الفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
اسم الكتاب
: أشار المؤلف في مقدمة الكتاب أنه أسماه: «تمهيد القواعد»؛ حيث قال: فشرعت في ذلك مستمدّا من الله تعالى أن يوفقني لسبيل الرشاد، وأن يهديني إلى التبصير والسداد، وأن يعينني بتوفيقه على بلوغ الغرض، وإكمال المراد وسميته: تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد (1) ولقد وجدنا عناوين الكتاب في جميع مخطوطاته، ومنها ما قرأه الناسخ على مؤلفه، وجدناه يسمى شرح التسهيل والأمر جد قريب.
نسبة الكتاب لناظر الجيش
:
أما نسبة هذا الكتاب لصاحبه فلم يشك فيها أحد، وإن الباحث لا يجد عناء في تحقيق هذه النسبة، فلقد اتفقت جميع المصادر التي ترجمت للمؤلف على أنه «شرح التسهيل»، كما أن بعض المصادر 2 ذكرت أنه «اعتنى بالأجوبة الجيدة عن اعتراضات أبي حيان على المصنف».
وإذا قورن هذا الكلام بمادة الكتاب العلمية، وجدنا أنها تتفق معه تمام الاتفاق، ولو أضفنا إلى ذلك اعتراف المؤلف نفسه في مقدمة الكتاب 3 بأنه ألف شرح التسهيل وسماه تمهيد القواعد، لكنا قد أضفنا سندا قويّا في
تحقيق هذه النسبة، ويضاف إلى ذلك أيضا ما وجدناه في المؤلفات التي ألفت بعده منقولا عن هذا الشرح لناظر الجيش؛ مما يقوي أيضا تحقيق نسبة الكتاب إليه.
1 - ففي شرح التصريح قال الشيخ خالد في باب «الإخبار بالذي وفروعه» وفي أثناء حديثه عن شروط ما يخبر عنه: «لم يذكره الناظم في التسهيل بهذا اللفظ وذكره بلفظ غيره فقال: منوبا عنه بضمير، قال شراحه1
الجزء: 1 - الصفحة: 39
أبو حيان ومتابعوه المرادي وابن عقيل وناظر الجيش والسمين واللفظ له:
قوله: منوبا عنه بضمير، أي: عن ذلك الاسم الذي تريد أن تخبر عنه...» 4.
2 - وفي الأشموني قال: «وهذا القيد لم يذكره في التسهيل»، قال الصبان في الحاشية: «قوله: لم يذكره في التسهيل، أي: استغناء عنه بالشرط الرابع الآتي المعبر عنه في التسهيل بقوله: منوبا عنه بضمير قال شراحه أبو حيان ومتابعوه المرادي وابن عقيل وناظر الجيش....» إلخ النقل السابق 5.
3 - وفي الدرر اللوامع قال الشنقيطي عند شرح بيت الهمع:
يا عمرك الله إلا قلت صادقة... أصادقا وصفه المجنون أو كذبا
بعد أن ذكر كلام ابن مالك في «عمرتك الله» وأمثاله: قال: «قال ناظر الجيش: ويدل له أيضا قولهم: لعمرك إن زيدا لقائم، وقال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ 6 التقدير: لعمرك قسمي؛ إلى أن قال: والاسم المعظم في عمرك الله ينصب ويرفع...» إلخ 7.
4 - وفي الخزانة ذكر البغدادي كلام ناظر الجيش السابق 8.
5 - وفي الخزانة أيضا قال البغدادي عند شرح بيت الكافية للرضي وهو:
لئن منيت بنا عن غبّ معركة... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل
بعد أن نقل كلاما عن الفراء قال: «ووافقه ابن مالك قال في التسهيل:
وقد يغني جواب الأداة مسبوقة بالقسم، وإن لم يتقدم مبتدأ.
ومن شواهد ذلك قول الفرزدق:
لئن بلّ لي أرضي بلال بدفقة... من الغيث في يمنى يديّ انسكابها
أكن كالّذي صاب الحيا أرضه التي... سقاها وقد كانت جديبا جنابها
الجزء: 1 - الصفحة: 40
مع أبيات أخر قال ناظر الجيش: وهذه الأبيات أدلة ظاهرة على المدعى؛ غير أن المصنف لم ينسب هذا المذهب لبصري ولا كوفي؛ جريا منه على طريقته المألوفة، وهي أنه إذا قام الدليل عنده على شيء اتبعه، ثم إنه قد ينبه على خلاف في ذلك إن كان، وقد لا يتعرض إلى ذلك، والجماعة يذكرون أن هذا القول إنما هو قول الفراء، قال ابن عصفور: ولا يجوز جعل الفعل جوابا للشرط إذا توسط بينه وبين القسم، فأما قول الأعشى: لئن منيت... البيت، وقوله:
لئن كان ما حدثته... البيت، فاللام في: لئن ينبغي أن تكون زائدة كالتي في قوله: أمسى لمجهودا، ومن ثم قال أبو حيان: وهذا الذي أجازه ابن مالك هو مذهب الفراء وقد منعه أصحابنا والجمهور، ثم نقل كلام ابن عصفور.
وأقول: إن ابن عصفور لم يذكر دليلا على امتناع ما ذكره المصنف؛ بل عمد إلى الأدلة على هذا الحكم فأخرجها عن ظاهرها بغير موجب، وحكم بزيادة اللام مع إمكان القول بعدم الزيادة، وبعد، فلا يخفى على الناظر وجه الصواب، فالوقوف مع ما ورد عن العرب حيث لا مانع يمنع من الحمل على ظاهر ما ورد عنهم.
اهـ. كلام ناظر الجيش» (1).
الغاية من تأليفه
: لقد أوضح لنا ناظر الجيش الغاية من تأليفه لهذا الشرح، وذلك في مقدمة الكتاب؛ حيث قال بعد أن أشار إلى كتاب «التسهيل» وأنه جامع مفيد مختصر: وقلّ أن تسمح به القرائح أو تطمح إلى النسج على منواله المطامح، ثم أشار إلى أن المؤلف قد شرع في شرح هذا الكتاب؛ إلا أنه لم يكمله، وأنه تركه مختلّا فاقد التمام، لا يتوصل إلى حل غير المشروح من أصله إلا بعد إعمال فكر ومراجعة كتب.. إلى أن قال: «إلى أن أتاح الله تعالى إكمال ذلك على يدي إمام زمانه وعالم أوانه، وحيد دهره في علم العربية، وفريد عصره في الفنون الأدبية9
الجزء: 1 - الصفحة: 41
شيخنا الشيخ: أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف الجياني الغرناطي.
أمتع الله تعالى بفوائده الجمة، وأهدى إلى روحه روح الرضا والرحمة، ففتح مغالقه المعضلة، وفكّ تراكيبه المشكلة، وأجمل في تفصيل مبانيه المجملة؛ فتم بذلك التكميل الأرب، وأقبل المشتغلون ينسلون إليه من كل حدب، ثم اقتضت نعمه العلية، ومقاصده المرضية أن يضيف إلى ما وضعه شرح بقية الكتاب ليكون مصنفا مستقلّا، وغماما على المتعطشين مستملّا، فوضع كتابا كبيرا سائغ الذيول جم النقول عزيز الفوائد، كثير الأمثلة والشواهد، أطال فيه الكلام، ونشر الأقسام إلا أنه جمع فيه بين الدّرّ والصّدف، ومزج بسنا ضوئه غبش السّدف، وتحامل في الرد والمؤاخذات تحاملا بينا، وبالغ حتى صارت المناضلة عن المصنف لازمة، والانتصار له متعينا.
ولقد خرج الكتاب المذكور بسبب الإطالة عن مقصود الشرح، وصار فيه للمتأمل سبيل إلى القدح، مع أن المعتني بحمل الكتاب لا يحظى منه بطائل، ولا يظفر ببغيته إلا بعد قطع مهامه وطي مراحله.
وأما شرح المصنف فالناظر فيه لا يرضيه الاقتصار عليه، ولا يقنعه ما يجده لديه؛ بل تتشوف نفسه إلى زيادات الشرح الكبير، ويرى أنه لم يحط بها علما كان منسوبا إلى التقصير؛ فرأيت أن أضرب بقدح وأرجو أن يكون القدح المعلى بين القدحين، وأن أضع على هذا التصنيف ما هو جامع لمقاصد الشرحين وأتوخى الجواب عمّا يمكن من مؤاخذات الشيخ، ومناقشته بالبحوث الصحيحة، والنقود الصريحة مع ذكر زيادات انفرد بها هذا الكتاب وتنقيحات يرغب فيها المتيقظون من الطلاب» 10.
من هنا نستطيع أن نقول: إنّ ناظر الجيش قد عرف قيمة التسهيل، وأدرك أنه كتاب ذو فائدة عظيمة، كما أنه لم يغفل شرح المصنف عليه؛ إلا أنه مختصر لا يقنع الطالب ولا يرضي الباحث، وهو أيضا لم يغفل شرح الشيخ أبي حيان؛ حيث أشار إلى أنه شرح عظيم الفائدة يستحق التقدير.
الجزء: 1 - الصفحة: 42
غير أن هناك بعض الدوافع التي دفعت ناظر الجيش إلى تأليف هذا الشرح أشار إليها فيما يلي:
1 - أنه رأى شرح الإمام جمال الدين بن مالك لا يرضى عنه الناظر فيه؛ لاختصاره وغموض بعض موضوعاته؛ فأراد أن يضع شرحا أكثر بسطا وأعم نفعا.
2 - أنه رأى شرح الشيخ أبي حيان قد خرج عن المقصود؛ بسبب الإطالة والاتساع، كما أنه رأى الشيخ قد تحامل على المصنف - وهو ابن مالك - في الرد والمؤاخذات، فأراد أن ينتصر له ويجيب عن مؤخذات الشيخ، وأن يضرب بقدحه بين الأقداح، فيضع شرحا يجمع بين الشرحين، مضافا إليه ما يراه من زيادات وما يفتح الله به عليه من تنقيحات تنفع طلاب العلم.
زمن تأليف الكتاب
: ذكر الشيخ محب الدين محمد بن يوسف ناظر الجيش، في مقدمة كتابه: أنه بدأ في تأليف هذا الشرح في مقتبل عمره وريعان شبابه وأوائل صباه؛ غير أن هناك عوائق عاقت عن إتمامه ووقفت حائلا دون إكماله، فتوقف عن مواصلة التأليف فيه لكثرة مشاغله؛ حيث تولى مناصب مهمة في الدولة كما سبق أن ذكرنا، وإليك نص ما ذكره في مقدمة الكتاب يقول: «وقد كنت شرعت في ذلك والزمان غض، والشباب غير مبيض، فلما عاقت عنه العوائق، وتقاصر العزم لما نبا الطلبة عن تلك الطرائق، وشغلتني الخدم، وتحققت ما رأيته من قصور الهمم، أحجمت عن إتمامه من غير فترة، وتركت العمل فيه؛ وإن كانت الرغبة في ذلك مستمرة، إلى أن منّ الله تعالى على الإسلام والمسلمين بمن أحيا موات العلم في العالمين وغمر بصدقاته جميع الطالبين، واعتنى بأمور العلماء وإن كانوا عن مصالحهم غافلين، ومن أضحى وأزر الدين به قوي، وظمأ الإسلام بملاحظته روي، وزند النجح بآرائه السعيدة وري؛ وهو المعز الأشرف العالي المولوي السيدي المالكي المخدومي الكهفي
الجزء: 1 - الصفحة: 43
الأتابكي السيفي، كافل أمور المسلمين، سيد ولاة أمور الدين، أتابك العساكر المنصورة، نظام الملك الشريف والد الملوك والسلاطين، ولي أمر المؤمنين يلبغا العمري الأشرفي».
ثم قال: «فلما أقبل الناس بفضله على الطلب، وتأكدت أسباب إقبالهم على هذا الفن بإنعامه الذي يبلغ به الآمل منتهى الأمل والأرب، وتجددت به معاهد العلم بعد الدروس، وتبين بإحسانه معالم الفضائل وملازمة الدرس والدروس - فعند ذلك بادرت إلى الشروع في إتمام هذا الكتاب؛ رغبة في انتفاع الطلاب وجزيل الأجر والثواب» (1).
وإذا عرفنا أن «يلبغا العمري» الذي أشار إليه قد تولى الزمام في سنة (762 هـ) (2)، وقد عرفنا أن «ناظر الجيش»
توفي سنة (778 هـ) عن إحدى وثمانين سنة، يمكن أن نقول إن «ناظر الجيش» انتهى من تأليف هذا الشرح في أواخر حياته «بعد الخامسة والستين من عمره تقريبا» وإن كان قد بدأ العمل فيه في صباه وشبابه.
قيمة الكتاب العلمية
:
يعد كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش هذا موسوعة نحوية جمع فيه صاحبه آراء المتقدمين والمتأخرين إلى زمنه، ويظهر ذلك بجلاء حين نقول:
إن هذا الكتاب الذي بين أيدينا - وهو تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - ذو قيمة علمية عظيمة تتمثل في أنه مرجع مهم لكل باحث أراد الوقوف على رأي للنحاة المتقدمين أو المتأخرين إلى عصره على حد سواء، فقد حرص صاحبه على جمع آراء النحاة ما أمكنه: من بصريين وكوفيين وأندلسيين ومغربيين وغيرهم.
فالمتصفح لهذا الكتاب يرى أنه ضم آراء الخليل ويونس وسيبويه في كتابه،1112
الجزء: 1 - الصفحة: 44
والشلوبين في شرح المقدمة الجزولية والتوطئة وغير ذلك من مؤلفاته وابن عصفور في المقرب وشرحه وشرح الجمل والإيضاح وابن الضائع في شرح الجمل والزجاج في معاني القرآن والزجاجي في جمله وأماليه وابن أبي الربيع في شرح الإيضاح والسيرافي والصفار وابن خروف في شروحهم على كتاب سيبويه، وابن هشام الخضراوي وابن الطراوة في كتابيهما البسيط والإفصاح، وغيرهم من هؤلاء الأعلام وكتبهم؛ حتى إننا نستطيع أن ندعي هنا أن هذا الكتاب ربما لا يخرج الباحث فيه عن رأي إلا وقد وجد ضالته واهتدى إلى ما يريد.
كما تتمثل قيمة هذا الكتاب العلمية في أنه مرشد لكل من ينشد الحق والصواب والدقة في تحري المسائل النحوية؛ حيث إنه يرد اعتراضات أبي حيان على ابن مالك بالحجة القوية والبرهان الساطع والدليل القاطع؛ لأن أبا حيان كان متجنيا على ابن مالك في كثير من المسائل.
وقد يظن كثيرون أن أبا حيان مصيب فيما ادعاه، فإذا قرأ إجابات ناظر الجيش عن ابن مالك عرف الصواب ووصل إلى الحقيقة.
ويكفينا لإظهار قيمة هذا الكتاب العلمية أن نقول: إنه مزاج ثلاثة كتب كبيرة في النحو وثلاثة شروح عظيمة للتسهيل وهي: شرح ابن مالك وأبي حيان وناظر الجيش.
الجزء: 1 - الصفحة: 45
الفصل الخامس مصادر ومراجع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش
لم يكن لناظر الجيش - وهو يشرح تسهيل ابن مالك - إلا أن يكون منه ما كان؛ فهو يقف بين علمين شامخين هما ابن مالك وأبو حيان اللّذان ذاع صيتهما، أو امتلكا من هذا الفن ناصيته غايته، حتى صارت لهما فيه نقود، ومناقشات، وأقوال، وآراء.
وقد حاول الناظر إنصاف ابن مالك من أبي حيان كما قلنا؛ فلم يكن بد - وهو يقف أمام شيخه - إلا أن يستعين بمصادر كثيرة لا تكاد تقف عند حد؛ حتى يرد الشيخ - في أكثر المواطن - إلى صوابه كما يرى.
ومثل ذلك من الوجه الآخر، فقد وجد ناظر الجيش أن ابن مالك في بعض الأمور كان لا يوافق الصواب.
وصاحبنا غيور على دينه، ولغة دينه؛ فبات، وأصبح، وأضحى، وظل، يأتي بمصادر من هنا وهناك؛ حتى يحقق ما أراد.
من هنا تعددت مصادر هذا الشرح الكبير طوال أبواب هذا الكتاب، وهي أبواب النحو كلها التي ضمّها هذا السفر الكبير في هذه الأجزاء الكثيرة.
نقول: اشتمل هذا الكتاب العظيم على كثير من النحاة، واللغويين، ورجال الحديث، والمفسرين والقراء، والشعراء.
أما النحاة فنجد من أبرزهم
: الأخفش (ت 215 هـ)، وابن أبي الربيع (ت 688 هـ)، وأثير الدين أبو حيان (ت 745 هـ)، وأبو بكر بن طلحة البابري (ت 643 هـ)، والأصمعي (ت 216 هـ)، وابن أصبغ (ت 516 هـ)، وابن الأنباري (ت 327 هـ)، وابن برهان (ت 456 هـ)، وابن الباذش (ت 538 هـ)، وبهاء الدين بن النحاس (ت 698 هـ)، وأبو الفضل البطليوسي (ت 637 هـ)، وبدر الدين بن مالك (ت 686 هـ)، وابن بري (ت 582 هـ)، وثعلب (ت 291 هـ)، وابن جني (ت 392 هـ)، والجرمي (ت 225 هـ)، والجزولي (ت 607 هـ)، والجرجاني (ت 471 هـ)،
الجزء: 1 - الصفحة: 46
وابن الحاجب (ت 646 هـ)، وابن مضاء أبو جعفر (ت 592 هـ)، والحريري (ت 516 هـ)، وأبو حاتم السجستاني (ت 255 هـ)، والخليل (170 هـ)، وابن خروف (609 هـ)، وابن الخشاب (567 هـ)، وابن درستويه (347 هـ)، وابن الدهان (569 هـ)، والرماني (ت 384 هـ)، والرياشي (257 هـ)، والزمخشري (ت 538 هـ) والزجاج (ت 310 هـ)، وأبو زيد الأنصاري (215 هـ)، والزجاجي (337 هـ)، والزيادي (249 هـ)، وابن السراج (316 هـ)، وسيبويه (180 هـ)، والسيرافي (368 هـ)، وابن سعدان (ت 231 هـ)، وابن السكيت (244 هـ)، والسهيلي (ت 581 هـ)، وابن السيد (521 هـ)، والشلوبين (645 هـ)، والصيمري، والغزني (ت 421 هـ)، وابن الضائع (680 هـ)، وابن طاهر (580 هـ)، وابن الطراوة (528 هـ)، وابن عصفور (669 هـ)، وأبو علي القالي (356 هـ)، وعيسى بن عمر (149 هـ)، وأبو عثمان بن حبيب المازني (ت 248 هـ)، وأبو عمرو بن العلاء (154 هـ)، وأبو عبيدة (209 هـ)، والفارسي (377 هـ)، والفراء (207 هـ)، وابن قتيبة (276 هـ)، وقطرب (206 هـ)، والكسائي (189 هـ)، وابن كيسان (320 هـ)، ولكذة الأصبهاني، وابن مالك (672 هـ)، والمبرد (286 هـ)، ومعاذ الهراء (187 هـ)، ومبرمان (345 هـ)، والمطرزي (610 هـ)، والمعري (449 هـ)، وابن هشام الخضراوي (646 هـ)، وهشام (209 هـ)، وابن هشام الأنصاري (761 هـ)، ويونس (183 هـ)، وابن يسعون (540 هـ)، ويحيى بن وثاب (103 هـ)، وكذلك الأعلم (476 هـ)، والأخفش الصغير (315 هـ)، وابن ولّاد (298 هـ)، والفرغاني، وابن يعيش (643 هـ).
ومن اللّغويين:
الجوهري المتوفى (398 هـ)، وابن سيده المتوفى (458 هـ).
ومن كتب هؤلاء وأولئك التي نص عليها بالذكر:
1 - الارتشاف لأبي حيان.
2 - الأصول لابن السراج.
3 - الألفية - الخلاصة لابن مالك.
4 - شرح بدر الدين على الألفية.
الجزء: 1 - الصفحة: 47
5 - الانتصار لابن ولاد.
6 - الأوسط للأخفش.
7 - الإيضاح للفارسي.
8 - وشرح ابن أبي الربيع عليه.
9 - وشرح ابن هشام الخضراوي له.
10 - وشرح ابن عصفور.
11 - البصريات للفارسي.
12 - التبيان للعكبري.
13 - التذكرة للفارسي.
14 - التسهيل.
15 - وشرح ابن مالك عليه.
16 - وشرح أبي حيان (التذييل).
17 - التعليقة لبهاء النحاس.
18 - الجمل للزجاجي.
19 - وشرح الجمل لابن عصفور.
20 - الحجة للفارسي.
21 - الحلبيات للفارسي.
22 - الرسالة الرشيدية للأعلم.
23 - الصحاح للجوهري.
24 - صحيح البخاري.
25 - صحيح مسلم.
26 - العسكريات للفارسي.
27 - الكافية الشافية لابن مالك.
28 - الكتاب - لسيبويه.
29 - وشرحه للبطليوسي.
30 - الكشاف للزمخشري.
31 - اللّباب.
32 - اللّمع لابن جني.
33 - وشرح اللّمع لابن برهان.
34 - المحتسب لابن جني.
35 - المسائل للأخفش.
36 - المسائل الصغرى للأخفش.
37 - المسائل المشروحة للمبرد.
38 - معاني الأخفش.
39 - معاني الزجّاج.
40 - معاني الفراء.
41 - المفصل للزمخشري.
42 - وشرحه لابن عمرون.
43 - وشرحه لابن يعيش.
44 - والمقتضب للمبرد.
45 - مقدّمة ابن الحاجب.
46 - المقرب لابن عصفور.
الجزء: 1 - الصفحة: 48
47 - نتائج الفكر للسهيلي.
هذا: وهناك كتب أشار إليها بوجه عام نحو:
48 - في التفسير.
أو أشار إليها بأصحابها ومنها:
49 - صاحب البديع.
50 - صاحب البسيط.
51 - صاحب العين.
52 - صاحب الملخص.
53 - صاحب المستوفي.
54 - صاحب النهاية والجامع (1).
وأما رجال الحديث، والمفسرون، والقراء، والصحابة، فمنهم
: أبي بن كعب (ت 22 هـ)، الأعمش (ت 148 هـ)، أبو أمامة (ت 81 هـ)، البخاري (ت 256 هـ)، مسلم ت (261 هـ)، أبو برزة (65 هـ). أبو بكر الشيباني (193 هـ)، أبو البقاء العكبري (616 هـ)، ابن جماز، أبو بكر الصديق (13 هـ)، عمر بن الخطاب (23 هـ)، عثمان بن عفان (35 هـ)، علي بن أبي طالب (40 هـ)، أبو جعفر النحاس (130 هـ)، حمزة (156 هـ)، الحسن (110 هـ)، أبو حنيفة (150 هـ)، ابن الحنفية (81 هـ)، أبو الدرداء (32 هـ)، أبو ذر الغفاري (32 هـ)، وأبو رزين (241 هـ) أو (253 هـ)، سعيد بن زيد (51 هـ)، أبو السمال، الشعبي (103 هـ)، الإمام الشافعي (204 هـ)، ابن الأثير (606 هـ)، ابن عباس (68 هـ)، ابن الزبير (73 هـ)، أبو العالية (90 هـ)، ابن عامر (118 هـ)، عكرمة (105 هـ)، عاصم (127 هـ)، عبد الوارث (180 هـ)، قنبل (291 هـ)، قتادة (118 هـ)، الجحدري (231 هـ)، سعيد بن جبير (95 هـ)، مكي (437 هـ)، زيد بن علي (122 هـ)، أبو عبيدة بن الجراح (18 هـ)، رافع بن خديج (74 هـ)، عاتكة بنت عبد المطلب، عائشة رضي الله عنها (58 هـ)، أنس رضي الله عنه (93 هـ)، زيد بن ثابت (45 هـ)،13
الجزء: 1 - الصفحة: 49
الأعرج (117 هـ)، معاوية بن خديج (52 هـ)، مجاهد (104 هـ)، المهدوي (440 هـ)، نافع (169 هـ)، النخعي (194 هـ)، هند أم معاوية (14 هـ)، هشام بن عمار (245 هـ)، يحيى بن وثاب (103 هـ)، يعقوب (205 هـ)، و: يحيى بن ثابت (460 هـ).
وأما الشعراء والرجاز
: فهم - كذلك - كثيرون، ومن مختلف الطبقات: وها هم أولاء: أبو النجم، رؤبة، عتي العقيلي، مسلم الوالبي، المجنون، علقمة الفحل، حسّان بن ثابت، ذو الرّمة، الأحوص، أعشى همدان، النابغة الذبياني، النابغة الجعدي، ضابئ البرجمي، صالح بن عبد القدوس، امرؤ القيس، ابن عادية السلمي، نهشل بن جرير، علي بن أبي طالب، سليم القشيري، عمارة ابن عقيل، لبيد الغنوي، ربيعة بن مقروم الضبي، ابن هرمة، عبد الله بن رواحة، الفرزدق، الكميت، أبو طالب، أبو الغمر الكلابي، أبو الطفيل، سواد بن قارب، علقمة الفحل، هشام بن معاوية، معاوية بن أبي سفيان، عدي بن زيد، أبو الغريب، جرير، ابن زيابة، الأسود بن يعفر، الأخطل، أبو الصلت، أبو ذؤيب الهذلي، الأغلب العجلي، معديكرب «غلفاء» - أبو الحدرجان، السموءل - لبيد بن ربيعة العامري، الحطيئة، الأسد الطائي، الشنفرى، ابن قيس الرقيات، الراعي، كثير، سالم بن دارة، طالب بن أبي طالب، سويد اليشكري، جندل بن المثنى، عبيد الله بن الحر، عمر بن أبي ربيعة، سعد بن مالك، زياد الأعجم، سويد بن أبي الصامت الأنصاري، مسكين الدارمي، تميم بن مقبل العجلاني، أوس بن حجر، الأفوه الأودي، الأعشى ميمون بن قيس، حريث بن أسد القيسي، أبو العطاء السندي، زيد الفوارس بن حصين، أمية بن أبي عائذ الهذلي، الفضل بن العباس، أنس بن مدركة، جميل، المرقش الأكبر، عمرو بن قميئة، أبو زبيد الطائي، إبراهيم بن سفيان، الأشعر الرقبان، ابن المعتز، النمر بن تولب، عوف بن عطية، الخرنق بنت بدر بن هفان، ثابت قطنة، أبو شهاب الهذلي، نصيب، عامر بن
الجزء: 1 - الصفحة: 50
الطفيل، زهير، قيس بن زهير، أمية بن أبي الصلت، أديبة السلمي، أبو صخر الهذلي، ابن الزبير الأسدي، مروان بن أبي حفصة، عدي بن زيد، سعد بن قرط، عمران ابن حطان، نهشل بن ضمرة، دريد بن الصمة، أبو مسافع اليشكري، ابن لنكك، هدبة بن خشرم، مهلهل، عمرو بن كلثوم، العجاج، حميد الأرقط، قيس بن ذريح، ابن عتاب الطاكي، سويد بن أبي كاهل، الكميت ابن معروف، أم حاتم الطائي، عامر بن قدامة، سويد بن كراع، نقيع ابن جرموز، حميد بن ثور، ضرار بن الخطاب، متمم بن نويرة، الصلتان العبدي، السفاح بن بكبير، العباس بن مرداس، القطامي، عبد الله بن الزبعرى.
وكذلك:
جذابة بنت خالد النخعية، سالم بن وابصة، يزيد بن مفرغ الحميري، ابن قنان، زميل، عبد المطلب بن هاشم، زيد الخيل، مرداس، الحارث بن عباد، أبو كبير الهذلي، أبو ثروان، عدي بن الرعلاء الغساني، غوية بن سلمى، عبد الله بن الزبير، المرار بن سعيد الأسدي، ابن ميادة، خطام المجاشعي، جندل بن المثنى، سلمى الهذلية، شماء الهذلية، طفيل الغنوي، عنترة بن شداد العبسي، زياد الأعجم، عمر بن براقة، ضمرة بن ضمرة النهشلي، عمرو بن يربوع، سويد بن كراع، عبد الله بن رواحة، قيس بن العيزارة، طرفة، المسيب بن علس، يزيد بن عمرو بن الصعق، عبد الله بن يعرب، عبدة بن الطيب، قطري بن الفجاءة، البرج بن مسهر، عبد بني عبس، أبو حيان الفقعسي، عبيد بن الأبرص، أوس بن حبناء، ذو الإصبع العدواني، خطام المجاشعي، سلامة العجلي، عمرو الجنبي، جحدر بن مالك اللص، عمرو بن العاص، أبو طالب، عبيد الله بن قيس الرقيات، عامر بن الأكوع، كعب بن مالك، عبد الرحمن بن حسان، أبو حية النميري، بشامة بن حزن، عروة بن حزام، الطرماح، الفند الزماني، خطام المجاشعي، أبو بجيلة، وداك ابن ثميل المازني، ابن الرومي، أفنون التغلبي، المثقب العبدي، أبو بكر الصديق، القحيف العجلي، أبو مروان النحوي، المتلمس، قيس الرقيات،
الجزء: 1 - الصفحة: 51
كعب بن زهير، العباس بن مرداس، يزيد بن الحكم، هند بنت عتبة، عبد الله ابن جعفر، سواد بن المضرب، عبيدة بن الحارث المطلبي، منظور بن سحيم، عبد يغوث بن وقاص، فرار الأسدي، قران الأسدي، قيس بن الملوح، والمتنبي 14.
هذه هي مصادر شرح التسهيل لناظر الجيش إجمالا، من نحويين ولغويين ومحدثين ومفسرين وقراء وشعراء، وهذه هي كتبهم ومؤلفاتهم التي حشي بها ذلك الشرح العظيم.
أما الكتب التي اعتمد عليها ناظر الجيش اعتمادا كبيرا ونهل منها منهلا عظيما ولا تكاد تخلو صفحة في هذا الشرح منها فهي كالآتي وسنسردها حسب أهميتها وكثرة النقول منها وشدة الاعتماد عليها:
أولا: الكتاب لسيبويه: وجدنا أن ناظر الجيش اعتمد عليه كثيرا في توثيق آرائه والاستئناس به في حل ما يعترضه من مشكلات؛ لذا كان كتاب سيبويه من المصادر الأصلية التي اعتمد عليها وآراؤه منتشرة في ثنايا هذا الشرح العظيم.
ثانيا: كتب ابن مالك: اعتمد ناظر الجيش على كتب ابن مالك اعتمادا كليّا؛ وبخاصة شرحه على التسهيل؛ فلا يكاد يأخذ في شرح متن التسهيل إلا ويبدأ بنقل شرح ابن مالك لهذا المتن.
وقد سار على هذا المنهج طوال شرحه، وكأنه كان يستأنس بهذا الشرح، ويرى أنه يفسر كلام ابن مالك بكلامه نفسه، وبعد أن ينتهي من ذلك يأخذ في شرحه هو، ويستكمل ما فات ابن مالك، أو يجيب على اعتراضات أبي حيان عليه.
ومن الكتب التي اعتمد عليها أيضا وهي لابن مالك، كتابه شرح الكافية الشافية.
وقد أخذ منه كثيرا هو الآخر حيث وجد فيه ضالته من توضيح المسألة، أو ذكر ابن مالك لرأي فيه مخالف لما ذهب إليه في شرح التسهيل، وهكذا.
الجزء: 1 - الصفحة: 52
ولا تحصر هذه النقول لكثرتها وغزارتها وانتشارها في ثنايا الشرح كله، كما أنه لم ينس لابن مالك شرح عمدة الحافظ أو الألفية وغير ذلك.
ثالثا: كتب ابن عصفور: وابن عصفور من النحويين الذين عرف قيمتهم ناظر الجيش، أو وقف على كتبهم.
وقد أعجب به ناظر الجيش وبآرائه أيما إعجاب؛ فلا تكاد تخلو صفحة من ذكر ابن عصفور وآرائه وكتبه ونقول منها ليس سطرا أو سطرين؛ وإنما صفحة أو صفحتان وبخاصة نقوله من شرح الإيضاح المفقود، أو شرح المقرب الذي لم يعثر له على أثر، أما المقرب، وشرح الجمل، والضرائر، وغيرها من كتب ابن عصفور فحدث عنها ولا
حرج، من نقول كثيرة ووقوف على آراء هذا العالم الذي كان يجله ويفضله على غيره، وعلى ابن مالك نفسه في كثير من الأحيان.
رابعا: كتب أبي حيان: وهذا علم آخر، وكتبه من الذين اعتمد عليهم ناظر الجيش في شرحه، كما اعتمد عليه في تلقي العلم مشافهة منه، وقد كان لشرح أبي حيان للتذييل والتكميل نصيب أكبر من نقول ناظر الجيش، وإعجابه به ورده لاعتراضات الشيخ على ابن مالك، وشرح أبي حيان مصدر مهم من مصادر ناظر الجيش فقد أخذ أحسن ما فيه من آراء وأفضل ما فيه من مسائل وضمنها كتابه، فوق رد الاعتراضات وغيرها.
والشواهد الشعرية لناظر الجيش في كتابه هي شواهد أبي حيان.
ولا يتميز شرح ناظر الجيش عن أبي حيان إلا بنقول مطولة من كتب المغاربة والأندلسيين مما لم يقف عليه أبو حيان أو يضمنها كتابه، ولكتب أبي حيان الأخرى غير التذييل والتكميل كشرح الألفية، والبحر المحيط وارتشاف الضرب - نصيب من شرح ناظر الجيش؛ فقد كان ناظر الجيش يجل أبا حيان إجلالا كبيرا، ويرى أنه عالم عصره ووحيد دهره في علم النحو والإعراب.
خامسا: كتب ابن الحاجب: يعد ابن الحاجب وكتبه من المصادر المهمة في شرح التسهيل لناظر الجيش؛ فلا تعدم نقلا بين الحين والحين من شرح ابن الحاجب على المفصل أو كتابه المشهور المسمى بالكافية في النحو، والشافية في
الجزء: 1 - الصفحة: 53
الصرف أو إملاءاته المختلفة في إعراب آية قرآنية أو بيت من الشعر، وكثيرا ما كان يعقد مقارنات بين ابن الحاجب وابن مالك وفي بعض الأحيان كان يفضل ابن الحاجب على ابن مالك، وأحيانا أخرى كان يفضل ابن مالك.
سادسا: كتب الزمخشري وآراؤه في المفصل والكشاف وغيرهما.
سابعا: شرح الجمل لابن الضائع.
ثامنا: تعليقات ابن النحاس على المقرب.
تاسعا: شرح ابن الناظم على الألفية وشرح التسهيل له في آخر الكتاب.
عاشرا: شرح الإيضاح لابن هشام الخضراوي المسمى بالإفصاح.
حادي عشر: شرح الإيضاح لابن أبي الربيع والملخص له.
ثاني عشر: شرح المفصل لابن عمرون.
هذه كتب كان ينقل منها كثيرا وينص عليها وهناك كتب أخرى كان ينقل منها بين الحين والحين ويشير إليها أو
يأخذ الرأي منها ويسند لصاحبه دون أن يشير إلى الكتاب وهي كثيرة نذكر منها:
- المقتضب للمبرد.
- شرح كتاب سيبويه للسيرافي.
- التبيان للعكبري.
- الصحاح للجوهري.
- كتب ابن جني.
- شرح كتاب سيبويه لابن خروف.
- وكتب التفاسير المختلفة.
- الأصول لابن السراج.
- نتائج الفكر للسهيلي.
- القانون للجزولي.
- الغرة لابن الدهان.
- كتب أبي على الفارسي.
وغير ذلك وهو كثير.
الجزء: 1 - الصفحة: 54
الفصل السادس منهج ناظر الجيش في شرحه للتسهيل وأسلوبه فيه
أولا: منهجه في التأليف
:
ترسم ناظر الجيش في شرحه للتسهيل منهجا لم يحد عنه طوال صحبته لهذا الكتاب الكبير وهو التسهيل.
ويتلخص هذا المنهج في عدة أمور:
1 - ترسم خطى ابن مالك في الأبواب والفصول التي جاءت في التسهيل؛ فهو يعرضها دون تقديم أو تأخير؛ حيث يذكر القطعة من المتن طالت أو قصرت من التسهيل، ثم يأخذ في شرحها مشيرا إلى المتن بـ (ص) وإلى الشرح بـ (ش) 15.
2 - إيراد ما جاء في شرح التسهيل لابن مالك، وتصدير ذلك بقوله: قال المصنف، على قدر المتن الذي يشرحه
فقط، وقد استمر على هذا المنهج طوال الكتاب؛ لأنه كان يعلم أن ابن مالك هو الوحيد الذي يعرف ما يقصده من كتابه وما يريد من متنه، ثم يختم النقل بقوله: انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى، وإذا أعجب بما قاله ابن مالك وما فتح الله عليه - مدحه بالنثر والشعر من قبل قوله:
وحديثها السحر الحلال لو انّه... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت... ودّ المحدّث أنّها لم توجز
شرك العقول ونزهة ما مثلها... للمطمئن وعقلة المستوفز
وغير ذلك من ألفاظ الغزل والحب والإعجاب، وما أكثرها في الكتاب! ومن هنا قلنا: إن شرح ناظر الجيش تضمن شرح ابن مالك كله أو يزيد.
3 - بعد سرد كلام ابن مالك يأخذ ناظر الجيش في مناقشته، ومناقشة أبي حيان لهذا الكلام، واعتراضه عليه، ويورد الاعتراض منقولا من كتاب التذييل،
الجزء: 1 - الصفحة: 55
وهو شرح أبي حيان، ثم يجيب على هذه الاعتراضات ويبطلها بالحجة والدليل القوي دون غرور أو استعلاء، ويدافع عن ابن مالك إذا قذفه أبو حيان بألفاظ خارجة أو أمور جارحة، ثم يمدح ابن مالك وأن كتبه وصيته في المشرق والمغرب، وأن الشمس لا يستطيع أن يطفئ ضوءها أحد.
4 - بعد سرد كلام ابن مالك واعتراض أبي حيان عليه، إذا وجد ناظر الجيش أحد العلماء قد سرد المسألة بتوضيح أكثر وبيان أوضح - فلا يتردد في نقله، وقد حشا الكتاب بنقول مختلفة من كتب ضاعت على مر السنين مثل: شرح الإيضاح وشرح المقرب، وكلاهما لابن عصفور، والإفصاح في شرح الإيضاح لابن هشام الخضراوي، وشرح المفصل لابن عمرون.
ومن كتب باقية مثل: كتب ابن عصفور والزمخشري وابن الحاجب، كان يسرد ذلك تحت عنوان: أبحاث أو أمور أو تنبيهات قد تصل أحيانا إلى عشرة في كثير من المتن المشروح.
كما كان يعقد مقارنات بين كلام ابن مالك وكلام غيره، فينصف ابن مالك أو ينصف غيره، وأحيانا تكون المقارنة بين رأيين مختلفين لابن مالك في شرح التسهيل وغيره، ولابن عصفور في شرح الجمل وغيره.
5 - أظهر ناظر الجيش براعة فائقة في مناقشة القضايا والآراء والمذاهب المختلفة، مما دل على اطلاعه الواسع
ووقوفه على كثير من كتب التراث، وهو يناقش القضية أو يذكر المسألة.
6 - أكثر الشارح من الاستشهاد بالقرآن الكريم وأشعار العرب وأقوالهم وأمثالهم، وكان يقتدي بابن مالك، ذلك الراوية المضروب به المثل في الاطلاع الواسع على دواوين العرب والوقوف على أشعارهم.
وأيضا كان يقتدي بأبي حيان العالم الكبير فريد عصره ووحيد دهره.
7 - ربط ناظر الجيش أبواب الكتاب بعضها ببعض؛ حيث كان لا يكرر الكلام؛ وإنما كان يحيل على أبواب متقدمة سبق الكلام عنها، أو يؤخر الحديث حتى يصل إلى باب كذا مما سيأتي؛ فرارا من تكرار لا داعي إليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 56
8 - لم يكن ناظر الجيش مجرد ناقل من هنا وهناك؛ وإنما كان يقارن ويوازن ويختار الأقرب إلى الصواب في المسألة معللا ومدللا.
والأمثلة على ما ذكر هنا وفيما قبله كثيرة منتشرة في الشرح كله.
9 - ينص ناظر الجيش - في كثير من نقوله - على الكتب التي ينقل منها، كان يقول: وقال ابن عصفور في شرح الإيضاح أو شرح الجمل، وقال ابن مالك في شرح الكافية، وقال أبو حيان في الارتشاف، وإذا أطلق فقال: ابن مالك أو أبو حيان، فإنما يقصد شرحهما على التسهيل، بل لقب ابن مالك بالمصنف وأبا حيان بالشيخ.
هذا هو المنهج العام الذي كان يسير عليه ناظر الجيش في شرحه طوال الكتاب.
وأما منهجه في عرض المسائل فكان يتبع الآتي:
1 - الميل في أكثر الأحيان إلى التقسيم والتنظيم؛ إيثارا للفهم والضبط.
وهذه الطريقة أخذها من ابن عصفور في تآليفه المختلفة وبخاصة المقرب.
2 - التفصيل بعد الإجمال، وهو امتداد للأمر الأول؛ حيث يعرض المسألة مجملة؛ ليقف عليها القارئ ثم يأخذ في ذكر التفاصيل والمناقشة الواسعة، وهذه هي الطريقة المثلى للفهم والتحصيل، وأحيانا كان يعكس فيجمل بعد تفصيل ويوجز بعد إطناب للغرض نفسه، وهو جمع المسألة؛ ليحفظها القارئ ويقف عليها الطالب.
3 - طريقة السؤال والجواب: وقد اشتهر بها صاحب الإنصاف وأسرار العربية أبو البركات الأنباري، كما اشتهر بها الزمخشري في كتبه وهي قولهم:
وهنا سؤال، أو قولهم: فإن قيل، أو قولهم: وهنا اعتراض وهكذا.
4 - تحري الدقة قبل إبداء الرأي: أي أنه كان لا يقول بقول إلا بعد أن يطمئن إليه ويقف عليه فإذا لم يظهر له الصواب كان يعلن ذلك، وقد كثر في شرحه مثل هذه الألفاظ: ولا أفهم مقصود المصنف بذلك، وقوله: والشيخ قد التبس عليه هذا الأمر، وقوله: وقد كان هذا الأمر يدور بخاطري؛ لكن لم
الجزء: 1 - الصفحة: 57
أذكره حتى رأيت الشيخ قد ذكره وأجازه فقلت به.
5 - إجاباته عن اعتراضات أبي حيان: وهذا أمر تميز به شرح ناظر الجيش دون شروح التسهيل كلها.
وقد أخذ ناظر الجيش على عاتقه ذلك من أول كتابه وذكره في مقدمته؛ حيث رأى تجني أبي حيان على ابن مالك واتهامه إياه بالجهل أو النسيان أو عدم الوقوف على كتاب سيبويه؛ فانبرى يدافع عن الرجل ويرد اتهام البريء وينصر المظلوم.
ثانيا: أسلوبه في شرح التسهيل
:
امتاز أسلوب ناظر الجيش في هذا الكتاب بالعذوبة والرقة والسلاسة؛ حيث أنه بعد عن التعقيد اللفظي ومال إلى السهولة في التعبير، منوعا في أسلوبه بين الإيجاز والإطناب.
وقد بينا ذلك حينما تعرضنا لمنهجه في عرض الشرح عامة وطريقته في عرض المسائل خاصة.
والذي يجب أن ننوه به هنا: أن الشارح تأثر تأثرا كبيرا في أسلوبه بالأندلسيين بصفة عامة وبابن عصفور بصفة خاصة؛ فقد مال إلى التحليل والإسهاب وذكر عدد كبير من آراء النحاة في المسألة الواحدة، كسيبويه والأخفش والخليل وابن عصفور وابن الضائع وابن خروف وابن هشام وبهاء الدين النحاس وعلم الدين السخاوي والزجاجي والكسائي والفراء، وغيرهم من هؤلاء الأعلام الذين حفل الكتاب بذكر أسمائهم.
وبذلك نستطيع أن نقول: إن كتابنا هذا موسوعة نحوية استطاع الشارح أن يضمنه آراء معظم النحاة، والحقيقة التي لا تنكر أنه اعتمد في نقل هذه الآراء على كتاب شرح التسهيل لابن مالك؛ لأنه صاحب المتن، كما اعتمد أيضا في كثير من الأحيان على كتاب أستاذه أبي حيان (التذييل والتكميل)، وليس هذا بعيب، فهو الكتاب الذي تعرض فيه أبو حيان لشن هجومه على ابن مالك.
وكان كتاب تمهيد القواعد هو الكتاب الذي تولى صاحبه فيه مهمة الرد على هذه الاعتراضات؛ فمن الطبعي إذن أن يكون هذا الكتاب معتمدا في
الجزء: 1 - الصفحة: 58
آرائه على كتاب التذييل والتكميل.
ولكن إنصافا للحق نقول: إن ناظر الجيش كانت له شخصية واضحة في هذا الكتاب، فهو لم يقتصر في نقل آرائه على التذييل فقط، بل إنه نقل نصوصا متعددة من كتب ربما لم يذكرها أبو حيان في كتابه مثل: كتب ابن جني وابن عصفور وابن الضائع وابن هشام الخضراوي.
وعلى كلّ فأسلوب ناظر الجيش في شرحه للتسهيل يتسم بالآتي:
1 - السهولة والعذوبة والرقة: فأنت لا تسأم من قراءة الكتاب أبدا، مهما طال بك ذلك.
2 - البعد عن المعقدات اللفظية؛ لأن صاحبه كان أديبا بلاغيّا؛ فانعكس ذلك على أسلوبه.
3 - التأثر بالأساليب البلاغية في بعض الأحيان، واستخدام تعبيرات البلاغيين، مثل: المسند والمسند إليه والمجاز وأصحاب البيان وأرباب المعاني.
4 - التأثر بالأساليب المنطقية: ويتمثل ذلك في ذكره بعض المصطلحات المنطقية؛ كالعموم والخصوص والاختصاص والمشاركة والاجتماع، وغيرها من هذه الأساليب.
5 - إظهار التواضع والاستفادة من السابقين: ظهر في أسلوب ناظر الجيش التواضع، وعدم الميل إلى الفخر والاعتداد بالنفس والغرور.
وقد تجلى ذلك في كثير من التعبيرات التي عبر بها.
وفي مقدمة الكتاب ما يبين ذلك.
6 - كثر استخدامه لعبارات معينة: من أبرزها: انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى، والظاهر أنّ، والذي يظهر أن يقال، ولقائل أن يقول، وكلامه يعضّد، ولا شك أن، ويتعلق به أبحاث، ولنورد ذلك في مباحث، ولنورد ذلك في مباحث تشتمل على أمور، ويتعلق به تنبيهات، وهو كلام عجيب، فعجيب، لا يخفى ضعفه، و: السحر الحلال....
الجزء: 1 - الصفحة: 59
الفصل السابع شخصية ناظر الجيش النحوية
حرص ناظر الجيش في تأليفه «تمهيد القواعد» أو شرح التسهيل أن يجعل المطلع عليه في غنى عن غيره من شروح التسهيل، لهذا فصّل القول، وناقش، واستقصى - ما استطاع - آراء النحاة ونصوصهم.
نقل عنهم، وحلّل قولهم ونقد رأيهم.
كما نراه - في أثناء ذلك - يؤيد قولا، ويدفع آخر، ويحتج لرأي، أو يستدرك عليه، وأحيانا لا يرضى عن رأي من الآراء؛ فيأتي بآراء أخرى هي منه على النقيض، محاولا بهذه الكثرة الانتقاص من ذلك الرأي الأول، وأحيانا أخرى نجده لا يظهر له تجويز بعضهم لمسألة ما، أو يشكل عليه رأيهم فيها، فيردها ويبطل الرأي دون نظر إلى قدر ذلك النحوي، أو ذيوع صيته، مستندا - فيما يقول ويقرر - إلى أدلة وتعليلات يصل إليها بطول باعه في هذا الفن.
وإذا كان صاحبنا قد قصد - فيما قصد - بهذا الشرح أن يقف قاضيا بين العالمين أو العلمين الشامخين - ابن مالك وأبي حيان - فإنا قد وجدناه - من خلال شرحه - ناقدا بصيرا يمتد نظره ونقده إلى أبعد من ذلك، فيتناول النحاة المغاربة، وغيرهم، ومن على شاكلتهم بالنقد النحوي الموضوعي.
رأينا له - في ذلك - مواقف من سيبويه، وابن السراج، والفارسي، وابن جني، والزمخشري، والسهيلي، وأبي البقاء، وابن يعيش، وابن الحاجب، وابن هشام الخضراوي، وابن عصفور، وابن مالك، وابن الضائع، وبدر الدين ابن مالك، وابن أبي الربيع، وأبي حيان، وغيرهم، وهم كثير.
وسنحاول اختصار ذلك وذكر بعض المناقشات والمواقف لعدد قليل جدّا وموقف ناظر الجيش تأييدا أو معارضة، موافقة أو مخالفة، والكتاب يمتلئ بالكثير؛ فمن يريد التوسع في ذلك فليرجع إليه.
أولا: ناظر الجيش وسيبويه إمام النحاة
: في المسائل والقضايا النحوية كان ناظر الجيش يقدم سيبويه، وآراءه على
الجزء: 1 - الصفحة: 60
غيره كما كان يوقّره في نفسه، وفي شروحه، لكنه - مع ذلك - إذا التبس عليه فهم لكلامه، أو رأيه أوضح لنا ذلك في صراحة دون غموض أو التواء.
فقد كان الناظر يقول عن سيبويه: «إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى»، «وكفى بقول سيبويه قولا» ويقول «ويكفي أن سيبويه قال به»، ثم يقول في جعل سيبويه الفعل المقدر الناصب للاسم المخصوص: أعني «ويظهر أن تقديره أولى من تقدير أخص»، ثم يعلل لذلك الذي استظهره.
وعن الجانب الآخر يقول في بعض المسائل: لكن أشكل عليّ ما ذكر عن سيبويه، وقوله: ولا يظهر لي تجويز سيبويه.
ثانيا: ناظر الجيش وأبو علي الفارسي
:
لإيضاح الفارسي، وبصرياته، وتذكرته، وحلبياته مكانة عند ناظر الجيش.
وقد ترددت هذه الكتب في أكثر من موضع في هذا الشرح.
وعلى الرغم من ذلك قال في رأي أبي علي في زيادة مثل:
أما جعل الفارسي كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام: 122] ومَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ [الرعد: 35] من قبيل ما ألغي، فغير مسلم؛ لأن المثل يستعمل مرادا به الصفة والحال إذا كان لكل منهما شأن، وفيه غرابة وذلك على سبيل الاستعارة كما قرر ذلك أصحاب علم البيان.
ثالثا: ناظر الجيش وابن جني
:
لابن جني، وكثير من آرائه، وتوجيهاته - منزلة عند النحاة، وقد اعتدّ به صاحبنا في مواضع غير قليلة من تمهيده؛ لكنه قال في بعضها:
«و.... ابن جني ذهب إلى أن المضاف إلى الياء لا يتصف بإعراب ولا بناء.
فأثبت قسما من الأسماء لا معربا، ولا مبنيّا.
ولا يخفى ضعف هذا الرأي، وأنه لا ينبغي التشاغل بمثله..».
الجزء: 1 - الصفحة: 61
رابعا: ناظر الجيش والزمخشري
:
يعد الزمخشري واحدا من الذين أثروا العربية، وفنونها بكثير من المؤلفات، والآراء.
وهو كذلك واحد من الذين دارت بين ابن مالك وبينهم معارك لغوية وصلت في بعض الأحيان - من ابن مالك - إلى منبوذ القول، أو شديد اللهجة والتعبير.
وقد كان ناظر الجيش معتدلا بحق في مواقفه من هذا العالم المعتزلي العقيدة المتعصب لعقله، كان ناظر الجيش منصفا له مجلّا إياه مدافعا عنه.
يقول عقب مسألة ذكر فيها رأي الزمخشري:
«فانظر إلى هذا الرجل كيف يهديه الله تعالى إلى سبيل الرشاد، ويطلعه على الأسرار، وينطق لسانه بما فيه الحكمة والصواب، وبهذا المعنى الذي قرّره يظهر لك التفاوت بين في والباء في هذا المحل؛ لأن الباء لا تفيد ما أفادته في من كون هذا التدبير كالمنبع والمعدن، وإنما تفيد السببية لا غير».
وفي مسألة أخرى يقول ناظر الجيش: قال ابن مالك «وقال الزمخشري في:
م الله: ومن الناس من يزعم أنها من أيمن، قلت: لم يعرف من الذي زعم ذلك وهو سيبويه رحمه الله تعالى.
وفي عدم معرفة الزمخشري بأن صاحب هذا القول سيبويه، دليل على أنه لم يعرف من كتابه إلا ما يعرف بتصفح، وانتقاء لا بتدبر واستقصاء؛ فما أوفر تبجحه، وأيسر ترجحه عفا الله عنّا وعنه!» فقال ناظر الجيش في ذلك: «.. وليس فيه إلا تعرضه إلى الغضّ من الزمخشري، وتجهيله إياه بكتاب سيبويه.
وليس هذا من طريقة المصنف؛ فإنه - بحمد الله تعالى - مكفوف اللسان عمن هو دون الزمخشري في الرتبة، فكيف بمن هو عالي الرتبة؟ ولكن - كما قيل - الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو، والعجب أن ما قاله في حق الزمخشري من أنه لا يعرف من الكتاب إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء، لا بتدبر واستقصاء، قاله الشيخ أثير الدين في حقه إما بهذا اللفظ، أو بمعناه، أو ما يقرب منه حسب ما تقف عليه في باب إعراب الفعل إن شاء الله تعالى وهذا يحقق قول القائل: كما تدين تدان.
الجزء: 1 - الصفحة: 62
فكأن المصنف جوزي بالوقوع في حقه عما وقع به في حق الزمخشري».
خامسا: ناظر الجيش وابن الحاجب
:
كتب ابن الحاجب، من كافيته في النحو وشرحه عليها، وشافيته في الصرف، وأماليه المختلفة وشرحه على مفصل الزمخشري، كل ذلك كان له قدره عند النحويين عامة وعند ناظر الجيش خاصة.
وقد وقف ناظر الجيش من ابن الحاجب موقف المجلّ في بعض الأحيان، وموقف المعارض.
فمن مواقف الإجلال قوله في حد التمييز: وحدّ ابن الحاجب أفضل من حدّ ابن مالك، وقوله: وقد نبه ابن الحاجب على ذلك بأخصر عبارة وألطف إشارة؛ حيث قال بعد يا أيها الرجل، ويا هذا الرجل ويا أيهذا الرجل: والتزموا رفع الرجل لأنه المقصود وتوابعه لأنها توابع معرب.
وفي موقف آخر قال عنه: ورأي ابن الحاجب في هذه المسألة كرأي المصنف فيها وقد استدرك المنتقدون على ابن الحاجب رحمه الله تعالى.
سادسا: ناظر الجيش وابن عصفور
:
أما ابن عصفور فهو أكثر النحويين إجلالا لدى ناظر الجيش، وقد وقف على كتبه كلها؛ وقف على مقربه وشرحه، وشرحه لجمل الزجاجي، وشرحه لإيضاح الفارسي فانتقى منها ما وافق المقام ولكن مع يقظة وانتباه؛ فحينا كان يحكم بالصواب وقوة الرأي وحينا كان يحكم بغير ذلك وحينا كان يدفع رأي ابن عصفور وحينا كان يقره ويرضاه.
ومن هنا طال وقوف ناظر الجيش مع ابن عصفور مادحا أو قادحا.
فمن المدح قوله: ويقال: إن بعض ملوك العرب سأل ابن عصفور عن هذه المسألة - وكان ذلك بحضرة جمع من النحاة - فشرع في ذكر ما ينتصب بعامل واجب الحذف إلى أن أتى على جميع ما تضمنته أبواب العربية من ذلك في مجلسه على الفور دون تروّ فقضى له حينئذ بالعجب وشهد له بالتبريز في هذا الفن.
وكثيرا ما كان يقول: والذي ذكره ابن عصفور أقرب إلى الحق،
الجزء: 1 - الصفحة: 63
أو يقول: وحدّ ابن عصفور أحسن من حدّ ابن مالك.
وأما قوله قادحا إياه: فهو قوله: وهو كلام عجيب لا يخفى ضعفه.
سابعا: ناظر الجيش وابن مالك
:
نظر صاحبنا في شرح ابن مالك على تسهيله، فوجد أن الناظر فيه لا يرضيه الاقتصار عليه ولا يقنعه ما يجده لديه، بل تتشوق نفسه إلى زيادات...
يضاف إلى ذلك أن صاحبنا وجد من أبي حيان تحاملا شديدا على ابن مالك، حتى صارت المناضلة عن المصنف لازمة والانتصار له متعينا؛ ومع ذلك كله لم يكن ناظر الجيش مقتصرا على المناضلة والانتصار للمصنف؛ بل
إنه كان يقف من ابن مالك خصما إذا رآه بعيدا عن صواب القول، وأحيانا كان يفضل الشيخ عليه، أو غيره من النحاة.
وهذه - أولا - بعض ملامح توقير ابن مالك: قال ناظر الجيش:
أ - هذا كله كلام المصنف رحمه الله تعالى ولا مزيد عليه في الحسن واللطف.
ب - وإذا اعتبرت ما فعله المصنف علمت أنه سلك مسلكا حسنا وأنه موفق معان.
جـ - انتهى كلام المصنف، وهو - كما قيل - كالماء؛ إلا أنه زلال، والسحر؛ إلا أنه حلال، فرحمه الله تعالى، ورضي عنه، وأرضاه، بمنه، وكرمه.
د - انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وهو كما قيل:
من السّحر الحلال لمجتنيه... ولم أر قبله سحرا حلالا
وما أكثر ترديده صدر هذه العبارة السابقة إثر كل كلام ينقله عنه.
وأما ملامح غير التوقير: فمن أمثلتها قوله: وقد أشكل عليّ هذا الموضع، وتعذّر عليّ الجمع بين ما قاله في التسهيل وما قاله في شرح الكافية وما قاله في الألفية.
وقوله: هذا هو الصحيح، ولا يعرف ذلك من كلام المصنف لا في المتن ولا في الشرح.
وقوله: فأنا أورد كلام ابن عصفور في هذا الموضع فإنه أوضح من كلام المصنف.
الجزء: 1 - الصفحة: 64
ثامنا: ناظر الجيش وأبو حيان
:
في مقدمة «تمهيد القواعد» أوضح لنا «ناظر الجيش» أن شيخه أبا حيان تحامل في الرد والمؤخذات تحاملا بيّنا على ابن مالك، وأنه بالغ في ذلك حتى صارت المناضلة عن المصنف لازمة، وخرج شرح أبي حيان - التذييل والتكميل - بسبب هذه الإطالة عن مقصود الشرح، فتفتحت فيه - كما رأى الناظر - الثغرات، وصار في حاجة إلى تقويم.
ونظرة فاحصة متأنية في أبواب التحقيق تقرر لنا ذلك، أو تؤكده، وتضيف شيئا آخر: هو أن ناظر الجيش لم تكن كل غايته تخطئة أبي حيان، ولكنه كان ينقده نقدا موضوعيّا: يؤيده حين يراه على صواب، ويرفض رأيه حين يجده قد خالف القوم، أو انحرف عنهم.
ولا نعدم في كثير من الأحيان تعليلات ناظر الجيش لذلك.
وسيأتي قريبا موقفهما من الاستشهاد بالحديث الشريف.
فأبو حيان قد ردّ استشهادات ابن مالك، وتعنف في الرد،
والقول، فجاء الناظر، ودافع باعتدال عن ابن مالك مبينا ما في ذلك من آراء، وتوجيهات، ووقف مع ابن مالك موقف المطمئن.
وفي أبواب الكتاب والشرح كله كثير من المسائل والقضايا التي ناقش الناظر فيها شيخه أبا حيان، ووقف منه مواقف مختلفة إما مادحا وإما قادحا.
وهذه بعض منها: فمن المدح قوله: والذي ذكره الشيخ في الآية الشريفة ظاهر، وقوله: وهذا التعليل الذي ذكره الشيخ أحسن من تعليل المصنف، وقوله: وقد أكثر المصنف من ذكر الشواهد على ذلك ولا حاجة إلى إيرادها؛ لأن هذا كما قال الشيخ لا يحتاج إلى مثال؛ لأن دواوين العرب ملأى منه.
وقوله: ما ذكره الشيخ حق لا شبهة فيه.
وقد كنت أيام الاشتغال وقفت على كلام المصنف رحمه الله في شرح الكافية فرأيته ذكر هذه المسألة كما ذكرها هنا واستشهد بالبيت المذكور؛ فحصل في خاطري أن القسم وجوابه هو جواب الشرط وأنه لا حذف أصلا وجزمت بذلك؛ لكن لما رأيت الشيخ ذكره في شرحه اقتصرت على نسبته إليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 65
ومن القدح قوله: ولا أعلم ما الذي أوجب له مخالفة النحاة فيما قالوه، مع أنه لم يستدل على ذلك بشيء.
ومن ذلك ما قاله أبو حيان وقذفه لابن مالك بأنه لم يعرف له شيخ، انبرى ناظر الجيش ورمى أبا حيان بمثل ما رمى به ابن مالك يقول ناظر الجيش:
وقد كان الشيخ يلمزه - ابن مالك - أيضا بأنه لا يعرف له شيخ أخذ عنه هذا الفن، أعني فنّ العربية، وهو عجب؛ فإن ذلك يدل على علوّ رتبته وسموّ همته، وعلى قوة أتاها الله تعالى له.... وقد كان الشيخ مكبّا على هذا الكتاب - التسهيل - بعد أن كتبه بخطه، وشحن هوامشه بالأمثلة والشواهد.
وكان عمدته وغالب أوقاته ينظر فيه وطالما شاهدته وهو يخرجه من كمّه حين يسأل عن مسألة، فينظر فيه ويجيب... ثم إن الناس يذكرون أن الشيخ لم يقرأ كتاب سيبويه على أحد أيضا ببلاد المغرب، وأنه بعد قدومه إلى الديار المصرية قرأه على الشيخ بهاء الدين بن النحاس مصححا ألفاظه، ومحررا لها مع قصد الرواية، أما قراءة بحث وتدبّر فلا.
وأما قوله عن الزمخشري: إنه وافر التبجح كثير الترجح معظم نفسه، فالزمخشري في صوب آخر يضاد ما ذكره الشيخ عنه.... وبعد: فرضي الله تعالى عنهم أجمعين...
وبعد....
فهذه نماذج مختلفة سقناها؛ لنبين موقف صاحبنا ناظر الجيش من - بعض - النحاة منذ أول كتاب جمع قواعد
النحو - وهو كتاب سيبويه - حتى أبي حيان شيخ ناظر الجيش، وقد عكست لنا طريقته في العرض والمناقشة وتقرير المسألة واستخلاص الجواب - طول باعه، وغزارة مادته، وسعة اطلاعه، ودقة منهجه، ونقده الذي يقصد به الوصول إلى الحقيقة بعيدا عن الهوى لعالم معين أو لآخر.
بقي أن نتعرف موقف صاحبنا من الأدلة النحوية ومذهبه النحوي وما لشرحه من ميزات وما عليه من مآخذ.
وهذا هو حديث الفصول القادمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 66
الفصل الثامن موقف ناظر الجيش من قضية الاستشهاد والأدلة النحوية
معروف بين النحاة والمتخصصين أن مصادر الاستشهاد في لغتنا هي القرآن الكريم، والقراءات القرآنية، والحديث الشريف، والشعر، وأمثال العرب، وأقوالهم.
وقد أكثر المتقدمون في الاستشهاد بها في مؤلفاتهم واقتصر آخرون على بعضها.
حتى جاء المتأخرون وفسّروا هذا بما يرضي ميولهم.
فمثلا في الاستشهاد بالحديث قال بعضهم: لا يجوز الاستشهاد به؛ لأنه قد روي بالمعنى، كما قالوا: إن بعض الشعر لا يجوز الاستشهاد به؛ لأن قائله من طبقة أو عصر لا يجوز الاحتجاج به.
أمّا ناظر الجيش وموقفه من هذه القضايا فقد كان موفقا أيما توفيق فيما ذهب إليه.
أولا: القرآن الكريم
:
لا مرية بين القوم في أن القرآن الكريم منذ أن وجد - وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - هو قمة الفصاحة وغاية البيان؛ لذا لم تختلف كلمتهم حول صحة أن يحتج بكلمه وآياته من غير فرق بين ما وافق الاستعمال الجاري فيما وصل إلينا من شعر العرب، ومنثورهم، وما جاء على وجه انفرد به.
إن ألفاظ القرآن الكريم - كما قال الراغب في مفرداته - هي لبّ كلام العرب، وزبدته، وواسطته، وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء، وما عداها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة.
وقد وقف بعضهم في قضية الاستشهاد بالقرآن الكريم، وقالوا: إنه يشتمل على ألفاظ غير قياسية.
ونحن نعجب من هؤلاء؛ يثبتون اللغة بشعر مجهول ولا يثبتونها بالقرآن العظيم! قال ابن حزم: «ولا عجب أعجب ممّن إن وجد لامرئ القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو الحطيئة، أو الطرماح، أو لأعرابي أسدي، أو سلمي، أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب - لفظا في شعر، أو نثر
الجزء: 1 - الصفحة: 67
جعله في اللغة، وقطع به، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد لله تعالى خالق اللغات وأهلها - كلاما لم يلتفت إليه، ولا جعله حجة وجعل يصرفه عن وجهه، ويحرفه عن موضعه، ويتحيل في إحالته عما أوقعه الله عليه» (1).
أما موقف ناظر الجيش من شواهد القرآن الكريم: فقد أخذ منه قمة شواهده، فكثرت لديه تلك الشواهد كثرة واضحة، واشتمل شرحه على الآلاف من الآيات القرآنية.
وكانت له مواقف مع بعض النحاة في تخريج بعض الآيات والشواهد القرآنية من ذلك قوله في باب الاستغاثة: قال المصنف في الشرح «والمعروف في اللغة تعدي فعله بنفسه نحو: استغاث زيد عمرا قال الله تعالى:
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ.. [الأنفال: 9] وقال تعالى: فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ.. [القصص: 15]، والنحويون يقولون: استغاث به فهو مستغاث به وكلام العرب بخلاف ذلك..».
قال ناظر الجيش بعد إيراده ذلك: «... ولك أن تقول: قد تعرض النحاة إلى ذكر الأفعال التي تتعدى بنفسها تارة وبالحرف أخرى، ولم يذكروا أن فعل الاستغاثة من تلك الأفعال، ثم قد ثبت بالكتاب العزيز تعديه بنفسه، فوجب أنه إذا ورد متعديا بحرف أن يدعى فيه التضمين - استعان -».
ثانيا: القراءات القرآنية
:
إذا كانت القراءات القرآنية قد جاءت وفق اللهجات العربية فإن بعض النحاة واللغويين قد رمى بعضها بالخطأ، وأبعدها عن الصواب انطلاقا من قياسها بمقاييسهم التي وضعوها وذلك حينما لا يجدون لها في العربية وجها تخرّج عليه.
قال السيوطي: «كان قوم من النحاة المتقدمين يعيبون على عاصم، وحمزة، وابن عامر قراءات بعيدة في العربية، وينسبونهم إلى اللحن وهم مخطئون في ذلك؛ فإن قراءاتهم ثابتة بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي16
الجزء: 1 - الصفحة: 68
لا مطعن فيها، وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية (1).
وكان ناظر الجيش معتدلا في هذا الجانب واستشهد بالقراءات الواردة كلها، متواترها وشاذها، من ذلك قوله:
اختار المصنف جواز قراءة ابن عامر... قتل أولادهم شركائهم [الأنعام: 137]، وقال أبو حيان: «هو الصحيح وإن
كان أكثر النحويين لا يجيزونه في الكلام وذكروا أنه مختص بالشعر».
قال أبو حيان: «وأما من صرح بأنها غلط فهو قدح في التواتر؛ بل جميع القراءات السبع متواترة فعلى كل قراءة منها جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، ومنكر التواتر فيها يكون في إسلامه دخل».
قال ناظر الجيش: «وهو كلام حسن صادر عن حسن الاعتقاد صحيح الاستمساك حافظ لنظام الشريعة المطهرة...».
ثالثا: الحديث الشريف
:
اختلفت نظرة اللغويين والنحاة إلى الحديث الشريف المروي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مما جعل بعضهم يستشهدون به في قضاياهم، وبعضهم الآخر يستبعدونه فلا يستندون إليه في إثبات ألفاظ اللغة، ووضع قواعدها.
قال العلامة السكندري: «مضت ثمانية قرون والعلماء من أول أبي الأسود الدؤلي إلى ابن مالك لا يحتجون بلفظ الحديث في اللغة إلا الأحاديث المتواترة» 18.
وقضية الاستشهاد بالحديث الشريف قد أخذت على يد ابن مالك اهتماما لم يتحقق لها من قبل.
وجاء أبو حيان فأشعلها - كما يقولون - ثورة، وقال في ابن مالك ما قال.
وهيأ الله لابن مالك من القوم من يردّ إليه حقه فكان ناظر الجيش تلميذ أبي حيان.
ونرى أن نبرز للبحث والباحثين تلك النصوص التي وردت بين ابن مالك، وأبي حيان، وناظر الجيش في هذه القضية.17
الجزء: 1 - الصفحة: 69
ونودّ أن نقرر أولا أن ناظر الجيش كان يجلّ شيخه، ويوقره، لكن لمّا وقع من الشيخ ما وقع، رد عليه الناظر بنية إحقاق الحق وتقرير الصواب.
نصّ ردّ أبي حيان على ابن مالك في استشهاده بالحديث:
قال أبو حيان 19: «فأما استدلاله بالأثر فنقول: قد لهج هذا المصنف في تصانيفه كثيرا بالاستدلال بما وقع في الحديث في إثبات القواعد الكلية في لسان العرب بما روي فيه، وما رأيت أحدا من المتقدمين، ولا المتأخرين سلك
هذه الطريقة غير هذا الرجل؛ على أن الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب - كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، والخليل، وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي، والفراء، وعلي بن مبارك الأحمر، وهشام الضرير من أئمة الكوفيين - لم يفعلوا ذلك، وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين، وغيرهم من نحاة الأقاليم، كنحاة بغداد وأهل الأندلس.
وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء، فقال: إنما ترك العلماء ذلك؛ لعدم وثوقهم أن ذلك نفس لفظ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ وذلك أن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى.
قال: وقد وقع اللحن كثيرا في ما روي في الحديث؛ لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو فوقع اللحن في نقلهم وهم لا يعلمون.
وأطال الكلام في ذلك إلى أن قال: إن المصنف يستدل بالآثار متعقبا بزعمه على النحويين، وما أمعن النظر في ذلك ولا صحب من [له] التمييز في هذا الفنّ والاستبحار والإمامة؛ ولذلك تضعف استنباطاته من كلام سيبويه، وينسب إليه مذاهب، ويفهم من كلامه مفاهيم لم يذهب سيبويه إليها، ولا أرادها.
وقال لي قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الحموي، وكان ممن قرأ على المصنف وقد جرى ذكر ابن مالك واستدلاله بما أشرنا إليه، قال:
الجزء: 1 - الصفحة: 70
قلت: يا سيدي هذا الحديث روته الأعاجم، ووقع فيه بروايتهم ما تعلم أنه ليس من لفظ الرسول صلّى الله عليه وسلّم فلم يجب بشيء.
قال: وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة؛ لئلا يقول مبتدئ: ما بال النحويين يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر، ولا يستدلون بما ورد في الحديث بنقل العدول كالبخاري، ومسلم وأضرابهما؟! فإذا طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث» 20 انتهى.
ردّ ناظر الجيش على شيخه أبي حيان في هذه القضية:
قال ناظر الجيش: وأقول: أما إنكاره على المصنف الاستدلال بما ورد من الأحاديث الشريفة معتلّا لذلك بأن الرواة جوزوا النقل بالمعنى:
فيقال فيه: لا شك أن الأصل في المروي أن يروى باللفظ الذي سمع من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والرواية بالمعنى وإن جازت فإنما تكون في بعض كلمات الحديث المحتمل لتغيير اللفظ بلفظ آخر يوافقه معنى؛ إذ لو جوزنا ذلك في كل ما يروى لارتفع الوثوق من جميع الأحاديث بأنها هي بلفظ الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهذا
أمر لا يجوز توهمه فضلا عن أن يعتقد وقوعه.
ثم إن المصنف إذا استدل على مسألة بحديث لا يقتصر على ما في الحديث الشريف؛ بل يستدل بكلام العرب من نثر، ونظم، ثم يردف ذلك بما في الحديث إما تقوية لما ذكره من كلام العرب، وإما استدلالا على أن المستدل عليه لا يختص جوازه بالشعر؛ بل إنه يجوز في الاختيار أيضا.
ولا يخفى عن اللبيب أن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمر رضي الله تعالى عنه في ابن صياد: «إن يكنه فلن تسلّط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله» يبعد فيه أن يكون مغيرا، وكذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله ملّككم إيّاهم ولو شاء ملّكهم إيّاكم».
وبعد: فرحمهم الله تعالى بمنه، وكرمه 21.
الجزء: 1 - الصفحة: 71
وبعد:
فقد ظهر لنا مما تقدم من الحجج التي ركن إليها كل من الفريقين.
الذين يجوزون، والذين لا يجوزون الاستشهاد بالحديث.
ويعدّ ناظر الجيش - في رده هذا على أبي حيان - أول من كشف القناع أو النقاب عن وجه هذه القضية، وأول من فصّل فيها وعلّل.
هذا، وإذا كان أبو حيان قد سار مع ابن الضائع فإن ناظر الجيش قد وافق ابن مالك في مذهبه هذا...
ولكل من الفريقين - بعد ذلك - أتباع (1).
بقي أن نذكر أن شواهد الحديث الشريف في هذا الشرح الكبير بلغت أو قاربت الخمسمائة حديث، وهذا نموذج منها مقرون بشرح وتخريج ناظر الجيش له:
قال المصنف: وممن رأى زيادة من في الإيجاب الكسائي وحمل على ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» فقال: أراد:
إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون، وكان المصنف قد قال في المتن:
«وتزاد لتنصيص العموم، أو لمجرد التوكيد بعد نفي، أو شبهه» قال الناظر:
«وأما قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» فقد كفى المصنف مؤونة الجواب عنه إذ قال في باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر لما ذكر أن ضمير الشأن يكون اسما لإن،
وأنه يحذف معها كثيرا قال:
وعليه يحمل «إن من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصوّرون» لا على زيادة من خلافا للكسائي» (2).
رابعا: الشعر
: لقيت الشواهد الشّعرية - كغيرها - من النحاة تفضيلا، ورفضا، وقبولا، واهتم بعضهم بها اهتماما لم يتحقق لغيرها فإذا ما جاء - بعضهم - يشرح شواهد كتاب في النحو، أو الصرف - جعل جلّ اهتمامه - أو كلّه -2223
الجزء: 1 - الصفحة: 72
بالشواهد الشعرية حتى كدنا إذا قيل: هذا كتاب يشرح الشواهد عرفنا أنه في شرح الشواهد الشعرية.
وقد ذهب علماء اللغة - وهم يستشهدون بشعر العرب - إلى تقسيم الشعراء أربع طبقات:
الأولى: طبقة الشعراء الجاهليين، وهم من كانوا قبل الإسلام، ومن هؤلاء: امرؤ القيس، وزهير، وطرفة، وعدي بن زيد، وعلقمة الفحل..
الثانية: طبقة الشعراء المخضرمين، ويعنى بهم الّذين أدركوا الجاهلية والإسلام.
ومنهم: الأعشى ميمون بن قيس، وحسان بن ثابت.
الثالثة: طبقة الشعراء الإسلاميين، وهؤلاء هم الذين كانوا في صدر الإسلام، وفي طليعتهم جرير، والفرزدق.
أما الطبقة الرابعة والأخيرة: فهي طبقة المولدين، وهم شعراء ما بعد الطبقة الثالثة إلى زماننا هذا، ومنهم: بشار، والمتنبي، وأبو نواس.
وقد أجمع علماؤنا على الاستشهاد بشعر الطبقتين الأولى، والثانية، وأما الثالثة فقد اختلفوا في شعرها.
والصحيح جواز الاستشهاد بشعر هذه الطبقة.
أما الطبقة الأخيرة فالصحيح أنه لا يستشهد بكلام شعرائها.
وأما صاحبنا - ناظر الجيش - فقد وجدناه - في أثناء دراستنا وتحقيقنا - قد أورد، واستشهد بشعر من تلك الطبقات على اختلافها، وأنه قد أكثر من الاستشهاد بالشعر؛ حتى بلغت شواهد الشعر عنده أربعة آلاف بيت أو زادت على ذلك.
وكان موقفه من تلك الشواهد كالآتي:
1 - الإشارة غالبا إلى الشاهد في البيت الذي يورده في أكثر الأبيات المستشهد بها.
2 - توضيح معاني بعض مفردات البيت.
الجزء: 1 - الصفحة: 73
3 - ذكر قائل البيت إذا ذكره ابن مالك أو أبو حيان.
4 - الاكتفاء بذكر شطر واحد أحيانا إذا كان فيه الشاهد.
وهذا مثال من الشواهد الشعرية يبين موقف ناظر الجيش من تلك الشواهد.
يقول: واعلم أن ابن عصفور حكم على «عن وعلى» بالاسمية إذا باشرهما حرف جرّ كما قال المصنف، كقول القائل:
[فـ] دع عنك نهبا صيح في حجراته... ولكن حديثا ما حديث الرّواحل
وكقول الآخر:
[و] هوّن عليك فإنّ الأمور... بكفّ الإله مقاديرها
وفي ما ذكره نظر.
فإن «عنك» في «دع عنك» و «عليك» في «هوّن عليك» ليسا مفعولي الفعلين اللّذين هما: دع وهوّن وإن كانا من متعلقاتهما؛ إنما مفعول دع:
نهبا، وأما مفعول هوّن فمحذوف يدل عليه المعنى.
التقدير هوّن عليك ما تلقاه.
ولو كانت «عن» في البيت لتعدية الفعل الذي قبلها إلى ما بعدها لكان التقدير: دع إياك أي: نفسك، وليس المعنى على هذا.
وكذا كان يكون التقدير في البيت الآخر: هون إياك أي: نفسك.
وهذا لا يقال (1).
خامسا: النّثر:
قال أبو نصر الفارابي في أول كتابه المسمى «الألفاظ والحروف»: «كانت قريش أجود العرب انتقادا للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا وأبينها إبانة عمّا في النفس، والذين عنهم نقلت اللغة العربية، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب، وهم: قيس، وتميم، وأسد؛ فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب، وفي الإعراب، والتصريف، ثم هذيل، وبعض24
الجزء: 1 - الصفحة: 74
كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم» 25.
أما الشواهد النثرية فتشمل نوعين من اللغة:
الأول: ما جاء في شكل خطبة، أو وصية، أو مثل، أو حكمة أو نادرة.
ويعدّ هذا النوع من آداب العرب ذات الأهمية ويأخذ في الاستشهاد مكانة مكانة الشعر، وشروطا كشروطه.
الآخر: ما نقل عن بعض الأعراب ومن يستشهد بكلامهم في حديثهم دون أن يتحقق له ذيوع وانتشار كالذي تحقق للأول.
ولهذا شروط في الزمان وفي المكان:
فمن ناحية الزمان: حددت نهاية الفترة التي يستشهد بها بآخر القرن الثاني الهجري بالنسبة لعرب الأمصار.
وأما عرب البادية فآخر القرن الرابع.
ويرتبط المكان بفكرة البداوة والحضارة؛ فكلما كانت القبيلة بدوية أو أقرب إليها كانت لغتها أفصح، والثقة فيها أكبر، وكلما كانت متحضرة أو قريبة منها كانت أساليبها وألفاظها محلّ شك، ومثار شبهة؛ ولذلك تجنّبوا الأخذ عنها؛ ذلك لأن انعزال القبيلة في بطن الصحراء يصون لغتها عن أي مؤثر خارجي، واختلاط قبيلة يفسد لغتها ويحرف لسانها 26.
وقد استشهد ابن مالك وتبعه ناظر الجيش - بكل ما ورد عن العرب من نثر فصيح: سواء ما جاء في شكل خطبة أو حكمة وما جاء في صورة نقل عن بعض الأعراب وإن لم يشتهر؛ فكله فصيح وكله يحتج به، ولا تكاد تخلو صفحة - أو صفحتان - من شرح التسهيل لابن مالك أو ناظر الجيش إلا وفيها قول مأثور عن العرب أو حكمة وردت عنهم، من ذلك قولهم: إن الذود إلى الذود إبل، وقول عمر رضي الله عنه: لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك - أن ترجع إلى الحق.
الجزء: 1 - الصفحة: 75
الفصل التاسع ناظر الجيش مذهبه النحوي - بعض اختياراته
أولا: مذهبه النحوي
:
بالبحث والتنقيب في شرح التسهيل لناظر الجيش رأينا أن موقفه من مذاهب النحو كان كنحاة عصره، ينظر في مدارس البصرة، والكوفة، وبغداد - تلك التي اختارت قضاياها من المدرستين السابقتين عليها - ويختار منها ما يراه يوافق اتجاهه ويتبعه ما استطاع من أدلة، وشواهد أو حجج، وبراهين، وتعليلات.
وجدير بالذكر أن نقول: إن صاحبنا أكثر ما ارتضاه كان من المذهب البصري وهو - غالبا - يعلل لما يختار، وأخرى لا يفعل، وأحيانا نلمح المذهب الذي أراد وإن لم يشر، وفي بعض مسائله كان يتخير أحد الرأيين - البصرة والكوفة - دون أن يعرض أمامنا الرأي الآخر.
وهذه نماذج من المسائل التي أخذ فيها برأي البصريين:
1 - الفعل مشتق من المصدر.
2 - الاسم بعد «لولا» يرتفع بالابتداء.
3 - إذا أضيفت غير إلى متمكن لم يجز بناؤها.
4 - المنادى المفرد المعرفة مبني على الضم.
5 - لا يجوز بناء ما فيه «أل» في الاختيار.
6 - الميم المشددة في اللهم عوض من «يا» في أول الاسم.
7 - لا يجوز ترخيم المضاف.
8 - لا يجوز ترخيم الثلاثي بحال.
9 - لا يحذف في الترخيم من الرباعي إلا آخره.
الجزء: 1 - الصفحة: 76
10 - لا يجوز ندبة النكرة، ولا الموصول.
11 - لا تلحق علامة الندبة الصفة.
12 - لا تكون من لابتداء الغاية في الزمان.
13 - ربّ حرف جر.
14 - الجر بعد واو ربّ بربّ المقدرة.
15 - «منذ» بسيطة.
16 - المرفوع بعد «مذ» و «منذ» مبتدأ.
17 - لا يجوز حذف حرف القسم وإبقاء عمله من غير عوض إلا في اسم «الله» خاصة.
18 - «اللام» في قولك: لزيد أفضل من عمرو لام الابتداء.
19 - أيمن الله في القسم مفرد.
20 - لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه مطلقا.
21 - «كلا» و «كلتا» مفردان لفظا مثنيان معنى.
22 - لا يجوز توكيد النكرة توكيدا معنويّا.
23 - لا يجوز زيادة واو العطف.
24 - لا يجوز العطف على الضمير المتصل المرفوع إلا مع الفصل أو التوكيد.
25 - لا تقع «أو» بمعنى الواو ولا بمعنى بل.
26 - لا يجوز العطف بـ «لكن» بعد الإيجاب.
27 - «كي» تكون ناصبة، وجارة.
28 - الضمير في «لو لاي» و «لو لاك» و «لو لاه» في موضع جر.
29 - لا يجوز حذف نون التثنية لغير الإضافة.
الجزء: 1 - الصفحة: 77
ومما أخذ فيه برأي الكوفيين:
1 - يجوز الفصل بين المتضايفين بالمفعول.
2 - جواز العطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجارّ.
وهناك مسائل وافق فيها المذهبين معا، ومن أبرزها:
1 - قوله: «باب حروف الجر»، ثم قوله: «حروف الإضافة».
2 - قوله: «الاسم مشتق من السمو» وهو العلو، ثم قوله: «الاسم مشتق من السمة» وهي العلامة.
ثانيا: اختياراته النحويّة:
أخذ النحاة - أيام ناظر الجيش - نحوهم من أئمة النحو ورجاله المبرزين، فتخصصوا في قراءة كتبهم، والتنقيب فيها، ومناقشتها... وإذا كانت بعض هذه الكتب تموج بآراء البصرة، والكوفة، وبغداد، إلى جانب آراء خاصة واجتهادات انفرد بها بعضهم - فإنه لم يكن أمام هؤلاء النحاة إلا أن يوازنوا بين ما يجدون.
فما وجدوه مستقيما - في رأيهم - أخذوا به، وأيدوه مستندين في ذلك إلى القرآن الكريم والحديث الشريف، وشواهد الشعر، والنثر،
والقياس، والسماع والتعليل.
وإلا لم يلتفتوا إليه دون نظر إلى قدر صاحب هذا الرأي، أو منزلته عند غيرهم.
ينضاف إلى ذلك أنهم لم يكونوا يقتصرون على تأييد، أو توجيه آراء سواهم، وإنما كانوا - أحيانا - يصدرون آراء خاصة، وبحوثا ينفردون بها مما أعطى النحو، والنحاة في تلك الفترة طابعا مميزا.
وناظر الجيش واحد من هؤلاء.. وتلك أبرز اختياراته، واجتهاداته 27:
1 - «معنى «من» هو ابتداء الغاية، وهذا المعنى لازم لها، ثم قد يقصد بها معنى آخر منضمّا إلى معنى الابتداء، ويدل على ذلك المعنى الزائد سياق
الجزء: 1 - الصفحة: 78
الكلام».
2 - «من» المصاحبة لأفعل التفضيل للبيان؛ لأن المذكور بعدها بيّن به المفضل عليه.
3 - «من، في قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة: 9] ليست بمعنى في، وإنما هي باقية على معناها من ابتداء الغاية، والجار والمجرور في موضع الحال من الصلاة، وهذا هو المراد، ولا يتأتى المراد إذا جعلت بمعنى في.
والله أعلم».
4 - «في قوله تعالى: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [النور: 30] من للتبعيض، وليست زائدة؛ لأنهم لم يؤمروا بغض الأبصار، وإنما يغض منها ما كان في النظر به امتناع شرعي».
5 - «ليست الباء للتعليل في قوله تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص: 20] بل التعليل هو: لِيَقْتُلُوكَ، وإنما الباء ظرفية أي: يأتمرون فيك أي: يتشاورون في أمرك لأجل القتل، ولا يكون للائتمار علتان».
6 - «معنى الحرف إنما يكون حاصلا لما باشره الحرف».
7 - «والذي يظهر أن ربّ للتكثير، وأنها تستعمل للتقليل قليلا».
8 - «ولو قيل: إن سيبويه قد سوّى بين ربّ وبين كم الخبرية.
ولا شك أن «كم» لها صدر الكلام؛ فلتكن ربّ لشبهها بها كذلك - لكان قولا!».
9 - «لا حاجة إلى التخريجات المتكلفة بعد ثبوت الكلام بنقل الأئمة المعتبرين».
10 - «القسم: جملة إنشائية يؤتى بها لتوكيد جملة خبرية».
11 - «والحق أن النصب - في القسم - إنما هو بفعل القسم المقدر تعدى بنفسه إلى ما كان تعديا إليه بالحرف على القاعدة المعروفة».
الجزء: 1 - الصفحة: 79
12 - «إضافة الأعداد إلى المعدودات، والمقادير إلى المقدرات بمعنى من، نحو: ثلاثة أثواب، ومائة درهم، وذراع حرير؛ لأن الثلاثة، والمائة، والذراع يحتمل كل منها أن يكون من جنس ما أضيف له، ويحتمل أن يكون من غيره».
13 - «.. وكلام الرجل الواحد إذا كان مطلقا في موضع، ومقيدا في آخر حمل المطلق على المقيد».
14 - «والذي يظهر أن التبعية في العطف على الجوار لا مانع منها، من حيث الصناعة.
وأقوى الأدلة عليها الآية الشريفة أعني آية الوضوء؛ لأن قراءة وأرجلكم [المائدة: 6] بالجر ثابتة بالتواتر، وغسل الأرجل واجب بالأدلة القاطعة، فوجب أن يكون (وأرجلكم) في قراءة من جرّ معطوفة على ما تقدم من منصوب (فاغسلوا) فيكون مستحقّا للنصب مع أنه قد جر، ولا وجه لجرّه إلا أن يكون على الجوار».
15 - «ثبت بالكتاب العزيز تعدي الفعل استغاث، بنفسه؛ فوجب أنه إذا ورد متعديا بحرف أن يدّعى فيه التضمين».
16 - في وزن: أسماء قال: «والحقّ أن دعوى أن الوزن فعلاء لا يدفع دعوى أن الوزن أفعال، وكذا العكس ولكل وزن اعتبار، لكن الخلاف قد نقل، والنقول لا ترد».
الجزء: 1 - الصفحة: 80
الفصل العاشر شرح ناظر الجيش - بين التأثر والتأثير - ما له وما عليه
أولا: التأثر
:
ذكرنا في الفصل الخامس مصادر شرح التسهيل لناظر الجيش، ومراجعه التي استقى منها مادته العلمية، وكيف تأثر بمن سبقوه، وهم كثير قد انعكست مؤلفاتهم وكتبهم وآراؤهم في هذا الشرح.
وكان منهم البصريون والكوفيون والبغداديون والأندلسيون والمصريون، وغيرهم.
فمن أعلام المذهب البصري الذين تأثر بهم: سيبويه والخليل والأخفش والمازني والمبرد والسيرافي.
ومن أعلام المذهب الكوفي: الكسائي والفراء وثعلب والطوال.
ومن أعلام المذهب البغدادي، أو ممن جمع بين النزعتين: ابن كيسان والزجاج وابن شقير وابن السراج.
وأما أعلام المذهب الأندلسي: فقد ظهر تأثيرهم في شرح التسهيل لناظر الجيش كثيرا منهم: الأعلم وابن طاهر
والسهيلي وابن خروف والصفار والشلوبين وابن هشام الخضراوي وابن عصفور وابن الضائع وابن أبي الربيع.
وأما أعلام المدرسة المصرية الشامية: فكان على رأسهم: ابن الحاجب وابن مالك وأبو حيان وابن النحاس.
كل هؤلاء تجد آراءهم وأسماء كتبهم منثورة على طول هذا الكتاب.
وأما من كان له اليد الطولى والنصيب الأوفر في هذا الشرح، فهم: ابن مالك وابنه وأبو حيان وابن عصفور.
أما ابن مالك - وابنه - فقد نقل كتابه كله وهو شرح التسهيل وضمنه شرحه، وكذلك الجزء الذي شرحه ابنه بدر الدين أيضا.
ولم يكتف بشرح التسهيل؛ بل كان يرجع بين الحين والحين إلى شرح الكافية الشافية له ويأخذ أحسن ما فيه.
وأما أبو حيان وكتابه التذييل والتكميل في شرح التسهيل، فإن ناظر الجيش
الجزء: 1 - الصفحة: 81
قد أخذ أحسن ما فيه من علم، واستحوذ على لبه، ووضعه في كتابه، وترك الغث منه والتطويل الذي لا قيمة له.
وفوق ذلك أخذ اعتراضاته على ابن مالك ليجيب عنها ويرد عليها.
وأما ابن عصفور فقد كان ناظر الجيش يجله إجلالا شديدا ويحبه حبّا كبيرا، ويرى أنه حامل راية النحو في بلاد الأندلس، وأنه العلم الذي لا يبارى؛ فاقتنى كتبه كلها، واستحوذ عليها، وقرأها قراءة الفاهم الواعي، وأخذ أحسن ما فيها وضمنه كتابه.
وتظهر قيمة شرح التسهيل لناظر الجيش أن سفرين كبيرين لابن عصفور قد ضاعا.
وهما: شرح الإيضاح له وشرح المقرب؛ فلم يبق منهما إلا النقول التي نقلها محب الدين محمد بن يوسف الملقب بناظر الجيش، وضمنها كتابه.
ولا تكاد تعدم في تأثر ناظر الجيش بمن سبقوه من كتب في اللغة والبلاغة والأدب، كالتهذيب للأزهري، والصحاح للجوهري، والنوادر لأبي علي القالي، ومفتاح العلوم للسكاكي.
وهناك كتب كثيرة أخذ منها وانتفع بها؛ وإن لم يشر إليها مثل: كتب أبي علي الفارسي، وكتب ابن الحاجب، وشرح الجمل لابن الضائع.
ثانيا: التأثير
:
أما تأثير ناظر الجيش وشرحه فيمن جاء بعده من أعلام وكتب، فهو كبير.
وهناك نقول كثيرة مبثوثة في ثنايا كتب النحو التي جاءت بعد شرح التسهيل.
وسنشير هنا إلى بعض هذه الكتب وإلى أماكنها وصفحاتها وأجزائها؛ لأن الهدف من وراء ذلك هو إثبات أن شرح التسهيل لناظر الجيش قد عرف طريقه إلى كتب وتآليف النحويين من بعده في عصر لم تكن فيه مطابع ولم يكن للكتاب إلا نسختان أو ثلاثة.
أما اليوم - وبعد طبع الكتاب - فإننا سنجد له تأثيرا كبيرا وانتشارا عظيما.
والآن إلى الدلالة على هذه النقول وأماكنها:
1 - بدر الدين الدماميني، في شرحه على التسهيل المسمى: تعليق الفرائد.
الجزء: 1 - الصفحة: 82
انظر نقلا عن ناظر الجيش في باب الظروف (الجزء الخامس)، تحقيق د/ محمد عبد الرحمن المفدي.
2 - السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر جـ 2 ص 161.
3 - السيوطي في كتابه همع الهوامع جـ 1 ص 12، 13.
4 - الشيخ خالد الأزهري في كتابه التصريح جـ 2 ص 266.
5 - الشنقيطي في الدرر اللوامع جـ 2 ص 54.
6 - الأمير في حاشيته على مغني اللبيب جـ 1 ص 87.
7 - الصبان في حاشيته على الأشموني جـ 4 ص 55.
8 - الشيخ ياسين في حاشيته على التصريح جـ 1 ص 116.
9 - عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب (طبعة هارون).
جـ 1 ص 18، جـ 4 ص 170 - 174.
جـ 4 ص 180، جـ 6 ص 73 - 286 - 328.
جـ 10 ص 51 - 82، جـ 11 ص 319 - 332.
10 - عبد القادر البغدادي في شرح أبيات مغني اللبيب (عبد العزيز رباح).
وقد نقل من شرح التسهيل لناظر الجيش أكثر من أربعين موضعا.
وهذه بعضها في أماكنها من الكتاب.
جـ 1 ص 115 - 154 - 212 - 221 - 235.
جـ 3 ص 97 - 101 - 191 - 199 - 212 - 217 - 241.
جـ 4 ص 87 - 152 - 157 - 169 - 175.
جـ 5 ص 115 - 150 - 159 - 322.
جـ 7 ص 28 - 146.... إلخ.
الجزء: 1 - الصفحة: 83
ميزات الكتاب
:
بعد أن ذكرنا تأثر هذا الشرح بما سبقه من كتب، وتأثيره فيما جاء بعده - نذكر له بعض المميزات كالآتي:
1 - اعتناؤه بالأجوبة الجيدة عن اعتراضات أبي حيان على ابن مالك؛ فقد كان أبو حيان متجنيا في كثير من المسائل والمناقشات والاعتراضات على ابن مالك؛ فجاء ناظر الجيش ورد هذه الاعتراضات وصحح رأي ابن مالك وما اتجه.
وقد بنى الكتاب على هذا وألف من أجله.
ولم يترك ناظر الجيش أي اتهام من أبي حيان إلا أخذه ورد عليه.
وأحيانا كان يصوب النقد.
وعلى ذلك فلا تكاد تخلو صفحة من الكتاب إلا وفيها ذكر الرجلين أو أحدهما.
2 - امتاز الكتاب بثراء علمي واسع؛ فهو موسوعة كبيرة في النحو العربي؛ حيث لم يترك صاحبه شاردة أو واردة إلا وقد تحدث فيها.
ومن هنا لا يقرأ هذا الكتاب ولا يقف على فهمه إلا متخصص دقيق في النحو واللغة.
جاء ذلك من الكتاب المشروح أولا، وهو التسهيل وصعوبته، وجاء ثانيا من صبر المؤلف على العلم، وطول نفسه في التأليف والكتابة والنقول.
3 - اشتمل الكتاب على مباحث كثيرة منقولة من كتب مفيدة في موضعها.
وبعض هذه الكتب قد ضاع، كانت موجودة لدى مؤلف الكتاب، فأخذ منها وضمنها كتابه، وعلى مرّ الزّمن فقدت.
ومن أمثلة ذلك: الإفصاح في شرح الإيضاح لابن هشام الخضراوي، وشرح المفصل لابن عمرون، وشرح الإيضاح لابن عصفور، وشرح المقرب له، والتذكرة لأبي علي الفارسي، وغير ذلك من الكتب.
4 - يمتاز شرح التسهيل لناظر الجيش بجودة الأسلوب وقوة العبارة؛ فقد أوتي صاحبه قوة البيان، ما جعل أسلوبه سهلا بعيدا عن التكلف سلسا واضحا يفهمه كثير من الناس؛ مع ثقل القاعدة النحوية وجفافها، وما ذلك إلا لأنه كان متأثرا بالبلاغة في أسلوبه؛ فأضفت عليه جمالا وبهاء.
5 - يمتاز شرح التسهيل المذكور بقدرة صاحبه على مناقشة القضايا المختلفة،
الجزء: 1 - الصفحة: 84
وتأييد هذا الرأي أو رفضه بالحجة والبرهان، وقبوله أو رده بالدليل والبيان.
6 - يمتاز الكتاب بحسن التنسيق والتنظيم لما يكتب من المسائل أو ينقل من الكتب الأخرى فهو يمهد للموضوع ليقف القارئ عليه أو يجمله له بعد أن يطول الكلام.
وكثيرا ما كان يقسم المسائل إلى مباحث أو أمور أو تنبيهات؛
حتى يقف القارئ على ما يريد، كل على حدة؛ فلا اختلاط ولا تداخل وإنما ترتيب وتنسيق.
7 - كان ناظر الجيش دقيقا في نقوله فلا تحريف ولا تبديل، أمينا فيها:
يسند الحق لأهله وينسب الرأي لصاحبه.
وهذه سمة العلماء الأجلاء.
8 - لم نجد في الكتاب كله على طوله عبارات قذف أو سب، كما فعل أبو حيان مع ابن مالك أو غيره.
وإنما اشتملت عبارات ناظر الجيش على تقدير وإكبار للعلماء واحترام.
وكم دعا بالرحمة لابن مالك وبالهداية لأبي حيان وكم مدح وأثنى على ابن عصفور وغيره.
9 - يشتمل الكتاب على استدراكات كثيرة على ابن مالك أو غيره، وعلى موازنات بين رأي ابن مالك وغيره، وعلى مختصرات اختصرها من أبي حيان وشرحه الطويل للتسهيل، وعلى مسائل علمية دقيقة ومناقشات مفيدة تنفع طلاب العلم والمتخصصين في الدراسات النحوية والصرفية واللغوية.
10 - اشتمل الكتاب على شواهد نحوية لا حصر لها، سواء من القرآن أو الحديث أو الشعر أو كلام العرب المنثور.
ففي مجال الحديث تضمن الشرح ما لا يقل عن أربعمائة حديث.
وفي مجال الاستشهاد بالقرآن وجد ما لا يقل عن أربعة آلاف آية.
ومثل ذلك - أو يزيد - شواهد الشعر وأبيات الاستشهاد؛ فالكتاب موسوعة علمية كبيرة.
وهو أول كتاب في النحو ينشر مشتملا على هذه السعة وهذا الحجم.
وللشرح ميزات أخرى كثيرة وفيما ذكرناه كفاية.
مآخذ الشرح
: وقبل أن نذكر هذه المآخذ نذكر القارئ بما قاله مؤلف الكتاب في مقدمته، حيث يقول: وأنا أسأل الواقف عليه أن يصفح عما فيه من الزلل وأن ينعم
الجزء: 1 - الصفحة: 85
بإصلاح ما يشاهده من خلل.
والله سبحانه وتعالى المرغوب إليه في العصمة من الخطل والتوفيق في كلا الأمرين: القول والعمل.
وما نذكره من مآخذ ما هو إلا خال في وجه الحسناء يزيدها حسنا وجمالا، وسحابة تمر تحت قرص الشمس عن قليل تقشع وتذهب، ثم يبقى النور يملأ الأرض والضياء يزين الحياة.
1 - وقوع أخطاء في بعض آي القرآن الكريم، كتداخل آيتين أو كلمتين في آية، أو سقوط حرف عطف، أو وضع حرف عطف كالفاء مكان الواو.
2 - عدم العناية بذكر قائلي أبيات الشواهد، أو الخطأ في نسبة بعض الأبيات كأن يكون البيت لجرير وينسب
للفرزدق.
3 - عدم إسناد بعض النقول إلى أصحابها والنص عليهم.
4 - تمحله في بعض الأحيان للدفاع عن ابن مالك.
5 - كثرة النقول من الكتب وبخاصة كتب ابن مالك وأبي حيان وابن عصفور؛ مما جعل شخصيته تكاد تذوب بين هذه النقول.
6 - استعماله بعض الألفاظ اللغوية في غير موضعها كلفظ: يعتبر أو اعتبار بمعنى يعد أو له اهتمام.
ومعنى الكلمة في اللغة غير ذلك.
وأخيرا نود أن نقول: إن هذه المآخذ أو غيرها لم تتكرر كثيرا أو تنتشر في الكتاب؛ وإنما هي مواضع معدودة في هذا الخضم الهائل واليم الواسع.
الجزء: 1 - الصفحة: 86
خاتمة
عشنا نحن الستة في صحبة ناظر الجيش وكتابه: تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - فترة طويلة بلغت خمس سنوات لكل واحد منا، استطعنا من خلالها التعرف على شخصية هذا العالم الكبير.
وراعنا بعد هذه الصحبة أنه ليس لهذا الرجل إلى الآن أثر قد حقق، أو دراسة قد عقدت؛ من أجل إظهار جوانب هذه الشخصية التي بهرت أساتذته، ومعاصريه.
ونتوجه بالشكر إلى الله أن جعلنا أول باحثين في شخصية هذا الرجل وأول محققين لكتاب من أعظم كتبه؛ فهذا شرف كبير لنا.
ولعل انصراف الباحثين عن هذا الرجل وعن آثاره هو الذي وضعنا في هذا الموضع، فليس لنا أن ندعي أننا حزنا قصب السبق في هذا المجال.
فلو أن يدا قد امتدت إلى هذا المخطوط قبلنا وقامت بتحقيقه ما كان لنا أن نضطلع بهذه المهمة؛ ولكن يجوز لنا أن نقول: إن سبب الانصراف عن مثل هذا المخطوط إلى الآن هو - كما قال بعض الباحثين - ضعف الهمم وفتور العزائم عن التعامل مع أمثال هذه الموسوعات النحوية؛ فلجأ الجميع إلى السهل الموجز متهيبا الدخول في أعماق كتاب مثل هذا الكتاب وهو تمهيد القواعد؛ خوف الضلال.
وقد خرجنا من البحث بالنتائج التالية
:
1 - يعد ناظر الجيش من الشخصيات البارزة في مجال النحو واللغة والبيان.
فله شرح على التلخيص لجلال الدين القزويني كما رأينا.
كما يعد ناظر الجيش أيضا من الشخصيات التي برزت في ميادين أخرى غير ميدان العلم كميدان السياسة؛ فهو أحد الأعلام المشهورين في عصر المماليك البحرية؛ حيث تولى نظر البيوت السلطانية ونظر الدواوين وغير ذلك، حتى أصبح في عهد الملك الأشرف لا يقطع أمر دونه 28.
الجزء: 1 - الصفحة: 87
2 - يعد كتاب تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد موسوعة نحوية ضمت آراء المتقدمين والمتأخرين في توسط بين التطويل والتقصير؛ فليس فيه التطويل الممل كما في التذييل والتكميل، ولا التقصير المخل كما في التسهيل وشرحه لابن مالك.
وقد بين ذلك ناظر الجيش نفسه في مقدمة هذا الكتاب حينما قال: ولقد خرج الكتاب المذكور - أي التذييل - بسبب الإطالة عن مقصود الشرح، وصار فيه للمتأمل سبيل إلى القدح؛ مع أن المعتني بحمل الكتاب لا يحظى منه بطائل ولا يظفر ببغيته؛ إلا بعد قطع مهامه وطي مراحله.
وأما شرح المصنف فالناظر فيه لا يرضيه الاقتصار عليه، ولا يقنعه ما يجده لديه؛ بل تتشوق نفسه إلى زيادات الشرح الكبير، ويرى أنه إذا لم يحط بها علما كان منسوبا إلى التقصير؛ فرأيت أن أضرب بقدح وأرجو أن يكون القدح المعلى بين القدحين، وأن أضع على هذا التصنيف ما هو جامع لمقاصد الشرحين، وأتوخى الجواب ما يمكن عن مؤخذات الشيخ ومناقشاته بالبحوث الصحيحة والنقود الصريحة، مع ذكر زيادات انفرد بها هذا الكتاب وتنقيحات يرغب فيها المتيقظون من الطلاب 29.
3 - يعد هذا الكتاب مرآة صادقة انعكست فيها آراء المذهب البصري بصفة عامة، وآراء الأندلسيين بصفة خاصة.
4 - ظهرت في هذا الكتاب مقدرة صاحبه الفائقة على إيراد الآراء والموازنة بينها أو الترجيح، واختيار ما يراه صوابا منها، فهو لم يكتف بسرد الآراء؛ بل كان يوازن ويرجح ويختار ويفند.
5 - لم يبخس ناظر الجيش واحدا من هذين العلمين الكبيرين - ابن مالك وأبي حيان - حقه؛ فقد كان يرد رأي أبي حيان حينما يراه قد جانبه الصواب، ويقف بجانبه ضد ابن مالك حينما يراه مصيبا.
وعلى ذلك فإن ناظر الجيش قد جعل من نفسه قاضيا عادلا بين خصمين في ميدان العلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 88
6 - اعتمد ناظر الجيش على السماع أكثر من اعتماده على القياس.
ويظهر ذلك في كثرة الشواهد الواردة في هذا الكتاب نثرية أو شعرية.
7 - أجاد ناظر الجيش في رده اعتراضات أبي حيان على ابن مالك؛ حيث بنى إجاباته عن هذه الاعتراضات على الحجة القوية، والبرهان الساطع، والقواعد الصحيحة.
8 - هذا الكتاب - كما قلنا قبل ذلك - مزيج ثلاثة كتب هي من أمهات الكتب في علم النحو وهذه الكتب: التسهيل، وشرح التسهيل لابن مالك، والتذييل والتكميل لأبي حيان.
هذه هي النتائج التي استطعنا الخروج بها من خلال دراستنا لهذا الكتاب ولشخصية صاحبه.
وندعو الله أن نكون قد وفقنا فيما قمنا به من عمل، داعين المولى سبحانه أن ينفعنا به؛ إنه نعم المولى ونعم النصير.
وأخيرا نعود ونقرر: أننا أمام موسوعة جدّ كبيرة، وأمام عالم بين عالمين شامخين آخرين، هما ابن مالك وأبو حيان.
وقد كان صاحبنا موفقا في أكثر ما قال غاية التوفيق، كما نقرر ونقول: قد تلاقت في هذا الكتاب كتب فأغنى عنها جميعها في حين أنه لا يغني عنه واحد منها.
والله الموفق.
منهجنا في التحقيق بإيجاز بعد أن ذكرناه بالتفصيل في المقدمة
:
سرنا في تحقيق هذا الكتاب على المنهج التالي:
1 - قمنا بتقويم النص تقويما سليما، وفق القواعد النحوية والصرفية والإملائية، دون تدخل في النص بزيادة أو نقص؛ إلا ما اقتضته الضرورة، مع التنبيه على ذلك في الهامش.
2 - قابلنا النسخ بعضها ببعض، مع الإشارة إلى مواطن الزيادة أو النقص فيها.
3 - قمنا بتخريج الآيات القرآنية.
وذلك بذكر سورتها ورقمها وتوجه القراءات ونسبتها أو توثيق نسبتها من الكتب المختصة بذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 89
4 - قمنا بتخريج الأحاديث النبوية الشريفة من مصادرها المختصة.
5 - قمنا بتخريج الشواهد الشعرية، ونسبتها إلى أصحابها إذا لم تكن منسوبة، وتوثيقها من دواوين أصحابها كلما أمكن ومن أمهات الكتب الأخرى، كما شرحنا بعض المفردات التي تحتاج إلى شرح.
6 - قمنا بتخريج الأمثال العربية والأقوال من مظانها الأصلية.
7 - قمنا بتخريج الآراء المنسوبة من كتب أصحابها إن وجدت، أو من المصادر الأخرى ما أمكن ذلك.
كما قمنا
بنسبة بعض الآراء التي لم تنسب إلى أصحابها بقدر الإمكان.
8 - قمنا بالربط بين هذا الكتاب - وهو تمهيد القواعد - وبين كتاب التذييل والتكميل؛ حيث إن هذا الكتاب هو الذي ضم اعتراضات أبي حيان على ابن مالك.
وكذلك الأمر بالنسبة لشرح التسهيل لابن مالك؛ حيث اعتمد عليه ناظر الجيش أيضا.
9 - قمنا بالتعليق على بعض المسائل التي ذكرها المصنف أو الشارح، مع الوقوف أمام بعض القضايا التي تحتاج إلى ذلك.
10 - قمنا بترجمة يسيرة للأعلام من خلال كتب التراجم المختصة.
11 - قمنا بتمييز الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة عن غيرها من النصوص.
12 - قمنا بضبط الآيات والأحاديث والأشعار ومتن التسهيل؛ لينطقها القارئ صحيحة سليمة.
13 - وضعنا عناوين مختلفة قبل كل متن تشير إلى ما يحتويه المتن من معلومات في الباب.
14 - قمنا بعمل فهارس مفصلة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية
الجزء: 1 - الصفحة: 90
والشواهد الشعرية؛ لينتفع بها القارئ ويفيده في الكشف السريع عما يريد، كان ذلك في الجزء الأخير.
ثم أعدنا فهرس الموضوعات للأجزاء كلها في الجزء الأخير الخاص بالفهرس؛ لينتفع به القارئ في معرفة الباب الذي يريده.
وأخيرا ذيلنا الكتاب بالمراجع الحديثة المختلفة التي أفادتنا واستفدنا منها، سواء في قسم الدراسة أو قسم التحقيق.
وصف النسخ التي اعتمدنا عليها في التحقيق
:
من العجيب أن هذا الكتاب - وهو شرح التسهيل لناظر الجيش - لا توجد منه نسخة كاملة في مكان واحد من بلاد العالم مع أنه موجود في أربعة أماكن منها، وهي: مصر والمغرب والسعودية وتركيا، وكان علينا أن نأتي بأجزائه المختلفة من كل مكان ليس للمقارنة فقط، ولكن ليكتمل الكتاب أولا ثم تأتي مرحلة مقارنة النسخ.
أما الموجود منه بمصر فليس بالعسير الحصول عليه من القاهرة أو الإسكندرية، وأما الموجود من بلاد المغرب فقد كفانا مؤنة الحصول عليه معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية؛ حيث صور ما كان موجودا بالبلد الشقيق.
وأما الموجود في تركيا فكان الحصول عليه هو الانتصار العلمي الكبير لأمرين:
الأول: صعوبة الحصول عليه لدرجة تصل إلى الأمر المحال؛ لأن مثل هذه الأمور التي تكون بين دولتين وتهم فردا أو أفرادا يكون تحقيقها أمرا عسيرا.
الثاني: أن نسخة تركيا لا بد من الحصول عليها؛ لأنها تحتوي على أبواب يكمل بها الكتاب ويكمل الموجود في مصر والمغرب بها أيضا.
وبدون الحصول على هذه النسخة سيظل الكتاب ناقصا أربعة أبواب كبيرة (آخر الاستثناء - الحال - التمييز - أول العدد).
وبتوفيق الله سبحانه وتعالى، وإخلاص نيتنا للعمل العلمي في تقديم كتاب ينفع الناس
الجزء: 1 - الصفحة: 91
والعلماء - حصلنا على نسخة تركيا لا بشجاعة منّا ولا وعي أو ذكاء وإنما للأمرين المذكورين: التوفيق من الله وإخلاص النية للعمل العلمي.
دعك مما أنفقنا على هذه النسخة من مال في زمن كنا فيه في حاجة إلى المال (من عشرين عاما)؛ فهذا كله لا قيمة له بجانب الحصول على النسخة المذكورة التي تعادل الكنز الثمين والذهب الغالي.
والله وحده يعلم كم كان سرورنا ونحن نخرج من سفارة تركيا حاملين هذه النسخة في أيدينا، بعد أن بحثنا عنها ثلاثة أعوام كاملة.
وقد دلنا عليها بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي.
النسخة الأولى: وهي نسخة دار الكتب المصرية تحت رقم (349 نحو) وقد رمزنا إليها بالرمز (جـ) وهي نسخة قديمة خطها جميل مكتوبة من خمسمائة عام أو يزيد، وهي مكونة من ستة أجزاء كبيرة، ولها عنوان واحد مكرر في الأجزاء الستة وهو: الجزء الأول من شرح التسهيل (أو الثاني أو الثالث) تأليف الشيخ الإمام العالم العلامة محب الدين ناظر الجيوش، تغمده الله برحمته.
وهذه النسخة الجزء الأول منها ضاع أكثر من نصفه، فلا يوجد منه إلا ثمان وثمانون ورقة (حتى باب الضمير).
والجزء الثاني منها تظن لأول وهلة أنه مفقود كله؛ ولكنه في مكان آخر مع التذييل والتكميل (62 نحو)؛ لكنه لناظر الجيش وخط هذا الجزء وأوراقه هي خط وأوراق النسخة كلها بأجزائها الستة.
وأما الجزء الثالث فهو ينقص ما ذكرناه من أبواب الاستثناء والحال والتمييز والعدد ثم بقية الأجزاء: الرابع والخامس والسادس أجزاء كاملة في هذه النسخة وتنتهي النسخة حتى باب مخارج الحروف وهو آخر ما شرحه ناظر الجيش من التسهيل.
النسخة الثانية: وهي نسخة تركيا والتي جاءتنا على ميكروفيلم، ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 92
صورناها أوراقا فكانت كالآتي:
خمسة أجزاء تبدأ بالجزء الثاني من أول باب كان وأخواتها وتنتهي بالسادس حتى باب مخارج الحروف.
وخطها أيضا جميل كبير واضح كتبت منذ أكثر من خمسمائة عام، وعنوانها كعنوان نسخة دار الكتب (الجزء الثاني من شرح التسهيل لناظر الجيش).
وتمتاز هذه النسخة بأنها النسخة الوحيدة التي تحتوي على الأبواب الناقصة من نسخ دار الكتب على اختلاف أنواعها.
النسخة الثالثة: وهي نسخة المغرب، والتي صورها معهد المخطوطات وقد رمزنا إليها بالرمز (أ) وأوصافها كالآتي:
مكونة من ثلاثة أجزاء فقط وتحمل أرقام (264 - 265 - 266) مصنف غير مفهرس بالمعهد وقد صورناها فكانت كالآتي:
الجزء الأول منها ينتهي عند آخر باب المبتدأ والخبر، والجزء الثاني يبدأ بعده وينتهي عند باب المفعول معه، والجزء الثالث يبدأ من مكان آخر بعيد؛ حيث يبدأ بباب الاختصاص وينتهي حتى باب عوامل الجزم.
فهذه النسخة تنقص من الوسط أبوابا كثيرة وكذا من الطرف.
وتمتاز هذه النسخة عن غيرها بأنها أقدم النسخ حيث كتبت في حياة المؤلف (شوال سنة 773 هـ) وأنهى كاتبها وقارئها تصحيحها على المؤلف أيضا في حياته (775 هـ) وقبل وفاته بثلاثة أعوام.
وهي مكتوبة بخط مغربي واضح وخط نسخ جميل.
النسخة الرابعة: وهي نسخة بدار الكتب المصرية أيضا تحت رقم (5012 هـ) وقد رمزنا إليها بالرمز (ب) ويوجد منها جزآن فقط: الأول والسادس.
الجزء: 1 - الصفحة: 93
الأول: من أول الكتاب حتى آخر باب كان.
والثاني: من آخر الكتاب يبدأ بباب تتميم الكلام حتى باب مخارج الحروف وهو آخر ما شرحه المؤلف.
وهذه النسخة اعتمدنا عليها أيضا؛ لأن خطها حديث؛ حيث كتبت من مائة عام تقريبا؛ فليس عليها تاريخ ولا اسم ناسخ.
النسخة الخامسة: وهي النسخة الموجودة بالمملكة العربية السعودية، مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
وهي مكونة من ثلاثة أجزاء فقط، تبدأ من أول باب حروف الجر وتنتهي عند آخر الكتاب.
وهي نسخة
خطها رديء لا يقرأ إلا بصعوبة بالغة، صورناها من مكانها أيضا للرجوع إليها عند الحاجة.
النسخة السادسة: وهي نسخة الإسكندرية (جامع الشيخ إبراهيم باشا) دلتنا عليها فهارس دار الكتب من قديم.
ويومها عقدنا العزم عليها في اكتمالها ووجود الناقص فيها؛ وإذ بنا لا نجد إلا الجزء السادس فقط من هذه النسخة وهو كالجزء السادس في نسخة دار الكتب بدءا ونهاية!.
هذه هي نسخ شرح التسهيل لناظر الجيش الموجودة في بلاد العالم، وبمجموعها تكتمل نسخة كاملة.
وكلها تتفق أن الكتاب والشرح لناظر الجيش، وكلها تتفق في النهاية إلى باب مخارج الحروف.
وهو آخر ما شرح المؤلف.
ولم يبق إلا خمسة أبواب فقط في الكتاب كله قد أكملنا بها شرح ناظر الجيش على متن ابن مالك.
ومما سبق أيضا يتضح لنا أن هناك أجزاء كان لها ثلاث نسخ، كالأول والثاني والخامس والسادس.
وبعضها كان له نسختان، كالثالث والرابع.
وهذا كان في التحقيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 94
وكان اعتمادنا على النسخ المعتمدة في هذا التحقيق على النحو التالي: والآن إلى نماذج وصور للمخطوط من نسخة المختلفة:
الجزء: 1 - الصفحة: 95
عرض صور مختلفة من نسخ المخطوط صورة من نسخة دار الكتب (349 نحو) مكتوب فيها ([الجزء] الثالث من شرح التسهيل)
الجزء: 1 - الصفحة: 96
صفحة من نسخة دار الكتب المصرية (349 نحو) وفيها يظهر للقارئ جودة الخط المكتوبة به وقدمه.
وهي من الجزء الخامس ورقة: 171 وفيها دفاع ناظر الجيش عن ابن مالك
الجزء: 1 - الصفحة: 97
عنوان نسخة المخطوط (الجزء السادس) التي صوّرت من ميكروفيلم للمخطوط ورد إلينا من تركيا تحت رقم: 1683 والخاتم الموجود مكتوب فيه: وقف لوجه الله تعالى أفقر الورى أبو الخير الشهير بداماد زادة، عفا الله عنه وعن أسلافه وأخلافه سنة 1170 هـ
الجزء: 1 - الصفحة: 98
صفحة ثالثة من نسخة تركيا السابقة وهي آخر الجزء السادس وفيها يظهر للقارئ آخر ما كتبه ناظر الجيش من شرحه على التسهيل وهو نفس نهاية نسخة دار الكتب المصرية (349 نحو)
الجزء: 1 - الصفحة: 99
صورة من نسخة بلاد المغرب المصورة بمعهد المخطوطات (264 مصنف غير مفهرس)
الجزء: 1 - الصفحة: 100
صفحة من نسخة بلاد المغرب وفيها يظهر تاريخ كتابة النسخة
الجزء: 1 - الصفحة: 101
عنوان نسخة المخطوط (الجزء الأول) التي بدار الكتب المصرية تحت رقم 5012 رمز: هـ
الجزء: 1 - الصفحة: 102
الصفحة الأولى من نسخة المخطوط (الجزء الأول) والتي بدار الكتب المصرية تحت رقم: 5012 رمز: هـ
الجزء: 1 - الصفحة: 103
شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
القسم الثاني «التحقيق»
الجزء: 1 - الصفحة: 105