حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ط الرسالة الحديثةصفحات 146-156

(فإن أوصى) 1 إلى رجل في شيء، لم يصر وصيًا في غيره.
وقال أبو حنيفة: يصير وصيًا في جميع التصرفات المستفادة بالوصية.
ولا يجوز أن يوصي إلى عبده في أموال أولاده 2، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور.
وقال مالك، وأحمد: تصح الوصية إلى العبد 3. وقال الأوزاعي وابن شبرمة تصح (وصيتة إلى) 4 عبد نفسه، ولا تصح إلى عبد غيره.

وقال أبو حنيفة: تصح الوصية إلى عبده، إذا لم يكن في أولاده (رشيدًا) 1. ولا تصح الوصية إلى فاسق، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، والرواية الثانية: أنها تصح ويضم إليه أمين.
وقال أبو حنيفة: (تصح الوصية): 2 ولا يقر عليها.
ولو أوصى إلى اثنين، لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف 3. وقال أبو حنيفة: يجوز 4. وإن أوصى إليه، وأذن له أن يوصي إلى من يرى، فقد قال في موضع: يجوز 5، وقال في موضع: لا يجوز 6.

فمن أصحابنا من قال: يجوز قولًا واحدًا 1. ومنهم من قال: فيه قولان 2. وإن أوصى إليه وأذن له أن يوصي إلى رجل بعينه 3، ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالمسألة: قبلها 4. والثاني: أنه لا يجوز.
وإن أوصى إليه، ولم يأذن له في الوصية، لم يجز أن يوصي.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
ولا تتم الوصية إلا بالقبول 5، وفي وقت القبول وجهان: أحدهما: أنه يصح القبول في حال الحياة.
والثاني: أنه لا يصح إلا بعد الوفاة.
فإن أخرج نفسه من الوصية بعد القبول، جاز، وبه قال أحمد 6.

وقال أبو حنيفة: إن كان بعد الوفاة، لم يصح أصلًا، وإن كان في حال الحياة، لم يصح إلا بحضرة الموصي.
إذا بلغ الصبي واختلفا 1 في مدة النفقة، فقال الوصي: أنفقت عليه عشر سنين، وقال الصبي، بل خمس سنين، فالقول: قول الوصي في أحد الوجهين، وهو قول أبي سعيد الاصطخري، كما لو اختلفا في قدر النفقة.
والوجه الثاني: أن القول قول الصبي 2، وعليه أكثر أصحابنا.
وإن اختلفا في دفع المال إليه، فادعى الوصي أنه دفعه إليه، وأنكر الصبي ذلك ففيه وجهان: أحدهما: وهو المنصوص عليه، أن القول: قول الصبي 3. والثاني: أن القول: قول الوصي، وهو قول أبي حنيفة.
ويجب له الكسوة بالمعروف.
وقيل: يجب له مثل كسوة أبيه.

وإذا اختلف الأب (أو الجد) 1، والصبى في قدر النفقة، فالقول: قول الأب، والجد مع يمينهما.
وحكي فيه وجه آخر: أن اليمين مستحبة.
فإن بلغ رشيدًا، (والوصي) 2 وصي الأب، والجد، ففيه وجهان: أحدهما: أن الحجر ينفك عنه من غير حكم، كما ينفك في حق الأب، والجد.
والثاني: أنه لا ينفك إلا بحكم، كأمين الحاكم.
فإن أوصى إليه (فقال) 3 ضع ثلثي فيمن شئت لم يجز أن يضعه في نفسه.
وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك.
ولا يجوز للوصي أن يبيع مال الصبي من نفسه.
وقال أبو حنيفة: إذا كان بأكثر من ثمن المثل، جاز، ولا يجوز بثمن المثل.
فإن أوصى لرجل بعبده، وقيمته مائة، وسدس ماله لآخر، وماله خمسمائة درهم، فقد حكى أبو العباس بن سريج فيها قولين: أحدهما: أن العبد بين الموصى له بالعبد، وبين الموصى له بالسدس على سبعة أسهم، لأن السدس (إذا ضم إلى الكل صار) 4 سبعه، فيأخذ الموصى له بالعبد ستة أسباعه.

والموصى له بالسدس سبعه، ثم يعود الموصى له بالسدس إلى الأربعمائة الباقية من المال، فيأخذ سدسها، وذلك ستة وستون درهمًا (وثلثا) 1 درهم، فإذا ضم ذلك إلى قيمة العبد وهو مائة، صار مائة وستة وستين وثلثي درهم، وذلك ثلث المال.
والقول الثاني: أن خمسة أسداس العبد، يختص بها الموصى له بالعبد، والسدس الباقي يكون بين الموصى له بالعبد، والموصى له بالسدس نصفين، فيصير العبد بينهما على اثني عشر سهمًا، للموصى له بالعبد، أحد عشر سهمًا، وللموصى له بالسدس (سهم) 2. (ثم يعود الموصى له بالسدس) 3 فيأخذ سدس الأربعمائة، ولكل واحد من القولين وجه، والأول أشبه.
إذا أوصى إلى رجل في قضاء دينه، أو مال أولاده، فاحتاج إلى (بيع) 4، بيع (بعض) 5 التركة لقضاء الدين، أو مصلحة الأيتام، لم يجز أن يبيع نصيب الكبار معه.
وقال أبو حنيفة: إن كان في بيع الجميع (توفير للثمن) 6 جاز له بيع الجميع.
(ولا يجوز) 7 أن يوصي الأب في أموال أولاده، وهناك جد من أهل النظر.
وقال أبو حنيفة: يجوز.

إذا اعتقل لسان المريض، وكانت له إشارة مفهومة، فأوصا بوصايا، قامت إشارته مقام عبارته فيها 1. وقال أبو حنيفة: إن كان مأيوسًا من نطقه، صحت وصيته بالإشارة، وذلك بأن يمضي عليه سنة، وهو على تلك الصفة.
إذا قضى بعض غرمائه ديونهم في حال المرض، لم يكن لباقي الغرماء مزاحمتهم فيه.
ومن أصحابنا من قال: لهم استرجاع ذلك، ومزاحمتهم فيه، وهو قول أبي حنيفة.
إذا أوصى إلى رجل أن يشتري عبد (زيد بألف درهم) 2 ويعتقه عنه، فاشتراه الوصي بخمسمائة، وأعتقه عنه، والبائع (لم يعلم) 3 بالوصية، فإنه إن كان العبد يساوي ألفًا، فليس فيه وصية، فيرد خمسمائة إلى الورثة، وإن كان العبد يساوي خمسمائة، فقد (أوصى) 4 له بخمس مائة، فيسلم إليه.
وعن أحمد أنه قال: يرجع إلى (الورثة) 5. وعن إسحاق أنه قال: يصرف إلى (المعتق) 6.

إذا أوصى أن يعتق عنه (بمائة) 1 فعجز الثلث (عن) 2 احتمال عبد قيمته مائة فإنه يشتري (عبدًا) 3 يحتمله الثلث، ويعتق عنه.
وقال أبو حنيفة: تبطل الوصية.
(وإذا) 4 أعتق في مرض موته (ثم حابى) 5، ووهب، قدم العتق، وقال أبو حنيفة: (سوى) 6 بينهما.
إذا وجد منه في مرضه (عطيتان) 7 منجَّزتان من جنس واحد، بأن وهب وأقبض، ثم وهبه وقبض (وأقبض أو أعتق) 8 ثم أعتق، وضاق الثلث عنهما، قدم الأسبق.
وقال أبو حنيفة: (سوى) 9 بينهما.

وهل يجب على الحاكم الاستكشاف عن حال وصي الأب؟ فيه وجهان: أحدهما: (لا يجب) 1، كما لا يجب الاستكشاف عن حال أمين الحكم.
والثاني: يجب.
إذا مات رجل (ترك) 2 ابنين، فادعى رجل أن أباهما أوصى له (بثلث) 3 ماله، فصدقه أحدهما، وكذبه الآخر وحلف، ففيما يلزم المصدق وجهان: أحدهما: أنه يلزمه ثلث حصته، وهو سدس جميع المال.
والثاني: (يلزمه) 4 جميع المال، ذكره في الحاوي، وخرجه من القولين في الدين، وليس بشيء.
ولا يلحق الميت مما يفعل عنه بعد موته (بغير إذنه، إلا دين يقضى عنه) 5 وصدقة يتصدق بها عنه، أو دعاء يدعى له 6.

.................................. = أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه أفأحج عنه؟ قال أنت أكبر ولده؟ قال نعم، قال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان يجزىء ذلك عنه؟ قال: نعم.
قال: فأحجج عنه/ رواه أحمد والنسائي بمعناه.
سنن النسائي 5: 89. وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صالح.
وعن ابن عباس أيضًا: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها، أرأيت لو كان ذلك دين أكنت قاضيته، أقضوا اللَّه فاللَّه أحق بالوفاء./ رواه البخاري والنسائي بمعناه.
صحيح البخاري 2: 318 وعند أحمد ورواية أخرى للبخاري بنحو ذلك، وفيها قال: جاء رجل فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وهو يدل على صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره، حيث لم يستفصله أوارث هو أم لا، وشبهه بالدين.
وروى الدارقطني عن ابن عباس: أن رجلًا أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إن أبي مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه... / المجموع 15: 155 - 156. أما الصدقة: فالدليل عليها ما روى ابن عباس: أن رجلًا قال للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن أمه توفيت أفينفعها أن أتصدق عنها فقال: نعم قال: فإن لي مخرفًا (الحديقة من العنب أو النخل) فأشهدك أنني قد تصدقت به عنها، / صحيح البخاري 2: 129 فقد رواه البخاري والترمذي، وأبو داود، والنسائي.
وقد ورد اسم الرجل الذي سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في رواية البخاري أنه سعد بن عبادة، ويؤيد ذلك: أن أحمد والنسائي أخرجا حديثًا عن الحسن عن سعد بن عبادة أن أمه ماتت فقال: يا رسول اللَّه إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال نعم، قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء سنن النسائي 6: 213، قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة./ المجموع 15: 156. وأما الدعاء: فالدليل عليه قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ سورة آل عمران: 147 فأثنى اللَّه عز وجل عليهم بالدعاء لإخوانهم من الموتى./ المهذب 1: 471.

وحكي في الحاوي عن بعض (أهل الكلام: إن الميت) 1 لا يلحقه بعد موته ثواب.
فأما ما سوى ذلك من القرب، كقراءة القرآن وغيرها، فلا يلحق الميت 2. وقال أحمد: يلحقه ثواب ذلك.
وحكي في الحاوي عن عطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن راهويه: جواز الصلاة (عن) 3 الميت، وهو قول شاذ.
واختلف أصحابنا فيمن مات، وعليه كفارة يمين، فأعتق عنه.
فمنهم من قال: لا يقع عنه، كما لو أعتق عنه من ماله 4. ومنهم من قال: يقع عنه، ويثبت ولاؤه له 5.

جارٍ التحميل