يزيد على نصف النهار وليس بصحيح.
وعن أبي حنيفة: روايتان.

  • روى محمد في الأصل: أنه يجوز في بعض يوم.
  • وروى الحسن: أنه لا يجوز في أقل من يوم.
    وقال مالك: لا يجوز الاعتكاف أقل من يوم.
    فإن نذر اعتكاف شهر بعينه، لزمه اعتكافه متواليًا 19، فإن (أخل) 20 بيوم منه، تممه وقضى ما تركه.
    وقال أحمد في إحدى الروايتين: يلزمه استئنافه.
    وإن نذر اعتكاف شهر مطلقًا، جاز أن يأتي به متتابعًا ومتفرقًا.
    وقال أبو حنيفة ومالك: يلزمه اعتكافه متتابعًا.
    وعن أحمد: في نذر الصوم المطلق روايتان في وجوب التتابع فيه.
    فمن أصحابه من قال: يلزمه التتابع في الاعتكاف رواية واحدة.
    وإن نذر اعتكاف يوم، لزمه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر، ويخرج منه بعد غروب الشمس، وهل يجوز أن يفرقه ساعات في أيام؟ فيه وجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 220

أحدهما: يجوز.
فإن نذر اعتكاف يومين متتابعين، أو نوى ذلك، فإنه يلزمه، أن يعتكف الليلة التي بينهما معهما 21، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: يلزمه اعتكاف يومين وليلتين.
وإن لم يشترط التتابع، فهل للزمه اعتكاف الليلة التي بينهما؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه.
والثاني: لا يلزمه وهو الأظهر.
وإن نوى الاعتكاف وشرع فيه، ثم نوى الخروج منه، فهل يبطل اعتكافه؟ فيه وجهان 22. وإن خرج من المعتكف لغير حاجة، بطل اعتكافه، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد.

الجزء: 3 - الصفحة: 221

وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبطل حتى يكون خروجه أكثر من نصف يوم.
وإن خرج لحاجة الإِنسان، لم يبطل إعتكافه 23، فإن كان له منزلان قريب وبعيد، لم يجز أن يمضي إلى الأبعد في أظهر الوجهين.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجوز.
وذكر بعض أصحابنا: أنه إذا كان دون منزله موضع (مباح) 24 (يمكنه قضاء) 25 الحاجة فيه، وكان ذا (مروءة لا يقضي) 26 مثله الحاجة فيه، فهل يجوز له الخروج إلى (منزله) 27؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يبطل اعتكافه بالخروج إلى منزله، واعتبار المروءة في ذلك لا بأس به.
ويجوز أن يخرج إلى منزله للأكل والشرب 28. وقال أبو العباس بن سريج: لا يجوز ذلك، ويبطل اعتكافه إذا فعله، وبه قال أبو حنيفة ومالك.

الجزء: 3 - الصفحة: 222

ذكر في "الحاوي": أنه إذا عطش ووجد الماء في المسجد، من أصحابنا من جعله بمنزلة الأكل، ومنهم من منعه الخروج.
وفي الخروج إلى المنارة الخارجة من المسجد ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز.
والثاني: لا يجوز.
وقال أبو إسحاق: إن كان ألف الناس صوته جاز، وإن لم يكونوا قد ألفوا صوته لم يجز، فإن خرج لقضاء حاجة الإِنسان، فمر في طريقه بمريض، (جاز أن) 29 يسأل عنه ولا يعرج.
وحكي فيه وجه آخر: أنه إذا وقف عليه يسيرًا (لم يبطل) 30 اعتكافه.
فإن اعتكف في غير الجامع وحضرت الجمعة، فعليه أن (يخرج) 31 إليها، وهل يبطل اعتكافه؟ فيه قولان: قال في عامة كتبه: يبطل وهو قول (مالك) 32. وقال في "البويطي": لا يبطل وهو قول أبي حنيفة.
وإن تعين عليه أداء شهادة (لزمه) 33 أداؤها 34، وإن لم يكن قد

الجزء: 3 - الصفحة: 223

تعين عليه تحملها، فهل يبطل اعتكافه؟ فقد نص الشافعي رحمه اللَّه أنه يبطل.
وقال في المعتدة: تخرج وتعتد، ولا يبطل اعتكافها.
فمن أصحابنا: من جعل المسألتين على قولين.
ومنهم: من حملها على ظاهرها.
وإن تعين عليه تحملها وأداؤها، لم يبطل اعتكافه بخروجه لأدائها.
وقيل: فيه وجه آخر، أنه يبطل تتابع اعتكافه.
وحكى عن مالك في المعتدة: أنها تتم اعتكافها ثم تعتد.
وإن مرض مرضًا يفتقر فيه إلى طبيب ومداواة (يئس معه) 35 المقام في المسجد جاز له الخروج منه، وهل يبطل تتابع اعتكافه؟ (ينبني) 36 على القولين في التتابع في صيام الشهرين إذا أفطر فيهما للمرض.
قال في "الأم": إذا (سكر) 37 في المسجد، فسد اعتكافه.
وقال فيه: إذا ارتد ثم عاد إلى الإِسلام بنى على اعتكاف، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق.
أحدها 38: أنه لا يبطل، اعتكافه بواحدة منهما، وتأول قوله في

الجزء: 3 - الصفحة: 224

(السكران) 39 عليه إذا خرج من المسجد.
والثاني: أنه يبطل بهما، وتأول قوله في المرتد على أعتكاف غير متتابع.
ومنهم: من حملهما على ظاهرهما، وفرق بينهما.
وإن أكره حتى خرج من المعتكف، ففي بطلان إعتكافه قولان، وإن أخرجه السلطان لإِقامة حد عليه، ففي بطلان اعتكافه وجهان.
فإن نذر أن يعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان، صح نذره، فإن قدم نهارًا لزمه أن يعتكف من حين قدومه، ولا يلزمه قضاء ما فاته.
وحكي عن المزني: أنه يقضي ما فاته منه، فإن قدم، والناذر مريض أو محبوس، جاز له ترك الاعتكاف، ولزمه قضاؤه.
وحكى القاضي أبو حامد في "المجامع"، وأبو علي في "الإفصاح" وجهًا آخر: أنه لا يقضي، ويقضي على المذهب قدر ما بقي من النهار، وعلى قول المزني يقضي جميعه.
وتحرم المباشرة في الاعتكاف 40، فإن باشر في الفرج عمدًا، بطل اعتكافه ولا كفارة عليه.
وقال الحسن البصري والزهري: يجب عليه الكفارة كما يجب في الصوم.
فإن وطىء ناسيًا لاعتكافه، لم يفسد.
وقال أبو حنيفة: ومالك، وأحمد: يفسد.

الجزء: 3 - الصفحة: 225

وإن باشر فيما دون الفرج (بشهوة) 41، بطل اعتكافه في أحد القولين أنزل أو لم ينزل، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إن أنزل فسد اعتكافه، وإن لم ينزل، لم يفسد.
ولا يكره أن يلبس المعتكف الرفيع من الثياب، ويتطيب 42. وقال أحمد: يكره له ذلك.
ويجوز أن يأمر بالأمر الخفيف في ماله ويبيع، ويشتري ولا يكثر 43، فإن أكثر منه، استأنف الاعتكاف وهو قول مرجوع عنه.
والصحيح: أنه لا يبطل به.
ويجوز الفصد والحجامة إذا لم يلوث المسجد، والأولى تركه، فأما البول في الإِناء: فقال الشيخ أبو نصر: يحتمل أن يجوز، ويجعل (بمنزلة) 44 الفصد، ويحتمل أن يفرق بينهما، هذا الذي ذكره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه: وهذا فيه نظر، (فإنه) 45 لا يؤمن

الجزء: 3 - الصفحة: 226

تلويث المسجد من الجميع، فإن شرط في الاعتكاف أنه إذا عرض له عارض خرج منه، جاز له الخروج، ولا يبطل اعتكافه.
وقال مالك: يبطل ولا يصح شرطه.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا شرط في نية الصلاة والصوم أنه إذا عرض (له) 46 عارض خرج منه، وإن شرط (في) 47 قطع الحج إذا عرض له عارض (الإِحلال) 48 منه ففي صحة شرطه قولان: قوله الجديد: يجوز.
والقديم: لا يجوز.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا نذر أن يصوم غدًا، وشرط أنه إذا قدم فلان أفطر، وخرج إلى استقباله، هل ينعقد نذره؟ فيه وجهان: والصحيح: أنه لا ينعقد.
وإن شرط في نذره الاعتكاف، أن يفعل فيه معصية من سرقة، أو غصب، لم يصح نذره في أصح الوجهين.

الجزء: 3 - الصفحة: 227

فصول الكتاب · 47 فصل
جارٍ التحميل