(1)
" باب (2) ما تجوز به الطهارة (3) (من المياه (4)، وما لا تجوز) "
..................................1234
تجوز طهارة الحدث، والنجس، بالماء المطلق 1 على أي صفة كان من أصل الخلقة 2. وحكي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص 3، وعبد اللَّه ابن (عمر) 4 رضي اللَّه عنهما أنهما قالا: (التيمم) 5 أعجب إلينا من التوضىء بماء البحر.
وعن سعيد بن المسيب 1 أنه قال: إذا ألجئت إليه فتوضأ به.
فأما (الماء) 2 الذي ينعقد منه الملح، كأعين الملح (التي) 3 ينبع منها الماء مالحًا، فإنه يجوز (الوضوء) 4 به 5.
وحكي عن القفال أنه (قال) 6: لا يجوز.
ولا يكره من ذلك إلّا ما قصد إلى تشميسه 7، وقيل: لا يكره،
وهو قول أبي حنيفة 1، وأحمد 2، ومالك 3.
ومن أصحابنا من قال: يختص النهي بماء مشمس (بتهامة والحجاز) 1.
(ومنهم من) 2 قال: يرجع إلى عدول أهل الطب، هل يورث البرص (أم لا)؟ 3.
(ومنهم من قال: يكره) 4 استعماله في البدن، ولا يكره (غسل) 5 الثوب (والإناء به، والمذهب: الأول) 6. = ممن يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عند هذه الأساطين، وأشار إلى مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فما أخذت عنهم شيئًا، وان أحدًا منهم لو أؤتمن على بيت مال لكان أمينًا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، وقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم على بابه.
وقد قال سفيان بن عيينة في تفسير حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة، أظنه مالك بن أنس".
وقال الشافعي، رضي اللَّه عنه: إذا جاءك الحديث عن مالك فشد به يديك، وقد توفي رحمه اللَّه في صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة في خلافة هارون الرشيد، ودفن في البقيع وكان يومذاك ابن خمس وثمانين سنة، "الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء" 10، 16، 18، 19، 23، 44، 45، وأنظر كتابنا "نظرية الغرر" 2/ 357 - 358.
(وحكى) 1 عن مجاهد 2: أنه كره الماء المسخن بالنار.
(وكره) 3 أحمد الماء (المسخن بالنجاسة) 4 5. (زاد في المعتمد في هذا الوجه: وأن يكون فى آنية الصفر والنحاس، وأن تكون مغطاة الرأس) 6.
وما عدا (الماء) 7 المطلق من المائعات كالخل، وماء الورد، والنبيذ، وما (اعتصر) 8 من شجر، أو ثمر، فلا تجوز به طهارة الحدث، ولا طهارة النجس 9 وهو قول مالك، غير أنه قال في السيف إذا أصابه دم يجزىء مسحه.
وقال الأصم 1 وابن أبي ليلى 2: يجوز رفع الحدث وإزالة النجس بسائر المائعات.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف 3: يجوز إزالة (النجاسة) 4 بكل مائع طاهر مزيل للعين، (و) 5 لا يجوز رفع الحدث إلا بالماء.
= ولو جاز بغير الماء لما كان في التعيين فائدة، "الاختيار لتعليل المختار" 1/ 35.
وأما النبيذ فنجس.
وقال أبو حنيفة 1: هو طاهر، وعنه 2 في جواز الطهارة به ثلاث روايات:
إحداها: نحو قولنا (وهي) 3 (أي أنه لا يرفع الحدث ولا الخبث) 4 قول أبي يوسف 5.6
والثانية: (أنه) (1) يتوضأ به، ويضيف (إليه) (2) التيمم، (وهو) 1 قول محمد 5.234 = (2) أنه قيل لعبد اللَّه بن مسعود: هل كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة الجن فقال: ْ ليتني كنت، وسئل تلميذه علقمة: هل كان صاحبكم مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة الجن فقال: وددنا أنه كان، وهذا صريح في إبطال الحديث السابق، "صحيح مسلم" 4/ 169.
والثالثة: أنه يجوز التوضؤ بنبيذ التمر في السفر عند عدم الماء.
واختلف أصحابه في النبيذ الذي يجوز التوضؤ به.
فقال أبو طاهر الدباس 1: يجوز التوضؤ بالنبيذ النيء الحلو 2.
وقال أبو الحسن الكرخي 3: لا يجوز التوضؤ إلّا بالمطبوخ المشتد.
وفي الفتوحات المكية: الذي أقول به منع التطهر بالنبيذ لعدم صحة الخبر المروي فيه، ولو أن الحديث صح لم يكن نصًا في الوضوء به، فإن الوارد أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ثمرة طيبة وماء طهور" أي قليل الامتزاج والتغير عن وصف الماء، وذلك لأن اللَّه تعالى ما شرع لنا الطهارة عند فقد الماء إلا بالتيمم خاصةً 4.
فإن كان يحتاج في طهارته إلى خمسة أرطال، ومعه أقل من ذلك (فكمله) 1 بمائع لم يتغير به لقلته وتوضأ به، صحت طهارته في أظهر الوجهين.
وذكر أبو على الطبري في الإفصاح 2: أنه لا يصح.
فإن طرح في (ما) يكفيه 3 مائعًا ولم يتغير به لموافقته الماء في الطعم، واللون، والرائحة ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه إن كانت الغلبة للماء، جازت الطهارة به، وإن لم تكن الغلبة له لم يجز 4.
والثاني: أنه يعتبر تغيره (بما) 5 يغير، فإن كان (قدرًا لو كان) 6 مخالفًا (للماء) 7 في صفاته غيّره، منع الطهارة به.
والشيخ أبو نصر 8 رحمه اللَّه قال: (يقدر) 9 من جهة العادة أن
لا يخالفه في صفة من صفاته.
قال الشيخ الإمام فخر الإسلام رحمه اللَّه تعالى وأيده اللَّه 1: ووجدت القاضي (أبا) 2 الطيب 3 رحمه اللَّه قد ذكر هذين الوجهين في الماء المستعمل، إذا طرح على ماء مطلق.
وإن طرح فيه تراب، فتغير به، جازت الطهارة به 4.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز 5.
ومنهم: من حكى فيه قولين 6.
وإن طرح في الماء ملح مائي، فتغير به، جاز الطهارة به.
وحكي عن صاحب التلخيص 7 أنه قال: يمنع من (التطهر) 8 به.
وإن تغير الماء بعود، أو دهن طيب، فقد نقل المزني أنه يجوز (الوضوء) 1 به.
ونقل البويطي: أنه لا يجوز 2.
وإن وقع في الماء (قليل) 3 كافور، (فتغير) 4 به ريحه، ففيه وجهان 5.
وإن تغير بمخالطة شيء سوى ذلك (مما يستغني الماء) 6 عنه، لم تجز الطهارة به، وبه قال مالك 7، وأحمد 8.
ومن أصحابنا 9 من حكى في الحنطة والشعير إذا طبخا في الماء، فتغير من غير انحلال أجزاء، وجهين:
قال 1 الإِمام أبو بكر: وهذا ليس بشيء، لأن التغير بذلك لا يكون إلا بانحلال أجزاء.
وقال أبو حنيفة 2 وأصحابه: تغير الماء بالطاهر لا يمنع الطهارة به، ما لم يطبخ به، أو يغلب على أجزائه، بأن يثخن إن كان رقيقًا، أو (فقال) 3 حل فيه (ماء) 4 إن كان مائعًا 5.
فإن وقع في الماء قطران فغيره، فقد قال الشافعي 6 (رحمه اللَّه)
في الأم 1: لا يجوز استعماله، وقال بعده بأسطر يجوز.
والمسألة على اختلاف (حالين) 2، لأن القطران على ضربين: ضرب فيه دهنية، (فلا يختلط بالماء، وضرب) 3 لا دهنية فيه فيختلط به.
وإن تغير (الماء بطول المكث لم يمنع من الطهارة به) 4.
وحكي عن ابن سيرين 5 أنه قال: يمنع.
و(لا يكره الاغتسال، والوضوء في ماء زمزم) 6.
وقال أحمد 7: يكره في احدى الروايتين عنه.
باب ما يفسد الماء من النجاسة وما لا يفسده
1 إذا وقعت في الماء الراكد نجاسة يدركها الطرف من (خمر) 2، أو بول، أو ميتة لها نفس سائلة وهو أقل من قلتين نجس، وإن كان قلتين فصاعدًا، فتغير (فيه) 3، أحد أوصافه، من طعم، أو لون، أو رائحة (نجس) 4، وإن لم يتغير لم ينجس 5.
والقلتان خمسمائة رطل بالبغدادي، (وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ ) 1 فيه وجهان.
ومن أصحابنا من قال: القلتان خمسمائة منًا 2.
وقال أبو عبد اللَّه الزبيري 3: القلتان ثلاثمائة منًا، واختاره القفال، (وبقولنا) قال أحمد، وأبو ثور 4، واختاره المزني 5.
وحكي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما: أنه قدر الماء الكثير بأربعين قلة، وهو قول محمد بن المنكدر 1. ومنهم: من قدره بكُر 2، وهو قول ابن سيرين، ووكيع 3. والكُر (عندهم) 4 (أربعون) 5 قفيزًا 6، والقفيز اثنان وثلاثون رطلًا.
وقال مالك 1: الاعتبار بتغير الماء بكل حال، وبه قال داود 2، ويروى عن عبد اللَّه بن عباس 3 رضي اللَّه عنه.
وقال أبو حنيفة 4 وأصحابه: كل موضع تيقنا وصول النجاسة
إليه، أو غلب على ظننا وصول النجاسة إليه، حكمنا بنجاسته، وجعل حركة الماء بوقوع النجاسة فيه، علام على وصولها (إلى) 1 حيث انتهت الحركة، وما لم تصل إليه طاهرة من غير نظر إلى كثرة ولا إلى تغيير.
وحكي عن داود (تفريع) 2 عجيب على هذا الأصل، (بدليل خبر) 3 حمله عليه ترك القياس فقال: إذا بال في ماء راكد ولم يتغير لم ينجس، ولا يجوز (له) 4 أن يتوضأ منه، ويجوز لغيره أن يتوضأ منه.
وإن بال في إناء، ثم طرحه فيه، ولم يتغير، لم ينجس، وجاز له ولغيره أن يتوضأ منه.
وإن كانت النجاسة مما لا يدركها الطرف، فظاهر ما نقله المزني أنه لا ينجس.
وفي البويطي (في الثوب) 5 أنه ينجس، أدركه الطرف أو لم يدركه، فحصل في الماء والثوب ست طرق 6:
أحدها: (أنه) 1 ينجس الماء والثوب.
والثاني: أنه لا ينجس الماء ولا الثوب، وهو قول أبي الطيب بن سلمة 2.
والثالث: فيه قولان.
والرابع: حمل النصين على ظاهر (هما) 3 (والفرق بينهما) 4.
والخامس: عكس ذلك، وهو أن ينجس الماء (ولا ينجس) 5 الثوب.
وقال أبو علي بن أبي هريرة 6: وينجس الثوب، وفي الماء قولان.
والشيخ الإمام أبو إسحاق 1 رحمه اللَّه: حصل من ذلك ثلاث طرق وهي: (الأولى) 2: في الماء والثوب جميعًا، وأسقط 3 ما زاد على ذلك، إذا (مات) 4 ما ليس له نفس سائلة من ذباب، أو زنبور في ماء قليل، أو طعام لم ينجسه في أحد القولين، وهو لأصح للناس 5.
ونجسه في الآخر، وهو قول محمد بن المنكدر، ويحيى بن أبي كثير 1 فإن كثر فيه ما غير الماء نجسه في أظهر الوجهين.
وما يعيش في الماء (مما) 2 لا يحل أكله كالضفدع، وغيره، إذا مات في الماء القليل نجسه.
وقال أبو حنيفة 3: لا ينجسه.
= الحيوان قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، وهي أشياء متضادة، إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى أن اللَّه سبحانه وتعالى قد ألف بينها، وقهرها على الاجتماع، وجعل لها قوى الحيوان التي بها بقاؤها وصلاحها، لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والشفاء في جزأين من حيوان واحد، وأن الذي ألهم النحلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة، وأن تعسل فيه، وألهم الذرة أن تكتسب قوتها، وتدخره لأوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذبابة، وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحًا، وتؤخر جناحًا، لما أراد من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد والامتحان، الذي هو مضمار التكليف، وفي كل شيء عبرة وحكمة، وما يذكر إلا أولو الألباب، "معالم السنن" للخطابي على "مختصر سنن أبي داود" 5/ 341، 342.
فصل
إذا أراد تطهير الماء الذي حكمنا بنجاسته، فإنه إن كانت نجاسته (بالتغيّر) 1، وكان أكثر من قلتين، طهر بزوال التغيير بنفسه، أو بأخذ بعضه، وذلك في البئر إذا كان ينبع منها الماء، فإن نزح الماء منها، ونبع ما يبلغ قلتين، وزال التغير، طهرت البئر والماء، وإن لم يبلغ قلتين، طهر ما ورد عليه الماء من البئر، والماء (المستعمل) 2 في إزالة النجاسة، فيكون طاهرًا على مذهب الشافعي رحمه اللَّه، (و) 3 نجسًا على قول الأنماطي 4.
وقد ذكر أصحابنا فيه: إذا كان الثوب جميعه نجسًا فغسل نصفه، ثم غسل النصف الآخر لم يطهر، ونبع الماء (لشيء) 1 بعد شيء من البئر بمنزلته.
ويطهر أيضًا بأن يطرح عليه ماء آخر حتى يزول التغير.
وإن طرح فيه تراب أو جص، فزال التغير، طهر في أظهر القولين.
وذكر الشيخ أبو حامد (رحمه اللَّه) 2 في التعليق: أن القولين في التراب، وما سواه لا يظهر قولًا (واحدًا) 3 وليس بشيء.
= وكتب كتبه، وتفقه على ابن سريج، قال الثوري: هو أحد أجدادنا في سلسلة التفقه، توفي في بغداد 280 هـ، السبكي 2/ 52، والشيرازي 104، "والمجموع" 1/ 310.
وإن كان الماء أقل من قلتين، ولم يتغير، طهر بالمكاثرة (وإن لم يبلغ قلتين 1 إذا لم تكن عين النجاسة فيه قائمة.
ومن أصحابنا من قال: (لا يطهر) 2 بالمكاثرة من غير أن يبلغ قلتين، والمذهب الأول.
فإن كان (قلتان) 3 من الماء النجس في إناءين من غير تغيّر، فجمع بينهما في إناء واحد طهرتا 4.
وقال أصحاب أحمد 5: لا يحكم بالطهارة فيهما.
وحكم الماء في البئر حكم الماء في (الصنع في التطهير) 6 حكم الغدير الذي لا يتحرك أحد الطرفين في (تحريك الطرف الآخر) 7.
وقال أبو حنيفة: ماء البئر يخالف ماء الغدير، فإذا مات في البئر
فأرة، أو عصفور نزح منها عشرون دلوًا وطهرت 1. وإن وقع فيها (دمها) 2 نزح جميعها (وكذا) 3 إن وقع فيها بول، أو دم.
(وإن) 4 مات فيها هرة، أو دجاجة، نزح منها أربعون دلوًا، وطهر الباقي، وإن مات فيها شاة نزح جميعها.
فإن أراد الطهارة من الماء الذي وقعت فيه (نجاسة) 5، وحكم بطهارته، فإنه إن كان دون القلتين (وطهر) 6 بالمكاثرة، ولم يبلغ قلتين، لم تجز الطهارة به، وإن كان أكثر من قلتين، جاز الطهارة منه.
وقال أبو إسحاق، وابن القاص 7: إن كان فيه نجاسة جامدة،
لم يجز أن يتوضأ من موضع (يكون) 1 بينه وبين النجاسة أقل من قلتين، والمذهب الأول.
وإن كان الماء قلتين، (وفيه نجاسة جامدة) 2، فالمذهب أنه يجوز أن يغترف منه بإناء (و) 3 يتوضأ به.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز، فإن أخرج النجاسة منه، (جاز أن يتوضأ به) 4 وجهًا واحدًا (و) 5 إن كانت النجاسة في القلتين (مائعة) 6 وقد طهر الماء، جاز الطهارة بجميعه.
ومن أصحابنا من قال: يبقى فيه قدر النجاسة، وليس بشيء.
فأما الجاري إذا كان فيه النجاسة جارية، فإنه إن كان الماء الذي يحيط بالنجاسة (يبلغ) 7 قلتين، ولم يتغير فهو طاهر، وإن نقص عن قلتين، فهو نجس، ولا يجوز (التوضؤ منه) 8 حتى (يجتمع) 9 في موضع، ويبلغ قلتين وهو غير متغير.
وقال ابن القاص (للشافعي رضي اللَّه عنه قول) 1 في القديم: ان الماء الجاري لا ينجس إلّا بالتغيير وإن كان قليلًا.
وكذا حكم النجاسة الواقعة في النهر، والماء يجري عليها على ما ذكرناه.
وقال أبو إسحاق، وابن القاص، والقاضي أبو حامد 2: يجوز أن يتوضأ (من) 3 موضع يكون بينه وبين النجاسة قلتان في طول النهر.
ومن أصحابنا من قال: تعتبر القلتان في الماء الذي يلاقي جميعه النجاسة من الجاري، فأما إذا كانت النجاسة راسية في أسفل الماء وقراره (والماء) 4 يجرى عليها، فالذي (يلقاها) 5 الطبقة السفلى من الماء (وهي أقل من قلتين 6 فهي نجسة.
(وفي الطبقة العليا وجهان:
أحدهما: أنها طاهرة.
والثاني: أنها نجسة) 1.
وإن كانت النجاسة طافية على رأس الماء (و) 2 الذي يلاقيها منه أقل من (قلتين) 3 فهو نجس، (وما) 4 في القرار فيه وجهان.
وقد ذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه فيه: إذا تغير (أحد جانبي) 5 النهر، أن قياس المذهب أن ينجس ما يحاذيه من الجانب الآخر، وإن لم يتغير حتى ينفصل عن محاذاته فيطهر، ويجيء فيه تخريج (الوجه) 6 الآخر، فإنه مثله.
ذكر القاضي حسين 7 رحمه اللَّه: أنه إذا وقعت في قلتين من الماء نجاسة لا تخالف الماء في صفاته، فإنه (يعتبر) 8 بالنجاسة التي
تخالف الماء في الصفة، (فيقال) 1 هذا القدر من النجاسة، لو كان مخالفًا للماء في صفته، هل كان يطهر عليه قيقضى فيه بحكمه؟.
(قال الإمام أبو بكر) 2: وهذا أشبه بما ذكرناه 3 من الطاهر الموافق للماء في صفاته فلا يتغير به.
وقد استبعد الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه وجود ذلك هناك، فالنجاسة بالاستبعاد أولى.
فصل
أما الماء المستعمل (فإنه إن كان) 1 مستعملًا في رفع حدث، فهو طاهر.
وروى الحسن بن زياد 2 عن أبي حنيفة 3 أنه قال: هو نجس، وهو قول أبي يوسف.
ولا يجوز التطهر به (على) 1 المشهور من المذهب وهو قول أحمد 2، والمشهور عن أبي حنيفة، وقول محمد بن الحسن 3.
وحكى عيسى بن أبان 4 عن الشافعي رحمه اللَّه: (جواز) 5 التطهر به، وهو قول مالك 6، وداود.
فمن أصحابنا: من لم يثبت هذه الرواية مذهبًا له، فإذا قلنا: لا يجوز التوضؤ به، فهل تجوز إزالة النجاسة (به) 7؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز.
فإن استعمل الماء في (نفل) 1 الطهارة كتجديد الوضوء جاز التوضؤ به في أظهر الوجهين.
ذكر بعض أصحابنا: أن الماء إذا انفصل من عضو إلى عضو، صار مستعملًا في طهارة الحدث، وفي غسل الجنابة وجهان:
أصحهما: أنه لا يصير مستعملًا حتى ينفصل من جميع البدن.
قال الشيخ الإمام فخر الإسلام أيده اللَّه 2: وعندي أنه لا اعتبار بالعضو والعضوين، ولا يختلف باختلاف الطهارتين، وإنما الاعتبار بالانفصال عن المحل، فإنه يصير مستعملًا (وإن) 3 كان في عضو واحد، ومثله في الجنابة، وما دام يجري متصلًا (با) 4 المحل فإنه لا يصير مستعملًا، غير أن أعضاء البدن يتصل بعضها ببعض، فينحدر الماء من عضو إلى عضو متصلًا.
فإن غسل رأسه مكان المسح، فهل يصير الماء مستعملًا؟
حكى أبو علي بن أبي هريرة فيه وجهين:
أصحهما: أنه يصير مستعملًا، ويستحب تجديد الوضوء، إذا كان قد صلى به فريضة.
وإن كان قد صلى به نافلة، فهل يستحب التجديد؟
حكى فيه بعض أصحابنا وجهين، (وبناه) 1 على (أن) 2 (الماء) المستعمل في نفل الطهارة، هل يصير مستعملًا أم لا؟ وفرع عليه تفصيلًا عجيبًا.
والصحيح في ذلك: (أن) 3 يكون قد فعل بالطهارة ما تراد له الطهارة (شرعًا فترتفع) 4 (كراهة) 5 التجديد.
فإن جمع الماء المستعمل حتى يبلغ قلتين زال حكم الاستعمال في أظهر الوجهين.
فأما الماء المستعمل في إزالة النجاسة، إذا لم يتغير، ففيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه طاهر، وهو قول أبي إسحاق.
والثاني: أنه نجس، وهو قول أبي القاسم الأنماطي، (وقول) 6 أبي حنيفة 7.
والثالث: أنه إن انفصل والمحل طاهر، فهو طاهر، وإن انفصل والمحل نجس، فهو نجس، وهو قول ابن القاص.
(فإذا) 1 قلنا: إنه طاهر، فهل يجوز الوضوء به؟ فيه وجهان.
باب الشك في نجاسة الماء والتحري فيه
إذا أكلت الهرة نجاسة، وولغت في ماء قليل ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه نجس 1. والثاني: أنها إن غابت ثم عادت وولغت فيه لم ينجس 2. والثالث: أنه لا ينجس بذلك بحال 3.
وإذا ورد على ماء، فأخبره رجل بنجاسه، قبل خبره ولم يجتهد 1، فإن أخبره رجل أن الكلب ولغ في هذا الإناء في وقت عينه دون الآخر، وقال آخر: بل ولغ في الإناء الآخر (في ذلك الوقت) 2 بعينه، دون هذا الإناء (ذاته) 3، (فإنه) 4 يبني على القولين بتعارض البينتين.
فإن (قلنا) 5 إنهما يسقطان، سقط خبرهما، وتوضأ بما شاء منهما، وإن قلنا إنهما يستعملان، أراقهما، أو صب أحدهما في الآخر، وتيمم.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا أخبره رجل، أن هذا الكلب ولغ في هذا الإناء في وقت عينه، وقال آخر: هذا الكلب في ذلك الوقت لم يكن في ذلك المكان، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه طاهر لتعارض الخبرين وسقوطهما.
= صحيح، "الجامع الصحيح" للترمذي 1/ 54، والنسائي وغيرهم، "سنن النسائي" 1/ 48، 49، قال البغوي في شرح السنة: يحتمل أنه شبهها بالمماليك من خدم البيت الذين يطوفون على بيته للخدمة، كقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾.
والثاني: أنه نجس، لأن الكلاب تشتبه، وهذا (الوجه) 1 ليس بشيء.
فإن اشتبه عليه ماء طاهر، وماء نجس، تحرى (فيهما) 2 فما (3) أداء اجتهاده إلى طهارته توضأ به 3.
وقال المزني وأبو ثور: (لا يتحرى) 4 في الأواني، ويتيمم، ويصلي، وبه قال أحمد 5، واختلفت الرواية عنه في (وجوب) 6 إراقتهما قبل التيمم 7.
وقال عبد الملك بن الماجشون 1: لا يتحرى في الأواني، ولكنه يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر، ويعيد الصلاة التي صلاها.
وقال محمد بن مسلمة 2: يتوضأ، بأحدهما (ويصلي) 3، ثم يغسل ما أصابه من الماء الأول، ويتوضأ بالآخر، ويعيد الصلاة 4.
وقال غيرهما من أصحاب مالك: مثل قولنا 5.
وقال أبو حنيفة: إن كان عدد الطاهر أكثر، جاز التحري، وإن لم يكن كذلك لم يجز.
= الأولى: لا يجوز، لأن معه ماء طاهرًا بيقين، فلم يجز له التيمم مع وجوده، فإن خلطهما، أو أراقهما جاز له التيمم، لأنه لم يبق معه ماء طاهر.
الثانية: يجوز التيمم قبل ذلك، وهو الصحيح عندهم، لأنه غير قادر على استعمال الطاهر، "المغني" لابن قدامة 1/ 46.