أحرمت الطائفة الثانية خلفه قرأ (بها) 1 وركع، وسجد، وقعد للتشهد، وتنهض الطائفة الثانية إلى الركعة الثانية من السجود، ولا تجلس معه في أظهر القولين.
وفي القول الثاني: تجلس معه، ثم تقوم قبل السلام، ويقف الإِمام ينتظرها حتى (تتم) 2 الركعة الثانية، وتجلس معه، ويتشهد ويسلم بها، فتفارقه هذه الطائفة فعلًا لا حكمًا حتى يلحقها حكم سهوه، ويتحمل سهوها، والطائفة الأولى تفارق الإِمام فعلًا وحكمًا.
وقال مالك: تتشهد مع الإمام، ويسلم الإِمام، فإذا (سلم) 3 قامت وأتمت لأنفسها.
وهل يتشهد الإِمام في حال انتظاره لها؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على (القولين) كالقراءة.
والثاني: أنه يتشهد قولًا واحدًا.
ومن أصحابنا من قال حيث قال يتشهد: أراد به إذا كانت الصلاة صلاة حضر، أربع ركعات، فإنه يتشهد بهم، لأنه محل تشهدهم، فيفارقونه بعده.
وحيث قال: يقومون قبل التشهد إذا كانت الصلاة ركعتين، ونحو قولنا.
وقال أحمد وداود: وهذه صفة صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذات الرقاع.
وقال أبو حنيفة: يصلي الإِمام بالطائفة الأولى ركعة، وتمضي إلى
وجه العدو وهي في الصلاة، وتأتي الطائفة الثانية فتحرم خلف الإِمام، ويصلي بها الركعة الثانية ويسلم، وترجع الطائفة إلى وجه العدو وهي في الصلاة، وتأتي الطائفة الأولى من وجه العدو إلى موضع الصلاة مع الإِمام، فتصلي ركعة لنفسها منفردة وتسلم، وترجع إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى إلى ذلك المكان (فتتم) 1 صلاتها تقرأ فيها، والطائفة الأولى لا تقرأ في الركعة الثانية شيئًا.
فإن سها الإِمام في الركعة الأولى، لحق حكم سهوه (الطائفتين) 2، فإذا (أتمت) 3 الطائفة الأولى صلاتها، سجدت للسهو.
(قال) 4 الشافعي رحمه اللَّه: ويشير إليهم بما يفهمون أنه سها.
وقال في "الإِملاء": إن كان سهوًا ظاهرًا كالقيام في موضع القعود، لم يشر، وإن كان خفيًا، بأن يقرأ في حال ركوعه، أشار، واختار أبو إسحاق المروزي هذا.
وغيره قال: لا فرق بين الظاهر والخفي في الإِشارة، والأول أظهر.
وإن سها الإمام في الركعة الثانية، لحق الطائفة الثانية حكم سهوه، فإذا جلس الإمام للتشهد، فارقته فعلًا وانتظرها، فإذا سجد للسهو سجدت معه في أصح القولين.
- فأما إذا قلنا: إنها تفارقه بعد التشهد، فإنها تسجد معه للسهو، ثم تفارقه فعلًا، ويكون كالمسبوق على ما تقدم.
فإن صلى بهم الإِمام في الخوف صلاة أبي حنيفة (صحت) 1 صلاتهم.
وفيه قول آخر: إنها لا تصح.
فإن فرغت الطائفة الثانية، وجلست مع الإِمام للتشهد، وكان الإمام قد تشهد قبل إدراكها له، فسجد للسهو، (فهل) 2 تتبعه في السجود؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها تسجد معه.
والثاني: أنها تتشهد، ثم تسجد بعد ما يسلم.
(فإذا) 3 قلنا: إنها تسجد معه، فهل تعيد السجود إذا (تشهدت) 4 على ما ذكرناه من القولين؟ والأصح: أن تتبعه في السجود.
(فإن) 5 أراد أن يصلي المغرب في حال الخوف، صلى بطائفة ركعة، وبطائفة ركعتين 6، وفي الأفضل قولان:
أصحهما: (أنه) 1 يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة 2، وبه قال مالك:
فعلى هذا تفارقه الطائفة الأولى بعد فراغه من التشهد 3.
قال الشافعي رحمه اللَّه في انتظار الإِمام: إن انتظرهم قائمًا فحسن، وإن انتظرهم جالسًا للتشهد فجائز 4.
فمن أصحابنا من (جعل) 5 في الأفضل قولين، والأول أصح.
وتجوز صلاة الخوف في الحضر، فيصلي بطائفة ركعتين، وبالأخرى ركعتين والانتظار على ما بينا.
وحكي عن مالك: أنه لا يجوز أن يصلي في الحضر صلاة الخوف، وذكر أصحابه جواز ذلك.
وإن فرقهم الإِمام أربع فرق، فصلى بكل فرقة ركعة، وانتظرها حتى أتمت (لنفسها) 6 ثلاث ركعات، ومضت إلى وجه العدو، وجاءت
الطائفة الأخرى، وفعل في حق كل طائفة مثل ذلك، فقد زاد انتظارين على الانتظار المشروع له، فهل تبطل بذلك صلاته؟ فيه قولان:
أصحهما: أنها لا تبطل، فعلى هذا تصح صلاة الطائفة الرابعة، وقد فارق الباقون الإمام من غير عذر، فتكون صلاتهم على القولين في ذلك.
وإن قلنا: إن صلاة الإِمام تبطل، ففي وقت بطلانها وجهان:
والمذهب: أنها تبطل بالانتظار الثاني، وهو انتظاره لمجيء (الطائفة) 1 الثالثة، فعلى هذا تبطل صلاة الطائفة الثالثة، والرابعة.
والوجه الثاني: أنها تبطل بالانتظار (الثالث) 2، وهو انتظاره لفراغ الثالثة، فعلى هذا تبطل صلاة الطائفة الرابعة دون غيرها.
وإنما تبطل صلاة المأموم، إذا علم (بحال) 3 الإِمام، وبماذا يعتبر علمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعتبر علمه بتفريق الإمام الناس، أربع فرق.
والثاني: يعتبر أن يعلموا أن ذلك مبطل لصلاتهم (لعسفان) 4.
فأما صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعسفان 5.
فشرطها: أن يكون العدو في جهة القبلة، وفي المسلمين كثرة، وهم على مستوى من الأرض، فيجعل (الإِمام) 1 الناس صفين، ويحرم بهم جميعًا، (ويقرأ) 2، ويركع بهم جميعا، ويرفع ويسجد 3، ويسجد الصف الذي يليه معه، ويقف الصف الثاني يحرسونهم، فإذا رفعوا رؤوسهم من السجود، قاموا، وسجد الصف (الذين) 4 حرسوا وقاموا فيقرأ بهم جميعًا ويركع، ويرفع بهم جميعًا ثم يسجد، ويسجد (معه) 5 الذين حرسوا في الأولى، ويقف الذين سجدوا، فإذا سجدوا (ورفعوا) 6، سجدوا ورفعوا، ويتشهد بهم جميعًا ويسلم بهم.
= اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكبرنا جميعًا، فركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود، والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحو العدو، فلما قضى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود، والصف الذي يليه كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحو العدو، فلما قضى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وسلمنا جميعًا"، هذا لفظ مسلم 6/ 125، 127.
وذكر أصحابنا: أنه يحرسهم الصف الذي يليه، ويسجد الصف الآخر، كي (يسترونهم) 1 عن الكفار، والجميع جائز، وهذا أحوط.
فإن حرستهم طائفة واحدة في الركعتين، ففي صحة صلاتها وجهان، بناء على القولين فيه إذا فرقهم أربع فرق.
فإن صلى بهم صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذات الرقاع في الأمن فصلاة الإِمام صحيحة.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: ينبغي أن ينبني ذلك على القولين فيه إذا فرقهم أربع فرق، في حال الخوف، (فالطائفة) 2 الأولى فارقت الإِمام من غير عذر، ففي بطلان صلاتها قولان، وصلاة الطائفة الثانية باطلة.
وقال أبو العباس، وأبو علي بن خيران: فيهما قولان.
وإن صلى في الأمن صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعسفان، فصلاة الإِمام ومن تبعه، ومن تبعه في السجود صحيحة، ومن تأخر عنه في السجود، قد سبق الإِمام بسجدتين وجلسة.
(ومن أصحابنا من قال 3: تبطل صلاتهم.
وقال أبو إسحاق: السجدتان بمنزلة الركن الواحد، والجلسة (للفصل) 4.
(وذكر) 1 الشافعي رحمه اللَّه: إذا أراد أن يصلي بهم الجمعة في حال الخوف، فصلى بطائفة ركعة، وفارقته، وجاءت الطائفة الثانية، فصلى بهم الركعة الثانية صحت الصلاة.
وإن كان (قد صار) 2 منفردًا في الركعة الثانية لمفارقة الإِمام (وفي) 3 انتظاره مجيء الثانية.
فمن أصحابنا من قال: ذلك جائز على أحد القولين في الانفضاض عن الإِمام، فإنه يتمها جمعة منفردًا.
ومنهم من قال: تصح هاهنا قولًا واحدًا، لأنهم معذورون في مفارقة الإِمام، ويحتاج أن تكون كل واحدة من الطائفتين أربعين، فإن كانت الطائفة الأولى أربعين، والثانية أقل.
فقد ذكر الشيخ أبو حامد: أنه لا نص في ذلك فتصح.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان.
ذكر في الحاوي: في تفريقهم أربع فرق وجهين:
أحدهما: أنهم معذورون في مفارقة الإِمام.
والثاني: أنهم غير معذورين.
فإن قلنا: إنهم معذورون، لم تبطل (صلاتهم) 4 قولًا واحدًا.
وإذا قلنا: إن صلاة الإمام صحيحة، فهل تتبعه الطائفة الثانية في التشهد؟
فيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تتبعه، وهو الأظهر.
هل يجب حمل السلاح في الصلاة؟ فيه طريقان 1:
أحدهما: أنه على قولين، وهو الأصح.
أحدهما: يجب وهو قول داود.
والثاني: (أنه) 2 يستحب، وهو قول أبي حنيفة.
ومنهم من قال: إن كان السلاح بما يدفع عن نفسه، كالسكين، والسيف، وجب عليه حمله، وإن كان مما يدفع به عن نفسه (وعن غيره) 3 كالرمح لم يجب.
(فأما) 4 حال المسابقة، والتحام القتال، فإنهم يصلون كيف ما أمكنهم، رجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، قعودًا على دوابهم وقيامًا على الأرض، يومئون إلى الركوع، والسجود برؤوسهم، ويكون (في) 5 السجود أخفض من الركوع 6.
وقال أبو حنيفة: لا يصلون في حال المسابقة، ولا مع المشي، ويؤخرون الصلاة إلى أن يقدروا.
فإن افتتح الصلاة راكبًا في شدة الخوف، ثم (أمن) 1، نزل، ولم يستدبر القبلة وبنى على صلاته.
وإن افتتح الصلاة نازلًا، فخاف، فركب (للصلاة) 2، استأنف الصلاة.
وقال في موضع آخر: يبني على صلاته.
فقال أبو إسحاق: إن فعل ذلك اختيارًا في طلب مشرك، بطلت صلاته، (وإن) 3 ركب لضرورة، بنى على صلاته.
ومن أصحابنا: من جعل ذلك على قولين.
فإن رأوا سوادًا، فظنوهم عدوًا، فصلوا صلاة شدة الخوف، يومئون إيماء، فبان أنهم لم يكونوا عدوًا.
فقد نص الشافعي رحمه اللَّه: في "الأم" على وجوب الإِعادة.
وقال في "الإِملاء": إن كانوا قد صلوا بخبر ثقة، فلا إعادة عليهم.
فمن أصحابنا من قال: إن كانوا قد صلوا بخبر ثقة، ففي الإِعادة قولان، وإن صلوا بظنهم، وجبت الإِعادة قولًا واحدًا.
= يومىء إيماء، رواه البخاري بقريب من معناه، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، "فتح الباري" 3/ 84، 85.
ومنهم من قال: في (الجميع) 1 قولان:
أحدهما: (لا تجب) 2 الإعادة، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي.
والثاني: تجب الإِعادة، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني.
ذكر القاضي حسين: (أن) 3 نظير هذه المسألة، الخنثى إذا مس رجلًا، وصلى، ثم بان (أنه) امرأة، في وجوب (الإِعادة) 4 قولان.
قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه: (وهذا) 5 ليس بنظير صحيح، وها هنا تجب الإعادة قولًا واحدًا، كما لو شك في الحدث بعد الطهارة وصلى، ثم بان أنه كان محدثًا.
ويجوز فعل الصلاة حال شدة الخوف راكبًا جماعة، وفرادى.
وقال أبو حنيفة: لا تفعل في جماعة.
فإن رأوا عدوًا فخافوهم، فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان (بينهم) 6 خندق، أو نهر يمنع، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين فيه (إذا) 7 رأوا سوادًا، فظنوهم عدوًا.
والثاني: تجب الإعادة قولًا واحدًا.
قال الشافعي رحمه اللَّه: ولا بأس أن يضرب الضربة (و) 1 يطعن الطعنة فإن تابع، أو عمل ما يطول، بطلت صلاته.
وحكى الشيخ أبو حامد عن أبي عباس بن سريج: أنه إن لم يكن مضطرًا بطلت صلاته، وإن كان مضطرًا، لم تبطل، كالمشي.
ومن أصحابنا من قال: إن اضطر إليه فعل، ولكنه تلزمه الإِعادة.
وذكر أصحابنا: أن الضربة الواحدة لا تبطل، وفي الضربتين وجهان، والثلاث، تبطل في غير حال الخوف، فأما في (حالة) 2 الخوف:
فمن أصحابنا من قال: تبطل أيضًا.
وقال أبو العباس: لا تبطل وهو الأصح.
والشيخ أبو نصر: اختار أن يكثر العمل، أو يقل من غير اعتبار عدد.
وللشافعي رحمه اللَّه: كلام يدل عليه، وهو الأصح، رجوعًا إلى العرف.
ويحرم على الرجال، استعمال الحرير، في اللبس، والجلوس عليه، والاستناد إليه 3.
وقال أبو حنيفة: يحرم اللبس خاصة، دون ما سواه، فإن كان
الثوب معمولًا من إبريم 1، وقطن، أو كتان، وكان نصفين، حرم له في أحد الوجهين 2. ولا يكره أن يلبس (دابته، أو أداته) 3 جلد ميتة من حيوان طاهر 4. = قوله: "هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وإلى قوله: "وأن نجلس عليه" فإنه في البخاري دون مسلم، "المجموع" 4/ 325.
وقيل: يكره كما يكره أن يلبسه في نفسه.
وحكى بعضهم: قولين في ذلك من غير فصل بين نفسه وأداته، وليس بشيء.
= إلا للحاجة وهي الصيد، وحفظ الماشية، والدليل عليه: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجرة كل يوم قيراطان" رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر هكذا، وفي بعض رواياتها قيراط، وفي أكثرها قيراطان.
انظر "فتح الباري" 12/ 27، وانظر "المجموع" 4/ 339.
باب صلاة الجمعة
1 ..................................
الجمعة فرض على الأعيان 1، وغلط بعض أصحابنا فحكى: أنها فرض على الكفاية، وليس بشيء.
ولا تجب الجمعة على مسافر.
وقال الزهري والنخعي: تجب الجمعة على المسافر إذا سمع النداء.
ولا جمعة على العبد، وبه قال أبو حنيفة، ومالك.
وقال داود: تجب عليه الجمعة.
وعن أحمد: فيه روايتان.
وقال الحسن البصري وقتادة: تجب الجمعة على العبد الذي يؤدي الضريبة.
ولا جمعة على الأعمى، إذا لم يقدر على من يقوده، وإن كان له من يقوده، وجبت عليه.
وذكر القاضي حسين: أنه إذا كان يحسن المشي بالعصا من غير = الجمعة.
وهذا الحديث إسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان، وعبد اللَّه ابن محمد العدوي، انظر "ابن ماجة" 1/ 343. وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" وزاد مالك في "الموطأ" وأبو داود وغيرهما بأسانيد على شرط البخاري ومسلم: "وفيه تيب عليه، وفيه مات، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه إياه"، "تنوير الحوالك" 1/ 131.
قائد، لزمه، وليس بصحيح، وذكر أيضًا: (أن) 1 من لا يقدر على المشي لزمانة، أو كبر سن، إذا قدر على من يحمله إلى الجامع، لزمه القصد إليه، وليس بصحيح.
ومن كان خارج المصر في موضع لا تجب فيه الجمعة، وسمع النداء من المصر، لزمه القصد إلى الجمعة، وبه قال مالك، وأحمد 2، غير أن مالكًا قدر ذلك بثلاثة أميال.
وحكي عن الزهري: أنه قدره بستة أميال.
وعن ربيعة 3: أنه قدره بأربعة أميال.
وقال أبو يوسف وأبو ثور: تجب الجمعة على من يؤويه الليل إلى منزله، ويروى ذلك عن عبد اللَّه بن عمر، وأنس، وأبي هريرة 4.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الجمعة بسماع النداء.
قال الشافعي رحمه اللَّه: في بلوغ النداء، وتكون الأصوات هادئة، والرياح ساكنة، والمنادي صيتًا، ومن ليس بأصم مستمعًا، ويعتبر أن يقف في طرف البلد، وقيل: في وسطه.
وقيل: في الموضع (الذي) 1 تقام فيه الجمعة.
ولا يعتبر أن يصعد على منارة، أو (سور) 2.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: سمعت (شيوخنا) 3 يقولون: إلَّا بطبرستان، فإنها مبنية بين غياض وأشجار، تمنع بلوغ الصوت.
ويعتبر استواء الأرض، فلو كانت قرية على تلة جبل تُسمع النداء لعلوها، ولو كانت على مستوى من الأرض، لم تسمع لم يجب عليهم = لأنه كانت له هرة صغيرة يحملها معه، كان من أهل الصفة، أسلم عام خيبر، وشهدها مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم لزمه ثلاث سنين، وواظب عليه راغبًا في العلم، راضيًا بشبع بطنه، وكان يدور معه حيث دار، ويحضر ما لا يحضره أحد منهم، لملازمته النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
روى البخاري عنه: قال: يا رسول اللَّه أسمع منك أشياء فلا أحفظها، قال: أبسط ردائك، فبسطه، فبسط حديثًا كثيرًا، ثم قال أضممه، فما نسيت شيئًا حدثني به"، توفي سنة تسع أو ثمان، أو سبع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة بالمدينة أو بالعقيق، "مفتاح السعادة ومصباح السيادة" 2/ 70 - 71، و"غاية النهاية في طبقات القراء" للجزري 1/ 370، وانظر كتابنا "نظرية الغرر في الشريعة الإِسلامية" 2/ 336، 337.
الجمعة.
ولو كانت في واد لا تسمع لاستفالها ولو كانت في مستوى من الأرض لسمعت، وجب عليهم الجمعة.
وذكر الشيخ أبو حامد: أن من سمع النداء (لعلوه) 1، تجب عليه الجمعة، ومن لم يسمع لاستفالة لا جمعة عليه.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: والذي (ذكره) 2 القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه أشبه.
وذكر القاضي حسين: إذا كانت قرية على جبل تقام فيها الجمعة، وبحذائها قرية على جبل آخر تسمع النداء من القرية الأخرى، وبين الجبلين في الوادي قرية لا تسمع النداء، فعلى التي تسمع النداء حضور (الجمعة) 3، وأما التي في الوادي بينهما، (ففيها) 4 وجهان:
أحدهما: لا تجب.
والثاني: تجب، وهذه الطريقة عندي خارجة عن الطريقين المتقدمين، لأن على طريقة القاضي أبي الطيب، لا تجب الجمعة على (القرية) 5 التي تسمع النداء لعلوها على الجبل.
ولو كانت على استواء لم تسمع، ويجب على القرية التي في الوادي إذا كانت على مسافة لو كانت على استواء لسمعت.
وعلى طريقة أبي حامد: تجب الجمعة على القرية العالية، ولا تجب على المستفلة، وقد بينا الصحيح.
فإن اتفق يوم عيد (في يوم) 1 جمعة، فحضر أهل السواد، وصلوا العيد، جاز أن ينصرفوا، ويتركوا الجمعة.
ومن أصحابنا من قال: تجب عليهم الجمعة، ولا يسقط فرض الجمعة بفعل صلاة العيد.
وقال أحمد: يسقط فرض الجمعة بصلاة العيد، ويصلى الظهر.
وقال عطاء: يسقط الظهر والجمعة جميعًا في هذا اليوم بفعل صلاة العيد.
ومن لا جمعة عليه مخير بين فعل الجمعة والظهر، فإن صلى الظهر ثم زال عذره، والوقت باق، لم تجب عليه الجمعة.
وقال ابن الحداد: إذا صلى الصبي (الصبح) 2، ثم بلغ، وجب عليه حضور الجمعة.
ويستحب لأرباب الأعذار، أن يؤخروا فعل الظهر إلى أن تفوت الجمعة، ثم يصلونها جماعة.
وقال أبو حنيفة: يكره لهم فعلها في جماعة.
قال الشافعي رحمه اللَّه: واجب لهم إخفاؤها، لأن لا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإِمام.
قال أصحابنا: هذا يقتضي أن يكون ذلك في حق من يخفى عذره، فأما من كان عذره ظاهرًا، فلا يستحب له إخفاؤها.
ومن أصحابنا من قال: يكره لهم إظهارها بكل حال، والمذهب الأول.
فإن صلى المعذور ظهره، ثم حضر الجمعة فصلاها، فالأولى فرض، والجمعة تطوع.
(وقال) 1 الشافعي رحمه اللَّه في القديم: يحتسب اللَّه له بأيهما شاء.
وقال أبو حنيفة: يبطل ظهره بالسعي إلى الجمعة.
ومن كان من أهل فرض الجمعة، لا يجوز له فعل الظهر، قبل فوات الجمعة، فإن صلى الظهر قبل فعل الإِمام الجمعة، لم تصح في أصح القولين، وهو قوله الجديد، وبه قال مالك، وأحمد في إحدى الروايتين، وإسحاق وزفر.
وقال في القديم: يصح ظهره، وهو قول أبي حنيفة، وأصل الفرض عنده الظهر في يوم الجمعة، ويلزمه السعي إلى الجمعة، فإذا سعى إلى الجمعة (بطلت ظهره) 2.
وقال أبو يوسف ومحمد: تبطل بالإِحرام بالجمعة، لا بنفس السعي.
وقال أبو إسحاق المروزي: إذا اتفق أهل بلد على ترك الجمعة، وفعل الظهر، أثموا وتجزيهم.
والصحيح: أنها لا تجزيهم على قوله الجديد.
ومن أصحابنا من قال: إذا أحرم بالظهر بعد فوات إدراك الجمعة، وذلك بفوات الركوع من الركعة الثانية، وقبل (فراغ) 1 الإِمام منها، جاز ذلك.
وظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه: (يقتضي) 2 أن لا يجوز الإِحرام بها، إلا بعد فراغ الإِمام من الجمعة، والمعنى: (يقتضي) 3 ما ذكره الأول.
ومن كان من أهل فرض الجمعة، وأراد السفر، ولم يخف فوات الرفقة، لم يجز (له) 4 بعد الزوال 5، وهل يجوز قبل الزوال؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجوز، وهو قول أحمد، قال: إلَّا أن يكون سفر جهاد، ويروى عن عبد اللَّه بن عمر، وعائشة رضي اللَّه عنهم.
وقال في القديم: يجوز، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأصحابه.
وأما البيع بعد الزوال، وقبل ظهور الإِمام، فمكروه، ويحرم بعد
ظهور الإِمام وأذان المؤذن غير أنه يصح، وبه قال أبو حنيفة 1.
وقال أحمد، ومالك، وداود: لا يصح البيع.
ولا يحرم الكلام قبل افتتاح الإِمام (الخطبة) 2، وفي الجلوس بين الخطبتين، وإذا فرغ الإِمام من الخطبة إلى أن يشرع في الصلاة، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يحرم الكلام في جميع هذه الأحوال، كما يحرم في حال الخطبة، وكما يحرم التنفل فيها.
ولا تصح الجمعة إلَّا في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة، من بلد، أو قرية 3.
وقال أبو حنيفة: لا تصح إلَّا في مصر جامع 4، ولا تجب الجمعة على أهل الخيام، والمظال.
وقال في البيوطي: تجب عليهم إذا كانوا مقيمين فيها، لا يظعنون عنها شتاء، ولا صيفًا.
فحصل فيها قولان:
وقال أبو ثور: الجمعة كسائر الصلوات إلا أنه يعتبر (لها) 1 خطبة، فمتى كان هناك مأموم وخطيب أقيمت الجمعة.
فإن خرج أهل البلد إلى خارج المصر، فأقاموا الجمعة، لم تصح.
وقال أبو حنيفة: (تصح) 2 إذا كان قريبًا من البلد، كمصلى العيد.
ولا تنعقد الجمعة إلَّا بأربعين نفسًا من الرجال، أحرارًا، مقيمين في الموضع، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأحمد 3.
وقال مالك: تنعقد بما دون الأربعين.
وقال ربيعة: تنعقد الجمعة باثني عشر رجلًا.
وقال الحسن بن صالح: تنعقد باثنين كالجماعة في سائر الصلوات.
وقال الأوزاعي، وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة.
وحكي في "الحاوي" عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه لا تصح الجمعة حتى يكون العدد زائدًا على أربعين.
وقال أبو حنيفة، والثوري: تنعقد بأربعة.
فإن اجتمع أربعون عبدًا، أو أربعون مسافرًا، وأقاموا الجمعة، لم تصح.
وقال أبو حنيفة: يصح إذا كانوا في موضع الجمعة.
وهل تنعقد الجمعة بمقيمين غير متوطنين؟ فيه وجهان:
قال أبو علي بن أبي هريرة: تنعقد.
وقال أبو إسحاق: لا تنعقد.
فإن أحرموا بالعدد، ثم انفضوا عنه، ففيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه إن نقص العدد عن أربعين، أتمها ظهرًا، وهو قول أحمد 1، وهو الأظهر.
والثاني: أنه إن بقي معه اثنان، أتمها جمعة 2.
والثالث: أنه إن بقي معه واحد، أتمها جمعة 3.
وخرج المزني رحمه اللَّه قولين آخرين:
أحدهما: أنه يتمها جمعة، وإن بقي وحده.
والثاني: أنه إن كان قد صلى ركعة، ثم انفضوا عنه، أتمها جمعة.
فمن أصحابنا: من لم يثبت هذين القولين.
وقال أبو حنيفة: (إن) 1 انفضوا عنه، وقد صلى ركعة، وسجد فيها سجدة، أتمها جمعة.
وقال مالك: إن انفضوا عنه بعد ما صلى ركعة بسجدتيها، أتمها جمعة.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن انفضوا عنه بعدما أحرم بها، أتمها جمعة.
ولا تصح الجمعة إلَّا في وقت الظهر، وكذلك (الخطبة) 2 لها.
وقال أحمد: يجوز أن تصلي الجمعة قبل الزوال 3.
فمن (أصحابه) 4 من يقول: أول وقتها، وقت صلاة العيد.
ومنهم من يقول: تجوز في الساعة السادسة.
فإن شرع في الجمعة، في وقتها، ثم خرج الوقت وهو فيها، أتمها ظهرًا.
وخرج القاضي حسين فى المسألة قولًا آخر: (أنه) 1 لا يتمها ظهرًا.
وهل تبطل، (أم) 2 تنقلب نفلًا؟ فيه (وجهان) 3 كمن غير النية من الفرض إلى النفل.
وقال أحمد: يتمها جمعة.
وقال أبو حنيفة: تبطل (صلاته) 4 بخروج الوقت، ويبتدىء الظهر.
إذا نسي الإِمام سجدة من الركعة الأولى من الجمعة، وقام إلى الثانية، فأدركه مأموم فيها وصلاها معه، ثم قام الإِمام إلى ثالثة لما تذكر سهوه، ولم يتشهد، فإن المأموم يقوم معه، ويصلي الركعة، وتحصل له الجمعة.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه (وقال: هذا) 5 بالعكس مما
(وضعت) 1 عليه الجمعة (فإنا رتبنا) 2 الجمعة في حقه على ركعة محسوبة من الظهر، وإنما تبنى الظهر على الجمعة.
(قال الشيخ الإِمام) 3: وعندي: أن هذا سهو، فإن المأموم في هذا الموضع ينوي الجمعة، ولا يجوز أن ينوي الظهر.
ولو بني هذا على اختلاف الشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب رحمهما اللَّه في فرع (في) 4 الزحام، وذلك إذا زحم المأموم عن السجود في الركعة الأولى، فزال الزحام والإِمام قائم، فسجد وتابعه في الثانية وركع معه، ثم زحم عن السجود فيها، فأتى بالسجود وهو في التشهد.
فاختار القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه يدرك الجمعة.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يدركها لأنها ركعة ملفقة، وها هنا المأموم في بعضها في حكم (إمامته) 5 والبعض على حقيقة المتابعة.
فإن أدرك مسبوق مع الإِمام ركعة (قائمة) 6، فإنه يدرك الجمعة وإن أدرك دون الركعة، لم يكن مدركًا لها، وصلى الظهر أربعًا، وهو قول الزهري، وأحمد، ومالك، ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يدرك الجمعة بأي قدر أدركه من صلاة الإِمام.
وقال طاوس: لا تدرك الجمعة (إلَّا) 1 بإدراك (الخطبتين) 2 أيضًا.
فإن أدرك مسبوق مع الإِمام ركعة، ثم خرج الوقت، أتمها ظهرًا.
وقال ابن الحداد: يتمها جمعة.
وحكى عن مالك أنه قال: يجوز أن ييتدىء (الجمعة) 3 بعد دخول وقت العصر، بتاء على أصله.
فصل
ولا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان 1.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: هما سنة.
ومن شرطهما: القيام مع القدرة، والفصل بينهما بجلسة.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجب فيهما القيام، ولا الجلسة 2.
وفي اشتراط الطهارة، فيهما قولان:
أصحهما: أنها شرط.
والثاني: لا تشترط، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي حنيفة 1.
وذكر القاضي حسين: أن ذلك (يبتنى) 2 على أن الخطبتين بدل (عن) 3 الركعتين، وفيه طريقان، ويعود الخلاف إلى أن الجمعة ظهر مقصورة، (وهذا) 4 بناء فاسد.
فيحمد اللَّه تعالى في الخطبة الأولى، ويصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ويوصي بتقوى اللَّه ويقرأ آية، ويحمد اللَّه تعالى في الثانية، ويصلي على رسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويوصي بتقوى اللَّه، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات 5. = حنيفة، لأنه ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام، انظر "المغني" لابن قدامة 2/ 224، وانظر "الهداية" مع "فتح القدير" 1/ 414.
وهل تجب القراءة في الخطبتين؟ فيه وجهان:
أحدهما: (تجب فيهما) 1.
وفي الثاني: تجب في إحداهما: وفي أيهما قرأ جاز.
ومن أصحابنا من قال في القراءة قول آخر: إنها غير واجبة في الخطبة بحال، والدعاء للمؤمنين، والمؤمنات مستحب، وقيل: (هو) 2 واجب، وبقولنا: قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا خطب بتسبيحة واحدة أجزأه.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه حتى يأتي بكلام يسمى خطبة في العادة 3.
وعن مالك: روايتان.
إحداهما: أن من هلل، أو سبح، أعاد ما لم يُصَلّ.
والثانية: أنه لا يجزئه إلَّا (بما) 4 يسمى خطبة في العرف.
وإن صعد المنبر، سلم على الناس إذا أقبل عليهم.
وحكي عن مالك أنه قال: يكره ذلك.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أن الخطبة لا تصح (إلَّا بالعربية) 1 على ظاهر المذهب إذا كان هناك من يحسنها.
وفيه وجه آخر: أنها تجوز بسائر اللغات.
ويرفع صوته بقدر ما يسمعه العدد المعتبر في الجمعة، فإن لم يسمعوا لبعدهم، أو لصمم بهم لم يجز.
وفيه وجه آخر: أنه يصح.
(قال الشيخ الإمام) 2: وعندي: أن الصمم بهم لا يؤثر، إذا كانوا بالقرب منه بحيث (يسمعون) 3 منه لو لم يكن بهم صمم، إذا رفع صوته على ما جرت العادة به، ولم يشترط (أحمد) 4 في الخطبة، السمع.
فإن خطب بالعدد، ثم انفضوا عنه، وعادوا قبل الإِحرام، ولم يطل الفصل، صلى الجمعة، وإن (طال) 5 الفصل، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: أحببت أن يبتدىء (بخطبة) 6 ثم يصلي الجمعة، فإن لم يفعل، صلى الظهر، واختلف أصحابنا:
فقال أبو العباس بن سريج: يجب إعادة الخطبة، ثم يصلي الجمعة بعدها، وما نقله المزني: لا نعرفه.
وقال أبو إسحاق: يستحب إعادة الخطبة، ويجب فعل الصلاة، فإن صلى بهم الظهر (جاز) 1، بناء على أصله فيه، إذا اجتمع أهل بلد على ترك الجمعة، (وفعل) 2 الظهر.
ومن أصحابنا من قال: يستحب إعادة الخطبة، وفعل الصلاة، على ظاهر النص، وهو قول أكثر أصحابنا.
وذكر في "الحاوي" طريقة أخرى: أنه إن كان العدد باقيًا، خطب استحبابًا، وإن كان قد زال، خطب واجبًا، ثم قال: هذا (لا وجه) 3 له.
وإن انفضوا في أثناء الخطبة، وعادوا وقد طال الفصل، فالمذهب أنه يجب استئناف الخطبة.
ويعتبر في الخطبة، العدد المعتبر (عندنا) 4 في الجمعة.
وعن أبي حنيفة: روايتان.
إحداهما: أنه يعتبر فيها العدد المعتبر عنده في الجمعة.
(والثانية) 5: أنها تصح (فيه) 6 وحده.
ذكر في "الحاوي" أن من أصحابنا من قال: إذا استدبر الناس في حال الخطبة، صحت الخطبة (كالأذان) 1، ثم قال: والذي عليه الجمهور، أنه لا يصح، وفي هذا نظر.
فإن قرأ في حال الخطبة آية سجدة، فنزل وسجد، جاز، فإن طال الفصل، ففيه قولان:
قال في القديم: يبني.
وقال في الجديد: يستأنف.
فإذا فرغ من الخطبة، صلى الجمعة ركعتين 2، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة، سورة الجمعة، وفي الثانية بعد الفاتحة، سورة المنافقين 3.
وقال أبو حنيفة: لا تختص القراءة بسورة دون سورة.
باب (الهيئة) (1) للجمعة (والتبكير) (2) إليها
السنّة: لمن أراد الجمعة، أن يغتسل لها 3.
وقال الحسن البصري: الغسل لها واجب.
والمستحب: أن يكون الغسل لها عند الرواح إليها.
ووقت جوازه، من طلوع الفجر الثاني 4.12
وقال مالك: لا يصح الغسل للجمعة إلا عند الرواح إليها 1.
وقال الأوزاعي: يصح الغسل لها قبل طلوع الفجر.
وفي الساعة الأولى التي عفق عليها الفضيلة (في التبكير) 2 اختلاف.
فقيل: من حين طلوع الفجر.
وقيل: من حين طلوع الشمس.
(فإن) 3 أرادت المرأة حضور الجمعة، استحب لها (الغسل) 4.
وقال أحمد: لا يستحب لها الغسل وإن حضرت 5.
(وقال) 6 أبو ثور: (يستحب) 7 الغسل يوم الجمعة لمن حضرها، ومن لم يحضرها، كما يستحب في يوم العيد.
ومن أصحابنا من قال: غسل الجمعة سنة لمن لزمه حضور الجمعة، ومن لا يلزمه حضورها لا يسن له.
وإن كان من أهلها، غير أنه منعه من فعلها العذر، (ففيه) 1 وجهان:
أحدهما: لا يسن له.
والثاني: يسن (له) 2.
والصحيح: تعلق ذلك بالحضور دون لزومه.
فإن اغتسل يوم الجمعة، وهو جنب، ينوي الجمعة والجنابة، أجزأه عنهما.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يجزئه عن واحد منهما، فإن نوى بغسله الجمعة أو العيد، لم يجزه عن الجنابة، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه، ولا يجزئه عن الوضوء أيضًا.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وفي هذا نظر، وهل يجزئه للجمعة (أو العيد) 3؟ فيه قولان:
وحكي عن جماعة من أصحاب مالك: أنه يجزئه عن الجنابة على ما تقدم ذكره.
فإن نوى غسل الجنابة يوم الجمعة، فهل يجزئه عن غسل الجمعة؟
نقل المزني رحمه اللَّه: أنه يجزئه.
وقال في الإملاء: لا يجزئه.
فإن دخل رجل والإِمام على المنبر، صلى تحية المسجد، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكره (له) 1 ذلك.
وفي وجوب الإِنصات (للإِمام) 2 قولان:
قال في القديم: هو واجب، والكلام حرام في حال الخطبة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك وأحمد.
وقال في الجديد: هو مستحب، وهو قول الثوري، فإذا قلنا: الكلام (حرام) 3، فالقريب ينصت، والبعيد يشتغل بذكر اللَّه، أو قراءة (القرآن) 4.
وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه وجهًا آخر: أن البعيد أيضًا يسكت، وهو قول أبي حنيفة، فإن سلم عليه رجل، أو عطس، فإن قلنا: الإِنصات مستحب، ردّ السلام، وشمّت العاطس، وإن قلنا: الإِنصات واجب، لم يرد السلام، ولم يشمت العاطس.
وقيل: لا يرد السلام، ويشمت العاطس، وليس بشيء.
(إذا) 5 دخل جماعة على واحد فسلم (بعضهم، سقط) 6
كراهة ترك السلام في حق الباقين، وكان أصل السلام في حقهم سنة على الكفاية، كما أن ردّ السلام فرض على الكفاية، وهذا ليس بصحيح، فإنا ما رأينا سنة على الكفاية، ورأينا فرضًا على الكفاية وفيه فائدة.
وإن سلم على جماعة فيهم صبي، فرد الصبي وحده السلام، فقد قيل: إنه لا يسقط به فرض الرد.
(قال الشيخ الإِمام) 1: وعندي: أنه يصح رده، ويسقط به الفرض، كما يصح أذانه للرجال.
(فإن) 2 سلم الصبي على رجل، فهل يجب عليه الرد؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يجب، وبناه على صحة إسلامه، وهذا بناء فاسد.
وذكر أيضًا القاضي حسين رحمه اللَّه: إذا إلتقى رجلان، فقال كل واحد منهما لصاحبه السلام عليكم (إما دفعة) 3 واحدة، أو أحدهما بعد الآخر، كان كل واحد منهما مسلمًا على الآخر، مستحقًا للجواب عليه، وهذا فيه نظر.
(لأن) 4 هذا اللفظ يصلح للجواب، فإذا كان بعده، كان جوابًا، وإذا وقعا دفعة واحدة، لم يكن أحدهما جوابًا للآخر.