حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ط الرسالة الحديثةصفحات 228-267

1 ..................................

.................................. = إلَّا اللَّه... " وذكر فيها الحج، وروى مسلم بإسناده، عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: (خطبنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا أيها الناس: قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه، فسكت حتى قالها ثلاثًا فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" مسلم 9/ 100، 101. وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع فى العمر مرة واحدة.
فضائل الحج: أسوق بعض الأدلة على فضائل الحج منها:

  • قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
  • وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: "سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان باللَّه ورسوله، قل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور" رواه البخاري ومسلم، "فتح الباري" 4/ 124.
  • وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" رواه البخاري ومسلم، "فتح الباري" 4/ 125. وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: "قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور، ليس له جزاء إلا الجنة" رواه البخاري، و"مسلم" 9/ 118، والمبرور: الحج الذي لا معصية فيه.
  • وعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: "قلت يا رسول اللَّه، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل من الجهاد حج مبرور" رواه البخاري، "فتح الباري" 9/ 125.
  • وعن عائشة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "وما من يوم أكثر من أن يعتق اللَّه فيه عبدًا يوم عرفة" رواه مسلم، "مسلم" 9/ 117.
  • وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة -أو حجة معي-" رواه البخاري ومسلم، "فتح الباري" 4/ 353.

الحج ركن من أركان الإِسلام، وفي العمرة قولان 1. قال في الجديد: هي واجبة (وهو) 2 قول الثوري وأحمد 3. وقال في القديم: ليست واجبة، وهو قول أبي حنيفة ومالك 4.

ولا تجب في العمر إلَّا حجة واحدة وعمرة واحدة 1. = بوقت، وتتأدى بنية غيرها كما في فأنت الحج، وهذه أمارة النفلية، "الهداية" مع البابرتي و"فتح القدير" 2/ 306، وقالت المالكية: العمرة سنة كفاية، وهي أفضل من الوتر" الشرح الكبير للدردير: أنظر "الدسوقي على الشرح الكبير" 2/ 2.

وحكي عن بعض الناس: أنه قال: يجب في كل سنة مرة، ولا يثبت ذلك وهو خلاف النص.
ومن حج حجة الإِسلام (واعتمر) 1 وأراد دخول الحرم للتجارة، أو زيارة، لم يجز إلَّا بإحرام لحجة أو عمرة في أشهر القولين 2. وقال أبو حنيفة: لا يجوز لمن وراء الميقات أن يدخل الحرم إلَّا محرمًا، سواء كان لقتال أو لغيره، ومن دون الميقات، يجوز له أن يدخل بغير إحرام.
وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: لا يدخل أحد الحرم إلَّا محرمًا، ورخص للحطابين، فأما البريد.
فمن أصحابنا من قال: إنه مثل الحطابين.
ومنهم من قال: فيه وجهان: ولا يجب الحج والعمرة إلَّا على مسلم بالغ، عاقل، حر، مستطيع = الحجة، ويؤيد هذا ما ثبت عن ابن عباس قال: "واللَّه ما أعمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن وإن دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر وبرأ المدبر، ودخل صفر، فقد حلت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يحرمون العمرة، حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم" هذا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح بلفظه، ورواه البخاري في صحيحه مختصرًا فذكر بعضه، أنظر "سنن أبي داود" 1/ 458.

(فأما) 1 الكافر فلا يجب عليه 2 إلَّا أن يكون مرتدًا، فتوجد الإستطاعة في حقه في حال الردة، فيجب عليه، فإذا أسلم فعليه.
وقال أبو حنيفة: إذا ارتد عن الإسلام، يطل ما كان قد فعله من حجة الإسلام، (فإذا) 3 عاد إلى الإِسلام، اعتبرت الاستطاعة في وجوبها بعد ذلك.
فإن أحرم ثم ارتد، لم يبطل إحرامه في أحد الوجهين، فإذا أسلم بنى عليه.
والصبي لا يجب عليه الحج، ويصح إحرامه به بإذن وليه إذا كان يعقل ويميز، ولا يصح بغير إذنه في أصح الوجهين 4.

وما يجب عليه من كفارة بارتكاب محظور في مال وليه 1 في أحد القولين، وبقولنا قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه بالحج 2. فإن كان لا يعقل ولا يميز أحرم عنه وليه، فإن أحرمت عنه أمه، صح في قول أبي سعيد الإِصطخري، وعلى قول غيره لا يصح، (وإن) 3 أحرم عنه أخوه، أو عمه بغير إذن وليه، لم يصح في أحد الوجهين.
وما لا يقدر الصبي أن يفعله، فعله وليه عنه، فيرمي عنه، ويطوف به، فإن لم يكن الولي قد طاف عن نفسه فطاف به، (فهل) 4 يقع عنه؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يقع عن الصبي.
والثاني: أنه يقع عنه.
فإن وطيء في الحج، وقلنا: يفسد إحرامه، فهل يجب القضاء؟ فيه قولان:

  • فإن قلنا: يجب القضاء، فهل يصح قضاؤه قبل بلوغه؟ فيه قولان:

أحدهما: لا يصح، وهو قول مالك وأحمد، والشيخ أبو حامد في ذلك وجهين: فأما النفقة، في زاد على نفقة الحضر، فيه قولان: أحدهما: في ماله.
والثاني: في مال الولي، فإن قلنا: يجب عليه القضاء عند الإِفساد، فهل يجزيه عن حجة الإِسلام؟ ينظر فيه، فإن كان على صفة لو صحت لاجزائه عن حجة الإِسلام وقد بلغ فيها، أجزأه القضاء (عنهما) 1 وذلك بأن يكون قد بلغ قبل الوقوف، وإن كان قد بلغ بعد الوقوف، فلو صحت، لم تجزه عن حجة الإِسلام، فلا يجزيه القضاء عنها.
وأما المجنون، فلا يجب عليه ولا يصح منه ولا عنه 2، والمغمى عليه لا يصح منه ولا يحرم عنه غيره، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يحرم عنه رفيقه، فيصير محرمًا بإحرامه استحسانًا 3. فإن أذن المولى لعبده في القران والتمتع، وقلنا: يملك المال، فهل يكفر بالهدي؟ فيه قولان: أحدهما: يجب الهدي في مال السيد.

والثاني: يجب عليه الصوم إذا كان عليه دين لا يفضل عنه ما يمكنه الحج به، لم يجب عليه (الحج) 1 حالًا (كان) 2 أو مؤجلًا.
وحكي في "الحاوي": أن الدين المؤجل إذا كان يحل بعد عوده، هل يمنع وجوبه؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه يمنع.
فإن وجد الزاد والراحلة لذهابه، ولم يجد لرجوعه، ولم يكن له أهل في البلد، ففي وجوب الحج عليه وجهان: فإن كان معه مال يحتاج إليه في بضاعته يتجر بها ليحصل له بها ما يقوم به، أو ضيعة تقوم غلتها بكفايته، ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه بيعها، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: لا يلزمه بيعها، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وهو قول أبي العباس بن سريج، وهو الأظهر.
فإن (لزمته) 3 في الطريق خفارة 4، لم يجب عليه الحج.
وقال مالك: إذا كانت يسيرة (لا تجحف) 5 وأمن الغدر لزمه.
فإن احتاج إلى المسكن ليسكنه، لم يلزمه بيعه في الحج.

وذكر الشيخ أبو حامد: أنه يلزمه بيعه للحج.
فإن كان معه (مال) 1 يكفيه للحج، أو لثمن مسكن (وهو) 2 محتاج إليه، فله أن يشتري به مسكنًا يسكنه، ويؤخر الحج على الوجه الأول، وعلى الوجه الثاني يلزمه صرفه في الحج.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: لا يبيع المسكن ولا يشتري مسكنًا إذا كان معه شيء من النقود (بل) 3 يصرفه في الحج.
فإن لم يجد زادًا ولا راحلة، وقدر على المشي، وله صنعة يكتسب بها ما يكفيه لنفقته، أستحب له أن يحج، وإن كان يحتاج إلى مسألة الناس، كره له الحج.
وقال مالك: يجب عليه أن يحج بالكسب.
فإن استؤجر للخدمة في طريق الحج وحج أجزأه، وكذا إذا غضب مالًا وحج به، أو حمولة وحج عليها.
وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه في جميع ذلك.
وإن لم يكن له طريق إلَّا في البحر: (فقد قال في "الأم": لا يجب عليه.
وقال في "الإملاء": إن كان أكثر معاشه في البحر) 4، لزمه.

فمن أصحابنا من قال: فيه قولان 1. ومنهم من قال: إن كان الغالب منه السلامة، لزمه، وإن لم يكن الغالب منه السلامة، لم يلزمه، وهو قول أبي حنيفة، وقول أبي إسحاق المروزي وظاهر قوله في "الأم".
ومنهم من قال: إن كان له عادة بركوبه، لزمه، وإن لم يكن له عادة بركوبه، لم يلزمه 2. وقيل: فيه طريقة أخرى، إنه إن كان الغالب منه الهلاك، لم يلزمه، وإن كان الغالب منه السلامة، ففيه قولان: وأما المرأة فلا يجب عليها الحج حتى يكون معها من تأمن معه على نفسها من محرم، أو زوج أو نساء ثقات، أو امرأة واحدة.
وروى الكرابيسي: أنه إذا كان الطريق آمنًا، جاز من غير نساء، وهو الصحيح 3.

وقال أبو حنيفة: لا يجب عليها الحج إلَّا بشرط المحرم، أو الزوج 1، واختلف (أصحابه) 2 في تخلية الطريق، وإمكان المسير، وهل هو شرط في الوجوب أم لا؟ وقال أحمد: تخلية الطريق، وإمكان المسير شرط في الأداء دون الوجوب.
فإن كان له إلى مكة طريقان: أحدهما أقرب، فيه عدو، والبعيد لا عدو فيه، لزمه قصد الأبعد.
وقيل: لا يجب (قصده) 3. والمستطيع بغيره اثنان: أحدهما: أن يكون عاجزًا عن الحج بنفسه لزمانه، أو مرض ميئوس منه ومعه مال يدفعه إلى من يحج عنه، فإنه يلزمه الحج إذا وجد من (يستأجره) 4 على فعله فإن لم يفعل استقر فرضه في ذمته، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد.
= لترين الظعينة، ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا اللَّه تعالى، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا اللَّه" هذا اللفظ رواية البخاري مختصرًا، وهو بعض من حديث طويل، "فتح الباري" 7/ 423.

وقال مالك: ولا يجب عليه الحج بذلك، وإنما يجب (عليه الحج) 1 إذا كان مستطيعًا بنفسه خاصة.
(وإذا) 2 استأجر من يحج عنه، فحج عنه، وقع الحج عن المحجوج عنه.
وقال أبو حنيفة: يقع عن الحاج، (وللمحجوج) 3 عنه ثواب النفقة في إحدى الروايتين، وهي رواية محمد عنه، غير أنه يضيف التلبية إليه، ورواية الأصل (مثل) 4 قولنا.
(وإذا) 5 وجد الأعمى من يقوده، ويهديه الطريق، لزمه الحج بنفسه ولا يجوز له الاستنابة فيه، وبه قال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: في أصح الروايتين عنه، يجوز الاستنابة (فيه) 6. والثاني من المستطيع بغيره: أن يكون عاجزًا عن الحج بنفسه ولا مال له، وله ولد يطيعه إذا أمره بالحج عنه، وكان الولد مستطيعًا في نفسه، وجب عليه الحج بسببه، وإن كان ولده غير مستطيع في نفسه بالزاد والراحلة، فهل يجب على الأب الحج بطاعته؟ فيه وجهان:

أظهرهما: أنه لا يجب 1. والاعتبار في الطاعة، بطاعة من يطيعه لو أمره بالحج، وثقته بإجابته له إلى ذلك، ولا يقف على بذل (المطيع) 2. وذكر فيه وجه آخر: أنه لا يجب عليه باعتقاده ما لم يبذله له.
وقال أصحاب أبي حنيفة: الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة أنه لا يجب عليه الحج ببذل الطاعة، وبه قال أحمد.
ولا فرق في وجوب الحج بطاعة من يثق بطاعته، بين أن يكون ولدًا، وبين أن يكون أجنبيًا في أصح الوجهين 3. فإن بذل له ولده مالًا، يدفعه إلى من يحج عنه، ولم يبذل له الحج بنفسه، فهل يلزمه قبوله؟ فيه وجهان في الصحيح إذا (بذل) 4 له ولده المال للحج بنفسه.
وحكي في "الحاوي" وجهًا آخر: أنه إن كان الباذل للمال له أجنبيًا، لم يجب عليه قبوله للحج به، وإن كان ولدًا، لزمه قبوله والحج به.

وإن كان له ولد يطيعه في الحج عنه غير أنه لم يعلم بحاله، هل يجب عليه الحج به؟ ذكر في التعليق: أنه بمنزلة أن يكون له مال (لا يعلم) 1 به، بأن يموت موروثه.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: ولم يذكر حكمه.
قال: وعندي: أن هذا يجري مجرى من نسي الماء في رحله (أو لم) 3 يعلم بكونه في رحله، هل يسقط الفرض عنه؟ فيه قولان: (قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) (3): وأقرب من هذا في البناء عندي، إذا ورث مالًا ولم يعلم هل يجب عليه الزكاة فيه لما مضى من الأحوال بعد موته؟ فيه قولان كالضال والمغصوب، فإن امتنع الأب من الإِذن لولده في الحج، هل يقوم الحاكم مقامه في الإِذن عنه؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه لا يقوم مقامه.
وهل يجب الحج على الولد ببذل الطاعة عن أبيه؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه لا يجب عليه (الحج) 4 وإن وجب على الأب بسببه.2

فصل

والمستحب لمن وجب عليه الحج، أن يبادر إِلى فعله 1، فإن أخره جاز، وبه قال محمد بن الحسن 2. وقال مالك وأحمد وأبو يوسف: يجب على الفور، وكان أبو الحسن الكرخي يقول: مذهب أبي حنيفة أنه على الفور 3. فإن مات قبل فعل الحج، فهل يأثم؟

من أصحابنا من قال: إن ظهر له أمارات العجز أثم بالتأخير، وإن مات فجاة قبل أن يظهر له أمارات العجز، لم يأثم.
ومنهم من قال: يأثم أيضًا، وقد اختلفوا في وقت الإِثم.
فقال أبو إسحاق: يأثم في السنة التي فاته الحج بالتأخير عنها.
وقال غيره: تبين أنه يمضي بالتأخير عن السنة الأولى في الإِمكان.
وبنى القاضي حسين على ذلك: سقوط شهادته (ونقض) 1 الحكم، وذلك بناء فاسد، لأنه مختلف فيه.
ومن وجب عليه الحج (فلم يحج) 2 حتى مات قبل التمكن من الأداء، سقط عنه فرضه.
وقال أبو يحيى البلخي: يجب عليه القضاء، وأظهر له أبو إسحاق نص الشافعي رحمه اللَّه فرجع عنه.
وإن مات بعد التمكن، وجب قضاؤه من رأس ماله 3. وقال أبو حنيفة: يسقط بالموت، إلَّا أن يوصي به، فيحج عنه من ثلثه، وبه قال مالك، ويجوز (النيابة) 4 في حج الفرض في موضعين:

في حق الميت 1، وفي حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة 2، وفي حج التطوع قولان: أصحهما: أنه لا يجوز النيابة فيه.
والثاني: يجوز، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، فإن قلنا: لا تجوز الاستنابة فاستأجر من حج عنه، وإلَّا (فالإجارة) 3 فاسدة، فإذا حج وقع الحج عن نفسه، وهل يستحق أجرة المثل؟ فيه قولان 4: وأما الصحيح الذي يقدر على الثبوت على الراحلة، فلا يجوز له الاستنابة في الحج 5. وقال أبو حنيفة: يجوز له ذلك في حج التطوع.

وأما المريض، فإن لم يكن ميؤسًا منه، لم يجز له أن يستنيب فيه، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز له ذلك (وكذا المحبوس) 1، ويكون الأمر موقوفًا، فإن (برأ من مرضه) 2 وخلي سبيله، وجب عليه فعله، وإن مات، أجزأه.
فإن استناب من يحج عنه ومات منه، أو صار مأيوسًا منه، فهل يجزئه عن فرضه؟ فيه قولان، فإن كان مرضًا مأيوسًا منه، فإنه يجوز أن يستنيب فيه.
(فإذا) 3 استأجر من يحج عنه، فحج (عنه) 4، ثم برىء من مرضه، ففيه طريقان: أحدهما: أنه على ما ذكرناه من القولين، ومن أصحابنا من بنى ذلك على القولين فيه.
والطريق الثاني 5: أنه لا يجزئه قولًا واحدًا.
إذا استأجر المعضوب من يحج عنه، فأحرم بالحج عنه ثم نقله إلى نفسه، لم ينتقل ووقع عن المحجوج عنه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان:

فإن شرع في حج التطوع، ثم نذر حجًا، فإن كان قبل الوقوف، فهل ينصرف إلى النذر؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه ينصرف إليه.
والثاني: لا ينصرف.
وأصله الصبي إذا أحرم بالحج ثم بلغ قبل الوقوف، هل يجزئه عن حجة الإِسلام؟ فيه وجهان: قال القاضي حسين: فيتفرع على هذا إذا شرع في الحج عن الغير، ثم نذر حجًا قبل الوقوف، فإنه يبني على النفل.

  • فإن قلنا: هناك لا ينصرف إلى (النذر) 1 فها هنا أولى.
  • وإن قلنا: هناك ينصرف، فها هنا وجهان.
    ولا يحج عن الغير من لم يسقط فرض الحج عن نفسه 2، فإن أحرم بالحج عن غيره وعليه فرض، انصرف إلى نفسه، وبه قال أحمد 3.

وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا ينعقد إحرامه عن نفسه، ولا عن غيره.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز أن يحج عن غيره وعليه فرضه.
وقال الثوري: إن كان قادرًا (على أن يحج) 1 عن نفسه، لم يجز أن يحج عن غيره، وإن لم يكن قادرًا على أن يحج عن نفسه، جاز أن يحج عن غيره.
فإن قال له: (أنا صرورة) 2 فقال: قد علمت، ويجوز عندي استئجار الصرورة في الحج، فاستأجره فحج عنه، (وقع) 3 عن نفسه، ولم يقع عنه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه (وجهان) 4 (بناء عليه) 5، إذا أحرم عن غيره ثم صرفه إلى نفسه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان 6.

ولا يجوز أن يتنفل بالحج وعليه فرضه، ولا أن يحج عن النذر وعليه فرض حجة الإسلام، فإن أحرم عن ذلك انصرف إلى ما عليه من فرض حجة الإسلام، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: ينعقد إحرامه بما قصده من النذر والتطوع.
فإن كان عليه حجة نذر وحجة الإسلام 1، فاستأجر رجلين يحجان عنه في سنة واحدة أجزأه، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه 2. ومن أصحابنا من قال: لا يجزئه، وليس بشيء.
إذا كان قد حج ولم يعتمر (فاستؤجر) 3 على الحج والعمرة عن غيره، فقرن بين الحج عن غيره والعمرة، وقعا عنه دون غيره.
قال في "الجامع": لو كان حج عن نفسه ولم يعتمر، فحج عن غيره واعتمر، أجزأه الحج دون العمرة.
قال المزني: هذا غلط، لأن الإِحرام قد صار واحدًا.
قال أصحابنا: لم يرد الشافعي رحمه اللَّه إذا قرن بينهما، وإنما أراد إذا أتى بالحج، ثم أتى بالعمرة بعده.
ذكر القاضي حسين: أن ما ذكرناه قوله الجديد.
وقال في القديم: لو استأجر رجل ليحج عن ميت، فحج واعتمر جاز، يعني عن الميت، ثم حكى فيه طرقًا.

أحدها: أن المسألة على قولين: أحدهما: أنهما يقعان عن الفاعل.
والقول الثاني: أنه يقع الحج عن المستأجر، والعمرة عن نفسه.
الطريق الثاني: أن المسألة على قول واحد.
وقوله في القديم: لو استؤجر عن ميت، فحج واعتمر ولم يكن صرورة في واحدة منهما، وقعا جميعًا عنه، وصار متطوعًا بالعمرة عنه.
ومن أصحابنا من قال: إذا استؤجر على الحج، فحج عن الرجل واعتمر قرانًا، فالحج عن الأجير (الآمر) 1، والعمرة: إما أن يقال لا حكم لها، أو يقال: إنها تابعة للحج ويقع عنه، ولكن لا يسقط بها الفرض.
وإن استأجره ليعتمر عنه، فقرنها الأجير، وقعا عن الفاعل، لأن الحج هو الأصل، والعمرة تبع، والصحيح: هو الأول، وما ذكره عن القديم (ليس) 2 بصريح في القرآن.
فإن مات وعليه حجة الإسلام، فتطوع وارثه، وحج عنه، أجزأه، وإن حج أجنبي عنه بغير إذنه، ففيه وجهان: وكذا الوجهان في المعضوب، وخالف القاضي حسين رحمه اللَّه في ذلك وفرق بينهما.

فصل

ولا يجوز الإحرام بالحج إلَّا في أشهر الحج 1، وهو: شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة، وعشر ليال مع ليلة النحر 2، وهو قول أبي ثور، وأبي يوسف.
وقال أبو حنيفة: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، فأدخل يوم النحر في الجملة، وبه قال أحمد 3.

وقال مالك: أشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فإن أحرم قبل أشهر الحج، لم ينعقد، وانعقد بعمرة.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أن الشافعي نص في القديم، أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره تحلل منه بعمرة، كما لو فاته الحج، فحصل فيه قولان: أحدهما: أنه ينعقد عمرة، فيجزئه عن عمرة الإِسلام.
والثاني: أنه يتحلل بعمل عمرة، فلا يجزئه عن عمرة الإِسلام) 1. وقال أبو حنيفة وأحمد ومالك: يكره الإِحرام بالحج قبل أشهره، فإن أحرم، انعقد حجه.
وحكي عن داود أنه (قال) 2: لا ينعقد بشيء.
ولا يكره فعل العمرة في شيء من السنة 3، وبه قال أحمد.
= الحج، وعند الشافعية ليس من أشهر الحج، وإجماع العلماء: على أن أول وقت أشهر الحج، شوال، وإنما اختلفوا في آخرها، "المجموع" 7/ 132.

وقال أبو حنيفة: يكره في خمسة أيام في السنة، يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.
وقال أبو يوسف: يكره في أربعة أيام، يوم النحر، وأيام التشريق.
ويستحب الإكثار من العمرة.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يعتمر في السنة إلَّا مرة، وبه قال ابن سيرين.
الإفراد، والتمتع 1، أفضل من القران، وفي الإِفراد والتمتع قولان: = فبلغ ذلك عائشة فقالت: يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة قط إلا وهو شاهد، وما اعتمر قط في رجب" رواه البخاري ومسلم، "فتح الباري" 4/ 349. وعن البراء: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اعتمر في ذي العقدة" رواه الترمذي والبخاري "فتح الباري" 4/ 351، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة" قال النووي رحمه اللَّه: ولا يكره عمرتان، وثلاث وأكثر في السنة الواحدة، ولا في اليوم الواحد بل يستحب الإِكثار منها بلا خلاف عندنا"، "المجموع" 7/ 134.

..................................12345 = ليس معه عمرة" رواه البخاري ومسلم، أنظر صحيح البخاري 1: 272 وأنظر السنن الكبرى 5: 3. الثاني: أن التمتع أفضل، لما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: "تمتع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج" رواه البخاري ومسلم، "أنظر صحيح البخاري 1: 273 وأنظر السنن الكبرى 5: 17. الإِحرام عند الشافعية على خمسة أنواع: الإِفراد، والتمتع، والقرآن، والإِطلاق وهو أن يحرم بنسك مطلقًا، ثم يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، أو كليهما، والتعليق، وهو: أن يحرم بإحرام كإحرام زيد، وهي جائزة بلا خلاف عند الشافعية.
مذاهب العلماء في الأفضلية بين الأفراد والتمتع والقران:

.................................. = النساء وهن منكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فكنت أسمعه يلبي بالحج" رواه البيهقي بإسناد صحيح، "البيهقي" 5/ 9، وفي رواية لمسلم أيضًا عن ابن عمر قال: "أهللنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحج منفردًا".

  • عن عطاء عن جابر بن عبد اللَّه قال: "أهل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هو وأصحابه بالحج" رواه البخاري ومسلم، "أنظر صحيح البخاري 1: 272 وفي رواية لمسلم أيضًا عن جابر قال: أهللنا أصحاب محمد صلى اللَّه عليه وسلم بالحج خالصًا وحده، فقدمنا صبح رابعة من ذي الحجة فأمرنا أن نحل".
    وفي "صحيح مسلم" أيضًا عن جابر في حديث طويل قال: "خرجنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لمناسك الحج -وذكر الحديث إلى أن قال- حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليتحلل وليجعلها عمرة"، "مسلم" 8/ 178. قال الشافعي: وثبت أنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خرج ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو فيما بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه أن من كان منهم أهل بالحج -ولم يكن معه هدي- أن يجعلها عمرة وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة"، "البيهقي" 5/ 6.
  • عن ابن عباس: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج" رواه مسلم، "أنظر صحيح مسلم" 8: 143. وروى البيهقي بإسناده عن علي رضي اللَّه عنه أنه قال لابنه "يا بني أفرد بالحج فإنه أفضل"، "البيهقي" 5/ 5. ثانيًا: التمتع:
  • عن ابن عمر قال: "تمتع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول =

.................................. = اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مكة قال للناس: من كان منكم أهدي، فإنه لا يحل من شيء حتى يقضي حجته، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا وبالمروة، وليقصر ويتحلل، ثم ليهل بالحج ويهد، فمن لم يجد هديًا، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وطاف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم أسلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه، حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من هدي، وساق الهدي مع الناس" رواه البخاري ومسلم "السنن الكبرى" للبيهقي 5/ 17. وأنظر صحيح مسلم 8: 208 - 209.

  • وعن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "تمتع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج، وتمتع الناس معه"، قال الزهري: مثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، رواه البخاري ومسلم.
  • وعن محمد بن عبد اللَّه بن الحارث "أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك ابن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع والعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع مثل هذا إلَّا من جهل أمر اللَّه تعالى فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، قال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وصنعناها معه" رواه الترمذي والبيهقي وقال: حديث صحيح، "الترمذي" 3/ 176، و"البيهقي" 5/ 17.
  • وعن أبي موسى الأشعري قال: "بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى قومي باليمن، فجئت وهو منيخ بالبطحاء فقال: بم أهللت؟ فقلت أهللت كإهلال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: هل معك من هدي؟ قلت: لا فأمرني فطفت بالبيت والصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني -أو غسلت رأسي-" رواه البخاري ومسلم، "فتح الباري" 4/ 161.
  • وعن سالم بن عبد اللَّه: "أنه سمع رجلًا من أهل الشام سأل ابن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال ابن عمر: هي حلال، قال الشافعي: إن أباك قد نهى عنها، قال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول =

.................................. = اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: لقد صنعها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" رواه الترمذي بإسناد صحيح، "الترمذي" 3/ 176. ثالثًا: القران:

  • عن سعيد بن المسيب قال: "اختلف علي وعثمان وهما بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المنعة أو العمرة فقال علي ما تريد إلا أن تنص من أمر فعله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال عثمان: دعنا منك، فقال: أني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعًا" رواه البخاري، ومسلم، من حديث شعبة، أنظر صحيح البخاري 1: 274، وأنظر السنن الكبرى للبيهقي: 5: 22.
  • عن أنس قال: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يلبي بالحج والعمرة جميعًا، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر فقال: لبي بالحج وحده، فلقيت أنسًا فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبيانًا، سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: لبيك عمرة وحجًا"، "البيهقي" 5/ 9.
  • وعن عمر رضي اللَّه تعالى عنه قال: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول بوادي العقيق: أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، قال: عمرة في حجة" رواه البخاري جـ 1/ 267 وأنظر "البيهقي" 5/ 13. هذه معظم الأحاديث التى استدل بها أنصار كل من الأفراد والتمتع والقران، وهي أحاديث صحيحة، وهذه الأحاديث رويت عن الصحابة في حج واحد، وهي حجة الوداع.
    فمنهم من روى أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان في حجة الوداع مفردًا، (ومنهم) من روى أنه كان قارنًا.
  • (ومنهم) من روى أنه كان متمتعًا - وكله في الصحيح وهي قصة واحدة، فيجب تأويل جميعها ببعضها والجمع بينها.
    يقول النووي رحمه اللَّه: والصواب الذي نعتقده أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحرم أولًا بالحج مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنًا، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصح لا يجوز لنا، وجاز للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تلك السنة للحاجة، وأمر به في قوله: "لبيك عمرة في حجة".
    =

.................................. = فإذا عرفت ما قلناه سهل الجمع بين الأحاديث.

  • فمن روى أنه كان قارنًا، أراد أنه اعتمر آخره، وما بعد إحرامه.
  • ومن روى أنه كان متمتعًا أراد التمتع اللغوي، وهو الإنتفاع والإلتذاذ، وقد انتفع بأن كفاه عن النسكين فعل واحد، ولم يحتج إلى إفراد كل واحد بعمل، ويؤيد هذا الذي ذكرته: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يعتمر تلك السنة عمرة مفردة، لا قبل الحج ولا بعده، "المجموع" 7/ 150، 151. والذي أراه أن الإِفراد أفضل وقد رجحه الشافعي والأصحاب وغيرهم بأشياء:
  • منها: أن الأكثر في الروايات الصحيحة في حجة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
  • ومنها: أن رواته أخص بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذه الحجة، فإن منهم: جابرًا، وهو أحسنهم سياقًا لحجة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنه ذكرها من أول خروجه -صلى اللَّه عليه وسلم- من المدينة إلى فراغه وذلك مشهور في صحيح مسلم وغيره، وهذا دليل على ضبطه لها واعتنائه بها.
    ومنهم: ابن عمر، فقد قال: كنت تحت ناقة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسني لعابها أسمعه يلبي بالحج.
    ومنهم: عائشة وقربها من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- معروف وإطلاعها على باطن أمره وفعله في خلوته وعلانيته مع فقهها وعظم فطنتها.
    ومنهم: ابن عباس، وهو بالمحل المعروف من الفقه والفهم الثاقب، مع كثرة بحثه وحفظه أحوال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- التي لم يخفها، وأخذه إياها من كبار الصحابة.
    ومنها: أن الخلفاء الراشدين رضي اللَّه عنهم بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أفردوا الحج، وواظبوا عليه، كذلك فعل أبو بكر وعمر وعثمان، واختلف فعل علي رضي اللَّه عنهم أجمعين، وقد حج عمر بالناس عشر حجج مدة خلافته كلها مفردًا، ولو لم يكن هذا هو الأفضل عندهم، وعلموا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حج مفردًا، لم يواظبوا على الإِفراد مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإِسلام، ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، وكيف يظن بهم المواظبة على خلاف فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ أو أنهم خفي عليهم جميعهم فعله -صلى اللَّه عليه وسلم-.

أحدهما: أن الإِفراد أفضل وبه قال مالك.
والثاني: أن التمتع أفضل وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: القران أفضل من الإِفراد والتمتع، وهو اختيار المزني، وأبي إسحاق المروزي، فإن أدخل العمرة على الحج ففيه قولان: أحدهما: أنه يجوز قبل الوقوف، وهو قول أبي حنيفة، وهل يجوز بعد الوقوف؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز ما لم يأخذ في التحلل.
والقول الثاني: قاله في الجديد: إنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج، وبه قال أحمد، فإن أدخل الحج على العمرة بعد الطواف، لم يجز.
قيل: لأنه أتى بالمقصود.
وقيل: لأنه قد أخذ في التحلل.
ومن أصحاب مالك من قال: يجوز له ذلك ما لم يركع بعد الطواف، ويكره له بعد الطواف وقبل الركوع، فإن فعل لزمه ذلك، (وبعد الركوع يفوته القران) 1، سعى أو لم يسع.
وقيل: له ذلك ما بقي عليه من السعي (شيء، فإذا فرغ من السعي) 2 فاته القران وإن كان قد بقي عليه الحلاق.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: في وقت إدخال العمرة على الحج

أربعة أوجه بناء على أربعة معان في المنع من إدخال الحج على العمرة إذا شرع في الطواف.
أحدها: أنه أتى بشيء من أفعال العمرة، فعلى هذا إذا طاف للقدوم في الحج، لم يجز له إدخال العمرة عليه.
والثاني: أنه أتى بفرض من فرائض العمرة، فعلى هذا إذا سعى عقب طواف القدوم في الحج، لم يجز له إدخال العمرة عليه.
والثالث: أنه أتى بمعظم أفعال العمرة، فعلى هذا إذا أتى بالوقوف، لم يدخل العمرة على الحج.
الرابع: أنه أخذ في أسباب التحلل، فعلى هذا يجوز إدخال العمرة على الحج بعد الوقوف ما لم يأخذ في التحلل، والصحيح ما قدمناه.
فإن أحرم بالعمرة وأفسدها، ثم أدخل عليها الحج، انعقد إحرامه بالحج فاسدًا في أحد القولين.
والثاني: أنه لا ينعقد إحرامه (بالحج) 1. ويجب على المتمتع دم 2، وعلى القارن دم، وذلك شاة.
وقال داود: لا دم على القارن، ويروى عن طاوس.
وحكي عن الشعبي أنه قال: يجب على القارن بدنة.
ويجب دم التمتع بخمس شروط.
أحدها: أنه يعتمر في أشهر الحج، فإن أحرم بالعمرة في رمضان وأتى بأفعالها في أشهر الحج، وحج من عامه، ففيه قولان:

قال في القديم: عليه دم 1. وقال في "الأم": لا دم عليه، وبه قال أحمد (1). وقال مالك: إذا لم يتحلل من العمرة حتى أدخل أشهر الحج، صار متمتعًا.
وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر أفعال العمرة في أشهر الحج، صار متمتعًا.
والشرط الثاني: أن يحج من سنته.
والثالث: أن لا (يعود) 3 لإِحرام الحج إلى الميقات، ويحرم به من جوف مكة، فإن عاد وأحرم بالحج من الميقات، فلا دم عليه، وإن أحرم بالحج من مكة ثم عاد إلى الميقات قبل أن يتلبس بنسك، فهل يسقط عنه الدم؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط.
والثاني: لا يسقط، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط عنه حتى يعود إلى بلده.
فإن خرج من مكة وأحرم بالحج من الحل ولم يعد إلى مكة.
قال أصحابنا: يجب عليه دم آخر غير دم التمتع.
(قال) 4 الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذا فيه نظر، لأن دم2

التمتع إنما وجب لترك الإِحرام من الميقات، فلا يجب بسببه دم آخر.
فإن خرج من مكة (وأحرم) 1 بالحج من الحرم ومضى إلى عرفه، فهل يجب عليه دم آخر؟ فيه قولان: وقيل وجهان.
الشرط الرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام 2، (وحاضروا المسجد الحرام) 3: أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وبه قال أحمد.
وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: هم أهل الحرم خاصة، وبه قال مجاهد.
وقال مالك: هم أهل مكة، وأهل ذي طوى.
وقال أبو حنيفة: هم من كان دون المواقيت إلى الحرم.
والخامس: نية التمتع، وفي وجوبها وجهان، وإذا قلنا: يجب 4، ففي وقتها وجهان، كالقولين في وقت نية الجمع بين الصلاتين.
أحد الوجهين: عند الإِحرام بالعمرة.
والثاني: قبل التحلل منها.
ويجب دم التمتع بالإِحرام بالحج، وبه قال أبو حنيفة 5.

وحكي عن عطاء أنه قال: لا يجب عليه الهدي حتى يقف بعرفة.
وعن مالك أنه قال: لا يجب الدم حتى يرمي جمرة العقبة.
وفي وقت جواز إخراجه قولان: أحدهما: أنه لا يجوز قبل أن يحرم بالحج 1. والثاني: أنه يجوز بعد الفراغ من العمرة، وقيل: فيه وجهان.
وذكر القاضي حسين: (أنه) 2 إذا ذبح الهدي بعد الإِحرام بالعمرة وقبل الفراغ منها، فهل يجزئه (حتى يبني) 3 عليه إذا ذبح قبل الإِحرام بالحج وبعد الفراغ من العمرة؟ فإن قلنا: هناك لا يجوز، فها هنا أولى.

  • وإن قلنا: هناك يجوز، فها هنا وجهان.
    وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز ذبح الهدي قبل يوم النحر.
    فإن لم يجد الهدي في موضعه، فإنه ينتقل إلى الصوم، وهو ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ولا يصوم الثلاثة إلَّا بعد الإِحرام بالحج 4. = الدم إنما توجد بوجود الإِحرام بالحج، فوجب أن يتعلق الوجوب به، "المهذب" مع "المجموع" 7/ 178.

وقال أبو حنيفة: إذا أحرم بالعمرة، جاز له صوم الثلاثة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
والرواية الثانية: أنه يجوز له الصوم إذا تحلل من العمرة.
وهل يجوز وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: يجوز وهو قول مالك (وإحدى) 1 الروايتين عن أحد.
ولا يفوت عندنا صوم الثلاثة بفوت يوم عرفة، فيصومها في أحد القولين في أيام التشريق، وعلى قوله الجديد: يصومها بعد ذلك.
وحكي عن أبي العباس بن سريج أنه قال: يجيء فيه قول آخر أنه يسقط بفوات وقته إلى الهدي كما قال الشافعي رحمه اللَّه فيه.
(فإذا) 2 وجب عليه صوم التمتع بالإِحرام بالحج فمات عقيبه، أنه يسقط عنه إلى غير شيء في أحد القولين.
وفي القول الثاني: يسقط إلى الهدي إذا مات، وهذا فاسد في البناء.
وقال أبو حنيفة: يفوته الصوم بخروج يوم عرفة، فيسقط ويستقر عليه الهدي.
ولا يجب عليه بتأخير هذا الصوم أكثر من القضاء عليه.
وقال أحمد: إن أخره لغير عذر، وجب عليه لذلك دم (مع القضاء) 3 وكذلك إذا أخر الهدي من سنة إلى سنة لغير عذر، لزمه دم.

فإن وجد الهدي في صوم الثلاثة، استحب له الانتقال إِليه، وبه قال مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الانتقال إليه، وهو اختيار المزني، وكذلك إذا وجده بعد الفراغ من صوم الثلاثة وقبل يوم النحر، (وإن) 1 وجده بعد ما مضت أيام النحر أجزأه الصوم، وإن لم يكن قد تحلل (بمضي زمان التحلل) 2. وإن وجد الهدي بعد الإِحرام بالحج وقبل الشروع في الصوم، فإنه يبني على الأقوال في الكفارة، وهل يعتبر فيها حال الوجوب أو حال الأداء؟ وأما صوم السبعة، ففي وقته قولان: أصحهما: أن وقته إذا رجع إلى أهله، وهو قول سفيان وأحمد 3. والثاني: نص عليه في "الإملاء": أنه يجوز فعله قبل الرجوع إلى أهله، فعلى هذا في وقت جوازه وجهان: أحدهما: يجوز إذ أخذ في السير خارجًا من مكة 4، فعلى هذا لا يجوز صوم السبعة وهو بمكة وهو قول مالك.
والثاني: يجوز إذا فرغ من الحج سواء كان مقيمًا، أو أخذ في السير، وهو قول أبي حنيفة والحسن، فعلى القول الثاني في الأفضل قولان:

أحدهما: أن الأفضل تقديمه في أول وقته.
والثاني: أن الأفضل تأخيره إلى أن يرجع إلى أهله.
والمستحب أن يأتي بصوم الثلاثة متتابعًا، وكذا صوم السبعة.
وبعض أصحابنا: خرج فيه قولًا آخر من كفارة اليمين، أنه يلزمه التتابع في الصومين، فإن لم يصم الثلاثة حتى رجع إلى أهله، وجب عليه صيام عشرة أيام، وهل يجب التفريق بين صوم الثلاثة والسبعة؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب التفريق بينهما، وبه قال أحمد.
والثاني: أنه يجب التفريق بينهما، وهو الأظهر، فعلى هذا يجب (عليه) 1 التفريق بينهما بقدر ما كان يجب التفريق بينهما في الأداء، فحصل (من) 2 ذلك أربعة أقوال.
أحدها: أنه لا يجب التفريق بين الصومين.
والثاني: أنه يفرق بينهما بأربعة أيام.
والثالث: يفرق بينهما بقدر مسافة الطريق ما بين مكة وبلده.
والرابع: يفرق بينهما بقدر المسافة، وزيادة أربعة أيام.
(وإن) 3 مات قبل التمكن من الصيام، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: لو أحرم بالحج، وجب عليه الهدي، فإن لم يجد فعليه الصيام، فإن مات من ساعته، ففيه قولان: أحدهما: أنه يهدى عنه، أي يطعم عنه.

والثاني: وهو الصحيح، أنه لا هدي ولا (إطعام) 1، فإن (وجب) 2 عليه أمداد من الطعام بدلًا عن الصيام، فإلى من يصرفها؟ فيه وجهان.
أحدهما: إلى مساكين الحرم.
والثاني: أن يفرقها حيث شاء.
فإن فرغ المتمتع من أفعال العمرة، تحلل من العمرة، ساق الهدي، أو لم يسق، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: إن كان قد ساق الهدي (لم يجز له) 3 أن يتحلل إلى يوم النحر فيبقى على إحرامه، فيحرم بالحج عليها، فيصير قارنًا ويتحلل منهما.
فإذا تحلل المتمتع من عمرته، فإنه يستحب له أن يحرم بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية، فيحرم بعد الزوال متوجهًا إلى منى.
وحكي في التعليق عن مالك أنه قال: يستحب أن يحرم من أول ذي الحجة عند رؤية هلاله.
ولا يكره (للمكي) 4 ومن كان من حاضري المسجد الحرام، القران، والتمتع، غير أنه لا يجب عليه دم، وبه قال مالك، واختلف أصحاب مالك في إحرام القارن.

جارٍ التحميل