تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب الأربعون باب القسم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1 [القسم: تعريفه، أقسامه، أساليبه]

قال ابن مالك: (وهو صريح، وغير صريح وكلاهما جملة فعليّة أو اسميّة، فالفعليّة غير الصّريحة في الخبر كعلمت ووثقت مضمّنة معناه، وفي الطّلب كنشدتك، وعمرتك، وأبدل من اللّفظ بهذه عمرك الله بفتح الهاء وضمّها وقعدك الله، وقعيدك الله كما أبدل في الصّريحة من فعلها المصدر أو ما بمعناه).
قال ناظر الجيش: الكلام في هذا الباب يتعلق بأمور خمسة: وهي: القسم، والمقسم به، والمقسم عليه، وحروف القسم، والحروف التي تربط المقسم به بالمقسم عليه.
وقد ذكر المصنف ثلاثة منها: وهي: المقسم عليه، وحروف القسم، والحروف الروابط بين المقسم به والمقسم عليه وأما القسم فذكر له تعريفا، ولم يتعرض إلى ذكر حده.
وأما المقسم به فإنه لم يتعرض إلى ذكره؛ إذ لا تعلق للصناعة النحوية به.
وبعد: فأنا أشير إلى ذكر هذين القسمين أولا، ثم الكلام على بقية الأقسام يورد في ضمن شرح كلام المصنف إن شاء الله تعالى.
أما القسم: فقد حده الجزولي، وغيره من المغاربة بأنه: جملة يؤكد بها جملة أخرى كلتاهما خبرية.
وهو حد ظاهر غني عن التفسير غير أن قولهم فيه: كلتاهما خبرية؛ لا يظهر؛ لأن جملة القسم إنشائية، فكيف يحكم عليها بأنها خبرية؟ وقد ذكروا أن المراد بقولهم: كلتاهما خبرية؛ أن جملة القسم والجواب إذا اجتمعتا حصل منهما كلام محتمل للصدق والكذب.
ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار؛ فإن التصديق والتكذيب إنما يرجع كل منهما إلى مضمون جملة الجواب، وأما جملة القسم فلا يرجع إليها تصديق ولا تكذيب.
-

الجزء: 6 - الصفحة: 3065

................................  والحق أن يقال في حد القسم: إنه جملة إنشائية يؤتى بها لتوكيد جملة خبرية.
وذكر الشيخ عن النحاة حدّا قيد فيه الخبرية بكونها غير تعجبية 2، وهذا لا يحتاج إليه؛ إذ التعجبية لا يصح وقوعها جوابا؛ لأن الجواب إذا كان جملة اسمية وجب اقترانها بـ «إن واللام»، أو بإحداهما.
ولا شك أن الجملة التعجبية لا يجوز أن تغير عن هيئتها.
وإذا كان كذلك امتنع أن يكون التعجب جواب قسم بذاتها فلا يحتاج إلى أن يحترز عنها.
ويرادف القسم ثلاث كلمات أخر: وهي: الحلف والإيلاء واليمين.
أما القسم فالفعل المستعمل منه إنما هو «أقسم»، وهو غير جار على القسم، ونظير ذلك في عدم الجريان على المصدر: أشبه وأثنى؛ فإنهما من الشبه والثناء، وأما الحلف والإيلاء فاستعمل منهما فعل جار قالوا: حلف وآلى، وأما اليمين فلم يستعمل منه فعل؛ لأنه ليس بمصدر في الأصل فيشتق منه وإنما هو اسم للجارحة، ثم سمي القسم يمينا؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أكدوا بأيمانهم فيضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه تأكيدا للعقد حتى سمي الحلف يمينا.
وأما المقسم به: فهو كل اسم معظم، إما لعظمته في ذاته، وإما لكونه عند المقسم عظيما.
قال ابن عصفور: هذا إذا كان المقسم يريد تحقيق ما أقسم عليه ويثبته، فإن كان مقصوده الحنث فيما أقسم عليه؛ فإنه لا يقسم إلا بغير معظم وذلك نحو قوله: 2724 - وحياة هجرك غير معتمد... إلّا ابتغاء الحنث في الحلف ما أنت أحسن من رأيت ولا... كلفي بحبّك منتهى كلفي 3 فأقسم بحياة هجرها، وهو غير معظم عنده؛ رغبة في أن يحنث فيموت هجرها 4. قال: إلا أن القسم على هذا الطريق [4/ 39] يقل، فلا يلتفت إليه 5. إذا تقرر هذا فنقول: قسم المصنف القسم إلى صريح وغير صريح قال 6: أما الصريح: فهو ما يعلم بمجرد لفظه كون الناطق به مقسما كـ: أحلف بالله، وأنا حالف بالله، ولعمر الله، وايمن الله، وغير الصريح: ما ليس كذلك نحو: علم -

الحديث: 2724 - الجزء: 6 - الصفحة: 3066

................................  الله، وعاهدت، وواثقت، وعليّ عهد الله، وفي ذمتي ميثاق؛ فليس بمجرد النطق بشيء من هذا الكلام يعلم كونه قسما، بل بقرينة كذكر جواب بعده نحو: عليّ عهد الله لأنصرنّ دينه، وفي ذمتي ميثاق لا أعين ظالما، كقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ 7، ومنه قول الشاعر: 2725 - إنّي علمت على ما كان من خلقي... لقد أراد هواني اليوم داود 8 وقول الآخر: 2726 - أرى محرزا عاهدته ليوافقن... فكان كمن أغريته بخلاف 9 ومثله في واثق: 2727 - واثقت ميّة لا تنفكّ ملية... قول الوشاة فما ألفت لهم قيلا 10 ومن ذلك قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ 11، و [من القسم غير الصريح]: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ 12، ويدل على أنه قسم كسر «إن» بعده وتسميته يمينا في قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً 13، ومنه قراءة ابن عبّاس 14: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ 15، وقال الفراء في وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ 16: صار قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يمينا 17 ومن القسم غير الصريح: نشدتك وعمرتك؛ فللناطق بها أن يقصد القسم، وألا يقصد؛ فليس مجرد النطق بها يدل على كونه قسما لكن يعلم كونه قسما بإيلاء «الله» نحو: نشدتك الله، -

الحديث: 2725 - الجزء: 6 - الصفحة: 3067

................................  أو بالله، وعمرتك الله، ولا يستعملان إلا في قسم فيه طلب نحو: نشدتك الله إلا أعنتني، وعمرتك الله لا تطع هواك، ومنه قول الشاعر: 2728 - عمرتك الله إلّا ما ذكرت لنا... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم 18 ومعنى قول القائل: نشدتك الله: سألتك مذكرا الله، ومعنى «عمرتك الله»: سألتك الله تعميرك، ثم ضمّنا معنى القسم الطلبي، واستعملوا «عمرك الله» بدلا من اللفظ بـ «عمرتك الله»، ومنه قول الشاعر: 2729 - عمرك الله يا سعاد عديني... بعض ما أبتغي ولا تؤيسيني 19 وقال الآخر: 2730 - يا عمرك الله إلّا قلت صادقة... أصادقا وصف المجنون أم كذبا 20 وكان الأصل أن يقال: تعميرك الله؛ لكن خففوا بحذف الزوائد، وروى بعض الثقات عن أعرابي: عمرك الله؛ برفع «الله» 21. قال أبو علي: والمراد: عمّرك الله تعميرا؛ فأضيف المصدر إلى المفعول ورفع به الفاعل 22، وقال الأخفش في كتابه الأوسط: أصله: [أسألك] بتعميرك الله، وحذف زوائد المصدر والفعل والباء فانتصب ما كان مجرورا بها.
وأما «قعدك الله، وقعيد [كـ] الله» فقيل: هما مصدران بمعنى: المراقبة كالحس والحسيس وانتصابهما بتقدير «أقسم» أي: أقسم بمراقبتك الله، وقيل: قعد وقعيد بمعنى: الرقيب الحفيظ من قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ 23 أي: رقيب حفيظ.
ونظيرهما: خلّ، وخليل، وندّ، ونديد، وإذا كانا بمعنى الرقيب الحفيظ فالمعنيّ بهما الله تعالى ونصبهما بتقدير «أقسم» (معدّى) 24 بالباء.
ثم حذف الفعل -

الحديث: 2728 - الجزء: 6 - الصفحة: 3068

................................  والباء، وانتصبا وأبدل منهما «الله».
ومن شواهد النصب بعد «قعد» قول الشاعر: 2731 - قعدك الله هل علمت بأنّي... في هواك استطبت كلّ معنّى 25 ومن شواهد نصب ما بعد «قعيد» قول قيس العامري 26: 2732 - قعيدك ربّ النّاس يا أمّ مالك... ألم تعلمينا نعم مأوى المعصّب 27 ومثله قول الفرزدق: 2733 - قعيدكما الله الّذي أنتما له... ألم تسمعا بالبيضتين المناديا 28 ويستعمل أيضا في الطلب: «عزمت وأقسمت» ولذلك قلت: كـ «نشدت» تنبيها على أن لـ «نشدت» من الأفعال أخوات سوى «عمرت» ونبهت بقولي: كما أبدل في الصريحة من فعلها المصدر وما بمعناه على أن لفظ «أقسم»، و «أحلف»، وشبههما قد ينوب عنه لفظ «قسم، ويمين، وآلية، وقضاء، ويقين، وحق»، وغير ذلك.
فمن ذلك [قول الشاعر]: 2734 - قسما لأصطبرن على ما سمتني... ما لم تسومي هجرة وصدودا 29 ومنه: 2735 - يمينا لنعم السيدان وجدتما... على كلّ حال من سحيل ومبرم 30 ومنه: -

الحديث: 2731 - الجزء: 6 - الصفحة: 3069

................................  2736 - آلية ليحيقن بالمسيء إذا... ما حوسب الناس طرّا سوء ما عملا 31 ومن نيابة القضاء ما حكى ثعلب من أن العرب تنصب «قضاء الله»، وتجعله قسما 32 وأنشد أبو عليّ على نيابة اليقين: 2737 - ويقينا لأشربنّ بماء... وردوه فعاجلا وتئيّه 33 ومن نيابة الحق قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ 34. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 35. وملخص ما تضمنه: أن جملة القسم اسمية وفعلية، وكل منها صريح وغير صريح؛ فالاسمية الصريحة نحو: «لعمري» و «ايمن» ويلزمان الابتداء.
وقد علم أن خبر هذا المبتدأ واجب الحذف كما ذكر في باب المبتدأ.
والاسمية غير الصريحة نحو: «في ذمتي»، و «أمانة الله» فالمبتدأ محذوف في المثال الأول، والخبر في المثال الثاني ولكنه حذف جائز، لا واجب.
والفعلية الصريحة نحو: «أقسمت، وأقسم، وحلفت، وأحلف، وآليت».
والفعلية غير الصريحة نحو: «نشدت، وعمرت، وعلمت، وواثقت».
وقد عرف الصريح ما هو، وغير الصريح ما هو.
ثم إن غير الصريح يقسم به في الخبر نحو: «علمت، وواثقت، وعليّ عهد الله، وفي ذمتي»، وفي الطلب نحو: نشدت، وعمرت، وعمّرت، ومعنى الطلب هنا: أن يكون القسم عليه مطلوبا، ومعنى الخبر ألا يكون المقسم عليه مطلوبا.
لكن لا بد من أبحاث نشير إليها: أولها: أن المصنف قد صرح في المتن والشرح بأن القسم غير الصريح يكون في الجملة الاسمية كما يكون في الجملة الفعلية وظاهر [4/ 40] كلام الجماعة يقتضي أن -

الحديث: 2736 - الجزء: 6 - الصفحة: 3070

................................  القسم غير الصريح إنما هو في الجملة الفعلية، وربما يقال: إن الواقع كذلك.
فإن ابن عصفور قال 36: الجملة الفعلية في هذا الباب قسمان؛ أحدهما: أن تكون الجملة الفعلية فيها معنى القسم وليست بقسم صريح، ثم فسر ذلك بأنه قال: هو كل جملة لم يذكر فيها قسم إلا أن العرب تلقتها بما يتلقى به القسم نحو: علمت ليقومن زيد، وأظن ليسبقنك عمرو.
وكذا ابن هشام فإنه قال: وأفعال القسم على ضربين: مصرحة ومضمنة؛ فالمصرحة: «أقسم وأحلف وآلى وتآلى» وما تصرف منها، والمضمنة: «علم ويعلم وشهد ويشهد» قال: وهذا مطرد في الظن أيضا وقد جاء في «خفت» قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أمرت بالسّواك حتّى خفت لأدردنّ» 37 هذا كلام هذين الرجلين.
إلا أن يقال: الدليل على أن غير الصريح يكون في الجملة الاسمية قولهم: «في ذمتي» و «عهد الله» إذ لا يعلم بمجرد اللفظ به كون الناطق به مقسما، وما كان كذلك فلا شك أنه غير صريح.
ولا شك أن هذا كلام صحيح.
إلا أن المصنف ذكر في باب المبتدأ أن من أسباب وجوب حذف المبتدأ أن يخبر عنه بصريح القسم، ومثّل ذلك بقوله: في ذمتي لأفعلن، وإذا حكم بصراحته هناك؛ كيف يحكم هنا بأنه غير صريح؟! والذي يظهر أن نحو: «في ذمتي لأفعلن» من القسم غير الصريح، وكذا «عهد الله».
وعلى هذا يكون كلام المصنف هنا هو المعتمد عليه، ويكون تقسيمه غير الصريح إلى جملة اسمية وفعلية تقسيما صحيحا ويحتاج بعد ذلك الاعتذار عن ما مثل به في باب المبتدأ وهو «في ذمتي لأفعلن» جاعلا ذلك من القسم الصريح.
ثانيها: أن المصنف يرى أن المقسم عليه قد يكون أمرا طلبيّا كما عرفت.
ولا شك أن هذا الذي يراه مناف لقولنا في حد القسم: إنه يؤكد جملة خبرية.
-

الجزء: 6 - الصفحة: 3071

................................  ولهذا لما ذكر ابن عصفور الحد المشهور عن المغاربة للقسم وهو أنه: جملة يؤكد بها جملة أخرى كلتاهما خبرية، واعتذر عن ذلك بأن المراد منه أن الجملتين إذا اجتمعتا كان منهما كلام محتمل للصدق والكذب، قال بعد هذا 38: فإذا جاء ما صورته كصورة القسم وهو غير محتمل للصدق والكذب حمل على أنه ليس بقسم نحو قول الشاعر: 2738 - بالله ربّك إن دخلت فقل له... هذا ابن هرمة واقفا بالباب 39 وقول الآخر: 2739 - بدينك هل ضممت إليك ليلى... وهل قبّلت قبل الصّبح فاها 40 قال: فلا يكون مثل هذا قسما؛ لأن القسم لا يتصور إلا حيث يتصور الصدق والحنث، والصدق والحنث لا يتصور إلا فيما يحتمل الصدق والكذب، وقال في شرح الإيضاح - بعد قوله: فإن كانت الجملة غير خبرية لم يجز وقوعها جوابا للقسم -: فأما «بدينك» من قول الشاعر: بدينك هل ضممت......... و «بالله ربّك» من قول الآخر: بالله ربّك إن دخلت......... فليسا بقسمين؛ لأن الجملتين الواقعتين بعدهما غير محتملتين للصدق والكذب، وإنما المراد بهما استعطاف المخاطب، والتقدير: أسألك بدينك، وأسألك، لا أنهم أضمروا الفعل لدلالة المعنى عليه.
وقد يحذفون الباء وينصبون في الضرورة نحو قوله: 2740 - أقول لبوّاب على باب دارها... أميرك بلّغها السّلام وأبشر 41 قال: وأدلك على أن قولك: بالله هل قام زيد؟، وبالله إن قام زيد فأكرمه، وأشباهه ليس بقسم ثلاثة أشياء: -

الحديث: 2738 - الجزء: 6 - الصفحة: 3072

................................  أحدها: أنه لم يجئ في كلام العرب وقوع الحرف (الخاص) 42 بالقسم نحو: التاء والواو موقع الباء؛ فلم يقولوا: تالله هل قام زيد، ولا: والله إن قام زيد فأكرمه.
الآخر: أنهم إذا أظهروا الفعل الذي يتعلق به الباء لم يكن من أفعال القسم؛ لا يقال: أقسم بالله هل قام زيد؟، وأحلف بالله إن قام زيد فأكرمه.
الشيء الثالث: أن القسم لا يخلو من حنث أو بر، ولا يصح ذلك إلا فيما يصح اتصافه بالصدق والكذب.
فإن قيل: الدليل على أن مثل هذا قسم قول الشاعر: 2741 - أيا خير حيّ في البريّة كلّها... أبا لله هل لي في يميني من عقل 43 فإنه سمى «أبا لله هل لي» يمينا وقول الآخر: 2742 - أجهّالا تقول بني لؤيّ... لعمر أبيك أم متجاهلينا 44 أجيب عن الأول بأن قائله أراد: هل لي في يميني من عقل إن حلفت على أنك خير البرية.
وعن الثاني: أن جواب «لعمر أبيك» محذوف؛ التقدير: أجهالا تقول بني لؤيّ أم متجاهلينا؟ لعمر أبيك لتخبرني، إلا أنه قدم القسم، واعترض به بين الفعل، ومفعوله، وحذف الجواب لدلالة الاستفهام عليه؛ إذ معلوم أن المستفهم يطلب من المستفهم منه أن يخبره عما استفهم عنه 45. انتهى كلام ابن عصفور.
وقوله: إن مثل هذا استعطاف وليس بقسم؛ هو الظاهر، ولا شك أن كونه قسما غير مذوّق.
لكن كلام ابن هشام ظاهره يعطي أنه قسم إلا أنه سماه قسما استعطافيّا وذلك أنه لما ذكر قول أبي علي: القسم جملة يؤكد الخبر بها؛ قال: ليس كل قسم يؤكد الخبر.
وقد تقدم أن الباء يقسم بها على جهة الاستعطاف نحو: بالله أحسن إليّ.
قال ابن هرمة 46: -

الحديث: 2741 - الجزء: 6 - الصفحة: 3073

................................  2743 - بالله ربّك إن دخلت......... البيت قال: ومنه: أقسمت عليك لتفعلن كذا، وأقسمت عليك إلا فعلت، وأقسمت عليك لما فعلت، و «لما» ها هنا بمعنى «إلا».
قال سيبويه: وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك لما فعلت وإلا فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع؟ وإنما أقسمت هنا [4/ 41] كقولك: والله، فقال: وجه الكلام: لتفعلن هاهنا، ولكنهم أجازوا هذا؛ لأنهم شبهوه بـ «نشدتك الله»؛ إذ كان فيه معنى الطلب 47. يريد أن العرب تقول: نشدتك الله إلا فعلت، ومعنى «نشدتك الله»: سألتك بالله، وقالوا: «إلا فعلت» بمعنى: إلا تفعل.
وتحقيق المعنى: لا أطلب منك إلا أن تفعل فدخلها معنى النفي فصلحت إلا لذلك.
فهذا كقوله: 2744 - [إنا الضّامن الرّاعي عليهم] وإنّما... يدافع عن أحسابهم [إلّا أنا] [أو مثلي] 48 لما كان في معنى «ما يدافع أحد إلا أنا» وتقول في الاستفهام: آلله لتقومن، وآلله لتخرجن، قال: فكل هذا ليس بتأكيد، ولذلك تستفهم بعد اليمين فتقول: بالله أقام زيد؛ لأن المعنى هنا: أخبرني، قال: وقد منع من هذا أبو علي؛ فقال: لا يجوز في القسم الذي هو استعطاف في الحقيقة: بالله هل قمت؟؛ لأنه ليس بمقسم، وتأول قوله: 2745 - أيا خير حيّ في البريّة كلّها... أبا لله هل لي في يميني من عقل على أنه في معنى: إن حلفت على أنك خير مني.
انتهى.
ومقتضى كلامه، أن القسم قسمان: قسم يقصد به التوكيد، وقسم يقصد به الاستعطاف والسؤال، وفي تسمية ما يقصد به الاستعطاف والسؤال قسما نظر.
وكيف يتصور قسم بدون جواب له لا ملفوظ به ولا مقدر؟! ولهذا سأل سيبويه الخليل - رحمه الله تعالى - عن قولهم: أقسمت عليك لما فعلت وإلا فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع؟ وإنما أقسمت هنا كقولك: والله.
فمعنى كلام سيبويه أن أقسمت يقتضي جوابا؛ لأنه كقولك: والله، ولا شك أن «والله» يقتضي جوابا، -

الحديث: 2743 - الجزء: 6 - الصفحة: 3074

................................  و «لما فعلت وإلا فعلت» ليس بجواب؛ فكيف جاز ذلك؟ وهو سؤال دقيق المأخذ إلا أنه لا يكثر على سيبويه.
وجواب الخليل عنه مقتضاه تقرير السؤال بدليل قوله: ولكنهم أجازوا هذا؛ لأنهم شبهوه بـ «نشدتك الله»؛ إذ كان فيه معنى الطلب، ولا شك أن معنى «نشدتك الله»: سألتك بالله.
فأفاد كلام الخليل أن القسم في نحو: «أقسمت عليك لما فعلت، وإلا فعلت» ليس بمراد؛ حيث قال: إنهم شبهوه بـ «نشدتك الله» والقسم في «نشدتك الله» غير مراد أيضا، لأنه قال: إنهم شبهوه.
ثم إن ابن هشام جعل مثل هذا استعطافا، وإذا كان استعطافا فكيف يصدق عليه القسم الاصطلاحي؟ والذي ذكره ابن عصفور أقرب إلى الحق.. على أنه قد تبين لك من نقل ابن هشام أن الذي قاله ابن عصفور هو كلام أبي علي.
وكفى بما يقوله أبو علي حجة.
ثالثها: هاتان الكلمتان - أعني نشدتك وعمرتك - لا يستعملان إلا حيث يكون طلب.
وقد قال المصنف بعد ذكرهما: ولا يستعملان إلا في قسم فيه طلب نحو: نشدتك الله إلا أعنتني وعمرتك الله لا تطع هواك، وكذا مصدر «عمرتك» الذي هو «عمرك»، و «قعدك وقعيدك» حكمهما في الاستعمال حكم «نشدت وعمرتك» فيختص بالطلب أيضا، وليس المراد بالطلب أن يكون بصيغته؛ بل المراد به أن يكون ذلك المذكور مطلوبا للمتكلم سواء أكان الطلب بالصيغة أم بغيرها، مما يفيده سياق الكلام ولذلك جعلوا من صورة المسألة المذكورة: نشدتك إلا فعلت، ونشدتك لما فعلت، وقالوا: المعنى فيه: ما أسألك إلا أن تفعل، أو ما أطلب منك إلا أن تفعل.
وفي شرح الشيخ 49: أن جواب «نشدت وعمرتك» يكون بأحد ستة أشياء وهي: الاستفهام، والأمر، والنهي، وإلا، ولمّا، وأن؛ فيقال: نشدتك الله قم، وكذا: نشدتك الله لا تقم، ونشدتك بالله أن تقوم.
قال الشيخ: لأن «أن» في صلة الطلب.
ولم أفهم المقصود من هذا التعليل الذي ذكره ثم إنه لما لم يذكر «إن» الشرطية، وقد عرفت أنها تقع هذا الموقع كما قال: بالله ربك إن دخلت فقل له.
والظاهر أن -

الجزء: 6 - الصفحة: 3075

................................  «إن» إذا حلت هذا المحل يجب أن يكون جوابها فعلا طلبيّا كما في هذا البيت؛ لأن الطلب هو المقصود من هذا الكلام وجملة الشرط ليس فيها طلب فتعين أن تشتمل جملة الجزاء عليه.
ثم في جعل الشيخ هذه الأمور جوابا مناقشة؛ لأنه لا يرى أن نحو «نشدتك وعمرتك» قسم، كما أن الجماعة - أعني المغاربة - لا يرون ذلك.
وإذا لم يكن ثم قسم فلا جواب.
وليعلم أن معنى «نشدتك بالله»: سألتك بالله وطلبت منك به؛ لأنهم يقولون: نشد الرجل الدابة؛ إذا طلبها.
وقد قال المصنف: ومعنى قول القائل: «نشدتك بالله» سألتك مذكرا الله، ومعنى «عمرتك الله»: سألتك الله تعميرك، ثم ضمّنا معنى القسم الطلبي.
قال الشيخ: فإن عنى المصنف أنه تفسير معنى لا إعراب فيمكن، وإن عنى تفسير إعراب فليس كذلك بل «نشدتك الله» انتصاب الجلالة المعظمة على إسقاط الخافض لما سقط وصل الفعل إليه فنصبه؛ فليس منصوبا بـ «مذكر»، وأما «عمرتك الله» فلفظ الجلالة فيه منصوب بإسقاط الخافض أيضا وصل الفعل إليه فنصبه، والتقدير: عمرتك بالله، أي: ذكرتك بالله تذكيرا يعمر القلب ولا يخلو منه 50. انتهى.
وأقول: إن قول المصنف بعد تفسير معنى هاتين الكلمتين: ثم ضمّنا معنى القسم الطلبي؛ يدفع أن يكون المصنف عنى بالتفسير الذي ذكره تفسير الإعراب؛ لأنهما بعد تضمينهما معنى القسم يبقى حكمها حكم أفعال القسم، وسيذكر أن حرف الجر الذي يعدى به فعل القسم إذا حذف نصب المقسم به؛ فتعين أن يكون الذي عناه بهذا التفسير إنما هو تفسيرهما لغة قبل أن يضمّنا معنى القسم.
رابعها: قد علمت ما ذكره المصنف من أن «عمرك الله» يستعمل بدلا من اللفظ بـ «عمرتك»، وأن الاسم المعظم ينصب حينئذ ويرفع، وأنه [4/ 42] قال في الشرح: إن الأصل في «عمرك الله» أن يقال: تعميرك الله، لكن خففوا بحذف الزوائد فدلّ هذا الكلام منه على أن عمرك منصوب نصب المصادر على أنه بدل من اللفظ فعلّه لكنه لم يبين نصب الاسم المعظم ما وجهه.
-

الجزء: 6 - الصفحة: 3076

................................  ولكن قال الشيخ في شرحه: وفي اللباب: إذا قلت: عمرك الله، بنصب اسم الله تعالى، ففي إعرابه وجهان: أحدهما: أن التقدير: أسألك تعميرك الله، أي: باعتقادك بقاء الله فـ «تعميرك» مفعول ثان واسم الله تعالى منصوب بالمصدر.
والثاني: أن يكونا مفعولين، أي: أسأل الله تعميرك.
انتهى 51. وأما «عمرك الله» برفع اسم الله تعالى؛ فقد ذكر المصنف فيه عن أبي علي أن المراد: عمرك الله تعميرا فأضيف المصدر إلى المفعول ورفع به الفاعل.
وعن الأخفش 52 أن الأصل أسألك بتعميرك الله، وحذف زوائد المصدر والفعل والباء فانتصب وكان مجرورا بها.
فقد اتفق القولان - أعني قول أبي علي وقول الأخفش - على أن اسم الله مرفوع بالمصدر على أنه فاعل، ولكن أبو علي يرى أن نصب «عمرك» هنا على المصدر، والأخفش يرى أنه منصوب على إسقاط الخافض.
ولهذا كان الفعل الذي يقدره أبو علي «عمرتك»، والفعل الذي يقدره الأخفش «أسألك».
قالوا: يدل على صحة قول الأخفش إدخال باء الجر عليه 53 قال ابن أبي ربيعة: 2746 - بعمرك هل رأيت لها سميّا... فشاقك أم لقيت لها حديثا 54 وأقول: إن من الأدلة على صحة قول الأخفش أيضا قول العرب: لعمرك إن زيدا لقائم.
قال الله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ 55 التقدير: لعمرك قسمي، فكان العمر نفسه هو المقسم به في الآية الشريفة فليكن هو المقسم به في نحو قولنا: عمرك الله، ويكون الأصل فيه: بتعميرك الله، ثم حذفت زوائد المصدر والباء كما يقول الأخفش.
ويمكن أن يقال: إن من نصب «عمرك الله» على المصدر، وقال: المراد: عمرك الله تعميرا، كما ذهب إليه أبو علي لم يجعله قسما، وإنما يكون قسما على قول من يقول: إن أصله: بتعميرك الله، ثم حذفت الباء كما ذهب إليه الأخفش وهو قسم طلبي على رأي من يثبت الطلبي، ومسؤول -

الحديث: 2746 - الجزء: 6 - الصفحة: 3077

................................  به على رأي من لا يثبت ذلك.
وقال الشيخ في الارتشاف 56: وأبدل من «عمرتك الله»: «عمرك الله» وهو مصدر على حذف الزوائد والتقدير: تعميرك الله، أي: تذكيرك بالله، وقيل: تعميرك الله، انتصب «تعميرك» ولفظ الجلالة على أنهما مفعولان، أي: سألت الله تعميرك، وقيل: «تعميرك» منصوب بـ «أسألك» ولفظ الجلالة [منصوب] بالمصدر وهو «عمر» بمعنى: تعمير.
وأجاز المبرد، والسيرافي أن ينتصب هذا على تقدير القسم 57 كأنه قيل: أقسم عليك بعمرك الله، الأصل: بتعميرك الله، أي: بإقرارك له بالدوام والبقاء، ويكون محذوف الجواب فتكون الكاف في موضع رفع.
والظاهر من كلام سيبويه أنه مصدر موضوع موضع الفعل على أنه مفعول به 58. انتهى.
وقال الجوهري 59 في الصحاح: عمر الرجل بالكسر: يعمر عمرا وعمرا على غير قياس؛ لأن قياس مصدره التحريك، أي: عاش زمنا طويلا، ومنه قولهم: أطال الله عمرك.
وهما وإن كانا مصدرين بمعنى واحد إلا أن المستعمل في القسم أحدهما وهو المفتوح، فإذا أدخلت اللام رفعته بالابتداء والخبر محذوف.. فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر وقلت: عمر الله ما فعلت كذا، وعمرك الله ما فعلت كذا، ومعنى «لعمر الله وعمر الله»: أحلف ببقاء الله ودوامه، فإذا قلت: عمرك الله فكأنك قلت: بتعميرك الله، أي: بإقرارك له بالبقاء، وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: 2747 - أيّها المنكح الثّريّا سهيلا... عمرك الله كيف يلتقيان 60 يريد: سألت الله أن يطيل عمرك؛ لأنه لم يرد القسم بذلك 61. انتهى.
-

الحديث: 2747 - الجزء: 6 - الصفحة: 3078

[إضمار الفعل وأحكام لفظ الجلالة في القسم]

قال ابن مالك: (ويضمر الفعل في الطّلب كثيرا استغناء بالمقسم به مجرورا بالباء.
ويختصّ الطّلب بها وإن جرّ في غيره بغيرها حذف الفعل وجوبا وإن حذفا معا نصب المقسم به، وإن كان «الله» جاز جرّه بتعويض إثبات الألف أو «ها» محذوف الألف أو ثابتها مع وصل ألف «الله» وقطعها، وقد يستغنى في التعويض بقطعها ويجوز جرّ «الله» دون عوض ولا يشارك في ذلك خلافا للكوفيّين وليس الجرّ في التّعويض بالعوض خلافا للأخفش، ومن وافقه).
وأقول: إنني لم أتحقق في هذه المسألة - أعني عمرك الله - حقيقة المعنى، ولا حقيقة الإعراب، وإنما ذكرت ذلك تقليدا والله تعالى هو العالم الذي لا يعزب عن علمه شيء في السموات ولا في الأرض جلّ، وعزّ، وتقدس.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 62: لا يستعمل في القسم الطلبي من حروف الجر إلا الباء معلقة بظاهر كـ: نشدتك بالله وافق، أو بمقدر نحو بالله لا تخالف، وتعدى في غير الطلب فعل القسم محذوفا وثابتا نحو: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 63 ونحو: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ 64. ويجب حذفه مع الواو والتاء ومن اللام نحو: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ 65، وتَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا 66، ومن ربي إنك لأسد، ولله لا يؤخر الأجل، وأنشد سيبويه لعبد مناة الهذلي 67: 2748 - لله يبقى على الأيّام ذو حيد... بمشمخرّ [به] الظّيّان والآس 68 وقد بيّن في باب حروف الجر اختصاص كل واحد من هذه الأحرف الأربعة بما خص به.
وإذا حذف فعل القسم والباء نصب المقسم به، وإن كان المقسم به عند حذفهما -

الحديث: 2748 - الجزء: 6 - الصفحة: 3079

................................  «الله» جاز جره مع تعويض همزة مفتوحة يليها ألف نحو: آلله لأفعلن، أو مع «ها» [4/ 43] ساقط الألف نحو: ها لله لأفعلن، أو ثابتها نحو: ها الله لأفعلن، وروي أيضا: هآ لله وهآ الله بحذف ألف «ها» استغناء عنها بقطع همزة الوصل وبالجمع بينهما، وروي أيضا: بالله لأفعلن، بجعل القطع عوضا مكتفى به، وحكى الأخفش في معانيه أن من العرب من يجر اسم الله تعالى مقسما به دون جار موجود ولا عوض 69. وذكر غيره من الثقات أنه سمع بعض العرب يقول: كلا الله لآتينك، يريد: كلا والله، وزعم بعض أئمة الكوفة أن الأسماء كلها إذا أقسم بها محذوفا منها الواو تخفض وترفع ولا يجوز النصب إلا في حرفين يعني: كعبة الله وقضاء الله، وأنشد: 2749 - لا كعبة الله ما هجرتكم... إلّا وفي النّفس منكم أرب 70 ومن أجل هذا الكلام قلت بعد: ويجوز جر «الله» دون عوض ولا يشارك في ذلك خلافا للكوفيين ومذهب البصريين أن المقسم به إذا حذف جارّه بلا عوض ولم ينو المحذوف جاز نصبه كائنا ما كان فمن ذلك قول الشاعر: 2750 - إذا ما الخبز تأدمه بلحم... فذاك أمانة الله الثّريد 71 ومثله: 2751 - فقلت يمين الله أبرح قاعدا... ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي 72 ومذهب الأخفش: أن الجر في «ها الله» وشبهه بالعوض من الحرف المحذوف، لا بالحرف ذكر ذلك في كتابه الأوسط ووافق الأخفش في هذا جماعة وانتصر لهذا بأنه شبيه بتعويض الواو من الباء والتاء من الواو ولا خلاف في كون الجر بعد الواو والباء بهما، فكذا ينبغي أن يكون الجر بعد «لاها» بهما لا بالمعوض عنه والأصح كون الجر بالحرف المحذوف وإن كان لا يلفظ به كما كان النصب بعد الفاء والواو، وأو، وحتى، وكي الجارة، ولام الجحود بـ «أن» المحذوفة وإن كانت لازمة الحذف.
-

الحديث: 2749 - الجزء: 6 - الصفحة: 3080

................................  ومن الجر بعدها قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه «لا ها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله»... الحديث 73. انتهى كلامه رحمه الله تعالى 74. ولا شك أنه قد بين في باب حروف الجر اختصاص التاء واللام بـ «الله»، واختصاص «من» بـ «الرب».
وأما الواو فإنه لم يذكرها في الباب المذكور، ولا في هذا الباب أيضا - أعني باب القسم - وهي مختصة بالاسم الظاهر فلا تجر المضمر.
والحاصل: أن شيئا من حروف القسم لا يجر المضمر إلا الباء فإنها تجره كما تجر الظاهر تقول: بك لأفعلن؛ قال الشاعر: 2752 - رأى برقا فأوضع فوق بكر... فلا بك ما أسال ولا أغاما 75 أي: فلا وحقك ما أسال، ولا أغاما، وقال الآخر: 2753 - ألا نادت أمامة باحتمال... لتحزنني فلا بك ما أبالي 76 قال ابن عصفور: والأصل في حروف القسم الباء؛ لأن فعل القسم إنما هو أقسم وأحلف وهما لا يصلان إلا بالباء ولذلك تصرفت في الباب فجرت الظاهر والمضمر والواو بدل من الباء وإنما أبدلت منها لأمرين: أحدهما: أن معنى الباء قريب من معنى الواو؛ لأن الواو للجمع والباء للإلصاق والإلصاق جمع في المعنى.
والآخر: أنها من حروف مقدم الفم كما أن الباء كذلك والتاء بدل من الواو؛ لأنه قد ثبت إبدالها منها في نحو: تراث وتخمة وتكأة، قال: وأما اللام فليست أصلا؛ لأن «أقسم»، و «أحلف» لا يتعديان بها إنما يتعديان بالباء لكن لما أريد معنى التعجب، والتعجب يصل باللام ضمن فعل القسم معنى عجبت فتعدى -

الحديث: 2752 - الجزء: 6 - الصفحة: 3081

................................  تعديته فقلت: لله لا يبقي أحد فكأنك قلت: عجبت لله الذي لا يبقي أحدا، ولما لم يكن شيء من هذه الأحرف الأربعة أصلا في هذا الباب لم تتصرف تصرف الحرف الذي هو أصل فيه وهو الباء.
انتهى 77. وأما قول المصنف: إن فعل القسم يجب حذفه مع هذه الأحرف الأربعة فهو كما قال، غير أن ابن كيسان 78 أجاز ظهور الفعل مع الواو خاصة فأجاز أن يقال: أقسم والله لأفعلن، كذا قال ابن عصفور: وهذا لا ينبغي أن يجوز كما لم يجز مع سائر حروف القسم التي ليس استعمالها بحق الأصالة، ولا يحفظه أحد من البصريين، فإن جاء شيء من ذلك فينبغي أن يتأول على أن يكون «أقسم» كلاما تامّا، ثم أتى بعد ذلك بالقسم ولا يجعل «والله» متعلقا بالقسم 79. انتهى.
وأفاد قول المصنف: وإن حذفا معا - يعني حرف القسم وفعله - نصب المقسم به: أنه لا يجوز بقاء الجر بعد حذف الحرف بل يتعين النصب إلا إذا كان المقسم به الجلالة المعظمة فإن النصب لا يتعين؛ لأنه قد قال بعد ذلك: ويجوز جر «الله» دون عوض.
فعلم من هذا أن النصب والجر جائزان في الاسم المعظم.
وكلام ابن عصفور مطابق لذلك إلا أنه ذكر أن الاسم المقسم به يجوز فيه بعد حذف حرف الجر الرفع والنصب وذلك أنه قال 80: وإذا حذفت حرف القسم وعوضت منه شيئا لم يجز إلا الخفض؛ لأن العوض يجري مجرى المعوض منه قال: إلا أن العرب لم تجعل العوض إلا في اسم الله تعالى، فإن لم تعوض؛ لم يجز الخفض إلا في اسم الله تعالى، فإنهم استجازوا ذلك فيه؛ لكثرة استعماله في القسم فتقول: الله لأقومن، حكى ذلك الأخفش إلا أنه لا يقاس عليه؛ لأن إضمار الخافض وإبقاء عمله لا يجوز إلا حيث سمع، وأما غير اسم الله تعالى من الأسماء إذا حذف حرف القسم منه فإنه يجوز فيه وجهان الرفع على الابتداء، والنصب على إضمار فعل قال: والاختيار النصب على [4/ 44] إضمار فعل؛ لأن القسم إذ ذاك يكون جملة فعلية كما كان قبل الحذف فتقول: يمين الله لأقومن، ويمين الله لأخرجن فمن الرفع قوله: -

الجزء: 6 - الصفحة: 3082

................................  2754 - إذا ما الخبز تأدمه بلحم... فذاك أمانة الله الثّريد برفع «أمانة»، الأصل فيه: وأمانة الله، فلما حذف الحرف رفع الاسم، ومن النصب قوله: 2755 - فقلت يمين الله أبرح قاعدا...... البيت فإنه يروى برفع «يمين»، ونصبه؛ فرفعه على تقدير: قسمي يمين الله، ونصبه على تقدير: ألزم نفسي يمين الله، قال: إلا أسماء شذت فيها العرب فالتزموا فيها الرفع أو النصب والذي التزم فيه الرفع: ايمن الله، ولعمرك والذي التزم فيه النصب: أجدك، قال: وإنما التزم في هذه الأشياء وجه واحد؛ لأنها لا تتصرف في القسم لكونها لا يظهر معها حرف القسم وأما «عوض، وجير» فمبنيان يجوز أن يحكم على موضعهما بالرفع أو النصب.
انتهى 81. ولقوله: إن حرف القسم إذا حذف يجوز في الاسم المقسم به وجهان: الرفع والنصب.
قال الشيخ في قول المصنف: وإن حذفا معا نصب المقسم به: ظاهر كلام المصنف نصب المقسم به فقط، وذكر بعض أصحابنا أنه يجوز فيه وجهان: الرفع والنصب 82. انتهى.
والذي يظهر أن الذي قاله المصنف هو الحق؛ لأن القاعدة أن حرف الجر إذا حذف تعدى الفعل بنفسه إلى الاسم فنصبه فأما ما ورد مرفوعا فلا يقال فيه: إنه كان مجرورا، ثم حذفنا الحرف ورفعنا، بل يقال: إن الاسم أتي به مرفوعا ابتداء؛ لأن القسم كما يكون بجملة فعلية يكون بجملة اسمية فقول المصنف: وإن حذفا معا نصب المقسم به صحيح لا استدراك فيه عليه.
وأمّا قول ابن عصفور: ونصبه على تقدير: ألزم نفسي يمين الله، فليس بظاهر؛ لأن هذا التقدير يقتضي أن لا يكون المتكلم بهذه الجملة مقسما؛ لأن ما أتى به ليس بقسم؛ والحق أن النصب إنما هو بفعل القسم المقدر تعدى بنفسه إلى ما كان متعديا إليه بالحرف على القاعدة المعروفة.
وفي شرح الشيخ مشيرا إلى ما ذكره ابن عصفور: وردّ هذا المذهب بأن «ألزم» -

الحديث: 2754 - الجزء: 6 - الصفحة: 3083

................................  ليس بفعل قسم، وتضمين الفعل معنى القسم ليس بقياس 83. قال: وساغ حذف الحرف ووصول فعل القسم بنفسه؛ لكثرة الاستعمال وطول الكلام بالجواب كما ساغ حذف الفعل نفسه لذلك 84 قال: وشبه سيبويه ذلك بحذف الحرف قولهم: إنك ذاهب حقّا، والأصل: بحق؛ فحذف الحرف ونصب الاسم بـ «ذاهب» ووجه الشبه أن المحلوف به يؤكد به الحديث كما يؤكد بحق في: إنك ذاهب حقّا 85، وقال أيضا: دلّ كلام المصنف على جواز حذف الحرف يعني مطلقا، وليس كذلك؛ بل إنما يجوز حذف الحرف بشرط أن لا يدخل في الكلام معنى التعجب فإذا قلت متعجبا: تالله لا يبقى أحدا ولله؛ لم يجز حذف التاء، ولا حذف اللام 86. انتهى.
وأقول: لا يحتاج المصنف إلى استثناء ذلك؛ لأن الحرف إنما لم يجز حذفه في ما ذكره لإفادته معنى يفوت لو حذف الحرف وهو التعجب؛ فلم يكن امتناع الحذف إلا لكونه مفيدا لمعنى يفوت بعدم ذكره، لا لكونه حرف قسم، ولا شك أن ما أفاد معنى لا يجوز حذفه إلا إذا دلّ عليه دليل، ثم إنك قد عرفت أن قول المصنف في المتن: وإن كان «الله» جاز جره بتعويض إثبات الألف غير مفصح عن كيفية النطق بذلك ولكن قد أفصح في الشرح بقوله: وإن كان المقسم به عند حذفهما «الله» جاز جره مع تعويض همزة مفتوحة يليها ألف نحو: آلله لأفعلن.
وابن عصفور سمى هذه الهمزة استفهام.. وليس بجيد؛ إذ ليس هنا استفهام أصلا.
وأما قول المصنف: أو «ها» محذوف الألف، أو ثابتها مع وصل ألف «الله» وقطعها فيفهم منه أربع صور وهو واضح.
ثم إنك تعلم من قول المصنف: وإن كان «الله» جاز جره بتعويض كذا وكذا إلى آخره؛ أن التعويض عن حرف القسم لا يكون إلا إذا كان المقسم به اسم الله عز وجلّ كما ذكر ابن عصفور.
وفي شرح الشيخ: فلو جئت بشيء من هذه الأعراض الثلاثة في ما يقسم به من غير لفظ «الله» وحذفت حرف الجر الموضوع للقسم لم يكن إلا النصب تقول: -

الجزء: 6 - الصفحة: 3084

[من أحكام الجملة الاسمية في القسم]

قال ابن مالك: (فإن ابتدئ في الجملة الاسميّة بمتعيّن للقسم حذف الخبر وجوبا، وإلا فجوازا والمحذوف الخبر إن عري من لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدر، وإن كان عمرا أيضا جاز ضمّ عينه ودخول الباء عليه ويلزم الإضافة مطلقا.
وإن كان «ايمن» الموصول الهمزة لزم الإضافة [4/ 45] إلى «الله» غالبا، وقد يضاف إلى «الكعبة» و «الكاف» و «الذي»، وقد يقال فيه مضافا إلى «الله» «إيمن وإيمن وأيمن وأيم وإيم وإم» و «من» مثلث الحرفين، و «م» مثلثا، وليست الميم بدلا من واو، ولا أصلها «من» خلافا لمن زعم ذلك، ولا «ايمن» المذكور جمع «يمين» خلافا للكوفيين.
وقد يخبر عن اسم الله مقسما به بـ «لك وعليّ»، وقد يبتدأ بالنذر قسما).
العزيز لأفعلن، وكذا قال في الارتشاف 87. ولم أفهم قوله: وحذفت حرف الجر الموضوع للقسم مع قوله: فلو جئت بشيء من هذه الأعراض الثلاثة؛ لأن العوض لا يكون إلا بعد حذف المعوض عنه، وكذا قوله: ولم يكن إلا النصب؛ لأن الغرض أن الذي أتى به عوض عن حرف الجر فوجب أن يقوم مقامه فكيف ينصب الاسم حينئذ 88؟! قال ناظر الجيش: قال المصنف 89: المبتدأ المتعين للقسم نحو: «لعمرك» و «لايمن الله» فإنهما لا يستعملان مقرونين باللام إلا مقسما بهما مرفوعين بالابتداء، فالتزم حذف خبرهما لكونه مفهوم المعنى مع سدّ الجواب مسدّه، ونبهت بإضافة نحو إليها على أمرين: أحدهما: أنهما قد يضافان إلى غير ما أضيفا إليه إلا 90 نحو: لعمرك الله ولعمري ولايمن الكعبة ولا يمنك.
والآخر: أنه قد يقترن غيرهما بقرينة تعينه للقسم وللابتداء فيكون حذف خبره واجبا كقول من توجهت عليه يمين لازمة: لعهد الله لقد كان كذا، فلو لم يتعين -

الجزء: 6 - الصفحة: 3085

................................  كون المبتدأ مقسما به من قبل نفسه جاز إثبات خبره وحذفه كقولك حالفا: عليّ عهد الله أو يمين الله يلزمني؛ فلك أن تجيء به هكذا، ولك أن لا تلفظ بـ «عليّ» ولا «يلزمني»؛ لأن ذكر الجواب يدل السامع على أنك مقسم، وقد كان قبل ذكره مجوزا أنك غير مقسم ومجوزا أنك مقسم.
ولم يمتنع حذف الخبر؛ لكونه مفهوم المعنى بعد ذكر الجواب فلو لم يقترن «لعمر الله» باللام لجاز نصبه كقول أبي شهاب الهذلي: 2756 - فإنّك عمر الله إن تسأليهم... بأحسابنا إذا تجلّ الكبائر ينبؤك أنّا نفرج الهمّ كلّه... بحقّ وأنّا في الحروب مساعر 91 فلهذا قلت: (والمحذوف الخبر إن عري من لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدر).
ثم نبهت على أن العين من «لعمر الله» ونحوه عند عدم اللام يجوز فيها الفتح، والضم، وكان ينبغي أن يجوزا مع وجود اللام لكن خصّ مع كثرة الاستعمال في مصاحبة اللام بالفتح؛ لأنه أخف اللغتين.
ومن دخول الباء عليه عند عدم اللام قول الشاعر: 2757 - رقيّ بعمركم لا تهجرينا... ومنّينا المنى ثمّ امطلينا 92 ومثله: 2758 - أأقام أمس خليطنا أم سارا... سائل بعمرك أيّ ذاك اختارا 93 وقولي: (ويلزم الإضافة مطلقا) أي: إلى الظاهر والمضمر ومع وجود اللام وعدمها.
واحترزت بقولي: وإن كان «ايمن» الموصول الهمزة من «أيمن» بقطع الهمزة فإنه جمع يمين بلا خلاف، وحكمه إذا أقسم به حكم واحده.
وأما الموصول الهمزة فيلزم الإضافة إلى «الله» أو إلى «الكعبة»، أو إلى ضمير المخاطب وإلى «الذي» لكن إضافته إلى غير «الله» قليلة وإضافته إلى ضمير المخاطب وإلى «الذي» أقلّ من إضافته إلى الكعبة.
ومن إضافته إلى ضمير المخاطب قول عروة بن الزبير 94 رضي الله تعالى عنهما -

الحديث: 2756 - الجزء: 6 - الصفحة: 3086

................................  «لا يمنك لئن ابتليت لقد عافيت» 95 ومن إضافته إلى «الذي» قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وايم الذي نفسي بيده» 96، وفيه حين يليه «الله» اثنتا عشرة لغة: ثلاث مع ثبوت الهمزة والنون، وثلاث مع حذف النون دون الهمزة، وثلاث مع حذف الهمزة والياء وثبوت النون، وثلاث مع الاقتصار على الميم فيقال: ايمن الله، وايمن الله، وايمن، وايم الله، وايم الله، وام الله، ومن الله، والله، ومن الله، وم الله، وم الله، وم الله.
وزعم بعضهم: أن الميم المفردة بدل من واو «الله» كالتاء وليس بصحيح؛ لأنها لو كانت بدلا منها لفتحت كما فتحت التاء، ولأن التاء إذا أبدلت من الواو في القسم فلها نظائر في غير القسم مطردة كـ «اتصف، واتصل»، وغير مطردة كـ «تراث وتجاه»، وليس لإبدال الميم من الواو إلا موضع شاذ، وهو «فم» وفيه مع شذوذه خلاف.
وزعم الزمخشري: أنها من المستعملة مع «ربي»، فحذفت نونها 97 وليس بصحيح أيضا؛ لأنها لو كانت إياها لاستعملت في النقص مع ما استعملت في التمام على الأشهر كما لم تستعمل «ايمن» في النقص إلا مع ما استعملت في التمام على الأشهر.
واحترزت بالأشهر من رواية الأخفش عن بعض العرب: من الله، ومن الكعبة، وايمن الله، وايمنك، وايم الله نفسي بيده 98. وقال الزمخشري في «م الله»: ومن الناس من يزعم أنها من «ايمن» 99. قلت: لم يعرف من الذي زعم ذلك وهو سيبويه - رحمه الله تعالى - فإنه قال - في باب عدة ما يكون عليه الكلم -: واعلم أن بعض العرب يقول: م الله لأفعلن، يريد: ايم الله 100. وفي عدم معرفة الزمخشري بأن صاحب هذا القول سيبويه دليل على أنه لم يعرف من كتابه إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء، لا بتدبر واستقصاء، فما أوفر تبجحه، وأيسر ترجحه عفا الله عنّا وعنه.
وزعم الكوفيون: أن «ايمن» المذكور جمع «يمين»، ورأيهم هذا ضعيف ويدل على ضعفه ثلاثة أمور: أحدها: أن همزة الجمع همزة قطع، وهمزة هذا الاسم همزة وصل؛ لسقوطها -

الجزء: 6 - الصفحة: 3087

................................  مع اللام في: «ليمنك لئن ابتليت لقد عافيت»، وفي قول الشاعر: 2759 - فقال فريق القوم لمّا قصدتهم... نعم وفريق ليمن الله ما ندري 101 وليس هذا بضرورة؛ لتمكن الشاعر [4/ 46] من إقامة الوزن بتحريك التنوين والاستغناء عن اللام.
الثاني: أن من العرب من يكسر الهمزة في الابتداء، وهمزة الجمع لا تكسر.
الثالث: أن العرب من يفتح الميم فتكون على وزن «أفعل» ولا يوجد ذلك في الجموع.
ومن الإخبار بـ «لك» عن اسم الله مقسما قول الشاعر: 2760 - لك الله لا ألفي لعهدك ناسيا... فلا تك إلّا مثل ما أنا كائن 102 ومثله: 2761 - لقد حليتك العين أوّل نظرة... وأعطيت منّي يا ابن عمّ قبولا أميرا على ما شئت منّي مسلّطا... فسل فلك الرّحمن تمنح سولا 103 ومن الإخبار عنه بـ «على» قول الآخر: 2762 - نهى الشّيب قلبي عن صبا وصبابة... ألا فعلى الله أوجد صابيا 104 ومثال جعل النذر قسما مرفوعا بالابتداء قول الشاعر: 2763 - عليّ إلى البيت المحرّم حجّة... أوافي بها نذرا ولم أنتعل نعلا لقد منحت ليلى المودّة غيرنا... وإنّ لها منّا المودّة والبذلا 105 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 106. -

الحديث: 2759 - الجزء: 6 - الصفحة: 3088

................................  وهو كلام حسن على عادته واف بالمقصود وليس فيه إلا تعرضه إلى الغض من الزمخشري وتجهيله إياه بكتاب سيبويه.
وليس هذا من طريقة المصنف، فإنه بحمد الله تعالى مكفوف اللسان عمّن هو دون الزمخشري في الرتبة، فكيف بمن هو عالي الرتبة، ولكن كما قيل: الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو.
والعجب أن ما قاله في حق الزمخشري من أنه لا يعرف من الكتاب إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء، لا بتدبر واستقصاء قاله الشيخ أثير الدين في حقه إما بهذا اللفظ أو بمعناه أو ما يقرب منه حسبما تقف عليه في باب إعراب الفعل إن شاء الله تعالى.
وهذا يحقق قول القائل: كما تدين تدان 107. فكأن المصنف جوزي بالوقوع في حقه عما وقع به في حق الزمخشري وقد ثلب الشيخ الرجلين كليهما هنا بعد أن اعتذر عن الزمخشري في ما عابه عليه المصنف فقال: وما رد به المصنف على الزمخشري غير صحيح 108؛ لأن ذلك لا يدل على الجهل بالقائل بل الظاهر أنه لما كان عنده هذا القول ضعيفا تأدّب مع سيبويه فقال: ومن الناس، ولم يصرح باسمه إعظاما له لما خالفه.
قال: وأما قوله عنه: إنه لم يعرف من كتاب سيبويه إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء لا بتدبر واستقصاء؛ فهو كما قال، ولذلك وقع في مفصّله أغلاط ومخالفة لسيبويه وقد رد الناس عليه ذلك لكن ما ذكره المصنف عن الزمخشري هو مشارك له فيه.
فكم مكان خالف فيه نصوص سيبويه عن العرب.
وكم نقل جهله عنه، وكم مفهوم فهمه خلاف ما فهمه المعتنون بكتاب سيبويه والتفقه فيه على أنه رحمه الله تعالى لم يقرأ كتاب سيبويه على أحد إنما كان يتصفح منه مواضع، قال: وقد رحل الزمخشري من خوارزم إلى مكة شرفها الله تعالى قبل العشرين وخمس المائة لقراءة كتاب سيبويه على رجل من أصحابنا أهل الأندلس يعرف بأبي بكر بن طلحة البابرتي كان مجاورا بها عالما بكتاب سيبويه وغيره، وله تصانيف فقرأ عليه الزمخشري جميع الكتاب وأما قوله: فما أوفر تبجحه، وأيسر ترجحه؛ فهو كما قال وافر التبجح يسير الترجح معظم نفسه على طريقة أمثاله من أهل بلاده.
انتهى -

الجزء: 6 - الصفحة: 3089

................................  كلام الشيخ رحمه الله تعالى 109. وقد رأيت ما أفهمه كلامه من الغض من هذين الرجلين الكبيرين اللّذين أجلّ الله تعالى قدرهما وأظهره ورفع ذكرهما ونشره بشهرة ما لهما من التصانيف والتوجه إليها والإكباب عليها.
ولا شك أن فضل الرجلين غير منكور ومحلهما في العلم الشريف ليس بمحجوب عن ذوي البصائر ولا مستور في تعب من يحسد الشمس نورها، ويجهد أن يأتي لها بضريب.
وغالب ما يخالف فيه المصنف سيبويه إنما تخالف مع العلم بكلام سيبويه والاطلاع عليه؛ ولهذا يصرح تارة في المتن وتارة في الشرح فيقول خلافا لسيبويه.
ولعل ما ذكره الشيخ قد يكون في بعض المسائل، لا في الكثير كما أفهمه كلام الشيخ بقوله: فكم، وكم، وكم.
ثم ما يذكره المصنف مما يخالف رأي سيبويه إن كان صحيحا فبها، وإن لم يكن صحيحا وقد جهل فيه كلام سيبويه؛ فليس ذلك بنقص؛ إذ كل مأخوذ من كلامه ومتروك إلا المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
والرجل العالم لا يلزم في حقه أن يطلع على جميع المسائل.
ومن شأن العالم أن يصيب ويخطئ، ومن حكمة الله تعالى وتفضله على عباده أن ينعم على الإنسان بأن يفهمه من العلم ما يفهمه، ثم يحجب عنه ما يجعله نصيبا لمن يأتي بعده؛ ليكون لكل أحد نصيب وحظ من التبصر، والإدراك، والفهم فيحصل الخير كلّه للناس كلّهم.
وأما كون المصنف لم يقرأ كتاب سيبويه على أحد فهذا غاية المدح له والتعظيم بجانبه حيث خاض في المشكلات وأدرك الحقائق بنفسه ابتداء دون مسلك ولا موقف، وقد كان الشيخ يلمزه أيضا بأنه لا يعرف له شيخ أخذ عنه هذا الفن - أعني فن العربية - وهو عجب؛ فإن [4/ 47] ذلك يدل على علو رتبته، وسمو همته، وعلى قوة أتاها الله تعالى له، وأعانه كما قال هو في خطبة كتابه: وإذا كانت العلوم منحا إلهية ومواهب اختصاصية؛ فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين.
-

الجزء: 6 - الصفحة: 3090

................................  ولقد صدق فإنه أبرز للناس تصانيف في هذا العلم لا عهد لهم بمثلها، وجلالة كتاب «التسهيل»، وما اشتمل عليه من الجمع والتنقيح والتحبير مع الإيجاز تشهد له بالتبريز، وقد كان الشيخ مكبّا على هذا الكتاب بعد أن كتبه بخطه، وشحن هوامشه بالأمثلة والشواهد، وكان عمدته، وغالب أوقاته ينظر فيه وطالما شاهدته وهو يخرجه من كمه حين يسأل عن مسألة فينظر فيه ويجيب وكان يقول: من عرف هذا الكتاب حقّ المعرفة لا يكون تحت أديم السّماء أحد أعلم منه بهذا الفنّ.
ثم إن الناس يذكرون أن الشيخ لم يقرأ كتاب سيبويه على أحد أيضا ببلاد الغرب وأنه بعد قدومه إلى الديار المصرية قرأه على الشيخ بهاء الدين بن النحاس 110 مصححا ألفاظه ومحررا لها مع قصد الرواية، أما قراءة بحث وتدبر فلا.
وأما قوله عن الزمخشري: إنه وافر التبجح كثير الترجح معظم نفسه؛ فالزمخشري في صوب آخر يضاد ما ذكره الشيخ عنه؛ ودليل ذلك أن الحافظ السلفي 111 رحمه الله كتب إليه يستجيزه، وسأله أن يكتب له مجموعاته في الفنون وتصانيفه ومشايخه الذين أخذ عنهم العلم الشريف إلى غير ذلك، وأكد عليه في الجواب وقال: كنت كتبت في العام الماضي أستدعي ذلك فلم يرد علي جواب يشفي الغليل.
فكتب الزمخشري الجواب إلى السلفي رحمهما الله تعالى: ما مثلي مع أعلام العلماء إلا كمثل السها 112 مع مصابيح السماء، والجهام 113 الصفر الرهام 114 مع العوادي العامرة القيعان والآكام 115، والسّكّيت 116 المخلف مع خيل السباق، والبغاث 117 مع الطير العتاق، وما التقليب بالعلامة إلا شبه الرقم مع العلاقة، والعلم مدينة أحد بابيها: الدراية، والثاني: الرواية، وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاة، ظلّي فيها أقلص -

الجزء: 6 - الصفحة: 3091

[الحروف التي يتلقى بها القسم، وأحكامها]

قال ابن مالك: فصل (المقسم عليه جملة مؤكّدة بالقسم تصدّر في الإثبات بلام مفتوحة، أو «إنّ» مثقلة أو مخفّفة، ولا يستغنى عنها غالبا دون استطالة، وتصدّر في الشّرط الامتناعيّ بـ «لو» و «لولا»، وفي النّفي بـ «ما»، أو «لا»، أو «إن»، وقد تصدّر بـ «لن» أو «لم» وتصدّر بالطّلب بفعله أو بأداته، أو بـ «إلّا» أو «لمّا» بمعناها.
وقد تدخل اللّام على «ما» النّافية اضطرارا، وإن كان أوّل الجملة مضارعا مثبتا مستقبلا غير مقارن حرف تنفيس ولا مقدّم معموله لم تغنه اللّام غالبا عن نون توكيد، وقد يستغنى بها عن اللّام، وقد يؤكّد المنفيّ بـ «لا»، ويكثر حذف نافي المضارع المجرّد مع ثبوت القسم ويقلّ مع حذفه، وقد يحذف نافي الماضي إن أمن اللّبس، ويكثر ذلك لتقدّم نفي على القسم وقد يكون الجواب مع ذلك مثبتا، وقد يحذف لأمن اللّبس نافي الجملة الاسميّة وقد يكون الجواب قسما).
من ظل حصاة.
أما الرواية فحديثة الميلاد قريبة الإسناد لم تستند إلى علماء نحارير، ولا إلى أعلام معروفين، وأما الدراية فثمد 118 لا يبلغ أفواها وبرض 119 لا يبل شفاها... إلى آخر ما قاله.
فلينظر إلى تأدب هذا الرجل، واستصغاره نفسه وامتثال قوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ 120. وبعد: فرضي الله تعالى عنهم أجمعين، وحشرنا في زمرة محمد سيد المرسلين، في خير وعافية بمنه وكرمه؛ إنه على كل شيء قدير.
قال ناظر الجيش: قد عرف من قولهم في حد القسم: إنه جملة يؤكد بها جملة؛ أنّ الجواب لا يكون إلا جملة؛ لأنه هو المؤكد بجملة القسم.
قال ابن عصفور في شرح الجمل 121: وزعم أبو الحسن أن جواب القسم قد يكون لام «كي» مع الفعل نحو قولك: -

الجزء: 6 - الصفحة: 3092

................................  تالله ليقوم زيد، قال: فعلى هذا قد يكون الجواب من قبيل المفردات؛ لأن لام «كي» إنما تنصب بإضمار «أن» و «أن» وما بعدها يتأول بالمصدر فكأنك قلت: تالله للقيام؛ إلا أن العرب أجرت ذلك مجرى الجملة لجريان الجملة بالذكر بعد لام «كي» فوضعت لذلك ليفعل موضع «ليفعلن».
وقال في شرح الإيضاح: عند ذكره الحروف التي يلتقي بها القسم: وزعم أبو الحسن الأخفش أن العرب قد تتلقى القسم بلام «كي» وحمل على ذلك قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ 122، وقوله تعالى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ 123، والمعنى عنده: ليرضنكم ولتصغين، واستدل أبو علي في «العسكريات» 124 على صحة ما ذهب إليه يعني الأخفش يقول ابن عتاب الطائي: 2764 - إذا قال قدني قال بالله حلفة... لتغني عنّي ذا إنائك أجمعا 125 ثم قال أبو علي: فإن قيل: إن المقسم عليه إنما يكون جملة وليس هذا بجملة؛ لأن «أن» والفعل في تقدير اسم مفرد.
قيل: إن ذلك لا يمنع من وقوعه موقع الجملة التي يقسم عليها وإن كان مفردا وذلك أن الفعل والفاعل اللّذين جريا في الصلة يسدّان مسد الجملة فيصير المجموع بمنزل الجملة وسادّا مسدّها كما كان ذلك في نحو قوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا 126، وكقولهم: علمت أن زيدا منطلق، وكذلك قولهم: لو أنك جئتني أكرمتك [4/ 48]، وقولهم: أقائم زيد.
لكن رجع أبو علي عن ذلك في «التذكرة»، و «البصريات» وقال: إن ذلك لم يرد في كلام العرب، وإن الآيتين الشريفتين والبيت لا حجة للأخفش فيها.
أما قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ فاللام متعلقة بـ (يحلفون،) وليس القسم بمراد؛ إنما المراد الإخبار عنهم بأنهم يحلفون أنهم ما فعلوا ذلك ليرضوا بحلفهم المؤمنين.
وأما قوله تعالى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ -

الحديث: 2764 - الجزء: 6 - الصفحة: 3093

................................  لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ 127 الآية الشريفة فإنه محمول على ما قبله من المصدر وهو غُرُوراً من قوله تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً 128؛ لأنه مفعول له والتقدير: للغرور ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه، والضمير في (إليه) عائد على زُخْرُفَ الْقَوْلِ 129. وأما بيت ابن عتاب فرواه أبو علي في «البصريات»: 2765 - إذا قلت قدني قلت [بالله] حلفة...... البيت ولا حجة فيه على هذه الرواية لاحتمال أن يكون «لتغني» متعلقا بالبيت ولم يرد القسم، وإنما أراد أن يخبر مخاطبه أنه قد آلى كي يشرب جميع ما في إنائه، ورواه ثعلب: (لتغنين عني).
قال: وهذا إنما يكون للمرأة إلا أنه في لغة طيئ جائز وفي لغة غيرهم «لتغنين عني» واللام لام أمر أدخلها في المخاطب والتقدير: حلفت بالله حلفة كي يغني ذا إنائك.
ويجوز أيضا أن يكون المقسم عليه محذوفا لدلالة الحال عليه والتقدير: أغنينّ عني.
قال: وهذه الرواية التي ذكرها ثعلب تدل على أن البيت لم يرد بها القسم وإنما أراد بها الإخبار بأنه آلى.
ورواه في «عسكرياته»: (قلت بالله حلفة).
ولا حجة فيه أيضا على هذه الرواية؛ لاحتمال أن يكون بالله متعلقا بفعل مضمر لا يراد به القسم بل الإخبار ويكون قوله: «لتغني» متعلقا به والتقدير: بالله حلفت حلفة كي تغني عن ذا إنائك.
ويجوز أيضا أن يكون المقسم عليه محذوفا لدلالة الحال عليه، والتقدير: قال بالله حلف لتشربن لتغني عني؛ فيكون إذ ذاك نحو ما حكى أبو الحسن من قولهم: أما والله، ويحذفون ما يقسمون عليه قال: وعلى هذا الوجه حمل أبو علي البيت في تذكرته.
هذا ما ذكره في شرح الإيضاح 130. -

الحديث: 2765 - الجزء: 6 - الصفحة: 3094

................................  والظاهر أن الأولى في تخريج البيت ما خرّجه أبو علي في «التذكرة» وهو أن الجواب محذوف تقديره: لتشربن.
ثم اعلم أن ابن عصفور ذكر في شرح الجمل 131: أن الحروف التي تعلق المقسم به بالمقسم عليه - أي تربط الجواب بالقسم - أربعة: حرفان في الإيجاب وهما «أن واللام»، وحرفان في النفي وهما «ما ولا»؛ وذلك أن الجملة إما اسمية وإما فعلية؛ فالاسمية إن كانت موجبة فالرابط «إن واللام»، أو «إن» وحدها، أو اللام وحدها نحو: والله إن زيد لقائم، و: والله إن زيدا قائم، و: والله لزيد قائم، وإن كانت منفية نفيت بـ «ما» نحو: والله ما زيد قائم.
والفعلية ثلاثة أقسام: مصدرة بفعل ماض، ومصدرة بفعل هو حال، ومصدرة بفعل مستقبل.
فالماضي إن كان منفيّا نفي بـ «ما» نحو: والله ما قائم زيد، وإن كان موجبا؛ فإما قريب من زمن الحال، أو بعيد منه؛ فالقريب يتلقى بـ «اللام وقد» نحو: والله لقد قام زيد، والبعيد يتلقى باللام وحدها نحو: والله لقام زيد.
قال الشاعر: 2766 - حلفت لها بالله حلفة فاجر... لناموا فما إن من حديث ولا صال 132 قال: ومن الناس من يقدر «قد» إذا ورد الفعل باللام وحدها.
وليس ذلك بصحيح.
وأما المستقبل فإن كان منفيّا نفي بـ «لا» نحو: والله لا يقوم زيد، وقد يحذف النافي؛ لأن حذفه لا يوقع في لبس المثبت وإن كان موجبا فالرابط اللام ونون التوكيد الشديدة أو الخفيفة؛ نحو: والله ليقومن زيد، ولا يجوز حذف النون وإبقاء اللام ولا حذف اللام وإبقاء النون إلا في الضرورة.
وأما الفعل الذي هو حال: فمن الناس من قال: إنه لا يقسم عليه، لأن مشاهدته تغني عن الإقسام عليه، وهو باطل؛ لأنه قد يعوق عن مشاهدته عائق فيحتاج إذ ذاك إلى القسم، فالصحيح أنه يجوز أن يقسم عليه، فإن كان منفيّا نفي بـ «ما» خاصة نحو: والله ما يقوم زيد، ولا يجوز حذفها وإن كان موجبا وجب أن يبنى من الفعل اسم فاعل ويصيّر خبرا لمبتدأ، ثم يقسم على الجملة الاسمية فتقول: والله إن زيدا -

الحديث: 2766 - الجزء: 6 - الصفحة: 3095

................................  لقائم، أو إن زيدا قائم، أو لزيد قائم.
قال 133: وإنما لم يجز أن تبقي الفعل على لفظه وتدخل اللام؛ لأنك لو قلت: والله ليقوم زيد؛ لم تدر هل «يقوم» خبر «إن»، أو جواب للقسم.
ولا يجوز إدخال النون فارقة؛ لأن النون تخلص للاستقبال، وقد تدخل عليه اللام وحدها ولا يلتفت إلى اللبس إلا أن ذلك قليل جدّا بابه الشعر؛ قال الشاعر: 2767 - تألّى ابن أوس حلفة ليردّني... إلى نسوة كأنّهنّ مفائد 134 قال: إلا أن يكون جواب القسم «لو» وجوابها؛ فإن الحرف الذي يربط المقسم به بالمقسم عليه إذ ذاك إنما هو أن نحو: والله أن لو زيد قائم لقام عمرو، ولا يجوز الإتيان باللام كراهة الجمع بين لام القسم ولام «لو» فلا يجوز: والله للو قام زيد قام عمرو 135. انتهى كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى.
وما ذكره هنا مطابق لما ذكره في «المقرب» لكنه ذكر في المقرب مسألتين لم يتعرض لذكرهما في «شرح الجمل»: الأولى: أن اللام قد لا تذكر مع الفعل الماضي إذا طال الكلام نحو قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها 136 ثم قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها 137. الثانية: أن الفعل المستقبل تدخل عليه في الإيجاب اللام وحدها إن فصل بينها وبين الفعل نحو قوله تعالى: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ 138، وإذ قد ذكر هذا فلنورد كلام المصنف [4/ 49] وحينئذ يظهر ما بين الكلامين من التوافق والتخالف، وإنما بدأت بكلام ابن عصفور؛ لأنه أقرب إلى ضبط مسائل الفصل.
قال المصنف رحمه الله تعالى 139: تصدير الجملة الاسمية المقسم عليها بلام مفتوحة كقوله تعالى: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا 140، وكقول حسّان رضي الله تعالى عنه: -

الحديث: 2767 - الجزء: 6 - الصفحة: 3096

................................  2768 - فلئن فخرت بهم لمثل قديمهم... فخر اللّبيب به على الأقوام 141 وتصديرها بـ «إن» مثقلة كقوله تعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى 142، وتصديرها بالمخففة كقوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ 143، ويستغنى عنهما قليلا دون استطالة في المقسم به كقول أبي بكر رضي الله تعالى عنه: «والله أنا كنت أظلم منه» 144، والأصل: لأنا؛ فحذفت اللام، والمقسم به اسم لا استطالة فيه بصلة، ولا عطف؛ فلو كان فيه استطالة لحسن الحذف، وكان جديرا بكثرة النظائر كقول بعض العرب: أقسم بمن بعث النبيين مبشرين ومنذرين وختم بالمرسل رحمة للعالمين هو سيدهم أجمعين صلّى الله عليه وسلّم، ومثله قول ابن مسعود 145 رضي الله تعالى عنه: «والّذي لا إله غيره هذا مقام الّذي أنزلت عليه سورة البقرة» 146 صلّى الله عليه وسلّم، والأصل: لهذا؛ فحذفت اللام؛ لاستطالة القسم والخبر بالصلتين، ومنه قول الشاعر: 2769 - وربّ السّموات العلى وبروجها... والأرض وما فيها المقدّر كائن 147 أراد: للمقدر كائن؛ فحذفت؛ لاستطالة القسم بالعطف، ومن التصدير بـ «لو» قول سويد بن كراع 148: 2770 - فتالله لو كنّا الشّهود وغبتم... إذا لملأنا جوف جيرانهم دما 149 ومن التصدير بـ «لولا» قول عبد الله بن الزبير 150: -

الحديث: 2768 - الجزء: 6 - الصفحة: 3097

................................  2771 - فو الله لولا خشية النّار بغتة... عليّ لقد أقبلت تجري معولا 151 ونبهت بقولي: (وفي النفي بـ «ما، أو لا، أو إن») على أن البواقي المخصوصة بجواب القسم هي الثلاثة التي لا تختص بفعل ولا اسم وهي: «ما، ولا، وإن» بخلاف «لم، ولن، ولما»؛ فإنها مخصوصة بالفعل، فأرادوا أن يكون ما ينفى به الجواب مما لا يمتنع دخوله على الاسم؛ لأن ما لا يمتنع دخوله على الاسم يجوز دخوله على الفعل، والجواب قد يصدر بكل واحد منها فلذلك لم ينف جواب القسم دون ندور بغير الثلاثة التي لا تختص إلا أن المنفي بها في القسم لا يتغير عما كان عليه دون قسم إلا إن كان فعلا موضوعا للمضي فقد يتحدد له الانصراف إلى معنى الاستقبال؛ فمن ورود ذلك في المنفي بـ «ما» قوله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ 152، ومن وروده في المنفي بـ «لا» قول الشاعر: 2772 - ردوا فو الله لأذدانكم أبدا... ما دام في مائنا ورد لنزّال 153 ومن ورود ذلك في المنفي بـ «إن» قول الله تعالى: وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ 154 وندر نفي الجواب بـ «لن» في قول أبي طالب 155: 2773 - والله لن يصلوا إليك بجمعهم... حتّى أوارى في التّراب دفينا 156 وندر أيضا نفي الجواب بـ «لم» فيما حكى الأصمعي أنه قال لأعرابي: ألك بنون؟ قال: نعم، وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة 157. ومثال تصدير جملة الجواب في الطلب بفعل طلب قول الشاعر: 2774 - بعيشك يا سلمى ارحمي ذا صبابة... أبى غير ما يرضيك في السّرّ والجهر 158

الحديث: 2771 - الجزء: 6 - الصفحة: 3098

................................  ومثال تصديرها بأداة طلب قول الشاعر: 2775 - بربّك هل للصّبّ عندك رأفة... فيرجو بعد اليأس عيشا مجدّدا 159 ومثال تصديرها بـ «إلا» قوله: 2776 - بالله ربّك إلّا قلت صادقة... هل في لقائك للمشغوف من طمع 160 ومثال تصديرها بـ «لما» التي بمعنى «إلا» قول الراجز: 2777 - قالت له بالله يا ذا البردين... [لما] غنثت نفسا أو اثنين 161 ولا تدخل اللام على جواب منفي إلا إذا نفي بـ «ما» ولا تدخل عليه وهو منفي بـ «ما» إلا في الضرورة كقول الشاعر: 2778 - لعمرك يا سلمى لما كنت راجيا... حياة ولكنّ العوائد تحرق 162 وإن صدرت الجملة المجاب بها القسم بفعل مضارع وكان مثبتا فإما أن يراد به الاستقبال، أو يراد به الحال؛ فإن أريد به الحال قرن باللام، ولم يؤكد بالنون؛ لأنها مخصوصة بالمستقبل. فمن شواهد إفراد اللام لكون الحال مقصودا قول الشاعر: 2779 - لئن تك قد ضاقت عليّ بيوتكم... ليعلم ربّي أنّ بيتي واسع 163 ومثله: 2780 - لعمري لأدري ما قضى الله كونه... يكون وما لم يقض ليس بكائن 164

الحديث: 2775 - الجزء: 6 - الصفحة: 3099

................................  ومثله: 2781 - وعيشك يا سلمى لأوقر أنّني... لما شئت مستحل ولو أنّه القتل 165 ومثله: 2782 - يمينا لأبغض كلّ امرئ... يزخرف قولا ولا يفعل 166 وإن أريد بالمضارع المثبت الاستقبال وقرن به حرف تنفيس أو قدم عليه معموله امتنع أيضا توكيده بالنون، ولزم جعل اللام مقارنة لحرف التنفيس أو للمعمول المتقدم، فمن مقارنتها لحرف التنفيس قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى 167 ومنه قول الشاعر: 2783 - فو ربّي لسوف يجزى الّذي أس... لفه المرء سيّئا أو جميلا 168 ومن مقارنتها للمعمول المتقدم قول الله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ 169، ومن ذلك قول الشاعر: 2784 - يمينا ليوما يجتني المرء ما جنت... يداه فمسرور (و) 170 لهفان نادم 171 ومثله: 2785 - جوابا به تنجو اعتمد فو ربّنا... لعن عمل أسلفت لا غير تسأل 172 ومثله: 2786 - قسما لحين تشبّ نيران الوغى... يلفى لديّ شفاء كلّ غليل 173 فإن أريد بالمضارع المثبت الاستقبال وخلا من حرف تنفيس وتقدم معمول لزم في الغالب اقترانه باللام وتوكيده بالنون كقوله تعالى: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ -

الحديث: 2781 - الجزء: 6 - الصفحة: 3100

................................  أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ 174، وقلت: (في الغالب) احترازا من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليرد [نّ] عليّ أقوام أعرفهم [4/ 50] ويعرفوني» 175، ومن قول الشاعر: 2787 - تألّى ابن أوس حلفة ليردّني... إلى نسوة كأنّهنّ مفائد 176 ومثل قول ابن رواحة 177 رضي الله عنه: 2788 - فلا وأبي لنأتيها جميعا... ولو كانت بها عرب وروم 178 فأفردت اللام والاستقبال مراد مع عدم حرف تنفيس وتقدم معمول، وفي ذكر الغالب أيضا احتراز من حذف اللام وثبوت النون كقول الشاعر: 2789 - وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه... فرغ وإنّ أخاكم لن يثأرا 179 وكقول آخر: 2790 - وهم الرّجال وكلّ ملك منهم... تجدنّ في رحب وفي متضيق 180 ومن أجل ندور إفراد اللام وإفراد النون قلت: لم تغنه اللام غالبا عن نون توكيد، وقد يستغنى بها عن اللام، وإن كان المضارع المجاب به القسم منفيّا لم يؤكد بالنون، إلا إن كان نفيه بـ «لا»، فحينئذ قد يؤكد بها كقول الشاعر: 2791 - تالله لا يحمدنّ المرء مجتنبا... فعل الكرام وإن فاق الورى حسبا 181 والأكثر أن لا يؤكد كقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا 182، واشترط في توكيد المنفي كونه منفيّا بـ «لا» لشبهه بفعل النهي، وقد فعل به ذلك في غير القسم كثيرا كقوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً -

الحديث: 2787 - الجزء: 6 - الصفحة: 3101

................................  لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً 183، وكقول الشاعر 184: 2792 - فلا الجارة الدّنيا لها تلحينها... ولا الضّيف عنها إن أقام محوّل 185 ويكثر حذف الحرف النافي للمضارع المجرد من نون التوكيد كقوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ 186، أي: تالله لا تفتؤ تذكر يوسف، وكقول حسّان رضي الله تعالى عنه: 2793 - أقسمت أنساها وأترك ذكرها... حتّى تغيّب في الضّريح عظامي 187 فلو كان المنفي مؤكدا بالنون مثل: «تالله لا يحمدن» لم يجز حذف نافيه؛ لأنه حينئذ لا دليل على أن النفي مراد، بل المتبادر إلى ذهن السامع أن الفعل مثبت كما هو في قول الشاعر: 2794 - وقتيل مرّة أثأرنّ......... وفي قول الآخر: 2795 - ليت شعري وأشعرنّ إذا ما... قرّبوها منشورة ودعيت ألي الفوز أم عليّ إذا حو... سبت إنّي على الحساب مقيت 188 فلو لم يكن القسم مثبتا لم يجز حرف النافي للمضارع عاريا كان من النون أو مؤكدا بها.
هذا هو الأصل، وقد يحذف حرف النفي والقسم محذوف إذا كان المعنى لا يصح إلا بتقدير النفي كقول النمر: 2796 - وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم... تلاقونه حتّى يؤوب المنخل 189 أراد: والله لا تلاقونه، فحذف القسم وحرف النفي؛ لأن المعنى لا يصح -

الحديث: 2792 - الجزء: 6 - الصفحة: 3102

................................  إلا بتقديره، واحتيج إلى تقدير القسم؛ لأن تقديره مصحح لحذف حرف النفي؛ إذ لا يحذف مع غير زال وأخواتها إلا في جواب قسم بشرط كونه مضارعا مؤكدا بالنون، وقد يحذف نافي الماضي عند أمن اللبس كقول أمية بن أبي عائذ الهذلي 190: 2797 - فإن شئت آليت بين المقا... م والرّكن والحجر الأسود نسيتك ما دام عقلي معي... أمدّ به أمد السّرمد 191 أراد: لا نسيتك فحذف النافي؛ لأن المعنى لا يصح إلا بتقديره، ولأنه لو أراد الإثبات لقال: لقد نسيتك أو لنسيتك، وهذا النوع مع ظهور المعنى دون تقدم نفي آخر على القسم قليل. فإن تقدم نفي كان الحذف أحسن كقول الشاعر: 2798 - فلا والله نادى الحيّ ضيفي... هدوّا بالمساءة والعلاط 192 أراد: فلا والله لا أنادي؛ فحذف النافي الثاني استغناء عنه بالأول، وقد يجتمعان توكيدا، كقول الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ 193، وكقول أبي ذرّ 194: «فلا والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين» 195، وقد يكون الجواب مثبتا مع تقدم حرف نفي على القسم كقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (2) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ 196، وكقول عبد الله بن أبي رواحة رضي الله تعالى عنه: 2799 - فلا وأبي لنأتيها جميعا... ولو كانت بها عرب وروم 197

الحديث: 2797 - الجزء: 6 - الصفحة: 3103

................................  وقد يحذف لأمن اللبس نافي الجملة الاسمية كقول ابن رواحة رضي الله تعالى عنه: 2800 - فو الله ما نلتم وما نيل منكم... بمعتدل وفق ولا متقارب 198 أراد: ما نلتم وما نيل منكم بمعتدل، فحذف «ما» النافية وأبقى ما الموصولة وجاز ذلك لدلالة دخول الباء الزائدة في الخبر ولدلالة العطف بـ «ولا» ويجوز على مذهب الكوفيين أن تكون الباقية «ما» النافية المحذوفة الموصولة، ولا يجوز هذا على مذهب البصريين؛ لأنهم لا يجيزون بقاء الصلة بلا موصول في اللفظ وإن دل عليه دليل، ونبهت بقولي: (وقد يكون الجواب قسما) على نحو قوله تعالى: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى 199، فـ لَيَحْلِفُنَّ قسم جوابه إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وهو جواب قسم محذوف كأنه قيل: والله ليحلفن المنافقون إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 200. ويتعين التنبيه فيه على أربعة أمور: أحدها: أنه في متن الكتاب لم يقيد الجملة من قوله: المقسم عليه جملة مؤكدة إلى آخره بكونها اسمية، وكان الواجب أن يقيدها بذلك وكأنه استغنى عن التقييد بكونه ذكر بعد حكم الفعل الذي تصدر الجملة به في الربط حيث قال: وإن كان أول الجملة مضارعا، ثم قال: ولا يخلو دون استطالة الماضي المثبت إلى آخره.
ولا شك أنه يعلم بهذا أن المراد بالجملة التي ذكرها قبل إنما هو الاسمية لا غيرها.
ثانيها: أن قوله: تصدر في الإثبات بلام مفتوحة [4/ 51] أو «إن» مثقلة أو مخففة يعطي أن الذي يؤتى به للربط في الجملة الاسمية الواقعة جوابا للقسم أحدهما، لا كلاهما، وقد عرفت أن اللام والنون يجتمعان أيضا؛ فاجتماعهما جائز، كما أن إفراد كل منهما جائز.
وعلى هذا كان الواجب أن يقول: تصدر في الإثبات بلام مفتوحة، أو بـ «إن» أو بهما.
ثالثها: أن قوله: وتصدر في الشرط الامتناعي بـ «لو» أو «لولا» يقتضي أن جملة الشرط -

الحديث: 2800 - الجزء: 6 - الصفحة: 3104

................................  المصدرة بكل من الحرفين المذكورين هي جواب القسم؛ لأن فاعل «تصدر» ضمير يرجع إلى «جملة مؤكدة» من قوله: المقسم عليه جملة مؤكدة فيصير معنى كلامه: المقسم عليه جملة مؤكدة تصدر في الإثبات بكذا وفي الشرط الامتناعي بكذا.
ولا شك 201 أن الجملة الشرطية ليست جوابا، بل جواب القسم محذوف لدلالة جواب «لو» عليه؛ إذ كل من القسم والشرط يطلب جوابا ومن المعلوم أن القسم والشرط إذا اجتمعا يستغنى بجواب أحدهما [عن جواب] الآخر.
وهذا الذي أعطاه كلام المصنف يعطيه كلام ابن عصفور أيضا وهو الذي تقدم نقلنا له عنه؛ فإنه لما ذكر الروابط التي تربط الجواب بالقسم قال: إلا أن يكون جواب القسم «لو» وجوابها فإن الحرف الذي يربط المقسم به بالمقسم عليه إذ ذاك إنما هو أن يصرح بأن «لو» وجوابها جواب للمقسم كما أفهمه كلام المصنف.
وسنحرر الكلام في هذه المسألة إن شاء الله تعالى عند الكلام على اجتماع القسم والشرط.
رابعها: أن قوله في متن الكتاب: وفي النفي بـ «ما» أو «لا» أو «إن» بعد قوله: تصدر في الإثبات بلام مفتوحة إلى آخره يقتضي أن النوافي المذكورة تختص بالجملة الاسمية؛ لأن الكلام الآن إنما هو فيها لكونه ذكر المصدرة بمضارع وبماض بعد.
ولا شك أن كلّا من النوافي الثلاثة تباشر الفعل كما تباشر الاسم، وإذا كان كذلك فكان الأولى؛ بل الواجب أن ينهي الكلام على ما تصدر به الجملة في الإثبات اسمية كانت أو فعلية، ويأتي بقوله: وفي النفي بـ «ما» أو «لا» أو «إن» بعد ذلك كله ليعرف منه أن النوافي المذكورة لا يختص منها شيء بالجملة الاسمية.
وبعد هذا: فلنذكر ما يتعلق بهذا الموضع من المباحث: الأول: ذكر ابن عصفور في شرح الإيضاح عن بعض قدماء النحويين أنه زعم أن القسم -

الجزء: 6 - الصفحة: 3105

................................  قد يتلقى بـ «بل» مستدلّا بقوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ 202 بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (1)، قال: وهذا الذي ذهب إليه باطل؛ لأنه بنى إجازة ذلك على الآية الشريفة، ولا حجة له فيها؛ لاحتمال أن يكون جواب القسم قوله تعالى: كَمْ أَهْلَكْنا، واعترض بين القسم وجوابه بـ «بل» وما دخلت عليه، والتقدير: والقرآن ذي الذكر لكم أهلكنا، وحذفت اللام من الجواب كما حذفت منه في قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ 203 وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ 204 قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (2). ثم ذكر عن الفرّاء قولا آخر في تخريج الآية الشريفة (3) تركت ذكره خوف الإطالة ثم عرفت من كلام ابن عصفور المتقدم نقله عنه أن: «أن» عنده من روابط المقسم به بالمقسم عليه في نحو: والله أن لو قام زيد لقام عمرو، ولكن سيأتي الكلام على هذه المسألة قريبا إن شاء الله تعالى. الثاني: قد عرفت أن ابن عصفور لم يذكر من الروابط في النفي إلا «ما» و «لا» وأنه ذكر أن «ما» ينفى بها الجملة الاسمية، والجملة المصدرة بفعل ماض أو مضارع يراد به الحال وأن «لا» ينفى بها الجملة المصدرة بمضارع يراد به الاستقبال، ولكنه قال في شرح الإيضاح: وزعم ابن جني أن القسم قد يتلقى بـ «لم» في الضرورة مستدلّا بقول القائل: 2801 - رويق إنّي وما حجّ الحجيج له... ولا أهل يحبني تحلّة الحرم لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم... عهد سلوت به عنكم ولا قدم 205 قال: فجعل «لم ينسني» جوابا للقسم تشبيها لـ «لم» بـ «ما»، ويقول الأعشى: 2802 - أجدّك لم تغتمض ساعة... فترقدها مع رقادها 206

الحديث: 2801 - الجزء: 6 - الصفحة: 3106

................................  فـ «أجدك» عنده من قبيل الإقسام وقد تلقاه بـ «لم».
قال: ولذلك أيضا زعم أنه قد يتلقى بـ «لن» في الضرورة مستدلّا بقول الآخر: 2803 - أجدّك لن ترى بثعيلبات... ولا بيدان ناجية ذمولا 207 فتلقى «أجدك» بـ «لن».
قال: وهذا غلط؛ لأن القسم الواقع بعد «أن» قد يكون ما بعده محتملا وجهين: أحدهما: أن يكون جوابا للقسم؛ والقسم وجوابه في موضع خبر «إن».
والآخر: أن يكون خبرا لـ «إن» والقسم ملغى، ومن ذلك قول طرفة: 2804 - إنّي وجدّك ما هجوتك وال... أنصاب يسفح بينهنّ دم 208 ألا ترى أنه يجوز أن يكون «ما هجوتك» جوابا للقسم، والقسم وجوابه في موضع خبر «إن»، ويجوز أن يكون ما هجوتك خبرا لـ «إن» والقسم ملغى معترض به بين اسم «إن» وخبرها.
وقد يكون ما بعده مبنيّا على القسم ولا يجوز فيه أن يكون مبنيّا على «إن» نحو قولك: إن زيدا والله ليقومن، وقد يكون أيضا ما بعده مبنيّا على «إن» ولا يجوز أن يكون مبنيّا على القسم نحو قولك: إن زيدا والله لقائم، ومن ذلك قول الكميت 209: 2805 - إنّي لعمر أبي سوا... كـ من الصّنائع والدّخاير 210 وقول الآخر [4/ 52]: 2806 - إنّك والله لذو ملّة... يطرفك الأدنى عن الأبعد 211 فإذا ثبت أن ما بعد القسم يجوز أن يكون مبنيّا على «إن» لا على القسم؛ وجب أن يجعل «لم ينسني ذكركم» في البيت خبرا لـ «إن» لا جوابا للقسم؛ إذ -

الحديث: 2803 - الجزء: 6 - الصفحة: 3107

................................  لم يثبت في كلامهم تلقي القسم بـ «لم».
وقد ثبت من كلامهم بناء ما بعد القسم على «إن» وإلغاء القسم، وكذلك أيضا بيت الأعشى.
والبيت الآخر الذي استدل به على تلقي القسم بـ «لن» لا حجة له فيهما؛ لأن قول العرب: أجدّك لم تفعل كذا ولن تفعل كذا، لا يراد به القسم وإنما هو عند سيبويه من باب ما ينتصب من المصادر توكيدا لما قبله نحو قولك: هذا عبد الله 212 حقّا، قال سيبويه في هذا الباب: ومثل ذلك في الاستفهام: أجدك لا تفعل كذا؟ كأنه قال: أحقّا لا تفعل 213 كذا؟ قال: وأصله من الجد كأنه قال: أجدّا، ولكنه لا يتصرف ولا يفارق الإضافة كما كان ذلك في «لبيك» ومعاذ الله.
وإنما جعله في هذا الباب وإن كان «أجدك» ليس قبله كلام يؤكد؛ لأن الكلام الذي بعده النية به أن يكون مقدما عليه من جهة أن المصدر في هذا الباب منصوب بفعل مضمر يدل عليه الجملة التي المصدر توكيد لها؛ وذلك أن الفعل «أحق» أو ما جرى مجراه، وذلك أنك إذا قلت: هذا عبد الله؛ فالظاهر أن يكون هذا الكلام قد جرى على (تيقن) 214 منك وتحقيق قول الكلام بظاهره على «أحق» أو ما هو في معناه، فلما كانت الجملة دالة على الفعل المضمر الناصب للمصدر كان الوجه فيها أن تكون متقدمة على المصدر؛ لأن الدليل بابه أن يكون متقدما على المدلول، ولذلك قالت العرب: هذا عبد الله حقّا ولم تقل: حقّا هذا عبد الله؛ إلا على كراهية، والنية بالمصدر إذ ذاك التأخير لما ذكرناه.
وإنما التزم في «أجدك لا تفعل كذا» تقديم المصدر؛ لأنه خالف المصادر المؤكدة لما قبلها في التزامهم فيه الإضافة، والتغيير كثيرا ما يأنس بالتغيير فلم يتصرفوا فيه لذلك، بل ألزموه طريقة واحدة؛ فجعلوه مجاورا لهمزة الاستفهام مقدما على ما يؤكده وصار التقديم الذي كان ضعيفا في غيره لا يجوز غيره فيه.
هذا كلام ابن عصفور.
وأنت تعرف أن الشيخ رحمه الله تعالى مستمسك بكلامه تابع طريقته؛ لأنه - أعني ابن عصفور - إنما يمشي في المسائل غالبا على ما يذهب إليه الجمهور.
فمن ثم قال الشيخ عند شرح قول المصنف: وفي النفي بـ «ما» أو «لا»، أو «إن»: أما الجملة الاسمية فتنفى بـ «ما» ولا تنفى بـ «لا» والنظر يقتضي أن تنفى بـ «إن» -

الجزء: 6 - الصفحة: 3108

................................  فتقول: والله إن زيد قائم، أي: ما زيد قائم 215. قال: وذكر المصنف في شرح الكافية الشافية: أن الجواب المنفي ينفي بـ «ما» أو «إن» أو «لا»، ولا فرق في ذلك بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية إلا أن الاسمية إذا نفيت بـ «لا» وقدم الخبر أو كان المخبر عنه معرفة لزم تكرارها في غير الضرورة نحو: والله لا زيد في الدار ولا عمرو، ولعمري لا أنا هاجرك ولا مهينك 216. ثم قال الشيخ: وكون الجملة الاسمية تنفى بـ «لا» غلط ووهم والثلاثة تنفى بها الجملة الفعلية 217، ثم قال في قول المصنف: وقد تصدر بـ «لن» أو «لم»: إنه لا ينقاس على شيء من ذلك ألبتة وأن المصنف ليس له سلف فيمن أجاز ذلك إلا ما حكي عن ابن جني أنه زعم أنه قد يتلقى القسم بـ «لم»، و «لن» في الضرورة، ثم أورد ما أورده ابن عصفور، وهو الذي ذكرناه عنه آنفا برمته 218، ثم قال: وأما ما استدل به المصنف من قول العرب: نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة فليس «لم تقم» جوابا للقسم، بل جواب القسم محذوف يدل عليه سؤال السائل: ألك بنون؟ فقال: نعم وخالقهم لبنون لي، ثم استأنف مدحهم وأخبر أنهم لم تقم عن مثلهم منجبة.
فهذا الذي ذهب إليه المصنف من أنه قد يصدر في النفي بـ «لم» و «لن» لا سلف له فيه إلا ابن جني؛ فإنه أجاز ذلك في الضرورة، واستدل عليه بما ذكرناه وتقدم الرد عليه 219. انتهى.
والكلام مع الشيخ فيما ذكره من وجوه: أما أولا: فقوله: وكون الجملة الاسمية تنفى بـ «لا» غلط؛ فإنه لم يبين وجه الغلط ما هو، ولا أقام دليلا على ما ذكره.
وأما ثانيا: فقوله: في قول المصنف: وقد تصدر بـ «لن»، أو «لم»: إنه لا يقاس على شيء من ذلك ألبتة؛ فإن المصنف لم يدّع اطراد هذا الأمر فينسب إليه القول بالقياس، وكيف يتوهم فيه أنه يقيس ذلك وهو لم يذكر هذين الحرفين مع الأحرف الثلاثة التي هي: «ما»، و «لا»، و «إن»، بل بعد انقضاء الكلام قال: (وقد تصدر بـ «لن» أو «لم»)؛ فأفهم كلامه أن هذا قليل، ولا شك أن النفي بـ «لن» و «لم» ورد في كلام العرب، فأراد أن ينبه على هذا الأمر كيلا -

الجزء: 6 - الصفحة: 3109

................................  يخلو الكتاب منه.
وأما الثالثة: فقوله: إن المصنف ليس له سلف في ذلك سوى ابن جني؛ فإن هذا الكلام مشعر بأن المصنف إنما قال ذلك تبعا لابن جني.
وأقول: لو كان ابن جني هو متبوع للمصنف في ذلك لاستشهد بما استشهد ابن جني به، والمصنف لم يلم بشيء من ذلك إنما استشهد بما عرفته.
وأما تخريجه «نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة» فلا يخفى ضعفه، وبيان ذلك أن الناطق بهذا الكلام قصد بإجابته المسائل [شيئين]: الإخبار بأن له بنين، ثم الإخبار بمدح البنين المخبر بهم أنهم له [4/ 53] وأجلّ الأمرين عنده الإخبار بمدحهم، والأمر الجليل هو الذي يقصد توكيده، والقسم إنما يجاء به لتوكيد الأمر المخبر به وتقويته عند المخاطب، فوجب أن يكون المؤكد هو الإخبار بالمدح، وأما أن يقسم على أن له بنين فلا فائدة في ذلك؛ لأنه لم ينازع فيه ولا نفي عنه حتى يحتاج إلى الإقسام عليه، بل الذي يمكن أن ينازع فيه إنما هو قوله: «ولم تقم عن مثلهم منجبة»؛ فهو الذي يحتاج إلى أن يقسم عليه.
وهب أن الشيخ يتم له الجواب الذي ذكره في «نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة» فماذا يقول في قول أبي طالب: 2807 - والله لن يصلوا إليك بجمعهم... حتّى أوارى في التّراب دفينا 220 وأبو طالب في الفصاحة والبلاغة أبو طالب؟! ثم أيّ فساد يترتب على نفي القسم بـ «لن» أو بـ «لم» حتى يمنع ذلك ويردّ على من ادعاه؟! ولا وجه من حيث الصناعة لمنعه؛ لأن الخبر المنفي المقسم عليه قد يكون مستقبلا فينفى بـ «لن» وقد يكون ماضيا فينفى بـ «لم».
وغاية الأمر أن الغالب في لسان العرب أن ينفى الجواب - أعني جواب القسم - بثلاثة الأحرف التي هي «ما» و «لا» و «إن»، وأنه قد ينفى بـ «لن» و «لم» لكن ذلك قليل ولا منازعة في وروده فوجب القبول.
ثم قد عرفت أن ابن عصفور ذكر أن الحرف الذي ينفى به الماضي في جواب -

الحديث: 2807 - الجزء: 6 - الصفحة: 3110

................................  القسم إنما هو «ما»، وأن المصنف لم يخصصه بها، بل قال: إنه ينفى بـ «لا» وب «إن».
وأما نفيه بـ «إن» فمنه قوله تعالى: وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ 221، وأما نفيه بـ «لا» فأنشد عليه قول الشاعر: 2808 - ردوا فو الله لا ذدناكم أبدا... ما دام في مائنا ورد لنزّال 222 فقال الشيخ عند ذكر هذه المسألة هنا: وقد بحثنا معه في تأويل هذا البيت في آخر الباب الأول من هذا الكتاب بما يوقف عليه هناك 223. انتهى.
وأقول: إن البحث الذي تقدم له مع المصنف إنما هو بالنسبة إلى كون الماضي بعد «إن» و «لا» ينصرف إلى الاستقبال أو يبقى على مضيه لا في كون «لا» ينفى بها الفعل الماضي إذا وقع جواب قسم أو لا ينفى.
وأما ما ذكره ابن عصفور في مسألة «أجدك» فهو كلام حسن وتقرير جيد.
وقد تقدم الكلام على هذه الكلمة في «باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراه» من هذا الكتاب ونقلنا فيها كلاما لابن الحاجب 224 وما ذكره الشيخ في شرحه وما نقله عن صاحب النهاية والجامع 225 بين المذكور هنا والمذكور هناك يحصل 226 له المقصود، ويتلخص له ما يعتمد عليه 227. وذكرنا في ذلك الباب أن المصنف نقل عن الشلوبين أن في «أجدك» معنى القسم 228، وهذا من الشلوبين يعضد قول ابن جني، ولكن الظاهر ما قاله ابن عصفور، فينبغي التعويل عليه والرجوع إليه.
-

الحديث: 2808 - الجزء: 6 - الصفحة: 3111

................................  المبحث الثالث: إنما قيد المصنف المضارع المثبت بكونه مستقبلا؛ تنبيها على أن المضارع إذا لم يكن مستقبلا لم يثبت له هذا الحكم، ولهذا قال في الشرح: فإن أريد به الحال قرن باللام ولم يؤكد بالنون؛ لأنها مخصوصة بالمستقبل، وهذا يدل منه على أن الإقسام على فعل الحال جائز.
وقد عرفت من كلام ابن عصفور أن المضارع المثبت المقصود به الحال لا يقسم عليه وهو باق على صورته، بل إذا قصد ذلك بني من الفعل اسم فاعل وجعل خبر مبتدأ فتعود الجملة المقسم عليها اسمية وأنه لا يرد الفعل بصورته مقرونا باللام وحدها إلا في الشعر، لكنه في «شرح الإيضاح» خالف هذا الكلام فإنه قال: فإن كان الفعل المقسم عليه حالا فإن كان موجبا دخلت عليه اللام وحدها، ومن ذلك قراءة قنبل 229 لأقسم بيوم القيامة 230 قال: والأكثر فيه إذ ذاك أن يجعل خبرا لمبتدأ فتصير الجملة اسمية ويتلقى القسم إذ ذاك بـ «إن» وحدها أو بـ «إن» واللام نحو: والله إن زيدا يقوم، وو الله إن زيدا ليقوم.
وكلام ابن أبي الربيع يقتضي جواز الأمرين أيضا، وإن كان الأكثر أن تصير الجملة اسمية.
فالحاصل: أن الذي ذكره المصنف من الإقسام على فعل الحال ليس مسمعا عند الجماعة غير أن المصنف يقسم عليه باقيا على حاله، والجماعة مع تجويزهم ذلك يرون أن الأكثر أن يقدم فاعل الفعل عليه وتصير الجملة اسمية فيقسم عليها كما يقسم على الجملة الاسمية.
وقد استثنى المصنف من الفعل المثبت الذي يجب اقترانه باللام وبنون التوكيد: الفعل المقرون بحرف تنفيس، والفعل المقدم معموله؛ فقال: إنهما يلتقيان باللام وحدها.
وبقي عليه أن يستثني الفعل المقرون بـ «قد» أيضا، فإن النون لا تقترن به وإنما يكتفي باللام.
قال ابن عصفور في «شرح الإيضاح» بعد ذكر الاستقبال: فإن كان موجبا -

الجزء: 6 - الصفحة: 3112

................................  تلقيت القسم باللام وحدها إذا دخلت عليه السين أو «سوف» أو «قد» أو تقدم معموله عليه قال الله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ 231، وعبارته في «المقرب» شاملة للصور كلها مع الاختصار؛ فإنه قال: إن اللام تدخل على المضارع المثبت وحدها إن فصل بينها وبين الفعل 232، فلو قال المصنف ذلك لخلص من إيراد الفصل بـ «قد» عليه.
ثم قال ابن عصفور: ولم يسمع دخول اللام على السين إلا أن البصريين أجازوا ذلك بالقياس على «سوف».
قال: ولم يجز الفراء دخول اللام عليها؛ لأن اللام كالجزء مما تدخل عليه، ودخولها على السين يؤدي إلى توالي أربعة أحرف بالتحريك فيما هو كالكلمة الواحدة وهو مرفوض في كلامهم 233. ثم قال: والصحيح عندي أن ذلك [4/ 54] جائز بدليل قول العرب: والله لكذب زيد كذبا ما أحسب أن الله يغفره، فكما جاز ذلك يجوز أن يقال: والله لسيقوم زيد.
ثم ذكر ابن عصفور عن أبي علي الفارسي أنه قال 234: وإنما لم تدخل إحدى النونين مع السين و «سوف»؛ لأن النون إنما تدخل في اللغة لتخلص المستقبل من الحال فاستغني عن النون بدخول السين أو «سوف» لإفادتهما الاستقبال.
قال - يعني أبا علي -: ولم تدخل في لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ 235؛ لأن اللام التي أدخلت إحدى النونين معها غير لام الابتداء، وإنما دخلت ليحاول بها الفصل بين اللامين لام الابتداء واللام التي تدخل على الفعل المستقبل وتدخل النون معها في أكثر الأمر؛ يعني أنك إذا قلت: إن زيدا ليقوم؛ علم أن هذه اللام لام ابتداء وأن الفعل الذي دخلت عليه فعل حال، وإنما أخرت إلى الخبر والنية بها التقديم؛ كراهية الجمع بينها وبين «إنّ» لما كانتا لمعنى واحد وهو التوكيد، ولذلك علقت الفعل في نحو: علمت أن زيدا ليقوم، وإذا قلت: إن زيدا ليقومن؛ علم أن اللام جواب لقسم محذوف، وأن الفعل الذي دخلت عليه مستقبل، وليست إذ ذاك منويّا بها التقديم؛ بل هي واقعة في محلها ولذلك لم تعلق الفعل به في نحو قوله: علمت أن زيدا ليقومن، قال: فلما كان دخول إحدى النونين المقصود به الفرق بين اللامين لم يحتج إليها إذا دخلت على الجار والمجرور في نحو: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ؛ -

الجزء: 6 - الصفحة: 3113

................................  إذ كانت داخلة على فضلة ولام الابتداء لا تدخل في موضع من مواضعها على فضلة.
فأما «إنّ زيدا لطعامك آكل»؛ فليس تقديره الدخول على الفضلة، وإذا كان كذلك علم أنها ليست التي للابتداء فلم يحتج إلى النون.
يعني أن اللام في قولك: إن زيدا لطعامك آكل؛ منوي بها التأخير، والأصل: إن زيدا طعامك لآكل؛ إلا أنها قدمت اتساعا.
وليس كذلك قوله سبحانه: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ 236 ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: إلى الله لتحشرون؛ لأن اللام التي يتلقى بها القسم لا يجوز أن يتقدم عليها معمول الفعل الذي دخلت عليه.
ثم قال: قال أبو علي: وإنما لم تدخل النون مع «قد» كما لم تدخل مع السين من حيث كانت حرفا مثله غير عامل وإن كانت قد خالفت السين في أنها لا تدلّ على الاستقبال يعني أنها حكم لها بحكم السين؛ لشبهها بها في أن كل واحد منهما حرف قد اختص بالفعل وجعل كالجزء منه بدليل أن اللام التي تدخل عى الفعل المضارع في القسم تدخل عليها.
هذا آخر كلام ابن عصفور.
المبحث الرابع: أطلق المصنف القول في نافي المضارع حيث قال: (ويحذف نافي المضارع)، وقد عرفت أن ابن عصفور إنما ذكر من حروف النفي «لا» حيث قال: وأما المستقبل فإن كان منفيا نفي بـ «لا» ومن أجل ذلك قال الشيخ: وإن كان النافي «ما» فمن النحويين من أجاز حذفها؛ حملا على «لا» ومنهم من منع ذلك؛ لما فيه من اللبس؛ لأنه لا يعلم إذا حذف هل القسم على النفي في الحال أو على المستقبل 237. انتهى.
ثم إن ابن عصفور لم يذكر حذف نافي الجملة الاسمية وقد ذكره المصنف مستدلّا عليه.
قال الشيخ: ونصوص أصحابنا على أن «ما» و «إن» النافية إذا دخلتا على الجملة الاسمية لا يجوز حذف واحدة منهما 238. انتهى.
ولا يخفى أن قول من حفظ ونقل حجة على من لم يحفظ وينقل.
وأما قول المصنف: (وقد يكون الجواب قسما) مستدلّا بقوله تعالى: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى 239 -[وقد] قال المصنف: كأنه قيل: والله ليحلفن المنافقون إن أردنا -

الجزء: 6 - الصفحة: 3114

[تلقي جواب القسم الماضي]

قال ابن مالك: (ولا يخلو دون استطالة الماضي المثبت المجاب به من اللّام مقرونة بـ «قد» أو «ربّما» أو «بما» مرادفتها إن كان متصرّفا وإلّا فغير مقرونة وقد يلي «لقد» أو «لبما» المضارع الماضي معنى، ويجب الاستغناء باللّام الدّاخلة على ما تقدّم من معمول الماضي كما استغني بالدّاخلة على ما تقدّم (من) 240 معمول المضارع).

  • إلا الحسنى - فظاهر الأمر ما قاله، ولكن قد يقال: (ليحلفن) 241 جواب قسم، والجواب جملة خبرية والقسم جملة إنشائية؛ فكيف يكون الخبر إنشاء؟ وما برحت أستشكل قولهم: إن لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ جواب لـ مِيثاقَكُمْ في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ 242، وكذا قولهم في لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ: إنه جواب لـ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ 243؛ لأن الميثاق معمول للفعل الذي هو «أخذ» من (أخذنا) ومن أَخَذَ اللَّهُ فإن كان القسم هو الجملة بتمامها أشكل من جهة أن القسم لا يكون مفردا إنما يكون جملة ويقع في النفس شيء هو أن يقال: إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى معمول لقول محذوف؛ التقدير: وليحلفن قائلين: والله إن أردنا إلا الحسنى، أو وليحلفن ويقولون: والله إن أردنا إلا الحسنى.
    وبعد: فلم يتحقق لي هذا البحث وأما قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ، [و] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ؛ فيحتاج إلى أن يحرر القول في القسم ما هو؟، وهل لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ولَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ جواب لما قبله، أو القسم مقدر؟!!.
    قال ناظر الجيش: قال المصنف 244: إن كان صدر الجملة المجاب بها القسم فعلا ماضيا مثبتا وخلا القسم من استطالة وجب اقترانه باللام وحدها إن كان الفعل غير متصرف وباللام مع «قد» أو «ربما» أو «بما» بمعنى «ربما» إن كان متصرفا، فإن وجدت استطالة جاز إفراد الفعل كقوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) -

الجزء: 6 - الصفحة: 3115

................................  وَشاهِدٍ [4/ 55] وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ، وكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «والّذي نفسي بيده وددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل ثمّ أحيا ثمّ أقتل ثمّ أحيا ثمّ أقتل» أخرجه البخاري 245. واقترانه بـ «قد» وحدها كقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها 246 وإن لم توجد الاستطالة والفعل غير متصرف وجب الاقتران باللام مفردة كقول الشاعر: 2809 - لعمري لنعم الفتى مالك... إذا الحرب أصلت لظاها رجالا 247 وإن كان الفعل متصرفا فالأكثر أن يقترن باللام مع «قد» كقوله تعالى: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا 248، أو «ربما» كقول الشاعر: 2810 - لئن نزحت دار لسلمى لربّما... غنينا بخير والدّيار جميع 249 أو «بما» مرادفة «ربما» كقول عمر بن أبي ربيعة: 2811 - [فـ] لئن بان أهله... لبما كان يؤهل 250 وقد يستغني باللام الفعل الماضي المتصرف في النثر والنظم، ومن الاستغناء بها في النثر قوله تعالى: وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ 251، وفي الحديث عن امرأة من غفار أنها قالت: «والله لنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الصّبح فأناخ» 252، وفي حديث سعيد بن زيد 253: أشهد لسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من أخذ شبرا من الأرض ظلما..» 254 الحديث، ومن الاستغناء بها في النظم قول -

الحديث: 2809 - الجزء: 6 - الصفحة: 3116

................................  امرئ القيس: 2812 - حلفت لها بالله حلفة فاجر... لناموا فما إن من حديث ولا صال 255 وقد يجاب القسم بمضارع ماضي المعنى فيقترن بـ «لقد»، أو بـ «لبما» فاقترانه بـ «لقد» كقول الشاعر: 2813 - لئن أمست ربوعهم يبابا... لقد تدعو الوفود لها وفودا 256 واقترانه بـ «لبما» كقول الآخر: 2814 - فلئن تغيّر ما عهدت وأصبحت... صدقت فلا بذل ولا ميسور لبما يساعف في اللقاء وليّها... فرح بقرب مزارها مسرور 257 وإذا قدم معمول الماضي المجاب به القسم قرن باللام وأغنت عن «قد» «ربما» كما أغنى اقترانها بمعمول المضارع المؤخر عن توكيده بالنون.
ومن شواهد اقترانها بمعمول الماضي المؤخر قول أم حاتم: 2815 - لعمري لقد ما عضّني الجوع عضّة... فآليت أن لا أمنع الدّهر جائعا 258 وقد اجتمع في قول عامر بن قدامة 259: 2816 - فلبعده لا أخلدن وما له... بذل إذا انقطع الإخاء فودّعا 260 شذوذان: أحدهما: عدم الاستغناء بتقديم اللام عن النون.
والثاني: دخولها على جواب منفي، فلو كان مثبتا لكان دخولها عليه مع تقدم اللام أسهل.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 261. -

الحديث: 2812 - الجزء: 6 - الصفحة: 3117

................................  ويتعلق به أبحاث: الأول: أن ظاهر قوله في متن الكتاب: ولا يخلو الماضي المثبت من اللام مقرونة بـ «قد»، أو «ربما» أو «بما» أن اللام لا تنفرد؛ بل لا بد أن يقرن بها أحد الثلاث التي هي «قد» و «ربما» والأمر ليس كذلك، وقد قال هو في الشرح: وإن كان الفعل متصرفا فالأكثر أن يقترن باللام مع «قد» أو «ربما» أو «بما»، وقد يستغنى باللام في النثر والنظم، ثم استشهد على ذلك بما تقدم ذكره.
والذي ذكره في الشرح هو الحق.
وقد قال ابن عصفور: وإن كان الفعل ماضيا موجبا تلقيت القسم باللام وحدها ويجوز أن تصل اللام بـ «قد» إذا كنت مخاطبا لمن يتوقع خبرك، لكن المصنف لا يختلف المراد عنده ذكرت «قد» مع اللام أم لم تذكر، وأما ابن عصفور فقد تقدم قوله إن القريب من زمن الحال يتلقى باللام و «قد»، وإن البعيد يتلقى باللام وحدها.
الثاني: قال الشيخ مشيرا إلى قول المصنف: دون استطالة: ولا يحتاج إلى هذا القيد؛ فقد جاء في كلام الفصحاء حذف هذه اللام وإبقاء «قد»؛ قال زهير: 2817 - تالله قد علمت قيس إذا قذفت... ريح الشّتاء بيوت الحيّ بالعنن أن نعم معترك الحيّ الجياع إذا... خبّ السّفير ومأوى البائس البطن 262 وقال أيضا: 2818 - تالله قد علمت سراة بني... ذبيان عام الحبس والأصر أن نعم معترك الجياع إذا... خبّ السّفير وسابئ الخمر 263 انتهى.
-

الحديث: 2817 - الجزء: 6 - الصفحة: 3118

................................  والذي ذكره ابن عصفور موافق لما ذكره المصنف، فإنه بعد أن ذكر دخول اللام على الفعل الماضي قال 264: ويجوز حذف اللام إذا طال الكلام ومن ذلك قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ 265 وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ 266 قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (2)، وقوله جلّ وعلا: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (1) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (3)، ثم قال تعالى في الجواب: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها 267. انتهى. وعلى هذا، فالذي أنشده الشيخ لزهير مستدلّا به على الحذف دون استطالة محمول على القلة، والمصنف لا ينفي أن يجيء مثل ذلك في الشعر أو في قليل من الكلام. الثالث: قال الشيخ في قول المصنف: أو «بما» مرادفتها واستشهاده على ذلك بقول ابن أبي ربيعة: 2819 - فلئن بان أهله... لبما كان يؤهل تقدم لنا الكلام في نظائر هذا البيت في حروف الجر عند قوله: وكذا بعد «رب» والباء ويحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل. وملخص ما ذكرناه: أن بعد اللام فعلا محذوفا لدلالة ما قبله عليه وتقديره في هذا البيت: لبان بما كان يؤهل؛ فاللام دخلت على ذلك الفعل المحذوف والباء سببية و «ما» مصدرية، فعلى هذا لا يكون «لبما» بمعنى «رب» 268. انتهى. ولا شك أن ما ذكره الشيخ ممكن ولا تأباه القواعد، ولكن بعيد أن يكون مراد الشاعر كما تقدم لنا التنبيه على ذلك، ولكن المشكل قول المصنف هناك - أعني في باب حروف الجر -: إن اتصال «ما» بالياء أحدث فيها معنى [4/ 56] التقليل؛ فإن المعنى في قول الشاعر: 2820 - لبما قد ترى وأنت خطيب

الحديث: 2819 - الجزء: 6 - الصفحة: 3119

................................  إنما هو على التكثير، وكذا في قول كثير: 2821 - بما قد أرى تلك الدّيار فإن المعنى: أنك رؤيت خطيبا كثيرا وأن رؤيتي تلك الديار وأهلها وهن جميعات الأنيس عوامر كان كثيرا، على أن المصنف عند إنشاده هذين البيتين في الشرح لم يتعرض إلى ذكر التقليل.
نعم ذكر التقليل في متن الكتاب 269 وقال في شرح الكافية أيضا: وقد تحدث زيادة «ما» بعد الباء تقليلا، وهي لغة هذيلية 270، والعجب أنه جعل في هذا الباب - أعني باب القسم - «بما» مرادفة «ربما».
ولا شك أن «ربّ» للتكثير عنده، فكيف ذكر في باب حروف الجر أن «بما» تفيد التقليل؟! والمسألة تحتاج إلى نظر.
الرابع: قد عرفت أن ابن عصفور فرّق بين تلقي القسم في الجواب المفتتح بفعل ماض مثبت بين الإتيان باللام وحدها أو باللام و «قد»؛ فجعل الأول للماضي البعيد من زمن الحال، وجعل الثاني للماضي القريب من زمن الحال، وأن المصنف لم يتعرض إلى ذكر هذا الفرق؛ فهو يسوّي بين الصورتين.
قال ابن عصفور: ومن النحويين من ذهب إلى أنها - يعني اللام - لا بد أن تصحبها «قد» ظاهرة أو مقدرة؛ قياسا على اللام الداخلة على خبر «إن»، ورد ذلك بأن اللام في خبر «إن» أصلها للدخول على المبتدأ؛ فعلى هذا لا تدخل إلا على ما هو المبتدأ في المعنى نحو: إن زيدا لقائم، أو على ما هو مشبه به نحو: إن زيدا ليقوم، واللام التي في جواب القسم ليست كذلك 271. الخامس: ناقش الشيخ المصنف في قوله: ويجب الاستغناء باللام الداخلة على ما تقدم من -

الحديث: 2821 - الجزء: 6 - الصفحة: 3120

[توالي القسم والشرط غير الامتناعي]

قال ابن مالك: (فصل: إذا توالى قسم وأداة شرط غير امتناعيّ استغني بجواب الأداة مطلقا إن سبق ذو خبر وإلّا فبجواب ما سبق منهما، وقد يغني حينئذ جواب الأداة مسبوقة بالقسم.
وقد يقرن القسم المؤخّر بفاء فيغني جوابه وتقرن أداة الشّرط المسبوقة بلام مفتوحة تسمّى الموطّئة، ولا تحذف والقسم محذوف إلّا قليلا، وقد يجاء بـ «لئن» بعد ما يغني عن الجواب فيحكم بزيادة اللّام).
معمول الماضي فقال: ليس هذا باستغناء بل هذه اللام هي الداخلة على الماضي فصل بينهما بمعموله 272. انتهى.
وهي مناقشة لفظية.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 273: إذا اجتمع في كلام واحد قسم وأداة شرط ولم تكن الأداة «لو»، ولا «لولا» استغني بجواب ما تقدم منهما عن جواب متأخر إن لم يتقدم عليهما ذو خبر.
فالاستغناء بجواب القسم لتقدّمه نحو: والله إن جئتني لأكرمتك، والاستغناء بجواب الشرط نحو: إن جئتني والله أكرمك.
فلو تقدم عليهما ذو خبر استغني بجواب الشرط؛ تقدم على القسم، أو تقدم القسم عليه، وكان الشرط حقيقا بأن يغني جوابه مطلقا؛ لأن تقدير سقوطه مخل بالجملة التي هو منها وتقدير سقوط القسم غير مخل؛ لأنه مسوق لمجرد التوكيد، والاستغناء عن التوكيد سائغ ففصل الشرط؛ فلزم الاستغناء بجوابه مطلقا إذا تقدم عليه وعلى الشرط ذو خبر، فإن لم يتقدم عليها ذو خبر وأخر القسم وجب الاستغناء عن جوابه بجواب الشرط، وإن أخر الشرط استغني في أكثر الكلام عن جوابه بجواب القسم؛ كقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ 274، ولا يمتنع الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره.
ومن شواهد ذلك قول الفرزدق: -

الجزء: 6 - الصفحة: 3121

................................  2822 - لئن بلّ لي أرضي بلال بدفقة... من الغيث في يمنى يديه انسكابها أكن كالّذي أصاب الحيا أرضه الّتي... سقاها وقد كانت جديبا جنابها 275 ومنها قول ذي الرمة: 2823 - لئن كانت الدّنيا عليّ كما أرى... تباريح من ميّ فللموت أروح 276 ومنها قول الأعشى: 2824 - لئن منيت بنا عن غبّ معركة... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل 277 فلو كانت أداة الشرط «لو» استغنى بجوابها عن جواب القسم مطلقا نحو: والله لو فعلت لفعلت، ولو فعلت والله لفعلت، وكذا لو تقدم عليها ذو خبر أو كان بدل «لو» «لولا» ومن أجل هذا قلت: (أداة شرط غير امتناعي).
وقد يقرن القسم المؤخر بفاء فيجب الاستغناء بجوابه؛ لأن الفاء تقتضي الاستئناف وعدم تأثر ما بعدها بما قبلها، ومنه قول قيس بن العيزارة 278: 2825 - فإمّا أعش حتّى أدبّ على العصا... فو الله أنسى ليلتي بالمسالم 279 وأجاز ابن السراج أن تنوى هذه الفاء فيعطى القسم المؤخر بنيتها ما أعطي بلفظها فأجاز أن يقال: إن يقم يعلم الله لأزورنك، على تقدير: فيعلم الله لأزورنك، ولم يذكر عليه شاهدا، فلو لم تنو الفاء لألغي القسم؛ فقيل: إن يقم يعلم الله لأزرك، وتقارن أداة الشرط المسبوقة بقسم لام مفتوحة تسمى الموطئة، وأكثر ما يكون ذلك مع «إن» كقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها 280، وقد -

الحديث: 2822 - الجزء: 6 - الصفحة: 3122

................................  يكتفى بنيتها عن لفظها كقوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ 281، والأصل ولئن لم تغفر لنا وترحمنا، ولولا ذلك لم يقل في الجواب: لَنَكُونَنَّ بل كان يقال: وإن لم تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين، كما قيل: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ 282. قال سيبويه رحمه الله: ولا بد من هذه اللام مظهرة أو مضمرة 283، يعني اللام التي تقارن أداة الشرط وتسمى الموطئة [4/ 57] ومن مقارنتها غير «إن» من أخواتها قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ 284، ومثله قول القطامي 285: 2826 - ولما رزقت ليأتينّك سيبه... جلبا وليس إليك ما لم ترزق 286 وقوله: 2827 - لمتى صلحت ليقضين لك صالح... ولتجزينّ إذا جزيت جميلا 287 وقد يستغنى بـ «لئن» عن جواب لتقدم ما يدل عليه؛ فيحكم بأن اللام زائدة، فمن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: 2828 - [ألمم بزينب] 288 إنّ البين قد أفدا... قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا 289 ومثله: 2829 - ولا يدعني قومي صريحا لحرّة... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر 290 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 291. -

الحديث: 2826 - الجزء: 6 - الصفحة: 3123

................................  ويتعين التعرض إلى التنبيه على أمور تشتمل على مباحث: منها: أنه استثنى من الشرط الذي يجامع القسم الشرط الامتناعي وهو الذي الأداة فيه «لو» أو «لولا»، وقال: إن الجواب حينئذ يتحتم أن يكون للشرط لا للقسم سواء تقدم القسم أم تأخر، وسواء تقدمهما ذو خبر أم لم يتقدم، وهذا معنى قوله في الكافية: وبجواب لو ولولا استغنيا... حتما إذا ما تلوا أو تليا 292 وأنشد في شرح الكافية قول الشاعر: 2830 - فأقسم لو أبدى النديّ سواده... لما مسحت تلك المسالات عامر 293 وقول الآخر: 2831 - والله لولا الله ما اهتدينا... ولا تصدّقنا ولا صلّينا 294 ولا شك أن هذين البيتين شاهدان لما ذكره، لكن كلام ابن عصفور يقتضي خلاف ذلك، فإنه قال 295: وإذا توسطت «لو» أو «لولا» بين القسم والفعل الواقع جوابا له لزم أن يكون الفعل الواقع جوابا ماضيا؛ لأنه مغن عن جواب «لو» و «لولا» المحذوف ودالّ عليه، وجواب «لو» و «لولا» لا يكون إلا ماضيا؛ فوجب أن يكون الدالّ عليه كذلك فتقول: والله لو قام زيد لقام عمرو، وو الله لو قام بكر ما قام خالد، وو الله لولا زيد لقام عمرو، وو الله لولا زيد ما قام بكر.
انتهى.
ومن هنا قال الشيخ عند ذكر هذه المسألة: وقول بعض أصحابنا إنه إذا تقدم القسم على «لو» أو «لولا» فالجواب للقسم، وجواب «لو» و «لولا» محذوف -

الحديث: 2830 - الجزء: 6 - الصفحة: 3124

................................  لدلالة جواب القسم عليه 296. ثم قال ابن عصفور: وقد يدخلون «أن» على «لو» توطئة لجعل الفعل الواقع بعدها جوابا للقسم كما يدخلون اللام على «إن» الشرطية فيقال: أقسم أن لو قام زيد قام عمرو، ومن ذلك قوله: 2832 - فأقسم أن لو التقينا وأنتم... لكان لكم يوم من الشّرّ مظلم 297 انتهى.
هذا كلامه في «شرح الإيضاح» وهو يناقض كلامه في «شرح الجمل» الذي تقدم لنا نقله عنه، فإنه لما أنهى الكلام على روابط الجملة الواقعة جواب قسم قال: إلا أن يكون جواب القسم «لو» وجوابها فإن الحرف الذي يربط المقسم به بالمقسم عليه إذ ذاك إنما هو «أن» نحو: والله أن لو قام زيد لقام عمرو، ولا يجوز الإتيان باللام كراهة الجمع بين لام القسم ولام «لو» فلا يجوز: والله للو قام زيد قام عمرو 298. انتهى.
فكلامه في «شرح الإيضاح» يقتضي أن الفعل الواقع بعد فعل الشرط الذي تقدم القسم عليه هو جواب القسم، وأن جواب «لو» و «لولا» محذوف دل عليه الجواب الذي للقسم ويقتضي أيضا أن «أن» الداخلة على «لو» توطئة لجعل الفعل الواقع بعدها جوابا للقسم.
وكلامه في شرح الجمل يقتضي أن جواب «لو» مذكور، وأن «لو» وجوابها جواب القسم، ولا يخفى ما بين الكلامين من المباينة.
وأما كلام المصنف؛ فظاهره يعطي أن المذكور بعد فعل الشرط المقرون بـ «لو» وبعد الاسم المقرون بـ «لولا» هو جواب الشرط، وأن جواب القسم محذوف؛ فحكم بأن لكل من القسم والشرط جوابا، وأن أحدهما محذوف وهو جواب القسم، والآخر مذكور وهو جواب «لو» أو «لولا» وكأن جملة «لو» معترضة بين القسم وجوابه وكذا جملة «لولا».
وأقول: يبعد أن يكون للقسم جواب مقدر في نحو: والله لو قام زيد لقام عمرو، -

الحديث: 2832 - الجزء: 6 - الصفحة: 3125

................................  ولولا زيد لقام عمرو، بل ربما يستحيل ذلك؛ لأن المقسم عليه إنما هو «قيام عمرو» المعلق على «قيام زيد» أو على وجوده، وإذا كان المقسم عليه ذلك؛ فكيف يتجه تقدير جواب غير الشرط المذكور وجوابه؛ إذ لو قدر جواب غير ذلك لكان شيئا غير معلق على غيره؟! والغرض أن المقسم عليه إنما هو أمر معلق على شيء لا أمر مستقل بنفسه، وإذا كان الأمر كذلك اتجه كلام ابن عصفور في «شرح الجمل» حيث قال: إلا أن يكون جواب القسم «لو» وجوابها.
فصرح بأن الشرط وجوابه هو جواب القسم، واضمحل كلامه في «شرح الإيضاح» حيث قال: وإذا توسطت «لو» أو «لولا» بين القسم والفعل الواقع جوابا له لزم أن يكون الفعل الواقع جوابا ماضيا؛ لأنه مغن عن جواب «لو» و «لولا» المحذوف ودال عليه، إلى آخر كلامه.
ثم هذا الذي قررته من أن الشرط الامتناعي وجوابه يكون جواب القسم وأن ليس شيء محذوفا، وقد يفهم من قول المصنف في أوائل الفصل: وتصدر في الشرط الامتناعي بـ «لو» أو «لولا» فإنه قد تقدم لنا أن هذا الكلام يقتضي أن جملة الشرط المصدرة لكل من الحرفين المذكورين هي جواب القسم؛ لأن معنى كلامه: المقسم عليه جملة مؤكدة تصدر في الإثبات بكذا، وفي الشرط الامتناعي بكذا، ويمكن حمل كلام المصنف في «الكافية» عليه أيضا، وذلك بأن يحمل قوله: وبجواب لو ولولا استغنيا... حتما إذا ما تلوا أو تليا على أنا نستغني [4/ 58] بجواب «لو» و «لولا» عن تقدير جواب للقسم فلا تقدر جوابا للقسم محذوفا، بل نجعل المذكور بعد القسم هو الجواب له، ولا نحمله على أنا نستغني به عن ذكر جواب القسم، وكلامه في شرح التسهيل يمكن أن يحمل على ذلك أيضا لكن بتكلف ما.
فإن قيل: أنت قررت أن الشرط وجوابه هو جواب القسم، وكذا «لولا» وجوابها، وقول المصنف: وبجواب «لو» و «لولا» استغنيا إذا أريد بالاستغناء الاستغناء عن التقدير كما قرر - يقتضي أن جواب كل منهما بمفرده هو جواب القسم؟! -

الجزء: 6 - الصفحة: 3126

................................  فالجواب: أن جواب القسم إنما هو «لو» وجوابها و «لولا» وجوابها، وإنما لو كان المقصود بالإخبار عنه هو جوابهما أسند الأمر إليه مع أن الجواب لا بد له من شيء يكون هو جوابا له؛ فكان لزوم ذكره جاريا مجرى ذكره، فلهذا لم يحتج إلى التعرض إليه.
فإن قيل: كيف يصح أن يعلل منع أن يكون للقسم جواب مقدر في نحو: والله لو قام زيد لقام عمرو، ولولا زيد لقام عمرو - بأن المقسم عليه إنما هو «قيام عمرو» المعلق على «قيام زيد» مع «لو» وعلى «وجود زيد» مع «لولا» وهذا بعينه موجود في الشرط غير الامتناعي؛ لأن المقسم عليه أيضا في نحو: والله إن قام زيد ليقومن عمرو؛ إنما هو «قيام عمرو» والمعلق على «قيام زيد»، ومع هذا فقد أتى للقسم بجواب يخصه؛ فلم لا يقال: إن الشرط وجوابه يكون جوابا للقسم في الشرط غير الامتناعي كما قيل: إن الشرط وجوابه هو جواب القسم في الشرط الامتناعي؟! فالجواب: أن يقال: إن الجواب في الشرط الامتناعي ممتنع الوقوع، أما إذا كان حرف الشرط «لو» فلأنه علق على حصول أمر قد ثبت أن وجوده ممتنع وأما إذا كان حرف الشرط «لولا» فلأن الامتناع معها معلق على وجود شيء مقطوع بأنه موجود، وإذا كان جواب الشرط الامتناعي ممتنع الوقوع لما ذكرنا؛ امتنع تقدير جواب للقسم، إذ يلزم من تقديره أن يكون المقدر ممتنع الوقوع لتطابق جواب الشرط والقسم؛ لأن جملة القسم إنما هي مؤكدة بجملة الشرط فيتعين اتفاق المدلولين.
ولا شك أن جواب القسم - إذا قدرناه - ليس ثم ما يدل على أنه ممتنع فيلزم من تقديره حينئذ تخالف الجوابين من حيث إن أحدهما مقطوع بامتناعه، والآخر ليس كذلك.
وأما جواب الشرط غير الامتناعي؛ فليس ممتنع الوقوع، وإذا لم يكن ممتنع الوقوع؛ فجواب القسم مساو له في احتمال الوقوع وعدمه، فلذلك جاز أن يقدر مدلولا عليه بجواب الشرط؛ لأن المتساويين يجوز دلالة كل منهما على الآخر.
هذا ما أدى إليه النظر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأما قول ابن عصفور: إن «أن» حرف يربط المقسم به بالمقسم عليه في نحو: والله أن لو قام زيد لقام عمرو؛ فلا يتحقق؛ لأن الرابط لا يجوز الإخلال به، بل يجب المحافظة عليه.
ولا شبهة في جواز قولنا: والله لو قام زيد لقام عمرو.
وقد تقدم إنشاد المصنف: 2833 - فأقسم لو أبدى النديّ سواده

الحديث: 2833 - الجزء: 6 - الصفحة: 3127

................................  والحق أن: «أن» في نحو: والله أن لو قام زيد لقام عمرو؛ زائدة.
ويذكر الدليل على زيادتها في باب إعراب الفعل 299 إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن ابن عصفور لمّا ذكر مسألة اجتماع القسم والشرط، وأن الجواب الذي يذكر يكون للمتقدم فيها، وأن المتأخر منها يحذف جوابه - أتبع ذلك بذكر مسألة فقال 300: فإن تقدم على القسم ما يطلب خبرا، أو ما يطلب صلة فإنه يجوز أن يبنى الجواب على القسم، وقد يجوز أن يبنى على المبتدأ والموصول فتقول: زيد والله يقوم، وإن شئت: زيد والله ليقومن، ويعجبني الذي والله يقوم، وإن شئت: يعجبني الذي والله ليقومن، فإن بنيت على الأول حذفت جواب القسم؛ لدلالة ما تقدم عليه، وإن بنيت على القسم كان القسم وجوابه في موضع خبر المبتدأ، أو صلة الموصول، ولذلك جاز في هذين الموضعين البناء على الثاني؛ لأنه لا يؤدي ذلك إلى حذف مع تأخير الدليل 301. انتهى.
وأشار بقوله: لأنه لا يؤدي ذلك إلى حذف مع تأخير الدليل» إلى ما هو كالجواب عن سؤال قد يسأل وهو أن يقال: لم لا يمتنع في هذه المسألة أن يبنى الكلام على المتأخر كما امتنع في مسألة اجتماع القسم والشرط؟ والجواب عن ذلك: أن كلّا من القسم والشرط لا بد له من جواب، والشرط لا يصلح جواب قسم والقسم لا يصلح جواب شرط، ولا بد من ذكر أحدهما وحذف الآخر؛ فلزم أن يكون المذكور دالّا على المحذوف، فلو دل على المتقدم بالمتأخر بأن يحذف الأول لدلالة الثاني عليه؛ لكنت قد حذفت شيئا قبل ذكر ما لا يدل عليه، وقد قال: إن الباب في المحذوفات التي يفسرها اللفظ ألا يحذف شيء منها إلا لتقدم الدليل عليه.
وأما المسألة التي أشار إليها: فإنك إن بنيت على الأول - أعني المبتدأ، أو الموصول - حذفت جواب القسم الذي هو الثاني؛ لدلالة المتقدم عليه، وإن بنيت -

الجزء: 6 - الصفحة: 3128

................................  على الثاني - أعني القسم - فلا حذف؛ لأنه هو وجوابه يكونان خبر المبتدأ أو صلة الموصول؛ لصلاحه لذلك.
ومنها: أنه قد علم من كلام المصنف أمران: أحدهما: أن الجواب الذي يذكر إنما يكون لما تقدم من قسم أو شرط عند اجتماعهما، ويحذف جواب المتأخر منهما لدلالة جواب المتقدم عليه إلا أن يتقدمهما ذو خبر؛ فيتعين حينئذ أن يكون الجواب للشرط سواء تقدم الشرط [4/ 59] على القسم أم تأخر، ويشمل «ذو خبر»: المبتدأ، واسم «كان»، واسم «إن»، وأول مفعولي «ظننت» وأخواتها، وثاني مفعولات «أعلمت» وأخواتها.
الأمر الثاني: أنه قد يجاب الشرط مع تأخره عن القسم وإن لم يتقدمهما ذو خبر؛ فيكون جواب القسم محذوفا مع كونه متقدما على الشرط.
أما الأمر الأول: فكلام ابن عصفور يخالفه؛ لأنه لا يتعين عنده أن يكون الجواب للشرط بل قال: ما ذكرته من أن العرب لا تجعل جوابا للشرط المتوسط بينه وبين القسم إنما هو بشرط ألا يتقدم القسم اسم مبتدأ، فإن تقدمه ذلك؛ جاز جعل الفعل جوابا للشرط في فصيح الكلام نحو قولك: زيد والله إن يقم يقم عمرو.
هذا كلامه في «شرح الإيضاح».
فلم يجعل الجواب متعينا للشرط، بل ذلك عنده من الجائز الفصيح.
على أنه قد ذكر في «شرح الجمل» أن الجواب يكون للمتقدم دون أن يتعرض إلى تفصيل في ذلك 302. قال الشيخ: وفي الشرح المنسوب لأبي الفضل البطليوسي 303 قال سيبويه: أنا والله إن تأتني آتك.
انتهى لفظ سيبويه، قال في الشرح: لك أن تبني على المبتدأ فتقول: آتيك، وتحذف جواب الشرط والقسم؛ لتقدم الدليل، وأن تبني على القسم أي فتقول: لآتينك؛ فالجملة من القسم والشرط في موضع خبر المبتدأ، وأن تبني على الشرط؛ فالشرط وجوابه خبر للمبتدأ.
والنية به أن يتقدم على القسم -

الجزء: 6 - الصفحة: 3129

................................  فيكون جواب القسم محذوفا لدلالة ما قبله عليه.
فهذا كله جائز.
ولو جعلت خبر المبتدأ القسم لم يجز البناء على الشرط؛ لأنه لا يحذف جوابه والدليل بعده وقد اختار سيبويه البناء على الشرط مع جعل الشرط خبرا واليمين متوسط معترض بين المبتدأ والخبر 304. انتهى.
وفهم من كلامه أن الجواب لا يتعين كونه للشرط إذا تقدم عليه ذو خبر على القسم وعليه، وقد علمت ما ذكره المصنف من أن الشرط كان حقيقيّا بأن يغني جوابه مطلقا؛ لأن تقدير سقوطه مخل بالجملة التي هو منها وتقدير سقوط القسم غير مخل؛ لأنه مسوق لمجرد التوكيد، والاستغناء عن التوكيد سائغ ففضل الشرط فلزم الاستغناء بجوابه مطلقا إذا تقدم عليه وعلى الشرط ذو خبر.
ولا شك أن هذا كلام متجه، ولكن لا يظهر بطلان ما قاله ابن عصفور أيضا، ولا يبعد أن ما ذهب إليه المصنف في هذه المسألة من أن الجواب يكون للشرط مع تأخره عن القسم إذا تقدمهما ذو خبر هو الأحسن من جعل الجواب للقسم أما أنه متعين فلا.
وأما الأمر الثاني: وهو أنه قد يجاب الشرط مع تأخره عن القسم وإن لم يتقدمهما ذو خبر فقد استدل المصنف عليه بقول الفرزدق: 2834 - أكن كالّذي أصاب الحيا أرضه بعد قوله في البيت الذي قبله: 2835 - لئن بلّ لي أرضي بلال بدفقة وبقول ذي الرمة: 2836 - لئن كانت الدّنيا عليّ كما أرى...... البيت وبقول الأعشى: 2837 - لئن منيت بنا عن غبّ معركة...... البيت وهي أدلة ظاهرة على المدعي غير أن المصنف لم ينسب هذا المذهب لبصري، ولا كوفي؛ جريا منه على طريقته المألوفة وهي أنه إذا قام الدليل عنده على شيء -

الحديث: 2834 - الجزء: 6 - الصفحة: 3130

................................  اتبعه، ثم إنه قد ينبه على خلاف في ذلك إن كان، وقد لا يتعرض إلى ذلك.
والجماعة يذكرون أن هذا القول إنما هو قول الفراء 305، ولذلك قال ابن عصفور: ولا يجوز جعل الفعل جوابا للشرط إذا توسط بينه وبين القسم.
فأما قول الأعشى: 2838 - لئن منيت بنا......... البيت وقول امرأة فصيحة من بني عقيل: 2839 - لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا... أصم في نهار القيظ للشّمس باديا وأركب حمارا بين سرج وفروة... وأعر من الخاتام صغرى شماليا 306 فاللام في [لئن] ينبغي أن تكون زائدة كالتي في قوله: 2840 - [مرّوا عجالا فقالوا كيف صاحبكم... فقال من سألوا] أمسى لمجهودا 307 وكالتي في قراءة من قرأ: (إلّآ أنّهم ليأكلون الطّعام) 308، وأما قول الآخر: 2841 - حلفت لها إن تدلجي اللّيل لا يزل... أمامي بيت من بيوتك سائر 309 فليس «حلفت» فيه قسما كما ذهب إليه الفراء، بل هو خبر محض، غير مراد به معنى القسم؛ لأن القسم إذا تقدم على الشرط بني الجواب عليه ولم يبن على الشرط 310. انتهى.
فمن ثم لمّا ذكر الشيخ كلام المصنف في المسألة قال: وهذا الذي أجازه هو مذهب الفراء، وقد منعه أصحابنا والجمهور، ثم سرد كلام ابن عصفور المتقدم 311. وأقول: إن ابن عصفور لم يذكر دليلا على امتناع ما ذكره المصنف بل عمد -

الحديث: 2838 - الجزء: 6 - الصفحة: 3131

................................  على الأدلة على هذا الحكم فأخرجها عن ظاهرها بغير موجب وحكم بزيادة اللام مع إمكان القول بعدم الزيادة. وبعد: فلا يخفى على الناظر وجه الصواب والوقوف مع ما ورد عن العرب حيث لا مانع من الحمل على ظاهر ما ورد عنهم. ومنها: أنه قال: وقد يقرن القسم المؤخر بفاء فيغني جوابه، وقال في الشرح: فيجب الاستغناء بجوابه؛ لأن الفاء تقتضي الاستئناف وعدم تأثر ما بعدها بما قبلها، وأنشد على ذلك: 2842 - فإمّا أعش حتّى أدبّ على العصا البيت المتقدم الذكر، فقال الشيخ: قول المصنف يدل على أن للشرط جوابا محذوفا أغنى عنه جواب القسم، وليس كذلك، بل الجملة القسمية هي نفس جواب الشرط؛ ولذلك دخلت الفاء، فليس للشرط جواب محذوف أغنى عنه جواب القسم 312. وأقول: ما ذكره الشيخ حق لا شبهة فيه. وقد كنت أيام الاشتغال وقفت على كلام المصنف رحمه الله تعالى في شرح الكافية فرأيته ذكر هذه المسألة كما ذكرها هنا واستشهد بالبيت المذكور 313 فحصل في خاطري [4/ 60] أن القسم وجوابه هو جواب الشرط، وأن لا حذف أصلا وجزمت بذلك، ولكن لما رأيت الشيخ ذكر ذلك في شرحه اقتصرت على نسبته إليه. ثم قال الشيخ: وأما تجويز ابن السراج حذفها 314 - يعني الفاء - فينبغي ألا يجوز؛ لأن حذف فاء جواب الشرط لا يجوز إلا في الضرورة نحو قوله: 2843 - من يفعل الحسنات الله يشكرها... [والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان] 315

الحديث: 2842 - الجزء: 6 - الصفحة: 3132

................................  ومنها: أنه قال: وقد يجاء بـ «لئن» بعد ما يغنى عن الجواب؛ فيحكم بزيادة اللام، وقال في الشرح: وقد يستغنى بعد «لئن» عن جواب لتقدم ما يدل عليه فيحكم بأن اللام زائدة وأنشد: 2844 - قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا وقول الآخر: 2845 - فلا يدعني قومي صريحا لحرّة... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر ولم يزد على ذلك، فإنه لا يعلم من كلامه هذا أي جواب أراد لكنه صرح في شرح الكافية بأن لا قسم في مثل هذه الصورة فقال: وقد يجاء بـ «لئن» والقسم غير مراد كقول عمر بن أبي ربيعة: 2846 - ألمم بزينب......... البيت وكالذي أنشده الفراء: فلا يدعني قومي......... البيت الآخر 316 وإذا كان الأمر كما أشار إليه فلم يجتمع شرط وقسم، وليس ثمّ إلا شرط فقط، وعلى هذا فالواجب ألا يتعرض إلى ذكر هذه المسألة في هذا الباب - أعني باب القسم - وإنما كان الواجب أن تذكر في باب إعراب الفعل عن ذكر أدوات الشرط.
فيقال: وقد يؤتى بلام زائدة قبل «إن» الشرطية إن كان الجواب محذوفا مدلولا عليه بما قبل أداة الشرط، وكان الحامل له على ذكر هذه المسألة هنا المشاكلة الصورية للام الموطئة.
ثم اعلم أن ابن عصفور لما تكلم على اجتماع القسم والشرط، وتقدّم القسم عليه، قال 317: وأنت في إدخال اللام على أداة الشرط بالخيار فمن إدخالها عليها قوله تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ 318، ومن إسقاطها قوله -

الحديث: 2844 - الجزء: 6 - الصفحة: 3133

................................  تعالى: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ 319، ثم قال: وهذه اللام الداخلة على أداة الشرط في مذهب البصريين زائدة للتأكيد، وموطئة لدخول اللام على الجواب، ودالة على القسم إذا حذف، وليست التي يتلقى بها القسم، بدليل جواز سقوطها وأيضا بدليل قول كثير: 2847 - لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها إذا لا أقيلها 320 فرفع «أقيلها» يدل على اعتماد القسم عليه، ولو كانت لام «لئن» هي جواب القسم لا نجزم «لا أقيلها» كما تقول: (إن تقم) 321 إذا لا أقم، ومما يدل على أن هذه اللام الداخلة على أداة الشرط موطئة لدخولها على الجزاء وجعله جوابا للقسم ودالة عليه إذا حذف - أن الفعل الواقع جوابا للقسم المحذوف إذا كان منفيّا لم يجز حذفها إذ ذاك؛ لأنها لو حذفت لم يكن في اللفظ ما يدل على القسم المحذوف، فإذا وجد من كلام العرب: إن قام زيد لا يقوم عمرو؛ لم يحمل على القسم بل لا بد من إدخال اللام على أداة الشرط إذا أريد به معنى القسم كما جاء في بيت كثير، وكقوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ 322. قال أبو علي: فإن قلت: كيف تدخل هذه اللام موطئة لدخولها على الجزاء وهي تدخل على «إن» حيث لا تدخل اللام على الجزاء كقوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ؟ قيل: إنما دخلت؛ لأن الجزاء قد دخله ما يقوم مقام اللام في المعنى، ألا ترى أنه لا يتلقى بها القسم كما يتلقى باللام، فإذا كان كذلك كان دخول «لا» كدخول اللام؛ فجاز دخول اللام على الشرط لدخول «لا» كما جاز دخوله مع دخول اللام 323. وزعم الفراء أن اللام لما دخلت على الشرط أجيب بجواب القسم 324، وذلك فاسد؛ لأن الجواب معتمد على القسم كما تقدم، ثم ذكر 325 أبي علي بحثا مع الفراء يقتضي إبطال ما ادعاه فتركت إيراده؛ لأنني لم أتحققه.
-

الحديث: 2847 - الجزء: 6 - الصفحة: 3134

[من أحكام أسلوب القسم]

قال ابن مالك: ([فصل]: لا يتقدّم على جواب قسم معموله إلّا إن كان ظرفا أو جارّا ومجرورا، ويستغنى للدّليل كثيرا بالجواب عن القسم، وعن الجواب بمعموله، أو بقسم مسبوق ببعض حروف الإجابة والأصحّ كون «جير» منها، لا اسما بمعنى: حقّا، وقد تفتح راؤها وربّما أغنت هي «ولا جرم» عن لفظ القسم مرادا [4/ 61] وقد يجاب بـ «جير» دون إرادة قسم).
ومنها: أنت قد عرفت أن اللام الموطئة قد لا تذكر لفظا مع أن القسم غير مذكور أيضا كقوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ 326 وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلا؛ فجاء الشيخ ونقل كلام ابن عصفور هذا ثم قال: وينبغي أن يقيد قول المصنف: (ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلا) بهذه المسألة؛ إذ يجب إثباتها، وذلك إذا كان الفعل الواقع جوابا منفيّا بـ «لا» 327. انتهى.
يعني أن ابن عصفور قد قال: إن الفعل الواقع جوابا للقسم المحذوف إذا كان منفيّا لم يجز حذف اللام، بل لا بد من ذكرها كقوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ 328، ولا شك أن المصنف لا يلزمه التقييد المذكور؛ لأن الشيء إذا لم يدل عليه دليل لا يجوز حذفه، ومعلوم أن الفعل المنفي بـ «لا» لا يتعين كونه جوابا للقسم فإذا لم يكن معنا ما يتعين كونه جوابا والغرض أن القسم غير مذكور، ولكننا إذا أردنا القسم فإذا لم نذكر اللام الموطئة فمن أين يعلم أن القسم مراد؟ فكان ذكرها واجبا.
فقول المصنف: ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلا محمول على أن يوجد دليل دالّ على القسم، وإذا كان الواقع موقع الجواب فعلا منفيّا بـ «لا» حينئذ كانت الدلالة على القسم منفية؛ فتصير المسألة إذ ذاك ممتنعة بنفسها.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: إن تعلق بجواب القسم جار ومجرور أو ظرف -

الجزء: 6 - الصفحة: 3135

................................  جاز تقديمه عليه كقوله تعالى: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ 329، وكقول الشاعر: 2848 - رضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا... بأسحم داج عوض لا نتفرّق 330 وإن تعلق به مفعول لم يجز تقديمه فلا يجوز في: والله لأضربن زيدا: والله زيدا لأضربن، ويستغنى عن القسم بجوابه كثيرا إذا دل عليه دليل كوقوعه بعد «لقد»، أو بعد «لئن»، أو مصاحبا للام مفتوحة ونون توكيد، ويستغنى عن الجواب بمعموله كقوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ 331، أي: لتبعثنّ يوم ترجف الراجفة، ويكثر الاستغناء عن الجواب بقسم مقرون بأحد حروف الإجابة وهي: «بلى، ولا، ونعم»، ومرادفاتها: «إي وإن، وأجل، وجير» كقوله تعالى: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا 332، وكقولك لمن قال: أتفعل كذا؟ لا والله، ونعم والله، وإي والله، وإن والله، وأجل والله، وجير والله، وزعم قوم أن جير اسم بمعنى: «حقّا»، والصحيح أنها حرف بمعنى: «نعم»؛ لأن كل موضع وقعت فيه «جير» يصلح أن تقع فيه «نعم» وليس كل موضع وقعت فيه يصلح أن تقع فيه «حقّا» فإلحاقها بـ «نعم» أولى، وأيضا فإنها أشبه بـ «نعم» في الاستعمال ولذلك بنيت، ولو وافقت «حقّا» في الاسمية لأعربت ولجاز أن يصحبها الألف واللام كما أن «حقّا» كذلك، ولو لم تكن بمعنى: «نعم» لم يعطف عليها في قول بعض الطائيين: 2849 - أبي كرما لا آلفا جير أو نعم... بأحسن إيفاء وأنجز موعد 333 ولا أكدت «نعم» بها في قول طفيل الغنوي 334: 2850 - وقلن على البرديّ أوّل مشرب... أجل جير إن كانت رواء أسافله 335

الحديث: 2848 - الجزء: 6 - الصفحة: 3136

................................  ولا قوبل بها «لا» في قول الراجز: 2851 - إذا تقول لا ابنة العجير... تصدق لا إذا تقول جير 336 فهذا تقابل ظاهر، ومثله في التقدير قول الكميت: 2852 - يرجون غيري ولا يخشون بادرتي... لا جير لا جير والغربان لم تشب 337 أراد: لا يثبت مرجوهم نعم تلحقهم بادرتي، وقريب منه اجتماع «أجل» و «لا» في قول ذي الرمة: 2853 - ترى سيفه لا تنصف السّاق نعله... أجل لا ولو كانت طوالا محامله 338 وقد يستغنى بـ «جير» عن لفظ القسم وهو مراد كقول الشاعر: 2854 - قالوا قهرت فقلت جير ليعلمن... عمّا قليل أيّنا المقهور 339 وحكى الفراء أن العرب تقول: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت؛ يريد أنهم يستغنون بها عن القسم قاصدين بها معنى «حقّا».
وقد يجاب بـ «جير» دون قسم مراد كما يجاب بأخواتها إلا «إي» فلا أعلم استعمالها إلا مع قسم.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
ولنذكر المباحث المتعلقة به: فمنها: أن الشيخ قال: إن المصنف قد أطلق في جواب القسم - يعني في إجازة تقديم معموله عليه إن كان ظرفا أو جارّا ومجرورا - قال: وجواب القسم إن كان بـ «ما» - - بنسبته لمضرس الأسدي، والمغني (ص 129)، والهمع (2/ 44، 72).

الحديث: 2851 - الجزء: 6 - الصفحة: 3137

................................  أو بـ «أن» فلا يجوز أن يتقدم المعمول عليهما، فإذا قلت: والله ما يقوم زيد الآن أو في البيت، أو: والله إن زيدا قائم الآن أو في البيت؛ لم يجز تقدم «الآن» ولا «في البيت» على «ما يقوم» ولا على «إن زيدا قائم»، وإن كان بـ «لا» داخلة على المضارع ففي المسألة خلاف؛ منهم من أجاز تقديم المعمول مطلقا من ظرف ومجرور ومفعول عليه، ومنهم من منع ذلك مطلقا وهو الصحيح، وإن كان باللام داخلة على جملة اسمية؛ فلا يجوز التقديم أيضا، [هذا نص أصحابنا]، وإن كان ما دخلت عليه اللام مضارعا فالنص من أصحابنا أنه لا يجوز مطلقا، وقد أجاز هذا المصنف ذلك مستدلّا بقوله تعالى: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ 340 انتهى.
وأقول: وأما قوله: إن المصنف أطلق في جوابه القسم؛ لأنه إن كان بـ «ما» أو بـ «إن» فلا يجوز تقديم المعمول عليهما - يعني على «ما» وعلى «إن» - فكلام عجيب؛ لأن كلام المصنف في تقديم معمول الجواب على الجواب لا على ما صاحبه.
ولا شك أن المثالين اللذين ذكرهما لا يمتنع فيهما التقديم فيجوز أن يقال: والله ما الآن يقوم زيد وو الله ما في البيت يقوم زيد، وأما التقديم على «ما» فمسألة أخرى معلومة الحكم، وكذا القول في: والله إن زيدا قائم الآن، وو الله إن زيدا قائم في البيت.
وأما التقديم على لام القسم - أعني تقديم معمول عامل مقرون باللام المذكورة - فقد علم من كلام المصنف في غير هذا الموضع أنه غير جائز، وتقدم له ذكر ذلك في باب تعدي الفعل ولزومه، وباب الحال 341 فهو أمر مقرر معلوم على أنه لم يتعرض للتقديم على اللام هنا فيرد عليه أنه أطلق، أو لم يطلق.
وأما التقديم على اللام المصاحبة للمضارع، وأن الجماعة - أعني المغاربة - لا يجيزون وأن المصنف أجاز ذلك؛ فلا شك أن المصنف استدل على ما ذكره بما جاء في الكتاب العزيز، وما استدل به ظاهر الدلالة على مدعاه لا مدفع له، ومنع الجماعة التقديم صحيح، ولكن مرادهم تقديم المفعول الصريح أما تقديم الظروف -

الجزء: 6 - الصفحة: 3138

................................  والمجرورات فقد لا يمنعونه؛ لأن من المعلوم أنها يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها كما كان ذلك في أكثر أبواب علم العربية.
ومنها: أن المصنف ذكر أنه يستغنى للدليل بالجواب عن القسم، وعن الجواب بمعمول أو بقسم مسوق ببعض حروف الإجابة.
أما الاستغناء بالجواب [4/ 62] عن القسم لدليل؛ فقد ذكر أن الدليل وقوعه بعد «لقد»، أو بعد «لئن»، أو مصاحبا للام مفتوحة ونون توكيد.
وكلام ابن عصفور موافق لكلامه، إلا أنه أهمل ذكر «لئن»، ولكنه ذكر من الأدلة أيضا أن نحو: إن زيدا لقائم.
ولم يظهر لي ذلك؛ لأن هذا التركيب يجوز الإتيان به من غير قسم، وتكون اللام المصاحبة للخبر هي لام الابتداء كما هو مقرر في باب «إن»، وإذا كان كذلك؛ فأين الدالّ على القسم ليدعى أنه مراد وحذف؟! ويقوي ما ذكرته أن الشيخ قال: وقد اختلف في نحو قولك: لزيد منطلق، فالمنقول عن البصريين أن اللام ليست لام قسم بل لام ابتداء، وقال الكوفيون: هي لام قسم بدليل دخولها على الفضلة كقولك: لطعامك زيد آكل 342. والجواب: أنه إنما جاز ذلك؛ لأنه في حيز الخبر؛ إذ كان معموله متقدما عليه؛ فكأنها داخلة على المبتدأ.
وقد عرف من كلام الرجلين أنه لا يجوز حذف القسم إذا كان الجواب متلقى بغير ما ذكر؛ كأن يكون متلقى بـ «ما» أو «لا» أو بـ «إن»؛ لأن القسم لو حذف حينئذ لم يكن عليه دليل.
وهذا واضح.
وأما الاستغناء عن الجواب؛ فقد ذكر أنه يكون بأحد شيئين: إما بمعموله، وإما بقسم مقرون بأحد حروف الإجابة.
أما الأول: فقد عرفت أنه استدل عليه بقوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ 343، وهو استدلال ظاهر، غير أن الشيخ قال: ولا يتعين ما قاله؛ إذ يجوز أن يكون جواب وَالنَّازِعاتِ 344 [قوله]: (لتبعثن) حذف لدلالة ما بعده عليه، ويكون يَوْمَ تَرْجُفُ -

الجزء: 6 - الصفحة: 3139

................................  منصوبا بقوله تعالى: تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ 345، قال: ويجوز أن يكون منصوبا بقوله تعالى: واجِفَةٌ من قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ 346، وكرر يَوْمَئِذٍ توكيدا.
قال: ويحتمل أن يكون جواب القسم [قوله] قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ وحذفت اللام لطول الكلام، ويكون يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ 347 اعتراضا بين القسم وجوابه 348، قال: ويجوز أن يكون معمولا لـ «واجفة» وسهّل تقديمه كونه ظرفا، وكون اللام التي هي في الجواب محذوفة 349. انتهى.
والناظر إذا تأمل هذه التخريجات التي ذكرها الشيخ علم أن الذي قاله المصنف أمثل، وأمتع، وأرجح.
وأما الثاني وهو القسم المقرون بأحد حروف الإجابة كقوله تعالى: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا 350؛ فظاهر كلام المصنف أن الدالّ على الجواب هو القسم المقرون بحرف الجواب؛ لأنه قال: إن الاستغناء عنه حصل بذلك وهو غير ظاهر؛ فإن الدالّ على الجواب إنما هو الكلام المتقدم من المستفهم، فإذا قيل: أتفعل كذا؟ فقلت: نعم والله، أو: لا والله؛ فالتقدير: نعم والله لأفعلن، وو الله لا أفعل، فالمحذوف في كلام القسم هو المذكور في كلام المستفهم، والآية الشريفة الأمر فيها كذلك؛ فالتقدير: قالوا: بلى وربنا لهذا الحق.
وهذا ما ذكره المصنف.
وأما ابن عصفور فإنه قال 351: ولا يجوز حذف جواب القسم إلا إذا توسط بين شيئين متلازمين كما تقدم - ويعني بالمتلازمين: الشرط وجوابه، والمبتدأ والخبر، والموصول والصلة - أو جاء عقب كلام يدل على الجواب نحو: زيد قائم والله، فحذف جواب القسم لدلالة «زيد قائم» عليه.
قال: ولذلك جعل سيبويه «ذا» من قول العرب: لا هاالله ذا؛ خبر ابتداء مضمر 352 كأنه قال: لا هاالله للحق ذا؛ والجملة التي هي «للحق ذا» جواب القسم، ولم يجعل «ذا» صلة لله تعالى كما ذهب إليه الأخفش 353 كأنه قال: لا هاالله الحاضر؛ فإنه يؤدي إلى حذف جواب -

الجزء: 6 - الصفحة: 3140

................................  القسم غير متوسط ولا عقيب كلام يدل على الجواب.
انتهى.
وفي شرح الشيخ: قالت العرب: لا هاالله ذا، فالخليل يجعل «ذا» من جملة ما أقسم عليه 354 والتقدير: للأمر ذا، والأخفش يجعله توكيدا للقسم كأنه قال: ذا قسمي.
ويدل على صحة هذا القول ذكر المقسم عليه بعد «ذا» فيقولون: لا هاالله ذا لكان كذا، وإتيانهم بعده بالمقسم عليه نفيا، ولو كان هو المقسم عليه لم يكن مطابقا وأنشد سيبويه: 2855 - تعلّمن ها لعمر الله ذا قسما... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك 355 أي: لعمر الله للأمر ذا أقسم قسما، فتأكيد القسم بعده يدل على أنه المحلوف عليه 356. وقال الأستاذ أبو علي: وأما قولهم: «ذا»، فزعم غير الخليل أنّ «ذا» من جملة ما أكد المقسم به أي: هذا ما أقسم به، فإن جاء بعده جواب صحّ هذا القول، وإن لم يجئ عنهم أصلا صحّ قول الخليل.
وتلخيصه: أن أصل الكلام: أي والله للأمر هذا، ثم حذف حرف القسم، وقدمت «ها» من «هذا» كما قدمت في «ها أنا ذا»، وحذفت لام القسم مع المبتدأ وإن كانت لا تحذف وحدها، وهذا له نظائر يحذف الشيء الذي لا يجوز حذفه مفردا إذا حذف مع ما يسوغ حذفه نحو قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ 357، وهذا مذهب الخليل 358. انتهى.
وذكر ابن أبي الربيع: أن «ها» في بيت زهير يجوز لك أن تجعلها التي توجد مع اسم الإشارة ثم إن الشاعر فصل بينهما بالقسم وكان الأصل: لعمر الله هذا، -

الحديث: 2855 - الجزء: 6 - الصفحة: 3141

................................  ثم قدم «ها» على القسم 359، قال: وعلى هذا الوجه أخذه الخليل وهو حسن، ولك أن تجعلها للتنبيه دون أن تلحظ أنها التي مع اسم الإشارة كما هي في قول النابغة: 2856 - ها إنّ ذي عذرة [إن لم تكن نفعت... فإنّ صاحبها قد تاه في البلد] 360 فهي ههنا تنبيه، ولا يجوز أن يكون الأصل: هذي، ثم قدمت؛ لأن «إن» لها الصدر فلا يتقدم ما في حيزها، وقد تقدم لنا من كلام ابن عصفور.
ومنها: أن المصنف [4/ 63] جعل «جير» من حروف الإجابة وقال: إنه الأصح - يعني القول بحرفيتها - ولا شك أن القائل باسميتها يجعلها من الكلمات المقسم بها، وقد تقدم لنا ما ذكرناه عن ابن عصفور وهو قوله - بعد ذكر الأسماء التي يقسم بها وهي: لعمر الله، وايمن الله، وأمانة الله، وما لزم الرفع منها، وما لم يلزمه -: وأما «عوض» و «جير» فمبنيان يجوز أن يحكم على موضعهما بالنصب، وبالرفع.
وقد قال الشيخ في الارتشاف 361: وأما «جير» فمذهب سيبويه أنها اسم 362، وقد تفتح راؤها، وقد ذهب قوم إلى أنها حرف من حروف الإجابة، وقيل: هي مصدر والمعني: حقّا لأفعلن، وبنيت لقلة تمكنها؛ لأنها لا تستعمل إلا في القسم ثم قال: وما ذكره الزجاجي من أن «عوض» يستعمل في القسم 363 مذهب كوفي والبصريون لا يعرفون القسم به.
قال: وقال صاحب الملخص 364: يعوض من القسم «عوض» وهو اسم مبني على الضم لقطعه عن الإضافة، أو على الفتح؛ لأنه أخف، ولا يقال: عوض والله لأفعلن، وإن جاء فقليل وهو الأصل، وفيه الجمع بين العوض والمعوض عنه.
انتهى.
ولا شك أن «عوض» ظرف من ظروف الزمان؛ فكيف يقسم بها؟! إلا أن يكون -

الحديث: 2856 - الجزء: 6 - الصفحة: 3142

................................  اللفظ مشتركا بين المعنيين؛ فذاك شيء آخر، وأما «جير» فقد تقدم استدلال المصنف على حرفيتها بأمور ولم يطعن الشيخ في شيء منها.
وإنما شنع على المصنف بأنه جهل كلام سيبويه فيها أنها اسم لقوله في الشرح: وزعم قوم، وجرى معه في ذلك على عادته المعروفة.
وبعد ذلك كله فقد قال: والذي يظهر أنها من حروف الإجابة؛ للدلائل التي استدل بها المصنف 365، وأما قول الشيخ في «جير» 366: وقيل: هي مصدر، والمعنى: حقّا لأفعلن؛ فالظاهر أن هذا ليس قولا ثالثا فيها، وإنما القائل باسميتها وأنها يقسم بها يقول: معناها «حقّا»، ولا شك أن «حقّا» يقسم به؛ فكما يقسم بقولنا: «حقّا» يقسم بما هو بمعناه فهي إما حرف إجابة، أو اسم بمعنى حقّا كما قال المصنف.
والقائلون بأنها اسم قالوا: إنما بنيت لقلة تمكنها؛ لأنها لا تستعمل إلا في القسم بخلاف «سبحان»؛ لأنها تخص باب التعظيم، بل قد توجد تعجبا وإنكارا.
وقد استدل على اسميتها بتنوينها.
قال أبو علي الشلوبين: ويمكن أن يكون التنوين فيها جاء شاذّا كمجيء التنوين في اسم الفعل في الخبر في قولهم: قدإ لك، بكسر الهمزة، وأيضا فيمكن أن يكون من تنوين الترنم الذي يلحق القوافي عوضا من ياء ولا بد منها في الوزن 367. ومنها: قول المصنف: وربما أغنت هي و «لا جرم» عن لفظ القسم؛ فإن فيه كلاما.
أما كون «جير» أغنت عن لفظ القسم؛ فغير ظاهر إن أريد بإغنائها عنه أنها قامت مقامه وهو الظاهر؛ لأنا نقول في قول الشاعر: 2857 - قالوا قهرت فقلت جير ليعلمن... عمّا قليل أيّنا المقهور 368 إن القسم مقدر بعد «جير» أي: جير والله ليعلمن.
فقد عرفنا من كلامه أن القسم يستغنى عنه بجوابه إذا دل عليه دليل.
ولا شك أن الدليل هنا كلمة «جير» فإنها إنما تستعمل مع القسم ولا تستعمل دونه إلا قليلا، وإذا كان كذلك فلم تغن «جير» عن -

الحديث: 2857 - الجزء: 6 - الصفحة: 3143

................................  القسم؛ لأن القسم مقدر والمقدر في حكم الموجود.
وأما «لا جرم» فأراد المصنف أن بعض العرب يستغني بها عن القسم، قال الشيخ: قاصدين بها معنى «حقّا» 369. وإذا كان معناها: «حقّا» فهي قسم لا مغنية عن قسم؛ لأن «حقّا» يقسم به، قال الشيخ: وقد صرح بعض الأعراب بالقسم مع «لا جرم».
قال لمرداس: لا جرم الله لأفارقنّك 370 قال: فأما قوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ 371 فـ (لا) عند الخليل وسيبويه رد، و (جرم) فعل فاعله (أن) وما بعدها 372، وقال الكوفيون: (لا) نافية و (جرم) اسم «لا»، و «أن» على تقدير: من 373. وأما قول المصنف: وقد يجاب بـ «جير» دون إرادة قسم، فشاهده قول الشاعر: 2858 - وقائلة أسيت فقلت جير... أسيّ إنّني من ذاك إنّه 374 وأما «إي» فقد وافق الشيخ المصنف على أنها لا يعلم استعمالها إلا مع قسم 375. ثم قد بقي الكلام على مسائل ثلاث: الأولى: إذا جاء في كلام مثل: وزيد وعمرو وخالد لأقومنّ.
قال ابن عصفور: فينبغي أن تجعل الواو الأولى حرف قسم وما بعدها حرف عطف؛ فيكون القسم واحدا فيحتاج إلى جواب واحد فيكون «لأقومن» الجواب، ولو جعلت كل واو حرف قسم ولم تقدرها للعطف لكان «لأقومن» جوابا لقسم واحد منها وبقي سائرها بلا جواب فيحتاج أن يقدر لكل واحد من الأقسام 376 الباقية جوابا محذوفا، وإذا أمكن حمل الكلام على ألا يكون فيه حذف كان أولى، ومثل ذلك قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (1) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها الآية الشريفة 377 [قال] 378 ابن هشام -

الحديث: 2858 - الجزء: 6 - الصفحة: 3144

................................  الخضراوي: ولا يردف قسم على قسم فيجاب أحدهما وقوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها 379 [و] وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (1) وَالنَّهارِ [إِذا تَجَلَّى] 380، [و] وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى 381 هي عند الخليل وسيبويه عاطفة 382. وتقول: وحقك حق فلان لأقومن كما تقول: إن تخرجي وإن تدخلي البيت فأنت طالق، ولا يجوز بغير حرف عطف، وقال أبو علي: لم يجز سيبويه إدخال قسم على قسم 383، وليس هذا من ذلك على أنه قد قال: 2859 - ولقد علمت لتأتينّ منيّتي... [إنّ المنايا لا تطيش سهامها] 384 وقال السيرافي: لا يفصل بين القسم وجوابه ولا يبقى الأول بلا جواب 385، وكذا قال أبو علي في «الحلبيات» 386؛ فلزم من ذلك بقاء الاسم بلا جواب، وهذا أيضا لا يصح لأنه يصح أن يكون الجواب الأول ويحذف جواب ما بعده، كما تقول: والله إن قمت لأضربنك، وإن تقم والله أضربك 387 فلو كانت [4/ 64] الآي على تكرير القسم لكانت بحرف العطف ولا يصح ادعاء حذفه؛ لأن ذلك قليل لا يقال، وتقول: والله ثم الله لأفعلن كذا، وو الله فالله لأفعلن؛ فإن قلت: والله لأضربنك ثم الله لأخرجنك؛ جاز النصب والخفض، فإن قلت: ثم لأخرجنك الله؛ لم يجز إلا النصب أو تقول: ثم لأخرجنك والله، ولا تعطفه على ما تقدم؛ لأن حرف العطف بمنزلة حرف الجر لما ناب منابه، ولا يفصل بين حرف الجر ومعموله ولو جاء لكان على إضمار حرف الجر بلا عوض ولا يراه سيبويه إلا فيما سمع 388 ولم يجئ إلا في هذه الكلمة خاصة كقوله: -

الحديث: 2859 - الجزء: 6 - الصفحة: 3145

................................  2860 - ألا ربّ من تغتشّه لك ناصح... ومن قلبه لي في الظّباء السّوانح 389 وغيره من الأسماء إنما جاء فيه مع حذف حرف القسم النصب كما أنشد المفضل والفراء: 2861 - أقول لبوّاب على باب دارها... أميرك بلّغها السّلام وأبشر 390 وأنشد أيضا: 2862 - أقول لقاسم والله عوني... حياة أبيك لي حملا ظهيرا 391 وفي شرح الشيخ: قال الخليل: إن العرب لا تقول: بالله بالنبي لأفعلن كذا، فلا تأتي بقسم حتى توفّي الأول فتقول: بالله لأفعلن بالكعبة لأفعلن» 392. وقال الأستاذ أبو علي: ملخص كلام الخليل أنه لا يجتمع مقسم بهما إلا أن يكون الثاني هو الأول على التوكيد، ودليله أنا إذا قلنا: وحقك وحق زيد لأفعلن كذا، إذا لم تجعل الواو عاطفة فهو يحتمل وجوها أربعة: الأول: أن يجعل «وحق زيد» توكيد الجملة المقسم بها، وهو فاسد؛ لأنه ليس توكيدا لفظيّا ولا معنويّا.
والثاني: أن يجعله متعلقا بمحذوف والجملة توكيد بجملة المقسم به، وفيه تأكيد الشيء قبل أن يتم ولا يؤكد الشيء ولا يحمل عليه شيء من الأشياء إلا بعد استقلاله.
والمؤكد هنا هو جملة القسم والجواب؛ فهما في هذا القصد كالمفرد فلا يؤكدان حتى يتمّا ويتقدّما والفصل بينهما بالتأكيد كالفصل بين أجزاء المفرد، وذلك لا يجوز.
والثالث: أن تجعلهما جملتين منقطعتين لكن جوابهما واحد وهو واضح الفساد؛ إذ كل قسم لا بد له من جواب؛ لأنهما منقطعان ليس الثاني تأكيدا للأول.
والرابع: أن تقدرهما جملتين ولكل واحد جواب إلا أنه حذف جواب -

الحديث: 2860 - الجزء: 6 - الصفحة: 3146

................................  أحدهما، وأكدت بإحداهما الأخرى بعد أخذ الجواب ولا يخلو في هذا الوجه أن يجعل جواب الأول هو المحذوف والذي في اللفظ جواب الثاني أو تعكس، فإن قدرت الأول ففيه مضعفان: حذف الأول لدلالة الثاني وليس مطردا، فإنه كالإضمار فليس إلا في نحو أبواب الاشتغال، وبالجملة فهو لا ينبغي؛ إذ لا يحذف الشيء حتى يكون قد علم.
والمضعف الثاني: التأكيد مع الحذف وهما متنافيان.
فقد امتنع أن تكون الواو هنا واو قسم على الوجوه الثلاثة من كل وجه، وعلى الرابع يضعف ويكون شاذّا فلم يبق إلا العطف، ولهذا الرابع تعرض الخليل أن يتكلم عليه وضعفه، فتدبره لأن الآخر بيّن (الفساد) 393. انتهى؛ يعني كلام الشلويين رحمه الله تعالى.
وقد علم منه أنّ كون الواو في: «وحق زيد» من قولنا: وحقك وحق زيد لأفعلن واو قسم كالتي قبلها ضعيف، وكذا يعلم ذلك من قول ابن عصفور: فينبغي أن تجعل الواو الأولى حرف قسم وما بعدها حرف عطف: أن كونها حرف قسم كالأولى لا يمتنع رأسا.
وأما عبارة الخليل في المسألة فلم أر الجماعة ذكروها، وقد أورد الزمخشري في الكشاف بأنه قال: فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ «صاد، وقاف، ونون» مفتوحات؟ 394. قلت: الوجه أن يقال ذلك نصب وليس بفتح، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف وانتصابها بفعل مضمر نحو: اذكر، فإن قلت: فهلا زعمت أنها مقسم بها، وأنها نصبت نصب قولهم: نعم الله لأفعلن، وإي الله لأفعلن على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم.
قلت: إن «القرآن» و «القلم» 395 بعد هذه الفواتح محلوف بهما، فلو زعمت ذلك لجمعت بين قسمين على مقسم عليه واحد وقد استكرهوا -

الجزء: 6 - الصفحة: 3147

................................  ذلك 396. قال الخليل في قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (1) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى 397 وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (2) الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنها الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء.
قال سيبويه: قلت للخليل: فلم لا تكون الأخريان بمنزلة الأولى؟ فقال: إنما أقسم بهذه الأشياء على شيء [واحد] 398، ولو كان انقضى قسمه بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاما آخر فيكون كقولك: بالله لأفعلن، [و] بالله [لأخرجن] 399 اليوم، ولا يقوى أن تقول: وحقك وحق زيد لأفعلن، والواو الأخيرة واو قسم لا يجوز إلا مستكرها 400. قال: وتقول: وحياتي ثم حياتك لأفعلنّ فـ «ثمّ» هنا بمنزلة الواو 401. انتهى.
المسألة الثانية: إذا أخبرت عن قسم غيرك، فلك أن تقول: أقسم زيد ليضربن عمرا ولك أن تحكي تقول: لأضربن قال الله تعالى (في كتابه العزيز) 402: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ 403، وقال تعالى: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى 404. المسألة الثالثة: الاستحلاف يجري مجرى اليمين إلا أنّ فاعل الفعل في جواب اليمين يكون على حسب الفاعل من غيبة، وخطاب، وتكلم [4/ 65] نحو: والله ليقومن زيد، والله لتقومن، والله لأقومن، وأما في الاستحلاف فتجوز المخالفة فيجوز أن يقال: أستحلفه (ليفعلن) 405، ولأفعلن في الغائب، واستحلفتك لتفعلن، ولأفعلن في المخاطب، واستحلفني لأفعلن 406 في المتكلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 3148

شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»

تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة 778 هـ

دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)

[المجلد السابع]

الجزء: 7

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل