والثاني: (أنه) 1 لا يلزمه.
وفي وجه ثالث: وهو قول أبي العباس بن سريج، أنه إن تعدى، قذف الغائب إلى قذف خصم حاضر (مطالب) 2، لم يلزمه الإمام إعلامه، (لأن حده يسقط بلعانه) 3، (وإن) 4 لم يتصل قذف (الغائب) 5 بحاضر مطالب، وجب على الإمام إعلامه.
(فإن) 6 قذف محصنًا وقال: قذفته وأنا ذاهب العقل، وعُلِم له حالة جنون، ففيه قولان، بناء على القولين في الملفوف إذا (قده) 7. = يعلم به، فعلى هذا إن سأل المقذوف فأكذبه، وطالب بالحد، حد وإن صدقه حد المقذوف، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: يا أنيس، اغد على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها/ سبق تخريجه.
باب السرقة
1 ..................................
في وجوب القطع بالسرقة على السكران قولان 1: ولا يجب القطع في أقل من ربع دينار 2، ويقوم غير الذهب بالذهب 3. (فإن) 4 سرق ربع (مثقال) 5 من الخلاص 6، وقيمته دون ربع دينار، ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي سعيد الأصطخري، وأبي علي بن أبي هريرة، أنه لا يقطع 7. والثاني: وهو قول عامة أصحابنا، أنه يقطع 8. وقال مالك: يقطع في ربع دينار، (أو ثلاثة) 9 دراهم، وهما
أصلان 1، ويقوم غيرهما بهما وبه قال الليث، وأحمد، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: يقطع في عشرة دراهم مضروبة، ويقوم غيرها بها 2.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يقطع في نصف دينار.
وقال عثمان البتي: يقطع في درهم فما زاد.
وقال سليمان بن يسار 3: لا يقطع الخمس إلا في خمس، يعني
خمسة دراهم، وبه قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة 1.
وقال داود، وأهل الظاهر: يقطع في القليل، والكثير، وحكي ذلك عن الحسن البصري، واختاره ابن بنت الشافعي.
وقال إبراهيم النخعي: لا تقطع اليد إلا في أربعين درهمًا.
فإن اشترك اثنان في سرقة نصاب، لم يجب القطع على واحد منهما.
وقال مالك، وأحمد: يقطعان وهو قول أبي ثور.
إذا نقب حرزًا، وسرق منه ثمن دينار، ثم عاد (وسرق ثمنًا آخر) 2، ففيه ثلاثة أوجه.
أحدها: وهو قول أبي العباس ابن سريج: أنه يجب القطع 3.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق، أنه لا يجب عليه القطع 4.
والثالث: وهو قول أبي علي بن خيران، إنه أن عاد وسرق الثمن = وكان عبد اللَّه المبارك يقول: فقهاء المدينة سبعة، فذكر هؤلاء، وذكر فيهم سالم بن عبد اللَّه، ولم يذكر أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام./ طبقات الفقهاء للشيرازي 60 - 61.
الثاني بعدما اشتهر هتك الحرز، لم يقطع 1، وإن سرق قبل أن يشتهر خرابه، قطع 2.
ويجب القطع بسرقة ما أصله على الإباحة، إذا كان مملوكًا.
وقال أبو حنيفة: لا يجب القطع بسرقة (ما أصله مباح) 3 في دار الإسلام، كالصيد والطير، والخشب 4 إلا الساج 5، والأبنوس، والصندل، والعود، والقنا 6، أو كان معمولًا 7.
ويجب القطع (بسرقة) 8 القرون.
وقال أبو حنيفة: لا يجب القطع بسرقتها معمولة كانت أو غير معمولة.
وقال أبو يوسف: (إذا) 1 كانت معمولة، وجب القطع بسرقتها كالخشب.
ولا نقطع إلا بالسرقة من حرز 2.
وقال داود: لا يعتبر الحرز في وجوب القطع.
فإن استعار شيئًا، وجحده، لم يجب عليه القطع 3.
وقال أحمد، وإسحاق: يجب عليه القطع 4.
إذا سرق من التمر المعلق غير المحرز، لم يجب عليه القطع 1، ووجب عليه غرمه.
وقال أحمد: يجب عليه غرامة (مثليه) 2.
والمرجع في الإحراز في الأموال إلى العرف، والعادة.
(منها: ما يحرز بالإقفال، والإغلاق كالذهب والفضة.
ومنها: ما يحرز بالدرابات، ومنها ما يحرز (بالشرائح) 3.
وقال أبو حنيفة: الإحراز بالإقفال، والإِغلاق.
قال الشافعي: والحنطة، حرزها أن تجعل في الغراير في موضع البيع، ويشد بعضها إلى بعض وإن لم يغلق دونها باب.
فمن أصحابنا من قال: هذا قاله الشافعي على عادة أهل مصر، فإنهم هكذا يحرزون الحنطة، فأما بالعراق، وخراسان، فلا يحرزون إلا في البيوت والمساطيح والأبواب.
ومنهم: من حمله على عمومه.
فأما الحطب، فحرزه أن (يجيء) 1 بعضه إلى بعض، ويربط أعلاه بأسفله بحبل، بحيث لا يمكن أن يسل منه شيء 2.
ومن أصحابنا من قال: هذا حرزه نهارًا، فأما بالليل، فلا بد من باب يغلق (عليه) 3، (ويشرج عليه) 4.
قال الشيخ أبو حامد: (وهذا) 5 (ليس) 6 بشيء.
فإن أخرج النباش الكفن من جميع القبر، وجب عليه القطع، وهو قول مالك وأحمد، والجماعة 7.
وقال أبو حنيفة، والثوري: لا قطع عليه 8.
فإن أكل السبع الميت، وبقي الكفن، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه ملك للورثة، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وأبي علي الطبري 1.
والثاني: أنه لبيت المال 2.
وأما الجمال (المقطره) 3 فإن كان (معها) 4 قائد إذا التفت، نظر إلى جميعها، ولم يغب (عنه منها شيء) 5، وأكثر الإلتفات، (فإنها) 6 محرَّزه.
وقال أبو حنيفة: لا يكون شيء منها محرَّزًا إلا الجمل الذي هو آخذ بزمامه 7.
فإن سرق من الجمال المقطرة المحرزة، جملًا والمتاع عليه، ولم يكن صاحبه فوقه وجب عليه القطع.
وقال أبو حنيفة: إن سرق الجمل والحمل، فلا قطع عليه، وإن فتق الحمل، وسرق المتاع منه وجب عليه القطع 1.
ولا يجب القطع حتى يخرج النصاب من جميع الحرز، فإن نقب الحرز، وأدخل يده، وأخرج النصاب من الحرز، أو أدخل محجنًا أو خشبة، وأخرج بها نصابًا، وجب عليه القطع.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه، وكذلك إذا طر جيب رجل، فسقط ما فيه (أو بط كمه فسقط ما فيه) 2 أو نقب حرزًا فيه طعام (فانشال الطعام) 3، وجب عليه القطع 4.
فإن دخل الحرز وفيه ماء جاري، فترك المتاع فيه حتى خرج، قطع 5، وإن كان الماء راكدًا، فحركه حتى تفجر، وخرج، ففيه وجهان:
أحدهما: يقطع 6.
والثاني: لا يقطع 7.
وإن وضع النصاب في (النقب) 1، ولا ريح، فهبت ريح وأخرجته، ففي وجوب القطع وجهان 2. وإن وضع المتاع على حمار في الحرز، فخرج الحمار من غير قَوْدٍ، ولا سوق، ففي وجوب القطع وجهان 3. وإن دخل الحرز، وأخذ جوهرة، (فابتلعها) 4 وخرج، ففي وجوب القطع وجهان: أحدهما: يقطع 5. والثاني: لا يقطع 6. وإن أخذ طيبًا، فتطيب به في الحرز، ثم خرج، فإن كان يجتمع منه ما يبلغ نصابًا، ففيه وجهان: أحدهما: (أنه لا) 7 يقطع.
والثاني: (يقطع) 1.
فإن نقب رجلان حرزًا، فأخذ أحدهما المال، ووضعه على بعض الثقب (فأخذه) 2 الآخر ففيه قولان:
أحدهما: أنه يجب القطع عليهما 3.
والثاني: أنه لا قطع على واحد منهما، وهو الأصح 4.
وإن نقب أحدهما الحرز، ودخل الآخر، وأخرج المال، ففيه طريقان:
من أصحابنا من قال: فيه قولان كالمسألة قبلها.
ومنهم من قال: لا يجب القطع قولًا واحدًا 5.
وإن نقب (ثلاثة) 6 حرزًا، ودخلوا، وأخرج كل واحد منهم شيئًا، (فكان) 7 بعضهم قد (أخذ أكثر من نصاب، وبعضهم أقل من نصاب، (اعتبر كل واحد منهم شيئًا، فكان بعضهم قد) 8 أخذ أكثر من نصاب،
وبعضهم أقل من نصاب، وبعضهم أقل من (نصاب) 1، اعتبر كل واحد منهم بنفسه.
فإن بلغ ما أخرجه نصابًا، قطع، وإن نقص، لم يقطع.
وقال أبو حنيفة: يجمع ما أخرجوه، فإن خص كل واحد منهم (نصابًا) 2 قطعوه.
وقال مالك: إن كان ما حملوه في دفعه ثقيلًا، لا يقدر أحدهم على حمله، قطعوا، وإن كان يقدر أحدهم على حمله، لم يقطعوا في إحدى الروايتين.
(إذا) 3 نقب رجلان حرزًا، ودخل أحدهما فأخرج العين، فناولها الآخر، ولم يخرج بها فالقطع على الذي دخل، وكذلك إذا رمى بها إليه، فأخذها الخارج، وكذلك إذا أخرج بيده النصاب من الحرز ثم رده إليه، وجب عليه القطع.
وقال أبو حنيفة: (لا قطع عليه في هذه المسائل) 4.
فإن كان المتاع في بيت مغلق، في دار مغلقه، فنقب ودخل
البيت، (وأخرج) 1 المتاع من البيت إلى الدار، فهل (يجب) 2 عليه القطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: (أنه) 3 يقطع.
إذا سرق صنمًا 4، أو مزمارًا، (وكانت قيمته تبلغ) 5 نصابًا إذا فصل، (وصلح لمباح) 6 ففي وجوب القطع ثلاثة أوجه.
أحدها: (أنه) 7 يقطع.
والثاني: أنه لا يقطع 8، وهو قول أبي حنيفة.
والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه إن أخرجه
(مفصلًا) 1 قطع، وإن أخرجه غير (مفصل) 2 لم يقطع.
وإن سرق صبيًا صغيرًا 3، وعليه حلي يبلغ نصابًا، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يقطع 4.
والثاني: لا يقطع 5.
وإن سرق خمرًا، أو خنزيرًا، لم يقطع 6.
وحكى عن عطاء أنه (قال) 7: إذا سرق ذلك من أهل الذمة، قطع.
وإن سرق أم ولد، وهي نائمة، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يقطع 8.
والثاني: أنه لا يقطع 9.
وإن سرق عينًا موقوفة على غيره، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر المذهب، أنه يقطع.
والثاني: وهو (ظاهر) 1 قول أبي حنيفة، أنه لا يقطع.
وفيه وجه ثالث: أنا (إن) 2 قلنا: يملك الرقبة الموقوف عليه، قطع، وإن قلنا: لا يملكها، لم يقطع.
وإن سرق الماء، ففيه (وجهان) 3:
أحدهما: أنه يقطع 4.
والثاني: (أنه) 5 لا يقطع.
وإن سرق من ولده أو والده، فلا قطع عليه.
وقال أبو ثور: يقطع 6.
ومن عدا الوالدين، والمولودين، يقطع بالسرقة 7.
وقال أبو حنيفة: كل ذي رحم محرم لا يقطع (بسرقة) 1 مال الآخر.
ولا يقطع العبد بسرقة مال مولاه.
وقال داود: يقطع بسرقة ماله 2.
(وإن) 3 سرق من مال الزكاة، وليس من أهلها، قطع في أحد الوجهين.
وإن سرق أحد الزوجين من الآخر ما هو محرز عنه، ففيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه يقطع، وبه قال مالك وأحمد 4.
والثاني: لا يقطع، وهو قول أبي حنيفة 1.
والثالث: يقطع الزوج بسرقة مال (الزوجة، ولا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج) 2.
وإن غصب مال رجل، وأحرزه، (في حرزه) 3 (فنقب) 4 المغصوب منه الحرز، وسرق (مع) 5 ماله (نصابًا) 6 من مال الغاصب، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يقطع 7.
والثاني: (أنه) 8 يقطع.
= النكاح عقد على المنفعة، فلا يسقط في السرقة كالإجاره/ المغني لابن قدامة 9: 135، والمهذب 2: 282.
والثالث: (أنه) 1 إن كان ما سرقه متميزًا عن ماله، قطع 2، وإن كان مختلطًا بماله، لم يقطع 3.
وإن نقب المؤجر الدار المستأجرة، وسرق من مال المستأجر، قطع وبه قال أبو حنيفة 4.
وقال أبو يوسف، ومحمد: لا قطع عليه.
وإن نقب المعير الدار المستعارة، وسرق منها نصابًا من مال المستعير، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يقطع، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه 5.
والثاني: يقطع، وهو المنصوص عليه 6.
وإن غصب من رجل مالًا، أو سرقه وأحرزه، فجاء آخر (فسرقه) 7 منه، ففي وجوب القطع وجهان:
أحدهما: أنه لا يقطع 8.
والثاني: أنه يقطع 1.
وقال أبو حنيفة: يقطع إذا سرق من الغاصب، ولا يقطع إذا سرق من السارق.
والخصم في قطع هذا السارق هو المالك، دون السارق والغاصب، كذا ذكر أصحابنا.
(قال) 2 القاضي أبو الحسن الماوردي: وعندي أن كل واحد من المالك، والسارق، والغاصب، خصم.
وقال أبو حنيفة: الخصم في السرقة المالك، وفي الغصب، الغاصب 3.
وإن دخل مراحًا لرجل، فجلب غنمًا له، (وأخرجه) 4، (وبلغت) 5 قيمته نصابًا، وجب عليه القطع.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه، بناء على أصله (في الأطعمة) 6 الرطبة من الفواكه، وغيرها، لا يجب فيها القطع.
(فإن) 7 نزل ضيف على رجل، فسرق من مال محرز عنه نصابًا، قطع 8.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه 1.
ويقطع العبد بالسرقة، آبقًا كان، أو غير آبق 2.
وقال أبو حنيفة: لا قطع على الآبق 3. = أضاف رجل رجلًا، فأنزله في مشربة له، فوجد متاعًا له قد اختانه فيه، فأتى به أبا بكر رضي اللَّه عنه، فقال: خل عنه، فليس بسارق، وإنما هي أمانة اختانها، ولأنه غير محرز عنه فلم يقطع فيه.
وإن سرقه من بيت مقفل قطع، وهذا الذي ذهب إليه المصنف/ لما روى محمد بن حاطب، أو الحارث، أن رجلًا قدم المدينة، فكان يكثر الصلاة في المسجد وهو أقطع اليد والرجل، فقال له أبو بكر رضي اللَّه عنه: ماليلك بليل سارق، فلبثوا ما شاء اللَّه، ففقدوا حليًا لهم، فجعل الرجل يدعو على من سرق أهل هذا البيت الصالح، فمر رجل بصائغ فرأي عنده حليًا، فقال: ما أشبه هذا الحلي بحلي آل أبي بكر فقال للصائغ: ممن اشتريته؟ فقال: من ضيف أبي بكر، فأخذ فأقر، فجعل أبو بكر رضي اللَّه عنه يبكي، فقالوا: ما يبكيك من رجل سرق؟ فقال: أبكي لفرقه باللَّه تعالى، فأمر فقطعت يده، ولأن البيت المغلق حرز لما فيه فقطع بالسرقة منه/ المهذب 2: 281.
وحكى عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: لا قطع عليه، لأنه مضطر.
إذا سرق إناء من فضه، فيه خمر، أو بول، قطع 1.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه، وحكاه في الحاوي وجهًا لأصحابنا، وكذا عنده (أنه) 2 إذا سرق (صليبًا) 3 من ذهب (تبلغ) 4 قيمته نصابًا، لم يجب عليه القطع.
(فإن) 5 سرق مصحفًا قيمته (ربع دينار) 6، قطع.
وقال أبو حنيفة: لا قطع (عليه) 7.
وإن سرق ستارة الكعبة المخيطة عليها، قطع.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه.
وإن سرق بواري المسجد، وحصره، ففي وجوب القطع وجهان:
فإن سرق عبدًا صغيرًا من حرز مثله، أو كان كبيرًا نائمًا، أو أعجميًا لا يفقه (ولا يميز) 1 بين سيده (وبين غيره) 2 في (الطاعة) 3 أو مجنونًا، وجب عليه القطع (وبه قال أبو حنيفة، ومالك.
وقال أبو يوسف: لا يجب عليه القطع، وإن سرق حرًا صغيرًا، لم يجب عليه القطع) 4.
(وقال: يجب عليه القطع) 5.
(فإن) 6 دخل الحرز، (فأخذ) 7 ثوبًا، فشقه، أو شاة فذبحها = لأجله، لا للجلد والأوراق، والحلية، وإنما هي توابع، ولا معتبر بالتبع كمن سرق آنية فيها خمر، وقيمة الآنية تربو على النصاب/ الهداية 2: 90.
في (الحرز) 1، ثم أخرج (ذلك) 2 (وبلغت) 3 قيمته نصابًا بعد الشق، والذبح، وجب عليه القطع.
وقال أبو حنيفة: في الثوب ما قلناه إلا أن يكون قد خرق أكثره، فلا يجب القطع.
إذا وهب المسروق منه، المسروق من السارق بعد وجوب القطع، لم يسقط القطع منه، وبه قال مالك، وأحمد 4.
وقال أبو حنيفة: يسقط القطع.
فإن ثبت السرقة بالبينة، والمسروق منه غائب.
فالمنصوص في السرقة: أنه لا يقطع حتى يحضر من يدعي، وهو قول أبي حنيفة.
وقال: فيمن قامت البينة عليه بالزنى بأمة، ومولاها غائب، أنه يحد، ولا ينتظر حضور المولى، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قول أبي العباس بن سريج أنه لا يقام عليه الحد في (المسألتين) 1 حتى يحضر.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق، تخرج المسألتين على قولين، بنقل الجوابين.
أحدهما: لا يحد 2.
والثاني: يحد 3.
والثالث: وهو قول أبي الطيب بن سلمة، وأبي حفص (بن) 4 الوكيل، أنه يحد الزاني، ولا يقطع السارق على ظاهر ما نص عليه 5.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر، أنه يقطع السارق، ويحد الزاني في (الإقرار) 6 وجهًا واحدًا.
والصحيح: أنه كالبينة، (وإذا) 7 قلنا: ينتظر قدوم الغائب، ففيه وجهان:
أحدهما: (أنه) 1 يجب.
والثاني: أنه إن كان السفر قريبًا، حبس إلى أن يقدم الغائب.
وإن كان بعيدًا لا يحبس 2.
(فإذا) 3 وجب عليه القطع، قطعت يده اليمنى، فإن سرق ثانيًا، قطعت رجله اليسرى فإن سرق ثالثًا، قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعًا، قطعت رجله اليمنى 4.
وحكي عن عطاء أنه قال: تقطع يده اليسرى في المرة (الثانية) 5.
وقال أبو حنيفة، والثوري وأحمد: لا تقطع في المرة الثالثة والرابعة.
وتقطع اليدين من الكوع، والرجل من مفصل القدم 1.
وحكى عن قوم من السلف: أنه يقطع أصابع اليد دون الكف، (والرجل) 2 تقطع من معقد الشراك ويترك له العقب، وحكي هذا عن أبي ثور، وهو قول الرافضة 3.
وتحسم بالزيت والنار، فإن امتنع من حسمها، فهل يجبر عليه في السرقة؟ فيه وجهان:
أحدهما: (أنه لا يجبر عليه) 4، كما لا يجبر عليه في القود.
والثاني: أنه يجبر عليه.
إذا بقي في يمينه الكف، فسرق، فهل يقطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تقطع.
والثاني: لا تقطع، وتجعل كالعدومة.
فإن كانت يده اليسرى مقطوعة، أو ناقصة نقصانًا أذهب معظم منفعتها، لم يمنع ذلك من قطع يمينه.
وقال أبو حنيفة: يمنع.
فإن وجب عليه القطع في يمينه، فسقطت يساره (بآكلة) 1 لم يسقط القطع في اليمين.
وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: (يسقط) 2 (القطع) 3 في أحد القولين، كما لو قطع الإمام يساره، وهذا خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه.
إذا وجب على (السارق) 4 قطع يمينه، فأخرج يساره وأعتقه أنها تجزىء عن اليمين 5.
فقد حكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه في ذلك وجهين 6:
وذكر الشيخ أبو حامد، أن القاطع، إن كان يعلم أنها يساره وأنها لا تجزىء، وجب عليه القصاص، ووجب قطع اليمين، وإن لم يعلم ذلك، لم يجب القصاص (فيها) 7 ووجب ديتها، وهل يسقط (بذلك) 8 القطع في السرقة؟ فيه قولان:
فإن (سرق مرة خامسة) 1، حبس وعزر 2.
وحكي عن عثمان (بن عفان) 3 وعمر بن عبد العزيز رضي اللَّه عنهما أنهما قالا: يقتل في الخامسة 4.
فإن سرق، فقطعت يده ثم عاد، وسرق، قطعت رجله، ولا فرق بين أن يسرق من الأول أو من غيره، وسواء سرق تلك العين أو غيرها.
وقال أبو حنيفة: إذا سرق العين التي (قطع فيها) 5، لم يقطع ثانيًا بسرقتها إلا أن يسرق غزلًا (فقطع ورده) 6 فنسج ثوبًا فعاد وسرقه، قطع 7.
وثبتت السرقة بإقراره (مرة) 1 واحدة.
وقال أحمد وأبو يوسف، وزفر، وابن أبي ليلى: (لا تثبث إلا بإقراره) 2 مرتين.
فإن رجع عن (إقراره) 3، قُبِلَ رجوعه في سقوط القطع.
وفيه قول آخر: (أنه) 4 لا يسقط.
فإن قال السارق: أنا أقطع يدي بنفسي، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يمكن 5.
والثاني: أنه يمكن.
فإن نقصت قيمة النصاب بعد السرقة، لم يسقط القطع.
وقال أبو حنيفة: يسقط.
إذا (تلف) 6 المسروق في يد السارق غرم القيمة وقطع 7.
وقال أبو حنيفة: لا يجمع عليه بين القطع والغرم.
وحكى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه إذا قطع غرم.
وقال مالك: إن كان السارق معسرًا قطع ولم يغرم كقول أبي حنيفة، وإن كان موسرًا قطع، وغرم كقولنا.
فإن قامت البينة عليه بالسرقة، فقال الذي سرقته، كان مالي عنده وديعة، أو رهنًا أو كنت قد ابتعته منه، أو اتهبته وسلمه إلي، أو كان قد غصبه مني، أو من (أبي) 1 فالقول: قول المسروق منه مع يمينه، ولا قطع عليه، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه.
وقال أبو إسحاق: قال بعض أصحابنا لا يسقط القطع.
فإن فعل السارق في العين، المسروقة، ما أوجب نقصان قيمتها، كقطع الثوب وغيره (وجب رده ورد) 2 ما نقص من قيمته.
وقال أبو حنيفة: إن كان نقصانًا لا يقطع حق المالك، إذا فعله الغاصب، رد العين، ولا ضمان عليه، إذا قطع، وإن كان يقطع حق المغصوب منه، كقطع الثوب، (وخياطته) 3، فإذا قطع (فلا) 4 ضمان عليه، ويسقط حق المسروق منه من العين، وإن كان زيادة في العين (كأن) 5 صبغه (أحمرًا) 6 أو أصفرًا، فإذا قطع:
قال أبو حنيفة: لا يرد العين، ولا يحل له التصرف فيها.
وقال أبو يوسف ومحمد: ترد العين 1.
إذا سرق فضة، فضربها دراهم، (أو ذهبًا) 2، فضربه دنانير، قطع ورد، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يرد 3.
باب حد قاطع الطريق
1 حدود قطاع الطريق مرتبة، فمن قتل، قتل (قتلًا متحتمًا) 2 ومن قتل وأخذ المال، قتل وصلب ومن أخذ المال، ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف، وانتفى المذكور في الآية طلبهم لإقامة الحدود
عليهم 1، روي ذلك عن ابن عباس رضي اللَّه عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
وقال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال، الإمام مخير فيه، بين أن يقتله ويصلبه، وبين أن يقطعه (ويقتله) 2، وبين أن يجمع عليه بين (القتل والقطع، والصلب) 3.
فإن شهر السلاح، ولم يقتل، ولم يأخذ المال، عزر، وهل يتعين ما يعزر به؟
حكى في الحاوي: وجهين:
أحدهما: أنه يتعين حبه.
والثاني: أنه (يعزره بما يرى) 4.
واختلف (من قال) 5 بحبسه على وجهين:
أحدهما: أنه يحبس في بلده، وهو قول (أبي حنيفة) 1.
(والثاني: أنه يحبس في بلده وهو قول أبي العباس بن سريج) 2.
واختلف في قدر الحبس.
فمنهم من قال: (هو غير) 3 مقدر، ويعتبر فيه الندم، وظهور التوبة.
ومنهم من قال: هو مقدر، وفي قدره وجهان:
أحدهما: ستة أشهر، وهو قول أبي عبد اللَّه الزبيري.
والثاني: أنه مقدر بسنة، وهو قول أبي (العباس) 4 بن سريج.
وقال مالك: إذا شهر السلاح، وقطع الطريق، فإن الإمام إذا رآه جلدا (ذا) 5 رأي قتله، وإن كان جلدًا لا رأي له، قطعه، ولم يعتبر فعله.
وحكي عن سعيد بن المسيب في جماعه، وداود: إن الآية على التخيير، بين القتل والصلب والقطع والنفي.
وفي اعتبار النصاب في القطع في المحاربة وجهان:
أحدهما: أنه يعتبر النصاب قولًا واحدًا.
والثاني: أنه لا يعتبر النصاب، كما لا يعتبر التكافؤ (في القتل) 1 في أحد القولين 2.
(وإن) 3 جرح جراحة توجب القود، فهل يتحتم 4؟ فيه قولان:
أحدهما: يتحتم 5.
والثاني: لا يتحتم 6.
فإن اجتمعت الحدود مع القتل في المحاربة، بدئى بالحدود.
وقال أبو حنيفة: يسقط بالقتل ما عداه من الحدود، وإن لم يكن معها قتل، يخير الإمام في البداية بما شاء منها.
وإن قتل وأخذ المال، قتل وصلب.
ومن أصحابنا من قال: يصلب حيًا، (ويمنع) 7 من الطعام، والشراب حتى يموت.
وحكى أبو العباس بن القاص (في التلخيص) 1: عن الشافعي رحمه اللَّه أنه قال: (يصلب ثلاثًا قبل) 2 القتل، وليس بصحيح 3.
فإن كان الزمان باردًا، أو معتدلًا، صلب بعد القتل ثلاثًا، وإن كان الحر شديدًا (وخيف) 4 عليه التغير قبل الثلاث، حنط، وغسل، وكفن وصلي عليه.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يصلب إلى أن يسيل صديده 5.
فإن مات، فهل يصلب؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول الشيخ أبي حامد الأسفرايني: أنه لا يصلب 6.
والثاني: وهو قول القاضي أبي الطيب، أنه يصلب 7.
وقال أبو حنيفة: النفي هو حبسهم.
وقطاع الطريق في المصر، كهم في البرية، وبه قال أبو ثور، وأبو يوسف 1.
وقال أبو حنيفة، والثوري: لا محاربة في الأمصار 2.
وقال مالك: روايتان، (وتوقف) 3 أحمد في ذلك.
ذكر في الحاوي: أن القرى التي يقل أهلها، حكمها حكم الصحراء، فيمن قصدها من المحاربين، وأما الأمصار الكبار، فمن قصد نواحيها جهارًا، فكذلك، (وأما) 4 وسط (المصر) 5 في المواضع التي تتكاثر فيها الناس في أسواقهم، ودورهم إذا كبسوا سوقًا منها، ونهبوها،
أو دارًا (منها) 1 فنهبوها، ففي (جريان) 2 حكم المحاربة عليهم وجهان:
أصحهما: أن حكمهم حكم المحاربة.
فإن فقد المحارب يده اليمنى، وبقيت رجله اليسرى، أو فقدت رجله اليسرى، وبقيت يده اليمنى، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي حامد الأسفراييني، أنه يوخذ الباقي وحده.
والثاني: (قال) 3 في الحاوي، وهو الأشبه عندي، أنه يجعل الموجود تبعًا للمفقود، فيعدل إلى رجله اليمنى، ويده اليسرى.
إذا اعترض قطاع الطريق بالعصي والرمي بالحجارة، (ثبت) 4 لهم حكم المحاربين.
وقال أبو حنيفة: ليس لهم حكم المحاربين 5.
ولا يجب ما ذكرناه من حدود (المحاربين) 6، إلا لمن باشر (أسبابها) 7، دون من كان ردًا 8.