حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ط الرسالة الحديثةكتاب الوديعة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الجزء: 5 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = دفعته له وديعة يحفظه، وقد ودع زيد بضم الدال وفتحها وداعة بالفتح، والإسم: الدّعَة وهي الراحة، وخفض العيش، والهاء عوض من الواو.
(المصباح المنير 1: 1012 - 1013). والمناسبة بين الإقرار، والعارية، والهبة والإجارة: الترقي من الأدنى إلى الأعلى، لأن الوديعة أمانة بلا تمليك شيء، وفي العارية: تمليك المنفعة بلا عوض، وفي الهبة: تمليك العين بلا عوض، وفي الإجارة: تمليك المنفعة بلا عوض، وفي الهبة: تمليك العين بلا عوض، وفي الإجارة: تمليك المنفعة بعوض، وهي عقد لازم، واللازم أقوى وأعلى مما ليس بلازم، فكان في الكل، الترقي من الأدنى إلى الأعلى.
ثم محاسن الوديعة ظاهرة: إذ فيه إعانة عباد اللَّه تعالى في الحفظ، ووفاء الأمانة، وهو من أشرف الخصال عقلًا وشرعًا.
قال عليه الصلاة والسلام: (الأمانة: تجر الغنى، والخيانة تجر الفقر)، وفي المثل: الأمانة: أقامت المملوك مقام الملوك، والخيانة: أقامت الملوك مقام المملوك: (فتح القدير 7: 88). والأصل فيها: الكتاب، والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ سورة النساء: 58، وقد قيل في سبب النزول: إن المراد رد مفتاح الكعبة على عثمان ابن أبي طلحة، لأنه حين أتاه به، قال: خذه بأمانة اللَّه تعالى، ولكن ظاهر الآية، يتناول كل أمانة.
(المبسوط للسرخسي 11: 109). وقوله تعالى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ البقرة: 283. وأما السنة: فقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن أبي هريرة: سنن أبي داود وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: علامة المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) صحيح البخاري بحاشية السندي 2: 127، وعلى الموحد أن يحترز عما هو من علامة المنافق، وذلك بأن يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ به مال نفسه فيضعها في بيته أو صندوقه، لأنه وعد لصاحبها ذلك، =

الجزء: 5 - الصفحة: 166

إذا أودعه صبي 2، سفيه، وخاف إن لم يأخذها منه أتلفها (فأخذها) 3 ففيه وجهان بناءًا على القولين في المحرم إذا (خلص) 4 صيدًا من فم جارحة، وأمسكه ليحفظه 5. فإن أودع الرشيد صبيًا مالًا، فأتلفه، ضمنه في أحد الوجهين 6. = وخلف الوعد مذموم، وإذا ترك الحفظ بعد غيبة صاحبها، ففيه ترك الوفاء بما التزم، والغرور في حق صاحبها وذلك حرام.
. وروى عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- (أنه كانت عنده ودائع، فلما أراد الهجرة، أودعها عند أم أيمن، وأمر عليًا أن يردَّها على أهلها) السنن الكبرى للبيهقي 6: 289. وأما الإجماع: فأجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع، والاستيداع، الضرورة تقتضيها، فإن بالناس إليها حاجة، إذ يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم، ويحتاجون إلى من يحفظ لهم (المغني لابن قدامة 6/ 436 وكشاف القناع 4: 166 وفتح القدير 7: 88).

الجزء: 5 - الصفحة: 167

والثاني: لا يضمنه، وهو قول أبي حنيفة 7. فإن ولدت البهيمة المودعة عنده، كان الولد أمانة 8، وهل يجوز له إمساكه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز 9. والثاني: لا يجوز 10، ويجب أن يعلم صاحبه.
ويجب حفظ الوديعة في حرز مثلها، فإن قال له (لا تقفل عليها فأقفل، أو قال) 11 لا تقفل قفلين فأقفل عليها قفلين، أو لا ترقد عليها،

الجزء: 5 - الصفحة: 168

فرقد عليها، لم يضمن على ظاهر المذهب 12. وقيل: يضمن، وليس بشيء 13. فإن قال له: احفظها في هذا البيت، ولا (تنقلها) 14 إلى مثله، ولا إلى ما هو فوقه، فنقلها إلى مثله، أو أعلى منه، ضمنها على قول أبي إسحاق 15، وعلى قول أبي سعيد الاصطخري، وأبي علي الطبري، ذكره في الإفصاح، لا يضمن 16. وقال أبو حنيفة: إن نهاه عن نقلها من بيت، فنقلها إلى بيت آخر في الدار، لم يضمن 17. وإن نهاه عن نقلها من الدار، فنقلها إِلى غيرها، ضمن 18.

الجزء: 5 - الصفحة: 169

فإن قال له: لا تنقل، وإن خفت الهلاك، فنقلها عند خوف الهلاك، لم يضمن 19، وإن تركها حتى تلفت، لم يضمنها في أصح الوجهين، وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق 20. والثاني: يضمنها، وهو قول أبي سعيد الاصطخري 21. فإن قال له: اربطها في كمك، فأمسكها في يده، فضاعت.
فقد روى المزني: أنه لا يضمن.
وروى الربيع: أنه (يضمن) 22. = الأصل إلا لضرورة ولم توجد، وصار كالدارين، والجواب: نعم إذا تعلقت به عاقبة حميدة، فأما إذا خرج مخرج السفه والعبث فلا، لأن التعيين عند انعدام التفاوت في الحرز، يجري مجرى العبث، كما إذا قال: احفظ بيمينك ولا تحفظ بشمالك أو احفظ في هذه الزاوية من البيت ولا تحفظ في الزاوية الأخرى، فلا يصح التعيين لانعدام الفائدة حتى لو تفاوتا في الحرز يصح، بخلاف الدارين، والأصل في الدارين: اختلاف الحرز فكان التعيين مفيدًا حتى لو لم يختلف، فالجواب فيها كالجواب في البيتين على ما مر.
(بدائع الصنائع للكاساني: 6: 210).

الجزء: 5 - الصفحة: 170

فمن أصحابنا: من (جعلها) 23 على قولين 24. ومنهم من قال: إن ربطها في كمه، وأمسكها بيده (لم) 25 يضمن 26، وإن لم يربطها 27 في كمه، ضمن 28. (فإن) 29 سافر بالوديعة مع القدرة على صاحبها، أو وكيله، أو الحاكم، أو أمينه، ضمنها 30. وقال أبو حنيفة: إذا كان السفر آمنًا، لم يضمن، وحكى (مثله) 31 عن أبي علي ابن أبي هريرة 32.

الجزء: 5 - الصفحة: 171

فإن دفع الوديعة إلى الحاكم من غير عذر، ولم يجد صاحبها، ولا وكيله، ضمنها 33. وذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه وجهًا آخر: أنه لا يضمن.
وإن أودعها عند أمين مع وجود الحاكم، ولم يجد صاحبها، ولا وكيله، وسافر، ففيه وجهان: = أحمد، سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن، لأنه نقلها إلى موضع مأمون، فلم يضمنها كما لو نقلها في البلد، ولأنه سافر بها سفرًا غير مخوف، أشبه ما لو لم يجد أحدًا يتركها عنده.
ويقول ابن قدامة: ويقوى عندي، أنه متى سافر بها مع القدرة على مالكها، أو نائبه بغير إذنه، فهو مفرط عليه الضمان لأنه يفوت على صاحبها إمكان استرجاعها، ويخاطر بها، فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (إن المسافر وما له لعلي قلت إلا ما وقى اللَّه) أي: على هلاك.
وفي كشف الخفاء 1: 253 قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: ليس هذا خبرًا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إنما هو من كلام بعض السلف، قيل: أنه عن علي، وذكر ابن السكيت والجوهري في صحاحه: أنه لبعض الأعراب أهـ وكلام النووي في كتابه مجلد 2 جـ 2 ص 100. ولا يلزم من الإذن في إمساكها على وجه لا يتضمن هذا الخطر، ولا يفوت إمكان ردها على صاحبها الإذن فيما يتضمن ذلك، فأما مع غيبة المالك ووكيله فله السفر بها، وإذا كان أحفظ لها، لأنه موضع حاجته، فيختار فعل ما فيه الحفظ.
(المغني 6: 440)

الجزء: 5 - الصفحة: 172

أحدهما: وهو قول أبي سعيد الاصطخري، أن عليه الضمان 34. والثاني: وهو قول أبي إسحاق، أنه لا ضمان عليه 35. فإن أودع الوديعة غيره من غير ضرورة، ضمنها 36. فإن هلكت عند الثاني، جاز لصاحبها أن يضمن أيهما شاء 37، فإن ضمن الثاني ولم يعلم بالحال، فهل يرجع على الأول؟ فيه وجهان: أحدهما: يرجع (عليه) 38. والثاني: لا يرجع 39.

الجزء: 5 - الصفحة: 173

فإن دفع الوديعة إلى وكيل المالك (عن) 40 وكالة عامة، ففيه وجهان, بناءًا على الوجهين في صحة الوكالة العامة.

  • فإن قلنا: يصح، جاز الدفع إليه، ولزم الوكيل أن يشهد على نفسه بالقبض، إذا طلب المودع ذلك، وجهًا واحدًا.
  • وإن قلنا: لا يصح، لم يجز الدفع إليه.
    فإن دفن الوديعة في داره، وأعلم بمكانها ثقةً أمينًا، صح 41، وهل يراعى في هذا الإعلام، حكم الشهادة، أو حكم الائتمان؟ فيه وجهان: أحدهما: أن حكمه حكم الشهادة، فلا يجوز أقل من شاهدين، أو شاهد وامرأتين.
    والوجه الثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أنه يراعى فيه حكم الائتمان.
    فعلى هذا: يجوز أن يُعلِمَ واحدًا ثقةً، رجلًا كان، أو امرأة.
    إذا أسلم إليه عينا وأمره أن يودعها عند إنسان سماه، ففي وجوب الإشهاد على الدفع إليه وجهان:
  • فإن قلنا: لا يجب الإشهاد، فأنكر المأذون في (الدفع إليه) 42، فالقول: قول المالك مع يمينه دون الرسول.

الجزء: 5 - الصفحة: 174

وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: القول قول الرسول مع يمينه على المالك.
فإن ادعى المودع الرد على المالك، فالقول: قوله مع يمينه 43. وقال مالك: إن كان قد أشهد عليه عند الايداع، لم يقبل قوله في الرد، وإن لم يكن قد أشهد، قبل 44.

الجزء: 5 - الصفحة: 175

فإن سلم الوديعة إلى زوجته، أو خادمه ليحفظها، فهلكت، ضمنها 45. وقال أبو العباس بن سريج: إذا استعان بزوجته، أو خادمه في إحراز الوديعة ولم تغب عن بصره، جاز ولا ضمان عليه.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه في الجميع 46. وقال الشافعي رحمه اللَّه: (إن) 47 هلك (وعنده) 48 وديعة = قصد المودع -بالكسر- ولا يتوقف على فهم المودع -بالفتح- إن المودع -بالكسر- أشهد تلك البينة بقصد التوثق وأنه يصدق في قصده.
وفي الحطاب: أنه يشترط في كونها للتوثق علم المودع بالفتح أن المودع بالكسر قصد بها التوثق.
(كفاية الطالب الرباني، ورسالة أبي زيد القيرواني 2: 221).

الجزء: 5 - الصفحة: 176

بعينها، فهي لربها، وإن كانت بغير عينها مثل الدنانير، ومالا يعرف بعينه، حاصّ رب الوديعة الغرماء، وإنما تثبت الوديعة بالبينة، أو بإقراره، أو إقرار وارثه، واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق.
(أحدها) 49: أنه إنما يحاص الغرماء، إذا كان قد قال عندي وديعة، أو عليّ وديعة لفلان، فأما إذا قامت (بالوديعة) 50 بينة، أو أقر الورثة، ولم (توجد) 51 لم يجب ضمانها.
ومنهم من قال: صورة المسألة أن (تثبت) 52 أن عنده وديعة (فتطلب) 53 فلا توجد بعينها، ويكون في التركة من جنسها، فيحتمل أن يكون قد اختلط بماله، فأما إذا لم يكن من جنسها في تركته، فلا ضمان عليه.
ومنهم من قال بظاهر قوله: أنه يحاص الغرماء بكل حال.
فإن خلط الوديعة بماله، بحيث (لا تتميز) 54، ضمنها 55.

الجزء: 5 - الصفحة: 177

وقال مالك: لا يضمنها إلا أن يكون ماله دونها 56. فإن أنفق الوديعة، ضمنها، فإن رد بدلها إلى موضعها، لم يتعين حقه فيه، وبه قال أبو حنيفة 57. وحكي عن مالك: أن ذلك يقوم مقامها، ويصير أمانة 58. = بحر، وإن أمره صاحبها بخلطها بماله، أو بغيره، ففعل ذلك، فلا ضمان عليه، لأنه فعل ما أمر به، فكان نائبًا عن المالك فيه، وقد نقل مُهنا عن أحمد في رجل استودع عشرة دراهم، واستودعه آخر عشرة، وأمراه أن يخلطها، فخلطها، فضاعت الدراهم، فلا شيء عليه، فإن أمره أحدهما بخلط دراهمه، ولم يأمره الآخر، فعليه ضمان دراهم من لم يأمره، دون الأخرى، وإن اختلطت هي بغير تفريط منه، فلا ضمان عليه، لأنها لو تلفت بذلك لم يضمن، فخلطها أولى، وإن خلطها غيره فالضمان على من خلطها، لأن العدوان منه، فالضمان عليه، كما لو أتلفها.
(المغني لابن قدامة 6: 437).

الجزء: 5 - الصفحة: 178

وإن أودعه دراهم في كيس مشدود، فحله، أو خرق ما تحت الشد، ضمن ما فيه 59. وقال أبو حنيفة: إذا كسر (الختم أو حل) 60 الشد، ضمن الختم دون الدراهم، وحكاه في الحاوي وجهًا لبعض أصحابنا.
فإن أودعه دراهم فخلطها 61، بدراهم للمالك كانت عنده وديعة، ضمنها في أظهر الوجهين 62. = جائز، ومحرم، ومكروه.
وإذا ادعى الرد لموضعها فيصدق في المكروه ولا يصدق فيما عداه إلا ببينة تشهد على ردها ليد صاحبها، ولا يكفي شهادته على ردها لموضعها، لأنها صارت كالسلف الحقيقي، ويدخل في المعدم من عنده مثل الوديعة أو ما يزيد عليها بيسير، وينبغي أن يكون مثله سيء القضاء، والظالم، ومن ماله حرام.
والحاصل: إن محل كراهة المثلي، وحرمة المقوم، والمعدم حيث جهل حال المودع -بالكسر- وأما إن أباح له ذلك، أو كان المودع -بالفتح- يعلم سماحته بذلك، فهو جائز في الجميع.
وأما لو منعه من ذلك، أو كان المودع -بالفتح- يعلم كراهته لذلك، فهو ممنوع في الجميع، (كفاية الطالب الرباني على رسالة أبي زيد القيرواني 2: 222).

الجزء: 5 - الصفحة: 179

وإن أودعه دراهم في (غير) 63 وعاء فأخذ منها درهمًا ضمن الدرهم 64، ولا يضمن الباقي 65، فإن رد الدرهم (ولم يتميز) 66: فقد قال الربيع: يضمن الجميع 67. والمنصوص: أنه لا يضمن غير الدرهم 68. وإن كان عنده دراهم فوزنها، أو عدها، أو ثياب فذرعها ليعرف طولها، وعرضها، فهل يضمن؟ فيه وجهان (ذكرهما) 69 في الحاوي.
(فإن) 70 أودعه دابة، وأمره بعلفِها وسقيها 71، فبَعَثَها للسقي،

الجزء: 5 - الصفحة: 180

والعلف، إلى موضع آخر مثل اصطبل داره في الحرز، والسعة، ففيه وجهان: أظهرهما: أنه يضمن، وهو قول أبي سعيد الاصطخري 72. وقال (أبو إسحاق) 73: لا يضمن.
وإن أودعه إياها مطلقًا، فإنه يلزمه أن يعلفها، ويسقيها.
وقال أبو حنيفة: ليس عليه ذلك 74. = ويحتمل ألا يلزمه علفها، إلا أن يقبل ذلك، لأن هذا تبرع منه، فلا يلزمه بمجرد أمر صاحبها، كغير الوديعة، وإن أطلق ولم يأمره بعلفها لزمه ذلك أيضًا (المغني 6: 449).

الجزء: 5 - الصفحة: 181

فإن لم يحضر صاحبها ليستأذنه في الإنفاق، ورفع إلى الحاكم، فلم يجد له مالًا (فاستدان) 75 من المودع، فهل يجعل الإنفاق إليه، أو ينصب أمينًا يقبض منه وينفق؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يأذن له في الإنفاق، فعلى هذا، هل يقدر له الحاكم النفقة، أو يكلها إلى (اجتهاده) 76؟ فيه وجهان: (فإذا) 77 قلنا: يكلها إلى اجتهاده، فالقول: قوله فيما ينفقه إذا ادعى النفقة بالمعروف 78، فإن أنفق من غير تقدير من جهة الحاكم، ففي الرجوع وجهان، كالجمال إذا هرب وترك الجمال على المستأجر.
فإن نهاه عن سقيها وعلفها، لم يجز له ترك ذلك 79، فإن تركه حتى تلفت، لم يلزمه الضمان في أصح الوجهين 80. = منه للغائب، ويكون ذلك دينًا على رب الوديعة لأن أمر القاضي في حال قيام ولايته، كأمره بنفسه، ولو أمره بأن ينفق كان ما بينفقه دينًا له على المالك، فكذا إذا أمره القاضي به، فإذا جاء أجبره على رد نففته عليه.
وإن رأى القاضي أن يأمره ببيعها، فعل ذلك، وإذا باعها، جاز بيعه، لأن في الأمر بالإنفاق تلف بعض المالية على المالك، وفي البيع يتوفر عليه حفظ جميع المالية، فلهذا نفذ بيعه بأمر القاضي.
(المبسوط 11: 166).

الجزء: 5 - الصفحة: 182

وقال أبو سعيد الاصطخري: يلزمه الضمان 81. ذكر في الحاوي: أن هذا أصح.
فإن أذن السيد لرجل في قتل عبده، فقتله، ففي سقوط ضمانه وجهان حكاهما أبو علي بن أبي هريرة، وزعم أنهما (مخرجان) 82 من القولين في المرتهن إذا وطيء الجارية المرهونة بإذن الراهن في وجوب (المهر) 83. = قال: لا تخرج الوديعة وإن خفت عليها، فخاف عليها ولم يخرجها، أو أمره صاحبها بإلقائها في نار أو بحر، وبهذا ينتقض ما ذكروه.
ومنع ابن المنذر الحكم فيما إذا أمره بإتلافها وأتلفها لما تقدم، ولا يصح لأنه ثابت لصاحبها، فلم يغرم له شيئًا كما لو استنابه في مباح، والتحريم أثره في بقاء حق اللَّه تعالى وهو التأثيم.
أما حق الآدمي فلا يبقى مع إذنه في تفويته، ولأنها لم تتلف بفعله، وإنما تلفت بترك العلف المأذون فيه أشبه ما لو قال له: لا تخرجها إذا خفت عليها فلم يخرجها.
(المغني لابن قدامة 6: 450).

الجزء: 5 - الصفحة: 183

فإن انتقل من قرية إلى قرية، ونقل الوديعة معه، والمسافة آمنة، ففيه وجهان.
فإن أخرج الوديعة من الحرز لينتفع بها، ضمنها وإن لم ينتفع 84. وقال أبو حنيفة: لا يضمنها إلا بالانتفاع.
فإن نوى إخراجها للإنتفاع بها، بركوب أو لبس، أو نوى أن لا يردها، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبي العباس، أنه يضمنها 85. والثاني: وهو قول القاضي أبي حامد المروروذي، أنه (إن) 86 نوى إخراجها للإنتفاع بها لم يضمن، وإن نوى أن لا يردها، ضمن 87. والثالث: وهو الأظهر، وهو قول الأكثر، أنه لا يضمن 88، (واختار) 89 القاضي أبو الحسن الماوردي الوجه الثاني.
فإن أخذت الوديعة منه قهرًا، لم يضمنها 90، وإن أكره حتى

الجزء: 5 - الصفحة: 184

سلمها، ففيه وجهان، بناءًا على القولين فيمن أكره حتى أكل في الصوم 91. وإن تعدى في الوديعة 92، ثم ترك التعدي، لم يبرأ من الضمان 93. وقال أبو حنيفة: يبرأ منه 94. = الشافعي رحمه اللَّه تعالى: لا خصومة بينهما حتى يحضر المالك، ولأن المال ملك صاحبه، فإنما يخاصم في الاسترداد هو أو وكيله، والمودع ليس بوكيل عنه في الخصومة فلا يخاصم في الاسترداد كأجنبي آخر.
إلا أن الحنفية تقول: للمودع يد معتبرة في الوديعة وقد أزالها الغاصب، فكان له أن يخاصم عن نفسه لإعادة اليد التي أزالها بالغصب، ولأنه مأمور بالحفظ من جهة المودع، ولا يتأتى له الحفظ إلا باسترداد عينه من الغاصب، أو استرداد قيمته بعد هلاك العين ليحفظ ماليته عليه، فكان كالمأمورية دلالة، وفي إثبات حق الخصومة له تحقيق معنى الحفظ، لأن الغاصب إذا علم أن المودع لا يخاصمه في حال غيبة المودع تجاسر على أخذه، فلهذا كان المودع فيه خصمًا.
(المبسوط للسرخسي 11: 125).

الجزء: 5 - الصفحة: 185

فإن أبرأه (المالك) 95 من الضمان، أو قال: أذنت لك في حفظها، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يبرأ منه، وهو ظاهر النص 96. والثاني: لا يبرأ إلا بالرد إليه 97. فإن ادعى عليه أنه أودعه شيئًا، فأنكره 98 (فأقام) 99 البينة عليه، = ما دامت المخالفة باقية، فلا يتعدى إلى ما بعد ارتفاعه، فإذا ارتفع عاد حكم العقد، وعورض: بأن الأمر باق، فيكون مأمورًا بدوام الحفظ، وما هذا شأنه، فالمخالفة فيه رد للأمر من الأصل، كالجحود فلا يبرأ عن الضمان برفع المخالفة، كالاعتراف بعد الجحود، وأجيب بأنا لا نسلم أن المخالفة فيه رد له من الأصل، لأن بطلان الشيء إنما يكون بما هو موضوع لإبطاله، أو بما ينافيه، والمخالفة بالاستعمال ليست بموضوعة لإبطال الإيداع، ولا تنافيه، ألا ترى أن الأمر بالحفظ مع الاستعمال صحيح ابتداء، بأن يقول للغاصب: أودعتك وهو مستعمل بخلاف الجحود فإنه قول موضوع للرد، فيجوز أن يكون ردًا لقول مثله، ألا ترى أن الجحود في أوامر الشرع رد لها يكفر به، والمخالفة بترك صلاة أو صوم مأمور به، ليست برد، ولهذا لا يكفر بها.
(البابرتي على الهداية، والهداية، وفتح القدير 7: 92).

الجزء: 5 - الصفحة: 186

فقال: صدقت البينة، ولكنها كانت قد تلفت، أو كنت قد رددتها، لم يقبل قوله 100، وهل تسمع بينته عليه إن أقامها؟ فيه وجهان 101: فإن ادعى اثنان وديعة في يد رجل، فاعترف لأحدهما، وحجد الآخر، ونكل عن اليمين فردت اليمين على الثاني فحلف، وقلنا: إن اليمين بعد النكول بمنزلة الإِقرار، فقد خرج أبو العباس فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن (توقف) 102 الوديعة حتى يصطلحا.
والثاني: أنها تقسم بينهما.
والثالث: وهو المذهب، أنها تقر في يد الأول، ويغرم الثاني قيمتها.

  • وإن قلنا: إنها كالبينة (فقد) 103 قيل: (تنزع) 104 من الأول، (وتسلم) 105 (إلى الثاني) 106 وليس بشيء.
    (فأما) 107 إذا قال: هي لأحدهما لا أعرف عينه، وصدقاه على

الجزء: 5 - الصفحة: 187

ذلك، فهل تقر في يده أو تنقل إلى يد عدل؟ فيه قولان، وإن كذباه، وقالا: بل (تعلم) 108 لمن هي منا، فإنه يحلف 109 (وتكفيه) 110 يمين واحدة.
وقال أبو حنيفة: يحتاج إلى (يمينين) 111. فإن نكل عن اليمين ردت عليهما، فإن حلفا مما يصنع، فيه قولان: أحدهما: يقسم بينهما، كما لو أقر لهما 112. والثاني: أنه (موقوف) 113 حتى يصطلحا، وهو قول ابن أبي ليلى 114.

الجزء: 5 - الصفحة: 188

فصول الكتاب · 47 فصل
جارٍ التحميل