الباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق به
[تعريف الكلمة]
قال ابن مالك: (الكلمة لفظ مستقلّ دالّ بالوضع تحقيقا أو تقديرا أو منويّ معه كذلك).
[1/ 10] قال ناظر الجيش: الترجمة واضحة، وعدل المصنف عن لفظ الحد إلى لفظ الشرح؛ لأنه أعم فهو يصدق على التعريف الحدي والتعريف الرسمي 1.
والضمير في: به: يرجع إلى شرح لا إلى الكلام، كما توهمه بعضهم، وقد وقفت على هذه الترجمة في نسخة من نسخ هذا الكتاب، ذكر المصنف بخطه عليها أنها النسخة الأولى فقال فيها: «باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بذلك من العلامات والأقسام».
فأبان المقصد بما عاد عليه الضمير هنا.
الكلمة: تقال في اللغة بطريق الاشتراك لمعنيين:
أحدهما: الكلام التام أي المفيد كقوله تعالى: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا 2.
وكقوله صلّى الله عليه وسلّم «الكلمة الطّيّبة صدقة» 3، و «أصدق 4 كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: - كلمات: الباب الأول، الباب الثاني.... إلخ، من عملنا في التحقيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 127
................................
6 - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل:... [وكلّ نعيم لا محالة زائل] 5
ثانيهما: أحد مفردات الكلام وهو الاسم وحده أو الفعل وحده أو الحرف وحده وهذا هو المصطلح عليه في علم النحو.
واعلم أن اللّفظ هو الصوت الذي يعتمد على مقاطع الحروف، واحترز بذلك من الصوت الساذج.
وأن المستقل 6: هو الذي لا يفتقر في الدلالة على معناه إلى غيره.
وأن الدال: هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء واحد.
وأن الوضع: تخصيص شيء بشيء؛ بحيث يفهم المراد من ذلك الشيء.
فقوله: لفظ: جنس يدخل تحته كل ملفوظ به، مهملا كان أو مستعملا.
وهو أولى بالذكر من: لفظة؛ لأمرين:
أحدهما: أن التاء للوحدة وهي إنما تتحقق في الحرف الواحد.
ولا يستقيم ذلك؛ إذ الكلمة ليست محصورة فيه، واللفظ يقع على كل ملفوظ به، حرفا كان أو أكثر.
الثاني: أن لفظا مصدر مراد به المفعول، كقولهم للمخلوق خلق، وللمنسوج نسج.
والمعهود في هذا استعمال المصدر غير المحدود بالتاء.
وأكثر ما يوجد في عبارات المتقدمين: لفظ لا لفظة، كعبارة سيبويه في الباب المترجم بباب اللّفظ للمعاني حيث قال 7: -
الحديث: 6 - الجزء: 1 - الصفحة: 128
................................
«واعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللّفظين لاختلاف المعنيين» ومثّل ذلك بـ «جلس وذهب».
ولم يقل: اختلاف اللفظتين.
فتصدير حد الكلمة بلفظة، مخل ومخالف للاستعمال المشهور، بخلاف تصديره بلفظ.
وقوله: مستقلّ: فصل مقدم لفظا والنية به التأخير عن ما بعده، وأراد به هنا ما ليس بعض اسم كياء [1/ 11] زيدي وتاء مسلمة ولا بعض فعل كهمزة أعلم وألف ضارب.
قال المصنف 8: «فإنّ كلّ واحد من هذه المذكورات لفظ دالّ بالوضع وليس بكلمة لكونه غير مستقلّ.
وقوله: دال بالوضع: فصل أخرج به المهمل، كديز مقلوب زيد؛ فإنه لم يوضع لشيء، وإن دل السامع على حضور الناطق به وغير ذلك، فتلك دلالة عقلية لا وضعية 9 وليست بمقصودة هنا.
وقوله: تحقيقا أو تقديرا: تقسيم للدال وليس تتمة للحد، أي الدال بالوضع: إما أن يدل تحقيقا وإما أن يدل تقديرا، أي يقدر أنه دال وإن لم تكن له دلالة.
وإنما ذكر: تحقيقا؛ توطئة لقوله: تقديرا.
أما الدال تحقيقا: فنحو زيد ورجل؛ لأن كلّا منهما دال على معناه دلالة متحققة.
وأما الدال تقديرا: فكأحد جزأي العلم المضاف، نحو امرئ القيس، ونحو غلام زيد إذا جعلته علما، فإن امرأ فقط أو القيس فقط من هذا الاسم ليست لهما دلالة على شيء، فيقدر أنهما دالان فمجموع اللفظين من حيث هو اسم لمسمى واحد كلمة واحدة باعتبار المعنى ومن حيث هو مضاف ومضاف إليه كلمتان باعتبار - - بذهب وانطلق، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين ومثّل لذلك بوجدت عليه من الموجدة، ووجدت، إذا أردت وجدان الضالة.
الجزء: 1 - الصفحة: 129
................................
اللفظ؛ لأن المتضايفين لا يكونان إلا اسمين أو في تقدير اسمين 10، ولولا أنهما في تقدير اسمين لما أعرب الاسم الأول؛ إذا الإعراب لا يكون وسط الكلمة فامرؤ القيس اسم واحد تحقيقا؛ لأن مسماه لا يدرك بأحد جزئيه، وهو اسمان تقديرا؛ لأنه في اللفظ بمنزلة غلام زيد إذا لم يصر علما.
قال المصنف: والحاصل أن إطلاق الكلمة على ثلاثة أقسام:
حقيقي: وهو الذي لا بد من قصده.
ومجازي مهمل في عرف النحاة: وهو إطلاق الكلمة على الكلام التام.
فلا يتعرض لهذا بوجه.
ومجازي مستعمل في عرفهم: وهو إطلاقها على أحد جزأي العلم المضاف؛ فترك التعرض له جائز، والتعرض له أجوز؛ لأن فيه مزيد فائدة 11.
وقوله: أو منوي معه كذلك تقسيم للمحدود.
أي الكلمة إما لفظ أو غير لفظ لكنه منوي مع اللفظ.
قال المصنف: «لما كان الاسم بعض ما تتناوله الكلمة وكان بعض الأسماء لا يلفظ به كفاعل أفعل وتفعل 12 دعت الحاجة إلى زيادة في الرسم ليتناول بها ما لم يتناوله اللفظ، فقيل: أو منويّ معه، أي: مع اللفظ».
ومنوي: صفة قامت مقام موصوفها، والتقدير: الكلمة لفظ مقيد بما ذكر 13، أو غير لفظ منوي مع اللفظ، فالهاء في معه عائدة على اللفظ مقيدا بفصوله.
و: كذلك مشار به إلى الاستقلال والدلالة المنبه عليهما، أي المنوي لا يكون كلمة حتى يتصف بالاستقلال والدلالة بالوضع.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 130
................................
واحترز بهذا القيد من الإعراب المقدر في نحو: يا فتى؛ فإنه يصدق عليه أنه منوي مع اللفظ المقيد ولكنه غير مستقل، هذا شرح الحد المذكور.
ثم ها هنا أبحاث:
البحث الأول:
أورد الشيخ 14 على المصنف أن اللفظ جنس بعيد 15 لصدقه على المهمل والمستعمل.
والقول [1/ 12] أقرب منه لعدم صدقه على المهمل فكان الإتيان به أولى 16.
والجواب: أنه إنما يلزم الإتيان بالجنس القريب في الحد التام 17. ولم يذكر ذلك المصنف على أنه تام بل لم يتمحض كونه حدّا، فقد سماه رسما، وبتقدير كونه حدّا تامّا فالإتيان باللفظ أولى؛ لأن القول يطلق على الرأي، والاعتقاد مجازا وغلب حتى صار كأنه حقيقة، فرفض ذكره في الحد؛ لئلا يوهم دخول غير المراد فيه، وعدل إلى الجنس البعيد لعدم الإيهام.
ولا يكفي في الجواب أن يقال: القول يطلق على المهمل أيضا كما هو رأي بعضهم؛ لأن المصنف لا يرى ذلك والقول عنده مخصوص بالمستعمل 18. -
الجزء: 1 - الصفحة: 131
................................
البحث الثاني:
قال المصنف: تصدير الحد باللفظ مخرج للخط، ونحوه مما هو كاللفظ في تأدية المعنى 19.
فنوقش في قوله: مخرج؛ لأن الجنس لا يؤتى به للإخراج، فلا يقال في الحيوان الناطق: إنّا أخرجنا بالحيوان ما ليس بحيوان.
والجواب: أن الجنس إذا كان أعم من الفصل مطلقا يذكر لتقييد الذات لا للاحتراز.
وأما إذا كان أعم من الفصل من وجه، فيجوز أن يحترز به.
والجنس الذي هو اللفظ هنا أعم من الفصل الذي هو الوضع من وجه؛ لأن اللفظ قد يوجد بغير وضع كما في المهملات.
والوضع قد يوجد بغير لفظ كما في النّصب وغيرها 20.
فبين الجنس والفصل هنا عموم من وجه فجاز أن يخرج بالجنس؛ لأنه قد يتصور فيه 21 أن يكون فصلا بعد جعل الفصل المذكور معه جنسا.
فبهذه الحيثية ساغ فيه ذلك.
البحث الثالث:
قد تقدم قول المصنف أنّ المعهود عند إطلاق المصدر مرادا به المفعول استعمال غير المحدود بالتّاء، قالوا: وقد جاء المصدر المحدود بمعنى المفعول، قال الله تعالى:
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ 22، أي: مقبوضته.
والجواب: أن قبضته هنا ليست مصدرا، وإنما هي اسم أنث بالتاء لوقوعه خبرا عن مؤنث وهو الأرض.
وأما وجهة، في قوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها 23: إن قيل: إنها بمعنى المفعول هنا فغير وارد؛ لأن التاء فيها ليست للوحدة والمصدر موضوع عليها، كما في -
الجزء: 1 - الصفحة: 132
................................
رحمة ونشدة.
فالتاء في هذه الألفاظ لازمة، والحكم المذكور إنما هو في المصدر الذي لم يوضع على التاء.
البحث الرابع:
تقدم أن المصنف أراد بقوله: مستقلّ ما ليس بعض اسم، كياء زيدي وتاء مسلمة، ولا بعض فعل، كهمزة أعلم وألف ضارب، فلم يفصح عن تفسير المستقل، وإنما مثّل لغير المستقل، وتمثيله له بياء النسب وهمزة أعلم ونحوهما 24 يقتضي أن يكون مراده بالمستقل ما دل على المعنى المقصود بتلك الكلمة؛ لأن الألفاظ التي مثل بها لغير المستقل ليس شيء منها دالّا بنفسه على المعنى، أما الدال فمجموع الكلمة التي ذلك اللفظ جزء منها، وإذا كان مراده ذلك لم [1/ 13] يحتج إلى قيد الاستقلال في حد الكلمة وكان قيد الدلالة كافيا؛ لأن هذا القيد يخرج ما قصد هو إخراجه مستقل، إذ ليس ما ذكر من ياء النسب وألف ضارب دالّا بل الكلمة بتمامها هي الدالة على المعنى المقصود بها.
وقد يشكل جعل ياء النسب وتاء التأنيث كالهمزة في أعلم والألف في ضارب، فيقال: إن المجموع في: مسلمة ليس هو الدال على المعنى المراد؛ بل مسلم دال على المتصف بهذا المعنى والتاء دلت على التأنيث.
وكذا يقال في نحو زيدي.
ولا شك أن ياء النسب وتاء التأنيث ليسا في الامتزاج بما هما فيه كالألف والهمزة المذكورتين وهو واضح.
والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: استعمال العرب دل على امتزاج التاء والياء بما صحباه، وأن الدال إنما هو المجموع لا ذلك اللفظ وحده، وهو كونهم جعلوا الحرفين المذكورين حرفي الإعراب والتزموا الكسر قبل الياء والفتح قبل التاء، فلو لم يجعلا مع ما هما فيه شيئا واحدا لم يعاملا المعاملة المذكورة.
البحث الخامس:
قال الشيخ: «إنّما احتاج المصنّف للاحتراز عن بعض اسم وبعض فعل؛ لأنّه أخذ الجنس البعيد وهو اللّفظ ولو أخذ القريب وهو القول لم يحتج إلى التّحرز -
الجزء: 1 - الصفحة: 133
................................
بمستقلّ؛ لأنّ بعض اسم وبعض فعل لا يقال له قول» 25 انتهى.
وليس كما ذكره؛ لأنه إذا صدق عليه أنه لفظ دال بالوضع كما يراه المصنف صدق عليه أنه قول جزما، فلو ذكر القول عوض اللفظ لم يستغن عن مستقل أيضا.
وقال الشيخ أيضا: «قول المصنّف إنّه احترز بقوله: دالّ بالوضع عن المهمل ليس بجيّد؛ لأنّه قبل هذا الفصل فصل الاستقلال واللّفظ المهمل لا يدخل تحت قوله: مستقلّ؛ فيحتاج أن يحترز عنه بما ذكر» 26 انتهى.
وهذا عجب من الشيخ: فإن الفصل الذي هو مستقل مقدم لفظا، والنية به التأخير.
وقد تقدم أن المصنف حكم على ياء النسب وأخواتها بأن كل واحد منها لفظ دال بالوضع وليس بكلمة لكونه غير مستقل فبيّن أن مراده ما قلناه 27.
وإذا كان كذلك لا يتوجه ما ذكره الشيخ.
فإن قيل: إذا كان المراد ما ذكرت، فلأي شيء قدم لفظ مستقل؟
أجيب عنه: بأنه لو لم يقدمه لوليه تحقيقا أو تقديرا، فيوهم ذلك أنهما راجعان إليه وهما قسمان للدال لا للمستقل.
وقد كان يمكنه أن يقول: لفظ دال بالوضع تحقيقا أو تقديرا مستقل؛ لكن يلزم تأخير أحد فصلي الحد عن تقسيم الفصل الآخر وهو غير مناسب.
البحث السادس:
قيل: الحد المذكور غير مطرد لدخول الكلام فيه؛ إذ يصدق عليه أنه لفظ دال بالوضع مستقل.
وغير منعكس 28؛ لخروج بعض أفراد الكلمة عنه، وهو الكلمة المجازية والمنقولة نحو: أسد، المراد به الشجاع والأعلام المنقولة 29 لأنهما اذ ذاك غير دالين بالوضع.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 134
................................
وأجيب عن عدم الاطراد بأن الكلام خرج بقوله [1/ 14]: بالوضع إذ الكلام ليست دلالته وضعية على الأصح.
وعن عدم الانعكاس بأن الحد إنما هو للكلمة الحقيقية الباقية على موضوعها من غير نقل؛ فليست المجازية والمنقولة بمقصودين بل هما خارجان عن الحد 30. ويقال فيهما: كلمة مجازية وكلمة منقولة بالتقييد.
أو يقال: إن الكلمة لا تخرج بالتجوز فيها والنقل عن الوضع؛ لأن الواضع تجوز وأجاز التجوز بشرطه، ونقل وأجاز النقل أيضا، والوضع حاصل في المجاز والمنقول، وهو استعمال الكلمة استعمالا استعملته العرب ومكنت لاستعماله أيضا.
البحث السابع:
قد يتوهم أن من حد الكلمة بأنها لفظ دال بالوضع واقتصر عليه يكون حده غير منعكس؛ لخروج الأسماء التي لا يلفظ بها؛ كفاعل أفعل منه، وحينئذ تتعين الزيادة التي زادها المصنف وهي قوله: أو منوي.
وليس كما يتوهم؛ فإن المقتصرين على ذلك أرادوا اللفظ إما حقيقة وإما حكما؛ ليدخل فيه ما أشير إليه من الأسماء الواجبة الاستتار؛ فإنها في حكم الملفوظ بها.
ويؤيد هذا تسميتهم أنت في نحو: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ 31 توكيدا لفظيّا لذلك المستكن، والتوكيد اللفظي إعادة اللفظ؛ فلو لم يجعلوا المقدر في حكم الملفوظ لما ساغت التسمية المذكورة.
البحث الثامن:
قال الشيخ: «ادّعاء التّركيب في نحو أفعل 32 مشكل وكذا ادّعاء الإفراد فيه».
أما الأول: فلأن التركيب من عوارض الألفاظ، ويستدعي تقدم وجود ولا وجود 33. -
الجزء: 1 - الصفحة: 135
[تقسيم الكلمة]
قال ابن مالك: (وهي اسم وفعل وحرف).
وأما الثاني: فلأن أفعل يفيد إفادة المركب الذي هو الكلام فلا يمكن دعوى الإفراد فيه.
انتهى.
والجواب: أنه مركب ولا إشكال؛ فإن غير الملفوظ به في حكم ما لفظ به كما تقدم؛ فيحكم له بحكم اللفظ.
قال ناظر الجيش: الكلمة جنس تحته ثلاثة أنواع، وهي المذكورة، والكلمة منحصرة فيها.
وللحصر أدلة، منها: الاستقراء 34.
ومنها: أن الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أو لا.
والثاني الحرف، والأول إما أن يدل على الاقتران 35 بأحد الأزمنة الثلاثة أو لا.
والثاني الاسم.
ومنها: ما ذكره المصنف.
وهو أن الكلمة إن لم تكن ركنا للإسناد فهي الحرف وإن كانت ركنا له 36 فإن قبلت الإسناد بطرفيه فهي الاسم وإلا فهي الفعل 37.
ويتعلق بهذا الموضع الكلام على معنى قولهم: الاسم يدل على معنى في نفسه، والحرف يدل على معنى في غيره، والمراد به أن الاسم مستقل بالمفهومية، وأن الحرف غير مستقل بها.
ومعنى ذلك: أن نحو من وإلى مشروط في وضعها دالة على معناها الإفرادي ذكر متعلقها، ونحو الابتداء والانتهاء غير مشروط فيها ذلك 38. -
الجزء: 1 - الصفحة: 136
[تعريف الكلام]
قال ابن مالك: (والكلام ما تضمّن من الكلم إسنادا مفيدا مقصودا لذاته).
واعلم أن الضمير في قولهم: ما دلّ على معنى في نفسه، يرجع إلى معنى أي:
ما دل على معنى كائن في نفسه أي: باعتباره في نفسه وبالنظر إليه في نفسه لا باعتبار أمر خارج.
وكذا الضمير في غيره في حد الحرف أي: ما دل على معنى كائن في غيره أي [1/ 15] باعتبار متعلقه لا باعتباره في نفسه.
وقيل: الضمير في: نفسه يرجع إلى ما دل لا إلى معنى أي: اللفظ الدال على معنى بنفسه من غير ضميمة يحتاج إليها في دلالته الإفرادية؛ بخلاف الحرف؛ فإنه يحتاج إلى ضميمة في دلالته على معنى الإفرادية.
وردّ هذا القول بأمرين:
أحدهما: أن في لا تستعمل بهذا المعنى 39.
الثاني: أن المقابل وهو الحرف لا يجري فيه النقيض؛ إذ يصير المعنى:
الحرف: ما دل على معنى بغيره، أي: بلفظ آخر معه، وإذا جعل في غيره صفة لمعنى، كان المعنى: ما دل على معنى حاصل في غيره، أي: باعتبار متعلقه فيتطابق الحدان في مقصود التقابل 40.
قال ناظر الجيش: اشتمل كلام المصنف في المتن والشرح على خمسة ألفاظ، وهي: اللفظ، والقول، والكلمة، والكلم، والكلام.
فلنذكرها أولا ثم نعود إلى تفسير الحد.
أما اللفظ: فهو مصدر في الأصل.
وقد تقدم أنه الصوت الذي يعتمد على مقاطع الحروف.
وهو أعم الخمسة لصدقه على المستعمل والمهمل.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 137
...............................
أما القول: فهو اللفظ الدال على معنى؛ فهو أخص من اللفظ؛ لصدقه على المستعمل فقط.
لكنه أعم من الثلاثة الباقية؛ لصدقه على الكلمة، والكلم، والكلام.
وقد يطلق على ما يفهم من حال الشيء، وعلى الإشارة، وعلى الرأي والاعتقاد.
وكل ذلك على سبيل المجاز.
وأما الكلمة: فقد علمت أنها تطلق لغة على أمرين 41.
وإنما خصت في الاصطلاح بأحدهما.
وقد تقدم حدها.
وهي أخص من القول؛ لإطلاقها على المفرد خاصة؛ فأخصيتها باعتبار الإطلاق؛ لأنه كلما أطلقت الكلمة أطلق القول، وليس كلما أطلق أطلقت الكلمة.
وأما الكلم: فقد يستعمل في اللغة مرادا به الكلام.
قال الله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ 42، وقال تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ 43.
وأما في الاصطلاح: فهو عبارة عن ثلاث كلمات، سواء أحصلت فائدة أم لا.
واختلف النحاة فيه: هل هو جمع للكلمة أو اسم جنس لها 44؟
فذهب جماعة منهم الجرجاني 45: إلى أنه جمع وكذا يقولون في كل ما الفرق بينه وبين واحده التاء كنبق وتمر.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 138
................................
وظاهر كلام ابن جني 46 يقتضي أنه جمع؛ لأنه قال 47:
«قال سيبويه 48: هذا باب علم ما الكلم من العربيّة، ولم يقل: ما الكلام؛ لأنّه أراد نفس ثلاثة أشياء: الاسم والفعل والحرف.
فجاء بما لا يكون إلّا جمعا وترك ما لا يخصّ الجمع وهو الكلام».
وذهب الفارسي 49 وغيره من المحققين: إلى أنه اسم جنس، وكذلك كل ما شابهه كنبق وسدر 50.
ويدل على ذلك تصغيرهم إياه على لفظه.
ولو كان جمعا لكان للكثرة وجموع الكثرة لا تصغر على لفظها 51. -
الجزء: 1 - الصفحة: 139
................................
ثم القائلون بأنه اسم جنس اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو قول الأكثرين أنه لا يقع إلا على ما فوق العشرة.
وإذا قصد به ما دون ذلك جمع بألف وتاء لأنه جمع قلة 52.
الثاني: أنه يقع على القليل والكثير.
قال بعضهم: «وهذا مقتضى كونه اسم جنس كعسل» [1/ 16].
وأما الثالث: أنه لا يقع على أقل من ثلاث.
وهو رأي ابن جني إن كان لا يقول بجمعيته، ورأي المصنف أيضا فإنه قال:
«الكلم اسم جنس جمعيّ؛ كالنّبق واللّبن وأقلّ ما يتناول ثلاث كلمات» 53.
وكأنه احترز بجمعي من اسم الجنس الذي ليس بجمعي؛ كعسل وماء فإنه يقال على القليل والكثير.
فالجمعي: هو الذي له أفراد تعد، وغير الجمعي بخلافه.
ومن هنا يظن فساد تعليق المذهب الثاني في إطلاق الكلم على القليل والكثير كعسل؛ لظهور الفرق 54.
والمصنف يوافق الكثيرين في أن اسم الجنس لا يطلق إلا على ما فوق العشرة؛ فإنه قال في باب جمع التكسير من هذا الكتاب 55:
«تكسير الواحد الممتاز بالتّاء محفوظ استغناء بتجريده في الكثرة وبتصحيحه في القلّة».
وهذا صريح في الموافقة، وليس في قوله هنا: وأقلّ ما يتناول ثلاث كلمات، مناقضة؛ فإن القائلين بهذه المقالة معترفون بأن الكلام يطلق مرادا به -
الجزء: 1 - الصفحة: 140
................................
الثلاث، ويعتذرون عن ذلك بما سنذكره؛ فاستقام كلام المصنف ثم، وهنا.
وقد اعتذر الشّلوبين 56 عن إطلاق الكلم على الثلاث التي هي الاسم والفعل والحرف بأن قال: «أرادوا الأجناس والأجناس لا تنحصر أفرادها» 57.
وردّ عليه 58 بأن آحاد الكلم إنما هي الكلمة التي يراد بها جنس الأسماء، والكلمة التي يراد بها جنس الأفعال، والكلمة التي يراد بها جنس الحروف، فالكلم إذا لم يقع مما يقع عليه واحده إلا على ثلاث خاصة.
واعتذر ابن عصفور 59 عن ذلك بـ «أنّ العرب إنّما أوقعت اسم الجنس على ما فوق العشرة وجمعته بالألف والتّاء فيما دون ذلك؛ تفرقة بين القليل والكثير؛ حتّى لا يلتبس أحدهما بالآخر، وهذه التفرقة لا تتصوّر هنا، لأن الكلم إذا كان جمعا للكلمة الواقعة على كل واحد من الأجناس الثّلاثة لم يكن لها جمع قليل -
الجزء: 1 - الصفحة: 141
................................
ولا كثير فيفرّق بينهما، ألا ترى أنّه ليس للكلم ولا للكلمات ما يقعان عليه إلّا الأجناس الثّلاثة خاصّة، فلمّا لم تتصوّر التّفرقة شاع وقوع اسم الجنس موقع الجمع بالألف والتّاء؛ لأنّ اللّبس إذ ذاك قد أمن» 60.
وأما الكلام فهو في اصطلاح النحاة: عبارة عن الجمل المفيدة كما سيتضح عند تفسير قيود حده.
وقد اختلف فيه قبل نقله وتخصيصه بما ذكر: هل هو مصدر أو اسم مصدر؟
فمذهب البصريين: أنه اسم مصدر كالعطاء اسم للمعطى وهو الصحيح؛ لأن الفعل المستعمل من هذه المادة مرادا به معنى الحديث ليس إلا ثلاثة أبنية: كلم وتكلم وكالم، ومصادرها الجارية: التّكليم والتّكلّم والمكالمة والكلام 61.
وليس الكلام جاريا على واحد من الأفعال الثلاثة.
ومذهب الكوفيين: أنه مصدر.
قال الشيخ بهاء الدين النحاس 62 رحمه الله: «واستدلّوا على ذلك بإعماله في قولك: كلامك زيدا حسن.
وقال الشّاعر: -
الجزء: 1 - الصفحة: 142
................................
7 - ألا هل إلى ريّا سبيل وساعة... تكلّمني فيها من الدّهر خاليا [1/ 17]
فأشفي نفسي من تباريح ما بها... فإنّ كلاميها شفاء لما بيا 63
فأعمل كلامي في الضّمير».
انتهى.
ولا يظهر لي هذا الذي ذكره؛ فإن الكوفيين لا يمنعون إعمال اسم المصدر؛ بل لا يعمله إلا هم.
قال ابن عصفور لما ذكر اسم المصدر: «مذهب الكوفيين العمل وعند البصريّين لا يعمل إلا في ضرورة» 64.
وإذا كان كذلك فكيف يستدل الكوفيون على المصدرية بالعمل؟
وأشكل من ذلك قول الشيخ بهاء الدين مجيبا عن استدلال الكوفيين المذكور:
«إنّ اسم المصدر يعمل عمل المصدر بإجماع».
وقد علمت خلاف الفريقين؛ اللهم إلا أن يقال: كون البصريين أجازوا عمله -
الحديث: 7 - الجزء: 1 - الصفحة: 143
................................
ضرورة يقتضي صحة جواز نسبة ذلك إليهم في الجملة؛ فلا يمتنع دعوى الإجماع.
ويطلق الكلام في اللغة على أشياء: منها: نفس الفعل الذي هو التكلم، وهو الأصل فيه، وهذا الإطلاق على خلاف فيه 65: أهو مصدر أم اسم مصدر؟ كما تقدم.
ومنها: ما يفهم من حال الشيء.
ومنها: الإشارة.
ومنها: الخط.
ومنها:
المعاني التي في النفس.
ومنها: الجمل المفيدة.
ولا خلاف بين النحاة أن إطلاق الكلام في اصطلاحهم على ما سوى الأمرين الأخيرين مجاز.
وأما إطلاقه على المعاني التي في النفس وعلى الجمل المفيدة، فهل هو بطريق الاشتراك 66 فيكون حقيقة فيهما أو يكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر؟
ثلاثة مذاهب نقلها الشيخ 67. وفي ظني أني وقفت على ذلك في كلام ابن هشام شارح الإيضاح 68.
وفي إطلاق الكلام حقيقة على المعاني النفسية بالنسبة إلى اصطلاح النحاة بعد.
وقد قال المصنف 69: «صرّح سيبويه في مواضع من كتابه بما يدلّ على أنّ الكلام لا يطلق حقيقة إلا على الجمل المفيدة».
وذكر عنه نصوصا: منها: قوله وقد مثّل بهذا عبد الله معروفا 70: -
الجزء: 1 - الصفحة: 144
................................
«فهذا اسم مبتدأ يبنى عليه ما بعده وهو عبد الله ولم يكن ليكون هذا كلاما حتّى يبنى عليه أو يبنى على ما قبله».
ومنها: قوله 71: «واعلم أنّ: قلت في كلام العرب إنّما وقعت على أن يحكى بها ما كان كلاما لا قولا».
عنى بالكلام الجمل وبالقول المفردات.
إذا تقرر ذلك وعلم أن مدار إطلاق الكلام الصناعي على حصول الفائدة، علم أن ما لم يفد ليس بكلام مفردا كان أو مركبا دون إسناد أو مركبا بإسناد غير مفيد؛ لكونه لا يجهل أحد معناه، فاشتمل الحد المذكور 72 على الإشارة إلى قيود يفهم منها ذلك وتضمن الحد زيادة قيدين آخرين على الإفادة.
وهما: أن يكون الإسناد مقصودا، وأن يكون القصد لذات الإسناد لا لشيء آخر.
فقول المصنف: ما تضمن من الكلم إعلام بالجنس الذي منه الكلام، وأنه ليس خطّا ولا رمزا ولا نحو ذلك 73، وإنما هو لفظ أو قول أو كلم، إلا أن اللفظ أبعد الثلاثة؛ لوقوعه على المهمل والمستعمل فعدل عنه، والقول مثل الكلم في القرب؛ لتساويهما في عدم تناول المهمل، لكن قد يقع القول على الرأي والاعتقاد، كما تقدم وإن كان ذلك مجازا؛ فقد قال المصنف: «إنّه شاع حتّى صار كأنّه حقيقة [1/ 18] ثابتة».
قال: «ولم يعرض هذا للكلم فكان تصدير حدّ الكلام به أولى لكن على وجه يعمّ المؤلّف من كلمتين فصاعدا»، فلذلك لم يقل: الكلم المتضمن.
لأن الكلم أقل ما يتناول ثلاث كلمات كما تقدم، بل قال: ما تضمّن من الكلم.
فصدر الحد بما؛ لصلاحيتها للواحد فما فوقه.
ثم خرج بذكر تضمّن الإسناد: الواحد كزيد، والمركب دون إسناد كعندك وخير منك.
وخرج بمفيد: ما لا فائدة فيه؛ لكونه غير مجهول لأحد، نحو: النار حارة، -
الجزء: 1 - الصفحة: 145
................................
والسماء فوق الأرض، وتكلم إنسان.
وخرج بمقصود: ما هو غير مقصود كحديث النائم والساهي.
وخرج بقوله: لذاته: ما هو مقصود لغيره، كإسناد الجملة الموصول بها والمضاف إليها؛ فإن الإسناد فيهما لم يقصد هو ولا ما تضمنه لذاته؛ بل قصد لغيره، وليس كلاما؛ بل هو جزء كلام.
وذلك نحو: قاموا من قولك: رأيت الذين قاموا، وقمت حين قاموا.
وزاد بعض العلماء في حد الكلام: من ناطق واحد، احترازا من أن يصطلح اثنان على أن يذكر أحدهما فعلا أو مبتدأ ويذكر الآخر فاعل الفعل أو خبر المبتدأ؛ فإن مجموع النطقين مشتمل على ما اشتمل عليه مثله إذا نطق به واحد، وليس بكلام لعدم اتحاد الناطق؛ لأن الكلام عمل واحد فلا يكون عامله إلا واحدا 74.
قال المصنف: «وللمستغني عن هذه الزيادة جوابان:
أحدهما: أن اتحاد الناطق لا يعتبر كما لا يعتبر اتحاد الكاتب في تسمية المكتوب خطّا.
ولا يعترض على ذلك بعدم تساويهما في الحكم؛ إذ لا يترتب على نطق المصطلحين ما يترتب على نطق الواحد: من إقرار وتعديل وتجريح وقذف وغير ذلك.
لأنّا نقول: انتفاء ترتب الحكم على الكلام لمانع لا يمنع كونه كلاما؛ فهو كلام لتركّبه من اللفظين؛ لكنه غير صريح بالنسبة إلى كل من الناطقين، إذ لا يعلم السامع ارتباط أحد جزأيه بالآخر، كما يعلم من نطق الناطق الواحد، فلذلك اختلفا في الحكم.
الجواب الثاني:
أن يقال: إنما اقتصر كلّ منهما على كلمة واحدة؛ اتكالا على نطق الآخر بالأخرى، فمعناها مستحضر في ذهنه، فكأنه متكلم واحد نطق بكلمة وقدر الأخرى.
كما يقول الرائي شبحا: زيد، أي: المرئيّ زيد، فكل من الناطقين صادر منه كلام.
وقد تبين أن من الكلام ما يكون أحد جزأيه غير منطوق به» انتهى ملخصا 75. -
الجزء: 1 - الصفحة: 146
................................
ثم ها هنا أبحاث:
الأول:
قال الشيخ: «لا دليل في كلام سيبويه على اشتراط الإفادة والتمثيل بالمفيد لا يلزم منه الاشتراط بل ظاهر كلام سيبويه أنه لا تشترط الإفادة.
قال: وما أظنّ أحدا يمنع قال زيد: النار حارة، ولا قال زيد: الجزء أقلّ من الكل».
انتهى 76.
وهذا الذي ذكره من عدم اشتراط الإفادة خلاف ما يفهم من كلام النحاة، وقد نقل هو في شرحه حدودا للكلام عن جماعة من أئمة النحو.
وكلها مشتمل على ذكر الإفادة 77.
وأما كلام سيبويه: فقد فهم المصنف منه خلاف ما فهمه الشيخ كما تقدم فليرجح [1/ 19] أحد الفهمين بالأدلة الخارجية 78.
البحث الثاني:
نقل الشيخ عن أبي الحسن بن الضائع 79 ما معناه: «أنّه لا حاجة إلى ذكر -
الجزء: 1 - الصفحة: 147
................................
القصد في حدّ الكلام؛ لأنّه إنّما يحترز به عن حديث السّاهي والنّائم والمجنون، والصّادر من هؤلاء يخرج بقيد الإفادة؛ لأنّ مثل هذا لا يفيد بوجه.
ولو قال النّائم:
زيد قادم مثلا ووافق ذلك قدومه، فالفائدة لم تحصل من إخباره، وإنما حصلت من مشاهدة القدوم».
انتهى 80.
ومناقشة ابن الضائع لا تبعد عن الصواب، إلا أن يقال: المراد بالكلام المفيد ما صورته صورة ما يحصل منه فائدة، أي: ما من شأنه أن يفيد، ولا يلزم إفادته من ذلك المحل بخصوصه.
ولا شك أن قول النائم: قام زيد مثلا شأنه ذلك؛ فهو داخل إلى أن يخرج بقيد القصد.
وقال الشيخ: «قد فهم من كلام ابن الضائع أنّه لا تشترط في الإفادة قصد المتكلم إيّاها.
إنّما يشترط فيها أن تكون على هيئة التركيب الموضوع في لسان العرب، وكثير من النحويين لم يعتبروا في حدّ الكلام سوى التركيب الإسنادي فقط، ولم يشترطوا الإفادة ولا القصد».
انتهى 81.
وما ذكره من الفهم المذكور غير ظاهر؛ لأن من جعل القصد قيدا إنما احترز به عما يفيد بغير قصد مثل كلام النائم.
وابن الضائع منع أن يكون ذلك مفيدا؛ فلم يحتج إلى ذكر القصد، ولا شك أن كلام غير النائم والساهي والمجنون يصحبه القصد، فلا يقال: إنه لا يشترط القصد؛ لأن ذلك يوهم أن الكلام قد يخلو عنه، وليس كذلك.
وأوهم استدراجه في الكلام إلى أن الفائدة غير مشروطة عند كثير من النحويين أن ابن الضائع لا يشترطها أيضا، وقد تبين خلاف ذلك.
- - النحو وكان متقدما فيه.
ومن أساتذته الشلوبين.
عاش في القرن السابع الهجري وقارب السبعين عاما، حيث توفي سنة (680 هـ). مصنفاته: له مخطوط كبير عظيم، وهو شرح الجمل بدار الكتب المصرية، وهو أجزاء ثلاثة من عدة نسخ يكمل بعضها بعضا؛ لأنها مهلهلة.
قال السيوطي: وله شرح كتاب سيبويه وهو عجيب، جمع فيه بين شرح السيرافي وابن خروف، كما أن له كتبا أخرى فيها اعتراضات وردود على ابن عصفور وابن الطراوة والبطليوسي، انظر في ترجمته: بغية الوعاة (2/ 204) الأعلام (5/ 154).
الجزء: 1 - الصفحة: 148
................................
البحث الثالث:
قال الشيخ: «لم أر هذا القيد لأحد من النّحويين غير المصنّف» يعني قوله:
لذاته، قال: «ويمكن منازعته فيه من وجهين:
أحدهما: أنّ الصلة كلام.
ويدل عليه اشتراطهم فيها أن تكون جملة خبرية.
والخبر أحد أقسام الكلام.
الثاني: منازعته في أن هذه الجملة تضمنت إسنادا مفيدا مقصودا؛ حتّى يحترز منها بقوله: لذاته؛ لأن جملة الصلة كجزء من الاسم الموصول، ولم ينهض أن يكون من قبيل الكلمة؛ بل هي والموصول قبلها كلمة، وأما الجملة المضاف إليها فهي في تقدير المفرد؛ لأنّ معنى قمت حين قاموا: حين قيامهم، فصورتها صورة ما فيه إسناد والمعنى على التّركيب التّقييدي»، انتهى 82.
وفي هذه المنازعة نظر: أما أن جملة الصلة شرطها أن تكون خبرية، والخبر أحد أقسام الكلام، فمسلّم، ولكن إنما تعتبر الخبرية قبل جعل الجملة صلة، وإذا وصل بها صار لها حكم أخر، كما أن: قام زيد، كلام تام غير مفتقر، وإذا دخلت عليه إن الشرطية صار غير تام مفتقرا، فعلى هذا لا منافاة في قولنا 83: شرط جملة الصلة أن تكون خبرية مع أنها حال الوصل بها لا يصدق عليها أنها كلام.
وأما دعواهم أن هذه الجملة لم تتضمن إسنادا مفيدا مقصودا، فممنوع، بل قد تضمنت الإسناد المفيد المقصود، وإنما حكم لها بحكم الجزء من الاسم الموصول [1/ 20] من حيث أنها لا تتقدم عليه ولا يفصل بينها وبينه بالأجنبي.
وغير ذلك من الأحكام المذكورة في باب الموصول.
والحكم عليها بذلك 84 لا يخرجها عن أن يكون فيها تركيب
إسنادي 85، ولولا ذلك لما حكم على أفرادها بالإعراب -
الجزء: 1 - الصفحة: 149
[تعريف الاسم]
قال ابن مالك: (فالاسم: كلمة يسند ما لمعناها لنفسها أو نظيرها).
وأعربت 86.
وأما قوله في الجملة المضاف إليها: إنها في تقدير المفرد؛ لكن صورته صورة ما فيه الإسناد، فتسليم منه أن الإسناد حاصل، وهذا هو المقصود ولهذا احترز المصنف عنه، والتأويل بالمفرد لا يمنع وجود الإسناد؛ لأنه إنما أول لتصح الإضافة.
قال ناظر الجيش: تفسير هذا الحد متوقف على تصور الإسناد.
وقد عرفه المصنف بأنه: «عبارة عن تعليق خبر بمخبر عنه أو طلب بمطلوب منه» 87، وهو جيد.
وجعله الشيخ غير حاصر لأنواع الإسناد، قال: «لأنّ بعض الإنشاءات كالقسم والعقود يخرج عنه» 88.
والجواب: أن جمل الإنشاء التي لا يراد بها الطلب منقولة من الجملة الخبرية.
فما اشتملت عليه من الإسناد داخل في قوله: تعليق خبر بمخبر عنه، وخروج الجمل على الخبرية يعارض النقل إلى معنى الإنشاء لا يخرج ما تضمنته من الإسناد من الحد.
ثم الإسناد قسمان: لفظي ومعنوى.
فاللفظي: ما عضد به الحكم على اللفظ فقط.
ويشترك فيه الثلاثة، أعني: الاسم والفعل والحرف.
ويشاركها فيه الجملة أيضا، كقولك: زيد معرب، وقام مبني على الفتح، ومن حرف جر «ولا حول ولا قوّة إلّا بالله كنز من كنوز الجنّة» 89.
والمعنوي: ما قصد به الحكم على معنى الكلمة، أي: مدلولها لا على لفظها.
ويسمى وضعيّا وحقيقيّا أيضا.
وهذا هو المختص بالأسماء.
فقول المصنف: كلمة: جنس يشمل الثلاثة.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 150
................................
وقوله: يسند ما لمعناها: فصل يفصل الاسم عن الفعل والحرف، إذ كل منهما يسند ما للفظه إليه لا ما لمعناه.
وأما الاسم فيسند ما لمعناه إليه، أي: يسند إلى لفظه شيء هو لمدلول ذلك اللفظ، فإذا قلت: قام زيد، فالقيام هو ذلك الشيء وهو لمعنى زيد، أي: لمدلوله وهو المسند، واللفظ الذي هو زيد مثلا هو المسند إليه.
ولما كان من الأسماء ما لا يقبل الإسناد، كأسماء الأفعال، والأسماء الملازمة للنداء والمصدرية والظرفية أتى في الحد بزيادة وهو قوله: أو نظيرها.
فمه ومكرمان وسبحان مثلا لا تقبلن الإسناد لكن يقبله نظيرهن.
قال المصنف 90: «وليس المراد هنا بالنظير ما وافق معنى دون نوع، كالمصدر والصفة بالنسبة إلى الفعل، بل المراد ما وافق معنى ونوعا، كموافقة قول الآمر بالصمت السكوت؛ لقوله: صه، لكن صه لا يقبل الإسناد الوضعيّ ويقبله السكوت، فالمسند إلى السّكوت بمنزلة المسند إلى صه؛ ليوافقها معنى ونوعا، وكذا المسند إلى كريم وفلان بمنزلة المسند إلى مكرمان وفل، وإن كان مكرمان وفل لم يستعملا إلّا في النّداء، وهذا سبيل محاولة الإسناد إلى نظير ما تعذر الإسناد إليه بنفسه».
ثم ها هنا أبحاث:
البحث الأول:
[1/ 21] قال الشيخ: «إنما حدّ المصنف الإسناد بما ذكره ليخرج الإسناد اللّفظيّ» 91.
وهذا عجب من الشيخ، فإن الحد المذكور شامل لقسمي الإسناد، ولما ذكر المصنف حد الإسناد قال 92: «فإن كان باعتبار المعنى اختصّ بالأسماء.
وقيل فيه وضعيّ وحقيقيّ.
وإن كان باعتبار اللفظ صلح للاسم ولغيره».
فقسمه إلى القسمين بعد أن ذكر حده وكيف يقال: إن الحد مخصوص بأحدهما؟.
البحث الثاني:
قيل: قول المصنف: «إن الإسناد اللّفظيّ يشرك الاسم فيه غيره» خطأ، بل -
الجزء: 1 - الصفحة: 151
................................
الإسناد اللفظي مختص بالأسماء، كاختصاص المعنوي بها، وذلك أنّا إذا قلنا: قام مبني على الفتح، ومن حرف جر، كان قام ومن، في هذين التركيبين، مبتدأين، والمبتدأ لا يكون غير اسم، فلم يسند إلى الفعل وهو باق على الفعلية، ولا إلى الحرف وهو باق على الحرفية؛ بل صير كل منهما اسما، وأسند إليه.
والجواب عن ذلك: أن قام، إنما وضعته العرب فعلا، وكذا من، إنما وضعته العرب حرفا، وإنما الكلام فيما هو اسم بالوضع لا فيما أدت ضرورة التركيب إلى الحكم عليه بالاسمية لعارض، وإذا كان كذلك صدق أن الإسناد إلى فعل وإلى حرف أي: إلى ما وضعته العرب كذلك.
ولا يلزم من الحكم عليها بالاسمية؛ لضرورة الحكم عليهما بالابتدائية خروجهما عن الوضع الأصلي، ولو خرجا عن وضعهما لما صحّ قولنا: قام فعل ماض ومن حرف جر.
البحث الثالث:
قد يتوجه على المصنف مؤاخذة في قوله: يسند ما لمعناها.
فيقال: إن الذي لمعنى الكلمة وهي زيد، القيام مثلا، وليس القيام بمسند، إنما المسند قائم المتضمن لمعنى القيام.
فإن أجيب بأن المسند وإن كان لفظ قائم إنما هو القيام من حيث المعنى، فيندفع الإيراد، توجهت مؤاخذة أخرى وهي: أنه إذا اعتبر المعنى في جانب المسند، وجب اعتباره في جانب المسند إليه، فلا نقول: إلى نفسها أي إلى لفظها.
لأن المسند إلى اللفظ إنما هو قائم، وأما القيام فإنما هو لمدلول الاسم؛ فهو مسند إلى المعنى لا إلى اللفظ.
إلا أن يريد أنه يسند ما للمعنى بلفظ يتضمنه إلى نفس ذلك المعنى فيصح.
البحث الرابع:
نوقش المصنف في قوله: «وليس المراد بالنّظير ما وافق معنى دون نوع؛ بل المراد ما وافق معنى ونوعا».
فقيل: إذا كان الأمر موقوفا على الموافقة في المعنى والنوع، كانت معرفة كونه نظيرا مستلزمة لمعرفة اسميته، فلا يحتاج إلى أن يعرف بالإسناد إلى نظيره.
ثم ذلك مستلزم للدور؛ لأن معرفة كونه اسما متوقفة على معرفة نظيره وكونه -
الجزء: 1 - الصفحة: 152
................................
يسند إليه، ومعرفة كون ذلك نظيرا، متوقفة على معرفة كون هذا اسما.
والجواب: أن المصنف لم يجعل معرفة اسمية الشيء موقوفة على معرفة كونه نظيرا؛ ليلزم منه أن معرفة كونه نظيرا موقوفة على معرفة اسميته، بل لما حد الاسم بقبوله للإسناد المعنوي، وكان بعض الأسماء [1/ 22] الذي علمت اسميته من خارج لا يقبل ذلك، أراد أن يزيد هذه الزيادة؛ لئلا يصير الحد غير منعكس.
فهو يقول: إن قيل بأن لنا أسماء مقطوعا باسميتها وهي لا تقبل ما ذكرت.
قلت: إن هي لم تقبله قبله نظيرها، ثم بيّن المراد بالنظير ليسلم من الدخل.
البحث الخامس:
لقائل أن يقول: لا حاجة إلى قول المصنّف: أو نظيرها.
بل الاقتصار على قوله:
يسند ما لمعناها إلى نفسها - كاف، وتكون الأسماء التي أشار إليها مما لزم في الاستعمال طريقة واحدة، من مصدرية أو ظرفية مثلا، داخلة في الحد غير خارجة عنه؛ لأن المراد إنما هو صحة الإسناد إلى الكلمة وقبول معناها له.
ولا شك أن معاني هذه الأسماء قابلة للإسناد، ولا يلزم من استعمالها غير مسند إليها ألا يصح الإسناد إليها؛ فإن المراد إنما هو قبول معنى الكلمة لذلك من حيث الجملة.
وجاز أن يسند إليها وألا يسند لعارض الاستعمال اللازم الذي لا تسع مخالفته 93.
الجزء: 1 - الصفحة: 153
[تعريف الفعل]
قال ابن مالك: (والفعل كلمة تسند أبدا قابلة لعلامة فرعيّة المسند إليه).
قال ناظر الجيش: كلمة: جنس يعم الثلاثة.
وتسند: أخرج به ما لا يسند وهو الحرف وبعض الأسماء، كياء الضمير والأسماء الملازمة للنداء.
وأبدا: فصل ثالث أخرج به ما يسند من الأسماء وقتا دون وقت؛ فتارة يسند وتارة يسند إليه وذلك كثير.
وقابلة لعلامة فرعيّة المسند إليه: فصل ثالث أخرج به بقية الأسماء.
وهي أسماء الأفعال؛ لأنها تشارك الفعل في أنها مسندة أبدا؛ لكن لا تقبل علامة فرعية ما أسندت إليه بخلاف الفعل فإنه يقبل.
وبيّن المصنف أن هذه العلامة هي تاء التأنيث الساكنة وياء المخاطبة.
فشتان لا يقبل التاء ويقبلها افترق، ودراك لا يقبل الياء ويقبلها أدرك 94.
ولا يخفى أنه لو سكت عن تبيين ما أراد لزم دخول أسماء الفاعلين والمفعولين والصفة المشبهة في حدّ الفعل؛ لأنها مسندة أبدا وتقبل علامة الفرعية، وهي تاء التأنيث المتحركة وعلامتا التثنية والجمع؛ لأن التثنية والجمع فرعا الإفراد.
ثم ها هنا تنبيه: وهو أن المصنف قال 95:
«ومثل الياء في الدّلالة على فرعيّة المسند إليه، وكون قبولها مميّزا لفعل الأمر من اسمه: الألف والواو والنّون في أدركا وأدركوا وأدركن، وقد حكم سيبويه 96 بفعليّة هلمّ على لغة بني تميم لقولهم: هلمّي وهلمّا وهلمّوا وهلممن.
وحكم باسميتها على لغة الحجازيين؛ لأنّهم يلزمونها التّجريد كلزومه عند الجميع في دراك وأخواتها».
انتهى.
وفسر الشيخ قول المصنف: قابلة لعلامة فرعيّة المسند إليه - بأنّ هذه العلامة هي تاء التّأنيث السّاكنة، وياء
المخاطبة، وألف الاثنين، وواو الجماعة، ونون -
الجزء: 1 - الصفحة: 154
[تعريف الحرف]
قال ابن مالك: (والحرف كلمة لا تقبل إسنادا وضعيّا بنفسها ولا بنظير).
النّسوة).
فأدرج الشيخ الألف وأخواتها مع التاء الساكنة والياء؛ بناء منه على أن المصنف شرح العلامة بذلك كله، ويلزم من هذا الإدراج ورود أسماء الفاعلين وما ذكر معها على حد الفعل.
والذي ينبغي: أن تفسر العلامة بالتاء والياء المتقدمين فقط.
ولا يلزم من قول المصنف: ومثل التاء في الدلالة كذا وكذا جعل الألف والواو كالتاء في إرادتها [1/ 23] بقوله: علامة فرعية المسند إليه، وإنما لما بين العلامة المرادة نظر بينها وبين ما ذكر باشتراكهما في الدلالة على الفرعية، وليكون ذلك تمهيدا لما ذكره من حكم هلمّ، واختلاف اللغتين فيها.
على أنّا نقول أيضا: لم يطلق الألف والواو بل قال: الألف والواو في أدركا وأدركوا.
فنبه بذلك على أن مراده ألف الضمير وواوه؛ فلا يرد عليه أسماء الفاعلين وما ذكر معها؛ لأن الألف والواو اللاحقتين لها حرفان فلم يكونا بمرادين ولا داخلين في عبارته 97.
قال ناظر الجيش: كلمة: جنس يشمل الثلاثة.
ولا تقبل إسنادا وضعيّا بنفسها:
فصل أخرج به الاسم والفعل؛ لأنه نفى قبول الإسناد مطلقا، أي: لا يسند إليه ولا يسند.
وقيد الإسناد بكونه وضعيّا لأن غير الوضعي 98 يقبله الحرف كما تقدم.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 155
................................
وقوله: ولا بنظير، فصل ثالث أخرج به هنا من الأسماء ما قصد دخوله في حد الاسم بقوله: أو نظيرها 99. فإن تلك الأسماء يصدق عليها أنها لا تقبل الإسناد المذكور، فعلى هذا لو اقتصر في حد الحرف على قوله: لا يقبل إسنادا، لدخلت في الحد؛ فاحتاج أن يخرج بقوله: ولا بنظيرها؛ فإنها إذا لم تقبل الإسناد بنفسها قبلته بنظيرها.
بخلاف الحرف، فإنه غير قابل بنفسه ولا بنظيره.
وها هنا بحثان:
الأول:
قد تقدم أن الأسماء التي قصد دخولها في حد الاسم بقوله: أو نظيرها، قابلة للإسناد إليها، وأنه لا يلزم من عدم استعمالها مسندة إليها عدم صحة ذلك، وأنه لا حاجة إلى قول المصنف: أو نظيرها، فعلى هذا لا حاجة في حد الحرف إلى أن يزيد قوله: ولا بنظير؛ ليحترز عن دخول الأسماء المذكورة؛ إذ لم يصدق عليها أنها لا تقبل الإسناد؛ فهي خارجة بقوله: لا تقبل إسنادا؛ لأن هذه قابلة وإن لم تستعمل مسندة إليها.
البحث الثاني:
أورد الشيخ أن في الحد المذكور صيغة النفي: «وهو لا يقبل، فهو عدميّ والعدميّ لا يكون في الحدّ؛ لأنّ الحدّ لا يكون إلّا بما تقوّمت منه الماهيّة 100. والأعدام سلوب لا تتقوّم منها ماهيّة.
وإنّ فيه أيضا تجوّزا 101؛ لأنه قال: ولا بنظير؛ احترازا من الأسماء اللّازمة للنداء فإنّها تقبل الإسناد بنظير، وهذا مجاز؛ لم تقبل هي إسنادا لا بنفسها ولا بنظير، إنّما نظيرها هو الذي قبل» 102.
والجواب عن الأول: أن الفصول الوجودية إنما تعتبر في الحدود الحقيقية، أي: التي تحد بها الماهيات الحقيقية وهي التي لها وجود في الخارج.
أما الحدود الاصطلاحية، -
الجزء: 1 - الصفحة: 156
[علامات الاسم]
قال ابن مالك: (ويعتبر الاسم بندائه، وتنوينه في غير رويّ، وبتعريفه، وصلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه أو إضافة إليه أو عود ضمير عليه أو إبدال اسم صريح منه، وبالإخبار به مع مباشرة الفعل، وبموافقة ثابت الاسميّة في لفظ أو معنى دون معارض).
أي: التي تحد بها الماهيات الاعتبارية، فيجوز في الفصول التي فيها أن تكون عدمية.
والجواب عن الثاني: أن القابل للإسناد المعنوي إنما هو مدلول الكلمة.
فتارة يقبل الإسناد بذلك اللفظ الدال عليه، وتارة يقبله بنظير ذلك اللفظ، وقد عرفت المراد بالنظير ما هو، وإذا كان كذلك صح أن يقال: إن الأسماء اللازمة للنداء مثلا تقبل الإسناد بمعنى أن مدلولها قابل له [1/ 24] لكن ذلك المدلول لا يقبل بذلك اللفظ.
إنما يقبل بالنظير فلا مجاز إذا 103.
قال ناظر الجيش: لما ذكر حدود الثلاث شرع في ذكر خصائص الاسم وخصائص الفعل.
والفرق بين دلالة الحدود ودلالة الخاصة: أن دلالة الحد تطّرد وتنعكس، ودلالة الخاصة تطّرد ولا تنعكس، أي يلزم من وجودها الوجود ولا يلزم من عدمها العدم 104. -
الجزء: 1 - الصفحة: 157
................................
وعبر المصنف عن ذكر الخواص بقوله: ويعتبر.
وذكر أن اعتبار الاسم بأشياء:
منها النداء: ويستدل به على اسمية ما له علامة غيره، نحو: أيا زيد، وعلى اسمية ما لا علامة له غيره، نحو: أيا مكرمان.
قال المصنف 105: «واعتبار صحّة النّداء بأيا وهيا وأي أولى من اعتبارها بيا؛ لأنّ يا قد كثرت مباشرتها الفعل والحرف نحو: يا حبّذا ويا لَيْتَنِي» 106.
قال الشيخ: «هذا ليس بجيّد؛ لأنّ هذه الأحرف يقلّ النداء بها؛ فالأولى اعتبار النداء بحرفه المشهور الذي هو يا، وإذا باشرها الفعل والحرف فليست للنداء على الأصحّ وإنّما هي للتّنبيه فهي مشتركة بينهما» 107 انتهى.
وكون هذه الأحرف يقل النداء بها لا يكون صحة اعتبار النداء بها مرجوحا، ولا أولوية ليا لكثرة استعمالها؛ إذ لا أثر لذلك في تمييز الاسم من غيره، بل غير يا أولى لعدم الاشتراك، كما قال المصنف.
ثم قوله: إنها حال مباشرتها الفعل أو الحرف إنما هي للتنبيه على أصح القولين، يقوي عدول المصنف عنها؛ إذ لو كانت حينئذ للنداء لم يكن بينها وبين غيرها فرق.
وإنما اختص الاسم بالنداء؛ لأنه مطلوب به الإقبال، والمقبل إنما يكون اسما، ولأن المنادى مفعول والمفعولية لا تليق بغير اسم.
ولما قال المصنف هنا: «لأنّ المنادى مفعول في المعني» 108 ناقشه الشيخ فقال:
«ظاهر هذا الكلام أنّ المنادى ليس بمفعول صحيح من جهة اللّفظ والمعنى، وهي مسألة خلاف: -
الجزء: 1 - الصفحة: 158
................................
قال الكوفيون ومن تبعهم: إنّه مفعول من جهة المعنى فقط.
وقال سيبويه ومتابعوه، وهم الجمهور: إنه مفعول صحيح من جهة اللّفظ والمعنى.
فإن كان المصنف وافق الكوفيين فقد ناقض قوله في باب النداء: المنادى منصوب لفظا أو تقديرا، ويكون اختار المذهب الفاسد أيضا وإن كان وافق سيبويه فقد أساء العبارة؛ حيث خصّ جانب المفعوليّة بالمعنى دون اللّفظ» 109 انتهى.
والجواب: أن المصنف إنما أتى بهذه العبارة؛ ليشمل قسمي المنادى من معرب ومبني.
والمفعول لفظا يصدق عليه أنه مفعول معنى، ولو لم يقيد المفعولية بالمعنى لم يكن نصّا في مقصوده؛ إذ يتبادر الذهن إلى المفعولية لفظا، فإذا لا مفهوم لقوله:
مفعول في المعنى، وإذا كان كذلك لم تتوجه مناقشة الشيخ [1/ 25].
ومنها: التنوين وهو أضرب:
تنوين الترنّم: وهو الذي يكون عوضا عن مدة الإطلاق في رويّ مطلق 110 فالمراد تنوين ذي الترنم.
والتّنوين الغالي: وهو اللاحق الروي المقيد 111. وهذان التنوينان يشترك فيهما الاسم والفعل والحرف؛ لأن الروي قد يكون آخر فعل وآخر حرف كما يكون آخر -
الجزء: 1 - الصفحة: 159
................................
اسم، وعنهما احترز المصنف بقوله: في غير روي.
وبقية أضربه يختص الاسم بها وهي:
تنوين الصّرف والتّنكير والعوض والمقابلة:
وإنما كان كذلك؛ لأن تنوين الصرف دال على بقاء الأصالة، كرجل وزيد، فلا يلحق غير اسم؛ إذ لا أصالة له فيدل على بقائها.
وأما تنوين التنكير، فلأنه دال على تنكير ما هو صالح للتعريف، كصه، وأف، وسيبويه لغير معين، فلا يلحق غير اسم لعدم الحاجة إليه.
وأما تنوين العوض، فلأنه إما عوض عن مضاف إليه 112 كحينئذ، فلا يلحق غير اسم؛ لأن المضاف لا يكون إلا اسما، وإما عوض عن حركة أو حرف على القولين في اسم لا ينصرف 113 واختصاصه بالاسم ظاهر.
وأما تنوين المقابلة: فلأنه دال على مقابلة جمع بجمع، كمسلمات المقابل لمسلمين.
فلا يلحق غير اسم؛ لأن الجمع من خصائصه.
ومنها: التّعريف 114:
ويتناول تعريفه بالأداة، نحو: الرجل وأم غلام، وبالإضافة نحو: مَعاذَ -
الجزء: 1 - الصفحة: 160
................................
اللَّهِ 115 ويا ويح من ليس له ناصر.
قال الشيخ: «ويتناول أيضا تعريف الإضمار والعلميّة والإشارة» انتهى 116.
وإنما خصّ الاسم به ليختص؛ فيصح الإخبار عنه ويفيد الإسناد إليه.
ومنها: صلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه أو إضافة إليه:
فمثال الإخبار: أنت ذاهب، واختص به لأن معناه لا يتصور إلا فيه، ومثال الإضافة إليه: غلامي وغلامنا.
واختص الاسم بذلك؛ لأن المضاف إليه يخصص المضاف أو يعرفه، والفعل لا يخصص ولا يعرف؛ ولأن المضاف إليه يملك المضاف أو يستحقه والأفعال لا تملك ولا تستحق.
وقوله: بلا تأويل: قيد في الإخبار والإضافة.
واحترز بذلك عما يخبر عنه، أو يضاف إليه وليس باسم.
وحينئذ يجب تأويله بالاسم، فالإخبار عنه: نحو قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ 117 وقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 118.
ومنه قولهم: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» 119. والإضافة نحو قوله تعالى:
هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ 120، وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ 121. والتقدير: سواء عليكم دعاؤكم، وصومكم خير لكم، ويوم نفع الصادقين صدقهم، ويوم تسيير الجبال، وتقدير تسمع بالمعيدى: أن تسمع، أي: سمعك بالمعيدي.
وتبين من هذا: أن غير الاسم لا يخبر عنه إلا بتأويله باسم، سواء أكان فعلا أم جملة وهو الصحيح.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 161
................................
ومنهم من أجاز الإخبار عن الفعل من غير تأويل 122.
وأما الإخبار عن الجملة فنقل ابن عصفور فيه ثلاثة مذاهب 123:
«المنع وهو الصّحيح، والجواز وهو رأي بعض الكوفيّين، والتّفصيل بين أن تكون الجملة في موضع فاعل أو مفعول لم يسم فاعله لفعل من أفعال القلوب وقد علّق ذلك الفعل عنها؛ فيجوز نحو: ظهر لي أقام زيد أم عمرو، وعلم أقام عبد الله أم خالد، أو غير ذلك فلا يجوز».
والاستدلال لذلك أو عليه يذكر في باب الفاعل إن شاء الله تعالى 124.
ومنها: عود ضمير عليه 125:
[1/ 26] كعوده على مهما في قوله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ 126 وعلى ما، في: ما أحسن زيدا، إلا أن الضمير اسم ومدلوله ومدلول ما يعود عليه واحد فلا يكون العائد إليه الضمير غير اسم.
وزعم السهيلي 127 أن مهما حرف وزعمه مردود بما ذكر.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 162
................................
ومنها: إبدال اسم صريح منه:
نحو: كيف أنت أصحيح أم سقيم؟ فصحيح اسم صريح؛ لقبوله علامات الاسم كلها، وهو مبدل من كيف إبدال الشيء من الشيء على سبيل التفصيل، فكيف اسم.
وكذلك: من جاءك أزيد أم عمرو؟ ولا أعلم مم احترز المصنف بقوله: صريح 128؟
واعلم أنه كما استدل على الاسمية بإبدال اسم صريح من ذلك اللفظ، يستدل عليها بعكسه، وهو إبدال ذلك اللفظ من اسم صريح، نحو: جئت يوم الجمعة إذ جاء زيد، وأجيء يوم الأحد إذا يجيء عمرو، فإذ وإذا اسمان لإبدالهما من اسم صريح، أي: قابل لعلامات الاسمية، ذكر المصنف ذلك في باب الظروف 129.
ومنها: الإخبار به مع مباشرة الفعل:
نحو: كيف كنت؟ وخروج زيد إذا خرجت، فكيف خبر كان، وإذا خبر المبتدأ الذي هو خروج زيد، وكلاهما مباشر لفعل؛ فالإخبار بهما ينفي الحرفية ومباشرة الفعل تنفي الفعلية فتعينت الاسمية.
- - وكف بصره وهو ابن سبع عشرة سنة، كان واسع العلم غزير المعرفة بالعربية واللغة والقراءات وعالما بالتفسير وصناعة الحديث حافظا للتاريخ والرجال والأنساب، تصدر للإقراء والتدريس وبعد صيته في مراكش وغيرها، وكان شاعرا ومن شعره مناجيا ربه: يا من يرجّى للشدائد كلها... يا من إليه المشتكى والمفزع ما لي سوى قرعي لبابك حيلة... فلئن رددت فأيّ باب أقرع مصنفاته: له في النحو: نتائج الفكر.
وهو كتاب محقق بكلية اللغة (رسالة دكتوراه) وقد طبع في ليبيا، وله شرح الجمل لم يتم ولم أعثر عليه، وله الروض الأنف في شرح السيرة وهو مطبوع، وله كتب في التفسير.
وقد توفي السهيلي سنة (581 هـ). وانظر في ترجمته: بغية الوعاة (2/ 82)، والأعلام (4/ 86). وقوله: وزعمه مردود بما ذكر أي: مردود بعود الضمير عليها في الآية الكريمة، وانظر رأي السهيلي في مهما ودليله ورد الدليل في مغني اللبيب (1/ 330).
الجزء: 1 - الصفحة: 163
................................
ومنها: موافقة ثابت الاسمية في لفظ أو معنى دون معارض:
فمثال الموافقة لفظا: وشكان وبطآن 130 فإنهما موافقان سكران وشكران.
وهو وزن لا يوجد في الأفعال.
قال المصنف 131: «والحرفيّة منتفية بكونهما عمدتين.
والحرف لا يكون إلّا فضلة».
ومثال الموافقة معنى: قد في نحو: قدك، وقد زيد درهم فإنهما موافقان لحسب في المعنى وحسب ثابت الاسمية؛ فوجب كون قد التي بمعناها اسما.
وقوله: دون معارض، قيد في الموافقة معنى، واحترز به من واو المصاحبة في نحو: استوى الماء والخشبة؛ فإنها بمعنى مع، ولا تلحق بها في الاسمية؛ لأن الموافقة المعنوية عارضها كون الأسماء ليس فيها ما هو على حرف واحد إلا ومحله العجز، كتاء الضمير ويائه وكافه، لا الصدر.
والواقع صدرا وهو على حرف واحد إنما هو حرف، كباء الجر ولامه، وواو العطف وفائه.
فلو حكم على واو المصاحبة بالاسمية لزم عدم النظير بخلاف الحكم عليها بالحرفية 132.
قال المصنف 133: ومما يخرج بذكر المعارض من الموافق لثابت الاسمية: من؛ فإن نسبتها من بعض نسبة الواو من مع، إلا أن ذا معارض بكون من لا يليها مع مجرورها بعد إنّ إلا اسمها، كقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً 134، بخلاف بعض فلا يليها إلا الخبر.
بقي أن من إذا وقعت بعد إنّ كانت هي ومجرورها 135 في موضع خبر إنّ، وما -
الجزء: 1 - الصفحة: 164
................................
بعدها ينتصب على أنه اسم إن، وإذا وقعت بعض كانت هي اسم إن وما بعد بعض هو الخبر 136.
وها هنا بحثان:
الأول:
أورد الشيخ على قول المصنف في وشكان وبطآن: «وانتفت الحرفيّة بكونهما عمدتين»، فقال: «العمدة في الاصطلاح: ما كان مرفوعا، ولا يصحّ ذلك في هذين الاسمين [1/ 27] لأنه لم يذهب أحد إلى أنهما في موضع رفع، ومن جعل لأسماء الأفعال موضعا من الإعراب إنما جعله نصبا، قال: ويحتمل أن يريد بالعمدة هنا أحد ركني الإسناد لكنّه ليس المصطلح، ويلزم منه أن يكون قام من قولنا: قام زيد، عمدة» 137 انتهى.
أما قوله: إنه لم يذهب أحد إلى أنهما في موضع رفع فقد ذكر ابن الحاجب 138 رحمه الله تعالى، في موضع أسماء الأفعال أنه يجوز أن يكون رفعا وأن يكون نصبا -
الجزء: 1 - الصفحة: 165
قال ابن مالك: (وهو لعين أو معنى اسما أو وصفا).
وقدر ذلك بما يوقف عليه من كلامه 139:
والتزام أن قام، من قام زيد، عمدة لا يضر؛ لأن العمدة هنا المراد بها ما لا يستغنى عنه في التركيب الإسنادي، وقام: أحد ركني الإسناد.
البحث الثاني:
لقائل أن يقول: ما ذكره المصنف من المعارض في من التبعيضية، إنما يترتب على كونها لم يثبت اسميتها.
ولو ثبت لكانت كبعض في أنها إذا وليت إنّ كان اسما لها.
فكيف يحسن جعل ما يترتب وجوده على عدم ثبوت الاسمية، مانعا منها؟
فظهر أن جواز جعل من اسما لإنّ موقوف على ثبوت اسميتها، والمصنف عكس فجعل ثبوت اسميتها موقوفا على أنه لا يليها مع مجرورها بعد إنّ إلا الخبر 140.
واعلم أن العلامات اللفظية 141 مرجحة على المعنوية ولذلك حكم على وشكان وبطآن بالاسمية مع موافقتها في المعنى لوشك وبطؤ، وحكم على عسى بالفعلية لاتصالها بضمائر الرفع البارزة وتاء التأنيث الساكنة، مع موافقتها في المعنى للعلّ، نبه على ذلك المصنف 142.
قال ناظر الجيش: لما فرغ من ذكر علامات الاسم، أراد أن يذكر ما وضع له على سبيل الإجمال.
فالضمير في قوله: وهو، راجع إلى الاسم المرتفع بقوله: ويعتبر.
ومراده أن مدلول الاسم قسمان: عين ومعنى.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 166
[علامات الفعل]
قال ابن مالك: (ويعتبر الفعل بتاء التّأنيث السّاكنة، ونون التّوكيد الشّائع ولزومه مع ياء المتكلّم نون الوقاية؛ وباتصاله بضمير الرّفع البارز).
فالعين: هو ما يقوم بنفسه، والمعنى: هو ما يقوم بغيره، وكل من العين والمعنى إما اسم وإما وصف؛ لأن الدال على العين إما دال عليها دون تعرض لقيد، وهو المعبر عنه باسم عين، وإما دال عليها مع قيد، وهو المعبر عنه بوصف العين.
وكذا الدال على المعنى يقال فيه ذلك فالأقسام أربعة:
الأول: كرجل وامرأة، الثاني: كعالم وحاكم، الثالث: كعلم وحكم.
الرابع: كجلي وخفي.
وعلم من هذا: أن المراد بقوله: اسما: قسيم الوصف، والاسم المقسم هو قسيم الفعل والحرف.
فهما أمران ولهذا يصح أن يقال:
الاسم ينقسم إلى اسم وصفة.
والمعنى المذكور هنا غير المعنى في قولهم: الاسم يدل على معنى في نفسه، فالمعنى الذي في الحد أعم من المعنى الذي هو قسيم العين، إذ يطلب على العين، وقسيمه الذي هو المعنى، فللمعنى مدلولان كما أن للاسم مدلولين 143.
قال ناظر الجيش: اعتبار الفعل أيضا بأشياء:
منها: تاء التأنيث الساكنة:
وقيدت بالسكون؛ تحرزا من المتحركة؛ فإنها تلحق الاسم، وهي علامة تميز -144145146147
الجزء: 1 - الصفحة: 167
................................
الفعل الماضي، كما سيأتي، متصرفا كان أو غير متصرف، نحو: إن زكت هند فعست تفلح 148، ونعمت المرأة هي [1/ 28].
قال المصنف 149: «ما لم يكن أفعل للتّعجّب».
واستقصر الشيخ هذه العبارة، وقال: كان ينبغي أن يقول: ما لم يلزم تذكير فاعله؛ ليدخل فيه أفعال الاستثناء:
عدا وأخواتها.
انتهى 150. وهو نقد جيد.
ومنها: نون التوكيد:
وتلحق من الأفعال: المضارع والأمر وقد تلحق من الماضي: اللفظ المستقبل المعنى، كقول الشاعر:
8 - دامنّ سعدك إن رحمت متيّما... لو لاك لم يك للصّبابة جانحا 151
ومنه ما ورد في الحديث: «فإمّا أدركنّ واحد منكم الدّجّال» 152.
فدامنّ مستقبل؛ لأنه دعاء، وكذا أدركنّ؛ لوقوعه بعد إن الشرطية.
وقد تلحق أفعل في التعجب.
ويذكر ذلك في مكانه إن شاء الله تعالى 153.
وقيد المصنف النون المذكورة بالشائع؛ تحرزا من لحوقها الاسم شذوذا في قول الراجز: -
الحديث: 8 - الجزء: 1 - الصفحة: 168
................................
9 - أقائلنّ أحضروا الشّهودا 154
فإنه غير شائع.
وهذا الاحتراز يوهم بظاهره أن ثمّ نونين، وقد كان يغنيه أن يقول: وشذ لحوقها الاسم.
ومنها: لزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية:
ويلحق المتعدي من الأفعال ماضيا ومضارعا وأمرا.
وقيد اللزوم مخرج للحروف التي تلحقها النون المذكورة؛ فإن لحوقها إياه على سبيل الجواز وليس لازما.
قال الشيخ: «قد وجدنا نون الوقاية تلزم مع ياء المتكلّم في غير الفعل ووجدنا فعلا تتّصل به الياء، ولا تلزم معه النّون، فالأول: عليكي، ولا يجوز عليكي فيه، ولا فيما أشبهه؛ فقد لزمت اسم الفعل، والثاني: فعل التعجب؛ فإن النون فيه غير لازمة فيقال: ما أكرمي» انتهى 155.
أما الأول: فقد يجاب عنه بمنع لزوم النون فيه مع الياء؛ لأن لنا أن نعمل هذا -
الحديث: 9 - الجزء: 1 - الصفحة: 169
[أقسام الفعل]
قال ابن مالك: (وأقسامه: ماض، وأمر، ومضارع).
الاسم في الياء بطريق آخر؛ فنقول في عليكني: عليك بي حكاه سيبويه 156.
وكذا يقال في: رويدني رويد لي؛ فعلى هذا لا مندوحة في الفعل عن النون، وأما في اسم الفعل فثم مندوحة.
وفي هذا الجواب نظر: وهو أن يقال: لزوم النون إنما هو مع اتصال الياء بالكلمة.
وحيث اتصلت بعليك أو برويد لزمت النون مطلقا.
وأما الثاني: فيجاب عنه بأن المذكور خاصة وليس من شرط الخاصة الانعكاس، أي: لا يلزم من عدمها العدم، فلا يلزم من عدم لزوم النون في فعل التعجب عدم فعليته.
وهو ظاهر 157.
ومنها: اتصاله بضمير الرفع البارز:
فقيد الضمير بالرفع احترازا من ضميري النصب والجر؛ لجواز اتصال الاسم والحرف بهما.
وقيد بالبارز؛ لأن
المستتر يتصل بالاسم أيضا 158. وأما البارز إذا كان مرفوعا، فمختص بالفعل نحو: قاما ويقومان وقوما.
قال ناظر الجيش: لما فرغ من ذكر علامات الفعل، أراد أن يذكر أقسامه الأولية التي يترتب عليها معرفة ما هو مبني، وما هو معرب، وما هو منها مبهم، وما هو مختص بأحد الأزمنة الثلاثة.
واعلم أن الأفعال في الحقيقة إنما هي المعاني القائمة بالفاعلين، أو الصادرة عنهم.
ولها ألفاظ تدل عليها، كالقعود والضرب مثلا.
وهي تستلزم زمانا غير معين.
والأزمنة ثلاثة: متقدم ومنتظر بالنسبة إلى زمن الإخبار: وهما الماضي والمستقبل، -
الجزء: 1 - الصفحة: 170
................................
وزمن الإخبار [1/ 29] وهو الحال، ولنا حاجة إلى الدلالة على الزمان المعين؛ فاشتق من الألفاظ الدالة على هذه المعاني صيغ تفيد المعنى الذي تفيده تلك.
ويفيد مع ذلك زمانا معينا، ولزم أن تكون ثلاثة ألفاظ بحسب الزمان.
وسميت الألفاظ المشتقة أفعالا، وأما الألفاظ المشتق منها فسميت أحداثا ومصادر، وقد تسمى أفعالا باعتبار الأصل.
ولو قيل: إنما انقسمت الأفعال إلى ثلاثة لأن دلالة الكلام منحصرة في الطلب والخبر، فلا بد من صيغ تميز بينهما، فوضعوا للطلب صيغة الأمر، والخبر إما عن ماض أو حال أو مستقبل؛ فوضعوا للأول صيغة الماضي، وللآخرين صيغة واحدة وهي المضارع - لكان أحسن.
وحذا المصنف في ذلك: الماضي أولا ثم الأمر ثم المضارع، حذو سيبويه؛ فإنه قال 159: «وأمّا الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، فبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، ولما هو كائن لم ينقطع» 160.
ومثل للأول بذهب، والثاني باذهب ويذهب، ثم بيّن أن يذهب وشبهه يراد به الحال أيضا.
قال المصنف: «وكأنّ سيبويه لحظ في هذا التّرتيب أنّ المضارع لا يخلو من زيادة، وأن الماضي والأمر يخلوان منها كثيرا، والمتجرد من الزّيادة متقدم على المتلبس بها؛ فقدّم ما له من التجرد نصيب على ما لا نصيب له فيه، وتجرد الماضي أكثر من تجرد الأمر فقدّم عليه» 161.
وعند الكوفيين أن الأمر مقتطع من المضارع؛ فإذا تكون القسمة ثنائية 162.
الجزء: 1 - الصفحة: 171
[علامات الفعل الماضي والمضارع]
قال ابن مالك: (فيميز الماضي التّاء المذكورة، والأمر معناه ونون التّوكيد، والمضارع افتتاحه بهمزة للمتكلّم مفردا، أو بنون له عظيما، أو مشاركا، أو بتاء للمخاطب مطلقا وللغائبة والغائبتين، أو بياء للمذكّر الغائب مطلقا، والغائبات).
قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الفعل ينقسم إلى ثلاثة أقسام، شرع في ذكر ما يميز كل قسم منها.
أما الماضي: فيميزه: تاء التأنيث الساكنة.
وإليها الإشارة بقوله: التاء المذكورة.
وقد تقدم أنها تميز الماضي متصرفا كان أو غير متصرف.
ولم تلحق فعل الأمر؛ للاستغناء عنها بياء المخاطبة ولا المضارع للاستغناء عنها بتاء المضارعة، نحو: هي تفعل 163، ولأنها ساكنة والمضارع يسكن للجزم.
فلو لحقته التقى فيه ساكنان، ولأن لحاقها الاسم أصل؛ إذ مدلولها فيه.
ولحاقها الفعل فرع؛ لأن مدلولها ليس فيه، إنما هو فيما أسند إليه.
ولما فتح ما قبلها لزوما في الذي هي أصل فيه، وكان الماضي مفتوح الآخر وضعا - ناسب اختصاصه بها دون غيره لذلك.
وبهذه التاء يتميز الفعل الماضي من اسمه.
ومن أجل ذلك حكم بفعلية افترق وباسمية شتان 164.
وأما الأمر: فيميزه مجموع أمرين: معنى الأمر ونون التوكيد.
ولا يكفي أحدهما؛ لأن اسم فعل الأمر يشارك الأمر في معناه، كصه ونزال وشبههما.
ولا يحكم بفعليته لعدم صلاحيته لنون التوكيد، والمضارع يشارك الأمر في قبول النون، نحو: هل تقومن؟ ولا يحكم عليه بأنه أمر؛ لعدم معنى الأمر فيه.
- - (خلا وعدا)، وإلى المفرد والمركب (حبذا).
وفي علم التصريف: إلى صحيح ومهموز، ومثال، وأجوف، ولفيف، ومنقوص، ومضعف، وغير ذلك من الانقسامات.
انظر التذييل والتكميل (1/ 68).
الجزء: 1 - الصفحة: 172
................................
وأما المضارع: فيميزه: أمور:
السين، وسوف، ولم، ولن، وكي، وافتتاحه بأحد أحرف نأتي، وهي الهمزة بشرط أن تشعر بمدلول أنا، والنون بشرط إشعارها بمدلول نحن، والتاء بشرط إشعارها بحضور أو تأنيث، والياء بشرط إشعارها بغيبة.
قال المصنف: «والإحالة على الافتتاح بأحد هذه الأحرف المشعرة بما ذكر، أولى من الإحالة على سوف وأخواتها؛ لأن افتتاحه بها لازم لكل مضارع، وليست الصّلاحية لسوف وأخواتها؛ إذ من المضارع ما لا يدخل عليه شيء منها، كأهاء وأهلمّ، ولا يقعان غالبا إلا بعد لا أو لم 165.
وتقييد الأحرف الأربعة بالمعاني المذكورة واجب؛ لأن أمثالها في اللّفظ قد يفتتح بها الماضي، نحو: أكرم وتكرم ونرجس الدواء، إذا جعل فيه نرجسا، ويرنأ الشيب إذا خضبه باليرناء وهو الحناء 166.
ونعود إلى لفظ المتن:
[1/ 30] قوله: بهمزة للمتكلم، مثاله: أقوم وأكرم وسواء أكان المتكلم مذكرا أم مؤنثا لا يختلف الحال.
وقوله: أو مشاركا، يجوز فيه كسر الراء وفتحها.
والمشاركة قد تكون من واحد مذكرا كان أو مؤنثا ومن أكثر كذلك.
وقوله: أو بتاء للمخاطب مطلقا، أي: سواء أكان مذكرا، أم مؤنثا، أم مفردا، أم مثنى، أم مجموعا.
وقوله: وللغائبة، أي: سواء أكانت ظاهرة أم مضمرة، حقيقية التأنيث أو مجازيته نحو: تقوم هند، وهند تقوم،
وتنفطر السماء، والسماء تنفطر.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 173
................................ قوله: والغائبتين هو كما تقدم، نحو: تقوم الهندان والهندان تقومان، وتدمع العينان والعينان تدمعان. وذكروا ها هنا صورة: وهي إذا قلت: الهندان هما يقومان، والعينان هما يدمعان، فهل يكون بالتاء حملا على الظاهر، وبالياء حملا على هما؛ لأن لفظه لفظة ضمير الغائبين المذكرين؟ منهم من قال بالأول ومنهم من قال بالثاني. قال الأبذي 167: القول بأن يكون بالياء باطل؛ لا تستعمل العرب الفعل هنا الا بالتاء؛ لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها، يعني أن الضمير يجري مجرى ظاهره؛ فكما يقال: الهندان تخرجان كذلك يقال: هما تخرجان. ثم أنشد قول عمر بن أبي ربيعة 168. 10 - أقصّ على أختيّ بدء حديثنا... وما لي من أن يعلما متأخّر لعلّهما أن تبغيا لك حيلة... وأن ترحبا سربا لما كنت أحصر 169
الحديث: 10 - الجزء: 1 - الصفحة: 174
................................
فقال: أن تبغيا، وأن ترحبا بالتاء، وقد تقدم لفظهما، وهو ضمير الأختين.
ثم ها هنا بحثان:
الأول:
قال الشيخ: «كان ينبغي للمصنف أن يزيد هنا: وللغائب إن حمل على مؤنّث، نحو:
تجيء كتابي على معنى الصحيفة، أو أضيف إلى مؤنث، يجوز أن يلفظ بذلك المؤنث وأنت تريد المذكر، نحو: تجتمع أهل اليمامة، وتذهب بعض أصابعه.
أو كان فيه علامة تأنيث، نحو: تقوم طلحة وتعدل الخليفة [1/ 31] وهذا قليل.
أو أسند إلى ظاهر الجمع المذكر غير السالم وأردت معنى جماعة، أو إلى ضميرهم أو ضمير غائبات» انتهى 170.
وهذا الذي ذكره بعينه استدركه الأبذي على الجزولي 171 فنقله منه 172. - - لفظه وهو الظاهر، كما استشهد به على جواز اقتران خبر لعل بأن (الدرر: 1/ 113). والبيتان في التذييل والتكميل (1/ 75) وفي معجم الشواهد (ص 53).
الجزء: 1 - الصفحة: 175
................................
وأقول: ليس هذا استدراكا على الجزولي، ولا على المصنف؛ وذلك أنهما أعطيا قانونا كليّا أن التاء للغائبة، فمتى كان الفعل للغائبة جيء بالتاء فيه، وهذه المواضع المذكورة إنما جيء بالتاء في أفعالها؛ لتأولها بمؤنث كما تقدم؛ فلم تدخل التاء إلا في فعل مؤنث؛ فالصور التي أشار إليها مندرجة فيما ذكر.
وليس في كلام المصنف أن التاء لا تكون إلا في فعل المؤنث بالوضع؛ بل التأنيث أعم من أن يكون بالوضع أو بالتأويل، أو يقال: التاء في الأصل إنما هي لفعل المؤنث بالوضع.
وأما المؤنث بالتأويل فدخول التاء في فعله فرع.
وهو بالحمل على ما تأنيثه بالأصالة.
والمصنف إنما يشير هنا إلى ما يستحق التاء بطريق الأصالة.
وأما ما يحمل على ذلك، فقد ذكره في غير هذا الموضع، فقال في باب الفاعل:
«وتلحق الماضي المسند إلى مؤنّث أو مؤوّل به أو مخبر عنه أو مضاف إليه مقدّر الحذف تاء ساكنة» 173.
ونبه في الباب أيضا على حكم يقوم الزيود، ويقوم الزيدون 174.
وقال في باب المضمر 175: «ويأتي ضمير الغائبين كضمير الغائبة كثيرا لتأولهم بجماعة فأتى بكلّ شيء في مكانه».
البحث الثاني:
ينبغي أن يقول المصنف: والغائبات، بعد قوله: والغائبتين، نحو: تقوم الهندات وتقوم الهنود.
وقد يجاب عنه بأنه إنما يذكر ما تكون التاء في فعله ظاهرا أو مضمرا، وهذا القسم ليس كذلك.
وليس هذا الجواب بشيء.
قوله: أو بياء للمذكّر الغائب مطلقا أي: سواء كان مفردا أو مثنى أو مجموعا، - - غيره، وللواحد المعظم نفسه، والياء للغائب المذكر مطلقا وللغائبات، والتاء للمخاطب مطلقا، وللغائبة والغائبتين.
انظر (ص 34) من كتاب: المقدمة الجزولية في النحو، تحقيق شعبان عبد الوهاب محمد.
الجزء: 1 - الصفحة: 176
................................
ظاهرا أو مضمرا، عاقلا كان أو غير عاقل.
وقوله: والغائبات، يشمل كل جمع لهن، وهو صحيح في المكسر عاقلا أو غير عاقل، مظهرا كان أو مضمرا 176 وفي المسلم إن كان التأنيث فيه غير حقيقي مظهرا كان أو مضمرا.
نحو: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ 177. وأما في المسلم الحقيقي الظاهر نحو: يقوم الهندات، فمذهب البصريين أن الياء لا تجوز، وهو يختار مذهبهم، أما في المضمر، فنعم؛ بل لا تجوز أصلا التاء، نحو: الهندات يقمن.
وقال الشيخ هنا أيضا: «كان ينبغي للمصنف أن يزيد: وللغائبة إن كانت مضافة إلى مذكّر هي بعضه، ويجوز أن تلفظ بالمذكر وأنت تريد المؤنث، نحو:
يقطع يد زيد؛ لأنك تقول: تقطع زيد، وأنت تريد يد زيد، أو كانت فصل بينها وبين الفعل بشيء، نحو: يحضر القاضي اليوم امرأة» إلى آخر كلامه 178، وهو بعينه استدراك الأبذي على الجزولي.
والجواب عن المصنف والجزولي ما تقدم في التاء فلا نعيده.
واعلم أنه قد ذكر لزيادة هذه الأحرف الأربعة دون غيرها من حروف الزيادة مناسبة:
قالوا: أولى الأحرف بالزيادة أحرف العلة [1/ 32] لخفتها؛ لكن الألف لا تزاد أولا فعوضوا منها الهمزة لاشتراكهما في المخرج.
وجعلت للمتكلم؛ لأنها من أول المخارج والمتكلم أخص؛ فناسب كونها له، واشترك فيها المذكر والمؤنث؛ لعدم اللبس.
وأما الواو: فامتنع من زيادتها أولا؛ لأنها معرضة لدخول واو عليها للعطف، وقد تكون آخر الكلمة المعطوف عليها واوا أيضا؛ فتجتمع ثلاث واوات، وقد تكون أول الماضي واوا كوعد فتجتمع أربع واوات 179 فيستثقل ذلك، وهي مقابلة للهمزة؛ إذ هي من آخر المخارج والهمزة من أولها، فاستحقها المخاطب مطلقا؛ لأنه يقابل المتكلم.
لكنها رفضت لما ذكر وعوضوا منها التاء؛ لأن التاء تبدل من الواو كثيرا في الأفعال.
وتكون التاء للغائبة والغائبتين والغائبات؛ فقد شارك المخاطب غيره في التاء؛ وحينئذ يبطل التعليل الذي ذكروه لاستحقاق المخاطب إياها، لأنّا نقول: -
الجزء: 1 - الصفحة: 177
[زمن الأمر]
قال ابن مالك: (والأمر مستقبل أبدا).
التاء التي للغائبة والغائبتين والغائبات غير التاء التي للمخاطب؛ لأن هذه تدل على الخطاب، وتلك تدل على التأنيث عوضا من التاء الساكنة اللاحقة آخر الماضي؛ فهما إن اشتركتا لفظا فمدلولهما مختلف.
وتبين بهذا: أن التاء التي للمضارعة ثنتان: تاء خطاب وتاء تأنيث.
وكذا يقال:
أنت تفعلين فالتاء لمحض الخطاب والتاء للتأنيث.
وأما الياء: فجعلت للغائب مطلقا، توفية للقسمة؛ لأن المتكلم خص بالهمزة، والمخاطب خص ببدل الواو، ولم يبق من حروف العلة إلا الياء، ولم يبق إلا الغائب فأعطيها.
ولما كان الفرق بين المفرد وضديه يحصل في المخاطب والغائب بالضمير، ولم يجعلوا في التكلم بين المفرد وضده ضميرا للفرق، أتي بالنون؛ لتدل على المتكلم غير المفرد 180، وكانت النون أولى من غيرها؛ لما بينها وبين أحرف العلة من الشبه؛ لأنها تدغم في الياء والواو، وتبدل منها الألف، ولهذا أعربت الأمثلة الخمسة بها عند تعذر الحركات وتعذر أحرف العلة.
قال ناظر الجيش: لما تقرر أن الأفعال ثلاثة، وأن مدلول الفعل حدث وزمان، وأن الأزمنة ثلاثة، شرع المصنف في ذكر صيغة صيغة، وما وضعت له من الأزمنة، وما يجوز أن يتجوز فيه من تلك الصيغ بالقرائن، فيستعمل مرادا به زمان آخر وما لا يجوز فيه ذلك، والكلام على هذا الموضع يستدعي ذكر مقدمة وهي أن يقال:
الكلام نوعان: خبر وإنشاء: والطلب نوع من الإنشاء.
ومنهم من جعله خبرا -
الجزء: 1 - الصفحة: 178
................................
وطلبا.
ومنهم من جعله ثلاثة أنواع: خبرا وطلبا وإنشاء وهو رأي المصنف وعليه قرر كلامه.
ولسنا الآن بصدد تحرير الأقوال المذكورة وتبيين الصحيح منها؛ إذ الأمر في ذلك موكول إلى نظر غير صاحب هذا العلم 181.
غير أنّا نمشي مع المصنف هنا على رأيه.
أما الطلب 182، فيلزم كون زمانه مستقبلا، وأما الخبر فيجوز كون زمانه حالا، ومستقبلا وماضيا، وأما الإنشاء فيلزم كون زمانه حالا.
ولكل من الطلب والخبر صيغة واحدة مختصة به وضعا، وأما الإنشاء فليس له صيغة مختصة به؛ بل يستعمل فيه الصيغة الدالة على الخبر بقرينة.
ثم إن كلّا من صيغتي الطلب والخبر إما أن ينقل عن موضعه الأصلي، فيراد بالطلب الخبر وبالخبر الطلب، وإما أن لا ينقل.
والذي ينقل: منه ما لا يجوز التجوز فيه بالنسبة إلى زمانه، ومنه ما يجوز أن يتجوز فيه بالنسبة [1/ 33] إلى
زمانه، فيراد به زمان غير زمانه المقصود بالوضع بقرينة، فإن حصل نقل صار الحكم في زمان الصيغة المنقولة حكم ما نقلت إليه.
فإذا استعملت صيغة الطلب في الخبر، صار الاستقبال جائزا بعد أن كان لازما.
وإذا استعملت صيغة الخبر في الطلب، انعكس الحكم؛ فيصير الاستقبال لازما بعد أن كان جائزا، وهذا القسم لم يتعرض له المصنف هنا؛ إذ ليس مقصوده، وقد تعرض لشيء من ذلك في باب التعجب، فقال بعد ذكره صيغة أفعل وأن معناها الخبر ما نصه:
«واستفيد الخبر من الأمر هنا وفي جواب الشرط، كما استفيد الأمر من مثبت الخبر، والنهي من منفيّه» 183. -
الجزء: 1 - الصفحة: 179
................................
وأما القسم الثاني، وهو الذي لم تنقل فيه الصيغة عن موضوعها وإنما أريد بها زمان غير زمانها المقصود بالوضع فهو الذي قصده المصنف بالذكر هنا.
إذا تقرر هذا فاعلم أن صيغ الفعل الثلاث:
منها ما هو للطلب وهو الأمر، وما هو للخبر، وهو الماضي والمضارع.
فالأمر مستقبل الزمان، والماضي ماضي الزمان، والمضارع زمانه للحال والاستقبال بالوضع كما سيأتي:
فالأمر: لا يجوز التجوز فيه بتغيير زمانه، وإلى ذلك الإشارة بقول المصنف:
والأمر مستقبل أبدا، أي: وزمان مطلوب الأمر مستقبل أبدا.
وأما المضارع: فيجوز أن ينصرف زمانه إلى المضي وكذا الماضي يجوز أن ينصرف زمانه إلى الاستقبال.
كل
ذلك بالقرائن 184.
والسبب في أن لزم الأمر الاستقبال ولم يلزم قسيميه 185 أحد الزمانين: أن معنى الطلب يفوت بمفارقة دلالة صيغته على الاستقبال، والأمر موضوع للطلب؛ فلا يجوز التجوز في زمانه؛ لئلا يفوت المقصود منه.
وأما معنى الخبر فلا يفوت بمفارقة دلالة صيغة الماضي على المضي، ولا بمفارقة دلالة صيغة المضارع على الحال والاستقبال.
وكلاهما موضوع للخبر كما تقدم؛ فجاز التجوز في زمانيهما؛ لأنه لا يفوت المقصود منها بالدلالة عند تغيير الدلالة على ما وضعا له من الزمان.
وقال المصنف 186: «لما كان الأمر مطلوبا به حصول ما لم يحصل، كقوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ 187، ودوام ما حصل كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ 188 لزم كونه مستقبلا، وامتنع اقترانه بما يخرجه عن ذلك.
وأيضا فإنّ الفعل فعل بدلالته على الحدث والزمان المعيّن، وكونه أمرا 189 أو خبرا معنى -
الجزء: 1 - الصفحة: 180
...............................
زائد على ذلك مطلوب بقاؤه؛ إذ لا يمتاز أحد النوعين على الآخر إلّا به.
والاستقبال لازم للأمرية.
فلو انتفى بتبدله انتفت الأمرية؛ بخلاف الخبرية المستفادة من الماضي والمضارع؛ فإنها لا تنتفي بتبدل المضي باستقبال ولا الاستقبال بمضي» انتهى وهو كلام جيد.
قال الشيخ 190 بعد نقله هذا الكلام: «قد وجدنا الفعل الدالّ على الخبر خرج عن الخبرية إلى غيرها كما قيل في قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ 191، وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ 192: إنه أمر في المعنى.
فكذلك كان يكون الأمر يخرج عن الأمرية إلى معنى الخبرية.
وقد خرج على ذلك قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا 193 أي فيمد.
وقال الشاعر:
11 - وكوني بالمكارم ذكّريني... [ودلّي دلّ ماجدة صناع] 194
أي تذكريني.
ومقتضى تعليل المصنف: أن كلّا من الأمر والخبر لا يخرج [1/ 34] عن بابه وقد بيّنّا خلاف ذلك.
والرجوع في هذا إلى وضع العرب واستعمالها، فلو استعملت صيغة الأمر في الخبر الذي صيغته ليست مستقبلة تدل على ذلك، لساغ لها كما استعملت صيغة الخبر الماضي في غير الخبر، وغير زمانه.
وذلك في الدعاء، نحو: غفر الله لي؛ فإنه خرج عن الخبر وعن الزمان الماضي بقرينة استعماله في الدعاء.
فكذلك كان يسوغ استعمال صيغة الأمر في غير الخبر وفي غير زمانه وهو الاستقبال بقرينة تدلّ عليه» 195 انتهى.
-
الحديث: 11 - الجزء: 1 - الصفحة: 181
................................
وأقول: إن الذي ذكره المصنف لم يبطله الشيخ وإن الذي ذكره الشيخ لم يمنعه المصنف، وذلك أن الذي قاله المصنف:
«إنّ الاستقبال لازم للأمريّة؛ فما دامت موجودة فالاستقبال واجب، وإنّ الاستقبال غير لازم للخبريّة، وكذا
المضي؛ بل يجوز تبدّل كلّ منهما بالآخر».
وهذا حق لا يمكن إبطاله بوجه.
والذي ذكره الشيخ: أن كلّا من صيغتي الخبر والأمر يجوز أن يخرج عن موضوعه الأصلي إلى غير موضوعه وهو صحيح، والمصنف لم يمنعه؛ بل لم يتعرض في هذا الباب إلى ذلك أصلا.
والحاصل: أنهما قسمان، كما قررناه في الكلام المتقدم، وقد أدخل الأمر على الشيخ، فخلط أحد القسمين بالآخر، وظن أن كلام المصنف غير متجه، وقد بان لك أن الذي قرره المصنف لا شبهة فيه 196.
غير أنه يتجه على المصنف مؤاخذة.
وهي كونه ذكر في هذا الفصل أن الماضي ينصرف إلى الحالي بالإنشاء، كبعت، وإلى الاستقبال بالطلب، كغفر الله لزيد 197؛ لأن مقتضى تقريره المتقدم 198 لا يورد هنا إلا ما كان فيه معنى الخبر باقيا، وإنما تغير زمانه فقط.
أما ما نقل عن موضوعه الأصلي إلى غيره، فلا.
ولا شك أن الإنشاء والطلب المدلول عليهما بالماضي، صارفان لصيغته عن ما وضعت له؛ لأنه موضوع للخبر، وهما قسيماه، فلا يناسب ذكرهما مع القرائن الصارفة للزمان دون معنى الخبر.
وأما قوله في المضارع 199: إنه يتخلص للاستقبال باقتضائه طلبا، فهو وإن كان الاستقبال -
الجزء: 1 - الصفحة: 182
[زمن الفعل المضارع]
قال ابن مالك: (والمضارع صالح له وللحال ولو نفي بلا؛ خلافا لمن خصّها بالمستقبل).
أحد موضوعيه ويتخلص له بقرائن؛ لكن ذكره غير مناسب أيضا؛ لأن الصيغة عند اقتضاء الطلب بها، خرجت عن موضوعها الأصلي وهو الخبر إلى معنى آخر وهو الطلب.
قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الأمر مستقبل وأنه لازم له الاستقبال، قال:
والمضارع صالح له وللحال.
أي للاستقبال وللحال، فبين أنه يجوز أن يراد به كل واحد من الزمانين.
وهو رد على من خصه بالاستقبال، وعلى من خصه بالحال.
واعلم أن المذاهب في المضارع، بالنسبة إلى كونه مستقبلا أو حالا أو مشتركا بين الزمانين، أو حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر - خمسة.
فمنهم من ذهب إلى أنه مستقبل، وأنكر أن يكون للحال وهو مذهب الزجاج 200.
واستدل بأمرين:
أحدهما: أن زمن الحال لقصره لا يتسع للنطق بالفعل؛ لأنك بقدر ما تنطق بحرف منه، صار الزمان ماضيا.
الآخر: أن فعل الحال لو كان موجودا في كلامهم، لكانت له بنية تخصه؛ إذ لا يوجد شيء في كلامهم إلا وله لفظ يخصه.
وقد يكون له مع ذلك لفظ يشترك فيه مع غيره، نحو: جون؛ فإنه يقع على الأبيض والأسود 201 ويخص أحدهما لفظ الأبيض، والآخر لفظ الأسود.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 183
................................
وردّ الأول: بأن زمان الحال عند النحويين، ليس بالآن الفاصل بين الماضي والمستقبل وإنما هو الماضي غير المنقطع.
[1/ 35] وقال المصنف: «كثير من الناس يعتقدون أن الحال هو المقارن وجود معناه لوجود لفظه.
وليس كذلك؛
بل مقصود النحويين أنّ الحال ما قارن وجود لفظه وجود جزء من معناه، كقولنا: هذا زيد يكتب، فيكتب هنا: حال، ووجود لفظه مقارن لوجود بعض الكتابة لا جميعها.
وعبر بالحال عن اللّفظ الدالّ على الجميع؛ لاتصال أجزاء الكتابة بعضها ببعض» 202.
ورد الثاني 203 بأنه قد وجد ذلك في كلامهم، وهو رائحة؛ فإنها تقع على جميع الروائح وليس لها اسم إلا ذلك اللفظ المشترك.
فإن قيل: إنها تخصص بالإضافة، كرائحة المسك ورائحة العنبر.
قيل: وكذلك يفعل، يتخصص بالسين وسوف وبالآن، وما في معناها.
وفي هذا الرد الثاني نظر: فإن رائحة من قبيل اللفظ المتواطئ لا المشترك 204. ثم إن المنكرين لفعل الحال، منهم من أنكر زمانه أيضا محتجّا بأنه إن وقع، فهو ماض وإن لم يقع فهو مستقبل، ولا سبيل إلى ثالث.
والدليل على وجود زمن الحال: أن الموجود في محال وجوده لا بد له من زمان، وهو منحصر في الماضي والمستقبل، على ما زعمت، وهما معدومان ولا يتصور وجود موجود في زمن معدوم؛ فثبت زمن الحال.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 184
................................ والدليل على وجود فعل الحال أمران: أحدهما: أنهم يقولون: نفعل الآن، في فصيح الكلام، ولا يقولون: سنفعل الآن، إلا قليلا على طريق المجاز، وتقريب المستقبل من الحال، نحو قول الشاعر: 12 - فإنّي غير خاذلكم ولكن... سأسعى الآن إذ بلغت إناها 205 فلو كان نفعل للمستقبل، لما صلح معه الآن، كما لا يصلح ذلك مع سنفعل. الآخر: قول الشاعر: 13 - وأعلم علم اليوم والأمس قبله... ولكنّني عن علم ما في غد عم 206
الحديث: 12 - الجزء: 1 - الصفحة: 185
................................
ووجه الدليل منه: أن هذه الثلاثة ليست على حقائقها وإلا اختل معنى البيت؛ لأنه لا يعلم من علم اليوم إلا ما هو
فيه.
ولا فائدة في الاقتصار على أمس وغد؛ فإنه يعلم علم ما قبل الأمس، ويجهل علم ما بعد غد؛ فهي كنايات عن الأزمنة، فاليوم عما هو فيه والأمس عما مضى والغد عما يستقبل، والأفعال كنايات عن الأحداث بالنظر إلى الزمان؛ فينبغي إذا أن تكون ثلاثة.
ومنهم من ذهب إلى أن يفعل لا يكون إلا للحال حيث وقع وهو ابن الطراوة 207.
واستدل على ذلك بأنه لا يخبر بالمستقبل نحو سيفعل، عن المبتدأ إلا أن يكون عامّا أو مؤكدا بإن نحو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا 208 ونحو قول الشاعر:
14 - وكلّ أناس سوف تدخل بينهم... دويهية تصفرّ منها الأنامل 209
فإن عري منها لم يجز؛ فيمتنع زيد سيفعل، وإذا قلنا زيد يفعل كان جائزا، فدل على أن يفعل حال.
فأما قولهم: زيد يفعل غدا فمعناه زيد ينوي الآن الفعل غدا.
وشبهته في منع ذلك أنه مستقبل فلا يتصور الإخبار عنه؛ لأنه غير متحقق الوجود.
وقد أبطل مذهبه بورود نحو زيد سيفعل ولا توكيد ولا عموم، قال النّمر بن تولب 210: -
الحديث: 14 - الجزء: 1 - الصفحة: 186
................................
15 - فلمّا رأته آمنا هان وجدها... وقالت أبونا هكذا سوف يفعل 211
وقال آخر:
16 - قضوا آجالهم فمضوا وكانوا... على وجه وأنت ستلحقينا 212
وبقول الله تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً 213؛ لأن النفس تدري ما تنوي كسبه، إلا أنها لا تدري هل تكسبه أو لا.
[1/ 36] ويرد عليه أيضا قول سيبويه 214:
«وأمّا بناء ما لم يقع فقولك آمرا: اذهب واقتل واضرب، ومخبرا: يذهب ويقتل ويضرب»، فهذا نص منه على أن يفعل للاستقبال.
ومذهب الجمهور: أن يفعل يكون للحال والاستقبال، وهل هو حقيقة فيهما فيكون مشتركا، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، ثلاثة مذاهب:
القول بالاشتراك مذهب الجمهور، وهو الصحيح وهو ظاهر كلام سيبويه؛ فإنه قال 215: «وأمّا الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى، - - إنّا أتيناك وقد طال السّفر... نقود خيلا دمّرا فيها عسر كان لسانه كريما فلم يمدح أحدا ولم يهج أحدا، وشعره يشبه شعر حاتم الطائي.
وهو القائل: أهيم بدعد ما حييت فإن أمت... أوصّ بدعد من يهيم بها بعدي هاجر إلى الكوفة وعاش هناك حتى بلغ مائة سنة، وخرف عقله في آخر حياته وألقي على لسانه، انظر ترجمته في الشعر والشعراء (1/ 315).
الحديث: 15 - الجزء: 1 - الصفحة: 187
...............................
ولما يكون ولم يقع، ولما هو كائن لم ينقطع».
وقال بعد ذلك 216: «وأمّا بناء ما لم يقع فقولك آمرا: اذهب، ومخبرا:
يذهب» ثم قال: «وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت».
فكونه ذكر أنه مبني لهذا ولهذا دليل على الاشتراك.
ودليل مذهب الجمهور: أنه يقع على الحال تارة وعلى المستقبل تارة، ولم يقم دليل على أنه أظهر في أحدهما فكان مشتركا.
وقال المصنف 217: «لما كان بعض مدلول المضارع المسمّى حالا مستأنف الوجود أشبه المستقبل المحض في استئناف الوجود فاشتركا في صيغة المضارع اشتراكا وضعيّا فحكم بالاشتراك».
وذهب الفارسي 218 إلى أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال، وصححه الأبذي.
قالوا: ومستند الفارسي أن اللفظ إذا صلح للقريب والبعيد كان القريب أحق به؛ بدليل أنك تقول: أنا وزيد قمنا، وأنت وزيد قمتما؛ فتغلب المتكلم والمخاطب لقربهما، وزمن الحال أقرب من المستقبل فهو أحق» وفي هذا الاستدلال والتنظير أيضا نظر 219.
وذهب ابن طاهر 220 إلى أنه حقيقة في الاستقبال مجاز في الحال.
واستدلاله -
الجزء: 1 - الصفحة: 188
................................
ضعيف مردود [1/ 37] فلا نطول بذكره 221.
وأشار المصنف بقوله: ولو نفي بلا خلافا لمن خصّها بالمستقبل إلى أن المضارع وإن اقترن بلا النافية باق على صلاحيته للحال والاستقبال، ولا يتعين الحكم باستقباله وهذا مذهب الأخفش والمبرد 222.
قال المصنف: وهو لازم لسيبويه وغيره من القدماء لإجماعهم على صحة قول القائل: قاموا لا يكون زيدا، بمعنى إلا زيدا، ومعلوم أن المستثني 223 منشئ للاستثناء، والإنشاء لا بد من مقارنة معناه للفظه، ولا يكون هنا استثناء فمعناه مقارن للفظه؛ فلو كان النفي بلا مخلصا لاستقبال المضارع لم تستعمل العرب لا يكون في الاستثناء لمباينته الاستقبال.
ومثل هذا الإجماع إجماعهم على إيقاع المضارع المنفي بلا في مواضع تنافي الاستقبال، نحو: أتظنّ ذلك كائنا أم لا تظنّه، وأتحبه أم لا تحبّه، وما لك لا تقبل، وأراك لا تبالي، وما شأنك لا توافق، ومثل ذلك في القرآن كثير، كقوله تعالى:
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ 224، لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ 225، وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً 226، ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ 227، ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ 228، وَما لِيَ لا أَعْبُدُ 229. -
الجزء: 1 - الصفحة: 189
................................
وهو في غير القرآن، ومنه قول الشاعر:
17 - يرى الحاضر الشّاهد المطمئنّ... من الأمر ما لا يرى الغائب 230
وقول الآخر:
18 - إذا حاجة ولّتك لا تستطيعها... فخذ طرفا من غيرها حين تسبق 231
وقول الآخر:
19 - كأن لم يكن بين إذا كان بعده... تلاق ولكن لا إخال تلاقيا 232
قال الشيخ 233: «لا حجّة في شيء ممّا أورده المصنّف؛ لأنّ كلّ مثال من الأمثلة الّتي ذكرها، اقترنت به قرينة صرفته عن الاستقبال إلى الحال، والمدّعي أنّ ما صلح لهما ولا مرجّح لأحدهما إذا نفي بلا يتخلص للاستقبال» ثم بين القرائن.
ويمكن المنازعة في بعضها بل في أكثرها عند التأمل 234. -
الحديث: 17 - الجزء: 1 - الصفحة: 190
................................
ثم قال: «وأمّا قول الشّاعر: إذا حاجة... البيت فحمله على الحال وهم فاحش؛ لأنّ إذا ظرف لما يستقبل، فولّتك مستقبل وإن كان لفظه ماضيا.
فلا تستطيعها جملة في موضع نصب على الحال، والعامل فيها ولّتك المستقبل، فلا تستطيعها جملة مستقبلة».
انتهى.
وفيه حذف.
والظاهر أن الذي قاله المصنف عار عن الوهم، وذلك أن استطاعته للحاجة وعدم استطاعته إنما هو بالنسبة إلى وقت توليها، فالتولي وإن كان مستقبلا فلا تستطيعها حال، وجعلها جملة مستقبلة إنما هو بالنظر إلى وقت التلفظ بهذا الكلام.
وليس المراد إذا حاجة ولتك وأنت لا تستطيعها في المستقبل؛ بل المراد إذا ولتك حاجة وأنت لا تستطيعها حين توليها، وهذا ظاهر من البيت.
ثم قال المصنف: «والذي غرّ الزمخشريّ 235 وغيره من المتأخّرين قول سيبويه في نفي الفعل 236:
وإذا قال هو يفعل أي: هو في حال فعله، فإنّ نفيه ما يفعل، وإذا قال هو [1/ 38] يفعل ولم يكن الفعل واقعا، فإنّ نفيه لا يفعل، فاستعمل ما في نفي الحال ولا في نفي المستقبل، وهذا لا خلاف في جوازه، وليس في عبارته ما يمنع من إيقاع غير ما موقع ما، ولا من إيقاع غير لا موقع لا» انتهى 237. - - وأما حجته في الأمثلة التي بعده فقد قال: إن الحال فيه جاءت من خارج عن لا، وهو الاستفهام المراد به الحال، ثم انسحب الحال فيه إلى الفعل المنفي، ويمكن رده بأن المثال - أو الآية - يجب النظر إليه وفهمه مرة واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 191
[ترجح زمن الحال في المضارع]
قال ابن مالك: (ويترجّح الحال مع التّجريد).
وظاهر كلام سيبويه المنع، وإلا فلا فائدة في التخصيص 238.
قال ناظر الجيش: للفعل المضارع قرائن تخلصه للحال، وقرائن تخلصه للاستقبال، وقرائن تصرفه إلى المضي.
فشرع المصنف في ذكر ذلك وقدم على ما ذكره مسألة وهي:
«أنّ الفعل إذا تجرّد عن القرائن الحاليّة والقرائن الاستقباليّة وغير ذلك، رجح كونه للحال».
وعلل المصنف ذلك بأنه: «لمّا كان للماضي في الوضع صيغة تخصّه كفعل، وللمستقبل صيغة تخصّه كافعل 239
ولم يكن للحال صيغة تخصّه؛ بل اشترك مع المستقبل في المضارع جعلت دلالته على الحال راجحة عند تجريده من القرائن؛ ليكون ذلك جابرا لما فاته من الاختصاص بصيغة» 240.
وأقول: إن في كلام المصنف اضطرابا في المتن والشرح، وذلك أنه قال:
والمضارع صالح له وللحال أي للاستقبال وللحال؛ فحكم بالصلاحية لهما وأطلق، فدل على التساوي في الدلالة عليهما، فيكون مشتركا، ثم قال: ويترجّح الحال مع التّجريد.
وهذا ينفي الاشتراك، ولا يقال إن الصلاحية لهما لا يلزم منها الاشتراك 241؛ إذ لا تمتنع الصلاحية مع كونه حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، لأنّا نقول إيراده ذلك بعد قوله: والأمر مستقبل أبدا.
وسياق كلامه يقتضي أنه إنما -
الجزء: 1 - الصفحة: 192
[تعيين زمن الحال للمضارع]
قال ابن مالك: (ويتعيّن عند الأكثر بمصاحبة الآن أو ما في معناه وبلام الابتداء ونفيه بليس وما وإن).
يذكر ما هو بالوضع للفعل، فلا يناسب أن يذكر المدلول عليه بالمجاز مع المدلول عليه بالحقيقة.
وأما اضطراب كلامه في الشرح؛ فإنه قال أولا 242:
«ولمّا كان بعض مدلول المضارع المسمّى حالا مستأنف الوجود أشبه المستقبل المحض في استئناف الوجود فاشتركا في صيغة المضارع اشتراكا وضعيّا».
وقال ثانيا 243: «إنّ دلالته على الحال راجحة» وهذا ينافي القول بالاشتراك، والحق أنه لا يحكم بترجح الحال عند
التجريد من القرائن؛ لما تبين من أن أصح المذاهب أنه مشترك بين الحال والاستقبال؛ فلا يتعين لأحدهما إلا بقرينة كسائر المشتركات.
قال ناظر الجيش: هذا شروع في ذكر القرائن المخلصة لكل من الزمانين، وذكر أن القرائن التي تخلصه للحال خمس.
ونازع المصنف في كل منها؛ فالظاهر أنه ليس عنده قرينة تخلصه للحال.
فمن القرائن المذكورة: الآن وما في معناه وهو الحين والساعة وآنفا.
قال المصنف 244: «وبعض العلماء يجيز بقاء المقرون بالآن مستقبلا؛ لأنّ الآن قد يصحب فعل الأمر مع أنّ استقباله لازم.
قال الله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ 245.
فعبّر عن المدّة التي رفع فيها الحرج عن المباشرين نساءهم ليالي الصّوم وعن مدة بلوغ ذلك إلى المخاطبين، وعن المدة التي تقع فيها المباشرة؛ لأن الآن ليس عبارة عن المدة المقارنة لنطق الناطق فحسب [1/ 39] بل الآن عبارة عن مدة ما حضر كونه.
فلو أن الكائن لا يتم إلا في شهر فصاعدا، جاز أن يقال فيه الآن وهو كائن، ومنه قوله تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً 246. -
الجزء: 1 - الصفحة: 193
................................
وإذا ثبت هذا فقد يقال: الآن يكون كذا وكذا بقصد التعبير بالآن عن المدة التي يقع الكون في بعضها أو بقصد المبالغة في القرب إلا أنّ هذا خلاف الظاهر» 247 انتهى.
والجواب: أن الآن حقيقة في الزمان الحاضر؛ فإذا صحب الفعل المستقبل كان ذلك قرينة صارفة له عن إرادة الحال ويكون استعماله في المستقبل مجازا بالقرينة؛ فالتجوز حينئذ في الظرف.
وإذا لم يكن الفعل مستقبلا ولا ماضيا كان على حقيقته؛ إذ لا قرينة تصرفه فيتعين أن يكون الفعل معه للحال كما ذهب إليه الأكثر.
ويؤيد هذا قول الأبذي:
«ويعني بالآن المستعملة على حقيقتها؛ لأنّها إن تجوّز فيها واستعملت تقريبا صلحت مع الماضي والمستقبل، نحو قوله تعالى: قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ 248، الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ 249، ونحو قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، 250 فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ 251.
لأن فعل الشرط مستقبل.
وقال الشاعر:
20 - فإنّي غير خاذلكم ولكن... سأسعى الآن إذ بلغت إناها 252
وقول المصنف: «إلا أنّ هذا خلاف الظّاهر» يحتمل أن يرجع إلى قوله:
«أو بقصد المبالغة في القرب» وهو الأقرب.
ويحتمل أن يرجع إلى ما ذكره بأثره فيكون مختارا لقول الأكثر في هذه الصورة.
ومن القرائن: لام الابتداء: نحو إني لأحبك.
قال المصنف: «هي مخلصة للحال عند أكثرهم وليس كما ظنّوا؛ بل جائز أن يراد الاستقبال بالمقرون بها، كقوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ 253، -
الحديث: 20 - الجزء: 1 - الصفحة: 194
................................
وإِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ 254؛ فيحزنني مقرون بلام الابتداء وهو مستقبل؛ لأنّ فاعله الذهاب وهو عند نطق يعقوب عليه الصلاة 255 والسّلام بيحزنني غير موجود.
فلو أريد بيحزنني 256 الحال لزم سبق معنى الفعل لمعنى الفاعل في الوجود وهو محال»، انتهى 257.
وشرط الأبذي وغيره في تخليص اللام الفعل للحال: ألا تقترن بالفعل قرينة تشهد للاستقبال؛ فعلى هذا لا ينهض استدلال المصنف على ما ادعاه 258 بقوله تعالى:
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ 259؛ لأن عمله في الظرف المستقبل الذي هو يوم القيامة قرينة تخلصه للاستقبال كما سيأتي، وكذا الآية الثانية أيضا لوجود القرينة الصارفة له إلى الاستقبال، وهو كون المسند إليه متوقعا كما سيأتي 260.
وقال ابن الحاجب 261: «إنّ كون اللّام مخلّصة للحال هو مذهب الكوفيّين»، واعتذر عن الزمخشري في كونه جعله هنا بما يوقف عليه من كلامه.
ثم قال: «وقد صرّح بذلك يعني الزّمخشري في قوله في الحرف: ويجوز عندنا: إن زيدا لسوف يقوم، ولا يجيزه الكوفيّون» 262. -
الجزء: 1 - الصفحة: 195
............................... ومن القرائن: نفيه بليس وما وإن: فمثال نفيه بما في قوله تعالى: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ 263. ومثاله بإن في قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ 264. ومثاله بليس قول الشاعر: 21 - فلست وبيت الله أرضى بمثلها... ولكنّ من يمشي سيرضى بما ركب 265 [1/ 40] قال المصنف 266: «والأكثرون أيضا على أن النفي بهذه الثلاثة قرينة مخلصة للحال مانعة من إرادة الاستقبال. وليس ذلك بلازم، بل الأكثر كون النفي بها حالا، ولا يمتنع كونه مستقبلا، كما قال حسّان 267 في وصف الزبير: 22 - وما مثله فيهم ولا كان قبله... وليس يكون الدّهر ما دام يذبل 268 أي ما مثله في هذا العصر، ولا كان فيما مضى ولا يكون فيما يستقبل. وهذا جليّ غير خفي. ومثله قول الآخر: 23 - والمرء ساع لأمر ليس يدركه... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل 269
الحديث: 21 - الجزء: 1 - الصفحة: 196
................................ وقال تعالى في استقبال النفي بما وإن: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ 270. وقال أبو ذؤيب 271: 24 - أودى بنيّ وأودعوني حسرة... عند الرّقاد وعبرة ما تقلع 272 وقال النابغة 273 الجعدي يمدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: 25 - له نافلات ما يغبّ نوالها... وليس عطاء اليوم مانعه غدا 274
-
- والبيت في شرح التسهيل (1/ 22) وفي التذييل والتكميل (1/ 94) وهو فيهما بلا نسبة في الشرح والتحقيق، وهو مما اكتشفت قائله، وليس في معجم الشواهد.
الحديث: 24 - الجزء: 1 - الصفحة: 197
................................
وقال رجل من طيئ:
26 - فإنك إن يعروك من أنت محسب... ليزداد إلّا كان أظفر بالنّجح 275
أي ما ينزل بك من أحسبته بالعطاء أي أعطيته عطاء كافيا ليزداد على الكفاية إلّا كان أظفر بالنجح؛ فالمنفي هنا بأن مستقبل لا شكّ في استقباله.
انتهى 276.
وذكر الأبذي وغيره: أن هذه القرائن إنما تكون مخلصة للحال إن لم تكن ثمّ قرينة تخلّص للاستقبال.
فعلى هذا لا ينهض استدلال المصنف 277.
إلا أن لقائل أن يقول: قد وجدت قرينتان: إحداهما تخلص للحال والأخرى للاستقبال؛ فلأي شيء رجحت قرينة الاستقبال وجعلت غالبة للقرينة الأخرى 278.
وزاد الأبذي في القرائن المخلصة للحال: أن يعطف على الحال أو يعطف الحال عليه، نحو: يقوم زيد الآن ويخرج، ويقوم زيد ويخرج الآن.
والمصنف استغنى عن ذكر ذلك؛ لأنه يشترط في عطف الفعل على الفعل اتفاقهما في الزمان فالمعطوف والمعطوف عليه متفقان 279.
وزاد أيضا 280: أن يقع في موضع نصب على الحال، نحو: جاء زيد يضحك، وهو واضح؛ فلهذا لم يتعرض إليه المصنف.
- - التذييل والتكميل (1/ 94) وفي معجم الشواهد (ص 93).
الحديث: 26 - الجزء: 1 - الصفحة: 198
[الأمور التي تخلص المضارع للاستقبال]
قال ابن مالك: (ويتخلّص للاستقبال بظرف مستقبل وبإسناد إلى متوقّع، وباقتضائه طلبا أو وعدا، وبمصاحبة ناصب أو أداة ترجّ أو إشفاق أو مجازاة أو لو المصدريّة أو نون التّوكيد 281 أو حرف تنفيس وهو السّين أو سوف أو سف أو سو أو سي). -[1/ 41] قال الشيخ: «أهمل المصنف ما يعين المضارع للحال وهو الإنشاء نحو: أقسم لأضربنّ عمرا» انتهى 282. وهذا ليس بشيء لأنه قد علمت مما تقدم أنه لا يجوز إيراد ذلك في هذا الباب؛ إذ ليس الكلام هنا في نقل صيغ الفعل من معنى إلى معنى؛ إنما الكلام في تغيير الزمان مع بقاء معنى الصيغة. وإذا أريد بالفعل الموضوع للخبر معنى الإنشاء فقد نقلت الصيغة عن معناها إلى معنى آخر. قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن القرائن التي تعينه للحال شرع في ذكر القرائن التي تخلصه للاستقبال، وهي أمور منها: الظرف المستقبل: وإطلاق هذه العبارة تشمل صورتين: إحداهما: أن يكون الفعل عاملا في الظرف المذكور نحو: أقوم إذا قام زيد. الثانية: أن يكون الظرف مضافا إلى الفعل نحو: القتال إذا يجيء العدو، ومثل المصنف 283 بما يشمل الصورتين وهو: أزورك إذا تزورني. فأزورك: عامل في ظرف مستقبل مضاف إلى تزورني وتخلصا به للاستقبال. ومنها: إسناده إلى متوقع: كقول الشاعر: 27 - يهولك أن تموت وأنت ملغ... لما فيه النّجاة من العذاب 284
الحديث: 27 - الجزء: 1 - الصفحة: 199
................................
ومنها: اقتضاؤه طلبا: نحو: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ 285.
هكذا قال المصنف.
وقد علمت أن صيغة الفعل في مثل هذا خرجت عن معناها الموضوعة هي له وهو الخبر إلى معنى آخر وهو الطلب، وإذا كان كذلك فليس هذا موضع إيراد هذا الحكم.
ومنها: اقتضاؤه وعدا: نحو قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ 286.
ومنها: مصاحبة ناصب أو ما بعده من الأمور التي ذكرها: والناصب: أن، ولن، وإذن، وكي، وسواء كان الناصب ظاهرا نحو قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 287 أم مقدرا نحو قوله تعالى: لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ 288.
وأما أداة الترجي: فمثالها قوله تعالى: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ 289.
وقال الشاعر:
28 - فقلت أعيروني القدوم لعلّني... أخطّ بها قبرا لأبيض ماجد 290
وأما أداة الإشفاق فمثالها قول الشاعر:
29 - فأمّا كيّس فنجا ولكن... عسى يغترّ بي حمق لئيم 291
ولا فرق بين الرجاء والإشفاق في اللفظ بل في المعنى؛ لأن الرجاء محبوب -
الحديث: 28 - الجزء: 1 - الصفحة: 200
................................ والمشفق منه مكروه. وأما أداة المجازاة: فمثالها قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ 292. قال الأبذي: «سواء في ذلك ما يجزم كإن وأخواتها وما لا يجزم نحو: كيف تقول: كيف تصنع أصنع فكيف معناها الجزاء ولم تجزم بها العرب». وأما لو المصدرية: فمثالها قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ 293، وعلامتها: أن يحسن في موضعها أن. واحترز بهذا التقييد من لو الامتناعية؛ فإنها تؤثر ضد ما تؤثر هذه كما سيأتي، وفي إثبات المصدرية خلاف سيجيء في باب الموصول إن شاء الله تعالى. وأما نون التوكيد: فمثالها قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ... 294 الآية. [1/ 42] وأما حرف التنفيس: فمثاله قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى 295، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى 296. وجاء عن العرب: سف أفعل، وسو أفعل وسي أفعل وهي أغربهن، حكاها صاحب المحكم 297. وأنشد الشيخ في شرحه 298: 30 - فإن أهلك فسو 299 يجدون فقدي... وإن أسلم يطب لكم المعاش 300
الحديث: 30 - الجزء: 1 - الصفحة: 201
................................
واتفقوا 301 على أن أصل سف وسو وسي: سوف، وزعموا أن السين أصل برأسها غير مفرعة على سوف؛ لكنها منها كنون التوكيد الخفيفة من نون الثقيلة، وقد رد المصنف ذلك، ثم ناقشه الشيخ في بعض الرد 302 بما يحتمل الدفع.
وليس في ذلك كبير فائدة فأضربت عنه 303.
وأقرب ما قال المصنف: «إنّا قد أجمعنا على أنّ سف وسو وسي فروع سوف، فلتكن السين أيضا فرعها؛ لأنّ التخصيص دون مخصص أيضا مردود».
وقال المصنف: «قال بعضهم: لو كانت السين بعض سوف لكانت مدّة التسويف بهما سواء وليس كذلك؛ بل هي بسوف أطول؛ فكانت كل واحدة منهما أصلا برأسها».
ثم قال: قلت: هذه دعوى مردودة بالقياس والسماع:
فالقياس: أن الماضي والمستقبل متقابلان، والماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي دون تعرض لقرب الزمان وبعده فينبغي ألا يقصد بالمستقبل إلا مطلق الاستقبال دون تعرض لقرب الزمان وبعده؛ ليجري المتقابلان على سنن واحد، والقول بتوافق سيفعل وسوف يفعل مصحح؛ فكان المصير إليه أولى.
وأما السماع: فتعاقب سيفعل وسوف يفعل على المعنى الواحد الواقع في وقت واحد؛ قال الله تعالى: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً 304. وقال - - سوف كما تقطع كي من كيف.
والبيت في التذييل والتكميل (1/ 93) ومعجم الشواهد (ص 202).
الجزء: 1 - الصفحة: 202
................................ تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً 305. وقال تعالى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. في سورة النبأ 306، وقال في سورة التكاثر: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ 307. ومنه قول الشاعر: 31 - وما حالة إلّا سيصرف حالها... إلى حالة أخرى وسوف تزول 308 فقد بان توافقهما إلا أن سيفعل أخف، فكان استعماله كثيرا. انتهى 309. وذكر الجزولي في المخلصات للاستقبال: لام القسم 310 ولا يتمحض ذلك للام المذكورة إلا حيث لا يؤتى في الفعل بنون التوكيد. وذلك لا يجوز عند البصريين إلا في ضرورة وإنما يجوز تعاقبهما الكوفيون. قال الشاعر: 32 - تألّى ابن أوس حلفة ليردّني... إلى نسوة كأنّهنّ مفائد 311
الحديث: 31 - الجزء: 1 - الصفحة: 203
[انصراف الفعل المضارع إلى زمن المضي]
قال ابن مالك: (وينصرف إلى المضيّ بلم ولمّا الجازمة ولو الشّرطيّة غالبا، وإذ وربّما وقد في بعض المواضع).
وأما إذا أتى بالنون في الفعل نحو: والله ليقومن زيد، فيمكن أن يقال إنه إنما استفيد الاستقبال من النون؛ لأنها من القرائن الاستقبالية.
قال الأبذي: «وهذا الّذي ذهب إليه - يعني الجزولي - في اللّام هو مذهب أكثر النّحويين.
ومنهم من ذهب إلى أنّك إذا أقسمت على قيام في الحال، تقول: والله ليقوم زيد، وهو عندي جائز».
انتهى.
يعني أن اللام لا تخلص للاستقبال 312.
وزاد الأبذي أيضا في قرائن الاستقبال: عطفه على المستقبل وعطف المستقبل عليه، نحو: سيأكل زيد ويشرب، ويشرب زيد وسيأكل، وقد تقدم نظير ذلك في القرائن الحالية، وأنه قد يستغنى عنه.
وكان ينبغي للمصنف أن يذكر في القرائن المخلصة للاستقبال: لو الشرطية في أحد استعمالها، كما سيأتي بيانه.
قال ناظر الجيش: شرع في ذكر القرائن الصارفة له إلى المضي، وإنما قال:
وينصرف ولم يقل ويتعين أو يتخلص كما قال قبل؛ لأن المضارع لا دلالة له على المضي بالوضع، فكأنه انصرف عن مدلوله بالوضع وهو الحال [1/ 43] أو الاستقبال إلى مدلول آخر بقرينة بخلاف ما إذا تعين لأحد مدلوليه الذي هو موضوع لهما.
فمن القرائن الصارفة له: لم ولمّا:
ولا خلاف أن المضارع المقترن بهما ماضي المعنى، وهل كان ماضي اللفظ فتغير لفظه دون معناه، أو لم يزل مضارعا فتغير معناه دون لفظه؟ - - مختارات في ديوان الحماسة.
وانظر ترجمته في الأعلام (3/ 97).
الجزء: 1 - الصفحة: 204
................................ الأول: مذهب طائفة منهم الجزولي 313. قال الأبذي: «وهو مذهب سيبويه 314 لأنّه جعل لم نفي فعل ولمّا نفي قد فعل». والثاني: مذهب المبرد وأكثر المتأخرين واختاره المصنف ومن ثمّ قال: وينصرف إلى المضيّ يعني أن معناه هو الذي تغير، وأن لم ولما إنما دخلتا على لفظ المضارع 315. واستدل لمذهب سيبويه 316 بأنك إذا ناقضت من أوجب قيام زيد، فقال قام زيد قلت: لم يقم زيد، وإن قال قد قام زيد، قلت: لمّا يقم زيد، والمناقضة إنما تكون بإدخال أداة النفي على ما أوجبه الذي قصدت مناقضة كلامه. وأيضا فإن صرف التغيير إلى جانب اللفظ أولى من صرفه إلى جانب المعنى؛ لأن المحافظة على المعنى أولى. قال المصنف 317: «وثاني القولين هو الصحيح - يعني ما ذهب إليه المبرد 318 - قال: لأنه نظير ما أجمع عليه في الواقع بعد لو وربّما وإذ فإنها صرفت المعنى دون اللّفظ اتفاقا». وقال أيضا: «إنما قيدت لمّا بالجازمة؛ لأنها إذا لم تكن جازمة لا يليها فعل مضارع بل ماضي اللفظ والمعنى إن كانت بمعنى حين، أو ماضي اللفظ مستقبل المعنى إن كانت بمعنى إلا، كقول الشاعر: 33 - قالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنتين 319
الحديث: 33 - الجزء: 1 - الصفحة: 205
................................
وأطلقت لم تنبيها على أنها صارفة إلى المضي أبدا ولو لم يكن الفعل مجزوما بعدها، كقول الشاعر:
34 - لولا فوارس من ذهل وأسرتهم... يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار 320
فرفع الفعل بعدها وهي لغة لقوم» 321 انتهى.
قال الشيخ: «لا يحتاج إلى تقييد لمّا بالجازمة؛ لأنّها لا تدخل على المضارع إلّا وهي جازمة.
ولو كانت تدخل عليه جازمة وغير جازمة ولا تصرفه إلى المضي إلا الجازمة - لاحتيج إلى ذلك التقييد، وأما أن يحترز بذلك من دخولها على الفعل الماضي فلا يصح؛ إذ التقييد إنما يكون في شيء مشترك» انتهى 322.
والجواب: أن المصنف لم يحترز بذلك من شيء؛ بل نبه على أن لما جازمة وغير جازمة، وأن المضارع يختص بالجازمة دون غيرها.
ويشعر بذلك قوله:
وقيدتها بالجازمة؛ لأنها إذا لم تكن جازمة لا يليها فعل ماض؛ ولم يقل احترازا من كذا وكذا.
ومنها: لو الشرطية: واعلم أن لو قسمان:
مصدرية: ويتخلص المضارع بها للاستقبال، كما تقدم.
وشرطية: وهي نوعان: شرط في المستقبل، فتكون إذ ذاك بمعنى إن كقوله تعالى:
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ 323. وقوله تعالى: -
الحديث: 34 - الجزء: 1 - الصفحة: 206
................................
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ 324، ومنه قول الشّاعر:
35 - قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم... دون النّساء ولو باتت بأطهار 325
فالماضي ينصرف بعدها كما في هذه الأمثلة إلى الاستقبال.
وسيبين.
وإذا وقع بعد لو هذه مضارع [1/ 44] كان مستقبل المعنى كما يكون حكمه بعد إن كقول الشاعر:
36 - لا يلفك الرّاجيك إلّا مظهرا... خلق الكرام ولو تكون عديما 326
وكان ينبغي للمصنف أن يذكرها مع القرائن الاستقبالية كما تقدم التنبيه عليه.
وقد يقال: يمكن أن يدخل تحت قول المصنف فيما تقدم: أو مجازاة أي بمصاحبة أداة مجازاة.
ولا شك أن لو إذا كانت بمعنى إن صدق عليها أنها للمجازاة.
وشرط في المضي: وهي المسماة بالامتناعية 327، وينصرف المضارع بها إلى المضي؛ ومثالها قوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ 328.
ومثله قول كثير 329: -
الحديث: 35 - الجزء: 1 - الصفحة: 207
................................
37 - رهبان مكّة والّذين عهدتهم... يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها... خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا 330
وقول الآخر:
38 - لو يقوم الفيل أو فيّاله... زلّ عن مثل مقاسي وزحل 331
فتقييد المصنف لها بالشرطية احترازا من المصدرية 332.
ثم احترز من التي بمعنى إن بقوله: غالبا وكأنه يقول: إن ورود لو بمعنى إن ليس غالبا؛ وإنما الغالب استعمالها في المضي؛ لكن ظاهر العبارة يوهم أنها الامتناعية وأنها تارة تصرف المضارع إلى المضي وتارة تصرفه إلى
الاستقبال؛ لكن الغالب صرفها إلى المضي، وليس كذلك لما تبين من أنها نوعان 333.
وقد وافق المصنف الجزولي 334 في تسمية لو الامتناعية شرطية.
وناقش الأبذي - - الدنيا عليها شعرا في حياتها وبعد موتها مدح كثيرا من خلفاء بني أمية كعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز، واستقر به المقام في مصر بعد الإقامة في المدينة ودمشق وكان قبيح المنظر إلا أن شعره رفع مجلسه إلى الملوك.
له ديوان مشروح.
توفي سنة (105 هـ). انظر ترجمته في الشعر والشعراء (1/ 510)، وفيات الأعيان (4/ 113)، الأعلام (6/ 72).
الحديث: 37 - الجزء: 1 - الصفحة: 208
................................
الجزولي في ذلك، فقال: ليست - يعني الامتناعية - شرطا لا في اللفظ؛ لأنها لا تجزم، ولا في المضي؛ لأن الشرط إنما يكون بالنظر إلى الاستقبال.
ومنها إذ:
نحو قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ 335 المعنى:
وإذ قلت.
ومنها ربما:
نحو قول الشاعر:
39 - ربّما تكره النّفوس من الأم... ر له فرجة كحلّ العقال 336
أي ربما كرهت.
وإنما صرفت معنى المضارع إلى المضي 337؛ لأنها قبل اقترانها بما مستعملة في المضي، فاستصحب بعد الاقتران ما كان لها قبله؛ بل هي بذلك أحق؛ لأن ما -
الحديث: 39 - الجزء: 1 - الصفحة: 209
................................
للتوكيد فيتأكد بها معنى ما يتصل به ما لم يقلبه من معنى إلى معنى كما فعلت بإذ حين قيل فيها إذما.
ومفارقتها
في الدلالة على المضي وحدث فيها معنى المجازاة.
وقد ذكر المصنف في باب حروف الجر من هذا الكتاب أنه لا يلزم مضي ما يتعلق بربّ؛ بل قد يكون مستقبلا، وأنشد أبياتا منها قول جحدر اللص 338:
40 - فإن أهلك فربّ فتى سيبكي... على مهذّب رخص البنان 339
وقول سليم القشيري 340:
41 - ومعتصم بالحيّ من خشية الرّدى... سيودي وغاز مشفق سيئوب 341
قال: وقد يكون حالا، انتهى 342. -
الحديث: 40 - الجزء: 1 - الصفحة: 210
................................
والقائلون بأن ربما تصرف معنى المضارع إلى المضي يوردون على أنفسهم قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 343.
فيقولون: ظاهره أن الفعل بعد ربما مستقبل [1/ 45]؛ لأنهم لا يودون ذلك إلا في الآخرة.
ويجيبون بأن التقدير ربما ودّ؛ فيكون من قبيل ما جعل فيه المستقبل بمنزلة الماضي؛ فربّ صارفة معنى يود إلى الماضي.
وجاز التعبير بالماضي عن المستقبل لصدق الوعد به، ولقصد التقريب لوقوعه، فجعل كأنه وقع مجازا، كما قال الله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ 344.
وفي كلام المصنف ما يشعر بأنه لا يلتزم السؤال الذي أورد هنا، وأنه يحمل الآية الكريمة على ظاهرها من الاستقبال؛ لأنه قال:
قال ابن السراج 345 في قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 346 بأنه لصدق الوعد، كأنه قد كان، كما قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ 347. والصحيح عندي: أن إذ قد يراد بها الاستقبال كما يراد بها - - تقول ولم تعلم عليّ خيانة... ألا ربّ باغ الرّبح ليس برابح وقول الآخر: ألا ربّ من تغتشّه لك ناصح... ومؤتمن بالغيب غير أمين
الجزء: 1 - الصفحة: 211
................................
المضي فمنه قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ 348 وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها 349 فأبدل يومئذ من إذا 350؛ فلو لم تكن صالحة للاستقبال ما أبدل يوم المضاف إليها من إذا، انتهى.
ومنها قد:
قال المصنف: إذا دخلت قد على المضارع فهي كربما في التقليل والصرف إلى معنى المضي.
هذا ظاهر قول سيبويه؛ فإنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم 351:
وأمّا قد فجواب لقوله لمّا يفعل فتقول قد فعل ثم قال: فتكون قد بمنزلة ربّما.
قال الهزلي:
42 - قد أترك القرن مصفرّا أنامله... كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد 352
كأنه قال ربما.
هذا نصه.
فإطلاقه القول بأنها بمنزلة رب موجب للتسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المضي 353 فإن خلت من التقليل خلت غالبا من الصرف إلى معنى المضي وتكون -
الحديث: 42 - الجزء: 1 - الصفحة: 212
................................
حينئذ للتحقيق، كقوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ 354.
ومنه قول الشاعر:
43 - وقد يدرك الإنسان رحمة ربّه... ولو كان تحت الأرض سبعين واديا 355
وقد تخلو من التقليل وهي صارفة لمعنى المضي، كقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ 356، 357. فثبت لها مع المضارع معنيان وهما التقليل والتحقيق وأنها مع التقليل تصرف معنى الفعل إلى المضي ومع التحقيق لا تصرفه غالبا وقد تصرفه 358.
وقوله: في بعض المواضع 362 قيد في قد فقط.
وقد يوهم إظهار حرف الجر مع إذ؛ حيث قال: وبإذ وربما وقد أن ذلك قيد في الثلاثة، وليس كذلك لما تبين من أن إذ وربما يصرفانه إلى المضي، ولا يكفي أن يقال: قد يخلصانه للمستقبل كما هو اختيار المصنف؛ لأن ذلك قليل والصرف إلى المضي هو الكثير فلا يقيده بقوله: في بعض المواضع.
قال الأبذي: «ومن القرائن الصّارفة معنى المبهم إلى المضيّ عطفه على الماضي نحو قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً 363 أي فأصبحت، وعطف الماضي عليه كقول الشاعر: -359360361
الحديث: 43 - الجزء: 1 - الصفحة: 213
................................
44 - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني 364
[1/ 46] يريد: ولقد مررت».
قال 365: «ومنها لمّا المحتاجة إلى جواب نحو قولهم: لمّا يقوم زيد قام عمرو.
وقال تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا 366 أي جادلنا.
هكذا قال، وأطلق؛ فيفهم منه أنه ينصرف بها إلى المضي سواء اتصل بها كما مثل به، أم كان جوابا لها كما في الآية الكريمة.
لكن في تمثيله بلما يقوم زيد قام عمرو نظر:
وهو أنه قد تقدم في كلام المصنف 367 أن لما غير الجازمة لا يليها إلا الماضي لفظا ومعنى إن كانت بمعنى حين، أو الماضي لفظا المستقبل معنى إن كانت بمعنى إلا.
وأما جواب لما في الآية الكريمة ففيه وجهان:
أحدهما: ما ذكره وهو (يجدلنا) فهو مستقبل لفظا ماض معنى.
والثاني: أنه محذوف تقديره: أقبل يجادلنا ويجادلنا حال، فلم يتعين ما ذكره في الآية الكريمة، ولم يتحقق صحة المثال الذي ذكره؛ فلا استدراك حينئذ.
قال: ومنها: وقوعه خبرا لكان وأخواتها، نحو كان زيد يقوم؛ فأما وقوعه حالا من اسم قد عمل فيه عامل معناه المضي، نحو جاء زيد يضحك؛ فإنما ذلك على حكاية الحال الماضية فليس إذا مصروفا عن معناه.
قال: ومنها أيضا عندي إعماله في الظرف الماضي: نحو: -
الحديث: 44 - الجزء: 1 - الصفحة: 214
[صرف الماضي إلى الحال والاستقبال]
قال ابن مالك: (وينصرف الماضي إلى الحال بالإنشاء، وإلى الاستقبال بالطّلب والوعد، وبالعطف على ما علم استقباله، وبالنّفي بلا وإن بعد القسم).
45 - يجزيه ربّ العالمين إذ جزى... جنّات عدن في العلاليّ العلا 368
كأنه قال: جزاه رب العالمين إذ جزى، وجعل الوعد بالجزاء جزاء.
وهذا أولى من أن يعتقد في إذ أنها بمنزلة إذا؛ لأن صرف معنى المبهم إلى المضي لقرينة قد ثبت في كلامهم، ولم يثبت بقاطع وضع إذ موضع إذا.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «الإنشاء في اللغة مصدر أنشأ فلان يفعل كذا، أي ابتدأه، ثم عبر به عن إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود كإيقاع التزويج بزوجت، والتطليق بطلقت والبيع والشراء ببعت واشتريت؛ فهذه الأفعال وما شابهها ماضية اللفظ حاضرة المعنى بقصد الإنشاء بها؛ فهذه قرينة تصرف الماضي إلى الحال» انتهى 369.
وقد علمت مما تقدم: أن الكلام هنا ليس في نقل الصيغ من معنى إلى آخر؛ إنما هو في تغيير زمانها مع بقائها على المعنى الذي هي موضوعة له، وأن المصنّف -
الحديث: 45 - الجزء: 1 - الصفحة: 215
................................
توجهت عليه المؤاخذة في ثلاثة مواضع من هذا الفصل.
أحدها: قوله في المضارع: إنه يتخلص للاستقبال باقتضائه طلبا 370.
الثاني: ما ذكره هنا من انصراف الماضي إلى الحال بالإنشاء 371.
وذكر أنه ينصرف إلى الاستقبال بأمور منها:
الطلب 372: نحو: غفر الله لي ونصر الله المسلمين وخذل الكافرين وعزمت عليك إلّا فعلت ولمّا فعلت، ومن كلامهم: «اتّقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه» هذه مثل المصنف.
قال: فغفر وما يليها دعاء، وإلا فعلت ولما فعلت معناه إلا أن تفعل، ومعنى اتقى: ليتق.
ولذلك جزم يثب، انتهى 373 [1/ 47] وهذا هو الموضع الثالث من مواضع المؤاخذة 374.
ثم في كون الماضي في: إلا فعلت ولما فعلت يقتضي طلبا نظر، ولا يلزم من كون معناه إلا أن تفعل الدلالة على الطلب الصناعي، اللهم إلا أن يريد أن الفعل المذكور بعد إلا ولما في هذا التركيب مطلوب للمخاطب، فيكون ذلك طلبا معنويّا لم يستفد من الفعل فقط، إنما استفيد من الكلام بمجموعه.
ومنها: الوعد: نحو: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ 375 وكذا: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها 376، ويمكن أن يقال في إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ: إنه ليس وعدا وإن الإعطاء قد حصل فليس نظير وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها.
ومنها: عطفه على ما علم استقباله؛ كقوله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ 377، وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ 378 أي فيوردهم ويفزع.
ومنها: نفيه بلا وإن بعد القسم: فمثال إن قوله تعالى: وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ 379 أي ما يمسكهما.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 216
................................
ومثال لا قول الشاعر:
46 - ردوا فوالله لا ذدناكم أبدا... ما دام في مائنا ورد لنزّال 380
قال الشيخ: «ليس هذا الحكم بصحيح والماضي المنفي بإن أو بلا بعد قسم باق على المضي معنى؛ وإنما انصرف إلى الاستقبال في الآية الكريمة والبيت بقرينة غير ذلك.
أما الآية الكريمة فإنما انصرف فيها لأنه في المعنى معلق على فعل مستقبل وهو الشرط؛ لأن: إن أمسكهما جواب للقسم المحذوف، وجواب الشرط المحذوف مستقبل مطلقا فكذلك ما دل عليه وهو جواب القسم.
وأما البيت فإنما انصرف الفعل فيه إلى الاستقبال بإعماله في الظرف المستقبل، وهو قوله: أبدا» انتهى 381.
وما قاله الشيخ في الآية الكريمة والبيت ظاهر، ولكنه فهم أن المصنف يوجب صرف الماضي إلى الاستقبال بهاتين القرينتين وليس كذلك؛ لأن المصنف قد صرح في باب القسم بأن ذلك جائز؛ فإنه قال حين ذكر: ما ولا وإن: «إلّا أنّ المنفيّ بها في القسم لا يتغيّر عمّا كان عليه دون قسم 382، إلا إن كان فعلا موضوعا للمضيّ؛ فقد يتجدّد له الانصراف إلى معنى الاستقبال»، ومثل بقوله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ 383 وبالآية الكريمة المذكورة هنا وبالبيت المذكور 384، فيحمل المطلق من كلام المصنف على المقيد من كلامه في باب القسم 385. -
الحديث: 46 - الجزء: 1 - الصفحة: 217
................................ ومن القرائن الصارفة الماضي إلى الاستقبال، وذكرها الأبذي: أدوات الشرط: نحو إن قام زيد قام عمرو، ولا خلاف في شيء من ذلك إلا كان زعم المبرد 386 أنها لقوتها في الزمان الماضي من حيث تجردت للدلالة عليه لم تتغير دلالتها بأدوات الشرط كغيرها، فتقول: إن كان زيد قد قام فيما مضى، فقد قام عمرو. وقال الله تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ 387 معناه عند المبرد: إن كنت قلته فيما تقدم فقد علمته. والصحيح مذهب الجمهور بدليل ورودها في بعض المواضع، والمعنى على الاستقبال. قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا 388. وأما الآية المتقدمة فتحتمل تقديرين: أحدهما: إضمار أكون أي: إن أكن فيما يستقبل موصوفا بأني كنت قلت ذلك فيما مضى، فقد علمته. والآخر: إضمار أقول أي: إن أقل كنت قلته [1/ 48] وفي هذا الثاني من حيث المعنى نظر. ومنها أيضا: لو 389 في أحد قسميها 390؛ كقوله تعالى: وَلَوِ افْتَدى بِهِ 391، وما تقدم من قول الشاعر: 47 - قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم... دون النّساء ولو باتت بأطهار 392 ومنها: إعماله في الظرف المستقبل؛ كقول الشاعر: 48 - وندمان يزيد الكأس طيبا... سقيت إذا تغوّرت النّجوم 393
الحديث: 47 - الجزء: 1 - الصفحة: 218
[احتمال الماضي للحال والاستقبال]
قال ابن مالك: (ويحتمل المضيّ والاستقبال بعد همزة التّسوية وحرف التّحضيض وكلّما وحيث وبكونه صلة أو صفة لنكرة عامّة).
أي أسقيته إذا تغورت النجوم.
ومنها: إضافة اسم الزمان المستقبل إليه، نحو خروج زيد إذا قام عمرو أي إذا يقوم عمرو.
ومنها: عطفه على المستقبل وعطف المستقبل عليه، نحو قعد زيد وسيقوم، أي سيقعد زيد وسيقوم، وكذا سيقوم زيد وقعد أي: وسيقعد 394 وهذه الثانية 395 قالها المصنف 396.
ومنها: وقوعه في صلة لما المصدرية إذا كان العامل فيها المستقبل، كقولك: افعل خيرا ما دمت حيّا أي ما تدوم حيّا؛ إلا أن العرب لا تستعمل بعدها إلا الماضي 397؛ لأن معنى الكلام كمعنى الشرط المحذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه، كأنك قلت: افعل هذا ما دمت حيّا وهم لا يحذفون جواب الشرط إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا كقولهم: أنت ظالم إن فعلت، ولا يقولون: إن تفعل.
قال ناظر الجيش: اعلم أن المراد بالاحتمال أن الماضي إذا وقع بعد ما ذكره جاز أن يراد به المضي في محل، وأن يراد به الاستقبال في محل آخر.
وذلك بحسب ما يفهم من السياق؛ وقد يحتملهما في محل واحد ويختلف حينئذ التأويل.
- - على صرف ندمان لأن مؤنثه بالتاء (شذور الذهب: ص 490). ترجمة الشاعر: هو البرج بن مسهر بن جلاس بن الأرت الطائي، شاعر من معمري الجاهلية، كانت إقامته في بلاد طيّئ (بلاد شمر اليوم) مات قبل الهجرة بنحو ثلاثين سنة، له شعر في ديوان الحماسة.
انظر ترجمته في الأعلام (2/ 16).
الجزء: 1 - الصفحة: 219
................................ فمثال الواقع بعد همزة التسوية قولك: سواء عليّ أقمت أم قعدت؛ فيجوز أن يكون المراد: سواء عليّ ما كان منك من قيام أو قعود، وأن يكون سواء على ما يكون منك منهما، وسواء أكان المعادل فعلا كما مثل أم جملة اسمية، كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ 398. فإن كانت لم يعد أم تعين المضي كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ 399؛ لأن المعادل المنفي بلم تعين صرفه بها إلى المضي فوجب مضي ما قبله. ومثال الواقع بعد حرف التحضيض قولك: هلّا فعلت فتجوز إرادة المضي فتكون لمجرد التوبيخ، ولا يكون اقترانه بحرف التحضيض مغيرا للفعل عن وصفه، وتجوز إرادة الاستقبال فيكون بمنزلة الأمر. قال المصنف: ولذلك احتج العلماء على وجوب العمل بخبر الواحد، بقوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ 400 جعلوه بمنزلة لينفر، وهذان المثالان من المواضع التي يحتمل فيها الفعل المضي والاستقبال في محل واحد. ومثال الواقع بعد كلما والمعنى ماض: قوله تعالى: كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ 401. ومثاله والمعنى مستقبل قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها 402. ومثال الواقع بعد حيث والمعنى على المضي: قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ 403. ومثاله والمعنى على الاستقبال قوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ 404. ومثال الواقع صلة والمعنى ماض قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ 405. ومثاله والمعنى مستقبل قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ 406. وقد اجتمع الأمران في قول الشاعر: 49 - وإنّي لآتيكم يذكّر ما مضى... من الأمر واستنجاز ما كان في غد 407
الحديث: 49 - الجزء: 1 - الصفحة: 220
................................
[1/ 49] فمضى ماض وكان مستقبل.
ومثال الواقع صفة للنكرة العامة والمعنى على المضي: قول الشاعر:
50 - ربّ رفد هرقته ذلك اليو... م وأسرى من معشر أقتال 408
ومثاله والمعنى على الاستقبال قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فأدّاها كما سمعها» 409. فإن هذا منه - عليه الصلاة والسّلام - ترغيب لمن أدركه في حفظ ما يسمعه، ومعناه: نضر الله امرأ يسمع مقالتي فيؤديها كما يسمعها.
وناقشه الشيخ 410 في المثال الأول: بأن رفدا ليس بنكرة عامة؛ إذ ربّ على ما ينسب لسيبويه للتقليل 411 والتقليل ينافي العموم، قال: - - والشاهد فيه واضح؛ حيث وردت ما موصولة في البيت مرتين صلة كل منهما مختلفة في المعنى وإن اتفقتا في اللفظ.
والبيت في شرح التسهيل: (1/ 32) وفي التذييل والتكميل: (1/ 113). ترجمة الطرماح: هو الطرماح بن حكيم بن الحكم من طيئ شاعر إسلامي فحل، ولد ونشأ بالشام وانتقل إلى الكوفة فكان معلما فيها، واعتقد مذهب الشراة من الأزارقة، واتصل بخالد بن عبد الله القسري، فكان يكرمه ويستجيد شعره، وكان هجاء معاصرا للكميت صديقا له لا يكادان يفترقان.
انظر ترجمته في الأعلام للزركلي (3/ 325).
الحديث: 50 - الجزء: 1 - الصفحة: 221
................................
ثمّ لا يتعين كون هرقته صفة لرفد؛ إذ يجوز أن يكون هو الجواب العامل في موضعه ربّ رفد على مذهب من لا يشترط وصف مخفوض ربّ، وهو الأصحّ.
انتهى 412.
ولا تتوجه هذه المناقشة على المصنف؛ لأنه يرى أن ربّ للتكثير 413، وقد استشهد في باب حروف الجر على ذلك بأبيات منها البيت المذكور 414.
على أنا نقول: ليس المراد بالعموم هنا عموم الشمول؛ بل المراد أن النكرة باقية على صلاحيتها لكل مسمى لم
يتخصص بشيء من مخصصات النكرة.
وأما قوله: إنّ هرقته لا يتعين كونه صفة فمسلم ولا يضر المصنف ذلك؛ لأنه إنما استشهد بذلك على تقدير أن يكون الفعل صفة؛ فإذا لم يقدر صفة فلا يكون الفعل الماضي وقع صفة للنكرة العامة في البيت المذكور فيطلب الاستشهاد بغيره.
- وزيادة ما بعدها وهو كثير: (3/ 115). ومباحث أخرى فيها: انظر: (5/ 311).
الجزء: 1 - الصفحة: 222