وذكر: أنه إذا دخل في ظهرِ، فنوى أن يجعلها عصرًا، أو سنة راتبة، بطل ما نواه، وهل تصير نفلًا؟ فيه قولان:
وإن نوى سنة راتبة، فنوى نقلها إلى فرض، لم تصر فرضًا، وهل تصير نافلة؟ فيه قولان:
وحكي: أنه إذا نوى فريصة، وشرع فيها، ثم نوى إبطال الفريضة، من أصحابنا من قال فيه قولان.
أحدهما: تصير نفلًا.
ومن أصحابنا من قال: ها هنا قولًا واحدًا: لا تبطل، وعلى هذا، لو شرع في تطوع ثم نوى نقله إلى فرض، أو إلى سنة راتبة، ففيه طريقان:
أحدهما: فيه قولان.
والثاني: يبقى نفلًا قولًا واحدًا.
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 1: وعندي: أن إطلاق القولين في ذلك ليس بصحيح، بل يحتاج إلى تفصيل، فيقال: إن كان نقله (للصلاة) 2 من صفة إلى صفة اختيارًا من جهته، لا لفرض صحيح يفوته، بطلت صلاته، ولم يحصل له ما نواه، وذلك مثل مسألة القاعد قدر على القيام فتركه.
وكذا، إذا أحرم فينوي الظهر قبل الزوال مع العلم بالحال، لم ينعقد له نفل، ولا فرض، لأنه متلاعب بصلاته.
وأما إذا كان نقله إلى النفل لفرض صحيح، كمسألة المنفرد إذا حضر جماعة، ففي صحة نقلها إلى النفل قولان:
وعلى هذا إذا أحرم بالظهر قبل الزوال، معتقدًا أن الشمس قد زالت، ولم تكن قد زالت، انعقد نفلًا في أحد القولين.
وعلى هذا مسألة الهاوي إلى الركوع، إن كان عالمًا بأن ذلك لا يجوز، لم يحصل له شيء، وإن كان جاهلًا بذلك حصل له نقل.
فأما وقت النية: فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: (ينوي) 1 حال التكبير لا قبله ولا بعده، ومعناه: أن تكون نيته ذكرًا بقلبه، مقترنة بالتكبير من أوله إلى آخره.
وقال القفال: إذا قارنت نيته ابتداء التكبير، انعقدت صلاته وإن عزبت بعده.
وقال أبو حنيفة: إذا تقدمت النية على التكبير بزمان يسير، انعقدت الصلاة، وإن تقدمت بزمان طويل، لم تنعقد، كذا ذكر أبو بكر الرازي.
وذكر في الطحاوي في كتابه: أن مذهب أبي حنيفة مثل مذهبنا، وكذا (قال) 2 الكرخي.
وقال داود: يجب أن ينوي قبل التكبير.
فصل
ويكبر، وذلك فرض 1.
وحكي عن الزهري، والحسن بن صالح: أن الصلاة تنعقد بمجرد النية من غير لفظ.
(والتكبير) 2: أن يقول: اللَّه أكبر (أو) 3 اللَّه الأكبر، وبه قال سفيان، داود، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل اسم من أسماء اللَّه تعالى على وجه
التعظيم، كقوله: اللَّه عظيم، أو جليل، وإن قال: اللَّه، أو الرحمن، (فعنه فيه) 1 روايتان:
روى الحسن بن زياد: أنه يجوز، وظاهر رواية الأصول، أنه لا بد من ذكر الصفة، وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو يوسف: تنعقد بلفظ التكبير، فيضيف إليه: اللَّه الكبير، ولا ينعقد بما سوى ذلك.
وقال مالك، وأحمد: ينعقد بقوله اللَّه أكبر، ولا ينعقد بقوله اللَّه الأكبر 2.
فإن قال: أكبر اللَّه، أو الأكبر اللَّه، أجزأه في أصح الوجهين، وهو قول أبي إسحاق، ذكره في الشرح.
والثاني: (لا يجزئه) 3.
وقد خرّج القاضي حسين رحمه اللَّه، التسليم (والتكبير) 4 على قولين، بنقل الجوابين، وليس بشيء.
ومنهم: من فرق بينهما، وليس بشيء.
وذكر في الحاوي أنه إذا قال: الأكبر اللَّه (فيه) 5 وجهان:
وإن قال: أكبر اللَّه، لم يجزه، والصحيح الأول.
ذكر في الحاوي: (أنه) 1 إذا فصل بين الاسم، وبين التكبير بشيء من صفات اللَّه نظر: فإن كان يسيرًا، لا يصير التكبير به مفصولًا عن الاسم كقوله: اللَّه لا إله إلا هو أكبر، (أو) 2 اللَّه عز وجل أكبر، أجزأه (وإن كبره) 3، وإن طال كقوله: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له أكبر، لم يجزه، وهذا فيه نظر.
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 4: ولا اعتبار عندي في ذلك بالطول، والقصر، وإنما الاعتبار بنظام الكلام في مقصوده، فمتى كان مقصود الكلام التكبير، بأن يكون قوله: أكبر متعلقًا به وخبرًا عنه، انعقد.
وإن تضمن تهليلًا كقوله: اللَّه لا إله إلا هو وحده لا شريك له أكبر، بخلاف قوله: لا إله إلا اللَّه أكبر، لأنه يسمى تهليلًا.
إذا أدرك الإمام راكعًا، فكبر تكبيرة ينوي بها تكبيرة الافتتاح، والركوع، لم يجزه عن الفرض.
وينبغي أن يكبر للإحرام قائمًا، ثم يكبر للركوع، وهل ينعقد نافلة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينعقد.
والثاني: ينعقد، هذا إذا كان جاهلًا (بتحريم) 1 ذلك.
إذا كان يحسن العربية، فكبر بغيرها، لم تنعقد صلاته 2، وإن لم يحسن (العربية) 3 كبر بلسانه، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
ذكر في الحاوي: أنه إذا كان لا يحسن العربية، ويحسن بالفارسية، والسريانية، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يكبر بالفارسية.
والثاني: بالسريانية.
والثالث: بأيهما شاء.
وإن كان يحسن بالفارسية، والتركية، (فالفارسية) 4 أولى في أحد الوجهين:
والثاني: أنهما سواء.
وإن كان يحسن بالسريانية، والنبطية، (فالسريانية) 5 أولى في أحد الوجهين.
والثاني: أنه يخير بينهما.
وإن كان يحسن بالتركية، والهندية، فهما سواء وجهًا واحدًا.
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 1: وهذا التخريج فاسد، فإن اللغات بعد العربية سواء، وإنما اختصت العربية بذلك تعبدًا.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يكبر بغير العربية، وإن كان يحسن العربية.
وإن أتى بذكر غير واجب بغير العربية، لم تبطل الصلاة.
وقال القفال: تبطل صلاته، وليس بصحيح.
قال الشافعي رحمه اللَّه في "الأم": وكذلك: الذكر، والتكبير، والتشهد، والقرآن، وكذلك التعوذ، فإن قال ذلك بلسانه مع القدرة على العربية فقد أساء، وصلاته (مجزئة) 2.
وقال القفال: تبطل صلاته، وليس بصحيح.
فإن ضاق عليه الوقت عن التعلم، وخاف فوتها إن اشتغل به، صلاها على حسب حاله، وكبر بلسانه، ولا قضاء عليه.
ومن أصحابنا من قال: إذا لم يجد في موضعه من يعلمه، لا يلزمه أن (يرحل) 3 إلى موضع يجد فيه من يعلمه.
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 4 وهذا عندي وهم، وليس بصحيح.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا صلى الظهر، ولم يعرف
أنها فرض، لم تصح صلاته، وكذا لو اعتقد في بعض الأركان أنه نفل، لم تصح صلاته، وإن اعتقد أن (جملة الهيئات والأركان) فرض، فهل تنعقد صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: تنعقد.
والثاني: لا تنعقد.
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 1: وهذا عندي فيه نظر، لأنه إن اعتقد ذلك جاهلًا بأحكام الشرع، (فالجهل) 2 في الصلاة يؤثر في العفو، وإن كان (يعفى بترك) 3 التعلم، فلا يمنع الصحة كمن يعقد النكاح جاهلًا بشروطه، وقد حصلت شروطه، فإنه ينعقد.
والتكبير أول الصلاة، والتسليم آخرها.
وقال أبو الحسن الكرخي: الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة، أن التكبير ليس من الصلاة.
فصل
(والسنة) 1: أن يرفع يديه في تكبيرة الإحرام حذو منكبيه وهو قول مالك 2. وقال أبو حنيفة: يرفعهما حيال أذنيه، (ويثبت) 3 مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير ثم يحطهما.
وقال أبو علي في الإفصاح: رأيت للشافعي رحمه اللَّه، (أنه) 1 إذا أراد أن يكبر (أسبل) 2 يديه ثم يرفعهما فيكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه مع انتهائه.
وقال الشيخ أبو نصر: وما قاله أبو علي خلاف نصه.
وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه وجهًا ثالثًا: أنه يرفع غير مكبر، (ويرسل) 3 غير مكبر، والأول أصح.
ثم يأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وداود، واختلفت الرواية عن مالك.
فروي عنه: ما ذكرناه.
وروي عنه: أنه يرسل يديه إرسالًا، وروي ذلك عن الحسن البصري، وابن سيرين.
وقال الليث بن سعد: أنه يرسل يديه، إلَّا أن يطيل القيام (فيعيا) 4.
وقال الأوزاعي: من شاء فعل، ومن شاء ترك.
ويضعهما تحت صدره وفوق سرته 5.
وقال أبو إسحاق المروزي: يجعلهما تحت سرته 1، وهو قول أبي حنيفة.
وعن أحمد: روايتان في ذلك.
والسنة: أن ينظر إلى موضع سجوده 2.
قال الشافعي رحمه اللَّه: وإن (رمى) 3 بصره أمامه كان حقيقًا، والخشوع أولى، وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: يكون بصره أمام قبلته.
= والساعد" رواه مسلم، "السنن الكبرى" للبيهقي 2/ 28. وانظر صحيح مسلم 4: 114.
فصل
ثم يأتي بدعاء الاستفتاح، فيقول: وَجَّهْتُ وجهيَ للَّذي فَطَرَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ حَنيفًا مُسْلِمًا ومَا أنا منَ المُشْرِكين، إنَّ صَلاتي وَنُسُكي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي للَّه رَبِّ العَالمينَ، لا شَرِيك لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأنَا من المُسْلِمينَ 1 ".
وقال مالك: لا يسن ذلك، بل يكبر، ويفتتح القراءة.
وقال أبو حنيفة: السنة: أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وبه قال أحمد 1.
وقال أبو يوسف: يجمع بين الدعائين.
ثم (يتعوذ) 2 قبل القراءة فيقول: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم.
وقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة، ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ.
وحكى عن النخعي، وابن سيرين: أنهما كانا يتعوذان بعد (القراءة) 3.
وقال سفيان الثوري: يقول: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، إن اللَّه هو السميع العليم.
وقال الحسن بن صالح بن حي: يقول: أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم.
= من المسلمين، وفي بعضها: وأنا أول المسلمين، "السنن الكبرى" للبيهقي 2/ 32.
وقال أحمد: يقول: أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، إنه هو السميع العليم 1.
وفي الجهر بالتعوذ قولان، ويستحب التعوذ في كل ركعة (وهو قول أبي حنيفة) 2، وهو في الأولى آكد.
ومن أصحابنا من قال: فيما عدا الأولى قولان.
وقال أبو حنيفة: الإستعاذة في أول (ركعة) 3.
فصل
ثم يقرأ فاتحة الكتاب، وذلك فرض في الصلاة، وبه قال مالك، وأحمد.
ويحكى عن الحسن بن صالح، والأصم: أن القراءة سنة (في الصلاة) 1.
وقال أبو حنيفة: لا تتعين قراءة (فاتحة الكتاب في الصلاة) 2، وتجزئة قراءة آية 3.
وقال أبو يوسف ومحمد: يجب قراءة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة كآية (الدين) 4.
ويبتدىء القراءة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وهى آية من الفاتحة، ومن كل سورة ذكرت في فاتحتها 1، وبه قال أحمد 2، وهو قول عطاء، والزهري، وعبد اللَّه بن المبارك 3، وكان ابن المبارك يقول: من ترك بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من القرآن.
وذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: أن من أصحابنا من قال: للشافعي رحمه اللَّه (قول) 4 آخر في غير الفاتحة، أنها ليست من القرآن.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: هي آية من القرآن في كل موضع ذكرت فيه قطعًا.
وعامة أصحابنا قالوا: نثبتها في أول كل سورة حكمًا (في وجوب قراءتها) 1، وتعلق صحة الصلاة بها.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وداود: ليست من فاتحة الكتاب، ولا من سائر السور غير النمل، وهي بعض آية في النمل.
وقال أبو الحسن الكرخي: ليس عن أصحابنا رواية في ذلك، ومذهبهم إخفاؤها، وذلك يدل على أنها ليست من فاتحة الكتاب، وكان أيضًا يقول: إنها من سورة النمل، ثم نقلت إلى أوائل السور للفصل، كذا حكى أبو بكر الرازي.
(وقال أبو بكر الرازي) 2: وسمعناه يقول بعد ذلك: إنها آية تامة مفردة في كل موضع أثبتت فيه، وليست من السورة، وهي بعض آية في سورة النمل.
قال الشافعي رحمه اللَّه: ويجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم قبل أم القرآن، وقبل السورة، وروي ذلك عن عطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد: أنهم كانوا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، ويروى عن عمر ابن الخطاب 3، وابن عمر رضي اللَّه عنهما.
قال ابن المنذر: كان إسحاق بن راهوية، يميل إلى الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم.
وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: يسرّ بها.
وقال مالك: المستحب أن لا يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، بل يفتتح القراءة بالحمد للَّه رب العالمين.
وقال ابن أبي ليلى: إن جهرت فحسن، وإن أخفيت فحسن.
وكان النخعي يقول: الجهر بها بدعة.
وتجب الموالاة في القراءة، فإن نوى قطع القراءة وسكت، انقطعت.
وذكر في الحاوي: أنه إذا سكت طويلًا، انقطعت، وإن كان قليلًا ففيه وجهان.
أصحهما: أنها تنقطع، والأول أصح.
فإن قال الإمام: آمين، والمأموم لم يفرغ من الفاتحة، فقد ذكر أبو علي في "الإفصاح" أنه يقول: آمين، ولا تنقطع قراءته.
وكان الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه يقول: يستأنف القراءة، والأول أصح، وهو اختيار القاضي (أبي) 1 الطيب رحمه اللَّه.
= على خفيه فقيل له: تمسح قال: نعم، مسح عمر بن الخطاب ومن جعل عمر بن الخطاب بينه وبين اللَّه فقد استوثق، والمتأمل في كتابه إلى أبي موسى الأشعري وجد الفضل والفقه له، "مفتاح السعادة" 2/ 8 وتاريخ الفقه الإسلامي للشيخ محمد علي السايس: 53، 54، وأنظر "نظرية الغرر" 2/ 353 للمحقق غفر اللَّه له.
وتجب قراءة الفاتحة في كل ركعة 1.
وقال أبو حنيفة: لا تجب القراءة في أكثر من ركعتين 2.
وقال مالك: إذا قرأ في أكثر ركعات الصلاة، أجزأه، وروي أيضًا عنه نحو قولنا.
وقال الحسن البصري: إن قرأ في ركعة واحدة أجزأه.
وهل تجب (القراءة على المأموم) 3 في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة؟ فيه قولان:
أصحهما: أنها تجب.
والثاني: أنها لا تجب، وبه قال مالك، وأحمد، وداود.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقرأ المأموم بحال.
فإذا قلنا بالثاني: فجهر الإمام بالقراءة فى الصلاة التي يسر فيها، يسقط فرض القراءة عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط، وبالعكس من هذا، وأسر بالقراءة في صلاة
الجهر، فيه وجهان: وعلى هذا لو كان بعيدًا عن الإمام بحيث لا يسمع، هل يقرأ على وجهين، ذكر ذلك (كله) 1 القاضي حسين.
والصحيح: أن تعتبر حال الصلاة في وضعها، (ولا يتغير) 2 فرضه بإساءة الإمام بالجهر في موضع الإسرار خاصة.
فإن ترك القراءة ناسيًا، لم تصح صلاته في قوله الجديد.
وقال في القديم: تصح صلاته.
ويجوز أن يقرأ (من) 3 المصحف في الصلاة ناظرًا، وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته 4 إذا قرأ من المصحف، إلا أن يقرأ آية قصيرة.
فصل
1 فإذا فرغ من الفاتحة أمّن، والتأمين سنة 2 يجهر345
(به) 1 الإمام (في صلاة الجهر) 2 وبه قال عطاء، وأحمد، وداود 3.
وقال أبو حنيفة: يخفيه الإمام، وهو إحدى الروايتين عن مالك 4، والرواية الثانية وهي الأظهر عندهم، أن الإمام لا يقولها.
وأما المأموم، فقد قال في الجديد: يسمع نفسه.
وقال في القديم: يجهر، فمن أصحابنا من قال فيه قولان:
أحدهما: يجهر به وهو قول أحمد 5.
والثاني: يسر به وهو قول أبي حنيفة، والثوري.
= 5 - وعن وائل بن حجر رضي اللَّه عنه قال: "سمعت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، مد بها صوته" رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وفي رواية أبي داود "رفع صوته" أنظر الترمذي 2/ 27، و"سنن أبي داود" 1/ 214.
ومن أصحابنا من قال: إن كان المسجد كبيرًا والخلق كثيرًا جهر (به) 1 المأموم، وإن كان صغيرًا يسمعون تأمين الإمام لم يجهر المأموم، فإن نسي التأمين حتى شرع في السورة لم يأت به، وقيل؛ يأتي (به) 2، والأول أصح.
فإن لم يحسن الفاتحة وأحسن غيرها من القرآن، قرأ سبع آيات، وهل يعتبر أن يكون فيها بعدد حروف الفاتحة؟ فيه قولان:
أصحهما: أنه يعتبر ذلك.
فإن لم يحسن شيئًا من القرآن أتى بذكر، وفي قدره وجهان:
قال أبو إسحاق: يأتي من الذكر بمقدار حروف الفاتحة.
وقال أبو علي الطبري: يأتي بما نص عليه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من غير زيادة، وهو سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إِلا باللَّه 3، والمذهب الأول.
فإن أحسن آية من الفاتحة، وأحسن غيرها من القرآن، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يقرأ الآية، ثم يقرأ ست آيات من غيرها.
والثاني: أنه يكرر الآية، وحكى الشيخ أبو حامد في ذلك قولين:
فإن لم يحسن شيئًا من القرآن، ولا من الذكر، قام بقدر سبع آيات، وعليه أن يتعلم.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يحسن من القرآن شيئًا، وقف ساكتًا.
وقال مالك: يسقط عنه القيام أيضًا.
وإنما ينتقل إلى الذكر عندنا، من لا يقدر على التعلم، فأما من قدر على التعلم، واتسع الزمان له، ووجد من يعلمه، فصلى بغير (القراءة) 1، وجب عليه إعادة ما صلى إذا تعلم القرآن، وفي قدر ما يعيده وجهان:
أصحهما: أنه يعيد كل صلاة صلّاها إلى أن تعلم.
والثاني: أنه يعتبر ذلك من وقت (قدرته) 2 على التعلم إلى أن تعاطى التعلم وأخذ فيه.
فإن قرأ القرآن بالفارسية، لم يجزه 3.
وقال أبو حنيفة: إن شاء قرأ بالعربية، وإن شاء (قرأ) 4 بالفارسية تفسير القرآن.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن الفاتحة، لم يجزه تفسيرها، وإن كان لا يحسنها فقرأ تفسيره (بلغته) 5، أجزأه.
فصل
ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة، وذلك سنة 1.234
وروى ابن المنذر عن عثمان بن أبي العاص (5) أنه قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات بعدها.
ويستحب قراءة السورة في الأوليين، (وفي استحبابها في الأخريين قولان):1234 = وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر قدر الأخيرتين من الظهر، وحزرنا قيامه في الأخيرتين من العصر على النصف من ذلك، رواه مسلم 4/ 172.
أحدهما: لا يستحب وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: يستحب، وهو الأصح.
ويستحب التسوية بين الركعتين الأولتين في القراءة.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: سمعت أبا الحسن (الماسرجسي) 1 يقول: يستحب للإمام أن تكون قراءته في الركعة الأولى (من كل صلاة) 2 أطول من قراءته في الثانية، ويستحب ذلك في الفجر أكثر.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يستحب ذلك في الصبح خاصة، (ويقرأ في الصبح بطوال المفصل) 3، فإن كان في يوم الجمعة، استحب أن يقرأ ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان 4.
وحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يقرأ في الأولى (من) 5 ثلاثين آية إلى ستين آية، وفي الثانية من عشرين (آية) 6 إلى ثلاثين آية، ويقرأ في الظهر نحو ما يقرأ في الصبح.
= أقره على ولايته، وكذلك عمر في زمنه، قدم على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في وفد ثقيف، توفي في خلافة معاوية، "تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 321.
وروى أبو الحسن الكرخي: مثل ذلك عن أبي حنيفة.
ويقرأ في العصر، والعشاء بأوساط المفصل، سورة الجمعة، والمنافقين.
وحكي عن أبى حنيفة أنه قال: يقرأ في العصر (في) 1 الأوليين في كل ركعة قدر عشرين آية سوى (فاتحة) 2 الكتاب، وكذا في العشاء.
وقال أحمد: يقرأ خمس عشرة آية، وذلك نحو قولنا.
ويستحب للمنفرد، الجهر بالقراءة فيما يجهر فيه.
وقال أبو حنيفة: لا يسن ذلك.
فإن فاتته صلاة بالنهار فقضاها بالليل أسر، وإن فاتته صلاة بالليل فقضاها بالنهار أسر 3.
وقال الشيخ الإمام أبو إسحاق رحمه اللَّه: يحتمل أن يجهر.
(وقد حكى أبو ثور عن الشافعي رحمه اللَّه: أنه يجهر) 4، وبه قال أبو حنيفة في (الإمام) 5.
فإن فاتته صلاة الليل، فقضاها بالليل جهر.
وقال الأوزاعي: إن شاء جهر، وإن شاء أسر.
فإن اتفقت جنازة بالليل، فقد حكى بعض أصحابنا (فيها) 1 وجهين:
أصحهما: أنه يسر.
وحكى بعض أصحاب مالك أنه قال في (نفل) 2 النهار: يجهر.
وقيل: يكره 3.
فصل
ثم يركع مكبرًا 1.
عن سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز أنهما قالا: لا يكبر إلا عند الافتتاح.
وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح.
وعن مالك في ذلك: روايتان:
ويضع يديه على ركبتيه 1.
ورُوي أن أبن مسعود: كان إذا ركع طبق يديه، وجعلهما بين ركبتيه، ومات على ذلك، وروي ذلك عن الأسود 2، وشريك 3.
ويبتدىء بالتكبير قائمًا، وينحني حتى تبلغ راحتاه ركبتيه، ويطمئن، والطمأنينة واجبة 4.
وقال أبو حنيفة: إذا حنى ظهره قليلًا كفاه، ولا تجب الطمأنينة.
ويقول: سبحان ربي العظيم، وذلك سنة.
وقال أحمد وداود: (هو واجب) 1 في الركوع، والسجود مرة واحدة، وكذلك التكبيرات في التسميع، والدعاء بين السجدتين، إلا أن ذلك عند أحمد، إذا ترك (إحدى) 2 ذلك ناسيًا لا تبطل صلاته.
وعند داود: لا تبطل بتركه عامدًا أيضًا.
ويسبح ثلاثًا 3.
وحكى الطحاوي عن الثوري أنه كان يقول: ينبغي للإمام أن يقول: سبحان ربي العظيم خمسًا، حتى يدرك المأموم أن يقول خلفه ثلاثًا.
فإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع، ابتدأ قوله سمع اللَّه لمن حمده رافعًا يديه، فإذا استوى قائمًا قال: ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد 4، ولا فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد وبه قال عطاء.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: لا يزيد الإمام على قوله سمع اللَّه لمن حمده، ولا يزيد المأموم على قوله: ربنا لك الحمد، وبه قال محمد، وأبو يوسف.
وقال مالك: المنفرد يقولهما.
والرفع من الركوع، والاعتدال فيه واجب 1.
وقال أبو حنيفة: الرفع من الركوع غير واجب، ويجوز أن ينحط من الركوع إلى السجود.
واختلف أصحاب مالك.
فمنهم من قال: هو واجب.
ومنهم من قال: هو غير واجب 2. = روى أبو سعيد الخدري رضي اللَّه عنه أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "كان إذا رفع رأسه من الركوع قال ذلك" صحيح رواه مسلم بلفظه 4/ 194. ويقول في الاعتدال: ثبت عن رفاعة بن رافع رضي اللَّه عنه قال: كنا نصلي وراء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقال رجل وراءه، ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: "من المتكلم"، قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" رواه البخاري 1: 144 وأنظر "السنن الكبرى" 2/ 95.
فصل
1 ثم يسجد وهو فرض 2، ويكبر (عند) 3 الهوي، ويضع ركبتيه، ثم يديه ثم جبهته وأنفه، وبه قال أحمد، وأبو حنيفة 4. وقال الأوزاعي: يضع يديه ثم ركبتيه.5
وقال أصحاب مالك: إن شاء وضع اليدين، وإن شاء وضع الركبتين، ووضع اليدين أحسن، فإن اقتصر على وضع الجبهة أجزأه، (ومن) 1 اقتصر على وضع الأنف لم يجزه 2.
وقال أبو حنيفة: يجوز الاقتصار على الأنف.
= 3 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد ولم يضعفه أبو داود، "مختصر سنن أبي داود" 1/ 398، وأنظر "المجموع" 393، 394، و"المغني" لابن قدامة 1/ 37.
وقال أحمد في (إحدى) 1 الروايتين عنه: يجب السجود عليهما.
وقال إسحاق: إن تعمد ترك السجود على الأنف، بطلت صلاته، وهو قول بعض أصحاب مالك.
وقال ابن القاسم من أصحابه: إن اقتصر على وضع الجبهة، أعاد في الوقت، وإن اقتصر على الأنف، أعاد أمدًا.
ويجب كشف الجبهة في السجود.
وقال أبو حنيفة: يجوز السجود على كور العمامة، وبه قال مالك وأحمد، وزاد أبو حنيفة فقال: أكره أن يسجد على يده، فإن سجد عليها، أجزأه.
فإن كان على جبهته عصابة لعلة بها، فسجد عليها، أجزأه، ولا إعادة عليه.
ومن أصحابنا من (قال) 2: خرَجَ فيه قولًا آخر في وجوب الإعادة من المسح على الجبيرة 3.
فأما وضع اليدين والركبتين والقدمين، ففيه قولان:
أحدهما: (أنه) 4 يجب السجود عليها، وهو قول أحمد 5.
والثاني: يجب، وهو قول أصحاب مالك.
ويقول سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، ويطمئن في سجوده، وهو واجب.
وقال أبو حنيفة: الطمأنينة فيه غير واجبة، ثم يرفع مكبرًا حتى يعتدل جالسًا، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: الاعتدال غير واجب.
ويكفيه في الرفع مثل حد السيف، ويجلس على صدور قدميه، والأول أصح، ثم يسجد سجدة أخرى مثل الأولى، ثم يرفع رأسه (مكبرًا) 3، وقال: فإذا استوى جالسًا نهض.
وقال في "الأم": (يقوم) (4) من السجدة الثانية.
فمن أصحابنا من قال: يجلس إن كان (يضعف) (5) عن النهوض من السجود، ويقوم من السجود إن كان لا يضعف عن ذلك.
ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: أنه يقوم من السجود، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد.
والثاني: أنه يستحب أن يجلس للاستراحة، وهذه الجلسة من الركعة الثانية.12 = أعضاء، يديه وركبتيه وأطراف أصابعه وجبهته" رواه البخاري، ومسلم 2/ 440، ولا يجب كشف القدمين والركبتين، لأن كشف الركبة يفضي إلى كشف العورة، فتبطل صلاته، والقدم قد يكون في الخف، فكشفها يبطل المسح والصلاة.
قال أبو إسحاق: يقوم منها من غير تكبير.
ومن أصحابنا من قال: يمد التكبير إلى أن ينهض قائمًا، فيكون ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع، وانتهاؤه مع استوائه قائمًا، وهو الأصح.
وينهض معتمدًا على يديه، وبه قال مالك وأحمد 1.
وقال أبو حنيفة: يقوم غير معتمد على الأرض بيديه، ولا يرفع يديه في السجود، ولا في القيام من السجود.
وقال أبو علي في "الإفصاح": يستحب له رفع اليدين كلما قام في الصلاة من التشهد الأول والسجود، واختاره ابن المنذر.2345
فصل
فإن كانت الصلاة تزيد على ركعتين، جلس للتشهد الأول في الركعتين مفترضًا يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يجلس في جميع جلسات الصلاة متوركًا، وإذا التشهد، والجلوس فيه سنة.
وقال أحمد، وداود، أبو ثور: جميع ذلك واجب.
ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى مبسوطة، (فأما) 1 يده اليمنى، فقد ذكر في "الأم": أنه يقبض أصابع يده اليمنى إلّا المسبحة، ويضعها على فخذه اليمنى.
وفي كيفية وضع الإبهام على هذا القول وجهان:
أحدهما: أنه يضعها (تحت) 1 المسبحة على حرف راحته، كأنه عاقد ثلاثة وخمسين.
والثاني: (أنه) 2 يضعها على حرف أصبعه الوسطى، ويشير بالمسبحة للإخلاص في الشهادة.
وقال في "الإملاء": إذا جلس وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وبسطها، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه الثلاث، الخنصر، والبنصر، والوسطى، وبسط المسبحة، والإبهام.
والثالث: أنه يقبض الخنصر، والبنصر، ويحلق بالإبهام مع الوسطى حلقة، ويشير بالمسبحة، والأول هو المشهور، وهل يحركها؟ فيه وجهان:
قال الشيخ أبو نصر: يحركها طوال التشهد.
والثاني: لا يحركها وهو الأظهر.
وأفضل التشهد، تشهد عبد اللَّه بن عباس 3 رضي اللَّه عنهما رواه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه علمه إياه، وبه قال أحمد، وسفيان، وأبو ثور: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات للَّه سلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، سلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه".