الباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيه
[تعريف الظرف - نوعاه]
قال ابن مالك: (وهو ما ضمّن - من اسم وقت أو مكان - معنى «في» باطّراد لواقع فيه مذكور أو مقدّر ناصب له).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: ما ضمن معنى في يتناول الحال والظرف، ونحو السهل والجبل من قول العرب: مطرنا السّهل والجبل 2، فخرج الحال بقولي: من اسم وقت أو مكان، وخرج السهل والجبل ونحوهما بقولي: باطراد، فإنه لا يقاس عليهما، إذ لا يقال: مطرنا القيعان والتّلول، ولا أخصبنا السهل والجبل، بل يقتصر على ما سمع، ولا يزاد عليه إلا ما يحصل بسماع ممن يوثق به بخلاف المنصوب على الظرفية نحو: جلست أمامك، فإنه مطّرد لجواز أن يخلف فيه الفعل والاسم غيرهما 3 ولا يتناول أيضا قولي: ما ضمن معنى «في» ما نصب بدخل من مكان مختص، وخرج بذكر الاطراد، فإن المطرد لا يختص بعامل دون عامل، ولا باستعمال دون استعمال، فلو كان نصب المكان المختص بدخل على الظرفية لم ينفرد به «دخل»، بل كان يقال: مكثت البيت، كما يقال:
دخلت البيت، وكان يقال: زيد البيت، فينتصب بمقدر كما يفعل بما تحققت ظرفيته، لأن كل ما ينتصب على الظرفية بعامل ظاهر، يجوز وقوعه خبرا، فينصب بعامل مقدر 4؛ ولذا قال سيبويه - بعد أن مثل بقلب زيد الظّهر والبطن، ودخلت البيت، وليس المنتصب هنا بمنزلة الظروف؛ لأنك لو قلت: [2/ 398] هو ظهره وبطنه، وأنت تريد مشى على ظهره وبطنه، لم يجز 5. هذا نصه.
وقد غفل عن هذا الموضع الشلوبين مع اعتنائه بجمع متفرقات الكتاب، وتبين -
الجزء: 4 - الصفحة: 1891
................................
بعضها ببعض 6، ونبهت بقولي: لواقع فيه ناصب له مذكور أو مقدر؛ على أن الظرف منصوب بما دل على المعنى الواقع فيه، وأن الدال على الواقع فيه، قد يكون مقدرا كما يكون مذكورا؛ فالمذكور غير ظاهر، والمقدر كالعامل فيما وقع خبرا، كزيد عندك 7. انتهى.
وفيه أبحاث:
الأول:
ناقش الشيخ المصنف في قوله: (ضمن)؛ قال: لأن مفهوم كلامه أن اسمي كل من الزمان والمكان يدل على معنى «في» بالتضمن، ولو كان كذلك لوجب بناء الاسم كما في أسماء الشرط والاستفهام 8، وهذا الذي ذكره الشيخ ما زالت الطلبة تلهج به ويستشكلون قوله في الألفية:
الظرف وقت أو مكان ضمنا... في باطراد كهنا امكث أزمنا
والذي يظهر أن يقال: إن أسماء الشرط وأسماء الاستفهام مثلا حال وضعها ضمنت معنى الحرف؛ فالتضمين حاصل لها قبل التركيب، وأما الاسم المستعمل ظرفا، فإنما تضمن معنى «في» بعد التركيب، أعني بعد استعماله ظرفا 9، وإذا -
الجزء: 4 - الصفحة: 1892
................................
كان كذلك فإنما تضمن الظرف معنى الحرف بانضمام العامل فيه إليه، فكأن الذي تضمن معنى «في» حينئذ إنما هو مجموع الكلمتين لا الظرف وحده، ومما يدل على ذلك أنه لا ينسب إلى الاسم المتضمن المذكور، حتى يكون ظرفا، أي منصوبا، ولا يكون منصوبا إلا بانضمام عامله إليه، وفي ظني أن هذا الذي قررته يستفاد من قول المصنف: (لواقع فيه)؛ ذلك أن اللام لا بد لها من متعلق، فهي إما أن تتعلق بمحذوف على أنها مع مدخولها صفة لقوله: (اسم وقت أو مكان) وهو بعيد، إذ لا فائدة لهذا الكلام، فتعين أن تتعلق بقوله: (ضمن)، واللام للتعليل؛ فيصير معنى كلامه بأنه ضمن معنى «في» من أجل الواقع فيه، والواقع فيه هو العامل؛ فكأن التضمين إنما حصل بانضمام العامل إليه، وإذا كان الأمر كما قرر، اندفع اعتراض المعترض بأن الظرف لو كان متضمنا معنى «في» للزم بناؤه.
وهذا الذي قررته في الظرف يتقرر بعينه في الحال، فإن المصنف قد قال: إن قوله: ما ضمن معنى «في» يتناول الحال، ولا شك أن الاسم الذي هو الحال إنما يتضمن معنى «في» حالة التركيب، أي حالة استعماله حالا، فالحال إنما تضمنت معنى «في» بانضمام أمر آخر إليها، وإذا كان كذلك، فإنما ينسب التضمن إلى مجموع الكلمتين، ومما يدل على أن المصنف لم يرد بالتضمين ما فهمه من اعترض عليه 10 من أنه أراد به ما يراد بالتضمن المعروف في أسماء الشرط والاستفهام، أنه قال في الكافية له: [2/ 399]
مكان او وقت حوى معنى في... ظرف كرح غدا مع الأشراف
فعبر بحوى، ولم يعبر بالتضمن، فعلم أنه لم يقصد معناه، وقال في شرح هذا:
المفعول فيه: ما نصب من اسم زمان أو مكان مقارن لمعنى في دون لفظها 11. فعبر بالمقارنة أيضا، وهذا يدل على عدم إرادة التضمن المصطلح عليه قطعا؛ وإذ قد عرفت أن المصنف قد عدل في غير هذا الكتاب عن لفظ «ضمن» إلى لفظ حوى أو قارن، فاعلم أن غيره يعبر بالتقدير أيضا فيقول: نصب الظرف على تقدير «في» 12. - - وهذا ما أجاب به ناظر الجيش هنا عن اعتراض أبي حيان.
الجزء: 4 - الصفحة: 1893
................................
ونكث عنه المصنف معللا ذلك بأن تقدير «في» يوهم جواز استعمال لفظ «في» مع كل ظرف، وليس الأمر كذلك؛ لأن من الظروف ما لا يدخل عليه «في» كعند ومع، وكلها مقارن لمعناها ما دام ظرفا؛ فكان ذكر المقارنة أجود 13. انتهى.
وقال الشيخ: لا يلزم من تقدير «في» جواز دخولها والتلفظ بها، وكم من مقدر لا يلفظ به نحو الفاعل في اضرب، ونحو الفعل الناصب للمنادى 14. انتهى.
والفرق ظاهر؛ فإن ما ذكره وضعه على أن لا يلفظ به، وأما الظرف فليس وضعه على أن لا تذكر «في» معه؛ إذ يجوز في «جلست اليوم» أن يقال:
جلست في اليوم، فلما كان الحرف المقدر مع الظرف قد يظهر وإن كانت الكلمة تخرج عند ذكره عن أن تكون ظرفا صناعيّا.
قال المصنف: لو قلت بتقدير «في» لأوهم ذلك أنه يجوز ظهورها كما في سائر الظروف، ثم إن المصنف جعل ذلك، أعني كون الاسم ضمّن معنى «في» أو حواه أو قارنه جزءا من أجزاء الحد، ولو جاز أن يذكر التقدير لجعله أيضا جزءا.
وأما غيره 15 فلم يدخل ذلك في الحد، وإنما قال بعد أن حد المفعول فيه بأنه: ما فعل فيه فعل مذكور، قال: وشرط نصبه تقدير «في» 16؛ فجعل تقدير في شرطا، وكان هذا أولى، واحترز في الحد بقوله: (مذكور) من نحو يوم الجمعة حسن، قال: فإنه مما يفعل فيه الفعل، ولكنه لم يفعل فيه فعل مذكور 17.
البحث الثاني:
قد عرفت أن المنتصب بعد «دخل» من الأمكنة المختصة ليس منصوبا على الظرف عند المصنف، لكنه لم يصرح بجهة نصبه، وقد قال في شرح الكافية بعد أن ذكر أن المكان المختص لا يتعدى إليه فعل، يعني أنه لا ينصبه على الظرفية إلا نادرا:
فإن كان الفعل المتعلق بالمكان المختص «دخل» جاز أن يتعدى إليه بنفسه لا على أنه ظرف له، بل على أنه مفعول به متعدى إليه بحرف جر، ثم حذف (الجر) 18 -
الجزء: 4 - الصفحة: 1894
................................
تخفيفا لكثرة الاستعمال، فوقع الفعل عليه ونصبه كما يتفق لغيره، ثم قال:
ولا يجوز الحكم على «دخل» بأنه متعدّ بنفسه إلى المكان المختص؛ لأنه لو تعدى بنفسه إلى المكان على أنه مفعول به لتعدى بنفسه إلى غير المكان، ولم يحتج معه إلى حرف الجر في [2/ 400] نحو قولهم: دخلت في الأمر 19. انتهى.
وأفهم كلامه أن من الناس من يقول: إنه متعد بنفسه، وذكر ابن عصفور أن ذلك هو مذهب الأخفش 20، ثم رد هذا المذهب بأمور:
1 - منها: أن دخل نقيض خرج، وخرج غير متعد، قال: والنقيض يجري كثيرا مجرى ما يناقضه.
2 - ومنها: أن نظير «دخل» عبر وهو غير متعد، قال: والنظير يجري كثيرا مجرى نظيره.
3 - ومنها: أن مصدره الدخول، والفعول في الغالب مصدر ما لا يتعدى.
4 - ومنها: أنك إذا قلت: دخلت البيت كان البيت محلّا للدخول والداخل، وهذا شأن الظرف أن يكون محلّا لهما، ولو كان مفعولا به لكان محلّا للفعل خاصة؛ كضربت زيدا، قال: وهذا الدليل قاطع بفساد مذهب الأخفش.
5 - ومنها: أنهم يقولون: دخلت في الأمر؛ فلا يصل إلى الأمور المعنوية إلا بفي، ثم قال: فلأي شيء لم يقولوا: أدخلت الأمر، كما قالوا: دخلت الدار؟
وأجاب بأن دخلت في الأمر مجاز؛ لأن الدخول إنما يتصور حقيقة في الأجسام، وحذف حرف الجر مجازا، فكرهوا التجوز بعد التجوز 21 انتهى.
وقد ثبت أن المذاهب في دخل من نحو: دخلت البيت ثلاثة:
1 - النصب على الظرف تشبيها للمكان المختص بغير المختص 22. -
الجزء: 4 - الصفحة: 1895
................................
2 - والنصب على أنه متعدّ في الأصل بحرف، ثم حذف الحرف اتساعا، فانتصب على المفعول به كما هو رأي المصنف، قيل: وهو مذهب الفارسي 23.
3 - والنصب على أنه متعدّ بنفسه، كما هو مذهب الأخفش 24.
واعلم أن الشيخ نازع المصنف فيما فهمه من قول سيبويه بعد أن مثل بقلب زيد الظهر والبطن، ودخلت البيت، وليس المنتصب هنا بمنزلة الظرف إلى آخره، فقال:
لا حجة له في ذلك على أن البيت بعد دخلت ينتصب نصب المفعول به؛ لأن انتصاب الظهر والبطن ليس على تقدير «في»؛ إنما هو على تقدير «على» والأصل: قلب زيد على ظهره وبطنه؛ ولذلك قال في امتناع أن ينتصب على الظرف: أنك لو قلت: هو ظهره وبطنه، وأنت تريد: مشيا على ظهره وبطنه لم يجز، فجعل المحذوف «على» ولم يجعل المحذوف «في»؛ لأن حذف «على» ووصول الفعل إلى المجرور بها فتنصبه لا يكون نصبه على الظرف، إنما هو مثل:
مررت زيدا، ولا ينقاس ذلك، قال: وقد نص سيبويه على خلاف ما ادعاه المصنف عليه، قال سيبويه - بعد أن ذكر تعدي الفعل إلى اسم المكان -: وقال بعضهم: ذهبت الشام، فشبهه بالمبهم، إذ كان مكانا، وكان يقع عليه المكان والمذهب، وهذا شاذ؛ لأنه ليس في «ذهب» دليل على الشام: وفيه دليل على المذهب والمكان، ومثل ذهبت الشام: دخلت البيت 25. انتهى.
قال الشيخ: فهذا نص على أن انتصاب البيت بعد دخلت، مثل انتصاب الشام بعد ذهبت [2/ 401] وهما من الأمكنة المختصة، وقد قال: إن من قال: ذهبت الشام، شبهه بالمبهم، وجعل دخلت البيت مثله 26، ثم قال: وقول المصنف:
وهذا عجيب من الشلوبين، ليس ذلك بعجيب، بل العجيب غفلته هو عن نص - - وشرح الألفية للمرادي (2/ 90، 91).
الجزء: 4 - الصفحة: 1896
................................
سيبويه الذي ذكرناه، ثم قال: وأين المصنف من رجل يقال: إنه ختم عليه كتاب سيبويه بحثا ونظرا نحوا من ستين مرة، ورحل إليه الناس من أقطار الأرض 27، لم يكن في عصره، بل في أعصار قديمة مثله 28. انتهى.
وأقول: أما الشلوبين فقد بلغ المصنف في تعظيمه ورفعة شأنه وإجلاله الغاية القصوى، حيث وصفه بالاعتناء بجمع متفرقات الكتاب وتبيين بعضها ببعض، فإن هذا يدل على أنه لم يشاركه في ذلك أحد، ولم يسبقه إليه، هذا وقد تقدمه سادات شرحوا الكتاب، ثم لم يثبت المصنف الذي وصف الشلوبين به لأحد غيره، وأما رده على المصنف بكلام سيبويه، فالمصنف إنما استدل على ما ادعاه بكلام سيبويه أيضا، وقول سيبويه: وليس المنتصب هنا بمنزلة الظروف بعد أن ذكر: قلب زيد الظهر والبطن، ودخلت البيت 29 صريح في عوده إلى ما تقدم، والقول بعوده إلى مسألة: قلب زيد الظهر والبطن خاصة، دعوى تخالف الظاهر والإنصاف أن يكون لسيبويه في نحو: دخلت البيت قولان، وكما غفل الشلوبين عن أحد النّصّين، غفل المصنف عن النص الآخر، فسبحان من لا تجوز عليه الغفلة!
وبعد، فقد عرفت بطلان مذهب الأخفش في هذه المسألة 30، وأما المذهبان الآخران، فالذي يظهر أرجحيته منهما مذهب المصنف، وذلك أن المكان المختص الواقع بعد دخلت، لو كان ينتصب على الظرفية لما جاز تعدي «دخل» إلى ضميره إلا بفي، على القاعدة المعروفة، وهي أنك إذا قلت: سرت يوم الجمعة، ثم قدمت اليوم، وسلطت الفعل على ضميره وجب أن نقول: يوم الجمعة سرت فيه، ولا يجوز: سرته، إلا إن اتسعت في الفعل، وقد عدي دخل إلى ضمير المكان المختصّ دون «في»، قال الله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً 31 وهذا دليل صريح على ما اختاره المصنف.
البحث الثالث:
قال ابن أبي الربيع: لو تعدى الفعل إلى المفعول فيه على حسب ما يطلبه لتعدى -
الجزء: 4 - الصفحة: 1897
................................
إليه بحرف الجرّ، ويجوز ذلك فيه، فتقول: جلست في يوم الجمعة، وركبت في يوم الخميس، ولا يكون حينئذ ظرفا، إنما يكون من قبيل ما يصل الفعل إليه بحرف الجر، ولا يسمي النحويون ظرفا إلا ما انتصب بالفعل على معنى «في» مما يكون زمانا أو مكانا، وإن كان المعنى واحدا، ولما فعل النحويون ذلك وفرقوا بينهما، وجعلوهما بابين، وسموهما باسمين لما فهموا من التفرقة بينهما، قال سيبويه: تقول العرب [2/ 402]: جلست وسط القوم، فتسكن السين ولا تفتحها، وإذا أدخلوا حرف الجر، فقالوا: جلست في وسط القوم، حرّكوا السين، كما يحركونها إذا كانت الكلمة مفعولا بها، أو دخل عليها غير «في» من حروف الجر، أو وقعت على وجه من وجوه الإعراب، ألا تراهم يقولون: ضربته وسطه، وجئت من وسط الدار، ومشيت إلى وسطها، ووسط الدار متسع، وأعجبني وسط هذه الدار، فانظر إلى تحريك السين في وسط إذا دخل عليه «في»، واستعمالها على حال واحدة في سائر مواضعها، فإذا أسقطوا حرف الجر خالفوا بلفظها وسكنوا سينها 32، وإنما ذلك والله أعلم؛ لأنها صارت عندهم من قبيل آخر.
البحث الرابع:
لم يتعرض المصنف في هذا الباب إلى ذكر ما يقوم مقام ظرف الزمان، ولا إلى ما يقوم مقام ظرف المكان، فينتصب انتصابهما، وكان الواجب ذكر ذلك كما فعل في باب المفعول المطلق؛ حيث ذكر ما يقوم مقامه، فينتصب انتصابه.
وبعد، فالذي ذكروا أنه يقوم مقام ظرف الزمان أربعة أشياء:
أحدها: صفته نحو: سير عليه طويلا، أي زمانا طويلا، فأقيمت الصفة مقام الموصوف بعد حذفه 33، قال ابن
عصفور: وجاز في صفة الظرف قيامها مقام الموصوف، وإن لم يكن من قبيل الصفات الخاصة به، ولا من قبيل الصفات المستعملة استعمال الأسماء، كما جاز ذلك في الصفة المنتصبة على الحال لشبه الظرف بالحال، من جهة أنه ينتصب على تقدير في، كما أن الحال ينتصب على -
الجزء: 4 - الصفحة: 1898
................................ معنى في، وجاز ذلك في الحال؛ لأن صاحبها هو الموصوف بها في المعنى، فاستغنت به عن موصوف تجري عليه لذلك 34. ثانيها: ما أضيفت إلى الظرف بشرط أن يكون المضاف هو اسم الزمان في المعنى أو بعضه نحو: سرت جميع الشهر، أو كل اليوم، وبعض الشهر، وبعض اليوم 35. ثالثها: ما أضيف إليه اسم الزمان، فيقام المضاف إليه مقامه بعد حذفه، والأكثر أن يكون المضاف إليه مصدرا بشرط أن يفهم تعيينا أو مقدرا نحو: كان ذلك خفوق النجم، أو صلاة العصر، وانتظرته نحر جزورين، وسير عليه ترويحتين 36، وقلّ كون المضاف إليه اسم عين نحو: لا أفعل ذلك معزى الفزر 37، ولا أكلم زيدا القارظين، ولا أسالم عمرا هبيرة بن سعد 38. ومن كلامهم: لأفعلن ذلك الشمس والقمر، ولا أكلم فلانا الفرقدين، فينصبون هذا وأشباهه نصب الظروف، والتقدير: لا أفعل ذلك مدة فرقة غنم الفزر، ومدة مغيب القارظين، ومدة مغيب هبيرة بن سعد، ولأفعلن ذلك مدة بقاء الشمس والقمر، أو مدة طلوعهما، وهذا سبيل التوقيب بالفرقدين وغيرهما. رابعها: ما شبه بظرف الزمان، وذلك كلمات أذكرها؛ إلا أن استعمال هذا النوع ظرفا موقوف على السماع، والكلمات هى قولهم: حقّا، وغير شك، وجهد رأيي، وظنّا منّي، يقولون: أحقّا [2/ 403] أنك قائم، ومنه قول الشاعر: 1503 - ألا أبلغ بني جشم رسولا... أحقّا أنّ أخطلكم هجاني 39
الحديث: 1503 - الجزء: 4 - الصفحة: 1899
................................ والأمر في هذه الكلمة معرفة باللام كالأمر فيها دون اللام، فيقال: أألحق أنك قائم، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: 1504 - أألحق أن دار الرّباب تباعدت... أو انبتّ حبل أنّ قلبك طائر 40 فأنّ مع صلتها في موضع رفع بالابتداء، وحقّا وأألحقّ ظرفان في موضع الخبر؛ لأنهما منصوبان على تقدير «في»، والدليل على ذلك تصريحهم بها في بعض المواضع، قال الشاعر: 1505 - أفي حق مواساتى أخاكم... بمالي ثمّ يظلمني الشّريس 41 وقال آخر 42: 1506 - أفي الحق أني مغرم بك هائم... وأنّك لا خل هواك ولا خمر 43 والدليل على أن حقّا جار مجرى ظرف الزمان، أن العرب استعملته خبرا عن المصدر، ولم تستعمله خبرا عن الجثة، كما أن ظرف الزمان كذلك، وكذا يقولون: غير شك أنك قائم، وجهد رأيي أنك مقيم، وظنّا مني أنك ذاهب 44، وجعل بعضهم من القائم مقام ظرف الزمان اسم العدد، أي اسم عدده نحو: سار -
الحديث: 1504 - الجزء: 4 - الصفحة: 1900
................................
القوم عشرين يوما، وابن عصفور جعل اسم العدد نفسه زمانا، لا قائما مقامه، ومن ثمّ قال في المقرب: ظرف الزمان هو اسم الزمان أو عدده أو ما قام مقامه 45 وعلل ذلك بأنه لما عد به الزمان صار مرادا به الزمان في المعنى، وذلك أن عشرين يوما من المثال المتقدم ونحوه أيام في المعنى، والذي قاله ابن عصفور هو الظاهر، بل هو المتعين، واعلم أنه كما قام مقام ظرف الزمان الأربعة المتقدمة الذكر، هكذا تقوم مقام ظرف المكان.
فالصفة: نحو قولك: قعد قريبا من زيد، يريد مكانا قريبا منه.
والمضاف إلى الظرف الذي هو اسم المضاف إليه في المعنى: نحو قولك: سرت جميع الميل، وقطعت بعض الفرسخ 46.
وما كان مضافا إليه اسم مكان فحذف اسم المكان وأقيم المضاف إليه مقامه نحو قولك: جلست قرب زيد، الأصل: جلست مكان قريب زيد 47، ومنه قول العرب: تركته ملاحس البقر أولادها، الأصل: تركته مكان ملاحس البقر أولادها، وهذا إنما يكون إذا كان المضاف إليه اسم المكان مصدرا كما مثل، فهو في ظرف المكان نظير قولهم: كان ذلك خفوق النجم، وقدوم الحاج في ظرف الزمان، إلا أن ذلك كثير مع ظرف الزمان كما تقدم، وقليل مع ظرف المكان، ولا يجوز أن تكون «ملاحس» اسم مكان؛ لأنه نصب الأولاد، فتعين كونه مصدرا 48.
وأما ما شبه به: أعني بظرف المكان فقد مثلوا بقولهم: زيد فوق عمرو في الشرف، ودون بكر في العلم، قال ابن عصفور: ففوق ودون في هذا الكلام وأمثاله، ليسا باسمي مكان، وإنما حكم لهما بحكم ظرف المكان لشبههما بفوق ودون إذا أريد بهما المكان 49. انتهى.
وما ذكره غير ظاهر، فإن الشيء لا يشبه بنفسه، وإنما [2/ 404] المشبه هنا متعلق الفوقية والدونية، فالمراد تشبيه الرتبة المعنوية بالرتبة الحسية؛ لأن الفوقية وما -
الجزء: 4 - الصفحة: 1901
................................
يقابلها إنما يدركان بالنسبة إلى الأجسام، فإذا استعمل اللفظ الدال عليهما في الأمور المعنوية، وجب أن يكون التشبيه بين الرتب، فالرتبة التي لها شرف توصف بالعلو المعنوي، فيطلق عليها ما يطلق على ما يوصف بالعلو الحسي، والمرتبة التي ليس لها شرف توصف بالتسفل المعنوي، فيطلق عليها ما يطلق على ما يوصف بالتسفل الحسي، وإذا كان الأمر كذلك ففوق التي هي في قولنا: «زيد فوق عمرو في الشرف» هي نفس فوق التي هي قولنا: «زيد فوق الجدار»، ففوق اسم مكان في الحالين، وكذا الكلام في دون أيضا، ثم قال ابن عصفور ردف كلامه الأول: ومن ذلك ما حكاه الأخفش من قول العرب: هم هيئتهم 50، قال: فهيئتهم هنا ظرف مكان؛ لأنها منصوبة على تقدير في أي هم هيئتهم، والهيئة ليست باسم مكان، وإنما حكم لها بحكم اسم المكان لشبهها به من حيث كانت مشتملة على ذي الهيئة كاشتمال المكان على ما يحل فيه، قال: والدليل على أنها جعلت من قبيل ظروف المكان وقوعها خبرا عن الجثة 51. انتهى.
واعلم أن استعمال هذا النوع ظرف مكان، أعني ما شبه بظرف المكان - موقوف على السماع، كما أن استعمال ما شبه بظرف الزمان ظرف زمان كذلك 52.
البحث الخامس:
الناصب للظرف هو اللفظ الدال على المعنى الذي وقع في الظرف، وإذا كان كذلك علم أن في قول المصنف: ناصب له بعد قوله: لواقع فيه - تجوزا ثم إن هذا العامل قد يكون مذكورا وقد يكون مقدرا، فالمذكور ظاهر والمقدر قد يكون تقديره جائزا كقولك يوم الجمعة، لمن قال: متى جئت، وقبلي الجامع، لمن قال: أين جلست، إذ يجوز إظهاره، وقد يكون تقديره واجبا يعني أن يؤتى به مقدرا ولا يذكر لفظا 53، وهذا هو الذي يعبر عنه النحاة بأنه يحذف
وجوبا، وذلك في أربع مسائل وهي: -
الجزء: 4 - الصفحة: 1902
[تقسيم ظرف الزمان إلى متصرف وغير متصرف]
قال ابن مالك: (ومبهم الزّمان ومختصّه لذلك صالح، فإن جاز أن يخبر عنه أو يجر بغير «من» فمتصرّف، وإلّا فغير متصرف، وكلاهما منصرف، وغير منصرف).
أن يكون الظرف صفة أو صلة أو خبرا أو حالا 54.
وذكر الإمام بدر الدين في شرح الألفية موضعا خامسا وهي قولهم: حينئذ الآن، أي كان ذلك واسمع الآن، قال: لأنه مسموع بالحذف لا غير، يعني أنه لا علة لوجوب حذفه إلا السماع خاصة 55.
قال ناظر الجيش: هذا الباب يشتمل على فصول أربعة، تكلم المصنف في فصلين منهما، وهما الأولان، على ظرف الزمان وحده، وتكلم على ظرف المكان في الفصلين الآخرين.
فأما ظرف الزمان فقسمان: مبهم ومختص.
ثم المختص معدود وغير معدود.
فالمعدود إذا أحد قسمي المختص، والمبهم والمختص صالحان للظرفية 56.
قال المصنف 57: فمبهمه نحو: «صمت يوما»، ومختصه [2/ 405] نحو:
«صمت يوم الجمعة»، ثم ظرف الزمان ينقسم إلى متصرف، فالمتصرف ما يجوز أن يخبر عنه أو يجر بغير «من» وغير المتصرف ما لا يعامل بذلك 58، فالإخبار عنه نحو: «العام سعيد» و «اليوم مبارك»، والجر بغير من نحو: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 59 ونحو: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ 60 ونحو: على يمينه أسوده وعلى -
الجزء: 4 - الصفحة: 1903
................................
يساره أسوده، وبدخول «إلى» على «متى» يعلم أنها ظرف متصرف، فلذلك أجاز سيبويه أن يقال: يوم كذا بالرفع، لمن قال: متى سير عليه؟ على تقدير: أيّ الأحيان سير عليه؟ برفع أي، وقال سيبويه: والرفع في جميع هذا عربي كثير في لغات العرب تكون على كم غير ظرف، وعلى متى غير ظرف 61. هذا نصه، ولا يحكم بتصرف ما جر «بمن» وحدها كعند وقبل وبعد؛ لأن «من» كثرت زيادتها، فلم يعتد بدخولها على الظرف 62 الذي لا ينصرف بخلاف غيرها كمذ وحتّى، وفي وإلى وعن وعلى، فلما بيّنت أن بعض الظروف متصرف، وبعضها غير متصرف قلت: وكلاهما منصرف، وغير منصرف، أي المتصرف على ضربين: منصرف وغير منصرف، وغير المتصرف كذلك، فالأقسام إذا أربعة 63 انتهى.
وقسم ابن عصفور ظرف الزمان ثلاثة أقسام: مبهم ومختص ومعدود، ثم قال:
هو ما لا يصح وقوعه في جواب كم، ولا في جواب متى نحو زمان، والمختص هو ما يصح وقوعه في جواب متى نحو يوم الجمعة، والمعدود ما يصح وقوعه في جواب كم نحو يومين 64 انتهى.
فاقتضى كلامه أن المعدود قسيم للمختص، وقد عرفت أنه قسم منه، والأولى أن يقال: المبهم: هو ما لا يصح وقوعه في جواب كم ولا في جواب متى، والمختص: إما أن يقع في جواب كم فهو المعدود، وإما أن يقع في جواب متى فهو غير المعدود، وإنما تعدى الفعل إلى المبهم والمختص من ظروف الزمان، لقوة دلالته عليه؛ لأنه دال عليه بالتضمن، كما هو دال بالتضمن على المصدر، فتعدى إلى جميع ضروبه، كما تعدى إلى جميع ضروب المصدر 65، وبهذا علل الفارسي تعدي الفعل إلى جميع ضروب القسمين أعني المصدر، وظرف الزمان، فقال:
لاجتماعهما في أن الدلالة وقعت عليهما من لفظ الفعل 66.
الجزء: 4 - الصفحة: 1904
[تقسيمات مختلفة لظرف الزمان وأمثلة لكلّ]
قال ابن مالك: (فالمتصرف المنصرف كحين ووقت، والّذي لا يتصرّف ولا ينصرف ما عينّ من سحر مجرّدا، والذي يتصرّف ولا ينصرف كغدوة وبكرة علمين، والّذي ينصرف ولا يتصرّف بعيدات بين، وما عيّن من ضحى وضحوة وبكر وسحير وصباح ومساء، ونهار وليل، وعتمة وعشاء، وعشية، وربّما منعت الصّرف والتّصرف.
وألحق بالممنوع التّصرف ما لم يضف من مركّب الأحيان كصباح مساء ويوم يوم.
وألحق غير خثعم ذا وذات مضافين إلى زمان، واستقبح الجميع [2/ 406] التّصرف في صفة حين عرض قيامها مقامه ولم توصف).
قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الأقسام أربعة شرع في ذكرها قسما قسما.
أما المتصرّف المنصرف فكثير، قال المصنف 67: لأنه على الأصل، وذلك كساعة وشهر وعام ودهر وحين وحينئذ ويومئذ يقال: سير عليه يومئذ وحينئذ، حكاهما سيبويه 68، والذي لا يتصرف ولا ينصرف «سحر» إذا جرد من الإضافة والألف واللام، وقصد به سحر معين من ليلة معينة كقولك: لأستغفرن هذه الليلة سحر، وكذا إن قصد التعيين ولم تذكر الليلة 69.
والذي يتصرف ولا ينصرف غدوة وبكرة 70 علمين قصد بهما التعيين، أو لم يقصد؛ لأن علميتهما جنسية، فيستعملان استعمال أسامة وذؤالة 71، فكما يقال عند قصد التعميم: أسامة شر السباع، وعند قصد التعيين: هذا أسامة فاحذروه، يقول قاصد التعميم: غدوة وقت نشاط، وقاصد التعيين: لأسيرن الليلة إلى غدوة، وبكرة في ذلك كغدوة، وقد يخلوان من العلمية فيتصرّفان، وينصرفان 72، ومنه -
الجزء: 4 - الصفحة: 1905
................................ قوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا 73. والذي ينصرف ولا يتصرف ما عين من سحير وبكر وضحى وضحوة، وصباح ومساء وليل ونهار، وعتمة وعشاء وعشية 74، وربما منعت عشية في التعيين الصرف والتصرف، فساوت سحر، ذكر ذلك كله سيبويه في الباب المترجم بهذا باب ما يكون فيه المصدر حينا 75، وقال بعد أن ذكر ليلا ونهارا: إذا أردت ليل ليلتك ونهار نهارك 76 يريد بليل ليلتك ظلامها، ونهار نهارك ضوءه، وكذا قال في تفسير تعيين البواقي إذا أردت سحر ليلتك وضحى يومك وصباحه ومساءه وعشاءه، وبكر يومك وضحوته وعتمة ليلتك. وذكر مما لا يتصرف بعيدات بين 77، أي أوقاتا غير متصلة 78. ومن الظروف التي لا تنصرف ما ركب تركيب خمسة عشر كقولك: فلان يتعهدنا يوم يوم وصباح مساء، أي كل يوم وكل صباح ومساء، فمثل هذا لا يستعمل إلا ظرفا، ومنه قول الشاعر 79: 1507 - ومن لا يصرف الواشين عنه... صباح مساء يبغوه خبالا 80 ومثله قول الآخر: 1508 - آت الرّزق يوم يوم فأجمل... طلبا وابغ للقيامة زادا 81
الحديث: 1507 - الجزء: 4 - الصفحة: 1906
................................ فلو أضيف صدره إلى عجزه، جاز استعماله ظرفا وغير ظرف، فمثال استعماله ظرفا قول الشاعر: 1509 - ما بال جهلك بعد الحلم والدّين... وقد علاك مشيب حين لا حين 82 أنشده سيبويه، وقال: إنما هو حين حين ولا بمنزلة ما إذا ألغيت 83، ومثال استعماله غير ظرف قول الآخر أنشده سيبويه أيضا: 1510 - ولولا يوم يوم ما أردنا... جزاءك والفروض لها جزاء 84 واعلم أن من الظروف التي لا تتصرف: ذو وذات مضافين إلى وقت كقولهم: لقيته ذا صباح وذات مرة، وذات يوم أو ليلة، وهذا النوع [2/ 407] عند غير خثعم لا يستعمل إلا ظرفا، وقد يستعمل عند خثعم غير ظرف كقول بعضهم 85: 1511 - عزمت على إقامة ذي صباح... لأمر ما يسوّد من يسود 86 فلو قيل على هذه اللغة: سرى عليه ذات ليلة بالرفع لجاز، ولا يقال على لغة - والهمع (1/ 196)، والدرر (1/ 167). والشاهد فيه: قوله «يوم يوم»؛ حيث نصب على الظرفية وجوبا؛ لأنه من مركب الأحيان ولم يضف.
الحديث: 1509 - الجزء: 4 - الصفحة: 1907
................................
غيرهم من العرب، إلا سرى عليه ذات ليلة بالنصب.
ويقبح 87 عند جميع العرب ترك الظرفية في صفة حين حذف وأقيمت مقامه نحو: سير عليه قديما وحديثا، فلو قلت: سير عليه قديم أو حديث لم يختلف في قبحه، فلو كان قيام الصفة مقام الموصوف غير عارض كقريب، حسن ترك الظرفية، وكذا لو وصفت الصفة كقولك: سير عليه طويلا من الدهر؛ لأن وصفها يعطيها شبها بالاسم الجامد، كما أن كثرة جريانها مجرى الأسماء الجامدة يلحقها بها 88، فلك أن تقول في سير عليه طويلا من الدهر، وفي مرّ به قريبا: سير عليه طويل الدهر، ومرّ به قريب، فإن قريبا من الصفات التي كثر جريانها مجرى الأسماء، قال سيبويه - بعد أن مثل بسير عليه طويلا وحديثا وكثيرا وقليلا -: ولم يجز الرفع؛ لأن الصفة لا تقع موقع الاسم 89. ثم قال: وقد يحسن أن تقول:
سير عليه قريب؛ لأنك تقول: لقيته مذ قريب، وربما جرت الصفة في كلامهم مجرى الاسم، فإذا كان كذلك حسن، ثم قال: فإن قلت: سير عليه طويل من الدهر كان أحسن، وإنما حسن بالوصف لأنه ضارع الأسماء؛ لأن الموصوفة في الأصل هي الأسماء 90، هذا نصه.
وإلى هذا أشرت بقولي: (واستقبح الجميع التّصرف في صفة حين عرض قيامها مقامه ولم توصف).
فعلم عدم القبح في تصرف «قريب» من المثال المذكور؛ لأن إقامته مقام الموصوف غير عارضة بخلاف طويل وشديد ونحوهما، وعلم عدم القبح في تصرف ما وصف نحو: سير عليه طويل من الدهر؛ لأن وصفه بالجار والمجرور أعطاه شبها بالأسماء المحضة كما تقدم.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 91.
وهو حسن إلا أنه ليس فيه التعرض إلى ذكر العلة الموجبة لعدم التصرف في الكلمات التي أوردها، ثم إنه لم يبسط القول فيها كما فعل غيره، ولا شك أنه يتعين الإشارة إلى الأمرين، وقبل ذكر ذلك فاعلم أن التصرف في الظرف هو الأصل، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1908
................................
وكذا الانصراف أيضا، ولهذا كان المتصرف المنصرف منها هو الكثير 92، وقد أشار المصنف إلى كونه الكثير بقوله: (لأنه على الأصل).
وحاصل الأمر: أن الأصل في الظروف التصرف؛ لأنها أسماء، فسبيلها أن تجري مجرى الأسماء وتدخل عليها العوامل التي تدخل على الأسماء، وما وجد منها غير متصرف يسأل عن عدم تصرفه، وكذا [2/ 408] الأصل فيها الانصراف؛ لأنه الأصل في الأسماء، وقال بعض النحاة 93: إن الأصل في الظروف أن تكون غير متصرفة، وأن تلزم طريقة واحدة.
ولا معول على هذا القول، ويكفي فيه أنه قول مخالف لقول الجمهور، وإذ قد تقرر هذا فنقول:
الكلمات التي ذكر أنها لا تنصرف: سحر وبعيدات بين وضحى وضحوة، وبكر وسحير وصباح ومساء، ونهار وليل وعتمة وعشاء وعشية، وذا صباح وذا مرة.
أما سحر فقد عرف من كلام المصنف اشتراط أمرين في عدم تصرفه وهما: أن يكون مجردا من الإضافة والألف واللام، وأن يقصد به سحر معين من ليلة معينة، وسواء أذكرت الليلة أم لم تذكر نحو: جئتك سحر وأنت تريد ذلك من يوم بعينه.
وكذا سواء أعرّفت اليوم أم نكّرته نحو: جئت يوما سحر، ذكر 94 ذلك الشيخ رحمه الله تعالى 95.
فعلم من ذلك أنه لم يقصد به معين بأن كان نكرة تصرف كقوله تعالى:
نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ 96 وأنه إن كان مضافا أو بالألف واللام تصرف أيضا مع كونه معينا نحو: كان ذلك يوم الخميس السحر، أو يوم الجمعة سحره، قال الشيخ:
ومن أحكام سحر أنه إذا ذكر قبله اليوم لا ينتصب ظرفا إلا إذا انتصب اليوم ظرفا، فلو كان اليوم فاعلا أو مفعولا به لم ينتصب سحر على الظرف، بل يكون بدلا من اليوم، فيلزمه الضمير أو «أل» نحو: كرهت يوم كذا سحره، أو السحر منه، ولو -
الجزء: 4 - الصفحة: 1909
................................
قلت: سير بزيد يوم الجمعة سحر، وجعلته مفعولا على السعة لم يجز لعدم الربط بينه وبين اليوم 97، قال الشيخ: فإن أردت هذا المعنى قلت: سير بزيد يوم الجمعة سحره أو السحر منه حتى يرتبط به 98، أما إذا رفع اليوم، ورفع سحر فجائز؛ لأن اليوم باق على الظرفية غايته أنه أقيم مقام الفاعل وهو يشتمل على السحر، ولا يشتمل السحر عليه، والعلة في عدم تصرفه أنه عدل عن طريقته الوضعية كما سيبين، فكأنه في الاستعمال خرج عما يستحقه بحق الأصالة، ولما كان كذلك ألزم الظرفية، قالوا: لأن باب الظرف باب تغيير ومن التغيير نشأ، لأنه إنما نشأ عن إسقاط حرف الجر، ليجري مجرى المصدر، قالوا: وكل ما بني على التغيير نشأ منه، فإنه يكون فيه ما لا يكون في غيره كباب النسب والتصغير والتكسير، وبيان أنه عدل بسحر عن طريقته الوضعية أنه وضع على التنكير كرجل، وإذا أرادوا تعريفه ألحقوه الألف واللام أو أضافوه، ثم إن العرب استعملوه معرفة دون الأمرين إن لم يلحقوه اللام ولم يضيفوه 99، وللنحاة فيما تعرف به خلاف:
منهم من جعله العلمية 100، ومنهم من جعله نية الألف واللام 101، وهذا يذكر في باب منع الصرف إن شاء الله تعالى، وعلى كلا المذهبين هو معدول؛ لأنه لما استعمل معرفة دون ألف ولام ودون إضافة كان ذلك عدولا به عن الطريقة الأصلية فيه.
وحاصل الأمر: أن منع تصرفه [2/ 409] للعدل، وإنما كان العدل مانعا للتصرف: لأن العدل تغيير، ولهم في تقرير هذا الأمر عبارة أخرى وهي أنهم ذكروا -
الجزء: 4 - الصفحة: 1910
................................ أن نظائر سحر من النكرات إذا عرفت فإما باللام أو بالإضافة، فلما عرف هو من غير أداة تعريف خالف نظائره، فعدم تصرفه لخروجه عن نظائره من النكرات 102، وهذه العلة الموجبة لعدم تصرف سحر، هي العلة الموجبة لعدم تصرف الكلمات الأخر، أعني بعيدات بين، وما ذكر بعدها، كما سنقف عليه 103. وأما معناه فقال الشلوبين: إن أبا علي فسر ذلك بأن قال: العرب تقول: رأيته بعيدات بين، أي رأيته ثم فارقته، ثم رأيته ثم فارقته 104، وذلك إذا كان بين أبعاض الرؤية مدة قريبة، قال: فلذلك جمع وصغّر؛ لأن تصغير الظرف تقريب 105، إلا أن الجمع جاء على غير قياس؛ لأن «بعد» مذكر وكذلك الظروف كلها مذكرات إلا قداما وراء 106، وقياس المذكر إذا جمع وليس فيه تاء أن لا يجمع بالألف والتاء، قالوا: فلما كان الأمر فيها على غير قياس، لزمت الظرفية، وقال ابن عمرون: لما صغر «بعد» وجمع وأضيف إلى بين لزم طريقة واحدة، وما قاله ابن عمرون هو الظاهر، وأما ضحى وما بعدها إلى عشية فقد عرفت أن عدم تصرفها مشروط بأن يراد بها معين، ولهذا قدم المصنف عليها قوله: وما عين من كذا وكذا، وينبغي أن نعلم أنها نكرات؛ ولذلك توصف بالنكرة، وإن كان المراد بها من يوم بعينه 107، ونظيرها في ذلك: لقيته عاما أول، فإنه نكرة أريد به معين 108، وقال ابن أبي الربيع: وأما عشية وعتمة وضحى وبكر وما جرى مجراها فهن نكرات، وإذا أردتهما ليوم بعينه فليست أعلاما؛ لأنها متصرفة 109، وإنما هي من قبيل وضع اللفظ الشائع في موضع الخاص، ويعلم المراد من غير اللفظ؛ ألا ترى أنك إذا قلت: رأيتك يوم الجمعة عشية، علم أن هذه العشية هي عشية الجمعة، فكان القياس أن يقال: العشية أو عشيته، لكن أطلق اللفظ الشائع وأريد التخصيص، وعلم المراد من غير لفظ عشية، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1911
................................
وذلك نظير قولك: عاما أول، فلما استعملت عشية وأخواتها على غير وجوهها كان ذلك خروجا عن القياس، فلزمت الظرفية، قال ابن عمرون: وإنما لم تتصرف هذه الكلمات؛ لأن أصلها أن لا تخص من يوم معين، فلما أريد بها ذلك لزمت طريقة واحدة، ولو لم ترد من يوم بعينه كانت متصرفة، وأما ذا صباح وذات مرة على لغة غير خثعم، فالعلة في عدم تصرفهما أنهما خرجا عن الأصل 110، وذلك أن أصل صباح أن يستعمل ظرفا بنفسه، فيقال: جئتك صباحا، فقولهم: ذا صباح دليل على أن الصباح استعمل هنا بمعنى الضياء، فقد خرج عن أصله، وكذلك ذات مرة، الأصل أن تقول: جئتك مرة وتكون [2/ 410] ظرفا بنفسها، فلما قالوا: ذات مرة، خرجت عن ذلك، وصارت بمنزلة قيس قفة، فكان ذلك تغيرا وخروجا عن الأصل، قال ذلك ابن أبي الربيع.
وقال ابن عمرون: إنما لم تتمكن ذات مرة؛ لأن «ذات» ليست من أسماء الزمان، بل مستعار، فلما خرج عن أصله لزم طريقة واحدة.
انتهى.
وهذا الذي ذكره في ذات مرة يقال بعينه في ذا صباح مساء، وقيل: إنما لم تتصرف ذا صباح؛ لأن الأصل: وقتا ذا صباح ولا ذات مرة، لأن الأصل قطعة من الزمان ذات مرة 111.
وقال ابن عمرون أيضا: واعلم أن ظروف المكان أقوى مضارعة للأسماء، فلذا تمكنت ذات اليمين، وذات الشمال في كلامهم، ولم تتمكن ذات ليلة وأخواتها، قال: وقال الميداني 112: لقيته ذات يوم، وذات ليلة وذات غدوة وذات مرة، وذات -
الجزء: 4 - الصفحة: 1912
................................
الزمين، وذات العويم، ولا يقولون: ذات شهر ولا ذات سنة، بل السماع في هذه المذكورات، ولقيته ذا صباح وذا مساء، وذا صبوح وذا غبوق هذه الأربعة بغير تاء، قال: وإضافة ذات إلى ما بعدها من إضافة المسمى إلى الاسم كأنه قال: صاحبة هذا الاسم، وأما غدوة وبكرة فقد عرفت ما ذكره المصنف فيهما.
قال ابن أبي الربيع: وأما بكرة وغدوة فوضعتها العرب في التعريف على جهتين: - إحداهما: أن يتعرّفا باللام أو بالإضافة.
والثانية: أن يجعلا علمين ليس أحدهما أصلا والآخر معدولا عنه 113.
فوجب لذلك أن يتصرفا ولم ينصرفا للتعريف والتأنيث، ثم قال: فإن قلت:
ولم لا يكون حكم بكرة حكم سحر، أو يكون الأمر بالعكس؟ قلت: للعرب أن تضع ألفاظها على حسب مقاصدها، ولها أن تقصد في لفظ ما لا تقصده في الآخر، ألا ترى أن أسدا نكرة وأسامة علم، ولو خالفت هذا الوضع أو ساوت بينهما لكان جائزا، فحقك أن تقف حيث وقفوا، وتضع كما وضعوا، ثم تطلب عللا مناسبة لما جاءت عليه ألفاظها، ويكون ذلك من قبيل الاستدلال بأثر الشيء عليه كالاستدلال بالضوء على طلوع الشمس، وسحر سمع فيه عدم
الانصراف والتصرف، فقيل في تعليله ما قيل.
وغدوة وبكرة سمع فيهما عدم الانصراف وتصرفتا، فقيل فيهما ما قيل.
وقد بقي الكلام على مسألة وهي أنه لا فرق في المعنى بين قولنا: فلان يأتينا صباح مساء بالتركيب، وصباح مساء بالإضافة، إذ معنى كل منهما أنه يأتي في الصباح والمساء، وذكر الشيخ عن الحريري 114 أنه قال في درة الغواص: إن المراد مع الإضافة أنه يأتي في الصباح وحده، التقدير: يأتينا في صباح مساء، والمراد مع - - النحو الميداني، وكتاب نزهة الطرف في علم الصرف مطبوع في جزأين، تحقيق د/ يسرية حسن (جامعة الأزهر) وغيرها.
وممن تتلمذ على يديه الإمام أبو جعفر أحمد بن علي المقربي البيهقي وابنه سعيد، توفي سنة 518. (ينظر في ترجمته البغية (1/ 356، 357) تحقيق محمد أبو الفضل، ومعجم الأدباء (5/ 45).
الجزء: 4 - الصفحة: 1913
[حكم الظرف الواقع في جواب كم أو متى بالنسبة لحصول الفعل]
قال ابن مالك: (ومظروف ما يصلح جوابا لكم واقع في جميعه تعميما أو تقسيطا، وكذا مظروف ما يصلح جوابا لمتى، إن كان اسم شهر غير مضاف إليه شهر، وكذا مظروف الأبد والدّهر واللّيل والنّهار مقرونة بالألف واللّام، وقد يقصد التّكثير مبالغة فيعامل المنقطع معاملة المتّصل، وما سوى ما ذكر من جواب متى فجائز فيه التعميم والتبعيض إن صلح المظروف لهما).
التركيب أنه يأتينا في الوقتين، وكان الأصل هو: يأتينا صباحا ومساء، فحذف العاطف وركب الاسمان 115 قال: وقد ردّ ابن بري 116 هذا وقال: لم يذهب إلى ذلك أحد من النحويين البصريين، قال السيرافي [2/ 411]: يقال: سير عليه صباح مساء وصباح ومساء، وصباحا ومساء، ومعناهن واحد، قال: وليس سير عليه صباح مساء مثل قولك: ضربت غلام زيد، في أن السير لا يكون إلا في الصباح، كما أن الضرب لا يقع إلا بالأول وهو الغلام دون الثاني؛ لأنك إذا لم ترد أن السير وقع فيهما لم يكن في مجيئك بالمساء فائدة 117، وقال سيبويه: وتقول: إنه ليسار عليه صباح مساء، ومعناه صباحا ومساء 118، وهذا نص واضح في أنه لا فرق بين التركيبين 119.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 120: المظروف هو ما يقع في الظرف، فمنه ما يقع في جميعه، ومنه ما يقع في
بعضه، كما أن الموعى في الوعاء، منه ما يملأ الوعاء، ومنه ما لا يملؤه فإذا كان الظرف معدودا، وهو المعبر عنه بجواب «كم» فلكل واحد من أفراده، أو فرديه قسط من العمل إما في جميعه وهو المعبر عنه بالتعميم، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1914
................................ وإما في بعضه وهو المعبر عنه بالتقسيط، فالتعميم كقولك: صمت ثلاثة أيام، والتقسيط كقولك: أذنت ثلاثة أيام، فهذان مثالان لما لا يصلح من العمل إلا لأحد القصدين، وقد يكون العمل صالحا للتعميم والتقسيط، فيجوز للمتكلم أن يقصد به ما شاء من المعنيين كقولك: تهجدت ثلاث ليال، فمن الجائز أن تريد استيعابهنّ بالتهجد، وأن تريد إيقاع تهجد في بعض كل واحدة منهن، وإذا كان الظرف اسم شهر غير مضاف إليه شهر، كقولك: اعتكفت رمضان فلجميع أجزائه قسط من العمل؛ لأن كل واحد من أعلام الشهور إذا أطلق فهو بمنزلة ثلاثين يوما 121؛ ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» 122 ولم يقل قام شهر رمضان، إذ لو قال ذلك، لاحتمل أن يريد تمام الشهر، وأن يريد بعضه، كما قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ 123، وإنما كان الإنزال في ليلة منه وهي ليلة القدر، وأجرى أبو الحسن بن خروف أعلام الأيام مجرى أعلام الشهور، فجعل قول القائل: سير عليه الخميس مقصورا على التعميم، وقوله: سير عليه يوم الخميس محتملا للتعميم والتبعيض، وفيما رآه نظر 124، ومثل رمضان وغيره من الأعلام المجردة في استحقاق التعميم: الأبد والدهر والليل والنهار مقرونة بالألف [2/ 412] واللام؛ فإذا قيل: كان ذلك الأبد أو الدهر، فلا يصلح أن يراد به غير التعميم إلا في قصد المبالغة مجازا كما يقول القائل: أتاني -
الجزء: 4 - الصفحة: 1915
................................
أهل الدنيا، وإنما أتاه ناس منهم، قال سيبويه: ومما لا يكون العمل فيه من الظروف إلا متصلا في الظرف كله قولك: سير عليه الليل والنهار، والدهر والأبد، ثم قال:
لا تقول: لقيته الدهر والأبد، وأنت تريد يوما فيه، ولا لقيته اللّيل وأنت تريد لقاءه في ساعة دون الساعات 125. هذا نصه.
انتهى كلام المصنف 126.
واعلم أنه قد عرفت أن ظرف الزمان قسمان: مبهم ومختص.
وأن المختص منه معدود، ومنه غير معدود، وعرفت أيضا أن المبهم هو ما لا يصح وقوعه في جواب كم ولا في جواب متى، وأن المختص إن صح وقوعه في جواب كم فهو المعدود، وإن صح وقوعه في جواب متى فهو المختص غير المعدود.
فالمبهم: ما كان من أسماء الزمان غير مؤقت ولا مختص نحو: زمان، وحين، ووقت.
والمختص غير المعدود: ما كان منها معرفا غير معدود نحو: اليوم والليلة ويوم الخميس أو مخصصا بالنعت نحو: يوما كنت فيه عندنا، والمعدود غير المعرّف نحو: يومين وثلاثة أيام وأربعة أيام.
فأما المعدود المعرف فإنه عندهم من قبيل ما هو مختص ومعدود؛ لأنه من جهة تعريفه مختص، ومن جهة دلالته على أحاد معدود، وذلك نحو: العشرين يوما والثلاثين يوما والأربعين يوما، ومنه أسماء الشهور نحو: المحرم وصفر ورجب ورمضان؛ لأن كلّا منها بمنزلة قولك: الثلاثين يوما 127، وهذا القسم أعني المعدود المعرف محكوم له بحكم المعدود، فإن أضفت إلى شيء من أسماء الشهور لفظ شهر كان محكوما له بحكم المختص 128 كما سيذكر، فعرف من هذا أن الذي يصح وقوعه في جواب كم خاصة شيئان وهما: اسم الزمان الدال على العدد صريحا منكرا كان أو معرفا نحو: يومين وثلاثة أيام وأربعة أيام، والعشرين يوما والثلاثين يوما والأربعين يوما، وأسماء الشهور مجردة من الإضافة إليها لتضمنها الدلالة على العدد كما تقدم، وأن الذي يصح وقوعه في جواب متى خاصة شيئان وهما: -
ما كان مختصّا بتعريف أو نعت نحو اليوم والليلة ويوم الخميس، ويوما كان فيه -
الجزء: 4 - الصفحة: 1916
................................
كيت وكيت.
وأسماء الشهور إذا أضيف إلى شيء منها لفظ شهر نحو: شهر رمضان وشهر ربيع الأول مثلا، وإنما حكم لنحو هذا أعني اسم الشهر إذا أضيف إليه لفظ شهر بالاختصاص حتى لا يكون واقعا إلا في جواب متى خاصة؛ لأن الشهر بإضافته إلى هذه الأسماء يصير بمعنى وقت، ويخرج عن أن يكون معدودا، فإذا قال القائل:
سرت شهر رمضان، فكأنه قال: سرت وقت رمضان، قال ابن عصفور: والدليل على أنه لا يذهب بشهر إذ ذاك مذهب عمرو إذا قلت: سرت [2/ 413] شهرا، أنك إذا قلت: سرت شهرا فإنما تريد ثلاثين يوما، فلو أضفت شهر إلى رمضان وأنت تريد به ما كان يعطيه من العدد في حال إفراده، كان قولك: سرت شهر رمضان بمنزلة قولك: سرت ثلاثي الثلاثين يوما، وذلك غير سائغ.
وإذا لم يسغ ذلك لم يبق إلا أن يكون المراد بشهر من قولك: شهر رمضان الوقت الذي يشتمل على الثلاثين يوما المسماة رمضان، والشهر في أصل اللغة ليس الثلاثين يوما ولا الوقت الذي يشتمل عليها، قال: وإنما هو اسم للهلال 129، حكى ذلك ابن الأعرابي وغيره من اللغويين، وأنشدوا شاهدا على
ذلك قول الشاعر: -
1512 - فأصبح أجلى الطّرف ما يستريده... يرى الشّهر قبل النّاس وهو ضئيل 130
قالوا: وإنما قيل للثلاثين يوما شهر، لطلوع الهلال فيها، قال: ولتلك العلة عندي ساغت تسمية الوقت الذي يشتمل عليها شهرا 131. انتهى.
ثم ما صح وقوعه في جواب كم خاصة، وهو الشيئان اللذان بدئ بذكرهما:
يجب أن يكون العمل واقعا في جميعه إما على وجه التعميم، وإما على وجه التقسيط، وما صح وقوعه في جواب متى خاصة، وهو الشيئان المثنى بذكرهما، يجوز أن يكون العمل في جميعه، ويجوز أن يكون في بعضه، وإذ قد تقرر هذا -
الحديث: 1512 - الجزء: 4 - الصفحة: 1917
................................
فلننزل كلام المصنف عليه؛ فقوله: (ومظروف ما يصلح جوابا لكم واقع في جميعه)، إشارة منه إلى أحد الشيئين من القسم الذي يجب أن يكون العمل جميعه، وهو الدال على العدد صريحا منكرا كان أو معرّفا كثلاثة أيام والثلاثين يوما.
وقوله: (وكذا مظروف ما يصلح جوابا لمتى إن كان اسم شهر غير مضاف إليه شهر)، إشارة منه إلى الشيء الآخر من القسم المذكور، وهو الدال على العدد ضمنا كأسماء الشهور مجردة عن الإضافة إليها 132.
وقوله: (وما سوى ما ذكر من جواب متى فجائز فيه التعميم والتبعيض)، إشارة منه إلى الشيئين من القسم الذي يجوز أن يكون العمل في جميعه، وأن يكون في بعضه، وهما ما كان مختصّا بتعريف أو نعت، وما كان اسم شهر مضاف إليه شهر 133، كلا الشيئين داخل تحت قوله: وما سوى ما ذكر من جواب متى؛ لأن الذي ذكر هو اسم الشهر غير مضاف إليه الشهر، فما سواه اسم شهر مضاف إليه لفظ شهر، وأما اسم غير ذلك كيوم الخميس، ويوما ما كان فيه كيت وكيت.
فعلى هذا كلام المصنف واف بالمقصود مع ما اشتمل عليه من اختصار العبارة ولطف الإشارة.
وقوله: (إن صلح المظروف لهما)، شرط حسن يفيد أنه إنما يجوز التعميم والتبعيض في مثل: سرت يوم الخميس، وسرت شهر رمضان، فأما إذا لم يصلح المظروف إلا لأحدهما فإنه يتعين فيعم في نحو: صمت اليوم، وصمت شهر رمضان، ويتبعض في نحو: لقيت زيدا اليوم، وسلمت عليه شهر رمضان [2/ 414].
وبقية كلامه في الفصل واضح، وقد أتى هو على شرحه كما تقدم إيراده، فإن قلت: قوله: وكذا مظروف ما يصلح جوابا لمتى، إن كان اسم شهر غير مضاف إليه شهر، يقتضي صحة وقوع ذلك جوابا لمتى، وأنت قد جعلته من القسم الذي يصح وقوعه في جواب كم خاصة، قلت: قد تقدم أن المعدود المعرّف من قبيل ما هو مختص ومعدود، وقد قال ابن عصفور: إن الظرف قد يكون مختصّا ومعدودا فيقع في جواب كم وجواب متى 134، وكأنه من حيث هو معرف صالح لجواب -
الجزء: 4 - الصفحة: 1918
................................
متى، ومن حيث هو معدود صالح لجواب كم، والذي يظهر أن المحرم ونحوه من أسماء الشهور إن نظر إليه من أصله فحقه أن يصح وقوعه في جواب متى؛ لكونه اسم زمان مختصّا بالتعريف، ولكنهم نظروا إلى معناه، فقالوا: المراد منه العدد الخاص، فكان العدد هو المقصود منه، فمن ثم حكم له بحكم الأسماء الدالة على العدد صريحا، فجعل واقعا في جواب كم دون جواب متى، واعلم أن المبهم من الظروف بمنزلة المعدود في أنه لا يكون العمل إلا في جميعه، وإنما لم يتعرض المصنف إليه، لوضوحه، لأنك إذا قلت: سرت حينا أو زمانا كان من المعلوم أنك لا تريد به من الزمان إلا القدر الذي وقع فيه السير خاصة 135، ثم الإشارة بعد ما ذكرنا إلى أمور:
1 - منها: أن العقل قاض بأن ما صلح أن يكون جوابا لكم من الظروف لا يعمل فيه من الأفعال إلا ما يتكرر ويتطاول، لكنهم تعرضوا إلى ذكر ذلك مع أنه غير محتاج إليه 136، قال ابن عصفور - بعد أن ذكر أن ذلك شرط -: لو قلت:
مات زيد يومين وأنت تريد الموت الحقيقي لم يسغ ذلك.
2 - ومنها: أن الكوفيين يزعمون أن ما كان العمل في جميعه ليس منصوبا انتصاب الظرف 137، وإنما هو منصوب انتصاب المشبه بالمفعول به؛ لأن الظرف إنما ينتصب على تقدير «في».
و «في» عندهم تقتضي التبعيض
فإذا عم الفعل الظرف امتنع تقديره بفي لذلك 138، وابطل ابن عصفور دعواهم أن «في» تقتضي التبعيض -
الجزء: 4 - الصفحة: 1919
................................
بقوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ 139، فأدخلت «في» على الأيام، مع أن العمل فيها جميعا، بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى:
سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً 140، قال رؤساء المفسرين: بمعنى حسوما كاملة تباعا لم يتخللها غير ذلك 141. وقد ذكر المصنف في باب المبتدأ هذه المسألة حيث ذكر أن ظرف الزمان يغني عن خبر اسم المعنى، فقال: فإن وقع في جميعه أو أكثره، وكان نكرة 142 ولم يمتنع نصبه ولا جره بفي خلافا للكوفيين، وتقدم الكلام عليها في ذلك الباب.
3 - ومنها: أن المصنف لما ذكر مذهب ابن خروف في أنه يجري أعلام الأيام مجرى أعلام الشهور، فيجعل قول القائل: سير عليه الخميس مقصورا على التعميم، وسير عليه يوم الخميس محتملا للتعميم والتبعيض، قال: وفيما رآه نظر، ولم يرد عليه بشيء 143، وقد ذكر المسألة ابن عصفور فقال بعد ذكر مذهب ابن خروف: وجعل [2/ 415] السبب في ذلك أنها أعلام واقعة على أيام الأسبوع، والعلم واقع على المسمى بجميع صفاته لا على بعضه، فكان العمل لذلك واقعا في جميعه، فإن أضيف إليه يوم صار تعريفه إنما هو بالإضافة لا بالعلمية، فيجوز أن يكون العمل حينئذ في جميعه، وأن يكون في بعضه، قال:
ولهذه العلة نفسها فرق بين ما لم يضف إليه شهر من أسماء الشهور، وبين ما أضيف إليه منها شهر؛ لأن تعريف ما لم يضف إليه منها شهر بالعلمية، وتعريف ما أضيف إليه منها شهر بالإضافة، قال: وهذا الذي ذهب إليه من التفرقة بين العلم وغيره باطل؛ لأن الاسم يتناول مسماه، علما كان أو غير علم، وإنما التفرقة بين ما أضيف -
الجزء: 4 - الصفحة: 1920
................................
إليه من أسماء الشهور شهر وبين ما لم يضف إليه منها شهر من جهة أخرى 144، قلت: وقد تقدمت الإشارة إليها.
4 - ومنها: أن الصيف والشتاء والربيع من قبيل الظروف المختصة غير المعدودة؛ لأنها أسماء واقعة على فصول معلومة من السنة ولم يقصد بها العدد، فيجوز أن يكون العمل في جميعها، وأن يكون في بعضها 145، قال سيبويه: سمعنا العرب الفصحاء يقولون: انطلقت الصيف؛ والانطلاق إنما يكون في بعض الصيف، وتقول:
سرت الصيف وأنت تريد التعميم؛ لأن السير مما يمتد، ومن ذلك قول ابن الرقاع 146:
1513 - فقصرن الشتاء بعد عليه... وهو للذّود أن يقسّمن جار 147
يريد أنه قصر ألبان الذود في جميع هذا الفصل، ومن استعمال الربيع ظرفا قول القائل 148:
1514 - كأنّ قتودي على قارح... أطاع الربيع له الغرغر 149
5 - ومنها: أن المشهور بين الناس أن شيئا من أسماء الشهور لا يضاف إليه لفظ شهر إلا ثلاثة وهي: شهر رمضان وربيع الأول وربيع الآخر 150، وصرح ابن عصفور -
الحديث: 1513 - الجزء: 4 - الصفحة: 1921
[أحكام إذ حين تجيء ظرفا وغير ظرف]
قال ابن مالك: (فصل: وفي الظّروف ظروف مبنية لا لتركيب؛ فمنها «إذ» للوقت الماضي لازمة الظّرفية إلّا أن يضاف إليها زمان، أو تقع مفعولا بها، وتلزمها الإضافة إلى جملة، وإن علمت حذفت وعوّض منها تنوين، وكسرت الذّال لالتقاء السّاكنين لا للجرّ، خلافا للأخفش، ويقبح أن يليها اسم بعده فعل ماض، وتجيء حرفا للتّعليل وللمفاجأة، وليست حينئذ ظرف مكان ولا زائدة؛ خلافا لبعضهم، وتركها بعد «بينا» و «بينما» أقيس من ذكرها وكلاهما عربي، ويلزم بينما وبينا الظّرفيّة الزّمانية والإضافة إلى جملة، وقد تضاف «بينا» إلى مصدر).
بذلك في شرح المقرب 151، والحق خلاف ذلك، ولهذا لم يقيد المصنف الإضافة بشيء دون شيء، وفي كتاب سيبويه شهر ذي القعدة 152، ومثل ابن أبي الربيع بشهر المحرم وشهر صفر، ولم يتعرض إلى شيء مما ذكره أرباب هذه المقالة 153.
قال ناظر الجيش: لما فرغ من الكلام على معربات ظروف الزمان ومبنيّاتها المركبة شرع في الكلام على مبنياتها
غير المركبة، والذي تضمنه الفصل كلمات عشر وهي: إذ وإذا وبينا وبينما ومذ ومنذ والآن وقط وعوض وأمس.
فمن الظروف المذكورة «إذ» ويدل على اسميتها أنها تدل على الزمان دلالة لا تعرض فيها للحدث، وأنها تخبر بها مع دخولها [2/ 416] على الأفعال نحو:
قدم زيد إذ قدم عمرو، وأنها تبدل من اسم نحو: رأيتك أمس إذ جئت.
وأنها تنون في غير ترنم، ويضاف إليها بلا تأويل نحو: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها 154، وأنها -
الجزء: 4 - الصفحة: 1922
................................ تقع مفعولا بها نحو قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ 155، ولبنائها سببان كل واحد منهما كاف لو انفرد: أحدهما: وضعها على حرفين لا ثالث لهما بوجه. والثاني: لزوم افتقارها إلى جملة أو عوض منها 156، وهو التنوين اللاحق في نحو: يومئذ، وحق تنوين العوض أن يكون عوضا من بعض كلمة، كتنوين «يعيل» 157 مصغر يعلى، فإنه عوض من لام الكلمة، وكتنوين جندل فإنه عوض من ألف جنادل 158، فلما كانت الكلمة التي تضاف إليها «إذ» بمنزلة الجر منها وحذفت عوملت في التعويض منها معاملة جزء حقيقي. وفعل بذال إذ مع هذا التنوين ما فعل بهاء «صه» مع تنوين التنكير، فقيل: «إذ» كما قيل «صه» 159، وزعم الأخفش: أن كسرة «إذ» كسرة إعراب بالإضافة 160، وأظن حامله على ذلك أنه جعل بناءها نائبا عن إضافتها إلى الجملة، فلما زالت من اللفظ صارت معربة، ورد بعض النحويين عليه بقول العرب: كان ذلك إذ بالكسر دون مضاف إلى «إذ» 161. ولم يغفل الأخفش هذا بل ذكره وأنشد 162: 1515 - نهيتك عن طلابك أمّ عمرو... بعافية وأنت إذ صحيح 163
الحديث: 1515 - الجزء: 4 - الصفحة: 1923
................................
ثم قال: أراد: وأنت حينئذ صحيح، فحذف المضاف وأبقى الجر به 164، وهذا منه غير مرضي؛ لأن المضاف لا يحذف ويبقى الجر به إلا إذا كان المحذوف معطوفا على مثله، كقولهم: ما مثل أبيك وأخيك يقولان ذلك، و «ما كل بيضاء شحمة ولا سوداء تمرة» 165، فحذف مثل المضاف إلى أخيك، وكل المضاف إلى سوداء لدلالة ما قبلهما عليهما، و «إذ» في البيت المذكور بخلاف ذلك، فلا يحكم لها بحكمه.
وأيضا فإن حذف المضاف وإعراب المضاف إليه بإعرابه أكثر من حذف المضاف وجر المضاف إليه، ومع أنه أكثر هو مشروط بعدم صلاحية الباقي لما صلح له المحذوف كالقرية بالنسبة إلى الأهل، فلو صلح الباقي لما صلح له المحذوف امتنع الحذف 166، فلأن يمتنع عند ذلك حذف المضاف وبقاء المضاف إليه مجرورا أحق وأولى، ومعلوم أن «إذ» من حينئذ صالح لما تصلح له حين، فلا يجوز فيها الحذف المذكور كما لا يجوز في غلام زيد، وأيضا فإن المضاف إلى «إذ» قد يبنى كقراءة نافع 167: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ 168، ولا علة لبنائه إلا إضافته إلى مبني، فبطل قول من قال: إن كسرة «إذ» كسرة إعراب،
ولم أقيد الجملة التي تضاف إليها «إذ» بكونها اسمية ولا فعلية؛ ليشعر ذلك أن للمتكلم أن يضيفها إلى ما شاء منهما 169، ثم أشرت إلى استقباح تقديم اسم بعدها على فعل ماض نحو: كان ذلك إذ زيد قام، فعلم أن غير ذلك حسن نحو: كان ذلك إذ قام زيد [2/ 417]، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1924
................................
وإذ زيد يقوم زيد.
كل ذلك حسن إذ لا محذور فيه بخلاف: إذ زيد قام، فإنه قبيح لأن مدلول «إذ» وقام من الزمان واحد، وقد اجتمعا في كلام، فلم يحسن الفصل بينهما بخلاف ما سواه، فإن الذي بعد «إذ» في جميعه غير موافق «لإذ» في مدلولها، فاستوى اتصالها وانفصالها عنه 170.
وتجيء «إذ» للتعليل 171، كقوله تعالى: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ 172، وكقوله تعالى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ 173، وكقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ 174، ومثله قول الشاعر:
1516 - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 175
وأشار إليها سيبويه فقال في باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره في غير الأمر والنهي: إن (أن) في قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت بمعنى «إذ»، و «إذ» بمعنى «أن» إلا أن إذ لا يحذف فيها الفعل، وأما «لا» يذكر بعدها الفعل المضمر 176. هذا نصه.
وتجيء «إذ» أيضا للمفاجأة كقول عمر رضي الله عنه: بينما نحن عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ طلع علينا
رجل 177.
فهذا مثال وقوعها بعد بينما، ومثله قول الشاعر 178: - -
الحديث: 1516 - الجزء: 4 - الصفحة: 1925
................................ 1517 - بينما هنّ بالأراك معا... إذ أتى راكب على جمله 179 ومثله: - 1518 - استقدر الله خيرا وارضينّ به... فبينما العسر إذ دارت مياسير 180 ومثال تركها قول الشاعر: - 1519 - فبينا نحن نرقبه أتانا... معلّق وفضة وزناد راعي 181 وتركها أقيس؛ لأن المعنى المستفاد معها مستفاد بتركها، وكلاهما مروي عن العرب نظما ونثرا، وكان الأصمعي 182 يؤثر تركها على ذكرها 183، وحكى السيرافي أن بعضهم يجعلها ظرف مكان 184، وأن بعضهم يجعلها زائدة 185، -
الحديث: 1517 - الجزء: 4 - الصفحة: 1926
................................
والمختار عندي الحكم بحرفيتهما 186، وقد حدث لبين إذ قيل فيها: بينما وبينا الاختصاص بالزمان والظرفية والإضافة إلى الجمل، وقد تضاف «بينا» إلى مصدر كقوله: -
1520 - بينا تعانقه الكماة وروعه... يوما أتيح له كميّ سلفع 187
ويروى تعنقه بالرفع على الابتداء والخبر محذوف.
هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى 188، واستفيد منه أن «إذ» لها استعمالات ثلاثة:
1 - أن تكون ظرفا ماضيا 189.
2 - وأن تكون للتعليل.
3 - وأن تكون للمفاجأة 190.
وأن التي هي ظرف قد تخرج عن الظرفية، فيضاف إليها زمان أو تقع مفعولا بها، وسيذكر لها استعمالا رابعا.
وهو أن تكون ظرفا مستقبلا عند الكلام على إذا 191.
ثم الكلام في مباحث: - - وينظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (1/ 36، 37، 183)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج: (1/ 75، 403).
الحديث: 1520 - الجزء: 4 - الصفحة: 1927
................................
الأول:
إن قول المصنف: إلا أن يضاف إليها زمان أو تقع مفعولا بها؛ ينافي قوله قبل ذلك: إنها لازمة الظرفية؛ لأن ما لزم شيئا، لا ينفك عنه، وإلا فليس بلازم، فكان الأولى أن يقول: «غالبة الظرفية» [2/ 418] أو يقول: وأكثر استعمالها ظرفا، ونحو ذلك.
الثاني:
أن لقائل أن يقول: إن إضافة الزمان إليها لا يخرجها عن الظرفية؛ وذلك لأن إضافة الزمان إليها كلّا إضافة؛ لأنها
باقية على دلالتها لم يتغير بالإضافة لها معنى، وكأنّ الزمان المضاف إليها إنما هو مضاف إلى الجملة الواقعة بعد «إذ».
وإذا كان كذلك فمثل هذه الإضافة لا تخرج الكلمة عن الظرفية، وأما وقوعها مفعولا بها فليس أمرا مجمعا عليه 192، وما استدل به المصنف على مفعوليتها وهو قوله تعالى:
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ 193 محتمل أن يكون المفعول فيه غيرها، وتكون «إذ» باقية على ظرفيتها، التقدير: واذكروا حالكم إذ أنتم أو واذكروا فضل الله عليكم إذ أنتم، وكذا يكون التقدير في نظائر هذه الآية الشريفة كقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ 194، وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ 195، وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ 196، وقول من قال من المعربين: إن العامل «اذكر» مقدر مع كون «إذ» ظرفا ظاهر الفساد 197، وكذا يكون التقدير في قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي -
الجزء: 4 - الصفحة: 1928
................................
الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ 198 أن إذ ظرف لمضاف محذوف، التقدير: «واذكر قصة مريم» 199 ويدل على صحة هذا التقدير في مثل هذه الآيات الشريفة ظهور مثله في قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً 200.
المبحث الثالث:
إذا أفادت «إذ» التعليل فهل هي حرف كلام التعليل أو هي باقية على ظرفيتها، واستفيد التعليل من سياق الكلام؟.
ذكروا أن في ذلك خلافا 201، ولم يشعر كلام المصنف بشيء من القولين، بل إذا حمل على ظاهره وجب القول بأنها باقية على الظرفية عنده؛ لأن الضمير المستتر في قوله: «وتجيء للتعليل» يرجع إلى «إذ» المتقدمة الذكر المحكوم باسميتها.
والذي تركن إليه النفس القول بحرفيتها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ 202 فإن التعليل يستفاد من الآية الشريفة بلا شك، قال بعض المصنفين 203: إذا حملنا «إذ» على الوقت كان المعنى: «ولن ينفعكم اليوم وقت ظلمكم الاشتراك في العذاب، وحينئذ لا يستفاد التعليل، لاختلاف زمني الفعلين، ويبقى إشكال في الآية وهو أن «إذ» لا تبدل من اليوم لاختلاف الزمانين ولا تكون ظرفا «لينفع»؛ لأنه - - وإنما العامل في «إذ» معنى الاصطفاء.
اه.
وقد رد ابن هشام هذا المذهب أيضا في المغني (1/ 80).
الجزء: 4 - الصفحة: 1929
................................
لا يعمل في ظرفين، ولا «المشتركون» لأن معمول «أن» لا يتقدم عليها، ولأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول، ولأن اشتراكهم في الآخرة لا في زمن ظلمهم، وقال ابن جني: راجعت أبا علي مرارا في قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ... الآية مستشكلا إبدال «إذ» من اليوم، فآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان، وأنهما في حكم الله تعالى سواء: فكأنّ اليوم ماض أو كأنّ إذ مستقبلة 204. انتهى.
ومقتضى كلام أبي علي أن «إذ» التعليلية لا تخرج عن الظرفية، والظاهر أن الجمهور على ذلك، ومن ثم قال [2/ 419] الشلوبين: قال بعض المتأخرين: إن إذ تستعمل لمجرد السببية معراة عن الظرفية، وزعم أنه مراد سيبويه بقوله: لأنها يعني «أن» في معنى «إذ» وإذ في معناها أيضا 205، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ 206 وقال: محال أن تكون ظرفا؛ لأن الفعل المستقبل لا يقع في الظرف الماضي فإنما هي لمجرد التسبيب قال: والجواب: أن كلام سيبويه لا دليل فيه على ما ذكروا، إنما معناه، لأنها في معنى «إذ» في السببية ليس غير، بل ظاهر الكتاب في غير هذا الموضع يدل على أنها لا تخرج عن الظرفية، قال: وأما الآية الشريفة فلا دليل فيها؛ لأن العامل في «إذ» محذوف، والتقدير: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، وجب لكم ذلك إذ ظلمتم أنفسكم بالكفر والطغيان، فإذ ظرف ماض فيه معنى التسبيب 207، قال: وكذا يقدر في قول الشاعر 208: -
1521 - ألا رجلا أحلوه رحلي وناقتى... تبلغ عني الشعر إذ مات قائله 209
انتهى.
ولم يظهر لي قول الشلوبين: إن كلام سيبويه لا دليل فيه، بل كلام سيبويه -
الحديث: 1521 - الجزء: 4 - الصفحة: 1930
................................
ظاهر الدلالة على ما ساقه المصنف له، والحق الوقوف معه إلى أن يؤتى لسيبويه بنص آخر يقتضي مخالفة ما ذكره في هذا الموضع، فحينئذ يجب الانقياد إليه، وأما التخريج الذي ذكره في الآية الشريفة، فلا يخفى بعده....
المبحث الرابع:
قد عرفت ما ذكره المصنف في «إذ» التي للمفاجأة من أن بعضهم يجعلها ظرف مكان، وبعضهم يجعلها زائدة، وأنه هو يختار الحكم بحرفيتها.
قال الشيخ: والذي نختاره نحن خلاف قوله، وأنها ظرف زمان على حالها التي استقرت لها، ولا يخرجها إلى الزيادة ولا إلى الحرفية، ولا إلى كونها ظرف مكان، لأنه يمكن إقرارها ظرف زمان 210. انتهى.
ولم أر في كلامه دليلا على هذه الدعوى، ثم كلام المصنف يقتضي أن «إذ» لا تكون للمفاجأة إلا بعد بينما وبينا، وهذا هو الظاهر، واعلم أن العامل في بينما وبينا، هو ما يشبه الجواب في نحو: بينما زيد قائم أقبل عمرو، فالناصب لبينما هو أقبل، قال الشيخ: وبعضهم يطلق عليه جوابا وليس بجيد؛ لأن الأول ليس بشرط.
ولو كان شرطا لم يسغ أن يقال: إنه يعمل فيه الجواب، أما إذا وجدت «إذ» نحو: بينما زيد قائم إذ أقبل عمرو، فعلى القول بأنها زائدة يكون الأمر كما كان؛ فيكون العامل في بينما هو أقبل، وإن كانت زائدة فلا يمكن عمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأنها إن كانت حرفا للمفاجأة فلا يعمل ما بعد المفاجأة فيما قبلها، وإن كانت ظرفا، فما بعدها مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله، وحينئذ يتعين أن يكون [2/ 420] الناصب لبينما ولبينا عاملا مقدرا، يفسره ما بعد «إذ» فإذا قلت: بينما أو بينا زيد قائم إذ أقبل عمرو، كان العامل في بينما أو بينا أقبل محذوفة يفسرها «أقبل» الموجودة بعد «إذ» وأما العامل حينئذ في «إذ» فقال ابن جني: العامل فيها الفعل الذي بعدها؛ لأنها غير مضافة إليه، وهذا دليل ابن جني على أنه جعلها للمفاجأة ولم يجعلها ظرفا 211، وأما الشلوبين فإنه حكم بإضافتها إلى الجملة بعدها، وإذا كان كذلك امتنع عمل الفعل الذي بعدها فيها كما -
الجزء: 4 - الصفحة: 1931
................................ امتنع عمله في بينما وبينا. وإذا امتنع عمل الفعل وجب الحكم على «إذ» بالبدلية من بينما وبينا 212، والذي يحصل من كلام الشلوبين أن العامل في بين ما يفهم من معنى الكلام، وأن «إذ» بدل من بين، أي حين أنا كذلك حين جاء زيد، ومما ينبّه عليه أنه قد يذكر بعد «إذ» كلمة مفرد، فيظن أن «إذ» مضافة إليها، وليس كذلك؛ لأنك قد عرفت أنها يلزمها الإضافة إلى جملة، وعلى هذا يتعين تقدير كلمة أخرى منضمة إلى الكلمة الواقعة بعدها لينتظم منها جملة، فإذا قلت: قمت إذ ذاك وفعلت إذ ذاك كان التقدير: إذ ذاك كذلك 213، ومنه قول الشاعر 214: - 1522 - هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا 215 التقدير: إذ ذاك كذلك، وقال الأخطل: - 1523 - كانت منازل ألّاف عهدتهم... إذ نحن إذ ذاك دون النّاس إخوانا 216 ألاف بضم الهمزة جمع آلف بالمد مثل كافر وكفار، ونحن، وذاك مبتدآن حذف خبراهما، والتقدير: عهدتهم إخوانا إذ نحن متآلفون إذ ذاك كائن، وأنشدوا للخنساء بيتا وهو: - 1524 - كأن لم يكونوا حمى يتّقى... إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا 217
الحديث: 1522 - الجزء: 4 - الصفحة: 1932
................................
وتكلم عليه بعض الفضلاء 218 قال: فإذ الأولى ظرف ليتقى أو لحمى أو ليكونوا، إن قيل: إن لكان الناقصة مصدرا، وهو الصحيح، والثانية ظرف لبزّ، ومن مبتدأ موصول لا شرط؛ لأن بزّ عامل في «إذ» الثانية، ولا يعمل ما في حيّز الشرط فيما قبله عند البصريين، و «بز» خبر «من» والجملة خبر الناس، والعائد إليهم محذوف أي: من عز منهم كقولهم: السمن منوان بدرهم، ولا تكون «إذ» الأولى ظرفا «لبزّ» لأنه جزء الجملة التي أضيفت «إذ» الأولى
إليها، ولا يعمل شيء من المضاف إليه في المضاف، ولا «إذ» الثانية بدلا من الأولى لأن الأولى إنما تكمل بما أضيفت إليه، ولا يتبع اسم حتى يكمل، ولا خبرا عن الناس؛ لأنها زمان والناس اسم عين، وذلك مبتدأ محذوف الخبر أي كائن 219.
المبحث الخامس:
الجملة التي تضاف بينما وبينا إليها تارة تكون اسمية، كالأمثلة المتقدمة، وتارة تكون فعلية، لكن ذلك قليل، تقول: بينما أنصفني ظلمني، وبينما اتصل بزيد قطعه، حتى زعم ابن الأنباري أن «بين» يشرط بها في هذين المثالين 220، قال الشيخ:
واختلفوا في الجملة الواقعة بعد بينما وبينا، على ثلاثة مذاهب [2/ 421]:
فقيل: موضع خفض بالإضافة، وقيل: «ما» في «بينما» والألف في «بينا» كافتان والجملة بعدهما لا موضع لها من الإعراب، وقيل: «ما» كافة بدليل عدم الخفض بعدها، والجملة التي تليها لا موضع لها من الإعراب، وأما ألف «بينا» فإشباع والجملة التي بعدها في موضع خفض بالإضافة، وليست الألف كافة خلافا لمن زعم ذلك؛ لأن كون الألف كافة لم يثبت، وثبت كونها إشباعا في رواية من روى:
1525 - بينا تعانقه الكماة.......... 221
قال: وهذا هو المذهب المختار عند أصحابنا 222. انتهى.
ومما يدل على اختلاف بينما وبينا في الحكم أن بينا قد تضاف إلى مصدر كما - - والشاهد في قوله: «إذ ذاك» كالبيتين السابقين.
الحديث: 1525 - الجزء: 4 - الصفحة: 1933
[أحكام إذا حين تجيء ظرفا وغير ظرف]
قال ابن مالك: (ومنها «إذا» للوقت المستقبل مضمّنة معنى الشّرط غالبا، لكنها لما تيقّن كونه أو رجّح بخلاف «إن» فلذا لم تجزم غالبا إلّا في شعر وربّما وقعت موقع «إذ» و «إذ» موقعها، وتضاف أبدا إلى جملة مصدّرة بفعل ظاهر أو مقّدر قبل اسم يليه فعل، وقد تغني ابتدائية اسم بعدها عن تقدير فعل وفاقا للأخفش، وقد تفارقها الظّرفيّة مفعولا بها أو مجرورة بحتّى، أو مبتدأة، وتدل على المفاجأة حرفا لا ظرف زمان خلافا للزّجاج، ولا ظرف مكان خلافا للمبرد، ولا يليها في المفاجأة إلّا جملة اسميّة، وقد تقع بعد بينا وبينما) 223.
- ذكر المصنف، وأما بينما فلا يليها إلا جملة، وأفاد قول المصنف: (وقد تضاف بينا إلى مصدر) أنها لا تضاف إلى اسم عين، قالوا: والسبب في أن بينا لا يليها إلا الجملة أو المفرد بشرط أن يكون مصدرا - أنها تستدعي جوابا، فلم يقع بعدها إلا ما يعطي معنى الفعل، وذلك الجملة أو المصدر من المفردات 224.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 225: يدل على اسمية «إذا» أن فيها ما في «إذ» من الدلالة على الزمان دون تعرض لحدث، ومن الإخبار بها مع دخولها على الأفعال نحو قولك: راحة المؤمن إذا دخل الجنة، ومن وقوعها بدلا من اسم صريح نحو: أكرمك غدا إذا جئتني، ومن وقوعها مفعولا بها 226 كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عني غضبى» 227.
وانفردت بدخول حتى الجارة عليها كقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها 228، كما انفردت «إذ» بلحاق التنوين والإضافة إليها، وإلى الحديث والآية الشريفة أشرت بقولي: وقد تفارقها الظرفية مفعولا بها أو مجرورة بحتى.
-
الجزء: 4 - الصفحة: 1934
................................
وأما وقوعها مبتدأ فمثاله قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ 229 لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ 230 خافِضَةٌ رافِعَةٌ 231 إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (1) في قراءة من نصب «خافضة رافعة» (2) فإذا وقعت مبتدأ، و «إذا رجت» خبر.
وليس وخافضة ورافعة أحوال ثلاثة، والمعنى: وقعت وقوع الواقعة صادقة الوقوع خافضة قوم، رافعة آخرين وقت رجّ الأرض، هكذا أعربه أبو الفتح في المحتسب (3) وهو صحيح 232، وأكثر وقوع «إذا» مضمنة معنى [2/ 422] الشرط؛
ولذلك تقع الفاء بعدها على حد وقوعها بعد «إن» كقوله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا 233 ولذلك أيضا كثر وقوع الفعل بعدها ماضي اللفظ مستقبل المعنى 234 نحو: إذا جئتني أكرمتك، ولو جعلت مكان «إذا» حينا أو غيره قاصد الاستقبال لم يجز أن تأتي بلفظ الماضي، وكان مقتضى تضمنها معنى الشرط أن يجزم بها، لكن منع من ذلك ثلاثة أمور:
أحدها: أن تضمنها معنى الشرط ليس بلازم، فإنها قد تتجرد منه كقوله تعالى:
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا 235 وقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى 236 وقد تتجرد من الظرفية مع تجردها من الشرط نحو: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية».
الثاني: أنها مضافة إلى ما يليها، والمضاف يقتضي جرّا لا جزما.
وإذا جزم بها في الشعر، فليست مضافة إلى الجملة، وبناؤها حينئذ لتضمنها مع «إن».
الثالث: أن ما يليها متيقّن الكون أو في حكم المتيقن نحو: آتيك إذا انتصف النهار، وأجيبك إذا دعوتني، بخلاف «إن» فإنّ كونه وعدم كونه لا رجحان لأحدهما على الآخر، فلما خالفتها «إذا» لم يجزم بها إلا في الشعر 237 وإنما جاز -
الجزء: 4 - الصفحة: 1935
................................ أن يجزم بها في الشعر؛ لأن فيها ما في «إن» من ربط جملة بجملة وإن لم يكن ذلك لها لازما، ومن الجزم بها قول الشاعر: - 1526 - ترفع لي خندف والله يرفع لي... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد 238 ومثله: - 1527 - استغن ما أغناك ربّك بالغنى... وإذا تصبك خصاصة فتجمّل 239 ومثله: - 1528 - وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى... وإلى الذي يعطي الرّغايب فارغب 240 وقد يراد بها المضي فتقع موقع «إذ» كقوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ 241، وكقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها 242، ومن ذلك قول الشاعر: - 1529 - حللت بها وتري وأدركت ثورتي... إذا ما تناسى ذحله كلّ غيهب 243
الحديث: 1526 - الجزء: 4 - الصفحة: 1936
................................
ومثله: -
1530 - ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها... فيما مضى أحد إذا لم يعشق 244
وقد يقع «إذ» موقع «إذا» 245 كقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى 246، «فإذ» هذه بدل من يوم يجمع، ويوم يجمع مستقبل المعنى، فتعين كون المبدل منه مثله في الاستقبال، ومثله قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ 247، ومثله قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ 248 بعد: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ 249.
ومن وقوع «إذ» موقع «إذا» قول الشاعر: -
1531 - متى ينال الفتى اليقظان حاجته... إذ المقام بأرض اللهو والغزل 250
ولا يليها عند سيبويه إلا فعل أو معمول فعل، فإن كان اسما مرفوعا وجب عنده أن يرتفع بفعل مقدر موافق لفعل ظاهر بعده 251، كقوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ 252 فالشمس مرفوع بكورت مضمرا والنجوم [2/ 423] مرفوع بانكدرت مضمرا، وكذلك ما أشبههما 253، لا يجيز سيبويه غير ذلك، واختار الأخفش ما أوجبه سيبويه، وأجاز مع ذلك جعل المرفوع بعد إذا مبتدأ 254، - - والحقد.
الغيهب: الثقيل.
وقيل: هو البليد.
والشاهد فيه: وقوع «إذا» موقع «إذ».
الحديث: 1530 - الجزء: 4 - الصفحة: 1937
................................
وبقوله أقول؛ لأن طلب «إذا» للفعل ليس كطلب «إن» بل طلبها له كطلب ما هو بالفعل أولى ممّا لا عمل له فيه كهمزة الاستفهام، فكما لا يلزم فاعلية الاسم بعد الهمزة، لا يلزم بعد «إذا».
ولذلك أجاز أن يقال: إذا الرجل في المسجد فظن به خيرا، ومنه قول الشاعر:
1532 - إذا باهليّ تحته حنظليّة... له ولد منها فذاك المذرّع 255
فجعل بعد الاسم الذي ولي «إذا» ظرفا، واستغنى عن الفعل.
ولا يفعل ذلك بما هو مختص بالفعل، ومما يدل على صحة مذهب الأخفش قول الشاعر:
1533 - فأمهله حتّى إذا أن كأنّه... معاطى يد فى لجّة الماء غامر 256
فأولى «إذا» «أن» الزائدة، وبعدها جملة اسمية، ولا يفعل ذلك بما هو مختص بالفعل، وأنشد ابن جني لضيغم الأسدي: -
1534 - إذا هو لم يخفني في ابن عمي... وإن لم ألقه الرّجل الظّلوم 257
وقال: في هذا دليل على جواز ارتفاع الاسم بعد «إذا» الزمانية بالابتداء؛ لأن هو ضمير الأمر والشأن، وضمير الشأن لا يرتفع بفعل يفسره ما بعده 258. قلت: -
الحديث: 1532 - الجزء: 4 - الصفحة: 1938
................................
ومثل ما أنشده ابن جني قول الآخر: -
1535 - وأنت امرؤ خلط إذا هي أرسلت... يمينك شيئا أمسكته شمالكا 259
لأن هي ضمير القصّة والشأن، ولما أنهيت الكلام على «إذا» 260 الدالة على زمن مستقبل أخذت في الكلام على «إذا» المفاجأة، وقد اجتمعا في قوله تعالى:
ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ 261، فالأولى الدالة على وقت الاستقبال، والثانية الدالة على المفاجأة، وهي عند المبرد والسيرافي ظرف مكان 262، وعند الزجاج وأبي علي الشلوبين ظرف زمان حاضر 263. وهذا هو ظاهر قول سيبويه، فإنه قال حين قصدها: وتكون للشيء توافقه في حال أنت فيها، وذلك قولك: مررت فإذا زيد قائم 264، هذا نصه.
وروي عن الأخفش أنها حرف دال على المفاجأة 265. وهو الصحيح عندي، ويدل على صحته ثمانية أوجه 266:
أحدها: أنها كلمة تدل على معنى في غيرها، غير صالحة لشيء من علامات الأسماء والأفعال.
الثاني: أنها كلمة لا تقع إلا بين جملتين، وذلك لا يوجد إلا في الحروف -
الحديث: 1535 - الجزء: 4 - الصفحة: 1939
................................
كلكن، وحتى الابتدائية.
الثالث: أنها كلمة لا يليها إلا جملة ابتدائية مع انتفاء علامات الأفعال، ولا يكون ذلك إلا في الحروف.
الرابع: أنها لو كانت ظرفا لم يختلف من حكم بظرفيتها في كونها مكانية أو زمانية؛ إذ ليس في الظروف ما [2/ 424] هو كذلك.
الخامس: أنها لو كانت ظرفا لم تربط بين جملتي الشرط والجزاء في نحو قوله:
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ 267 إذ لا يكون كذلك إلا حرف.
السادس: أنها لو كانت ظرفا، لوجب اقترانها بالفاء، إذا صدر بها جواب الشرط، فإن ذلك لازم لكل ظرف صدر به الجواب نحو: إن تقم فحينئذ أقوم، وإن تقم فعند مقامك أقوم.
السابع: أنها لو كانت ظرفا لأغنت عن خبر ما بعدها، ولكثر نصب ما بعده على الحال كما كان مع الظروف المجمع على ظرفيتها، كقولك: عندي زيد مقيما، وهناك بشر جالسا، والاستعمال في نحو: مررت فإذا زيد قائم، بخلاف ذلك.
الثامن: أنها لو كانت ظرفا لم يقع بعدها «إنّ» المكسورة غير مقترنة بالفاء 268 كما لا يقع بعد سائر الظروف نحو: عندي إنّك فاضل، وأمر «إنّ» بعد إذا المفاجأة بخلاف ذلك كقوله: -
1536 - إذا أنّه عبد القفا واللهازم 269
فتعين الاعتراف بثبوت الحرفية وانتفاء الظرفية، ومثال وقوعها بعد بينا قول الشاعر 270: -
الحديث: 1536 - الجزء: 4 - الصفحة: 1940
................................
1537 - وبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا... إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف 271
ومثال وقوعها بعد بينما قول الشاعر: -
1538 - بينما المرء في فنون الأماني... فإذا زائر المنون موافي 272
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 273، وعرف منه أن «إذا» قسمان: -
غير فجائية: وهي ظرف مستقبل مضمن معنى الشرط.
وفجائية.
وأن غير الفجائية قد تفارق الظرفية، فتكون مفعولا بها أو مجرورة بحتى أو مبتدأ، وأنها قد تفارق الشرطية، واستفيد ذلك من قوله: (غالبا) بعد قوله:
(مضمنة معنى الشرط).
وأنها قد تفارق الاستقبال، واستفيد ذلك من قوله:
(وربما وقعت موقع «إذ») وكل من ذلك فيه بحث، وقد يتعلق بهذا الموضع أبحاث أخر، وأنا أورد ذلك كله جملة فأقول:
أما مفارقتها الظرفية فلم يثبت بقاطع، وما استدل به المصنف محتمل للتأويل، فأما الحديث الشريف وهو: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية»، فالمفعول فيه محذوف، والتقدير: إني لأعلم حالك أو شأنك أو أمرك إذا كنت عني راضية، و «إذا» باقية على الظرفية لم تفارقها، وأما قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها 274 فليست حتى فيه جارة بل هي حرف ابتداء باشرت الجملة الشرطية وجوابها، ودخول حتى على الجملة المصدرة بإذا الشرطية كثير في الكتاب العزيز، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ -
الحديث: 1537 - الجزء: 4 - الصفحة: 1941
................................
طَيِّبَةٍ 275 وجوابها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ (2)، وقال تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ 276، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها 277، فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي 278، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ 279، فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ 280 [2/ 425]، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً 281، ولا شك أن مجيء جواب «إذا» يبطل كون حتى جارة؛ لأن الجر يخرج إذا عن الظرفية، ويصيرها مع ما بعدها في حيز المفرد، ولا يبقى إذ ذاك جملة شرطية تستدعي جوابا؛ لأنها تصير إذ ذاك مع ما بعدها غاية لما قبلها 282، قال الشيخ: وكما جاءت «لو» الامتناعية بعد حتى وهي شرط في الماضي كذلك جاءت إذا، ولا يدّعي أحد أن «لو» في موضع جر بحتى، ومثال ذلك قول الشاعر 283:
1539 - وما زال بي ذا الشّوق حتّى لو انّني... من الوجد أستبكي الحمام بكى لها 284
انتهى 285.
وهذا لا يبطل به قول المصنف؛ لأن «لو» حرف، والحرف لا يجر.
فالمانع من القول بجره حرفيته، وأما إذا فكلمة ثابتة الاسمية، فللقول بجرها مسوغ، وهو اسميتها، ثم قال الشيخ: ونصوا على أن حتى إذا دخلت على الجملة لا
تعمل فيها -
الحديث: 1539 - الجزء: 4 - الصفحة: 1942
................................
ولا في شيء من أجزائها، بل تخرج على أحد وجهين: -
الأول: أن تكون حرف ابتداء، وليس المراد بذلك أن لا يليها إلا المبتدأ، بل المراد أن يكون بعدها المبتدأ نحو:
1540 - وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان 286
أو يصلح أن يقع بعدها المبتدأ، كقولك: ضربت القوم حتى زيدا ضربته، بنصب زيد، فهي هنا حرف ابتداء؛ لأنه يصلح أن يكون بعدها المبتدأ، فتقول: حتى زيد ضربته، قال: فكذلك يكون التقدير في قوله تعالى: فَهُمْ يُوزَعُونَ.. 287: حتى هم إذا جاءوها شهد عليهم سمعهم.
الوجه الثاني: أن تقدر حتى بمعنى الفاء، كما قدرها النحويون في قولهم: سرت حتى أدخل المدينة، برفع أدخل، وتقدير كونه قد وقع التقدير: سرت فدخلت المدينة، فكذلك حتى في هذه المواضع التي جاءت بعدها «إذا» تتقدر
بالفاء، ولا ينخرم منها موضع.
انتهى 288.
وهو كلام حسن، إلا أن قوله: إن المراد بحتى الابتدائية أن يليها المبتدأ أو يصلح أن يقع بعدها المبتدأ، لا يظهر.
والظاهر أن المراد من قولهم: حرف ابتداء، أن الكلام الذي يليها مستأنف لا تعلق له بما قبلها من حيث اللفظ.
ثم قال الشيخ: والدليل على بقائها شرطية اتفاق النحويين على ذلك في قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها 289، واختلفوا في الجواب فقيل: الواو زائدة، وقيل: الجواب محذوف، قال: وقد طالعت كثيرا من (الكتب في النحو) 290، فلم أر من تعرض لهذه المسألة -
الحديث: 1540 - الجزء: 4 - الصفحة: 1943
................................
بخصوصها - يعني به حكم «إذا» الواقعة بعد حتى - إلا الزمخشري 291 وأبا البقاء العكبري وصاحب البسيط.
أما الزمخشري فإنه أجاز فيها أن تكون حرف ابتداء 292، وأن تكون جارة لإذا بمعنى الوقت 293، وأما أبو البقاء فإنه جرى فيها على القواعد، فقال في قوله [2/ 426] تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ 294: إذا في موضع نصب بجوابها وهو يقول:
وليس لحتى هنا عمل، وإنما أفادت معنى الغاية كما لا تعمل في الجمل 295، وأما صاحب البسيط فإنه قال: وتقول: اجلس حتى إذا جاء زيد أعطيتك، فحتى هنا غير عاملة؛ لأنها دخلت على اسم معمول لغيرها، لأن «إذا» في موضع نصب بالجواب على الظرف، كأنك قلت: اجلس فإذا جاء زيد أعطيتك 296.
ثم قال الشيخ: وكان بعض الأذكياء يستشكل مجيء هذه الجملة الشرطية من إذا وجوابها بعد حتى، ويذكر لي
ذلك ويقول: كيف تكون حتى غاية وما بعدها جملة الشرط؟ فقلت له: الغاية في الحقيقة ما ينسبك من الجواب مرتبا على فعل الشرط، فالتقدير المعنوي الإعرابي: «فهم يوزعون إلى أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وقت مجيئهم إلى النار فينقطع الوزع» وكذلك: «وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا إلى أن تفتح لهم أبوابها وقت مجيئهم فينقطع السوق» وأما إذا كانت بمعنى الفاء فيطيح هذا الإشكال 297؛ إذ لا تكون «حتى» إذ ذاك حرف غاية.
انتهى.
وأما قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ 298 في قراءة من نصب خافِضَةٌ رافِعَةٌ 299، فلا يتعين أن يكون: إذا رجت - خبرا، حتى يلزم منه أن تكون «إذا» في إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ مبتدأ 300، فقد قيل: إن «إذا» من «إذا وقعت» باقية -
الجزء: 4 - الصفحة: 1944
................................
على ظرفيتها، وتلك أحوال ثلاثة كما تقدم 301 وإِذا رُجَّتِ 302 بدل من إِذا وَقَعَتِ وجواب إذا: إما وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً 303 على زيادة الواو، كما قالوا في:
حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها 304: أي فتحت، وكما قيل في قول الشاعر: -
1541 - فلمّا أجزنا ساحة الحي وانتحى... بنا بطن خبت ذي ركام عقنقل 305
أي انتحى، قال الشيخ: وهو تخريج كوفي أخفشي.
وإما أن يكون الجواب محذوفا، فإما أن تقدر قبل وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً وتقديره: عرفتم مراتبكم ومنازلكم، وإما أن يكون الجواب فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ 306 وما بعده، والمعنى:
فأصحاب الميمنة ما أعظمهم وما أنجاهم، وأصحاب المشأمة ما أحقرهم، وما أشقاهم، قال الشيخ:
وهذا الوجه أحسن، إذ لا يحتاج فيه إلى تكلف 307. انتهى.
ومنهم من قدر بدل عرفتم مراتبكم، انقسمتم أقساما، ثم عطف عليه وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً 308. -
الحديث: 1541 - الجزء: 4 - الصفحة: 1945
................................
وأما مفارقتها الشرطية فقد مثل له المصنف كما عرفت بقوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا 309 وبقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى 310 ولم يظهر لي وجه الاستدلال من الآية الأولى، فإن وجّه بأن الذي يدل على انتفاء الشرط عن «إذا» عدم صلاحيته «لسوف أخرج حيّا» لأن يكون جوابا له، إذ الفاء في مثله واجبة، وإذا انتفى
كون لَسَوْفَ أُخْرَجُ جوابا [2/ 427] تخلصت «إذا» للظرفية ويكون العامل فيها «أخرج» فيتم الاستدلال الذي قصده المصنف، لكن ينشأ على هذا إشكال وهو: أن ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبلها، لأنها من أدوات الصّدر، وحينئذ يبطل كون «أخرج» عاملا، وإذا بطل كون «أخرج» عاملا، وجب أن يكون العامل في إذا مقدرا من معنى أخرج 311، التقدير: «إذا ما مت أبعث» لكن إذا كان العامل أبعث الذي هو مقدر، كان هو الجواب، وإذا كان هو الجواب مع كونه جوابا صناعيّا أمكن دعوى الشرطية في «إذا»، إذ لا مانع من ذلك، وحينئذ لا يتم استدلال المصنف بهذه الآية الشريفة على أن «إذا» فارقتها الشرطية وخلصت للظرفية.
وأما الآية الشريفة الثانية وهي قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ومثله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى 312، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ 313 فظاهر كون إذا فيه خلصت للظرفية وتجردت عن معنى الشرط؛ لأن فعل القسم المقدر مقصود به الإنشاء، فوجب أن يكون وجود معناه مقارنا لوجود لفظه، فلو كان الشرط مقصودا وجب أن يتأخر وجود المعنى إلى حين وجود الأمر المشروط، وذلك خلاف المقصود من الفعل الإنشائي الذي هو أقسم وشبهه، وإذا كان كذلك «فإذا» في هذه الآيات الشريفة تمحضت للظرفية 314.
بقي الكلام في العامل في الظرف ما هو؟.
لم أر في كلام المصنف ولا كلام الشيخ تعرضا إلى ذكره.
-
الجزء: 4 - الصفحة: 1946
................................
وقال أبو البقاء: «العامل فيه فعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالنجم وقت هويّه» 315، وما قاله غير ظاهر، فإن وقت هويه مستقبل؛ لأن إذا هي الدالة عليه، وهي للاستقبال.
والفعل المضارع يتعين استقباله بعمله في ظرف مستقبل، فيلزم استقبال «أقسم» وهو فعل إنشائي لا محالة، وقد عرفت أن وجود معنى ما هو كذلك يجب أن يكون
مقارنا لوجود لفظه، والذي يظهر أن يكون الظرف المذكور في موضع الحال، فيكون العامل فيه إذ ذاك محذوفا، التقدير: أقسم بالنجم كائنا وقت هويه، وكذا التقدير في بقية الآيات، ومثّل غير المصنف 316 لخروج إذا عن الشرطية [بقوله] تعالى: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ 317، وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ 318 فقال: لو كانت إذا شرطية وجب اقتران الجواب بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، وقد التزم بعضهم شرطيتها في الآيتين الشريفتين، وذكر أن الفاء تضمر في الجواب أو أن الضمير توكيد لا مبتدأ، وما بعده الجواب، ولا يخفى ضعف ذلك 319.
وأما مفارقتها الاستقبال، فقد عرفت أن المصنف استدل على ذلك بقوله تعالى:
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ 320، وبقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها 321، واستدل أيضا بقول الشاعر: -
1542 - حللت بها وتري............ البيت 322
وبقول الآخر: -
1543 - ما ذاق بؤس معيشة............. البيت أيضا 323
واستدل أيضا على وقوع «إذ» موقع «إذا» بقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى 324 فقال: إن إذ هذه [2/ 428] بدل من يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ 325 ويوم يجمع مستقبل المعنى، قال: فيتعين كون المبدل منه مثله في الاستقبال، وبقوله -
الحديث: 1542 - الجزء: 4 - الصفحة: 1947
................................
تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ 326 وبقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ 327 بعد إِذا زُلْزِلَتِ 328، وجعل من ذلك قول الشاعر: -
1544 - متى ينال الفتى اليقظان حاجته... إذ المقام بأرض اللهو والغزل 329
كما تقدمت الإشارة إلى ذلك كله، وقد أورد الشيخ كلام المصنف هذا واستدلاله، ثم قال: وما استدل به يحتمل التأويل 330، ولم يرد على ذلك.
وأقول: أما ما استدل به على أن «إذا» تقع موقع «إذ».
فالآية الأولى منه يمكن أن يقال فيها: إن المقصود حكاية حالهم حين ابتدأوا في الفعل، وإذا كان كذلك كان المحل حينئذ موقع «إذا» دون موقع «إذ».
وأما الآية الثانية فالمراد منها حكاية ما كانوا عليه، وما هو شأنهم وديدنهم، فالمعنى: حال هؤلاء أنهم إذا رأوا تجارة أو لهوا كان منهم ما ذكر ولو أتي «بإذ» في هذا المحل لصار المعنى الإخبار عن واقعة وقعت منهم، ولا يلزم من الإخبار بذلك أن يكون ذلك من شأنهم 331 وأما البيتان اللذان أنشدهما وهما: -
1545 - حللت بها وتري
وقول الآخر: -
1546 - ما ذاق بؤس معيشة
فيظهر أن لا دليل فيهما على المطلوب؛ لأن جواب الشرط فيهما محذوف، والمذكور المتقدم دليل عليه، ولا شك أن الجواب مستقبل المعنى كالشرط، فوجب أن يكون دليل الجواب مستقبلا.
فكأن قائل الأول قال: -
إذا ما تناسى ذحله كلّ غيهب حللت بها وتري وأدركت ثورتي.
وكأن قائل الثاني قال: - -
الحديث: 1544 - الجزء: 4 - الصفحة: 1948
................................
إذا لم يعشق أحد فما ذاق بؤس معيشة ولا نعيمها.
وكذا قول الآخر 332: -
1547 - وندمان يزيد الكأس طيبا... سقيت إذا تغوّرت النّجوم 333
المعنى: إذا تغورت النجوم سقيت أي: أسقي، فسقيت مستقبل المعنى إلا أن يدعي المصنف أن إذا فارقتها معنى الشرطية في هذه الأبيات، وتجردت للظرفية، فيتم مراده، ويتوجه استدلاله.
وأما ما استدل به على وقوع «إذ» موقع «إذا» ففيه للبحث مجال.
أما وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى 334 وأن «إذ» بدل من يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ 335 فهذا متوقف على أن هذا القول الشريف لم يكن في الدنيا، وإنما يكون يوم القيامة، وعلى أن العامل فيه هو العامل في يَوْمَ يَجْمَعُ، وإذا تعين هذان الأمران يجاب حينئذ بالجواب المشهور عن ما هو نظير هذه الآية الشريفة، وهو أن المستقبل المحقق الوقوع يعبر عنه بما يعبر عن الواقع الذي قد مضى؛ لأن الإخبار عن الأمر العظيم بأنه قد وقع أبلغ من الإخبار عنه بأنه سيقع، وبتقدير أن لا يكون قد عبر عن المستقبل المحقق الوقوع بالماضي يمكن أن يجاب بأن يَوْمَ يَجْمَعُ لما ذكر، ومضى ذكره، صار في حكم شيء استقر [2/ 429] مضيه تنزيلا للماضي الذكر منزلة الماضي الوقوع، وهذا التقرير نظير ما قاله الزمخشري في قوله تعالى: الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ 336 إن ذلك كيف أشير به إلى ما ليس ببعيد، وأجاب بأنه لما وقعت الإشارة إلى الم بعد ما سبق التكلم به وتقضى، والمقتضى في حكم المتباعد، جاز ذلك 337. وبهذا الجواب يجاب عن استدلاله بقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ 338 بعد -
الحديث: 1547 - الجزء: 4 - الصفحة: 1949
................................
إِذا زُلْزِلَتِ 339؛ لأن ما تقدم ذكره وتقريره صار في حكم الماضي، وأما قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ 340، فهي من باب ما عبر عن المستقبل فيه بالماضي؛ لتحقق وقوعه 341، وأما قول الشاعر: -
1548 - متى ينال الفتى اليقظان حاجته... إذ المقام بأرض اللهو والغزل 342
فالظاهر أن «إذ» فيه للتعليل؛ لأن الظاهر أن المراد بالاستفهام في البيت النفي، فالمعنى: لا ينال الفتى اليقظان حاجته بسبب مقامه بأرض اللهو والغزل، وقد تقدم أن الذي يقتضيه النظر أن «إذا» إذا كانت للتعليل يحكم بحرفيتها.
وأما الأبحاث: - فمنها:
أنه قد عرف من قول المصنف: ويضاف أبدا إلى جملة مصدرة إلى أخره - أن «إذا» ليست معمولة للفعل الذي يليها، لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، وإنما هي معمولة لفعل الجواب، ولا شك أن هذا هو مذهب الجمهور، وهو المعروف المشهور، وذهب بعض النحويين إلى أنها ليست مضافة إلى الجملة بعدها، وأن العامل فيها الفعل الذي يليها، وأنها ليست معمولة لفعل الجواب كما ذهب إليه الجمهور 343، قال الشيخ: وهذا المذهب هو الذي نختاره حملا لها على أخواتها من أسماء الشرط، ألا ترى أنك إذا قلت: متى تقم أقم، كان منصوبا بالفعل الذي يليه، ويدل على ذلك قولك: أيّا تضرب أضرب، قال: وما ذهب إليه الجمهور فاسد من وجوه: -
أحدها: أن إذا الفجائية تقع جوابا لإذا الشرطية نحو قوله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا 344 وما بعد إذا لا يعمل فيما -
الحديث: 1548 - الجزء: 4 - الصفحة: 1950
................................
قبلها، وأجمعوا على أن جواب إذا هو إذا الفجائية مع ما بعدها، كما أجيب بها «إن» في قوله تعالى: إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ 345.
الثاني: وقوع الجواب لإذا وقد اقترن بالفاء نحو: إذا جاءك زيد فاضربه، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله.
الثالث: أن جوابها جاء منفيّا بما.
نحو قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا 346، وما بعد «ما» النافية لا يعمل فيما قبلها.
الرابع: اختلاف الظرفين في بعض الصور نحو: إذا جئتني غدا أجيئك بعد غد، فلا يمكن إذ ذاك أن يكون الجواب عاملا فيها وعاملا في «بعد» لاستحالة وقوع الفعل الواحد في زمانين 347. انتهى.
وقد استدل لأصحاب هذا المذهب بأمرين آخرين أيضا: -
أحدهما: أن الشرط والجزاء عبارة عن جملتين يربط بينهما بالأداة، قالوا: وعلى قول [2/ 430] الجمهور: إن العامل فعل الجواب أو ما أشبهه تصير الجملتان واحدة؛ لأن الظرف عندهم من جملة الجواب، والمعمول داخل في جملة عامله.
الثاني: أن ذلك ممتنع في قول زهير: -
1549 - بدا لي أني لست مدرك ما مضى... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا 348
لأن الجواب محذوف، التقدير: إذا كان جائيا فلا أسبقه، ولا يصح أن يقال:
لا أسبق شيئا وقت مجيئه؛ لأن الشيء إنما يسبق قبل مجيئه، فإن قالوا في البيت:
إنها غير شرطية، فهي معمولة لما قبلها وهو سابق، كان ذلك لازما لهم أيضا، وأما على القول بأن العامل في «إذا» هو ما يليها فهي شرطية محذوفة الجواب، وعاملها: إما خبر كان، أو نفس كان إن قيل بأنها دالة على الحدث 349، ثم إنهم أوردوا بعد ذلك سؤالا وهو: إنكم إذا قلتم: إن العامل في إذا هو الفعل الذي يليها -
الحديث: 1549 - الجزء: 4 - الصفحة: 1951
................................ وهو فعل الشرط لزمكم في نحو: إذا جئتني غدا أجيئك بعد غد، أن يكون جئتني قد عمل في إذا، مع كونه عاملا في غد، وعامل واحد لا يعمل في ظرفي زمان بغير عطف، وهو سؤال متجه، وقد أجيب عن ذلك: بأن العامل الواحد يجوز أن يعمل في ظرفي زمان إذا كان أحدهما أعم من الآخر نحو: آتيك يوم الجمعة سحر، قالوا: وليس سحر في هذا التركيب بدلا، لجواز سير عليه يوم الجمعة سحر، برفع الأول ونصب الثاني، نص على ذلك سيبويه، وأنشد للفرزدق: - 1550 - متى تردن يوما سفار تجد بها... أديهم يرمي المستجيز المعوّرا 350 ولا يجوز أن يكون يوما في البيت بدلا من «متى» لأنه لو كان بدلا كان مقترنا بحرف الشرط، وذلك لا يجوز في «غدا» من قولك: إذا جئتني غدا، في المثال المتقدم أن يكون بدلا من إذا 351، لهذه العلة التي ذكرناها، وقد تعقب على الشيخ كونه حكم على قوله تعالى: ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا 352 بأنه جواب 353 - بأن قيل: ليس هذا بجواب، إذ لو كان جوابا لكان مقترنا بالفاء، وإنما الجواب محذوف، التقدير: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات عمدوا إلى الحجج الباطلة 354. واعلم أن الموجب لدعوى الجمهور بأن «إذا» معمولة للجواب لا للشرط - أنهم حكموا بإضافتها إلى الجملة الشرطية، وذلك أنها كلمة مبنية، وعلة بنائها شبهها بالحرف في الافتقار إلى الجملة، فكانت إضافتها إلى الجملة لازمة، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، وإذا امتنع عمل فعل الشرط، تعين أن يكون العامل ما في الجواب من فعل أو ما يشبه الفعل 355، وبهذا التقرير لا يتم تنظير الشيخ «إذا» «بمتى» لأن متى غير مضافة، إذ لا داعي يدعو إلى القول بإضافتها، لأن بناءها -
الحديث: 1550 - الجزء: 4 - الصفحة: 1952
................................
لتضمن معنى الحرف، ولكن القائلين بأن العامل في «إذا» فعل الشرط يمنعون كون «إذا» مضافة إليه، ويجعلون علة بنائها تضمنها معنى الشرط، كما قيل في «متى» وأخواتها، ويستدلون على ذلك بأنه قد يجزم بها، ومع الجزم لا يمكن دعوى الإضافة، فيتعين كون علة البناء تضمن معنى الشرط، وإذا ثبت ذلك لها [2/ 431] في حالة الجزم بها نحو قول الشاعر:
1551 - وإذا تصبك خصاصة فتجمّل 356
ثبت مطلقا، ليجري الأمر فيها على سنن واحد 357، ولكن يشكل حينئذ شيء آخر، وهو أن «إذا» محكوم ببنائها حال تجردها للظرفية، وانسلاخها عن معنى الشرط، فيقال: ما الموجب لبنائها حينئذ، إذ معنى الشرط مفقود، وأنتم قد قلتم:
إنها غير مضافة إلى ما بعدها؟ وقد يجاب عن ذلك بأنها ثبتت في هذه الحالة، لشبهها بإذا التي تضمنت معنى الشرط، هذا آخر الكلام على إذا غير الفجائية.
وأما إذا الفجائية، فقد تقدمت الإشارة إلى ذكر المذاهب الثلاثة فيها، وتقدم ذكر اختيار المصنف أنها حرف، وتقدم استدلاله على ذلك أيضا، وقد نازعه الشيخ في ذلك، وزعم أنه أبطل أدلته، حتى عارض قول المصنف: فثبت الاعتراف بثبوت الحرفية، وانتفاء الاسمية بقوله: ويقال له: فثبت الاعتراف بثبوت الاسمية وانتفاء الحرفية 358، ولكني تركت إيراد ذلك خشية الإطالة، ثم إن ذلك ليس تحته فائدة يخشى فواتها، أو يترتب محذور على عدم معرفتها، وقد عرفت أن «إذا» هذه تفارق إذا الشرطية من أوجه:
منها: أن هذه تختص بالجمل الاسمية، والشرطية تختص بالجمل الفعلية.
ومنها: أن الشرطية لا بد لها من جواب، ولا جواب لهذه، وهذا ظاهر.
ومنها: أن تلك للاستقبال وهذه للحال.
ومنها: أن هذه لا يبتدأ بها كلام بخلاف تلك 359، وقد تقدم في باب الاشتغال -
الحديث: 1551 - الجزء: 4 - الصفحة: 1953
................................ أن الأخفش يجيز وقوع الفعل بعد إذا الفجائية إذا كان الفعل مقرونا بقد 360، وأما كون خبر المبتدأ الواقع بعدها يذكر تارة، ويحذف تارة، فقد تقدمت الإشارة إليه في باب المبتدأ 361، ولنذكر ذلك هنا ملخصا، فنقول: قد علمت الخلاف فيها هل هي حرف أو ظرف زمان أو ظرف مكان، ثم يعلم أنهم اختلفوا إذا كانت ظرفا، هل تلزم الإضافة إلى جملة أم لا؟ فعلى القول بأنها حرف أو تلزم الإضافة إلى جملة إذا كانت اسما، يلزم أن يكون خبر المبتدأ الذي بعدها محذوفا في نحو: خرجت فإذا السبع، التقدير: فإذا السبع حاضر أو موجود، وعلى القول بأنها لا تلزمها الجملة حال اسميتها: فإن قلنا: إنها ظرف مكان كانت خبرا عما بعدها، حدثا كان أو جثة وإن قلنا: هي ظرف زمان كانت خبرا عما بعدها إن كان حدثا نحو: خرجت فإذا القتال، وإلا فالخبر محذوف إن كان جثة وهو العامل في إذا يعني الخبر 362. واعلم أن من فروع هذه المسألة، المسألة المشهورة بين سيبويه والكسائي رحمهما الله تعالى: وهي قول العرب: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، وقالوا أيضا: فإذا هو إياها، وهو الذي أنكره سيبويه لما سئل عنها، وقال في الجواب: فإذا هو هي، وقد حكى المجلس برمّته الشيخ علم الدين السخاوي رحمه الله 363 في كتابه: سفر السعادة، وتكلم رحمه الله تعالى عليها [2/ 432] ونقل فيها كلام كثير من العلماء 364، قال رحمه الله تعالى: فمن ذلك ما جرى بين سيبويه والكسائي في مجلس يحيى بن خالد البرمكي عن الفراء، قال: قدم سيبويه رحمه الله تعالى على -
الجزء: 4 - الصفحة: 1954
................................ البرامكة، فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي، فجعل لذلك يوما، فلما حضر - يعني سيبويه - تقدمت أنا والأحمر، فدخلنا فإذا بمثال في صدر المجلس، يقعد عليه يحيى ومعه إلى جانب المثال 365 الفضل وجعفر، ومن حضر بحضورهم، فأقبل الأحمر على سيبويه، فسأله عن مسألة، فأجاب عنها سيبويه فقال له الأحمر: أخطأت، ثم مسألة ثانية فأجاب فيها، فقال له: أخطأت، فقال سيبويه: هذا سوء أدب، قال الفراء: فأقبلت عليه فقلت له: إن في هذا الرجل حدّة وعجلة، ولكن ما تقول في من قال: هؤلاء أبون، ومررت بأبين، كيف تقول على مثال ذلك من وأيت وأويت، فقدر فأخطأ، فقلت: أعد النظر، فقدر فأخطأ، فقلت: أعد النظر ثلاث مرات يجيب ولا يصيب، فلما كثر ذلك قال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما، فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشدّ لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أم فإذا هو إياها؟ قال سيبويه: فإذا هو هي ولا يجوز النصب فقال له الكسائي: لحنت، ثم مسألة من مسائل هذا النحو: خرجت فإذا عبد الله القائم أو القائم، فقال سيبويه: ذلك كله بالرفع دون النصب، فقال الكسائي: العرب ترفع ذلك كله وتنصبه، فدفع سيبويه قوله، فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلد كما، فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب ووفدت عليك من كل قطر وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين وسمع أهل البصرة وأهل الكوفة منهم، فيحضرون ويسألون، فقال يحيى أو جعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا وفيهم أبو فقعس، وأبو زياد 366، وأبو الجراح، وأبو ثروان 367، فسئلوا فاتبعوا الكسائي وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد يسمع، فاستكان سيبويه وأقبل الكسائي على يحيى فقال: أصلح الله الوزير؛ إنه قد وفد عليك من بلده مؤملا، فإن رأيت لا ترده خائبا، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصير وجهه إلى فارس، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1955
................................
ولم يعد إلى البصرة 368، وذكروا أنه لما دخل من دخل من العرب، وقالوا: القول ما قال الكسائي، قال سيبويه: مرهم فليتلفظوا بذلك؛ فإن ألسنتهم لا تجري به 369.
قال أبو القاسم الزجاجي: وأقول في ذلك بحسب ما يوجب النظر، أما حكاية الفراء عن الأحمر أنه سأل سيبويه ثلاث مسائل فقال له: أخطأت - فقد أقر الفراء بأنه أجاب فيها وشهد له بذلك، فلا يلتفت إلى قول الأحمر: أخطأت، ومع [2/ 433] ذلك فلم تحك المسائل ليعلم وجه الخطأ فيها من الصواب، وأما قول الفراء: إني قلت له: كيف تقول في مذهب من قال: هؤلاء أبون ومررت بأبين، ومثله من وأيت وأويت، وقوله: إنه قدر ثلاث مرات فأخطأ، فقد كان الواجب أن يحكي كيف قدر ثلاث المرات، ويدل على موضع الخطأ؛ ليعلم أصادق هو في ذلك أم كاذب، فلعل جواب سيبويه في ذلك كان صوابا، ورأى الفراء خلافه، فكان عنده مخطئا لمخالفته إياه 370.
قلت: هذا الذي قاله أبو القاسم هو الحق، وهذا كما سأل بعض الشباب الشافعي رضي الله تعالى عنه عن مسألة فأجابه، فقال: أخطأت، فقال: يا ابن أخي أخطأت ما في كتابك، ولم أخطئ الحق، والصواب.
قال أبو القاسم: ونحن نذكر الجواب في هاتين المسألتين: -
1 - اعلم أن «أوى» لامه ياء؛ فإذا بنيت منه اسما قلت: أوى مثل هوى، فإذا جمعته على مذهب من قال: أبون وأبين رفعا وجرّا قلت: أوون فتسقط اللام لسكونها وسكون واو الجمع أو يائه، فيقال: أوون وأوين، كما يقال في مصطفى:
مصطفون ومصطفين، قال: وهذا متفق عليه عند البصريين.
وللكوفيين في ذلك مذهب آخر نذكره بعد المتفق عليه.
وكذلك لو جمعت عصا ورحى وما أشبه ذلك اسم رجل جمع السلامة لقلت: عصون وعصين، ورحون
ورحين.
وأما وأى فلامه ياء أيضا.
فإذا بنيت منه اسما على فعل وجمعته جمع السلامة قلت: وأون ووأين على الطريق الذي تقدم في جمع أوى، قال: وهذا واضح بيّن متفق عليه، وليس -
الجزء: 4 - الصفحة: 1956
................................
مما يغلط فيه سيبويه ولا من هو دونه 371، ولكن الفراء سأله أن يبني منه على مذهبه على أنه معرب من مكانين؛ لأنه يسمي هذه الأسماء أعني قولهم: أبوك وأخوك وأخواتهما وابنم وامرؤ معربة من مكانين 372 وهذا عند البصريين محال؛ لأنه لو جاز أن يجعل في اسم واحد رفعان كما زعموا لجاز أن يتم فيها إعرابان مختلفان، فيجمع رفع ونصب، أو نصب وخفض في حال واحد، وهذا محال، فكما امتنع، امتناع إعرابين مختلفين، كذلك يمتنع اجتماع إعرابين متفقين.
فلعل سيبويه قدر أن يجمع جمع السلامة على ما ذكرنا، ولم يسبق إلى عمله أن في الكلام شيئا يعرب من مكانين، ولم يصرح له بذلك ليدهشه بقوله: أعد النظر، ولا يعرفه من أي جهة أخطأ، فكان يرد بذلك عليه بما يوجبه القياس، ثم ذكر أبو القاسم قياس هاتين المسألتين على مذهب الفراء والكسائي 373 وقرر ذلك، فتركت إيراده خشية الإطالة.
ثم إن الذي قرره عنهما في ذلك لا يبنى عليه قاعدة، حتى قال أبو القاسم: إن ذلك ليس من كلام العرب، وإنما هي أوضاع وضعوها، وذكر بعد ذلك عن المازني كلاما يتعلق بشيء مما ذكره الكوفيون وعن [2/ 434] الأخفش أيضا، ولا شك أنه قد تقدم في باب الإعراب عند ذكر الأسماء الستة الإشارة إلى مذاهب الناس واختلافهم في إعرابها بما هو 374، وفي ذلك غنية، ثم قال أبو القاسم: وأما مسألة -
الجزء: 4 - الصفحة: 1957
................................
الكسائي: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي بالرفع لا يجوز غيره كما تقول: خرجت فإذا عبد الله قائم، ثم كمل الكلام على المسألة 375 فمن أراد الوقوف على ذلك فليتطلبه.
وملخص ما قيل: أن ما أجاب به سيبويه موافق لما نطق به الكتاب العزيز، قال الله تعالى: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ 376، فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى 377، وأما فإذا هو إياها فقد علمت أن سيبويه أنكره؛ فإما أن لا يكون ورد عن العرب فيتعين رده، وإما أن يكون قد ورد فيكون من الشاذ الذي لا يعرج عليه، وقد روى أبو زيد الأنصاري 378: فإذا هو إياها 379، فإما أن يكون سيبويه قد بلغته هذه اللغة فلم يقبلها، ولا عرج عليها؛ لأنه ليس كل من سمع منه أهلا عنده للقبول منه والحكاية عنه، ألا ترى أنهم قد حكوا: أن من العرب من ينصب بلم ويجزم بلن وكي 380؟ حكى ذلك اللحياني 381، وليس ذلك مما يلتفت إليه، والقصد أن «فإذا هو إياها» إن ثبت وروده فهو خاج عن القياس واستعمال الفصحاء، وقد ذكروا له توجيهات: -
أحدها: أن إذا ظرف فيه معنى وجدت ورأيت، فجاز له أن ينصب المفعول وهو مع ذلك ظرف مخبر به عن الاسم بعده 382، ورد ذلك بأن المعاني لا تنصب - - ألم تذهبي في خطاب الواحد في لغة من أشبع إذا كان في لغة من أشبع إذا كان في قافية فاحتيج إلى تحريكه للوصل أي شيء أكدت بالباء؟ فالجواب: أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فكما تكون الياء مؤكدة للجر في الأسماء كذلك تكون مؤكدة للجزم؛ لأنه نظير الجر، فقال الأخفش في قولهم: أخوك وما أشبهه أقوالا مختلفة، وقال في موضع الواو دليل على الإعراب كما قال ذلك في الواو من مسلمون والياء من مسلمين».
ا. هـ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1958
................................
المفاعيل الصحيحة، وإنما تعمل في الظروف والأحوال، ثم ما قاله هذا القائل لا يتحقق؛ لأن وجدت ورأيت يحتاج كل منهما إلى مفعولين، فكان يتعين نصب الاسم الأول أيضا.
ثانيها: أن ضمير النصب استعير فاستعمل في موضع ضمير الرفع 383.
ثالثها: أنه مفعول به والأصل: فإذا هو يساويها، أو فإذا هو يشبهها، ثم حذف الفعل فانفصل الضمير، وهذان التوجيهان للمصنف رحمه الله تعالى، ونظير التخريج الثاني له قراءة من قرأ: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة) 384 التقدير:
نوجد أو نرى عصبة 385.
رابعها: أنه مفعول مطلق والأصل: فإذا هو يلسع لسعتها، ثم حذف الفعل كما تقول: ما زيد إلا شرب الإبل، ثم حذف المضاف.
قال الشلوبين: وهو أشبه ما وجه به النصب 386.
خامسها: أنه منصوب على الحال من الضمير في الخبر المحذوف، والأصل: فإذا هو ثابت مثلها، ثم حذف المضاف فانفصل الضمير وانتصب في اللفظ على الحال على سبيل النيابة كما قالوا: قضية ولا أبا حسن لها 387، على إضمار مثل.
وهذا التوجيه لابن الحاجب، وهو مبني على إجازة: له صوت صوت الحمار بالرفع صفة لما قبله بتقدير مثل 388، ومعلوم أن الخليل يجيزه، وأن سيبويه حكم بقبحه وضعفه 389، وإذ قد مضى هذا فاعلم أنهم اختلفوا في الفاء الداخلة على إذا المفاجأة [2/ 435]-
الجزء: 4 - الصفحة: 1959
[أحكام مذ ومنذ حين تجيئان ظرفا وغير ظرف]
قال ابن مالك: (ومنها مذ ومنذ وهي الأصل، وقد تكسر ميمهما ويضافان إلى جملة مصرّح بجزأيها أو محذوف فعلها بشرط كون الفاعل وقتا يجاب به متى أو كم، وقد يجران الوقت أو ما يستفهم به عن حرفين بمعنى من، إن صلح جوابا لمتى، وإلّا فبمعنى «في» أو بمعنى «من وإلى» معا، وقد يغني عن جواب «متى» في الحالين مصدر معيّن الزّمان أو «أنّ» وصلتها، وليسا قبل المرفوع مبتدأين بل ظرفين خلافا للبصريّين، وسكون ذال «مذ» قبل متحرك أعرف من ضمها، وضمّها قبل ساكن أعرف من كسرها).
وذكر الشيخ في شرحه أن المذاهب فيها ثلاثة: -
مذهب المازني أنها زائدة 390، ومذهب الزجاج أنها دخلت على حد دخولها في جواب الشرط، ومذهب أبي بكير مبرمان 391 أنها عاطفة، قال: ورجح أبو الفتح قول المازني، وذكر عنه وجه الترجيح بما يوقف عليه في كتابه 392، وظهر من كلامه تصحيح مذهب مبرمان، كما نقل ذلك عن الشلوبين الصغير، ثم قال: والذي نقطع بأن الفاء عاطفة وقوع غيرها من حروف العطف موقعها، قال الله تعالى:
ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ 393.
قال ناظر الجيش: «منذ» أصل «مذ» بدليلين 394: -
أحدهما: أنّ ذال «مذ» تضم لملاقاة ساكن كما تفعل بميم هم، وليس ذلك إلا لأن أصلها منذ بالضم، فروجع بها الأصل حين احتيج إلى تحريكها، فقيل: لم أره -
الجزء: 4 - الصفحة: 1960
................................
مذ الجمعة، كما روجع الأصل في نحو: هم القوم، ولو لم يكن الأصل الضم لقيل: مذ الجمعة كما قيل: قم الليل 395، وقد يقال: مذ الجمعة كما يقال: وهم القضاة ومنهم الحكام.
والثاني: أن بني غنى يضمون الذال قبل متحرك باعتبار أن النون محذوفة لفظا لا نية، فلو لم يكن الأصل منذ لم يصح هذا الاعتبار، ونظير هذا قولهم في «لدن وقط».
«لد وقط» بضم الدال والطاء بعد الحذف على تقدير ثبوت المحذوف، وبنو سليم يقولون: منذ ومذ بكسر الميم 396 وهما اسمان في موضع، وحرفا جرّ في موضع، ويتعين اسميتهما إن وليهما مرفوع أو جملة تامة، ويتعين حرفيتهما إن وليهما مجرور 397 ويجوز الأمران قبل «أنّ» وصلتها، وإذا وليهما جملة تامة فهما عند سيبويه ظرفان لها، فإنه قال في باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء: ومما يضاف إلى الفعل أيضا قولهم: ما رأيته مذ كان عندي ومذ جاءني 398.
وقال ابن خروف في الشرح: وأما منذ ومذ من الظروف فهما مضافان إلى الفعل عنده لا على حذف مضاف، ولولا ذلك لم ندخلهما في الباب، وقول السيرافي موافق لقوله 399، فمن زعم خلاف ذلك فقد خالف سيبويه بما لا دليل عليه، وزعم الأكثرون أن الواقع منهما قبل مرفوع مبتدأ بمعنى أول المدة في مثل: لم أره مذ يوم الجمعة، وبمعنى جميعها في مثل: لم أره [2/ 436] مذ يومان، وما بعده خبر 400، والصحيح عندي أنهما ظرفان مضافان إلى جملة حذف صدرها، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1961
................................ والتقدير: مذ كان يوم الجمعة، ومذ كان يومان 401 وهو قول المحققين من الكوفيين 402، وإنما اخترته لأن فيه إجراء «مذ ومنذ» في الاسمية على طريقة واحدة مع صحة المعنى، فهو أولى من اختلاف الاستعمال، وفيه تخلص من ابتداء بنكرة بلا مسوغ إن ادعي التنكير، ومن تعريف غير معتاد إن ادعي التعريف، وفيه أيضا تخلص من جعل جملتين في حكم جملة واحدة من غير رابط ظاهر ولا مقدر 403، ويعامل المصدر المعين زمانه بعد «مذ ومنذ» معاملة الزمان المعين في الرفع والجر، فيقال: ما رأيته مذ قدوم زيد ومنذ قدوم زيد، والأصل: مذ زمن قدوم زيد، ومنذ زمن قدوم زيد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما فعل في غير هذا المكان 404 وأجاز ابن كيسان أن يقال: إنّ منذ جئت زيدا غائب كما يقال: إن حين جئت زيد غائب، وقد يجران المستفهم به عن الوقت نحو: مذ متى رأيته، ومذ كم فقدته، وقد تقع أنّ وصلتها بعد «مذ» فيحكم لموضعها بما حكم به للفظ المصدر؛ لأنها مؤولة بمصدر، ومثال الإضافة إلى جملة مصرح بجزأيها قول الشاعر: - 1552 - ما زال مذ عقدت يداه إزاره... فسما فأدرك خمسة الأشبار يدني خوافق من خوافق تلتقي... في ظلّ معترك العجاج مثار 405
الحديث: 1552 - الجزء: 4 - الصفحة: 1962
................................
ومثله قول الآخر: -
1553 - قالت أمامة ما لجسمك شاحبا... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع 406
ومثله قول الآخر في الجملة الاسمية: -
1554 - وما زلت محمولا عليّ ضغينة... ومضطلع الأضغان مذ أنا يافع 407
وروى الكوفيون مذ ومنذ بكسر الميم، وجعلوا ذلك حجة على تركيبهما من «من وذو» الطائية 408، ولا حجة فيه؛ لأنّ الأصل عدم التركيب، وإذا ولي مذ ساكن ضمت ذالها كقولك: لم أر فلانا مذ اليوم؛ لأن أصلها منذ فحرّك لالتقاء الساكنين وضم للإتباع.
فلما حذفت النون سكنت الذال؛ إذ لا موجب للحركة، فلما وليها لام التعريف حركت الذال؛ لئلا يلتقي في الوصل ساكنان، وكان أولى الحركات بها الضمة؛ لأنها حركتها قبل أن تحذف النون، وبعض العرب يقول: مذ اليوم بالكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تقدم الكلام على ذلك، هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى 409، وقد استفيد منه أن «مذ» و «منذ» إما أن يليهما جملة أو مفرد، والمفرد إما مرفوع وإما مجرور، وأنهما إذا وليهما جملة اسمية كانت أو فعلية فهما ظرفان معمولان لما يصح عمله فيهما من أجزاء الجملة الواقعة بعدهما، وإذا وليهما مفرد مرفوع فالمختار عنده أن ذلك المرفوع يقدر له رافع محذوف، وعلى هذا يكون الواقع بعدهما حينئذ [2/ 437] جملة فيحكم على مذ ومنذ بالظرفية أيضا، كما كان الحكم فيهما إذا وقعت الجملة تامة بعدهما، وإذا -
الحديث: 1553 - الجزء: 4 - الصفحة: 1963
................................
وليهما مفرد مجرور كانا حرفين جارين لما بعدهما يتعلقان بالعامل قبلهما كسائر حروف الجر، ودل قوله: (وقد يجران الوقت أو ما يستفهم به) «عنه» أن الجر بهما أقل من وقوع المرفوع بعدهما، وأن الذي بعدهما لا يكون إلا ظرفا؛ لأن الذي يستفهم به عن الوقت لا بد أن يكون وقتا، وإذ قد عرف هذا فأنا أذكر كلام غير المصنف على هاتين الكلمتين.
قال ابن عصفور رحمه الله تعالى: «مذ ومنذ يكونان اسمين وحرفين، فيكونان اسمين إذا ارتفع ما بعدهما وحرفين إذا انخفض ما بعدهما، إلا أن الغالب على «مذ» الاسمية، وعلى «منذ» الحرفية، وسبب ذلك أنها مخففة من منذ، والحذف في الأسماء أكثر منه في الحروف؛ لأنه تصرف وبابه أن يكون في الأسماء 410، وزعم بعض النحويين أن مذ ومنذ لا يكونان إلا اسمين مستدلّا على ذلك بأن الاسمية قد ثبتت لهما إذا كان ما بعدهما مرفوعا، ويمكن بقاء الاسمية إذا كان مخفوضا بأن يكونا ظرفين في موضع نصب بالفعل 411، وهو ضعيف.
ومذ ومنذ إما أن يدخلا على الماضي أو على الحال، فإن دخلتا على الحال فلا يكون إلا مخفوضا، والحال هو اليوم والليلة والآن والحين والساعة وما أضفته إلى نفسك قرب أو بعد مثل: يومنا وشهرنا وعامنا، وكل زمان أشرت إليه نحو: هذا العام وهذا الشهر وهذه الأيام الثلاثة؛ لأنك لم تشر إلى شيء إلا وقد قدرته حاضرا، ولم تضفه إلى نفسك إلا على هذا المعنى، ومعناهما إذا دخلتا على الحال الغاية، وإن دخلتا على الماضي فإما أن يكون الداخل «مذ» أو «منذ»، فإن كان «مذ» فلا يكون إلا مرفوعا مثل: ما رأيته مذ يوم الجمعة، ولا يجوز الخفض إلا قليلا ومنه: -
1555 - أقوين مذ حجج ومذ دهر 412
في رواية من رواه مذ، فإن كان الداخل منذ جاز الرفع والخفض، والرفع قليل، -
الحديث: 1555 - الجزء: 4 - الصفحة: 1964
................................
ثم ليعلم أن الاسم الواقع بعد مذ ومنذ إن كان مرفوعا فإما معدود أو غير معدود.
إن كان معدودا فهما للغاية، وإن كان غير معدود فهما لابتداء الغاية، وإن كان مخفوضا فالأمر كذلك إلا أن يكون المخفوض حالا؛ فهما للغاية، ولا يدخلان إلا على الزمان، واختلف في المرفوع بعدهما: فقيل: فاعل لفعل مضمر وهو مذهب الكسائي، وقيل هو مبتدأ ومذ ومنذ الخبر، وقيل العكس وهو قول الفارسي 413، وهو الصحيح 414، وقال الشيخ - في شرح الغاية له -: إما أن يكون ما بعد مذ ومنذ حالا أو ماضيا، إن كان حالا فعامة العرب على الجر بهما نحو: ما رأيته مذ اليوم أو الساعة أو يومنا، وإن كان ماضيا والكلمة «مذ» فالرفع وقل الجر، أو «منذ» فالجر وقل [2/ 438] الرفع، ثم إن كان الاسم معدودا فهما للغاية نحو: ما رأيته مذ يومان، ومعناه أمد انقطاع رؤيتي له يومان، أو غير معدود فإما أن يكون حالا أو ماضيا؛ إن كان حالا نحو: ما رأيته مذ اليوم فلابتداء الغاية، وتقديره: أول انقطاع رؤيتي له اليوم، أو ماضيا نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس فللغاية، والفرق بين تقدير «أمد وأوّل» أنه في تقدير «أمد» تنتفي الرؤية عن جميع أجزاء الزمان، وفي تقدير «أول» قد لا تنتفى.
ثم إذا انجر ما بعدهما فبهما، وهما حرفان يتعلقان بالفعل قبلهما والكلام جملة واحدة، وإذا ارتفع فالصحيح أنه خبر عن مذ أو منذ، وهما ظرفان معناهما أمد وأول على التفسير السابق، وزعم الزجاجي أنه مبتدأ ومذ ومنذ خبر عنه، وزعم الكسائي أنه فاعل بفعل مضمر، وزعم بعض الكوفيين أنه خبر مبتدأ مضمر 415. انتهى.
إلا أن قوله: إن كان حالا نحو: ما رأيته مذ اليوم فلابتداء الغاية وتقديره: أول انقطاع رؤيتي له اليوم - لم ينتضم لي مع قول ابن عصفور: ومعناهما - - (4/ 126)، والمغني (1/ 335)، وشرح شواهده (2/ 750)، والعيني (3/ 312)، والتصريح (2/ 17)، والهمع (1/ 217)، والدرر (1/ 186)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 345)، والأشموني (2/ 229)، وديوانه (ص 586)، ورصف المباني (ص 320)، والأزهية (ص 283). والشاهد فيه: «مذ حجج ومذ دهر»؛ حيث إن «مذ» في الموضعين لابتداء الغاية في الزمان الماضي، وجرها الماضي وهو قليل؛ لأن الأكثر على جرها للحاضر.
الجزء: 4 - الصفحة: 1965
................................
إذا دخلتا على الحال الغاية، وكذا قوله: أو ماضيا نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس فللغاية - مع قول ابن عصفور: وإن كان الاسم الواقع بعدهما غير معدود فهما لابتداء الغاية.
والظاهر أن الصواب هو الذي ذكره ابن عصفور.
وبعد وقوف على كلام هذين الرجلين الكبيرين في هذه المسألة يتبين له أن كلام المصنف فيها مع وجازته ولطافته شاف واف بالمقصود، فإن قيل: ليس في كلامه تعرض إلى ما تفيده هاتان الكلمتان من الغاية وابتداء الغاية، فالجواب: أنه إن لم يذكر ذلك صريحا فإنه يفهم من كلامه؛ لأنه ذكر أنهما إذا جرّ ما بعدهما فإما أن يكونا بمعنى «من» أو بمعنى «في وإلى» معا 416، فحيث كانا بمعنى «من» فهما لابتداء الغاية، وحدث كانا بمعنى من وإلى معا؛ فهما لابتداء الغاية وانتهائها، وحيث كانا بمعنى «في» فهما للحال أي الزمان الذي هو حال، ولا شك أنهما في نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس بمعنى «من» فهما في مثله لابتداء الغاية، وأنهما في نحو: ما رأيته مذ ثلاثة أيام بمعنى «من وإلى» معا، فهما لابتداء الغاية وانتهائها، وابن عصفور قد قال: إن كان الواقع بعدهما 417 معدودا فهما للغاية، ولكن قولنا:
لابتداء الغاية وانتهائها أولى من الاقتصار على ذكر الغاية، وأنهما في: ما رأيته مذ اليوم بمعنى «في» وابن عصفور قد قال: إن معناهما إذا دخلتا على الحال الغاية 418 ولا يتحقق ذلك؛ لأن الغاية إنما تكون فيما له ابتداء، وزمان الحال حاضر بجملته، فلا يعقل معه لنفي الرؤية ابتداء وانتهاء، ولأن انتهاء الغاية إنما يقصد حيث يمكن أن يتحلل بين الابتداء والانتهاء وقوع ذلك المعنى المنفي مثلا، والزمان إذا فرض حالا كان ذلك المعنى المذكور معه واقعا فيه لا يتصور وقوعه في غيره [2/ 439] وعلى هذا تعبير المصنف عن ذلك بمعنى «في»، وعدوله عن قولهم: إن معنى الحرف الغاية أسدّ.
بقي أن يقال: الظاهر من كلام المصنف حيث قال: (وقد يجران الوقت بمعنى من أو في) إلى آخره - أنهما إنما يكونان بمعنى ما أشار إليه من الحروف المذكورة إذا انجرّ ما بعدهما أي حيث يكونان حرفين، وظاهر كلام ابن عصفور والشيخ أنهما -
الجزء: 4 - الصفحة: 1966
................................
يكونان بمعنى الحروف المذكورة سواء أكانا حرفين أم اسمين، وإذا حقق النظر ظهر أنه يحتاج إلى تفسيرهما بأحد الحروف المذكورة إذا كانا حرفين، أما إذا كانا اسمين ورفع ما بعدهما فقد عرفت أن الجماعة يقولون: إنهما إما أن يكونا لابتداء الغاية كما في نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس، فيقدرونهما حينئذ بأول، وإما أن يكونا للغاية كما في نحو: ما رأيته مذ أربعة أيام فيقدرونهما حينئذ بأمد 419، وإذا كان كذلك فابتداء الغاية إنما يستفاد من أول، وانتهاؤها إنما يستفاد من أمد، وأما المصنف فقد عرفت أن اختياره إذا رفع ما بعد هاتين الكلمتين تقدير رافع، ليصير الواقع بعدهما جملة، فما كان معنى مذ ومنذ من الظرفية حال الإتيان بجزأي الجملة بعدهما لفظا كان معناهما حين يذكر المرفوع، ويحذف رافعه.
وبهذا الذي قلناه يتبين أن ما فعله المصنف من أنه قصر تفسيرهما بالحروف المذكورة على حالة الجر بهما أولى من إطلاق غيره الكلام في ذلك، فإن قيل: إذا كان المصنف حال رفع الاسم الواقع بعدهما لا يقدرهما بأول ولا بأمد، والغرض أنه لا يجعلهما بمعنى ما ذكره من الحروف إلا إذا جرا ما بعدهما، فمن أين يستفاد كونهما لابتداء الغاية في صورة وللغاية في صورة؟
فالجواب أن يقال: معنى الغاية أن العمل يتحتم كونه في جميع المدة، ومعنى ابتداء الغاية أن لا يتحتم ذلك، ولا شك أنهما إنما يكونان للغاية إذا كان اسم الزمان الذي بعدهما معدود، وإنما يكونان لابتداء الغاية إذا كان اسم الزمان بعدهما مختصّا غير معدود، وإذا كان كذلك فالمصنف قد أفاد ذلك بقوله في أوائل هذا الباب: إن مظروف ما يكون جوابا لكم واقع في جميعه، وإن مظروف ما يكون جوابا لمتى إذا لم يكن اسم شهر غير مضاف إليه شهر جائز أن يكون العمل في جميعه أو بعضه.
وإذ قد عرف هذا فلنذكر أبحاثا: - الأول:
قد عرفت أنهم ذكروا أن «مذ» أصلها «منذ» وتقدم استدلال المصنف على ذلك، لكن ذهب بعضهم 420 إلى أن كلّا منهما أصل، قال: لأن الحذف -
الجزء: 4 - الصفحة: 1967
................................
تصريف، والتصريف لا يكون في الحروف ولا في الأسماء غير المتمكنة.
ورد الشلوبين ذلك بأن الحذف قد جاء في الحروف؛ فقد خففوا إنّ وأنّ وكأنّ [2/ 440] قال: وقد جعل سيبويه على من العلو 421، فقال الشيخ: والعجب لهم أنهم يجعلون «مذ» فرعا من «منذ»، وأن الغالب على مذ الاسمية وعلى «منذ» الحرفية، ويستدلون على ذلك بأن الحذف في الأسماء أكثر منه في الحروف؛ لأنه تصرف، والتصرف بابه أن يكون في الأسماء، وكون «مذ» محذوفة من «منذ» يقتضي أن يكون «منذ» اسما؛ لأنها هي، ومحال أن يكون الشيء حرفا فإذا أخذ منه شيء صار اسما؛ لأن الحذف من الشيء لا يغير الماهية، ألا تراهم حين حذفوا من «حر» الحاء وهو اسم بقي اسما، وكذا «رب» هي بعد الحذف حرف أيضا كما كانت قبله، وكذا «يعد» لما حذفوا منه الواو باق على الفعلية، قال: فالذي ينبغي أن يقال: إن «مذ» إذا استعملت اسما مرفوعا ما بعدها فهي محذوفة من «منذ» الاسمية أيضا، لكن جاء الرفع بعدها أكثر مما جاء بعد منذ، وقد يغلب على الفروع حكم يقل في الأصول 422. انتهى، وهو كلام حسن.
الثاني:
قد تقدم من كلام المصنف أن «مذ ومنذ» إذا وليهما جملة تامة كانا ظرفين لها وأنهما مضافان إلى الجملة، وتقدم أن ذلك مذهب السيرافي ورأي ابن خروف، وأنه مذهب سيبويه، وأشعر كلامه بأن في المسألة خلافا؛ لأنه قال بعد ما تقدم من كلام سيبويه: فمن زعم خلاف ذلك فقد خالف سيبويه بما لا دليل عليه، والمخالف في ذلك أبو الحسن، فإنه ذهب إلى أنهما إذا وليهما الجملة لفظا لا يكونان إلا مرفوعين على الابتداء، ولا بد من تقدير اسم زمان محذوف يكون خبرا عنهما؛ لأنهما لا يدخلان عنده إلا على أسماء الزمان ملفوظا بها أو مقدرة 423، وقد اختار ابن عصفور هذا المذهب، فإنه قال: مذ ومنذ لا يدخلان إلا على الزمان، فإن دخلتا على جملة فعلى حذف اسم الزمان، فإذا قلت: ما رأيته مذ زيد قائم، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1968
................................
فالتقدير: ما رأيته مذ زمن زيد قائم 424، انتهى.
ولا شك أن هذا مصادمة لقول سيبويه: ومما يضاف إلى الفعل أيضا قولهم: ما رأيته مذ كان عندي ومذ جاءني 425، وقد شرح الفارسي كلام سيبويه فقال: مذ فيمن رفع بهما بمنزلة «إذ» و «حيث» ووجه الجمع بينهما أنه إذا رفع بها تصير اسما من أسماء الزمان كقولك: مذ يومان، وخبر المبتدأ لا يكون إلا المبتدأ في المعنى.
فإذا كان كذلك علمت أن «مذ» إذا رفعت اسم 426، وإذا جعل اسما من أسماء الزمان جاز إضافته إلى الجملة كما جاز إضافة «إذا» إليها، وذلك نحو قولهم: لم أره مذ كان كذا ومذ خرج زيد، ألا ترى أن «مذ» المتصلة بالفعل لا تخلو من أن تكون اسما أو حرفا، فلا يجوز أن تكون حرف جر؛ لأن حروف الجر لا تدخل على الأفعال، فإذا لم يجز أن تكون حرف جر ثبت أنها اسم، وأنه أضيف إلى الفعل لما كان اسما من أسماء الزمان 427 [2/ 441].
الثالث:
قد تقدمت الإشارة إلى حكم مذ ومنذ إذا وليتهما جملة، وكذا حكمهما إذا وليهما اسم مرفوع، وتقدم ذكر المذاهب في ذلك.
والقصد الآن ذكر ذلك ملخصا كي يحصل ضبط ذلك المحصل، فيقال: مذ ومنذ إما أن يقع بعدهما جملة مصرح بها ففيهما مذهبان: قيل: ظرفان مضافان إلى الجملة وهو الأصح، وقيل: مبتدآن، وحينئذ لا بد من تقدير خبر، فيقدر زمان يضاف إلى الجملة يكون ذلك المقدر هو الخبر، وإما أن يقع بعدهما اسم مرفوع فالمذاهب فيهما أربعة: -
قيل: مبتدآن، والمرفوع بعدهما الخبر، وقيل: ظرفان مخبر بهما عما بعدهما، فإذا قلت: ما رأيته مذ يومان فالتقدير: بيني وبين لقائه يومان، ومستند القائل بهذا القول أنهما إذا كانا خبرين لم يخرجا عن الظرفية بخلاف ما إذا كانا مبتدأين، وقيل: إن المرفوع خبر مبتدأ محذوف، قال بعض الكوفيين: ولا يخفى ضعفه، وقيل: إنه مرفوع بفعل مقدر، فالذي بعد «مذ» و «منذ» حينئذ جملة 428، وقد -
الجزء: 4 - الصفحة: 1969
................................
عرفت حكمهما قبل الجملة التامة ما هو، ومن القائلين بالمذهب الأول ابن السراج والفارسي 429، وأما المذهب الثاني فهو لبعض الكوفيين، والمذهب الثالث مذهب طائفة من البصريين منهم الزجاج ونسب إلى الأخفش.
وأما المذهب الرابع فهو مذهب الكوفيين 430، وقد عرفت أنه مختار المصنف، وتقدم توجيهه، وقد ضعف هذا المذهب بشيء وهو: قول العرب: ما رأيته مذ أن الله خلقه، فإنه روي بالفتح والكسر 431، قلت: وسيأتي الكلام في هذه المسألة، وفي شرح الشيخ: قال بعض أصحابنا: والصحيح مذهب الفارسي وابن السراج من وجهين: -
أحدهما: أنهما مفردان لم يعطف عليهما غيرهما، كما أن الأمد وأول الوقت كذلك، فكان الحكم لهما بحكم ما يساويهما في الإفراد أولى، وليس كذلك بيني وبين لقائه؛ لأنهما اسمان منصوبان على الظرفية معطوف أحدهما على الآخر.
الوجه الثاني: تقديرهما ببين في بعض الصور لا يتصور، وذلك إذا قلت مثلا يوم الأحد: ما رأيت زيدا مذ يوم الجمعة؛ فليس بينك وبين لقائه يوم الجمعة 432، بل قدر من الزمان أوله يوم الجمعة وآخره الوقت الذي أنت فيه، ولا يقدر بيني وبين لقائه يوم الجمعة وما بعده إلى الآن؛ لأن فيه حذف حرف العطف والمعطوف وهو قليل، وأيضا فلم يصرحوا بهذا المعطوف المقدر في موضع ما؛ فدل على عدم إرادته 433. انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال، ولا سيما ضعف الوجه الأول، ثم على تقدير صحة الوجهين المذكورين.
إنما يلزم من ذلك بطلان قول من يجعلهما - أعني «مذ ومنذ» - خبرين، أما من يجعلهما ظرفين، وقد حذف رافع ذلك الاسم، فيكون - - (ص 234، 235)، والمغني (1/ 335).
الجزء: 4 - الصفحة: 1970
................................
ما بعدهما جملة، فكيف يبطل مذهبه بهذا [2/ 442] الاستدلال، والمستدل قد قال: والصحيح مذهب الفارسي وابن السراج، فدل على أن مذهبهما أصح المذاهب في المسألة، وقد يتبين أن الأمر ليس كذلك، ثم قال الشيخ: وعلى هذا المذهب - يعني به مذهب الفارسي وابن السراج - الكلام جملتان، قال: فإذا قلنا: إنه جملتان، فاختلفوا في الجملة من «مذ» أو «منذ» وما بعدها من المرفوع، فذهب الجمهور إلى أنها لا موضع لها من الإعراب، وذلك لأنها خرجت مخرج الجواب، كأنه قيل له: ما أمد ذلك؟ فقال: أمد ذلك يومان، وذهب السيرافي إلى أن لها موضعا من الإعراب وهي في موضع الحال، كأنه قال: ما رأيته متقدما، ولا يخفى ضعف هذا القول، ثم مما يبطل كون الجملة حالا أن الجملة الحالية لا بد فيها من رابط يعود على ذي الحال أو واو الحال، والجملة المذكورة خالية من ذلك 434.
وإما أن يقع بعد «مذ» و «منذ» اسم مجرور، فيحكم بحرفيتهما حينئذ، وتقديرهما إما «بمن» أو «بمن وإلى» أو «بفي».
وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى، وقد تقدم أن بعضهم لا يثبت حرفيتهما، بل يدعي بقاءهما على الاسمية مع انجرار ما بعدهما مستدلّا على ذلك بأنه قد ثبت اسميتهما، فلا تخرجهما عنهما ما أمكن بقاؤهما عليها، قال: وقد أمكن ذلك بأن يجعلا ظرفين في موضع نصب بالفعل قبلهما، ورد هذا القول بأن الظرف إذا نفي عنه الفعل لم يقع الفعل في جزء منه، تقول: ما رأيته يوم الجمعة، فالرؤية منتفية في جميع أجزاء اليوم، وإذا قلت:
ما رأيته منذ يوم الجمعة أمكن أن يكون رأيته في بعضه ثم انقطعت الرؤية أو لم تره، وأيضا فالظرف إذا نفي عنه الفعل لم ينتف إلا عنه خاصة، فإذا قلت: ما رأيته يوم الجمعة انتفت الرؤية عن يوم الجمعة خاصة، وأمكن إن رأيته قبل إخبارك إلى آخر انقضاء يوم الجمعة، ومنذ ليست كذلك، فإذا قلت: ما رأيته منذ يوم الجمعة إلى زمن إخبارك، والذي يدل على حرفيتهما إيصالهما الفعل إلى كم، كما يوصل حرف الجرّ نحو قولك: منذ كم سرت كما تقول: بمن تمرّ، ولو كانا منصوبين على الظرف لجاز أن يستغني الفعل الواقع بعدهما عن العمل فيهما بإعماله في ضمير عائد عليهما، فكنت تقول: منذ كم سرت فيه أو سرته إن اتسعت في الضمير كما تقول: يوم الجمعة -
الجزء: 4 - الصفحة: 1971
................................
قمت فيه أو قمته، وامتناع العرب من التكلم بذلك دليل على أنهما حرفا جر 435.
البحث الرابع:
قد تقدم من كلام المصنف أن المصدر المعين الزمان يعامل بعد «مذ ومنذ» معاملة الزمان في الرفع والجر، وتقدم
تمثيل ذلك، وذكر أن الأصل في: مذ قدوم زيد، مذ زمن قدوم زيد، وتقدم أن «أنّ وصلتها» [2/ 443] تقع بعدهما، فيحكم لموضعهما بما حكم به للفظ المصدر؛ لأنها مؤولة بمصدر، واحترز المصنف بمعين الزمان من مبهمه نحو: ما رأيته مذ قدوم أو مذ قدوم رجل.
وعرف من هذا أن أنّ مع صلتها يجوز الحكم عليها بالجر وبالرفع، كما كان الأمر مع المصدر الصريح، وكذا يقدر المضاف معها أيضا كما قدر مع المصدر، واعلم أن الشيخ لما ذكر المصنف فيما إذا ولي «مذ» فيه اسم مرفوع أنه يقدر لذلك الاسم رافعا، لتكون «مذ» مضافة إلى جملة حذف أحد جزأيها إلى آخره، وذكر أن ذلك مذهب الكوفيين، قال: وقد رد هذا المذهب بأن العرب تقول: ما رأيته مذ أن الله خلقه بالفتح والكسر ولو كان كما زعموا لم يجز إلا فتح «أن»؛ لأن الموضع الذي ينفرد بالاسم أو بالفعل تفتح فيه «أنّ» ليس إلا، وهذا قد انفرد بالفعل، فكان يجب التزام فتحها، وهم قد كسروها فيه 436. انتهى.
والجواب عن هذا الذي ذكره أن يقال: لا شك أن فتح «أنّ» في هذا المثال هو المتفق عليه، وأما الكسر فالذي صرح بإجازته الأخفش، وغيره ساكت عن ذلك كسيبويه وابن السراج كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في باب «إنّ» 437 وهذا يدل على مرجوحية الكسر، ولا يلزم من إجازة الأخفش لذلك أن يكون مسموعا، فقد تكون إجازته له بطريق النظر، ثم إنّ المعروف من مذهب الأخفش أنه يقدر بعد مذ ومنذ اسم زمان مضافا إلى الجملة التي تذكر بعدهما وإذا كان يقدر مضافا فلا أعرف كيف يتوجه له القول بالكسر، ثم على تقدير تسليم صحة الكسر للمصنف -
الجزء: 4 - الصفحة: 1972
................................
أن نجيب عنه بأن نقول: القاعدة المقررة أن كل موضع يصح تقدير المصدر فيه وتقدير الجملة، وتقع فيه «إنّ» فإنه يجوز فيها الفتح والكسر، ولا شك أن المثال المذكور وهو مذ أن الله خلقه يجوز أن يكون التقدير فيه: مذ خلق الله إياه، وأن يكون: مذ هو مخلوق، وإذا كان الكسر إنما يجوز بهذا الاعتبار فكيف يلزم من القول بجوازه إبطال أن يكون الاسم المرفوع الواقع بعد «مذ أو منذ» مرفوعا بعامل مقدر، فإن المصنف يقول: إذا فتحت «أن» فتقدير العامل أعني الواقع لا شك فيه، وإذا كسرت كانت الجملة بتمامها واقعة بعد «مذ» واستحقت «إنّ» الكسر لذلك، فما وجه فتح «أن» على هذا التقدير؟.
ثم اعلم أن ابن عصفور ذكر أحكاما تتعلق بهاتين الكلمتين أعني «مذ ومنذ»، فمنها: أن الفعل الواقع قبلهما إن كان
منفيّا فلا تفصيل فيه، بل كل نفي جائز أن يقع قبلهما، وقد مرت أمثلة ذلك، وإن كان الفعل الواقع قبلهما موجبا فلا بد أن يكون ذلك الفعل متطاولا ممتدّا، وإلا لم يجز فتقول: مررت مذ يوم الجمعة، ولا تقول: قتلت عمرا منذ يوم الجمعة؛ لأن السير يمتد والقتل لا [2/ 444] يمتد، وكذا الحكم فيما هو للحال، لا يجوز قتلت زيدا منذ يومنا؛ لأن معناه: في يومنا، والقتل لا يمتد في اليوم أجمع، وإنما يكون في جزء منه، ولا شك أنهما يقدران مع زمن الحال بفي، قال: فتقول: ما رأيته في يومنا، فهو لم يره في جزء من اليوم، وإذا قلت: سرت مذ يومنا، فالسير في جملة اليوم بخلاف قولك: سرت في اليوم، فهي مع المنفي توافق سائر الظروف في أن الفعل لم يقع في جزء من اليوم، ومع الموجب تخالف، لأنك إذا قلت: سرت اليوم أمكن أن يكون السير في بعض اليوم بخلاف «مذ»؛ لأنه لا يكون السير الموجب إلا في جميع اليوم 438.
ومنها: أن الواقع بعدهما إذا كان معدودا فإن العرب تختلف فيه، فمنهم من لا يعتد بالناقص أصلا، وإنما يعتد بالكامل، فإذا قال: ما رأيته مذ ثلاثة أيام فلا بد أن تكون الثلاثة بجملتها لم يره فيها، ومنهم من يعتد بالناقص الأول، فإذا رأى شخصا ظهر يوم الجمعة ثم انقطعت الرؤية إلى ظهر يوم الاثنين قال: ما رأيته مذ ثلاثة أيام، ولا يعتد بالناقص الثاني.
-
الجزء: 4 - الصفحة: 1973
................................
ومنهم من يعتد في هذه المسألة بالناقص الثاني ولا يعتد بالأول، فيكون اللفظ واحدا.
ومنهم من يعتد بالناقص الأول والثاني فيقول في هذه المسألة: ما رأيته مذ أربعة أيام.
والأقيس الأول؛ لأن تسمية الناقص يوما مجاز، ومن يعتد بالناقص لا يفعل ذلك إلا إذا كان ثم يوم كامل؛ فإن لم يكن ثم يوم كامل لم يجز، لأن الكلام كله مجاز، فلو رأيت شخصا ظهر يوم الجمعة ثم انقطعت الرؤية إلى ظهر السبت لم يجز في هذا أن يقال: ما رأيته منذ يومان ولا مذ يوم، لأنه ليس معك يوم كامل، فإنما يكون المجاز إذا اختلط بالحقيقة 439.
ومنها: أنك إذا عطفت على مدخولهما، فإما أن تعطف حالا على حال أو ماضيا على ماض، أو حالا على ماض، أو ماضيا على حال، فعطف الحال على الحال جائز نحو: ما رأيته مذ يومنا وليلتنا ومذ شهرنا وعامنا، ويكون في بعض هذه المسائل ما في قوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ 440، وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ 441 من تكرار ما يدخل تحت عموم ما قبله.
وإن عطفت ماضيا على ماض لم يجز، قدمت المتقدم في الزمان أو أخرته فلا يجوز ما رأيته مذ يوم الخميس
ويوم الجمعة؛ لأن قولك: مذ يوم الخميس يقتضي أنك لم تره في يوم الجمعة، وقولك: ويوم الجمعة يقتضي أنك رأيته في أوله؛ لأن «مذ» إذا دخلت على الماضي المعرفة كانت لابتداء الغاية، فالفعل واقع في أول ذلك الزمان، ثم يتصل انقطاعه، فكان عطف الماضي على الماضي مؤديا إلى التناقض فلم يجز.
وكذلك لو قدمت يوم الجمعة فقلت: ما رأيته مذ يوم الجمعة ويوم الخميس لم يجز؛ لأن يوم الخميس يقتضي أنك رأيته في أوله، ثم انقطعت الرؤية فيما بعد، وقولك: يوم الجمعة تقتضي أنك رأيته في أوله، وذلك تناقض، فإن قيل: هل يجوز النصب على إضمار فعل، فالجواب أن تقول [2/ 445]: إن بدأت بالمتأخر جاز فقلت: ما رأيته مذ يوم الخميس ويوم الأربعاء، لأن الرؤية انقطعت عما بعد يوم الخميس، ثم أخبرت أنك لم تره يوم الأربعاء، ولو عكست فبدأت بالمتقدم لم يجز وكان عيّا، لأنك إذا قلت: -
الجزء: 4 - الصفحة: 1974
................................ ما رأيته مذ يوم الخميس، ويوم الجمعة اقتضى أنك لم تره في يوم الجمعة، فلا فائدة في قولك بعد ويوم الجمعة، وإن عطفت ماضيا على حال لم يجز، فلا تقول: ما رأيته مذ يومنا ويوم الجمعة ولا عكسه؛ لأن «مذ» إذا دخلت على الحال كانت بمعنى «في»، وإذا دخلت على الماضي كانت بمعنى «من» فهما مختلفان، وإذا اختلفا امتنع العطف، فإن قيل: فهل يجوز النصب على إضمار فعل؟ فالجواب أن يقول: إن تقدم الحال جاز، وإن تقدم الماضي لم يجز، ألا ترى أنه سائغ أن تقول: ما رأيته مذ يومنا ويوم الجمعة على تقدير: وما رأيته يوم الجمعة، ولا يسوغ أن تقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة ويومنا؛ لأن قولك: يوم الجمعة يقتضي أنك رأيته في أوله وانقطعت الرؤية إلى زمن الإخبار، فلا فائدة في قولك: ويومنا إلا أن يكون من باب قوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ 442. ومنها: أنهما لا يدخلان إلا على الزمان كما تقدم ذكر ذلك، فإن دخلا على غيره فمؤول، ولا يدخلان منه إلا على المعدود أو معرفة، فلا يجوز: ما رأيته مذ حين، ولا مذ زمان، ولا مذ وقت، بخلاف مذ الليلة ومذ اليوم، ولا يجوز مذ الليل ولا مذ النهار؛ لأنّ النهار عبارة عن الضياء والليل عبارة عن الظلام، وذلك لا يحصل شيئا، فإن قيل: ألم يجز سيبويه: سرت الليل تريد ليل ليلك، والنهار تريد نهار نهارك؟ 443 فهلا أجزتم مذ الليل ومذ النهار على هذا المعنى؟ فالجواب: أن ذلك لا يتصرف و «مذ» توجب التصرف لما تدخل عليه، لأنها ترفعه أو تجره 444. ومنها: أنهما لا يجران الصباح والمساء إلا قليلا؛ لأن الصباح والمساء اسما مصدر، والأصل الإصباح والإمساء، وهاتان الكلمتان إنما يدخلان على الزمان، والصباح والمساء وإن استعملا في الزمان ليس ذلك لهما بطريق الأصالة فلذلك لا تدخل عليهما مذ ومنذ في الغالب، نعم إذا استعملا مرادا بهما الزمان جاز دخول «مذ ومنذ» حينئذ، هذا معنى كلامه 445، ومن هنا نشأ بحث وهو أنك إذا قلت: ما رأيته مذ أن الله خلقني، فإن الفارسي يقدر زمانا محذوفا؛ لأن (أن) ليست -
الجزء: 4 - الصفحة: 1975
................................
زمانا 446، ومن الناس من لم يقدر ذلك، وجعل «أن» مع صلتها مصدرا يراد به الزمان بمنزلة خفوق النجم ومقدم الحاج، فقال ابن عصفور: القول الأول أحب إليّ؛ لأنهم لا يقولون: مذ الصباح إلا قليلا، فالأولى أن لا يجروا بها «أنّ» التي تتقدر بالمصدر 447، ثم يكون ذلك المصدر زمانا.
انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا الذي ذكره؛ لأن نيابة المصادر عن ظروف الزمان قد ثبتت كثيرا في كلام العرب، ولا فرق بين المصدر المؤول [2/ 446] والمصدر الصريح في ذلك.
ومنها: أنهما إذا وقع بعدهما الزمان ووقع بعد الزمان فعل، وجب أن يكون ذلك الفعل ماضيا، فلا يقال: ما رأيته مذ زمن يقوم أمس، ولا ما رأيته مذ زمن يقول غدا، أما الأول فلتنافر ما بين يقوم وأمس، وأما الثاني فلأن معنى الكلام على المضي، ولا يقع المضارع موقع الماضي إلا في مواضع محفوظة، فإن جئت بالمضارع غير معمل في شيء جاز، ويكون على حكاية الحال نحو: ما رأيته مذ زمن يقوم، تريد مذ زمن كان فيه يقوم، أما إذا دخلتا على الفعل مباشرة، فلا بد أن تكون الصيغة ماضية فتقول: ما رأيته مذ قام، ولا يجوز مذ يقوم، قال: وعلة ذلك أن الفعل إذا وقع بعدهما فلا بد من تقدير زمن محذوف، فهو مجاز، فكرهوا أن يكون ثم مجازان حذف الزمان وحكاية الحال 448.
ومنها: أنك إذا أوقعت بعدهما الليالي فإن الأيام داخلة معها؛ فإذا قلت:
ما رأيته مذ ليلتان كنت فاقدا له ليلتين ويومين، وهو قد انقطعت رؤيته مثلا في عشية يوم الجمعة ثم اتصل ذلك إلى عشية يوم الأحد؛ لأن العرب كنّت بالليالي عن الأيام ولم تفعل ذلك بالأيام، فإذا قلت: ما رأيته مذ ثلاثة أيام، أمكن أن يكون انقطاع الرؤية في ليلتين، لأنها لم تكنّ عن الأيام إلا بالبياض 449. انتهى.
وقد تعرض الشيخ في شرحه إلى ذكر شيء آخر غير ما ذكره ابن عصفور، فتركت إيراده خشية الإطالة مع أنه لا يتعلق به كثير فائدة 450، وكذا تركت من -
الجزء: 4 - الصفحة: 1976
[أحكام الآن وبناؤه وإعرابه]
قال ابن مالك: (ومنها الآن لوقت حضر جميعه أو بعضه، وظرفيته غالبة لا لازمة، وبني لتضمن معنى الإشارة، أو لشبه الحرف في ملازمة لفظ واحد، وقد يعرب على رأي، وليس منقولا من فعل خلافا للفرّاء).
كلام ابن عصفور بقية لهذا المعنى.
قال ناظر الجيش: مسمى الآن الوقت الحاضر 451 جميعه كوقت فعل الإنشاء حال النطق به أو الحاضر بعضه؛ كقوله تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً 452 وكقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ 453 وكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«تصدّقوا فيوشك الرّجل أن يمشى بصدقته فيقول الّذي أعطيها:
لو جئتني بالأمس لأخذتها، وأمّا الآن فلا حاجة لي بها» 454، ومثله قول علي رضي الله تعالى عنه: كان ذلك والإسلام قلّ، وأمّا الآن فقد اتّسع نطاق الإسلام فامرأ وما اختار 455. ومثل قول الشاعر 456:
1556 - فلو أنّها إحدى يديّ وزئتها... ولكن يدي بانت على إثرها يدي
فآليت لا آس على إثر هالك... قدي الآن من وجد على هالك قدي 457
ومثله قول عنترة: - -
الحديث: 1556 - الجزء: 4 - الصفحة: 1977
................................
1557 - فإني لست خاذلكم ولكن... سأسعى الآن إذ بلغت أناها 458
وليست ظرفيته لازمة، بل وقوعه ظرفا أكثر من وقوعه غير ظرف، ومن وقوعه غير ظرف قول النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد سمع [2/ 447] وجبة: «هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النّار الآن حين انتهى إلى قعرها» 459، فإن الآن هنا في موضع رفع بالابتداء، وحين انتهى خبره، وهو مبني لإضافته إلى جملة مصدرة بفعل ماض.
ومن وقوع «الآن» غير ظرف قول الشاعر: -
1558 - أإلى الآن لا يبين ارعواؤك... بعد المشيب عن ذا التّصابي 460
وبني لتضمنه معنى الإشارة، فإن معنى قولك: افعل الآن، افعل في هذا الوقت 461، وجائز أن يقال: بني لشبهه
بالحروف في ملازمة لفظ واحد، فإنه لا يثنى ولا يجمع ولا يصغر، بخلاف حين ووقت وزمان ومدة، وقيل: بني لتضمن معنى حرف التعريف، والحرف الموجود غير معتد به 462 وضعف هذا القول بيّن؛ لأن -
الحديث: 1557 - الجزء: 4 - الصفحة: 1978
................................
تضمن اسم معنى حرف اختصار ينافي زيادة ما لا يعتد به، هذا مع كون المزيد غير المتضمن معناه، فكيف إذا كان إياه.
وجعل الزمخشرى سبب بنائه وقوعه أول أحواله بالألف واللام 463؛ لأن حق الاسم في أول أحواله التجرد منها، ثم يعرض تعريفه فيلحقانه كقولك: مررت برجل فأكرمني الرجل، فلما وقع الآن في أول أحواله بالألف واللام خالف الأسماء وأشبه الحروف، ولو كان هذا سبب بنائه لبني الجماء الغفير واللات ونحوهما مما وقع في أول أحواله بالألف واللام، ولو كانت مخالفة الاسم لسائر الأسماء موجبة لشبه الحرف واستحقاق البناء لوجب بناء كل اسم خالف الأسماء بوزن أو غيره، وعدم اعتبار ذلك مجمع عليه، فوجب اطراح ما أفضى إليه، وزعم بعض النحويين أن بعض العرب يعرب الآن، واحتج على ذلك بقول الشاعر: -
1559 - كأنّهما ملآن لم يتغيّرا... وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر 464
أراد: من الآن، فحذف نون من لالتقاء الساكنين، كقول الشاعر: -
1560 - ليس بين الحي والميت نشب... إنّما للحي ملميت النّصب 465
وكسر نون «الآن» لدخول «من» عليها، فعلم أن «الآن» عند هذا الشاعر معرب، قلت: وفي الاستدلال بهذا ضعف لاحتمال أن تكون الكسرة كسرة بناء ويكون في بناء «الآن» لغتان الفتح والكسر كما في «شتّان» إلا أن الفتح أكثر وأشهر، وزعم الفراء أن «الآن» منقول من آن بمعنى «حان» ثم استصحب فيه الفتحة التي كانت فيه إذا كان فعلا 466، وجعله نظير قولهم: من شبّ إلى دبّ، -
الحديث: 1559 - الجزء: 4 - الصفحة: 1979
[أحكام قط وعوض]
قال ابن مالك: (ومنها قطّ للوقت الماضي عموما، ويقابله عوض، ويختصّان بالنّفي، وربّما استعمل «قطّ» دونه لفظا ومعنى أو لفظا لا معنى، وقد ترد «عوض» للمضيّ، وقد يضاف إلى العائضين أو يضاف إليه فيعرب، ويقال: قطّ وقطّ وقط وقط وعوض وعوض).
ونظير قوله - عليه الصلاة والسّلام -: «أنهاكم عن قيل وقال» 467 ولو كان الآن مثل هذه لم يدخل عليه الألف
واللام كما لا يدخلان عليها ولاشتهر فيه الإعراب والبناء كما اشتهرا فيها، فإنه يقال فيه: من شبّ إلى دبّ وعن قيل وقال كما قال:
من شبّ إلى دبّ، وعن قيل وقال.
هذا كلام المصنف 468.
وذكروا أن ألفه منقلبة عن واو لقولهم في معناه: الأوان، وقيل: هي عن ياء؛ لأن الكلمة من أن يئين إذا قرب 469، وفي ذلك نظر لأنّ هذه الكلمة مبنية، فلا مدخل للتصرف فيها.
وقد علم من قواعد التصريف أن الألف في [2/ 448] الحروف والكلمات المبنية محكوم لها بالأصالة.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 470: إذا قصد عموم وقت الفعل الماضي المنفي جيء مع نفي الفعل بعوض أو عوض أو عوض، قال الشاعر: -
1561 - يرضى الخليط ويرضى الجار منزله... ولا يرى عوض صلدا يرصد العللا 471
وقد يضاف أو يضاف إليه فيعرب بإضافته كقولهم: لا أفعل ذلك عوض العائضين أي دهر الداهرين، والإضافة إليه كقول الشاعر 472: - -
الحديث: 1561 - الجزء: 4 - الصفحة: 1980
................................ 1562 - ولولا نبل عوض في... حظبّاي وأوصالي 473 وقد تقع عوض موقع قط كقول الشاعر: - 1563 - فلم أر عاما عوض أكثر هالكا... ووجه غلام يشترى وغلامه 474 وقد تقع «قط» موقع فعل غير منفي لفظا ولا معنى كقول بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: «قصرنا الصّلاة في السّفر مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم أكثر ما كنّا قطّ وآمنة» 475. وقد يخلو من النفي لفظا لا معنى وذلك كما في الحديث أن أبيّا 476 قال: كائن تقرأ سورة الأحزاب، فقال عبد الله: ثلاثا وسبعين، فقال: قطّ 477، أي ما كانت كذا قط، وبني قط لتضمن معنى «في» و «من» الاستغراقية على سبيل اللزوم أو لشبه الحرف في الافتقار إلى جملة وعدم الصلاحية لأن يضاف أو يضاف إليه أو يسند أو يسند إليه، وبني في التضعيف على حركة لئلا يلتقي ساكنان، وكانت ضمة حملا على «قبل» المنوي الإضافة، أو لأنه لو فتح لتوهم النصب بمقتضى الظرفية، ولو كسر لتوهم الجر «بمن» المضمن معناها 478، وكان يعتذر عن زوال التنوين -
الحديث: 1562 - الجزء: 4 - الصفحة: 1981
[أحكام أمس من بنائه وإعرابه]
قال ابن مالك: (ومنها أمس مبنيّا على الكسر بلا استثناء عند الحجازيّين وباستثناء المرفوع ممنوع الصّرف عند التّميميين، ومنهم من يجعل كالمرفوع غيره، وليس بناؤه على الفتح لغة خلافا للزّجاجيّ، فإن نكّر أو أضيف أو قارن الألف واللّام أعرب باتفاق، وربما بني المقارن لهما).
بكثرة الاستعمال، ومن بناه على الكسر راعى أصل التقاء الساكنين ولم يلتفت إلى توهم الجر؛ لأن الكسرة لا تكون علامة جر إلا مع تنوين أو إضافة أو ألف ولام، ولا واحد منها في «قط» فلا إيهام، ومن قال «قط» بالضم والتخفيف فمخفف ناو للتضعيف، فلذلك استصحب ما كان معه من الحركة، ومن قال: قط بالتسكين خفف ولم ينو التضعيف فعامله معاملة «منذ» إذ قيل فيه «مذ» 479.
وبني «عوض» لأنه مثل قط فيما نسب إليه مما سوى الصلاحية لأن يضاف ويضاف إليه، وبني على حركة لئلا يلتقي ساكنان، ومن ضمّ فحملا على «بعد» أو لتحرك آخره بحركة تجانس ما قبله، ومن فتح كره اجتماع مستثقلين الضمة والواو، ومن كسر راعى أصل التقاء الساكنين، وأعرب حين يضاف أو يضاف إليه؛ لأنه عومل بما لم يعامل [2/ 449] مقابله مما هو خاص بالأسماء 480 فاستحق مزية عليه 481.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 482: إذا قصد «بأمس» اليوم الذي وليه اليوم الذي أنت فيه بناه الحجازيون في موضع الرفع والنصب والجر على الكسر لتضمنه معنى الألف واللام، ولشبهه بضمير الغائب في التعريف بغير أداة ظاهرة، وكون حضور مسماه مانعا من إطلاق لفظه عليه، ولشبهه «بغاق وحوب» في الانفراد بمادة مع التوافق في الوزن، ووافق فيه الحجازيون أكثر التميميين في موضعي النصب والجر، وأعربوه في موضع الرفع غير منصرف للتعريف والعدل عن الألف واللام -
الجزء: 4 - الصفحة: 1982
................................ فيقولون: مضى أمس بما فيه، وكان ذلك أمس وأول من أمس، فيتفقون في موضعي النصب والجر ويختلفون في موضع الرفع 483. ومن لغة الحجازيين قول الشاعر 484: - 1564 - اليوم أعلم ما يجيء به... ومضى بفصل قضائه أمس 485 ومن لغة تميم قول الآخر: - 1565 - اعتصم بالرّجاء إن عزّ بأس... وتناس الّذي تضمّن أمس 486 ومن بني تميم من يسوي المجرور والمنصوب بالمرفوع في الإعراب ومنع الصرف، وعليه قول الراجز: - 1566 - لقد رأيت عجبا مذ أمسا... عجائزا مثل السّعالي خمسا 487
الحديث: 1564 - الجزء: 4 - الصفحة: 1983
................................
وزعم أبو القاسم الزجاجي أن من العرب من يبني أمس على الفتح واستشهد بهذا الرجز 488، ومدعاه غير صحيح، لامتناع الفتح في موضع الرفع، ولأن سيبويه استشهد بالرجز على أن الفتحة في «مذ أمسا» فتحة إعراب 489 وأبو القاسم لم يأخذ البيت من غير كتاب سيبويه، فقد غلط فيما ذهب إليه واستحق أن لا يعول عليه.
وإذا نكر «أمس» أو أضيف أو قارن الألف واللام أعرب بلا خلاف لزوال سبب البناء، أعني تضمن معنى حرف التعريف، وشبه الضمير من الوجه المذكور 490، ومن العرب من يستصحب البناء مع مقارنة الألف واللام كقول الشاعر: -
1567 - وإني وقفت اليوم والأمس قبله... ببابك حتّى كادت الشّمس تغرب 491
فكسر السين وهو في موضع نصب، والوجه فيه أن يكون زاد الألف واللام لغير تعريف واستصحب تضمين معنى المعرفة واستدام البناء، أو تكون هي المعرفة وقد زال البناء لزوال التضمين ومشابهة ضمير الغائب، فتكون الكسرة كسرة إعراب على تقدير ياء حذفت، وبقي عملها كما حذفت «من» وبقي عملها في رواية من روى: -
1568 - ألا رجل جزاه الله خيرا 492
وكما حذفت «إلى» وبقي عملها في قول الآخر: - -
الحديث: 1567 - الجزء: 4 - الصفحة: 1984
................................
1569 - إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة... أشارت كليب بالأكفّ الأصابع 493
أراد: إلى كليب فحذف [2/ 450] وأبقى العمل.
انتهى كلام المصنف 494، وعرف منه أنه لا فرق في «أمس» بين أن تستعمل ظرفا أو غير ظرف بالنسبة إلى ما حكاه من لغتي الحجازيين والتميميين، لكن كلام ابن عصفور يقتضي التفرقة بين الاستعمالين، فإن كان ظرفا كان مبنيّا على الكسر، وإن كان غير ظرف كان فيه اللغتان 495، وتبع الشيخ ابن عصفور في ذلك فلم يذكر فيه اللغتين إلا حال استعماله غير ظرف 496، ثم إن المصنف ذكر في شرح الكافية أن «أمس» إذا صغر أعرب باتفاق كما الحال فيه إذا نكر أو أضيف أو قارنته الألف واللام 497 فاعترض الشيخ عليه بأن قال: قد خالف سيبويه فإنه نص على أن «أمس» لا يصغر 498، وأقول:
كما اعترض الشيخ على المصنف في ذلك كان الواجب أن يعترض على ابن عصفور أيضا؛ فإنه حين استثنى المنكر والمضاف والمقارن للألف واللام استثنى المصغر أيضا، والمجموع كأموس، وآمس 499، والعذر للمصنف في ذكر المصغر أن جماعة من النحويين أجازوا تصغيره، وقد نقل الشيخ أنه مذهب المبرد 500 فكان المصنف مشى في شرح الكافية على قول المجيز للتصغير، وأما في التسهيل فعول على مذهب سيبويه، فلهذا لم يتعرض إلى ذلك، وقد أطال الشيخ الكلام في سبب بناء «أمس» 501 والتعرض إلى إيراد ذلك لا يجدي طائلا فتركته.
الحديث: 1569 - الجزء: 4 - الصفحة: 1985
[الصالح للظرفية المكانية من أسماء الأمكنة]
قال ابن مالك: (الصّالح للظّرفيّة القياسيّة من أسماء الأمكنة ما دلّ على مقدّر أو مسمّى إضافي محض أو جار باطّراد مجرى ما هو كذلك، فإن جيء بغير ذلك لظرفيّة لازمة غالبا لفظ «في» أو ما في معناها، ما لم يكن كمقعد في الاشتقاق من اسم الواقع فيه، فيلحق بالظروف، قياسا إن عمل فيه أصله أو مشارك في الفرعيّة، وسماعا إن دلّ على قرب أو بعد نحو: هو منّي منزلة الشّغاف ومناط الثّريّا). قال ناظر الجيش: قال المصنف 502: قد تقدم الإعلام بأن المسمى ظرفا في النحو هو ما استغنى فيه بمعنى «في» عن لفظها استغناء مطردا من اسم زمان أو مكان، وأن ذلك واقع في أسماء الزمان كلها مختصها ومبهمها، فلما استوفيت الكلام على أسماء الأزمنة أخذت في أسماء الأمكنة، وبيان ما يصلح فيها للظرفية القياسية وما لا يصلح، فبيّنت أن الصالح لها أربعة أنواع: - أحدها: ما دل على مقدار كميل وفرسخ وبريد 503. والثاني: ما دل على مسمى إضافي محض أي على مسمى لا يعرف حقيقة بنفسه بل بما يضاف إليه كمكان وناحية وأمام ووراء ووجهة وجهة وكجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها، يعنون: خطين اكتنفا أنف الظبية 504، وكجنبي في قول الشاعر: - 1570 - نحن الفوارس يوم الحنو ضاحية... جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل 505
الحديث: 1570 - الجزء: 4 - الصفحة: 1986
................................
وكأقطار في قولهم: قومك أقطار البلاد، وكمساليه في قول الشاعر 506 [2/ 451]:
1571 - إذا ما نعشناه على الرّحل ينثني... مساليه عنه من وراء ومقدم 507
قال سيبويه: مسالاه عطفاه فصار كجنبي فطيمة 508.
والثالث: ما جرى باطراد مجرى ما هو كذلك، وذلك صفة المكان الغالبة نحو:
قريبا منك وشرقيّ المسجد، قال الشاعر: -
1572 - هبّت جنوبا فذكرى ما ذكرتكم... عند الصّفاة التي شرقيّ حورانا 509
ومن الجاري مجرى ما هو كذلك مصادر قامت مقام مكان مضاف إليها تقديرا نحو قولهم: قرب الدار ووزن الجبل أي زنته أي مكان مسامته، والمراد هنا بالاطراد أن لا تختص ظرفيته بعامل ما كاختصاص ظرفية المشتق من اسم الواقع فيه 510.
الرابع: ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه كمقعد ومرقد ومصلّى ومعتكف، ولا يعمل في هذا النوع إلا أصله كقولك: قعودي مقعد زيد، أو مشارك له في الفرعية كقولك: قعدت مقعد زيد، فلو قلت: اعتكفت مقعدك أو قعدت معتكفك لم يجز، لأن العامل ليس أصلا للمذكور كقعود بالنسبة إلى مقعد، ولا مشاركا له في الفرعية كاعتكفت بالنسبة إلى معتكف، ولذلك عد من - - أميل، وهو من يميل عن السرج، ومن لا ترس معه ولا سيف.
العزل: جمع: أعزل وهو من لا رمح معه.
والشاهد في قوله: (جنبي فطيمة) حيث نصب «جنبي» على الظرفية.
الحديث: 1571 - الجزء: 4 - الصفحة: 1987
................................ الشواذ: هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار، ومناط الثريا ونحو ذلك؛ لأن العامل ليس أصلا للفعل ولا شريكا له في الرجوع إلى أصل واحد 511، وأما الأول والثاني والثالث فظرفيتها غير مقيدة بعامل دون عامل، فيقال: سرت ميلا وعدوت فرسخا وسرت بريدا وجلست يمين الكعبة وأمام زيد وعند خالد ومع محمد وتلقاء بشر ونحو ذلك، ومن العلماء من حكم باطراد ما دل على بعد أو قرب من نحو: هو مني بمنزلة الشغاف 512، ونحو قول الشاعر 513: - 1573 - وإنّ بني حرب كما قد علمتم... مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها 514 على تقدير مكان موصوف مثل مضاف إلى شغاف ومناط، ثم فعل ما فعل بضربته ضرب الأمير اللص من حذف الموصوف وصفته وإقامة الثالث مقامها، وهذا تقدير لائق ولكن القياس على نوعه لا يتجه لقلة نظائره ومغايرة لفظ باقية للفظ محذوفة بخلاف ضربته ضرب الأمير اللص؛ فإن نظائره كثيرة ولفظ باقية مماثل للفظ محذوفة، ولكون هذا النوع مقصورا على السماع، قال سيبويه: وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو مني مجلسك ومتّكأ زيد ومربط الفرس لم يجز 515 -
الحديث: 1573 - الجزء: 4 - الصفحة: 1988
................................ وإلى المسموع من هذا النوع أشرت بقولي: (وسماعا إن دل على قرب أو بعد نحو: هو مني بمنزلة الشغاف ومناط الثريا)، وقيدت الإضافي بمحض احترازا من الإضافي الذي يدل بنفسه على معنى لا يصلح لكل مكان نحو جوف وباطن وظاهر وداخل وخارج [2/ 452] فإن هذه وما أشبهها من أسماء المكان المختصة إذا قصد بشيء منها معنى الظرفية لازمة لفظ «في» أو ما في معناها 516 إلا أن يرد شيء بخلاف ذلك فيحفظ كقوله تعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ 517، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ 518 وكقول العرب: رجع فلان أدراجه أي في الطريق الذي جاء فيه، وهم درج السيول أي في مجاريها 519، قال الشاعر في المعنى الأول: - 1574 - لماّ دعا الدّعوة الأولى فأسمعني... أخذت برديّ واستمررت أدراجي 520 وقال 521 في المعنى الثاني: - 1575 - أنصب للمنيّة تعتريهم... رجالي أم هم درج السّيول 522 فهذا مما حفظ في الاختبار ولا يقاس عليه، وأما قوله: 1576 - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه... فيه كما عسل الطريق الثّعلب 523
الحديث: 1574 - الجزء: 4 - الصفحة: 1989
................................
وقوله: -
1577 - فلأبغينّكم قنا وعوارضا... ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد 524
وقوله: -
1578 - قلن عسفان ثمّ رحن سراعا 525
فمن الضروريات، وقنا وعوارض وعسفان أمكنة مختصة، وزعم قوم أن الطريق من الظروف القياسية؛ لأن لفظه صادق على كل مكان، فإن كل مكان صالح أن يجعل طريقا، ولذلك عبر عن القفر الذي يعسل فيه الثعلب بطريق، وهذا الاعتبار فاسد؛ لأن الطريق اسم لمكان مرور به وذهاب، ولا يطلق على المكان طريق لمجرد - - (ص 167)، والخصائص (3/ 319)، وأمالي الشجري (1/ 42)، (2/ 248)، وابن القواس (ص 344)، والبحر المحيط: (7/ 344)، والتذييل (3/ 388) والارتشاف (ص 578)، والخزانة (1/ 474)، وديوان الهذليين (1/ 190)، والمغني (1/ 11)، (2/ 525، 576)، وشرح شواهده (1/ 17)، (2/ 885)، والعيني (2/ 544)، والتصريح (1/ 312)، والهمع (1/ 200)، (2/ 81)، والدرر (1/ 169)، (2/ 105)، والأشموني (2/ 91)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 330) طبعة العراق.
اللغة: اللدن: اللّين.
يعسل: يعدو، وهو يريد بالمتن ظهر الرمح.
والشاهد فيه: نصب الطريق وهو مكان مختص على حذف «في».
الحديث: 1577 - الجزء: 4 - الصفحة: 1990
................................ صلاحيته أن يكون طريقا، لا يطلق عليه بيت لمجرد صلاحيته أن يكون بيتا؛ فالطريق إذا مكان مختص كما أن البيت مكان مختص، ومن قال: إن الطريق حقيق الظرفية القياسية ابن الطراوة، وزعم أنه يقال: ذهبت طريقي ومروا طرقاتكم 526، قال أبو علي الشلوبين: والرد عليه تكذيبه، قلت: ويناسب قول ابن الطراوة في الطريق حكاية السيرافي عن بعض النحويين أنه قال: إنما قالت العرب: ذهبت الشأم، لأن الشأم بمعنى اليسار، فإنه يقال: شامه إذا قابل يساره، وأجاز هذا القائل أن يقال: ذهبت اليمن، لأن اليمن بمعنى اليمين، ولم يجز أن يقال: ذلك في عمان ومكة؛ لأنه ليس فيهما ذلك المعنى، ويلزم هذا أن يجيز ذلك في العالية؛ لأن فيها معنى فوق 527. هذا معنى قول السيرافي، قلت: ولو كان قولهم: ذهبت الشام لكونه بمعنى يسار لكان غير ذهب أولى بذلك من ذهب، فكان يقال: أقمت الشام كما يقال: أقمت يسار الكعبة، ففي عدم معاملة غير «ذهب» بهذه المعاملة دلالة على أن باعثهم على ذلك إنما هو كثرة الاستعمال، ولذلك شبهه سيبويه بدخلت البيت 528، وقال الفراء: العرب تعدي ذهب وانطلق إلى جميع البلدان، فيقال: ذهبت الكوفة وانطلقت الغور 529، فعلى قول الفراء لا تختص ذهب بنصيب الشام بل ينتصب به كل بلد، وكذلك انطلق، ولا علة لذلك إلا كثرة الاستعمال كما فعل بدخل [2/ 453] مع جميع الأمكنة المختصة، وفي فعل هذا بانطلق دلالة واضحة على أن الأصل في هذه الأفعال الثلاثة التعدي بحرف جر، إذ لا يوجد الفعل متعد بنفسه 530. هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولنتبعه بأمور ننبه عليها: منها: أن النحاة مطبقون على أن اسم المكان لا ينصب منه على الظرف إلا ما كان مبهما 531، معتلين لذلك بأن أصل العوامل الفعل، ودلالته على الزمان أقوى -
الجزء: 4 - الصفحة: 1991
................................
من دلالته على المكان؛ لأنه يدل على الزمان بصيغة وبالتزام، ويدل على المكان بالتزام فقط.
فلما كانت دلالة الفعل على الزمان قوية تعدى إلى المبهم من أسمائه والمختص، ولما كانت دلالته على المكان ضعيفة لم يتعد إلا إلى المبهم منها؛ لأن في الفعل دلالة عليه في الجملة، وذكروا أيضا تعليلا ألطف من هذا وهو أن الأفعال لها دلالة على الزمان المعين فتعدت إلى المعين وإلى غير المعين؛ لأن ما تعدى إلى الأخص تعدى إلى الأعم، وليس للأفعال دلالة على الأمكنة المعينة، وإنما تقتضي مكانا غير معين وهو المبهم، فتعدت إلى ما اقتضته خاصة 532.
وإذا كان النحاة قد ذكروا أن الذي يتعدى إليه العوامل من ظروف المكان شيء واحد، فيقال: إن المصنف قد ذكر أن الصالح للظرفية القياسية من أسماء الأمكنة أربعة أنواع، وهذا بظاهره يوهم أن كلامه لم يطابق كلام الجماعة،
والجواب أن الذي ذكره إنما هي أنواع داخلة تحت جنس المبهم، وذلك أن الجنس لما تنوع قصد أن يميز نوعا عن نوع وما للإيضاح والبيان، فذكر أولا ما دل على مقدر كميل وفرسخ وبريد، ولا شك أن هذا مبهم كما سيأتي بيانه، وذكر ثانيا ما دل على مسمى إضافي محض، وفسر ذلك بأنه الذي لا يعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه كمكان وناحية وما شابههما مما ذكره، وإبهام هذا القسم أوضح من إبهام القسم الأول، وذكر رابعا ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه كمقعد ومرقد بشرط أن يكون العامل فيه أصله أو مشارك له في الفرعية، وأما الذي ذكره ثالث الأقسام وهو ما جرى باطراد مجرى ما ذكره قبله كما قال، وذلك كصفة المكان الغالبة نحو: هم قريبا منك وشرقي المسجد وقرب الدار فليس قسما مستقلّا إنما هو في الأصل صفة لمكان مبهم منصوب على الظرفية نصبا قياسيّا؛ فلما حذف الموصوف أقيم هو مقام موصوفه، فنصبه على الظرف ليس بحق الأصالة إنما هو بطريق النيابة عما يستحق ذلك، وإذا كان كذلك فالأقسام بالحقيقة ثلاثة لا أربعة، واعلم أن ابن عصفور جعل نحو قعد مني مقعد القابلة ونحوه مما هو مشتق من لفظ الفعل العامل فيه من الظروف المختصة، وقال: إن الفعل تعدى إليها لشبهها بالمصدر في أن الفعل يدل على أن كل واحد [2/ 454] منهما بلفظه، والإمام بدر الدين -
الجزء: 4 - الصفحة: 1992
................................
ولد المصنف جعل ذلك من قبيل الظروف المختصة أيضا واعتذر عن تعدي العامل إليه في قولك: قعدت مقعد زيد دون بقية الأمكنة المختصة بقوة دلالة العامل عليه حينئذ 533، فوافق كلامه كلام ابن عصفور في الحكم والتعليل.
والذي يظهر لي أن الأمر بخلاف ما قالاه، لأن نحو: مقعد زيد ومرقد عمرو ومعتكف خالد ومصلى فلان لا يعلم حقيقته بنفسه، بل بما يضاف إليه، وهذا شأن المبهم كما عرفت قبل من كلام المصنف، ويدل على ذلك قوله في الألفية:
وما صيغ من الفعل كمرمى من رمى بعد قوله: نحو الجهات والمقادير 534 فإن ما صيغ معطوف على المجرور بقوله نحو، فالمعنى: ولا تقبل المكان إلا مبهما نحو الجهات والمقادير ونحو ما صيغ من الفعل؛ فكل هذا تفسير للمبهم، فإن قيل: إذا كان هذا القسم داخلا في المبهم فلأي شيء ذكره؟ فالجواب: أن ذكره له كذكره لغيره، ولأنه لما كان شرط صحة نصبه على الظرفية أن يعمل فيه ما شاركه في الحروف والمعنى احتاج أن ينص عليه ليذكر
شرطه، وكلام ابن أبي الربيع يدل على ما قلته؛ فإنه قال: وأما المشتقات فلا يتعدى إليها إلا ما اشتقت منه؛ لأنها تدل عليها وتتنزل من أفعالها منزلة المبهم من جميع الأفعال، ألا ترى أنك إذا قلت:
جلست فإنه يقتضي مجلسا يقع فيه كما يقتضي المبهم، فيتعدى إليه كما يتعدى إلى المبهم.
ومنها: أن العادات اختلفت في تفسير المبهم من الأمكنة، فمن النحاة من لم يفسره بشيء، وإنما قال: المبهم الجهات الست 535، واحتاج القائل ذلك أن يقول: وحمل عليها - يعني على الجهات الست - عند ولدى وشبههما، لإبهامها 536.
ومنهم من فسره بأن قال: المبهم ما ليس له نهاية معروفة ولا حدود محصورة -
الجزء: 4 - الصفحة: 1993
................................
سواء أكان مضافا نحو: أمامك وخلفك ووراءك وفوقك وتحتك، أو نكرة غير معدود نحو يمين وشمال وناحية من الدار 537، ومنهم من قال: المبهم ما له اسم 538 باعتبار ما ليس داخلا في مسماه، والمؤقت منه ما له اسمية باعتبار ما هو داخل في مسماه، فالدار مؤقتة لأن لها اسمها من جهة ما هو داخل في مسماها من البنيان والسقف وغيره، والفرسخ مبهم؛ لأن له اسما باعتبار قياس غير داخل في مسماه 539 وهو حسن، ويظهر لي أن قول المصنف في القسم الثاني أنه ما دل على مسمى إضافي محض يكون كافيا في تفسير المبهم؛ لأنه فسر ذلك بما لا يعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه، وهذا هو معنى قول غيره: المبهم كل مكان له اسمه بأمر لا يدخل في مسماه.
ومنها: أن ابن عصفور ذكر في شرحه للإيضاح أن الشلوبين ذهب إلى أن ما دل على مقدر كميل وفرسخ ليس مبهما، قال: لأن المبهم لا يكون له نهاية معروفة ولا حدود محصورة 540، ثم ذكر أن الصحيح خلاف ذلك 541، قلت: وهذا هو الحق، لأن نحو ميل وفرسخ وبريد وإن دل على مقدر [2/ 455] محدود، ذي نهاية معروفة مجهول العين، بخلاف الدار والمسجد وأشباههما من الظروف المحضة؛ فإنها معلومة العين مع العلم بحدودها وبدئها ونهايتها،
واعلم أن سيبويه قال: ويتعدى إلى ما كان وقتا في الأمكنة كما يتعدى إلى ما كان وقتا في الأزمنة؛ لأنه وقت يقع في المكان لا يختص به مكان واحد، كما أن ذلك وقت في الأزمان -
الجزء: 4 - الصفحة: 1994
................................ لا يختص به زمن بعينه، ثم قال: وذلك قولك: ذهبت فرسخين وسرت ميلين كما تقول: ذهبت الشهرين وسرت الميلين 542. انتهى. قال الشراح 543: فمن حيث التوقيت ظاهره أنه مختص، ومن حيث قوله: لا يختص به مكان ظاهره الإبهام 544، فمن ثم قال الشيخ: والصحيح أنه شبه بالمبهم، ولذلك وصل إليه الفعل بنفسه 545، ثم ذكر الشيخ عن السهيلي أنه يرى أن انتصاب هذا النوع انتصاب المصادر لا انتصاب الظروف، وعلل ذلك بأن الميل ليس بظرف؛ لأنه ليس كالجهات الست المضافة، لأن الجهة لا معنى لها إلا بإضافتها إلى من هي له، والميل لا يضاف والظرف مقدر بفي، وقد يصرح بها والميل لا يقدر، ولو قدر بها لجاز إظهارها، وأطال الكلام في ذلك وجنح الشيخ إلى هذا الرأي 546، ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال الذي أشار إليه، ويكفيه مخالفة إمام الصناعة، ولا شك أن هذا مما لا ينبغي التشاغل به، وذكر الشيخ أيضا أن الكوفيين لا ينصبون المبهم على الظرف لعدم الفائدة، ويقولون: لابد من تخصيصه بوصف أو غيره 547. واعلم أنني لا أختار ذكر شيء من هذه الأقوال التي لا معول عليها، ولكن قد يترك ذلك فيظن الناظر أنه قد فات الإنسان ما كان ينبغي أن لا يفوته، وأقرب مما قاله السهيلي ما ذهب إليه بعض المغاربة وهو ابن طلحة: أن الأصل سرت سير فرسخين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونظّر ذلك بقولهم: ضربته سوطا أي ضرب سوط، فكأنه يجعل نصب فرسخين نصب المصدر 548، وقد أطال الشيخ الكلام في هذه المسألة، والحق أحقّ أن يتبع. ومنها: أنه قد تقدم أن من الضرورات قول الشاعر: - 1579 - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه... فيه كما عسل الطّريق الثّعلب 549
الحديث: 1579 - الجزء: 4 - الصفحة: 1995
................................
وذلك أن الطريق من الظروف المختصة؛ لأنه واقع على المحجة السالكة، ولا يقال لمن مشى في الدار أو المسجد أو في أرض متملكة: مشى في الطريق إنما يقال:
مشى في غير الطريق، وكذلك من مشى في الأرض الغامرة والجبال الشامخة يقال فيه: مشى في غير الطريق، وقد ادعى ابن الطراوة أن الطريق مبهم بناء منه على أن كل مكان يستطرق فيه فهو طريق 550، قال ابن أبي الربيع: إن ابن الطراوة ذكر ذلك في الإفصاح الذي وضعه لبيان غلط الإيضاح على زعمه، واستدل عليه بغير دليل ولجأ من [2/ 456] الكلام إلى غير حصين، ثم قال: والله تعالى يسدد أذهاننا ويزيل عنا التبجح بالرد على من تقدمنا من أئمتنا، فذاك أكبر داء وأعظم حجاب لمن أراد التعلم، وهذا الشاعر يصف رمحا، واللدن: اللين، ويعسل: يضطرب.
وقال: متنه لأنه إذا اضطرب متنه فما ظنك بطرفيه.
ومنها: أن من جملة الأمثلة التي مثل بها المصنف لما دل على مسمى إضافي محض أربعة ألفاظ وهي قوله:
كجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها وكجنبي في قول الشاعر: -
1580 - جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل (2)
وكأقطار في قولهم: قومك أقطار البلاد، وكمساليه في قول الشاعر: -
1581 - مساليه عنه من وراء ومقدم 551
فأما كجنابتي المد رواه الجرمي كجنبتي، وحاصله أن الجنبة والجنابة بمعنى واحد وهو الناحية، ولهذا كان النصب في الكلمة قياسا؛ لأنها مبهمة، كأنه قال:
ناحيتي أنفها والناحية مبهم، والتخصيص الذي يحصل لها إنما هو عارض حصل من ألف ولام أو إضافة، وهذا الاختصاص لا اعتبار به؛ لأن الكلمة مبهمة بالوضع، فعروض الاختصاص لها لا يخرجها عن الإبهام كما في نحو أمامك وخلفك وفوقك وتحتك، فإنها كلمات محكوم بإبهامها مع إضافتها إلى ما يفيد تخصيصا.
وقد جعل الفارسي وابن جني النصب في هذه الكلمة على غير القياس؛ -
الحديث: 1580 - الجزء: 4 - الصفحة: 1996
................................
لأنهما جعلاها من الظروف المختصة 552، قال ابن أبي الربيع: كأنهما جعلا الجنابة اسما للجلدة التي فيها الخط؛ فصارت بهذا من الظروف المختصة، قال: ونظير هذا ما حكاه سيبويه وهو قولهم: هو أحمر بين العينين 553 وجعله من باب الصفة، وكان الأصل هو أحمرين عينيه، ثم نقل الضمير فقيل أحمر بين العينين كما تقول: مررت برجل حسن الوجه، والأصل حسن وجهه، فجعل البين اسما للجلدة التي بين العينين، وبهذا كان الشلوبين يعتلّ لأبي علي وابن جني، قال:
وكلاهما وجه إلا أن الأظهر عندي ما ذهب إليه سيبويه من الإبهام، وأما «جنبي فطيمة» فهو موضع، فليس من قبيل الأسماء التي جعلت ظروفا بغير قياس، وأما أقطار البلاد فهى النواحي؛ لأنها جمع قطر وهو الناحية، فالمعنى: قومك في نواحي البلاد، وأما مساليه فالمسال عند سيبويه العطف وهو الجانب 554 ولا شك أن الجانب بمعنى الناحية.
ومنها: أنه قد تقدم قول المصنف: ومن العلماء من حكم باطراد ما دل على بعد أو قرب من نحو: هو مني بمنزلة الشغاف ونحو: -
1582 - وإنّ بني حرب كما قد علمتم... مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها 555
على تقدير مكان موصوف بمثل مضاف إلى شغاف ومناط، ثم فعل به ما فعل بضربته ضرب الأمير اللص من حذف الموصوف وصفته وإقامة الثالث مقامهما، وتقدم قول للمصنف أنه تقدير لائق، ولكن القياس على نوعه لا يتجه لقلة نظائره، ومغايرة لفظ باقية للفظة [2/ 457] محذوفة، بخلاف ضربته ضرب الأمير اللص، فإن نظائره كثيرة ولفظ باقية مماثل للفظ محذوفة، وقد تعرض ابن أبي الربيع لذكر هذا المذهب، وقرره كما قرره المصنف، ثم رد ذلك بأن قال: وهذا الذي ذهب إليه هذا القائل لا يجري على طريقة سيبويه وأصله وذلك أن أصله في المضاف إذا حذف وأقيم المضاف مقامه أن لا يكون فيه ما يضاد -
الحديث: 1582 - الجزء: 4 - الصفحة: 1997
................................
إعرابه، ألا ترى أنه قال في قولهم: له صوت صوت الحمار لا يجوز أن يكون صوت الحمار نعتا لصوت؛ لأنه معرفة ولا توصف النكرة بالمعرفة 556، وأنت تعلم ولا شك أن الأصل: له صوت مثل صوت الحمار، ثم حذف مثل وأقيم مقامه صوت، ومثل لو نطق بها لكان نعتا، فينبغي إن كان المضاف إذا حذف وأقيم المضاف إليه مقامه على حسب إعرابه أن يقول في هذا: إنه نعت وهو لم يقله لما ذكرته من مراعاة اللفظ، فكذلك ها هنا لا ينبغي أن يدعى أن مناط الثريا منصوب على ما انتصب عليه مكان؛ لأنه مختص لا ينتصب، ويجب أن لا يكون في هذا شذوذ على مذهب الخليل، لأن الخليل يجوز في: له صوت صوت الحمار أن يكون صوت الحمار صفة 557 قال: وهكذا كان الأستاذ أبو علي يأخذ هذا الموضع، وهو عندي مأخذ حسن وتأويل صحيح 558. انتهى.
وإلى هذا التقرير الذي قرره بالنسبة إلى طريقة سيبويه أشار ابن عصفور في شرح الإيضاح، فقد تطابق كلام هذين الرجلين الكبيرين في هذه المسألة، والظاهر أن ابن عصفور أخذ ذلك عن الشلوبين، كما أخذه ابن أبي الربيع، وحينئذ يتأكد أمر هذا البحث ويحكم بصحته، ثم قال ابن أبي الربيع: وأما قولهم: هو مني معقد الإزار، فمني متعلق بما يعطيه قولهم: معقد الإزار، لأنه يريد القرب فكأنه قال: هو مني قريب، وكذلك هو مني مناط الثريا التقدير: هو مني بعيد، وكذلك كل ما أتى من هذا النوع يقدر له بحسب المعنى، وكذلك هو مني مزجر الكلب أي هو
مطرود مني كما تقول: الكافر مطرود من رحمة الله، واعلم أن سيبويه ذكر كلمات يجوز انتصابها على الظرف وهي: صددك، وصقبك، ووزن الجبل، أي ناحية توازيه أي تقابله قريبة كانت أو بعيدة، وزيد الخيل أي حذاه متصلا به، وهم قرانيك أي قريبا منك، وهو أشد مبالغة في القرب، إذ معناه الاتصال وقريب قد يكون لما تراخى عنك، وقومك أقطار البلاد أي في نواحيها 559.
الجزء: 4 - الصفحة: 1998
[أحكام بعض الظروف المكانية مثل أسماء الجهات وحيث ولدن]
قال ابن مالك: (من الظّروف المكانيّة كثير التصرف كمكان لا بمعنى بدل، ويمين وشمال، وذات اليمين [2/ 458] وذات الشّمال، ومتوسط التّصرف كغير «فوق» و «تحت» من أسماء الجهات و «بين» مجرّدا، ونادر التّصرف كحيث ووسط ودون لا بمعنى رديء، وعادم التّصرف كفوق وتحت وعند ولدن ومع و «بين بين» دون إضافة، وحوال وحوالي وحولي وأحوال، و «هنا» وأخواته و «بدل» لا بمعنى بديل، وما رادفه من مكان فحيث مبنيّة على الضّم وقد تفتح أو تكسر، وقد تخلف ياءها واو وإعرابها لغة فقعسيّة، وندرت إضافتها إلى مفرد، وعدم إضافتها لفظا أندر، وقد يراد بها الحين عند الأخفش، و «عند» للحضور أو القرب حسّا أو معنى، وربّما فتحت عينها أو ضمّت، و «لدن» لأول غاية زمان أو مكان، وقلّما تعدم «من» وقد يقال: لدن ولدن ولدن ولدن ولدن ولدا ولد ولد، وإعراب اللّغة الأولى لغة قيسيّة وتجبر المنقوصة مضافة إلى مضمر، ويجرّ ما يليها بالإضافة لفظا إن كان مفردا وتقديرا إن كان جملة، وإن كان «غدوة» نصب أيضا، وقد يرفع، وليست «لدى» بمعناها بل بمعنى «عند» على الأصحّ، وتعامل ألفها ألف «إلى» و «على» فتسلم مع الظّاهر وتقلب ياء مع المضمر غالبا، ومع للصّحبة اللّائقة بالمذكور، وتسكينها قبل حركة وكسرها قبل سكون لغة ربعيّة، واسميتها حينئذ باقية على الأصحّ، وتفرد فتساوي جميعا معنى وفتى لفظا لا يدا، وفاقا ليونس والأخفش، وغير حاليّتها حينئذ قليل).
قال ناظر الجيش: اعلم أنه كما انقسم ظرف الزمان إلى متصرف وغير متصرف كذلك انقسم ظرف المكان إلى
الأمرين أيضا، وكما أن المتصرف من ظرف الزمان منه منصرف، ومنه غير منصرف، كذلك المتصرف من ظرف المكان أيضا منه منصرف ومنه غير منصرف، إلا أن غير المنصرف من ظرف الزمان منه ما هو غير متصرف، ولا يكون ذلك في ظرف المكان؛ لأن غير المتصرف لا بد أن يكون غير معرفة، ومتى كان معرفة كان مختصّا، وظرف المكان إنما يكون مبهما لا مختصّا، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1999
................................
فمن ثم كانت الأقسام في ظرف الزمان بالنسبة إلى التصرف والانصراف أربعة كما تقدم.
وأما الأقسام في ظرف المكان بالنسبة إلى ذلك فثلاثة: متصرف منصرف وهو الكثير، ومتصرف غير منصرف كقولك: قعد زيد أسفل منك، الأصل:
مكانا أسفل منك، وقعدنا مقاعد قريبة من زيد، قال الله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ 560، ومنصرف غير متصرف، وهو ما ذكره المصنف في متن الكتاب، ثم إن المتصرف منه ما يكثر تصرفه ومنه ما لا يكثر، وقد بيّن المصنف أنه ثلاثة أقسام، كثير التصرف ومتوسط التصرف ونادر التصرف.
وبعد؛ فأنا أورد كلام المصنف ثم أنبه على ما يتعين التنبيه عليه، قال رحمه الله تعالى 561: كما انقسم ظرف الزمان إلى متصرف وغير متصرف انقسم ظرف المكان إليهما، فمن المتصرف [2/ 459] ما كثر وقوعه (ظرفا وغير ظرف) 562، «كمكان» فإنك تقول إذا نويت ظرفيته: اجلس مكانك، وتقول إذا لم تنو ظرفيته: مكانك لائق بك، ومثل مكان في التصرف بكثرة: يمين وشمال وذات اليمين وذات الشمال، يقال في الظرفية: جلست يمينه وشماله وذهبت به ذات اليمين وذات الشمال، قال الله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ 563 ويقال في المجرد من الظرفية: يمين الطريق أسهل و: ماله أقرب، ودارك ذات اليمين، ومنازلهم ذات الشمال، قال الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ 564، ومن المتصرف ما يكثر تجرده دون كثرة ظرفيته كأمام وقدام ووراء وخلف وأسفل، وهو المعني بقولي: (متوسط التصرف) أي متوسط بين الكثرة والقلة، يقال في الظرفية: كن أمامهم وقدامهم لا خلفهم ولا أسفل منهم، ويقال في التجرد من الظرفية: أمامهم آمن من ورائهم، ويقال: هم خلف وأنتم قدام 565، وقال الشاعر: - -
الجزء: 4 - الصفحة: 2000
................................ 1583 - فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه... مولى المخافة خلفها وأمامها 566 وقراءة بعض القراء 567: والركب أسفل منكم 568 بالرفع، ويساوي أماما وما ذكر بعده «بين» يقال في الظرفية: جلست بين زيد وعمرو، قال الله تعالى: لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا 569، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ 570، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً 571، ويا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ 572 ويقال في التجرد من الظرفية: هو بعيد بين المنكبين نقي بين الحاجبين، ومنه قول الشاعر 573: - 1584 - يديرونني عن سالم وأديرهم... وجلدة بين العين والأنف سالم 574 ومنه قوله تعالى: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ 575، وقوله تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ 576 في قراءة غير نافع وحفص والكسائي 577، ومنه قوله تعالى: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ 578، ومَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ قرأ الأولى -
الحديث: 1583 - الجزء: 4 - الصفحة: 2001
................................ أبو عمرو والكسائي 579، وقرأ الثانية حمزة وحفص، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر: (مودة) 580، ومن تجريد «بين» عن الظرفية قول الشاعر: - 1585 - ولم تترك النبل المخالف بينها... أخا لأخ يرجى ومأثورة الهند 581 «بينها» في موضع رفع بإسناد والمخالف إليه إلا أنه بني لإضافته إلى مبني مع إبهامه، وقد تكون «بين» ظرف زمان كما يكون ظرف مكان، فمن ذلك: حديث ساعة يوم الجمعة هي ما بين خروج الإمام وانقضاء الصلاة 582. ومن الظروف المكانية ما ندر تجرده عن الظرفية، فمن ذلك «حيث» فكونه ظرفا هو الشائع كقوله تعالى: وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ 583 وكونه مجردا عن الظرفية كقول زهير: - 1586 - فشدّ ولم ينظر بيوتا كثيرة... لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم 584 [2/ 460] وكقول الآخر: - 1587 - إنّ حيث استقرّ من أنت راعي... هـ حمى فيه عزّة وأمان 585
الحديث: 1585 - الجزء: 4 - الصفحة: 2002
................................ وهو مبني على الضم في أكثر الكلام، وقد يفتح وقد يكسر وقد يقال: حوث 586، وسبب بنائه لزوم افتقاره إلى جملة يضاف إليها، وندرت إضافتها إلى مفرد 587، كقول الراجز: 1588 - أما ترى حيث سهيل طالعا 588 وكقول الآخر 589: - 1589 - ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم... ببيض المواضي حيث ليّ العمائم 590 وأندر من إضافته إلى مفرد إضافته إلى جملة مقدرة، كقول الشاعر: 1590 - إذا ريدة من حيث ما نفخت له... أتاه بريّاها خليل يواصله 591
-
- والشاهد فيه: خروج (حيث) عن الظرفية بوقوعها اسما لإنّ، وردّ ذلك أبو حيان بقوله: وهذا خطأ لأن كونها اسما لإنّ فرع عن كونها تكون مبتدأ، ولم يسمع ذلك فيها ولا في لفظ واحد.
الحديث: 1588 - الجزء: 4 - الصفحة: 2003
................................
أراد: إذا ريدة نفخت من حيث ما هبت أتاه برياها خليل، فحذف هبت للعلم به، وجعل ما عوضا كما جعل التنوين في حينئذ عوضا، وروي إعراب حيث عن فقعس فيقولون: جلست حيث كنت وجئت من حيث جئت 592 وأجاز الأخفش استعمالها بمعنى «حين» 593، وحمل على ذلك قول الشاعر: -
1591 - للفتى عقل يعيش به... حيث تهدي ساقه قدمه 594
ولا حجة لإمكان إرادة المكان، ومثل «حيث» في ندور التجرد عن الظرفية «وسط» بالسكون كقولك: جلست وسط
القوم، فهذا كثير، أعني وقوعه ظرفا.
وأما تجرده عن الظرفية فقليل لا يكاد يعرف 595 ومنه قول الشاعر يصف سحابا: -
1592 - وسطه كاليراع أو سرج المج... دل طورا يخبو وطورا ينير 596
-
- (1634)، والخزانة (3/ 152)، والمغني (1/ 132)، وشرح شواهده (1/ 390)، والعيني (3/ 386)، والهمع (1/ 212)، والمطالع السعيدة (329)، والدرر (1/ 180)، وشرح الألفية للمرادي (2/ 263) واللسان «زيد».
اللغة: ريدة: ريح لينة الهبوب.
نفخت: هبت.
برياها: أي برائحتها.
والشاهد فيه: إضافة «حيث» إلى جملة مقدرة محذوفة و «ما» عوض عنها.
- (1634)، والخزانة (3/ 152)، والمغني (1/ 132)، وشرح شواهده (1/ 390)، والعيني (3/ 386)، والهمع (1/ 212)، والمطالع السعيدة (329)، والدرر (1/ 180)، وشرح الألفية للمرادي (2/ 263) واللسان «زيد».
الحديث: 1591 - الجزء: 4 - الصفحة: 2004
................................
فوسطه مبتدأ خبره كاليراع، ويروى: وسطه كاليراع بالنصب على الظرفية والحكم بأن «وسطه» خبر مقدم والكاف اسم في موضع رفع بالابتداء، ومثل حيث في ندور التجرد عن الظرفية «دون» في نحو قولك: جلست دون موضع كذا، وزيد دون عمرو قدرا، قال سيبويه: وأما دونك فإنه لا يرفع أبدا، وإن قلت: هو دونك في الشرف؛ لأن
هذا إنما مثل 597 يعني أنه حين أريد به الانحطاط عن علو الشرف تلازمه الظرفية أيضا؛ لأن استعماله بذلك المعنى مثل استعماله في المكان الأدنى، وقد جاء بالمقصود به المكان خاليا من الظرفية، وذلك نادر كقول الشاعر 598:
1593 - ألم تريا أنّي حميت حقيقتي... وباشرت حدّ الموت والموت دونها 599
بالرفع، وظاهر كلام الأخفش يقتضي اطراد ذلك؛ فإنه حكم بأن دون من قوله تعالى: وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ 600 مبتدأ، ولكنه بني لإضافته إلى مبني، وغيره يجعل التقدير: «ومنا ما دون ذلك» 601 وقول الأخفش أولى بالصواب، وحكى سيبويه أنه يقال: هذا ثوب دون، إذا كان رديئا 602، فمن هذا احترزت بقولي: ودون لا بمعنى رديء.
ومن الظروف [2/ 461] العادمة التصرف «فوق وتحت» نص على ذلك الأخفش، فقال: اعلم أن العرب تقول: فوقك رأسك فينصبون الفوق؛ لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفا، ثم قال: وتقول: تحتك رجلك لا يختلفون في نصب التحت.
هذا نصه 603، وقد جاء جر «فوق» بعلى في قول أبي صخر الهذلي: - -
الحديث: 1593 - الجزء: 4 - الصفحة: 2005
................................
1594 - فأقسم بالله الّذي اهتزّ عرشه... على فوق سبع لا أعلّمه بطلا 604
وهذا نادر، ومن الظروف العادمة التصرف «عند» 605 ولا تستعمل إلا مضافة، ولا يفارقها النصب على الظرفية إلا مجرورة «بمن» وهي لبيان كون مظروفها حاضرا حسّا أو معنى 606، وقد اجتمع الحضور الحسي والمعنوي
في قوله تعالى:
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي 607، ومثال القرب الحسي: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى 608، ومثال القرب المعنوي: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ 609، ورَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ 610. ومن القرب المعنوي قول الرجل: عندي مائة يريد أنه مالكها، وإن كان موضعها بعيدا، ومنه قوله تعالى: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ 611. وقد يكون مظروفها معنى فيراد بها الزمان كقوله عليه الصلاة والسّلام: «إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى» 612 وكسر عينها هو المشهور، ومن العرب من يفتحها ومنهم من يضمها.
ويرادفها لدى في قول سيبويه وهو الصحيح 613 لا قول من زعم أنها بمعنى «لدن» 614؛ لأن «لدن» مخصوصة بما هو مبتدأ غاية بخلاف «لدى» فإنه يراد بها ما يراد «بعند» كقوله تعالى:
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ 615، فهذا موضع صالح «لعند» و «للدن» غير صالح، وكذا قوله -
الحديث: 1594 - الجزء: 4 - الصفحة: 2006
................................ تعالى: وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ 616 [فلدى وعند] يصلحان في موضع «لدن»، و «لدن» لا تصلح في مواضعهما إلا فيما هو مبدأ غاية، ولذلك اجتمعت عند ولدن في قوله تعالى: آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً 617. وبنيت «لدن» في أكثر اللغات لشبهها بالحرف في لزوم استعمال واحد، وامتناع الإخبار بها وعنها بخلاف «عند» و «لدى» فإنهما لا يلزمان استعمالا واحدا، فإنهما يكونان لابتداء الغاية ولغير ذلك، ويستعملان فضلة وعمدة 618 فاستعمالهما فضلة كثير واستعمالهما عمدة كقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ 619، وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ 620، وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ 621، وَلَدَيْنا مَزِيدٌ 622، ولكون موضع لدن صالحا «لعند» شبهتها قيس بها فأعربتها 623 وبلغتهم قرأ أبو بكر 624 عن عاصم 625 لينذر بأسا شديدا من لدنه 626 إلا أنه سكن النون وأشمها ضمّا 627، والأصل من لدنه، ويقال: [2/ 462] في النصب على هذه اللغة لدنه ولدنه، ويمكن أن يكون من هذه -
الجزء: 4 - الصفحة: 2007
................................ اللغة قول الراجز: 1595 - تنتهض الرّعدة في ظهيري... من لدن الظّهر إلى العصير 628 قال أبو الفتح بن جني رحمه الله: استعمال «لدن» [بدون] 629 من قليل، ولذلك لم يخل القرآن العزيز من «من» 630، وإلى ذلك أشرت بقولي: وقلما تعدم من، وفيها على غير اللغة القيسية تسع لغات: سكون النون مع ضم الدال وفتحها وكسرها، وكسر النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وفتح النون مع سكون الدال وضم اللام، وحذف النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وحذف النون مع ضم الدال وفتح اللام 631، قال سيبويه: وأما لد فهي «لدن» محذوفة كما حذفوا نون يكن، ألا ترى أنك إذا أضفته إلى مضمر رددته إلى أصله، تقول: من لدنه ومن لدنّي 632، وإلى هذا أشرت بقولي: وتجبر المنقوصة مضافة إلى مضمر، ثم بينت أنها تلازم الإضافة فتجر ما يليها لفظا إن كان مفردا وتقديرا إن كان جملة كقول الشاعر: 1596 - صريع غوان راقهنّ ورقنه... لدن شبّ حتّى شاب سود الذّوائب 633
الحديث: 1595 - الجزء: 4 - الصفحة: 2008
................................ وإن كان ما يليها «غدوة» جاز الجر على القياس، والنصب على التمييز أو على إضمار كان مضمرا فيها اسمها كما قال سيبويه في قول الراجز: 1597 - من لد شولا فإلى إتلائها 634 وحكى الكوفيون رفع «غدوة» على تقدير: لدن كان غدوة 635. وكل ذلك منبه عليه. ومثال نصب غدوة قول الشاعر: - 1598 - وما زال مهري مزجر الكلب منهم... لدن غدوة حتّى دنت لغروب 636 ثم بينت أن «لدى» لا ترادفها بل ترادف «عند» صرّح بذلك سيبويه 637، ثم بينت أن ألف «لدى» تنقلب «ياء» مع المضمر وتسلم مع الظاهر كما تفعل بألف على وإلى 638، وقرنت بذلك غالبا ليعلم أن بعض العرب يستغني عن هذا القلب مع المضمر كما يستغني عنه الجميع مع الظاهر، ومن ذلك قول الشاعر 639: 1599 - إلاكم يا خناعة لا إلانا... عزا النّاس الضّراعة والهوانا فلو برّت عقولكم بصرتم... بأنّ دواء دائكم لدانا وذلكم إذا رافقتمونا... على قصد اعتمادكم علانا 640
الحديث: 1597 - الجزء: 4 - الصفحة: 2009
................................
أراد: إليكم لا إلينا ولدينا وعلينا.
ومن الظروف العادمة التصرف «مع» 641، وهو اسم لمكان الاصطحاب أو وقته على حسب ما يليق بالمصاحب، ويدل على اسميته دخول «من» عليه في قولهم:
ذهب من معه، حكاه سيبويه 642، ومنه قراءة بعض القراء 643: (هذا ذكر من مّعى وذكر من قبلى) 644 وكان من حقه أن يبنى لشبهه بالحروف في الجمود المحض والوضع الناقص [2/ 463] إذ هو على حرفين بلا ثالث محقق العود، والمراد بالجمود والمحض ملازمة وجه واحد من الاستعمال إلا أنه أعرب في أكثر اللغات لمشابهته «عند» في وقوعه خبرا وصفة وحالا وصلة، ودالّا على حضور وعلى قرب 645، فالحضور كـ نَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ 646، والقرب كـ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً 647 وكقول الراجز 648: -
1600 - إنّ مع اليوم أخاه غدوا 649
وهو وإن فاقه عند تمام الوضع فقد فاق هو بوجه من التمكن وهو الإفراد وتضمن - - والدرر (1/ 172). اللغة: خناعة: قبيلة سموا باسم أبيهم خناعة بن سعد بن هذيل، ويروى (خزاعة) مكان خناعة.
والشاهد في الأبيات: عدم قلب الألف ياء مع المضمر في (إلى ولدى وعلى) وهذه لغة لبعض العرب.
الحديث: 1600 - الجزء: 4 - الصفحة: 2010
................................
معنى جميع في نحو: جاء الزيدان معا، ورأيت العمرين معا 650، واختلف في فتحة العين من «معا» قيل: هي فتحة إعراب كفتحة دال رأيت يدا، فيكون الاسم ثنائي اللفظ في حالتي الإفراد والإضافة، أو هي كفتحة ياء فتى، فيكون الاسم قد جبر وقصر حين أفرد، والأول مذهب سيبويه والخليل 651 والثاني مذهب يونس والأخفش 652 وهو الصحيح، لأنهم يقولون: الزيدان معا والعمرون معا، فيوقعون معا موقع رفع [توقع] 653 الأسماء المقصورة
كقولك: هو فتى وهم عدى، ولو كان باقيا على النقص لقيل: الزيدان مع كما يقال: هم يد واحدة على من سواهم، وهم جميع، ومن شواهد وقوع معا في موضع رفع قول الشاعر:
1601 - أفيقوا بني حرب وأهواؤنا معا... وأرحامنا موصولة لم تقضّب 654
ومثله قول الآخر 655:
1602 - حننت إلى ريّا ونفسك باعدت... مزارك من ريّا وشعبا كما معا 656
وإلى نحو هذين البيتين أشرت بقولي: وغير حاليّتها حينئذ قليل، وانتصر للمذهب الأول بأن قيل: لا نسلم بأن معا في البيتين في موضع رفع بل هو منصوب على الحال بعامل محذوف هو الخبر والتقدير: وأهواؤنا كائنة معا وشعبا كما كائنان معا.
وهذا التقدير باطل للإجماع على بطلان نظيره، وهو أن يقال: زيد قائما على -
الحديث: 1601 - الجزء: 4 - الصفحة: 2011
................................
تقدير زيد كائن قائما 657، وانتصر له أيضا بأن قيل: القول بلزوم النقص هو الصحيح؛ لأنه مستلزم لموافقة النظائر وأن حاصله حكم بنقصان اسم في الإفراد كما هو في الإضافة.
ونظائر ذلك موجودة كيد ودم وغد، والقول بكون معا مقصورا في الإفراد ثنائيّا في الإضافة مستلزم لما لا نظير له، فلا يصار إليه، فإن الثنائي المعرب
إما منقوص في الإضافة والإفراد وإما متمم في الإضافة وحدها كأب؛ فإن حكم بأنّ «معا» مقصور في الإفراد منقوص في الإضافة لزم عدم النظير، وثبوت ما هو بالنفي جدير 658. والجواب أن يقال 659: مقتضى الدليل [2/ 464] كون الإفراد مظنة جبر ما فات من الثنائيات في إحدى حالتيه؛ لأن ثاني جزأي ذي الإضافة متمم لأولهما 660 ولذلك عاقب التنوين ونوني التثنية والجمع، بخلاف المنقوص المفرد فلا متمم له إلا ما يجبر به من رد ما كان محذوفا منه.
فإذا جعلنا «معا» منقوصا في الإضافة مقصورا في الإفراد، فقلنا بمقتضى الدليل وسلكنا سواء السبيل، بخلاف باب «أب» فإن فيه شذوذا، ولذلك لم تجر العرب فيه على سنن واحد، فمنهم من يلزمه الجبر ويلحقه بباب عصا، ومنهم من يلزمه النقص ويلحقه بباب «يد» وأيضا ففي الحكم بأن «معا» غير ملازم للنقص بيان لاستحقاقه الإعراب؛ إذ لا يكون بذلك موضوعا وضع الحروف الثنائية، بخلاف الحكم عليه بالنقص في حالي إفراده وإضافته؛ فإنه يلزم منه استحقاق البناء كسائر الأسماء الثنائية دائما دون جابر 661 ومع ذلك فقد ألغت ربيعة جبره في الإفراد؛ لأنه جبر لم يتمحض ولذلك لم يتفق على الاعتراف به بخلاف جبر باب يد، فيقال في اللغة الربعية: ذهبت مع أخيك ومع ابنك بالسكون قبل حركة وبالكسر قبل سكون، وبعضهم يفتح قبل السكون، هكذا روى الكسائي عن ربيعة 662 ولولا الكسر قبل السكون لأمكن أن يقال: إن السكون سكون تخفيف لا سكون بناء، ومن الوارد -
الجزء: 4 - الصفحة: 2012
................................
بالسكون قول الشاعر 663:
1603 - فريشي منكم وهواي معكم... وإن كانت زيارتكم لماما 664
وقد خفي على سيبويه أن السكون لغة لأنه قال: وسألت الخليل رحمه الله تعالى عن «معكم» لأي شيء نصبتها؟ فقال: لأنها استعملت غير مضافة اسما كجميع ووقعت نكرة وذلك قولك: جاءا معا وذهبا معا، وقد ذهبت معه
ومن معه صارت ظرفا فجعلوها بمنزلة أمام وقدام، قال الشاعر: فجعلها كهل، حين اضطر وأنشد للراعي:
فريشي منكم....................... البيت
فذكر سبب إعرابها أو تضمن كلامه أنها اسم على كل حال وأن نقصها لم يزل بالإفراد، وذلك بيّن من كلامه الذي ذكرته، وزعم قوم أن الساكن العين حرف 665، وليس بصحيح؛ لأن المعنى مع الحركة والسكون واحد، فلا سبيل إلى الحرفية، وزعم النحاس 666 أن النحويين مجمعون على أن الساكن العين حرف 667، وهذا منه عجيب، فإن كلام سيبويه مشعر بلزوم الاسمية على كل حال وأن الشاعر إنما سكنها اضطرارا.
ومن الظروف العادمة التصرف «بين بين» كقول الشاعر 668: -
الحديث: 1603 - الجزء: 4 - الصفحة: 2013
................................
1604 - نحمي حقيقتنا وبع... ض القوم يسقط بين بينا 669
والأصل بين هؤلاء وبين هؤلاء، فأزيلت الإضافة وركب الاسمان تركيب خمسة عشر، فلو أضيف المصدر إلى
العجز جاز بقاء الظرفية [2/ 465] وزوالها.
فبقاؤها كقولك: من أحكام الهمزة التسهيل بين بين وزوالها كقولك: بين بين أقيس من الإبدال، فإن أضيف إليها تعين زوال الظرفية، ولذلك خطّأ ابن جني رحمه الله تعالى من قال: همزة بين بين بالفتح، وقال: الصواب أن يقال: همزة بين بين بالإضافة 670، والأصل وقوع بين مفردا ظرفا، فالتوسط في مكان أو زمان ملازما للإضافة إلى ما يتوسط 671 [3/ 1] فيه منهما، وإذا خلا من التركيب والوصل بما والألف لم تلازم الظرفية، وقد تقدم التنبيه على ذلك 672.
ومن ظروف المكان العادمة التصرف الملازمة للإضافة «حوال» 673 وتثنيته، و «حول» وتثنيته وجمعه، فالأول كقول الراجز 674:
1605 - أهدموا بيتك لا أبا لكا... وأنا أمشي الدّألى حوالكا 675
والثاني كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم حوالينا ولا علينا» 676. -
الحديث: 1604 - الجزء: 4 - الصفحة: 2014
................................ والثالث كقوله تعالى: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ 677. والرابع كقول الراجز 678: - 1606 - يا إبلي ما ذامه فتأبيه... ماء رواء ونصيّ حوليه 679 والخامس كقول امرئ القيس: 1607 - فقالت سباك الله إنّك فاضحي... ألست ترى السّمار والنّاس أحوالي 680 ومن ظروف المكان العادمة التصرف «بدل» لا بمعنى بديل كقولك: هذا بدل ذلك أي هذا مكان ذلك، فلا يجوز حينئذ أن يستعمل غير ظرف، وكذا مكان إذا أردت به بدل، قال ابن خروف في شرح كتاب سيبويه: البدل والمكان إذا استعملا بمعنى واحد لا يرفعان، فإن ذكر كل واحد منهما في موضعه ولم يحمل أحدهما على الآخر في المعنى رفعا نحو قولك: هذا مكانك تشير إلى المكان، وهذا بدل من هذا؛ فترفع لأنك أشرت بهذا إلى البدل وهو هو، وإنما انتصب «البدل» هنا و «المكان» ولم يجز فيهما الاتساع حين أخرج كل واحد منهما عن موضعه فلزما طريقة واحدة 681. هذا نص ابن خروف انتهى كلام المصنف 682. - وثم أبحاث نشير إليها: -
الحديث: 1606 - الجزء: 4 - الصفحة: 2015
................................
الأول:
إن المصنف قد أشار إلى أن غير «فوق وتحت» من أسماء الجهات من المتوسط التصرف، وذلك نحو «أمام وقدام ووراء وخلف وأسفل وأعلى» وليعلم أن الكلمات المذكورة إذا تصرف فيها لا فرق بين أن لا يتجوز فيها نحو قولك:
خلفك مجدب و «وراءك أوسع لك» 683 وبين أن يتجوز فيها نحو قولك: زيد خلفك برفع خلف فجعله خبرا عن زيد، فزيد ليس بخلفك في الحقيقة وإنما الخلف مكان لزيد، وطريق المجاز فيه أن يقدر مضاف إلى المبتدأ محذوف، التقدير: مكان زيد خلفك أو أن يجعل الخلف زيد لما كان [2/ 466] حالّا فيه كما جعل النهار صائما من قولهم: نهاره صائم لما كان الصوم واقعا فيه 684 وليس هذا الذي ذكر مخصوصا بأسماء الجهات، بل يجوز ذلك في غيرها فتقول: مكانك مرتفع وعمرو مكانك، برفع مكانك على التقديرين اللذين ذكرا في زيد خلفك 685. أشار إلى ذلك كله ابن عصفور في شرح المقرب.
بقي أن يقال: إن قول المصنف: (كغير فوق وتحت من أسماء الجهات) يدخل فيه يمين وشمال، وعلى هذا يكونان من المتوسط التصرف، لكن المصنف قد عدهما مع الكثير التصرف، وقد يجاب عن هذا بأن نحو «يمين وشمال» لا يدخلان تحت قوله: (كغير فوق وتحت)، لأنه قد ذكرهما قبل فيما يكثر تصرفه، فكان ذكرهما أولا مخصصا لما أفهمه قوله: (كغير فوق وتحت من أسماء الجهات).
الثاني:
قد عرفت أن «حيث» من الكلمات النادرة التصرف وأن مما استدل به المصنف على تصرفها قول الشاعر: - -
الجزء: 4 - الصفحة: 2016
................................
1608 - إنّ حيث استقرّ من أنت راعي... هـ حمى فيه عزّة وأمان 686
وقد جعل الشيخ هذا الاستدلال خطأ، قال: لأن كون (حيث) اسما لإن فرع عن كونها تكون مبتدأ، ولم يسمع ذلك فيها، قال: ولا دليل في هذا البيت؛ لأن اسم إنّ هو حمى، وحيث في موضع خبر إنّ؛ لأنه ظرف، نحو: إنّ حيث زيد قائم عمرا، التقدير: إن حمى فيه عزة وأمان حيث استقر من أنت راعيه 687. انتهى.
ولا أعرف كيف يتوجه الخطأ على المصنف؛ لأن الغرض أن تصرف «حيث» نادر، واتفق أن التصرف النادر الذي حصل لها هو أن وردت اسما لإنّ، فكيف يقال: إن هذا موقوف على ورودها مبتدأة وهي لا يتصرف فيها إلا بما سمع، ثم إن هذه الكلمة إذا ندر وقوعها اسما لإن؛ فقد ندر وقوعها مبتدأة، وأما تخريجه البيت على أن «حمى فيه عزة وأمان» هو اسم إن، وحيث هو الخبر ينافي مراد الشاعر؛ لأن مقصوده أن يحكم على مكان من يرعاه الممدوح بأنه حمى فيه عزة وأمان، لا أن يحكم على حمى المذكور بأنه كائن حيث استقر من يرعاه الممدوح، وحاصله أن هذا التخريج يعكس النسبة المقصودة للشاعر من كلامه.
الثالث:
فقد عرفت أن المصنف أنشد البيت الذي أوله:
1609 - وسطه كاليراع........................................ 688
وأنه حكم فيه بأن وسطه في رواية من رواه مرفوعا تصرف فيه يجعله مبتدأ وأن ذلك نادر، وقد كان ذكر أن «وسطا» بسكون السين ظرف لا اسم، وكلام ابن عصفور يقتضي أن «وسطه» في البيت المذكور اسم لا ظرف وأن سينه سكنت -
الحديث: 1608 - الجزء: 4 - الصفحة: 2017
................................
ضرورة؛ فإنه بعد أن ذكر وسطا الساكن السين وأنه ظرف [2/ 467] قال: فإن أخرجوه عن الظرفية فتحوا السين فقالوا: وسط الدار أحر، ولا يجوز تسكينها إذ ذاك إلا في ضرورة نحو قول الفرزدق: -
1610 - أتته بمجلوم كأنّ جبينه... صلاءة ورس وسطها قد تفلّقا 689
وقول عدي بن زيد:
1611 - وسطه كاليراع.................. البيت
قال: فاستعمل «وسط» في حال إخراجه عن الظرفية، وجعله مرفوعا بالابتداء ساكن السين لما اضطروا إلى ذلك 690. انتهى.
وما قاله ابن عصفور أظهر مما قاله المصنف، ثم اعلم أن الفراء (ومن تبعه) 691 من الكوفيين قالوا: إنّ «وسط» إذا كانت ظرفا، وكانت بمعنى «بين» كانت ساكنة السين، وإذا لم تكن بمعناها كانت مفتوحة السين، فأجازوا أن يقال: احتجم زيد وسط رأسه بفتح السين، وإن كانت ظرفا [3/ 2] لأنها ليست بمعنى «بين» إذ لا يقال: احتجم بين رأسه، والبصريون لا يجيزون في مثل هذا المثال إلا إسكان السين؛ لأن الكلمة ظرف، ولا يفرقون بين ما يصلح فيه «بين» وما ليس كذلك 692. فعلى هذا قول الشاعر أنشده الفراء: -
الحديث: 1610 - الجزء: 4 - الصفحة: 2018
................................
1612 - فوسط الدار ضربا واجتماعا 693
غير ضرورة عند البصريين؛ لأن وسط الدار ظرف، وهو عند الفراء ومن تبعه في ذلك ضرورة؛ لأن وسطا فيه لا يتقدر «ببين».
الرابع:
قد عرفت أيضا أن المصنف حكم بأن كلمة «دون» إذا لم تكن بمعنى رديء، من النادر التصرف، ومراده أنها إذا كانت ظرفا، وذاك إطلاقه على أنه لا فرق أن تكون ظرفيتها حقيقة نحو: جلست دون زيد، أو مجازا نحو: زيد دون عمرو في الشرف، وهذا هو الظاهر بل المتعين، لكن في كلام ابن عصفور أن كلمة «دون» التي يراد بها نقصان الرتبة في صفة من الصفات لا تتصرف 694، وعلل ذلك بأنه لم يرد بالكلمة حينئذ المكان، فالظرفية فيها مجاز، فلم يتصرف فيها كما يتصرف في الظروف الحقيقية، وأما «دون» التي يراد بها الظرف فإنها تتصرف إلا أن ذلك قليل، وأنشد قول الشاعر: -
1613 - ألم تريا أني حميت حقيقتي...... البيت 695
فكأنه جعل ما يراد بها نقصان الرتبة عادمة التصرف، وما يراد بها المكان هي النادرة التصرف وهو غير ظاهر، ويدفعه قول سيبويه: «وأما دونك فإنه لا يرفع أبدا، وإن قلت: هو دونك في الشرف» 696، فقول سيبويه: وإن قلت: هو دونك في الشرف، يقتضي أن دلالة «دون» على النقصان في الرتبة لا تقتضي عدم التصرف، بل قد تنافيه، ولهذا قال: وإن قلت هو دونك في الشرف، ثم إن كلمة «دون» في البيت الذي أنشده شاهدا على تصرفها وهو قوله: -
1614 - وباشرت حدّ الموت والموت دونها 697
إنما المراد بها نقصان الرتبة لا الظرف الحقيقي.
-
الحديث: 1612 - الجزء: 4 - الصفحة: 2019
................................ البحث الخامس: تقدم لنا ذكر ما نقله المصنف عن الأخفش من أن العرب تقول: فوقك رأسك وتحتك رجلاك [2/ 468] بنصب فوق، لا يختلفون في ذلك، وبعد قول الأخفش ذلك لا يلتفت إلى ما ذكره الشيخ عن ابن الأنباري 698، إنما هو رأي رآه من رآه 699، واعلم أنه كما ندر جر «فوق» بعلى في البيت الذي أنشده المصنف ندر جرها بالباء أيضا في قول الآخر: - 1615 - كلّفوني الذي أطيق فإني... لست رهنا بفوق ما أستطيع 700 وليس من ذلك قول الآخر: - 1616 - وشبّهني كلبا ولست بفوقه... ولا مثله إن كان غير قليل 701 لأن الباء زائدة فلا عبرة بدخولها، وأما جرّ «فوق» و «تحت» بمن في قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ 702 وتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ 703 فقد عرفت أن الجر «بمن» لا يخرج الكلمة عن الظرفية، وقد فصل ابن عصفور الأمر في كلمة «فوق» كما فصل ذلك في كلمة «دون» فقال لما عدد الظروف التي لا تتصرف: «وفوقك إذا أريد بها علو المرتبة في صفة من الصفات» 704، وعلل ذلك بما علل به كلمة دون، ومقتضى كلامه أنها إذا أريد بها العلو الحسي قد -
الحديث: 1615 - الجزء: 4 - الصفحة: 2020
................................ تتصرف، وهذا خلاف ما قد عرف أنه من لغة العرب، وذكر ابن عصفور من الظروف التي لا تتصرف «سواك» و «سواك وسواك»، قال: لأنها بمعنى مكانك الذي يدخله معنى عوضك 705 يعني بذلك، والمصنف يرى أن هذه الكلمة بمعنى غير، ويجيز تصرفها؛ فلهذا لم يذكرها وقد ذكرها في باب المستثنى وأشبع الكلام عليها 706، قال الشيخ: ومما أهمل أكثر النحويين ذكره من الظروف التي لا تتصرف «شطر» بمعنى نحو، قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ 707 وقال تعالى: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ 708 ومنه: - 1617 - ألا من مبلغ عني رسولا... وما تغني الرسالة شطر عمرو 709 أي نحو عمرو، وقول الآخر: - 1618 - أقول لأمّ زنباع أقيمي... صدور العيس شطر بني تميم 710 قال: والشطر أيضا نصف الشيء، والشطر أيضا الجزء من الشيء؛ فهو مشترك بين هذين وبين الجهة 711. البحث السادس: ذكر الشيخ في شرحه أن الجملة التي يضاف إليها «حيث» شرطها أن تكون خبرية اسمية أو فعلية مصدرة بماض أو مضارع مثبتين أو منفي بلم أو لا، قال: وأما قوله: 1619 - من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور 712
الحديث: 1617 - الجزء: 4 - الصفحة: 2021
................................ فما مصدرية على رأي من يجر بحيث المفرد، ومن لم يجز ذلك قال: إنما جاز ذلك ضرورة، أو يجعل «ما» زائدة أي من حيث سلكوا، وقد ذكروا أنها قد تجر بالباء أو بإلى أو بفي، فالباء كقولك: - 1620 - كان منّا بحيث يعلى الإزار 713 وإلى كقوله: 1621 - إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم 714 في رواية من رواه بإلى، وفي نحو [2/ 469]. 1622 - فأصبح في حيث التقينا شريدهم 715 وكقول الآخر: 1623 - على فتخاء يعلم حيث تنجو... وما في حيث تنجو من الطّريق 716، 717
-
- (1/ 259)، والإنصاف (1/ 24)، وابن يعيش (10/ 106)، وابن القواس (75)، والروض الأنف للسهيلي (1/ 38)، والخزانة (1/ 58)، (3/ 477، 540)، والمغني (2/ 368)، وشرح شواهده (2/ 785)، والفصول الخمسون (271)، وأمالي الشجري (1/ 221)، والاقتراح (41)، والهمع (2/ 156)، والدرر (2/ 207)، وملحقات ديوان ابن هرمة (239). والشاهد فيه: إضافة «حيث» إلى شيء لم تتوفر فيه الشروط التي ذكرها أبو حيان.
الحديث: 1620 - الجزء: 4 - الصفحة: 2022
................................
ثم إنك قد عرفت أن المصنف جعل حيث في قول الشاعر:
1624 - إذا ريدة من حيث ما نفخت له 718
مضافة إلى جملة مقدرة، التقدير: إذا ريدة نفخت من حيث ما هب.
فقال الشيخ: يحتمل أن تكون «حيث» مضافة إلى الجملة التي بعدها وهي:
نفخت له، و «ريدة» مرتفعة بفعل محذوف يفسره المعنى، التقدير: إذا نفخت ريدة 719... انتهى.
قلت: وصحة التخريجين دون الآخر متوقفة على المعنى المراد من البيت؛ فإن كان المعنى المراد منه يعطيه تخريج الشيخ وجب الوقوف عنده، وإلا فيتعين تخريج المصنف، [3/ 3] والذي يظهر أن المصنف لم يتعسف التخريج الذي ذكره إلا لأنه رأى أنه معنى البيت، والله سبحانه أعلم.
ومما يتعين ذكره هنا أن الفارسي أجاز وقوع حيث مفعولا بها 720، وجعل من ذلك قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ 721؛ لأن المعنى أن الله تعالى يعلم المكان المستحق لوضع الرسالة فيه، وليس المراد أنه تعالى يعلم شيئا في المكان، قال: وناصبها يعلم محذوفا مدلولا عليه بأعلم، لا «أعلم» نفسه لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به 722.. انتهى.
ومن الناس من يؤول «أعلم» بعالم، فقد ينسب العمل إليه بهذا الطريق، ولا يحتاج إلى تقدير عامل غيره 723.
البحث السابع:
قال ابن عصفور: إنما لم تتصرف «عند» لأنها شديدة التوغل في الإبهام؛ إذ -
الحديث: 1624 - الجزء: 4 - الصفحة: 2023
................................
تصدق على الجهات الست فبعدت من المختص، فلم تستعمل استعمال الأسماء 724، قلت: وقد تكون العلة في عدم تصرف «لدن» هي شدة التوغل في الإبهام أيضا، ثم إنك قد عرفت أن معنى «لدن» مخالف «عند»، ويدل على ذلك قول المصنف وليست لدى بمعناها بل بمعنى «عند» على الأصحّ، وقد اشتمل كلام المصنف في المتن والشرح على التفرقة بين «لدن» و «عند» من ستة أوجه: -
أولها: أن لدن مخصوصة بما هو مبدأ غاية زمان أو مكان؛ فهي لا تفارق هذا المعنى بخلاف «عند» فإنها قد تكون لابتداء الغاية وقد لا تكون، وقد تقدم التمثيل لذلك في كلام المصنف.
ثانيها: أنها لا تستعمل إلا مصحوبة بمن، واستعمالها غير مصحوبة بها في غاية القلة و «عند» ليست كذلك.
ثالثها: أن «لدن» مبنية وإنما أعربت في اللغة القيسية، وقد أشار المصنف فيما تقدّم إلى علة بنائها، وأما «عند» فمعربة في جميع اللغات.
رابعها: أن «لدن» تضاف إلى الجملة كما تضاف إلى المفرد، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: ويجر ما يليها بالإضافة لفظا إن كان مفردا، وتقديرا إن كان جملة 725 وأما «عند» فلا تضاف إلا إلى مفرد.
خامسها: أن «لدن» قد لا يذكر بعدها مضاف إليه، وذلك إذا نصبت غدوة [2/ 470] بعدها أو رفعت بخلاف «عند» فإنها لا تذكر دون مضاف إليه أبدا.
سادسها: وهو الذي ذكره في الشرح دون المتن أن «لدن» يمتنع الإخبار بها وعنها، أي كما يمتنع الإخبار عنها يمتنع الإخبار بها، فلا يقال: الخروج من لدن الكوفة ولا السفر من لدن المسجد، وأما «عند» وإن امتنع الإخبار عنها فلا يمتنع الإخبار بها، وقد تقدمت أمثلة الإخبار بها، وبلدى من الكتاب العزيز، وهذا الوجه السادس هو الذي يعبر عنه بأن «لدن» لا تقع إلا فضلة 726، واعلم أنه لا يضاف -
الجزء: 4 - الصفحة: 2024
................................
إلى الجمل من ظروف المكان إلا «لدن» و «حيث» لكن «حيث» تضاف إليها وجوبا و «لدن» تضاف جوازا 727.
البحث الثامن:
قد عرفت من كلام المصنف أن نصب «غدوة» بعد «لدن» إما على التمييز وإما على إضمار كان واسمها مضمر فيها، ومن نصب على التمييز قال: شبهت نون «لدن» وإن كانت من بنية الكلمة بالتنوين؛ إذ صارت هذه النون تثبت تارة وتحذف تارة أخرى فأشبهت «ضاربا»؛ فكما قالوا: ضارب زيدا، قالوا: لدن غدوة 728، هكذا ذكروا فيؤخذ عن الأئمة تقليدا، وقد قال بعضهم في نصب «غدوة» تمييزا:
إنه إعراب يعسر تعقله 729، ثم إذا انتصب «غدوة» بعد «لدن» فالمحفوظ أنها منونة قبل.
وكان من حقها أن تمنع من الصرف، وإنما صرفوها لأنهم لما عزموا على إخراجها عن النظائر في حالها غيروها في ذاتها بالصرف، وأيضا لو لم يصرفوها لفتحوها فلم يعلم أمنصوبة هي أم مجرورة لأنها لا تتصرف، فلما عزموا على نصبها وإخراجها لكثرة الاستعمال عن حال نظائرها صرفوها، لكون ظهور التنوين مع الحركة يحقق قصدهم، فإن قلت: الذي رفع غدوة أو جرها ما دعاه إلى الصرف ولا إشكال فيه كما في النصب.
فالجواب: أنهم لما أوجبوا ضروبا منصوبة، وهو الأكثر من أحوالها، حملوا الجر عليه، لأنه أخوه فصار لها تنوين في الحالين، فحملوا الرفع عليهما والرفع هنا دخيل على النصب، لأن «غدوة» ظرف وأصله النصب، فلما كان فرعا في هذا الموضع حمل على النصب في التنوين 730. هذا ما لخصه الشيخ من كلام ابن جني في هذه المسألة، ولا شك أنه كلام من أوتي تفقّها في علمه وتصرفا في فنه، وإذا عطفت على «غدوة» المنصوبة بعد «لدن» فقلت: لدن -
الجزء: 4 - الصفحة: 2025
................................
غدوة وعشية، فقد أجاز أبو الحسن الجر في المعطوف والنصب، أما النصب فوجهه ظاهر 731، وأما الجر فقالوا: لأن «غدوة» وإن لم تجر لفظا فهي في موضع جر 732، قال المصنف - في شرح الكافية الشافية -: والنصب في المعطوف بعيد عن القياس 733، قال الشيخ: والذي أختاره أنه لا يجوز في المعطوف إلا النصب، لأن «غدوة» عند من نصب ليس في موضع جر، فليس من باب [2/ 471] العطف على الموضع وهو نصب صحيح؛ فإذا عطف عليه، ولا سيما على مذهب من جعل «غدوة» منصوبة بكان مضمرة فلا يتخيل فيه إذ ذاك جرّا البتة، فإن قلت: يلزم من ذلك أن تكون «لدن» قد انتصب بعدها ظرف غير «غدوة» ولم يحفظ نصب بعدها إلا في غدوة، فالجواب: أنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل 734. انتهى.
وأما الرفع بعد «لدن» فعلى تقدير «كان» أي لدن كانت غدوة، قال الشيخ:
وظاهر كلام ابن جني أنها مرفوعة بلدن فإنه قال: وقد شبهه بعضهم بالفاعل فرفع فقال: لدن غدوة كما تقول في اسم الفاعل: ضارب زيد.
انتهى 735. ولا يخفى بعد القول بأنها مرفوعة 736 [3/ 4] بلدن، وكلام ابن جني ليس صريحا في ذلك.
البحث التاسع:
قال الشيخ: قول المصنف: وتفرد - يعني مع - فتساوي جميعا معنى ليس بصحيح، قال: وهذه المسألة جرت بين أحمد بن يحيى 737 وأحمد بن قادم 738، وهما من شيوخ الكوفة، سأل أحمد بن يحيى عنها ابن قادم قال: فلم يزل يركض -
الجزء: 4 - الصفحة: 2026
................................
فيها إلى الليل وفرق أحمد بن يحيى بأن جميعا تكون للقيام في وقتين وفي وقت واحد، إذا قلت: قام زيد وبكر معا 739، ثم قد عرفت أن المصنف اختار مذهب يونس والأخفش في أن «معا» كفتى لفظا لا كيد إذا نصبت، واستدل لصحة ذلك بأنك تقول: الزيدان معا والعمرون معا، فتوقع معا في موضع رفع كما توقع الأسماء المقصورة كقولك: هو فتى وهم عدى، ولو كان باقيا على النقص لقيل: الزيدون مع، كما يقال: هم يد واحدة على من سواهم، لكن قد قال الشيخ: ما ذكره المصنف من أنه لو كان الأمر كما ذهب غير يونس والأخفش، لكان يلزم الرفع في مثل قولنا: الزيدون معا خطأ فاحش؛ لأن «مع» قد تقرر أنها ظرف لا يتصرّف، وقد ذكر هو ذلك، فقولك: الزيدون معا، هو منصوب على الظرف الواقع خبرا كما تقول: الزيدون عندك، وإذا كان ظرفا لا يتصرف فلا يرفع 740. انتهى.
ولك أن تجيب عن المصنف فتقول: إن الظرف الذي لا يتصرف إنما هو «مع» الملازمة للإضافة، أما المفردة عن الإضافة فليست كذلك، بل تقول: إن الظرفية لا يتعقل فيها حالة الإفراد، وإنما يتعقل ظرفيتها حال إضافتها، وإذا لم يحكم عليها بالظرفية حال الإفراد فمعناها في نحو: جاء الزيدان أو الزيدون معا، إما معنى جميعا كما رأى المصنف ومن وافقه، وإما معنى مصطحبين أو مصطحبين فالظرفية منفية عن كل من المعنيين، والنصب في كلتا الكلمتين أعني جميعا ومصطحبين لو صرح بهما إنما هو على الحال فكذلك نصب معا إذا وقعت هذا الموقع إنما هو على الحال لا على الظرف، وكذا يكون المعنى في قول الشاعر:
1625 - وشعباكما معا (3) [2/ 472]
وقول الآخر:
1626 - وأهواؤنا معا 741
والتقدير: وشعبا كما مصطحبان أي مقترنان، وأهواؤنا مصطحبة أي مقترنة، فمعا مرفوعة في هذين البيتين على الخبرية، وليست منصوبة على الظرف، إذ قد بينا أنه لا ظرفية حينئذ، وإذا كان كذلك فلو كانت «مع» حال إفرادها «كيد» -
الحديث: 1625 - الجزء: 4 - الصفحة: 2027
[التوسع في الظرف المتصرف]
قال ابن مالك: (ويتوسّع في الظّرف المتصرف فيجعل مفعولا به مجازا ويسوغ حينئذ إضماره غير مقرون بفي والإضافة والإسناد إليه، ويمنع من هذا التّوسّع على الأصحّ تعدّي الفعل إلى ثلاثة). لوجب الرفع، فكان يقال: «مع» فصح كلام المصنف بهذا التقدير وانتفى عنه الخطأ الفاحش والحمد لله. قال ناظر الجيش: قال المصنف رحمه الله تعالى 742: من ضروب المجاز التوسع بإقامة الظرف المتصرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه ومقام المفعول الموقع به الحدث، فالأول: كقوله تعالى: اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ 743 وقوله تعالى: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً 744 وكقول الشاعر 745: 1627 - أقول للحيان وقد صفرت لهم... وطابي ويومي ضيّق الحجر معور 746 والثاني: كقولهم: ولد له ستون عاما 747، وصيد عليه الليل والنهار 748، وكقول الشاعر: 1628 - أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة... واللّيل في جوف منحوت من السّاج 749
الحديث: 1627 - الجزء: 4 - الصفحة: 2028
................................ يعني نفسه وكان مأسورا فأخبر أن نهاره مقيد وليله مسجون مبالغة ومجازا، ويضاف المصدر إلى الظرف المتوسع فيه على الوجهين، فإضافته إليه على تقدير كونه فاعلا، كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا 750 كان الأصل: ليلكم ونهاركم ماكران، ثم أضيف المصدر إلى المخبر عنه بمعناه مجازا كما يضاف إلى المخبر عنه بمعناه حقيقة، وإضافته إليه على تقديره مفعولا به كقوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ 751 أي إمضاء أربعة أشهر، وكما أضيف إليه المصدر على تأويل الفاعلية وعلى تأويل المفعولية أضيفت إليه الصفة بلفظ اسم الفاعل ولفظ اسم المفعول، فمن الأول: 1629 - يا سارق اللّيلة أهل الدّار 752 ومن الثاني: يا مسروق الليلة أهل الدار، ذكرهما سيبويه، وإذا ثبت أن من كلامهم: التوسع بجعل الظرف المتوسع فاعلا ومفعولا به ومضافا إليه على معنى الفاعلية والمفعولية لزم من ذلك جواز الحكم عليه في حال النصب بأنه مفعول به تجوزا ما لم يمنع من ذلك مانع، وتظهر فائدة ذلك في إضماره مستغنيا عن لفظ «في» فإن الظرف أصله أن يكون مقرونا بلفظها، فاستغني عن لفظها بمعناها مع الظاهر ولزم [2/ 473] الرجوع إلى الأصل مع الضمير؛ لأن الإضمار يرد الشيء إلى أصله، ولذلك لزم من يقول: لد زيد، أن يقول: من لدنه يرد النون، ولزم من يقول: لم تك صديقا، أن يقول: أما الصديق فإن لم تكنه فمن يكنه؟ فيرد النون أيضا، ولزم من يقول: قعدت جبنا: الجبن قعدت له فيرد اللام، ولا يستغنى مع المضمر بمعناها كما استغني مع الظاهر ولزم من يقول: المال لزيد بكسر اللام أن - - والشاهد فيه: قوله: (أما النهار... والليل) حيث توسع فيهما فوضعا موضع الموقع به الفعل؛ لأن المقيد والمحبوس هو الشخص وليس الليل والنهار.
الحديث: 1629 - الجزء: 4 - الصفحة: 2029
................................ يقول: المال له فيفتح لأن فتحها هو الأصل 753، فعلى هذا يلزم من أضمر الظرف مقصودا به معنى الظرفية أن يقرنه بفي، كقولك في صمت اليوم: اليوم صمت فيه، فمن قال: صمته علم أنه لم يقصد الظرفية، وإنما قصد جعله مفعولا به توسّعا 754، فمن ذلك قول الشاعر: - 1630 - ويوما شهدناه سليما وعامرا... قليل سوى الطّعن النّهال نوافله 755 ومثله: - 1631 - فإن أنت لم تقدر على أن تهينه... فدعه إلى اليوم الّذي أنت قادره 756 ومثله 757: - 1632 - يا ربّ يوم لي لا أظلّله... أرمض من تحت وأضحى من عله 758 وهذا التوسع في باب «أعلم» جائز على ظاهر قول [3/ 5] سيبويه، فإنه قال في - - والشاهد فيه: هو التوسع في ظرف الزمان، فأضيف إليه اسم الفاعل على طريق الفاعلية.
الحديث: 1630 - الجزء: 4 - الصفحة: 2030
................................
باب المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعول بعد أن مثل بأرى عبد الله أبا فلان: لو أدخلت في هذا الفعل وبنيته له لتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين، ثم قال: واعلم أن الأفعال إذا انتهت ها هنا فلم تجاوز، تعدت إلى جميع ما يتعدى إليه الفعل الذي لا يتعدى المفعول وذلك قولك: أعطى عبد الله الثوب إعطاء جميلا ونبئت زيدا أبا فلان تنبؤا، وسرق عبد الله الثوب الليلة، لا تجعله ظرفا ولكن تجعله على قولك:
يا مسروق الليلة الثوب 759 هذا نصه، قال ابن خروف في شرحه: أجاز سيبويه نصب الظرف مفعولا به بالمتعدي إلى ثلاثة، وإنما قاسه ولم يقس النقل؛ لأن النقل فيه نصب الفاعل ولا ينصب الفاعل إلا تشبيها بما ثبت أصله في الكلام كما نصب الفاعل في حسن الوجه تشبيها بضارب زيدا، ونصب الظرف على الاتساع ليس فيه تغيير عما كان عليه وجميعه مجاز في متعد لواحد أو أكثر، والنقل كله حقيقة فاقتصر فيه على السماع بخلاف نصب الظرف على الاتساع، فإنه مجاز فلا معنى لمراعاة التعدي وغير التعدي فيه 760، ومنعه قوم في باب «أعلم» قياسا على النقل.
قال محمد بن مالك 761 غفر الله تعالى له: جواز تعدي ذي ثلاثة إلى ظرف على أنه مفعول به يستلزم مشبها دون
مشبه به؛ لأنه إذا فعل ذلك بما له مفعول واحد أو مفعولان لم يعدم أصلا يحمل عليه بخلاف نصبه بما له ثلاثة؛ فإنه يلزم منه فرع لا أصل له ومشبه دون مشبه به فوجب منعه، ولأن جواز ذلك [2/ 474] في غير باب أعلم مرتب على ما سمع من إقامة الظرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه ومقام ما يوقع به في إخبار عنه وإضافة إليه، ولم يسمع من ذلك شيء في باب «أعلم» فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يترتب عليه 762. هذا كلام المصنف ولنتبعه بأمور يتعين التنبيه عليها:
1 - منها: أن قول المصنف: (ويتوسع في الظرف المتصرف) - يشمل ظرف الزمان وظرف المكان، لكنه لم يمثل إلا لظرف الزمان وقد مثل لظرف المكان بقول الشاعر: - -
الجزء: 4 - الصفحة: 2031
................................
1633 - ومشرب أشربه وشيل... لا آجن الطّعم ولا وبيل 763
فالضمير في أشربه عائد على مشرب وهو مفعل من الشرب أي مكان شرب.
هكذا ذكر الشيخ في هذا البيت 764، والظاهر أن المراد بمشرب في هذا البيت المصدر وأريد بالمصدر المفعول، فالمراد بمشرب شرب والمراد بشرب المشروب.
وإذا كان كذلك فلا يتم الاستدلال بهذا البيت على الاتساع في ظرف المكان ولا شك في صحة الاتساع في ظرف المكان المتصرف، فمن أمثلة سيبويه: سير عليه فرسخان 765، لكن نقل الشيخ عن صاحب البسيط أن التوسع في ظرف المكان لا يطرد بخلاف ظرف الزمان، قال: يقال: نحى نحوك وقصد قصدك وأقبل قبلك، قال: رفعوا فدلّ على نصب التوسع، ولا يجوز: ضربت خلفك فيجعله مضروبا وكذلك لا يتوسع فيجعله فاعلا، فتوسع الفاعل والمفعول غير مطرد في المكان، وإنما كان ذلك لأن ظرف الزمان أشد تمكنا منها 766.
2 - ومنها: أن اشتراط التصرف في الظرف الذي يتوسع فيه ظاهر؛ لأن غير المتصرف لا يسند إليه ولا يضاف إليه.
3 - ومنها: أنهم شرطوا في جواز التوسع أن يكون العامل في الظرف الذي يتوسع فيه فعلا أو ما يعمل عمله إذا كان من جنس ما ينصب المفعول به 767، فمثال الفعل قوله: -
الحديث: 1633 - الجزء: 4 - الصفحة: 2032
................................
1634 - ويوما شهدناه......... البيت 768
وقول الآخر: -
1635 - قد أصبحت صحبها السّلام... بكبد خالطها سنام
في ساعة يحبّها الطّعام 769
أي يحب فيها الطعام، والمراد بما يعمل عمل الفعل ما يرفع الفاعل إذا كان من فعل لا يتعدى، وما ينصب المفعول إذا كان من فعل يتعدى، مثال الأول: منطلق، ومثال الثاني: أكل، فيقال: أما الليلة فأنا منطلقها، تريد فأنا منطلق فيها، وأما اليوم فأنا آكله خبزا، تريد فأنا آكل فيه خبزا، فجاز هذا كما يجوز في الفعل إذا قلت: الليلة انطلقتها أي انطلقت فيها، واليوم أكلته خبزا أي أكلت فيه خبزا، ولا يجوز أن يقال: أما اليوم فليته زيدا منطلق، تريد ليت فيه زيدا منطلق، ولا أما الليلة فما أتاها زيد منطلقا، تريد فما فيها زيد منطلقا؛ لأن ما وليت وأخواتها ليس ينصب شيء منها
المفعول في موضع من المواضع، فلذا [2/ 475] لم ينصب ما اتسع فيه من الظروف وجعل بمنزلة المفعول به، وقد نقل عن الأخفش جواز ذلك في ما، والذي صححه الجمهور أن ذلك لا يجوز، وإنما قيدوا العامل عمل الفعل بقولهم: إذا كان من جنس ما ينصب المفعول به؛ ليخرج المجرور والظرف الواقعان 770 موضع الخبر نحو قولك: زيد في الدار يوم الجمعة، وزيد عندك يوم الخميس، فإنهما يرفعان الفاعل كما يرفعه الفعل إلا أنهما ليسا من جنس ما ينصب المفعول به، فلا يجوز نصب يوم الجمعة ويوم الخميس على الاتساع، بل هما منصوبان على الظرف.
والدليل على أنهما ليسا فيما ذكرنا منصوبين على الاتساع أنه لا يجوز أن يأتي في مثل ذلك بضمير منصوب، فلا يجوز أن تقول: أما يوم الجمعة فزيد في الدار -
الحديث: 1634 - الجزء: 4 - الصفحة: 2033
................................
إياه، تريد فزيد في الدار فيه، ولا أما يوم الخميس فزيد عندك إياه، تريد فزيد عندك فيه، وذلك لأنهما ليسا من جنس ما ينصب المفعول به، لأن العرب لم تنصب بالظرف والمجرور الواقعين موقع الخبر المفعول به في موضع من المواضع كما نصبته بالفعل واسم الفاعل.
4 - ومنها: أن الضمائر من الزمان والمكان لا تقع خبرا للمبتدأ [3/ 6] منصوبة كما يقع الظرف في شيء من كلام العرب، فتقول: يوم الخميس سفري فيه، ولا تقول: سفري إياه إلا أن تدخل عليه «في» وهذا يدل على أن الضمائر لا تنصب ظروفا؛ لأن كل ما ينتصب ظرفا يجوز وقوعه خبرا إذا كان مما يصح عمل الاستقرار فيه، ذكر ذلك ابن هشام الخضراوي 771 قال: ولم أر أحدا نبّه على هذا، أشار إلى ذلك الشيخ في شرحه 772.
قلت: وما ذكره قد عرف من قول المصنف وقول غيره: إنك إذا قصدت الاتساع في الظرف قلت: يوم الجمعة صمته، وإذا لم تقصد الاتساع فيه يجب أن تقول: يوم الجمعة صمت فيه، فعلم من هذا أنه متى قصدت الظرفية
مدلولا عليها بالضمير، وجب اقتران ذلك الضمير «بفي» ولا يجوز الإتيان به غير مقرون بها، وقد تقدم في كلام المصنف إشارة إلى العلة الموجبة لذلك، ومع ذلك لا يحتاج إلى ما ذكره ابن هشام.
5 - ومنها: أنه قد فهم من قول المصنف: (ويسوغ حينئذ - أي حين إذ يتوسع فيه - إضماره غير مقرون «بفي» والإضافة والإسناد إليه) أنه لا يضاف إلى الظرف وهو باق على الظرفية، بل إنما يضاف إليه بعد التوسع فيه، وهذا كالمجمع عليه عند النحاة، وعلل الفارسي ذلك بأن قال: إذا قلت: يا سائر اليوم ويا ضارب اليوم لم يكن اسما وخرج بالإضافة إليه عن أن يكون ظرفا؛ لأنه إذا كان ظرفا كانت «في» مرادة ومقدورة معه بدليل ظهورها مع الضمير، قال: فإرادة ذلك فيه تمنع الإضافة إليه 773، قال ابن هشام الخضراوي: ولا يظهر عندي، يعني تعليل -
الجزء: 4 - الصفحة: 2034
................................
الفارسي، قال: لأن كل مضاف سوى باب الحسن [2/ 476] الوجه يقدر باللام أو بمن ولم يمنع ذلك من الإضافة، وقولنا: الظرف مقدر «بفي» معناه: يصلح في اللفظ إن كان متمكنا ولا يعني إضمارها لعدم الخفض ولا تضمينها لعدم البناء، وإذا لم تضمر ولم تضمن فتقديرها تقدير معنى كتقدير لام الملك في غلام زيد و «من» للتبيين في ثوب خز، وكذا تقول: هنا في للوعاء، ولا يمنع الإضافة كما لا يمنعها تقدير لام الملك 774. انتهى.
والذي يظهر أن الحق ما قاله الفارسي؛ لأن تقدير الحرف في الإضافة إنما هو تقدير معنوي ليفيد الاختصاص إن كان المقدر اللام، والجنسية إن كان المقدر «من»، وأما تقدير الحرف مع الظرف فإنه مقدر لفظا مع كونه مقدرا معنى، وإذا كان مقدرا لفظا كان في حكم الملفوظ به، وإذا كان كذلك فلا يجوز الإضافة إلى الظرف وهو باق على الظرفية لما يلزم من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، والدليل على أن التقدير في الإضافة يخالف التقدير في باب الظرف أنك لو أتيت بالحرف في الإضافة فقلت: غلام لزيد وثوب من خز تغير معنى الإضافة، أما إذا أتيت بالحرف في نحو: سرت يوم الخميس فقلت: سرت في يوم الخميس فمعنى الظرفية باق، لكن مع وجود «في» لا يطلق على مدخولها ظرف في اصطلاح النحاة؛ لأن الظرف عنده هو المنصوب من أسماء الزمان والمكان على تقدير «في».
وقد قال ابن أبي الربيع: لو تعدى الفعل إلى المفعول فيه على حسب ما يطلبه لتعدى إليه بحرف الجر، ويجوز ذلك
فيه فتقول: جلست في يوم الجمعة ومشيت في يوم الخميس، ولا يكون حينئذ ظرفا إنما يكون من قبيل ما يصل الفعل إليه بحرف الجر، ولا يسمي النحويون ظرفا إلا ما انتصب بالفعل على معنى «في» مما يكون زمانا أو مكانا وإن كان المعنى واحدا.
انتهى.
فقوله: إن المعنى واحد مع قوله: إن النحويين لا يسمون مدخول «في» ظرفا يحقق ما ذكرته ويقوي ما أشرت إليه وجوب ذكر «في» مع ضمير الظرف، وتعليل ذلك بأن الضمائر ترد معها الأشياء إلى أصولها؛ فلولا أن الأصل في الظرف أن تباشره «في» لما صح هذا التعليل، فإن قيل: قد قلتم: إن «في» إذا باشرت -
الجزء: 4 - الصفحة: 2035
................................
الظرف خرج عن الظرفية إلى الاسمية، وتقدم الدليل على ذلك في أول الباب.
فإذا حكمتم بأن «في» مقدرة لفظا لزم خروج الظرفية عن الظرفية إلى الاسمية، فالجواب: أن الكلمة إنما تخرج عن الظرفية إذا لفظ معها «بفي» أما تقديرها فلا يلزم منه ما يلزم من النطق بها، ولا شك في ظهور الفرق بين ما هو ملفوظ به وبين ما هو في حكم الملفوظ به 775، وقد استضعف ابن عصفور قول الفارسي أيضا فقال: هذا الذي استدل به الفارسي هو الذي عول عليه أكثر النحويين، وهو عندي ضعيف لأن العرب تفصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر ملفوظ به في باب لا [2/ 477] نحو قولك: لا أبا لك، وإذا لم يعتدوا به فاصلا وهو ملفوظ به فبالأحرى أن لا يعتدوا به فاصلا، وهو مقدر، وليس ما ذكروه من أن المقدر بمنزلة الملفوظ صحيحا، إذ لو كان كذلك لم يصل الفعل إلى نصب الظرف كما لا يصل إليه مع اللفظ «بفي» بل لقائل أن يقول: كما لم يعتدوا بفي المقدرة ولذلك نصبوا، كذلك ينبغي أن لا يعتد بها إذا أضافوا، قال: وإلى ذلك ذهب الجزولي، فإنه أجاز الإضافة مع بقاء الظرفية، ثم قال: والصحيح عندي أنه لا يضاف إلى الظرف إلا بعد الاتساع فيه كما ذهب إليه أبو علي، لكن العلة فيه هو ما ذكره، وهي أن الظرف إذا دخل عليه الخافض خرج عن الظرفية، والسبب في ذلك أي في خروج الظرف بالخفض عن الظرفية إلى الاسمية ما ذكره أبو الحسن في كتابه الكبير من أنهم جعلوا الظرف بمنزلة الحرف الذي ليس باسم [3/ 7] ولا فعل لشبهه به، من حيث كان أكثر الظروف قد أخرج منها الإعراب وأكثرها أيضا لا يثنى ولا يجمع ولا يوصف، قال: فلما كانت كذلك كرهوا أن يدخلوا فيها ما يدخلون في الأسماء 776. انتهى ما ذكره ابن عصفور، ولقائل أن يقول: ما ذكره من الفصل في «لا أبا لك» يجاب عنه من وجهين: -
أحدهما: أن هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وما كان خارجا عن القواعد والقياس لا عبرة به.
-
الجزء: 4 - الصفحة: 2036
................................
ثانيهما: أن مذهب جماعة من أكابر النحاة أن لا إضافة وأن المجرور بعد اسم «لا» في موضع الصفة ولكن الموصوف شبيه بالمضاف، فعومل معاملته، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب «لا» العاملة عمل «إنّ» وأما قوله: إنه لو كان المقدر بمنزلة الملفوظ لم يصل الفعل إلى نصب الظرف كما لا يصل إليه مع التلفظ «بفي» فالجواب عنه: أن الفعل إنما لم يصل إلى النصب مع التلفظ «بفي» لأن المحل قد شغل بعمل «في» عن قبول غير ما شغل به، أما إذا لم يلفظ بها فلا يكون لها عمل؛ إذ لا يجر بحرف مقدر إلا في مواضع مخصوصة ليس هذا منها، وإذا لم يكن لها عمل فأي مانع يمنع من وصول الفعل إلى ما يطلبه، وأما التعليل الذي علل هو به ونقله عن أبي الحسن فلم يتوجه لي على التحقيق فعلى الناظر أن يتأمله، فإن كان صحيحا فهو تعليل آخر يضاف إلى تعليل الفارسي.
6 - ومنها: أنك عرفت أن المصنف ذكر في الاتساع في الفعل المتعدي إلى ثلاثة - مذهبين، الجواز وقال: إنه ظاهر قول سيبويه، والمنع واختاره هو واستفيد من كلامه أن الاتساع فيما يتعدى إلى اثنين جائز كما هو جائز في غير المتعدي وفي المتعدي إلى واحد، قال ابن عصفور: وهو مذهب الأكثرين وهو مذهب سيبويه أعني جواز الاتساع في الفعل الذي يتعدى إلى اثنين 777، ثم ذكر أعني ابن [2/ 478] عصفور مذهبا ثالثا وهو أن الاتساع إنما يجوز في غير المتعدي وفي المتعدي إلى واحد خاصة، واختار هو هذا المذهب، قال: وإنما امتنع عند هؤلاء الاتساع في الظرف المنتصب بالفعل المتعدي إلى اثنين؛ لأنه ليس في الأفعال ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين بحق الأصالة، فلحق به الفعل المتعدي إلى اثنين إذا اتسع في الظرف المنتصب به، وذلك أن أعلم وأرى إنما تعديا إلى ثلاثة بالنقل بالهمزة، وأما أنبأ وأخواتها فإنما تعدت بالتضمين، ثم قال: ومما يؤيد هذا المذهب أن الاتساع لا يحفظ في الظروف المنتصبة بالأفعال، إلا إذا كان الفعل الناصب لها غير متعد أو متعد إلى واحد 778. انتهى.
وقال الشيخ: تعدي الفعل إلى الظرف اتساعا غير معتد به ولا يراعى مراعاة -
الجزء: 4 - الصفحة: 2037
................................
تعدّيه إلى المفعول به غير المتسع فيه، ودليل ذلك تعدي ما لا يتعدى إليه، فلولا أنه لا يتعدى به لم يجز في «قام» ونحوه مما لا يقتضي مفعولا به، فلما كان كذلك صحّ الاتساع في الظرف فيما يتعدى إلى ثلاثة، قال: ولم يلتفت سيبويه إلى ما يكون نظيرا له في كلام العرب أصح أم لا، كأنه لا يلزم ذلك ولا يعتدّ بهذا التعدي، وكأنه لم يجعل الظرف مفعولا به، ولم يتوسع فيه إذ ذاك مجاز لا حقيقة، ولولا ذلك لم يجز في قام ونحوه؛ لأن ذلك ممتنع في الحقيقة وإنما جاز لضرب من المجاز، قال: وأما قوله يعني المصنف: لم يسمع من ذلك شيء في باب أعلم، فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يترتب عليه؛ فهذا أمر لازم له فيما يتعدى إلى اثنين، وقد جوز هو التوسع فيما يتعدى إلى اثنين ولم يسمع من ذلك شيء فيما يتعدى إلى اثنين؛ فينبغي على ما قررنا أن لا يجوز ذلك، وقد جوز الاتساع فيما يتعدى إلى اثنين فتناقض 779. انتهى.
والذي ذكره الشيخ هو الظاهر، وقد عرفت أن المصنف قال: إن ظاهر قول سيبويه يعطي جواز الاتساع فيما يتعدى إلى ثلاثة، وعرفت كيف قرر ابن خروف ذلك، فعلى ما ذكره الشيخ يتمشى مذهب سيبويه، ويتبين صحة تقرير ابن خروف.
فرحمهم الله تعالى أجمعين بمنّه وكرمه.
7 - ومنها: أن ابن عصفور تعرض إلى ذكر المصدر بالنسبة إلى جواز الاتساع فيه، فقال: الاتساع في المصدر أن ينصب نصب المفعول به، وأعني بذلك أن يعامل معاملة المفعول لا معاملة المصدر، بدليل أنه يجوز أن يؤتى بعده إذ ذاك بالمصدر كما يؤتى به بعد المفعول به، ومن ذلك قول العرب: سير عليه سير شديد، أيما سير فسير شديد كان قبل بناء الفعل للمفعول منصوبا على التشبيه بالمفعول به، بدليل أنهم أتوا بعده باسم منتصب على المصدر [2/ 479] وهو أيما سير 780. انتهى.
ومن أجل هذا ابتدأ الشيخ شرح هذا الموضع كأنه يستدرك على المصنف بأن قال: ظاهر كلامه اختصاص الظرف المتصرف بالتوسع فيه بأن يجعل مفعولا به على التوسع والمجاز ولا يختص ذلك بهذا الظرف، بل يجوز ذلك في المصدر المتصرف -
الجزء: 4 - الصفحة: 2038
................................
أيضا فينصب مفعولا به على التوسع والمجاز، ولو لم يصح فيه ذلك ما جاز لفعل ما لم يسم فاعله حين قلت: ضرب ضرب شديد؛ لأن بناءه لما لم يسم فاعله فرع عن التوسع فيه بنصبه نصب المفعول به وتقول: الكرم
أكرمته زيدا، ويا ضارب الضرب زيدا 781. هذا كلام الشيخ.
واعلم أن في كون المصدر يتوسع فيه بأن يجعل مفعولا به نظرا، وموجبه أن التوسع مجاز والمجاز لا يرتكب إلا بدليل، وقد وجد في الظرف ما يدل على أنه ينصب مفعولا به على السعة وهو أنهم أوصلوا العامل إلى ضمير الظرف بنفسه [3/ 8] دون «في» فدلّ ذلك على أنهم إنما أوصلوه إلى الضمير بعد إيصالهم إياه إلى الظاهر بنفسه أيضا؛ إذ لو لم يقدر ذلك في الظاهر لم يجئ في مضمره، فثبت نصب الظرف مفعولا به على التوسع بهذا الطريق، وأما المصدر فأي دليل يدلنا على أنه إذا نصب، أما مع عدم ذكر مفعول أو مع ذكر مفعول على أنهم توسعوا فيه فنصبوه مفعولا به، وإذا لم يكن ثمّ دليل على ذلك فندعي أنه منصوب على المصدر، ولو ذكر معه المفعول به؛ إذ لا مانع من ذلك، وما قاله ابن عصفور من أنه يجوز أن يؤتى بعده إذ ذاك بالمصدر ممنوع، وأما استدلاله بقول العرب: سير عليه سير شديد أيما سير إلى آخر ما ذكره فمنازع فيه؛ لأن لمدّع أن يدعي أن أيما سير باق على المصدرية وأنه منصوب على الحال من سير شديد؛ لأن سيرا وإن كان نكرة قد تخصص بالوصف، وكما أن الحال يكون عن المعرفة يكون عن النكرة المخصصة لا فرق بينهما كما هو المعروف عند أهل الصناعة النحوية، وأما ما مثّل به الشيخ وهو: الكرم أكرمته زيدا فلا أعرف ما المانع فيه من أن يكون الضمير منصوبا على المصدر، وكذا: يا ضارب الضرب زيدا أصله:
يا ضاربا الضرب زيدا، فالضرب منصوب على المصدر وأضفنا إليه وهو باق على مصدريته إذ لا مانع من ذلك، وإنما احتجنا إلى إخراج الظرف عن الظرفية حال الإضافة إليه لأجل «في» المقدرة كما تقدم تقريره.
وأما قوله: «إنه لو لم يصح فيه ذلك ما جاز أن يقام مقام المفعول إذا بني الفعل له، وتعليله ذلك بأن بناءه لما لم يسم فاعله فرع عن التوسع فيه بنصبه نصب المفعول به» فغير ظاهر [2/ 480] ولا نسلم أن إقامته مقام المفعول فرع عن نصبه نصب -
الجزء: 4 - الصفحة: 2039
................................ المفعول به، بل نقول: إن المصحح لإقامة المصدر مقام الفاعل هو المصحح لوقوعه فاعلا وهو الملابسة التي بينه وبين الفعل، كما أن ذلك واقع في الظرف وحاصل الأمر: أن المصدر يتوسع فيه بالإسناد إليه ولا يتوسع فيه بأن ينصب مفعولا به ولا بأن يضاف إليه؛ إذ لا داعية تدعو فيه إلى ذلك بخلاف الظرف فإنه يتوسع فيه بالإسناد كالمصدر ويتوسع فيه أيضا بنصبه مفعولا به والإضافة إليه 782؛ ولأجل ذلك لم يتعرض المصنف إلى ذكر التوسع في المصدر في هذا الباب حين ذكر التوسع في الظرف، لأن التوسع في الظرف عام في ثلاثة الأمور المذكورة والتوسع في المصدر خاص بأمر واحد، وقد ذكر المصنف ذلك الأمر في باب ما لم يسم فاعله لأنه مكانه فلم يبق لذكره في هذا الباب وجه، وهذا يدل على جلالة قدر المصنف وعلو رتبته وأنه موفق في نظره مهدي إلى طريق الصواب؛ فرحمه الله تعالى وأسكنه غرفات الجنان بمنه وكرمه.
الجزء: 4 - الصفحة: 2040