حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ط الرسالة الحديثةصفحات 481-522

1 إذا كان عليه دين مؤجل، وأراد سفرًا قبل محل الدين، لم يكن له

منعه ولا مطالبته بكفيل 1. ومن أصحابنا من قال: إذا كان السفر مخوفًا، ملك منعه منه، أو مطالبته بكفيل 2. = فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: "ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال، الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء أخذ من سيئاتهم فردَّ عليه، ثم صُكَّ له صك إلى النار) الفتح الكبير 3: 30 فقول الصحابة: إنما هو اخبار عن حقيقة المفلس، وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (ليس ذلك المفلس) تجوُّز لم يرد به نفي الحقيقة، بل أراد أن فلس الآخرة أشد وأعظم بحيث يصير مفلس الدنيا بالنسبة إليه كالغني، ونحو هذا: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الثديد الذي يغلب نفسه عند الغضب) صحيح البخاري بحاشية السندي 4/ 68. وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ليس السابق من سبق بغيره، وإنما السابق من غفر له، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- (ليس الغني عن كثرة العرض، إنما الغني غني النفس).
الفتح الكبير 3: 58. ومنه قول الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت... إنما الميت ميت الأحياء وإنما سمى هذا مفلسًا، لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال والمفلس في عرف الفقهاء: من دينه أكثر من ماله، وخرجه أكثر من دخله، وسموه مفلسًا، وإن كان ذا مال، لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم، دل على ذلك تفسير النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لمفلس الآخرة فإنه أخبر أن له حسنات أمثال الجبال، لكنها كانت دون ما عليه، فقسمت بين الغرماء، وبقي لا شيء له، ويجوز أن يكون سمي بذلك، لما يؤول إليه من عدم ماله بعد وفاء دينه.
ويجوز أن يكون سمي بذلك، لأنه يمنع من التصرف في ماله، إلا الشيء التافه، الذي لا يعيش إلا به، كالفلوس، ونحوها: المغني لابن قدامة جـ 4: 306.

وحكى عن مالك أنه قال: يملك مطالبته بكفيل 1 بكل حال.
(وإن) 2، كان الدين عليه حالًا، وكان معسرًا، لم يجز مطالبته به 3 (ولا ملازمته) 4 عليه.
وقال أبو حنيفة: لغرامائه ملازمته، غير أنهم لا يملكون منعه من الاكتساب، فإذا رجع إلى بيته، فإن أذن لهم في الدخول، دخلوا، وإن لم يأذن لهم في الدخول، منعوه منه.
فإن كان يحسن صنعة، فطلب (الغريم) 5 أن يؤجر نفسه (ليكسب) 6 ما يقضي به الدين، لم يجبر عليه 7، وبه قال مالك، = محل الدين، وجواز أن يموت لا يمنع من التصرف في نفسه قبل المحل كما يجوز في الحضر أن يهرب ثم لا يملك حبسه لجواز الهرب.
المهذب للشيرازي 1: 326 - 327.

وأبو حنيفة 1. وقال أحمد، وإسحاق: يجبر عليه، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد اللَّه بن الحسين العنبري وسوار القاضي 2. (فإن) 3 كان له مال ظاهر، وامتنع من بيعه، باعه الحاكم عليه 4، وإن شاء لزمه بيعه، وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد 5. = ولأن هذا إجبار على الاكتساب فلم يجب ذلك، كما لا يجر على قبول الوصية/ المجموع 13/ 272.

وقال أبو حنيفة: لا يبيع عليه ماله، ولكنه يحبسه ليبيع.
فإن ادعى الأعسار 2، لم تقبل دعواه إلا بشهادة رجلين من أهل الخبرة الباطنة، والمعرفة المتقادمة بحاله 3. فإن 4 سأل (غرماؤه) 5 أحلافه على (اعساره) 6. ذكر في الحاوي: أنه يحلف 7. وقال أبو حنيفة: لا يحلف.1

وحكي عن أصحاب مالك: (أنهم) 1 قالوا: لا تسمع البينة على الأعسار، وتسمع البينة على الافلاس في الحال، (ويخلى) 2 سبيله.
وقال أبو حنيفة: لا يسمع في الحال، ويحبس المفلس شهرين في رواية الأصل 3. قال الطحاوي: يحبس شهرًا، وروي عنه ثلاثة أشهر، وروى أربعة حتى يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال لأظهره.
فإن لم تقم البينة على اعساره، وجب حبسه إذا سأل الغرماء ذلك 4. وحكي في الحاوي: عن عمر بن عبد العزيز، والليث بن سعد: أنه لا يجوز أن يحبس أحد على دين.
ونفقته في مدة حبسه في ماله.
وذهب قوم: إلى أنها على غرمائه، وحكى عن بعض أصحابنا.

فإن كان له صنعة (يعمل في الحبس) 1، لم يمنع منها في أصح الوجهين.
فإن حبس في حق رجل، فجاء آخر (يدعي عليه) 2 حقًا، جاز للحاكم أن يحضره ويسمع الدعوى عليه.
وقال مالك: لا يجوز إخراجه من الحبس لذلك.
(وإذا) 3 حبسه، لم يغفله (وسأل) 4 عن حاله.
وقال مالك: يجب أن يغفله، ولا يتولى الكشف عن حاله.
فإن وجد في يده مال، فأقر به لغيره، وصدقه المقر له، سلم إليه.
فإن قال الغريم أحلفوه أنه صادق في إقراره ففيه وجهان: أصحهما: أنه لا يحلف.
فإن ركبته الديون، ورفعه غرماؤه إلى الحاكم، وكان ماله لا يفي بديونه، وسألوه الحجر عليه (حجر عليه) 5، فيتعلق حقوقهم بماله،

ويمنع من التصرف فيه، وبه قال أحمد، وإسحاق 1. قال أبو حنيفة: ليس للحاكم أن يحجر عليه 2، فإن حجر عليه (بإجتهاده) 3 ثبت الحجر.
وإن كان ماله يفي بديونه، إلا أنه قد ظهرت عليه إمارات الفلس، بأن زاد خرجه على دخله، ففي جواز الحجر عليه وجهان: أحدهما: أنه لا يجوز 4. = والمغني لابن قدامة 4: 307، وروى كعب بن مالك أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حجر على معاذ وباع عليه ماله/ المهذب 1: 328 أنظر السنن الكبرى للبيهقي 6: 48.

والثاني: أنه يجوز 1.

  • فإن قلنا: يجوز الحجر عليه، فحجر عليه، فوجد بعض غرمائه عين ماله بحاله فهل له الرجوع فيه؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك 2.

والثاني: ليس له.
فإن كان في يد المفلس أعيان (أموال) 1، لم يؤد (أثمانها) 2، وقد زادت أسعارها (مرات) 3 (فإن استرجعها) 4 أربابها، وعجز ماله عن دينه ففيه وجهان: أحدهما: أنهم يرجعون فيها.
والثاني: أنهم لا يرجعون.
فإن تصرف المفلس في ماله بعد الحجر عليه ببيع، أو هبة، أو عتق، ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يصح، وبه قال مالك 5. والثاني: أنه يصح 6، (وتكون) 7 تصرفاته موقوفة.
= الثاني: ألا يكون متغيرًا، فإن تغير بطريان عيب، فليس له إلا أن يقنع أو يضارب بالثمن أما التغير بالزيادة، فالمتصلة من كل وجه لا حكم لها، بل تسلم للبائع مجانًا، والمنفصلة من كل وجه كالولد لا يرجع فيه، ولكن إن كان صغيرًا فعليه أن يبذل قيمة الولد حذرًا من التفريق/ الوجيز للغزالي 1: 172 - 174.

فإن قضيت (الديون) 1 من غير نقض (للتصرف) 2، نفذ التصرف، وإن لم يكن قضاؤها (إلا بنقض) 3 التصرف فسخ منها الأضعف فالأضعف، يبدأ بالهبة 4، ثم البيع 5، ثم العتق 6. قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي رحمه اللَّه: يحتمل عندي أن يقال: يفسخ الآخر فالآخر 7. قال الشافعي رحمه اللَّه: ولو (باع) 8 بشرط الخيار، ثم فلس، فله (إجازة) 9 البيع ورده.
فمن أصحابنا: من حمله على ظاهره وقال: له أن يفعل ما يشاء، وهو أسدُّ الطرق عند أصحابنا 10. وقال أبو إسحاق: إن كان الحظ في الرد لم (يملك) 11 الإِجازة، وإن كان في الإجازة، لم يملك الرد 12.

ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: إن المبيع انتقل بنفس العقد، لم يجب الرد وإن كان الحظ في الرد 1. وإن قلنا: إن المبيع لم ينتقل، لزمه الرد (إن كان) 2 الحظ في الرد 3. (وإن) 4 أقر بدين لزمه قبل الحجر، فهل (يلزم) 5 في حق الغرماء؟ فيه قولان: أصحهما: أنه (يلزمه) 6. والثاني: أنه لا يشارك الغرماء، وبه قال مالك 7. فإن مات المفلس، فهل يدفع من ماله الحنوط؟ فيه وجهان: (وإن) 8 ادعى رجل عليه مالًا فأنكره ونكل عن اليمين، فحلف المدعي: = لو باع بشرط الخيار ثم جن، فإن الولي لا يفعل إلا ما فيه الحظ من الرد والإجازة/ المهذب 1: 328.

  • فإن قلنا: أن اليمين المردودة بعد النكول بمنزلة البينة، شارك المدعي الغرماء.
  • وإن قلنا: إنها كالإقرار، كان على القولين.
    وأن أقر بعين مال في يده لغيره، فهل يسلم إلى المقر له على القولين في الدين.
    فإن ادعى المفلس مالًا، وله به شاهد واحد 1 ولم يحلف معه، (فهل) 2 يحلف الغرماء؟ قال في التفليس: لا يحلفون.
    وقال في غرماء الميت: إذا لم يحلف الوارث مع الشاهد، ففيه قولان 3. فمن أصحابنا من قال: غرماء المفلس مثلهم.
    ومن أصحابنا من قال: (لا) 4 يحلف غرماء المفلس، وفي غرماء الميت قولان 5:

فإن جنى على المفلس جناية توجب المال، فأبرأ الجاني عنه، لم يصح إبراؤه في أصح القولين.
(فإن) 1 كان على المفلس ديون مؤجلة فهل تحل بالحجر عليه؟ فيه قولان: أحدهما: أنها تحل عليه، وهو قول مالك 2. والثاني: أنها (لا تحل) 3، وهو اختيار المزني، وقول أبي حنيفة 4. فإن بيع للمفلس متاع وقبض ثمنه، وتلف، واستحق المبيع، رجع المشتري بالعهدة في مال المفلس، وهل يقدم على سائر الغرماء؟ فيه قولان على أحد الطريقين: أحدهما: يقدم 5. والثاني: أنه يكون (أسوة بهم) 6. = تحلف غرماؤه ولأن غرماء الميت أيسوا من يمين الميت فحلفوا، وغرماء المفلس لم ييأسوا من يمين المفلس فلم يحلفوا/ المهذب 1: 329.

والطريق الثاني: أنه إن لم يفك بالحجر عنه قدم، وإن كان قد فك الحجر عنه كان كسائر الغرماء.
وما تلف من الثمن، كان من مال المفلس.
وقال أبو حنيفة: يتلف من الغرماء.
وقال مالك: إن كان من جنس حقوقهم، تلف منهم.
وإن كان في الغرماء من قد (باع) 1 منه شيئًا قبل الافلاس، ولم يأخذ من ثمنه شيئًا، ووجد عين ماله على (صفته) 2، لم يتعلق به حق غيره، كان أحق به 3. وقال أبو حنيفة: لا يختص البائع به إلا أن يكون قبل القبض، فيكون أحق به، يباع ويوفى منه الثمن الذي له 4. = أحدهما: يقدم، لأن في تقديمه مصلحة، فإنه متى لم يقدم تجنب الناس شراء ماله خوفًا من الاستحقاق فإذا قدم، رغبوا في شراء ماله.
والثاني: أنه أسوة الغرماء، لأن هذا دين تعلق بذمته بغير رضى من له الحق، فضرب به مع الغرماء كأرش الجناية./ المهذب للشيرازي 1: 329.

وهل يفتقر الفسخ إلى الحاكم؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق أنه لا يفسخ إلا بالحاكم 1. وقال أبو القاسم الداركي: لا يفتقر إلى الحاكم 2. فإن حكم حاكم بالمنع من الفسخ: فقد قال أبو سعيد الاصطخري: يُنْقَضُ حكمه 3. قال الشيخ الإِمام أبو إسحاق الشيرازي رحمه اللَّه: (يحتمل) 4 أن لا يُنقَضُ.
وهل يكون الفسخ على الفور؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه على الفور 5. والثاني: أنه على التراضي 6. = كالمرتهن إذا أسلم الرهن إلى الراهن، ولأنه ساوى الغرماء في سبب الاستحقاق، فيساويهم في الاستحقاق كسائرهم.
المغني لابن قدامة/ 4: 307.

وهل يصح الفسخ بالوطيء في الجارية المبيعة وقد أفلس بثمنها؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح 1. والثاني: لا يصح 2. وإن كان قد باعه بعد الإِفلاس، فهل له الرجوع؟ (فيه) 3 وجهان: أحدهما: أن له الفسخ 4. والثاني: ليس له ذلك لعلمه بحاله 5. وإن وجد المبيع وقد قبض من ثمنه شيئًا، ورجع بحصته ما بقي من الثمن 6: ذكر الشيخ أبو نصر، رحمه اللَّه: أن الشافعي رحمه اللَّه قال في القديم: ليس له في العين حق.

قبل الدخول، وقبل أخذ الشفيع له بالشفعه، (ففيه) 1 وجهان: أظهرهما: أن الشفيع أحق.
(وإن) 2 وجد عين ماله، والثمن مؤجل 3. فالمنصوص: أنه يباع المبيع في جملة أموال المفلس في حق الغرماء في الديون الحالة 4. ومن أصحابنا من قال: يوقف إلى أن يحل دينه، فيرجع في عين ماله 5. وإن (وجد البائع) 6 المبيع وقد باعه، ثم عاد إليه، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يرجع فيه 7 والثاني: أنه لا يرجع 8.

فإن وجد عين ماله وقد تعلق به حق رهن، أو جناية ثم فك من ذلك قبل أن يضرب مع الغرماء بالثمن، فهل له الرجوع فيه؟ فيه وجهان: فإن باعه المشتري الأول من (ثان) 1، وباعه الثاني من ثالث ولم يقبض واحد منهم من ثمنه شيئًا، ورضي البائع من الثالث بترك حقه، وحاص الغرماء، في حكم البائع الأول، والثاني؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس لواحد منهما أن يرجع في المبيع.
والثاني: أن الثاني أحق من الأول.
والثالث: أنهما يرجعان في العين نصفين.
فإن بذل الغرماء له الثمن ليترك الرجوع في عين ماله، لم يلزمه قبول ذلك 2.

وقال مالك: يلزمه قبول ذلك 1. وإن نقص المبيع في يد المشتري، فالبائع بالخيار، إن شاء رجع فيه بجميع الثمن، وإن شاء ترك الرجوع 2. ومن أصحابنا من قال: إن كان النقص بفعل المشتري، كان مبينًا على أن جناية البائع، تجعل بمنزلة (جناية) 3 الأجنبي في الضمان، أم لا، وليس بشيء.
وإن باعه نخلًا عليها طلع لم يؤبر، فتلف في يد المشتري، ثم = فأمكنه الأداء منه، أو غلّت أعيان ماله، فصارت قيمتها وافية بحقوق الغرماء، بحيث يمكنه أداء الثمن كله، لم يكن للبائع الفسخ، لزوال سببه، ولأنه أمكنه الوصول إلى ثمن سلعته من المشتري، فلم يكن له الفسخ، كما لو لم يفلس/ المغني لابن قدامة 4: 308.

أفلس بالثمن، فإنه يرجع في النخل، وهل يضرب بحصة الطلع من الثمن مع الغرماء؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يرجع بالنخل بجميع الثمن 1. والثاني: أنه يرجع (به) 2 بحصته من الثمن، ويضرب بحصة الطلع مع الغرماء 3. فإن كان المبيع حبًا، فصار عند المشتري زرعًا، أو بيضًا فصار فرخًا، فالمنصوص: أنه يرجع فيه 4. والثاني: لا يرجع 5.

وإن كان قد باعه نخلًا، فاطلعت في يده، وأفلس وهو غير مؤبر 1، ففيه قولان: أحدهما: أنه يرجع في النخل دون (الثمرة) 2.

والثاني: أنه يرجع في النخل مع الثمرة، وهو اختيار المزني 1. فعلى هذا إن (أبرت) 2 الثمرة واختلفا، فقال البائع: رجعت قبل التأبير (فالثمرة) 3 لي.
وقال المفلس: بل رجعت بعد التأبير، فلا حق لك في الثمرة فالقول قول المفلس 4. فإن لم يحلف المفلس، فهل يحلف الغرماء؟ فيه قولان 5. فإن كذبه الغرماء، فحلف، استحق الثمرة، فإن أراد تفرقتها على الغرماء ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يلزمهم قبولها 6. = النخلة أن يطالبهم بقطعها قبل ذلك، وإن اتفقوا على قطعها جاز، وإن دعا بعضهم إلى قطعها، ويعضهم إلى تبقيتها ففيه وجهان: قال عامة أصحابنا: يجاب من دعا إلى قطعها، وقال المصنف: يفعل ما فيه ألاحظ وإن قلنا: أن الثمرة تكون للبائع للنخل فلم يرجع البائع حتى أبرت النخل، كانت الثمرة للمفلس والغرماء قولًا واحدًا، لأنها قد صارت نماء متميزًا، فالحكم في قطعها وتبقيتها على ما مضى.
المجموع 13: 316 - 317.

والثاني: أنه يلزمهم قبولها، أو الإبراء، نص عليه في المكاتب 1 غير أنهم إذا أخذوها ردوها على البائع.
وإن صدقه بعضهم، وكذبه البعض، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه فرق ذلك فيمن صدقه، دون من كذبه.
فمن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يفرقه إلا على من صدقه 2. وقال أبو إسحاق: إذا اختار المفلس أن يفرقه على الجميع، كان له 3.

(وإن) 1 باع المفلس الثمرة بعد ما حلف، وفرق الثمن على الغرماء، فهل يلزمهم رد الثمن على البائع؟.
ذكر في الحاوي: فيه وجهين: أحدهما: يلزمهم رده، كما يلزمهم رد (الثمرة) 2. والثاني: لا يلزمهم.
فإن قال البائع: رجعت قبل التأبير، وصدقه المفلس، (وكذبه) 3 الغرماء، فهل يقبل قوله؟ فيه قولان: أحدهما: أن القول قول المفلس 4. والثاني: أنه لا يقبل قوله 5، فعلى هذا هل يحلف الغرماء؟ 6. ومن أصحابنا من قال: هو على القولين.
ومنهم من قال: يحلفون قولًا واحدًا 7. وإن كان المبيع جارية، فحبلت في ملك المشتري وأفلس بعد الوضع، رجع في الجارية، دون الولد 8، ولا يجوز التفريق بينهما، فأما

أن يزن (البائع) 1 قيمة الولد، (ويأخذه) 2 مع الأم أو يباعان جميعًا، فيأخذ البائع (ثمن) 3 الأم، والمفلس ثمن الولد.
ومن أصحابنا من قال: أما أن يزن البائع قيمة الولد، ويأخذهما، أو يسقط حقه من الرجوع 4. ومن أصحابنا من قال: يجوز التفريق بينهما لموضع الضرورة كما قلنا في الرهن، والأول أصح.
وإن أفلس المشتري قبل الوضع وقلنا: لا حكم للحمل، رجع فيهما 5 وإن قلنا: للحمل حكم، رجع في الأم، دون الحمل، كالمنفصل.
وإن كان قد باعها وهي حامل، ثم أفلس المشتري قبل الوضع، رجع (فيهما) 6 وإن أفلس بعد الوضع، وقلنا: للحمل حكم، رجع فيهما 7 وإن قلنا: لا حكم له، في الأم دون الولد 8.

وإن كان المبيع طعامًا، فطحنه المشتري، أو ثوبًا فقصره، ثم أفلس بالثمن وزادت قيمته، فصار يساوي خمسة عشر، وكانت قيمته عشرة، ففيه قولان: أحدهما: أن البائع يرجع فيه، ولا يكون المشتري شريكًا له بقدر الصنعة، وهو اختيار المزني 1. والثاني: وهو الأصح: أن المشتري يكون شريكًا له بقدر العمل 2. (وإن) 3 كان المبيع أرضًا، فغرسها المشتري، أو بناها وأفلس بالثمن، وامتنع (الغرماء) 4.

من قلع ذلك 1 وامتنع البائع من دفع قيمة الغراس والبناء، (وتملكها) 2 مع الأرض، أو بذل الأرش مع القلع، فقد نقل المزني رحمه اللَّه، (فيه) 3 قولين:

أصحهما: أنه لا يرجع 1. والثاني: أنه يرجع 2. وكان أبو الفياض، وأكثر البصريين، يخرجها على حالين فيقول:

  • إن كانت قيمة الغراس والبناء، أقل من قيمة الأرض، فله أن يرجع 3.
  • وإن كانت أكثر من قيمة الأرض، لم يرجع 4.

فإن قلنا: أنه لا يرجع، فهل يجبر على بيع (الأرض مع الغراس والبناء) 1 لحق الغرماء؟ فيه قولان: أحدهما: يجبر 2. والثاني: لا يجبر 3. (وإذا) 4 بيعا، واحتيج إلى (قيمة) 5 الثمن، فإنه (يعطى) 6 البائع من الثمن ما قابل قيمة الأرض بيضاء على أظهر الوجهين.
وقيل: (يعطى) ما قابل قيمة الأرض ذات غراس وبناء، حكاهما أبو علي بن أبي هريرة.

فإن اشترى أرضًا من واحد، وغراسا من آخر، وغرسه في الأرض، ثم أفلس (بثمنهما) 1 كان لهما الرجوع في (البيع) 2، وهل لصاحب الأرض أن يقلع الغراس بغير ضمان؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يجوز 3. وإن كان المبيع من ذوات الأمثال 4، فخلطه بمثله من جنسه، فللبائع أن يرجع في عين ماله 5، فإن طلب البائع البيع 6، وامتنع المفلس فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يجبر 1. وإن خلطه بأردأ منه، فله أن يرجع فيه 2، وفي كيفية رجوعه وجهان: قال أبو إسحاق: يباع الزيتان ويقسم ثمنه بينهما على قدر قيمتهما، فيكون للبائع ما قابل قيمة زيته 3. (والمنصوص عليه) 4: أن البائع يأخذ مكيلته من 5 الزيت إن شاء 6. وحكى الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه (أنه) 7 إن شاء أن يرجع في العين، كان (له) 8 وجهًا واحدًا، وإن أراد البيع، كان (له) (9) وجهًا واحدًا.

وإن خلطه بأجود منه، ففيه قولان: أحدهما: أنه يرجع فيه، وهو اختيار المزني رحمه اللَّه 1. والثاني: أنه يسقط حقه من الرجوع، وهو الأصح 2.

  • فإن قلنا: أنه يرجع، ففي كيفية الرجوع قولان: أحدهما: أنه يباع الزيتان 3. الثاني: أنه يرجع من الزيت بقيمة (مكيلته) 4 زيته ويكون قد أخذ بعض حقه، وترك بعضه 5. وإن كان قد خلطه بغير جنسه 6، كالزيت خلطه بالبزر ودقيق البر، بدقيق الشعير، فقد بطل حقه من الرجوع في عينه.
    وهل يبطل حقه من ثمنه؟ فيه وجهان: أحدهما: أن حقه قد بطل من ثمنه.

والثاني: لا يبطل حقه من ثمنه، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة.
فإن أسلم رجل في شيء، فأفلس المسلم إليه 1، وكان رأس المال تالفًا، ضرب مع الغرماء بقدر المسلم فيه، فيشترى له بذلك بما يخصه بحكم القسمة.
وقال أبو إسحاق: له أن يفسخ العقد، ويضرب مع الغرماء بقدر رأس المال 2. فإن وهب المفلس مالًا لرجل برضاء غرمائه، صح.
وحكى في الحاوي: فيه قولين:

فإن اكترى أرضًا للزراعة، فأفلس المكترى بالأجرة 1. وقد بقي من المدة شيء ففسخ فيما بقي من المدة والزرع لم يستحصد 2، ودعا بعض الغرماء إلى القطع، وبعضهم إلى التبقية 3، وكان مما إذا قطع له قيمة، كالقصيل الذي يقطع في العادة، ففيه وجهان: أظهرهما: أنه يقدم قول من دعا إلى القطع 4. والثاني: أنه يجاب من طلب التبقية، وهو قول أبي إسحاق، وينفق عليه من مال المفلس.
(وأما إذا) 5 اكترى دارًا سنة، وأفلس المكري، وانهدمت الدار في أثناء المدة انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة 6، فإن كان قد

قبض الأجرة، رجع المكتري بقسطه ما بقي من المدة، فإن كان 1

  • قبل قسمه ماله بين غرمائه، ضرب مع الغرماء.
  • وإن كان بعد القسمة، فهل يرجع مع الغرماء؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يرجع.
    والثاني: أنه يرجع بحصته 2. فإن اكترى رجلًا ليحمل له طعامًا، فأفلس المكترى قبل أن يصل إلي البلد، كان له فسخ الإجارة فيما بقي، ويضع الطعام عند الحاكم إذا كان الموضع آمنًا.
    فإن وضعه على يد عدل بغير إذن الحاكم، ففيه وجهان كالمودع إذا ترك الوديعة على يد ثقة بغير إذن الحاكم وسافر.

وإذا قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه، ففي حجره وجهان: أحدهما: يرتفع الحجر عنه من غير حكم 1. والثاني: (أنه) لا يرتفع إلا بحكم 2. ومن مات وعليه (ديون) 3، تعلقت بماله، كما يتعلق بالحجر في حال حياته.
وقال مالك: لا يتعلق ديونه بماله.
وإن كان عليه دين مؤجل، حل بموته 4. وحكي عن الحسن البصري أنه قال: لا يحل الدين المؤجل بموت من عليه، وهو قول أحمد 5.

فإن تصرف الوارث في الشركة، قبل (قضاء) 1 الدين، ففي صحة تصرفه وجهان: أحدهما: أنه يصح 2. والثاني: لا يصح 3. = وقال طاوس، وأبو بكر بن محمد، والزهري، وسعيد بن إبراهيم: الدين إلى أجله، وحكى ذلك عن الحسن/ والرواية الأخرى: أنه يحل بالموت، وبه قال الشعبى، والنخعي، وسوار، ومالك، والثوري، والشافعي وأصحاب الرأي لأنه لا يخلو، إما أن يبقى في ذمة الميت، أو الورثة أو يتعلق بالمال لا يجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها، وتعذر مطالبته بها.
ولا ذمة الورثة، لأنهم لم يلتزموها، ولا رضي صاحب الدين بذممهم، وهي مختلفة متباينة، ولا يجوز تعليقه على الأعيان، وتأجيله لأنه ضرر بالميت، وصاحب الدين، ولا نفع للورثة فيه.
أما الميت، فلأن النبي -صلي اللَّه عليه وسلم- قال: (الميت مرتهن بدينه حتى يقض عنه) وأما صاحبه، فيتأخر حقه وقد تتلف العين، فيسقط حقه.
وأما الورثة، فإنهم لا ينتفعون بالأعيان، ولا يتصرفون فيها، وإن حصلت لهم منفعة، فلا يسقط حظ الميت، وصاحب الدين، لمنفعة بهم.
ولنا: ما ذكرنا في المفلس، ولأن الموت ما جعل مبطلًا للحقوق، وإنما هو ميقات للخلافة، وعلامة على الوراثة وقد قال النبي -صلي اللَّه عليه وسلم-: (من ترك حقًا أو مالًا فلورثته) نيل الأوطار: 251: وما ذكروه إثبات حكم بالمصلحة المرسلة، ولا يشهد لها شاهد الشرع باعتبار، ولا خلاف في فساد هذا، فعلى هذا يبقى الدين في ذمة الميت كما كان، ويتعلق بعين ماله، كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه/ المغني لابن قدامة 4: 327.

فإن باع عبدًا ومات، وتصرفت الورثة في التركة، ثم وجد المشتري بالعبد عيبًا، فرده، أو وقعت بهيمة في بئر، كان حفرها، ففي تصرف الورثة وجهان: أحدهما: أنه صحيح 1. والثاني: أنه يبطل 2. (فإن) 3 كان في غرمائه من وجد عين ماله، رجع فيها 4. وقال مالك: لا يرجع فإن كان له وفاء بديونه لم يرجع من وجد عين ماله (فيها) 5. وقال أبو سعيد الاصطخري: له أن يرجع فيها 6. = وإن قلنا: أنه يصح، فإن قضى الوارث الدين، نفذ تصرفه، وإن يقض فسخنا.

إذا قسم ماله بين غرمائه، ثم ظهر له غريم آخر، شاركهم فيما أخذوه على قدر دينه 1. وحكى أصحاب (مالك عن مالك) (نحو) ذلك 2. وحكى أصحابنا عنه: خلاف ذلك 3. = فيه أبو بكر النيسابوري.
وإن خلف وفاء فهو أسوة الغرماء/ المهذب للشيرازي 1: 234.

جارٍ التحميل