تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب الثامن والعشرون باب الحال
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثامن والعشرون باب الحال

[تعريف الحال - بعض أحكامه]

قال ابن مالك: (وهو ما دلّ على هيئة وصاحبها متضمنا ما فيه معنى «في» غير تابع ولا عمدة، وحقّه النّصب، وقد يجرّ بباء زائدة) 1. قال ناظر الجيش: الحال تذكر وتؤنث 2، وعلى التذكير استعملها المصنف هنا، وقد استعملها مؤنثة في أثناء الباب.
وما دلّ على هيئة يعمّ الحال نحو (ماشيا) من «جئت ماشيا» وبعض الأفعال نحو (تربّع) من قولك: «تربّعت»، وبعض أسماء المعاني نحو (القهقرى) من «رجعت القهقرى» وبعض الأخبار نحو (متكئ) من «زيد متكئ» وبعض النعوت نحو (راكب) من «مررت برجل راكب» 3. فخرج بعطف صاحبها الفعل، وأسماء المعاني؛ لأنّ (تربّع) و (القهقرى) وإن دلّا على هيئة لا يدلّان على صاحب الهيئة، ولكن دخل بذكر صاحبها ما ليس بمقصود بالحد نحو: «بنيت صومعة» لدلالة هذا الكلام على هيئة وصاحبها، فأخرجه بقوله: متضمنا ما فيه معنى (في) فإنّ «بنيت صومعة» ليس معنى «في» في نفسه ولا في جزء مفهومه وإنّما قال: ما فيه معنى (في) ولم يقل: متضمنا معنى (في)؛ لئلّا يدخل في الحدّ نحو «دخلت الحمام» لتضمنه معنى (في) وليس متضمنا ما فيه معناها؛ لأنّ معناه؛ دخلت في الحمام، فليس بعض الحمّام أولى بمعنى (في) من بعض، بخلاف قولك: «جئت ماشيا» و «زيد متكئ» و «مررت برجل راكب» فإنّ معناه: في حال مشي، وفي حال اتكاء، وفي حال ركوب، فمعنى (في) مختص بجزء مفهوم المذكور، وهو المصدر مثلا 4. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2243

................................  وفي الاحتياج إلى هذا التعسف لئلّا يدخل في الحدّ نحو «دخلت الحمام» نظر؛ فإنّ «دخلت الحمام» لم ينطو الكلام المتقدم عليه؛ لأنّه لا دلالة فيه على هيئة بالمعنى [3/ 59] المراد بالهيئة هنا.
وخرج النعت بقوله: غير تابع والخبر بقوله: ولا عمدة؛ لأن الحال فضلة ليست عمدة، ولا يعترض على هذا بما لا يجوز حذفه من الأحوال نحو: «ضربي زيدا قائما» فيظن أنه قد صار بذلك عمدة، فإن العمدة في الاصطلاح: ما عدم الاستغناء عنه أصيل لا عارض، كالمبتدأ والخبر.
والفضلة في الاصطلاح: ما جواز الاستغناء عنه أصيل لا عارض، كالمفعول والحال.
وإن عرض للعمدة جواز الاستغناء عنه لم يخرج بذلك عن كونه عمدة، وإن عرض للفضلة امتناع الاستغناء عنها لم تخرج بذلك عن كونها فضلة 5. وإنما كان حق الحال النصب؛ لأنّها فضلة، وهو إعراب الفضلات 6. قال الشيخ 7: واختلفوا من أي باب نصب الحال، فقيل: نصب المفعول به 8. وقيل: نصب الظرف 9، وقيل: نصب التشبيه بالمفعول به 10، قال: وهو ظاهر مذهب سيبويه 11. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2244

[من أحكام الحال: الاشتقاق وقد يأتي جامدا مؤولا]

قال ابن مالك: (واشتقاقه وانتقاله غالبان، لا لازمان، ويغني عن اشتقاقه وصفه، أو تقدير مضاف قبله، أو دلالته على مفاعلة أو سعر أو ترتيب أو أصالة أو تفريغ أو تنويع أو طور واقع فيه تفصيل.
وجعل «فاه» حالا من «كلّمته فاه إلى فيّ» أولى من أن يكون أصله: جاعلا فاه إلى فيّ، أو: من فيه إلى فيّ، ولا يقاس عليه خلافا لهشام) 12.

  • وأنشد المصنف على جرّ الحال بباء زائدة: 1770 - كائن دعيت إلى بأساء داهمة... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل 13 وأنشد غيره: 1771 - فما رجعت بخائبة ركاب... حكيم بن المسيّب منتهاها 14 قال ناظر الجيش: للحال شروط بعضها يرجع إلى نفس الحال، وبعضها يرجع إلى صاحبها، إلّا أنّ منها ما هو لازم، ومنها ما هو غالب وليس بلازم.
    فمن الشروط الراجعة إلى الحال: الاشتقاق والانتقال: ومختار المصنف أنّهما غالبان لا لازمان، فكون الحال بلفظ مشتق ولمعنى منتقل كـ «جئت راكبا، وذهبت -

الحديث: 1770 - الجزء: 5 - الصفحة: 2245

................................  مسرعا» أكثر من كونه بلفظ جامد ولمعنى غير منتقل 15. فمن ورود الحال بلفظ غير مشتق قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُباتٍ 16، وفَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ 17، وفَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً 18، وهذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً 19. ومن وروده دالّا على معنى غير منتقل قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا 20، وخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً 21، ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا 22، وطِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ 23، ومن كلام العرب: «خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها» 24. وقد اجتمع الجمود وعدم الانتقال في قولهم: «هذا خاتمك حديدا»، و «هذه جبّتك خزّا» وهما من أمثلة سيبويه 25. وإنّما كان الحال جديرا بوروده مشتقّا وغير مشتق، ومنتقلا وغير منتقل؛ لأنّه خبر في المعنى، والخبر لا حجر فيه بل يرد مشتقّا وجامدا، ومنتقلا ولازما فكان الحال كذلك، وكثيرا ما يسمّيه سيبويه خبرا، وقد يسمّيه مفعولا وصفة 26. وفي تعلق عدم الاشتقاق والانتقال بكونه خبرا في المعنى نظر؛ فإنّه كما أنه خبر معنى هو صفة في المعنى، فليس مراعاة أحد المعنيين بأولى من مراعاة الآخر.
وقد دلّ على كونه صفة في المعنى تسمية سيبويه له بذلك فمن تسميته خبرا قول سيبويه: هذا باب ما ينتصب؛ لأنّه خبر لمعروف يرتفع على الابتداء قدّمته أو أخّرته -

الجزء: 5 - الصفحة: 2246

................................  وذلك «فيها عبد الله قائما» و «عبد الله فيها قائما» 27. ومن تسميته مفعولا فيه قوله: هذا باب ما ينتصب من الأسماء التي ليست بصفات ولا مصادر؛ لأنّه حال يقع فيه الأمر فينتصب؛ لأنّه مفعول فيه، وذلك «كلّمته فاه إلى فيّ» و «بايعته يدا بيد» 28. ومن تسميته صفة قوله بعد أن مثّل بـ «أمّا صديقا مصافيا فليس بصديق مصاف»: فالرفع لا يجوز هنا؛ لأنك قد أضمرت صاحب الصفة... إلى آخره 29. وكل هذه الإطلاقات باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ فلا بعد فيها.
وذهب ابن عصفور إلى أنّ الحال لا تكون غير منتقلة إلّا إذا كانت مؤكدة، وأمّا إذا كانت الحال مبينة فلا تكون إلّا منتقلة أو في حكم المنتقلة 30. وأراد بما هو في حكم المنتقلة نحو: «ولد زيد أشهل العينين وقصير القامة»، وجعل منه قول الشاعر: 1772 - فجاءت به سبط العظام كأنّما... عمامته بين الرجال لواء 31 لأنّ (جاءت) في البيت بمعنى: ولدت 32. وقد تقدّم من استشهادات المصنف ما يدفع دعوى ابن عصفور لمجيئها غير منتقلة وهي مبيّنة.
وقد قصد المصنف أن ينبّه على المواضع التي وردت الحال فيها غير مشتقة، وعبّر عن ذلك بقوله: ويغني عن اشتقاقه كذا وكذا... إلى آخره أي: أن الحال يستغني عن الاشتقاق في الأكثر لأحد أمور تسعة: الأول: أن يكون موصوفا كقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا 33 وهذه -

الحديث: 1772 - الجزء: 5 - الصفحة: 2247

................................  الحال تسمّى موطّئة، فـ (بشرا) منصوب على الحال وسَوِيًّا نعت له، والحال في الحقيقة الصفة، فأصل «مررت بزيد رجلا صالحا»: مررت بزيد صالحا، وإنّما ذكرت (رجلا) توطئة للحال، ولمّا كانت الحال صفة معنوية أشبهت اللفظية، ومن حكم اللفظية أن تجري على موصوف في اللفظ ففعلوا في الحال في بعض المواضع ذلك للإشعار بأنها صفة في المعنى.
الثاني: أن يكون مقدرا قبله مضاف كقول العرب: «وقع المصطرعان عدلي عير» 34 أي: مثل عدلي عير، وعليه قول الشاعر: 1773 - تضوّع مشكا بطن نعمان أن مشت... به زينب في نشوة خفرات 35 أي: مثل مسك، واختار الشيخ نصب (مسكا) على التمييز، قال: وهو منقول من الفاعل، قال: وجعله تمييزا أمدح 36. الثالث: أن يكون دالّا على مفاعلة كقولهم: «كلّمته فاه إلى فيّ» و «بايعني يدا بيد» [3/ 60] و «بعته رأسا برأس» أي: مشافهة، ومناجزة، ومماثلة.
وفسّر سيبويه «يدا بيد» بقوله: (نقدا) 37. قال الصفار - شارح كتاب سيبويه -: وهو تفسير معنى؛ لأنّ المعنى على التعجيل والمناجزة.
قال: ولا يصح أن يقدّر جاعلا 38 يدا بيد؛ لأنّك لم ترد أن تجعل يدك في يده، -

الحديث: 1773 - الجزء: 5 - الصفحة: 2248

................................  ولا أن يكون اسما وضع موضع المصدر 39؛ لأنّه لا مصدر له من لفظه، قال: وهو حال من الضمير في «بايعته» والمعنى: ذا يد، أي: في حال أنّه ذو يد على ملكه 40، ويصحّ أن يكون حالا من المبيع المحذوف، والمعنى: بايعته شيئا في حال أنّ ذلك الشيء المبيع ذا يد، أي: مجعولا عليه اليد.
ولا يقتصر على (فاه) ولا على (يد) ولا على (رأسا) بل 41 يلزم الجار فيه، قال سيبويه - بعد أن مثّل بقولهم: «كلمته فاه إلى فيّ» و «بايعته يدا بيد» ونحوهما -: واعلم أن هذه الأشياء - التي في هذا الباب - لا ينفرد منها شيء دون ما بعده، وذلك أنه لا يجوز أن تقول: «كلمته فاه» حتى تقول: «إلى فيّ»؛ لأنك إنما تريد مشافهة، والمشافهة لا تكون إلّا من اثنين، وإنما يصحّ المعنى إذا قلت: «إلى فيّ».
ولا يجوز أن تقول: «بعته يدا»؛ لأنك إنما تريد أخذ مني وأعطاني، وإنّما يصح المعنى إذا قلت: (بيد)؛ لأنهما عملان 42. انتهى.
فإن قلت: بم يتعلق الجارّ في نحو: «فاه إلى فيّ» و «يدا بيد» قلت: قد نظّر سيبويه (إلى) في قولك: «فاه إلى فيّ» بالباء في قولهم: «بعت الشاء شاة بدرهم» بعد أن حكم على (بدرهم) بأنّه إنّما جيء به ليبيّن السّعر، كما جاءت «لك» في «سقيا» ليبيّن ما يعني 43. هذا نصّه، وظاهره أنّ الجارّ في مثل «فاه إلى فيّ» و «يدا بيد» وفي «الشاء شاة بدرهم» يتعلق بمحذوف تقديره: أريد، ونحوه.
وقال ابن خروف: «إلى فيّ» متعلق باستقرار في موضع الحال من (فاه).
قال ابن عمرون: هذا ليس بشيء؛ لأنّ (فاه) لا تتم به المعنى فكيف يجوز أن -

الجزء: 5 - الصفحة: 2249

................................  يكون الجار والمجرور حالا؟ وجوّز ابن خروف أيضا أن يكون في موضع رفع، أي: هو إلى فيّ، أو ذلك إلى فيّ.
وردّه ابن عمرون أيضا بأنّه يكون منفصلا من (فاه) ثمّ قال: والصحيح أنّه يتعلق بـ (فاه)؛ لأنّه واقع موقع مشافهة.
قال: كذا ذكره ابن جني عن أبي علي.
انتهى.
وفيما أشار إليه نظر.
وقد نظّروا لزوم الجارّ في مثل «فاه إلى فيّ» و «يدا بيد» ونحوهما من الأسماء بلزومه في مثل «سادوا كابرا عن كابر» و «أبيع هذا ناجزا بناجز» 44 فـ (كابرا) و (ناجزا) أحوال كـ (فاه) و (يدا) ولا يفرد (كابرا) و (ناجزا) كما لا يفرد (فاه) و (يدا) إلّا أنّ (كابرا) و (ناجزا) من قبيل الصفات، و (فاه) و (يدا) من قبيل الأسماء.
قال سيبويه - بعد الباب الذي ذكر فيه (فاه) و (يدا) -: هذا باب ما ينتصب من الصفات كانتصاب الأسماء في الباب الأول - يعني أنّه لا يفرد فيه ما قبل عمّا بعد - ثم قال: وذلك قولك: «أبيعكه الساعة ناجزا بناجز، وسادوا كابرا عن كابر» فهذا كقولك: «بعته رأسا برأس» 45. الرابع: أن يكون دالّا على سعر كقولهم: «بعت الشاء شاة ودرهم، والبرّ قفيزا بدرهم، والدّار ذراعا بدرهم» أي: مسعرا 46. ويجوز رفع «شاة ودرهم، وقفيز بدرهم، وذراع بدرهم» على الابتداء، وهو مبتدأ محذوف منه الصفة 47، التقدير: قفيز منه، وذراع منه، وبدرهم الخبر.
وإذا قلت: «شاة بدرهم» فكذلك؛ لأنّ التقدير: شاة منها بدرهم.
وأما «شاة ودرهم» فقال سيبويه: زعم الخليل أنه يجوز «بعت الشّاء شاة ودرهم» إنّما يريد: شاة بدرهم، ويجعل «بدرهم» هو خبر الشّاة، وصارت -

الجزء: 5 - الصفحة: 2250

................................  الواو بمنزلة الباء في المعنى كما كانت في «كلّ رجل وضيعته» في معنى مع.
انتهى 48. وظاهره جعل إعراب «شاة ودرهم» نظير «شاة بدرهم» التقدير: شاة منها ودرهم، لقوله: إنّ «ودرهم» هو بمعنى «وبدرهم»، و «بدرهم» خبر فتكون «ودرهم» كذلك 49. فإن قلت: هل يجوز أن يكون الخبر محذوفا كما هو في «كلّ رجل وضيعته»، التقدير: بعت الشاء شاة منها ودرهم مقترنان؟ قلت: فيه بعد؛ لأن هذا التقدير لا يفيد المراد من هذا الكلام؛ لأنّه لا يلزم من الإخبار بكون شاة ودرهم مقترنين أنّه باع كلّ شاة من الشاء بدرهم، وهذا هو المقصود بالإخبار.
واعلم أنّ الجارّ في «شاة بدرهم، وقفيزا بدرهم» ونحوهما لازم الذكر كما تقدّم في «يدا بيد» والكلام في متعلقه كما تقدّم.
وأدرج سيبويه في باب «شاة ودرهما»: قامرته درهما في درهم، وأخذت زكاة ماله درهما لكلّ أربعين درهما 50. مسوّيا بين الصور في الحكم.
ومنه يعلم أنّ اقتصار المصنف على كونه دالّا على سعر ليس بجيد إلّا أن يريد دالّا على سعر وما في معناه.
واعلم أنّه لا يجوز في مثل: «بعت داري الذّراع بدرهم أو بعتها الذراعان بدرهم، وبعت البرّ القفيزان بدرهم» إلّا الرفع.
قال سيبويه: ولم يشبّه هذا بقوله: «فاه إلى فيّ»؛ لأنّ هذا في بابه بمنزلة -

الجزء: 5 - الصفحة: 2251

................................  المصادر التي تكون حالا نحو: لقيته كفاحا، ونحو (العراك) و (طاقتي) 51 وليس كل مصدر في هذا الباب يدخله الألف واللام، ويكون معرفة بالإضافة، فالأسماء أبعد.
ولذلك كان الذّراع رفعا؛ لأنّه لا يجوز أن تجعله معرفة وتجعله حالا.
انتهى 52. وكذا لا يجوز في «بعته ربح الدّرهم درهم» إلّا الرفع، ونصّ عليه سيبويه 53. الخامس: أن يكون دالّا على ترتيب نحو: «ادخلوا رجلا رجلا، وتعلّم الحساب بابا بابا، وتصدقت بمالي درهما درهما» ولا يفرد اللفظ الأول في مثل هذا عن الثاني، بل يجب التكرار.
قال سيبويه: ولا يجوز: «تصدقت بمالي درهما» فيرى المخاطب أنّك تصدقت بدرهم، وكذا ما أشبهه.
انتهى.
والتكرار في مثل هذا المراد به استغراق الرجال والأبواب والدراهم 54. وفي نصب الثاني من هذا النوع خلاف، قيل: إنه صفة للأول، وقيل: توكيد، وقيل: بدل 55، وعلى التقادير الثلاثة هو لازم الذكر كما تقدم.
قال الشيخ: ومختاري أنهما منصوبان بالعامل؛ لأن مجموعهما هو الحال، لا أحدهما، والحالية مستفادة منهما لا من أحدهما، فصارا يعطيان معنى المفرد، فأعطيا إعرابه وهو النصب [3/ 61] ونظير ذلك قولهم: «هذا حلو حامض» فكلاهما مرفوع على الخبرية؛ لأنّ الخبر إنّما حصل من مجموعهما، فأعطيا إعراب المفرد الذي نابا منابه وهو الرفع.
انتهى 56. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2252

................................  والذي اختاره هو الظاهر، وتنظيره بمسألة الخبر تنظير صحيح، ولو نصب «حلو وحامض» في مثل «رأيت الرمّان حلوا حامضا» لكان الحال مجموعهما لا أحدهما، فكذلك هذا.
ونقل الشيخ عن الأخفش أنه لا يجوز أن يدخل حرف العطف في شيء من هذه المكررات، فلا يقال: بيّنت له الحساب بابا فبابا، ولا: بابا وبابا، ولا: ادخلوا رجلا فرجلا 57. السادس: أن يكون دالّا على أصالة الشيء كقوله تعالى: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً 58، ونحو: «هذا خاتمك حديدا» وهو من أمثلة سيبويه 59. السابع: أن يكون دالّا على فرعيّة الشيء نحو: «هذا حديدك خاتما».
الثامن: أن يكون دالّا على تنويع، نحو: «هذا مالك ذهبا».
التاسع: أن يكون دالّا على طور واقع فيه تفضيل، نحو «هذا بسرا أطيب منه رطبا» 60. وسيأتي الكلام على هذه المسألة.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2253

................................  واعلم أنّ في نصب (فاه) من «كلّمته فاه إلى فيّ» ثلاثة مذاهب 61: أحدها: أنّه حال، وهو مذهب سيبويه، وقد تقدّم الكلام عليه.
قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب من الأسماء التي ليست بصفة ولا مصادر؛ لأنّه حال يقع فيه الأمر فينتصب لأنه مفعول فيه، وذلك «كلمته فاه إلى فيّ» 62 وقد تقدّم هذا عنه أيضا، قال المصنف: هو نصب على الحال؛ لأنه واقع موقع (مشافها) ومؤدّ معناه 63. وسيبويه فسره بـ (مشافهة) ولهذا ذهب السيرافي إلى أنّ (فاه) اسم وضع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، فـ (فاه) موضوع موضع (مشافهة) الموضوعة موضع (مشافها) 64. الثاني: وهو مذهب الكوفيين، أنه منصوب بعامل مقدر على المفعولية وذلك العامل هو الحال، فأصله: كلمته جاعلا فاه إلى فيّ 65. الثالث: مذهب الأخفش أنّه منصوب على إسقاط حرف الجر، وأصله: كلمته من فيه إلى فيّ 66. قال المصنف - بعد نقل هذه المذاهب -: وأولى الثلاثة أوّلها؛ لأنّه قول يقتضي تنزيل جامد منزلة مشتق على وجه لا يلزم منه لبس ولا عدم النظير وذلك موجود بإجماع في هذا الباب وغيره، فوجب الحكم بصحته، ومن نظائره المستعملة في هذا الباب: «بايعته يدا بيد، وبعت الشّاء شاة ودرهما، والبرّ قفيزا بدرهم، والدار ذراعا بدرهم» ولا خلاف في أنّ (يدا وشاة وقفيزا وذراعا) منصوبة نصب الحال، لا نصب المفعول به، ولا نصب المسقط منه حرف جر، فإذا أجري «كلمته فاه إلى -

الجزء: 5 - الصفحة: 2254

................................  فيّ» ذلك المجرى توافقت النظائر، بخلاف تقدير: جاعلا، أو (من) فلا نظير له في الباب، وفي تقدير (من) ضعف زائد وهو أنه يلزم منه تقدير (من) في موضع (إلى) ودخول (إلى) في موضع (من)؛ لأنّ مبدأ غاية كلام المتكلم فمه لا فم المكلّم، فلو كان معنى (من) مقصودا لقيل: «كلمته من فيّ إلى فيه» على إظهار (من) و «كلمته فيّ إلى فيه» على تقديرها.
انتهى كلام المصنف 67. ومما ردّ به السيرافي على الكوفيين: أنه يمتنع «كلّمته وجهه إلى وجهي، وعينه إلى عيني».
قال: ولو كان على الإضمار لم يمتنع هذا، لكنه لما كان على ما قال سيبويه لم يطرد؛ لأنّه من وقوع الأسماء موقع الصفات، والأصل غير ذلك 68. ومما ردّ به على المذهبين معا: أن العرب ترفعه على المعنى الذي تنصبه وليس للرفع وجه إلّا الحال.
قال سيبويه: وبعض العرب تقول: «كلّمته فوه إلى فيّ»، أي: كلّمته وفوه إلى فيّ، أي: كلمته وهذه حاله.
انتهى 69. وأجاز هشام الكوفي القياس على «كلّمته فاه إلى فيّ» فيقال على رأيه: «ماشيته قدمه إلى قدمي، وكافحته وجهه إلى وجهي» 70. وذكر ابن خروف عن الفراء: «حاذيته ركبته إلى ركبتي، وجاورته بيته إلى بيتي، وصارعته جبهته إلى جبهتي» بالرفع والنصب 71. قال المصنف - بعد ذكر هذا -: ولا يرد شيء من ذلك ولكن الاقتصار فيه على السماع أولى؛ لأنّ فيه إيقاع جامد موقع مشتقّ، وإيقاع معرفة موقع نكرة، وإيقاع مركب موقع مفرد (6). قال المصنف: وأجاز أكثر البصريين بعد سيبويه تقديم (فاه) على (كلّمته) لتصرفه، ومنع ذلك الكوفيون وبعض متأخري البصريين، أي: يقال: فاه إلى فيّ كلّمته 72. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2255

[من أحكام الحال التنكير وقد تأتي معرفة]

قال ابن مالك: (فصل: الحال واجب التنكير، وقد يجيء معرّفا بالأداة، أو الإضافة، ومنه عند الحجازيّين العدد من ثلاثة إلى عشرة مضافا إلى ضمير ما تقدّم، ويجعله التّميميّون توكيدا، وربّما عومل بالمعاملتين مركّب العدد، وقضّهم بقضيضهم، وقد يجيء المؤول بنكرة علما).
قال الشيخ: أجازها سيبويه.
قال: وعزي المنع أيضا إليه 73. قلت: وهو الذي تقتضيه عبارة المصنف.
وأما تقديم المجرور على المنصوب نحو: «كلمته إلى فيّ فاه» فلا تجيزه قاعدة سيبويه 74؛ لأنّ (إلى فيّ) للتبيين كما هي في (سقيا لك) على ما تقدّم، و (لك) لا تقدّم على (سقيا) فكذا ما أشبهه.
قال ناظر الجيش: أي: ومن شروط الحال أن يكون نكرة: وإنما كان كذلك؛ لأنّ الغالب اشتقاق الحال - لما تقدّم 75 - وتعريف صاحبها؛ لأنه مخبر عنه، فلو لم يلزم تنكيرها لتوهم كونهما نعتا ومنعوتا في بعض الصور 76. وأيضا فإنّ الحال ملازم للفضلية فاستثقل واستحق التخفيف بلزوم التنكير، وليس غيره من الفضلات ملازما للفضلية، لجواز صيرورته 77 عمدة؛ بقيامه مقام الفاعل كقولك في «ضربت زيدا»: «ضرب زيد» وفي «اعتكفت يوم الجمعة»: «اعتكف يوم الجمعة» وفي «اعتكفت اعتكافا مباركا»: «اعتكف اعتكاف مبارك» فلصلاحية ما سوى الحال لصيرورته عمدة جاز تعريفه بخلاف الحال 78. وقد يجيء الحال معرفا بالألف واللام أو بالإضافة [3/ 62] فيحكم بشذوذه وتأوّله بنكرة، فمن المعرّف بالألف واللام: قولهم: «ادخلوا الأول فالأول» -

الجزء: 5 - الصفحة: 2256

................................  أي: مرتّبين، وقولهم: «جاؤوا الجمّاء الغفير» 79 أي: جميعا، و «أرسلها العراك» 80 أي: معتركة، فالحال في المثال الأول صفة، وفي المثال الثاني اسم موضوع موضع المصدر، أي: جموما غفيرا، وفي المثال الثالث مصدر.
فأمّا «ادخلوا الأول فالأول» فقد ذكره سيبويه في باب ترجمته: هذا باب ما ينتصب فيه الصفة؛ لأنه حال وقع فيه الأمر وفيه الألف واللام 81... ثم قال بعد كلام: وهو قولك: «دخلوا الأول فالأول» جرى على قولك: واحدا فواحدا، «ودخلوا رجلا فرجلا» ونصّ على جواز الرفع على البدل مع «دخلوا...» ولم يجوّزه مع «ادخلوا...» لعدم صحة البدل فيه، قال: وكان عيسى يقول: «ادخلوا الأوّل فالأول» يعني بالرفع، قال: لأنّ معناه: ليدخل، فحمله على المعنى.
انتهى 82. وأما (الجماء الغفير) فذكره سيبويه في باب ترجمته: هذا باب ما يجعل من الأسماء مصدرا كالمصدر الذي فيه الألف واللام نحو: (العراك) ثم قال: وهو قولك: مررت بهم الجمّاء الغفير، والناس فيها الجمّاء الغفير، فهذا ينتصب كانتصاب (العراك) ثم قال: وزعم الخليل أنّهم أدخلوا الألف واللام في هذا الحرف وتكلّموا به على نيّة ما لم تدخله الألف واللام 83. انتهى.
قال الشيخ: وقد جعله غير سيبويه مصدرا، وسيبويه لا يرى ذلك لعدم تصرف -

الجزء: 5 - الصفحة: 2257

................................  الفعل منه 84. وأما (العراك) فمصدر - كما علمت - وذكر هنا من جهة أنّه حال وفيه الألف واللام.
وأما نصبه وهو مصدر على الحال ففيه وفي أمثاله من المصادر خلاف، والمذاهب فيه ثلاثة: قيل: ليس حالا، بل هو منصوب على المصدر بعامل مقدر، ذلك العامل هو الحال وهو رأي الأخفش 85 والمبرد 86، واختلفوا في المقدر.
فقيل: فعل، أي تعترك، وهو رأي الفارسي 87. وقيل: اسم مشتق، أي: معتركة العراك 88. وعلى هذين التقديرين [لا حاجة] 89 إلى الاعتذار عن دخول الألف واللام في (العراك).
والمذهب الثالث: أنّ (العراك) نفسه هو الحال، على تأويل معتركة، وليس ثمّ عامل مقدّر، وهو مذهب سيبويه 90. قال الشيخ: ورجّح ابن طاهر مذهب سيبويه بأنّه ليس فيه تكلّف إضمار 91. ومن المعرّف بالإضافة: قولهم: رجع عوده على بدئه، وجلس وحده، وفعل ذلك جهده، وطاقته.
والمعنى: رجع عائدا، وجلس منفردا، وفعل جاهدا ومطيقا.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2258

................................  ومنه أيضا: فاه إلى فيّ، ومررت بهم ثلاثتهم... إلى عشرتهم 92، وقضّهم بقضيضهم 93، وتفرّقوا أيادي سبا 94. فهذه ثماني كلمات: منها ما هو مصدر، وهو (جهده، وطاقته، وعوده على بدئه) ومنها ما هو اسم واقع موقع المصدر، وهو وحده، وثلاثتهم، وأربعتهم إلى العشرة، وقضّهم بقضيضهم.
ومنها ما هو اسم وليس واقعا موقع المصدر وهو «فاه إلى فيّ» وأيادي سبا.
فأما «جهده، وطاقته وعوده على بدئه» ففي نصبها من الخلاف ما في نصب (العراك) فيقدر: يجتهد جهده، ويطيق طاقته، ويعود عوده 95. أو مجتهدا جهده، ومطيقا طاقته، وعائدا عوده 96. وعلى هذين التقديرين لا حاجة إلى الاعتذار عن التعريف؛ لأنّ الكلمات المذكورة ليست أحوالا، وإنّما الأحوال العوامل المقدّرة، ومجتهدا، ومطيقا، وعائدا، وهو مذهب سيبويه 97 كما تقدّم في العراك.
ولا يحتاج (جهده، وطاقته، وجهدي، وطاقتي، وجهدك، وطاقتك) إلى كلام غير ما تقدم.
وأمّا «رجع عوده على بدئه» فقد شبّهه سيبويه بقولهم: «فاه إلى فيّ».
قال - بعد أن ذكر هذه المسألة -: ومثله من المصادر في أن تلزمه الإضافة وما بعده مما يجوز فيه الابتداء ويكون حالا قوله: «رجع فلان عوده على بدئه» كأنّه قال: -

الجزء: 5 - الصفحة: 2259

................................  انثنى عودا على بدء، ولا يستعمل في الكلام «رجع عودا على بدء» ولكنّه مثّل به 98. انتهى.
وقد فهمت من تشبيه «عوده على بدئه» بقولهم: «فاه إلى فيّ» في لزوم الإضافة، ولزوم ما بعده أنّ الجارّ متعلق بمحذوف؛ لأنّه للبيان كما تقدّم في متعلق «إلى فيّ» ونحوه.
ثم قال سيبويه: ومن رفع «فوه إلى فيّ» أجاز الرفع في قوله: «رجع فلان عوده على بدئه» 99. وقال أيضا: قال الخليل: إن شئت جعلت: [رجعت] 100 عودك على بدئك» مفعولا بمنزلة قولك: «رجعت المال عليّ» أي: رددت المال عليّ، كأنّه قال: ثنيت عودي على بدئي 101. قال الشيخ: وعلى قول من جعل «عوده» مفعولا به، لا حالا يجوز تقديم المجرور عليه، قال: وكذا يجوز التقديم إذا رفع «عوده».
انتهى 102؛ وهو واضح.
وأمّا (وحده، وثلاثتهم وأخواتها، وقضّهم بقضيضهم) فقد ذكرها سيبويه في الباب الذي ترجمته: هذا باب ما جعل من الأسماء مصدرا كالمضاف في الباب الذي يليه.
ثم قال: وذلك مررت به وحده، ومررت بهم وحدهم.
ثم قال: ومثل ذلك في لغة أهل الحجاز: مررت بهم ثلاثتهم وأربعتهم وكذلك إلى العشرة 103... ثم -

الجزء: 5 - الصفحة: 2260

................................  قال بعد ذلك: ومثل (خمستهم) قول الشماخ: 1774 - أتتني تميم قضّها بقضيضها... تمسّح حولي بالبقيع سبالها 104 فقد صرح سيبويه بأنها أسماء جعلت مصادر، أي: وضعت موضعها، وتلك المصادر موضوعة موضع الحال، وقد قدّروا (وحده) واقعا موقع إيحاد، وإيحادا واقعا موقع موحد، فإذا قيل: «ضربت زيدا وحده» فهو حال من الفاعل، أي: مفردا له بالضرب قالوا: وهو مذهب سيبويه (2). وجوّز المبرد أن تكون حالا من المفعول، أي: ضربته في حال أنّه مفرد بالضرب 105. قال ابن عصفور: ومذهب سيبويه أحسن؛ لأنّ وضع المصادر موضع اسم الفاعل أكثر من وضعها موضع المفعول.
قال سيبويه: وزعم الخليل حيث مثّل نصب وحده وخمستهم، أنّه كقولك [3/ 63]: أفردتهم إفرادا.
قال: فهذا تمثيل، ولكنّه لم يستعمل في الكلام 106. فمن هنا فهم الناس أنّ مذهب سيبويه أنّه حال من الفاعل ليفسره إياه بـ (أفذذتهم)، أي: أوحدتهم وأفردتهم فأنا موحدهم ومفردهم.
ونقل الشيخ أنّ ابن طلحة ذهب إلى أنه حال من المفعول ليس إلّا.
قال: لأنهم إذا أرادوا الفاعل قالوا: مررت به وحدي 107. وقد قيل: إنّ (وحده) مصدر موضوع موضع الحال، والقائلون بذلك اختلفوا: فقيل: مصدر على حذف شيء منه نحو: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً 108. -

الحديث: 1774 - الجزء: 5 - الصفحة: 2261

................................  وقيل: مصدر لم يلفظ له بالفعل كالأبوّة والأخوّة 109. قال ابن عصفور: والقول بأنه مصدر باطل؛ لأن المصادر الموضوعة موضع الأفعال تتصرف، وهذا لا ينصرف.
وزعم يونس أنّ (وحده) منتصب انتصاب الظروف، فمعنى «جاء زيد وحده»: جاء زيد على حياله، وكان الأصل: جاء زيد على وحده، ثم حذف حرف الجر ونصب، قال سيبويه: وزعم يونس أن (وحده) بمنزلة (عنده) ثم قال بعد قليل: وجعل يونس نصب (وحده) كأنك قلت: مررت برجل على حياله، فطرحت (على) فمن ثمّ قال: هو مثل (عنده).
انتهى 110. وحكى يونس: «جلسا على وحديهما» 111. قال الشيخ: والذي يدل على انتصابه على الظرف، لا على الحال قول العرب، «زيد وحده» ولو قيل: «زيد جالسا» لم يجز 112. وأمّا «ثلاثتهم، وثلاثهن... إلى عشرتهم وعشرهن» في التأنيث فلهنّ استعمالان بحسب لغتي أهل الحجاز وتميم.
أمّا الحجازيون فينصبونها على الحال، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: ومنه عند الحجازيين أي: ومن الحال المعرّف بالإضافة لفظا كذا وكذا إلى آخره 113. قالوا: ومذهب سيبويه في ذلك كمذهبه في (وحده) من أنه اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال 114. قال ابن عصفور: إذا قلت: «مررت بالقوم خمستهم» فكأنك قلت: مخمسا لهم، فـ (خمسة) واقع موقع (خمس) مصدر «خمّست القوم» و (خمس) واقع موقع (مخمس)، وقد تقدّم أنّ الخليل قدّر (خمستهم) بقوله: أفذذتهم -

الجزء: 5 - الصفحة: 2262

................................  إفذاذا 115. ونقل الشيخ عن يونس: أنه يرى أنّ هذه الكلمات صفات في الأصل فتكون حالا بنفسها، قال: وردّ 116. وعن المبرد: أنّه يقدّر لها فعلا من لفظها، فكأنه يجعل (خمستهم) مثلا مفعولا بها 117، قال: وهذا تكلف لم ينطق به، وأنّ غير يونس والمبرد يرى انتصابها على الظرف كما قال يونس في «مررت بزيد وحده» 118. فإذا عرفت أنّ لغة الحجازيين نصب هذه الكلمات على الحال فاعلم أنهم لا يؤكدون بها، وإذا قصدوا التوكيد أتوا بـ (كلهم) و (أجمعين) وأمّا التميميون فيجعلون هذه الكلمات تابعة لما قبلها توكيدا، فيقولون: قام القوم ثلاثتهم، ورأيتهم ثلاثتهم، ومررت بهم ثلاثتهم» رفعا ونصبا وجرّا 119، وإذا قصدوا معنى الحال كما قصد الحجازيون أتوا بلفظ [وحدهم] (6) فيقولون: «مررت [بالقوم] 120 وحدهم».
وقد فرّقوا بين النصب والإتباع في المعنى؛ لأنك إذا قلت: «مررت بالقوم خمستهم» فنصبت حصل تقييد المرور بكونهم خمسة، فلا يجوز أن يكون مرّ بأكثر من خمسة، وإذا أتبعت جاز أن يكون مررت بغيرهم وجاز أن يكون مررت بهم خاصة 121. وقد أوضح سيبويه هذا الفرق وبيّنه حيث قال: وزعم الخليل أنه إذا نصب (ثلاثتهم) فكأنه يقول: «مررت بهؤلاء فقط لم أجاوز هؤلاء، كما أنه إذا قال: (وحده) فإنّما يريد أن يقول: مررت به فقط لم أجاوزه، وزعم أن -

الجزء: 5 - الصفحة: 2263

................................  الذين - يجرّون - يعني بني تميم - فكأنهم يريدون أن يعمّوا كقولهم: «مررت بهم كلّهم» أي: لم أدع منهم أحدا.
انتهى 122. وقال المصنف: نصبه الحجازيون على تقدير: جميعا، ورفعه التميميون توكيدا على تقدير: جميعهم 123. قال الشيخ: فظاهر كلامه هذا أنّه لا فرق بين المعنيين إلا من جهة الصناعة، وقد فرّق الناس بينهما من غير هذه الجهة - يعني بما ذكر من جهة المعنى 124. وأشار المصنف بقوله: وربّما عومل بالمعاملتين مركب العدد - أي: بالنصب على الحال وبالإتباع على التوكيد - إلى ما حكاه الأخفش عن بعض العرب أنهم يقولون: «جاؤوا خمسة عشرهم 125، وجئن خمس عشرتهن» 126 وقد فهم من قوله: وربّما - عدم إطباق العرب على ذلك.
قال ابن عصفور: وبعض العرب يجري من «أحد عشر» إلى «تسعة عشر» مجرى الثلاثة إلى العشرة، وهم قليل، فمنهم من يقول: «رأيت القوم أحد عشر» ومنهم من يقول: «أحد عشرهم» على وجهين - يعني النصب والإتباع - قال: والأول أجود.
انتهى.
وكأنه أشار بقوله: الأول أجود - إلى أنّ عدم الإضافة في المركب المذكور أجود منها فيه 127. وأمّا «قضّهم بقضيضهم» فقد عطفه المصنف على مركب العدد، فعلم أنه مثله في النصب والإتباع، وقد حكى سيبويه الوجهين على المعنيين؛ أمّا النصب على الحال فعلى أنّه اسم واقع موقع المصدر الواقع موقع الحال - كما تقدم - فكأنه وضع -

الجزء: 5 - الصفحة: 2264

................................  «قضّهم» موضع انقضاض، و «انقضاضا» موضع منقضّين، قال سيبويه بعد إنشاد بيت الشماخ المتقدم 128: كأنه قال: انقضاضهم، أي: انقضاضا، ثم قال: فهذا تمثيل، وإن لم يتكلم به، وقال: لأنّه إذا قال: قضّهم، فهو مشتق من معنى الانقضاض؛ لأنّه كأنّه يقول: انقضّ آخرهم على أوّلهم 129. وأمّا الإتباع فأشار إليه سيبويه بقوله: وبعض العرب يجعل «قضّهم» بمنزلة «كلّهم» يجريه على الوجوه 130. وأمّا «فاه إلى فيّ» و «أيادي سبا» فقد تقدّم الكلام على الأول وسيأتي الكلام على الثاني في باب العدد إن شاء الله تعالى.
وأشار المصنف بقوله: وقد يجيء المؤول بنكرة علما - إلى قول العرب: «جاءت الخيل بدادا» أي: متبددة، فـ «بداد» علم جنس وقع حالا لتأوّله بالنكرة المذكورة 131. واعلم أنّ التأويلات المتقدّمة للحال الواقع معرفة إنما هي [3/ 64] على رأي الجمهور، لاشتراطهم تنكير الحال، ومن لا يشترط ذلك لا يحتاج إلى تأويل، والمنقول أنّ يونس والبغداديين أجازوا تعريف الحال قياسا على الخبر واستدلالا بالكلمات المتقدمة 132، وأنّ الكوفيين أجازوا مجيء الحال معرفة إذا كان فيها معنى -

الجزء: 5 - الصفحة: 2265

[وقوع الحال مصدرا وأحكام ذلك]

قال ابن مالك: (فصل: وإن وقع مصدر موقع الحال فهو حال، لا معمول حال محذوف خلافا للمبرد والأخفش، ولا يطّرد فيما هو نوع للعامل نحو: أتيته سرعة خلافا للمبرّد، بل يقتصر فيه وفي غيره على السّماع، إلّا في نحو: أنت الرّجل علما، وهو زهير شعرا، وأمّا علما فعالم، وترفع تميم المصدر التّالي «أمّا» في التنكير جوازا مرجوحا، وفي التّعريف وجوبا، وللحجازيّين في المعرّف رفع ونصب، وهو في النصب مفعول له عند سيبويه، وهو والمنكّر مفعول مطلق عند الأخفش).
الشرط، ومثّلوه بقولهم: «عبد الله المحسن أفضل منه المسيء» ولم يجوزوا «جاء زيد الراكب»؛ لأنه ليس فيه معنى الشرط وقد تأول البصريون مثل ذلك إن ورد على أنّه منصوب بـ «كان» أي: إذا كان المحسن أفضل منه إذا كان المسيء 133. وقد نصّ سيبويه على امتناع تعريف الحال فقال: إذا كان الاسم حالا يكون فيه الأمر لم تدخله الألف واللام ولم يضف لو قلت: «ضربته القائم» تريد: قائما؛ كان قبيحا، ولو قلت: «ضربتهم قائميهم» تريد قائمين؛ كان قبيحا خبيثا 134. قال ناظر الجيش: قد تقدّم التنبيه على أنّ الحال خبر في المعنى، وأن صاحبه مخبر عنه، فحق الحال أن يدلّ على نفس ما يدلّ عليه صاحبه، كخبر المبتدأ بالنسبة إلى المبتدأ، وهذا يقتضي أن لا يكون المصدر حالا لئلّا يلزم الإخبار بمعنى عن جثّة، فإن ورد عن العرب شيء منه حفظ ولم يقس عليه، كما لا يقاس على وقوع المصدر نعتا 135، فمن ورود المصدر حالا قوله تعالى: ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً 136، والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً 137، وادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً 138، وإِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً 139 وقول العرب: «قتلته صبرا، ولقيته فجاءة، ومفاجأة، وكفاحا، ومكافحة، وكلمته مشافهة، وأتيته ركضا، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2266

................................  ومشيا وعدوا، ولقيته عيانا، وأخذت ذلك عنه سمعا، وسماعا»، وأنشد سيبويه: 1775 - فلأيا بلأي ما حملنا وليدنا... على ظهر محبوك ظماء مفاصله 140 أي: حملنا وليدنا لأيا بلأي، أي: مبطئين.
قال سيبويه: كأنه يقول: جهدا بعد جهد، وأنشد أيضا: 1776 - ومنهل وردته التقاطا 141 أي: فجأة، فهذه المصادر في عدم القياس عليها بمنزلة الواردة نعوتا كرجل رضا وعدل وصوم وزور، إلّا أنّ جعل المصدر حالا أكثر من جعله نعتا 142. وقد اختلف في نصب الألفاظ المذكورة وهي المصادر الواقعة موقع الأحوال: فقيل: إمّا مفاعيل مطلقة، وأنّ قبل كل واحد منها فعلا مقدّرا هو الحال، وهو رأي الأخفش 143 والمبرد 144. -

الحديث: 1775 - الجزء: 5 - الصفحة: 2267

................................  قال المصنف: وليس بصحيح؛ لأنّه إن كان الدليل على الفعل المضمر لفظ المصدر المنصوب فينبغي أن يجيزوا ذلك في كلّ مصدر له فعل، ولا يقتصر على السماع، ولا يمكن أن يفسره الفعل الأول؛ لأنّ القتل لا يدل على الصبر، ولا اللقاء على الفجاءة، ولا الإتيان على الركض 145؛ لأنها أعم مما ذكر بعدها، وقد تقدّم أنّ منهم من قدّر العامل اسما في مثل «أرسلها العراك» وتقدم ما يشعر بأنّ ذلك يجري في كلّ مصدر، فلا يبعد هنا أن يقدّر الحال اسما لا فعلا فيكون التقدير الأول: أتيته أركض ركضا، والتقدير الثاني: أتيته راكضا ركضا، كما تقدّم في «أرسلها العراك»؛ لأنّه مصدر مثله.
وقيل: إنّ الأصل في ذلك: أتيته ذا ركض، وقتلته ذا صبر، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه 146، واختاره الصفّار في شرح الكتاب ونقل الشيخ عن ابن هشام عن بعضهم: تقدير مضاف إلّا أنّه جعله من لفظ الفعل، التقدير: أتيته إتيان ركض، ولقيته لقاء فجاءة، وأنّه قضى بهذا التقدير أيضا في «أرسلها العراك» أي: إرسال العراك، وفي «طلبته جهدك» أي: طلب جهدك، وفي «رجع عوده...» أي: رجوع عوده، وفي «مررت به وحده» أي: مرور اتحاد له، وفي «جاؤوا الجماء الغفير» أي: مجيء الجماء الغفير، وفي «ادخلوا الأول فالأول» أي: دخول الأول فالأول، وفي «كلمته فاه إلى فيّ» أي: كلام فيه إلى فيّ.
قال: فتكون هذه المعارف منتصبة انتصاب المصادر فتكون معرفة على الواجب، وهذا تقدير حسن.
انتهى 147. ومذهب سيبويه وعليه الأكثرون: أنّ المصادر أنفسها في موضع الحال، وهي -

الجزء: 5 - الصفحة: 2268

................................  منصوبة بالعوامل المذكورة قبلها 148. قالوا: وتقدير «أتيته ركضا» على مذهب سيبويه: أتيته راكضا، وكذا أخواته 149. ولقائل أن يقول: ينبغي أن يقال في المصدر الواقع حالا ما قيل في الواقع نعتا، من أنّه إن وجد قصد المبالغة فلا تقدير، ولا تأويل يجعل المصدر نفس العين مبالغة، فيكون «أتيته ركضا» على بابه، جعل المتكلم نفسه ركضا، وإن لم تقصد المبالغة جاء القولان، وهما إمّا التأويل أو الحذف، لكنّهم ذكروا في الواقع نعتا أنّ التأويل باسم الفاعل قول الكوفيين، وأنّ الحذف قول البصريين 150. ويظهر من كلامهم هنا ترجيح التأويل على غيره، على أنّ الصفّار قد اختار الحذف - كما تقدّم - وحمل عليه كلام سيبويه بتأويل، وقال: فإن قلت: إذا كان حذف المضاف فهلّا اطّرد وكثر قلت: إنّما يطرد ذلك إذا كان المحذوف يلفظ به نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 151 وأمّا إذا كان المحذوف لا يستعمل أصلا فلا ينبغي أن يطّرد.
وقد نقل الشيخ أن مذهب الكوفيين في «أتيته ركضا» ونحوه أنّ المصادر منصوبة بالأفعال السابقة على أنّها مفاعيل مطلقة 152، ولا حال لا لفظا ولا تقديرا، فكأنه قيل: ركضت إليه ركضا، فيؤولون «أتيت» بركضت.
وكذا يقدرون جميع ذلك مذهبا من جملة المذاهب المذكورة في هذه الصور.
وهذا لا ينبغي أن يعدّ قولا في المسألة إذ هو خلاف المفروض؛ لأنّ الكلام إنّما هو [ما] 153 معه [3/ 65] فهم الحال، وهذا القول يخرج المسألة من هذا الباب - أعني باب الحال - ويلحقها بباب المصدر.
وأشار المصنف بقوله: ولا يطرد فيما هو نوع للعامل إلى خلاف ما يراه المبرد 154 من -

الجزء: 5 - الصفحة: 2269

................................  الاطراد فيما أشار إليه، ونقل الشيخ الإجماع على خلاف قول المبرد 155، وقال سيبويه: لا يحسن: «أتانا سرعة»، ولا: «أتانا رجلة»، كما أنّه ليس كل مصدر يحسن في باب «حمدا وسقيا» 156. وقال المصنف: بل يقتصر فيه - أي: فيما هو نوع للعامل وفي غيره - على السماع، ثم استثني من المصدر ثلاثة أنواع يجوز وقوعها حالا قياسا مطردا، ولا يقتصر فيها على السماع، وأتى بها في صورة المثال 157: النوع الأول: قولهم: «أنت الرجل علما وكذا أدبا ونبلا» أي: الكامل في حال علم وحال أدب وحال نبل. ومذهب ثعلب في «أنت الرجل علما» ونحوه أنّ المصدر فيه ليس حالا، وإنّما هو مصدر مؤكد على تأوّل الرجل باسم فاعل من معنى المصدر المذكور بعده، فتقدير ذلك عنده: أنت العالم علما، والمتأدب أدبا، والنبيل نبلا 158. قال الشيخ: ويحتمل عندي أن يكون منصوبا على التمييز، كأنه قال: أنت الكامل أدبا؛ لأنّ الرجل يراد به الكامل، وأصله: أنت الكامل أدبه، ثم حوّل 159. النوع الثاني: قولهم: «هو زهير شعرا، وحاتم جودا، والأحنف حلما، ويوسف حسنا» أي: مثل زهير في حال شعر، ومثل حاتم في حال جود، وكذا بقية الأمثلة، ومن هذا القبيل قول الشاعر: 1777 - تخبّرنا بأنّك أحوذيّ... وأنت البلسكاء بنا لصوقا 160

الحديث: 1777 - الجزء: 5 - الصفحة: 2270

................................  أي: مثل البلسكاء في حال لصوق.
قال الشيخ: ويحتمل أن يكون هذا كله منصوبا على التمييز؛ لأنه على تقدير «مثل» محذوفة لفظا، مرادة معنى، والتمييز يأتي بعد «مثل» نحو قولهم: «على التمرة مثلها زبدا» ونصبه على التمييز أظهر من نصبه على الحال، وقد نصّوا على أنّه تمييز في قولك: «زيد القمر حسنا» و «ثوبك السّلق خضرة».
انتهى 161. وما ذكره الشيخ من أنّه تمييز ظاهر جدّا، لا ينبغي العدول عنه، والتمييز فيه أظهر من التمييز في النوع الأول.
النوع الثالث: قولهم: «أمّا علما فعالم» والأصل في هذا أنّ رجلا وصف عنده شخص بعلم وغيره، فقال الرجل للواصف: «أمّا علما فعالم» يريد مهما يذكر إنسان في حال علم فالذي وصفت عالم، كأنه منكر ما وصف به من غير العلم، فصاحب الحال على هذا التقدير المرفوع بفعل الشرط المحذوف، وفعل الشرط المحذوف هو ناصب الحال، ويجوز أن يكون ناصبه ما بعد الفاء، وصاحبه ما فيه من ضمير، والحال على هذا مؤكدة، والتقدير: مهما يكن من شيء فالمذكور عالم في حال علم 162. وقد حمل قول سيبويه - بعد أن مثّل بقوله: «أمّا سمنا فسمين، وأمّا علما فعالم، وأمّا نبلا فنبيل» -: «وعمل فيه ما قبله وما بعده» 163 على أنه يجوز أن يكون العامل في الحال فعل الشرط المقدّر قبله، وأن يكون الناصب ما بعد الفاء، وهو «فعالم» مثلا كما تقدّم تقرير الوجهين، وإنّما يجوز الوجهان إذا كان ما بعد الفاء يعمل ما بعده فيما قبله، كما مثّل به، فلو كان بعد الفاء ما لا يعمل ما بعده فيما قبله تعيّن نصب ما ولي «أمّا» بفعل الشرط المقدر، نحو قولك: «أمّا علما فلا علم له، وأما علما فإنّ له علما، وأمّا علما فهو ذو علم» 164. ونصب هذا المصدر الواقع بعد «أمّا» إذا كان منكرا ملتزم عند الحجازيين، فإن كان معرّفا، نحو: «أمّا العلم فعالم» أجازوا رفعه ونصبه، وإليه أشار المصنف -

الجزء: 5 - الصفحة: 2271

................................  بقوله: وللحجازيين في المعرّف رفع ونصب.
قال الشيخ: ويدل كلام سيبويه على أنّ الرفع عندهم هو الأكثر؛ لأنه بداية 165. وأما بنو تميم فيوجبون رفع المصدر المذكور إذا كان معرفة، ويجيزون رفعه ونصبه إذا كان نكرة، والنصب عندهم أكثر، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: وترفع تميم المصدر التالي «أمّا» في التنكير جوازا مرجوحا، وفي التعريف وجوبا.
قال سيبويه - بعد ما تقدّم تمثيله بـ «أمّا علما فعالم» ونحوه -: وقد يرفع في لغة بني تميم، والنصب في لغتها أحسن، فإن دخلت الألف واللام رفعوا 166. وقال سيبويه أيضا: وقد ينصب أهل الحجاز في هذا الباب بالألف واللام؛ لأنّهم قد يتوهمون في هذا الباب غير الحال، وبنو تميم كأنّهم لا يتوهّمون غيره، فمن ثمّ لم ينصبوا في الألف واللام 167. قال الشيخ: وعبارة سيبويه أخلص من عبارة المصنف؛ لأنّ المصنف قال: (وفي التعريف) وهو يعمّ التعريف بالأداة وبغيرها، والمنقول إنما هو في المعرّف بالأداة 168. وقد يلخص مما تقدّم: أن المصدر الواقع بعد «أمّا» بحسب اللغتين قد يكون مرفوعا أو منصوبا مع كونه معرفة أو نكرة، فإن رفع فهو مبتدأ، معرفة كان أو نكرة، وإن نصب فإن كان نكرة كان حالا - كما تقدم - وإن كان معرفة كان مفعولا؛ لامتناع أن يكون حالا حينئذ، هذا مذهب سيبويه.
وأما الأخفش فإنه يجعل المنصوب مصدرا مؤكدا في التعريف والتنكير ويجعل العامل فيه ما بعد الفاء إن لم يقترن بما لا يعمل ما بعده فيما قبله، وتقدير «أمّا علما فعالم» على مذهبه: مهما يكن من شيء فالمذكور عالم علما، فلزم العامل أن تقدّم «علما» والعامل فيه ما بعد الفاء كما لزم تقديم المفعول به في فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ 169. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2272

................................  قال المصنف: وقد قال سيبويه في «أمّا الضّرب فضارب» مثل قول الأخفش في «أمّا علما فعالم» 170. قلت: وهو قوله: وإذا قلت: «أمّا الضّرب فضارب» فهذا ينتصب على وجهين: على أن يكون الضرب مفعولا كقولك: «أمّا عبد الله فأنا ضارب».
وعلى قولك: «أمّا علما فعالم» كأنك قلت: أمّا ضربا فضارب، فيصير كقولك: «أمّا ضربا فذو ضرب».
انتهى 171 [3/ 66]. وفي عبارته إشكال يظهر بالتأمّل، ولا أفهم منه موافقة قول الأخفش صريحا.
وقد ردّ مذهب الأخفش من وجهين: أحدهما: أن المصدر المؤكد لا يكون معرفا بالألف واللام؛ لأنهما يخرجانه عن الإبهام إلى التخصيص، ودعوى زيادة «ال» خلاف الأصل.
والثاني: أنه لا يصحّ أن يكون مصدرا مؤكدا إذا كان ما بعد الفاء لا يمكن أن يعمل ما بعده فيما قبله، نحو: «أمّا علما فلا علم له» 172. وأجاز بعض النحويين أن يكون المنصوب بعد «أمّا» من المصادر مفعولا به في التنكير والتعريف، والعامل فيه فعل الشرط المقدّر، فيقدّر متعديا على حسب المعنى، فكأنه قيل: مهما تذكر علما أو العلم فالذي وصف به عالم 173. قال المصنف: وهذا القول عندي أولى بالصواب، وأحقّ ما اعتمد عليه في الجواب؛ لأنه لا يخرج فيه شيء عن أصله، ولا يمنع من اطّراده مانع، بخلاف الحكم بالحالية فإنّ فيه إخراج المصدر عن أصله، بوضعه موضع اسم فاعل وفيه عدم الاطراد لجواز تعريفه، وبخلاف الحكم بأنّه مصدر مؤكّد، فإنّه يمتنع إذا كان بعد الفاء ما لا يعمل ما بعده فيما قبله، وأمّا الحكم بأنّه مفعول به فلا يعرض ما يمنع في لفظ ولا معنى، فكان أولى من غيره، ومما يؤيّده الرجوع إليه على أحسن الوجهين في قول الشاعر: -

الجزء: 5 - الصفحة: 2273

................................  1778 - ألا ليت شعري هل إلى أمّ مالك... سبيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا 174 روي بالرفع على الابتداء، والنصب على تقدير: مهما ترم الصبر، هذا تقدير السيرافي، وهو أسهل من جعل الصبر مفعولا له، وإن كان هو قول سيبويه، والنصب لغة الحجازيين، والرفع لغة تميم كما علمت 175. ثم قال المصنف أيضا: ويؤيده في المصدر مجيئه فيما ليس مصدرا، نحو: «أما قريشا فأنا أفضلها» رواه الفراء عن الكسائي عن العرب، وتقديره: مهما تذكر قريشا أو تصف قريشا، ومثله ما روي يونس عن قوم من العرب أنهم يقولون: «أمّا العبيد فذو عبيد، (وأمّا العبد فذو عبد» 176 تقديره عندي: مهما تذكر العبيد فذو عبيد) 177، ومهما تذكر العبد فذو عبد.
انتهى 178. قال الشيخ: والدليل على فساد ما اختاره المصنف، أنّه لو كان على إضمار الفعل المتعدي الناصب له لم يكن ذلك مختصّا بالمصدر، نحو: «أمّا علما فعالم» أو بالصفات نحو: «أمّا صديقا فصديق» على ما سيأتي، وكان جائزا في كل الأسماء، وقد نصّ سيبويه على أنّه لا يجوز في مثل «أما الحارث فلا حارث لك وأما البصرة... وأمّا أبوك...» إلّا الرفع، وذكر أنّه لا سبيل إلى النصب.
ولو كان النصب على ما اختاره المصنف لجاز، وقال سيبويه - بعد نقل ما رواه يونس -: «وهذا قليل خبيث، وذلك أنهم شبهوه بالمصدر كما شبّهوا «الجماء الغفير» بالمصدر» 179. وأمّا حكاية الكسائي «أمّا قريشا فأنا أفضلها» إن صحت عمّن يحتج بكلامهم فهو قليل، ويخرّج على إضمار المصدر وإبقاء معموله، والتقدير: أمّا ذكرك قريشا، ولا يقاس على ذلك، لأنّ حذف المصدر وإبقاء معموله لا يقاس.
انتهى 180. قال المصنف - بعد كلامه المتقدم -: فلو كان التالي (أمّا) صفة منكرة، نحو: -

الحديث: 1778 - الجزء: 5 - الصفحة: 2274

................................  «أمّا صديقا فصديق» تعينت الحالية، وكان العامل فعل الشرط المقدر، ويجوز أن يكون العامل الصفة التي بعد الفاء، ويكون الحال مؤكدا، وكذلك يجوز الوجهان في «أمّا صديقا فليس بصديق» 181 ومنع المبرد في هذا إعمال (صديق) لاقترانه بالباء، وغيره لا يمنع ذلك؛ لأنّ الباء زائدة، فوجودها كعدمها.
وزعم الأخفش أنّ (صديقا) منصوب بـ (يكون) والتقدير: أمّا أن يكون إنسان فالمذكور صديق.
وردّ المبرد قوله ولم يذكر حجّة الردّ.
والحجة أنّا إذا قدّرنا (أن يكون) لزم كون (أن) وصلتها في موضع نصب على المذهب المختار، وينبغي أن تقدّر قبله (أن يكون) آخر، ويؤدي ذلك إلى التسلسل، وهو محال.
قال الشيخ: ولا يلزم ما قال من كون (أن) وصلتها في موضع نصب، بل يكون في موضع رفع على الابتداء، والتقدير: أمّا كون إنسان صديقا فأنت صديق، والراجع محذوف، أي: فأنت صديق مثله، أي: مثل كونه صديقا، ولو فرضنا أنّ (أن يكون) في موضع نصب، لم يلزم أن يكون منصوبا بـ (أن يكون) مضمرة، بل يكون العامل فيه النصب الوصف الذي بعد الفاء، ويكون (أن يكون) مفعولا له، والتقدير: أمّا لأن يكون إنسان صديقا فالمذكور صديق 182. قال: وإنّما يردّ مذهب الأخفش بأنّ فيه إضمار المصدر وإبقاء معموله، وهو لا ينقاس.
انتهى 183. وقد علمت مما تقدّم: أنّ الواقع بعد (أمّا) إمّا مصدر، أو صفة، أو اسم غير مصدر ولا صفة وكلّ من الثلاثة إمّا معرّف باللام أو منكّر، وتقدّم الكلام على المصدر معرّفا ومنكّرا، مرفوعا ومنصوبا، وعلى الصفة المنكّرة والصفة المعرّفة في الحكم كالاسم غير المصدر وغير الصفة المنكّرة، وقد تبيّن أنّ نصبه قليل، وأنّ الرفع فيه هو الوجه، وذلك قولك: «أمّا العبيد فذو عبيد، وأما العبد فذو عبد، وأمّا عبدان فذو عبدين» وهي أمثلة سيبويه 184، وقال بعد أن مثّل بها: وإنّما اختير -

الجزء: 5 - الصفحة: 2275

[مسوغات تنكير صاحب الحال]

قال ابن مالك: (فصل: لا يكون صاحب الحال في الغالب نكرة، ما لم يختصّ أو يسبقه نفي أو شبهه أو تتقدّم الحال أو تكن جملة مقرونة بالواو، أو يكن الوصف به على خلاف الأصل، أو يشاركه فيه معرفة).
الرفع؛ لأنّ ما ذكرته في هذا الباب أسماء والأسماء لا تجري مجرى المصادر، ألا ترى أنك تقول: «هذا الرجل علما وفقها» ولا تقول: «هو الرجل خيلا وإبلا» فلما قبح ذلك جعلوا ما بعده خبرا له، كأنهم قالوا: «أمّا العبيد فأنت فيهم أو أنت منهم ذو عبيد» أي: لك من العبيد نصيب، كأنّك أردت أن تقول: «أمّا من العبيد، أو أمّا في العبيد فأنت ذو عبيد» إلا أنّك أخّرت (في) و (من) وأضمرت فيهما أسماءهم.
انتهى 185 [3/ 67]. قال ناظر الجيش: قد تقدّم أنّ الحال خبر في المعنى، وأنّ صاحبه مخبر عنه، فأصله أن يكون معرفة، كما أنّ أصل المبتدأ أن يكون كذلك، وكما جاز أن يبتدأ بنكرة بشرط حصول الفائدة وأمن اللبس، كذلك يكون صاحب الحال نكرة بشرط وضوح المعنى وأمن اللبس 186، ولا يكون ذلك في الأكثر إلّا بمسوّغ من المسوّغات الآتي ذكرها، وإنّما قال في المتن: في الغالب وفي الشرح: «في الأكثر» تنبيها على مجيء صاحب الحال نكرة دون مسوّغ لكنّه قليل، ومثّل بقولهم: «عليه مائة بيضا» و «فيها رجل قائما» فإن الحال من المبتدأ وهو نكرة، وسيأتي أنّه مذهب سيبويه 187، وليست من الضمير المستكن في الخبر.
وأمّا المسوّغات التي ذكرها المصنف فسبعة: الأول: اختصاص صاحب الحال إمّا بوصف كقوله تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ 188 أَمْراً مِنْ عِنْدِنا (4). ومنه قول الشاعر: -

الجزء: 5 - الصفحة: 2276

................................  1779 - نجّيت يا ربّ نوحا واستجبت له... في فلك ماخر في اليمّ مشحونا وعاش يدعو بآيات مبيّنة 189... في قومه ألف عام غير خمسينا 190 وإما بإضافة كقوله تعالى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ 191. وكذا وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا 192 بضم القاف والباء.
وإمّا بعمل: «مررت بضارب هندا قائما».
قال الشيخ: والوجه في هذه الصورة الإتباع، لا الحال 193. الثاني: أن يتقدم عليه نفي كقوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ 194 فصاحب الحال (قرية) وحسّن جعله صاحب الحال مع أنّه نكرة محضة تقدّم النفي عليه، كما أنّ تقدّم النفي يحسّن الابتداء بالنكرة وقد مضى الكلام مع الزمخشري في هذه الآية الكريمة 195، في باب الاستثناء ومن ذلك ما تقدّم أيضا من أمثلة أبي علي «ما مررت بأحد إلّا قائما إلّا أخاك» وأنّه جعل -

الحديث: 1779 - الجزء: 5 - الصفحة: 2277

................................  (قائما) حالا من (أحد) لاعتماده على النفي 196 ومنه أيضا قول الشاعر: 1780 - ما حمّ من موت حما واقيا... ولا ترى من أحد باقيا 197 الثالث: أن يتقدم عليه شبه النفي وأراد به النهي والاستفهام، فمثال النهي قول قطري: 1781 - لا يركنن أحد إلى الإحجام... يوم الوغى متخوّفا لحمام 198 ومثال الاستفهام: 1782 - يا صاح هل حمّ عيش باقيا فترى... لنفسك العذر في إبعادها الأملا 199 الرابع: أن يتقدم الحال على صاحبه، كقولك: «فيها قائما رجل».
قال سيبويه - بعد تمثيله بهذا المثال -: لمّا لم يجز أن توصف الصفة بالاسم، وقبح أن تقول: «فيها قائم» فتضع الصّفة موضع الاسم، كما قبح «مررت بقائم وأتاني قائم» جعلت (القائم) حالا وكان المبنيّ على الكلام الأول ما بعده.
-

الحديث: 1780 - الجزء: 5 - الصفحة: 2278

................................  ثم قال: وحمل [النصب] 200 على جواز «فيها رجل قائما» وصار حين أخّر وجه الكلام، فرارا من القبح 201، وأنشد لذي الرمة: 1783 - وتحت العوالي في القنا مستظلة... ظباء أعارتها العيون الجآذر 202 وأنشد لغيره: 1784 - وبالجسم منّي بيّنا لو علمته... شحوب وإن تستشهدي العين تشهد 203 [3/ 68] وأنشد غير سيبويه: 1785 - وما لام نفسي مثلها لي لائم... ولا سدّ فقري مثل ما ملكت يدي 204 ولا يقوى الاستدلال بهذا البيت على ما سيق له؛ لأنّه قد يدّعى أنّ النفي المتقدم هو المسوّغ لذلك، لا تقدّم الحال 205. قال المصنف: أشار سيبويه بقوله: وحمل هذا على جواز «فيها رجل قائما» إلى أنّ صاحب الحال قد يكون نكرة دون مسوّغ من المسوّغات التي تذكر هنا نحو -

الحديث: 1783 - الجزء: 5 - الصفحة: 2279

................................  قوله: «فيها رجل قائما» 206 لكن على ضعف لإمكان الإتباع 207 فإذا قدّم الحال زال الضّعف لتعذّر الإتباع وكان هذا بمنزلة قولنا في الاستثناء: «ما قام أحد إلّا زيد» فإنّ النّصب مع تأخّر المستثنى ضعيف لإمكان الإتباع، فإذا قدّم المستثنى لزم النصب في المشهور من كلامهم لتعذر الإتباع، فظاهر كلام سيبويه: أن صاحب الحال الكائن في نحو: «فيها رجل قائما» هو المبتدأ. وذهب قوم إلى أنّ صاحبه الضمير المستكن في الخبر 208، وقول سيبويه هو الصحيح؛ لأنّ الحال خبر في المعنى، فجعله لأظهر الاسمين أولى من جعله لأغمضهما. وزعم ابن خروف أن الخبر إذا كان ظرفا أو جارّا ومجرورا لا ضمير فيه عند سيبويه والفراء إلا إذا تأخّر، وأمّا إذا تقدّم فلا ضمير فيه 209، واستدلّ على ذلك بأنّه لو كان فيه ضمير إذا تقدّم لجاز أن يؤكد وأن يعطف عليه، وأن يبدل منه كما فعل ذلك مع التأخر 210. الخامس: أن تكون الحال جملة مقرونة بالواو كقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها 211 ومنه قول الشاعر: 1786 - مضى زمن والنّاس يستشفعون بي... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع 212

الحديث: 1786 - الجزء: 5 - الصفحة: 2280

................................  لأنّ الواو رفعت توهم كون الجملة نعتا.
السادس: توقي الوصف بما لا يصلح للوصفية، كقولك: هذا خاتم حديدا، وعندي راقود خلّا».
قال المصنف: ظاهر كلام سيبويه أنّ المنصوب في هذين المثالين وأشباههما منصوب على الحال، وأنّ الذي سوّغ ذلك مع تنكير ما قبله، التخلص من جعله نعتا مع كونه جامدا غير مؤول بمشتق 213، وقد تقدّم أن ذلك يغتفر في الحال؛ لأنّه بالأخبار أشبه منه بالنعوت.
والمشهور في غير كلام سيبويه نصب ما بعد (خاتم) و (راقود) وشبههما على التمييز 214، فلو ما قبله معرفة لم يكن إلا حالا، نحو: «هذا خاتمك حديدا، وهذه جبّتك خزّا».
انتهى 215. ومن أمثلة سيبويه: «مررت ببرّ قفيزا بدرهم»، وحكى: «مررت بماء قعدة رجل» 216. السابع: أن تشترك مع معرفة، نحو: «هؤلاء ناس وعبد الله منطلقين» وقد جعل سيبويه لهذه المسألة بابا فقال: هذا: باب ما غلبت فيه المعرفة النكرة 217.

الجزء: 5 - الصفحة: 2281

[حكم تقديم الحال على صاحبه]

قال ابن مالك: (ويجوز تقديم الحال على صاحبه وتأخيره إن لم يعرض مانع من التّقديم كالإضافة إلى صاحبه، أو من التأخير كاقترانه بـ (إلّا) على رأي، وكإضافته إلى ضمير ما لابس الحال، وتقديمه على صاحبه المجرور بحرف ضعيف على الأصحّ لا ممتنع، ولا يمتنع تقديمه على المرفوع والمنصوب خلافا للكوفيين في المنصوب بالظّاهر مطلقا، وفي المرفوع الظّاهر المؤخّر رافعه عن الحال؛ واستثنى بعضهم من حال المنصوب ما كان فعلا، ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه إلّا أن يكون المضاف جزءه أو كجزئه) 218. قال ناظر الجيش: الحال إمّا أن يقدّم على عامله - وسيأتي الكلام عليه في الفصل بعد هذا - وإمّا على صاحبه وهو المقصود هنا، فاعلم أنّ نسبة الحال من صاحبه نسبة الخبر من المبتدأ، فالأصل تأخيره وتقديم صاحبه، كما أنّ الأصل تأخير الخبر وتقديم المبتدأ، وجواز مخالفة الأصل ثابت في الحال كما كان ثابتا في الخبر، ما لم يعرض موجب البقاء على الأصل أو الخروج عنه، فممّا يوجب البقاء على الأصل الإضافة إلى صاحب الحال مع كون الإضافة محضة 219، نحو: «عرفت قيام زيد مسرعا، وخروج هند مسرعة» فلا يجوز التقديم على (زيد) ولا على (هند) لما يلزم فيه من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، هكذا قيّد المصنف الإضافة بكونها محضة، ولا فرق بينها وبين غير المحضة بالنسبة إلى التقديم على صاحب الحال لما يلزم في ذلك من الفصل بين المتضايفين، فكما لا يجوز التقديم في مثل «عرفت قيام زيد مسرعا» على زيد نفسه كذلك لا يجوز في مثل «هذا شارب السويق ملتوتا الآن أو غدا» تقديم (ملتوتا) على (السويق) نفسه 220. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2282

................................  وأمّا تقديم الحال على المضاف إلى صاحب الحال: فيظهر من كلام المصنف جواز التقديم فيما إضافته غير محضة، ومنعه فيما إضافته محضة، فإنه قال: وإذا كان صاحب الحال مجرورا بإضافة محضة لم يجز تقديم الحال عليه بالإجماع؛ لأنّ نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول فإن كانت الإضافة غير محضة جاز تقديم الحال على المضاف كقولك: «هذا شارب السويق ملتوتا الآن أو غدا» لأنّ الإضافة في نية الانفصال، فلا يعتد بها. انتهى 221. وما ذكره المصنف في صورتي الجواز والامتناع إنما هو بالنسبة إلى عامل الحال 222، والكلام في هذا الفصل إنّما هو بالنسبة إلى صاحب الحال، إلّا أن يقول المصنف: يلزم من تقديمه على العامل تقديمه على صاحب الحال فلذا ذكره هنا. ثم قال المصنف: فإن ورد ما يوهم تقديم حال ما جرّ بإضافة محضة حمل على وجه لا خلاف في جوازه كقول الراجز: 1787 - نحن وطئنا خسّئا دياركم... إذ أسلمت حماتكم ذماركم 223 فقد يتوهم سامع هذا أنّ (خسّئا) بمعنى: بعداء مزدجرين، كقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ 224 فيجعله [3/ 69] حالا من ضمير المخاطبين ويقول: قد تقدّم حال المضاف إليه على المضاف وليس كذلك، ولكن (خسّئا) جمع خاسئ، بمعنى: زاجر، من قولهم: خسأت الكلب، أي: أبعدته وزجرته، فهو حال وصاحبه الفاعل من (وطئنا). وقد يتوهم أنّ (فرّارا) من قول الشاعر: 1788 - ليست تجرّح فرّارا ظهورهم... وفي النّحور كلوم ذات أبلاد 225

الحديث: 1787 - الجزء: 5 - الصفحة: 2283

................................  حال من الهاء والميم، و (ظهورهم) مرفوعة بـ (تجرّح) على أنه مفرّغ وليس كذلك، بل (تجرّح) مسند إلى ضمير الجماعة الموصوفة، وهو صاحب الحال و (ظهورهم) بدل بعض من كل، وهذا توجيه لا تكلف فيه 226. قال الشيخ: ومما يوجب البقاء على الأصل أن يكون العامل في صاحب الحال فعل تعجب نحو: «ما أحسن هندا متجردة» وفيه خلاف يذكر في باب التعجب 227. ومما يوجب الخروج عن الأصل: إضافة صاحب الحال إلى ضمير يعود إلى ما لابس الحال؛ إمّا بإضافة نحو: «جاء زائر هند أخوها».
وإما بغير إضافة نحو: «جاء منقادا لعمرو صاحبه» 228. ومنه أيضا عند قوم - وإليه أشار في المتن بقوله: على رأي - اقتران صاحب الحال بـ (إلّا) نحو: «ما قام مسرعا إلا زيد» وأنشد الأخفش: 1789 - وليس مجيرا أن أتى الحيّ خائف... ولا قائلا إلّا هو المتعيّنا 229 ثم قال: فإنّ هذا ليس بحسن، وهو كلام يجوز في الشعر، وهو مثل «ما أكل إلّا زيد الخبز، وما ضرب إلّا عمرو زيدا» 230 لا تريد به: ما أكل الخبز إلا زيد وما ضرب زيدا إلا عمرو، ولكنك تضمر الفعل بعد المستثنى على قبحه، وكذا إذا ورد نحو: «ما قام إلّا زيد مسرعا» أضمر ناصب الحال بعد صاحبها كقول الراجز: 1790 - ما راعني إلّا جناح هابطا... حول البيوت قوطه العلابطا 231 أراد: ما راعني إلا جناح راعني هابطا، و (جناح) اسم رجل.
-

الحديث: 1789 - الجزء: 5 - الصفحة: 2284

................................  وإذا فقد موجب البقاء على الأصل، وموجب الخروج عنه جاز أن تقدّم الحال على صاحبه مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا بحرف: وأمّا المجرور بالإضافة فقد تقدّم الكلام عليه.
ولمّا كان المجرور بحرف فيه خلاف، وكذا في التقديم على المرفوع والمنصوب أشار المصنف إلى ذلك وبدأ بالمجرور وتقديم حاله عليه ليس بممتنع عند المصنف، لكنه ضعيف، ومنع التقديم أكثر النحويين فلا يجيزون في نحو «مررت بهند جالسة» أن يقال: «مررت جالسة بهند» ودليلهم في منع ذلك أنّ تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه، فحقه إذا تعدّى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة، لكن منع من ذلك خوف التباس الحال بالبدل، وأنّ فعلا واحدا لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين، فجعلوا عوضا من الاشتراك في الواسطة التزام التأخير 232. وبعضهم يعلل منع التقديم بالحمل على حال المجرور بالإضافة.
وبعضهم يعلل بأنّ حال المجرور شبيه بحال عمل فيه حرف جر مضمن معنى الاستقرار، نحو: «زيد في الدار متكئا» فكما لا يتقدم الحال على حرف الجر في هذا وأمثاله، لا يقدّم عليه نحو: «مررت بهند جالسة» 233. قال المصنف 234: وهذه شبه وتخيلات لا تستميل إلّا نفس من لا تثبّت له، بل الصحيح جواز التقديم في نحو: «مررت بهند جالسة» وإنما حكمت بالجواز لثبوته سماعا، ولضعف دليل المنع.
أما ثبوته سماعا ففي قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ 235 وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ (كآفة) صفة لإرساله، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وهو قول الزمخشري 236. والثاني: أن (كآفة) حال من الكاف، وهو قول الزجاج، والتاء فيه للمبالغة 237. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2285

................................  والثالث: أنّ (كآفة) حال من (الناس)، والأصل: للناس كافة، أي: جميعا، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب أبي علي وابن كيسان، أعني تقديم حال المجرور بحرف، حكاه ابن برهان وقال: وإليه نذهب، كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ و (كآفة) حال من (الناس،) وقد تقدم على المجرور باللام، وما استعملت العرب (كافة) قط إلّا حالا.
كذا قال ابن برهان 238، وكذا أقول 239. ولا يلتفت إلى قول الزمخشري [والزجاج.
أما الزمخشري] 240 فإنّه جعل (كافّة) صفة، ولم تستعمله العرب إلا حالا، وهذا شبيه بما فعل في خطبة المفصل من إدخال باء الجرّ عليه، وإضافته، والتعبير به عمّا لا يعقل 241. وليته إذ أخرج (كافة) عن استعمال العرب سلك به سبيل القياس، بل جعله صفة لموصوف محذوف، لم تستعمله العرب مفردا ولا مقرونا بصفة - أعني إرساله - وحق الموصوف المستغني بصفته أن يعتاد ذكره مع صفته قبل الحذف، وأن لا تصلح الصفة لغيره، والمشار إليه بخلاف ذلك فوجب الإعراض عمّا أفضى إليه.
وأمّا الزجاج فبطلان قوله بيّن أيضا؛ لأنّه جعل (كافّة) حالا من مفرد ولا يعرف ذلك في غير محل النزاع، وجعله من مذكر مع كونه مؤنثا، ولا يتأتّى ذلك إلا بجعل تائه للمبالغة وبابه مقصور على السماع، ولا يأتي غالبا ما هي فيه إلّا على أحد أمثلة المبالغة كنسّابة، وفروقة، ومهذارة، وكافة بخلاف ذلك، فبطل أن تكون منها، لكونها على فاعلة، فإن [حملت على راوية] (5) حملت على شاذ الشاذ؛ لأنّ لحاق تاء المبالغة [لأحد أمثلة المبالغة] 242 شاذ، ولما لا مبالغة فيه أشذّ، فيعبر عنه بشاذ الشاذ، والحمل على الشاذ مكروه، فكيف على شاذ الشاذ.
وإذا بطل القولان تعيّن الحكم بصحة القول الثالث، وهو أن يكون الأصل: وما أرسلناك إلا للناس كافة [3/ 70]، فقدّم الحال على صاحبه مع كونه مجرورا.
ومن أمثلة أبي علي في التذكرة: «زيد خير ما تكون خير منك» على أنّ المراد: زيد خير -

الجزء: 5 - الصفحة: 2286

................................  منك خير ما تكون، فجعل (خير ما تكون) حالا من الكاف المجرورة وقدّمه، وهذا موافق لقول ابن برهان. ومن التقديم المشار إليه قول الشاعر: 1791 - فإن تك أذواد أصبن ونسوة... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال 243 أراد: فلن يذهبوا بدم حبال فرغا، أي: هدرا. وحبال: اسم رجل. ومنه: 1792 - لئن كان برد الماء هيمان صاديا... [إليّ حبيبا إنّها لحبيب 244 أراد: لئن كان برد الماء حبيبا إليّ هيمان صاديا] 245. ومنه أيضا. 1793 - إذ المرء أعيته المروءة ناشئا... فمطلبها كهلا عليه شديد 246 أراد: فمطلبها عليه كهلا شديد. ومن ذلك قول الآخر: 1794 - تسلّيت طرّا عنكم بعد بينكم... بذكراكم حتّى كأنكم عندي 247 أراد: تسلّيت عنكم طرّا. وربّما قدّم الحال على صاحبه المجرور وعلى ما يتعلق به الجار، كقول الشاعر: 1795 - غافلا تعرض المنيّة للمر... ء فيدعى ولات حين إباء 248

الحديث: 1791 - الجزء: 5 - الصفحة: 2287

................................  أراد: تعرض المنية للمرء غافلا، ومثله قول الآخر: 1796 - مشغوفة بك قد شغفت وإنّما... حمّ الفراق فما إليك سبيل 249 أراد: شغفت بك مشغوفة.
وإذ قد بيّنت دلائل السماع مستوفاة، فلأبيّن ضعف شبه المنع: فمن ذلك: ادّعاء أنّ حقّ الحال إذا عدّي العامل لصاحبه بواسطة أن يعدّى إليه بتلك الواسطة، فيقال المدّعي ذلك: لا نسلم هذا الحق حتى يترتب عليه التزام التأخير تعويضا، بل حق الحال لشبهه بالظرف أن يستغني عن واسطة، على أنّ الحال أشدّ استغناء عن الواسطة، ولذلك يعمل فيها ما لا يعدّى بحرف جر كاسم الإشارة وحرف التنبيه والتشبيه والتمنّي.
ومن شبه التزام التأخير: إجراء حال المجرور بحرف مجرى حال المجرور بإضافة فيقال لصاحب هذه الشبهة: المجرور بحرف كالأصل للمجرور بالإضافة، فلا يصح أن يحمل حال المجرور [بحرف] 250 عليه لئلّا يكون الأصل تابعا والفرع متبوعا، وأيضا فالمضاف بمنزلة موصول، والمضاف إليه بمنزلة صلته، والحال منه بمنزلة جزء صلته، فوجب تأخيره كما يجب تأخير أجزاء الصلة، وحال المجرور بحرف لا يشبه جزء صلة، فأجيز تقديمه؛ إذ لا محذور في ذلك ومن الشبه: تشبيه باب «مررت بهند جالسة» بباب «زيد في الدار متكئا» وإلحاق أحدهما بالآخر، فيقال للمعتمد على هذا: بين البابين بون بعيد، وتفاوت شديد، فإنّ (جالسة) من قولنا: «مررت بهند جالسة» منصوب بـ (مررت) وهو فعل متصرف لا يفتقر في نصب الحال إلى واسطة، كما لا يفتقر إليها في نصب ظرف أو مفعول له أو مفعول مطلق، وحرف الجر الذي عدّاه لا عمل له إلا الجر، ولا جيء به إلّا لتعدية (مررت) والمجرور به بمنزلة منصوب فيتقدم حاله كما يتقدم حال المنصوب، ولكونه بمنزلة منصوب أجري في اختيار النصب «أزيدا مررت به» مجرى «أزيدا لقيته».
وأمّا (متكئا) في المسألة الثانية فمنصوب بـ (في) لتضمنها معنى الاستقرار، وهي أيضا رافعة ضميرا عائدا على (زيد) وهو صاحب الحال، فلم يجز لنا أن نقدم - - (2/ 746) والتذييل (3/ 747)، والبحر المحيط (7/ 281)، والدر المصون (5/ 447).

الحديث: 1796 - الجزء: 5 - الصفحة: 2288

................................  [متكئا] 251 على (في)؛ لأنّ العمل لها، وهي عامل ضعيف متضمن معنى الفعل دون حروفه، فمانع التقديم في نحو: «زيد في الدار متكئا» غير موجود في نحو «مررت بهند جالسة».
وربّما قدّم الحال في نحو: «زيد في الدار متكئا» 252. وأمّا إذا كان صاحب الحال منصوبا أو مرفوعا: فالبصريون يجيزون تقديم الحال عليه مطلقا نحو: «لقيت راكبة هندا» و «جاء مسرعا زيد».
وأمّا الكوفيون فلهم تفصيل في ذلك 253، وهو أنّهم منعوا تقديم حال المنصوب عليه إذا كان ظاهرا، قالوا: لئلّا يتوهم كون الحال مفعولا وكون صاحبه بدلا، ولكون العلة هذه أجاز بعضهم التقديم إن كان الحال فعلا لزوال المحذور، وهو توهم المفعولية والبدلية، وإلى ذلك الإشارة بقوله: واستثنى بعضهم - أي: بعض الكوفيين - من حال المنصوب ما كان فعلا.
وأما المرفوع فإن كان ضميرا جاز التقديم عليه كقوله تعالى: خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ 254. ومنه قول الشاعر: 1797 - مزبدا يخطر ما لم يرني... وإذا يخلو له الحمى رتع 255 وإن كان ظاهرا لم يجز عندهم تقديم حاله.
وبعض العلماء يزعم أنّ الكوفيين لا يمنعون تقديم حال المرفوع إذا كان الفعل متقدما نحو: «قام مسرعا زيد» وإنّما يمنعون تقديم حال إذا كان الفعل متأخرا، نحو: «مسرعا قام زيد» وهذا القول هو الذي أشار إليه المصنف في المتن بقوله: وفي المرفوع الظاهر المؤخر رافعه عن الحال ولم يذكر ذلك قيدا في المنصوب ولهذا قال: خلافا للكوفيين في المنصوب الظاهر مطلقا أي: قدّم عامله على الحال أو أخّر.
-

الحديث: 1797 - الجزء: 5 - الصفحة: 2289

................................  والصحيح: ما ذهب إليه البصريون لورود السماع بذلك، ولضعف العلة التي أبدوها، فإن (راكبة) من قولنا: «لقيت راكبة هندا» يتبادر الذهن إلى حاليته، فلا يلتفت إلى عارض توهم المفعولية 256. ومن شواهد تقديم الحال على المنصوب الظاهر قول الشاعر: 1798 - وصلت ولم أصرم مسبين أسرتي... وأعتبتهم حتّى يلاقوا ولائيا 257 [3/ 71] أراد: وصلت أسرتي مسبين 258، ومثله قول الحارث بن ظالم: 1799 - وقطّع وصلها سيفي وإنّي... فجعت بخالد طرّا كلابا 259 ومن تقديم الحال عليه أيضا وهو فعل قول الشاعر: 1800 - لن يراني حتى يرى صاحب لي... أجتني سخطه يشيب الغرابا 260 أراد: لن يراني صاحب أجتني سخطه حتى الغراب يشيب.
ومن شواهد تقديم حال المرفوع الظاهر والفعل متقدّم قول الشاعر: 1801 - يطير فضاضا بينهم كلّ قونس... وتتبعها منهم فراش الحواجب 261 ومثله: - - وينظر: الشاهد في المقتضب (4/ 170)، وشرح المصنف (2/ 341)، وشرح الكافية الشافية (2/ 748)، والتذييل (3/ 758). ومزبدا: من أزبد الجمل: إذا ظهر الزبد على مشافره ساعة هياجه.
ويخطر: من الخطر، وهو ضرب الفحل بذنبه حين هياجه.
والحمى: ما يحميه الإنسان فلا يقترب منه أحد، ويروى: لحمي.

الحديث: 1798 - الجزء: 5 - الصفحة: 2290

................................  1802 - فسقى بلادك غير مفسدها... صوب الغمام وديمة تهمي 262 ومثله: 1803 - ترحّل من أرض العراق مرقّش... على طرب تهوي سراعا رواحله 263 ومثله: 1804 - فما كان بين الخير لو جاء سالما... أبو حجر إلّا ليال قلائل 264 ومن تقديمه والفعل متأخر قول العرب: «شتّى تؤوب الحلبة» 265 أي: مفرّقين يرجع الحالبون.
ومثله قول الشاعر: 1805 - سريعا يهون الصّعب عند أولي النّهى... إذا برجاء صادق قابلوا اليأسا 266 وقد تقدّم الكلام على حال المجرور بإضافة بالنسبة إلى تقديمه على المضاف وعدمه، ولم يبيّن أي مضاف إليه يجيء الحال، وقد أشار إليه المصنف في آخر هذا الفصل بقوله: ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه إلا أن يكون المضاف جزأه أو كجزئه.
وينبغي أن يعلم أولا: أنّ حقّ المجرور بالإضافة ألّا يكون صاحب حال كما لا يكون صاحب خبر؛ لأنّه مكمل للمضاف وواقع منه موقع التنوين، فإن كان المضاف بمعنى الفعل حسن جعل المضاف إليه صاحب حال نحو: «عرفت قيام زيد مسرعا وهو راكب الفرس عريان» وإلى هذين المثالين الإشارة بقوله: ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه؛ لأنه يعلم منه أنّ إضافة عامل الحال إلى صاحب الحال جائزة، وأنّ -

الحديث: 1802 - الجزء: 5 - الصفحة: 2291

................................  إضافة ما ليس عاملا في الحال إلى صاحبه غير جائزة إلا إن كان المضاف جزءا من المضاف إليه أو كجزء من المضاف إليه كما تضمنه كلامه 267، فأمّا إضافة عامل الحال إلى صاحبه: فقد تقدّم تمثيله ومنه أيضا قوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً 268. ومثله قول الشاعر: 1806 - تقول ابنتي إنّ انطلاقك واحدا... إلى الرّوع يوما تاركي لا أبا ليا 269 ومثال ما المضاف فيه جزء من المضاف إليه قوله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً 270، ومثال ما هو فيه كجزء قوله تعالى: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً 271 وإنما حسن جعل الذي أضيف إليه جزؤه أو كجزئه صاحب حال؛ لأنه قد يستغنى به عن المضاف، ألا ترى أنه لو قيل في الكلام: ونزعنا ما فيهم من غلّ إخوانا، واتبع إبراهيم حنيفا؛ لحسن، بخلاف الذي يضاف إليه ما ليس بمعنى الفعل، وما ليس جزءا ولا كجزء، فإنّه لا سبيل إلى جعله صاحب حال؛ لأنّه لو قلت: «ضربت غلام هند جالسة» أو نحو ذلك لم يجز بلا خلاف 272. وقد ذكر ابن عصفور وغيره أنّ (إخونا) منصوب على المدح، وأنّ (حنيفا) حال من ملّة على تأولها بـ (دين).
وهذا بناء منهم على أنّ الحال لا تكون من المضاف إليه، إلّا إن كان المضاف عاملا فيه رفعا أو نصبا من حيث المعنى، وهو رأي -

الحديث: 1806 - الجزء: 5 - الصفحة: 2292

[حكم تقديم الحال على عامله]

قال ابن مالك: (فصل: يجوز تقديم الحال على عاملها إن كان فعلا متصرّفا، أو صفة تشبهه، ولم يكن نعتا ولا صلة لـ «أل» أو حرف مصدريّ، ولا مصدرا مقدّرا بحرف مصدريّ، ولا مقرونا بلام الابتداء أو القسم.
ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرّف أو صلة لـ «أل» أو حرف مصدريّ، أو مصدرا مقدّرا بحرف مصدريّ، أو مقرونا بلام الابتداء أو القسم، أو جامدا ضمّن معنى مشتقّ، أو أفعل تفضيل، أو مفهم تشبيه.
واغتفر توسيط ذي التّفضيل بين حالين غالبا.
وقد يفعل ذلك بذي التّشبيه، فإن كان الجامد ظرفا أو حرف جرّ مسبوقا بمخبر عنه جاز على الأصحّ توسيط الحال بقوّة إن كانت ظرفا أو حرف جرّ، وبضعف إن كانت غير ذلك) 273.

  • الأكثرين 274. والذي اختاره المصنف سهل قريب، لا محذور فيه، وهو الظاهر من الآيات الكريمة فيتعين المصير إليه.
    قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على تقديم الحال بالنسبة إلى صاحبه شرع في الكلام على التقديم بالنسبة إلى العامل في الحال.
    وكما انقسم التقديم على صاحب الحال إلى ثلاثة أقسام، كذلك انقسم التقديم على العامل إلى ثلاثة أيضا: قسم يجب فيه التقديم، وقسم يمتنع فيه ذلك، وقسم يجوز فيه الأمران، وقد ذكر المصنف قسمي الجائز والممتنع وأنا أشير إلى الأقسام الثلاثة، قسما قسما، مع مراعاة لفظ المصنف وترتيبه.
    القسم الأول: ما يجوز فيه الأمران، وهو إذا كان العامل فعلا متصرفا نحو: «أتيت مسرعا، وضربت اللصّ مكتوفا» أو صفة تشبه الفعل المتصرف تتضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علامات الفرعية؛ لأنها في قوة الفعل، ويستوي في ذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة، كقول الشاعر [3/ 72]: 1807 - لهنّك سمح ذا يسار ومعدما... كما قد ألفت الحلم مرضى ومغضبا 275

الحديث: 1807 - الجزء: 5 - الصفحة: 2293

................................  قال المصنف: فلو قيل في الكلام: إنّك ذا يسار ومعدما سمح، لجاز؛ لأنّ (سمحا) عامل قوي بالنسبة إلى أفعل التفضيل، لما تقدّم 276. وقال الشيخ جمال الدين بن عمرون في شرح المفصل: ذكر بعضهم تقديم الحال على الصفة المشبّهة، وهو سهو؛ لأنّ الصفة لا يتقدّم معمولها عليها 277. ثم إنّه قد يعرض للعامل المذكور ما يمنع تقدم الحال عليه: وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ولم يكن نعتا... إلى قوله:... ولا مقرونا بلام الابتداء أو القسم إلّا أنّ المصنف عدّ من جملة ذلك كون العامل مصدرا مقدّرا بحرف مصدري، ولم يدخل تحت قوله الأول 278 ليخرجه كما أخرج المذكورات معه، والحكم صحيح، إلّا أنّ هذا ليس موضعه، وتقدير كلام المصنف: ولم يكن العامل نعتا، ولا كذا... ولا مصدرا مقدرا بحرف مصدري، ومثاله: «يعجبني ضرب اللصّ مكتوفا» فلا يجوز يعجبني مكتوفا ضرب اللصّ.
فمن الموانع: وقوع العامل نعتا كقولك: «مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها» فلا يجوز أن يقال: مررت برجل مكسورا سرجها ذاهبة فرسه.
قال الشيخ: فعلى ما قرّره المصنف يمتنع في «مررت برجل مسرع ضاحكا»: مررت برجل ضاحكا مسرع، قال: وهذا وهم منه؛ لأنّ النحاة نصّوا على جواز تقديم معمول النعت عليه، من مفعول به وحال وظرف ومصدر ونحوها، وإنّما منعوا من تقديم المعمول 279 على المنعوت، فيجوز في «مررت برجل يركب الفرس مسرجا»: مررت برجل مسرجا يركب الفرس، ولا يجوز: مررت مسرجا برجل يركب الفرس.
- - (ص 327)، والتذييل (3/ 762). لهنك: لغة في لأنك، وسمح: كريم.

الجزء: 5 - الصفحة: 2294

................................  قال: وامتناع تقديم (مكسورا سرجها) ليس للذي ذكره، بل من حيث قدّم المضمر على مفسّره.
انتهى 280. وفي كون هذه المسألة ممنوعة من جهة تقديم الضمير على مفسّره نظر؛ لأنّه وإن تقدّم عليه لفظا فهو مؤخر رتبة؛ لأنّ (مكسورا) حال من (فرسه) المرفوع بـ (ذاهبة) ورتبة صاحب الحال قبلها، فلم يتقدم الضمير إلّا على مفسّر مقدّم الرتبة وإن كان مؤخرا لفظا، وحينئذ يحصل الإشكال؛ لأنّ الشيخ سلم المنع في هذه الصورة وأسنده إلى شيء لم يثبت 281، والظاهر دعوى الجواز في المثال المذكور إذ لا مانع منه 282، فعلى هذه لا حاجة إلى الاحتراز بقوله: ولم يكن نعتا.
ومن الموانع أيضا: وقوع العامل صلة لـ (أل) نحو: «أنت المصلي فذّا، أو أنا المعتكف صائما» أو لحرف مصدري، نحو: «لك أن تتنقل قاعدا» أو لاختصاص الحال بذلك، بل كل شيء يعلق بالعامل الواقع صلة لـ (أل) أو لحرف مصدري، حالا كان أو غير حال، ممتنع تقديمه عليه فلو كان العامل صلة لاسم غير (أل) لم يمتنع تقديم الحال عليه، كما لا يمتنع تقديم غيرها مثل قولك في «من الذي جاء مفاجئا»: من الذي مفاجئا جاء 283. ومنها: كون العامل مقرونا بلام الابتداء، نحو: «لأصبر محتسبا»، ولام القسم نحو: «لأقومنّ طائعا».
واعلم أنّ معمول مصحوب الأدوات التي تقدم ذكرها من حال أو غيره قد يمتنع -

الجزء: 5 - الصفحة: 2295

................................  تقديمه مطلقا، أي: على الأداة، وعلى مصحوبها، كالمصاحب لـ (أل) وقد يمتنع تقديمه على الأداة مع جواز تقديمه على مصحوبها كالمقرون بلام الابتداء والقسم، كما تقول: لمحتسبا أصبر، ولطائعا أقومنّ.
وأما المصاحب بحرف مصدري فكالمصاحب لـ (أل) عند المصنف 284، ولابن عصفور فيه تفصيل، وهو أنّه إن كان الحرف المصدري عاملا امتنع التقديم، وإن كان غير عامل جاز تقديمه على مصحوبه دونه، نحو: عجبت ممّا ماشيا يجيء زيد، والأصل: مما يجيء زيد ماشيا وهذا التفصيل المذكور بالنسبة إلى الأدوات المذكورة لم يتعرض له المصنف بل حكم بمنع التقديم على العامل من غير تفصيل 285. القسم الثاني: ما يمتنع فيه التقديم، وليعلم أنّ الموجب لمنع التقديم أمران: أحدهما: يرجع إلى ذات العامل، والآخر: يرجع إلى أمر عارض له.
والأول منحصر في خمسة أشياء: وهي كون العامل غير متصرف، أو مصدرا مقدرا بحرف مصدري، أو جامدا ضمّن معنى المشتق، أو أفعل التفضيل، أو مفهم تشبيه.
وأمّا الأمر الآخر فمنحصر في ثلاثة: وهي الأمور التي أوردها المصنف في قسم الجائز، على أنّ عدمها شرط لجواز التقديم 286، ككون العامل صلة إمّا للألف واللام أو لحرف مصدري أو مقرونا بلام الابتداء أو مقرونا بلام القسم.
وإلى تفصيل صور الأمرين معا أشار المصنف بقوله: ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرف... إلى آخره.
وإنّما فصل المصنف في الذكر من الفعل غير المتصرف ومن الجامد وما بعده وكان من حقّه أن يذكره مقرونا بتلك الأمور من جهة أنّ المنع فيها يرجع إلى العامل نفسه؛ لأنّ المصنف أراد أن يجري على بعض الشروط التي تقدّم له ذكرها في قسم الجائز فذكرها مرتبة ثم أتبعها غيرها وقد علمت أنّ صور هذا القسم ثمان، وتقدم تمثيل المصدر المقدر بحرف مصدري والعامل الواقع صلة لـ (ال) أو لحرف مصدري والعامل المقرون بلام الابتداء، والمقرون بلام القسم.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2296

................................  وأما الفعل غير المتصرف فمثاله: «ما أنصرك مستنجدا» 287. وأما الجامد المضمّن معنى مشتق فإما أن يكون حرفا أو شبهه وسيذكران، وإما غيرهما، وذلك: أمّا، وحرف التنبيه والتمني [3/ 73] والترجي، واسم الإشارة، والاستفهام المقصود به التعظيم، والجنس المقصود به الكمال، والمشبّه به، هكذا أوردها المصنف من غير زيادة.
وبسط الشيخ الكلام عليها 288، فنقلت كلامه ملخصا ممزوجا بكلام غيره: أمّا (أمّا): فمثّلها بقولهم: «أمّا علما فعالم، وأمّا صديقا فأنت صديق» وهو غير واضح؛ لأنّ العامل ليس (أمّا) 289 وقد تقدّم الكلام على هذه المسألة.
وأمّا حرف التنبيه واسم الإشارة: فنحو: «هذا زيد قائما» وقد أجازوا أن يكون العامل (ها)؛ لأنه بمعنى: أنبّه، وأن يكون العامل (ذا)؛ لأنه بمعنى: أشير، فنصب قائما بأحدهما، وهو حال من (زيد) في اللفظ، وفي المعنى من الضمير في أنبّه عليه، أو أشير إليه، والمختار أن يكون العامل اسم الإشارة لقربه، وإذا تقرر هذا علم امتناع «قائما هذا زيد» لتقدمه عليهما، وأمّا «ها قائما ذا زيد» فجائز إن كان العامل حرف التنبيه، لا إن كان العامل اسم الإشارة هذا مذهب الجمهور 290، وهو جواز نسبة العمل إلى كل منهما.
وذهب ابن أبي العافية إلى أنّ العامل اسم الإشارة ولا يجوز أن يكون حرف التنبيه، قال: لأنّ الحرف أتي به اختصارا واستغناء عن الفعل، فإعماله بما فيه من معنى الفعل تراجع عما اعترفوه من الاختصار 291. ويقوّي ما ذهب إليه أنّ همزة الاستفهام وحرف الاستثناء وما النافية لا يعمل شيء منها في الحال.
وذهب السهيلي إلى أنّ العامل ليس شيئا منهما، وإنّما العامل (انظر) مقدرا دلّ عليه اسم الإشارة، فإذا قلت: «هذا زيد قائما» فكأنك قلت: انظر إليه قائما، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2297

................................  ومنع تقديم الحال على شيء من أجزاء الجملة قال: لأنّ العامل المقدّر يشبه العامل المعنوي، واسم الإشارة هو الدّال عليه، فلم يجز التقديم 292. وقد ردّ مذهب السهيلي بأنه يلزم منه تقدير عامل لم يلفظ به قط، وأنّ الكلام يصير في تقدير جملتين، وظاهر الكلام أنه جملة واحدة وبأنه قد سمع التقديم على بعض أجزاء الجملة، وهو قد منعه، قال الشاعر: 1808 - أترضى بأنّا لم تجفّ دماؤنا... وهذا عروسا باليمامة خالد 293 وعلى اسم الإشارة أيضا، قال الشاعر: 1809 - ها بيّنا ذا صريح النّصح فاصغ له... وطع فطاعة مهد نصحه رشد 294 وفي هذا البيت الثاني ردّ على ابن أبي العافية فإنّه جعل اسم الإشارة عاملا، ولو كان عاملا لم يتقدم الحال عليه.
وقال جمال الدين بن عمرون: قال السخاوي: إذا قلت: «هذا زيد قائما» إنما صحّ إذا كان المخاطب يعرف زيدا، ولا يجوز إذا أردت تعريف المخاطب بزيد؛ لأنّ معنى الكلام إذ ذاك: هذا زيد في حال قيامه دون حال قعوده، وذا محال فإذا كان المخاطب عرف زيدا كانت الفائدة في الحال، وإذا كان يجهله كانت في المعرفة به.
وأما حرفا التمني والترجي 295: فهما «ليت، ولعلّ» وذكر المصنف (كأنّ) أيضا في الكافية 296، فقال - بعد ذكر (تلك): كذلك ليت ولعل وكأنّ.
فزاد التشبيه، وقد صرح بذكر الثلاثة صاحب المفصل 297 أيضا، وذلك نحو: ليت زيدا مقيما عندنا، ولعلّه، وكأنّك.
-

الحديث: 1808 - الجزء: 5 - الصفحة: 2298

................................  وقال الشيخ: الصحيح أنّ (ليت) و (لعلّ) وباقي الحروف لا تعمل في حال ولا في ظرف، ولا تتعلق بها حروف جرّ إلّا (كأنّ) وكاف التشبيه، قال النابغة: 1810 - كأنّه خارجا من جنب صفحته... سفّود شرب نسوه عند مفتأد 298 ويدلّ على ذلك أنك لو قلت: «ليت زيدا اليوم ذاهب غدا» ونحوه، لم يجز ذلك بإجماع.
قال: وعلل الفارسي منع ذلك في «الحلبيات» بأنّها في دلالتها على المعاني قصد بها غاية الإيجاز، فالألف يغني عن أستفهم، و (ما) عن أنفي و (إنّ) عن أؤكد، فلو أعملت في الظرف والحال ومكنت تمكين الفعل لكان نقضا لما قصدوه.
قال: وهذا التعليل هو الذي أشار إليه ابن أبي العافية في منع عمل حرف التنبيه.
انتهى 299. وقال جمال الدين بن عمرون: إن قيل: إنّ (ها) حرف فلم جاز أن يعمل في الحال، وكذا (يا) و (ليت) و (كأنّ) و (لعلّ) ولم يجز عمل ما في الحروف من معنى الفعل؛ لأنّ الحرف أتي به للاختصار ولذا لا تعمل همزة الاستفهام وحرف الاستثناء و (ما) النافية في الحال؟ نصّ عليه أبو علي في القصريات.
قيل: إنّ (يا) نفس الفعل المعبّر عنه بـ (ناديت) و (ها) هي نفس الفعل المعبّر عنه بـ (نبّهت) وكذا (ليت) و (كأنّ) و (لعلّ) فلمّا كنّ نفس الفعل المعبر عنه بالفعل في (تمنّيت) و (شبّهت) و (ترجّيت) و (نبّهت) و (ناديت) صارت مشاهدتك الفعل دليلا على العبارة عنه، كما إذا رأيت من يضرب فتقول: زيدا، قامت مشاهدتك الفعل مقام لفظك بـ (اضرب) فلذا عملت بخلاف الهمزة في الاستفهام فليست المعبر عنه بـ (استفهمت)؛ لأن (استفهمت) عبارة عن طلب الفهم، فلو قال: افهم، لصحّ أن تقول: استفهم، فعلمت أنّ الهمزة في «أزيد -

الحديث: 1810 - الجزء: 5 - الصفحة: 2299

................................  عندك؟» ليست المعبّر عنها بـ (استفهمت) وكذا حرف الاستثناء، فإن الاستثناء له حدّ، فالاستثناء عبارة عن المحدود بذلك، وكذا النفي ليس عبارة عمّا تحصل الفرق.
انتهى.
وفي كلامه 300 غموض، فليتأمله الواقف عليه، وفهم منه جواز إعمال (ليت) و (لعلّ) في الحال، كما أشار إليه المصنف.
قال الشيخ: وكما فارقته [3/ 74] (كأنّ) وأخواتها فعملت في الظروف والحال فارقتها أيضا في وقوعها نعتا لنكرة، وحالا من معرفة وخبرا لـ (كان) وأخواتها.
قال الشاعر: 1811 - فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة... من الرقش في أنيابها السمّ ناقع 301 وأما الاستفهام المقصود به التعظيم فنحو قولهم: 1812 - يا جارتا ما أنت جاره 302 فـ (جارة) منصوب على الحال، والعامل فيها (ما) الاستفهامية بما تضمنته من معنى التعظيم، فكأنه قال: ما أعظمك جارة.
قال الشيخ: وهذا تفسير معنى.
وتفسير الإعراب؛ أي: عظيمة أنت في حال كونك جارة 303، وهذا عجز بيت للأعشى، وصدره: 1813 - بانت لتحزننا عفاره وأجاز الفارسي أن تكون منصوبة على التمييز بدليل جواز دخول (من) عليه 304، كما قال الآخر: -

الحديث: 1811 - الجزء: 5 - الصفحة: 2300

................................  1814 - يا سيدا ما أنت من سيد 305 وقد ذكره في باب التمييز 306، وسيأتي.
وجوّز بعضهم في (ما) أن تكون نافية تميمية أو حجازية، والنفي على وجهين: أحدهما: ما أنت جارة لبينونتك عنّا.
الثاني: ما أنت جارة بل أعظم من ذلك كقوله تعالى: ما هذا بَشَراً 307. وأمّا الجنس المقصود به الكمال: فنحو «أنت الرجل علما» وقد تقدّم الكلام عليه.
وأمّا المشبّه به: فنحو: «هو زهير شعرا» وتقدّم الكلام عليه أيضا.
ومقتضى كلام المصنف هنا أنّ العامل في الحال المشبّه به، ولهذا امتنع تقدّمها عليه، لكن قد تقدّم أنّ التقدير في ذلك: هو مثل زهير في حال شعر، وحينئذ لا يكون العامل المشبّه به، بل (مثل) المحذوفة، ويكون امتناع تقديم الحال من جهة أنّ العامل صفة لا تشبه الفعل المتصرف، وقد تقدّم استثناؤه، اللهمّ إلّا أن يلغى المحذوف، ويجعل الأول الثاني مجازا للمبالغة فتصحّ نسبة العمل إلى المشبّه به، ولعلّ ذلك مراد المصنف.
وأمّا أفعل التفضيل: فنحو: «هو أكفأهم ناصرا» وكان حق أفعل التفضيل أن يجعل له مزيّة على الجوامد المتضمّنة معنى الفعل؛ لأنّ فيه ما فيهنّ من معنى الفعل، ويفوقهنّ بتضمن حروف الفعل ووزنه، ومشابهة أبنية المبالغة في اقتضاء زيادة المعنى وفيه من الضعف - لعدم قبول علامة التأنيث والتثنية والجمع - ما اقتضى انحطاطه عن درجة اسم الفاعل والصفة المشبّهة فجعل موافقا للجوامد إذا لم يتوسط بين حالين كالمثال المتقدم، وجعل موافقا للصفة المشبّهة إذا توسط نحو: «تمرنا بسرا أطيب منه رطبا» 308 وسيأتي الكلام عليه.
-

الحديث: 1814 - الجزء: 5 - الصفحة: 2301

................................  وأما مفهم التشبيه: فنحو: «زيد مثلك شجاعا، وليس مثلك جوادا».
وكذا إذا حذف (مثل) وضمّن المشبّه به معناه كقولك: «زيد زهير شعرا» و «أبو يوسف أبو حنيفة فقها» ومنه: 1815 - فإنّي اللّيث مرهوبا حماه... وعيدي زاجر دون افتراس 309 هكذا ذكره المصنف، وقد يقال: إذا ذكرت (مثل) فالمانع من التقديم كون العامل صفة لا تشبه الفعل المتصرّف، لا كونه أفهم التشبيه وإن اتفق أنّه كذلك إذا لم تذكر (مثل)؛ لأنّها مراده، ومع ذلك فقد فهم هذا الحكم من قوله أولا عند تعديد أقسام الجامد المضمّن معنى مشتق: والمشبّه به، ومثّله بنحو: «زهير شعرا» فلا فائدة إذا لقوله: أو مفهم تشبيه.
وأمّا الظرف وشبهه: فنحو: «زيد عندك مقيما، وعمرو في الدار قائما» وفي تقديم الحال على العامل هنا خلاف: مذهب سيبويه: المنع مطلقا، أي: صريحة كانت الحال أو غير صريحة 310. ومذهب الأخفش والكسائي والفراء: الجواز مطلقا 311. والمذهب الثالث، ونسبه الشيخ إلى ابن برهان: التفصيل بين أن يكون الحال ظرفا أو شبهه فيصح التقديم، أو غير ذلك فيمتنع 312. والخلاف المذكور جار فيما إذا تقدّمت الحال على عاملها المذكور فقط دون المسند إليه نحو: «زيد قائما عندك، أو في الدار» أمّا إذا تقدّمت عليهما فهي ممتنعة بلا خلاف نحو: «قائما زيد في الدار» 313؛ ولهذا قال المصنف: مسبوقا بمخبر عنه فجعل السبق قيدا في الجواز.
-

الحديث: 1815 - الجزء: 5 - الصفحة: 2302

................................  ومستند سيبويه: أنّ العامل معنوي فلا يقوى في تقدّم معموله عليه وإذا منعوا أن يتقدم معمول الفعل غير المتصرّف فمعمول المعنى أحرى بالمنع. واستدلّ الأخفش ومن وافقه بقراءة بعض السلف: والسماوات مطويات بيمينه 314، وبقول ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: نزلت هذه الآية ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم متواريا بمكة 315. وبقول الشاعر: 1816 - بنا عاذ عوف وهو بادئ ذلّة... لديكم فلم يعدم ولاء ولا نصرا 316 وبقول النابغة: 1817 - رهط ابن كوز محقبي أدراعهم... فيهم ورهط ربيعة بن حذار 317 وبقول الآخر أنشده الفارسي: 1818 - أبنو كليب في الفخار كدارم... أم هل أبوك مدعدعا كعقال 318

الحديث: 1816 - الجزء: 5 - الصفحة: 2303

................................  وبقول الآخر: 1819 - ونحن منعنا البحر أن تشربوا به... وقد كان منكم ماؤه بمكان 319 وقد تأوّل المانع ذلك كله بما يقرب تأويله وما يبعد، واختار المصنف جواز التقديم، غير أنّه جعله قويّا إن كانت الحال ظرفا أو شبهه، وضعيفا إن كانت غير ذلك، فقال: ويضعف [3/ 75] القياس على الصريحة لضعف العامل وظهور العمل... ولا يضعف القياس على تقديم غير الصريحة لشبه الحال فيه بخبر (إنّ) إذا كان ظرفا، فكما استحسن القياس على «إنّ عندك زيدا» لكون الخبر 320 فيه بلفظ الظرف الملغى، ولتوسعهم في الظروف بما لا يتوسع في غيرها بمثله كذا يستحسن القياس على: وقد كان منكم ماؤه بمكان انتهى 321. ولا يظهر لي أنّ قول الشاعر: «وقد كان منكم ماؤه بمكان» مما نحن بصدده؛ لأنّ «منكم» المحكوم بحاليته قد تقدم على العامل المعنوي وعلى المخبر عنه معا، وقد تقدّم أنّ من شرط الجواز ألّا يتقدم على المخبر عنه، وإنّما يحسن الاستشهاد بقول الآخر: 1820 - فقلت له لمّا تكشّر ضاحكا... وقائم سيفي من يدي بمكان 322 أي: وقائم سيفي كائنا من يدي بمكان.
ثم قال المصنف 323: ولا يجري مجرى العامل الظرفي غيره من العوامل المعنوية -

الحديث: 1819 - الجزء: 5 - الصفحة: 2304

................................  باتفاق؛ لأنّ في العامل الظرفي ما ليس في غيره من كون الفعل الذي ضمّن معناه في حكم المنطوق به، لصلاحية أن يجمع بينه وبين الظرف دون استقباح بخلاف غيره فإنه لازم التضمّن غير صالح للجمع بينه وبين [لفظ] 324 ما تضمّن معناه، فلهذا اختص العامل الظرفي بجواز 325 تقديم الحال عليه دون غيره من العوامل المعنوية.
وأجاز الأخفش أيضا في الجملة الحالية المقرونة بالواو إذا كان العامل ظرفا ما أجاز في غيرها، فاستحسن أن يقال: «زيد وماله كثير في البصرة» 326. القسم الثالث: ما يجب فيه تقديم الحال على عاملها وهو الذي لم يتعرض إليه المصنف، وذلك إذا كان الحال اسم استفهام نحو: «كيف جاء زيد؟ وكيف كلّمت عمرا؟» 327. ولنرجع إلى الكلام على أفعل التفضيل إذا توسط بين حالين: وذلك قولك: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» وهذا المثال هو كالعلم على هذه المسألة، وقد اختلف في ذلك؛ فقيل: العامل في (بسرا) اسم الإشارة.
وقيل: حرف التنبيه.
والعامل في (رطبا) (أطيب) على القولين.
وقيل: العامل فيهما (كان) التامة، أي: هذا إذا كان بسرا أطيب منه إذا كان رطبا.
وقيل: العامل (كان) الناقصة، فـ (بسرا) خبر لها، وكذا (رطبا).
فعلى الأقوال الثلاثة الأول لم يتقدم الحال على عاملها المعنوي ولا غيره، وعلى القول الرابع ليس في المسألة حال.
وقيل: العامل فيهما معا أفعل التفضيل 328، وهو (أطيب) وإياه قصد المصنف 329. أمّا القول الأول؛ فنسب إلى جماعة منهم الفارسي في أحد قوليه وقد ضعف من وجوه: أحدها: أنّهم متفقون على جواز «زيد قائما أحسن منه قاعدا وتمر نخلتنا بسرا -

الجزء: 5 - الصفحة: 2305

................................  أطيب منه رطبا» ولا إشارة، والمعنى في الصورة واحد.
الثاني: لو كان العامل (هذا) لوجب أن يكون في حال الخبر عنه بسرا؛ لأنه حال من المشار إليه، ولا شك في أنه يجوز أن يكون على غير ذلك بدليل قولك له وهو رطب أو تمر: «هذا بسرا أطيب منه رطبا».
الثالث: لو كان العامل (هذا) لوجب أن يكون الخبر عن الذات مطلقا؛ لأنّ تقييد المشار إليه باعتبار الإشارة لا يوجب تقييد الخبر بدليل قولك: «هذا قائما» أي: وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون الخبر بـ (أطيب) وقع عن المشار مطلقا فكأنك قلت: «هذا أطيب منه رطبا» إذ وجود الحال وعدمها - إذا كان العامل الإشارة باعتبار الخبر - على السواء، وإذا كان كذلك فسد المعنى؛ لأنّك فضّلت شيئا على نفسه من غير تقييد له فحصل به الأفضلية.
وما أبطل به عمل اسم الإشارة يبطل ببعضه عمل حرف التنبيه.
وأما القول الثالث؛ فنسب إلى سيبويه، وهو ظاهر كلامه، فإنه قال - بعد تمثيله بـ «هذا بسرا أطيب منه رطبا» -: فإن شئت جعلته حينا قد مضى نحو: إذ كان..، وإن شئت جعلته مستقبلا نحو: إذا كان... وإنما قال الناس: هذا منصوب على إضمار (إذا كان) فيما يستقبل، و (إذا كان) فيما مضى؛ لأنّ هذا لمّا كان ذا معناه أشبه عندهم أن ينتصب على إذ كان وإذا كان.
انتهى 330. وعلى ذلك حمل السيرافي كلام سيبويه 331 وأعمل في الظرفين (أطيب)؛ لأنّه بمعنى فعل ومصدر، ومعناه يريد طيبه، فجاز أن يعمل فيهما، وهذا التقدير المذكور إنّما يتّجه إذا كانت الإشارة إليه في غير حال كونه بسرا، فإن أشير إليه وهو تمر قدّر (إذ كان) أمّا إذا أشير إليه وهو بسر فلا يصح تقدير (إذ كان) ولا (إذا كان) وقد بطل أن يكون العامل اسم الإشارة فينبغي أن يكون العامل (أطيب) وإذا صحّ -

الجزء: 5 - الصفحة: 2306

................................  عمل (أطيب) في صورة أمكن عمله في بقية الصور، فرجح اختيار المصنف على هذا، وسيأتي.
وأما القول الرابع؛ وهو أنّ (بسرا) و (رطبا) خبران لـ (كان) الناقصة، فقد ذكره ابن عصفور 332 وهو مخالف لنصّ الجمهور على الحالية.
وأما القول الخامس: وهو أنّ العامل فيهما أفعل التفضيل فهو مختار جماعة منهم المصنف 333، والحال الأولى من الضمير في (أطيب) والثانية من الضمير المجرور بـ (من) وجاز عمل أفعل التفضيل في حالين للعلة التي جاز لها عمله في ظرفين فإنّ لـ (أطيب) جهتين؛ لأنّ معناه: زاد طيبه، فعمل في (بسرا) باعتبار (زاد) وعمل في (رطبا) باعتبار الطيب.
قال المصنف - فور ذكر كلام سيبويه المتقدم -: فهذا نصّ منه على أنّ تقدير (كان) لم تدع إليه [3/ 76] حاجة من قبل العمل، بل من قبيل تقريب المعنى، والعامل إنّما هو أفعل، وقد تقدّم دليل ذلك 334. ثم قال: وغير السيرافي من الشارحين للكتاب مخالفون للسيرافي ذاهبون إلى ما ذهبت إليه (4). ثم قال: قال أبو علي في التذكرة: «مررت برجل خير ما تكون خير منك» وصحح أبو الفتح قول أبي علي في ذلك.
وقال أبو الحسن بن كيسان: تقول: «زيد قائما أحسن منه قاعدا» والمراد: يزيد حسنه في قيامه على حسنه في قعوده، فلما وقع التفضيل في شيء على شيء وضع كل واحد منهما في الموضع الذي يدل فيه على الزيادة ولم يجمع بينهما.
ومثل هذا أن تقول: «حمل نخلتنا بسرا أطيب منه رطبا».
انتهى 335. ولنعلم أنّ أفعل التفضيل المتوسط بين حالين لا يتعين كونه خبرا لمبتدأ، بل قد يقع صفة نحو: «مررت برجل خير ما يكون خير منك خير ما تكون» وقد يقع حالا -

الجزء: 5 - الصفحة: 2307

................................  نحو: «مررت بزيد أصلح ما يكون أصلح منك أصلح ما تكون».
وقال ابن عصفور - في شرح الإيضاح 336 -: اعلم أن نصب الاسمين لا يجوز إلّا في ثلاثة أماكن: أحدها: أن يكون للشيء انتقالان لصحتهما صفة، تلك الصفة أقوى بالنظر إلى أحدهما منها بالنظر إلى الآخر، وذلك نحو: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» وهذا مائحا أقوى منه راعيا.
والآخر: أن يكون الشيء الواحد يعتوره صفتان، وتلك الصفتان لصحتهما صفة هي في أحدهما أكثر منها في الأخرى أو أقل وذلك نحو قولك: «زيد قاعدا أخطب منه قائما، وزيد فارسا أقل مضاء منه راجلا».
والآخر: أن يشترك شيئان في صفة واحدة وتلك الصفة لأحدهما في حال من أحواله أكثر منها للآخر في حال من أحواله أو أقل، وذلك نحو قولك: زيد راجلا أمضى من عمرو فارسا، وزيد فارسا أمضى من عمرو فارسا، وزيد فارسا أقل مضاء من عمرو راجلا» وما عدا ذلك لا يجوز فيه نصب الاسمين بل رفعهما وذلك إذا اشترك الشيئان في صفة واحدة هي لأحدهما أكثر منها للآخر على كلّ حال، وذلك قولهم: «هذا بسر أطيب منه عنب» فـ (بسر) خبر (هذا) و (أطيب) مبتدأ و (عنب) خبره، والجملة في موضع الصفة لـ (بسر) ويجوز أن يكون (أطيب) خبرا مقدما و (عنب) مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة لعمومها.
انتهى.
وقال ابن عصفور - في الشرح أيضا -: وزعم الزجاج أنّ السبب في أن لم تقدّم الحالان فيقال: «هذا بسرا رطبا أطيب منه» أو يؤخّرا فيقال: «هذا أطيب منه بسرا رطبا» أنّهم أرادوا أن يفصلوا بين المفضّل والمفضّل عليه، لئلّا يقع الإلباس بينهما.
وهذا التعليل حسن إلّا أنه لا مانع عندي 337 من أن يقال: «هذا أطيب بسرا منه رطبا» على أن يكون بسرا حالا من الضمير المستتر في (أطيب) و (رطبا) حال -

الجزء: 5 - الصفحة: 2308

................................  من الضمير المجرور بـ (من)؛ لأنّ تقدّم إحدى الحالين على (من) وتأخر الأخرى عنها فاصل بين المفضّل والمفضّل عليه؛ إذ لا يكون بعد (من) إلا المفضول.
انتهى.
ولم يذكر المصنف في الشرح ما احترز عنه بـ (غالبا) في قوله: واغتفر توسيط ذي التفضيل بين حالين غالبا.
ويحتمل أنّ في غير الغالب قد يقدّم الحالان أو يؤخران، لكن قد علمت من كلام الزجاج أن تقديمهما وتأخيرهما غير جائز لعدم السماع، إلا أنّ ابن عصفور أجاز تأخيرهما بالشرط الذي تقدم ذكره، فيمكن صرف غير الغالب في كلام المصنف إلى ذلك.
والله تعالى أعلم.
وقول المصنف: وقد يفعل ذلك بذي التشبيه أي: يتوسط بين حالين فيعمل في أحدهما متقدّما وفي الآخر متأخرا كأفعل التفضيل وأنشد المصنف شاهدا على ذلك: 1821 - أنا فذّا كهم جميعا فإن أم... دد أبدهم ولات حين بقاء 338 وأنشد أيضا: 1822 - تعيّرنا أنّنا عالة... ونحن صعاليك أنتم ملوكا 339 قال: أراد ونحن في حال تصعلكنا مثلكم في حال ملككم، فحذف (مثلا) وأقام المضاف إليه مقامه مضمنا معناه، وأعمله بما فيه من معنى التشبيه 340. ومراد المصنف بقوله: وقد يفعل ذلك 341 أنّه إذا عمل في حالين جاز تقديم أحدهما وتأخير الأخرى كما كان ذلك مع أفعل التفضيل وإلى هذا أشار بقوله: ذلك فلا يرد عليه ما ناقشه الشيخ 342. -

الحديث: 1821 - الجزء: 5 - الصفحة: 2309

[مسألتان بين الحالية والخبرية]

قال ابن مالك: (ولا تلزم الحاليّة في نحو: «فيها زيد قائما فيها» بل تترجّح على الخبريّة، وتلزم هي في نحو: «فيك زيد راغب» خلافا للكوفيين في المسألتين).
وقال الشيخ: وما ذهب إليه المصنف من أنّ أداة التشبيه تعمل في حالين، تتقدّم إحداهما عليها، وكذلك الضمير لقيامه مقام الأداة لا يصحّ؛ لأنها ليست كأفعل التفضيل، فإنه ناب مناب عاملين، وأداة التشبيه ليست كذلك، ولأنّ تقديم الحال على أداة التشبيه غير جائز، ولأنّ إعمال الضمير لا يجوز فالصحيح أن ينتصب (فذّا) و (صعاليك) على إضمار (إذا كان) كأنّه قال: أنا إذا كنت فذّا لهم جميعا، ونحن إذا كنّا صعاليك 343. انتهى وفي بعض كلامه نظر.
قال ناظر الجيش: إذا وجد اسم مخبر عنه مع ظرف أو جار ومجرور وقد صحبهما اسم آخر فقد [3/ 77] يحسن السكوت على المخبر عنه مع الظرف أو المجرور - أي: تتم بهما الفائدة - وقد لا يحسن - أي: لا تتم الفائدة بهما - فهاتان مسألتان: أما الأولى فلها ثلاث صور: إحداها: أن لا يتكرر الظرف ولا المجرور ولا المخبر عنه.
الثانية: أن يتكرر أحدهما دون المخبر عنه.
الثالثة: أن يتكرر أحدهما والمخبر عنه.
أما الصورة الأولى: فيجوز فيها جعل ذلك الاسم المصاحب المخبر عنه والظرف - - فقيرا غنيّا مثلك» ولا «زيد مثلك فقيرا غنيّا».
والمناقشة الثانية: أنه أشار بقوله: (ذلك) من قول: (وقد يفعل ذلك) إلى اغتفار التوسط في أفعل التفضيل بقوله: (غالبا) وهذا لا يمكن تقييده ذلك بقوله: (غالبا) لأمرين: أحدهما: قوله: (وقد يفعل)؛ لأنّ (غالبا) مشعرة بالكثرة، (وقد يفعل) مشعرة بالقلة، فتدافعا.
والأمر الآخر: أنه قد أمكن إبراز صورة ما في أفعل التفضيل على ما ذكره بعض أصحابنا مخالفة للغالب، وهما «هذا بسرا أطيب منه رطبا» وهنا لا يمكن ذلك البتة؛ لأنّ أداة التشبيه لا يمكن أن يفصل بينها وبين مجرورها بحال.
اه.

الجزء: 5 - الصفحة: 2310

................................  خبرا، وحالا بلا خلاف نحو: «في الدار زيد قائم وقائما» فمع النصب يتعين الظرف للخبرية، ومع الرفع جاز كونه خبرا عند من يرى جواز تعدد الخبر، وجاز كونه في محل نصب متعلقا بذلك الاسم الواقع خبرا، وظاهر كلام سيبويه 344 حمله على الثاني؛ لأنه [كما] 345 قال الشيخ: إن قدمت الظرف في هذه الصورة على المخبر عنه كان النصب في الاسم الثالث مختارا عند سيبويه، نحو: «في الدار زيد قائما» لئلا يلغى الظرف متقدما، وإن أخرته عن المخبر عنه كان الرفع هو المختار عنده 346. قال: وقال أبو العباس: التقديم والتأخير في هذا واحد 347. انتهى 348. وكأنّ أبا العباس يسوّى بين النصب والرفع، قدّم الظرف أو أخّر.
وأمّا الصورة الثانية 349: وهي التي أشار إليها المصنف في شرح 350 الكتاب فيجوز فيها الوجهان أيضا، ويحكم برجحان النصب لنزول القرآن العزيز به، كقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها 351 وكقوله تعالى: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها 352. وادّعى الكوفيون أنّ النصب في مثل هذا لازم؛ لأنّ القرآن نزل به لا بالرفع 353. والجواب: أنّ هذا لا يدلّ على أنّ الرفع لا يجوز، بل يدلّ على أنّ النصب -

الجزء: 5 - الصفحة: 2311

................................  أجود منه 354. ولا فرق في اختيار النصب هنا بين أن يتأخر الظرف عن الاسم كما في الآيتين الكريمتين أو يتقدّم على الاسم نحو: «في الدار زيد قائما فيها».
وأما الصورة الثالثة: فهي كالصورة الثانية في جواز الوجهين لكن الرفع راجح فيها على النصب لنزول القرآن العزيز به كقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ 355. وأما المسألة الثانية: وهي أن يكون الظرف أو حرف الجر فيها غير مستغنى به فيتعين جعل الاسم المصاحب فيها خبرا، وأشار المصنف إلى ذلك بقوله: وتلزم هي... إلى آخره؛ أي: الخبرية وسواء تكرر الظرف نحو: «فيك زيد راغب فيك» أو لم يتكرر نحو: «فيك زيد راغب» وأجاز الكوفيون نصب «راغب» وشبهه على الحال 356، وأنشدوا: 1823 - فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها... أخاك مصاب القلب جمّا بلابله 357 قال المصنف: والرواية المشهورة: «مصاب القلب جمّ» بالرفع، على أنّا لا نمنع رواية النصب، بل نجوّزها على أن يكون التقدير: فإنّ بحبّها أخاك شغف أو فتن، فإنّ ذكر الباء داخلة على الحب يدلّ على معنى شغف أو فتن، كما أنّ ذكر (في) داخلة على زمان أو مكان يدلّ على معنى استقرّ، وليس كذلك ذكر (في) داخلة على الكاف كقولك: «فيك زيد راغب» فلا يلزم من جواز نصب «مصاب القلب جمّا» الحكم بجواز نصب (راغب) ونحوه 358. وقد علمت من هذا معنى قول المصنف: خلافا للكوفيين في المسألتين يعني أنّهم يوجبون الحالية في المسألة الأولى، ويجوزونها في المسألة الثانية.

الحديث: 1823 - الجزء: 5 - الصفحة: 2312

[تعدد الحال]

قال ابن مالك: (فصل: يجوز اتّحاد عامل الحال مع تعدّدها واتّحاد صاحبها أو تعدّده بجمع وتفريق، ولا تكون لغير الأقرب إلّا لمانع وإفرادها بعد «إمّا» ممنوع، وبعد «لا» نادر).
قال ناظر الجيش: إذا اتحد عامل الحال فقد تتعدد هي، وصاحبها واحد، وقد تتعدد لتعدد صاحبها، وحينئذ إما أن يمكن جمعها فتجمع، أو لا يمكن فتفرق، وعلى التقديرين قد يتفق إعراب صاحبها المتعدد وقد يختلف، وإذا أتي بها متفرقة جاز أن يلي كل حال صاحبها، وجاز أن يتأخر الحالان عن صاحبيهما فمثال تعدد الحال وصاحبها غير متعدد «جاء زيد مسرعا ضاحكا» وفي جواز تعدّدها مع اتحاد صاحبها خلاف: منع ذلك قوم 359 وأجازه آخرون.
قال المصنف 360: قد تقدّم أنّ للحال شبها بالخبر وشبها بالنعت فكما جاز أن يكون للمبتدإ الواحد والمنعوت الواحد خبران فصاعدا ونعتان فصاعدا فكذلك يجوز أن يكون للاسم الواحد حالان فصاعدا، فيقال: جاء زيد راكبا مفارقا عامرا مصاحبا عمرا» كما يقال في الأخبار: «زيد راكب مفارق عامرا 361 مصاحب عمرا» وفي النعت «مررت برجل راكب مفارق زيدا مصاحب عمرا» وزعم ابن عصفور أنّ فعلا واحدا لا ينصب أكثر من حال واحد لصاحب واحد قياسا على الظرف، وقال: كما لا يقال: «قمت يوم الخميس يوم الجمعة» كذا لا يقال: «جاء زيد ضاحكا مسرعا» واستثنى الحال المنصوب بأفعل التفضيل، نحو: «زيد راكبا أحسن منه ماشيا» قال: فجاز هذا كما جاز في الظرف «زيد اليوم أفضل منه غدا، وزيد خلفك أسرع منه أمامك».
ثم قال: وصحّ ذلك في أفعل التفضيل؛ لأنه قام مقام فعلين، ألا ترى أنّ معنى قولك: «زيد اليوم أفضل منه غدا»: زيد يزيد فضله اليوم على فضله غدا 362. قلت: تنظير ابن عصفور «جاء زيد ضاحكا مسرعا» بـ «قمت يوم الخميس يوم الجمعة» لا يليق بفضله، ولا يقبل من مثله؛ لأنّ وقوع قيام واحد في يوم الخميس -

الجزء: 5 - الصفحة: 2313

................................  ويوم الجمعة محال، ووقوع مجيء واحد في حال ضحك وحال إسراع غير محال [3/ 78]، وإنّما نظير «قمت يوم الخميس يوم الجمعة» «جاء زيد ضاحكا باكيا»؛ لأنّ وقوع مجيء واحد في حال ضحك وحال بكاء محال، كما أنّ وقوع قيام واحد في يوم الخميس ويوم الجمعة محال ولكن المشرفي قد ينبو واللاحقي قد يكبو، على أنه يجوز أن يقال: «جاء زيد ضاحكا باكيا» إذا قصد أن بعض مجيئه في حال ضحك وبعضه في حال بكاء.
انتهى 363. وقال جمال الدين بن عمرون: يجوز أن يكون للاسم الواحد حالتان وأكثر مما يجوز اجتماعه نحو «قام زيد ضاحكا متحدثا» فإن لم يمكن اجتماعهما وصحّ أن يسبك منهما حال واحدة جاز كقولنا: «هذا الطعام حلوا حامضا» أي: مزّا، كما جاز في الخبر.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز، واحتجّ بأنّ الحال كالظرف والفعل إذا أعمل في ظرف لم يجز أن يعمل آخر من جنسه لاستحالة وقوع الفعل الواحد في زمانين أو مكانين، وإذا قلنا «هذا زيد ضاحكا جالسا» فالأولى عاملة في الثانية 364. والصحيح الأوّل؛ لأنّ امتناعه في الظرفين لاستحالة المعنى، وذا مفقود في الحال فحصل الفرق وجاز تعدد الحال كالخبر والصفة.
وتخريجه مثل «هذا زيد ضاحكا جالسا» على أنّ الأولى عاملة في الثانية ليس بشيء؛ لأنّ من الحال ما لا يصح أن يعمل نحو: «هذا زيد أسدا فارسا» ولا يصحّ فيه الصفة، ولأنّ قولنا: «مررت بزيد وجهه حسن جالسا» لا يكون (جالسا) صفة؛ لأنّ الجملة لا توصف، ولا يصح أن يكون معمولا لها.
انتهى 365. وهو يعضد دعوى المصنف وبحثه واستدلاله، وفي منعه أن يكون (فارسا) -

الجزء: 5 - الصفحة: 2314

................................  معمولا لـ (أسد) أو صفة له نظر. ومثال تعدد الحال بجمع مع تعدد صاحبها: «جاء زيد وعمرو مسرعين، ولقي بشر عامرا راكبين». فالأول مثال تعددها بجمع لتعدد صاحبها مع اتحاد إعرابهما، والثاني مثال للتعدد والجمع مع اختلاف الإعراب 366. ومن الأول قول الله عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ 367 ومنه هذه ناقة وفصيلها راتعين» على قول من جعل فصيلها معرفة، وهي أفصح اللغتين، ومن جعله نكرة على تقدير الانفصال قال: «هذه ناقة وفصيلها راتعان» على النعت. ومن الثاني قول عنترة: 1824 - متى ما تلقني فردين ترجف... روانف أليتيك وتستطارا 368 ومثال تعددها بتفريق لتعدد صاحبها: «جاء زيد باكيا، وعمرو ضاحكا» ومثال ذلك والإعراب مختلف «لقيت منحدرا زيدا مصعدا» هذا إذا ولت كلّ ذي حالة حاله، وإذا أخرت الحالين عن صاحبيهما قلت: «جاء زيد وعمرو ضاحكا باكيا، ولقيت زيدا مصعدا منحدرا» والأولى حينئذ أن يجعل أولى الحالين لثاني الاسمين وأخراهما لأولهما، ويتعين ذلك إن خيف اللّبس كالمثال المذكور؛ لأنّه إذا فعل ذلك اتّصل أحد الوصفين بصاحبه وعاد ما فيه من ضمير إلى أقرب المذكورين واغتفر انفصال الثاني وعود ما فيه من ضمير إلى أبعد المذكورين؛ إذ لا يستطاع غير ذلك 369 مع أنّ اللبس مأمون حينئذ، وأما إذا جعل أولى الحالين لأول الاسمين وأخراهما لثانيهما فإنّه يلزم انفصال الوصفين معا، والأصل اتصالهما معا لكنه متعذر فيهما، ممكن في أحدهما، فلم يعدل عن الممكن مما يقتضيه الأصل 370، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم: 1825 - وإنّا سوف تدركنا المنايا... مقدّرة لنا ومقدّرينا 371

الحديث: 1824 - الجزء: 5 - الصفحة: 2315

................................  وقول الآخر: 1826 - عهدت سعاد ذات هوى معنّى... فزدت وعاد سلوانا هواها 372 ويعضد هذا ما نقله ابن عمرون من كلام الرماني أنّه إن لم تكن قرينة حكمنا بأنّ (مصعدا) لـ (زيد) و (منحدرا) للمتكلم؛ لأنّ الحال تلي صاحبها وهو زيد ثم تصير الثانية بمنزلة الاستدراك، كأنّ المتكلم بنى الكلام على «لقيت زيدا مصعدا» ثم استدرك فأحبّ أن يبيّن حالته.
انتهى.
وإلى هذا أشار المصنف بقوله: ولا تكون لغير الأقرب أي: عند التفريق والتأخير، ونبّه بقوله: «إلّا لمانع» على أنّه إذا منع من ذلك مانع وكان اللبس مأمونا جاز جعل الأولى من الحالين للأوّل، والثانية للثاني كقول امرئ القيس: 1827 - خرجت بها أمشي تجرّ وراءنا... على أثرينا ذيل مرط مرجّل 373 وأشار بقوله: وإفرادها بعد (إما) ممنوع... إلى آخره؛ إلى أنه إذا وقعت الحال بعد (إمّا) يجب لها أن تردف بأخرى معادا معها (إمّا) كقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً 374 وأنه إذا وقعت بعد (لا) وجب لها أيضا أن تردف بأخرى معادا معها (لا) كقولك: «من وجد فلينفق لا مسرفا ولا مقترا» إلّا أنّ الإفراد بعد (إمّا) ممنوع مطلقا، أي: في النثر والنظم، وأما الإفراد بعد (لا) فمستباح في الشعر 375 كقوله: -

الحديث: 1826 - الجزء: 5 - الصفحة: 2316

[حذف عامل الحال جوازا أو وجوبا]

قال ابن مالك: (ويضمر عاملها جوازا لحضور معناه أو تقدّم ذكره في استفهام أو غيره، ووجوبا إن جرت مثلا، أو بيّنت ازدياد ثمن أو غيره شيئا فشيئا، مقرونة بـ «الفاء» أو «ثمّ»، أو نابت عن خبر، أو وقعت بدلا من اللّفظ بالفعل في توبيخ وغيره).
1828 - قهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخدائع والمكر 376 قال ناظر الجيش: يجيء الحال منصوبا بعامل 377 [3/ 79] مضمر كما كان ذلك في غيرها من المنصوبات، وذلك على ضربين: الضرب الأول: ما الإضمار فيه جائز، وذلك لسببين: أحدهما حضور معنى العامل، والثاني تقدّم ذكره.
فمثال الأول: قولهم للمرتحل: «راشدا مهديّا» وكذا «مصاحبا معانا» أي: اذهب، وللقادم من سفر: «مأجورا مبرورا» أي: رجعت، وللمحدّث: «صادقا» أي: تقول، ولمن تعرض لأمر: «متعرضا لغنى لم يعنه» أي: دنا، ومعنى لغنى: لأمر عنّ له، أي: عرض، والمراد به أنّه دخل في شيء لا يعنيه 378. وقد جوّزوا الرفع في هذه الأمثلة على إضمار مبتدأ 379. ومثال الثاني: قولك في استفهام: «راكبا» لمن قال لك: «كيف جئت؟» وفي غير استفهام: «بلى مسرعا» لمن قال: «لم تنطلق» بإضمار (جئت) في الأول، و (انطلقت) في الثاني، ومنه قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ 380 بإضمار (نجمعها) وهو تقدير سيبويه 381، وقال الفراء: إنه مفعول بـ (يحسب) دلّ عليه -

الحديث: 1828 - الجزء: 5 - الصفحة: 2317

................................  أَيَحْسَبُ الأول، أي: فليحسبنا قادرين على أن نسوّي بنانه 382. الضرب الثاني: ما يجب فيه الإضمار، وذلك في صور: إحداها: ما جرت الحال فيه مثلا كقولهم: «حظيّين بنات صلفين كنّات» 383 بإضمار (عرفتم) أو نحو ذلك.
الثانية: الحال التي بيّنت ازدياد ثمن شيئا فشيئا نحو: «اشتريته أو أخذته بدرهم فصاعدا» أي: فذهب الثمن صاعدا 384، وهذا الكلام إنما يكون جوابا لمن قال: «بكم اشتريت هذا المتاع؟» فأخبر أن أدناه مشترى بدرهم والثمن حاله الزيادة بعد ذلك 385. وحاصل الأمر: أنه لا يقال في مشترى واحد، إنما يقال في أشياء متعددة مختلفة الأثمان أدون ما فيها بدرهم وما عداه أكثر من درهم.
الثالثة: الحال التي بينت غير الازدياد شيئا فشيئا نحو: «تصدّق بدينار فسافلا» أي: فانحط المتصدق به سافلا 386، وهذا الكلام أيضا إنما يقال: إذا كان المتصدق به متعددا مختلف المقدار، أعلاه دينار وما عداه أقل منه ثم أقل، عكس ما قيل في الصورة الأولى.
وشرط الحال في هاتين الصورتين: أن يكون مصحوبا بـ (الفاء) أو بـ (ثمّ)، كما نبّه عليه في المتن، والفاء أكثر في الكلام؛ نصّ على ذلك سيبويه 387، وعللّ ذلك بأنّ (ثم) للمهلة - ولا معنى للمهلة هنا - وأمّا الواو فلا تدخل في هذا الكلام لعدم إفادتها المعنى المراد.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2318

................................  الصورة الرابعة: الحال النائبة عن خبر نحو: «ضربي زيدا قائما» 388 وقد سبق الكلام عليها في باب المبتدأ.
الخامسة: الحال الواقعة بدلا من اللفظ بالفعل [في] 389 توبيخ وغير توبيخ، فالتوبيخ قولك: «أقائما وقد قعد الناس؟» و «أقاعدا وقد سار الركب؟» وكذا إذا أردت ذلك المعنى - أي: التوبيخ - ولم تستفهم، تقول: «قاعدا قد علم الله وقد سار الركب» 390 ومنه أيضا: «أتميميّا مرّة وقيسيّا أخرى؟» بإضمار (أتتحول؟) 391، و «ألاهيا وقد جدّ قرناؤك؟» أي: أتعبث؟ 392، ومن التوبيخ أيضا قول الشاعر: 1829 - أراك جمعت مسألة وحرصا... وعند الحقّ زحّارا أنانا 393 الأنان: الأنين، والعامل فيه زحّارا؛ لأنّ (زحر) قريب المعنى من (أنّ).
وغير التوبيخ قولك: «هنيئا مريئا» أي: ثبت لك هنيئا أو هنّأه ذلك هنيئا، فعلى إضمار (ثبت) تكون الحال مقيدة وعلى إضمار (هنّأ) تكون الحال مؤكدة، ونصّ على التقديرين سيبويه 394. ويتناول غير التوبيخ الحال المضمر عاملها في الإنشاء كقول الشاعر: 1830 - ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا... وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني 395 أراد: وأعوذ عائذا بك، فحذف الفعل وأقام الحال مقامه كما كان يفعل بالمصدر لو قال: عائذا بك 396. -

الحديث: 1829 - الجزء: 5 - الصفحة: 2319

[حكم حذف الحال]

قال ابن مالك: (ويجوز حذف الحال ما لم تنب عن غيرها أو يتوقّف المراد على ذكرها، وقد يعمل فيها غير عامل صاحبها، خلافا لمن منع ذلك).
ويتناول غير التوبيخ قول النابغة: 1831 - أتاركة تدلّلها قطام... وضنّا بالتّحيّة والسّلام 397 وقد تقدم في باب المفعول المطلق الإعلام بأنّ المبرد يحمل (عائذا) و (أقاعدا) وأشباههما على أنهما مصادر جاءت على وزن فاعل 398، وتبيّن هنالك ضعف مذهبه بالدليل 399، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
قال ناظر الجيش: الحال جائزة الحذف في الأصل لكونها فضلة، ثم إنه قد يعرض لها ما يجعلها بمنزلة العمد، كما يعرض لغيرها من الفضلات، وحينئذ يمتنع الحذف، وذلك أمران: أحدهما: نيابتها عمّا لا يستغنى عنه كالتي سدت مسد الخبر وكالواقعة بدلا من اللفظ بالفعل، وقد تقدم ذكرهما.
الثاني: توقّف فهم المراد على ذكرها، وذلك في صور: الأولى: حال ما نفي عامله أو نهي عنه كقوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ 400، وكقوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى 401، وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً 402. الثانية: الحال المجاب بها استفهام، كقولك: «جئت راكبا» لمن قال: «كيف جئت؟».
الثالثة: الحال المقصود بها حصر كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً 403. -

الحديث: 1831 - الجزء: 5 - الصفحة: 2320

................................  الرابعة: الحال التي لا يتم فائدة الكلام التي هي فيه [3/ 79 مكرر] إلا بذكرها، كقوله تعالى: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ 404، وَهذا بَعْلِي شَيْخاً 405، وكقول الراوي: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الحيوان اثنين بواحد» 406 أي: متفاضلا، وكقول الشاعر: 1832 - إنّما الميت من يعيش كئيبا...... 407 ومما التزم ذكره من الفضلات غير الحال: المجرور في قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ 408، والصفة في قولك: «ما في الدار رجل يبغضك» فلو حذف لَهُ أو (يبغضك) انتفت الفائدة 409. وقوله: وقد يعمل فيها غير عامل صاحبها: قال المصنف: الأكثر أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها؛ لأنها وإياه كالصفة والموصوف ولكنهما أيضا كالمميّز والمميّز، وكالخبر والمخبر عنه، ومعلوم أنّ ما يعمل في المميّز والتمييز قد يكون واحدا وغير واحد، وكذا ما يعمل في الخبر والمخبر عنه، فكذا الحال وصاحبها قد يعمل فيهما عامل واحد وقد يعمل فيهما عاملان.
ومثال اتحاد العامل في الأبواب الثلاثة: «طاب زيد نفسا، وإن زيدا قائم، وجاء زيد راكبا».
ومثال عدم الاتحاد في الثلاثة: «لي عشرون درهما، وزيد منطلق» - على مذهب سيبويه ومن وافقه - وإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً 410 فـ (أمة) حال، والعامل فيها اسم الإشارة، و (أمتكم) صاحب الحال، والعامل فيها (إن.) قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة انتصابه إذا -

الحديث: 1832 - الجزء: 5 - الصفحة: 2321

................................  كان ما قبله مبنيّا على الابتداء؛ لأنّ المعنى واحد في أنّه حال، وأنّ ما قبله قد عمل فيه، ومنعه الاسم الذي قبله أن يكون محمولا على (إنّ) وذلك «إنّ هذا عبد الله منطلقا»، وقال جلّ ذكره: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً 411. وقد تقدّم من كلامه 412 ما يدلّ على أنّ صاحب الحال في: 1833 - لعزّة موحشا طلل 413 هو المبتدأ لا الضمير المستكن في الخبر، وبيّنت رجحان قوله على قول من زعم أنّ صاحب الحال هو الضمير 414. ومن ورود الحال وعاملها غير عامل صاحبها: قولهم: «ها قائما ذا زيد» فنصب الحال بحرف التنبيه وليس له عمل في صاحبها ومنه قول الشاعر: 1834 - ها بيّنا ذا صريح النّصح فاصغ له...... البيت 415 انتهى كلام المصنف 416. وكلام سيبويه يشهد ظاهره بصحة ما ادّعاه، وقد تأول المخالفون ذلك فقالوا: إذا قلنا: «هذا زيد منطلقا» فالعامل في الحال إمّا معنى (ها) وهو: أنبّه، وإما معنى (ذا) وهو: أشير، وليس شيء منهما عاملا في (زيد) الذي هو صاحب الحال، لكن الحال من (زيد) في اللفظ، وفي المعنى من الضمير في «أنبّه عليه» أو «أشير إليه» وإذا كانت الحال من ضمير في أحدهما فالعامل في الحال وصاحبها بالحقيقة -

الحديث: 1833 - الجزء: 5 - الصفحة: 2322

................................  واحد، قال ابن عمرون: إن وقع ما يوهم بظاهره خلاف ذلك - أي: خلاف كون العامل في الحال غير عامل صاحبها فالطف به حتى ترده إلى القاعدة، كما ذكر في «هذا زيد قائما» فقلّ أن يسلم باب من مشكل يتفاضل فيه العلماء، ونقل عن ابن جني أنّه قال: قد يكون العامل في الحال غير العامل في ذي الحال نحو قوله تعالى: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً 417 فالحال هنا من الحق، والعامل فيه هُوَ وحده، أو هُوَ والابتداء الرافع له، وكلا ذانك لا ينصب الحال، وإنّما جاز ذلك؛ لأنّ الحال ضرب من الخبر، والخبر العامل فيه غير العامل في المخبر عنه 418. ثم قال ابن عمرون: رحم الله ابن جني لم ينعم النظر في هذه المسألة، وحقيقة القول أنه حال من المفعول الذي هو الهاء في (أثبته) أو (أحقه).
ثم ليت شعري إذا جعل مُصَدِّقاً حالا من الْحَقُّ وليس بفاعل ولا مفعول فما وجه صحته؟ ثم قال: ومما يدلّ على أنّ العامل فيهما هو العامل في صاحبهما منع سيبويه تقديم حال المجرور بحرف عليه نحو: «مررت قائما برجل»؛ لأنهم علّلوه بأنّ الفعل لمّا لم يصل إلى صاحب الحال إلّا بعد وجود الباء، فكذا لا يصل إلى الحال إلا بعد وجودها.
ثم قال: والجمع بين القول بمنع التقديم هنا وبين جعل (موحشا) في قوله: 1835 - لميّة موحشا طلل 419 حالا من (طلل) دون الضمير مشكل جدّا، لم أر لأحد كشفه، قال: ويحتمل أنّه لمّا عاد إلى متأخر لفظا وهو المفسّر للضمير فهما شيء واحد ضعف تقديم الحال عليه.
انتهى.
وتعليله المذكور غير واضح فليتأمل.
واختار الشيخ أنّ العامل في الحال في مثل «هذا زيد منطلقا» ليس حرف التنبيه ولا اسم الإشارة، قال: فإنهما لا يعملان في الحال، وأنّ العامل في الحال هو العامل في ذي الحال كما هو رأي الأكثرين 420، إلا أنّه لم يقدّر ما تقدّم من قولهم: «أنبّه عليه» أو «أشير إليه» ليجعل الحال بالحقيقة 421 من الضمير، بل قال: العامل محذوف يدل عليه الجملة السابقة، وتقديره انظر إليه منطلقا، وعلّل ذلك بما يوقف -

الحديث: 1835 - الجزء: 5 - الصفحة: 2323

[الحال المؤكدة]

قال ابن مالك: (فصل: يؤكّد بالحال ما نصبها من فعل أو اسم يشبهه، وتخالفهما لفظا أكثر من توافقهما، ويؤكّد بها أيضا في بيان يقين أو فخر أو تعظيم أو تصاغر [3/ 80] أو تحقير أو وعيد خبر جملة جزآها معرفتان جامدان جمودا محضا، وعاملها «أحقّ» أو نحوه مضمرا بعدهما لا الخبر مؤوّلا بمسمّى، خلافا للزّجّاج، ولا المبتدأ متضمّنا تنبيها، خلافا لابن خروف) 422.

  • عليه في كتابه.
    ثم قال: وإذا تقرر هذا فلا يجوز «ها منطلقا ذا زيد» ولا «هذا منطلقا زيد»، فإن ورد شيء من ذلك أضمر له ناصب، ولا ينتصب على الحال.
    انتهى 423. وحاصله: أنه اختار مذهب السهيلي في هذه المسألة، وقد تقدم، وضعفه غير خفي.
    قال ناظر الجيش: الحال المؤكدة نوعان: أحدهما: ما يؤكد عامله، والثاني: ما يؤكد خبر جملة لا عمل لجزءيها فيه، والمؤكد عامله ضربان: ضرب يوافق عامله معنى لا لفظا، وهو كثير، وضرب يوافق عامله لفظا ومعنى، وهو قليل.
    فمن الأول قوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ 424، وقوله: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ 425، وقوله: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً 426، ومنه قول لبيد: 1836 - وتضيء في وجه الظّلام منيرة... كجمانة البحريّ سلّ نظامها 427

الحديث: 1836 - الجزء: 5 - الصفحة: 2324

................................  [وقوله]: 1837 - فعلوت مرتقيا على ذي هبوة... حرج إلى أعلامهنّ قتامها 428 وقال الآخر: 1838 - فإني اللّيث مرهوبا حماه... وعيدي 429 زاجر دون افتراس 430 فـ (مرهوبا) حال مؤكدة للخبر، وهو العامل فيها بما تضمن من معنى التشبيه، فالعامل المؤكد بالحال اسم يشبه الفعل لا الفعل، ومن هذا القبيل أيضا ما مثّل به سيبويه من قولهم: «هو رجل صدق معلوما ذلك» أي: معلوما صلاحه، كذا قدّره سيبويه 431، و «رجل صدق» بمعنى: رجل صالح، فأجري مجراه إذا قيل: هو صالح معلوما صلاحه، ومن هذا القبيل أيضا قول أمية بن أبي الصلت: 1839 - سلامك ربّنا في كلّ فجر... بريئا ما تغنّثك الذّموم 432 فـ (بريئا) حال مؤكدة لـ (سلامك) ومعناه: البراءة مما لا يليق بجلاله، وهو العامل في الحال؛ لأنّه من المصادر المجعولة بدلا من اللفظ بالفعل.
قال المصنف: ومن هذا القبيل عندي: «هو أبوك عطوفا، وهو الحق بيّنا»؛ لأنّ (الأب والحقّ) صالحان للعمل، فلا حاجة إلى تكلف إضمار عامل بعدهما 433. ومن الضّرب الثاني قوله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا 434، وقوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ 435، -

الحديث: 1837 - الجزء: 5 - الصفحة: 2325

................................  ومنه قول امرأة من العرب: 1840 - قم قائما قم قائما... صادفت عبدا نائما وعشراء رائما 436 وقول الآخر: 1841 - أصخ مصيخا لمن أبدى نصيحته... والزم توقّي خلط الجدّ باللّعب 437 وأما النوع الثاني وهو المؤكد بها خبر جملة جزآها معرفتان جامدان فقد أشار إليه المصنف بقوله: ويؤكد بها أيضا... إلى آخره.
ومثاله في بيان اليقين: «هذا زيد معلوما» ومنه قوله سالم بن دارة: 1842 - أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وصل بدارة يا للناس من عار 438 كأنه قال: هو زيد لا شك فيه، وأنا ابن دارة لا شك فيّ.
ومثالها في بيان الفخر: «أنا فلان شجاعا، أو كريما».
ومثالها في بيان التعظيم «هو فلان خليلا مهيبا».
ومثالها في بيان التصاغر: «أنا عبدك فقيرا إلى عفوك».
ومثالها في بيان التحقير: «هو فلان مأخوذا مقهورا».
ومثالها في بيان الوعيد: «أنا فلان متمكنا منك فاتّق غضبي» 439. قال المصنف: ولا تكون هذه الحال أعني المؤكدة لهذه المعاني إلا بلفظ دالّ على معنى ملازم، أو شبيه بالملازم في تقدم العلم به، وأشرت بقولي: أو شبيه بالملازم في -

الحديث: 1840 - الجزء: 5 - الصفحة: 2326

................................  تقدم العلم به إلى قول سيبويه: وذلك أنّ رجلا من إخوانك ومعرفتك أراد أن يخبرك عن نفسه أو غيره بأمر فقال: «أنا عبد الله منطلقا، أو هو زيد منطلقا» كان محالا؛ لأنّه إنّما أراد أن يخبرك بالانطلاق، ولم يقل: هو، ولا: أنت؛ حتى استغنيت أنت عن التسمية؛ لأنّ (هو) و (أنا) علامتان للمضمر، وإنّما يضمر إذا علم أنك قد عرفت من يعني، ثم قال: إلّا أنّ رجلا لو كان خلف حائط، أو في موضع تجهله فيه فقلت: من أنت؟ فقال: «أنا عبد الله منطلقا في حاجتك» كان حسنا 440. قال المصنف: الانطلاق في الأول مجهول، والإعلام به مقصود غير مستغنى عنه، فحقّه أن يرفع بمقتضى الخبرية، والاسم الذي قبله معلوم مستغنى عن ذكره، فحقّه ألّا يجعل خبرا، وإذا جعل خبرا ما حقّه ألّا يكون خبرا، وجعل فضلة ما حقه أن يكون عمدة؛ لزم كون الناطق بذلك محيلا، وكون المنطوق به محالا عمّا هو به أولى، فهذا معنى قول سيبويه: كان محالا وإنّما استحسن قول من قال: «أنا عبد الله منطلقا في حاجتك»؛ لأنّ السائل كان عهده منطلقا في حاجته من قبل أن يقول له: من أنت؟ فصار ما عهده بمنزلة شيء قد ثبت له في نفسه كشجاع وكريم فأجراه مجراه 441. ثم العامل في الحال المذكورة مقدّر بعد الخبر، وهو «أحقّه» أو «أعرفه» إن كان المخبر عنه غير (أنا).
وإن كان (أنا) فالتقدير: أحق أو أعرف أو اعرفني.
وقال الزجاج: الخبر هو العامل مؤولا بمسمّى أو مدعو، ويجعل فيه ضمير المبتدأ، وهو بعيد للزوم أن يتحمل الجامد ضميرا.
وقال ابن خروف: العامل هو المبتدأ، لتضمنه معنى تنبّه 442. وهو أبعد من قول الزجاج، وكلام المصنف في هذا الفصل واضح لا يخفى تطبيقه على ما ذكر.

الجزء: 5 - الصفحة: 2327

[مجيء الحال جملة وحديث عن رابط هذه الجملة]

قال ابن مالك: (فصل: تقع [3/ 81] الحال جملة خبريّة غير مفتتحة بدليل استقبال، مضمّنة ضمير صاحبها، ويغني عنه في غير مؤكّدة، ولا مصدّرة بمضارع مثبت عار من «قد» أو منفيّ بـ «لا» أو «ما» أو بماضي اللّفظ تال لـ «إلّا» أو متلوّ بـ «أو» واو، تسمّى واو الحال، وواو الابتداء، وقد تجاء مع الضّمير في العارية من التّصدير المذكور، واجتماعهما في الاسميّة والمصدّرة بـ «ليس» أكثر من انفراد الضّمير، وقد تخلو منهما الاسميّة عند ظهور الملابسة) 443. قال ناظر الجيش: قد تقدم أنّ الحال خبر من حيث المعنى، ووصف أيضا وكلّ منهما يجوز كونه جملة، فكذلك الحال، وأيضا هي نكرة والجملة نكرة، فجاز أن تقوم مقامها.
قيل: وليس شيء من الفضلات ليس أصله المبتدأ والخبر تقع الجملة موقعه إلّا الحال؛ وذلك لأنّها خبر في المعنى، فجاز فيها ما جاز فيه، ولما كانت وصفا في المعنى اشترط في الجملة كونها خبرية، كما اشترط في الجملة الواقعة نعتا، فلهذا إذا وقعت الطلبية موقع الحال أوّلت كما تؤول الطلبية إذا وردت نعتا، فمن ذلك قولهم: «وجدت النّاس اخبر تقله» 444 أي: مقولا فيهم اخبر تقله 445. ولما كان الاستقبال ينافي الحال اشترط في الجملة الحالية شرط زائد على جملة الصفة وهو كونها غير مفتتحة بما يدلّ على استقبال كالسين، وسوف، ولن، فلا -

الجزء: 5 - الصفحة: 2328

................................  يقال: «جاء زيد سيركب» وقد أورد على ذلك قولهم: «مررت برجل معه صقر صائدا به غدا» وهو من أمثلة سيبويه 446. وأجيب عنه بأنّه قليل، وهو مؤول، والمعنى: مقدرا الصيد به غدا.
فإن قيل: فليجز ذلك في الفعل، ويقدّر أيضا كما قدرتم في هذا.
فالجواب: أنّ «صائدا غدا» اسم وقع في موضعه فتصرّف فيه بخلاف الفعل؛ لأنّه واقع موقع غيره إذا كان حالا.
ويدخل تحت عموم كلام المصنف الجملة المقرونة بإن الشرطية: نحو: «جاء زيد إن يسأل أعطه»؛ لأنّها مفتتحة بدليل استقبال، وهي ممتنعة إن ذكر الجزاء، أما إذا أتى بالشرط وحده فلا 447. تقول: «لأضربنه إن ذهب، أو مكث» والمعنى: ذاهبا أو ماكثا، وجعله بعضهم مثل: «مررت برجل معه صقر صائدا به غدا» والظاهر أن معنى الشرط ملغى هنا؛ لأنّ معنى الكلام: لأضربّنه على كل حال 448، فليس ثمّ شرط تحقق، وإذا لم يكن ثمّ شرط فلا استقبال حينئذ، ومما يؤيد إلغاء معنى الشرط أنّ الجزاء هنا واقع قطعا، وما ذاك إلّا؛ لأنّ الشرط كذلك، فلهذا جاز وقوع جملته حالا.
قال الشيخ: وترك المصنف قيدا آخر وهو ألّا تكون الجملة تعجبية، فلا يجوز «مررت بزيد ما أحسنه» على الحال، هذا على القول بأنّ جملة التعجب خبرية.
انتهى 449. ويظهر أنّ الاحتراز عنها غير لازم؛ لأنّ جملة التعجب معناها منتقل، أو فيه حكم ما ليس بمنتقل، ومن شرط الحال كونها منتقلة، أو في حكمها، إلّا في مواضع تقدّم ذكرها، ليس هذا منها.
وإذا تقرر هذا فاعلم أنّ الجملة الواقعة حالا إمّا اسمية أو فعلية وينتظم تحت القسمين صور: فيدخل تحت الاسمية: المصدرة بمبتدأ، أو بـ (إنّ) أو بـ (كأنّ) أو بـ (لا) -

الجزء: 5 - الصفحة: 2329

................................  التبرئة، أو بـ (ما). ويدخل تحت الفعلية: المصدرة بمضارع مثبت عار من (قد) أو مقرونا بها، أو بمنفي بـ (لا) أو بـ (ما) أو بـ (لم) أو بـ (لمّا) أو بـ (إن) والمصدرة بماض تال لـ (إلّا) أو متلوّ بـ (أو) أو غير تال ولا متلوّ، وحينئذ إما أن يكون مثبتا أو منفيّا فهذه سبع عشرة صورة، ثم منها ما يكون مؤكدا، ومنها ما ليس كذلك. ولا بد للجملة الحالية من رابط يربطها بذي الحال: وذلك شأن كل جملة واقعة موقع مفرد، والرابط هنا إمّا الضمير، وهو الأصل، أو الواو، أو كلاهما. ولكون الضمير أصلا اختصّ بتعيّنه للربط في صور، ولم تختص الواو لفرعيّتها بموضع، بل كل مكان حصل فيه الربط بها جاز مشاركة الضمير لها في ذلك ولهذا بدأ المصنف بذكر الضمير، فقال: مضمنة ضمير صاحبها وهذا يعم الصور المتقدمة كلها. ثم قال: ويغني عنه - أي: عن الضمير - في غير كذا وكذا واو فأشار بذلك إلى الصور التي يتعين الربط فيها بالضمير، وهي ست: الجملة المؤكدة اسمية كانت نحو: «هذا الحق لا ريب فيه» أو فعلية نحو: «هذا الحق قد علمه الناس». والمصدرة بالمضارع المثبت العاري من (قد) نحو: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ 450. أو المنفي بـ (لا) نحو: وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ 451 أو بـ (ما) نحو قول الشاعر: 1843 - عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة... فما لك بعد الشّيب صبّا متيّما 452 والمصدرة بالماضي التالي لـ (إلّا): نحو قوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ 453. أو المتلو بـ (أو) نحو قول الشاعر: 1844 - كن للخليل نصيرا جار أو عدلا... ولا تشحّ عليه جاد أو بخلا 454

الحديث: 1843 - الجزء: 5 - الصفحة: 2330

................................  وذكر ابن عصفور صورة أخرى للجملة: وهي الجملة الابتدائية إذا عطفت على حال، وذلك كراهة اجتماع حرفي عطف نحو: «جاء زيد ماشيا، أو هو راكب» لا يجوز «أو وهو راكب» قال الله تعالى: فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ 455. وبقية الصّور المتقدم ذكرها لا يتعين الربط فيها بالضمير، بل الرابط إمّا الضمير أو الواو أو مجموعهما، إلّا أنّ انفراد الواو أكثر من انفراد الضمير، واجتماعهما أكثر من انفراد أحدهما صرح المصنف بذلك في شرح الكافية 456. فأما انفراد الضمير: فنحو: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ 457، ونحو: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ 458، ونحو: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ 459، ومنه قول ربيعة بن مقروم: 1845 - فدارت رحانا بفرسانهم... فعادوا كأن لم يكونوا رميما 460 [3/ 82] وكقول الآخر: 1846 - فظللت في دمن الدّيار كأنّني... نشوان باكره صبوح مدام 461 ونحو: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ 462، ومنه قول الشاعر: 1847 - من جاد لا منّ يقفو جوده حمدا... وذو ندى منّ مذموم وإن مجدا 463

    • والارتشاف (2/ 364)، ومنهج السالك (213)، والهمع (1/ 246).

الحديث: 1845 - الجزء: 5 - الصفحة: 2331

................................  ونحو: 1848 - فرأيتنا ما بيننا من حاجز... إلّا المجنّ وحدّ أبيض مفصل 464 ونحو: «جاء زيد قد يعلم أني محسن إليه» ونحو: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ 465، وكذا وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً 466، ومنه قول زهير: 1849 - كأنّ فتات العهن في كلّ منزل... نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم 467 ونحو: «جاء زيد لمّا يضحك»، ونحو: «جاء زيد إن يضحك»، ونحو قول الراجز: 1850 - إذا جرى في كفّه الرشاء... جري القليب ليس فيه ماء 468 ونحو قوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ 469 ونحو: «جاء زيد ما استحسنته».
وأما انفراد الواو: فنحو: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ 470، وكذا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ 471، ونحو: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ 472، ونحو: «جاء زيد وكأنّ الوقت ليل» ونحو قول الشاعر: -

الحديث: 1848 - الجزء: 5 - الصفحة: 2332

................................  1851 - له الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا 473 ونحو: «جاء زيد وما الشمس طالعة» ونحو: «جاء زيد وقد [طلعت الشمس] 474»، ونحو قول الشاعر: 1852 - ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر... للحرب دائرة على ابني ضمضم 475 ونحو: «قدم الركب ولمّا تطلع الشمس، أو وأن تطلع الشمس، أو ليست الشمس طالعة، أو قد طلعت الشمس، أو وما طلعت الشمس». وأما اجتماع الضمير والواو فنحو: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ 476 وكذا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ 477 ومثله قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» 478، ومنه قول الشاعر: 1853 - أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي... ومسنونة زرق كأنياب أغوال 479 وقوله: 1854 - ليالي يدعوني الهوى فأجيبه... وأعين من أهوى إليّ روان 480 وأنشد المصنف أيضا شاهدا على ذلك: 1855 - نظرت إليها والنّجوم كأنّها... مصابيح رهبان تشبّ لقفّال 481

الحديث: 1851 - الجزء: 5 - الصفحة: 2333

................................  واستدرك الشيخ عليه فيه، فقال: ليس هذا ممّا اجتمع فيه الواو والضمير، بل وجد فيه الواو خاصة 482، وهو استدراك صحيح، وبقية الأمثلة لا تخفى، فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها.
وقد علم ممّا تقدّم: أنّ كل موضع جاز إغناء الواو فيه عن الضمير يجوز اجتماعهما فيه، وما لا فلا.
ومقتضى هذا: أنّ الجملة المؤكّدة لا تجامع الواو فيها الضمير؛ لأنه قد علم أنّ الواو لا تغني عنه فيها، لكن ليس في عبارة المصنف ما يشعر بذلك فإنه قال: (وقد تجامع - أي الواو - الضمير في العارية من التصدير المذكور) أي: من التصدير بمضارع مثبت عار من (قد) أو منفي بـ (لا) أو بـ (ما) أو بالماضي التالي لـ (إلا) أو المتلوّ بـ (أو) وصدق على الجملة المؤكدة بأنّها عارية من التصدير المشار إليه فينبغي جواز مجامعة الواو للضمير فيها، وليس كذلك 483. واعلم أنّه قد خولف في ثلاث مسائل ممّا تقدم: الأولى: منع الزمخشري انفراد الضمير في الجملة الاسمية، وجعل قولهم: «فوه إلى فيّ» -

الجزء: 5 - الصفحة: 2334

................................  نادر 484. قال المصنف: وهي من المسائل التي حرفته عن الصواب وعجزت ناصره عن الجواب، وقد تنبّه في الكشاف فجعل قوله تعالى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ 485 في موضع نصب على الحال 486، وكذا فعل في قوله تعالى: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ 487؛ فقال: هو جملة محلها النصب على الحال، كأنّه قيل: والله يحكم نافذا حكمه، كما تقول: «جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة» تريد: حاسرا، هذا نصه في الكشاف 488. وعندي أنّ إفراد الضمير أقيس من إفراد الواو؛ لأنّ إفراد الضمير قد وجد في الحال وشبهيها وهما الخبر والنعت.
وإفراد الواو مستغنى بها عن الضمير لم يوجد إلّا في الحال فكان لإفراد الضمير مزية على إفراد الواو.
انتهى 489. وقد كثّر المصنف الشّواهد على صحّة انفراد الضمير 490، وفيما تقدّم منها كفاية.
المسألة الثانية: منع ابن جني إغناء الواو عن الضمير، وزعم أنّه لا بدّ من تقديره معها، فتقدّر «جاء زيد والشمس طالعة»: جاء زيد والشمس طالعة وقت مجيئه، ثم حذف الضمير، ودلت الواو على ذلك 491. وكأنّه يرى أنّ الربط لا يكون بالواو، وخالفه في ذلك الجمهور 492. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2335

................................  المسألة الثالثة: منع الأخفش دخول الواو على الجملة الاسمية إذا كان خبرا المبتدأ فيها اسما مشتقا متقدّما، فلا يجوز «جاء زيد وحسن وجهه» تريد: ووجهه حسن 493، قال: لأنك لو أزلت الواو لانتصب «حسن» فتقول: «مررت بزيد حسنا وجهه».
والجواب: أنّ ما قاله ليس بلازم؛ لأنه يجوز تقدير الحال اسما مفردا ينصب كما ذكر، وتمتنع الواو، ويجوز تقديرها جملة تقدّم خبرها على المبتدأ فيها فترفع، ويجوز دخول الواو [3/ 83] قال الشاعر: 1856 - وقد أغتدي ومعي القانصان... وكلّ بمربأة مقتفر 494 وقال: 1857 - عهدي بها الحيّ الجميع وفيهم... عند التفرّق ميسر وندام 495 هكذا أنشد الشيخ هذين البيتين ردّا على الأخفش 496 ولا يظهر كونهما ردّا عليه؛ لأنّ الخبر المتقدم في الجملة ليس اسما مشتقّا، اللهمّ إلّا أن يريد الأخفش بالمشتق ما كان عاملا فيحسن الاستشهاد عليه بذلك.
وقول المصنف: واجتماعهما في الاسمية والمصدّرة بـ (ليس) أكثر من انفراد الضمير، أمّا الاسمية فقد ذكرت أمثلة اجتماع الضمير والواو فيها، وأمّا المصدرة بـ (ليس) فمن اجتماعهما فيها قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ 497، ومنه قول الشاعر: -

الحديث: 1856 - الجزء: 5 - الصفحة: 2336

................................  1858 - أعن سيّئ تنهى ولست بمنته... وتدعى بخير أنت عنه بمعزل 498 ومثله: 1859 - وقد علمت سلمى وإن كان بعلها... بأنّ الفتى يهذي وليس بفعّال 499 ومن انفراد الواو قول الشاعر: 1860 - دهم الشّتاء ولست أملك عدّة... والصّبر في السّبرات غير مطيع 500 ومثله: 1861 - تسلّت عمايات الرّجال عن الصّبا... وليس صباي عن هواها بمنسل 501 وأما انفراد الضمير فقد تقدّم شاهده، وقد يقال: إنّ كلام المصنف يقتضي أنّ اجتماع الضمير والواو في غير الاسمية والمصدرة بـ (ليس) ليس أكثر، وقد تقدّم أنّ اجتماعهما أكثر من انفراد أحدهما، ولم يقيد ذلك باسمية ولا غيرها.
والجواب: أنّ هاتين الجملتين قلّ انفراد الضمير فيهما حتى إنّ بعضهم منع ذلك في الجملة الاسمية كالزمخشري، وقد تقدّم.
فقصد المصنف أن ينبّه على أنّ انفراد الضمير يقلّ فيهما، فقال: واجتماعهما... أكثر من انفراد الضمير، ولا يلزم أنّ اجتماعهما ليس أكثر فيما عدا المذكور.
وقوله: وقد تخلو منهما الاسمية عند ظهور الملابسة إشارة إلى أنّ الجملة قد تخلو من الضمير والواو معا.
قال المصنف: حكى سيبويه الاستغناء عن الواو بنية الضمير إذا كان معلوما، كقولك: «مررت بالبرّ قفيز بدرهم» أي: قفيز منه بدرهم، وجاز هذا كما جاز في الابتداء «السّمن منوان بدرهم» على تقدير: منه، فلو قيل: بع السمن منوان -

الحديث: 1858 - الجزء: 5 - الصفحة: 2337

قال ابن مالك: (وقد تصحب الواو المضارع المثبت عاريا من «قد» أو المنفي بـ «لا» فيجعل على الأصحّ خبر مبتدأ مقدّر.
وثبوت «قد» قبل الماضي غير التّالي لـ «إلّا» والمتلوّ بـ «أو» أكثر من تركها إن وجد الضّمير، وانفراد الواو حينئذ أقلّ من انفراد «قد»، وإن عدم الضّمير لزمتا) 502.

  • بدرهم، على تقدير: منه، وجعل الجملة حالا لجاز وحسن 503. ومراد المصنف أنها تخلو لفظا، وإلّا فالضمير مقدر، ولهذا صحّ الابتداء بالنكرة، وعبارة سيبويه تشعر بذلك 504. وقوله: واو تسمّى واو الحال، وواو الابتداء أي: للواو المذكورة اسمان، فباعتبار كون ما دخلت عليه حالا سميت واو الحال، وإنما سميت واو الابتداء؛ لأنه قد يجيء بعدها الجملة الابتدائية، وواو الحال أعم.
    ونقل ابن عمرون أنّ صدر الأفاضل 505 قال: الحال بيان هيئة الفاعل والمفعول، وأنت إذا قلت: «تقلّدت سيفي والشمس طالعة» لم يكن طلوع الشمس مبيّنا لهيئة المتقلّد، ولا المتقلّد والواو واو المفعول فيه لا الحال.
    والنحويون سهوا في واوين أحدهما هذه.
    قال ابن عمرون: لمّا لم يقف على المسألة نسب القوم إلى السّهو، وبيان الحال سهل؛ لأنّ معناه: (مبكرا) وشبهه مما يساعد عليه المعنى 506. قال الشيخ: وزعم بعض المتأخرين أنها عاطفة كواو (ربّ) واستدلّ عليه بأنّ (أو) لا يصحّ دخولها عليها، قال تعالى: أَوْ هُمْ قائِلُونَ 507 ولو كانت خلاف العاطفة لم يمتنع ذلك.
    انتهى 508. ويمكن أن يقال: إنّما امتنع دخول (أو) عليها؛ لمشاكلتها العاطف لفظا، لا لأنّها عاطفة حقيقة.
    قال ناظر الجيش: لما قدّم أن الجملة المصدرة بمضارع مثبت عار من (قد) أو بمضارع منفي بـ (لا) لا تصحبها الواو ويتعين الربط فيها بالضمير - أراد الآن أن -

الجزء: 5 - الصفحة: 2338

................................  ينبّه على أنه إن وردت مصحوبة بالواو قدّر بعدها مبتدأ مخبر عنه بالمضارع المذكور لتصير الجملة اسمية فيتّجه مباشرة الواو إيّاها، وكأنه أشار بقوله: على الأصح إلى أنّ بعضهم لا يقدر مبتدأ، ويجعل الواو مباشرة المضارع على قلّة، وقد نقل ابن عمرون ذلك عن الجزولي 509، والوارد من ذلك قول بعض العرب (قمت وأصكّ عينه» رواه الأصمعي 510، وقال عنترة: 1862 - علّقتها عرضا وأقتل قومها... زعما لعمر أبيك ليس بمرغم 511 وقال زهير: 1863 - بلين وتحسب آياتهن... ن عن فرط حولين رقّا محيلا 512 وقال آخر: 1864 - فلمّا خشيت أظافيرهم... نجوت وأرهنهم مالكا 513 قال المصنف: ويمكن أن يكون من ذلك قوله تعالى: قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ 514، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ 515، وقراءة غير نافع: ولا تسئل عن أصحاب الجحيم 516، وقراءة -

الحديث: 1862 - الجزء: 5 - الصفحة: 2339

................................  ابن ذكوان: فاستقيما ولا تتبعان 517 بتخفيف النون 518، وتقدير المبتدأ في الآيات المتقدمة والأمثلة لا يخفى (3). وقد اقتضى الأمر أن يذكر أحوال [3/ 84] المضارع إذا كان منفيّا، فإنّ المصنف تعرّض هنا لذلك وكذا الشيخ أيضا. فاعلم أنّ أدوات النفي التي تصحب الفعل المذكور: (لا، وما، ولم، ولمّا، وإن) ولا تصحبه (لن) لما علمت. أمّا (لا): فقد تقدّم أنّ الفعل المنفي بها لا تصحبه الواو ويتعين الضمير فيه للربط وأنّه إن ورد مقرونا بها قدّر خبر مبتدأ كما في المثبت، والذي يقتضيه كلام ابن عصفور أنّ الواو لا يمتنع دخولها على المضارع المنفي، ولم يفصل بين (لا) وغيرها، وقد صرح ابن عمرون بجواز الواو، وحمل على ذلك وَلا تَتَّبِعانِّ في قراءة من خفف النون، وقد قدّر المصنف فيها مبتدأ، أي: وأنتما لا تتبعان، كما تقدّم 519. وأمّا (ما): فقد حكم لها المصنف بحكم (لا) فمنع الواو، وقد علم من كلام ابن عصفور جواز ذلك 520، وقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في «تعليقته على المقرب» تقول: «جاء زيد وما يضحك غلامه» 521. وأمّا (لم): فقد يأتي المضارع المنفي بها بالضمير فقط، أو بالواو فقط أو بهما، فمثال الأول: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ 522. ومثال الثاني: 1865 - ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر... للموت دائرة على ابني ضمضم 523

الحديث: 1865 - الجزء: 5 - الصفحة: 2340

................................  ومثال الثالث - وهو اجتماع الضمير والواو - قوله تعالى: أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ 524، وقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ 525، ومنه قول كعب بن زهير: 1866 - لا تأخذنّي بأقوال الوشاة ولم... أذنب وإن كثرت فيّ الأقاويل 526 وقول الآخر: 1867 - سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه... فتناولته واتّقتنا باليد 527 وأنشد المصنف شاهدا على انفراد الضمير غير ما تقدم قول الشاعر: 1868 - فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه... يمرّ كخذروف الوليد المثقّب 528 وقول الآخر: 1869 - وأضرب القونس يوم الوغى... بالسّيف لم يقصر به باعي 529 وقول الآخر: 1870 - إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم... عنها ولو أنّي تضايق مقدمي 530 ثم قال: وكثّرت شواهد (لم)؛ لأنّ ابن خروف قال: فإن كانت ماضية معنى لا لفظا احتاجت إلى الواو كان فيها ضمير أو لم يكن، والمستعمل بخلاف ما قاله 531. -

الحديث: 1866 - الجزء: 5 - الصفحة: 2341

................................  وأما (لما): فقال المصنف: المنفي بها كالمنفي بـ (لم) في القياس إلّا أنّي لم أجده مستعملا إلّا بالواو، كقوله تعالى: وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ 532، وقال الشاعر: 1871 - بانت قطام ولمّا يحظ ذو مقة... منها بوصل ولا إنجاز ميعاد 533 وأمّا (إن): فلم يتعرض لذكرها المصنف، وقال الشيخ: لا أحفظه من لسان العرب، والقياس يقتضي جوازه، تقول: جاء زيد إن يدري كيف الطريق. انتهى 534. وإذا كانت (لما) في القياس كـ (لم) وكذا (إن) جاز أن يكون الرابط الضمير وحده، أو الواو وحدها، أو كليهما. ونبّه المصنف بقوله: وثبوت (قد) قبل الماضي... إلى آخر الفصل على أنّ (قد) تصحب الماضي لفظا، إذا لم يكن قبله (إلّا) ولا بعده (أو). والحاصل: أنّ للفعل المذكور باعتبار اجتماع الضمير، والواو و (قد)، وانفراد الضمير، واجتماعه مع الواو أو مع (قد)، واجتماع الواو و (قد) دون الضمير حالات خمسا: الأولى: اجتماع الثلاثة كقوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ 535، وكقوله تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ 536، وقوله تعالى: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ 537، وقال امرؤ القيس: 1872 - أتقتلني وقد شغفت فؤادها... كما شغف المهنوءة الرجل الطّالي 538

الحديث: 1871 - الجزء: 5 - الصفحة: 2342

................................  وقال علقمة: 1873 - تكلّفني ليلى وقد شطّ وليّها... وعادت عواد بيننا وخطوب 539 الحالة الثانية: انفراد الضمير، وهي أقلّ من التي قبلها، وذلك كقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ 540، وكقوله تعالى: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا 541، وكقوله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا 542، وكقوله تعالى: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ 543، ومنه قول امرئ القيس: 1874 - له كفل كالدّعص لبّده النّدى... إلى حارك مثل الغبيط المذأّب 544 وقوله أيضا: 1875 - درير كخذروف الوليد أمرّه... تتابع كفّيه بخيط موصّل 545 الحالة الثالثة: اجتماع الضمير مع الواو وحدها، وهي أقلّ من التي قبلها كقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ 546، وكقوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا 547، وكقوله تعالى: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ 548، وقوله [3/ 85] تعالى: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ 549، وكقوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً 550. -

الحديث: 1873 - الجزء: 5 - الصفحة: 2343

................................  الحالة الرابعة: اجتماع الضمير مع (قد) وحدها، وهي أقلّ من التي قبلها، ومثاله قول الشاعر: 1876 - أتيناكم قد عمّكم حذر العدا... فنلتم بنا أمنا ولم تعدموا نصرا 551 ومثله: 1877 - وقفت بربع الدّار قد غيّر البلى... بيارقها والسّاريات الهواطل 552 الحالة الخامسة: اجتماع الواو و (قد) وهي أقلّ من التي قبلها ومثاله قول امرئ القيس: 1878 - فجئت وقد نضت لنوم ثيابها... لدى السّتر إلا لبسة المتفضّل 553 وقول النابغة: 1879 - فلو كانت غداة البين منّت... وقد رفعوا الخدور على الخيام 554 وقول علقمة: 1880 - فجالدتهم حتّى اتّقوك بكبشهم... وقد حان من شمس النّهار غروب 555 وكون الحالات خمسا، وكل حالة منها أكثر استعمالا من التي بعدها هو مقتضى كلام المصنف في الشرح صريحا، وأمّا كلامه في المتن فغير واف بخمس الصور، على ما فيه من المخالفة لما ذكر في الشرح وذلك من وجهين: أحدهما: قوله: وثبوت (قد) قبل الماضي غير التالي لـ (إلّا) والمتلوّ بـ (أو) أكثر من تركها إن وجد الضمير.
وقال في الشرح: وانفراد الضمير مع التجرد من (قد) والواو أكثر من اجتماعه -

الحديث: 1876 - الجزء: 5 - الصفحة: 2344

................................  مع أحدهما 556. الثاني: قوله: وانفراد الواو حينئذ - أي: حين وجد الضمير - أقلّ من انفراد (قد).
وقال في الشرح: واجتماعه - أي: الضمير - مع الواو وحدها أكثر من اجتماعه مع (قد) وحدها 557. وأمّا لزوم الواو و (قد) إذا لم يكن ضمير فقد أشار إليه بقوله: وإن عدم الضمير لزمتا؛ أي: الواو و (قد).
وقد قال المصنف: وزعم قوم أنّ الفعل الماضي لفظا لا يقع حالا وليس قبله (قد) ظاهرة إلّا وهي قبله مقدرة 558. وهذه دعوى لا يقوم عليها حجّة؛ لأنّ الأصل عدم التقدير ولأنّ وجود (قد) مع الفعل المشار إليه لا يزيد معنى على ما يفهم منه إذا لم توجد، وحقّ المحذوف المقدّر ثبوته أن يدل على معنى لا يدرك بدونه.
فإن قيل: (قد) تدلّ على التقريب - قلنا: دلالتها على التقريب مستغنى عنها بدلالة سياق الكلام على الحالية، كما أغنى عن تقدير السين وسوف سياق الكلام في مثل قوله تعالى: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ 559 ولو كان الماضي معنى لا يقع حالا إلّا وقبله (قد) مقدّرة لامتنع وقوع المنفي بـ (لم) حالا، ولكان المنفي بـ (لما) أولى منه بذلك؛ لأنّ (لم) لنفي (فعل) و (لمّا) لنفي (قد فعل) وهذا واضح لا ريب فيه.
وأجاز بعض من قدّر (قد) قبل الفعل الماضي الاستغناء عن تقديرها بجعل الفعل صفة لموصوف مقدّر 560، وهو أيضا تكلّف شيء لا حاجة إليه.
انتهى 561. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2345

[الجملتان المفسرة والاعتراضية وعلاقتهما بالحالية]

قال ابن مالك: (فصل: لا محلّ إعراب للجملة المفسّرة، وهي الكاشفة حقيقة ما تلته ممّا يفتقر إلى ذلك، ولا للاعتراضيّة وهي المفيدة تقوية بين جزأي صلة أو إسناد أو مجازاة أو نحو ذلك، ويميّزها من الحاليّة امتناع قيام مفرد مقامها، وجواز اقترانها بالفاء و «لن» وحرف تنفيس وكونها طلبية، وقد تعترض جملتان خلافا لأبي علي) 562.

  • وفي جعل الفعل صفة شيء آخر، وهو دعوى حذف الموصوف مع كون الصفة جملة، وهي لا يحذف موصوفها إلا بشرط هو مفقود هنا.
    قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على الجملة الحالية، وكان من الجمل جملتان تشبهانها وتغايرانها وجب التنبيه عليهما، ما يتميزان به والجملتان هما المفسّرة والاعتراضية، وكلتاهما لا موضع لها من الإعراب.
    أما المفسّرة: فهي المبينة حقيقة شيء متقدّم عليها مفتقر إلى البيان وهو معنى قول المصنف: وهي الكاشفة حقيقة ما تلته مما يفتقر إلى ذلك، كقوله تعالى: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ (2) بعد قوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ 563. وكقول النابغة: «يكوى غيره وهو راتع» من قوله: 1881 - تكلّفني ذنب امرئ وتركته... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع 564 وذهب بعضهم 565 إلى أن حكم المفسّرة حكم ما فسّرته، فإن كان له موضع من الإعراب فلها موضع على حسبه، وإلّا فلا.
    ومقتضى هذا أنّ مفسّرها متى كان مفردا كان لها موضع من الإعراب؛ لأنّ المفرد لا بدّ له من الإعراب لفظا أو محلّا، ومتى كان مفسّرها جملة ولها محلّ من الإعراب فكذلك، وإن لم يكن لها محلّ -

الحديث: 1881 - الجزء: 5 - الصفحة: 2346

................................  فالمفسّرة مثلها، وعلى هذا يكون (خلقه) في محل جرّ؛ لأنّ مفسّرها مجرور، وكذلك «يكوي غيره وهو راتع» لأنّ مفسرها كذلك، ومثّل الشيخ لما له موضع من الإعراب بقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ 566 قال: فـ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ في موضع نصب؛ لأنه تفسير للموعود به، ولو صرح به لكان في موضع نصب.
انتهى 567. ولم أتحقق ما ذكره [3/ 86]، وقال أبو علي الشلوبين: قول النحويين أنّ التفسير لا موضع له من الإعراب ليس على ظاهره مطلقا، والتحقيق في ذلك: أنه على حسب ما يفسره، فإن كان له موضع كان المفسّر له موضع، وإلّا فلا، مثال ما لا موضع له: (ضربته) من «زيدا ضربته» فإنّه فسّر عاملا في (زيد) وذلك العامل لا موضع له إن ظهر فالمفسّر مثله، ومثال ما له موضع: (خلقنه) من قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ 568؛ لأنّه فسّر ما له موضع من حيث وقوعه خبرا أيضا ويوضحه ظهور الرفع في المفسّر وهو دليل قوي على ما ذكرنا.
وكذلك مسألة الكتاب 569 «إن زيدا تكرمه يكرمك» فـ (تكرمه) تفسير للعامل في (زيد) وقد ظهر الجزم.
انتهى 570. وهو كلام محقق، ولعلّ المصنف لا ينازع في ذلك، فإنه لم يرد بالمفسّرة إلا ما عرّفها به من أنها تكشف حقيقة متلوها المفتقر إلى البيان، ولا يصدق هذا على الجملة الواقعة بعد الاسم المشتغل عنه، وإنما أطلق عليها تفسيرية لكونها دالّة على المحذوف، والتفسيرية المذكورة هنا أخصّ والذي يقطع بأن المصنف لم يقصد الجملة الواقعة في باب الاشتغال قوله: إنّ المفسّرة والاعتراضية تشبهان الحالية فلهذا وجب التنبيه عليهما 571. وليست الجملة في «زيدا ضربته» توهم الحالية، ولا تلبس بها فتدخل في مقصود المصنف 572. ونقل الشيخ عن الصفار أنه قال في شرح الكتاب: لا تفسّر الجملة إلا بمثلها، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2347

................................  ولا المفرد إلّا بمثله، فإن جاء خلاف ذلك لم يكن، وذلك قوله تعالى: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ 573 فهذه الجملة مفسّرة لـ (آدم،) وكذلك: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ 574 ثم قال: (تؤمنون) 575. انتهى 576. وجعله الجملة المفسّرة لـ (آدم) غير ظاهر، والظاهر أنها تفسير لـ (مثل آدم).
وأما الاعتراضية: فهي الواقعة بين متلازمين، أو كالمتلازمين لتفيد تقوية أي: للكلام التي اعترضت بين أجزائه.
قال الشيخ: قال في البسيط: وشرطها أن تكون مناسبة للجملة المقصودة، بحيث يكون كالتوكيد لها، أو التنبيه على حال من أحوالها، وألّا تكون معمولة لشيء، من أجزاء الجملة المقصودة، وألّا يكون الفصل بها إلّا بين الأجزاء المنفصلة بذاتها، بخلاف المضاف والمضاف إليه؛ لأنّ الثاني كالتنوين منه.
انتهى 577. ولا يظهر قوله: ألا تكون معمولة لشيء من أجزاء الجملة؛ لأنّ الاعتراضية لا موضع لها من الإعراب، فلا حاجة إلى اشتراط ذلك.
ووقوع الجملة المذكورة إمّا بين موصول وصلته نحو قول الشاعر: 1882 - ماذا ولا عتب في المقدور رمت أما... يحظيك بالنّجح أم خسر وتضليل 578 وقول الآخر: 1883 - ذاك الّذي وأبيك يعرف مالكا... والحقّ يدفع ترّهات الباطل 579 وإمّا بين ما هو مؤول بموصول وبين معموله نحو قول الشاعر: 1884 - وتركي بلادي والحوادث جمّة... طريدا وقدما كنت غير مطرّد 580 وعبّر المصنف عن الموصول وصلته، وعمّا ذكر بعده بقوله: جزأي صلة وناقشه -

الحديث: 1882 - الجزء: 5 - الصفحة: 2348

................................  الشيخ فيه، والأمر في ذلك قريب. وإمّا بين جزأي إسناد نحو قول الشاعر: 1885 - وقد أدركتني والحوادث جمّة... أسنّة قوم لا ضعاف ولا عزل 581 وإما بين شرط وجواب كقوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى 582 على أحد القولين 583، ومنه قول عنترة: 1886 - إمّا تريني قد نحلت ومن يكن... غرضا لأطراف الأسنّة ينحل فلربّ أبلج مثل بعلك بادن... ضخم على ظهر الجواد مهبّل غادرته متعفّرا أوصاله... والقوم بين مجرّح ومجدّل 584 وقوله: أو نحو ذلك يعني أو نحو ما تقدّم وذلك لوقوعها بين قسم وجوابه كقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ 585، ومنه قول الشاعر: 1887 - لعمري وما عمري عليّ بهيّن... لقد نطقت بطلا عليّ الأقارع 586 وبين نعت ومنعوت نحو قوله: لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، وبين فعل ومفعوله نحو: 1888 - وبدّلت والدّهر ذو تبدّل... هيفا دبورا بالصّبا والشّمأل 587

الحديث: 1885 - الجزء: 5 - الصفحة: 2349

................................  وبين (كأنّ) واسمها، نحو قول الشاعر: 1889 - كأنّ وقد أتى حول جديد... أثافيها حمامات مثول 588 وأشار المصنف بقوله: ويميزها من الحالية... إلى آخره، إلى أنّ الفارق بين الجملة الاعتراضية والجملة الحالية ثلاثة أمور: الأول: امتناع قيام مفرد مقامها إذا كانت اعتراضية، وجوازه إذا كانت حالية.
قال المصنف: فلو أقمت مفردا مقام «ولا عتب في المقدور» لوجدته ممتنعا، وكذا سائر الأمثلة التي بعده 589. الأمر الثاني: جواز اقتران الاعتراضية بالفاء أو بـ (لن) أو بحرف تنفيس.
فمثال الأول قوله تعالى: فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما 590. ومنه قول الشاعر [3/ 87]: 1890 - ألا أبلغ بنيّ بني ربيع... فأشرار البنين لهم فداء بأنّي قد كبرت وطال عمري... فلا تشغلهم عنّي النّساء 591 وقول الآخر: 1891 - واعلم فعلم المرء ينفعه... أن سوف يأتي كلّ ما قدرا 592 ومثال الثاني قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا 593. - - والهيف: ريح حارة تأتي من قبل اليمن، والدبور: ريح مهبها مغرب الشمس، والصّبا: مهبها مطلع الشمس.

الحديث: 1889 - الجزء: 5 - الصفحة: 2350

................................  ومثال الثالث قول زهير: 1892 - وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء 594 الأمر الثالث: كونها طلبية، كقوله تعالى: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ 595 فـ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ جملة معترضة بين تُؤْمِنُوا وأَنْ يُؤْتى أَحَدٌ. ومن ذلك قوله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ (3) اعترضت بين فَاسْتَغْفَرُوا (4) ولَمْ يُصِرُّوا 596 وهما جملتان معطوف إحداهما على الأخرى في صلة الَّذِينَ. ومن ذلك قول الشاعر: 1893 - إنّ سليمى - والله يكلؤها -... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها 597 فقوله: «والله يكلؤها» دعاء، وقد اعترضت بين اسم (إنّ) وخبرها. وأراد المصنف بجعله وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ طلبية، أنها طلب في الصورة، وإن كانت خبرا من حيث المعنى. وزعم أبو علي أنّ الاعتراض لا يكون إلّا بجملة واحدة 598. وردّ المصنف ذلك عليه، فإنّ الاعتراض بجملتين كثير، ومنه قول زهير: 1894 - لعمر أبيك والأنباء تنمي... وفي طول المعاشرة التّقالي لقد باليت مظعن أمّ أوفى... ولكن أمّ أوفى لا تبالي 599

الحديث: 1892 - الجزء: 5 - الصفحة: 2351

................................  ومن ذلك قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ 600. وقال الزمخشري: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ 601 اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وهما فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً 602 وأَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى 603. وهذا اعتراض بكلام تضمّن سبع جمل.
انتهى 604. وقال الشيخ: بل هي أربع: جملة (لو) وجملة جوابها، وجملة الاستدراك، وجملة العطف عليه.
انتهى 605. وقد يقال: جملة (لو) وجملة جوابها في حكم جملة واحدة، وعلى هذا يكون الاعتراض بثلاث جمل لا غير.
وينبغي أن يتعرض هنا لذكر الجمل، وتمييز ما له محلّ منها مما ليس له ذلك: والضابط فيه أنّ كل جملة وقعت موقع مفرد كان لها محلّ، وما لا فلا، وقد قسمت الجمل بالاعتبار المذكور إلى ثمانية أقسام، أربعة منها لها محلّ، وهي: جملة الخبر، والحال، والصفة، والمضاف إليها، وكل منها مذكور في بابه.
وأربعة منها ليس لها محلّ، وهي: الجملة الابتدائية، والجملة الموصول بها، والجملة المفسّرة، والجملة الاعتراضية.
وقال الشيخ: إنّ الجمل التي لا محلّ لها اثنا عشر قسما فذكر الأربعة المشار إليها، وذكر أقساما كلها ترجع إلى الجملة الابتدائية، وعدّد أيضا صورا من الجمل التي لها محلّ، والكلّ داخل تحت الضابط المتقدّم 606، فتركت التعرّض له لذلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 2352

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل