إحدى الصلوات الخمس خلف من يصلي صلاة الجنازة، ولا صلاة الجنازة خلف من يصلي غيرها.
وحكى القاضي حسين عن القفال: فيمن صلى الفرض خلف من يصلي صلاة الجنازة، أنها تنعقد، فإذا كبر الإِمام التكبيرة الثانية لم يكبر معه، وعلى هذا صلاة الجنازة خلف من يصلي صلاة الفرض تنعقد عنده، والفرض خلف صلاة الكسوف على طريقته (تنعقد) 1 وعلى طريقة غيره: فيه وجهان:
أحدهما: لا تنعقد.
والثاني: تنعقد.
فإذا اشتغل الإِمام بالقيام الثانى، فارقه، وهذا القول بعيد (عن) 2 المذهب جدًا.
وذكر: أنه يصلي الفرض خلف من يصلي صلاة العيد، ثم إن شاء، وافقه في التكبير، وإن شاء، خالفه.
السنة: أن يؤم القوم أفقههم وأقرؤهم 3، فإن زاد أحدهما في الفقه والآخر في القراءة، فالأفقه أولى، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال الثوري وأحمد: الأقرأ أولى واختاره ابن المنذر 1.
فإن استويا في جميع ذلك، فقد قال بعض المتقدمين: يقدم أحسنهم.
فمن أصحابنا من قال: أحسنهم صورة.
ومنهم من قال: أحسنهم ذكرًا 2.
فإن اجتمع هؤلاء مع صاحب المنزل، فصاحب المنزل أولى 3، فإن اجتمع السلطان مع هؤلاء فهو أولى من صاحب المنزل وغيره.
وحكى في الحاوي (قولًا آخرًا) 4: أن صاحب المنزل أولى من السلطان إذا حضر عنده.
فإن اجتمع المستعير والمعير في الدار المستعارة، فالمستعير أولى في أحد الوجهين:
والثاني: أن المعير أولى.
فإن اجتمع حر وعبده، فالحرّ أولى.
وحكي عن أبي مجلز: أنه كره إمامة العبد.
وقال مالك: لا يؤم في جمعة ولا عيد.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: أربعة لا يؤمون الناس، ذكر منهم العبد، إلَّا أن يؤم أهله.
وهل يحتاج العبد أن يستأذن مولاه في الإِمامة، وحضور الجماعة؟
ذكر القاضي حسين: أنه إن كانت صلاته لا تزيد على صلاته منفردًا، لم يلزمه الاستئذان.
(قال الشيخ الإِمام) 1: وعندي: أنه إن كان في أول الوقت احتاج إلى إستئذانه، وإن كان في آخر الوقت (فعلى) 2 التفصيل.
ويكره إمامة من لا يعرف أبوه، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال أحمد: لا تكره إمامته، ورواه ابن المنذر عن مالك واختاره.
وكره عمر بن عبد العزيز: إمامة ولد الزنا.
فإن اجتمع بصير وأعمى، فالمنصوص في الإِمامة (أنهما) 3 سواء.
وقال أبو إسحاق المروزي: الأعمى أولى.
وقال الشيخ الإِمام أبو إسحاق الشيرازي رحمه اللَّه: (عندي أن البصير) 1 أولى (من الأعمى) 2.
وقال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: والوجهان (مخالفان) 3 نص الشافعي رضي اللَّه عنه.
وحكي عن ابن سيرين: أنه يكره إمامة العبد.
باب موقف الإِمام والمأموم
السنة: أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإِمام 1.
وحكي عن سعيد بن المسيب أنه قال: يقف عن يسار الإمام.
وقال النخعي: يقف خلفه إلى أن يركع، (فإن) 2 جاء آخر وإلَّا تقدم، ووقف عن يمينه إذا ركع، فإن حضر رجلان اصطفا خلفه 3.
وحكي عن عبد اللَّه بن مسعود 1 رضي اللَّه عنه أنه قال: يقف الإِمام بينهما.
فإن وقفت (امرأة) 2 في الصف بين الرجال، لم تبطل صلاة واحد (منهم) 3.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاة من على يمينها وشمالها من المأمومين 4، ولا تبطل صلاتها.
فإن أحرمت امرأة خلف الرجل في صلاة مؤتمة به، صح إحرامها، ولا يحتاج أن ينوي الإِمام إمامتها.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: لا يصح ائتمامها به حتى ينوي إمامتها.
فإن وقف خلف الصف (وحده) 5 (مقتديًا) 6 بالإِمام، كره، وأجزأه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومالك.
وقال أحمد: تبطل صلاته 1.
فإن دخل المسجد، فلم يجد في الصف فرجة، فإنه يصلي وحده.
وذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: أنه يجذب رجلًا من الصف ليصلي معه، فإن لم يفعل كره.
وحكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أن الشافعي رحمه اللَّه نص (أنه) 2 لا يجذب (رجلًا) 3، (ويقف) 4 حيث شاء.
فإن وقف المأموم قدام الإمام مقتديًا به، لم تصح صلاته في أصح القولين، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد.
وقال في القديم: تصح صلاته، وهو قول مالك.
فإن حضر رجال وصبيان، وقف الرجال في الصف الأول، ثم الصبيان.
ومن أصحابنا من قال: يقف بين كل رجلين صبي ليتعلم منهم الصلاة، وهو قول مالك.
فإن وقف مأموم بجنب الإِمام، ورؤوس أصابعه مع رؤوس أصابعه، وعقبه متقدمة على عقبه لقصر قدمه، فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يصح اعتبارًا بالمساواة في العقب.
والسنة: أن لا يكون موضع الإِمام أعلى من موضع المأموم، إلَّا أن يقصد تعليم المأمومين، فيستحب أن يكون موضعه أعلى 1.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكره ذلك بكل حال.
وحكى الطحاوي: أنه يكره إذا كان ارتفاعه يجاوز القامة.
وقال أبو بكر الرازي: لا يعرف ذلك.
فإن كانت الجماعة في المسجد فلا اعتبار فيها بالمشاهدة، واتصال الصفوف وإنما يعتبر العلم بصلاة الإِمام.
وإن خرجت الجماعة عن المسجد، فإن اتصلت الصفوف إلى من في المسجد، فالصلاة صحيحة، وإن كان بين الصفين فصل قريب، وهو
ثلاثمائة ذراع، وعلموا بصلاة الإِمام، فصلاتهم صحيحة، وهل ذلك تحديد أو تقريب؟ فيه وجهان:
فإن كان بينه وبين المسجد حائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة كالشباك، لم يمنع صحة الائتمام في أحد الوجهين، (والاعتبار في المسافة) 1 التي ذكرناها بحائط المسجد.
واختلف أصحابنا في الطريق الذي أخذ عنه الشافعي رحمه اللَّه ذلك التقدير.
فمنهم من قال: أخذه من جهة العرف 2.
ومنهم من قال: أخذه من صلاة الخوف.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا وقف الإِمام في المسجد، وله باب مفتوح عن يمينه أو يساره، فوقف قوم خلفه، ووقف إنسان خارج المسجد، فإن اتصلت به الصفوف اتصال المناكب جاز، فإن لم يقف على العتبة أحد، وكان بين هذا الواقف وبين حائط المسجد فرجة يقف فيها رجل، لم تجز صلاته، وإن كان متصلًا بالمسجد ليس بينه (وبينه) 3 فرجة، ففيه وجهان، بناء على أن الاتصال يعتبر بالصف الذي في المسجد أو بالمسجد، وفيه وجهان، (وهذا يبطل به) 4 إذا كان الباب وراء الإِمام.
فإن صلى في دار، وبينهما حائط غير حائط المسجد، لم يصح الائتمام، ولا يختلف أصحابنا.
وقال مالك: يصح الائتمام به إلَّا في الجمعة إذا علم بصلاته.
فإن كان له باب مفتوح إلى المسجد يرى منه الإِمام، أو بعض من خلفه:
فقد قال أبو إسحاق: لا تصح صلاته حتى تتصل الصفوف (به) 1 اتصال العادة.
وقال أبو علي في "الإِفصاح": لا فرق بين الدار والصحراء في اعتبار القرب والبعد في الجميع، وهذا الصحيح عندي.
واختار القاضي حسين رحمه اللَّه قول أبي إسحاق وقال: الاعتبار بالأماكن وهي ثلاثة:
- صحراء: فيعتبر (فيها) 2 القرب.
- وأبنية: بنيت للعبادة، فيعتبر فيها العلم.
- وأبنية: بنيت للرفق، فيعتبر فيها اتصال الصفوف (حتى) 3 قال: لو كان الإِمام في (الصحراء) 4، والمأموم في الصفة، لم يصح الائتمام، وهذا تحكم.
فأما إذا صلى في علو دار بصلاة الإِمام في المسجد، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: وأما في علوها، فلا يجوز، لأنها (بائنة) 1 من المسجد.
ومعناه: أنه ليس بينهما قرار يمكن اتصال الصفوف فيه.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا صلى على سطح دار في جوار المسجد (لم يجز إلَّا على طريقه من) 2 -عن يمينه أو يساره- بصلاة الإِمام في المسجد (مع القرب) 3، فإن كان علو المسجد بحيث يحاذي رأس الواقف في المسجد رجل الواقف على السطح، ولم يكن بين الواقف على السطح، وبين الواقف في المسجد فرجة تتسع لوقوف واحد، فالاقتداء صحيح، وإن كان بينه وبينه فرجة، وكان الواقف على السطح على طرف السطح، ولم يكن بينه وبين المسجد فرجة، وإنما كان الواقف متباعدًا عن الحائط، فعلى وجهين، بناء على أن القرب من المسجد، هل يجعل بمنزلة القرب من (الصف) 4؟
وأما إذا كان الواقف على السطح متباعدًا عن طرفه بقدر موقف رجل لم يصح الاقتداء على ظاهر المذهب.
وأما إذا كان السطح أعلى من ذلك، فإن لم يقف على طرف
السطح، لم يجز إلَّا على طريقة من يعتبر القرب والمشاهدة، وإن وقف على طرف السطح، فعلى ما ذكرناه (من) 1 الوجهين في اعتبار القرب من المسجد أو من الصف.
وإن كان السطح خلف المسجد، وكان علو السطح بقدر قامة، ومن في المسجد وقوف بجنب الحائط، ولم يكن بين الواقف على السطح والواقف في المسجد إلَّا ما يكون بين الصفين، فالاقتداء صحيح، وإن لم يكن كذلك، فعلى ما ذكرناه.
وإن كان السطح عاليًا:
فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: لا يجزىء.
وعلى طريقة من يعتبر مجرد المشاهدة مع القرب، جاز، وهذا التفصيل الذي ذكره تحكم، وهو مخالف لنص الشافعي رحمه اللَّه، فإما أن يقول بقول عطاء، أو مالك، أو يصير إلى نص الشافعي (رحمه اللَّه).
فإن كان بين الإِمام (والمأموم) 2 نهر، أو طريق صح الائتمام، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يمنع ذلك صحة الائتمام.
وإن كان الإِمام في سفينة، والمأموم في أخرى غير مشدودة إليها، وبينهما مسافة قريبة، صح الائتمام.
وقال أبو سعيد الإِصطخري: لا يصح.
والاعتبار عند عطاء: (العلم) 1 بصلاة الإِمام دون المشاهدة والحائل (وعدم) 2 الحائل وحكي ذلك (عن) 3 النخعي والحسن البصري.
باب صلاة المريض
إذا عجز عن الركوع والسجود لعلة بظهره، وقدر على القيام، فإنه يجب عليه القيام، وينحني في الركوع بحسب طاقته، أو يحني رقبته.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: يسقط عنه فرض القيام، فإن عجز عن القيام صلى قاعدًا 1.
وفي كيفية قعوده قولان:
أحدهما: أنه يقعد متربعًا 2، وحكي ذلك عن مالك، وأبي يوسف، ومحمد، وأحمد، وحكاه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة قال: إذا ركع ثنى رجليه.
وحكى القاضي أبو حامد عن الشافعي رحمه اللَّه: أنه يجلس مفترشًا، وهو قول زفر 1.
وحكى محمد عن أبي حنيفة: أنه يجلس كيف شاء.
وإن عجز عن القعود، فقد نص الشافعي رحمه اللَّه على أنه يضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع، استلقى على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، وبه قال أحمد، ومالك 2.
(وقال) 3 أبو علي في "الإِفصاح": يستلقي على ظهره، ويستقبل القبلة برجليه، حتى يكون إيماؤه في الركوع والسجود إلى القبلة، وبه قال أبو حنيفة: والأول أصح.
فإن لم يستطع أن يومىء برأسه إلى الركوع والسجود، أومأ بطرفه.
وقال أبو حنيفة: إذا انتهى إلى هذه الحالة، سقط عنه فرض الصلاة.
وحكي عن مالك: أنه إذا دام (به) 4 الرعاف، فلم ينقطع أومأ إلى السجود، وأتى بالقيام والركوع، وفي الفرق بينهما نظر:
(قال) 1 في "الأم": إذا قدر أن يصلي قائمًا منفردًا يخفف القراءة، وإذا صلى مع الجماعة صلى بعضها من قعود، (فالأفضل) 2 أن يصلي منفردًا 3.
قال الشيخ أبو حامد: الإتيان بها مع القعود في بعضها في (الجماعة) 4 أولى، وحكي أنه مخير بينهما، والجميع خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه.
فإن كان بعينه وجع وهو قادر على القيام فقيل له: إن صليت مستلقيًا داويناك؟ 5.
فقد ذكر الشيخ أبو حامد: أن هذه المسألة غير منصوص عليها لأصحابنا.
وقد حكي عن أبي حنيفة، والثوري: جواز ترك القيام له.
وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز.
قال الشيخ أبو حامد: هذا هو الذي يقتضيه المذهب.
ومن أصحابنا: من حكى فيه وجهين 1.
ويجب القيام في الفرض في السفينة ما لم يخف الغرق، أو دوران رأسه.
وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه القيام فيها.
باب صلاة المسافر
القصر جائز في السفر الجائز 1.
وحكي عن داود أنه قال: لا يجوز القصر إلَّا في سفر واجب، وحكي عنه: أنه يختص بسفر الخوف.
وقال عطاء: لا يجوز إلَّا في سفر طاعة، فأما سفر المعصية، فلا يجوز القصر فيه، ولا (الترخص برخص) 2. السفر (بحال) 3، وهو
قول مالك، وأحمد 1.
وقال أبو حنيفة: يجوز (الترخص) 2 فيه.
فإن سافر سفرًا مباحًا، ثم نوى إتمامه لمعصية، انقطع الترخص في أظهر الوجهين، وهل يجوز له أن يمسح يومًا وليلة في سفر المعصية؟ (فيه وجهان) 3.
فإن أقام في بلد (لمعصية) 4، فهل يجوز له المسح يومًا وليلة؟ فيه وجهان:
وإن تيمم في سفر المعصية، عند عدم الماء وصلى (فيه) 5، فهل يجب عليه الإعادة؟
فيه وجهان: وفرّع على هنا: إذا عجز العاصي بسفره عن استعمال الماء لجراحة ببدنه، وكانت قد أصابته في الحضر، يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه، وإن كانت قد أصابته في السفر، فهل يعيد ما صلاه بالتيمم على الوجهين؟ وهذا تشبيه بعيد في المعنى.
وعلى هذا قال: لو وثب من بناء عال لص (فانكسرت) 1 رجله فصلى قاعدًا، فهل يعيد؟ فيه وجهان: وهذا أبعد من الأول.
ولا يجوز القصر إلَّا في مسيرة يومين ستة عشر فرسخًا، وبه قال مالك، وأحمد 2.
وقال داود: يجوز القصر في طويل السفر وقصيره 3.
وقال الأوزاعي: يقصر في مسيرة يوم 4.
وعن الزهري: في مسيرة ثلاثين ميلًا.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجوز القصر في أقل من ثلاث مراحل - أربعة وعشرين فرسخًا 1.
فإن كان للبلد طريقان يقصر في أحدهما لطوله دون الآخر، فسلك الأبعد (لا لغرض) 2 سوى القصر، فإنه (لا يجوز) 3 له القصر في أحد (القولين) 4، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني.
والثاني: لا يقصر، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي.
فإن كان سفره مسيرة ثلاثة أيام (فالقصر) 5 فيه أفضل، فإن أتم جاز، وبه قال أحمد.
وفيه قول آخر: أن الائتمام أفضل، وهو اختيار المزني.
وقال أبو حنيفة والثوري: القصر عزيمة حتى قال أبو حنيفة: إذا
صلى الظهر أربعًا، ولم يجلس بعد الركعتين، (بطلت صلاة ظهره) 1، وهو قول بعض أصحاب مالك.
وحكى ابن المنذر عن قتادة 2 أنه قال: إذا جاوز الجسر، أو الخندق، قصر.
وحكي عن مالك: روايتان:
إحداهما: أن يفارق بنيان بلده (ولا يحاذيه) 3 عن يمينه، ولا عن يساره منه شيء.
والثانية: أن يكون من المصر على ثلاثة أميال.
وروي عن (الحارث) 4 بن أبي ربيعة: أنه أراد سفرًا، فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد اللَّه.
وحكي عن عطاء أنه قال: إذا خرج الرجل حاجًا، فلم يخرج من بيوت القرية حتى دخل وقت الصلاة، فإن شاء، قصر وإن شاء، أوفى.
وحكي عن مجاهد أنه قال: إذا خرج نهارًا، لم يقصر حتى يدخل الليل، وإن خرج ليلًا، لم يقصر حتى يدخل النهار.
فإن كانت قرية وبقربها قرية أخرى، ففارق قريته، جاز له القصر.
وفيه وجه آخر: أنه إن كانت القريتان متقاربتين، لم يجز له القصر حتى يفارق القرية الأخرى.
فإن اتصلت (حيطان البلد بحيطان البساتين والمزارع، جاز له القصر إذا فارق حيطان البلد) 1.
وذكر القاضي حسين: أنه لا يجوز له القصر حتى يفارق حيطان البساتين.
وحكى بعض أصحابنا: أنه إذا كان على باب البلد نهرٌ، لم يجز له القصر حتى يعبره، وليس بصحيح.
وإن كان من أهل الخيام، فحتى يفارق جميع الخيام المجتمعة في العادة.
وذكر بعض أصحابنا: أنه يعتبر أن يفارق بيوت عشيرته، وكل موضع هو من مرافقهم، مثل مطرح الرماد، ومجتمع البهائم، (ومتحدث) 2 النادي، وهذا فيه نظر.
إذا خرج من بلده ينوي المقام في بلد آخر عينه، فحين قرب منه بدا له من المقام فيه، ونوى الاجتياز منه إلى بلد آخر، فإنه يجوز له (قصر) 3 الصلاة، فإن رجع إلى بلده، يريد الاجتياز به (إلى بلد
آخر) 1، لم يجز له القصر ما دام فيه، كذا ذكر في الحاوي، وفيه نظر.
وينوي القصر في الإِحرام، فإن لم ينو القصر، أو نوى الإِتمام، لم يجز له القصر.
وقال المزني رحمه اللَّه: إذا أطلق النية، جاز له القصر.
وقال المغربي 2: يجوز له القصر وإن نوى الإِتمام.
فإن شرع في الصلاة بنية القصر (فسها) 3 فصلاها أربعًا أجزأه، وسجد للسهو، ولو تعمد ذلك لم يسجد.
وحكى ابن المنذر عن الحسن: مثل ذلك.
وقال بعض أصحاب مالك: لا تجزئه هذه الصلاة.
فإن ائتم بمقيم في جزء من صلاته، لزمه الائتمام وهو قول أبي حنيفة وأحمد وداود.
وقال إسحاق بن راهوية: يجوز للمسافر القصر خلف المقيم.
وقال مالك: (إن) 4 أدرك من صلاة المقيم قدر ركعة، لزمه الإِتمام، وإن كان دون ذلك، لم يلزمه.
فإن ائتم مقيمون بمسافر يصلي صلاة الجمعة بهم، فاتم به مسافر ينوي الظهر قصرًا، لزمه الإِتمام، لأن صلاة الجمعة صلاة مقيم.
وحكي فيه وجه آخر: أنه يقصر، وليس بشيء.
وقيل: إن هذا يبتني على أن الجمعة ظهر مقصورة، فإن قلنا: إنها ظهر مقصورة، جاز له القصر، وإلَّا لم يجز.
فإن أحرم ينوي القصر، ثم نوى الإِتمام (أم) 1 الإِقامة، أتم ومن خلفه.
وقال مالك: لا يجوز له أن ينوي الإتمام، ولا يلزم المأمومين الإتمام، وإن لزم الإمام بنية الإِقامة، والأولى عنده: إذا نوى الإقامة وقد صلى ركعة أن يجعلها نافلة ويستأنف صلاة مقيم.
فإن سافر، وكان ملاحًا في سفينة فيها أهله وماله، فله أن يقصر، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه.
وقال أحمد: لا يقصر.
ذكر ابن القاص: أنه إذا ائتم مسافر بمسافر، ونوى القصر، فذكر الإِمام في أثناء الصلاة أنه كان قد نوى الإِتمام وكان محدثًا، جاز للمأموم القصر.
ومن أصحابنا من قال: تبنى على صلاة المأموم خلف المحدث، هل هي صلاة انفراد أو صلاة جماعة؟ فإن قلنا: صلاة جماعة، لزمه الإِتمام، وليس بشيء.
فإن ائتم مسافر بمسافر ولم يعلم حاله، هل (نوى) 2 القصر أو لا؟ فنوى القصر خلفه جاز.
ومن أصحابنا من قال: يعلق نيته على نية الإِمام.
فإن أفسد الإِمام صلاته، وانصرف ولم يعلم حاله، لزمه الإِتمام على المنصوص، وهو قول أبي إسحاق المروزي.
ومن أصحابنا من قال: يجوز له القصر، والأول أظهر.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القصر.
قال الشافعي رحمه اللَّه: فإن صلى مسافر بمقيمين، فرعف واستخلف مقيمًا، أتم الراعف.
فمن أصحابنا من قال: هذا على القول الذي يقول: إن صلاة الراعف لا تبطل، فيكون في حكم المؤتم (بالمقيم) 1.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه على القول الجديد أيضًا، وليس بشيء، وعلى قول أكثر أصحابنا المراد به: إذا غسل الدم وعاد، واتبع المقيم، وفي كلام الشافعي رحمه اللَّه ما يدل عليه.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه قال: لا يجب على المسافرين الإِتمام.
فإن ائتم مقيمون ومسافرون بمسافر (نوى) 2 القصر، فسلم الإِمام (وقام) 3 المقيمون لإِتمام صلاتهم، (فأراد) 4 أن يستخلف منهم مقيمًا يصلي بهم (بقية) 5 صلاتهم، يبني على القولين في جواز
الاستخلاف إذا أحدث الإمام، فعلى قوله القديم: لا يجوز، وعلى قوله الجديد: يجوز، (وسيأتي) 1 ذكره في الجمعة، فإن قلنا: فها هنا وجهان ولا يكره لمن يقصر النفل.
وحكي عن بعض الناس أنه قال: يكره.
إذا أحرم (الإِمام) 2 بالصلاة في سفينة في الحضر، فسارت السفينة، لزمه الإِتمام.
ذكر في الحاوي: إن هذا مذهب كافة الفقهاء إلَّا ما يحكى شاذًا منهم، أنه يجوز القصر، وهو خطأ.
إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام 3 غير يوم الدخول ويوم الخروج، صار مقيمًا، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (إذا نوى) 4 إقامة خمسة عشر يومًا، صار مقيمًا مع يوم الدخول ويوم الخروج.
وإن نوى أقل من ذلك، لم يصر مقيمًا، وبه قال الثوري، واختاره المزني رحمه اللَّه.
وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أنه إن نوى إقامة تسعة عشر يومًا، لم يقصر، وإن كان أقل (يقصر) 1، وبه قال إسحاق.
وقال الليث بن سعد: إن نوى مقام أكثر من خمسة عشر يومًا، أتم.
وقال الحسن بن صالح: إن نوى إقامة عشرة أيام، أتم، وفيما يقصر.
وعن الأوزاعي أنه قال: (إن) 2 نوى مقام اثني عشر يومًا، أتم.
وعن أحمد: أنه إن نوى إقامة مدة يفعل فيها أكثر من عشرين أتم: وهذا قريب من مذهبنا.
إذا سافر إلى بلد يقصر فيه الصلاة، فمر في طريقه ببلد له فيه مال فنزل فيه، لم يلزمه الإِتمام.
وحكي فيه قول آخر: أنه لا يجوز له القصر، وليس بشيء.
فأما إذا نوى الإِقامة على (حرب) 3 أربعة أيام، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يقصر وتلغو نيته 4.
والثاني: أنه يتم.
ذكر بعض أصحابنا: أن نظير هذه المسألة، إذا نوى إقامة أربعة أيام في موضع لا يصلح للإِقامة من جبل أو برية، (فهل) 1 تنقطع الرخصة؟ فيه قولان، وهذا نظير بعيد، لأن المقيم على (الحرب) 2 مقيم بحكمها (لا باختياره) 3، والمقيم في الموضع الذي لا يصلح للإِقامة، مقيم باختياره.
فأما إذا نوى الإِقامة لغير حرب من بيع متاع واجتماع رفقة، ونوى إقامة أربعة أيام، لم يقصر.
وإن نوى أنه متى (انتجزت) 4 حاجته، سار ولم ينو مدة، فإنه يتحصل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقصر إلى أربعة أيام.
والثاني: أنه يقصر ثمانية عشر يومًا 5.
والثالث: أنه يقصر أبدًا، وهو قول أبي حنيفة، فأما المقيم على حرب إذا (انتجزت) 1 صار يقصر إلى ثمانية عشر يومًا، وفيما زاد على قولين.
فصل
إذا فاتته صلاة في الحضر، فقضاها في السفر، قضاها تامة 1.
قال ابن المنذر: لا أعرف فيه خلافًا إلَّا شيئًا يحكى عن الحسن البصري.
وروى الأشعث: أن الاعتبار بحال الفعل فيقصر.
وروى يونس 2: أن الاعتبار بحال الوجوب (فيه) 3 فيتم.
وحكى عن المزني في مسائله المعتبرة: أنه يقصر.
وإن فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر، (ففيه) 1 قولان:
أحدهما: أنه يقصرها، وهو قول أبي حنيفة، ومالك.
والثاني: لا يقصر، وهو الأصح، وبه قال أحمد، وداود، واختاره المزني.
وإن فاتته صلاة في السفر، فقضاها في السفر، ففيه قولان:
أظهرهما: أنه يقصرها، ولا فرق بين أن يتحلل (بين) 2 القضاء والأداء حضرًا، وبين أن لا يتحللها حضرًا.
وحكي عن بعض أصحابنا: (أنه) 3 إذا تحللها حضرًا، لم يجز القصر، والمذهب الأول.
وعن أصحابنا من حكى (في ذلك) 4: ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقصر بكل حال.
والثاني: لا يقصر بحال.
والثالث: يقصر إذا قضى في السفر، ولا يقصر إذا قضى في الحضر.
(قال الشيخ الإِمام) 5: وعندي، لو بنى القضاء في الحضر على القولين في القضاء في السفر، كان حسنًا، فيقال:
- إذا قلنا: لا يقصر إذا قضى في السفر، فإذا قضى في الحضر أولى.
- وإن قلنا: يقصر إذا قضى في السفر، ففي الحضر قولان.
فإن دخل عليه وقت الصلاة في الحضر، ثم سافر، جاز له القصر.
وقال المزني رحمه اللَّه: لا يجوز له القصر إذا كان قد تمكن من الأداء في الحضر، وهو قول أبي العباس.
ذكر في الحاوي: أنه إذا سافر، وقد مضى من أول الوقت قدر ركعة، جاز له القصر إلَّا على قول أبي يحيى البلخي، فإن الفرض عنده (يستقر) 1 بقدر ركعة من أول الوقت، فلا يجوز (له) 2 القصر.
وينبغي أن يكون هذا على قوله، إذا كان يوافق المزني في السفر بعد الإِمكان في المنع من القصر فإن سافر بعدما ضاق وقت الصلاة، جاز له القصر.
وقال أبو الطيب بن سلمة: لا يجوز.
فإن كان قد بقي من الوقت قدر ركعة، ثم سافر، فهل يجوز له القصر؟ فإنه يبني على أنه يكون مؤديًا لما فعله خارج الوقت، وفيه وجهان: - فإن قلنا: بظاهر المذهب أنه يكون مؤديًا لجميعها، جاز له القصر.
- وإن قلنا: بقول أبي إسحاق، لم يقصر.
وحكي في الحاوي: في ذلك قولين.
أحدهما: وهو المنصوص عليه في عامة كتبه، أنه لا يقصر.
والثاني: نص عليه في الإِملاء، أنه يقصر.
فإن قدم البلد، وقد بقي من الوقت (قدر) 1 لا يتسع (لفعل) 2 ركعة، فهل يثبت له حكم المقيمين أم لا؟ فإنه يبني على أن إدراك هذا القدر من الوقت هل يتعلق به الوجوب أم لا؟ (فيه) 3 قولان، وهذا تخريج بعيد، لأن إدراك حكم المقيمين يكفي فيه إدراك جزء من الوقت.
فصل
يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بقدر السفر 1، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والنخعي: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بقدر السفر بحال، واختاره المزني.
وفي الجمع في السفر القصير قولان:
أظهرهما: أنه لا يجوز.
والثاني: يجوز وهو قول مالك.
فإذا أراد الجمع بينهما في وقت الأولى، فلا بد من نية الجمع 1.
وقال المزني رحمه اللَّه: لا يحتاج إلى نية الجمع، وإنما يعتبر قرب الفصل بينها.
وفي وقت نية الجمع قولان:
أحدهما: تعتبر النية مع الإِحرام بالأولى.
والثاني: تعتبر قبل الفراغ من الأولى، وبعتبر أن يقدم الأولى على الثانية وبوالي بينهما، فإن فصل بينهما (بتنفل) 2، لم يصح الجمع.
وقال أبو سعيد الإِصطخري: لا يمنع ذلك صحة الجمع.
فإن دخل (بلد الإِقامة) 3 بعد الفراغ من الثانية، وقبل دخول وقتها فهل تجزئه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجزئه، ذكره القاضي حسين رحمه اللَّه.
وذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: نص الشافعي رحمه اللَّه في المطر على ما يخالف ذلك، فإن نوى الإِقامة بعد الشروع في الثانية، لم يجزه عن الفرض، وهل تبطل، أو تصير نفلًا؟ على قولين ذكره القاضي حسين رحمه اللَّه.
ويجوز الجمع بين الصلاتين بعذر المطر في وقت الأولى منهما 1.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز ذلك، واختاره المزني رحمه اللَّه.
وقال مالك وأحمد: يجوز الجمع بين المغرب والعشاء بعذر المطر، ولا يجوز بين الظهر والعصر 2.
وهل يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت (الثانية) 3 منهما بعذر المطر؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز، وهو قول أحمد، (فأما الوصل) 4 من غير مطر، فلا يجوز الجمع به.
وقال مالك وأحمد: يجوز الجمع به 1، فإن كان في مسجد ليس في طريقه إليه مطر، ففي جواز الجمع قولان 2. ولا يجوز الجمع لمرض ولا خوف 3. وقال أحمد: يجوز الجمع للمرض والخوف 4. وحكى ابن المنذر عن ابن سيرين أنه (قال) 5: يجوز الجمع من غير مرض ولا خوف، واختاره ابن المنذر.
باب صلاة الخوف
صلاة الخوف ثابتة 1.
وقال المزني رحمه اللَّه: هي منسوخة.
وقال أبو يوسف: كانت مختصة برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 2.
ولا يؤثر الخوف في عدد ركعات الصلاة.
وحكي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: صلاة الخوف ركعة لكل طائفة، وللإِمام ركعتان، وبه قال الحسن البصري، وطاووس.
ولا تجوز صلاة الخوف في القتال المحظور 1.
وقال أبو حنيفة: تجوز.
فإن كان (العدو) 2 في غير جهة القبلة ولم يؤمنوا 3، وفي المسلمين كثرة، فإن الإِمام يفرق الناس فرقتين:
فرقة تقف في وجه العدو.
وفرقة تصلي معه.
فإن كانت الصلاة ركعتين: صلى بالطائفة الأولى ركعة، وثبت قائمًا في الثانية، (وأتمت) 4 الطائفة الأولى لنفسها وسلمت، ومضت إلى وجه العدو، وأتت الطائفة الثانية، فأحرمت خلف الإِمام، فيصلي بها الركعة الثانية.
وهل يقرأ الإِمام في حال انتظار (فراغ) 5 الأولى ومجيء الثانية؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على قولين.
أظهرهما: أنه يقرأ.
والطريق الثاني: أنه إن أراد تطويل القراءة، قرأ، وإن أراد أن يقرأ سورة قصيرة، لم يقرأ، حتى تأتي الطائفة الثانية، فيقرأ معها، فإذا