الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]
قال ابن مالك: (باب إعراب الفعل وعوامله).
قال ناظر الجيش: قد تقدم في أوائل الكتاب أن المعرب من الأفعال هو المضارع الذي لم يتصل به نون توكيد ولا نون إناث؛ فلذلك استغنى المصنف عن تقييد الفعل في هذه الترجمة بالمضارع، ولكن قد تقدم أيضا أن إعراب الفعل: رفع ونصب وجزم، فقد كان يكفيه أن يقول: باب عوامل الفعل، ولا يتعرض إلى ذكر الإعراب.
الجزء: 8 - الصفحة: 4117
[اختلاف النحويين ومذاهبهم في رافع المضارع]
قال ابن مالك: (يرفع المضارع لتعرّيه من النّاصب والجازم، لا لوقوعه موقع الاسم خلافا للبصريّين).
قال ناظر الجيش: اختلف في عامل الرفع في الفعل: والأصح أنه معنوي، فقال البصريون 1: وقوعه موقع الاسم، أي وقوعه حيث يصح وقوع الاسم، لا أن الموضع كان فيه الاسم فأزيل ووقع الفعل مكانه، وقال الفراء ومن وافقه من الكوفيين 2 تجرده من الناصب والجازم.
والمراد بتجرده منهما: أنهما لم يباشراه لا أنهما كانا فأزيلا ورفع الفعل بعد إزالتهما.
قال المصنف في شرح الكافية 3 مشيرا إلى هذا المذهب: «وهو قول حذاق الكوفيين وبه أقول؛ لسلامته من النقض، بخلاف القول الآخر - يعني قول البصريين - فإنه ينتقض بنحو: هلا تفعل وجعلت أفعل، وما لك لا تفعل؟، ورأيت الذي يفعل، فإن الفعل في هذه المواضع مرفوع مع أن الاسم لا يقع فيها، ولو لم يكن للفعل رافع غير وقوعه موقع الاسم لكان في هذه المواضع مرفوعا بلا رافع فبطل القول بأن رافعه وقوعه موقع الاسم، وصح القول بأن
رافعه التجرد من الناصب والجازم».
انتهى.
ولا تخفى قوة هذا الاستدلال، وقد أجيب عن ذلك بما هو مقبول، قال الإمام بدر الدين 4 بعد تمثيله بـ «لو يقوم زيد» و «هلا يفعل» مقيما بذلك صحة الدليل على قول الكوفيين فإن قيل: لا نسلم أن الرافع للمضارع لو كان وقوعه موقع -
الجزء: 8 - الصفحة: 4118
................................
الاسم لما ارتفع بعد هذه الحروف؛ لأن المراد بموقع الاسم: الموضع الذي هو للاسم في الجملة، وما بعد هذه الحروف هو للاسم بدليل قولهم: لو ذات سوار لطمتني 5، وهلا زيد قام، فإذا وقع فيه المضارع ارتفع للعلة المذكورة، فالجواب أن يقال: لا يخلو مرادكم بموقع الاسم إما أن يكون الموضع الذي هو للاسم في الأصل، أو الموضع الذي هو للاسم في الاستعمال، أو الموضع الذي هو للاسم في بعضهما، وأيّاما كان يلزم بطلان قولكم: رافع المضارع وقوعه موقع الاسم؛ لأنه ينتقص على الأول بالرفع بعد حروف التحضيض قطعا؛ لأنه موضع ليس للاسم في الأصل، وعلى الثاني بالرفع بعد «كاد» ونحوها؛ لأنه موضع ليس للاسم في الاستعمال وعلى الثالث بالجزم بعد «إن» الشرطية فإنه موضع هو للاسم في الاستعمال كما في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ 6 فلو كان رافع المضارع وقوعه موقع الاسم في الجملة لما كان بعد «إن» الشرطية إلا مرفوعا، فلما لم يرفع علم أن رافع المضارع ليس وقوعه موقع الاسم، فتعين أن يكون خلوّه من الناصب والجازم كما قال الكوفيون.
وذهب الكسائي 7 ومن تبعه من الكوفيين إلى أن عامل الرفع في الفعل لفظي وهو حروف المضارع فردّ عليه بأن حروف المضارع موجودة مع الناصب والجازم، فلو كانت هي العاملة للرفع لما أبطل الناصب والجازم عملها، وأجيب عن ذلك بأن عامل الرفع هنا ضعيف فأبطل من الناصب والجازم عمله، وردّ هذا الجواب بأن
العامل القوي لا يبطل عمل الضعيف، بل يكون الضعيف عاملا في اللفظ، وهو ومعموله معمولان للعامل القوي كما في دخول «إن» الشرطية على «لم».
ذكر ذلك الشيخ بهاء الدين بن النحاس في تعليقه على المقرّب 8. -
الجزء: 8 - الصفحة: 4119
[أحكام «أن» المخففة و «أن» المصدرية]
قال ابن مالك: (وينصب بـ «أن» ما لم تل علما أو ظنّا في أحد الوجهين، فتكون مخفّفة من «أنّ» ناصبة لاسم لا يبرز إلّا اضطّرارا، والخبر جملة ابتدائيّة أو شرطيّة أو مصدّرة بـ «ربّ» أو فعل يقترن غالبا إن تصرّف ولم يكن دعاء بـ «قد» وحدها، أو بعد نداء، أو بـ «لو» أو بحرف تنفيس، أو نفي، وقد تخلو من العلم والظّنّ فتليها جملة ابتدائيّة، أو مضارع مرفوع لكونها المخفّفة 9 أو محمولة عليها أو على «ما» المصدريّة).
وللباحث أن يقول: «لم» متوجهة إلى الفعل الداخلة هي عليه، و «إن» الشرطية ليست متوجهة إلى «يفعل» إنما هي متوجهة إلى «لم يفعل»؛ لأن المشروط في قولنا: إن لم يفعل؛ إنما هو عدم الفعل، وإذا كان كذلك فلا يقال: اجتمع عاملان ضعيف وقوي؛ لأن هذا الكلام يوهم أن العاملين [5/ 95] متوجهان إلى شيء واحد، ثم لا يعقل ضعف «لم» وقوة «إن» بل كل منهما قوي بالنسبة إلى ما يستحقه من العمل، على أن القول بأن عامل الرفع حروف المضارعة قول ظاهر الفساد؛ لأن المضارع إنما صار مضارعا بهذه الأحرف، فكل حرف منها هو جزء من الفعل المبدوء به، وجزء الكلمة لا يكون عاملا فيها 10.
وقد ذكر الشيخ مذاهب أخر في الرافع للفعل، وذكر أن المذاهب فيه سبعة 11.
ولا يخفى أن ذكر هذه المذاهب الواضحة البطلان لا ينبغي التشاغل به، ثم إنه بعد ذكر المذاهب كأنه قصد الإشارة
إلى فساد ما اختاره المصنف فذكر ما لم أتحققه فتركت إيراده لذلك، ولأنه لا فائدة فيه؛ لأن كون عامل الرفع في الفعل ذا أو ذا، لا يجدي شيئا في الخارج، وقد قال هو في شرحه 12: إن الخلاف في ذلك لا ينشأ عنه حكم نطقي.
قال ناظر الجيش: اعلم أن المصنف أفرد عوامل الجزم بباب، وقصر هذا الباب -
الجزء: 8 - الصفحة: 4120
................................
على ذكر عوامل النصب مقدما على ذكرها ذكر عامل الرفع.
وأنا أشير أولا إلى ذكرها إجمالا ثم أشرع في ذكرها تفصيلا حسبما يقتضيه لفظ الكتاب فأقول:
معلوم أن النواصب أربعة: منها حرفان مصدريان وهما: «أن» و «كي»، وحرف نفي وهو: «لن»، وحرف جواب وهو: «إذن»، وأمّ النواصب «أن»؛ ومن ثمّ كانت هي المتفق عليها، وحصل الخلاف في الثلاث الأخر؛ فقيل في «لن»: إن أصلها: لا أن، وكذا قيل في «إذن»: إنها من إذ وأن، وأما «كي» فقيل: إن النصب بعدها بـ «أن» مقدرة، والحق خلاف ذلك، ويدل على بطلان هذه الأقوال أن «لن» لها معنى مستقل ولو وضع موضعها ما ذكروا لم يستقم، وكذا «إذن»، وأما «كي» فيقال للمخالفين: إن أردتم «كي» الجارة فالأمر كما قلتم، وإن أردتم «كي» المصدرية فباطل؛ لأن حرفا مصدريّا لا يباشر حرفا مصدريّا، والدليل على إثبات مصدريتها دخول «اللام» عليها حيث يقال: لكي.
واختصت «أن» دون أخواتها: بأنها تنصب مضمرة كما تنصب مظهرة؛ وذلك لأنها شبيهة لفظا وتأوّلا بأحد عوامل الأسماء وهو: «أن».
ثم إضمارها واجب وجائز:
فالواجب يكون بعد ستة أحرف وهي: «كي» الجارة، و «لام الجحود» و «حتى» المرادفة لـ «إلى» أو «كي» الجارة، و «أو» الواقعة موقع «إلى أن» أو «إلّا أن»، و «فاء السبب» الواقعة صدر جواب تسعة أشياء وهي: الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام، والعرض، والتمني، والتحضيض، والرجاء 13، والنفي - و «واو» الجمع الواقعة موقع «الفاء»
المذكورة.
والإضمار الجائز يكون بعد حرفين وهما: «لام الجر» غير الجحودية ما لم تلها «لا»، وحرف العطف العاطف فعلا على اسم لا يشبه الفعل.
فإن ولي «لام الجر» المذكورة «لا» وجب حينئذ إظهار «أن».
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4121
................................
وعلى هذا يكون لـ «أن» ثلاثة أحوال: وجوب إضمار، وجواز إظهار وإضمار، ووجوب إظهار، هذا الذي ذكر هو مذهب البصريين، وقد خالفهم الكوفيون فمنعوا أن تكون «كي» ناصبة وجعلوا النصب بإضمار «أن» بعدها، ولم يضمروا «أن» بعد «حتى» ولا «لام الجحود»، ولا «الفاء» و «الواو» في الأجوبة الثمانية، بل مذهبهم أن النصب بـ «حتى» و «اللام» أنفسهما، وبالخلاف بعد «الفاء» و «الواو»، والمنقول عن الجرمي أنه يرى أن «الفاء» و «الواو» هما الناصبان أنفسهما، وسيأتي الكلام على هذه المذاهب في تفاصيل الباب إن شاء الله تعالى.
وقد تبيّن أن الأحرف التي ينصب الفعل بعدها بـ «أن» مضمرة وجوبا أو جوازا منها ما هو حرف جر وهو ثلاثة: «اللام»، و «كي»، و «حتى»، ومنها ما هو حرف عطف وهو: «أو»، و «الفاء»، و «الواو».
ثم لما كانت «أن» المخففة مشابهة لـ «أن» الناصبة للفعل لفظا قصد المصنف تمييز إحداهما من الأخرى فأشار إلى ذلك بقوله: ما لم تل علما أو ظنّا في أحد الوجهين فتكون مخفّفة من «أنّ».
وتقرير ذلك أن يقال: إن وليت علما لم تكن الناصبة بل المخففة، والمراد بالعلم، ما يفهم التحقق، فيستوي في ذلك: علم، وتحقق، وتيقن، ووجد ودرى إذا كانتا بمعنى «علم»، وإن وليت «ظنّا» جاز أن تكون المخففة وأن تكون الناصبة للفعل، والمراد [بالظن]: ما يفهم الترجح كـ: «ظن»، و «حسب»، و «خال» و «رأى»، ولكن الأكثر فيها أن تكون الناصبة لا المخففة ولذلك اتفق على النصب 14 في قوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا 15، وقرئ بالوجهين 16 قوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ 17.
وإن وليت ما لا يفهم علما ولا ظنّا تعين أن تكون الناصبة للفعل وذلك بأن تلي -
الجزء: 8 - الصفحة: 4122
................................ ما يفهم شكّا نحو: توهمت، أو ما لا يفهم علما ولا ظنّا ولا شكّا نحو: أحببت، وأردت، هذا الذي يقتضيه كلام المصنف فإنه قال: وينصب بـ «أن» ما لم تل علما أو ظنّا. فأعطى ذلك أنها إذا لم تل أحد هذين الأمرين تعينّ أن تكون الناصبة للفعل وهذا هو الظاهر 18، لكن في شرح الشيخ ما يناقض ذلك فإنه قال 19: الذي قرره أصحابنا أن الفعل المتقدم على «أن» إن كان فعل شكّ فهي الناصبة للفعل، أو فعل يقين فهي المخففة من الثقيلة، أو فعلا مستعملا للشك واليقين، أو عاريا عن استعمال لهما فيجوز إذ ذاك فيها أن تكون المصاحبة للفعل، وأن تكون المخففة نحو: ظننت وأحببت، فـ «ظننت» تستعمل للأمرين كما عرف، و «أحببت» عارية عن أن تكون لشك أو يقين. انتهى. فجعل [5/ 96] الفعل العاري عن الظن واليقين - نحو: أحببت - جائزا معه في «أن» الوجهان - أعني: أن تكون الناصبة للفعل، وأن تكون المخففة - وهذا يقتضي أن «أن» الناصبة للفعل لا تتعين إلا أن تكون مع فعل هو شك، ولا يخفى بطلان ذلك، والحق ما قاله المصنف وهو: أنها تنصب الفعل ما لم تل علما أو ظنّا، فإن وليت علما تعين أن تكون المخففة، وإن وليت ظنّا جاز فيها الأمران 20، وإلى جوازهما الإشارة بقوله: في أحد الوجهين. فقوله: في أحد الوجهين يرجع إلى قوله: أو ظنّا، لكن قال الشيخ 21: ويتجه عندي عوده إليهما - يعني إلى قوله: علما أو ظنّا - قال: لأنه قد جاء إجراء العلم مجرى الظن. انتهى. ويدفع ما ذكره أمران: أحدهما: أن المصنف قد صرح في غير هذا الكتاب بأن احتمال الوجهين في «أن» إنما يكون بعد الظن، قال في الألفية: وبلن انصبه وكي كذا بأن... لا بعد علم والّتي من بعد ظن فانصب بها والرّفع صحح واعتقد... تخفيفها من أنّ فهو مطّرد
الجزء: 8 - الصفحة: 4123
................................ ثانيهما: أن العلم الذي جاء النصب بـ «أن» بعده إنما هو مؤول بغير العلم كما سيجيء ذلك في كلام المصنف. فإن قال: قد أجاز بعضهم وقوعها بعد علم غير مؤول، فالجواب: أن هذا ليس رأي المصنف فكيف يحمل كلامه على أمر غير جائز عنده؟ ثم ها هنا أمر ينبغي التنبيه له: وهو أن الوجهين الجائزين في «أن» بعد «ظنّ» و «حسب» وما بمعناهما هل هما جائزان مطلقا أريد بذلك الفعل اليقين أو الشك؟ أو أن جوازهما إنما هو بحسب ما يراد بالفعل إن قصد به اليقين كانت «أن» بعده هي المخففة، وإن قصد به المعنى الآخر كانت الناصبة للفعل؟! لم أر في كلامهم تعرّضا لذلك، والذي يظهر من كلامهم أن الوجهين جائزان مطلقا، من غير نظر إلى ما يقصد من المعنيين، ويدل على ذلك قوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ 22 فإنه قرئ بالوجهين. ولما ذكر المصنف أن «أن» الواقعة بعد العلم مطلقا، أو الظن في أحد الوجهين هي المخففة من «أن» شرع في ذكر أحكامها استطرادا، فنبّه على أنها تستحق من العمل ما تستحقه مثقّلة - أعني: أن يكون لها اسم وخبر في الجملة كما لتلك - وإن كان لاسم المخففة وخبرها أحكام خاصة ليست للمثقلة، على أنه قد ذكر أحكامها - أعني: المخففة - في باب «الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر»، ولا شك أن ذلك الباب أحق بذكرها فيه، ولكنه أعاد ذكر الأحكام هنا وزاد شيئا على ما ذكره ثمّ، ونقص منه شيئا كما سينبّه عليه. فمن أحكام اسمها: أن يكون مقدرا أي: غير ملفوظ فلا يبرز إلا في ضرورة الشعر كقوله: 3767 - فلو أنك في يوم الرّخاء سألتني... طلاقك لم أبخل وأنت طليق 23
الحديث: 3767 - الجزء: 8 - الصفحة: 4124
................................
ومن أحكام خبرها: أنه لا يكون إلا جملة إما اسمية وإما فعلية:
أما الاسمية: فأشار إليها بقوله: والخبر جملة ابتدائية، أو شرطيّة، أو مصدّرة بـ «ربّ».
مثال الابتدائية 24، قوله تعالى: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 25، ومنه قول الشاعر:
3768 - في فتية كسيوف الهند قد علموا... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل 26
والخبر في البيت مقدم على المبتدأ.
ومثال الشرطية 27، قول الآخر:
3769 - فعلمت أن من يثقفوه فإنّه... حرز لجامعه وفرخ عقاب 28
ومثال المصدّرة بـ «ربّ» 29، قول الآخر:
3770 - تيقّنت أن ربّ امرئ خيل خائنا... أمين وخوّان يخال أمينا 30
-
- والعيني (2/ 311)، والخزانة (2/ 465)، والدرر (1/ 120).
الحديث: 3768 - الجزء: 8 - الصفحة: 4125
................................
وقد ذكر في باب «إنّ وأخواتها» أن تكون الجملة مصدرة بـ «لا» كقوله تعالى: وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ 31.
وأما الفعلية 32: فالفعل الذي هو صدرها إما أن يكون متصرفا أو غير متصرف، والمتصرف إما دعاء أو غير دعاء، وإن كان غير متصرف أو متصرفا وهو دعاء ولي «أن» دون فصل كقوله تعالى: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ 33، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى 34، وكقوله تعالى: وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها 35، وإن كان متصرفا وهو غير دعاء وجب الفصل بينه وبين «أن» بأحد أمور أربعة، وهي: «قد» إما وحدها أو بعد نداء، و «لو» و «حرف نفي»، مثال الفصل بـ «قد»: قوله تعالى: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا 36.
ومثال الفصل بها بعد نداء: قوله تعالى: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا 37.
ومثال الفصل بـ «لو»: قوله تعالى: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ 38، أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ 39.
ومثال الفصل بـ «حرف تنفيس»: قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى 40.
ومثال الفصل بـ «حرف نفي»: قوله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا 41 وهذه الأمور الأربعة المذكورة هنا مذكورة في باب «إنّ وأخواتها» إلا أنه لم يذكر ثمّ أن الفصل بـ «قد» قد يتقدمه نداء.
وأشار بقوله: غالبا إلى أن الفعل المتصرف الذي ليس بدعاء قد لا يفصل بينه وبين «أن» بشيء مما ذكر وأن ذلك قليل وشاهده قول الشاعر: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4126
................................ 3771 - علموا أن يؤمّلون فجادوا... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل 42 وأما قوله: وقد تخلو من العلم والظّنّ فيليها جملة ابتدائيّة أو مضارع مرفوع، إلى آخره - فمراده به: وقد يليها جملة ابتدائية أو مضارع خلوها من العلم والظن، فالتقليل بـ «قد» راجع إلى ما يليها من هذين الشيئين في هذه الحالة وهي الخلو من العلم والظن، لا إلى الخلو من العلم والظن نفسه؛ لأن خلوّها منهما كثير لا قليل، وأشار بهذا الكلام إلى أن «أن» إذا لم يتقدمها ما يدل على علم أو ظن ووليها جملة ابتدائية أو مضارع مرفوع جاز في «أن» حينئذ أن تكون المخففة وأن تكون الناصبة، وحملت إما على «أن» المخففة أو على «ما» المصدرية فأهملت لذلك، هكذا ذكر المصنف كما عرفت، وفي كلامه أمران: أحدهما: أن مقتضاه التخيير بين الأمرين، لكن الإمام بدر الدين ولده ذكر أن ذلك [5/ 97] مذهبان، فإنه قال 43 حاكيا لفظ التسهيل: قوله: وقد تخلو من العلم والظن فيليها جملة ابتدائية أو مضارع مرفوع لكونها مخففة من «أنّ» عند الكوفيين أو مشبهة بـ «ما» أختها عند البصريين، وهذا يدل على أن هذا كلام والده في أصل الكتاب، ولا شك أن هذا هو الظاهر بل المتعين، وكلام المصنف في بقية كتبه يقتضي ذلك 44. ثانيهما: أن قوله: لكونها المخفّفة أو المحمولة عليها أو على ما المصدريّة - يقتضي أنها محتملة في هذه الحالة لكل من الثلاثة، لكن في كونها تكون محتملة لأن تكون المخففة أو محمولة عليها نظر؛ لأنها إنما تكون واقعة بعد ما هو خال من العلم والظن -
الحديث: 3771 - الجزء: 8 - الصفحة: 4127
................................ كما ذكر ولا شك أنها متى وقعت خالية من هذين الشيئين تعين أن تكون الناصبة لقوله قبل: وينصب بـ «أن» ما لم تل علما أو ظنّا؛ لأن ذلك نص منه على أنها إذا لم تل علما أو ظنّا تكون الناصبة، وقد تقدم التنبيه على هذا، وإذا كان كذلك فدعوى أن الخالية من العلم والظن يجوز أن تكون المخففة أو محمولة عليها يناقض قوله: إنها ينصب بها ما لم تل العلم والظن. والذي يظهر أنها إذا وليها مضارع مرفوع فهي الناصبة، وأهملت حملا على «ما» أختها في المصدرية، وكذا إذا وليها جملة اسمية؛ لأن «ما» قد يليها الجملة الاسمية، فاتجه أن تحمل «أن» عليها في ذلك، وبهذا يعلم أن قول البصريين في المسألة أرجح من قول الكوفيين، لكن قال الإمام بدر الدين 45: «كلا القولين حسن». ثم قد قلنا: إن التقليل في قوله: وقد تخلو من العلم والظّنّ فيليها جملة ابتدائيّة أو مضارع مرفوع - راجع إلى ولاية الجملة الابتدائية لها والمضارع المرفوع، لا إلى الخلو من العلم والظن، فمثال الجملة الابتدائية: قول الشاعر: 3772 - رأيتك أحببت النّدى بعد موته... فعاش النّدى من بعد أن هو خامل 46 ومثال الفعل المضارع المرفوع قراءة بعضهم قوله تعالى 47: (لمن أراد أن يتمّ الرّضاعة) 48، ومنه قول الشاعر: 3773 - يا صاحبيّ فدت نفسي نفوسكما... وحيثما كنتما لقيتما رشدا أن تحملا حاجة لي خفّ محملها... تستوجبا منّة عندي بها ويدا أن تقرآن على أسماء ويحكما... منّي السّلام وأن لا تشعرا أحدا 49
الحديث: 3772 - الجزء: 8 - الصفحة: 4128
[خلاف العلماء في «أن» بأنواعها]
قال ابن مالك: (ولا يتقدّم معمول معمولها عليها خلافا للفرّاء، ولا حجّة في ما استشهد به لندوره، أو إمكان 50 تقدير عامل مضمر، ولا تعمل زائدة خلافا للأخفش، ولا بعد علم غير مؤوّل خلافا للفرّاء وابن الأنباريّ، ولا يمتنع أن تجرى بعد العلم مجراها بعد الظنّ لتأوّله به، ولا بعد الخوف مجراها بعد العلم لتيقّن المخوف خلافا للمبرّد، ولا يجزم بها خلافا لبعض الكوفيين).
- فأهمل الأولى وأعمل الثانية، وكلتاهما مصدرية.
وأما ولاية الجملة الابتدائية «ما» المصدرية فشاهده قول الشاعر: 3774 - واصل خليلك ما التّواصل ممكن...... البيت 51 قال ناظر الجيش: لما انتهى الكلام على تمييز «أن» الناصبة للفعل من «أن» المخففة شرع في ذكر أحكام لها في كل منها خلاف ليتبين الصحيح في ذلك ما هو؟ والأحكام التي ذكرها خمسة: الأول: أن معمول معمولها لا يتقدم عليها فلا يجوز أن يقال في نحو: يعجبني أن تشرب العسل: يعجبني العسل أن تشرب؛ لأن «أن» موصول حرفي ومعمول معمولها من تمام صلتها، ولا يجوز تقديم شيء من الصلة ولا من أجزائها على الموصول، وأجاز الفراء 52 التقديم مستشهدا بقول الشاعر: - - المصدرية وفي أن كل واحدة منهما تسبك مع ما بعدها بمصدر، وإهمال «أن» حملا على «ما» مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين أن «أن» في البيت المذكور هي المخففة من الثقيلة شذ اتصالها بالفعل، قال ابن هشام في المغني (ص 30): «والصواب قول البصريين إنها أن الناصبة أهملت حملا على ما أختها المصدرية».
والشاهد في الإنصاف (ص 563)، وابن يعيش (8/ 143) شرح الكافية للرضي (2/ 234)، والمغني (ص 30، 697) وأوضح المسالك (3/ 166)، وشرح التصريح (2/ 232).
الحديث: 3774 - الجزء: 8 - الصفحة: 4129
................................ 3775 - ربّيته حتّى إذا تمعددا... كان جزائي بالعصا أن أجلدا 53 وبقول الآخر 54: 3776 - وإنّي امرؤ من عصبة تغلبيّة... أبت للأعادي أن تذلّ رقابها 55 قال المصنف: ولا حجة للفراء في ذلك لندور الوارد منه أو لإمكان 56 تقدير عامل مضمر قبل أن يدل عليه المذكور بعد 57. فيقدر في البيت الأول: كان جزائي أن أجلد بالعصا أن أجلد، وفي البيت الثاني: أبت أن تذل للأعادي رقابها أن تذل رقابها، فحذف الأول في كل من البيتين لدلالة الثاني عليه. الحكم الثاني: أن «أن» الزائدة لا تعمل شيئا وقد عللوا ذلك بأن الزائدة لا تختص 58؛ لأنها تباشر الفعل كقوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ 59 وتباشر الاسم كما في قول القائل: 3777 - كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم 60
الحديث: 3775 - الجزء: 8 - الصفحة: 4130
................................
وأجاز الأخفش 61 إعمالها زائدة كما أن العرب أعلموا «من» الزائدة كقولك:
ما جاءني من أحد، واستدل 62 على ما أجازه بقول الله تعالى: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ 63 إذ التقدير: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله، وكذا بقوله تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ 64 التقدير: لا تنفقون، كما قال تعالى: وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ 65 فهذه الجملة الواقعة بعد وَما لَنا في موضع نصب على الحال، فيلزم من ذلك زيادة «أن»، قال المصنف في شرح الكافية 66:
ما ذهب إليه أبو الحسن ضعيف؛ لأن «من» الزائدة مثل غير الزائدة لفظا واختصاصا؛ فجاز أن تعمل بخلاف «أن» الزائدة فإنها تشبه غير الزائدة لفظا لا اختصاصا؛ لأنه قد يليها الاسم كما في قوله:
«كأن ظبية» على رواية من جر «ظبية» بالكاف.
انتهى.
- - ويوما توافينا بوجه مقسم الشرح: يذكر امرأته وينعتها بأنها حسنة الوجه، و «توافينا»: تأتي وتزورنا، والمقسم: الجميل كله كأن كل موضع منه حاز قسما من الجمال تعطو: تتطاول إليه لتتناول منه، والوارق: المورق: فعله: أورق على غير قياس، والسلم: شجر من العضاة، له زهرة صفراء فيها حبة خضراء طيبة الريح وتجد بها الظباء وجدا شديدا، وظبية: تروى على ثلاثة أوجه: الرفع والنصب والجر، فالرفع على أنها خبر وحذف الاسم مع تخفيف كأن، والتقدير: كأنها ظبية، والنصب بكأن تشبيها بالفعل إذا حذف وعمل نحو: لم يك زيد منطلقا والخبر محذوف لعلم السامع، والتقدير: كأن ظبية تعطو هذه المرأة، والجر على تقدير: كظبية و «أن» زائدة، واستشهد بالبيت هنا: على أن «أن» زائدة ولم تعمل شيئا لأنها غير مختصة فهي تباشر الفعل وتباشر الاسم كما هي هنا.
والبيت في الكتاب (2/ 134)، (3/ 165) وابن يعيش (8/ 72، 83) والمقرب (1/ 111)، (2/ 203)، والخزانة (4/ 364، 489)، وشرح التصريح (1/ 234).
الجزء: 8 - الصفحة: 4131
................................
وأما الآيتان الشريفتان فقد ذكر المعربون 67 أن حرف الجر يقدر فيها التقدير: وما لنا في أن لا نقاتل في سبيل الله، وما لكم في أن لا تنفقوا في سبيل الله، وللمصنف تخريج أحسن من هذا وهو أن وَما لَنا 68 ضمّن معنى: وما منعنا؛ فـ «أن» مصدرية لا زائدة التقدير: وما منعنا أن لا نقاتل 69.
الحكم الثالث: أن «أن» الناصبة للفعل قد علمت أنها لا تقع بعد أفعال العلم وإن وقعت بعد علم وجب تأويل العلم بغيره، لكن خالف في ذلك الفراء وابن الأنباري فأجازا 70 وقوعها بعد العلم دون تأويل، قالا: فيجوز أن يقال: علمت أن يقوم زيد بالنصب دون تأويل «علمت»، والجمهور 71 على خلاف [5/ 98] ما قالا، ومستندهم أن «أن» إذا
كانت المخففة فهي للتوكيد، فيناسب معناها معنى الفعل الذي يقتضي تأكيد الشيء وثبوته واستقراره، وإذا كانت الناصبة للفعل فهي لا تقرن إلا بما ليس بمستقر ولا ثابت؛ لأنها إنما بابها أن تدخل على ما هو مستقبل، وإنما دخلت على الماضي من جهة مشاركته للمستقبل في أنه ليس بثابت في الحال لتقضيه، كما أن المستقبل ليس بثابت لعدم وقوعه، فكذلك لم تقع معمولا إلا للأفعال التي تقتضي التحقيق، هكذا عللوا هذه المسألة 72، وهو تعليل إقناعي.
وقد استدل الفراء وابن الأنباري على ما ذهبا إليه بقراءة 73 مجاهد 74: (أفلا يرون ألّا يرجع إليهم قولا) وبقول الشاعر: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4132
................................
3778 - نرضى عن الله أنّ النّاس قد علموا... أن لا يدانينا من خلقه بشر 75
وحمل المصنف ذلك على الشذوذ والندور 76، لكن قال الإمام بدر الدين بعد ذكر مذهب الفراء وابن الأنباري في
هذه المسألة 77: وهو مذهب حسن لأنه قد جاء به السماع ولا يأباه القياس.
وأشار المصنف بقوله: غير مؤوّل إلى أن «أن» الناصبة للفعل يجوز وقوعها بعد لفظ العلم إذا كان مؤولا بغيره، كقولك: علمت أن تقوم؛ بالنصب، على تأويل «علمت» بـ «ظننت» كما سيأتي ذكر هذه المسألة، وقال المصنف في شرح الكافية 78: وقد أجاز سيبويه 79 أن يقال: ما علمت إلا أن تقوم؛ بالنصب، قال:
لأنه كلام خرج مخرج الإشارة فجرى مجرى قولك: أشرت عليك أن تقوم.
انتهى.
وقد استدل على أن العلم قد لا يراد به القطع بقوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ 80، قالوا: المراد بالعلم هنا الظن القوي؛ لأن القطع بإيمانهن غير متوصل إليه 81.
وأقول: إن في الاستدلال بذلك نظرا؛ لأن الشرع الشريف جعل مناط الحكم بالإيمان النطق باللسان فمن نطق بلسانه بالشهادتين أجري عليه حكم الإيمان ويقال فيه: إنه معلوم الإيمان وإننا علمنا إيمانه؛ لأن ما في القلب لا يمكننا الاطلاع عليه ولم نكلف إلا بما في وسعنا، فمن نطق بكلمة الإيمان كنا عالمين إيمانه ولو لم يكن إيمانه معلوما ما جاز أن نشهد بإيمانه؛ لأن الشهادة إنما تكون عن يقين لا عن ظن.
الحكم الرابع: أنه يجوز إجراء «أن» بعد العلم مجراها بعد الظن لتأوله به، وإجراؤها بعد الخوف مجراها بعد العلم لتيقن المخوف، فمثال الأول: علمت أن -
الحديث: 3778 - الجزء: 8 - الصفحة: 4133
................................
تقوم بالنصب - على تأويل «علمت» بـ «ظننت»، ومثال الثاني: خشيت أن لا يقوم، وخفت أن لا يكرمني - بالرفع - قال سيبويه 82: ولو قال: أخشى أن تفعل تريد أن تخبره أنه يخشى أمرا استقر عنده أنه كائن جاز وليس وجه الكلام.
وقال أبو الحسن 83: وأما: خشيت أن لا تكرمني فنصب، ولو رفعته على أمر قد استقر عندك كأنك جرّبته فكان لا يكرمك فقلت: خشيت أن لا تكرمني، أي: خشيت أنك لا تكرمني جاز.
وقد خالف المبرد 84 في الحكمين المذكورين - أعني إجراء العلم مجرى الظن لتأوله به، وإجراء الخوف مجرى العلم لتيقن المخوف - كما أشار إلى ذلك في متن الكتاب، وقد ردّ على المبرد ذلك:
أما الحكم الأول: فبأن «أن» إذا صح وقوعها علم غير مؤول كما في قول القائل:
3779 - قد علموا... أن لا يدانينا من خلقه بشر
فوقوعها بعد العلم المؤول أولى.
وأما الحكم الثاني: فبأنه قد سمع من العرب ما ادعى عدم جوازه قال أبو محجن 85:
3780 - إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة... تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنّني في الفلاة فإنّني... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها 86
قال الشيخ 87: وثبت في بعض النسخ بعد قوله: خلافا للمبرد: وأجاز بعضهم -
الحديث: 3779 - الجزء: 8 - الصفحة: 4134
................................ الفصل بينها وبين منصوبها بالظرف وشبهه اختيارا، وقد يرد ذلك مع غيرها اضطرارا. فمثال 88 الفصل بين «أن» ومنصوبها: قولك: أختار أن عندي تقيم، وأن في الدار تجلس، ومن أجاز ذلك يمكن أن يعلل إجازته له بما جاز في أن نحو: علمت أنّ اليوم زيدا مسافر، وأنّ في الدار عبد الله جالس، فقاس «أن» على «أنّ» بجامع ما اشتركا فيه من المصدرية والعمل، لكن مذهب سيبويه والجمهور 89 أنه لا يجوز شيء من ذلك، فلا يفصل بظرف ولا مجرور ولا قسم ولا غير ذلك. ومثال الفصل بين غير «أن» ومنصوبها: 3781 - لن ما رأيت أبا يزيد مقاتلا... أدع القتال وأشهد الهيجاء 90 أي: لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلا وهو مخصوص بالضرورة بلا خلاف. الحكم الخامس: أن بعضهم أجاز الجزم بـ «أن» قال الإمام بدر الدين 91 رحمه الله تعالى: حكي عن الرؤاسي 92 أنه قال: فصحاء العرب ينصبون بـ «أن» وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها، قال: وعنده أن مستند الرؤاسي في ذلك ما جاء في الشعر من نحو قوله: 3782 - لقد طال كتماني عزيزة حاجة... من الحاج لا تدري عزيزة ما هيا
الحديث: 3781 - الجزء: 8 - الصفحة: 4135
................................
أحاذر أن تعلم بها فتردّها... فتتركها ثقلا عليّ كما هيا 93
ولا حجة فيه لجواز كونه سكون وقف للضرورة لا سكون إعراب.
قال الشيخ 94: وما ذكره - يعني الإمام بدر الدين - من أنه لا حجة في الاستدلال بهذا البيت صحيح للاحتمال الذي ذكره، لكنه يبعد أن يكون مستند الرؤاسي في ذلك هذا البيت لأنه قال: ودونهم قوم يجزمون، فهذه حكاية لغة لا استنباط من بيت شعر.
قال: وقد حكى الجزم بها اللحيانيّ 95، وذكر أن الجزم بها لغة بني صباح 96، وحكاه أيضا أبو عبيدة 97، وأنشدوا شاهدا عليه قول الشاعر:
3783 - إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا... تعالوا إلى أن يأتنا الصّيد نحطب 98
[5/ 99] وقول الآخر:
3784 - وأنّ بباب الدّار عينا وأن تدع... حذارا لتلك العين أهنأ وأجمل 99
قال الشيخ: وإذا حكى الجزم بها الكوفيون، ومن البصريين اللّحياني، وأبو عبيدة كان الأصح جواز ذلك لكنه قليل.
الحديث: 3783 - الجزء: 8 - الصفحة: 4136
[«لن» الناصبة للمضارع وأحكامها]
قال ابن مالك: (وينصب المضارع أيضا بـ «لن» مستقبلا، بحدّ وغير حدّ، خلافا لمن خصّها بالتأبيد، ولا يكون الفعل معها دعاء خلافا لبعضهم، وتقديم معمول معمولها عليها دليل على عدم تركيبها من «لا أن» خلافا للخليل).
قال ناظر الجيش: لما انتهى الكلام على «أن» شرع في الكلام على «لن» وهي حرف نفي ويتخلص الفعل معها للاستقبال، ومن ثمّ قيل: إنها لنفي «سيفعل» 100.
وذكر السهيلي 101 عن بعض المتأخرين أنه خالف في ذلك، ولا شك أن مثل ذلك لا يعبأ به؛ لأن فيه خرقا للإجماع، وقيل: إن الجزم بها لغة 102، وأنشد ابن الطراوة على ذلك:
3785 - لن يخب الآن من رجائك من... حرّك من دون بابك الحلقه 103
وأنشد غيره:
3786 - فلن يحل للعينين بعدك منظر 104
وإنما عملت النصب في الفعل لأنها مثل «أن» في الاختصاص بالفعل المستقبل، وفي كونها على حرفين: أولهما مفتوح، وثانيهما نون ساكنة.
-
الحديث: 3785 - الجزء: 8 - الصفحة: 4137
................................
ثم المنفي بـ «لن» بعد كونه مستقبلا قد يكون مؤقت الزمان وقد يكون غير مؤقته، وإلى ذلك الإشارة بقوله: بحدّ وغير حدّ.
فقول القائل: لن أفعل محتمل للأمرين وهما: التحديد والتأبيد، ونقل المصنف 105 عن الزمخشري أنه ذكر في أنموذجه أنها لتأبيد النفي 106، وإنما ذكر المصنف الأنموذج؛ لأن الزمخشري قال في الكشاف 107 عند الكلام على قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا 108: «إن «لا» و «لن» في نفي المستقبل أختان، إلا أن في «لن» توكيدا وتشديدا».
ولم يتعرض لذكر التأبيد، فكأن الزمخشري له في المسألة قولان.
وذكر ابن عصفور 109 عن بعض من صنف في البيان من المغاربة أنه ذهب إلى أن «لن» تنفي ما قرب ولا يمتد معنى النفي فيها كما يمتد في «لا»، ورد ابن عصفور عليه بأن كلّا من الأداتين يستعمل حيث يمتد معنى النفي وحيث لا يمتد، فمن استعمال «لن» في النفي الممتد قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً 110، وقوله تعالى: فَإِنْ
لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا،
ومن استعمالها حيث لا يمتد قوله تعالى: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا 111، ومن استعمال «لا» في الأول قوله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى 112، وفي الثاني قوله تعالى: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً 113، قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً 114.
وقد استدل على عدم اختصاص «لن» بالتأبيد بمجيء استقبال المنفي بها مغيّا إلى غاية -
الجزء: 8 - الصفحة: 4138
................................ ينتهي بانتهائها كما في قوله تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى 115. وأشار المصنف بقوله: ولا يكون الفعل معها دعاء - إلى أن الفعل المنفي بـ «لن» لا يكون إلا خبرا كالمنفي بغيرها من أدوات النفي؛ فإنه لا يكون غير خبر إلا مع «لا» خاصة فإنها تستعمل في الدعاء كما تستعمل في الخبر، كقول القائل: 3787 - ولا زال منهلّا بجرعائك القطر 116 وأشار بقوله: خلافا لبعضهم - إلى ما حكاه ابن السراج 117 أن مذهب قوم جواز استعمالها في الدعاء واستشهد لذلك بقوله تعالى: فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ 118، قالوا 119: ومنه قول الشاعر: 3788 - لن تزالوا كذلكم لا زل... ت لكم خالدا خلود الجبال 120 قيل 121: ولا حجة في الآية الشريفة لأن الدعاء لا يكون للمتكلم، لا يقال: لا أسقي زيدا، ولا سقيت زيدا على طريق الدعاء، وإنما يكون ذلك للمخاطب والغائب - يعني أن فاعل الدعاء إنما يكون مخاطبا أو غائبا نحو: يا رب لا غفرت لفلان، ونحو: لا غفر الله لفلان، وأما البيت فهو محتمل للخبرية 122. -
الحديث: 3787 - الجزء: 8 - الصفحة: 4139
................................
واعلم أن «لن» حرف بسيط عند سيبويه 123، والفراء 124 قائل بذلك أيضا إلا أنه يدعي أن أصلها «لا» فأبدلت «النون» من «الألف» وقد ردّ عليه ذلك بأنها دعوى لا دليل عليها مع مناقضة أحكام «لم» أحكام «لن» ثم إن «النون» لم يعهد إبدالها من «الألف» بل المعهود إبدال «الألف» من «النون» كما في «نون» التوكيد الخفيفة، و «نون» إذا، إذا وقف على ما هما فيه.
وذهب الخليل 125 - رحمه الله تعالى - إلى أن «لن» مركبة من «لا» النافية و «أن» الناصبة محذوفة الهمزة لكثرة الاستعمال، كما قالوا: ويلمّه، ووافقه الكسائي 126 أيضا.
وقد أشار المصنف إلى هذا المذهب وإبطاله بقوله: وتقديم معمول معمولها عليها دليل على عدم تركيبها من «لا أن» خلافا للخليل - يعني أنه يجوز أن يقال: زيدا لن أضرب، فلو كان أصلها «لا أن» للزم تقديم معمول الصلة على الموصول، ولا شك أن معمول الصلة من تمامها، فكما أن الصلة لا تتقدم على الموصول لا تتقدم على معمولها الذي هو من تمامها.
وهذا الذي ذكره المصنف هو الذي رد به سيبويه 127 على الخليل؛ لأنهما اتفقا على جواز تقديم المعمول للفعل المنصوب بـ «لن» على «لن» 128، ونقل سيبويه 129 أن العرب تقول: أما زيدا فلن أضرب.
وفي ما حكاه سيبويه ردّ على الأخفش الصغير 130 حيث ذهب إلى منع تقديم معمول «لن» عليها 131. -
الجزء: 8 - الصفحة: 4140
[كي الناصبة للمضارع وأحكامها]
قال ابن مالك: (وينصب أيضا بـ «كي» نفسها إن كانت الموصولة، وب «أن» بعدها مضمرة غالبا إن كانت الجارّة وتتعين الأولى بعد «اللّام» غالبا، والثّانية قبلها، وتترجّح مع إظهار «أن» مرادفة «اللّام» على مرادفة «أن» ولا يتقدّم معمول معمولها، ولا يبطل عملها الفصل خلافا للكسائيّ في المسألتين).
وقال السيرافي 132: «المختار أنها غير مركبة؛ لأن التركيب على خلاف الأصل، فلا تقبل دعواه إلا بدليل ولا دليل، ولأن «لن» مع الفعل والفاعل كلام تام ولو كان أصلها «لا أن» لكان الكلام تامّا بالمفرد وهو محال».
انتهى.
وينبني على هذا الخلاف - أعني في «لن» - أنك إن سمّيت بها فعلى مذهب سيبويه تعرب، وعلى مذهب الخليل تحكي، كما تحكي إذا سميت بـ «هلا» لأنك سميت بحرفين ومتى سميت بحرفين حكيت على القاعدة المعروفة.
واعلم أن الشيخ استثنى من معمول معمول «لن» التمييز، قال 133: فإنه لا يجوز تقديمه على لن على مذهب سيبويه والجمهور 134، فلا يقال: ذرعا لن أضيق بكذا، [5/ 100] وجعل ذلك مستدركا على المصنف.
والذي يظهر: أن هذا ليس باستدراك؛ فإن امتناع التقديم ليس من أجل «لن» فيستدرك، وإنما الامتناع من أجل أن التمييز لا يتقدم على عامله حتى لو قلت: ذرعا ضاق زيد بكذا؛ لم يجز عند الجمهور، نعم إن كان من يجيز التقديم في: ذرعا ضاق زيد بكذا يمنع التقديم في: ذرعا لن أضيق بكذا.
تمّ الاستدراك على المصنف.
قال ناظر الجيش: شرع في ذكر الناصب الثالث وهو: «كي» وكي في كلام العرب قسمان: جارة وناصبة للفعل وهي المصدرية، فمثال الجارة قولهم في السؤال -
الجزء: 8 - الصفحة: 4141
................................
عن العلة: كيمه؟ كما يقولون: لمه؟ فـ «كي» هذه بمنزل «اللام» معنى وعملا.
ومثال الناصبة قولك: جئت لكي تكرمني، وقال الله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ 135، ويتعين في هذه أن تكون الناصبة لدخول «اللام» عليها؛ لأن حرف الجر لا يباشر حرف جر، فـ «كي» وما بعدها في تأويل المصدر، فمعنى قولك: جئت لكي تكرمني: جئت للإكرام، أما إذا قلت: جئت كي تكرمني احتمل أن تكون الناصبة، وأن تكون الجارة فيكون النصب بعدها بـ «أن» مضمرة.
وحاصل الأمر: أن لـ «كي» أحوالا ثلاثة: حالة يتحتم فيها كونها الجارة، وحالة يتحتم فيها كونها الموصولة أي: المصدرية، وحالة تحتمل فيها الأمرين.
وبعد فأنا أورد كلام المصنف في شرح الكافية أولا ثم أرجع إلى لفظ الكتاب:
قال 136 رحمه الله تعالى: كي على ضربين:
أحدهما: كونها حرفا مصدريّا بمعنى «أن»، ومساوية لها في الاستقلال بالعمل.
والثاني: كونها حرف تعليل بمعنى «اللام»، والنصب بعدها حينئذ بأن مضمرة غير جائزة الإظهار، والذي أحوج إلى القول بذلك قول العرب في السؤال عن العلة: كيمه؟ كما يقولون: لمه؟ فسووا بينها وبين «اللام» في المعنى والاستعمال، وقال أبو الحسن 137 في قول الشاعر 138:
3789 - إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما... يراد الفتى كيما يضرّ وينفع 139
جعل «ما» اسما و «يضر» و «ينفع» من صلته وأوقع عليه «كي» بمنزلة «اللام» فثبت بذلك أنها حرف جر مرادف لـ «اللام»، وثبت بدخول «اللام» -
الحديث: 3789 - الجزء: 8 - الصفحة: 4142
................................
عليها في نحو قوله تعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ 140 أنها مصدرية؛ لأن حرف الجر لا يدخل على حرف إلا أن يكون مصدريّا، فلزم من ذلك جعل «كي» على ضربين: فالمقترنة بـ «اللام» مصدرية، والداخلة على «ما» في قولهم: كيمه؟ جارة، وكذا التي في قوله:
3790 - يراد الفتى كيما يضرّ وينفع
والداخلة على الفعل مجردة من «اللام» محتملة للأمرين، ولا تظهر «أن» بعدها إلا في الضرورة كقوله:
3791 - فقالت: أكلّ النّاس أصبحت مانحا... لسانك كيما أن تغرّ وتخدعا 141
والأظهر في «كي» هذه أن تكون بمعنى «اللام».
وأما قول الآخر:
3792 - أردت لكيما أن تطير بقربتي... فتتركها شنّا ببيداء بلقع 142
فيحتمل أن تكون «كي» فيه بمعنى «أن» وشذ اجتماعهما على سبيل التوكيد، ويحتمل أن تكون جارة وشذ اجتماعها مع «اللام» كما في قول الآخر: -
الحديث: 3790 - الجزء: 8 - الصفحة: 4143
................................
3793 - ولا للما بهم أبدا دواء 143
انتهى.
أما ثلاثة الأحوال التي لـ «كي» فقد اشتمل عليها لفظ الكتاب؛ لأن قوله:
وينصب بـ «كي» نفسها، إلى قوله: إن كانت الجارّة - إشارة إلى الحالة المحتملة للأمرين، وقوله: وتتعين الأولى بعد اللّام - إشارة إلى الحالة التي هي فيها مصدرية، واحترز بقوله: غالبا من قوله:
3794 - أردت لكيما أن تطير بقربتي
فإنه قد جوز فيه أن تكون جارة في أحد الوجهين مع أنها بعد «اللام»، لكن ورود ذلك نادر.
وقوله: والثّانية قبلها - إشارة إلى الحالة التي هي جارة، ومثال ذلك قول حاتم:
3795 - فأوقدتّ ناري كي ليبصر ضوؤها... وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله 144
وقول الطرماح 145: -
الحديث: 3793 - الجزء: 8 - الصفحة: 4144
................................
3796 - كادوا بنصر تميم كي ليلحقهم... فيهم فقد بلغوا الأمر الّذي كادوا 146
فلا محيص في كل من البيتين عن أحد أمرين:
إما الحكم بأن «كي» مصدرية وأن «لام» الجر أتي بها مؤخرة عنها.
وإما الحكم بأنها جارة و «اللام» بعدها مؤكدة، قالوا: والحكم بالأمر الثاني متعين؛ لأن توكيد حرف بمثله ثابت، وتأخير حرف الجر الذي هو هنا عن الحرف المصدري غير ثابت فتعين كون «كي» إذا وجدت قبل «اللام» جارة 147.
واعلم أن الاستدلال على تعيّن «كي» جارة بوجودها قبل «اللام» كما ذكره في التسهيل أحسن مما ذكره في شرح الكافية؛ لأن كلامه هناك وإن أفاد ثبوت كونها جارة إنما يفيد أنها كذلك إذا باشرت الاسم الصريح؛ لأنه إنما مثل بها داخلة على «ما» الاستفهامية، ولا شك أن المقصود بيان ثلاثة الأحوال لـ «كي» حال مباشرتها الفعل لفظا فكان
قوله هنا: والثّانية قبلها هو الواجب أي: وتتعين جارة قبل اللام المباشرة للفظ الفعل.
وفي شرح الشيخ 148: وقال ابن قيس الرقيات:
3797 - ليتني ألقى رقيّة في... خلوة من غير ما أنس
كي لتقضيني رقيّة ما... وعدتني غير مختلس 149
إن «كي» هنا بمعنى «أن» ولا تكون الجارة؛ لأن حرف الجر لا يعلق.
انتهى.
-
الحديث: 3796 - الجزء: 8 - الصفحة: 4145
................................ وهذا غير مرضيّ من أبي علي؛ لأن حرف الجر هنا لم يعلق، بل هو باق على عمله، وكرر لفظه توكيدا كما في قول الآخر: 3798 - ولا للما بهم أبدا دواء 150 وأما قول المصنف: غالبا مع قوله: وب «أن» بعدها مضمرة غالبا إن كانت الجارة فإنه يتعلق بقوله: مضمرة أي: أن «كي» إذا كانت جارة وباشرت الفعل تنصب حينئذ بـ «أن» مضمرة ولا يجوز إظهارها [5/ 101] إلا في الضرورة كقوله: 3799 - فقالت: أكلّ النّاس أصبحت مانحا... لسانك كيما أن تغرّ وتخدعا 151 وقد قال في شرح الكافية بعد إنشاد هذا البيت: والأظهر في «كي» هذه أن تكون بمعنى اللام. وقال هنا - أعني في التسهيل -: ويترجّح مع إظهار «أن» مرادفة الّلام على مرادفة «أن»، وهذا الكلام منه رحمه الله تعالى محتمل لأمرين: إما كون «كي» في مثل هذا التركيب مرادفة لـ «أن» وأتي بـ «أن» بعدها توكيدا ضرورة هو قول للنحاة فيكون هذا القول مقابلا لقول من يقول: إنها مرادفة اللام. وإما كون «كي» مرادفة لـ «أن» أمر احتمالي يمكن أن يقال به، وكلام الإمام بدر الدين يجنح إلى أنه أمر احتمالي فإنه قال 152: وإذا ظهرت «أن» بعد «كي» نظرت فإن لم يكن قبلها «اللام» كما في قوله: ....... كيما أن تغرّ وتخدعا احتمل أن تكون الجارة، وقد شذ إظهار «أن» بعدها للضرورة، وأن تكون الناصبة للفعل وقد شذ توكيدها بـ «أن» للضرورة، ثم قال: والراجح كونها جارة لأن توكيد الحرف بالحرف شاذ في الاستعمال دون القياس فكان القول به أولى، ثم قال: وإن كان قبلها «اللام» كما في قوله: 3800 -... لكيما أن تطير بقربتي
الحديث: 3798 - الجزء: 8 - الصفحة: 4146
................................
احتمل أيضا أن تكون جارة وقد شذ اجتماعها مع «اللام» كما اجتمع اللامان في قول الآخر:
3801 - ولا للما بهم أبدا دواء
وكما اجتمع «ما» و «لا» في قول الآخر:
3802 - وما أن لا تخاط لهم ثياب 153
واحتمل أن تكون الناصبة للفعل المضارع وقد شذ اجتماعها مع «أن»، والراجح كونها جارة؛ لأن توكيد الجار بمثله ثابت بيقين، وتوكيد الناصب للفعل بمثله مشكوك فيه، والحمل على المتيقن أولى، ولأن حرف الجر أقرب إلى ما هو الأصل فيما يؤكد وهو الأسماء من الحرف المصدري؛ لأن حرف الجر يدل على زائد على المفهوم من مصحوبه، بخلاف الحرف المصدري؛ لأنه لا فائدة له إلا بصحيح استعمال الفعل في موضع المصدر، والإقدام على توكيد ما هو أقرب إلى الأصل فيما يؤكد أسهل من الإقدام على توكيد ما هو أبعد منه فلا يقاس عليه.
انتهى.
وهذا الذي ذكر من أن «كي» مصدرية وجارة هو مذهب سيبويه 154 وجمهور البصريين، وبعض البصريين يرى أن النصب بعدها إنما هو بـ «أن» مضمرة ذكر ذلك الشيخ في شرحه 155، والمشهور نسبة هذا القول إلى الكوفيين وكأنهم يرون أنها جارة فقط وأنها لا تكون مصدرية 156.
وقد أطال الشيخ 157 الكلام في ذلك ولم يتحصل لي من كلامه ما يقرب من الضبط.
ثم إن المصنف أشار بقوله أولا: ولا يتقدّم معمول معمولها - إلى أن معمول -
الحديث: 3801 - الجزء: 8 - الصفحة: 4147
................................ معمول «كي» لا يتقدم على «كي»، وإنما ترك التقييد؛ لأن الكلام إنما هو في «كي» نفسها، فكل حكم يذكر في ذلك الكلام من تقديم أو تأخير أو فصل أو غير ذلك يتعين كونه راجعا إليها، ومثال ذلك أن تقول: توضأت كي أصلّي الظّهر، فلا يجوز أن يقال: توضأت الظّهر كي أصلّي، وأجاز ذلك الكسائي والجمهور على المنع 158، والعلة ظاهرة فيه، لأن «كي» إن كانت المصدرية فهي حرف موصول وما هو من تمام الصلة لا يتقدم على الموصول، وإن كانت الجارة فالنصب بعدها بـ «أن» مضمرة، و «أن» حرف موصول وما هو من تمام الصلة لا يتقدم على الموصول. وأشار بقوله ثانيا: ولا يبطل عملها الفصل إلى أنه قد يفصل بينها وبين معمولها ومع ذلك يكون النصب باقيا، قال الإمام بدر الدين 159: وقد يفصل به - أي بمعمول المعمول - أو بجملة شرطية فيبقى النصب، وقال: قال الشيخ - رحمه الله تعالى - يعني والده -: من كلامهم: جئت كي فيك أرغب، وجئت كي أن تحسن أزورك بنصب «أرغب» و «أزورك»، والكسائي يجيز الكلام برفع الفعلين دون نصبهما. انتهى. قال الشيخ بعد إيراده هذا الكلام 160: وهذا الذي اختاره المصنف وشرحه ابنه موافقا هو مذهب ثالث لم يتقدم إليه على ما نبينه فنقول: أجمعوا على أنه يجوز الفصل بينها وبين معمولها بـ «لا» النافية كقوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً 161 وب «ما» الزائدة كقول قيس بن سعد بن عبادة 162: 3803 - أرادت لكيما يعلم النّاس أنّها... سراويل قيس والوفود شهود 163
الحديث: 3803 - الجزء: 8 - الصفحة: 4148
................................
وقول الآخر:
3804 - تريدين كيما تجمعيني وصاحبي... [وهل يجمع السّيفان ويحك في عمد] 164
وقد يفصل بهما معا، أنشد ثعلب:
3805 - أرادت لكيما لا ترى لي عثرة... ومن ذا الّذي يعطى الكمال فيكمل 165
وقد يجعل العرب «ما» اللاحقة لها كافة كهي في نحو رُبَما يَوَدُّ 166 وذلك نحو قول الشاعر:
3806 - يرجّى الفتى كيما يضرّ وينفع 167
وأما الفصل بغير ذلك فمذهب البصريين وبعض الكوفيين أنه لا يجوز، وذهب الكسائي إلى جواز الفصل بينهما بمعمول الفعل الذي دخلت عليه، وبالقسم 168، فيبطل عملها فتقول: أزورك كي والله تزورني، وأكرمك كي غلامي تكرم، ويبطل عملها أيضا عند الكسائي إذا لاصقها الشرط نحو قولهم: أزورك كي إن تكافئني أكرمك، فلا عمل لـ «كي» في الشرط وجوابه، والصحيح أن الفصل بينهما في حال الاختيار لا يجوز كما لا يجوز ذلك في «أن» 169، والعلة المانعة من الفصل بينهما هي العلة المانعة من الفصل بين «أن» ومعمولها، فإن فصل بينها وبين معمولها في حال الاضطرار لم يبطل عملها؛ لأن عملها هو الاختصاص وهو باق لم يبطل، وما ذهب إليه الكسائي من ملاصقة الشرط وإبطال عملها غير محفوظ [5/ 102] من كلام العرب.
انتهى.
وهذا الذي ذكره من أن الفصل لا يبطل العمل عند غير الكسائي هو الذي قاله المصنف، أما كون الفصل لا يجوز في الاختيار وإنما يجوز في الاضطرار فلم يتعرض المصنف إلى ذكره، وإذا كان كذلك فكيف يقول الشيخ: إن الذي اختاره وشرحه ابنه موافقا عليه هو مذهب ثالث؟ -
الحديث: 3804 - الجزء: 8 - الصفحة: 4149
................................ ثم إن الذي يفهم من قولهم: إن الفصل قد يكون بجملة شرطية، أن جملة الشرط يفصل بها بين «كي» ومعمولها كما قيل في نحو: جئت كي إن تحسن أزورك: إنه ينصب «أزورك». وكلام الشيخ يقتضي أن جملة الشرط يذكر معها جوابها ولا يذكر لـ «كي» معمول؛ لأنه بعد أن مثل بقوله: أزورك كي إن تكافئني أكرمك - بجزم أكرمك - قال: فلا عمل لـ «كي» في الشرط، وهذا عجب فإن الشرط إذا ذكر له جواب ولم يؤت لـ «كي» بمعمول فكيف يقال: إن ثمّ فصلا؟ ثم مقتضى ذلك أن تكون «كي» في هذا التركيب ملغاة لا معنى لها. وحاصل الأمر: أني لم أتحقق كون «أكرمك» في المثال الذي ذكره جواب الشرط، والظاهر بل المتعين 170 أن يكون منصوبا بـ «كي» إذ المعنى: أزورك كي أكرمك إن تكافئني، وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام الذي قبل الشرط، كما أن المعنى في المثال الذي ذكره ابن المصنف عن والده: جئت كي أزورك إن تحسن. واعلم أنه لا يخفى جواز تأخر معمول «كي» عنها فيقال: كي تكرمني جئتك، سواء أكانت «كي» الناصبة بنفسها أم الجارة والنصب بعدها بـ «أن» مضمرة، وذلك أنها في المعنى مفعول من أجله فكما يجوز التقديم في نحو: ابتغاء إحسانك زرتك، كذلك يجوز ذلك مع «كي» وهذا واضح 171. ثم إن المصنف قال في شرح الكافية 172: وإن ولي «كي» اسم، أو فعل ماض أو مضارع مرفوع علم أن أصلها: «كيف» حذفت فاؤها ومنه قول الشاعر: 3807 - كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت... قتلاكم ولظى الهيجاء تضطرم 173
الحديث: 3807 - الجزء: 8 - الصفحة: 4150
................................
قال: وزعم أبو علي 174 أن أصل «كما» في قول الشاعر 175:
3808 - وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنه... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر 176
«كيما» محذوفة الياء ونصب بها تنصب لو لم ينلها حذف.
انتهى.
وكأن المصنف لم يرفض قول أبي علي في هذه المسألة.
وأشار إلى المسألة في باب «حروف الجر» لما ذكر أن «ما» تزاد بعد الكاف، وأنها قد تحدث في الكاف معنى التعليل فقال: وربما نصبت حينئذ مضارعا لا لأن الأصل: «كيما» وقال في شرحه لذلك: 177 وإذا حدث فيها - يعني في الكاف - معنى التعليل ووليها مضارع نصبته تشبيها بـ «كي» كقول الشاعر:
وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنه... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر
وزعم الفارسي أن الأصل: «كيما» فحذف الياء، وهذا تكلف لا دليل عليه ولا حاجة إليه.
انتهى.
- - والشاهد في قوله: «كي تجنحون» فإن «كي» فيه بمعنى: «كيف» كما يقال: «سو» في «سوف»، أي: كيف تجنحون؟ والبيت في المغني (ص 182)، والعيني (4/ 378)، والهمع (1/ 214)، والدرر (1/ 184).
الحديث: 3808 - الجزء: 8 - الصفحة: 4151
................................
وفي شرح الشيخ 178: أن البصريين لا يجيزون نصب الفعل بعد «كما» وأن الكوفيين يجيزون ذلك مع أنهم يجيزون الرفع أيضا.
وبعد فكلام الإمام بدر الدين يخالف كلام والده فإنه قال 179: وقد تحذف ياء «كي» ويبقى عملها كقول عدي بن زيد 180:
3809 - اسمع حديثا كما يوما تحدّثه... عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا 181
أراد: كيما تحدثه، وأنشد أبو علي:
3810 - وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنه... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر 182
انتهى.
ولا شك أن دعوى «كما» المنصوب بعدها الفعل أصلها: كيما وحذفت الياء أسهل من دعوى أن «كما» نصبت تشبيها بـ «كي» ويقال للمصنف: كما ادّعيت أن «كي» في قول الشاعر:
3811 - كي تجنحون إلى سلم...... 183
أصلها «كيف» وحذفت «الفاء» هكذا يدّعى في «كما» أن أصلها: كيما وحذفت الياء واعلم أن الشيخ أنشد في شرحه 184 هذا البيت وهو:
اسمع حديثا كما يوما تحدّثه......
وقال: فإن قلت: هذا يدل على أن الفصل بين «كي» والفعل يبطل عملها ألا ترى أن المعنى: كيما يوما تحدثه؛ فالجواب من وجهين: -
الحديث: 3809 - الجزء: 8 - الصفحة: 4152
[إذن الناصبة للمضارع وأحكامها]
قال ابن مالك: (وينصب غالبا بـ «إذن» مصدّرة إن وليها، أو ولي قسما وليها ولم يكن حالا، وليست «أن» مضمرة بعدها خلافا للخليل، وأجاز بعضهم فصل منصوبها بظرف اختيارا، وقد يرد ذلك مع غيرها اضطرارا، ومعناها الجواب والجزاء، وربّما نصب بها بعد عطف أو ذي خبر).
أحدهما: أن تكون «كما» ليس أصلها: «كيما» بل هي «كما» التي بمعنى «لعل» مركبة من الكاف و «ما» فصارتا بمنزلة حرف واحد، ومنه قول العرب:
انتظرني كما آتيك، أي: لعلّي آتيك.
ثانيهما: أن يكون أصلها «كيما» فحذفت الياء لكن رفع الفعل بعدها لأن «ما» كافة لها عن العمل كما في قول الآخر:
3812 - كيما يضرّ وينفع 185
قال ناظر الجيش: لما انتهى الكلام على الأحرف الثلاثة الناصبة شرع في ذكر الناصب الرابع وهو: «إذن» 186.
ولما لم تكن هذه الكلمة مختصة بالأفعال انحطت رتبتها في العمل عن أخواتها فاشترط في عملها ما لم يشترط في غيرها، وجاز فيها أن تلغى أيضا وإن استكملت الشروط، والمصنف ذكر شروط عملها أولا ثم ثنّى بذكر خلاف في جواز الفصل في الاختيار بينها وبين منصوبها بالظرف، ثم ثلّث بذكر معناها وأشار مع ذلك إلى جواز إلغائها مع استكمال الشروط وإلى ذكر خلاف الخليل في قوله: إن «أن» مضمرة بعدها، وإلى جواز إعمالها وإن وقعت حشوا.
-
الحديث: 3812 - الجزء: 8 - الصفحة: 4153
................................ وبعد: فأنا أورد كلامه في شرح الكافية ثم كلام ولده ثم أشير إلى ما لا بد منه مما يتعلق بالكلمة المذكورة أعني «إذن». أما ما ذكره هو فإنه قال 187: إن «إذن» تنصب المضارع المراد استقباله لا المراد به الحال لأن المراد به الحال لا بد من رفعه بعدها نحو قولك لمن قال: أحبّك: إذن أصدقك، ولا تنصبه وهو مستقبل إلا إذا صدّرت [5/ 103] الجملة بها، أو كانت في حكم المصدر بها واتصل بها الفعل أو توسط بينهما يمين نحو قولك لمن قال: أزورك: إذن أكرمك، أو: إذن والله أكرمك، فالقسم لا يعدّ هنا حاجزا كما لم يعدّ حاجزا بين المضاف والمضاف إليه كقول بعض العرب: هذا غلام والله زيد، حكاه الكسائي 188، واغتفر ذلك في «إذن»؛ لأنها غير ممتزجة بما تعمل فيه امتزاج غيرها. فلو توسطت «إذن» بين ذي خبر وخبر، أو بين ذي جواب وجواب ألغيت، ولو قدم عليها حرف عطف جاز إلغاؤها وإعمالها وإلغاؤها أجود وهي لغة القرآن العزيز التي قرأ بها السبعة 189 في قوله تعالى: وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا 190، وفي بعض الشواذ (لا يلبثوا) بالنصب 191، وشذ أيضا النصب بـ «إذن» بين خبر وذي خبر في قول الشاعر: 3813 - لا تتركنّي فيهم شطيرا... إنّي إذن أهلك أو أطيرا 192
الحديث: 3813 - الجزء: 8 - الصفحة: 4154
................................
وحكى سيبويه 193 عن بعض العرب الفصحاء إهمال «إذن» مع استيفاء شروط العمل.
انتهى.
وقد عرف من كلامه أن الشروط لعملها ثلاثة: كون الفعل الذي تعمل فيه مستقبلا، وكونه متصلا بها غير مفصول بينها وبينه إلا بقسم، وكونها صدر الجملة، وهي التي أشار إليها في التسهيل بقوله: مصدّرة إن وليها أو ولي قسما وليها ولم يكن حالا.
أما اشتراط استقبال الفعل: فلأن أخوات «إذن» من النواصب يتخلص الفعل معها للاستقبال، فعرفنا أن الناصب
يخلص المضارع للاستقبال فوجب أن لا يكون لها عمل في ما هو حال 194.
وأما اشتراط عدم الفصل: فلأن نواصب الفعل لا يفصل بينها وبين منصوبها 195، وإنما جاز الفصل بالقسم؛ لأن القسم هو تأكيد لمضمون الجملة، وإذا كان الفاصل يفيد التأكيد فكأنه يعدّ غير فاصل، ويدل على الاعتداد به في الفصل الفصل به بين الجار والمجرور في النثر نحو: اشتريته بو الله ألف درهم وبين المضاف والمضاف إليه نحو قولهم: هذا غلام والله زيد، حكاه الكسائي عن العرب 196.
ولم يفصلوا بالظرف بين المتضايفين ولا بين الجار والمجرور إلا في الضرورة، وذكر ابن أبي الربيع أن الفصل بين «إذن» والفعل بالنداء أو بـ «لا» كالفصل بالقسم فلا يبطل عملها 197.
وأقول: أما كون الفصل بـ «لا» غير معتد به فظاهر؛ لأنها لم يعتد بها فاصلة -
الجزء: 8 - الصفحة: 4155
................................ مع «أن» فكذا لا يعتد بها فاصلة مع «إذن»، وأما الفصل بالنداء فلا يبعد القول به إن ورد به سماع. وذهب الكسائي وهشام 198 إلى جواز الفصل بمعمول الفعل، لكن الاختيار حينئذ عند الكسائي النصب، وعند هشام الرفع 199 نحو: إذن فيك أرغب، وإذن صاحبك أكرم. فلو قدم معمول الفعل على «إذن» نحو: زيدا إذن أكرم، فعند الفراء يبطل العمل 200. وأجاز الكسائي الرفع والنصب، قال الشيخ 201: ولا نص أحفظه عن البصريين في ذلك بل يحتمل قولهم: إنه يشترط في عملها أن تكون مصدرة أن لا تعمل والحالة هذه؛ لأنها لم تتصدر، ويحتمل أيضا أن يقال: إنها تعمل لأنها وإن لم تتصدر لفظا فهي مصدرة في النية؛ لأن النية بالمفعول التأخير، قال: ولقائل أن يقول: لا يجوز تقديم معمول الفعل بعد «إذن» لأنها إن كانت مركبة فظاهر؛ لأن «أن» لا يكون معها ذلك - أعني التقديم - وإن لم تكن مركبة فلا يجوز أيضا؛ لأن ما فيها من الجزاء يمنع أن يتقدم معمول ما بعدها عليها. قال: ولما كان من مذاهب الكوفيين جواز تقديم معمول فعل الشرط على أداة الشرط أجازوا ذلك في «إذن» كما أجازوا ذلك في «إن» نحو زيدا إن يضرب أضربه. انتهى. وما قاله من أن ما فيها من الجزاء يمنع أن يتقدم معمول ما بعدها عليها، غير ظاهر؛ لأن معمول فعل الجزاء يجوز تقديمه على الجزاء، ولا يمنع ذلك إلا الفراء 202، وقد أنشدوا على ذلك قول القائل: 3814 - وللخيل أيّام فمن يصطبر لها... ويعرف لها أيّامها الخير تعقب 203
الحديث: 3814 - الجزء: 8 - الصفحة: 4156
................................
والممتنع عند البصريين إنما هو تقديم معمول فعل الشرط على أداة الشرط 204.
وأما اشتراط كونها صدر الجملة: فقد قال المصنف في شرح الكافية 205: إن «إذن» أشبهت «أن» من وجه وهو: أن الفعل حدث فيه بها أمران وهما: كونه جوابا وجزاء، وكونه بها مرجح الاستقبال على الحال وكان أمره دون «إذن» بالعكس كما حدث فيه بـ «أن» أمران: وهما: كونه بها في تأويله بمصدر، وكونه بها غير محتمل للحال، وباينتها من وجه وهو: عدم اختصاصها بالأفعال وتقدم اختصاصها بالمستقبل إذ قد يليها الحال، قال: فلشبهها بـ «أن» من وجه، ومباينتها من وجه افتقرت في إعمالها إلى ما يقويها من تصدير وغيره.
انتهى.
ثم ليعلم أنه ليس المراد بكونها مصدرة التصدير اللفظي بل قد يتقدمها كلام وتأتي هي بعده، ولكنها صدر جملتها
فيحكم لها بحكم المتصدرة أول الكلام ولهذا قال في شرح الكافية 206: ولا تنصبه وهو مستقبل إلا إذا صدرت الجملة بها، أو كانت في حكم المصدر بها.
وسيأتي الكلام على ذلك مفصلا مبسوطا إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: غالبا بعد قوله: وينصب فإشارة منه إلى ما ذكره عن سيبويه أنه حكى عن بعض فصحاء العرب إهمالها مع استيفاء الشروط.
وعرف من قوله: (فلو توسّطت «إذن») إلى آخره - معنى ما أراده في التسهيل بقوله: وربّما نصب بها بعد عطف أو ذي خبر.
- - واستشهد به: على جواز تقديم معمول فعل الجزاء على الجزاء في قوله: «الخير تعقب» فـ «الخير» منصوب بـ «تعقب» وتقديره: تعقب الخير، و «تعقب» مجزوم، وإنما كسرت الباء؛ لأن القصيدة مجرورة، وإنما كان هذا في المجرورة دون المرفوعة والمنصوبة لوجهين: أحدهما: أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فلما وجب تحريكه حركوه حركة النظير، والثاني: أن الرفع والنصب يدخلان هذا الفعل ولا يدخله الجر، فلو حركوه بالضم أو الفتح لالتبس حركة الإعراب بحركة البناء، بخلاف الكسر فإنه ليس فيه لبس.
انظر الإنصاف (ص 622، 623) وانظر البيت في شرح الكافية للرضي (2/ 256)، والخزانة (3/ 642).
الجزء: 8 - الصفحة: 4157
................................
وأما ما ذكره ولده فإنه قال 207: «إذن» حرف معناه الجواب والجزاء فلا يصحب إلا جملة هي جواب شرط مذكور كقولهم: إن تأتني إذن آتيك، أو مقدر بـ «إن» إلا في ما بعدها اللام، قال الفراء 208: إذا أتت بعد «إذن» اللام فقبلها «لو» مقدرة نحو: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ 209، وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا 210، وإِذاً لَأَذَقْناكَ 211 التقدير: لو كان معه إله لذهب، ولو فعلت لاتخذوك خليلا، ولو ركنت لأذقناك.
ولا تلزم صدر الجواب بل قد تأتي وسطا [5/ 104] وآخرا نحو: أنا إذن أفعل، وأنا أفعل إذن، ولا تختص بالأفعال وكان حقها أن لا تعمل ولكنهم شبهوها بـ «أن» لغلبة استقبال الفعل بعدها ولأنها تخرج الفعل عما كان عليه إلى جعله جوابا كما تخرج «أن» الفعل عما كان عليه إلى جعله في تأويل المصدر، وعملت عمل «أن» فنصبت المضارع وإن لم تختص به كما عملت «ما» عمل «ليس» وإن لم تختص بالأسماء، هذا مذهب أكثر النحويين، وما عزاه إلى الخليل
من أن الفعل بعد «إذن» منصوب بـ «أن» مضمرة إنما مستنده فيه قول السيرافي في أول شرح الكتاب 212: روى أبو عبيدة عن الخليل أنه قال: لا ينصب شيء من الأفعال المضارعة إلا بـ «أن» مظهرة أو مضمرة و «كي» و «لن» و «إذن» وغير ذلك 213.
وليس في هذا نص على انتصاب المضارع بعد «إذن» عند الخليل بـ «أن» مضمرة لجواز أن تكون «إذن» مركبة من «إذ» التي للتعليل و «أن» محذوفا همزتها بعد -
الجزء: 8 - الصفحة: 4158
................................
النقل على نحو ما رآه في انتصابه بعد «لن» والقول به على ضعفه أقرب من القول بأن «إذن» غير مركبة وانتصاب الفعل المضارع بعدها بـ «أن» مضمرة لأنه لا يستقيم إلا على أن يكون ما بعد «إذن» في تأويل مبتدأ لازم حذف خبره و «إذن» قبله ليست حرفا بل ظرفا مخبرا به عن المبتدأ، وأصلها: إذا قطعت عن الإضافة وعوض عنها التنوين، وكلاهما في غاية من التكلف، والقول بأن «إذن» مركبة من «إذ» و «أن» أسهل منه، وإنما تنصب «إذن» المضارع بشرط كونها مصدرة والفعل مستقبل متصل بها أو منفصل بقسم كقولك لمن قال: أزورك غدا: إذن أكرمك، أو إذن والله أكرمك، فالقسم هنا لا يعدّ حاجزا كما لا يعدّ حاجزا بين المضاف والمضاف إليه.
والمراد بالمصدّرة: ما لم يكن ما بعدها من تمام ما قبلها؛ إما لأنها لم يتقدمها شيء، وإما لأنها تقدمها كلام فيجوز أن يستأنف وينصب الجواب كما لو لم يتقدمها شيء، وذلك نحو قول ابن عنمة 214:
3815 - اردد حمارك لا تنزع سويّته... إذن يردّ وقيد العير مكروب 215
فهذا نصب لأن ما قبله من الكلام فقد استغنى وتمّ، ألا ترى أن قوله:
اردد حمارك لا تنزع سويّته
كلام قد تم، ثمّ استأنف كأنه أجاب من قال: لا أفعل ذلك فقال:
إذن يردّ وقيد العير مكروب
وإذا وجدت الشروط المذكورة فالمعروف في كلامهم نصب الفعل بعدها، وزعم -
الحديث: 3815 - الجزء: 8 - الصفحة: 4159
................................
عيسى بن عمر 216 أن ناسا يقولون: إذن أكرمك - بالرفع - وإليه الإشارة بقوله:
(غالبا)، فلو وقعت بين «واو» العطف و «فائه» وبين الفعل المستقبل كنت فيها بالخيار؛ إن شئت أعملتها وشاهده قول سيبويه 217: وبلغنا أن هذا الحرف في بعض المصاحف (وإذا لا يلبثوا خلفك إلّا قليلا)، وقرأ بعضهم 218: (فإذا لا يؤتوا النّاس نقيرا)، وإن شئت ألغيتها وهو الأكثر وبه قرأ القرّاء 219.
وإن وقعت بين شرط وجزاء، أو بين مخبر عنه وخبره أو منصوب وناصبه ألغيت، نحو: إن تأتني إذن آتك وأنا
إذن اكرمك، وزيدا إذن أضرب، كما تلغى «رأى» و «حسب» إذا توسطت الكلام، وربما نصب بها بين مخبر عنه وخبره كقول الراجز أنشده ابن كيسان:
3816 - لا تتركنّي فيهم شطيرا... إنّي إذن أهلك أو أطيرا 220
ولو كان الفعل الذي بعدها حالا ألغيت كقولك لمن قال: أحبّك: إذن أصدقك، بالرفع؛ لأنه موضع لا يعمل فيه أخوات «إذن» فلم تعمل هي فيه.
وكذلك لو كان منفصلا بغير قسم كقولك: إذن زيد يكرمك، وإذن طعامك تأكل، وإذن فيك أرغب؛ فليس في هذا ونحوه إلا الرفع لوجود الفصل، وأجاز ابن عصفور 221 نصب المضارع بـ «إذن» مع الفصل بالظرف وشبهه، وبالقسم ولم يجز مثل ذلك في غير «إذن» إلا في الضرورة كقوله:
3817 - لن ما رأيت أبا يزيد مقاتلا... أدع القتال وأشهد الهيجاء 222
وأجاز الكسائي 223 الفصل بالظرف وغيره بين الفعل وناصبه نحو: جئت كي زيدا تضرب، وأنشد: -
الحديث: 3816 - الجزء: 8 - الصفحة: 4160
................................
3818 - وشفاء غيّك خابرا أن تسألي 224
وحمله الفراء 225 على أن «خابرا» حال من «الغي».
انتهى كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى وهو حسن إلا أنني لم ينتظم لي قوله: إلا على أن يكون ما بعد «إذن» في تأويل مبتدأ لازم حذف خبره، مع قوله:
و «إذن» قبله ليست حرفا بل ظرفا مخبرا به عن المبتدأ؛ لأن قوله: و «إذن» قبله مخبر به عن المبتدأ يناقض قوله: على أن يكون ما بعد «إذن» في تأويل مبتدأ لازم حذف خبره؛ إلا أن يكون قوله: و «إذن» قبله ليست حرفا بل ظرفا مخبرا به عن المبتدأ - ليس من تتمة الكلام الذي هو متصل به بل يكون قد قصد به إبطال أن يكون الخبر لازم الحذف إذا أولنا ما بعد «إذن» بمبتدأ؛ فكأنه يقول: كيف يدعى لزوم حذف الخبر و «إذن» قبل المبتدأ الذي ذكرتم أنه مؤول ليست حرفا بل هي ظرف مخبر به؟ فكأن مراده أن دعوى أن الخبر لازم الحذف باطلة، على أن غرضه إبطال المسألة من أصلها فلا مبتدأ ثمّ ولا خبر.
وأما قوله: في ما رواه أبو عبيدة عن الخليل أن النصب بعد «إذن» بـ «أن» مضمرة 226 -
الحديث: 3818 - الجزء: 8 - الصفحة: 4161
................................
أنه ليس فيه نص على أن «أن» مضمرة لجواز أن تكون «إذن» مركبة من «إذ» التي للتعليل و «أن» - فكلام صحيح لو لم يكن نقل عن الخليل القول الآخر، لكن القولان منقولان عنه، منهم من نقل عنه أنها مركبة من «إذ» و «أن» 227، ومنهم من نقل أن «أن» مضمرة بعدها وهو أبو عبيدة، والمنقول عن الثقات لا يدفع ولولا أن المصنف علم أن ذلك قول للخليل لما قال: وليست أن مضمرة بعدها خلافا للخليل.
وبعد: فلنذكر مذاهب النحاة في الكلمة المذكورة فنقول 228:
ذهب جمهورهم إلى أنها حرف بسيط، وشذ بعض الكوفيين فذهب إلى أنها اسم بسيط [5/ 105] ظرف وهو «إذا» فنوّن واستعمل في الجزاء فحدث فيه معنى الربط والسبب قال: والأصل: إذا جئتني أكرمتك فحذف المضاف إليه «إذا» وهو الجملة وعوض منها التنوين كما في «حينئذ» وحذفت الألف لالتقاء الساكنين.
وأما الخليل فنقل عنه 229 أنها حرف مركب من «إذ» و «أن» وغلب عليها حكم الحرفية ونقلت حركة الهمزة إلى «الذال» وحذفت وصار هذا النقل ملتزما، فإذا قيل: أزورك فقلت: إذن أزورك فكأنك قلت: حينئذ زيارتي واقعة، ونقل عنه أبو عبيدة أن «أن» مضمرة بعدها، لكن الذي حكاه سيبويه عنه - أعني عن الخليل - أنها تنصب بنفسها 230.
وقد ذهب بعض المتأخرين 231 إلى أنها مركبة من «إذا» و «أن» فحذفت همزة «أن» ثم ألف «إذا» لالتقاء الساكنين، قال: فيدل على الربط بـ «إذا» ويكون النصب بـ «أن».
وإذ قد عرف هذا فلنشر إلى أمور: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4162
................................
منها: أن هذه الكلمة التي هي «إذن» تلتها الجملة الاسمية فيقال لمن قال:
أزورك: إذن أنا مكرم لك، وتتوسط بين المبتدأ وخبره فيقال: أنا إذن مكرم لك، وبين معمول الناسخ وخبره قال الله تعالى: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ 232، ويليها المضارع فتنصبه بالشروط المذكورة وهي: أن تكون مصدّرة، وأن يكون الفعل مستقبلا، وأن لا يكون مفصولا بينها وبينه بغير قسم، وكذا إن كان الفصل بنداء أو بـ «لا» فإنه كالفصل بالقسم كما تقدم، ومتى كان الفصل بغير ذلك بطل عملها كقولك:
إذن سوف أكرمك، وإذن سأحسن إليك، وكذا إن كان الفعل غير مستقبل بأن يكون حالا كما تقدم.
وأما إذا كانت غير مصدرة فإما أن تتأخر وإما أن تتوسّط، فإن تأخرت بطل عملها نحو أن تقول في الجواب: أكرمك إذن، وإن توسطت فقد عرفت من كلام المصنف في شرح الكافية: أنها إذا توسطت بين خبر وخبر أو بين ذي جواب وجواب ألغيت وأن النصب بها شذ بين ذي خبر وخبر، وأنها إذا قدّم عليها حرف عطف جاز إلغاؤها وإعمالها وأن الإلغاء أجود وأن القرآن العزيز جاء به.
وإلى ذلك الإشارة بقوله في التسهيل: (وربّما نصب بها بعد عطف أو ذي خبر)، وقد فهم من قول المصنف: وربّما نصب بها بعد عطف أو ذي خبر - أنها قد تنصب متوسطة في هذين الموضعين، وأنها إن توسطت في غيرهما وجب إلغاؤها كما لو توسطت بين الشرط وجوابه نحو: إن تكرمني إذن أكرمك، ونحو: والله إذن لأكرمنّك، ومنه قول الشاعر:
3819 - لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها إذن لا أقيلها 233
الحديث: 3819 - الجزء: 8 - الصفحة: 4163
................................
فـ «لا أقيلها» جواب القسم المحذوف الذي دلت عليه «اللام» الموطئة في «لئن».
وقد ذكر الجماعة - أعني المغاربة - ما دل عليه كلام المصنف بمنطوقه وبمفهومه بصورة تقسيم فقالوا 234: إذا كانت «إذن» متوسطة فإما أن يفتقر ما بعدها إلى ما قبلها أو لا، فإن افتقر فإما أن يكون افتقار الشرط لجزائه، أو افتقار القسم لجوابه، أو افتقار الخبر للمخبر عنه، فإن كان افتقار الشرط أو افتقار القسم فالإلغاء ولا يجوز العمل، وإن كان افتقار الخبر نحو: أنا إذن أكرمك، وزيد إذن يكرمك فالإلغاء أيضا ولكن قد ينصب بها حينئذ، قالوا: وإنما يجيز النصب الكوفيون، وأما البصريون فيلغونها حتما، وإن لم يفتقر ما بعدها لما قبلها وذلك بأن يتقدمها حرف عطف فما بعدها إما أن يكون معطوفا على ما له محل من الإعراب أو على ما لا محل له، فإن كان الأول فالإلغاء نحو قولك: إن تزرني أزرك وإذن أحسن إليك - بجزم أحسن - ولا يجوز غير ذلك إذا قدّرت أنها مع ما بعدها عطف على جواب الشرط، وكذلك: زيد يقوم وإذن يكرمك إن عطفت على الخبر ألغيت إذ يصير مثل: زيد يكرمك؛ لأن المعطوف على الخبر خبر، وإن كان الثاني بأن يكون قد عطف على الجملة المتقدمة من الشرط والجزاء ومن المبتدأ والخبر جاز إذ ذاك الإلغاء، رعيا لحرف العطف، والإعمال لأن المعنى على استئناف ما بعد حرف العطف حتى قال بعضهم:
إن عطفت على الجملة المتقدمة أعملت وصار لها حكمها إذا صدرت.
انتهى ما ذكروه، وهذا الذي قالوه قد قلنا: إن كلام المصنف يعطيه بالمنطوق والمفهوم.
فإن قلت: كيف تستفيد وجوب الإلغاء من كلامه في نحو: إن تزرني أزرك وإذن أحسن إليك وهو قد أجاز الأمرين بعد حرف العطف؟
قلت: لم يجز الأمرين وإنما قال: وربّما نصب بها بعد عطف - فأفاد أن الإلغاء هو المعمول به وأن الإعمال موقوف على السماع.
- - حلفت برب الراقصات إلى منى... يغول البلاد نصلها وذميلها وجواب القسم «لا أقيلها».
اه.
فليس القسم محذوفا كما ذكر المؤلف.
والبيت في الكتاب (3/ 15) (هارون) وابن يعيش (9/ 13، 22)، وشرح الكافية للرضي (2/ 239).
الجزء: 8 - الصفحة: 4164
................................
ومنها: أن صاحب الإفصاح قال 235: واعلم أن قول النحويين في هذا: إنه إلغاء؛ فيه تجوّز؛ لأن الإلغاء في الحقيقة: ترك العمل مع التسلط، ولذلك جاز العمل في كل ما يلغى حقيقة لتسلطه في المعنى والحكم نحو: زيدا قائما ظننت، فأما نحو: إن زيدا إذن يكرمك فـ «يكرمك» خبر «إنّ» وما دخلت عليه «إذن» محذوف كجواب «إن» في قولك: زيد إن قمت يقوم؛ لأن ما يطلب جوابا لا بد له منه لفظا أو تقديرا، فكيف يصح أن تقول: ألغي عنه وهو لم يدخل عليه ولا توجّه حكمه عليه؟
لكن تجوّز النحويون في ذلك فسموه إلغاء من حيث دخل على فعل قد يعمل فيه في موضع ما على وجه ما فلم يعمل فيه، ومما يدل على هذا أنك إذا قلت: أنا أكرمك إذن، كيف يصح تسلط «إذن» على ما قبلها؟ وإنما حذفوا جوابها لدلالة ما تقدم عليه كما تقول: أكرمك إن تقم، وأنا مكرم لك لو وافيتني، وإني أكرمته لما جاءني فـ «إذن» هنا كسائر ذوات الجزاء؛ لأنها جزاء [5/ 106] ولذلك جاز فيها: إذن والله أكرمك بالنصب وليس من نواصب الفعل ما يفصل بينه وبين معموله بالقسم سواها، وجاز في «إذن» من حيث هي طالبة جواب، وشأن طالبي الجواب إذا اجتمعا أن يعامل الأول ويستغنى بجوابه عن الثاني فقلت: إذن والله أكرمك، كما قلت: إن تقم والله أكرمك، فإن عكست قلت: والله إذن لأكرمنّك فـ «إذن» ليست ملغاة وإنما حذف جوابها كما حذف جواب القسم في العكس المتقدم.
انتهى كلام صاحب الإفصاح وهو كلام حسن ناشئ عن فقه نفس.
وقوله: وشأن طالبي الجواب إذا اجتمعا أن يعامل الأول ويستغنى بجوابه عن جواب الثاني صحيح ولكنه ليس على إطلاقه، فإنه إذا اجتمع الشرط و «إذن» فالحكم للشرط تقدم أو تأخر تقول: إذن إن تكرمني أكرمك؛ فتجزم «أكرمك» بالشرط ولا تنصبه بـ «إذن»، وتقول: إن تكرمني إذن أكرمك، وتجزمه لأن «إذن» متوسطة.
أشار إلى ذلك ابن أبي الربيع، قال 236: وإنما كان الحكم للشرط لأنه أقوى في الجزاء وأنت لو أسقطت «إذن» واكتفيت بـ «إن» لأجزأك ذلك وفهم المعنى الذي يفهم من «إذن» قال: وليس القسم مع «إذن» كذلك؛ لأن -
الجزء: 8 - الصفحة: 4165
................................
كل واحد منهما يعطي ما لا يعطيه الآخر فكان الحكم للمتقدم.
انتهى.
وعلى هذا الذي تقرر جاء قول الحماسي:
3820 - لو كنت من مازن لم تستبح إبلي... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معشر خشن... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا 237
فذكر جواب «لو» 238 وحذف جواب «إذن».
ومنها: أن الذي قاله المصنف وهو أن «إذن» معناها: الجواب والجزاء هو مذهب سيبويه 239، لكن الفارسى 240 فهم من كلام سيبويه أنها تارة تكون للجواب فقط وتارة تكون للجواب والجزاء: فمعناها اللازم لها الجواب، وأما الجزاء فتارة يوجد معها، وتارة لا يوجد، فمثال ما هي فيه جواب محض أن يقول القائل:
أحبّك، فتقول: إذن أظنك صادقا، فهذه لا يتصور فيها الجواب إذ لا يقدر: إذا أحببتني أظنك صادقا، ومثال ما هي فيه للجزاء مع الجواب - وذلك هو الكثير فيها - أن يقول القائل: أزورك فتقول: إذن أحسن إليك، فإن المعنى: إذا زرتني أحسنت إليك، قالوا: ونظير ذلك أن سيبويه قال في نعم: إنها عدة وتصديق 241، وإنما ذلك باعتبار حالين؛ لأنها تكون عدة في المستقبل، وتصديقا في الماضي.
ولا شك أن الذي قاله الفارسي هو الظاهر، والمنقول عن الشلوبين 242 أنه يرى أن -
الحديث: 3820 - الجزء: 8 - الصفحة: 4166
................................
الجزاء معنى لا يفارقها، ولا يخفى أن تقدير كونها للجزاء في نحو: إذن أظنك صادقا جوابا لمن قال: أحبك - متعذر، ثم إذا تقرر أن الجواب معنى لا يفارقها علم أنه لا يجوز أن يقال: إذن يقوم زيد؛ ابتداء من غير أن يجاب بذلك أحد.
فأما قوله تعالى: قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ 243 فقد حمل على أنه جواب لقول فرعون: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ 244 يريد: من الكافرين لأنعمنا، فقال صلّى الله عليه وسلّم: لم أفعل ذلك كفرا لنعمتك كما زعمت بل فعلتها وأنا جاهل أن الوكزة تقضي عليه، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ 245: (وأنا من الجاهلين).
وقد خرج الشلوبين الآية الشريفة على الشرط والجزاء فقال: التقدير: إن كنت فعلت ذلك كافرا بأنعمك كما زعمت فأنا ضال ولم يثبت بذلك لنفسه كفرا ولا ضلالا لأنه لم يفعل ذلك وهو كافر كما زعم فيلزم أن يكون من الضالين بل فعلها - أعني الوكزة - ولم يقصد بها قتله ولم يحمل الكافرين على كفران النعمة ولا الضلال على الجهل، قال: لأن الضلال والكفر لا يستعملان لذلك المعنى إلا مقيدين فيقال: كافر بالنعمة وضال عن الشيء.
انتهى.
وأما قول الشاعر:
3821 - اردد حمارك لا يرتع بروضتنا... إذن يردّ وقيد العير مكروب 246
فقد تقدم التقرير فيه من كلام الإمام بدر الدين 247، وأن الكلام الذي قبل «إذن» قد تمّ ثم استأنف كأنه أجاب من قال: لا أفعل ذلك فقال:
إذن يردّ وقيد العير مكروب
وأما قول المصنف: وأجاز بعضهم فصل منصوبها بظرف اختيارا؛ فقد تقدم الكلام على هذه المسألة بما فيه
غنية.
-
الحديث: 3821 - الجزء: 8 - الصفحة: 4167
[إضمار «أن» وجوبا بعد «لام» الجحود وبعد «حتى»]
قال ابن مالك: (فصل: ينصب الفعل بـ «أن» لازمة الإضمار بعد «اللّام» المؤكّدة لنفي في خبر «كان» ماضية لفظا أو معنى، وبعد «حتّى» المرادفة لـ «إلى» أو «كي» الجارّة أو «إلّا أن»، وقد تظهر «أن» مع المعطوف على منصوبها).
وأما قوله: وقد يرد ذلك مع غيرها اضطرارا فأشار به إلى البيت الذي تقدم ذكره وهو قول الشاعر:
3822 - لن ما رأيت أبا يزيد مقاتلا... أدع القتال وأشهد الهيجاء 248
وكذا تقدم 249 القول أيضا على ما أراد بقوله: وربّما نصب بها بعد عطف أو ذي خبر.
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن «أن» شبيهة لفظا وتأولا بأحد عوامل الأسماء، وأنها كذلك تعمل مضمرة كما تعمل مظهرة، وتقدم أنها تضمر وجوبا بعد أحرف ستة وهي: «كي»، و «لام» الجحود، و «حتى»، و «أو»، و «الفاء»، و «الواو»، ولما تقدم له ذكر «كي» في الفصل المفروغ منه شرع في ذكر خمسة الأحرف الباقية فذكرها في هذا الفصل والفصل الذي يليه، وإنما أفرد «كي» عن أخواتها المذكورة فذكرها في ما سبق؛ لأنه لما ذكر الناصبة بنفسها وهي الموصولة استطرد فذكر أنها تنصب بعدها بـ «أن» مضمرة إذا كانت الجارة ليستوفي الكلام عليها ناصبة وجارة.
وكون النصب بـ «أن» مضمرة بعد هذه الأحرف الخمسة هو مذهب البصريين 250، والكوفيون يرون أن النصب بعد «اللام» و «حتى» بهما أنفسهما 251، وأن النصب بعد «أو»، و «الفاء» و «الواو» بالخلاف 252، والجرمي 253 يرى أن الأحرف الثلاثة هي الناصبة أنفسها وما ذهب إليه البصريون [5/ 107] هو الحق، أما -
الحديث: 3822 - الجزء: 8 - الصفحة: 4168
................................
«اللام» و «حتى» فلأنهما حرفا جر ومعناهما إذا نصب الفعل بعدهما كمعناهما فوجب أن يقدر ما دخلتا عليه اسما ولا يقدر الفعل إلا بحرف مصدري، ولا جائز أن يكون ذلك الحرف «أنّ»؛ لأنها لا دخول لها على الأفعال، ولا جائز أن يكون «ما» لأن الفعل منصوب و «ما» لا تنصب ظاهرة فكيف تنصب مضمرة؟ ولا جائز أن يكون «كي» أما إن كانت الجارة فظاهر، وإن كانت غير الجارة فلم يثبت لها أن تعمل مضمرة، كيف والكوفيون ينفون أن تكون «كي» ناصبة أصلا ويجعلون النصب بعدها بإضمار «أن» كما تقدم 254 التنبيه على ذلك؟
وإذا كان كذلك تعيّن أن المقدر بعد الحرفين المذكورين - أعني «اللام» و «حتى» - هو «أن» ويقوي ذلك - أعني أن المقدر هو «أن» - إظهارهم لها مع «اللام» فدل ذلك على أنها هي مضمرة مع «اللام» وغير اللام أيضا.
وأما «الفاء» و «الواو» فلأنهما حرفا عطف، ولما وقعا صدر أجوبة الأمور التسعة المذكورة 255 وتعذر عطف الثاني على الأول للمخالفة التي بينهما - كما سيبين بعد - عدل عن عطف الفعل على الفعل إلى عطف الاسم على الاسم ولا يمكن ذلك إلا بتأويل جعل الأول اسما، وإذا جعل اسما فلا يعطف عليه الفعل إلا بتأويل الاسم، وحينئذ تعيّن تقدير «أن» فكانت مع الفعل الذي نصبته في تأويل المصدر، ولزم أن يكون المعطوف عليه مصدرا متوهما يدل عليه الفعل المتقدم 256، فإذا قيل: ائتني فأكرمك، فالتقدير: ليكن إتيان منك فإكرام مني، وكذا إذا قيل:
ما تأتينا فتحدثنا، فالتقدير: ما يكون منك إتيان فحديث.
وأما «أو» فإما أن تقدّر عاطفة فالكلام فيها كالكلام في «الفاء» و «الواو»، وإما أن تقدّر بمعنى «إلى» فالكلام فيها كالكلام في «اللام» و «حتى»، وإما أن تقدّر بمعنى «إلّا» منقطعة، و «إلّا» المنقطعة لا يقع بعدها إلا الاسم وحينئذ يجب تقدير «أن» بعدها.
واستدل الكوفيون 257 على أن النصب بالخلاف بأن قالوا: إن الثاني لم يكن -
الجزء: 8 - الصفحة: 4169
................................
داخلا في معنى الأول من نهي أو نفي أو غير ذلك من الأشياء التي يذكر جوابها لكونه مخالفا له، فلما لم يكن داخلا فيه نصب بالخلاف، وردّ ذلك بأمرين:
أحدهما: أن عوامل الأفعال بالنسبة إلى العمل فرع عوامل الأسماء، ولا شك أن الخلاف أمر معنوي ولا يوجد نصب في الاسم بعامل معنوي.
ثانيهما: أن الخلاف لو كان ناصبا لجاز أن يقال: ما قام زيد بل عمرا، وأيضا فليس نصب الثاني لمخالفة الأول بأولى من نصب الأول لمخالفة الثاني.
وأما الجرمي فإنه قد قال: قد وجد الفعل بعد «الفاء» و «الواو» منصوبا ولم يقم دليل على إضمار «أن» فكان النصب بهما، ولا يخفى فساد هذه الدعوى؛ لأن «الفاء» مثلا قد ثبت أنها حرف عطف في غير هذا الموضع فينبغي أن تحمل على ما ثبت لها من العطفية وإذا كانت حرف عطف وجب أن يكون النصب بعدها بـ «أن» مضمرة، فقد قام الدليل على الإضمار.
وإذ قد عرف هذا فلنذكر كلام الإمام بدر الدين ثم نردفه بما سنقف عليه:
قال 258 رحمه الله تعالى: ينصب الفعل بـ «أن» لازمة الإضمار بعد «لام» الجحود، و «حتى» و «الواو» و «الفاء» وأما «لام» الجحود فهي المؤكدة لنفي خبر «كان» ماضية لفظا نحو: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ 259 أو معنى نحو:
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا 260 وسميت مؤكدة لصحة الكلام بدونها، كما تقول في نحو: ما كان زيد ليفعل: ما كان زيد يفعل، لا لأنها زائدة لا معنى لها، إذ لو كانت كذلك لما كان لنصب الفعل بعدها وجه صحيح، وإنما هي لام اختصاص 261 دخلت على الفعل لقصد معنى: ما كان زيد مقدرا أو هامّا أو مستعدّا أن يفعل 262، وكذا قال سيبويه 263: وكأنك إذا مثلت قلت: ما كان زيد لأن يفعل أي: ما كان زيد لهذا الفعل، ولام الجر مختصة بالأسماء
فلذا وجب في -
الجزء: 8 - الصفحة: 4170
................................
المضارع إذا وليها نصبه بـ «أن» مضمرة لتكون هي والفعل في تأويل اسم مجرور باللام، ولا يجوز إظهار «أن» بعد «لام» الجحود؛ إما لأن ما قبل «اللام» من التقدير قد دل على الاستقبال فأغنى عن ظهور «أن» وإما لأن ما بعد «اللام» جواب ونقض لفعل ليس في تقدير اسم كأنه قيل: زيد سيفعل فقلت: ما كان زيد ليفعل، فلو أظهرت «أن» لجعلت مقابل الفعل لفظ الاسم وهو قبيح، وقال الكوفيون 264: اللام هي العاملة، وأجازوا تقديم معمول الفعل عليها وأنشدوا:
3823 - لقد عذلتني أمّ عمرو ولم أكن... مقالتها ما دمت حيّا لأسمعا 265
وهو عند البصريين 266 محمول على إضمار فعل كأنه قال: ولم أكن لأسمع مقالتها.
وأما «حتى» فيليها الفعل المضارع منصوبا بـ «أن» مضمرة إذا كانت حرف جر بمعنى «إلى» أو «كي» فالأول نحو قولك: أنا أسير حتى أدخلها تريد: أن الدخول غاية للسير ومثله: لأمشينّ حتى تغيب الشمس، وقوله تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى 267، والثاني: كقولك: سرت حتى أدخلها، تريد أن الدخول علة للسير، ومثله: سألته حتى يعطيني، ولأتوبنّ حتى أدخل الجنة، وزاد الشيخ 268 - رحمه الله تعالى - كونها بمعنى «إلا أن» واستشهد بقول -
الحديث: 3823 - الجزء: 8 - الصفحة: 4171
................................
الشاعر 269:
3824 - ليس العطاء من الفضول سماحة... حتّى تجود وما لديك قليل 270
بناء على أنك لو جعلت «إلّا أن» مكان «حتى» فقلت: ليس العطاء من الفضول سماحة إلا أن تجود وما لديك قليل؛ كان المعنى صحيحا، وأرى أنك لو جعلت «إلى أن» فيه مكان «حتى» لم يكن المعنى فاسدا.
وإذا كان الفعل بعد «حتى» غاية أو علة كان من تمام الجملة التي قبلها فعند سيبويه 271 أنها [5/ 108] حرف جر والفعل بعدها نصب بـ «أن» مضمرة، ولا يجوز إظهارها؛ لأن «حتى» صارت لطولها بدلا من اللفظ بـ «أن»، وعند الكوفيين 272 النصب بعد «حتى» بها، ولو أظهرت «أن» فقلت: لأسيرنّ حتى أن أصبّح القادسية؛ جاز وكان النصب بـ «حتى» و «أن» بعدها توكيد.
قال الكسائي 273: «حتى» لا تخفض إنما تخفض بعدها «إلى» مضمرة ومظهرة فيقال: أكلت السمكة حتى رأسها، وحتى إلى رأسها، فقد حصل بهذا أن «حتى» لا تعمل في الأسماء إذ كان الخفض بعدها بغيرها.
وقال الفراء 274: حتى من عوامل الأفعال، وقال في حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 275، هي الخافضة لـ «مطلع» لما قامت مقام «إلى».
والمختار قول سيبويه؛ لأنه لو كانت «حتى» هي الناصبة للفعل للزم إما حسن الخفض بالجار المحذوف، وإما كون «حتى» تعمل الجر في الأسماء والنصب في الأفعال، ولظهر الجر قبلها في نحو: لأسيرن حتى تغرب الشمس؛
كما ظهر قبل -
الحديث: 3824 - الجزء: 8 - الصفحة: 4172
................................
«أن» فهي إذن حرف جر والفعل بعدها نصب بـ «أن» لازمة الإضمار، وقد تظهر «أن» في المعطوف على منصوبها كما قد ذكر؛ لأنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل كقول الشاعر:
3825 - ومن تكرّمهم في المحل أنّهم... لا يعرف الجار فيهم أنّه الجار
حتّى يكون عزيزا من نفوسهم... أو أن يبين جميعا وهو مختار 276
انتهى.
وقوله: وإما لأن ما بعد اللام جواب ونقض لفعل ليس في تقدير اسم كأنه قيل:
زيد سيفعل فقلت: ما كان زيد ليفعل، فلو أظهرت «أن» لجعلت مقابل الفعل لفظ الاسم وهو قبيح - قد يقال فيه: إن تقدير «أن» يصير الفعل في تقدير الاسم وحينئذ تكون مقابلة الاسم للفعل حاصلة أيضا، إلا أن يقال: المراد القبح اللفظي وذلك إنما يتم إذا قوبل الفعل بلفظ الاسم، وأما مقابلته باسم مقدر فليس كذلك، ولكن قد يقال: الاسم مع ظهور «أن» مقدر أيضا كما هو مع إضمارها، وإذا كان كذلك فلم يقابل الفعل بلفظ الاسم.
وفي شرح الشيخ 277: ولم يجز إظهار «أن» - يعني في نحو: ما كان زيد ليفعل -؛ لأن إيجابه كان زيد سيقوم، فجعلت اللام في مقابلة السين، فكما لا يجوز أن يجمع بين «أن» الناصبة وبين «السين» أو «سوف» فكذلك كرهوا
أن -
الحديث: 3825 - الجزء: 8 - الصفحة: 4173
................................
يجمعوا بين «اللام» و «أن» في اللفظ، ويدلك على المقابلة أنه لا يجوز: ما كان زيد سيقوم، ولا: سوف يقوم؛ استغناء بقولهم: ليقوم.
وفي الشرح المذكور أيضا: وسأل محمد بن الوليد 278 ابن أبي مسهر 279 - وكانا قد قرآ كتاب سيبويه على المبرد - فقال له: لم أجاز سيبويه إظهار «أن» مع لام «كي» ولم يجز ذلك مع لام النفي؟ فلم يجب بشيء.
انتهى.
وإذ قد عرف هذا فلنذكر أمورا تتعين الإشارة إليها:
منها: أنهم ذكروا أن النفي في هذه المسألة - أعني نفي الكون - إنما يكون بـ «ما» أو بـ «لم» ولا يكون بـ «إن» ولا بـ «لا» ولا بـ «لما» ولا بـ «لن» 280.
ومنها: أن بعضهم 281 ذهب إلى أن أخوات «كان» تجري مجرى «كان» في ما ذكر قياسا فيقال: ما أصبح زيد ليضرب عمرا، ولم يصبح زيد ليذهب، وذهب بعضهم 282 إلى جواز ذلك في «ظننت» أيضا نحو: ما ظننت زيدا ليضرب عمرا، ولم أظنّ زيدا ليضرب عمرا، وهذا كله غير مقبول إذ لم يرد منه شيء في كلام العرب.
ومنها: أنهم ذكروا أنه لا يجوز في نفي «كان زيد سيفعل» أن يقال: ما كان زيد يفعل، فيسقط اللام 283.
ومنها: أنهم اختلفوا في خبر «كان» ما هو في مثل هذا التركيب؟
فالبصريون 284 يرون أنه محذوف وهو الذي تتعلق به «اللام» فالنفي واقع على الخبر المحذوف ويلزم من انتفائه انتفاء متعلقه، فالتقدير في وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ 285: وما كان الله مريدا لإضاعة إيمانكم، ويكون خبر «كان» قد التزم -
الجزء: 8 - الصفحة: 4174
................................ حذفه في هذا التركيب، وحامل البصريين على ذلك أن المضمرة ينسبك منها مع الفعل مصدر مقدر جره بـ «لام» الجر، ولا شك أن ذلك غير صالح لأن يكون خبرا. وذهب الكوفيون 286 إلى أن الواقع بعد «اللام» هو الخبر، وقد عرفت أن «اللام» عندهم هي الناصبة للفعل بعدها. وكون الواقع بعد اللام هو خبر هو ظاهر كلام المصنف لقوله: بعد اللّام المؤكّدة لنفي في خبر «كان». لكن قال الشيخ 287: يتركب من قوله مذهب لم يقل به أحد؛ لأنه زعم أن «أن» لازمة الإضمار وأن النصب بها، وزعم أن الفعل خبر وهذا ليس بقول بصري ولا كوفي. انتهى. ولا شك أن الذي يعطيه كلام المصنف صريحا أن الواقع بعد «اللام» هو خبر «كان» إلا إن كان قد تجوز فأطلق اسم الخبر على متعلق الخبر، وقد يرشد إلى ذلك قول بدر الدين ولده 288: وإنما هي لام اختصاص دخلت على الفعل لقصد: ما كان زيد مقدرا أو هامّا أو مستعدّا لأن يفعل، على أن قول البصريين يلزم منه لزوم حذف الخبر في هذا التركيب، وبعد فقول البصريين يلزم منه وجوب حذف خبر «كان» وقول الكوفيين يلزم منه أن تكون «اللام» هي الناصبة للفعل. ثم إن الشيخ قال 289: والدليل على صحة ما قدّره البصريون أنه قد جاء مصرحا به في بعض كلام العرب قال الشاعر: 3826 - سموت ولم تكن أهلا لتسمو... ولكنّ المضيّع قد يصاب 290
الحديث: 3826 - الجزء: 8 - الصفحة: 4175
................................
قال: فصرح بالخبر - الذي هو قوله: أهلا - مع وجود اللام والفعل بعدها وصحة أن لو قال: سموت ولم تكن لتسمو.
انتهى.
وما قاله الشيخ غير ظاهر؛ فإن المراد من: «ولم تكن أهلا لتسمو» نفي الأهلية للسمو لا نفي السمو، وكيف وقد أثبت له السمو بقوله أولا: سموت، والمراد من:
«ولم تكن لتسمو»: نفي السمو.
وقد يكون مع ذلك أهلا وقد لا يكون فليس تركيب: ولم تكن أهلا لأن يفعل كذا من تركيب: ولم يكن ليفعل كذا في شيء.
ومنها: أن الشيخ نقل 291 عن «البديع» لمحمد بن مسعود [5/ 109] الغزني 292:
أنه لا يجوز إظهار «أن» في مثل: ما كان زيد ليفعل إلا بشرط أن يظهر خبر «كان» فيقال: ما كان زيد مريدا لأن يفعل؛ وذلك لأن المحذوفات من كل أمر مشهور إذا أريد ردها فالحق أن ترد كلها حتى يرجع الكلام إلى أصله أو تضمر كلها حتى يبقى الكلام على شهرته نحو: إياك والأسد؛ فلا يجوز أن يرد بعضها ويضمر بعض، لا يقال: إياك احفظ والأسد، بل: إياك احفظ واحذر الأسد.
وقال ابن الأنباري 293: لا يجوز: ما كان عبد الله لأن يزورك؛ بإظهار «أن» بعد اللام عند كوفي ولا بصري.
ومنها: أن بعضهم أجاز حذف «اللام» وإظهار «أن» نحو: ما كان زيد أن يقوم، والأصح أن ذلك لا يجوز 294.
ومنها: أن الشيخ نقل 295 عن ابن هشام الفهري 296 أنه قال: إن الفعل الداخل -
الجزء: 8 - الصفحة: 4176
................................
عليه «لام» الجحود لا يرفع إلا ضمير الاسم السابق لا السببي؛ فلا يجوز أن يقال:
ما كان زيد ليقوم أخوه؛ لأنه سببي، قال الشيخ 297: ولا نعلم أحدا نبّه على هذا إلا هذا: ابن هشام.
ومنها: أن المصنف إنما قيد «حتى» بقوله: المرادفة لـ «إلى» أو «كي» الجارّة احترازا من «حتى» التي هى لابتداء الغاية ومن «حتى» العاطفة.
وأما قوله: إنها ترادف «إلا أن» مستدلّا بقول الشاعر:
3827 - ليس العطاء من الفضول سماحة... حتّى تجود وما لديك قليل 298
فقال الشيخ 299: الذي ذكره معظم النحويين في معنى «حتى» إذا انتصب ما بعدها: أنها تكون للغاية أو التعليل فهي تنصب عندهم على أحد هذين المعنيين، وإما أن تكون بمعنى: «إلا أن» فتكون للاستثناء فذكر هذا المصنف، قال: وقد أغنانا ابنه عن الرد على أبيه في ذلك فقال 300: - يعني بدر الدين -: وأرى أنك لو جعلت «إلى أن» مكان حتى لم يكن المعنى فاسدا، قال الشيخ: وإذا احتمل أن تكون «حتى» فيه للغاية فلا دليل في البيت على أن «حتى» بمعنى: «إلا أن».
انتهى.
ولا شك أن تقدير «إلى أن» في البيت المذكور يلزم منه أن يكون مقصود الشاعر أن السماحة إنما يوصف بها من كان له مال كثير فكان يجود منه إلى أن قل ماله ثم إنه استمر يجود مع قلة ماله.
والظاهر أن مقصود الشاعر أن السماحة لا يوصف بها إلا من يجود مع كونه قليل المال في الأصل وجاد منه ابتداء، وإذا كان كذلك تعين في البيت تقدير: «إلا أن» وامتنع تقدير «إلى أن»، على أن الشيخ بعد كلامه الذي نقلناه عنه قال 301:
وقال ابن هشام 302 في حديث «كلّ مولود يولد على الفطرة» 303 بعد بحث كثير 304: -
الحديث: 3827 - الجزء: 8 - الصفحة: 4177
[إضمار «أن» وجوبا بعد «أو»]
قال ابن مالك: (وتضمر أيضا «أن» لزوما بعد «أو» الواقعة موقع «إلى أن» أو «إلّا أن»).
وعندي أنه يجوز أن يكون «على الفطرة» حالا من الضمير، و «يولد» في موضع الخبر بسبب هذه الإفادة و «حتى» بمعنى: «إلا أن» المنقطعة كأنه قيل: إلا أن يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، والمعنى: لكن أبواه يهودانه أو ينصرانه، وقد ذكر النحويون هذا المعنى في أقسام «حتى» ومنه قول امرئ القيس:
3828 - والله لا يذهب شيخي باطلا... حتّى أبيد مالكا وكاهلا 305
المعنى: إلا أن أبيد، وهو منقطع بمعنى: لكن أبيد، وقال سيبويه 306: وأما قولهم: والله لا أفعل إلا أن تفعل، فإن «تفعل» في موضع نصب وليس بمبتدأ والمعنى: حتى تفعل وكأنه قال: أو تفعل، وقد بيّن أن «أو تفعل» إذا نصب الفعل بعدها بمعنى: «إلا أن» فهذا بيان من كلامهم.
انتهى.
ويكفي هذا الذي نقله الشيخ عن ابن هشام وما ذكره ابن هشام من كلام سيبويه في صحة ما ذكره المصنف فكيف يقول الشيخ: وإما أن تكون بمعنى: «إلا أن» فتكون للاستثناء فذكره هذا المصنف ثم يقول: وقد أغنانا ابنه عن الرد على أبيه في ذلك؟
ومنها: أن في البيت الذي تقدّم إنشاده وهو:
3829 - حتّى يكون عزيزا من نفوسهم... أو أن يبين جميعا وهو مختار 307
دليلا على صحة مذهب البصريين في أن «أن» مضمرة بعد «حتى» لكونها ظهرت في المعطوف، هكذا ذكروا 308 وفيه نظر.
قال ناظر الجيش: تقدم لنا أن «أن» تضمر لزوما بعد ستة أحرف منها ثلاثة -
الحديث: 3828 - الجزء: 8 - الصفحة: 4178
................................ أحرف جر وهي: «كي» و «لام» الجحود و «حتى» وثلاثة أحرف عطف، وقلنا: إن الكلام تقدم على «كي» في الفصل المتقدم، ولما أنهى الكلام في هذا الفصل على بقية الثلاثة وهما: «لام» الجحود و «حتى» شرع في ذكر أحرف العطف وهي: «أو» و «الفاء» و «الواو»، وبدأ بالكلام على «أو» وأنا أذكر كلامه في شرح الكافية ثم كلام ولده ثم أتبع ذلك بما تيسر. قال 309 رحمه الله تعالى: والفعل ينصب بـ «أن» واجبة الستر بعد «أو» التي يحسن في موضعها «إلى» أو «إلا» كقولك: لأنتظرنه أو يقدم، ولأقتلن الكافر أو يسلم؛ أي: لأنتظرنه إلى أن يقدم، ولأقتلن الكافر إلّا أن يسلم، ومن الآتية بمعنى «إلى» قول الشاعر: 3830 - لأستسهلنّ الصّعب أو أدرك المنى... فما انقادت الآمال إلّا لصابر 310 ومن الآتية بمعنى: «إلّا» قول الشاعر: 3831 - وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما 311 ويحتمل الوجهين قول امرئ القيس: 3832 - فقلت له لا تبك عينك إنّما... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا 312
الحديث: 3830 - الجزء: 8 - الصفحة: 4179
................................
وتقدير «إلى» و «إلّا» في موضع «أو» تقدير لحظ فيه المعنى دون الإعراب، والتقدير الإعرابي المرتب على اللفظ أن يقدر قبل «أو» مصدر وبعدها «أن» ناصبة للفعل وهما في تأويل مصدر معطوف بـ «أو» على المقدر قبلها فتقدير لأنتظرنه أو يقدم: ليكونن انتظار أو قدوم، وتقدير «لأقتلن الكافر أو يسلم»: ليكونن قتله أو إسلامه، وكذلك العمل في غيرهما.
وقال بدر الدين ولده 313: أما «أو» فهي حرف عطف معناها: الشكّ والإبهام، ويليها المضارع على وجهين:
أحدهما: أن يكون [5/ 110] مساويا للفعل الذي قبلها في الشك فيتبعه في الإعراب كقولك: هو يقيم أو يذهب، وتريد أن تقوم أو تذهب، وليقم زيد أو يذهب.
والثاني: أن يكون مخالفا فيكون هو على الشك والفعل الذي قبل «أو» على اليقين فلا يتبعه في الإعراب؛ لأنه لا يشاركه في حكمه بل ينصب بـ «أن» لازمة الإضمار، إلا أن يقدر بناء الفعل على مبتدأ محذوف فيرفع، وعلامة مخالفة ما بعد «أو» لما قبلها وقوعها موقع «إلى أن» كقولك: لأسيرنّ أو تغرب الشمس، ونحوه قول الشاعر:
3833 - لأستسهلنّ الصّعب أو أدرك المنى... فما انقادت الآمال إلّا لصابر 314
أو موقع «إلّا أن» كقولك: لأقتلن الكافر أو يسلم، ونحوه قول زياد الأعجم 315:
3834 - وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما 316
وكل ما يصح فيه تقدير «أو» بـ «إلى أن» يصح فيه التقدير بـ «إلا أن» من غير عكس، ولذلك لم يذكر سيبويه 317 إلا تقديرها بـ «إلا أن» وهو الصواب، والأصل فيما مثلنا به: لأسيرن إلا أن تغرب الشمس، ولأقتلن الكافر إلا أن يسلم؛ لأن المراد التعريف بثبوت السير والقتل على كل تقدير إلا عند غروب الشمس -
الحديث: 3833 - الجزء: 8 - الصفحة: 4180
................................
وإسلام الكافر، فما بعد «أو» مخرج من الأوصاف الثابت معها السير والقتل، فحقه أن يكون مخرجا بـ «إلا» ولكن أقاموا «أو» مقامها لقربها منها، وإذا كان ما بعد «أو» مخالفا في الشك لما قبلها كان ما بعد «إلا» مخالفا لما قبلها، فإذا جاء الفعل بعد «أو» هذه فهو منصوب ما لم يبن على مبتدأ محذوف فيرفع، ونصبه عند البصريين ليس بـ «أو»؛ لأنها حرف عطف وحروف العطف لا تعمل شيئا، بل بـ «أن» مضمرة، قال سيبويه 318 بعد إنشاده قول امرئ القيس:
3835 - فقلت له لا تبك عينك إنّما... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا 319
المعنى: إلا أن نموت فنعذر، ولو رفعه لكان غريبا جائزا على وجهين: على أن تشرك بين الأول والآخر وعلى أن
يكون مبتدأ مقطوعا من الأول تقديره: أو نحن ممن يموت، ثم مثّل بقوله: اضربه أو يستقيم، وبقول زياد:
3836 - كسرت كعوبها أو تستقيما
ثم قال 320: المعنى: إلا أن تستقيم، وإن شئت رفعت في الأمر على الابتداء إلا أنه لا سبيل إلى الإشراك، فحمل الرفع في المخالف على إضمار مبتدأ والنصب على إضمار «أن» بناء على أنها مع صلتها في تأويل اسم معطوف على ما قبل «أو» لتأوله بمصدر معمول لفعل محذوف تقديره في ما مثلنا: ليكونن سير مني أو غروب للشمس، وليكونن قتل مني للكافر أو إسلام منه، إلا أنهم لا يظهرون «أن» استكراها لعطف لفظ الاسم على لفظ المضارع.
وقال في شرح الألفية 321: فإن قلت: لم نصبوا الفعل بعد «أو» حتى احتاجوا إلى هذا التأويل - يعنى تأويل الفعل قبل «أو» بمصدر معمول لكون مقدر وذلك ليصح عطف ما بعد «أو» على ما قبلها -؟ قلت: ليفرقوا بين «أو» التي تقتضي مساواة ما قبلها لما بعدها في الشك وبين «أو» التي تقتضي مخالفة ما قبلها لما بعدها في ذلك؛ فإنهم كثيرا ما يعطفون الفعل المضارع على مثله بـ «أو» في مقام الشك في الفعلين تارة وفي مقام الشك في الثاني فيهما أخرى فقط، فإذا أرادوا بيان المعنى -
الحديث: 3835 - الجزء: 8 - الصفحة: 4181
................................
الأول رفعوا ما بعد «أو» فقالوا: أفعل كذا أو أترك ليؤذن الرفع بأن ما قبل «أو» مثل ما بعدها في الشك، وإذا أرادوا بيان المعنى الثاني نصبوا ما بعد «أو» فقالوا:
لأنتظرنه أو يجيء ولأقتلنّ الكافر أو يسلم ليؤذن النصب بأن ما قبل «أو» ليس مثل ما بعدها في الشك لكونه محقق الوقوع أو راجحه، فلما احتيج إلى النصب ليعلم هذا المعنى احتيج له إلى عامل ولم يجز أن يكون «أو»؛ لعدم اختصاصها فتعين أن يكون «أن» مضمرة، واحتيج لتصحيح الإضمار إلى التأويل المذكور.
انتهى.
وللباحث أن يبحث معه فيقول: قوله: إن ما بعد «أو» في مثل: لأنتظرنه أو يجيء ولأقتلن الكافر أو يسلم في مقام
الشك، وأن ما قبلها فيه محقق الوقوع أو راجحه - غير ظاهر؛ فإن «أو» وضعها أن تكون لأحد الشيئين فإذا استعملت للشك وجب أن يكون الشك في ما قبلها وفي ما بعدها على السواء دون تعيين، فنسبة الشك إلى أحدهما كنسبة الشك إلى الآخر، وأيضا فإن الشك في ما بعد «أو» في قولنا: لأقتلن الكافر أو يسلم، ولأنتظرن زيدا أو يجيء قد لا يسلّم وإن سلّم فكيف يتحقق في نحو قولنا: لأسيرنّ أو تغرب الشمس؟
والذي يظهر أن يقال: إن «أو» إذا وقعت بين فعلين مضارعين فقد يقصد تشريك ما بعدها لما قبلها في المعنى الذي سيقت له من معانيها وحينئذ يعطف بها الثاني على الأول ويكون المقصود إذ ذاك العطف خاصة دون معنى آخر، وقد لا يقصد العطف بل يقصد بـ «أو» ما يقصد بـ «إلى» من الغاية أو بـ «إلا» من استثناء بعض الأحوال فلا يراد حينئذ تشريك بين الثاني والأول في حكمه، وإذا كان كذلك امتنع عطف الفعل الذي بعدها على الفعل الذي قبلها وصار المقصود بذكر «أو» إنما هو الغاية أو الاستثناء، لكن «أو» حرف عطف في أصل وضعها ولا يمكن إهمال المعنى الذي وضعت له فوجب حينئذ الالتجاء إلى عمل يستفاد معه حصول المعنى الذي يقصد من الغاية أو الاستثناء مع بقاء «أو» مع ذلك على بابها من كونها عاطفة فقدرت «أن» بعدها ونصب بها الفعل فرجع الأمر إلى أن المعطوف بها اسم على فعل وعطف الاسم على الفعل لا يجوز إلا في موضع خاص 322؛ فوجب لذلك تقدير مصدر [5/ 111]
الجزء: 8 - الصفحة: 4182
................................ من ذلك الفعل الذي قبل «أو» معمول لكون مقدر ليصح عطف ما بعدها عليه، هذا الذي ظهر لي وعلى الناظر أن يتأمل ويحكم بما يؤدى إليه اجتهاده ونظره. ثم الذي يظهر أن الاستثناء المستفاد بـ «أو» هو استثناء مفرغ، إما من الأحوال أو من الأزمان، فإذا قال القائل: لألزمنّك أو تقضيني ديني فالتقدير: لألزمنّك في جميع الأحوال أو في جميع الأزمان إلا في حال أو في زمان قضاء ديني، وكذا التقدير في: لأقتلنّ الكافر أو يسلم. وفي شرح الشيخ 323: قد نقض قولهم: إن «أو» تقدر بـ «إلى» أو بـ «إلّا» بقولك: لأطيعنّ الله أو يغفر لي، قال: فلا يصح تقدير هذا بـ «إلى» ولا بـ «إلا» بل يتعين أن يكون المعنى على «كي» أي: لأطيعن الله كي يغفر لي. ولم يظهر لي: هل هذا النقض للشيخ نفسه أو لغيره؟ لأن كلامه غير مفصح، ثم إن التقدير هنا بـ «إلى» لا يظهر امتناعه؛ لأن الغفران مطلوب للعبد دائما فهو يطيع الله إلى أن يغفر له، ولا يتوهم من هذا أنه إذا غفر له انقطعت طاعته؛ لأنه إذا انقطعت طاعته لا يغفر له، فالطاعة تستمر دائما؛ لأن الغفران مطلوب دائما. ثم قال الشيخ 324: وهذه التقادير التي قدروها لا حاجة إليها وهى تفسير معنى لا تفسير إعراب، قال: وتفسير الإعراب ينجر معه تفسير معنى «أو» فلا حاجة إلى تلك التقديرات، ومعنى «أو» في هذه المسائل هو معناها المستقر لها في العطف من كونها لأحد الشيئين و «أن» مضمرة بعدها فهي عاطفة مصدرا مقدرا على مصدر متوهم فهذا من العطف على التوهم ولذلك اشترط أن يكون قبلها فعل أو اسم في معنى الفعل، أو ظرف أو مجرور حتى يدل على المصدر المتوهم، فإذا قلت: لألزمنّك أو تقضيني حقّي 325 فالتقدير: ليكونن مني لزوم لك أو قضاء لحقي؛ فقد جاء «أو» لأحد الشيئين وهو المعنى الذي استقر لها في العطف. ومما يدل على صحة قولنا: إنه لا يحتاج إلى تلك التقديرات قول الشاعر: 3837 - فسر في بلاد الله والتمس الغنى... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا 326
الحديث: 3837 - الجزء: 8 - الصفحة: 4183
................................
ألا ترى أنك لو قدرت: تعش ذا يسار كي تموت، أو: إلى أن تموت، أو: إلا أن تموت لم يكن المعنى صحيحا؛ إذ لا يلزم من التماس الغنى عيشة في يسار إلا أن يقع الموت أو إلى أن يقع الموت، وأما التعليل فظاهر البطلان، وإنما المعنى: والتمس الغنى يكن لك عيش في يسار أو موت قبل إدراك اليسار فتعذر إذ لم يكن منك عجز وتقصير فهي هنا لأحد الشيئين، فهذا عطف على مصدر متوهم سبك من قوله:
تعش ذا يسار، ولو عطف على تعش ذا يسار فجزم وقال: أو تمت لكان المعنى صحيحا وكان يكون من عطف الفعل على الفعل لا من عطف الاسم على الاسم.
ثم قال: وزعم بعض أصحابنا أن النصب في هذا البيت ضرورة وبنى ذلك على أن النصب بعد «أو» لا يكون إلا إن تقدرت بـ «إلّا أن» وهنا لا تتقدر فلا يجوز ذلك.
قال: وقد بينا نقض ذلك فيما تقدم.
انتهى ما ذكره الشيخ.
ولقائل أن يقول: أما قوله: إن هذه التقادير تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ فالأمر كما قال وقد تقدم لنا نقل ذلك عن المصنف.
وأما قوله: إنه لا حاجة إليها؛ لأن تفسير الإعراب ينجر معه تفسير معنى «أو» فيقال في جوابه: إن تفسير المعنى هو الذي حقق لنا أمر الإعراب، ولولا أن يقال:
المعنى في: لألزمنك أو تقضيني ديني: لألزمنك إلى أن تقضيني ديني، وفي: لأقتلن الكافر أو يسلم: لأقتلن الكافر إلا أن يسلم؛ لما عرفنا توجيه النصب في الفعل الواقع بعد «أو»، فلما قيل لنا: إن «أو» بمعنى «إلى» في تركيب وبمعنى «إلا» في تركيب آخر علمنا أن «أن» مضمرة قطعا؛ لأن «لام» الجر لا تباشر الفعل، والمستثنى إنما يكون اسما، ثم بعد تقرير ذلك يرجع إلى تفسير الإعراب فقيل: إن «أن» مع الفعل بتقدير المصدر والمصدر لا يعطف على فعل فوجب تأويل ما قبل «أو» بمصدر أيضا ليصح العطف، فـ «أو» في مثل هذا التركيب - وهو الذي لم يقصد فيه تشريك الفعل الذي بعد «أو» في حكم الفعل الذي قبلها - الكلام فيها من جهتين: - = لأحد الشيئين وقد عطفت مصدرا مؤولا على مصدر متوهم والتقدير: والتمس الغنى يكن لك عيش في يسار أو موت قبل إدراك اليسار فتعذر، وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير «أو» بمعنى «كي» أو «إلى أن» أو «إلا أن» لأن ذلك يؤدي إلى فساد المعنى والبيت في المقرب (1/ 263) وشرح الجمل لابن بابشاذ (رسالة) (ص 306) وشرح الجمل لابن عصفور (2/ 156).
الجزء: 8 - الصفحة: 4184
................................
إحداهما: كونها يقصد بها الغاية أو الاستثناء وهذه الجهة ترجع إلى تفسير المعنى.
والجهة الثانية: كونها عاطفة وهذه الجهة ترجع إلى تفسير الإعراب، وإذا كان كذلك تعيّن التعرّض إلى ذكر كل من الجهتين ولا يستغنى عن إحداهما بالأخرى.
وأما البيت الذي أنشده فإن ابن عصفور أنشده في كتبه 327 وجعل النصب فيه بعد «أو» ضرورة، وعلل منع التقادير الثلاثة بما ذكره الشيخ من أنه لا يلزم من التماس الغنى عيشة في يسار إلا أن يقع الموت أو إلى أن يقع
الموت.
والذي فهمته من كلام الشيخ المقتدى فيه بابن عصفور أنه لا يلزم من التماس الغنى حصوله، وإذا لم يحصل فكيف يعيش في يسار؟
فإن كان هذا هو مراده فكيف قال بعد ذلك: وإنما المعنى: والتمس الغنى يكن لك عيش في يسار أو موت قبل إدراك اليسار فتعذر؟
وإن كان مراده غير ذلك فالله تعالى أعلم.
والذي يظهر لي في هذا البيت أن «أو» عاطفة فعلا على فعل لا مصدرا مؤولا على مصدر متوهّم، وذلك أن الجمل المقتضية طلبا يجوز أن تضمن معنى الشرط فيكون لها جواب مجزوم على ما هو المقرر عند أهل الصناعة، والفعل الواقع بعد جواب مجزوم يجوز فيه أوجه [5/ 112] ثلاثة 328:
أحدها: النصب بإضمار «أن» ولا شك أن قوله: «فسر في بلاد الله» جملة طلبية ضمنت معنى الشرط، وكذا جزم «تعش» الذي هو جواب، فكما يجوز النصب بـ «أن» مضمرة للفعل المعطوف على جواب الشرط الصريح كذا يجوز نصب الفعل -
الجزء: 8 - الصفحة: 4185
................................ المعطوف على جواب الشرط المقدر، لكنهم إنما ذكروا ذلك في العطف بـ «الفاء» وب «الواو»، فإن لم يكن ذلك شرطا تمّ ما ذكرته، وإن كان شرط هذا العطف أن يكون بـ «الفاء» أو بـ «الواو» لم يتم إلا أن يقال: حملت «أو» في ذلك عليهما شذوذا. فإن قيل: ليس المعنى على عطف «تموت» على «تعش»!! قلت: قد قال الشيخ: ولو عطف على: «تعش ذا يسار» فجزم وقال: أو تمت لكان المعنى صحيحا وكان يكون من عطف الفعل على الفعل لا من عطف الاسم على الاسم. وإذا قد تقرر هذا فلنذكر أمورا: منها: أن تقييد المصنف «أو» بقوله: الواقعة موقع «إلى أن» أو «إلّا أن» مفيد أمرين وهما: تفسير معناها إذا نصب الفعل بعدها، وتمييزها من «أو» التي يؤتى [بها] للعطف المحض فإن الفعل الذي بعدها يشارك في الإعراب الذي قبلها، وقد ينصب بـ «أن» مضمرة إذا كان قبل «أو» اسم لا يصح عطف الفعل عليه لكن لا يكون إضمار «أن» لازما بل جائزا كما سيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. ومنها: أن «أو» هذه ترد بعد الخبر والطلب أما الخبر فنحو قوله: 3838 - كسرت كعوبها أو تستقيما ونحو: ما يأتينا أو يستشفع لنا. وأما الطلب فنحو قولك في الأمر: الزمه أو يقضيك حقك، واضربه أو يستقيم، وفي النهي: لا تتركه أو يقضيك حقك، ولا تعجل أو يفتح الله، ولا فرق في ذلك بين الخبر والطلب إلا أن في الخبر يجوز لك العدول عن نصب الفعل وأن تعطفه على ما قبله، وأما في الأمر والنهي فالعطف ممتنع معهما ولا يخفى وجه امتناعه 329، فأما قول القائل: 3839 - على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى 330
الحديث: 3838 - الجزء: 8 - الصفحة: 4186
................................
فقيل 331: إن ذلك على إضمار «اللام» أي: وليبك من بكى، وقيل: إنه على الحمل على المعنى؛ لأن معنى اخمشى: لتخمشي.
وقد ذكروا أنها ترد مع الشرط ومع الجواب أيضا فيقال: إن تأت أو تجلس اضرب زيدا، وإن تأت اضرب زيدا أو يستقيم، واختلفوا في قول الشاعر:
3840 - إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا... أو تنزلون فإنّا معشر نزل 332
فقيل: رفع على القطع، التقدير: أو أنتم تنزلون، وهو قول يونس 333، وجعله الخليل 334 من العطف على المعنى كأنه قال 335: أتركبون قال: لأن الشرط كالاستفهام في كونه غير واجب.
وخرجه السيرافي 336 على تقدير «إن» الشرطية بـ «إذا» فأجراها مجراها تقديرا فرفع.
ورجّح 337 قوله على قول الخليل بأن فيه إجراء أداة شرط مجرى أداة شرط والاستفهام مخالف للشرط، قالوا: والحمل على الموافق أولى من الحمل على المخالف.
- - والشاهد فيه: في قوله: «أو يبك» حيث أضمر فيه اللام مع إعمالها، ويجوز أن يكون الجزم عطفا على ما في «اخمشي» من معنى الجزم اذ معناه لتخمشي.
والبيت في الكتاب (3/ 9)، والمقتضب (2/ 132)، وأصول النحو لابن السراج (2/ 131)، والإنصاف (532) وابن يعيش (7/ 60، 62)، والمغني (225).
الحديث: 3840 - الجزء: 8 - الصفحة: 4187
................................ ومنها: أن الشيخ جعل العطف في نحو: لألزمنك أو تقضيني ديني، ولأقتلن الكافر أو يسلم عطفا على التوهم، فإنه لما قرر المسألة قال 338: ونظير العطف على التوهم - يعني في المسألة المذكورة - قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ 339 ثم قال تعالى بعد ذلك: أَوْ كَالَّذِي 340؛ لأن معنى ذلك: أرأيت كالذي حاجّ إبراهيم؟ قال: ومنه قول الشاعر: 3841 - أجدّك لن ترى بثعيلبات... ولا بيدان ناجية ذمولا ولا متدارك واللّيل طفل... ببعض نواشغ الوادي حمولا 341 قال: فقوله: «ولا متدارك» عطف على معنى: لن ترى بثعيلبات، كأنه قال: أجدك لست براء ولا متدارك. انتهى. فاقتضى كلامه صريحا أن لا فرق بين العطفين، فالعطف على التوهم هو العطف على المعنى عنده، وكذا عنده العطف على المعنى هو العطف على التوهم، وأن العطف في نحو: لأقتلن الكافر أو يسلم؛ من العطف على التوهم الذي هو عنده عطف على المعنى، وكلام الأمرين فيه نظر وبحث: أما العطف على التوهم والعطف على المعنى فالظاهر أنهما غيران؛ وذلك أن العطف على التوهم ليس فيه إلا أن يتوهم أن المعطوف عليه على حالة يصح اتصافه بها دون تأويل في الكلام كما في قول القائل: 3842 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... ولا ناعب إلّا ببين غرابها 342
الحديث: 3841 - الجزء: 8 - الصفحة: 4188
عدم جواز الفصل بين «حتى» و «أو» وبين الفعل
قال ابن مالك: (ولا يفصل الفعل من «حتّى» ولا «أو» بـ «إذن» ولا بشرط ماضي اللفظ خلافا للأخفش، وقد تعلّق قبل الشرط الآخذ حقّه «حتّى» وفاقا له و «كي» وفاقا للفرّاء).
فـ «ناعب» عطف على «مصلحين» وإنما جرّ لتوهم أن الشاعر قال: بمصلحين من حيث إن المحل صالح للباء.
وأما العطف على المعنى فلا بد فيه من تأويل الكلام المعطوف على بعضه بكلام آخر يصح معه العطف كما رأيت من تأويل: «لن ترى» بـ «لست براء».
وأما أن العطف في نحو: لأقتلنّ الكافر أو يسلم؛ من العطف على التوهم فليس بظاهر؛ لأن العطف على التوهم إنما يكون على شيء له استحقاق قبل أن يعطف عليه لما توهم فيه، ولا شك أن «لألزمنك» قبل أن يقال: أو تقضيني ديني، و «لأقتلن الكافر» قبل أن يقال: أو يسلم، لا يستحق أن يكون مصدرا بل ولا يجوز فيه ذلك، وإنما لما عطف على الفعل المذكور ما هو اسم في التقدير وجب أن يقدر ما عطفت عليه اسما ليصح العطف، فإنما احتجنا إلى تقديره اسما من أجل أن المعطوف اسم، والاسم لا يعطف على الفعل إلا في موضع خاص 343، وإذا كان كذلك فالعطف في نحو: لأقتلنّ الكافر أو يسلم؛ من باب العطف على التوهم في شيء وإنما عطف على التحقيق لكنه بتأويل في المعطوف عليه، وقد عرفت الموجب للتأويل ما هو؟
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 344 مشيرا إلى ما ذكر: ثبت هذا في بعض النسخ التي عليها خطه رحمه الله تعالى، قال: وثبت في نسخة أخرى ما نصه:
ولا يفصل الفعل من «حتى» ولا «أو» بظرف [5/ 113] ولا شرط ماض خلافا - - (1/ 165، 306) (هارون) إلى الأحوص، وقد رواه الجاحظ في البيان والتبيين (2/ 261) ثالث ثلاثة أبيات ونسبها للأحوص.
والشاهد في قوله: «ولا ناعب» حيث ضبط بالجر عطفا على مصلحين لما توهم أن الشاعر قال: بمصلحين من حيث إن المحل صالح للباء، والبيت في الإنصاف (ص 193)، وابن يعيش (2/ 52)، (5/ 68) والمغني (ص 478، 553)، والخزانة (2/ 140)، (3/ 507).
الجزء: 8 - الصفحة: 4189
................................
للأخفش وابن السراج، قال 345: ونحن نشرح ذلك فنقول: قوله: ولا يفصل الفعل من «حتّى» ولا «أو» بـ «إذن» - الظاهر أنه تصحيف، فإنه لا محل لدخول «إذن» بين «حتى» والمنصوب بعدها، ولا بين «أو» والمنصوب بعدها وإنما هو بـ «أن» أي لا يفصل بين «حتى» والفعل ولا بين «أو» والفعل بـ «أن» وذلك إما على مذهب البصريين فـ «أن» واجبة الإضمار بعدهما، فلا تظهر «أن» بعدهما، وإما على مذهب الكوفيين فلأن «حتى» بنفسها تنصب فلا يناسب المجيء بـ «أن» بعدها، وأما «أو» فالناصب عندهم الخلاف فلا معنى لدخول «أن» بينها وبين الفعل، لكن قد حكى ابن الأنباري أنه يجوز في قول الكوفيين: لأسيرنّ حتى أن أصبّح القادسية، على أن «أن» تؤكد «حتى»، قال 346: كما أكدت «كي» ولا موضع لها من الإعراب - يعني «أن» - وذلك لأنها زائدة عندهم لا مصدرية وإن لم يكن قوله: «إذن» تصحيفا فتمثيل المسألة: أصحبك حتى إذن أتعلم، وألزمك أو إذن تقضيني حقي.
وقوله: (ولا بشرط ماضي اللّفظ) مثاله: أصحبك حتى إن قدّر الله أتعلم العلم، ولألزمنّك أو إن شاء الله تقضيني حقي 347، وإنما قال «بشرط ماض» لأن جواب الشرط محذوف؛ إذ الفعل منصوب بعد «حتى» و «أو» وجواب الشرط إذا كان محذوفا يقتضي مضي الشرط.
وقوله: (خلافا للأخفش) لا أدري أهذا الخلاف للأخفش راجع إلى المسألتين - أعني مسألة الفصل بين «حتى» والفعل، و «أو» والفعل بـ «أن»، ومسألة الفصل بين كل واحدة منهما والفعل بالشرط، أم إلى المسألة الأخيرة وهي الفصل بالشرط؟
وينبغي أن لا يقدم على نسبة ذلك للأخفش إلا بوضوح نقل أبين من هذا النقل.
وقوله: (وقد تعلق قبل الشرط الآخذ حقّه «حتّى» وفاقا له) أي للأخفش ومثال ذلك: أصحبك حتى إن تحسن إليّ أحسن إليك، ويعني بالتعليق هنا: إبطال العمل، وذلك كما أجاز الكسائي ومن أخذ بمذهبه ذلك في «كي» نحو: جئت كي إن تكافئ -
الجزء: 8 - الصفحة: 4190
[إضمار «أن» وجوبا بعد فاء السببية المسبوقة بالأجوبة الثمانية]
قال ابن مالك: (وتضمر أيضا لزوما بعد «فاء» السّبب جوابا لأمر أو نهي أو دعاء بفعل أصيل في ذلك، أو لاستفهام لا يتضمّن وقوع الفعل، أو لنفي محض أو مؤوّل، أو عرض أو تحضيض أو تمنّ أو رجاء).
أكافئك، وقد تقدم 348 الرد على الكسائي وبه يرد على الأخفش في مسألة «حتى».
وقوله: (وكي وفاقا للفرّاء) قد ذكرنا أنه مذهب الكسائي وقد تقدم الرد عليه 349.
ويعني بقوله: (قبل الشّرط الآخذ حقّه) أنه استوفى جوابه فتسلط على الفعل الذي لولا أخذه جوابا به لكان منصوبا بعد «حتى» و «كي».
وأما ما ثبت في النسخة الأخرى من قوله: (ولا يفصل الفعل من «حتّى» ولا «أو» بظرف) فمثاله أن نقول: أقعد حتى عندك يجتمع الناس، تريد: حتى يجتمع الناس عندك، وأضربك أو اليوم تستقيم، تريد: أو تستقيم اليوم؛ فهذا لا يجوز.
وأجاز هشام 350 الفصل بين «حتى» والفعل بالجار والمجرور فإجازته بالظرف أسهل، أجاز: أصير حتى إليك يجتمع الناس ويجتمع الناس، قال: والرفع أصحهما، وقد تقدم إجازته ذلك في «إذن» وأنه أجاز 351: أنا إذن فيك أرغب وأرغب، قال: وإنما خصّ هذان الحرفان بالتفرقة بينهما وبين الفعل لأن عملهما يبطل في قولهم: سرت حتى صبّحت القادسية، وإذن عبد الله مقبل يعني أنهما لم يلزما المضارع بل وليهما غيره من الفعل الماضي والجملة الابتدائية، وهما إذا وليهما ذلك لم يكونا ناصبين فكذلك يبطل عملهما إذا وليهما الظرف وما أشبهه.
وقوله: (ولا شرط ماض خلافا للأخفش وابن السّرّاج) قد تقدم تمثيل هذه المسألة وعلة اشتراط المضي في
الشرط الفاصل على ذلك.
هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
قال ناظر الجيش: شرع بعد الكلام على الأول من حروف العطف وهو «أو» في الكلام على الثاني منهما وهو «الفاء» وختم به الفصل، ولنبدأ بذكر كلامه في -
الجزء: 8 - الصفحة: 4191
................................
شرح الكافية ثم بذكر كلام الإمام بدر الدين ثم نعود إلى لفظ الكتاب وذكر ما تيسر إن شاء الله تعالى.
قال 352 رحمه الله تعالى: ينصب الفعل بـ «أن» واجبة الإضمار بعد الفاء المجاب بها نفي كقوله تعالى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا 353، والمجاب بها طلب وهو إما أمر وإما نهي وإما دعاء وإما استفهام وإما عرض وإما تحضيض وإما تمنّ، فالأمر كقول الراجز:
3843 - يا ناق سيري عنقا فسيحا... إلى سليمان فنستريحا 354
والنهي كقول الشاعر:
3844 - لا يخدعنّك مأثور وإن قدمت... تراثه فيحيق الحزن والنّدم 355
والدعاء كقول الشاعر:
3845 - فيا ربّ عجّل ما أؤمّل منهم... فيدفأ مقرور ويشبع مرمل 356
وكقول الآخر: -
الحديث: 3843 - الجزء: 8 - الصفحة: 4192
................................ 3846 - ربّ وفّقني فلا أعدل عن... سنن السّاعين في خير سنن 357 والاستفهام كقول الشاعر: 3847 - هل تعرفون لباناتي فأرجو أن... تقضى فيرتدّ بعض الرّوح للجسد 358 والعرض كقول الشاعر: 3848 - يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما... قد حدّثوك فما راء كمن سمعا 359 والتحضيض كقول الشاعر: 3849 - لولا تعوجين يا سلمى على دنف... فتخمدي نار وجد كاد يفنيه 360 والتمني كقول الله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً 361 -
الحديث: 3846 - الجزء: 8 - الصفحة: 4193
................................
وكقول الشاعر:
3850 - يا ليت أمّ خليد واعدت فوقت... ودام لي ولها عمر فنصطحبا 362
قال: وقيدت الفاء المنتصب بعدها الفعل بإضافتها إلى جواب - يعني بذلك قوله في النظم:
وبعد فا جواب نفي أو طلب 363
احترازا من الفاء التي لمجرد العطف كقولك: ما تأتينا فتحدثنا [5/ 114] بمعنى:
ما تأتينا فما تحدثنا، أو فأنت تحدثنا، فلو قصد المتكلم معنى: ما تأتينا محدثا، أو ما تأتينا فكيف تحدثنا ثبتت الجوابية وصح النصب 364.
قال 365: وشرط النفي: أن يكون خالصا، فالنفي الذي ليس نفيا خالصا لا جواب له منصوب نحو: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، وما قام فتأكل إلا طعامه ومنه قول الشاعر:
3851 - وما قام منّا قائم في نديّنا... فينطق إلّا بالّتي هي أعرف 366
وكذلك بعد الطلب.
انتهى.
ولم أتحقق مراده بقوله: وكذلك بعد الطلب؛ إلا أن يريد بذلك أن شرط الطلب -
الحديث: 3850 - الجزء: 8 - الصفحة: 4194
................................
أن يكون خالصا كما أن ذلك شرط النفي، ويكون مراده بالخلوص ما أراد في الألفية بقوله:
وبعد فا جواب نفي أو طلب... محضين أن وستره حتم نصب
يعني: أن الطلب يكون محضا، وذلك احتراز من أن يكون الطلب بما لفظه لفظ الخبر كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإن كان هذا مراده أمكن حمل كلامه عليه.
ثم قال بعد كلام 367: وألحق الفراء 368 الرجاء بالتمني فجعل له جوابا منصوبا، وبقوله أقول؛ لثبوت ذلك سماعا ومنه قراءة حفص عن عاصم 369: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى 370، ومنه قول الراجز أنشده الفراء 371:
3852 - علّ صروف الدّهر أو دولاتها... يدلننا اللّمّة من لمّاتها
فتستريح النّفس من زفراتها 372
هذا آخر كلام المصنف.
وأما ولده فإنه قال 373: اعلم أن الفاء حرف عطف في جميع أماكنها، ويقع بعدها المضارع على خمسة أوجه؛ لأنه إما مشارك لما قبلها داخل في حكمه، وإما مخالف لما قبلها خارج عن حكمه، وذلك إذا كان ما قبل الفاء غير واجب وما بعدها: إما مسبب عنه غير مبني على مبتدأ محذوف، وإما مسبب عنه مبني على -
الحديث: 3852 - الجزء: 8 - الصفحة: 4195
................................
مبتدأ محذوف، وإما مرتب عليه لإفادة نفي الجمع، وإما مرتب عليه لإفادة استئناف الإثبات، فإذا قصد بالمضارع بعد الفاء إشراكه بما قبلها في حكمه تبعه في الإعراب كقولك: زيد يأتيني فيحدثني، وأريد أن تأتيني فتحدثني، وإن تأتني فتحدثني أكرمك، وإن قصدت أنه مسبب مبني على مبتدأ محذوف أو مرتب للاستئناف رفع كقولك: ما تأتيني فتحدثني، فترفع على جعل الإتيان سببا للحديث وتقديره: فأنت تحدثني، وعلى استئناف إثبات الحديث بعد نفي الإتيان على معنى: وتحدثني الساعة، وإن قصدت به أنه مسبب غير مبني على مبتدأ محذوف، أو مرتب لإفادة نفي الجمع نصب كقولك: ما تأتيني فتحدثني فتنصب على جعل الإتيان سببا للحديث وتقديره: إن تأتني تحدثني، أو على الترتيب لنفي الجمع بين الفعلين وإرادة معنى: ما تأتيني محدثا أي: قد تأتيني وما تحدث.
ونصبه عند سيبويه 374 بـ «أن» مضمرة وما قبل الفاء في تأويل اسم معمول لفعل محذوف ليصح العطف عليه، والتقدير: ما كان منك إتيان فحديث، فصيروا الفعل على هذا التأويل ليدلوا على أحد المعنيين المذكورين ولم يظهروا «أن» بعد الفاء كما لم يظهروها بعد «أو».
وقال الكوفيون 375: النصب بالفاء والحجة عليهم أن الفاء لو كانت هي الناصبة لدخل عليها «واو» العطف أو «فاؤه» كما يدخل على «واو» القسم ولجاز: ما أنت بصاحبي فأكرمك وفأحدثك، كما يجوز: والله وتالرحمن
لأفعلنّ، فلما لم يجز ذلك دلّ على أنها حرف مضمر بعدها العامل كـ «واو ربّ».
ولا يطرد نصب المضارع بـ «أن» مضمرة بعد «الفاء» إلا في جواب نفي أو طلب وهو: الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والعرض والتحضيض والتمني، ونورده على ترتيب الكتاب:
فأما الأمر: فكقولك: ائتني فأحدثك، وتريد أن الإتيان سبب للحديث على تقدير: ليكن منك إتيان فحديث مني، قال أبو النجم 376: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4196
................................
3853 - يا ناق سيري عنقا فسيحا... إلى سليمان فنستريحا 377
ولو جزمته لم يستقم إلا أن تظهر «اللام» 378 ولو رفعته جاز على إضمار مبتدأ التقدير: إن تأتني فأنا أحدثك، أو على الاستئناف كأنك قلت: ائتني فأنا ممن يحدثك جئت أو لم تجئ.
وأما النهي: فكقولك: لا تمددها فتشقّها 379، ولا تريد التشريك فتنصب كما بعد الأمر، قال الله تعالى: وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ 380، ولو جزمت فقلت: لا تمددها فتشققها جاز على التشريك في النهي 381 وإن كانت الفاء للسببية قال الشاعر 382:
3854 - فقلت له صوّب ولا تجهدنّه... فيذرك من أدنى القطاة فتزلق 383
ولو رفعت على معنى: فأنت تشقّها، أو على الاستئناف جاز.
وأما الدعاء: فكقولك: اللهم ارحمني فأدخل جنتك، ولا تعذبني فآمن من سخطك؛ فتنصب كما بعد الأمر والنهي، قال الشاعر:
3855 - فيا ربّ عجّل ما أؤمّل منهم... فيدفأ مقرور ويشبع مرمل 384
وقال آخر:
3856 - ربّ وفّقني فلا أعدل عن... سنن السّاعين في خير سنن 385
ولا يجوز عند البصريين نصب جواب الدعاء إلا إذا كان بلفظ الطلب؛ لو -
الحديث: 3853 - الجزء: 8 - الصفحة: 4197
................................ قلت: رحم الله زيدا فيدخله الجنة لم يجز 386، وإليه الإشارة بقوله: (بفعل أصيل في ذلك) وسيأتي التنبيه على الاختلاف فيه. وأما الاستفهام: فكقولك: هل تأتينا فتحدثنا؟ ولا تريد التشريك فتنصب على تقدير: هل يكون منك إتيان فحديث؛ إما لأن الحديث مسبب غير مبني على مبتدأ محذوف والمعنى فيه: إن تأتني تحدثني، وإما لأنه مرتب لنفي الجمع والمعنى فيه: هل تأتينا محدثا؟ قال الله تعالى: فَهَلْ لَنا [5/ 115] مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا 387، وقال الشاعر: 3857 - هل تعرفون لباناتي فأرجو أن... تقضى فيرتدّ بعض الرّوح للجسد 388 واختار شيخنا 389 رحمه الله تعالى أنه لا يجوز النصب فيما ولي «الفاء» و «الواو» بعد الاستفهام إلا إذا لم يتضمن وقوع الفعل، إما لأنه استفهام عن الفعل نفسه كما تقدم، وإما لأنه استفهام عن متعلق فعل غير محقق الوقوع كما في نحو: متى تزورني فأكرمك، وأين تسير فأرافقك، و «من يدعوني فأستجيب له؟» 390 فينصب لأنه جواب فعل غير واجب، ولو كان الاستفهام عن متعلق فعل محقق الوقوع كما في قولك: لم يكن الإتيان والحديث: لم تأتينا فتحدثنا أو تحدثنا فليس إلا الرفع؛ لأن الإتيان موجب فلا يجوز النصب بعده إلا على مذهب من ينصب في الواجب كقوله 391: 3858 - وألحق بالحجاز فأستريحا 392
الحديث: 3857 - الجزء: 8 - الصفحة: 4198
................................
واقتدى في هذه المسألة بما ذكر أبو علي في الإغفال 393 رادّا على قول أبي إسحاق الزجاج في قوله تعالى: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ 394 ولو قيل: وتكتموا الحق لجاز على قولك: لم تجمعون بين ذا وذا؟
ولكن الذي في القرآن العزيز أجود في الإعراب 395.
قال بدر الدين: وقد حكى ابن كيسان نصب الفعل جواب الاستفهام في نحو:
أين زيد فنتبعه؟ وكم مالك فنعرفه؟ ومن أبوك فنكرمه؟ ولا أراه يستقيم على مأخذ البصريين إلا بتأويل ما قبل الفاء باسم معمول لفعل أمر دل عليه الاستفهام، والتقدير: ليكن منك إعلام بموضع ذهاب زيد فاتباع منا، وليكن منك إعلام بقدر مالك فمعرفة منا، وليكن منك إعلام بأبيك فإكرام منا له، وإذا كان مثل ذلك جائزا على ما ذكرنا فالذي قاله الزجاج هو الصواب.
وأما النفي: فكقولك: لا تأتيني فتحدثني، فتنصب على تقدير: لا يكون منك إتيان فحديث وله معنيان 396:
أحدهما: أن يكون الإتيان سببا للحديث وهو منفي نفيا مطلقا، فالحديث ممتنع لعدم سببه كأنه قال: أنت لا تأتيني فكيف تحدثني؟ فلو أتيتني حدثتني كما قال الله تعالى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا 397.
والثاني: أن يكون الإتيان منفيّا بقيد اقتران الحديث به كأنه قال: لا تأتيني إلا لم تحدثني، أو لا تأتيني محدثا أي: منك إتيان كثير بلا حديث كما تقول: [لا يسعني شيء ويعجز عنك] 398، ويجوز فيه الرفع على ثلاثة أوجه 399:
إما على التشريك كأنك قلت: ما تأتيني وما تحدثني.
وإما على السببية وبناء ما بعد الفاء على مبتدأ محذوف كما قال تعالى: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ 400 التقدير: فهم يعتذرون، والمعنى: فكيف يعتذرون؟ -
الجزء: 8 - الصفحة: 4199
................................ وإما على الاستئناف كما قال 401: 3859 - غير أنّا لم تأتنا بيقين... فنرجّي ونكثر التّأميلا 402 كأنه قال: فنحن نرجي أبدا 403. واعلم أن شرط النصب بعد النفي: أن يكون داخلا على الفعل المعطوف عليه إما خاليا عما يزيل معناه وهو النفي المحض كما تقول: ما تأتيني فتحدثني، ونحوه مما تقدم ذكره، وإما معه ما يزيل معناه وينقل الكلام على الإثبات وهو النفي المؤول، وذلك ما قبله استفهام أو بعده استثناء. فالأول: كقولك: ألم تأتنا فتحدثنا 404 فتنصب على: ألم تأتنا محدثا؟ قال الشاعر: 3860 - ألم تسأل فتخبرك الرّسوم... على [فرتاج] 405 والطّلل القديم 406 وكل موضع يدخل فيه الاستفهام على النفي فنصبه جائز على هذا المعنى، ولك فيه الجزم 407 بالعطف على معنى: ألم تأتنا فلم تحدثنا؟ والرفع على الاستفهام وإضمار مبتدأ كما قال: 3861 - ألم تسأل الرّبع القواء فينطق... وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق 408
الحديث: 3859 - الجزء: 8 - الصفحة: 4200
................................
كأنه قال: فهو ينطق 409.
والثاني: كقولك: ما تأتينا فتقول إلا خيرا، فتنصب مع أنك أتيت بـ «إلّا» إثباتا؛ لأنه بمعنى: ما تأتينا فتقول شرّا.
قال سيبويه 410: وتقول: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة، والنصب ها هنا كالنصب في: ما تأتيني فتحدثني، إذا أردت معنى: ما تأتيني فتكون محدثا، قال: ومثل ذلك قول اللعين المنقري 411:
3862 - وما حلّ يا سعدى غريب ببلدة... فينسب إلّا الزّبرقان له أب 412
يعني: أن نصب ما فيه الاستثناء إنما يجوز على وجه واحد من وجهي النصب في جواب النفي المحض ولو رفعه جاز على التشريك ومعنى: ما تأتينا وما تقول إلا خيرا، ولا يجوز على الاستئناف لاستلزامه التفريغ في الموجب.
وتقول: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، بالرفع؛ لأن النفي لم يدخل على المعطوف عليه إنما دخل في الأول على شيء مقدر أخرج منه المعطوف عليه وأوجب بـ «إلا»، وفي الثاني على متعلق المعطوف عليه وكان معناه النفي فصار إثباتا.
ويجوز أن يكون المراد بالنفي المحض: ما يدل عليه بما وضع لمجرد النفي كـ «ما» - الشرح: القواء: المكان القفر، ورواية الديوان «الخلاء» ويروى: «القديم».
والبيداء: الصحراء الواسعة، والسملق: التي لا شيء فيها من نبت ولا غيره وهى جرداء مستوية.
والشاهد فيه: رفع «ينطق» الواقع بعد الفاء على الاستئناف والقطع أي: فهو ينطق، والبيت في الكتاب (3/ 37)، والمفصل (ص 250)، وابن يعيش (7/ 36، 37)، والمغني (ص 168)، وشرح التصريح (2/ 240).
الحديث: 3862 - الجزء: 8 - الصفحة: 4201
................................
و «لا» و «ليس» ويدخل فيه جميع ما ذكر من النفي الخالي عما يزيل معناه والمقارن لما يزيله ويكون المراد بالنفي المؤول على هذا وهو الأقرب ما يدل عليه بما له مسمى يقرب من معنى النفي فيقام مقامه نحو «غير»؛ فإنها اسم بمعنى: مخالف، وقد يقصد به النفي فيكون له جواب مقرون بـ «الفاء» كقولك: غير قائم الزيدان فنكرمهما، ذكره ابن السراج ثم قال: ولا يجوز هذا عندي 413.
قال الشيخ 414 رحمه الله تعالى: هو عندي جائز، وحجته في ذلك جواز ذكر «لا» مع المعطوف على المضافة هي
إليه كما في قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ 415، وصحة إعمال الصفة للاعتماد عليها كما في قول الشاعر:
3863 - غير مأسوف على زمن... ينقضي بالهمّ والحزن 416
[5/ 116] وأما العرض: فكقولك: ألا تنزل فتصيب خيرا، وهو كجواب النفي بعد الاستفهام، والمعنى فيه: إذا نزلت أصبت، قال الشاعر:
3864 - يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما... قد حدّثوك فما راء كمن سمعا 417
وإن شئت رفعت على التشريك، أو إضمار مبتدأ، أو الاستئناف.
وأما التحضيض: فكقولك: هلا أمرت فتطاع، وحكم الجواب بعده حكمه بعد العرض قال الله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ 418.
وأما التمني: فكقولك: ليته عندنا فيحدثنا، وألا ماء فأشربه، فإن شئت نصبت على المعنى في نصب جواب الاستفهام، قال الله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً 419، وإن شئت رفعت على ما تقدم.
-
الحديث: 3863 - الجزء: 8 - الصفحة: 4202
................................ وربما نصب الجواب جعلها تمنّيا، قال الشاعر 420: 3865 - ولو نبش المقابر عن كليب... [فيخبر بالذّنائب أيّ زير] 421 وقال سيبويه 422: وزعم [هارون] 423 أنها في بعض المصاحف (ودّوا لو تدهن فيدهنوا) 424. وأما الرّجاء: فقريب من التمني، وعند البصريين 425 أن المقرون بأداة الترجي في حكم الواجب فلا يكون له جواب منصوب، وقال الكوفيون 426: «لعل» تكون استفهاما وشكّا وتجاب في الوجهين، ومن أمثلتهم: لعلي سأحج فأزورك، والبصريون لا يعرفون الاستفهام بـ «لعل» ولا نصب الجواب بعدها، والصحيح أن الترجّي قد يحمل على التمني فيكون له جواب منصوب كقراءة حفص عن عاصم 427: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ 428، وقال الراجز أنشده الفراء: 3866 - علّ صروف الدّهر أو دولاتها... يدلننا اللّمّة من لمّاتها فتستريح النّفس من زفراتها 429 ولا يحسن نصب المضارع بـ «أن» مضمرة بعد «الفاء» في غير ما ذكر، فلا -
الحديث: 3865 - الجزء: 8 - الصفحة: 4203
................................
يحسن نصبه بعد الخبر الواجب؛ لأن الذي أحوجنا بعد النفي والطلب إلى الإضمار وحمل الكلام على غير ظاهره هو الدلالة على المخالفة بين الأول والثاني على ما بيناه، وإذا عطف بـ «الفاء» على الخبر الواجب كما في نحو: أنت تأتينا فتحدثنا لم يقع خلاف بين الأول والثاني فلم يحتج إلى النصب على ذلك الإضمار والتأويل ولم يرد استعماله إلا في أشياء سيأتي التنبيه عليها.
هذا آخر كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى، وهو كلام مرتب حسن نظيف، ويتعلق به أمران:
أحدهما: قوله في تقسيم المضارع الواقع بعد «الفاء» إذا كان ما قبل «الفاء» غير واجب: إنك إن قصدت أنه مسبب مبني على مبتدأ محذوف رفع كقولك: ما تأتيني فتحدثني، قال: فترفع على جعل الإتيان سببا للحديث، وتقديره: فأنت تحدثني.
فإن جعلت الإتيان سببا للحديث مع أن الإتيان منفي والحديث مثبت لا يظهر إلا أن تريد أن الإتيان سبب للحديث في الجملة لا في هذا التركيب فيكون مراد المتكلم أن السبب منتف ولكن مسببه ثابت كأنه يريد بسبب آخر فيستقيم حينئذ.
ثانيهما: قوله في المضارع الواقع بعد «الفاء» إذا كان حكمه مخالفا لما قبل «الفاء» وذلك إذا كان ما قبل «الفاء» غير واجب: إن ما بعد الفاء إما مسبب عما قبلها أو مرتب عليه، والمسبب: إما غير مبني على مبتدأ محذوف، أو مبني على مبتدأ محذوف، والمرتب: إما لإفادة نفي الجمع، وإما لإفادة استئناف الإثبات.
فإن هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها وإن كانت تتصور جميعها في الكلام الواقع بعد النفي قد لا تتصور جميعها في الواقع بعد بعض أقسام الطلب وهو قد أطلق الحكم بقوله: وذلك إذا كان ما قبل الفاء غير واجب.
ثم إن المصنف ذكر في مثل: ما تأتينا فتحدثنا: جواز الرفع إما على العطف أو الاستئناف، كما تقدمت الإشارة إليه، ولم يتعرض إلى ذكر شيء من ذلك في بقية المسائل.
وأما الإمام بدر الدين فإنه تعرض إلى ذكر ذلك كما رأيت، لكن أبو الحسن بن عصفور أورد ذلك في المقرب
إيرادا حسنا، وأنا أذكر كلامه بنصه، قال 430 رحمه -
الجزء: 8 - الصفحة: 4204
................................
الله تعالى - بعد سرده المواضع التي تضمر فيها «أن» بعد «الفاء» في الأجوبة الثمانية -: وليس النصب بعد «الفاء» حتما في جميع ما ذكر بل يجوز معه غيره.
والضابط في ذلك أن تقول: إن تقدم الفاء جملة منفية فإن كانت فعلية وكان الفعل مرفوعا جاز في الفعل الذي بعد «الفاء» النصب والرفع؛ فالرفع له معنيان:
أحدهما: أن يكون نفى الإتيان فانتفى من أجله الحديث كأنه قال: ما تأتينا فكيف تحدثنا؟ والتحديث لا يكون إلا مع الإتيان.
والثاني: أن يكون أوجب الإتيان ونفى الحديث كأنه قال: ما تأتينا محدثا بل غير محدث.
وإن كان الفعل منصوبا: جاز فيه وجهان: الرفع والنصب، فالرفع له وجه واحد وهو القطع فتقول: لن تأتينا فتحدثنا أي: فأنت تحدثنا، والنصب على ثلاثة أوجه:
العطف على الفعل فيكون ما بعد «الفاء» شريكا لما قبله في النفي كأنه قال: لن تأتينا فلن تحدثنا؛ والنصب بإضمار «أن» فيكون له المعنيان المتقدما الذكر.
وإن كان الفعل مجزوما: جاز فيه ثلاثة أوجه: الرفع والنصب والجزم:
فالرفع على القطع فيكون [5/ 117] ما بعد «الفاء» موجبا نحو قولك: لم تأتنا فتحدثنا، أي: فأنت تحدثنا، ومن ذلك قوله:
3867 - غير أنّا لم تأتنا بيقين... فنرجّي ونكثر التّأميلا 431
أي: فنحن نرجي.
والجزم على العطف فيكون التقدير: فلم تحدثنا.
والنصب بإضمار على المعنيين المتقدمي الذكر.
وإن كانت اسمية: لم يجز فيما بعد «الفاء» إلا النصب على المعنيين المتقدمي الذكر، أو الرفع على القطع، ولا يجوز
العطف على ما بعد أداة النفي؛ لأنه لم يتقدم فعل فيعطف عليه.
وإن تقدم «الفاء» جملة استفهامية:
فإن كانت فعلية: جاز في ما بعد الفاء وجهان: الرفع والنصب، فالرفع على وجهين: -
الحديث: 3867 - الجزء: 8 - الصفحة: 4205
................................
العطف فيكون الثاني شريك الأول في الاستفهام نحو قولك: هل تأتينا فتحدثنا؟ أي: فهل تحدثنا.
والقطع كأنك قلت: فأنت تحدثنا.
والنصب: على أن تقدر الأول سببا للثاني كأنك قلت: هل يكون منك إتيان فيكون بسببه حديث؟
وإن كانت اسمية: لم يجز في ما بعد «الفاء» إلا الرفع على القطع نحو قولك:
هل زيد أخوك فنكرمه؟ أي: فنحن نكرمه، أو النصب على السببية نحو قولك:
أين بيتك فأزورك؟
وإن تقدمها جملة تمنّ: فإما أن يكون فيها فعل أو لا يكون، فإن كان جاز في ما بعد «الفاء» الرفع والنصب، فالرفع على معنيين:
العطف نحو قولك: ليتني أجد مالا فأنفق منه أي: فليتني أنفق منه.
والاستئناف أي: فأنا أنفق منه.
والنصب: على السببية كأنه تمنى وجدان مال يكون سببا للإنفاق منه.
وإن لم يكن فيها فعل: لم يجز إلا النصب على السببية والرفع على القطع، ولا يجوز العطف نحو قولك: ليت لي مالا فأنفق منه برفع «أنفق» ونصبه.
وإن تقدمها جملة نهي أو أمر باللام: جاز فيه ثلاثة أوجه: الرفع على الاستئناف، والنصب على السببية والجزم على العطف نحو قولك: لتكرم زيدا فيكرمك، ولا تضرب عمرا فيضربك.
وإن كان الأمر بغير «لام»: لم يجز فيه إلا الرفع على القطع، والنصب على السببية نحو قولك: أكرم زيدا فيكرمك برفع «يكرم» ونصبه.
وإن تقدمها جملة دعاء وكان فعله على صيغة الأمر: كان حكمه حكم فعل الأمر.
وإن تقدمها جملة عرض أو تحضيض أو دعاء على غير صيغة الأمر: جاز فيما بعد «الفاء» الرفع على العطف فيكون شريكا لما قبله في المعنى، أو على القطع، والنصب على السببية نحو قولك: ألا تنزل عندنا فتحدثنا، وغفر الله لزيد فيدخله الجنة.
انتهى كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4206
................................
قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى: قوله 432: وليس النصب بعد «الفاء» حتما في جميع ما ذكر بل يجوز معه غيره، فيه ركاكة؛ لأنه إذا أريد معنى السبب لا يجوز فيه إلا النصب، وإن أريد غيره مما يجوز أعرب على حسب ما يقتضيه المعنى المراد، قال: وأحسن من عبارته بكثير قول الزمخشري 433: وليس بحتم أن ينصب الفعل في هذه المواضع، بل للعدول به إلى غير ذلك من معنى وجهة من الإعراب مساغ، فنبّه على أن اختلاف الإعراب إنما هو لاختلاف المعنى المقصود.
ثم قال الشيخ بهاء الدين: وإذا عرفت أنه لا بد وأن يتقدم هذه الحروف كلام فلا يخلو ما يتقدمها من أن يكون تامّا أو غير تام فإن كان غير تام نحو: ما زيد فيحدثنا قائم، لم يجز في ما بعد «الفاء» النصب أصلا لأن العطف على المعنى لا يجوز إلا بعد تمام الكلام ولم يتم الكلام هنا خلافا لمن قال من الكوفيين 434 بجواز النصب على التقديم والتأخير.
وإن تم الكلام جملة قبل هذه الحروف وتأخر معمول لما قبلها عما بعدها نحو:
ما تأتينا فتحدثنا اليوم على أن يكون «اليوم» ظرفا لـ «تأتينا» فلا يجوز النصب أيضا عندنا؛ لما تقدم من أن النصب يؤدي إلى جعل ما قبل هذه الحروف في مكان مصدر لكون المعطوف عليه مصدرا، فكما لا يجوز الفصل بين المصدر وبعض معمولاته بأجنبي كذلك لا يجوز الفصل بين هذا الفعل وبعض معمولاته بالمعطوف الذي هو أجنبي منه لتنزله في المعنى منزلة المصدر المتوهم المعطوف عليه وإن كان قد أجاز النصب في مثل هذه المسألة أكثر أهل الكوفة.
فإن كانت الجملة التي قبل «الفاء» اسمية نحو: ما زيد قائم فيحدثنا، فأبو بكر 435 وأكثر النحاة التزموا الرفع في ما بعد «الفاء»؛ لأن النصب يقتضي أن يتصيد من الجملة الأولى مصدر فيعطف عليه هذا المصدر، ولا دلالة في الجملة الاسمية على مصدر كدلالة الجملة الفعلية عليه.
انتهى.
ولم أتحقق قوله: إن أكثر النحاة التزموا الرفع في ما بعد «الفاء» إن كانت الجملة التي قبل -
الجزء: 8 - الصفحة: 4207
................................
«الفاء» اسمية نحو: ما زيد قائم فيحدثنا.
فإن هذا الذي ذكره خلاف المشهور، وقد عرفت قول ابن عصفور في تقسيم الجملة المتقدمة «الفاء» إذا كانت منفية وإن كانت اسمية لم يجز فيما بعد «الفاء» إلا النصب على المعنيين المتقدمي الذكر، أو الرفع على القطع.
وبعد فلا بد من التعرّض إلى ذكر أمور:
منها: أن الشيخ قال 436: ولا نعلم خلافا في نصب الفعل جوابا للأمر إلا ما نقل عن العلاء بن سيّابة قالوا: - وهو معلم الفراء - أنه كان لا يجيز ذلك 437، وهو محجوج بثبوته عن العرب، أنشد سيبويه 438 لأبي النجم:
3868 - يا ناق سيري عنقا فسيحا... إلى سليمان فنستريحا 439
إلا أن يتأوله ابن سيّابة على أنه من النصب في الشعر فيكون مثل قوله:
3869 - سأترك منزلي لبني تميم... وألحق بالحجاز فأستريحا 440
قال الشيخ 441: ولا [5/ 118] يبعد هذا التأويل، ولمنعه وجه من القياس وهو إجراء الأمر مجرى الواجب، فكما لا يجوز ذلك في الواجب كذلك لا يجوز في الأمر، ومن إجراء الأمر مجرى الواجب باب الاستثناء؛ فإنه لا يجوز فيه البدل كما لا يجوز في الواجب، وذلك بخلاف النفي والنهي فإنه يجوز فيهما ذلك.
انتهى.
ولقائل أن يقول للشيخ: يلزمك على ما قررته أن يمتنع النصب بعد الاستفهام والتمني والعرض والتحضيض؛ لأنها لا يجوز معها البدل في الاستثناء كما لا يجوز الأمر وإنما يجوز البدل في الاستثناء مع الاستفهام إذا أريد به الإنكار والنفي، أما إذا أريد به الاستفهام حقيقة فلا يجوز معه البدل، ثم لا يخفى أن النصب إنما وجب بعد «الفاء» الواقعة في جواب الأمر لتعذر عطف الخبر على الطلب فاحتيج إلى تقدير «أن» ليحصل بذلك تأويل يصح معه
العطف، وأما في الاستثناء فإن النصب والبدل إنما يبتنيان على كون الكلام موجبا أو غير موجب فافترق البابان.
-
الحديث: 3868 - الجزء: 8 - الصفحة: 4208
................................
ثم أردف الشيخ كلامه المتقدم بأن قال 442: وأما قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ 443 على قراءة من نصب 444 فظاهره أنه نصب في جواب الأمر 445.
ومنها: أن الشيخ قال 446: وشرط الجواب في النهي أن لا ينقض بـ «إلا» قبل «الفاء» نحو: لا تضرب إلا عمرا فيغضب، قال: فإنك إن نقضته ارتفع الفعل كما في هذا المثال، وإن نقضته بعد «الفاء» 447 كان جوابا نحو: لا تضرب زيدا فيغضب عليك إلا تأديبا.
انتهى.
والحق أنه لا يحتاج إلى هذا الشرط؛ لأن «فيغضب» في المثال الأول ليس جوابا وإذا لم يكن جوابا فمن أين يجيء النصب؟
ومنها: أن المصنف قال: (بفعل أصيل في ذلك) بعد قوله: (أو دعاء) وتقدم قول الإمام بدر الدين: إن والده أشار بذلك إلى أنه لا يجوز نصب جواب الدعاء إلا إذا كان بلفظ الطلب وأن هذا مذهب البصريين، لكن قال الشيخ 448: إنه احترز بقوله: (بفعل) من أن يكون الدعاء بالاسم نحو: سقيا لك ورعيا.
وأما قوله: أصيل فاحترز به كما قال بدر الدين من الدعاء المدلول عليه بلفظ الخبر.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4209
................................
وبعد: فسيأتي الكلام على هذه المسألة في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن الشيخ ذكر 449 تقسيما في الاستفهام المنصوب الجواب بالنسبة إلى أن الاستفهام قد يكون بالحرف، وقد يكون بالاسم، إلى أن خرج من الأقسام مثل قولك: هل زيد أخوك فنكرمه؟ وأوجب الرفع في مثل هذه الصورة.
ولم يظهر لي توجيه ذلك، وقد تقدم من كلام ابن عصفور أن الجملة الاستفهامية إذا كانت اسمية يجوز في ما بعد «الفاء» الرفع على القطع، والنصب على السببية، وهذا هو الظاهر إذ لا وجه لمنع النصب.
ومنها: أن المصنف قد قيد الاستفهام كما عرفت بقوله: أو لاستفهام لا يتضمّن وقوع الفعل.
وتقدم كلام بدر الدين على ذلك.
ونحن الآن نشير إلى ما ذكره الشيخ: قال 450 رحمه الله تعالى مشيرا إلى قول المصنف: لا يتضمّن وقوع الفعل: هذا قيد في الاستفهام فإن تضمن وقوع الفعل لم يجز النصب نحو: لم ضربت زيدا فيجازيك؟ لأن الضرب قد وقع، وهذا الشرط الذي ذكره في الاستفهام لم أر أحدا من أصحابنا يشترطه، بل إذا تعذر سبك مصدر مما قبله إما لكونه ليس ثمّ فعل ولا [ما] في معناه ينسبك منه، وإما لاستحالة سبك مصدر مراد استقباله لأجل مضي الفعل فإنما يقدر فيه مصدر مقدّر استقباله مما يدل عليه المعنى، فإذا قال: لم ضربت زيدا فنضربك، أي: ليكن منك تعريف بسبب ضرب زيد فضرب منا.
ثم قال: قال ابن المصنف: واقتدى - يعني والده المصنف - في هذه المسألة بما ذكره أبو علي في الإغفال رادّا على قول أبي إسحاق الزجاج في قوله تعالى: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ 451: ولو قيل: وتكتموا الحق؛ لجاز على معنى: لم تجمعون بين ذا وذا؟ ولكن الذي في القرآن أجود في الإعراب.
انتهى.
وردّ أبي علي على أبي إسحاق في هذا غير متجه؛ لأن قوله تعالى: لِمَ تَلْبِسُونَ ليس نصّا على أن المضارع أريد به الماضي حقيقة إذ قد ينكر المستقبل لتحقق صدوره لا سيما على الشخص الذي تقدم منه وجود أمثاله، ولو -
الجزء: 8 - الصفحة: 4210
................................
فرضنا أنه ماض حقيقة فلا ردّ فيه على أبي إسحاق؛ لأنه كما قررنا قبل أنه إذا لم يمكن سبك مصدر مستقبل من الجملة سبكناه من لازم الجملة.
وقد حكى ابن كيسان نصب الفعل في جواب الاستفهام حيث الفعل المستفهم عنه محقق الوقوع نحو: أين ذهب زيد فنتبعه؟ وكذلك في: كم مالك فنعرفه؟
ومن أبوك فنكرمه؟ لكن يتخرج على ما سبق ذكره من أن التقدير: ليكن منك إعلام بذهاب زيد فاتباع منا، وليكن منك إعلام بأبيك فإكرام منا له.
هذا آخر ما ذكره الشيخ وما نقله عن ابن المصنف.
وأقول: أما قول الشيخ: إن هذا الشرط الذي ذكره - يعني المصنف - لم يشترطه الجماعة 452 أي: المغاربة، فيقال له: قد تكون الجماعة استغنت عن اشتراطه بما أذكره وهو: أن المنصوب بعد «الفاء» في الطلب إنما هو مسبب عما قبله، ولا شك أن المسبب يترتب وجوده على وجود السبب، كما أن جواب الشرط يترتب وجوده على وجود الشرط، ولهذا إذا سقطت «الفاء» من نحو: أين بيتك فأزورك؟ والمعنى الذي كان مع وجود «الفاء» مراد بعد سقوطها وهو الترتب جزم الفعل الذي هو: أزورك، على أنه جواب لقولك: أين بيتك؟ ولا شك أن ترتب وجود أمر على وجود أمر آخر إنما يعقل بالنسبة إلى الاستقبال، وإذا كان الفعل [5/ 119] المستفهم عنه قد وقع فات المعنى المقصود من الترتب.
ثم إن قوله: إنه إذا تعذر سبك مصدر مما قبله إلى آخر كلامه، فإنما يقدر فيه مصدر مقدر استقباله مما يدل عليه
المعنى فتقدير قولك: لم ضربت زيدا فنضربك؟:
ليكن منك تعريف بسبب ضرب زيد فضرب منا، غير ظاهر؛ لأن معنى: ليكن منك تعريف بسبب ضرب زيد فضرب منا، ليس هو معنى: لم ضربت زيدا فنضربك؟، ثم إن تأويل: لم ضربت زيدا فنضربك؟ بقولنا: ليكن منك تعريف بسبب ضرب زيد فضرب منا - يلزم منه الاعتراف بما ذكره المصنف من أن شرط الاستفهام الذي ينصب جوابه بعد «الفاء» أن لا يتضمن وقوع الفعل، إذ لو لم يكن ذلك شرطا لما احتيج إلى التأويل.
وكذا قول بدر الدين في ما حكاه عن ابن كيسان في نحو: أين ذهب زيد -
الجزء: 8 - الصفحة: 4211
................................
فنتبعه؟: ولا أراه يستقيم على مأخذ البصريين إلا بتأويل ما قبل «الفاء» باسم معمول لفعل أمر دل عليه الاستفهام والتقدير: ليكن منك إعلام بموضع ذهاب زيد فاتباع منا - يبين لك صحة ما ذكره المصنف.
ثم إن الشيخ ذكر مسألة تتعلق بالاستفهام أيضا فقال 453: وزعم بعض النحويين أن الاستفهام إذا كان عن المنسوب إليه الفعل لا عن الفعل فلا يصح النصب بعد الفاء على الجواب، ومنع النصب في نحو: أزيد يقرضني فأسأله؟ وقال: لا يصح ها هنا الجواب وهو محجوج بقراءة من قرأ في السبعة: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ 454 بالنصب 455، ووجه الدلالة من هذه الآية أن الفعل وقع صلة فليس مستفهما عنه ولا هو خبر عن مستفهم عنه بل هو صلة للخبر، وإذا جاز النصب بعد مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ لكونه في معنى: من يقرض؟ فجوازه بعد «من يقرض» و: أزيد يقرض فأسأله؟ أحرى وأولى.
انتهى.
والظاهر أن المسوغ لنصب الجواب بعد «الفاء» هو وجود الاستفهام سواء أكان المستفهم عنه الفعل أم متعلقه، أم من ينسب إليه الفعل، وإنما المعتبر هو ما ذكره المصنف وهو: أن الفعل لا يكون قد وقع.
ومنها: أنك قد عرفت أن المصنف قسّم النفي المنصوب جوابه بعد «الفاء» إلى:
محض ومؤول وأن ولده فسر المحض بأن يكون النفي داخلا على الفعل المعطوف عليه خاليا عما يزيل معناه نحو: ما تأتيني فتحدثني، وفسر المؤول بأن يكون معه ما يزيل معناه وينقل الكلام إلى الإثبات، وأن ذلك ما قبله استفهام أو بعده استثناء نحو: ألم تأتنا فتحدثنا، ونحو: ما تأتينا فتقول إلا خيرا، وعلل النصب في هذا المثال - مع أنك أتيت بـ «إلا» إثباتا - بأن قولك: ما تأتينا فتقول إلا خيرا بمعنى:
ما تأتينا فتقول شرّا، وذكر أن هذا بخلاف قولنا: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا وما تزال تأتينا فتحدثنا، فإن الرفع واجب، قال: لأن النفي لم يدخل على المعطوف عليه إنما دخل في الأول على شيء مقدر أخرج عنه المعطوف عليه وأوجب بـ «إلا»، وفي الثاني على متعلق المعطوف عليه وكان معناه النفي فصار إثباتا.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4212
................................
وأقول: إن البحث هنا يتعلق بأمرين:
الأول: قول المصنف: أو مؤول ينافي قوله في شرح الكافية: وشرط النفي أن يكون خالصا، فالنفي الذي ليس نفيا خالصا لا جواب له منصوب نحو: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، وما قام فتأكل إلا طعامه، قال: ومنه قول الشاعر:
3870 - وما قام منّا قائم في نديّنا... فينطق إلّا بالّتي هي أعرف 456
فإن قلت: لا منافاة في ذلك، فقد قال بدر الدين: إن النفي في: «ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا» إنما دخل على شيء مقدر أخرج منه المعطوف عليه وأوجب بـ «إلا»، وقال: إن النفي في: «ما تزال تأتينا فتحدثنا» إنما دخل على متعلق المعطوف عليه وكان معناه النفي فصار إثباتا فكان الرفع واجبا في المثالين.
قلت: فقد قال بدر الدين شارحا لكلام والده في الألفية 457: شرط النفي أن يكون خالصا من معنى الإثبات ولذلك وجب رفع ما بعد «الفاء» في: «ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا»، و «ما تزال تأتينا فتحدثنا»، و «ما قام فتأكل إلا طعامه»، وقول الشاعر:
وما قام منّا قائم في نديّنا... فينطق إلّا بالّتي هي أعرف
فوافق كلامه كلام والده في نحو: ما قام فتأكل إلا طعامه، وجعل من ذلك البيت المذكور كما جعله والده، ولا شك أن ما ذكره في الألفية من عدم جواز النصب في نحو: ما قام فتأكل إلا طعامه مناف بعد تمثيله هنا بقولك: ما تأتينا فتقول إلا خيرا؛ لقوله: فتنصب مع أنك أثبت بـ «إلا» إثباتا لأنه بمعنى: ما تأتينا فتقول شرّا.
والذي ظهر لي أن الذي اعتبراه في شرحي الكافية والألفية إنما هو وجود النفي في الجملة وأن يكون معه ما ينقضه، فإذا وجد ذلك امتنع النصب، ومن ثمّ امتنع النصب في نحو: ما قام فتأكل إلا طعامه كما امتنع في نحو: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، ولهذا اشترط في الكتابين أن يكون النفي خالصا ومحضا ولم يعتبر النفي المؤول، والذي اعتبراه هنا - أعني في التسهيل وشرحه - أن يكون النفي داخلا على الفعل المعطوف عليه لا على غيره كما في: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا؛ فإن النفي إنما دخل على شيء مقدر أخرج منه المعطوف عليه -
الحديث: 3870 - الجزء: 8 - الصفحة: 4213
................................ وأوجب، وكما في «ما تزال تأتينا فتحدثنا» فإن النفي إنما دخل على متعلق المعطوف عليه وهو «تزال» ومعناه النفي فصار إثباتا، فإذا وجد ذلك امتنع النصب، أما إذا كان النفي داخلا على الفعل المعطوف عليه فإن جوابه ينصب وإن انتقض النفي كقولنا: ما قام زيد فتأكل إلا طعامه؛ لأنه بمعنى: ما قام زيد [5/ 120] فتأكل غير طعامه، ولا شك أن هذا كلام صورته صورة الإيجاب ومعناه النفي فمن ثمّ قيل فيه: إنه نفي مؤول ومنه المثال الذي 458 ذكره بدر الدين وهو: ما تأتينا فتقول إلا خيرا؛ لأنه بمعنى: ما تأتينا فتقول شرّا كما قال بدر الدين، وعلى ذلك قول سيبويه 459: وتقول: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة، وقد رأيت من المثال الذي ذكره بدر الدين وهو: ما تأتينا فتقول إلا خيرا، والمثال الذي ذكره سيبويه وهو: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة - أن «إلا» مذكورة بعد «الفاء». فمن ثمّ كأن الشيخ جعل ذلك هو المسوغ لجواز النصب فإنه قال 460: ودخول «إلا» إما أن يكون قبل «الفاء» أو بعدها، فإن كان قبل «الفاء» لم تكن «الفاء» جوابا فلا يجوز إذ ذاك النصب نحو: ما ضرب زيد إلا عمرا فيغضب، وإن كان بعد الفاء جاز النصب نحو: ما ضربت زيدا فيغضب إلا تأديبا، وما تأتينا فتحدثنا إلا بخير. انتهى. وإذ قد تقرر هذا فقولنا: ما قام زيد فتأكل إلا طعامه، يجوز فيه النصب؛ لأنه وإن كانت صورته صورة الإيجاب فإنه مؤول بالنفي كما تقدم من أنه بمعنى: ما قام زيد فتأكل غير طعامه، ومن ثمّ لما نقل الشيخ 461 عن المصنف ما قاله في شرح الكافية من أن النفي الذي ليس نقيّا خالصا لا جواب له منصوب، نحو: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، وما قام زيد فتأكل إلا طعامه، وإنشاده قول الشاعر: 3871 - وما قام منّا قائم في نديّنا... فينطق إلّا بالّتي هي أعرف 462
الحديث: 3871 - الجزء: 8 - الصفحة: 4214
................................
قال 463: أما المسألتان الأوليان؛ فصواب، وأما: ما قام فتأكل إلا طعامه؛ فخطأ، لأنه يجوز النصب، وعلى النصب أنشد سيبويه البيت 464، فمتى وقعت «إلا» بعد الفعل الداخل عليه «الفاء» جاز النصب فيما بعد «الفاء» سواء أكان ما بعد «إلا» معمولا للفعل الذي قبل «الفاء» أو للفعل الذي بعد «الفاء».
الأمر الثاني: أنك قد عرفت من كلام بدر الدين أن من النفي المؤول ما قبله استفهام كقولك: ألم تأتنا فتحدثنا بالنصب على معنى: ألم تأتنا محدثا، ومنه قول الشاعر:
3872 - ألم تسأل فتخبرك الرّسوم... على فرتاج والطّلل القديم 465
ولا شك أن المراد بهذا الاستفهام التقرير، وإذا كان تقريرا فالنفي غير مراد، وإذا لم يكن النفي مرادا كان الواجب أن يمتنع نصب الجواب؛ لأن النفي ليس خالصا، ويعضد ذلك قول بعض العلماء المعتبرين ممن تكلم على الألفية: إن المصنف احترز بتقييد النفي بـ «محض» من النفي التالي تقريرا نحو: ألم تأتني فأحسن إليك إذا لم ترد الاستفهام الحقيقي.
والتفصيل الذي ذكر في النفي المنتقض بـ «إلا» من كون «إلا» إما أن تذكر قبل «الفاء» أو بعدها لا يتأتى هنا، ولا شك أن نصب الجواب في مثل ذلك وارد عن العرب:
قال الشاعر:
3873 - ألم أك جاركم ويكون بيني... وبينكم المودّة والإخاء 466
فإن هذا الاستفهام المراد به التقرير بلا ريب و «الواو» و «الفاء» في هذا الباب سيان.
والذي يظهر أن يقال: إن النفي المقرون بأداة الاستفهام وإن كانت حقيقة الاستفهام غير مرادة يعطي أحكام النفي الصريح ولهذا يجاب بكلمة «بلى» التي هي مخصوصة بجواب النفي قال الله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى 467 فلما كان -
الحديث: 3872 - الجزء: 8 - الصفحة: 4215
................................
حكم النفي مجرى عليه وإن اقترن به ما يخرجه [5/ 121] إلى الإثبات جاز أن ينصب ما وقع جوابا له، لكن في إطلاق النفي المؤول على هذا نظر، فإنه لم يؤول بنفي وإنما أجري عليه أحكام النفي إن كان الأمر فيه على ما قلناه.
ثم قد عرفت قول بدر الدين: ويجوز أن يكون المراد بالنفي المحض إلى آخره ويكون المراد بالنفي المؤول على هذا، وهو الأقرب - ما يدل عليه بما له مسمى يقرب من معنى النفي فيقام مقامه نحو: «غير» فإنه اسم بمعنى:
مخالف إلى آخر ما قاله؛ فقال الشيخ 468: لا يصح أن يفسر قول المصنف بهذا التفسير الثاني أعني أنه يكون معنى قوله: مؤول، يريد به مسألة: غير قائم الزيدان فنكرمهما؛ لأن هذا لا يسمى نفيا مؤولا، بل هو موجب مؤول بالنفي؛ لأن التأويل هو صرف الكلام عن ظاهره ومآله إلى غير ما وضع له بحق الأصالة، وإنما يصدق النفي المؤول على مسألة التقرير ومسألة النقض بـ «إلا».
انتهى.
وكان قد قال 469 في قول المصنف: أو مؤوّل: أن تكون صورته صورة النفي وهو مؤول بغير النفي.
وما ذكره الشيخ لا يظهر، فإن الكلام إذا كانت صورته صورة النفي وهو مؤول بغير النفي كان إيجابا لا نفيا، وإذا كان إيجابا فكيف يسوغ نصب الجواب؟
وإنما مراد المصنف عكس ما قاله الشيخ وهو أن يكون الكلام صورته صورة الإيجاب ويؤول بالنفي فيعطى حكمه؛ لأن «إلا» إذا ذكرت بعد النفي كان الكلام إيجابا، فإذا اتفق في بعض التراكيب تأويل ذلك الكلام بنفي عومل ذلك التركيب بما يعامل به النفي الخالص، وإذا كان الأمر على ما قلنا فاعتراض الشيخ على بدر الدين ساقط؛ لأن الصورة المذكورة في الفصل كل منها موجب مؤول بالنفي وليس منها شيء صورته صورة النفي وهو مؤول بغير النفي.
ولما اعتقد الشيخ أن المراد بـ «مؤول» في قول المصنف: أن تكون صورته صورة النفي وهو مؤول بغير النفي قال في آخر الفصل 470: ويرد على قول المصنف: أو مؤول مسألة يصدق عليها أنها نفي أوّل بغيره ولا ينتصب ما بعد «الفاء» جوابا لها -
الجزء: 8 - الصفحة: 4216
................................
وذلك مسألة: ما زال زيد يأتينا فنكرمه، قال: فهذا نفي في الصورة ومعناه الإيجاب، تقديره: زيد يأتينا كثيرا فنكرمه، فلا يجوز نصب ما بعد الفاء، وكذلك باقي الأفعال التي صورتها منفية وهي موجبة من حيث المعنى.
انتهى.
ولا شك أن الموجب لهذا كله حمل الكلام على غير ما أريد به وذلك أن المراد بـ «مؤول» إنما هو أن يكون الكلام
صورته صورة الإيجاب والمراد به النفي كما قدمنا، والشيخ عكس ذلك، وبالله العجب يورد الشيخ على المصنف: ما زال زيد يأتينا فنكرمه؛ أنه لا يجوز نصب ما بعد «الفاء» فيه، والمصنف قد ذكر المسألة بعينها في شرح الكافية وهي: ما تزال تأتينا فتحدثنا؛ حيث ذكر: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وقال: إن النفي فيهما ليس خالصا، وإنهما لا جواب لهما منصوب كما تقدم ذكرنا لذلك عنه.
ومنها: أن ابن عصفور ذكر مسألتين 471:
الأولى:
أن «الفاء» إذا دخلت على الفعل وكان فيه ضمير يعود على ما قبلها فإما أن يرجع الضمير إلى من نفي الفعل في حقّه أو إلى من أوجب في حقّه، فإن رجع إلى من نفي عنه الفعل نصبت وإلا رفعت، مثاله: ما جاءني أحد إلا زيد فأكرمه، فإن جعلت الهاء لـ «أحد» نصبت كأنه قال: ما جاءني أحد فأكرمه، وإن جعلتها لـ «زيد» لم تنصب؛ لأن المعنى: جاءني زيد فأكرمه.
الثانية:
أن ما قبل الفاء إذا كان له معمول وأخرته إلى ما بعد الفاء نحو: ما ضربت فأهنته زيدا ففيه خلاف: منهم من أجاز ذلك ومنهم من منع 472؛ فالمجيز يقول:
إنك لم تفصل إلا بمعطوف على الفعل بخلاف: إن تضرب فهو يكرم زيدا؛ هذا لا يجوز باتفاق؛ لأنك فصلت بما ليس بمعمول للفعل الأول ولا معطوف عليه؛ لأن الجواب ليس محمولا 473 على الشرط، فلو كان معطوفا عليه لشاركه في المعنى، والمانع يقول: إن الفعل الذي قبل «الفاء» في تأويل المصدر ولهذا صح النصب، -
الجزء: 8 - الصفحة: 4217
................................
والمصدر لا يفصل بينه وبين معموله بشيء والصحيح أنه لا يجوز.
انتهى.
وفي شرح الشيخ بعد ذكره المسألة 474: قال أبو بكر 475: والصحيح أنه لا يجوز على هذا إزالة شيء عن موضعه.
ولنختم الكلام هنا بمسألة:
وهي: أنك قد عرفت أن النصب في نحو قولك: ما تأتينا فتحدثنا له معنيان:
أحدهما: أنك نفيت الإتيان والحديث معا.
والثاني: أنك قد أثبتّ الإتيان ونفيت الحديث.
تقرير الأول: أنك جعلت الإتيان سببا للحديث، ثم إنك نفيت الإتيان فانتفى الحديث؛ لأن انتفاء السبب يلزم منه انتفاء المسبب والمعنى: ما تأتينا فيكف تحدثنا؟ وعلى هذا يكون النفي جاريا على قياس أخواته من الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والتمني والتحضيض والعرض؛ لأن هذه الأقسام السبعة ما قبل «الفاء» فيها سبب لما بعدها.
وتقرير الثاني: أنك لم تقصد إلى جعل الإتيان سببا للحديث، بل قصدت إلى معنى آخر وهو: إثبات الإتيان ونفي الحديث، والمعنى: ما تأتينا محدثا يعني: بل تأتينا غير محدث؛ فلم تقصد السببية في هذا المعنى الثاني بوجه؛ وعلى هذا لا ينبغي أن يطلق القول بأن «الفاء» في الأجوبة الثمانية إذا نصب الفعل بعدها كانت للسببية؛ لأن «الفاء» في هذه الصورة لا يجوز كونها سببية لأن ما بعدها منتف مع أن قبلها ثابت، فكيف يثبت السبب مع انتفاء مسببه؟ وإذا لم تكن السببية مقصودة تعين قصد المعنى الذي تقدمت الإشارة إليه وهو: إثبات الإتيان ونفي الحديث، وتحريره: أن مريد هذا المعنى قصد إلى نفي ترتب ما بعد «الفاء» على ما قبلها، فليس المقصود بمباشرة النفي فعل الإتيان نفي الإتيان بل المقصود به نفي ترتب ما بعد «الفاء» عليه؛ فالمعنى: ما يحصل منك إتيان يترتب [5/ 122] عليه حديث، فالمنفي ترتب الحديث على الإتيان لا الإتيان.
فإن قيل: كيف جعلت في المعنى الأول سببا ثم إنك نفيت عنه السببية في المعنى الثاني؟
فالجواب: أن الإتيان ليس سببا عقليّا حتى يستنكر تخلف المسبب عنه، بل إنما هو سبب وضعي، فالمتكلم جعل الإتيان سببا للحديث، ومعنى جعله إياه سببا: أنه جعل -
الجزء: 8 - الصفحة: 4218
[حكم تقديم الجواب المقترن بالفاء على سببه]
قال ابن مالك: (ولا يتقدّم ذا الجواب على سببه خلافا للكوفيّين، وقد يحذف سببه بعد الاستفهام، ويلحق بالنّفي التّشبيه الواقع موقعه، وربّما نفي بـ «قد» فينصب الجواب بعدها).
الحديث ناشئا عنه مترتبا عليه فصار مسببا عن الإتيان بالجعل لا بالعقل، وإذا كان كذلك جاز أن يتخلف عنه، وإذا جاز تخلفه عنه لم يلزم من وجود الإتيان على هذا وجود الحديث ومما يحقق ما قلته أن ابن الحاجب رحمه الله تعالى بعد أن قرر المعنى الأول قال 476 مشيرا إلى المعنى الثاني: وهو أن يقصد إلى أن الفعل الثاني لم يحصل عقيب الأول فكأنه نفى وقوعهما بصفة أن يكون الثاني عقيب الأول كما تقول: ما جاءني زيد وعمرو أي: ما جاءا بصفة الاجتماع، ويجوز أن يكون أحدهما جاء.
انتهى.
وعلى هذا المعنى وهو قصد نفي ترتب الثاني على الأول دون قصد نفي الأول قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فتمسّه النّار إلّا تحلّة القسم» 477 لأن النفي باشر «يموت» وليس المقصود نفيه، بل المقصود نفي ترتب المس على هذا الذي ذكر وهو موت ثلاثة من الولد، كما قصد نفي ترتب الحديث على الإتيان لا نفي الإتيان 478.
وحاصل الأمر: أن الفاء تفيد السببية في جميع الصور التي ينتصب الفعل فيها بعدها إلا في إحدى صورتي النفي وهي الصورة التي ذكرناها وهي: ما تأتينا فتحدثنا، إذا أردت: ما تأتينا محدثا بل غير محدث، والذي أحوج إلى هذا الذي كتبته أن بعض الفضلاء استشكل قول النحاة: إن «الفاء» حيث نصب الفعل بعدها تكون للسببية، ثم إنه رأى السببية لا تتصور في هذه الصورة إذا أردنا هذا المعنى، والذي استشكله ظاهر والجواب عنه ما ذكرته، والله تعالى أعلم.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 479: لا يجوز تقديم الجواب بـ «الفاء» -
الجزء: 8 - الصفحة: 4219
................................
على سببه؛ لأنه معطوف فلا يتقدم على المعطوف عليه، وقال ابن السراج 480: وقد أجازوا - يعني الكوفيين - متى
فآتيك تخرج؟ ولم فأسير تسير؟ وقد يحذف سبب الجواب بالفاء بعد الاستفهام لدلالة القرينة عليه، قال الكوفيون 481: والعرب تحذف الأول مع الاستفهام للجواب، ومعرفة الكلام فيقولون: متى فأسير معك؟ وقال الكوفيون 482: «كأنّ» ينصب الجواب معها، قال ابن السراج: وليس بالوجه 483، وذاك إذا كانت في غير معنى التشبيه وهو نحو قولك: كأنّك وال علينا فتشتمنا.
وربما نفي بـ «قد» فينصب بعدها الجواب، ذكر ذلك ابن سيده 484 وحكي عن بعض الفصحاء: قد كنت في خير فتعرفه، بالنصب على معنى: ما كنت في خير فتعرفه.
انتهى.
والذي تضمنه كلام المصنف هنا الإشارة إلى مسائل أربع:
الأولى:
أن الجواب بـ «الفاء» لا يتقدم على سببه، لأن «الفاء» حرف عطف والمعطوف لا يتقدم على المعطوف عليه، ولما لم تكن «الفاء» عاطفة عند الكوفيين أجازوا التقديم؛ لأنه جواب تقدم على سببه مع تقدم بعض الجملة فلم يتقدم على جميع الجملة، ومن مذهبهم جواز تقديم جواب الشرط على الشرط بكماله، قيل:
وإذا جوّزوا ذلك في الشرط فلأن يجوزوه هنا مع بقاء بعض الجملة صدرا أولى وأحرى 485.
المسألة الثانية:
أن سبب الجواب بـ «الفاء» قد يحذف بعد الاستفهام لدلالة القرينة عليه وقد تقدم مثال ذلك 486، لكن قال الشيخ 487: وينبغي أن يكون ذلك في استفهام -
الجزء: 8 - الصفحة: 4220
[إضمار «أن» وجوبا بعد واو المعية في الأجوبة المذكورة]
قال ابن مالك: (فصل: وتضمر «أن» النّاصبة أيضا لزوما بعد «واو» الجمع واقعة في مواضع «الفاء» فإن عطف بهما أو بـ «أو» على فعل قبل، أو قصد الاستئناف بطل إضمار «أن»، ويميّز «واو» الجمع تقدير «مع» موضعها، و «فاء» الجواب تقدير شرط قبلها أو حال مكانها).
الاستثبات، بأن يقول القائل: أسير فتقول له: متى؟ فإنك لو اقتصرت على قولك:
متى جاز بخلاف أن يكون ابتداء استفهام فإنه لا يجوز فإذا كان كذلك كان الفعل مدلولا عليه بسابق الكلام فكأنه ملفوظ فيجوز ذلك لهذا المعنى.
انتهى.
وما قاله غير ظاهر؛ فإن الكوفيين صرحوا بأن الحذف إنما هو لدلالة الجواب كما تقدم نقل الإمام بدر الدين لذلك عنهم.
المسألة الثالثة:
أن النفي قد يلحق به غيره فينصب الجواب حينئذ، والذي ألحق بالنفي شيئان:
التقليل والتشبيه، قال المصنف في شرح الكافية 488: التقليل يجري مجرى النفي في إيلائه جوابا منصوبا فيقال: قلما تأتينا فتحدثنا كما يقال: ما تأتينا فتحدثنا؛ فجواز هذا وأمثاله متفق عليه، وزاد الكوفيون إجراء التشبيه مجرى النفي نحو: كأنك أسير فنطيعك لأن فيه معنى: ما أنت أمير فنطيعك.
المسألة الرابعة:
أن «قد» ينفى بها فينصب الجواب بعدها، وتقدم ذكر ما حكاه ابن سيده من ذلك عن بعض فصحاء العرب وهو: قد كنت في خير فتعرفه.
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 489 بعد ذكر «الفاء» ومواقعها: فلو وقع موقع الفاء «واو» مقصود بها المصاحبة نصب الفعل أيضا بعدها على نحو ما ينصب بعد الفاء، فمن ذلك قول الشاعر 490: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4221
................................ 3874 - لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم 491 ومثله قول الآخر 492: 3875 - فقلت ادعي وأدعو إنّ أندى... لصوت أن ينادي داعيان 493 ومثله قول الآخر في النفي: 3876 - ألم أك جاركم ويكون بيني... وبينكم المودّة والإخاء 494 ومن النصب [5/ 123] بعد «واو» الجمع الواقعة بعد نفي قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ 495. ومن النصب بعدها في التمني قوله تعالى: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 496 في قراءة حمزة 497 وحفص 498. قال ابن السراج 499: الواو ينصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما - - المستقصى (2/ 260) للمتوكل الكناني، ونسب لسابق البربري، وللطرماح بن حكيم، والمشهور أنه من قصيدة لأبي الأسود الدؤلي انظر ملحقات ديوانه (ص 130).
الحديث: 3874 - الجزء: 8 - الصفحة: 4222
................................
بعد «الفاء» وإنما تكون كذلك إذا لم ترد الاشتراك بين الفعل والفعل، وأوردت عطف الفعل على مصدر الفعل الذي قبلها كما كان في «الفاء» وأضمرت «أن» وتكون الواو في هذا الموضع بمعنى «مع» فقط.
وقال ولده بدر الدين 500: الواو حرف عطف ويقع المضارع بعدها على أربعة أوجه: لأنه إما مشارك لما قبلها في حكمه، وإما مخالف له وذلك إذا كان ما قبل «الواو» غير واجب وما بعدها إما مستأنف وإما مصاحب عطف لنفي الجمع غير مبني على مبتدأ محذوف أو مبني على مبتدأ محذوف.
فإذا قصد بالمضارع بعد «الواو» إشراكه فيما قبلها تبعه في إعرابه، وإن قصد به أنه مستأنف أو مصاحب عطف لنفي الجمع وهو مبني على مبتدأ محذوف رفع كقولك: ما تأتيني وتحدثني على استئناف إثبات الحديث بعد نفي الإتيان، أو على نفي الجمع بين الإتيان والحديث والذهاب إلى معنى: وأنت تحدثنا، وإن قصد به أنه مصاحب عطف لإفادة نفي الجمع وليس مبنيّا على مبتدأ محذوف نصب كقولك:
ما تأتينا وتحدثنا على نفي الجمع بين الإتيان والحديث على معنى: ما تأتينا محدثا؛ أي: تأتي ولا تحدث، ونصبه عند الكوفيين 501 بـ «الواو» وعند البصريين 502 بـ «أن» لازمة الإضمار وما قبل «الواو» في تأويل مصدر معمول لفعل محذوف ليصح العطف عليه والتقدير: ما كان منك إتيان وحديث، فنصبوا الفعل على هذا التأويل ليدلوا على المصاحبة ونفي الجمع، وإنما يكون ذلك في مواضع الفاء.
أما الأمر: فكقولك: زرني وأزورك، بالنصب؛ على معنى: زرني مع زيارتي لك، أي: اجمع بين الزيارتين، والتقدير: لتكون زيارة منك وزيارة مني قال الشاعر:
3877 - فقلت ادعي وأدعو إنّ أندى... لصوت أن ينادي داعيان 503
وأما النهي: فكقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، والتقدير: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، ويجوز فيه الجزم على التشريك والنهي عن كل من المفعولين، والرفع على إضمار مبتدأ و «الواو» للحال كأنه قيل: لا تأكل السمك -
الحديث: 3877 - الجزء: 8 - الصفحة: 4223
................................
وأنت تشرب اللبن أي: في حال شربك اللبن، أو على الاستئناف كأنه قيل:
ومشروبك اللبن أكلت السمك أو لم تأكله، فأما قول الأخطل:
3878 - لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم 504
فالنصب على معنى: لا تجمع بين أن تنهى وتأتي، ولو جزم كان المعنى فاسدا، ولو رفع جاز على إضمار مبتدأ و «الواو» للحال لا على الاستئناف.
وأما الدعاء: فكقولك: رب وفقني وأطيعك، فينصب فيه ما بعد الواو كما في قول الآمر.
وأما الاستفهام: فكقولك: هل تأتينا وتحدثنا؟ فتنصب على معنى: هل يكون منك إتيان وحديث، وإن شئت رفعت على الاشتراك في الاستفهام، أو على إضمار مبتدأ وقصد الحال، أو على الاستئناف.
وأما النفي: فكقولك: لا يسعني شيء ويعجز عنك 505، كما قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ 506، وقال الأخطل 507:
3879 - ألم أك جاركم ويكون بيني... وبينكم المودّة والإخاء 508
وإن شئت رفعت على ما رفعت عليه بعد الاستفهام.
وأما العرض: فكقولك: ألا تنزل وتصيب خيرا.
وأما التحضيض: فكقولك: هلا أمرت وتطاع، ينصب فيهما 509 ما بعد الواو كما في النفي والاستفهام.
وأما التمني: فكقولك: ليتك تأتيني وتحدثني، فتنصب على معنى: ليتك تجمع بين الإتيان والحديث، والتقدير: ليتك كان منك إتيان وحديث، ومثله قراءة حمزة وعاصم 510: يليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين 511، وإن شئت -
الحديث: 3878 - الجزء: 8 - الصفحة: 4224
................................
رفعت على الاشتراك بين الفعلين في معنى التمني، أو على إضمار مبتدأ وقصد الحال، أو على الاستئناف.
وقد نبّه 512 على وجه ترك النصب بإضمار «أن» بعد «أو» و «الفاء» و «الواو» بقوله: فإن عطف بهما أو بـ «أو» على فعل، أو قصد الاستئناف بطل إضمار «أن» يعني أن هذه الأحرف إذا قصد بها عطف ما بعدها على فعل قبلها وإشراكه في حكمه تبعه في الإعراب وبطل النصب بإضمار «أن» وقد فاته التنبيه على بطلان النصب بإضمار «أن» إذا قصد بناء ما بعد هذه الأحرف على مبتدأ محذوف، وقد مضى شرح هذا كله وتمثيله.
والأحسن أن يقال: فإن بني ما بعدهما أو بعد «أو» على مبتدأ محذوف أو عطف على فعل قبل، أو قصد الاستئناف بطل إضمار «أن».
ويميّز «واو» الجمع من «الواو» العاطفة: صحة تقدير «مع» موضعها؛ لأن «واو» الجمع إنما تكون في مقام نفي أو طلب للجمع بين فعلين، ومتى نفيت أو طلبت فعلا معلقا به «مع» مضافة إلى مصدر فقد أفدت نفي الجمع بين ما
قبلها وما بعدها أو طلبه، ألا ترى أنك إذا قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن فنصبت لأنك جعلت «الواو» للجمع وأردت النهي عن الجمع بين الفعلين لا عن واحد منهما كيف يصح أن تجعل فيه «مع» مكان «الواو» فيقال: لا تأكل السمك مع شرب اللبن؟ [5/ 124] لأنك إذا نهيته عن الأكل المقيد بمصاحبة الشرب فلم تنهه عن الأكل وحده ولا عن الشرب وحده، ولكن عن الجمع بينهما وذلك هو المعنى المراد في النصب.
ويميّز «فاء» الجواب من العاطفة: صحة تقدير: شرط قبلها أو حال مكانها؛ لأن المراد بـ «فاء» الجواب الفاء التي يصح نصب الفعل بعدها بإضمار «أن» وتلك هي الواقعة إما قبل مسبب انتفى سببه وأصبح حينئذ تقدير شرط قبل الفاء كما إذا قصد الإخبار بنفي الحديث لانتفاء الإتيان فقلت: ما تأتينا فتحدثنا، فإن يصح فيه أن يقال: ما تأتينا وإن تأتنا فتحدثنا، وإما بين أمرين أريد نفي اجتماعهما فيصح تقدير حال مكانها كما إذا قصدت أن تنفي اجتماع الحديث والإتيان فقلت: ما -
الجزء: 8 - الصفحة: 4225
................................
تأتينا فتحدثنا؛ فإنه يصح فيه أن يقال: ما تأتينا محدثا، فإن النفي إذا دخل على الفعل المقيد بالحال لم ينفه مطلقا إنما ينفيه بقيد تلك الحال فهو ينفي الجمع بينه وبينها وذلك هو المعنى المقصود من النصب على الوجه المذكور.
هذا آخر كلام الإمام بدر الدين ولا يخفى حسنه ولطفه.
ولنشر هنا إلى أمرين:
الأول: كلام ابن عصفور يقتضي أن من شرط صحة النصب بعد «الواو» أن يتقدم عليها فعل أو ما فيه معنى الفعل، وكذا يكون الحكم مع «الفاء» أيضا إذ لا فرق بينهما في الأحكام المذكورة في هذا الفصل، فإنه لما تكلم على الأمور الثمانية قال 513:
وأما الاستفهام فلا يخلو من أن يدخل على اسم أو فعل، فإن دخل على فعل مثل:
أتقوم فنكرمك؟ جاز الرفع على المعنيين: الاستئناف والقطع، والنصب على ما يثبت، فإن دخل على اسم فإما أن يكون ذلك الاسم ظرفا أو مجرورا أو لا: فإن لم يكن لم يجز النصب نحو: أين زيد؟ وهل أخوك زيد فنكرمه؟ لأنه ليس ثمّ ما يدل على مصدر فلم يبق إلا أن يكون مرفوعا، فإن كان ثمّ مجرور أو ظرف نحو: أين بيتك؟ 514 أو: أفي الدار زيد؟ تصوّر النصب لأن هذا المجرور قد ناب مناب الفعل ولم يعمل العامل فيه، ألا ترى أنه يتصور اللفظ به
فتقول: أفي الدار استقر زيد؟
فلما كان ثمّ ما يدل عليه ولم يكن منسوخا حمل عليه بخلاف: عليك زيدا، إذ لا يلفظ بهذا الفعل هنا أصلا، فلما كان لا يلفظ به لم تجز معاملته فيحمل عليه فيجوز هنا الرفع والنصب.
انتهى.
وتبعه الشيخ في ذلك لكنه أوضح الكلام في المسألة فقال 515: النصب في جواب الاستفهام تارة يكون بعد أداة الاستفهام من الحرف نحو: «الهمزة» و «هل»، وتارة بعد أداته من الاسم ظرفا وغير ظرف، فأما الحرف فنحو قوله تعالى: فَهَلْ -
الجزء: 8 - الصفحة: 4226
................................
لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا 516، وقال الشاعر:
3880 - هل تعرفون لباناتي فأرجو أن... تقضى فيرتدّ بعض الرّوح للجسد 517
فإذا قلت: أيقوم زيد فأكرمه؟ فالرفع على الاستئناف أو العطف، والنصب على الجواب، وإذا تقدم اسم غير استفهام وأخبر عنه بغير مشتق نحو: هل أخوك زيد فأكرمه؟ فالرفع ولا ينصب، فإن تقدمه ظرف أو مجرور نحو: أفي الدار زيد فأكرمه؟ جاز النصب؛ لأن المجرور ناب مناب الفعل.
وأما الاسم فنحو ما ورد في الحديث الشريف: «من يدعوني فأستجيب له؟» 518، وقولك: أين بيتك فأزورك؟ ومتى تسير فأرافقك؟ وكيف تكون فأصحبك؟ ويقدر حينئذ مصدر ما تتضمنه الجملة، ففي مثل: أين بيتك فأزورك؟
يقدر: ليكن منك تعريف ببيتك فزيارة مني، وكذا يقدر في: متى تسير؟: ليكن منك تعريف بسيرك فمرافقة مني، لأن معنى أين بيتك؟ عرفني [بمكان] بيتك.
ومعنى متى تسير؟: عرفني بوقت 519 سيرك.
انتهى.
ولم يظهر لي منع النصب في نحو: هل أخوك زيد فأكرمه؟ فقد يقال: إذا نصب الجواب يقدر من الجملة السابقة مصدر يعطيه قوة الكلام كما يقدر ذلك في الجملة المصدرة باسم الاستفهام فيقدر هل أخوك زيد فأكرمه؟ بقولنا: ليكن منك تعريف بإخوتك زيدا فإكرام منا، كما لو قيل: من أخوك فنكرمه؟ إذ تقديره:
ليكن منك تعريف بإخوتك زيدا 520 فإكرام منا.
ثم لك أن تقول: إنما يشترط تقدير المصدر في ما قبل إذا كان المذكور قبل «الفاء» أو «الواو» فعلا نحو: هل تزورني فأزورك؟ أو أزورك؟
أما إذا كان المذكور قبل اسما فإن المصدر لا يقدر حينئذ للاستغناء عن تقديره بوجود اسم صريح قبل العاطف، ويدل على صحة ذلك إجماعهم على صحة -
الحديث: 3880 - الجزء: 8 - الصفحة: 4227
................................
النصب دون تقدير المصدر في قول الشاعر:
3881 - ولولا رجال من رزام أعزّة... وآل سبيع أو أسوءك علقما 521
التقدير: أو إساءتك، وهذا المصدر المقدر معطوف على «رجال»، لا يقال:
بين التركيبين فرق، أعني: هل أخوك زيد فأكرمه؟ وقول الشاعر:
ولولا رجال......... البيت
فإن «أخوك زيد» جملة و «رجال» مفرد، والعطف الذي الكلام فيه من عطف المفردات لا من عطف الجمل؛ لأنا نقول: والذي في البيت جملة أيضا لأن «لولا» الامتناعية مخصوصة بالجمل، ومعلوم أن الخبر مقدر ولكنه واجب
الحذف، فالجملة واقعة في كلا التركيبين، إلا أن إضمار «أن» واجب في أحد التركيبين جائز في الآخر، وكأن المشترط إنما هو وجود اسم متقدم في الجملة، فلا فرق بين «لولا رجال أو أسوءك» ولا بين:
3882 - ولبس عباءة وتقرّ عيني 522
وأما كلام ابن عصفور فإن في بعضه تثبيجا 523، والخلاصة منه هو منع ما أشار الشيخ إلى منعه وقد عرفت ما فيه.
الأمر الثاني: المراد من قول النحاة: الواو تقع في جواب كذا وكذا، أن «الواو» -
الحديث: 3881 - الجزء: 8 - الصفحة: 4228
[سقوط الفاء من الأجوبة وجزم الفعل]
قال ابن مالك: (وتنفرد «الفاء» بأنّ ما بعدها في غير النّفي يجزم عند سقوطها بما قبلها، لما فيه من معنى الشّرط لا بـ «إن» مضمرة خلافا لمن زعم ذلك، ويرفع مقصودا به الوصف أو الاستئناف).
تقع مواقع [5/ 125] «الفاء» في جواب الأمور التسعة لا أن «الواو» وما بعدها جواب لأنهم قد قرروا أن «الواو» تقدر بـ «مع»، ومتى كانت «الواو» بمعنى «مع» لا تكون جوابا، ويدل على ذلك أنه لا ينعقد من الكلام الذي هي فيه شرط وجزاء، إذ ليس معنى «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»: إن تأكل السمك تشرب اللبن، ولا: إن لا تأكل السمك تشرب اللبن، وذلك بخلاف «الفاء» فإنها في جواب غير النفي ينعقد من الكلام الذي هي فيه شرط وجزاء، وكذا في جواب النفي الذي تدخل عليه همزة الاستفهام للتقرير؛ لأن ما بعدها متسبب عما قبلها، فمعنى قوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ 524: إن افتريتم سحتكم، وكذا إذا قلت: ليت لي مالا فأنفق منه، معناه: إن أجد مالا أنفق منه، وكذا:
3883 - ألم تسأل فتخبرك الرّسوم 525
معناه: إن تسأل تخبرك.
وفي شرح الشيخ 526: وذهب بعض النحويين إلى أن النصب بعد الواو على معنى الجواب، وتكلف لذلك فقال: معنى «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»: إن أكلت السمك فلا تشرب اللبن، وإن شربت اللبن فلا تأكل السمك، وتقديره: إن لم تأكل السمك فاشرب اللبن، وكذلك أيضا: لا يسعني شيء ويعجز عنك، معناه عند غير هذا القائل: أنه لا يصح أن لا يجتمع في شيء واحد بأن يسعني شيء ويضيق عليك أي: نحن مشتركان فيما يضيق ويتسع، ولو رفعت لكان المعنى: لا يسعني شيء ولا يضيق عليك وهو عكس المعنى، وتقديره عند هذا القائل المخالف: إن لم يسعني شيء لم يسعك.
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 527: جواب غير النفي إذا خلا من «الفاء» وقصد الجزاء جزم بما هو له جواب؛ لأنه شبيه بالشرط في جواز وقوعه -
الحديث: 3883 - الجزء: 8 - الصفحة: 4229
................................
وعدم جواز وقوعه بالنسبة إلى علم الشخص المتكلم به، بخلاف النفي فإن الشخص المتكلم به محقق لعدم الوقوع فخالف الشرط ولم يكن له جواب مجزوم.
وأكثر المتأخرين 528 ينسبون جزم جواب الطلب لـ «إن» مقدرة والصحيح أنه لا حاجة إلى تقدير لفظ «إن» بل تضمن لفظ الطلب لمعناها مغن عن تقدير لفظها كما في أسماء الشرط نحو: من يأتني أكرمه، وهذا هو مذهب الخليل وسيبويه 529 رحمهما الله تعالى.
وقال الإمام بدر الدين 530: كل فعل لمأمور به أو منهي عنه فلا بد أن يكون سببا لجلب مصلحة أو دفع مفسدة وإلا فلا فائدة في طلبه، فمن لوازم الأمر بكل فعل أو النهي عنه كونه سببا وشرطا لأمر، فلهذا إذا خلا الجواب في غير النفي من «الفاء» وقصد الجزاء جزم؛ لأنه جواب شرط مقدر دل عليه ما قبل، تقول في الأمر: زرني أزرك، وفي النهي: لا تعص الله تنل رضاه، وفي الدعاء: اللهم ارزقني مالا أتصدق به، فيجزم على تقدير: إن تزرني وإن لا تعص وإن يرزقني، ولك أن ترفع على الاستئناف، أو على أنه حال لمعرفة أو نعت لنكرة، وتقول في الاستفهام: هل تأتينا تحدثنا؟ فتجزم لأنك تريد بالاستفهام الأمر كما في نحو: أَأَسْلَمْتُمْ؟ 531 وفَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟ 532 فيدل على شرط هذا جزاؤه، وصار بمنزلة قولك:
ائتنا تحدثنا، وتقول: أين بيتك أزرك؟ لأن المعنى: عرفني بيتك أزرك، ولك أن ترفع كما بعد الأمر.
وتقول في العرض: ألا تنزل تصب خيرا، وفي التحضيض: هلا أمرت تطع، وفي التمني: ليته عندنا يحدثنا، فيجري الجزاء بعدها مجراه بعد الأمر.
وأما الترجي: فجزم الجواب بعده غريب أنشده 533 في «شرح إكمال العمدة» 534 وهو قول القائل: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4230
................................
3884 - لعلّ التفاتا منك نحوي ميسّر... يمل بك بعد العسر نحوي لليسر 535
وأما النفي: فجوابه إن قرن بـ «الفاء» جاز نصبه ورفعه كما سبق، وإن خلا منها رفع على الحال أو النعت أو على الاستئناف، ولم يجز جزمه؛ لأن النفي ليس مثل الطلب في دلالته على الشرط وفي اقتضائه له.
واعلم أن الجواب المذكور لا خلاف في أنه جزاء شرط من جهة المعنى ولكن اختلف في الذي عمل فيه الجزم ما هو؟
فقال أكثرهم: الجواب مجزوم بشرط مقدر دل عليه ما قبل 536، وقال قوم 537: هو مجزوم بنفس ما قبله لتضمنه معنى الشرط وهو ضعيف؛ لأن التضمين زيادة بتغيير للوضع، والإضمار زيادة بغير تغيير فهو أسهل، ولأن التضمين لا يكون إلا لفائدة ولا فائدة في تضمين الطلب معنى الشرط؛ لأنه يدل عليه بالالتزام فأي فائدة في تضمنه لمعناه؟ 538.
واختار شيخنا 539 رحمه الله تعالى أن الجواب مجزوم بفعل الطلب؛ لما فيه من معنى الشرط أخذا بظاهر كلام سيبويه رحمه الله تعالى، قال في شرح الكافية 540:
وأكثر المتأخرين ينسبون جزم جواب الطلب لـ «إن» مقدرة، والصحيح أنه لا حاجة إلى تقدير لفظ «إن» بل تضمن لفظ الطلب لمعناها مغن عن تقدير لفظها كما هو مغن في أسماء الشرط، نحو: من يأتني أكرمه، قال: وهذا هو مذهب الخليل وسيبويه رحمهما الله تعالى.
ولا شك أن سيبويه قال 541: فأما الجزم بالأمر فكقولك: ائتني آتك، وأما الجزم بالاستفهام فكقولك: ألا تأتيني أحدّثك، وأما الجزم بالتمني فكقولك: ليته عندنا يحدثنا، وأما الجزم بالعرض فكقولك: ألا تنزل تصب خيرا، وإنما انجزم هذا الجواب كما انجزم جواب «إن تأتني» بـ «إن تأتني»، ثم قال: وزعم الخليل أن هذه الأقاويل -
الحديث: 3884 - الجزء: 8 - الصفحة: 4231
................................
كلها فيها معنى «إن» فلذلك انجزم الجواب.
وليس [5/ 126] ذلك من سيبويه محمولا على ظاهره، قال السيرافي 542: وهذه الأشياء التي ذكرناها من الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض تغني عن ذكر الشرط بعدها ويكتفى بذكرها عن ذكره فلذلك تجوز سيبويه في عبارته فأوهم أن هذه الأشياء هي الجازمة لما بعدها، ثم قال: وهذا من سيبويه مسامحة في اللفظ واتساع كما اتسع في نصب الظرف وقال في نحو: زيد خلفك: نصب بما قبله، ثم حكى عن الخليل ما يدل على حقيقة الجازم، وهذا الذي ذكره السيرافي هو الذي يعول عليه في هذه المسألة والله تعالى أعلم.
هذا آخر كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى.
ودل على أن العلة المقتضية لجزم الجواب في المسائل المذكورة هو الأمر أو النهي لأنه علل جزم جواب الاستفهام بأن الاستفهام يراد به الأمر، وقال: إن معنى 543 «أين بيتك أزرك؟»: عرفني بيتك أزرك، وقال في العرض والتحضيض والتمني: إنها أجريت مجرى الأمر، وهذا يقتضي أن المسوغ للجزم هو معنى الأمر في جميع المسائل المذكورة، وهو غير ما نزع إليه المصنف؛ لأنه قد علل الجزم كما عرفت بقوله 544: لأنه شبيه بالشرط في جواز وقوعه وعدم جواز وقوعه بالنسبة إلى علم المتكلم.
والذي قاله المصنف أظهر وأقرب إلى الحق لأن كون الاستفهام أمرا غير مسلم، وإنما استفيد الأمر في الآيتين الشريفتين بما انضم إلى الاستفهام وهو قوله في الآية الأولى: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ 545 وقوله تعالى في الآية الثانية: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ 546 قبل: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 547، وقوله تعالى بعد: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ 548.
وأما قوله: إن معنى «أين بيتك أزرك؟»: عرفني بيتك أزرك؟ فيمنعه الخصم ويقول:
بل معناه: إن أعرف بيتك أزرك سواء أعرفه المخاطب بذلك أم غيره، فهو خبر لا طلب.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4232
................................
وأما قوله في العرض والتحضيض والتمني: إن الجزاء يجري بعدها مجراه بعد الأمر؛ فلا يجوز أن يراد به أن المستفاد منها أمر؛ لأن ذلك باطل فتعين أن يكون مراده أنها حملت في جزم أجوبتها على الأمر في جزم جوابه، وإذا كان مراده ذلك يقال له: ما الدليل على هذه الدعوى؟
ثم إن قوله: إذا قصد الجزاء جزم؛ لأنه جواب شرط مقدر دل عليه ما قبل - يحقق أن الجزم إنما سوغه في الجواب تنزل ما قبله منزلة الشرط.
وأما كون عامل الجزم في الجواب هو ما قبل «الفاء» الساقطة لما فيه من معنى الشرط فقد عرفت أنه مختار المصنف حيث قال في متن الكتاب: يجزم عند سقوطها بما قبلها لما فيه من معنى الشّرط لا بـ «إن» مضمرة.
وتقدم لنا ذكر ما قاله في شرح الكافية من قوله:
والصحيح أنه لا حاجة إلى تقدير لفظ «إن» بل تضمن لفظ الطلب لمعناها مغن عن تقدير لفظها كما في أسماء الشرط، وعلمت قوله: إن هذا مذهب الخليل وسيبويه.
وتقدم ذكر كلام السيرافي وذكر اختيار بدر الدين أن العامل إنما هو «إن» مقدرة.
ولما ذكر الشيخ ذلك قال 549: ورد ابن عصفور هذا المذهب - يعني الذي اختاره المصنف - فقال 550: التضمين يقتضي أن يكون العامل جملة ولا يوجد عامل جملة في موضع من المواضع، ثم قال الشيخ: وأقول: إن التضمين لا يجوز أصلا لأن المضمن شيئا يصير له دلالة على ذلك الشيء بعد إن لم يكن له دلالة عليه مع إرادة مدلوله الأصلي، فإذا قلت: من يأتني آته، فـ «من» ضمّنت معنى الحرف ودلّت على مدلولها من الاسم فصارت لها دلالتان: دلالة مجازية وهي معنى «إن»، ودلالة حقيقية وهي مدلول الشخص العاقل، وأما في هذه المسائل: فإن قولك: ائتني أكرمك تكون قد ضمّنت «ائتني» معنى «إن تأتني»، فتضمنت معنى «إن» ومعنى الفعل المعمول لها وذلك معنى مركب.
ودلّت على معناها الأصلي من الطلب وهو دلالته الحقيقية، ولا يوجد في لسان العرب تضمين
لمعنيين، إنما يكون التضمين لمعنى واحد، ولا يقال: إنه تضمن معنى «إن» وحدها لأن فعل الطلب ليس قابلا لتضمن معنى «إن» لتنافيهما؛ لأن الخبر ينافي الطلب، ولا يكون الشيء الواحد طلبا وخبرا.
انتهى.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4233
................................
وأقول: ليس التضمين المشار إليه هنا هو التضمين الذي ذكره الشيخ وهو التضمين المعروف في الاصطلاح؛ لأن مراد القائل بأن «زرني» من نحو: زرني أزرك تضمّن معنى الشرط: أنّ «زرني» هذه من حيث إن المتكلم يقصد ترتب الثاني على الأول ويجعل الأول سببا للثاني يعطي من المعنى ما يعطيه «إن تزرني» من: إن تزرني أزرك؛ لأن الثاني مرتب على الأول والأول سبب للثاني، فلما كان معنى: زرني أزرك معنى: إن تزرني أزرك قيل: إنه تضمن معنى «إن» أي: تضمن معنى الشرط، فليس هذا التضمين من التضمين المعروف في شيء، كيف وذلك التضمين إنما يكون بالوضع؟ - أعني وضع أصحاب اللسان - وهو أن توضع كلمة لشيء وتضمن مع دلالتها على ذلك الذي وضعت [له] معنى آخر.
وأما هذا التضمين فالموجب للقول به الاستعمال في موضع خاص، فـ «زر» بالوضع لا دلالة له على الشرط، ولما قيل: زرني أزرك، وأتي بهذا التركيب الخاص احتيج إلى القول بأنه ضمّن معنى الشرط بمعنى أنه أوقع موقعه، وأريد به ما يراد بالشرط، هذا هو الذي يظهر لي والله تعالى أعلم بما هو الحق.
والدليل على أن المصنف لم يرد التضمين الذي ذكره الشيخ قوله في التسهيل مشيرا إلى الجواب يجزم بما قبلها؛ فلم يذكر التضمين بل قال: لما فيه من معنى الشّرط، ولا شك أن هذا منه يحقق ما قررته.
وأما قول ابن عصفور: التضمين يقتضي أن يكون العامل جملة ولا يوجد ذلك [5/ 127] في موضع؛ فقد يقال في جوابه: إن الممتنع إنما هو أن تكون الجملة بنفسها هي العاملة دون النظر إلى شيء آخر، أما إذا كان عملها بما تضمنته فغير ممتنع؛ لأن العمل حينئذ كأنه في الحقيقة منسوب لذلك المتضمن، ولما كانت الجملة هي التي تضمنته نسب العمل إليها.
ثم إن الشيخ ذكر 551 أن في المسألة مذهبا ثالثا: وهو: أن الجزم بهذه الأشياء لا على جهة التضمين، بل على جهة أنها نابت مناب الشّرط، قال: ونعني به أن جملة الشرط حذفت وأنيبت هذه منابها في العمل.
والذي يظهر أن هذا ليس مذهبا ثالثا في المسألة: وإنما هو بيان مسوغ جزم الجواب -
الجزء: 8 - الصفحة: 4234
[حكم الجواب المدلول عليه باسم الفعل جزما ونصبا]
قال ابن مالك: (والأمر المدلول عليه بخبر أو اسم فعل كالمدلول عليه بفعله في جزم الجواب، لا في نصبه خلافا للكسائيّ فيه وفي نصب جواب الدّعاء المدلول [عليه] بالخبر، ولبعض أصحابنا في نصب جواب «نزال» وشبهه، فإن لم يحسن إقامة «إن تفعل» و «إن لا تفعل» مقام الأمر والنّهي لم يجزم جوابهما خلافا للكسائيّ).
فعدل هذا القائل عن قول من يقول: إن ما قبل حرف العطف الساقط هو الجازم لتضمنه معنى الشرط إلى قوله: إنه أنيب مناب الشرط، فهذا القول هو ذلك القول في المعنى، ويدل على صحة ما قدمت تقريره.
ثم قال الشيخ 552: والذي نختاره هو إضمار الشرط بعد هذه الأشياء لدلالة معنى الكلام عليه.
وكما أنه يجوز حذف الجواب لدلالة الكلام عليه في نحو: أنت ظالم إن فعلت، كذلك يجوز حذف الشرط لدلالة الكلام عليه، بل هذا أولى؛ لأنه بقي له ما يدل عليه وهو الجزاء المجزوم به فقويت الدلالة عليه من جهة ما قبله ومن جهة ما بعده.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 553 رحمه الله تعالى: قد يلحق الأمر [الذي] بلفظ الخبر واسم الفعل بفعل الأمر فيكون لهما جواب مجزوم كقولهم: حسبك ينم الناس، واتقى الله امرؤ، وفعل خيرا يثب عليه، لأنه بمعنى: اكتف، وليتق، وليفعل، ومنه قوله تعالى: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ 554 فـ «يغفر» جزم بأنه جواب تُؤْمِنُونَ لكونه في معنى: «آمنوا»، وأجاز الكسائي 555 أن يكون للأمر بلفظ الخبر ولاسم الفعل جواب منصوب بعد «الفاء» نحو: صه فأحدّثك، ونزال فأنزل، وحسبك الحديث فينام الناس، والقياس يأبى ذلك لأن المصحح للنصب بعد «الفاء» بإضمار «أن» إنما هو تأول ما قبلها بمصدر ليصح العطف عليه، فإذا كان قبل «الفاء» أمر بلفظ المبتدأ والخبر أو اسم فعل تعذر تأويله بالمصدر لتعذر تقديره صلة لـ «أن» -
الجزء: 8 - الصفحة: 4235
................................
فامتنع نصب ما بعد «الفاء»، ومن ثمّ لم يوافق الكسائيّ في ما ذهب إليه أحد، إلا أن بعض أصحاب «كتاب سيبويه» وهو أبو الحسن بن عصفور أجاز 556 نصب جواب اسم الفعل المشتق من مصدر نحو: نزال ودراك، ولم يجز نصب جواب الأمر بلفظ الخبر، ولا نصب جواب اسم الفعل غير المشتق، وليس 557 في كون «نزال» وشبهه مشتقّا من لفظ المصدر ما يسوغ تأويله بالمصدر، فإنه المصحح للنصب في نحو: انزل فأنزل، هو صحة تأول فعل الأمر بالمصدر من قبل أن فعل الأمر يصح أن يقع في صلة «أن» مصدرا كما في نحو: أو عزت إليه بأن افعل، ولا يصح ذلك في اسم الفعل المشتق من المصدر كما لم يصح في غير المشتق فلا فرق بينهما في امتناع نصب الجواب.
وقد تقدم أنه لا ينصب جواب الدعاء إلا إذا كان بلفظ الطلب، وحكى الشيخ 558 هنا أن الكسائي يجيز نصب جواب الدعاء بلفظ الخبر، ولم ينفرد الكسائي بهذا الجواز فإن ابن السراج حكي ذلك عنه 559 ثم قال 560: وقال الفراء:
إن قلت: غفر الله لزيد فيدخله الجنة جاز.
واعلم أن الأمر إنما يجزم بعده المضارع إذا كان جوابا لما يدل عليه دلالة ظاهرة ويستلزمه لزوما بيّنا وهو شرط الفعل المأمور به 561، وعلامة ذلك: صحة تقدير «إن تفعل» مكان الأمر، تقول: ائتني آتك؛ لأنك لما أمرت بالإتيان دل على أنه سبب وشرط لشيء هو عندك الإتيان، فجزمت بناء على ما دل عليه الأمر، كأنك قلت: إن تأتني آتك، وتقول: ائتني لا أزورك أبدا فترفع على الاستئناف، ولا يجوز أن تجزمه على معنى:
إن تأتني لا أزورك؛ لأن الإتيان لا يكون سببا لترك الزيارة ولا على معنى: إن لا تأتني لا أزورك؛ لأن لفعل الأمر دلالة ظاهرة على أنه شرط لفائدة فيصح جزم الفعل بعده إذا حسن تقدير «إن تفعل» مكانه وجعل ذلك الفعل جوابا له، وليس لفعل الأمر دلالة ظاهرة على أن تركه شرط لشيء فلا يجوز جزم الفعل بعده بأنه جواب شرط مخالف.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4236
................................
والنهي فيما ذكرنا كالأمر فإنما ينجزم بعده المضارع إذا كان جوابا لما يدل عليه 562 دلالة ظاهرة ويستلزمه لزوما بيّنا وهو شرط ترك الفعل المنهي عنه، وعلامة ذلك: صحة تقدير «إن لا تفعل» مكان النهي، تقول: لا تعص الله تنل رضاه؛ لأنك لما نهيت عن المعصية وطلبت تركها دل على أنه سبب وشرط لشيء وكان ذلك الشيء عندك نيل الرضا؛ فجزمت بناء على ما دل عليه النهي كأنك قلت: إن لا تعص الله تنل رضاه، وتقول: لا تدن من الأسد يأكلك؛ فترفع على الاستئناف، ولا يجوز جزمه على معنى: إن لا تدن من الأسد يأكلك؛ لأن التباعد من الأسد لا يكون سببا لأكله، ولا على معنى: إن تدن من الأسد يأكلك؛ لأن لفعل النهي دلالة ظاهرة على أن تركه شرط لفائدة فيصح جزم الفعل بعده إذا حسن تقدير «إن لا تفعل» مكانه وجعل ذلك الفعل جوابا، وليس لفعل النهي دلالة ظاهرة على أن فعله شرط لشيء فلا يجوز جزم [5/ 128] الفعل بعده بأنه جواب لشرط مخالف، وأجاز الكسائي فيه الجزم كما يجوز فيه النصب بعد «الفاء»، قال سيبويه 563: لا تدن من الأسد يأكلك، قبيح إن جزمت وليس وجه كلام الناس؛ لأنك لا تريد أن تجعل تباعده من الأسد سببا لأكله فإن رفعت فالكلام حسن، وإن أدخلت الفاء فحسن، وذلك قولك: لا تدن من الأسد فيأكلك، وليس كل موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزم ألا ترى أنك تقول: ما تأتينا فتحدثنا، والجزاء هنا محال، وإنما قبح الجزم في هذا؛ لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا دخلت الفاء.
ومراد سيبويه بـ «قبيح» أنه غير مستعمل، وب «حسن» أنه مستعمل.
وحاصل الفرق بين النصب والجزم بعد النهي: أن الجزم إنما يجوز في فعل يصح كونه جوابا لشرط مقدر دل عليه النهي كما في قولك: لا تدن من الأسد تنج، وأما النصب فإنما يجوز في فعل مسبب عن فعل قبل «الفاء» منهي عنه طلبا لنفي المسبب بانتفاء سببه كما في قولك: لا تعص الله فتدخل النار، فالمجزوم بعد النهي لنفي ما قبله، والمنصوب بعده لازم لثبوت ما قبله، فوضح الفرق بين الموضعين.
وتقول: لا تدن من الأسد فتسلم بالرفع على إضمار مبتدأ، أو على الاستئناف، ولا يجوز أن ينصب؛ لأن دنو -
الجزء: 8 - الصفحة: 4237
................................
الأسد لا يكون سببا للسلامة فيصح تقديره بـ: إن لا يكن منك دنو فسلامة.
وقد جاء من السماع ما يصلح أن يحتجّ به الكسائي كقول بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين: «يا رسول الله، لا تشرف يصبك سهم» 564، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أكل من هذه الشّجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذنا» 565 فيمن رواه بالجزم، ورواية الرفع أكثر، وحمل ما جاء من ذلك على الإبدال أولى من حمله على الشذوذ 566. انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى.
وأنا أشير بعد ذلك إلى أمور:
منها: أن تمثيله بقوله: حسبك ينم النّاس، واتّقى الله امرؤ، وفعل خيرا يثب عليه - يعلم منه أن الخبر المستفاد منه الأمر قد يكون جملة اسمية وقد يكون جملة فعلية؛ لأنهم ذكروا أن خبر «حسبك» محذوف لا يظهر وتقديره: حسبك السكوت والجملة ضمّنت معنى: اكتف، كما أن الجملة الفعلية التي هي: «اتقى الله امرؤ» ضمّنت معنى: ليتق الله امرؤ.
وذهب جماعة منهم ابن طاهر (4) إلى أنه مبتدأ لا خبر له، قالوا: لأن معناه:
اكتف، فلم يحتج إلى خبر؛ لأنه في معنى ما لا يخبر عنه.
ونقل الشيخ 567 عن بعض الجماعة من المغاربة أنه اسم فعل مبني والكاف للخطاب، قال: وإنما ضمّ آخره؛ لأنه قد كان معربا فحمل على «قبل» و «بعد»، قال 568: وزعم الأعلم أنه لا خبر له؛ لأنه مهمل والإهمال عنده يرفع الاسم قال:
ولما استعمل استعمال ما ليس له خبر وهو: اكتف لم يحتج إلى خبره، وردّ 569 ذلك بأن «حسبك» وحده يتم منه كلامه، وكلام تام من جزء واحد غير موجود.
ومنها: أن الكسائي إنما أجاز أن يكون للأمر بلفظ الخبر ولاسم الفعل جواب -
الجزء: 8 - الصفحة: 4238
[حكم الفعل المعطوف بالواو أو الفاء على الشرط أو الجواب]
قال ابن مالك: (وقد تضمر «أن» النّاصبة بعد «الواو» و «الفاء» الواقعتين بين مجزومي أداة شرط، أو بعدهما، أو بعد حصر بـ «إنّما» اختيارا، أو بعد الحصر بـ «إلّا» والخبر المثبت الخالي من الشّرط اضطرارا، وقد يجزم المعطوف على ما قرن بـ «الفاء» اللّازم لسقوطها الجزم، والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها «كي» جائز الرّفع والجزم سماعا عن العرب).
منصوب بعد «الفاء»؛ لأن «الفاء» عنده ليست عاطفة؛ لأن النصب عنده بالخلاف لا بإضمار «أن» كما تقدم، ولكن قد علم فساد هذا القول - أعني أن النصب بالخلاف - وإذا كان فاسدا فالمرتب عليه فاسد.
ومنها: أن قول الإمام بدر الدين رادّا على من أجاز النصب في نحو: نزال فأنزل:
وليس في كون «نزال» وشبهه مشتقّا من لفظ المصدر ما يسوغ تأويله بالمصدر إلى آخر كلامه - يقتضي أن النصب بعد «الفاء» أو «الواو» في الأجوبة المعروفة من شرطه أن الجملة المتقدمة على أحد الحرفين المذكورين لا بد أن تشتمل على فعل أو ما فيه معنى الفعل من مشتق أو ظرف أو جار ومجرور، وكلام ابن عصفور يقتضي ذلك، وقد تقدم لنا ذكر ذلك عنه عند الكلام على جواب الاستفهام، على أنه قد صرح بذلك في غير الاستفهام.
وحاصل ما يطابق عليه كلام ابن عصفور وابن المصنف والشيخ أن الجملة الاسمية المتقدمة إذا لم يكن فيها مشتق ولا ظرف ولا جار ومجرور لا يجوز نصب الجواب المقرون بـ «الفاء» بعدها، وقد تقدم البحث في ذلك، ولا يظهر لي وجه امتناع النصب في: هل أخوك زيد فنكرمه؟ لأن المصدر يمكن تقديره، ولكن الأئمة قد منعوا ذلك
فوجب الاستمساك بقولهم.
ومنها: أن قول الإمام بدر الدين: واعلم أن الأمر إنما يجزم بعد المضارع إذا كان جوابا لما يدل عليه دلالة ظاهرة إلى آخر الفصل - كلام منقّح، والظاهر أنه من نتيجة فكره وقوة نظره ولا شك أنه أهل لذلك رحمه الله تعالى.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 570 رحمه الله تعالى: قد تضمر «أن» -
الجزء: 8 - الصفحة: 4239
................................
الناصبة بعد «واو» الجمع و «فاء» الجواب في غير المواضع المذكورة وذلك على ضربين: أحدهما جائز في الاختيار وسعة الكلام، والآخر مخصوص بالضرورة، فيجوز في الاختيار إضمار «أن» الناصبة بعد «الواو» و «الفاء» الواقعتين بين مجزومي أداة شرط أو بعدهما، أو بعد حصر بـ «إنّما».
مثال الأول: إن تأتني فتحدثني أكرمك، فتنصب ما بعد «الفاء»؛ لأن الشرط غير واجب فيجوز أن يلحق بالنفي، قال سيبويه 571: وسألت الخليل عن قوله: إن تأتني فتحدثني وإن تأتني وتحدثني أحدثك فقال: هذا يجوز والجزم الوجه، ووجه نصبه أنه حمل على الاسم كأنه أراد أن يقول: إن يكن منك إتيان فحديث أحدثك، فلما قبح أن يرد الفعل على الاسم نوى «أن»؛ لأن الفعل معها اسم، وإنما كان الوجه [5/ 129] الجزم؛ لأنه إذا نصب كان المعنى معنى الجزم فيما أراد من الحديث، وأنشد الشيخ 572 رحمة الله تعالى عليه:
3885 - ومن يقترب منّا ويخضع نؤوه... ولم يخش ظلما ما أقام ولا هضما 573
وأما قول زهير:
3886 - ومن لا يقدّم رجله مطمئنّة... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق 574
فنصب «يثبت» فيه؛ لأن الفعل المتقدم على «الفاء» منفي ولجواب النفي النصب -
الحديث: 3885 - الجزء: 8 - الصفحة: 4240
................................ في مجازاة أو غيرها. وأجاز الكوفيون 575 نصب المعطوف على الشرط بـ «ثم» كما في «الواو» و «الفاء»، ومنه قراءة الحسن 576: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت). ومثال الثاني: إن تأتني آتك وأحسن إليك، والوجه فيه الجزم على الاشتراك في معنى الجزاء، والرفع على الاستئناف، ويجوز نصبه بإضمار «أن» على تقدير: إن تأتني يكن إتيان وإحسان، وحكى سيبويه 577 أن بعضهم قرأ 578: (يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذّب من يشآء)، ثم قال 579: واعلم أن النصب بـ «الفاء» و «الواو» في قولك: إن تأتني آتك وأعطيك - ضعيف وهو نحو من قوله: 3887 - وألحق بالحجاز فأستريحا 580 فهذا يجوز وليس بحدّ الكلام ولا وجهه إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجب كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه وإن كان معناه كمعنى ما قبله، وأنشد للأعشى: 3888 - ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى... مصارع مظلوم مجرّا ومسحبا وتدفن منه الصّالحات، وإن يسئ... يكن ما أساء النّار في رأس كبكبا 581
الحديث: 3887 - الجزء: 8 - الصفحة: 4241
................................
ومثال الثالث: قراءة عبد الله بن عامر رضي الله تعالى عنه: وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون 582 بالنصب 583 على تقدير: فإنما يكون منه كن فيكون من ذلك الأمر وهو نادر لا يكاد يعثر على مثله إلا في ضرورة من الشعر.
فأما قولهم: فإنما هي ضربة من الأسد فيحطم ظهره 584، فمن النصب بإضمار «أن» جوازا لعطف مصدر مؤول على مصدر صريح، والمعنى: هي ضربة فحطمة، لا من باب قراءة ابن عامر.
ويختص بالضرورة إضمار «أن» الناصبة بعد الحصر بـ «إلا» كما في قولك:
ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وبعد الخبر المثبت الخالي من الشرط كقول الشاعر:
3889 - سأترك منزلي لبني تميم... وألحق بالحجاز فأستريحا 585
أصل الكلام: وألحق بالحجاز فأستريح، ولكن لما كان الروي مفتوحا اضطر فنصب على تقدير: يكون لحاق فاستراحة، ومثله قول طرفة:
3890 - لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها... ويأوي إليها المستجير فيعصما 586
وقول الأعشى:
3891 - ثمّت لا تجزونني عند ذاكم... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا 587
-
- فتكون مشهورة كنار في رأس جبل، والبيتان من قصيدة طويلة للأعشى هجا فيها عمرو بن المنذر.
والشاهد: في «وتدفن» حيث نصب بإضمار «أن» وعلل ذلك الأعلم بقوله: لأن جواب الشرط قبله وإن كان خبرا فإنه لا يقع إلا بوقوع الفعل الأول فضارع غير الواجب.
وانظر البيتين في المقتضب (2/ 21)، والأعلم بهامش الكتاب (1/ 449) (بولاق) والتذييل (6/ 666)، اللسان «كبب».
- فتكون مشهورة كنار في رأس جبل، والبيتان من قصيدة طويلة للأعشى هجا فيها عمرو بن المنذر.
الحديث: 3889 - الجزء: 8 - الصفحة: 4242
................................ وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء اللازم لسقوطها الجزم 588، وهي الفاء الواقعة في جواب شرط أو طلب، أما الشرط: فلأنه إذا عطف على جوابه المقرون بالفاء مضارع فالوجه رفعه كقوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ 589؛ لأن الكلام الذي بعد «الفاء» أجري مجراه في غير الجزاء، فحق ما عطف عليه أن يكون كذلك، ويجوز فيه النصب بإضمار «أن»، والجزم أيضا بالعطف على موضع «الفاء» كقراءة بعضهم 590 من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم في طغيانهم يعمهون 591، ونظّر سيبويه 592 الجزم فيه بالنصب في قوله: 3892 - فلسنا بالجبال ولا الحديدا 593 وأما الطلب: فإذا عطف على جواب المقرون بـ «الفاء» مضارع كما في قوله: زرني فأزورك وأحسن عشرتك، فلك في المعطوف النصب على التشريك في عمل «أن» المضمرة، والرفع على الاستئناف، والجزم على توهم حذف الفاء، ومنه قراءة بعضهم 594: - - والشاهد فيه: نصب «يعقب» بـ «أن» مضمرة بعد «الفاء» الواقعة بعد الخبر المثبت وهو ضرورة، ويجوز أن يريد النون الخفيفة وهو أسهل في الضرورة، والبيت في الكتاب (3/ 39)، والتذييل (6/ 671).
الحديث: 3892 - الجزء: 8 - الصفحة: 4243
................................
لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ 595، فالجزم في ذا نظير الجر في قوله:
3893 - ولا سابق شيئا إذا كان جائيا 596
وحكى الفراء 597 عن العرب: الرفع والجزم في المضارع المنفي بـ «لا» الصالح قبلها «كي» وأنهم يقولون: ربطت الفرس لا ينفلت ولا ينفلت، وأوثقت العبد لا يفرّ ولا يفرر، قال: وإنما جزم لأن تأويله: إن لم أربطه فرّ فجزم على التأويل، وأنشد لرجل من عقيل:
3894 - وحتّى رأينا أحسن الفعل بيننا... مجاملة لا يقرف الشّرّ قارف 598
ولآخر:
3895 - لو كنت إذ جئتنا حاولت رؤيتنا... أتيتنا ماشيا لا يعرف الفرس 599
بجزم «يقرف» و «يعرف» ورفعهما.
هذا آخر كلام بدر الدين 600، وقال والده رحمه الله تعالى في شرح الكافية 601:
إذا أخذت أداة الشرط جوابها وذكر بعده مضارع بعد «فاء» أو «واو» جاز جزمه عطفا على الجواب، ورفعه على الاستئناف، ونصبه على إضمار «أن»، قال -
الحديث: 3893 - الجزء: 8 - الصفحة: 4244
................................
سيبويه: فإذا انقضى الكلام ثم جئت بـ «ثمّ» فإن شئت جزمت وإن شئت رفعت، وكذلك «الواو» و «الفاء»، إلا أنه يجوز النصب بالفاء والواو، وبلغنا أن بعضهم قرأ 602: (يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذّب من يشآء).
وروي بالأوجه الثلاثة «ونأخذ» من قول الشاعر:
3896 - فإن يهلك أبو قابوس يهلك... ربيع النّاس والبلد الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش... أجبّ الظّهر ليس له سنام 603
وجاز النصب بعد «الفاء» و «الواو» إثر الجزاء؛ لأن مضمونه لم يتحقق وقوعه فأشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام.
قال: وأنشد الفراء في كتاب «المعاني» 604:
3897 - فإن يهلك النّعمان تعر مطيّه... وتخبأ في جوف العياب قطوعها
وتنحط حصان آخر اللّيل نحطة... تقضّب منها أو تكاد ضلوعها 605
فنصب «تخبأ» وجزم «تنحط».
-
الحديث: 3896 - الجزء: 8 - الصفحة: 4245
................................ ثم قال 606: وإن خلا الفعل المتوسط بين الشرط والجزاء من الفاء والواو جزم، وجعل بدلا من الشرط، أو رفع وكان في موضع نصب على الحال، فمثال المجزوم المجعول بدلا 607 قول الشاعر: 3898 - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا 608 ومثال المرفوع [5/ 130] المقدر في موضع الحال قول الآخر: 3899 - متى تأته تعشو إلى ضوء ناره... تجد خير نار عندها خير موقد 609
-
- التي توضع على الرحل استعدادا للرحيل، وقوله: «وتنحط حصان» أي تزفر حزنا لفقده، وتذكرا لمعروفه وفضله، وقوله: «تقضب» أي تزفر حتى تكاد ضلوعها تكسر من شدة الزفير، والتقضب التكسّر، و «الحصان»: المرأة العفيفة، وهي ذات الزوج أيضا، وإنما خص آخر الليل؛ لأنه وقت هبوبها من نومها، فعند ذلك تتذكره، وتزفر من أجله، وأيضا فإنه وقت يرغب فيه العدو الغارة، فتذكر النعمان لذبه عنها ونصره لها.
والشاهد فيهما: نصب «تخبأ» بإضمار «أن»، وجزم «تنحط» عطفا على محل «تخبأ»؛ لأن «تخبأ» يصح جزمه عطفا على ما قبله وهو «تعر» الواقع جوابا للشرط، فكان المجزوم بعده معطوفا على محله.
والبيتان في معاني القرآن (1/ 87)، والتذييل (6/ 668)، واللسان «نحط».
- التي توضع على الرحل استعدادا للرحيل، وقوله: «وتنحط حصان» أي تزفر حزنا لفقده، وتذكرا لمعروفه وفضله، وقوله: «تقضب» أي تزفر حتى تكاد ضلوعها تكسر من شدة الزفير، والتقضب التكسّر، و «الحصان»: المرأة العفيفة، وهي ذات الزوج أيضا، وإنما خص آخر الليل؛ لأنه وقت هبوبها من نومها، فعند ذلك تتذكره، وتزفر من أجله، وأيضا فإنه وقت يرغب فيه العدو الغارة، فتذكر النعمان لذبه عنها ونصره لها.
الحديث: 3898 - الجزء: 8 - الصفحة: 4246
................................
انتهى.
وإنما ذكرت حكم الفعل الخالي من «الفاء» و «الواو» هنا قبل الدخول في فصل «الجوازم» لتعلقه بما ذكر قبله، ولا يخفى أننا استفدنا من جزم «تنحط» بعد نصب «تخبأ» أن الفعل المعطوف على فعل منصوب واقع بعد فعل الجزاء يجوز فيه ثلاثة الأوجه: النصب والرفع والجزم؛ لأن الجزم إذا جاز كان النصب والرفع أجوز؛ لأن النصب بالعطف على لفظ ما قبله، والرفع على الاستئناف، وأما الجزم فإنما هو على الموضع؛ لأن «تخبأ» مثلا في البيت يجوز فيه الجزم عطفا على ما قبله، فكان المجزوم بعده معطوفا على محله.
وإذا عرف ذلك فلنرجع إلى ألفاظ الكتاب ونقول:
قوله: بين مجزومي أداة شرط أراد به الجزم لفظا أو محلّا، فلو كان الفعلان ماضيين كان حكم الفعل الواقع بينهما كذلك ثم إنه لا يلزم ذكرهما معا، فقد يكون الجزاء محذوفا لدليل، ويكون حكم النصب باقيا، قال الشاعر:
3900 - فلا يدعني قومي صريحا لحرّة... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر 610
فقوله «ويسلم» واقع بين مذكور ومحذوف، التقدير: لئن كنت مقتولا ويسلم عامر فلا يدعني قومي، وإنما حذف لدلالة ما قبل عليه كقولهم: أنت ظالم إن فعلت.
وقوله: أو بعدهما أي: بعد فعلي الشرط، ولا يريد خصوصية الفعل، بل لو كان الجزاء جملة اسمية كان الحكم كذلك، قال الله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ 611 قرئ 612 -
الحديث: 3900 - الجزء: 8 - الصفحة: 4247
................................
(ويكفّر) بالرفع والنصب والجزم على موضع فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ 613، على أن الجزم في هذه الآية الشريفة وفي مثلها كقوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ 614 قد أشار إليه المصنف بقوله: وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء اللازم لسقوطها الجزم، وأما النصب في نحو هاتين الآيتين الشريفتين فقد يقال: ليس في كلام المصنف ما يدل على جوازه، لأنه قيّد الكلام أولا بقوله:
بين مجزومي أداة شرط وأشار آخرا إلى الجزم بقوله: وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء ولم يتعرض إلى ذكر النصب.
وفي شرح الشيخ بعد أن مثّل بالآيتين الشريفتين 615: ولم يذكر سيبويه 616 النصب هنا فلعله منعه لضعفه في الأصل وهو أن يكون فعل الجزاء مجزوما فأجري هنا، قال: والرفع وجه الكلام؛ لأن المعطوف عليه ليس مجزوما.
ولا يقبل لفظه الجزم.
انتهى.
وبعد: فإذا كان النصب ثابتا في إحدى القراءات السبع تعيّن الاعتراف بصحته، وارتفع الإشكال 617.
ومما نبّه عليه الشيخ 618: أن فعل الجزاء لو كان معمولا لغير الشرط فالرفع يحسن نحو: إن تأتني فلن آتيك وأجفوك، وإن أتيتني لم آتك وأجفوك، ويجوز الجزم والنصب، والذي نبه عليه واضح.
وأما نصب الفعل بعد الحصر بـ «إنما» فقد عرفت قول المصنف: أو بعد حصر بـ «إنّما» اختيارا.
وقال في شرح الكافية بعد أن ذكر إجراء التقليل مجرى النفي في إيلائه جوابا منصوبا 619: وكذلك أجروا الحصر بـ «إنما» كقولهم: إنما هي ضربة من الأسد -
الجزء: 8 - الصفحة: 4248
................................
فتحطم ظهره، وعليه قراءة ابن عامر: فإنما يقول له كن فيكون 620.
وقد عرفت أن بدر الدين خرّج قولهم: إنما هي ضربة من الأسد فيحطم ظهره، على أنه من النصب بإضمار «أن» جوازا لعطف مصدر مؤول على مصدر صريح، والذي قاله حق، وأنه قال بعد أن ذكر قراءة ابن عامر: وهو نادر لا يكاد يعثر على مثله إلا في ضرورة من الشعر.
وهذا من بدر الدين رحمه الله تعالى ليس إنكارا لقراءة ابن عامر إذ لا يمكن إنكارها، وإنما هو إنكار أن يكون مقتضى النصب هو الحصر بـ «إنما» فإن ذلك لم يكن مجمعا عليه، إذ ذكر النحاة للنصب مسوغا غير ذلك، فمنهم من قال: إنه جاء على النصب في الواجب، ونسب ذلك إلى الشلوبين 621، وردّ هذا القول بأن النصب في الواجب إنما بابه الشعر 622. وقراءة ابن عامر ثابتة بالتواتر، ومنهم من قال 623: إن مسوغ النصب وقوع الفعل جوابا للأمر، وردّ 624 ذلك أيضا بأن كُنْ هنا ليس أمرا على الحقيقة؛ لأن المعدوم لا يصح خطابه، إنما جرى ذلك على معنى سرعة التكوين كأنه قال تعالى: إنما شأننا مع المقدورات أن تتعلق قدرتنا بها فتكون بغير تأخير، ولا لفظ هناك ولا نطق، فعبّر بالقول عن التعلق.
والحاصل: أن القول في الآية الشريفة كناية عن سرعة الخلق والتمكن من إيجاد ما يريد الله تعالى إيجاده، إذ المعدوم لا يؤمر، وخرّج الشيخ 625 ذلك على أن يكون من المنصوب بعد الفاء بعد جواب الشرط؛ لأنه تقدّمه: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فـ «إذا قضى» شرط، و «فإنما» جوابه وصار نظير قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ في قراءة من نصب 626.
وقد يقال للشيخ: المسوغ للنصب بعد «الفاء» إثر الجزاء كون مضمونه لم يتحقق وقوعه كما تقدم، حتى يشبه الواقع بعد الجزاء الواقع بعد الاستفهام، -
الجزء: 8 - الصفحة: 4249
................................
ولا شك أن الشرط والجزاء في قوله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ محققا الوقوع، وإذا كانا بهذه الحيثية انتفت مشابهة الاستفهام، وإذا انتفت مشابهة الاستفهام انتفى المسوغ للنصب، والأولى أن يقال: اكتفى في النصب بصورة الأمر، والأمر ينصب جوابه، فلما اشتمل هذا التركيب على صورة أمر وجواب في اللفظ عومل بما يعامل به الأمر والجواب الحقيقيان.
وعلى هذا يقال: مجموع الكلام من الأمر والجواب هو الكناية عن سرعة الخلق والإيجاد، لا القول وحده 627، وهذا النوع هو الذي يقال فيه عند أصحاب [5/ 131] علم «البيان»: إنه التمثيل على سبيل الاستعارة.
وهو «المجاز المركب» عندهم.
وقال الشيخ 628: قول المصنف: (اللّازم لسقوطها الجزم)، يشمل صورتين، ويحترز به من صورتين: أما المشمولتان: فأن تكون «الفاء» دخلت على ما لا يقبل الجزم، لكن لو حلّ مكانه ما يقبل الجزم لجزم نحو ما تقدم من قوله تعالى: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ 629 وأن تكون «الفاء» قد دخلت على نفس المضارع فارتفع، فلو حذفت الفاء لا يجزم الفعل على الجواب.
وأما الصورتان المحترز عنهما: فإحداهما: لا يلزم لسقوطها الجزم بل يجوز، والثانية: لا يلزم بل يمتنع.
فالصورة الأولى: إذا نصبت ما قرن بالفاء بعد فعل الشرط قبل فعل الجزاء، وكان الفعل المنصوب بعد «الفاء» قريبا من معنى الشرط، فإنك إذا حذفت «الفاء» جاز الجزم على البدل من فعل الشرط، وجاز الرفع على أن يكون الفعل في موضع الحال، مثال ذلك: إن تأتني فتمشي إليّ وتحسن إلى خالد أحسن إليك، فلا يجوز في «وتحسن إلى خالد» الجزم لأنه لو سقطت «الفاء» من: «فتمشي إليّ» لما تعين الجزم في: تحسن؛ إذ يجوز فيه الجزم على البدل كما قلنا، ويجوز الرفع على الحال.
والصورة الثانية: إذا كان ذلك الفعل ليس قريبا من معنى فعل الشرط، فإنه إذا -
الجزء: 8 - الصفحة: 4250
................................
حذفت «الفاء» لا يجوز الجزم فيه، مثال ذلك: إن تركب إليّ فتضحك وتقرأ أحسن إليك، فلا يجوز الجزم في: «وتقرأ»؛ لأنك لو حذفت الفاء من: فتضحك لم يجز الجزم، بل يرتفع الفعل على أنه في موضع الحال.
كأنك قلت: إن تركب إليّ ضاحكا وقارئا أحسن إليك.
انتهى.
وأما قول المصنف: والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها كي جائز الرّفع والجزم سماعا عن العرب فقد عرفت معناه ومثاله من كلام بدر الدين.
قال المصنف في شرح الكافية 630: وحكى الفراء عن العرب في المضارع المنفي بـ «لا» الجزم والرفع إذا حسن تقدير «كي» قبله، وأنهم يقولون: ربطت الفرس لا ينفلت ولا ينفلت وأوثقت العبد لا يفرّ ولا يفرر، قال: وإنما جزم؛ لأن تأويله:
إن لم أربطه فرّ، فجزم على التأويل، قال: وأنشدني بعض بني عقيل:
3901 - وحتّى رأينا أحسن الفعل بيننا... مساكتة لا يقرف الشّرّ قارف (2)
وقال:
3902 - لو كنت إذ جئتنا حاولت رؤيتنا... أتيتنا ماشيا لا يعرف الفرس 631
بجزم: يقرف، ويعرف، ورفعهما.
انتهى.
قال الشيخ 632: لم يذكر المصنف ولا ابنه خلافا في هذه المسألة وادّعيا أن العرب تجيز الجزم والرفع في مثل هذا، وقد خالفا في ذلك الخليل وسيبويه 633 وسائر البصريين، فكان ينبغي أن ينبه على خلاف هؤلاء، وإذا كان خلاف هؤلاء لا ينقل، ويزعم أن العرب تقول مثل هذا اغترّ بذلك من ليس له اطلاع على مذاهب العرب، ولا على خلاف أئمة
العرب، ولكن الظن يسعهما، أما ابن المصنف فلقلة محفوظه، وأما أبوه المصنف فلقلة اعتنائه بكتاب سيبويه، قال سيبويه 634 رحمه الله تعالى: وسألته - يعني الخليل - عن: آتي الأمير لا يقطع اللّصّ، فقال 635: الجزاء ها هنا خطأ، لا يكون الجزاء أبدا حتى يكون الكلام الأول غير واجب، إلا أن -
الحديث: 3901 - الجزء: 8 - الصفحة: 4251
................................
يضطر الشاعر، ولا نعلم هذا جاء في الشعر ألبتة.
يعني لا يكون الجزاء أي: لا يكون الجزم، وذكر أن الجزاء خطأ فصرح بأنه خطأ ثم قال: إلا أن يضطر الشاعر ثم قال: ولا نعلم هذا جاء في الشعر، ونفى عن نفسه أن يحفظ مثل هذا في الشعر، هذا على سعة علم الخليل وحفظه ومعرفته، فكيف يدّعي مدّع أن العرب تجزم مثل هذا؟
ثم نقل عن ابن عصفور: أنه تعرض إلى ذكر المسألة في كتبه، وأنه ذكر عن الكوفيين أنهم أجازوا ذلك، وأنه قال بجوازه في الضرورة، وذكر أنه استدل بالبيتين اللذين ذكرهما المصنف، ثم قال: - أعني الشيخ - ويمكن تخريج هذين البيتين على أن تكون «لا» في كل منهما ناهية، ويكون ذلك من باب قولهم: لا أرينّك هاهنا، وقول النابغة:
3903 - لا أعرفن ربربا حورا مدامعه 636
فكأنه قال: لا تتعرض فأراك هاهنا، وكذلك لا تتعرضوا للقتال فأعرف ربربا فكذلك يقدر هاهنا: لا تتعرض لغير المجاملة فيقرف الشرّ قارف، أي: فيكتسب الشر مكتسب، ولا تتعرض للركوب فيعرف الفرس فتفتضح، وإذا احتمل أن يكون من باب ما صورته النهي، ويراد به النهي عن غيره وانتفاؤه هو لم يكن في ذلك دليل على جواز الجزم على المعنى الذي ذهب إليه الفراء والكوفيون، ووافقهم المصنف وابنه عليه، وحمله ابن عصفور عليه،
ويؤيد هذا التأويل قول الخليل: ولا نعلم هذا جاء في الشعر ألبتة.
فانظر تفاوت ما بين كلام المصنف وكلام الناس، هو يقول: العرب تقول كذا، والخليل يقول: هو خطأ، والأستاذ أبو الحسن يقول: هو ضرورة لا يقاس عليها في -
الحديث: 3903 - الجزء: 8 - الصفحة: 4252
................................ الشعر. انتهى. ولقد تحامل الشيخ على المصنف في قوله: إنه ادّعى أن العرب تجيز الجزم والرفع في مثل هذا، فإن المصنف لم يدّع ذلك، بل قال كما علمت: وحكى الفراء عن العرب في المضارع المنفي بـ «لا» الجزم والرفع إذا حسن تقدير «كي» قبله إلى آخر كلامه، ولم يسند إلى نفسه شيئا، ولم يثبت ولم ينف، وأما كونه ينسب المصنف إلى قلة اعتنائه بكتاب سيبويه ظنّا منه أنه لم يطلع على ما قاله الخليل وسيبويه في المسألة، فلا يرتضي من الشيخ أن يقول في حق المصنف ذلك مع شهادة المعتبرين له بالتبريز ومن يدرك غوامض الكتاب كيف تخفى عليه ظواهره؟ بل يقال: إن المصنف تأدب مع الخليل وسيبويه غاية التأدب، وذلك أنه لما رأى كلامهما يقتضي عدم جواز الجزم في هذه المسألة، ورأى الفراء - مع جلالة قدره في العلم - وحفظه - حكى الجزم عن العرب ذكر ما حكاه الفراء مقتصرا على ذلك، ولم يحكم من قبل نفسه بشيء، ولا شك أن العرب نطقت بذلك في البيتين اللذين تقدم إنشادهما، ويؤيد ذلك ذكر ابن عصفور [5/ 132] أيضا المسألة المذكورة وإنشاده البيتين المذكورين، فلم يكن المصنف هو المنفرد بهذا الأمر، فقد ذكره غيره كما ذكره هو، والخليل رحمه الله تعالى لم ينف مجيئه إنما نفى العلم بمجيئه. ثم إن الخليل لما قال: إن الجزاء خطأ لا يكون الجزم أبدا، لم يقل المصنف هو مجزوم على الجواب كي لا يناقض كلامه كلام الخليل، بل قال: إن فيه الجزم سماعا عن العرب، ولا شك أنه مسموع نثرا ونظما. وأما كونه جائزا اختيارا أو ضرورة فلم يتعرض إليه المصنف، وأما كونه ضرورة أو غير ضرورة فلم يتعرض المصنف إلى ذكر ذلك، بل قال: حكي عن العرب، ولم يسند الحكاية إليه بل أسند ذلك إلى الإمام الكبير الذي عرفت، وبعد أن ذكر الشيخ ما ذكر قال 637: ويمكن تخريج البيتين اللذين استدل بهما المصنف وابنه على جواز الجزم في السعة، وابن عصفور على مجيئه في الضرورة على وجه غير ما ذكروه وهو أن تكون «لا» فيه ناهية، ويكون ذلك من باب قولهم: لا أرينّك ها هنا، وقول النابغة: 3904 - لا أعرفن ربربا حورا مدامعه 638
الحديث: 3904 - الجزء: 8 - الصفحة: 4253
................................ كأنه قيل: لا تتعرض فأراك هاهنا، ولا تتعرضوا للقتال فأعرف ربربا، وهكذا يقدر هنا: لا تتعرض لغير المجاملة فيقرف الشر قارف أي: فيكتسب الشر مكتسب، ولا تتعرض للركوب فيعرف الفرس فتفتضح، قال: وإذا احتمل أن يكون من باب ما صورته النهي ويراد به النهي عن غيره وانتفاؤه هو لم يكن في ذلك دليل على جواز الجزم على المعنى الذي ذهب إليه الفراء والكوفيون، ووافقهم المصنف وابنه عليه، وحمله ابن عصفور عليه، ثم قال 639: وقوله: 3905 - لا يعرف الفرس 640 من باب: 3906 - على لاحب لا يهتدى بمناره 641 أي: لو جئت ماشيا لم يكن معك فرس فيعرف، فنفى عرفان الفرس، والمقصود نفي الفرس، قال: وقول المصنف: (والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها «كي») لا يختص ذلك بأن يكون منفيّا بـ «لا» عند الكوفيين بل متى كان الفعل الموجب سببا للمجزوم، والمجزوم أعم من أن يكون منفيّا بـ «لا» أو مثبتا نحو: يأتي زيد الأمير يفلت اللّصّ، أي: إن يأته يفلت اللص، قال 642: لكن المصنف لما رأى تمثيل الفعل منفيّا بـ «لا» والشاهد الذي أنشده منفيّا بـ «لا» أيضا اعتقد أن شرط جواز الجزم أن يكون منفيّا بـ «لا» وليس ذلك بشرط عندهم 643، قال 644: فقوله: (الصّالح قبلها «كي»)، ينبغي أن يقول فيه: الصالح قبل الفعل «كي»، وهو معنى قول الكوفيين: أن يكون الفعل الموجب سببا للمجزوم، إلا أن يكون المصنف أحدث قولا ثالثا خالف فيه البصريين والكوفيين؛ لأن البصريين قالوا: ذلك خطأ 645، والكوفيون أجازوه 646، ولم يشترطوا فيه أن يكون -
الحديث: 3905 - الجزء: 8 - الصفحة: 4254
................................ منفيّا بـ «لا» والمصنف شرط ذلك، فهو قول ثالث لم يتقدمه إليه أحد. انتهى. ويا للعجب!! قد عرفت أن المصنف لم يحكم في المسألة المذكورة بشيء من قبل نفسه حتى يقال إنه أحدث قولا ثالثا، ولم ينسب إجازة ذلك إلى بصري ولا كوفي حتى يحتاج أن يشترط في المسألة شيئا أو لا يشترط، وإنما نقل عن الفراء أن العرب تقول: كيت وكيت، والفراء إمام كبير، رأس الكوفيين بعد الكسائي، فمن أجل ذلك قال في التسهيل: والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها «كي» جائز الرّفع والجزم سماعا عن العرب مقتديا في ذلك بنقل الفراء. ثم قال الشيخ 647: ولم يبين المصنف وجه جواز الرفع ولا وجه جواز الجزم في هذه المسألة، وقد ذكرنا وجه جواز الجزم على مذهب من أجازه، وأنه لوحظ فيه على قولهم معنى الشرط والجزاء وإن لم يكن بأداة ذلك، ولا من الأشياء التي تقدم ذكرها، وأما وجه الرفع فلم أر أحدا تعرض له، ومعنى الكلام يقتضي أنه متعلق بما قبله تعلقا لا يمكن انفصاله منه؛ لأن الكلام في قوة الجملة الواحدة، وليس جملتين مستقلتين؛ لأن المعنى ليس على الإخبار بأنه يأتي الأمير زيد، ثم أخبر بعد ذلك أن الأمير لا يقطع اللص، وإذا لم يكن الكلام جملتين مستقلتين فالجملة الثانية هي في قوة المفرد، وإذا كانت كذلك فلا يمكن أن تكون في موضع الحال لفساد المعنى؛ لأنه لا يريد: ربطت الفرس غير منفلت، ولا: زيد يأتي الأمير غير قاطع اللص، وإنما المعنى: أني ربطت الفرس لئلا ينفلت، وإنّ زيدا يأتي الأمير لئلا يقطع اللص، فهو مفعول من أجله حذفت منه اللام فبقي: ربطت الفرس أن لا ينفلت، وزيد يأتي الأمير أن لا يقطع اللص 648، ثم اتسعت العرب في ذلك فحذفت «أن» فارتفع الفعل على حد ارتفاعه بعد حذف «أن» في قول الشاعر: 3907 - ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى 649
الحديث: 3907 - الجزء: 8 - الصفحة: 4255
[جواز إظهار «أن» وإضمارها بعد عاطف على اسم صريح وبعد لام التعليل]
قال ابن مالك: (تظهر «أن» وتضمر بعد عاطف الفعل على اسم صريح، وبعد لام الجرّ غير الجحوديّة ما لم يقترن الفعل بـ «لا» بعد اللّام فيتعيّن الإظهار، ولا تنصب «أن» محذوفة في غير المواضع المذكورة إلّا نادرا، وفي القياس
عليه خلاف).
وقولهم: مره يحفرها 650، وقد روي: يحفرها بالجزم على الجواب، وبالنصب على إضمار «أن»، وبالرفع على ما ذكرناه.
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن «أن» الناصبة لها أحوال ثلاث: وجوب إضمار، وجواز إظهار وإضمار، ووجوب إظهار، ولما انتهى الكلام على الحالة الأولى حصل الشروع الآن في ذكر الحالتين الأخريين وهما جواز الأمرين، ووجوب الإظهار، فجواز الأمرين يكون بعد الحرفين اللذين تقدم ذكرهما وهما: لام الجر غير الجحودية ما لم يلها «لا»، وحرف العطف الواقع قبله اسم وبعده فعل ووجوب الإظهار إذا ولي لام الجر المذكورة «لا» النافية.
قال الإمام بدر الدين 651: اطرد نصب [5/ 133] المضارع بإضمار «أن» جائزة الإظهار في موضعين:
أحدهما: أن يكون الفعل معطوفا على اسم صريح كقول الشاعر:
3908 - ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف 652
أراد: ولبس عباءة وأن تقر عيني، فحذف «أن» وأبقى عملها، ولو استقام الوزن بإظهار «أن» لكان أقيس، ولا يختص هنا الإضمار بالمعطوف بـ «الواو» بل يجوز - - الشرح: الزاجري: أي الذي يكفني ويمنعني، ورواية الديوان: ألا أيهذا اللائمي: أي الذي يلومني، والوغى: الحرب، وقوله: وأن أشهد يروى في مكانه: وأن أحضر، والشاعر يقول: أنا لست خالدا ولا بد أن يأتيني الموت يوما، فليس مما يقتضيه العقل أن أقعد عن شهود الحرب ومنازلة الأقران مخافة أن أموت.
والشاهد في قوله: «أحضر الوغى» حيث رفع «أحضر» بعد حذف «أن» المصدرية، ويروى «أحضر» بالنصب، بـ «أن» المصدرية المحذوفة، قال الأعلم: (وقد يجوز النصب بإضمار «أن» ضرورة وهو مذهب الكوفيين).
والبيت في الكتاب (3/ 99)، وابن يعيش (2/ 7)، والعيني (4/ 402).
الحديث: 3908 - الجزء: 8 - الصفحة: 4256
................................
في المعطوف بغيرها كـ «الفاء» و «ثم» و «أو» فمثاله بالفاء قول بعض الطائيين:
3909 - لولا توقّع معتر فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب 653
ومثاله بـ «ثم» قول الآخر:
3910 - إنّي وقتلي سليكا ثمّ أعقله... كالثّور يضرب لمّا عافت البقر 654
ومثاله بـ «أو» قراءة السبعة إلّا نافعا: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا 655 بنصب (يرسل) عطفا على (وحيا،) وأصله: أو أن يرسل رسولا.
ومثله قول القائل:
3911 - ولولا رجال من رزام أعزّة... وآل سليم أن أسوءك علقما 656
والثاني: أن يكون بعد لام الجر غير المؤكد للنفي وهي لام التعليل كما في نحو:
جئت لتحسن، ولام العاقبة كما في قوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً 657 والزائدة كما في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ 658 فإن الفعل إذا وقع بعد إحدى هذه اللامات كان نصيبا بإضمار «أن» لأن اللام حرف جر فهي كسائر عوامل الأسماء في امتناع دخولها على الأفعال فإذا وليها الفعل وجب أن يكون مقدرا بـ «أن» ليكون معها اسما مجرورا باللام فنصبوه بها وإن -
الحديث: 3909 - الجزء: 8 - الصفحة: 4257
................................
شئت أظهرت «أن» نحو: جئت لئلّا يجيء، ولا يجوز إضمار «أن» بعد غير اللام من حروف الجر، خصوها بذلك لكثرة دور معناها في الكلام.
وقد تحذف «أن» قبل المضارع في غير المواضع فتلغى غالبا كقولهم: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» 659، وقول الشاعر:
3912 - ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي 660
وقول الآخر:
3913 - وما راعني إلّا يسير بشرطة... وعهدي به قينا يفشّ بكير 661
تقديره: أن تسمع، وعن أن أحضر، وإلّا أن يسير، ولكنهم رفعوا؛ لأنهم ألغوا «أن» لما ضعفت بالحذف على غير القياس، وقد لا يلغونها فينصبون بها المضارع كقوله:
3914 - فلم أر مثلها خباسة واحد... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله 662
قال سيبويه 663: أراد بعد ما كدت أن أفعله، وهو قليل لا يقاس عليه، ورآه -
الحديث: 3912 - الجزء: 8 - الصفحة: 4258
................................
الكوفيون مقيسا 664، وحكوا: خذ اللصّ قبل يأخذك 665، وأنشدوا:
3915 - ألأ أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى 666
انتهى كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى 667.
ولما كان الملفوظ به العاطف إذا لم تذكر «أن» فعلا قال المصنف: بعد عاطف الفعل، وإن كان العاطف في الحقيقة إنما عطف اسما مقدرا على الاسم الذي قبله.
وقوله: (على اسم) يشمل ما كان مصدرا، وما كان اسما غير مصدر كما في الأمثلة التي ذكرت.
وأما قوله: صريح فقال الشيخ 668: احترز به من العطف على المصدر المتوهّم، فإن ذلك يجب فيه إضمار «أن»، وما قاله الشيخ غير ظاهر، فإن هذا الكلام يقتضي أن المصدر المتوهم كان مقدرا قبل العطف، فلما جاء العاطف عطف عليه، وليس الأمر كذلك، وإنما لما حصل العطف ونصب الفعل بـ «أن» مقدرة تعين أن يقدر قبل العاطف مصدرا متوهّما ليصح عطف الاسم المقدر عليه، وإذا كان كذلك فلا يتجه القو بأنه احترز بـ (صريح) من العطف على المصدر المتوهم، والذي يظهر بل ربما يتعين أنه احترز بقوله: (صريح) عما احترز عنه بقوله في الألفية:
(خالص) حيث قال:
وإن على اسم خالص فعل عطف... تنصبه أن ثابتا أو منحذف
وفسر ولده بدر الدين ذلك بأن يكون غير مقصود به معنى الفعل، قال 669: واحترز بذلك من نحو: الطائر فيغضب زيد الذّباب، فإن: «يغضب» معطوف على اسم الفاعل، ولا يمكن أن ينصب؛ لأن اسم الفاعل مؤول بالفعل؛ لأن التقدير: الذي يطير فيغضب زيد الذباب.
ثم إننا نشير بعد هذا إلى أمرين:
أحدهما: أنك قد عرفت من كلام بدر الدين أن «لام الجر» التي يجوز إظهار «أن» بعدها وإضمارها وهي غير التي للجحود ثلاثة أقسام: لام التعليل، ولام العاقبة، والزائدة.
-
الحديث: 3915 - الجزء: 8 - الصفحة: 4259
................................ فأما لام التعليل فهي الأصل، وأما لام العاقبة وهي التي تسمى: لام الصيرورة، ولام المآل أيضا 670 كالتي في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً 671، وفي قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها 672، ومنه قول العرب: 3916 - لدوا للموت وابنوا للخراب 673 فالمنقول أن المثبت لها الكوفيون 674، وعزي إلى الأخفش أيضا 675، وأن البصريين لا يخرجونها عن التعليل فيجعلونها في مثل ذلك لام السبب على جهة المجاز؛ لأنه لما كان ناشئا عن التقاط موسى صلّى الله عليه وسلّم، كونه صار عدوّا، صار كأنه التقط لذلك، وإن كان التقاطه في الحقيقة إنما كان ليكون لهم حبيبا وابنا 676، وكذلك يقال في الآية الشريفة التي هي وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها، وكذا يقال في قولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ... الآية 677. -
الحديث: 3916 - الجزء: 8 - الصفحة: 4260
................................
وأما «اللام» في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ 678 فهي ثالثة الأقسام، وقد حكم بدر الدين بزيادتها كما عرفت، لكن قال الشيخ 679: دعوى الزيادة على خلاف الأصل.
ثم ذكر في نحوها أقوالا ثلاثة:
أحدها: للفراء قال 680: زعم الفراء 681 أن العرب تجعل [5/ 134] لام «كي» في موضع «أن» في أردت وأمرت، قال الله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا 682 وأَنْ يُطْفِؤُا 683، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ 684.
وقال الشاعر 685.
3917 - أريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تخيّل لي ليلى بكلّ طريق 686
وقال تعالى: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ 687، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ 688، وإلى ما ذهب إليه الفراء ذهب الكسائي.
- - بسواء، ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة؛ لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوّا وحزنا ولكن المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شبه الداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله وهو: الإكرام الذي هو نتيجة المجيء، والتأدب الذي هو ثمرة الضرب في قولك: ضربته ليتأدب، وتحريره: أن هذه اللام حكمها حكم الأسد، حيث استعيرت لما يشبه التعليل كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد» اه.
الحديث: 3917 - الجزء: 8 - الصفحة: 4261
................................
ثانيها: ذهب سيبويه 689 وأصحابه إلى أن اللام دخلت هنا لإرادة المصدر، كأنه قيل: الإرادة للبيان وإرادتي لهذا.
قال 690: وكلا المذهبين ضعيف، أما مذهب الفراء فمبناه على أن اللام عاملة النصب لوقوعها موقع «أن» وقد علم أن اللام حرف جر، وليس من شأنها أن ينصب بها، قال: وقد قال أبو إسحاق 691: لو كانت اللام بمعنى «أن» لم يجز اجتماعها مع «كي» لأن «أن» لا تدخل على «كي»، وأما مذهب سيبويه فلوجهين:
أحدهما: أنه سبك مصدرا من غير حرف سابك مع الفعل.
والثاني: أنه لو كان كما ذهب إليه لجاز: ضربت لزيد على معنى: الضرب لزيد، وهذا لا يجوز.
ثالثها: القول بالزيادة، قال 692: والصحيح أن اللام في هذين الفعلين كهي مع غيرهما من الأفعال، قال: وإنما حمل الفراء وسيبويه وابن المصنف على ما ذهبوا إليه كونهم لم يجدوا مفعولا لـ «أراد» فجعلوا ما دخلت عليه اللام منصبّا عليه الفعل السابق، فادعى الفراء أن اللام وقعت موقع «أن» ولا سيما وقد وجد ذلك مصرحا به في نحو: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ 693 ويُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا 694 فتأول الحرف.
وسيبويه تأول الفعل بأن جعله بمعنى المصدر وأنه في موضع رفع بالابتداء، قال 695: والذي نختاره ما اختاره بعض أصحابنا من أن مفعول «يريد» محذوف، ومتعلق «أمر» محذوف والتقدير: يريد الله ما يريد ليبين لكم، وأمرنا بما أمرنا لنسلم، وأما قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ فلا يتعين أن تكون «أن» والفعل متعلق الفعل السابق؛ إذ يحتمل أيضا حذف المفعول وأن «أن» مضمر قبلها حرف الجر؛ لأن حرف الجر يضمر قبلها كثيرا، والتقدير: يريدون ما يريدون من الكفر والمكر أن يطفئوا أي: ليطفئوا، فتكون إذ ذاك لام العلة، وكذلك وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ أي: أمرت بما أمرت أن أسلم أي: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4262
................................
لأن أسلم، قال: فيكون المعنيان في ذكر اللام وحذفها سواء، وحذف المفعول لدلالة المعنى عليه.
انتهى.
وهذا الذي ذكره من التخريج في يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ يبعد وإذا كان ما بعد «يريدون» و «أمرت» صالحا لتسلطهما عليه استغنى عن تقدير مفعول محذوف، ويدل على أن أَنْ يُطْفِؤُا، وأَنْ أُسْلِمَ متعلقان بما قبلهما قوله تعالى: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها 696 فإن المقصود من هذه الآية الشريفة الحصر، إذ المعنى: ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى، وإذا جعل التقدير: إنما أمرت بما أمرت لأن أعبد فات معنى الحصر مع أنه هو المقصود، وإذا ثبت في ذلك في هذه الآية الشريفة تعيّن أن يثبت في ما هو نظيرها، والمحوج إلى تقدير مفعول محذوف في نحو قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ، ويُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا، ووَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ إنما هو عدم صلاحية مدخول «اللام» للمفعولية، فإذا كان ما بعد يُرِيدُونَ» أو أُمِرْتُ صالحا لأن يكون مفعولا انتفى الاحتياج إلى التقدير 697.
الأمر الثاني: أن الشيخ ذكر في شرحه فروقا بين اللامين - أعني لام الجحود ولام «كي» - فقال 698: «ولما كان بين لام الجحود ولام «كي» قدر مشترك من كونهما حرفي جر، وكونهما تضمر «أن» بعدهما - وإن اختلفت جهتا الإضمار - فإنه واجب مع لام الجحود جائز مع لام «كي»، أردنا أن نذكر ما بينهما من الفرق:
فمنها: ما ذكر من حكم الإضمار 699.
ومنها: أن فاعل لام الجحود لا يكون غير مرفوع «كان» فلا يجوز: ما كان زيد ليذهب عمرو.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4263
................................
ومنها: أنه لا يقع قبلها فعل مستقبل فلا تقول: لن يكون زيد ليفعل، ويجوز ذلك في الفعل قبل لام «كي» فتقول: سأتوب ليغفر الله لي.
ومنها: أن الفعل المنفي لا يكون مقيدا بظرف فلا يجوز: ما كان زيد أمس ليضرب عمرا، أو يوم كذا ليفعل، ويجوز ذلك في الفعل قبل لام «كي» فتقول: جاء زيد أمس ليضرب عمرا.
[ومنها: أنه لا يوجب الفعل معها فلا يجوز: ما كان زيد إلا ليضرب عمرا] ويجوز ذلك مع لام «كي» فتقول: ما جاء زيد إلا ليضرب عمرا.
[ومنها: أنه لا يقع موقعها «كي» لا تقول: ما كان زيد كي يضرب عمرا].
ويجوز ذلك في لام «كي» فتقول: جاء زيد كي يضرب عمرا.
ومنها: أن المنصوب بعدها لا يكون سببا فيما قبلها، وهو كذلك بعد لام «كي».
ومنها: أن النفي متسلط مع لام الجحود على ما قبلها وهو المحذوف الذي تتعلق به اللام، فيلزم من نفيه نفي ما بعد اللام، وذلك على مذهب البصريين 700، وفي لام «كي» يتسلط على ما بعدها نحو: ما جاء زيد ليضربك، فينتفي الضرب خاصة ولا ينتفي المجيء إلا بقرينة تدل على انتفائه.
ومنها: أن لام الجحود لا تتعلق إلا بمعنى الفعل الواجب حذفه، فإذا قلت: ما كان زيد ليقوم فكأنك قلت: ما كان زيد مستعدّا للقيام، يقدّر في كل موضع ما يليق به على حسب مساق الكلام، ففي قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ 701 تقديره: مريدا لإطلاعكم على الغيب، وأما لام «كي» فإنها متعلقة بالفعل الظاهر الذي هو معمول للفعل الذي دخلت عليه.
ومنها: أن لام الجحود تقع بعد ما لا يستقل أن يكون كلاما دونها، ولام «كي» لا تقع إلا بعد ما يستقل كلاما، فأما قول الشاعر: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4264
................................
3918 - فما جمع ليغلب جمع قومي... مقارنة ولا فرد لفرد 702
فظاهره أن لام «كي» دخلت بعد ما لا يستقل كلاما؛ لأنه لم يتقدمها إلا قوله: فما جمع وليس بكلام، وتأوله الفراء 703 على أن لام [5/ 135] «كي» دخلت على اسم لا فعل له؛ لأن الاسم مأخوذ من الفعل ودالّ عليه، والتقدير عنده: فما قوم يجتمعون ليغلبوا، فأدى «جمع» هذا المعنى، وهذا التأويل ليس بجيد؛ لأن لام «كي» مع ما بعدها من الفضلات وما قبلها لا يكون إلا مستقلّا، ولو صرح بقوله: فما قوم يجتمعون لم يكن أيضا كلاما.
وتأوّله بعض أصحابنا على أن اللام فيه لام الجحود و «كان» مضمرة لدلالة المعنى عليه، التقدير: فما كان جمع ليغلب جمع قومي، قال 704: قال هذا المتأوّل: ونظير ذلك قول أبي الدرداء 705 في الركعتين بعد العصر: «ما أنا لأدعهما» 706، أي: ما كنت لأدعهما، فأضمر «كان» فانفصل الضمير الذي هو اسمها.
انتهى ما أشار إليه من الفروق، ولا يخفى أن بعض ما ذكره غير محتاج إلى التنبيه عليه؛ لأن ذلك يعرف من جهة المعنى الذي وضع الحرف له مثلا قوله: إن المنصوب بعد لام الجحود لا يكون سببا فيما قبلها، بخلاف لام «كي»، يقال فيه: كيف يتصور ذلك ولام «كي» إنما هي للتعليل؟ فوضعها أن تكون داخلة على ما هو علة وسبب، ولام الجحود وضعها أن تكون لتوكيد النفي الذي تقدمها، فالمنافاة بينهما في ذلك حاصلة بالوضع.
وكذا قوله أولا: إن إضمار «أن» مع لام الجحود واجب ومع لام «كي» -
الحديث: 3918 - الجزء: 8 - الصفحة: 4265
................................
جائز.
فإن هذا هو حكم كل منهما.
وحاصل الأمر: أن الحرفين المذكورين لم يكن بينهما اجتماع في شيء فيحتاج إلى أن يفرق بينهما، غاية ما في الباب أن لفظهما مشترك فيه بين المعنيين، وأما في المعنى فليس بينهما اشتراك في شيء منه، وإنما يحتاج إلى الفرق بين أمرين إذا اشتركا في معنى وافترقا في آخر.
وأما قول المصنف: ولا تنصب «أن» محذوفة في غير المواضع المذكورة إلّا نادرا، وفي القياس عليه خلاف فظاهر، لكن في كلام الشيخ أن حذف «أن» من أصله في غير المواضع المذكورة فيه خلاف، فإنه قال في الارتشاف 707: ولا يجوز أن تحذف «أن» في غير ما تقدم ذكره، بل يجب إظهارها، هذا مذهب جماعة؛ منهم متأخرو أصحابنا، وذهب جماعة إلى أنه يجوز حذفها في غير تلك المواضع، واختلفوا فذهب أكثرهم إلى وجوب رفع الفعل بعد الحذف، وهو مذهب أبي الحسن 708، ومذهب أبو العباس 709 إلى أن العمل يبقى بعد الحذف.
انتهى.
ولكنه استشهد في الشرح 710 على الحذف بعد ذكر الأبيات التي تقدم إنشادها بقوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ 711 أي: أن أعبد، وبقوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ 712 أي: أن لا تعبدوا إلا الله.
وبعد أن ثبت الحذف في هاتين الآيتين الشريفتين كيف يسوغ القول بمنعه؟ على أن الشيخ بعد ذكر آيات الكتاب العزيز، وذكر ما تقدم من الأبيات قال 713: وفي هذه الشواهد دليل على جواز الحذف ثم قال: ولأن الحذف مع لام «كي» وبعد العاطف على اسم إنما هو للدلالة على الناصب وكذلك في هذه المواضع؛ لأن العامل إذا تسلط على الفعل - وليس من عوامله - علم أنه لا يعمل فيه فاحتيج إلى سابك لذلك الفعل إلى الاسم فجاز الحذف لهذا المعنى.
انتهى.
الجزء: 8 - الصفحة: 4266
[«أن» الزائدة ومواضع ذلك و «أن» المفسرة وأحكام لها]
قال ابن مالك: (فصل: تزاد «أن» جوازا بعد «لمّا» وبين القسم و «لو»، شذوذا بعد كاف الجرّ، وتفيد تفسيرا بعد معنيّ القول لا لفظه، وتفيده «أي» غالبا فيما سوى ذلك، وتقع بين مشتركين في الإعراب فتعدّ عاطفة على رأي، وإن ولي «أن» الصّالحة للتّفسير مضارع معه «لا» رفع على النّفي، وجزم على النّهي، ونصب على النّفي وجعل «أن» مصدرية ولا تفيد «أن» مجازاة خلافا للكوفيين ولا نفيا خلافا لبعضهم). وأما توجيه وجوب الرفع بعد حذف «أن» فظاهر؛ لأن المقتضي للعمل قد زال، ولأن عمل «أن» ضعيف ليس بأصل، بل بالحمل على عوامل الأسماء، فلا يناسب إبقاء العمل بعد حذفها 714. قال ناظر الجيش: «أن» أربعة أقسام: مخففة من «أنّ»، وناصبة للفعل، وزائدة، ومفسرة. وقد تقدمت الإشارة إلى الأوليين، وهذا الفصل يتضمن الإشارة إلى الأخريين، وهما: الزائدة والمفسرة، قال الإمام بدر الدين 715 رحمه الله تعالى: «أن» في الكلام على ثلاثة أضرب: مصدرية، وزائدة، ومفسرة. فالمصدرية نحو: أريد أن تفعل، وعلمت أن سوف يقوم زيد، وقد تقدم ذكرهما، والزائدة: هي التي دخولها في الكلام كخروجها وتقع بعد «لمّا» الحينية كقوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ 716، وبين القسم و «لو» كقولك: أما والله أن لو قام زيد قام عمرو، ومثله قول الشاعر: 3919 - فأقسم أن لو التقينا وأنتم... لكان لكم يوم من الشّرّ مظلم 717
الحديث: 3919 - الجزء: 8 - الصفحة: 4267
................................
وتشذ زيادتها بعد كاف الجر كما في قوله:
3920 - كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم 718
يروى بنصب «ظبية» على أنها اسم «كأن»، وبرفعها على أنها الخبر والاسم محذوف، وبجرها على زيادة «أن» والكاف حرف تشبيه.
وأما المفسرة: فهي الداخلة على جملة محكي بها قول مقدر مفسر بجملة بمعنى القول لا لفظه، مذكورة أو محذوفة، فالمذكورة كما في قوله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ 719 تقديره: ونودوا أي قيل لهم: تلكم الجنة، ومثله قوله عزّ وجلّ:
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا 720، وقوله تعالى: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ 721؛ لأن: ما أمرتني به في معنى القول لا لفظه وما بعده مفسّر له، والمعنى: ما أمرتني به أي: قول: اعبدوا الله.
وأما المحذوفة فكقوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا 722 المعنى: ثم نهضوا وانطلقوا من مجالسهم يومئون أي: يقول بعضهم لبعض: امشوا، ولو كان المحذوف مقدرا بلفظ القول لم تدخل «أن» كقوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ 723، وقوله تعالى وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ [5/ 136] عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ 724 ولو لم يكن ما قبل «أن» جملة كما في قوله تعالى:
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 725 فهي مصدرية في موضع رفع بالخبر لا مفسرة؛ لأن المفسرة لا تدخل إلا على جملة محكية هي فضلة في الكلام.
ويستفاد التفسير بـ «أي» بعد ما فيه معنى القول قليلا، وبعد غيره مما يحتاج إلى التفسير لإجمال اللفظ، أو غرابة فيه، أو حذف منه كثيرا، فيؤتى بها مع المفسر بيانا لما قبلها أو بدلا منه، وقد تقع بين مشتركين في الإعراب فعدّها صاحب -
الحديث: 3920 - الجزء: 8 - الصفحة: 4268
................................
«المفتاح» 726 عاطفة 727، وليس بمرض؛ لأنه يجوز الاستغناء عنها وحرف العطف لا يستغنى عنه فإن قلت: إذا جاز الاستغناء عن وقوع «أي» بين المشتركين في الإعراب، فما الفائدة في ذكرها؟ قلت: الفائدة هي التنبيه على حاجة ما قبلها إلى التفسير، ورفع توهم كون التابع بدل غلط أو نسيان أو إضراب.
ويجوز الحكم على «أن» الصالحة للتفسير بكونها مصدرية فتقول: أشرت إليه أن أفعل، على معنى: أشرت إليه بالفعل، بدليل ظهور «الباء» في قولهم: أو عزت إليه بأن افعل، وإذا ولي «أن» هذه مضارع فإن كان مثبتا كقولك: أو حيت إليه أن يفعل، جاز رفعه على معنى: أي: ونصبه على جعل «أن» مصدرية، وإن كان بعد «لا» 728 جاز جزمه على النهى وكون «أن» تفسيرية، ورفعه ونصبه على النفي ومعنى «أي»، أو كون «أن» مصدرية.
وزعم الكوفيون 729 في «أن» أنها حرف مجازاة في مثل قوله:
3921 - أتجزع أن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا ولم تجزع لقتل ابن مالك 730
لصحة وقوع «إن» موقعها كقولك: أتجزع إن أذنا قتيبة حزتا؟ والصحيح أنها مصدرية مقدر معها «اللام» كأنه قال: أتجزع لأن حزّت أذنا قتيبة؟
ولا تدل «أن» على نفي خلافا لبعضهم.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
-
الحديث: 3921 - الجزء: 8 - الصفحة: 4269
................................
وتعبيره عن «لمّا» بالحينية إنما هو على مذهب من يرى ظرفيتها، ولم يعبر والده عنها بذلك، بل عبّر عنها بالمقابلة لـ «لو» يعني أنها حرف وجوب لوجوب، كما أن «لو» حرف امتناع لامتناع.
وذكر المصنف 731 أن أبا الحسن يرى زيادة «أن» في قوله تعالى: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ 732 قال 733: واعتذر عن النصب بها مع زيادتها بأن الزائد قد عمل مثل: ما جاءني من أحد، قال المصنف 734: وما ذهب إليه أبو الحسن رحمه الله تعالى ضعيف؛ لأن «من» الزائدة مثل غير الزائدة لفظا واختصاصا، فجاز أن تعمل، بخلاف «أن» الزائدة فإنها تشبه غير الزائدة لفظا لا اختصاصا؛ لأنها قد يليها الاسم كقول الشاعر:
3922 - كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم 735
على رواية من جر ظبية بـ «الكاف»، فـ «أن» حينئذ زائدة، وقد وليها اسم فثبت عدم اختصاصها بالأفعال، فلا يصح إعمالها.
وأما «أن» في قوله تعالى: أَلَّا نُقاتِلَ فمصدرية دخلت وَما لَنا لتضمنه معنى: ما منعنا.
انتهى.
والذي ذكره المعربون في الآية الشريفة، أن التقدير: وما لنا في أن لا نقاتل، فتكون «لا» على هذا التخرج غير زائدة، وعلى تخريج المصنف زائدة، وللناظر ترجيح أحد التخريجين على الآخر.
وأما قول بدر الدين في «أن» المفسرة: إنها هي الداخلة على جملة محكي بها قول مقدر مفسر بجملة قبله - فظاهره يعطي أن ثمّ قولا مقدرا بعد الجملة الأولى وقبل الجملة الثانية، ولم أتحقق ذلك، وقد قال والده 736: وعلامة المفسرة أن يكون قبلها جملة فيها معنى القول دون حروفه.
فلم يقل: إن ثمّ قولا مقدرا، وهذا هو -
الحديث: 3922 - الجزء: 8 - الصفحة: 4270
................................
المعروف في المفسرة، فقوله تعالى: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ 737 هو المفسر لقوله تعالى:
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ (2)، وأما قوله في قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا 738:
إن التقدير: ثم نهضوا وانطلقوا من مجالسهم يومئون أي: يقول بعضهم لبعض:
امشو - فلم أفهمه، والذي قاله العلماء في هذه الآية الشريفة: إن الانطلاق ليس المراد به المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أن المشي ليس المراد به المشي المتعارف، بل المراد به الاستمرار على الشيء 739، فقد وقعت «أن» المفسرة بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه.
وأما قوله تعالى: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ 740 فقال الزمخشري 741: يجوز أن تكون «أن» مفسرة للقول على تأويله بالأمر أي:
ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن اعبدوا الله، واستحسنه بعض العلماء قال 742: ولا يجوز أن تكون أَنِ في الآية الشريفة مفسرة لـ أَمَرْتَنِي لأنه لا يصلح أن يكون: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ 743، مقولا لله تعالى؛ فلا يصح أن يكون تفسيرا لأمره لأن المفسّر عين مفسّره.
انتهى.
ولا يظهر لي منع ذلك، لأنا بعد تسليم ما قاله نقول: لا يمتنع أن يكون رَبِّي وَرَبَّكُمْ من مقول عيسى صلّى الله عليه وسلّم فالله تعالى أمره أن يقول لهم: اعبدوا الله، فلما قال لهم ذلك مريدا لحصول عبادة الله تعالى منهم قوى ذلك
عندهم بالاعتراف بربوبية الله تعالى حملا لهم على العبادة؛ لأن المربوب يتعين عليه عبادة ربه، فكان اعْبُدُوا اللَّهَ هو الذي أمره الله تعالى أن يقوله، ورَبِّي وَرَبَّكُمْ قاله من عند نفسه حرصا منه صلّى الله عليه وسلم على أن يمتثلوا ما أمرهم به من العبادة، لا يقال: القصر يقتضي أنه ما قال إلا ما أمره الله تعالى أن يقوله، ولم يكن رَبِّي وَرَبَّكُمْ فيما أمر به، لأنا نقول: لو كان القصر في الآية الشريفة قصر إفراد لوجب ذلك، ولكن القصر فيها إنما هو قصر قلب؛ لأن قوله تعالى: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ 744 فيه أن المبعوث إليهم عيسى صلّى الله عليه وسلّم -
الجزء: 8 - الصفحة: 4271
................................
يدّعون أنه قال لهم ذلك، والمقصود في ذلك المقام العظيم تكذيب عيسى لهم، وذلك إنما يتم بإبطال ما ادّعوا، فقال: ما ادّعوه، فقال: ما ادّعوه ليس بصحيح وهو أني أمرتهم [5/ 137] بعبادة غير الله [تعالى]، إنما كان المقول لهم خلاف ذلك، فكان القصر حينئذ قصر قلب، فكأنه قال صلّى الله عليه وسلّم: لم أقل لهم ما يدّعونه ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله، ثم إنه صلّى الله عليه وسلّم قصد إقامة الدليل على وجوب العبادة عليه وعليهم، فكمل الكلام بقوله: رَبِّي وَرَبَّكُمْ 745.
وأشار المصنف بقوله: (وإن ولي «أن» الصّالحة للتّفسير مضارع معه «لا» إلى آخره إلى أن «أن» في بعض المحال صالحة لأن تكون مفسرة وأن تكون غير مفسرة، قال في شرح الكافية 746: وإذا وقع بعد «أن» المفسرة مضارع رفع نحو قولك:
أشرت إليه أن يفعل؛ بالرفع على معنى «أي» [ويجوز النصب على كون «أن» مصدرية، فلو كان مع الفعل «لا» جاز رفعه على النفي ومعنى «أي»]، وجزمه على النهي ومعنى «أي»، ونصبه على النفي وكون «أن» مصدرية.
انتهى.
وعلم من ذلك أن قوله في التسهيل: وإن ولي «أن» الصّالحة للتّفسير مضارع معه «لا» رفع على النّفي، وجزم على النّهي يستفاد منه أن «أن» تكون مفسرة مع الرفع والجزم، ولا شك أن الأمر كذلك، ولكن (أراد أن يتمّ الرّضاعة) بالرفع 747 على الإلغاء، وتقدمت الإشارة في أوائل الباب إلى أنها قد تلغى بل قد قال بعضهم 748:
يحتمل أن تكون مصدرية مع الجزم أيضا وذلك بأن تكون المخففة، ولكنه بعيد، وإنما ادعى الكوفيون أن «أن» للمجازاة في قول الشاعر:
3923 - أتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا....... 749
من أجل أن «أن» الناصبة لا يفصل بينها وبين الفعل، فلا يجوز: أن زيد قام خير من أن يقعد، وفي البيت المذكور قد حصل الفصل، قالوا: ولا يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة؛ لأنه لم يتقدم عليها فعل تحقيق ولا شك فتعين أن تكون للجزاء 750. -
الحديث: 3923 - الجزء: 8 - الصفحة: 4272
................................
والجواب: أن الفصل بين الحرف الناصب ومنصوبه قد ثبت في الضرورة، ولم يثبت أن «أن» تكون حرف شرط، والخليل هو الذي حكم بأنها الناصبة للفعل 751 وكفى بذلك.
وتناول المبرد 752 ذلك في البيت على أنها المخففة من الثقيلة والتقدير: أتغضب من أجل أنه أذنا قتيبة حزتا؟ ثم حذف الجار ومجروره وخففت «أنّ».
وأما قوله: إنها لا تفيد نفيا خلافا لبعضهم فقال الشيخ 753: ذكر أبو محمد بن السيد عن أبي الحسن الهروي 754 أن «أن» تكون بمعنى «لا» في مذهب بعض النحويين كقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ 755 قالوا: معناه: لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وقال آخرون: المعنى: ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، قالوا: وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراض بين الفعل والمفعول 756.
وقال الشيخ 757: وقد ترك المصنف ذكر معاني أخر لـ «أن»:
منها: أن تكون بمعنى: إذ، كقوله تعالى: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ 758، وكقوله تعالى: أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ 759، قال: وهذا ليس بشيء، بل «أن» في الآيتين مصدرية، والتقدير: بل عجبوا لأن جاءهم منذر منهم، وكذلك:
يخرجون الرسول وإياكم لأن تؤمنوا بالله ربكم.
ومنها: أن تكون بمعنى: لئلا، كقولك: ربطت الفرس أن ينفلت، وكقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا 760، وقال عمرو بن كلثوم 761: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4273
................................
3924 - تركتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا 762
أي: لئلا ينفلت، ولئلا تضلوا، ولئلا تشتمونا، قال 763: والصحيح أن «أن» هنا ليست بمعنى: لئلا؛ لأنه يلزم من ذلك وقوع الفعل المثبت منفيّا، ألا ترى أن قوله: أن ينفلت فعل مثبت، إلا أنه لا يصح أن يجعل علة للربط، ولا الضلال علة للبيان، ولا الشتم علة لتعجيل القرى؛ لأن الشيء لا يعلل بما لا يقتضيه ولا يتسبب عنه، لكنه يتصور إبقاء «أن» على حالها ويكون ذلك على حذف مضاف، التقدير: ربطت الفرس مخافة أن ينفلت، ويبين الله لكم كراهة أن تضلوا، وفعجلنا القرى مخافة أن تشتمونا، ويكون ذلك كله مفعولا من أجله.
ومنها: ما ذكره أبو علي الفارسي من أنها تكون بمعنى «أن» المخففة من الثقيلة بقوله: إن كان زيد لعالما، فإذا أدخلت على «إن» هذه فعلا ناسخا فتحتها نحو:
علمت أن كان زيد لعالما، وهذا بناء منه على أن «اللام» الداخلة بعد «إن» المخففة من الثقيلة ليست لام الابتداء وإنما هي فارقة بينها وبين «إن» النافية، واستدل على أنها ليست لام الابتداء بأن الفعل الذي قبلها يعمل في ما بعدها نحو: إن كان زيد لعالما، ولام الابتداء لا يعمل ما قبلها في ما بعدها، وإذا لم تكن لام الابتداء لم يكن للفعل الذي قبلها مانع من فتحها، فلذلك وجب أن يقال: علمت أن كان زيد لعالما، فتفتح، ولا تلزم اللام حينئذ؛ لأن دخولها إنما كان للفرق، وإذا فتحت لم تحتج إلى فرق، فوجب أن تكون هذه قسما برأسها؛ لأنها ليست بزائدة، ولا مفسرة، ولا ناصبة للفعل؛ لأنها مفتوحة مخففة من «أن» والمخففة لا تعمل في الفعل، فكذلك هذه، ولا هي أيضا المخففة من الثقيلة؛ لأن تلك إذا دخلت على الفعل كان في موضع رفع بها على أنه خبر لها، واسمها مضمر فيها، و «أن» هذه ليست بعاملة للدليل الذي ذكرناه من أنها مفتوحة من «أن» المخففة من الثقيلة وتلك - - شعره معلقته التي مطلعها: ألا هبي بصحنك فاصبحينا انظر: ترجمته في الشعر والشعراء (240 - 242).
الحديث: 3924 - الجزء: 8 - الصفحة: 4274
................................ ملغاة إذا دخلت على الأفعال، فكذلك ما هو بغير منها، فثبت أنها قسم برأسه. قال: وهذا الذي ذهب إليه الفارسي من فتح «أن» في نحو: علمت أن كان زيد لعالما غير متفق عليه، بل ذهب غيره 764 إلى أنه يجب الكسر في «أن» هذه، وقد اختلف في الحديث المشهور «قد علمنا إن كنت لمؤمنا» 765، فقال أبو علي: لا تكون إلا مفتوحة، وقال المخالف له 766: لا تكون إلا مكسورة، وهذا الخلاف مبني على الخلاف في «اللام» أهي مجتلبة للفرق [5/ 138] أم هي لام الابتداء لزمت للفرق؟. انتهى. والحق أن «اللام» لام الابتداء لزمت للفرق وهو مذهب سيبويه صرح بذلك في كتابه 767، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب «الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر» 768. وإذ قد عرف هذا فلم يكن المصنف ترك ذكر معاني أخر كما ذكر الشيخ؛ لأن المعنيين الأوليين قد أبطلهما هو، والمعنى الثالث تبيّن أن الصحيح فيه خلاف ما يذهب إليه الفارسي. ثم قد بقي التنبيه على أمور: منها: أنهم ذكروا موضعا رابعا تزاد فيه «أن» وهو بعد «إذا» 769، قال الشاعر: 3925 - فأمهله حتّى إذا أن كأنّه... معاطي يد في لجّة الماء غامر 770
الحديث: 3925 - الجزء: 8 - الصفحة: 4275
................................
ومنها: أنهم ذكروا أن «أن» الزائدة تفيد توكيد معنى الكلام التي هي فيه 771، وزعم الزمخشري أنه ينجر مع التوكيد معنى آخر فقال 772 في قوله تعالى: وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ 773: دخلت «أن» في هذه القصة، ولم تدخل في قصة إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم في قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً 774 تنبيها وتأكيدا في أن الإساءة كانت بعقب المجيء، فهي مؤكدة للاتصال واللزوم، ولا كذلك في قصة إبراهيم؛ إذ ليس الجواب فيه كالأول وجعلها الشلوبين منبهة على السبب، وأنه واقع بعقبه الإساءة، قال 775: «لأنها تكون للسبب في قولك: جئت أن تعطيني أي: للإعطاء، فلما كانت مفعولا من أجله دخلت هناك تنبيها على أن الإساءة كانت لأجل المجيء قال 776: وكذلك في قولهم: أما والله أن لو فعلت لفعلت، أكدت «أن» 777 ما بعد «لو» 778 وهو السبب في الجواب الذي غلبت عليه.
انتهى.
ولم أتحقق قول الشلوبين: لأنها تكون للسبب في قولك: جئت أن تعطيني؛ -
الجزء: 8 - الصفحة: 4276
................................
لأن الكلام الآن إنما هو في الزائدة، و «أن» في «أن تعطيني» ليست زائدة.
وبعد، فقال الشيخ 779: وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري والشلوبين 780 لا يعرفه كبراء النحويين.
ومنها: أنّ «أن» التفسيرية قد علم أنها أجريت في التفسير مجرى «أي»، لكن «أي» تدخل على المفرد، بخلاف «أن» فيقال: ما رأيت رجلا أي شجاعا، ولا يجوز: مررت برجل أن شجاع، ولما تكون «أن» مفسرة للجملة الفعلية تكون مفسرة للجملة الاسمية فتقول: كتبت إليه أن افعل، وقالوا: أرسل إليه أن ما أنت وذا؟ 781، كأنه قيل: أرسل إليه فقل له قولا أي: ما شأنك وهذا؟ 782.
ومنها: أن الشيخ قال 783: ظاهر قول المصنف: (وتفيده أي غالبا فيما سوى ذلك) أنّ «أي» لا تكون تفسيرا لما تضمن معنى القول؛ لأنه قال: فيما سوى ذلك، وليس كذلك، بل تكون أيضا مع ما تضمن معنى القول فتقول: كتبت إليه أي قم، وناديته أي اضرب زيدا، لكنه قليل، وتكون «أي» تفسيرا للقول أيضا فتقول: قال زيد قولا أي أكرم عبد الله، قال: وقوله: «غلبا» لأن الإنسان قد لا يفسر ما أجمله، أو لأن ثمّ لفظا آخر يفسر به وهو لفظة: «أعني»، لكن «أعني» عاملة بخلاف «أي».
ومنها: أنه قد تقدم أن «أي» إذا وقعت بين مشتركين في الإعراب لا تعدّ عاطفة وكانت باقية على أنها مفسرة، وقد ذكر المصنف هذه المسألة في باب «العطف» 784، وخرّج الواقع بعدها على أنه عطف بيان، فإذا قلت: هذا الغضنفر أي الأسد، فـ «الأسد» عطف بيان.
قال الشيخ 785: «ويقال له أيضا: لم نر عطف بيان يتوسط بينه وبين ما يبين -
الجزء: 8 - الصفحة: 4277
[حكم المضارع بعد «حتى» نصبا ورفعا]
قال ابن مالك: (المنصوب بعد «حتّى» مستقبل أو ماض في حكمه، وعلامة ذلك كون ما بعدها غاية لما قبلها أو متسبّبا عنه، وإن كان الفعل حالا أو مؤوّلا به رفع، وعلامة ذلك صلاحية جعل الفاء مكان «حتّى»، وكون ما بعدها فضلة متسبّبا عمّا قبلها، ذا محلّ صالح للابتداء، فإن دلّ على حدث غير واجب تعين النّصب خلافا للأخفش).
حرف، فعدم النظير لازم في كونه معطوفا عطف نسق أو معطوفا عطف بيان.
انتهى.
ولا أعرف كيف يتوجه هذا الإلزام؟ لأن الذي قاله المصنف وولده 786: إن حروف العطف لا يجوز الاستغناء عنها، وأي يجوز الاستغناء عنها، ولم يقولا: إن «أي» لا يفصل بها بين تابع ومتبوع فيلزما بأن عطف البيان لا يتوسط بينه وبين ما يبين حرف، ولا شك أن الحرف إذا كان مفسّرا لزم أن يتوسط بين المفسّر والمفسّر.
ما يقول الشيخ في «صالحا» من المثال الذي تقدم له التمثيل به 787 عند قول المصنف: وتفيد تفسيرا وهو أنك تقول: ما رأيت رجلا أي صالحا؟
فيقال له: الفصل بـ «أي» هاهنا كالفصل بـ «أي» في قولك: هذا الغضنفر أي الأسد فما يقوله هنا يقال هناك.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 788 رحمه الله تعالى: «حتى» الداخلة على المضارع إما حرف جر بمعنى «إلى» أو «كي»، فيليها المضارع غاية لما قبلها أو مسببا عنه وينصب بـ «أن» مضمرة لكونه من تمام الكلام الذي
قبلها، وإما حرف ابتداء بمنزلة الفاء، فتأتي بعد تمام الكلام داخلة على جملة محصلة المعنى، مسببة عما قبلها، متصلة به أو منقطعة عنه فيليها المضارع مرفوعا لكونه مستأنفا لم يدخل عليه ناصب ولا جازم.
ولا يخلو المضارع بعد «حتى» من أن يكون مستقبلا أو حالا أو ماضيا، فإن كان المضارع بعد «حتى» مستقبلا فهي حرف بمعنى «إلى» أو «كي»، والفعل بعدها -
الجزء: 8 - الصفحة: 4278
................................
نصب بإضمار «أن» ليكون معها اسما مجرورا بـ «حتى» وذلك قولك: لأسيرن حتى تطلع الشمس أي: إلى أن تطلع الشمس، وكلمته حتى يأمر لي بشيء أي يأمر، ولا يجوز كونها ابتدائية ورفع ما بعدها؛ لأنه غير محصل لكونه مستقبلا، وإن كان المضارع بعد «حتى» حالا فهي حرف ابتداء وما بعدها رفع؛ لأنه منقطع عما قبلها فلم يدخل عليه ناصب ولا جازم، وذلك قولك: سرت حتى أدخلها الآن، ومرض حتى لا يرجونه 789، [5/ 139] وضرب أمس حتى لا يستطيع أن يتحرك اليوم، ورأى منّي عاما أول شيئا حتى لا أستطيع أن أكلمه العام بشيء، وقول حسان رضى الله تعالى عنه:
3926 - يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم... لا يسألون عن السّواد المقبل 790
ولا يجوز أن تكون جارة؛ لأن الجارة لا تدخل على المضارع إلا منصوبا بـ «أن» مضمرة، و «أن» لا تنصب الحال.
وإن كان المضارع بعد «حتى» ماضي المعنى فهو مؤول إما بالمستقبل نظرا إلى أنه غاية لما قبل «حتى» فهو مستقبل بالإضافة إليه وإما بالحال على قصد الإخبار بمعنى ما قبل «حتى» وحكاية حال ما بعدها فإن كان الماضي المعنى غير فضلة أو غير متسبب عما قبل «حتى» أو محله غير صالح للابتداء؛ لأنه جعل غاية فهو مؤول بالمستقبل.
فالأول: كما إذا وقع بعد اسم «كان» الناقصة كقولك: كان سيري حتى أدخلها فينصب على التأويل بالمستقبل وجعل «حتى» جارة في موضع خبر «كان»، ولا يجوز الرفع على التأويل بالحال وجعل «حتى» ابتدائية؛ لئلا تبقى
«كان» بلا خبر فإن «حتى» الابتدائية بمنزلة «الفاء».
-
الحديث: 3926 - الجزء: 8 - الصفحة: 4279
................................
والثاني: كما إذا كان الدخول من شخص والسير من آخر فقلت: كنت سرت حتى يدخلها زيد، فإنك تنصب على التأويل بالمستقبل وجعل «حتى» جارة والمعنى: إلى أن يدخلها، ولا يجوز الرفع على الحال وجعل «حتى» ابتدائية؛ لأن «حتى» الابتدائية لا تخلو من معنى السببية، وسيرك لا يكون سببا لدخول غيرك، والثالث: كما إذا أردت بيان الغاية فقلت: كنت سرت حتى أدخلها؛ فتنصب على معنى: إلى أن أدخلها ولا يجوز الرفع لأن الغاية حرف جر، وحرف الجر لا يليه المبتدأ والخبر فلا يليه الفعل المرفوع.
وإن كان الماضي المعنى مسببا عما قبلها، وكان ذا محل صالح للابتداء؛ لأن المراد بيان السببية فهو مؤول بالحال فيرفع، لأن «حتى» قبل الحال حرف ابتداء بمنزلة «الفاء» وذلك قولك في كان التامة: كان سيري حتى أدخلها؛ لأنه تمّ الكلام قبل «حتى» فبقي ما بعدها جملة مستأنفة، فترفع على معنى: فأنا أدخلها؛ لأن «حتى» الابتدائية بمنزلة «الفاء» في السببية وأنها لا تقع بين العامل ومعموله، وليست بمنزلة «الفاء» في إشراك الفعل الآخر الأول إذا قلت: لم أجئ، فأقبل، لجواز مجيئها حيث لا يصح التشريك كقولك: كان سيري شديدا حتى أدخلها، ويجوز تأويله بالمستقبل وقصد معنى الغاية، فتنصب على معنى: إلى أن أدخلها، ومثله قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ 791 قرأه نافع بالرفع وقرأه الباقون بالنصب 792.
واعلم أن المضارع الماضي المعنى إنما يرتفع بعد «حتى» إذا كان متسببا عما قبلها، فلهذا لا يرتفع الفعل بعد «حتى» إلا إذا كان واجبا أي: حاصلا لحصول سببه يقينا أو ظنّا، فإن الضمير ينعقد على الظن كانعقاده على العلم، وذلك قولك:
إن زيدا سار حتى يدخلها، ما سار إلا قليلا حتى يدخلها، وأظن عبد الله سار حتى يدخلها، فلك في كل هذا الرفع على الابتداء؛ لأن الدخول قد وجب بوجوب السير وتأدى به.
وإن كان الماضي المعنى بعد «حتى» غير واجب؛ لأن ما قبله غير مؤد إليه ولا -
الجزء: 8 - الصفحة: 4280
................................
مسبب له كقولك: ما سار زيد حتى يدخلها، تعيّن النصب على الغاية وقصد معنى: ما سار إلى أن يدخلها بل إلى ما دون ذلك؛ لأنك لو رفعته على الابتداء لكان ما بعد «حتى» الابتدائية غير محصل ولا متسبب عما قبلها وذلك لا يكون وتقول: قلما سرت حتى أدخلها بالنصب إن أردت النفي، وإن أردت بيان أنك سرت قليلا نصب على الغاية، ورفعت على الابتداء، وتقول: إنما سرت حتى أدخلها بالنصب إن أردت الغاية أو تحقير السير وجعله يسيرا لا يؤدي إلى الدخول، فإن لم ترد ذلك تعيّن الرفع.
وأجاز الأخفش 793 رفع غير الواجب وقال: ما سرت حتى أدخلها معنى الرفع فيها صحيح، إلا أن العرب لا ترفع غير الواجب، ألا ترى أنك لو قلت: ما سرت فأدخلها أي: ما كان مني سير ولا دخول، أو قلت: ما سرت فإذا أنا داخل الآن لا أمنع، كان حسنا، وغلّط 794 في ذلك بأن الدخول في «حتى» إذا وقع إنما يقع بالسير، قال السيرافي: والذي عندي أن أبا الحسن أراد أن «ما» تدخل على:
سرت حتى أدخلها بعد وجوب الرفع فتنفي جملة الكلام، فلذلك رآه صحيحا في القياس وإن كانت العرب لا تتكلم به.
هذا آخر كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى ولا يخفى أنه كلام منقّح، محرّر، عار عن الفضول يشهد لمنشئه بصحة النظر، وثقوب 795 الفكر، وإدراك المعاني «ومن يشابه أبه فما ظلم» 796.
وإن أردت تلخيص ما قاله فقل: الفعل المضارع الواقع بعد «حتى» إذا كان المراد به الاستقبال حقيقة كان غير محصل، وإذا كان غير محصل لا يجوز في «حتى» الواقعة قبله أن تكون ابتدائية، بل يتعينّ كونها الجارّة.
وإذا كان المراد به الحال حقيقة تعيّن في «حتى» أن تكون ابتدائية، ولا يجوز -
الجزء: 8 - الصفحة: 4281
................................
كونها جارة؛ لأن الجارة لا تدخل عليه إلا مع تقدير «أن» و «أن» لا تنصب الحال.
وإذا كان الفعل المذكور ماضي المعنى فهو إما أن يؤول بمستقبل نظرا إلى أنه غاية لما قبل «حتى» فينصب؛ لأنه مستقبل بالنسبة إلى ما قبله فيعطى حكم المستقبل، وإما أن يؤول بحال على قصد الإخبار بمضي ما قبل «حتى» وحكاية الحال في ما بعدها فيرفع؛ لأنه بهذا الاعتبار حال فيعطي حكم الحال، وإذا كان كذلك فليس الأمران - أعني التأويل بمستقبل والتأويل بحال - راجعين إلى اختيار المتكلم، بل إلى ما يقصد إما من الغاية، أو من حكاية الحال.
وإنما الواقع بعد «حتى» حالا أو مؤولا بالحال إذا كان الكلام الذي بعدها فضلة متسببا عما قبلها، ذا محل صالح للابتداء، وعلامة ذلك صلاحية جعل «الفاء» مكان «حتى» وذلك نحو قولك: [5/ 140] كان سيري حتى أدخلها، إذا جعلت «كان» تامة فـ «حتى» فيه حرف ابتداء، والفعل بعدها مرفوع لأنه مؤول بالحال، والشروط الثلاثة موجودة لأن الكلام الذي قبل «حتى» قد تمّ فما بعد «حتى» فضلة أي: غير محتاج إليه في تكملة الكلام المتقدم، ولأن الدخول متسبب عن السير ولأن المحل صالح للابتداء؛ لأن المعنى: فأنا أدخلها، وقد صلحت «الفاء» في هذا التركيب لوقوعها موقع «حتى».
ثم الحال قد تكون محققة وقد تكون مقدرة، كما أن الاستقبال يكون كذلك فمثال الحال تحقيقا: أن تكون قد سرت وأنت داخل فتقول: سرت حتى أدخل البلد، مخبرا عن الدخول الحاصل حالا تحقيقا، ومثال الحال تقديرا: أن يكون السير والدخول قد وقعا جميعا وقصد إلى الإخبار بالدخول الواقع في الوجود إلا أنك قصدت حكاية الحال وقت وجوده فتقول: سرت أمس حتى أدخل المدينة، فتكون مخبرا عن سير حصل عنه دخول في الوجود وحاكيا للحال.
أما إذا كان غير فضلة، أو غير متسبب عما قبل «حتى»، أو محله غير صالح للابتداء، فإن نصب الفعل حينئذ متعين لكونه مستقبلا أو مؤولا به، فمثال كونه غير فضلة: وقوعه بعد اسم «كان» الناقصة كقولك: كان سيري حتى أدخلها، فينصب على التأويل بالمستقبل وجعل «حتى» جارة في موضع خبر «كان»، وإنما -
الجزء: 8 - الصفحة: 4282
................................
تعيّن النصب من جهة أن «كان» تحتاج إلى خبر وليس ثمّ ما يصلح للخبر إلا قولك: «حتى أدخلها» ولا يصح أن يكون خبرا إلا أن يكون في تقدير الجار والمجرور، وإذا كان كذلك فالنصب واجب ولا يجوز الرفع على التأويل بالحال وجعل «حتى» ابتدائية؛ لئلا تبقى «كان» بلا خبر، وذلك أن «حتى أدخلها» جملة مستقلة بالإخبار بها لا تصلح أن تكون خبرا لـ «كان» لفقدان الضمير العائد، ولفصل «حتى» بين الاسم وما وقع خبرا عنها، فإن زدت «أمس» وعلقته بـ «كان» بأن جعلته خبرا، أو قلت: سيرا متعبا وجعلته أيضا خبرا جاز الوجهان؛ لأنك لم تضطرّ هنا إلى خبر حتى يجب النصب.
ومثال كونه غير متسبب عما قبل «حتى» ما إذا كان الدخول من شخص والسير من آخر فقلت: كنت سرت حتى يدخلها زيد، فينصب على التأويل بالمستقبل وجعل «حتى» جارة، والمعنى: إلى أن يدخلها زيد، ولا يجوز الرفع على الحال وجعل «حتى» ابتدائية؛ لأن «حتى» الابتدائية لا تخلو من معنى السببية، وسيرك لا يكون سببا لدخول غيرك.
ومثال كون محله غير صالح للابتداء: ما إذا أردت بيان الغاية فقلت: كنت سرت حتى أدخلها فتنصب على معنى: إلى أن أدخلها، ولا يجوز الرفع؛ لأن الغاية حرف جر، وحرف الجر لا يليه المبتدأ والخبر فلا يليه الفعل المرفوع.
وليعلم أنه إنما التزمت السببية حال الرفع ولم تلتزم مع النصب؛ لأن الكلام حال الرفع جملتان فاحتيج إلى الربط بينهما، ولا صالح للربط في هذا المحل إلا السببية فكانت ملتزمة ولالتزام السببية مع رفع الفعل وجب النصب في قولك: أسرت حتى تدخلها؟ وامتنع الرفع لأنه لا بد أن يكون مسببا عن الأول سببا محققا، ولا يستقيم أن يكون المسبب محققا ثابتا والسبب مشكوك فيه مسؤول عن وقوعه، أما إذا قيل: أيهم سار حتى يدخلها؟ فإن الرفع جائز؛ لأن السير هاهنا متحقق وإنما المسؤول عنه صاحبه، ويجوز أن يتحقق مسبب السير والسير ويجهل صاحبه فيسأل عنه، وكذا لالتزام السببية مع الرفع وجب النصب في نحو: ما سرت حتى أدخلها؛ لأن عدم السير لا يكون سببا للدخول، وسيأتي الكلام على خلاف الأخفش حيث أجاز الرفع.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4283
................................
وإذ قد تقرر هذا فلنذكر أمورا:
منها: أن الشيخ قال 797: إن المصنف أهمل أحد وجهي الرفع، قال: وذلك أنهم ذكروا أن الرفع على وجهين:
أحدهما: أن يكون ما بعد «حتى» مشروعا فيه وهو الحال، أو متمكنا منه غير ممنوع منه وهو المؤول بالحال.
والوجه الثاني: أن يكون ما قبلها سببا لما بعدها ويكونان متصلي الوقوع في ما مضى، لا مهلة بينهما بل الثاني واقع عقيب الأول نحو: سرت حتى أدخل المدينة أي: سرت فدخلت المدينة، فيكون معناها كمعنى الفاء.
انتهى.
وأقول: إن هذا داخل تحت قوله: أو مؤوّلا به لأن المقصود منه حكاية الحال التي كان متلبسا بها.
ومنها: أنه قد دخل تحت قول المصنف: فإن دلّ على حدث غير واجب نحو: ما سرت حتى أدخل المدينة، وقلّما سرت حتى أدخلها، إذا أردت بـ «قلما» النفي المحض، و: أسرت حتى تدخلها؟ وقد عرفت المقتضي لوجوب النصب، وعرفت أن الأخفش يجيز الرفع فقيل: المسألة مسألة خلاف بين سيبويه والأخفش، وقيل:
ليست مسألة خلاف كما سيتأتى الإشارة إلى ذلك في كلام ابن عصفور؛ لأن الوجه الذي منع سيبويه الرفع به غير الوجه الذي جوز الأخفش الرفع به، والوجه الذي منع سيبويه به هو أن نفي السير لا يكون سببا للدخول 798، والوجه الذي جوز به الأخفش هو أن يكون أصل الكلام واجبا وهو: سرت حتى أدخل المدينة، ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره فتنفي أن يكون عنك سير كان عنه دخول، فكأنك قلت: ما وقع السير الذي كان سببا لدخول المدينة 799، ومن ثمّ قال السيرافي: والذي عندي أن أبا الحسن أراد: أن «ما» تدخل على «سرت حتى أدخلها» بعد وجوب الرفع فتنفي جملة الكلام الى آخر كلامه الذي تقدم ذكره.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4284
................................ وأقول: إن هذا الأمر هو الظاهر، وهو أن لا خلاف بين الإمامين، فالذي اعتبره سيبويه لا يمنعه الأخفش والذي اعتبره الأخفش لا يمنعه سيبويه، لكنهم اتفقوا على أن الرفع غير مسموع في ذلك وأن الأخفش إنما أجاز ذلك بالقياس، ونقلوا 800 أن الأخفش كان يقول: إن الرفع في النفي جائز في القياس إلا أن العرب لم تستعمله، قالوا: فإذا كان معترفا بأن العرب لم تستعمله لم يجب أن يلتفت إليه لأنا إنما نتكلم بما تكلمت به العرب ولسنا نحدث [5/ 141] لغة. ومنها: أن الشيخ ذكر في شرحه 801: أن بعض النحويين تكلم على «حتى» كلاما طويلا بالنسبة إلى سائر أحوالها من كونها جارة للاسم وداخلة على الفعل وعاطفة وابتدائية قال: ونحن نلخص من كلامه ما يليق بمسائل هذا الشرح من كونها تدخل على الفعل غاية أو سببية يصلح مكانها «كي»، أو سببية بمعنى «الفاء» أو غير سببية، وربما انجر مع ذلك مسائل من كونها جارة أو عاطفة، ثم إنه 802 شرع في إيراد ذلك، وأطال الكلام وذكر ما يعسر ضبطه، وإذا حقق الناظر نظره رأى أن غالب ما يذكر مستغنى عنه بما قد تقرر من أحكام «حتى» التي تقدمت الإشارة إليها في هذا الفصل. وبعد: ففي ما ذكره الجماعة 803 كفاية، فأنا أقتصر عليه، وهو أنهم ذكروا أن «حتى» حرف غاية وتأتي في الكلام على ثلاثة أضرب: عاطفة، وابتدائية، وجارة، فالعاطفة ذكرت في باب «العطف»، والجارة ذكرت في باب «حروف الجر». وأما الابتدائية فإنها تدخل على جملة مضمونها غاية لشيء قبلها، والجملة قد تكون اسمية كقول الشاعر: 3927 - فما زالت القتلى تمجّ دماءها... بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل 804
الحديث: 3927 - الجزء: 8 - الصفحة: 4285
................................
وقد تكون فعلية كقولهم: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجرّ بطنه 805 ويتعين كونها الابتدائية إذا وقع بعدها الفعل الماضي أو المبتدأ والخبر.
ثم الجارة قد تدخل على الفعل أي: تباشره لفظا كما تباشر الاسم، لكنها إذا باشرت الاسم كانت للغاية بمعنى «إلى»، وإذا باشرت الفعل وجب تقدير «أن» قبله لتكون داخلة على اسم، وحينئذ قد تكون بمعنى «إلى» فتكون للغاية، وقد تكون بمعنى «كي» فتكون للتعليل.
فتبين من هذا أنها إذا باشرت الفعل المضارع قد تكون جارة، وقد تكون ابتدائية؛ لأنا قد قلنا: إن الابتدائية تدخل
على الجملة الفعلية، فإن كان الفعل بعدها مستقبلا أو في حكم المستقبل فـ «حتى» حرف جر بمعنى «إلى» أو «كي» والفعل بعدها لازم النصب بـ «أن» مضمرة، وإن كان الفعل بعدها حالا أو في تقدير الحال فهي حرف ابتداء والفعل بعدها لازم الرفع لخلوه عن ناصب أو جازم.
وبعد: فأنا أورد مفصلا ما ذكر ضابطه إجمالا في تقسيم ذكره ابن عصفور، قال في «المقرّب» في باب «نواصب الفعل» 806: و «حتى» إذا كانت بمعنى «إلى أن» أو بمعنى «كي» فإن لم تكن بمعنييهما لم تنصب؛ فعلى هذا لا يخلو أن تقع «حتى» مع ما بعدها خبرا لذي خبر أو لا تقع، فإن وقعت خبرا لم يجز فيما بعدها إلا النصب نحو قولك: كان سيري حتى أدخلها، وسير زيد حتى يدخل المدينة، بنصب: «أدخل»، و «يدخل»، وإن لم تقع خبرا فإما أن يكون ما قبلها سببا لما بعدها أو لا يكون، فإن كان فإن أردت بالفعل الذي بعدها الماضي أو الحال رفعت - - الشرح: تمج أي: تقذف ورفع دماؤها ودجلة: نهر بالعراق، والأشكل: الذي تخالطه حمرة، وعين شكلاء: إذا خالط بياضها حمرة.
والشاهد: في «حتى ماء دجلة أشكل» فإن «حتى» فيه حرف ابتداء دخلت على الجملة الاسمية، والبيت في: ابن يعيش (8/ 18)، والعيني (3/ 386)، والخزانة (4/ 142)، والهمع (1/ 248)، والدرر (1/ 207).
الجزء: 8 - الصفحة: 4286
................................
نحو قولك: سرت حتى أدخل المدينة، تريد: سرت فدخلت أو فأنا داخل، وإن أردت به الاستقبال نصبت وتكون بمعنى: «كي» أو: «إلى أن» كأنك قلت:
سرت كي أدخل المدينة أو: إلى أن أدخل، وإن لم يكن ما قبلها سببا لما بعدها لم يجز في الفعل الذي بعدها إلا أن يكون مستقبلا منصوبا وتكون بمعنى: «إلى أن» نحو قولك: سرت حتى يؤذن المؤذن أي: إلى أن يؤذن المؤذن، فإن كثّرت السبب نحو قولك: كثر ما سرت حتى أدخل المدينة كان الرفع أقوى من النصب، وإن قلّلت نحو قولك: قلّما سرت حتى أدخل المدينة كان النصب أقوى من الرفع وإن نفيته فإن قدّرت أن النفي دخل بعد دخول «حتى» فالأمر على ما كان عليه قبل النفي من جواز النصب على معنى: «إلى أن» أو: «كي»، والرفع على المعنيين المتقدمي الذكر 807، وإن قدّرت أنها دخلت بعد دخول النفي لم يجز في ما بعدها إلا النصب على معنى: «إلى أن» وذلك نحو قولك: ما سرت حتى أدخل المدينة؛ بالنصب لا غير على التقدير الثاني، وبالنصب والرفع على التقدير الأول.
وقال في «شرح الجمل» 808: حتى إما أن يكون ما بعدها حالا أو مستقبلا أو ماضيا فإن كان حالا أو ماضيا فالرفع، وإن كان مستقبلا فالنصب، ولذلك أسباب تذكر، فنقول: إن لم يكن ما قبلها سببا فالنصب نحو: سرت حتى تطلع الشمس، التقدير: إلى أن، وإن كان سببا فإن كان الفعل الذي بعدها حالا أو ماضيا رفع؛ لأنها تكون سببا بمنزلة «الفاء»، و «الفاء» لا تنصب فتقول:
سرت حتى أدخلها تريد: فدخلت لأني سرت أو: فأنا داخل الآن لأني سرت، فالرفع على معنيين ولكن السببية معه ملتزمة.
وإن كان مستقبلا فالنصب وحينئذ إما أن تلحظ السببية فتكون «حتى» بمعنى:
«كي»، فمعنى «سرت حتى أدخلها»: كان سيري كي أدخلها، وإن لم تلحظ السببية وقصدت مجرد الغاية فتكون «حتى» بمعنى: «إلى»، فمعنى «سرت حتى أدخلها»: سرت إلى هذه الغاية؛ لأن الذي كان لأجل الدخول هو السير، فالنصب على معنيين كما أن الرفع على معنيين.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4287
................................
فإن وقع قبل الفعل الذي يكون سببا حرف نفي فقلت: ما سرت حتى أدخل المدينة؛ فالنصب لم يذكر سيبويه غيره، قال 809: لأن الرفع إنما يكون على معنى السبب وعدم السير لا يكون موجبا للدخول، وزعم الأخفش 810 أن الرفع جائز لا على أن يكون عدم السير سببا هذا ما لا يقوله أحد، وإنما يكون ذلك جوابا، فإذا قال قائل: سرت فدخلت، قلت له: ما سرت فدخلت، وإذا قال: سرت فأنت داخل قلت له: ما سرت فأنا داخل الآن، وهذا حسن جدّا وينبغي أن لا يعدّ هذا خلافا بين الأخفش وسيبويه.
ثم قال 811: فإن أدخلت في الكلام: «رأى» أو «حسب» أو «ظن» فإما أن تدخل شيئا من ذلك بعد «حتى» فيكون الحكم ما تقدم، إن كان القبلي سببا فالرفع إن كان ماضيا أو حالا، والنصب إن كان مستقبلا، وإن لم يكن الفعل القبلي سببا [5/ 142] فالنصب على معنى: «إلى» أو «كي» 812، فتقول: سرت حتى أدخلها أرى أو أظن أو أحسب بالرفع والنصب على حسب المعنى، وإما أن تدخل ذلك قبل «حتى» فتقول: سرت أرى حتى أدخل المدينة، لم يتصور الرفع؛ لأنك لم تثبت سيرا يكون سببا إنما جعلته فيما ترى.
ثم ذكر 813 أن الكوفيين خالفوا البصريين في أربع مسائل:
الأولى:
أنهم أجازوا الرفع في نحو: سرت حتى تطلع الشمس، وحكوا من كلام العرب: سرت حتى تطلع الشمس بعرفة 814، وردّ عليهم بأن السببية فيما حكوه موجودة؛ لأن طلوع الشمس بهذه البقعة المباركة يكون سببه جد السير لو ضعف، -
الجزء: 8 - الصفحة: 4288
................................
فهم قد أخذوا سببا وغلطوا فيه فجعلوه غير سبب.
الثانية:
أن الفراء 815 منع النصب في ما لا يتطاول من الأفعال أي: الذي لا يمتد 816 نحو: قمت حتى آخذ بحلقه؛ لأن المعنى: قمت فأخذت ولم يتمادّ القيام حتى لزم أن يكون قمت إلى هذه الغاية، وردّ بأن النصب هنا على معنى: «كي» 817.
الثالثة:
أن الكسائي جوّز النصب في فعل الحال وإن كان ما قبله سببا وأجاز ذلك في قول حسان رضي الله تعالى عنه 818:
3928 - يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم... لا يسألون عن السّواد المقبل 819
وردّ ذلك بأنه لم يرد به سماع ولا يقبله القياس لأن النواصب تخلص الفعل للاستقبال.
الرابعة:
أنهم فصّلوا في غير السبب الفعل الذي بعد «حتى» إلى ما هو حادث وإلى ما ليس كذلك، فما كان حادثا فالنصب نحو: سرت حتى تطلع الشمس، وإن كان غير حادث فالرفع نحو: سرت حتى يعلم الله أني كالّ 820، قالوا: فلا يتصور هنا إلى أن لأن هذا لم يحدث عن سيرك فيكون غاية له، ولا يتصور معنى: «كي»؛ لأن المعنى ليس عليها، وردّ ذلك بأن علم الله تعالى أني كالّ حادث عن سيري؛ لأن الله تعالى لا يعلم أني كالّ في الحال إلا إذا كنت كالّا في الحال، فتعلق العلم هنا حادث وسببه سيرك، فلهذا كان مرفوعا لا كما قالوه، وامتنع النصب على معنى «إلى أن» لأن المعنى يبطل، ألا ترى أنك إذا قلت: سرت حتى يعلم الله أني -
الحديث: 3928 - الجزء: 8 - الصفحة: 4289
................................ كالّ فهو الآن كالّ والله تعالى يعلم أنه كالّ، فلو قدّرت: إلى أن يعلم الله، لكان هذا مستقبلا فيحصل التناقض، وليس النصب على معنى: «كي» لأنه يستحيل أن يكون المعنى: سرت كي يعلم الله أني كالّ؛ لأنك لم تقصد أن الحامل لك على السير هو علم الله بكلالك. انتهى كلام ابن عصفور. وقد طال الكلام في «حتى» ولا شك أن الجارة معلومة، والعاطفة معلومة أيضا، وأما الابتدائية فإن الكلام يستأنف بعدها، وتقع بعدها الجملة من فعل ومرفوعه، وسواء أكان الفعل ماضيا أو مضارعا مرفوعا، نعم مضارعا ونصب كان النصب بـ «أن» مضمرة ووجب كون «حتى» حينئذ حرف جر، والجملة من مبتدأ وخبر، والجملتان من شرط جزاء، فمن وقوع المبتدأ والخبر قول الشاعر: 3929 - فيا عجبا حتّى كليب تسبني... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع 821 وقول الآخر: 3930 - فما زالت القتلى تمجّ دماءها... بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل 822 وقول الآخر: 3931 - وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان 823
الحديث: 3929 - الجزء: 8 - الصفحة: 4290
................................
والنصف الأول من هذا البيت وهو قوله:
3932 - سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم 824
شاهد وقوع الجملة الفعلية.
ومن وقوع الشرط والجزاء قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها 825.
ومن مجيء الفعل ومرفوعه قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ 826، ومنه أيضا قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا 827.
قال ابن أبي الربيع: ضابط «حتى» أن تقول: إذا كان بعدها مفرد مخفوض أو فعل مضارع منصوب فهي حرف جر، وإذا وقع بعدها اسم مفرد مرفوع أو منصوب فهي حرف عطف، وإن وقع بعدها جملة فهي حرف ابتداء 828. انتهى.
وقد تقدم لنا ذكر هذه المسألة في باب «حروف الجر» وإنما أعدت ذلك هنا لأن هذا الموضع أمسّ بذكره.
- والشاهد في هذا الشطر من البيت: مجيء «حتى» حرف ابتداء ورفع الاسم الذي بعدها على أنه مبتدأ ما بعده خبر، وانظر: الشطر في الكتاب (3/ 27، 626)، ومعاني الفراء (1/ 133)، والمقتضب (2/ 39)، وابن يعيش (5/ 79)، والمغني (ص 127).
الحديث: 3932 - الجزء: 8 - الصفحة: 4291
شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة 778 هـ دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)
[المجلد التاسع]
الجزء: 9