حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ط الرسالة الحديثةصفحات 105-144

فإن توضأ بأحد الإناءين من غير تحرٍ، ثم بان (له) 1 أنه الطاهر، وأن الآخر نجس، لم تصح طهارته، في اختيار الشيخ الإمام أبي إسحاق رحمه اللَّه.
واختار الشيخ أبو نصر بن الصباغ رحمه اللَّه: أنه تصح طهارته.
فإن انقلب أحد الإناءين قبل التحري، فهل يجوز التحري في الآخر؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يجوز، (وما) 2 الذي يصنع؟ فيه وجهان: قال أبو علي الطبري: يتوضأ به 3. وقال القاضي أبو حامد: يتيمم 4. فإن اشتبه عليه إناءان، وهناك إناء ثالث طاهر، فهل يجوز له التحري (فيهما) 5؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يجوز، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
وإن اشتبه عليه ماء مستعمل، وماء مطلق، فهل يجوز له التحري؟ فيه وجهان:

أحدهما: يتحرى 1. والثاني: لا يتحرى 2، ويتوضأ بكل واحد منهما.
ومن أصحابنا: من بنى جواز التحري بين الماء المستعمل والمطلق، على زوال حكم الاستعمال ببلوغ القلتين فيه.
فإن قلنا: لا يزول، لم يجز التحري، وهذا (عندي بناء) 3 فاسد.
فإن اشتبه عليه ماء، وبول، أو ماء، وماء ورد، لم يتحر بينهما، وأراق الماء والبول، وتيمم، وتوضأ بالماء، وماء الورد.
وقال أبو زيد المالقي: يتحرى فيهما.
وذكر في "الحاوي": أنه إذا اشتبه الماء، وماء الورد (واحتاج) 4 إلى الشرب، (تحرى) 5 بينهما لأجل الشرب، فيجتهد أيهما (ماء الورد) 6 ليشربه، فيخرج (الآخر) 7 بالاجتهاد أن يكون (ماء

الورد) 1 وهذا (عندي بناء) 2 فاسد، لأن الشرب لا يحتاج (فيه) 3 إلى التحري، فيشرب ما شاء منهما، ويتوضأ بالآخر ويتيمم.
وقال أبو حنيفة: إن كان عدد الطاهر المطهر أكثر، جاز التحري، كما يجوز في المياه.
وإن اشتبه عليه طعام طاهر، وطعام نجس، تحرى بينهما.
وذكر الشيخ أبو حامد: إن ذلك ينبني على الوجهين في اشتباه الإِناءين.
وهناك ثالث: ظاهر في جواز التحري.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذا لا معنى له، إلّا أن يعتبر في التحري الضرورة، (وها هنا لا يلزمه أكل واحد منهما، وهذا الذي ذكره فيه نظر) 4. واختلف في الماء لحاجته إليه في الطهارة للصلاة.
فإن اشتبه عليه إناءان فتحرى فيهما، فأداه اجتهاده إلى طهارة أحدهما فتوضأ به وصلى.
ولم يرق الآخر حتي حضرت الصلاة الثانية أعاد الاجتهاد.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه ذلك، فإن أعاد الإجتهاد، وأداه (اجتهاده) 5 إلى طهارة (الثاني) 6 لا نجاسة الأول.

فالمنصوص أنه يتركهما ويتيمم، ويعيد كل صلاة صلاها بالتيمم في أحد الوجوه، مع بقاء (شيء من) 1 الإناء الأول.
وفي الثاني: لا يعيد.
وفي الثالث: وهو قول أبي الطيب بن سلمة: أنه إن كان قد بقي من الإِناء الأول شيء، أعاد الصلاة وإن لم يبق منه شيء، لم يعد.
وقال أبو العباس بن سريج 2: يتوضأ بالثاني ولا يتيمم، ويغسل ما أصابه من الماء الأول، ولا يعيد الصلاة.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه فقال: هل يعتبر في التحري نوع دليل، أم يكفي (مجرد) 3 الظن؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يكفيه ظن يقع له من غير أمارة، وهذا ليس بشيء (يذكر) 4.

فإن اشتبه إناءان على أعمى، فهل يجوز له التحري؟ فيه قولان 1: فإن قلنا: يتحرى، فتحرى، (فلم) 2 يقع له الطاهر منهما، فهل يجوز له التقليد؟ (فيه وجهان) 3. أظهرهما: أنه يجوز 4. فإن اختلف اجتهاد رجلين في إناءين، توضأ كل واحد منهما بما أداه اجتهاد إلى طهارته، ولم يأتم أحدهما بالآخر 5. وقال أبو ثور: يجوز أن يأتم (به) 6.

باب الآنية

كل بهيمة نجست بالموت، طهر جلدها بالدباغ، وذلك ما عدا الكلب، والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدها 1. قال أبو يوسف 2، وداود رحمها اللَّه: يطهر جلد الكلب والخنزير أيضًا بالدباغ.

وقال أبو حنيفة 1 رحمه اللَّه: يطهر جلد الكلب بالدباغ، ولا يطهر جلد الخنزير.
وقال أبو ثور رحمه اللَّه: يطهر جلد ما يؤكل بالدباغ (دون ما لا يؤكل وهو قول الأوزاعي.
وقال الزهري: لا أعرف الدباغ) 2. ويُستمتع بجلود الميتات من غير دباغ.
وقال أحمد 3 رحمه اللَّه: لا يطهر شيء من جلود الميتات بالدباغ، ويروى ذلك عن مالك 4. وهل يجب غسله بعد الدباغ بالماء؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: لا يطهر حتى يغسل بالماء.
وقال ابن القاص: لا يحتاج إلى غسل، (فإن) 5 دبغ الجلد بشيء نجس، فلا بد من غسله وجهًا واحدًا ويطهر، ويحكي فيه وجه آخر: أنه لا يطهر، وليس بشيء.

ولا يندبغ بالتجفيف (في) 1 الشمس.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يصير مدبوغًا 2. قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: سمعت بعض أصحابه يقول: (إنما) 3 يطهر إذا عملت الشمس فيه عمل الدباغ.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذا يرفع الخلاف، لأنه يعلم (أنها) 4 لا تعمل عمله.
وفي جواز بيع الجلد بعد الدباغ قولان: أصحهما: وهو قوله الجديد أنه يجوز، وهو قول أبي حنيفة 5، وقوله القديم: لا يجور وهو قول مالك) 6. وفي جواز أكله 7 إذا كان من (حيوان) مأكول قولان: قال في القديم: لا يجوز 8. وقال في الجديد: يجوز.

وإن كان من حيوان لا يؤكل، لم يحل أكله قولًا واحدًا.
وحكى الشيخ أبو حاتم القزويني 1 عن القاضي أبي القاسم بن كج 2: أنه على القولين.
فأما الشعر، والصوف، والوبر، (فيحل) 3 (بالحياة) 4، وينجس بالموت على المنصوص للشافعي رحمه اللَّه في عامة كتبه، = وهو تمام حديث ابن عباس فإنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" قالوا: إنها ميتة قال: "إنما حرم أكلها" رواه البخاري، أنظر "فتح الباري" 12/ 80، ومسلم 4/ 53.

فعلى هذا إذا دبغ جلد (الميتة) 1 وعليه شعر، فهل يطهر (الشعر) 2؟ فيه قولان: أصحهما: أنه لا يطهر.
فإن (نتف) 3 شعر المأكول في حال حياته، كان طاهرًا.
وحكي فيه وجه (آخر) 4: أنه ينجس وليس بشيء.
وأما شعر الآدمي فطاهر 5 إذا قلنا: لا ينجس بالموت في أصح القولين: وإن قلنا: إنه ينجس بالموت.
فقد روى إبراهيم البلدي 6 عن المزني رحمه اللَّه عن الشافعي رضي اللَّه عنه: أن الشافعي رحمه اللَّه رجع عن تنجيس شعر الآدمي.

فمن أصحابنا: من جعل ذلك خاصًا في حق الآدمي كرامة له.
ومنهم: من جعله رجوعًا عن تنجيس جميع الشعور، فجعل في الشعور قولًا آخر، أنها لا تنجس بالموت.
(وأما) 1 شعر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن قلنا: شعر غيره نجس، ففي شعره -صلى اللَّه عليه وسلم- وجهان: قال أبو جعفر الترمذي 2: هو طاهر 3. وقال غيره: هو نجس.
= المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي.
والرجل معروف الإسم بين المتقدمين لا ينبغي إنكاره، غير أن ترجمته عزيزة، "طبقات الشافعية الكبرى" 2/ 26.

وروى عن عطاء 1، والحسن البصري 2: أن الشعر ينجس بالموت، ويطهر بالغسل بعده.
وقال أبو حنيفة 3 ومالك 4، وأحمد 5: لا حياة في الشعر، ولا ينجس بالموت في الحيوان، واختاره المزني.
فأما العظم، والظفر، والظلف، والقرن، ففيه طريقان: أحدهما: أن (فيها حياة) 67 تنجس بالموت قولًا واحدًا،

وبه قال مالك 1، وأحمد 2، واختاره المزني.
والثاني: (أن) 3 حكمه حكم الشعر، وهو قول أبي حنيفة 4، والثوري 5. وحكي عن إبراهيم النخعي 6 أنه قال: طهارة العاج خَرْطُهُ.

وحكي عن الليث بن سعد 1: (أنه إذا طبخ) 2 العظم حتى خرج دهنه طهر.
إذا وجد شعرًا، ولم يدر أنه شعر حيوان مكول، أو غير مأكول، من أصحابنا: من حكي فيه وجهين، وبناهما على أن حكم الأشياء (هو) 3 في الأصل الحظر، أو الإِباحة، وهذا بناء فاسد، والحكم في ذلك: أنه إذا كان ذلك في محل الشك، فلا يجوز الانتفاع به وجهًا واحدًا.
فأما اللبن في ضرع الشاة الميتة، فإنه نجس، وبه قال مالك 4، وأحمد 5. وقال أبو حنيفة 6 رحمه اللَّه: هو طاهر، يحل شربه وهو قول داود.

والبيضة في جوف الدجاجة الميتة، إذا كان قد تصلب قشرها (طاهرة) 1 يحل أكلها.
وحكى ابن المنذر 2 عن علي 3 رضي اللَّه عنه أنه قال: لا يحل أكلها بحال، وحكي عن ذلك عن مالك 4. = وهذه الآية خرجت مخرج الامتنان، والمنة في موضع النعمة تدل على الطهارة، وبه نتبين أنه لم يخالطه النجس، إذ لا خلوص مع النجاسة خلافًا لأبي يوسف ومحمد، وحجتهما: أن اللبن وإن كان طاهرًا في نفسه، لكنه صار نجسًا لمجاورة النجس.

(ويحكى) 1 ذلك وجهًا لبعض أصحابنا، (ويحكى فيها) 2 وجه ثالث: (أنها) 3 لا تنجس بحال، وإن لم يتصلب قشرها، وهو قول أبي حنيفة.
فإن ذبح ما لا يؤكل (لحمه) 4 نجس (بذبحه) 5 (كما) 6 ينجس بموته 7. وقال أبو حنيفة 8 ومالك: يطهر بالذبح إلّا الخنزير والآدمي.

فصل

يحرم استعمال أواني الذهب والفضة.
وقال في القديم: النهي عن ذلك على سبيل الكراهة 1. وقال داود: محرم الشرب خاصةً.
وفي جواز اتخاذها لا للاستعمال قولان: أصحهما: أنه لا يجوز.

ومن أصحابنا من حكى: (أن) 1 تحريمها لعينها 2، لا لمعنى يعقل، وفرّع عليه وليس بشيء.
وفي استعمال الأواني المتخذة من الجواهر المثمنة، كالياقوت، ونحوه: قولان: أظهرهما: أنه يجوز 3. وفرّع (بعض) 4 أصحابنا على هذه الأواني المتخذة من الطيب، كالعود المرتفع، والكافور المصاعد، والعنبر، (وفي جواز) 5 استعماله قولان: واختلف أصحابنا في التضبيب بالفضة 6.

فمنهم (من قال) 1: إن كان قليلًا (في موضع حاجة) 2 وإن قام غيره مقامه، لم يكره 3، وإن كان في غير موضع حاجة، كره، وإن كان كثيرًا في غير موضع حاجة، حرم، وإن كان (كثيرًا في موضع) 4 حاجة، كره.
ومن أصحابنا من قال: لا يحرم التضبيب بالفضة، قل أو كثر وهو قول أبي حنيفة 5. وقال أبو إسحاق: يحرم التضبيب به في موضع الشرب من الإناء، ولا يحرم في غيره 6. = وإن اضطر إليه جاز، لما روي: أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفًا من ورق، فانتن عليه، فأمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يتخذ أنفًا من ذهب، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم بإسناد جيد، قال الترمذي وغيره: هو حديث حسن، "سنن أبي داود" 2/ 409، وانظر "المجموع" للنووي 1/ 316.

وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم من غير غسل إذا كانوا (ممن يتديّن) 1 باستعمال النجاسة، وجهان: أحدهما: يجوز 2: والثاني: لا يجوز 3، وكان الوجهان في طين الطرقات.
وقال أحمد 4، وداود: (لا) 5 يجوز استعمالها إلَّا بعد الغسل بكل حال.
= الأول: إن كان قليلًا للحاجة لم يكره، وإن كان للزينة كره، وإن كان كثيرًا للزينة حرم، وإن كان للحاجة كره.
الثاني: إن كان في موضع الاستعمال كموضع فم الشارب، حرم، وإلا فلا.
الثالث: يكره ولا يحرم بحال، وهو رأي أبي علي الطبري.
الرابع: يحرم بكل حال لما ذكرناه عن ابن عمر وعائشة رضي اللَّه عنهم، "مجموع" 1/ 320.

باب السواك

السواك سنةٌ مؤكدة 1. وحكي عن داود أنه قال: (هو) 2 واجب، ولا يمنع تركه صحة الصلاة.
وقال إِسحاق 3: إِن تركه عامدًا بطلت صلاته.

ولا يكره إلّا في حالة واحدة، وهي في حق الصائم بعد الزوال 1. وقال أبو حنيفة 2: لا يكره في الصوم أيضًا.
= حنبل رضي اللَّه عنه يصلي، فقال بيده هكذا -يشير بأصبعه- فلما سلم، قلت يا أبا عبد اللَّه؟ ما قلت في صلاتك؟ قال: كنت على طهارة، فجاء إبليس فقال: إنك على غير طهارة، فقلت: شاهدين عدلين، ولد سنة 166 هـ، ومات سنة 243 هـ بنيسابور، "طبقات الحنابلة" 1/ 109.

ويستحب أن يقص الشارب، ويقلم الأظافر، ويغسل البراجم، وينتف الإبط، ويحلق العانة 1، ويجب الختان 2. وقال أبو حنيفة: الختان مستحب.
= لما رواه عمار بن ياسر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الفطرة عشرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، والانتضاح بالماء، والختان، والاستحداد" رواه أحمد بن حنبل، وأبو داود، "مختصر سنن أبي داود" 1/ 43، وابن ماجة بإسناد ضعيف، ولكن يحصل الاحتجاج بالمتن، لأنه رواه مسلم في "صحيحه" من طريق عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار وغسل البراجم، ونتف الإِبط، وحلق العانة، وانتفاض الماء"، "صحيح مسلم" 3/ 147.

باب نية (1) الطهارة

لا تجب النية في طهارة النجس، (وحكي فيها) 2 وجه آخر: أنها تفتقر إلى النية، وليس بمذهبه، ولا تصح طهارة الحدث بغير نية، وبه قال مالك 3، وأحمد 4، وداود، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة 5، والثوري: لا تجب النية في الطهارة بالماء، وتجب في التيمم.1

وقال الحسن بن صالح بن حي 1: يصح التيمم أيضًا نية.
وعن الأوزاعي 2: روايتان.
إحداهما: كقول الحسن.
والثانية:.
كقول أبي حنيفة.
(فأما وقت) 3 النية للإجزاء، والصحة ففيه ثلاثة أوجه: = للمرغنيانى 1/ 90 بهامش "فتح القدير" لأن التراب ملوث، والماء مطهر فافتقر إلى النية، والتراب ما جعل مطهرًا إلا بشرطين: الأول: بشرط عدم الماء، والثاني: بشرط أن يكون التيمم للصلاة، لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، بناء على قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، والمراد به فاغسلوا للصلاة، فكذا قوله: فتيمموا للصلاة، فكما يفيد الطهارة حال وجود الماء، فكذا لا يفيدها حال عدم النية، "البابرتي على الهداية" 1/ 90.

أحدها: أنه إذا نوى عند غسل (أول جزء من) 1 وجهه أجزأه، ولا يضره إذا عزبت 2 بعد ذلك.
وإن نوى عند المضمضة، والاستنشاق من غير أن يغسل جزءًا من وجهه، وعزبت نيته عند غسل وجهه، لم يجزه، وهو قول أبي العباس بن سريج، واختاره (الشيخ الإمام أبو إسحاق) 3 رحمه اللَّه.
والثاني: أنه إذا نوى عند المضمضة والاستنشاق، أجزأه، وإن لم يغسل جزءًا من وجهه، وعزبت النية عنده، وهو قول أبي إسحاق، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه، ولا يجزئه (إذا نوى عند غسل كفيه ثم عزبت بعد ذلك.
والثالث: وهو قول أبي الطيب بن سلمة) 4: أنه إذا نوى عند غسل كفيه في أول الطهارة أجزأه، وإن عزبت بعده، وله وجه جيد.
فأما صفة النية: فأن ينوي رفع الحدث (أو الطهارة عن الحدث) 5 فإن نوى رفع حدث بعينه، ارتفع جميع الأحداث في أظهر الوجوه.

والثاني: أنه لا يرتفع حدثه.
والثالث: أنه إن نوى (رفع) 1 (أول) 2 الأحداث، لم يرتفع حدثه، وإن نوى رفع آخرها، ارتفع جميعها، وذكر هذا الوجه بالعكس من ذلك.
وإن نوى رفع حدث (وكان) 3 لا يرفع غيره، حكي فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يرتفع حدثه.
والثاني: يرتفع، وينبغي أن يكون الوجهان على الوجه الأول في المسألة قبلها.
فإن نوى رفع حدث الغائط ("وبان" أن حدثه كان) 4 بولًا، صحت طهارته.
وذكر فيه وجه آخر: أنه لا يصح، وليس بشيء.
فإن اجتمع عليه الحدث الأكبر والأصغر، فنوى رفع (الحدثين) 5 مطلقًا.

فقد ذكر بعض أصحابنا: أنا إذا قلنا: يدخل الوضوء في الغسل، أجزأه (لهما) 1 وإن قلنا: لا يدخل، لم يصح لواحد منهما.
(قال الإمام أبو بكر) 2: وعندي، أنه يجب أن يصح للغسل من الجنابة على الوجهين جميعًا.
وإن نوى بطهارته استباحة الصلاة، ارتفع حدثه، وإن نوى استباحة صلاة بعينها، وأن لا يصلي غيرها، صحت طهارته لجميع الصلوات في أصح الوجوه.
والثاني: أنه لا تصح طهارته.
والثالث: أنها تصح (للصلاة) 3 التي عينها دون غيرها.
وإن نوى الوضوء، أو الطهارة مطلقًا لم تصح طهارته في أصح الوجهين.
وإن نوى الطهارة لما يستحب له الطهارة، صحت طهارته في (أصح) 4 الوجهين، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
والثاني: لا يصح، واختاره القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه، وهو قول مالك 5.

وفيه وجه ثالث: أنه إن كان ذلك (مما) 1 يستحب له الطهارة لأجل الحدث كقراءة القرآن، واللبث في المسجد، وسماع الحديث، ونحو ذلك، ارتفع حدثه، وإن كان مما يستحب له الطهارة لا لأجل الحدث كتجديد الوضوء، وغسل الجمعة، (لم يرتفع) 2 حدثه بنيته، وله وجه جيد.
فإن توضأ الكافر، أو اغتسل عن الجنابة ثم أسلم، لم (يعتد) 3 بذلك.
وقال أبو حنيفة 4: يصح، ويصلي به، وهو وجه لأصحابنا.
فإن تيمم في حال صغره لصلاة الوقت ثم بلغ.
ذكر بعض أصحابنا: أنه لا يجوز أن يصلي به الفرض، وفي هذا نظر.
وإن أسلم الكافر قبل أن يغتسل عن الجنابة، لزمه الغسل، وقيل: إنه يسقط عنه فرض الغسل، وليس بشيء.
فإن نوى بغسل أعضائه الطهارة للصلاة، والتبرد، والتنظف، أجزأه.
وقيل فيه وجه آخر: أنه لا يجزئه، وليس بشيء.

فإن فرق النية على أعضاء (الطهارة) 1، صحت طهارته في أصح الوجهين، وإن نوى إبطال الطهارة في أثنائها، لم يبطل ما تقدم منها في أصح الوجهين، (كما) 2 لا يبطل بذلك بعد الفراغ منها.

باب صفة الوضوء

1 إذا أمر غيره (حتى وضأه) 2 ونوى هو، أجزأه 3. وحكي عن داود أنه قال: لا يجزئه حتى يغسل (أعضاءه بنفسه) 4.

ويستحب أن يسمي اللَّه عز وجل على (وضوئه) 1. وقال أحمد 2: التسمية واجبة على الطهارة، غير أنه إذا تركها ناسيًا، لم تبطل طهارته.
وقال أهل الظاهر: تبطل بكل حال.
ثم يغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، إن كان على شك من نجاستهما 3 فإن غمس يده في الإِناء، لم يفسد الماء.
ومن أصحابنا من قال: غسل الكفين قبل إدخالهما الإِناء مستحب بكل حال، وإن تيقن طهارة يده، والمذهب الأول.
وقال داود: إذا قام من نوم الليل، لم يجز له أن يغمس يده في الإِناء حتى (يغسلها) 4، وليس ذلك واجبًا، حتى لو صب الماء على يده، وتوضأ به، جاز وإن لم يغسل يده.

وقال أحمد 1 في إحدى الروايتين: إذا قام من نوم الليل، وجب عليه غسل كفيه، فإن غمس يده في الماء قبل الغسل أراقه، وحكي ذلك عن الحسن البصري.

فصل

ثم يتمضمض 1، ويستنشق 2 ثلاثًا، وذلك سنة 3، وبه قال مالك 4 والزهري 5.

وقال أحمد 1: هما واجبان في الطهارتين.
وقال أبو ثور: الاستنشاق واجب في الطهارتين دون المضمضة.
وقال أبو حنيفة 2، والثوري، ومحمد وأبو يوسف: هما واجبتان في الغسل دون الوضوء.
(وهل) 3 الأفضل، الجمع بينهما (أم) 4 الفصْلُ؟ فيه قولان: قال في "الأم" 5: يجمع بينهما.
وقال في البويطي 6: يفصل، وفي كيفية الجمع والفصل، طريقان: = العزيز: لا أعلم أحدًا أعلم بسنة ماضية منه، وقال أيوب: ما رأيت أحدًا أعلم من الزهري، فقال له صخر بن جويرية: ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أعلم من الزهري، وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب، قيل له ثم من؟ قال: ابن شهاب، وسئل ابن عيينة: أيهما أفقه، أو أعلم؟ إبراهيم النخعي أو الزهري؟ قال لا أبا لك، الزهري، مات سنة 124 هـ وهو ابن 72 سنة، "الشيرازي": 63، 64.

أحدهما: أنه على القول الأول، يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثًا ويستنشق منها ثلاثًا وعلى القول 1 الثاني: يفصل بينهما بغرفتين، يتمضمض بإحداها (ثلاثًا) 2 ويستنشق (بالأخرى) 3 ثلاثًا.
والطريق الثاني: أنه يجمع بينهما على القول الأول ثلاث غرفات، وعلى القول الثاني، يفصل بينهما بست غرفات، والفصل أبلغ.
ولا يغسل العين، وقيل: يستحب غسلها، وليس بمذهب 4. = عن جده قال: "رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يفصل بين المضمضة والاستنشاق" ولأن الفصل أبلغ في النظافة، فكان أولى، "السنن الكبرى" للبيهقي 1/ 51.

فصل

1 ثم يغسل وجهه 2 ثلاثًا 3، والوجه: ما بين منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى اللحية 4 والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وفي موضع التحذيف: وهو ما بين ابتداء (العذار) 5 (والنزعة) 6 داخلًا إلى الجبين من جانبي الوجه يؤخذ عنه الشعر يفعله الأشراف وجهان:

أظهرهما: وهو قول أبي إسحاق: أنه من الرأس.
والثاني: وهو قول أبي العباس: أنه من الوجه، وخرج بعضهم على قول أبي العباس في الصدغين، أنهما من الوجه.
وحكي عن أبي (الفياض) 1 وهو قول جمهور البصريين: أن ما استعلى من الصدغين من الرأس وما انحدر عن الأذنين (من) 2 الوجه، وهذا ظاهر الفساد.
وقال الزهري: الأذنان من الوجه، فإن كانت له لحية كثة، لم يلزمه إيصال الماء إلى البشرة تحتها.
ويستحب له تخليلها، ويجب إفاضة الماء على جميعها.
وقال أبو حنيفة 3 في إحدى الروايتين عنه: يجب عليه مسح الشعر المحاذي لمحل الفرض.
وفي الرواية الثانية: يمسح ربعه وهو قول أبي (يوسف) 4.

وعنه رواية أخرى: أنه يسقط الفرض عن البشرة، ولا يتعلق بشعر اللحية، ويروى ذلك شاذًا عن أبي حنيفة.
ويجب غسل ما بين العذار والأذن من البياض.
وقال أبو يوسف: لا يجب غسله على الملتحي.
وقال مالك 1: لا يجب غسله بحال.
وحد الوجه بالعذار، فإن خرجت اللحية عن حد الوجه طولًا وعرضًا، لم يجب غسل ما خرج منها عن حد الوجه، في أحد القولين، وهو قول أبي حنيفة 3 واختيار المزني.
والثاني: أنه يجب إفاضة الماء عليه، وهو قول مالك 4 وهو الأصح.
فإن أفاض الماء على لحيته، أو مسح شعره، ثم ذهب الشعر، لم يجب غسل ما تحته.2

وقال ابن جرير الطبري 1: يجب غسله.

جارٍ التحميل