تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]

1 [تعريفها - سبب عملها - تقسيمها]

قال ابن مالك: (باب حروف الجرّ سوى المستثنى بها).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على المرفوعات والمنصوبات شرع في الكلام على المجرورات.
ومعلوم أن الجر إما بحرف وإما بإضافة 2، وها هو يذكر البابين.
وإنما قدم الكلام على المجرور بالحروف؛ لأن الجر بالحرف هو الأصل؛ لأن الحرف يستحق العمل فيما اختص به، وأما الجر بالإضافة فإنه لما كان على معنى حرف وهو «من» أو «اللام» 3 صار الجر كأنه بذلك الحرف، وإن كان عامله هو الاسم المضاف.
ثم قبل الشروع في مسائل الباب لا بد من التعرض إلى ذكر أمور تتعلق بما يذكر فيه: منها: أن المقصود من وضع هذه الحروف إنما هو إيصال معاني الأفعال بها إلى الأسماء ومن ثم يسميها بعضهم 4 حروف الإضافة.
ولذلك قيل 5 في حدها: هي ما وضع للإفضاء بفعل أو معناه إلى ما يليه.
فمثال الإفضاء بفعل: مررت بزيد.
ولا شك أن شبيه الفعل حكمه حكم الفعل، نحو: أنا مارّ بزيد، ومروري بزيد حسن، ومثال الإفضاء بمعنى الفعل: زيد في الدار، وهذا في الدار أبوك؛ فالعامل في المثال الأول معنى الاستقرار المستفاد من قولك: «في الدار» وفي المثال الثاني ما في هذا من معنى الإشارة.
-

الجزء: 6 - الصفحة: 2871

................................  ومنها: أن هذه الحروف إنما عملت لاختصاصها بما هي عاملة فيه والقاعدة المعروفة أن الحرف إذا اختص بأحد النوعين - أعني الاسم والفعل - ساغ له أن يعمل في ذلك النوع.
فعلى هذا إنما تستحق هذه الحروف من العمل الجر، وإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى الاعتذار عن عدم عملها الرفع أو النصب، لكنهم اعتذروا عن ذلك بأن قالوا: لم نعمل الرفع؛ لاستئثار العمدة به، ولا النصب؛ لإيهام إهمال الحرف.
ومنها: أن عدة الحروف التي ذكرها المصنف عشرون حرفا وهي: من، وإلى، واللام، وكي، والتاء في القسم، والباء، وفي، وعن، وعلى، وحتى، والكاف، ومذ، ومنذ، ورب، ولولا، ولعل، وحتى؛ فهذه سبعة عشر، وذكر في باب المستثنى ثلاثة وهي: خلا وعدا وحاشا، ونقصه من الحروف 6 الواو؛ فإنها حرف تجريد لكنها لا تستعمل إلا في القسم، وقد ذكر في الخلاصة، والعجب أنه لم يذكرها في باب القسم 7 من هذا الكتاب أيضا إلا أن الجر بـ «لعل ومتى» ينسب إلى بعض اللغات، ولا شك أنه في غاية القلة كما سيأتي الكلام على ذلك.
وذكر ابن عصفور 8 في حروف الجر أربع كلمات يجر بها في القسم خاصة وهي الميم المضمومة والمكسورة وهمزة الاستفهام وهاء التنبيه وقطع ألف الوصل، وذكر أيضا واو «ربّ» وفاءها و «بل» النائبة مناب «ربّ»، وتعرّض 9 إلى ذكر الخلاف في بعضها، ولم يتعرض المصنف إلى ذكر شيء من ذلك؛ لأن الميم عنده ليست حرفا مستقلّا إنما هي بعض «أيمن».
وأما الجر بعد هاء التنبيه وألف الوصل المقطوعة؛ فإنما هو بحرف قسم محذوف كما ستعرف ذلك في باب القسم إن شاء الله تعالى.
وأما الجر بعد الواو والفاء وبل؛ فإنما هو بـ «ربّ» محذوفة.
ومنها: أن من هذه الحروف ما يختص بجر المضمر وهو «لولا»، ومنها ما يختص بجر الأسماء الظاهرة وهو سبعة: الواو والكاف وحتى ومذ ومنذ وربّ -

الجزء: 6 - الصفحة: 2872

................................  والتاء، لكن الثلاثة الأول لا تختص بظاهر دون ظاهر، و «مذ ومنذ» يختصان بأسماء الزمان، و «ربّ» تختص بالنكرات، والتاء تختص بالله تعالى وربّ مضافا إلى الكعبة أو لياء المتكلم، وقد تجر الكاف الضمير في الضرورة وكذلك «حتى» أيضا، وأما «ربّ» فتجر ضمير الغيبة في السعة.
وقد علمت أن ابن عصفور ذكر حروفا زائدة على ما ذكره المصنف وذكر تقسيما شاملا فأنا أورده: وهو أن: هذه الحروف تنقسم - بالنظر إلى ما تجره - ثلاثة أقسام: قسم لا يجر إلا المضمر وهو «لولا»، وقسم لا يجر إلا الظاهر وهو: هاء التنبيه وهمزة الاستفهام وقطع ألف الوصل و «من» في القسم والميم المكسورة والمضمومة في القسم أيضا وواو «ربّ» وفاؤها ومذ ومنذ [3/ 172] وكاف التشبيه وحتى، وقسم يجر الظاهر والمضمر وهو ما عدا ذلك، والحروف التي تجر الظاهر وحده أو مع المضمر منها ما يجر بعض الظواهر دون بعض وهو: لام القسم والميم المكسورة والمضمومة، وهاء التنبيه وهمزة الاستفهام وقطع ألف الوصل لا تجر إلا اسم الله تعالى في القسم، وتاء القسم لا تجر إلا اسم الله تعالى أو الرب، و «من» في القسم لا تجر إلا الرب، «وربّ» وفاؤها وواوها لا تجر من الظاهر إلا النكرات و «مذ ومنذ» لا تجرّان إلا أسماء الزمان، ومنها ما يجر كل ظاهر وهو ما عدا ذلك 10. هذا كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى.
ومنها: أن من الحروف المذكورة ما يستعمل اسما، ومنها ما يستعمل فعلا.
فالذي استعمل حرفا واسما خمسة وهي: عن وعلى والكاف ومذ ومنذ، والذي استعمل حرفا وفعلا ثلاثة وهي: خلا وعدا وحاشا؛ فالأقسام على هذا ثلاثة: ما يستعمل حرفا واسما، وما يستعمل حرفا وفعلا، وما هو مستمر الحرفية لا يستعمل غير حرف.
وذكر ابن عصفور قسما رابعا وهو ما يستعمل اسما وفعلا وحرفا قال: وهو على 11؛ فأخرجها من قسم ما يستعمل حرفا واسما وجعلها قسما برأسها.
وقد رد المحققون ذلك: بأنه إنما قصد إلى هذا التقسيم باعتبار المحافظة على اللفظ والمعنى الأصلي، ولو لم يكن الأمر كذلك؛ لكان يلزم عد اللام حرفا وفعلا في قولك: لـ زيدا إذ لفظها لفظ قولك: لزيد، وكذلك «من» لأنه أمر من «مان يمين» ولكانت «إلى» تعد حرفا واسما في قولك: إلى زيد بمعنى: نعمة زيد، ولكنهم اعتبروا اللفظ -

الجزء: 6 - الصفحة: 2873

................................  والمعنى الأصلي معا؛ فلم يعدوا اللام؛ لخروجها عن معناها الأصلي، ولأن لفظها في الأصل مخالف للفظها في الحرف، وكذلك «من»، وكذلك «إلى».
ألا ترى أن «إلى» التي هي النعمة أصل ألفها ياء، «وإلى» التي هي حرف لا أصل لألفها، وكذلك ألف «على» التي هي فعل أصلها واو، والتي في الاسم والحرف لا أصل لها.
وقد عورض هذا التقرير: بأنه يلزم منه أن لا يعد خلا وعدا وحاشا؛ لأن ألفاتها إذا كانت أفعالا منقلبة وإذا كانت حروفا غير منقلبة، وقد جعل ذلك مانعا في «على» فليكن مانعا في هذه الثلاثة أيضا.
وأجيب عن ذلك: بأنا لم نعد «حاشا» من مثل قولك: حاشيته، ولا «عدا» من قولك: عدوته، ولا «خلا» من قولك: خلوته، وإنما عددنا خلا وعدا وحاشا الواقعة في الاستثناء؛ فإنها لا تتصرف ولما لم تتصرف تصرف الأفعال أشبهت الحروف فلم يجعل لألفها أصل كما أن الاسم إذا أشبه الحرف لا يكون لألفه أصل انقلبت عنه؛ بل هي أصل بنفسها كما هو مقرر عند أهل هذه الصناعة.
ومنها: أن هذه الحروف لا بد لها مما تتعلق به إما ظاهرا وإما مقدرا كما هو مقرر في علم العربية، ويستثنى من ذلك الحروف الزوائد فلا تتعلق بشيء نحو: بحسبك درهم، وهل من أحد قائم؛ لأن الزائد لم يجتلب لمعنى مقصود ولم يكن محتاجا إليه في ذلك التركيب الذي هو فيه فكيف يتصور تعلقه بشيء، و «لولا» إذا جرّ بها حكمها حكم الحرف الزائد في ما ذكر، وكذا «لعل» 12 أيضا إذا جرّ بها لا تتعلق بشيء، وسيشار إلى بيان ذلك عند الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
وذكر ابن عصفور 13 أن الكاف في نحو: جاءني الذي كزيد لا تتعلق بشيء ظاهر، إذ ليس في اللفظ ما يمكن أن يعمل فيه ولا بمضمر؛ إذ لا يحذف ما يعمل في المجرور (إذا وقع صلة) إلا ما يناسب الحرف قال: لا تتعلق بشيء نحو: جاءني الذي في الدار تريد الذي استقر في الدار؛ لأن «في» للوعاء، والاستقرار مناسب للوعاء ولو قلت: جاءني الذي في الدار تريد: ضحك في الدار، أو أكل في الدار؛ لم يجز لأنه ليس في الكلام ما يدل على ذلك فلا يمكن أن يكون المحذوف مع الكاف -

الجزء: 6 - الصفحة: 2874

الجزء: 6 - الصفحة: 2875

................................  الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى 17 ومجيئها لابتداء الغاية في الزمان مختلف فيه فبعض النحويين منعه، وبعض أجازه.
وقول من أجاز ذلك هو الصحيح الموافق لاستعمال العرب، وفي كلام سيبويه تصريح بجوازه، وتصريح بمنعه.
فأما التصريح بجوازه فقوله في باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف ومن ذلك قول العرب: 2351 - من لد شولا فإلى إتلائها 18 نصب؛ لأنه أراد زمانا والشول لا يكون زمانا ولا مكانا [3/ 173] فيجوز فيه الجر كقولك: من لد شولا شيء يحسن أن يكون زمانا إذا عمل في الشول [ولم يحسن إلا ذا كما لم يحسن ابتداء الأسماء بعد إن حتى أضمرت ما يحسن أن يكون عاملا في الأسماء فكذلك هذا] 19 كأنك قلت: من لد أن كانت شولا فإلى إتلائها 20. هذا نصه في هذا الباب وفيه تصريح بمجيء «من» لابتداء غاية الزمان ولابتداء غاية المكان.
وقال في باب عدة ما يكون عليه الكلم: وأما «من» فتكون لابتداء الغاية في الأماكن 21 ثم قال: وأما «من» فتكون لابتداء الغاية في الأيام كما كانت «من» فيما ذكرت لك ولا تدخل واحدة منهما على صاحبتها.
فظاهر هذا الكلام منع استعمال «من» في الزمان ومنع استعمال «من» في المكان.
فأما منع استعمال «من» في المكان فمجمع عليه، وأما استعمال «من» في الزمان فمنعه غير صحيح بل الصحيح جوازه لثبوت ذلك في القرآن العزيز، والأحاديث الصحيحة، والأشعار الفصيحة، فالذى في القرآن قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ 22، وقال الأخفش في المعاني: قال بعض العرب: من الآن إلى غد 23، وأما الأحاديث فمنها قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مثلكم ومثل اليهود والنّصارى كمثل رجل استعمل عمّالا فقال: -

الحديث: 2351 - الجزء: 6 - الصفحة: 2876

................................  من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعملت النصارى من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين.
ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، ألا لكم الأجر مرتين» فقد استعملت «من» في هذا الحديث لابتداء غاية الزمان أربع مرات ومن الأحاديث الدالة على ذلك قول من روى حديث الاستسقاء: «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» 24 وقول عائشة رضي الله عنهما «فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل» 25 وقول أنس رضي الله عنه 26: «فلم أزل أحبّ الدّبّا [ء] من يومئذ» 27. وهذه الأحاديث كلها في صحيح البخاري 28 رحمه الله تعالى.
وفي جامع المساند أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لفاطمة رضي الله عنها: «هذا أول طعام أكله أبوك من ثلاثة أيّام» 29، وأما الأشعار فمنها قول النابغة الذبياني 30: 2352 - ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب 2353 - تخيّرن من أزمان يوم حليمة... إلى اليوم قد جرّبن كلّ التّجارب 31 ومنها قول جبل بن حوال: -

الحديث: 2352 - الجزء: 6 - الصفحة: 2877

................................  2354 - وكلّ حسام أخلصته قيونه... تخيرن من أزمان عاد وجرهم 32 ومنها قول الراجز: 2355 - تنتهض الرّعدة في ظهيري... من لدن الظّهر إلى العصير 33 وقول الآخر: 2356 - إنّي زعيم يا نوي... قة إن أمنت من الرّزاح ونجوت من عرض المنو... ن من الغدو إلى الرّواح 34 ومنها قول بعض الطائيين: 2357 - من الآن قد أزمعت حلما فلن أرى... أغازل خودا أو أذوق مداما 35 ومثله: 2358 - ألفت الهوى من حيث ألفيت يافعا... إلى الآن منوا بواش وعاذل 36 ومثله: 2359 - ما زلت من يوم بنتم والها دنفا... ذا لوعة عيش من يبلى بها عجب 37 وتكون أيضا لابتداء الغاية في غير مكان ولا زمان كقولك: قرأت من أول سورة البقرة إلى آخرها، وأعطيت الفقراء من درهم إلى دينار؛ ولذلك قلت: لابتداء الغاية مطلقا، ولم أقل: في الزمان والمكان، وأشار سيبويه إلى هذا فقال: وتقول إذا كتبت كتابا: من فلان إلى فلان؛ فهذه الأسماء سوى الأماكن بمنزلتها 38. هذا نصه.
ومجيء «من» للتبعيض كثير؛ كقوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ -

الحديث: 2354 - الجزء: 6 - الصفحة: 2878

................................  عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ 39، وكقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ 40، وعلامتها جواز الاستغناء بـ «بعض» عنها كقراءة عبد الله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا بعض ما تحبون) 41، ومجيئها لبيان الجنس كقوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ 42، وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ 43، ومجيئها للتعليل كقوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ 44، و: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ 45، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: «فما أستطيع أن أقضيه إلّا في شعبان الشّغل من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» 46، وكقول الشاعر: 2360 - ومعتصم بالحيّ من خشية الرّدى... سيردى وغار مشفق سيؤوب 47 والتي للبدل كقوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ 48 ووَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ 49، ومنه قول الشاعر: 2361 - أخذوا المخاض من الفصيل غلبّة... ظلما ويكتب للأمير أفيلا 50 ومجيئها 51 للمجاوزة نحو: غدت منه، وأنفت منه، وبرئت منه، وشبعت، ورويت، ولهذا المعنى صاحبت «أفعل» التفضيل؛ فإن القائل: زيد أفضل من عمرو، كأنه قال: جاوز زيد عمرا في الفضل أو الانحطاط، وهذا أولى من أن -

الحديث: 2360 - الجزء: 6 - الصفحة: 2879

................................  يقال: إنها لابتداء الارتفاع في نحو: أفضل منه، أو الانحطاط في نحو: شر منه، كما زعم سيبويه 52؛ إذ لو كان الابتداء [3/ 174] مقصودا لجاز أن يقع بعدها «إلى».
وقد أشار سيبويه إلى أن ابتداء الغاية قد يقصد دون إرادة منتهى فقال: وتقول: ما رأيته مذ يومين؛ فجعلتها غاية، كما قلت: أخذته من ذلك المكان؛ فجعلته غاية ولم ترد منتهى 53. هذا نصه.
والصحيح أن «من» في نحو: أخذته من ذلك المكان؛ للمجاوزة، إذ لو كان الابتداء مقصودا مع «أخذت» كما هو مقصود مع «حملت» في قولك: حملته من ذلك المكان؛ لصدق على استصحاب المأخوذ «أخذ» كما يصدق على استصحاب المحمول «حمل».
وأما «مذ» في: ما رأيته مذ يومين، ونحوه؛ فقد جعلها بعضهم بمعنى «في»، وليس كذلك؛ لأن المراد بـ: ما رأيته مذ يومين، ونحوه؛ نفي الرؤية في مدة أتيت في آخرها، والابتداء والانتهاء مقصودان واليومان معينان، ولو جيء بـ «فى» مكان «من» لم يفهم تعين ولا ابتداء ولا انتهاء، وقد تقع «من» موقع «مذ» في مثل هذا كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة رضي الله تعالى عنها: «هذا أوّل طعام أكله أبوك من ثلاثة أيّام»، فلو كان المجرور بـ «مذ»، أو «منذ» حاضرا غير مثنى ولا مجموع؛ صح قصد معنى «في»، كقوله عليه الصلاة والسّلام للملكين عليهما السّلام: «طوّفتماني منذ اللّيلة» 54. وأشار سيبويه إلى أن «من» الزائدة قصد بها التبعيض؛ لأنه قال - بعد تمثيله بـ: ما أتاني من رجل -: أدخلت «من»؛ لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأت بعض الرجال 55، هكذا قال.
يريد أن «من» دلت على شمول الجنس فلكل بعض منه قسط من المنسوب إلى جميعها؛ فالتبعيض على هذا التقدير مقصود.
وهذا غير مرض؛ لأنه يلزم منه أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض، وإنما المقصود بزيادة «من» في نحو: ما أتاني من رجل؛ جعل المجرور بها نصّا في العموم، وإنما تكون للتبعيض إذا لم يقصد عموم، وحسن في موضعها «بعض» نحو: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ 56، ومِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ 57، -

الجزء: 6 - الصفحة: 2880

................................  وفَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ 58. وقد صرح بهذا المعنى فقال: وتكون للتبعيض نحو: هذا منهم، كأنك قلت: بعضهم 59، وأشار أيضا إلى قصد التبعيض بالمصاحبة «أفعل» التفضيل فقال: «هو أفضل من زيد؛ فضّله على بعض ولم يعم 60. ويبطل كون هذه للتبعيض أمران: أحدهما: عدم صلاحية «بعض» في موضعها. والثاني: صلاحية كون المجرور بها عاما كقولنا: الله أعظم من كل عظيم، وأرحم من كل رحيم، وإذا بطل كون المصاحبة «أفعل» التفضيل لابتداء الغاية وللتبعيض؛ تعين كونها لمعنى المجاوزة كما سبق. ومجيء «من» للانتهاء كقولك: قربت منه؛ فإنه لقولك: تقربت إليه، وقد أشار سيبويه إلى أن من معاني «من» الانتهاء فقال: وتقول: رأيته من ذلك الموضع؛ فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حين أردت الابتداء. قال ابن السراج رحمه الله تعالى: وحقيقة هذه المسألة أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي؛ فـ «من» لك، وإذا قلت: رأيت الهلال من خلل السحاب فـ «من» للهلال، والهلال غاية لرؤيتك؛ فلذلك جعل سيبويه «من» غاية في قولك: رأيته من ذلك الموضع 61 وقد جاءت «من» بمعنى «على» في قوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا 62 أي: على القوم، كذلك قال أبو الحسن الأخفش 63، وإليه أشرت بذكر الاستعلاء في معاني «من» وأشرت بذكر الفصل إلى دخولها على ثاني المتضادين نحو: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ 64، وحَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ 65، ومنه قول الشاعر: 2362 - ولم تره قابلا للجميل... ولا عرف العزّ من ذلّه فسمه الهوان فإنّ الهوان... دواء لذي الجهل من جهله 66

الحديث: 2362 - الجزء: 6 - الصفحة: 2881

................................  وأشرت بموافقة الباء إلى قوله تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ 67 أي: بطرف خفي، قال الأخفش 68: قال يونس: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ أي: بطرف، كما تقول العرب: ضربته من السيف، أي: بالسيف.
وأشرت بموافقة «في» إلى نحو: قول عدي بن زيد 69: 2363 - عسى سائل ذو حاجة إن منعته... من اليوم سؤلا أن ييسّر في غد 70 وتزاد «من» لتنصيص العموم كقولك: ما في الدار من رجل؛ فـ «من» زائدة؛ لأن الكلام يصح بدونها إذا قلت: ما فيها رجل، لكن «ما فيها من رجل» لا محتمل له غير العموم؛ ولذلك خطئ من قال: ما فيها من رجل بل اثنان، و «ما فيها رجل» محتمل لنفي الجنس على سبيل العموم، ولنفي الواحد دون ما فوقه، ولذلك يجوز أن يقال: ما فيها رجل بل اثنان، فلو كان المجرور بـ «من» هذه «أحد» أو «ديار» أو غيرهما من الأسماء المقصورة على العموم؛ لكانت مزيدة لمجرد التوكيد، فقولك: ما أحد و: ما فيها من أحد؛ سيان في إفهام العموم دون احتمال، ولا يكون المجرور بها عند سيبويه 71 إلا نكرة بعد نفي، أو نهي، أو استفهام، نحو: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ 72، وإلى النهي والاستفهام أشرت بذكر شبه النفي.
وأجاز أبو الحسن الأخفش 73 وقوعها في الإيجاب وجرّها المعرفة، وبقوله أقول؛ لثبوت السماع بذلك نثرا ونظما.
فمن النثر قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ 74، وقوله تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ 75، وقوله تعالى: وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ 76، وقوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ 77، وقول عائشة رضي الله عنها: «إنّ رسول الله [3/ 175] صلّى الله عليه وسلّم كان -

الحديث: 2363 - الجزء: 6 - الصفحة: 2882

................................  يصلّي جالسا فيقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته نحو من كذا» 78 أخرجه البخاري، وضبط بخط من يعتمد عليه بنصب «نحوا» على زيادة «من» وجعل «قراءته» فاعلا ناصبا «نحوا» والأصل: فإذا بقي قراءته نحوا من كذا، ومن النظم المتضمن زيادة «من» في الإيجاب قول عمر بن أبي ربيعة 79: 2364 - وينمي لها حبّها عندنا... فما قال من كاشح لم يضرّ 80 أراد: فما قال كاشح لم يضر، ومنه قول جرير: 2365 - لمّا بلغت إمام العدل قلت له... قد كان من طول إدلاج وتهجير 81 أراد قد كان طول إدلاج وتهجير، ومنه قول الآخر: 2366 - وكنت أرى كالموت من بين ساعة... فكيف ببين كان موعده الحشر 82 أراد: وكنت أرى بين ساعة كالموت، ومثله قول الآخر: 2367 - يظلّ به الحرباء يمثل قائما... ويكثر فيه من حنين الأباعر 83 أراد: ويكثر فيه حنين الأباعر.
وممن رأى زيادة «من» في الإيجاب الكسائي، وحمل على ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» 84؛ فقال: أراد: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون، وممن رأى ذلك أبو الفتح بن جني، وحمل عليه قراءة عبد الرحمن بن هرمز الأعرج 85 وإذ أخذ الله ميثاق النبين لماء اتيتكم من كتب 86 تقديره عنده «لمن ما» بزيادة «من» -

الحديث: 2364 - الجزء: 6 - الصفحة: 2883

................................  في الواجب فأدغم نونها في ميم «ما» فصارت «لمما» بثلاث ميمات فحذفت الأولى التي هي ميم «من» وبقيت «لمّا» بميمين، أو لأنها بدل من نون «من» والثانية ميم «ما».
وأشرت بقولي: وربما دخلت على حال؛ إلى قراءة زيد بن ثابت 87، وأبي الدرداء 88، وأبي جعفر 89، وزيد بن علي 90، والحسن 91، ومجاهد 92 ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ 93، وإذا دخلت «من» على «قبل» و «بعد» و «لدن» فهي زائدة؛ لأن المعنى بثبوتها وسقوطها واحد، وإذا دخلت على «عند» و «لدى» و «مع» و «على» فهي لابتداء الغاية، و «عن» بعد دخول «من» بمعنى: جانب، و «على» بمعنى: فوق، قال جرير في «من عن»: 2368 - وإنّي لعف النفس مشترك الغنى... سريع إذا لم أرض داري انتقاليا جريء الجنان لا أهال من الرّدى... إذا ما جعلت السّيف من عن شماليا 94 وقال آخر: 2369 - ولقد أراني للرّماح درئية... من عن يميني تارة وشمالي 95 وقال آخر في «من عليه»: -

الحديث: 2368 - الجزء: 6 - الصفحة: 2884

................................  2370 - غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها... تصلّ وعن قيض بزيزاء مجهل 96 فهذا ما تختص به «من»، وتختص أيضا «من» في القسم بـ «الرب» نحو: من ربي لأفعلن، ومن ربي إنك لأشر، وقد يقال: من ربي، بضم الميم ولا يجوز ذلك في غير قسم، وكاختصاص «من» في القسم بـ «الرب» اختصاص التاء فيه واللام بـ «الله» نحو: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا 97، ولله لا يؤخر الأجل، وشذ دخول «من» على «الله» ودخول التاء على الرب؛ انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 98. وقد ذكر أن «من» غير الزائدة لمعان عدتها أحد عشر معنى.
وهي: ابتداء الغاية، والتبعيض، وبيان الجنس، والتعليل، والبدل، والمجاوزة، والانتهاء، والاستعلاء، والفصل، وموافقة الباء، وموافقة «في».
ولم يذكر ابن عصفور لمعاني غير الزائدة سوى التبعيض، وابتداء الغاية، والغاية، والتبيين 99 وأما الزمخشري؛ فإنه لم يذكر من معانيها سوى ابتداء (5) الغاية إلا أنه قال: «وكونها مبعضة ومبينة ومزيدة راجع إلى هذا 100؛ يعني إلى ابتداء الغاية.
وبعد: فيتعين التعرض إلى ذكر المعاني التي أشار إليها المصنف معنى معنى، ولنورد ذلك في مباحث: الأول: أن الذي اختاره المصنف من أن «من» لابتداء الغاية مطلقا - يعني في الزمان والمكان وغيرهما - هو الحق؛ لقيام الدليل على صحته، وقد قال الشيخ بعد إيراده الشواهد التي ذكرها المصنف: [و] كونها لابتداء الغاية في الزمان مختلف فيه؛ منع ذلك البصريون، وأثبته الكوفيون وهو الصحيح؛ قال: وتأويل البصريين لما ورد من ذلك مع كثرته ليس بشيء انتهى 101. -

الحديث: 2370 - الجزء: 6 - الصفحة: 2885

................................  ثم قد فهمت من كلام الزمخشري المذكور آنفا معنى ابتداء الغاية مصاحب لها حال كونها مبعضة ومبينه ومزيدة، ويعضد كلامه قول النحاة إن ابتداء الغاية معنى لا يفارقها.
وفي شرح الشيخ: زعم المبرد والأخفش 102 الصغير وابن السراج 103 وطائفة من الحذاق 104 والسهيلي 105 أن «من» لا تكون إلا لابتداء الغاية وأن سائر المعاني التي ذكروها راجع إلى هذا المعنى 106. انتهى.
وأما كونها للتبعيض فأمر مشهور لا يكاد يجهل، وأفهم كلام الشيخ أن هؤلاء الذين ذكرتهم وهم المبرد ومن معه لا يثبتون ذلك؛ لأنه بعد ما ذكره أولا قال: وذهب الفارسي 107 والجمهور إلى أنها تكون للتبعيض (7)؛ قال: وصححه ابن عصفور مستدلّا بأنك لو جعلت مكانها بعضا لكان المعنى واحدا؛ ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: أخذت من ماله، وأخذت بعض ماله، و: قبضت من الدراهم، وقبضت بعض الدراهم 108، قال: ولو وضعتها موضع «من» التي لابتداء الغاية في نحو: سرت من الكوفة؛ لم يسغ أن تقول: سرت بعض الكوفة 109. انتهى.
ولقائل أن يقول: لا يلزم من قول المبرد ومن ذكر معه أنها لابتداء الغاية نفي قصد التبعيض؛ غاية ما يفهم من مذهبهم أن معنى ابتداء الغاية لازم لها، ثم قد قصد بها معنى آخر منضمّا إلى معنى الابتداء، ويدل على ذلك المعنى الزائد سياق الكلام.
ثم قول من قال: إن «من» التبعيضية بمعنى «بعض» وإن معنى «قبضت» من الدراهم قبضت بعض الدراهم؛ فيه إشكال وهو أنه يلزم منه أن تكون «من» اسما؛ لأنها وافقت في المعنى ما هو ثابت الاسمية وهو «بعض» فيجب الحكم باسميتها لذلك.
وقد ذكر المصنف في أول الكتاب ما يشير إلى أن ثم معارضا يمنع [3/ 176] من القول -

الجزء: 6 - الصفحة: 2886

................................  باسميتها، وقد تقدم البحث 110 معه في ذلك، وأن المعارضة التي ذكرها لا تتحقق.
والذي يظهر أن معنى «من» ابتداء الغاية؛ فقد تتجرد لهذا المعنى، وقد تفيد معه التبعيض من حيث المعنى لا من حيث إن «من» واقعة موقع «بعض» مرادفة لها في هذا المحل أعني في مثل قولنا: قبضت من الدراهم.
ثم لازم قول من ادعى ذلك - أعنى أن «من» واقعة موقع «بعض» - أن يكون العامل في قولنا: قبضت من الدراهم؛ منصبّا على الحرف نفسه لا على مدخوله، وليس هذا شأن حروف الجر؛ لأن وضعها أن توصّل معنى العامل إلى ما دخلت هي عليه فالعامل إنما هو منصبّ على المجرور الذي هو مدخول الحرف.
وفي كلام ابن أبي الربيع 111 ما يعضد ما ذكرته؛ فإنه بعد أن مثل بـ: أكلت من الرغيف، قال: فـ «من» دلت على أن الأكل وقع بالرغيف على جهة التبعيض؛ إذ تعلق الأكل بالرغيف على وجهين: أحدهما: أنه عمّه.
والثاني: أنه خصّه ولم يقع بجملته؛ فلحقت «من» لبيان ذلك.
وإذا فهمت هذا فهمت الفرق بين «من» و «بعض».
فإنك إذا قلت: أكلت بعض الرغيف؛ فليس الرغيف متعلق الأكل؛ إنما متعلقه البعض، وسيق الرغيف لتخصيص ذلك البعض وزوال شياعه، وإذا قلت: أكلت من الرغيف؛ فـ «من» دلت على أن أكل الرغيف على جهة التبعيض، والرغيف متعلق الأكل، ودلت «من» على أنه لم يعمه 112. انتهى.
وهو تقرير حسن، غير أن لقائل أن يقول: إن في قوله -: إن الرغيف متعلق -

الجزء: 6 - الصفحة: 2887

................................  الأكل في قولنا: أكلت من الرغيف، وإن «من» دلت على أن الأكل بالرغيف على جهة التبعيض - نظرا؛ لأن «أكل» فعل متعد بنفسه فهو مستغن عن حرف يعديه.
فإن قال: الحرف هنا ليس للتعدي إنما جيء به للمعنى الذي ذكرته وهو الدلالة على التبعيض.
قيل: كان يستغنى عن ذلك بأن يقال: أكلت بعض الرغيف أو جزء الرغيف أو شيئا منه.
فإن تم هذا الاعتراض أمكن أن يوجه ذلك بشيء آخر وهو أن يقال: إن مفعول «أكلت» يكون محذوفا، والتقدير: أكلت من الرغيف شيئا أو جزءا؛ فتكون «من» لابتداء الغاية مفيدة لبيان جنس ما أكل منه، ويكون التبعيض مستفادا من الكلام بمجموعه لا من «من» وحدها، ومما يحقق لك أن «من» ليست مرادفة لـ «بعض» أن الشواهد التي استدل بها على ذلك فيها ما ينافي ما ذكروه.
فقد استدل المصنف بقوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ 113، وبقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ 114، ولا يسوغ تفسير «من» بـ «بعض» في هاتين الآيتين الشريفتين؛ إذ لا يقال: بعضهم من كلم الله، ولا: بعضهم من يمشي على بطنه، والحقّ أن التبعيض إنما يفهم من معنى الكلام.
ففي قوله تعالى: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، وفي قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وكذا في قوله تعالى: وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ 115 أفهمه ما أعطاه الكلام من التقسيم.
ولا شك أن كل قسم من شيء هو بعض لذلك الشيء، وفي قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ 116 إنما يفهم التبعيض منه من جهة أن الفعل العامل متعد بنفسه فلا يحتاج إلى حرف يعديه وإذا كان كذلك فالعامل الذي هو حَتَّى تُنْفِقُوا منصبّ على شيء محذوف مقدر بعد «من» ومجرورها كما تقدمت الإشارة إلى تقرير ذلك.
وقد مثل بعض (5) العلماء الشارحين لكتاب المفصل التبعيض بقوله: أخذت درهما من المال؛ قال: فدلت «من» على أن الذي أخذت بعض المال 117، ولم يظهر لي ما قاله؛ فإن بعض المال إنما عرف -

الجزء: 6 - الصفحة: 2888

................................  من قولك: «درهما»، وأما «من» في هذا المثال فلا شبهة أنها لابتداء الغاية.
البحث الثاني: كون «من» لبيان الجنس معروف وعليه الأكثرون.
والمغاربة ينازعون في ذلك، والمنقول عن الشلوبين 118 أنه ينكر أن تكون للبيان بالوضع قال: «وإن وجد ذلك فيها فإنما هو بالانجرار».
انتهى، ولا شك أن من قال: إنها لابتداء الغاية خاصة؛ يلزم من قوله منع كونها للبيان.
قال ابن عصفور: استدل القائلون بذلك بقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ 119؛ لأن الأوثان كلها رجس، وإنما أتى بـ «من» ليبين بما بعدها الجنس الذي قبلها كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس التي هي الأوثان أي: اجتنبوا الرجس الوثني، وبقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ 120؛ لأن المعنى: وعد الله الذين هم أنتم؛ لأن الخطاب إنما هو للمؤمنين، وبقوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ 121 أي: من جبال هي برد؛ لأن الجبال هي البرد لا بعضها، ثم أجاب عن الأول - وهو لأبي علي الشلوبين - بأنه يتخرج على أن يكون المراد بالرجس: عبادة الوثن؛ فكأنه قيل: فاجتنبوا من الأوثان الرجس الذي هو العبادة؛ لأن المحرم من الأوثان إنما هو عبادتها.
قال: وتكون «من» غاية مثلها في قوله: أخذت من التابوت؛ ألا ترى أن اجتناب عبادة الأوثان ابتداؤه وانتهاؤه في الوثن، وعن الثاني بأن «من» للتبعيض ويكون الخطاب عامّا للمؤمنين وغيرهم، وعن الثالث بأن «من» (مبعضة) 122 ويكون المعنى مثله إذا جعلت لتبيين الجنس، وذلك بأن يكون [3/ 177] قوله تعالى: (من جبال) بدلا من (السماء) لأن السماء مشتملة على الجبال التي فيها كأنه قيل «وينزل من جبال في السماء، ويكون (من برد) بدلا من الجبال بدل شيء من شيء، كأنه قيل: وينزل من برد في السماء، ويكون من قبيل ما أعيد فيه العامل مع البدل 123. انتهى.
وأما ما استدل به المصنف وهو قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ -

الجزء: 6 - الصفحة: 2889

................................  ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ 124، وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ 125 فقد أجيب عنه: بأن مِنْ ذَهَبٍ في موضع الصفة فهي للتبعيض، وكذا مِنْ سُنْدُسٍ، وأما مِنْ صَلْصالٍ ومِنْ مارِجٍ فـ «من» فيهما لابتداء الغاية؛ أي: ابتدأ خلق الإنسان من صلصال، وابتدأ خلق الجان من مارج، وأما مِنْ نارٍ فـ «من» للتبعيض. انتهى. ولم يظهر لي كون من في مِنْ ذَهَبٍ، ولا في مِنْ سُنْدُسٍ للتبعيض، ولا يخفى أن القول بأن «من» لبيان الجنس أسهل من التخريجات التي ذكرت. وأما التخريج الذي ذكره ابن عصفور في قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ 126؛ فلا يخفى عدم ظهوره. وقد ذكر ابن يعيش 127 في هذه الآية الشريفة أن «من» الأولى لابتداء الغاية، وأن الثانية؛ إما للتبعيض على أن الجبال برد تكثيرا لها فينزل بعضها، وإما لابتداء الغاية كقولك: خرجت من بغداد من داري إلى الكوفة؛ على أن المعنى: من أمثال الجبال من الغيم، وأن الثالثة؛ إما للتبعيض على معنى: ينزل من السماء بعض البرد، وأما للتبيين على أن الجبال من برد. وذكر ابن هشام الخضراوي 128 أن الأولى لابتداء الغاية، وكذا الثانية، وأن الثالثة للتبيين قاطعا بذلك، ولا يبعد أن هذا أولى الأقوال. البحث الثالث: في ذكر بقية المعاني التي تضمنها كلام المصنف: فمنها: كونها للتعليل، وقد تقدم استشهاد المصنف على ذلك، ومن الأدلة عليه أيضا قول الفرزدق: 2371 - يغضي حياء ويغضى من مهابته... فما يكلّم إلّا حين يبتسم 129

الحديث: 2371 - الجزء: 6 - الصفحة: 2890

................................  ومنه قولهم: مات من علته، وضحك زيد من كلام عمرو، وغضب مما قيل، ومنه على أحد القولين قوله تعالى: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ 130 أي: بسبب الخوف، والقول الآخر: إن كلّا من الفعلين اللّذين هما (أطعمهم) (وآمنهم) ضمن معنى خلصهم؛ التقدير: خلصهم بالإطعام من جوع، وبالأمن من خوف.
ومنها: كونها للبدل وهذا المعنى فيه منازعة.
وكان المغاربة لا يثبتونه، وقد تقدم استدلال المصنف على ذلك، ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ 131 أي بدل الآخرة، وهو استدلال ظاهر، ومن تأول ذلك فقد أبعد.
وأما قول الزمخشري 132 إن المعنى: لولّدنا منكم ففي غاية البعد وكذا القول الذي ذكره أبو البقاء 133 وهو أن المعنى: لحوّلنا بعضكم ملائكة.
ولا شك أن القول بأن «من» للبدل أسهل من ذلك كله وأن المعنى عليه.
ومنها: كونها للمجاوزة وقد عرفت أن المصنف جعلها مع أفعل التفضيل للمجاوزة فإذا قيل: زيد أفضل من عمرو؛ فكأنه قيل: جاوز زيد عمرا في الفضل أو الانحطاط، وجعل القول بذلك أولى من القول بأنها لابتداء غاية الارتفاع في نحو: أفضل منه، أو الانحطاط في نحو: شر منه، كما زعم سيبويه.
قال 134: إذ لو كان الابتداء مقصودا لجاز أن يقع بعدها «إلى»، ثم قال: وقد أشار سيبويه إلى أن ابتداء الغاية قد يقصد دون إرادة منتهى، إلى آخر ما ذكره.
ثم قال: وأشار أيضا - يعني سيبويه - إلى قصد التبعيض بالمصاحبة «أفعل» التفضيل فقال في «هو أفضل من زيد»: «فضّله على بعض ولم يعم.
وقد عرفت أن المصنف نازع سيبويه في الأمرين - أعني كون المصاحبة لـ «أفعل» التفضيل لابتداء الغاية أو للتبعيض - وأن المصنف اختار أنها للمجاوزة.
قال الشيخ: اختلف النحويون في «من» بعد أفعل التفضيل نحو: زيد أفضل من عمرو؛ فذهب سيبويه إلى أنها لابتداء الغاية ولا تخلو من التبعيض، وذهب المبرد 135 إلى أنها لابتداء الغاية دون تبعيض، ومنع ابن ولاد 136 أن تكون «من» لابتداء الغاية؛ -

الجزء: 6 - الصفحة: 2891

................................  لأن الابتداء لا بد أن يكون له انتهاء؛ تقول: خرجت من البصرة إلى الكوفة، ولا تقول: زيد أفضل منك إلى جعفر» انتهى.
قلت: وكلام ابن ولاد يعضد كلام المصنف.
ثم قال الشيخ: وزعم سيبويه أن «من» تكون غاية فقال: تقول: رأيته من ذلك الموضع؛ تجعله غاية رؤيتك كما جعلته غاية حيث أردت الابتداء يريد أن «من» هنا دخلت على المحل الذي وقع فيه ابتداء الرؤية وانتهاؤها ولذلك سماه غاية لما كان محيطا بغاية الفعل؛ لأن الغاية هي مدى الشيء أي: قدره فيمكن أن تكون في «زيد أفضل من عمرو» كذلك».
انتهى.
ولقائل أن يدعي أن «من» المصاحبة لـ «أفعل» التفضيل للبيان؛ لأن المذكور بعدها بين به المفضل عليه، وأما معنى ابتداء الغاية فيها فيحتاج إلى تأمل.
وكذا معنى التبعيض يحتاج إلى تأمل أكثر.
وبعد أن كتبت أن «من» المصاحبة لـ «أفعل» التفضيل للبيان رأيت ابن هشام الخضراوي ذكر أيضا أنها للتبيين قال: فإن القائل إذا قال: زيد أفضل؛ فهمت الزيادة ولم تعرف على من هي ففسرت «من» ذلك.
ومنها: كونها للانتهاء وقد تقدم من كلام المصنف أن سيبويه أشار إلى أن من معاني «من» الانتهاء فقال: وتقول: رأيته من ذلك الموضع؛ فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حين أردت [3/ 178] الابتداء.
وتقدم أيضا قول ابن السراج: إن حقيقة المسألة أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي فـ «من» لك، وإذا قلت: رأيت الهلال من خلل السحاب فـ «من» للهلال، و «الهلال» غاية لرؤيتك فلذلك جعل سيبويه «من» غاية في قولك: رأيته من ذلك الموضع، قال ابن عصفور 137: وأما التي زعم بعض النحويين أنها تكون لانتهاء الغاية فنحو قولك: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب؛ فابتداء الرؤية وقع من الدار وانتهاؤها في خلل السحاب، وكذلك: شممت من داري الريحان من الطريق؛ فابتداء شم الريحان من الدار وانتهاؤه إلى الطريق.
وهذا وأمثاله لا حجه لهم فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما لابتداء الغاية فتكون الأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل، وتكون الثانية لابتداء الغاية في حق المفعول؛ ألا ترى أن ابتداء وقوع رؤية الهلال من الفاعل إنما كان في داره وأن ابتداء وقوع الرؤية بالهلال إنما كان في خلل السحاب؛ لأن -

الجزء: 6 - الصفحة: 2892

................................  الرؤية إنما وقعت بالهلال وهو في خلل السحاب وكذا ابتداء وقوع الشم إنما كان من الدار، وابتداء وقوعه بالريحان إنما كان من الطريق لا الشم إنما تسلط على الريحان وهو في الطريق ونظير ذلك ما جاء في بعض الآثار: وهو كتاب أبي عبيدة بن الجراح 138 إلى عمر بالشام الغوث الغوث، وأبو عبيدة لم يكن في وقت كتبه إلى عمر بالشام بل الذي كان بالشام عمر رضي الله عنه.
فقوله: «بالشام» ظرف للفعل بالنظر إلى المفعول.
ومن الناس من جعل «من» الثانية لابتداء الغاية إلا أنه جعل العامل فيها محذوفا كأنه قال: رأيت الهلال من داري ظاهرا من خلل السحاب فجعل «من» لابتداء غاية الظهور، وكذا يقدر المثال الآخر: شممت الريحان من داري كائنا من الطريق فـ «من» الثانية لابتداء غاية الكون وهذا عندي فاسد؛ لأنه قد تقدم في باب المبتدأ أن المحذوف الذي يقوم المجرور مقامه إنما يكون مما يناسب معناه الحرف و «من» الابتدائية لا يفهم منها الكون ولا الظهور؛ فلا ينبغي أن يجوز حذفهما 139 منه.
انتهى كلامه.
فأما قوله: إن الأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل والثانية لابتداء الغاية في حق المفعول فهو معنى قول ابن السراج: إن «من» لك في قولك: رأيت الهلال من موضعي وأن «من» للهلال في قولك: رأيت الهلال من خلل السحاب؛ فإن هذا يقتضي أن تكون «من» الأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل وأن «من» الثانية لابتداء الغاية في حق المفعول، وأما إبطاله أن تكون الثانية لابتداء الغاية على أن العامل فيها محذوف بما أشار إليه من أن المحذوف إنما يكون مما يناسب معناه الحرف فممنوع؛ لأن العلة التي ذكرها لا تظهر صحتها.
وقد تقدم البحث معه في ذلك في أوائل هذا الباب.
وقد ذكر ابن يعيش المسألة وذكر قول الناس في «من» الثانية: إنها لابتداء الغاية ثم قال 140: والجيد أن تكون «من» الثانية لابتداء الغاية في الظهور أو بدلا من الأولى.
وكلام السهيلي يجنح إلى ذلك فإنه قال: ولا حجة في قولهم: شممت الريحان من -

الجزء: 6 - الصفحة: 2893

................................  الطريق، ورأيت الهلال من خلل السحاب؛ لأن معنى الكلام أن الريحان نمّ من الطريق حتى شممت رائحته، وأن الهلال لاح من خلل السحاب حتى نظرت إليه.
انتهى.
فدل كلامه على أن المعنى: نامّا من الطريق ولائحا من خلل السحاب.
فكلام ابن يعيش والسهيلي يدفع ما قاله ابن عصفور، وكلام الشلوبين يقتضي ذلك فإنه قال في: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب: إن «من خلل السحاب» متعلق بمحذوف تقديره: باديا من خلل السحاب.
انتهى.
وما قاله هو الظاهر.
وبعد: فلم يقم دليل واضح على أنها لانتهاء الغاية.
قيل وسيبويه لم يصح بأنها للانتهاء إنما جعلها غاية 141، وكأنهم يجعلون الغاية غير انتهاء الغاية.
ولهذا ذكر ابن عصفور المعنيين فقال: وأما التي للغاية فهي التي تدخل على ما هو محل لابتداء الفعل وانتهائه معا نحو: أخذته من زيد؛ فـ «زيد» هو محل ابتداء الأخذ وانتهائه 142 معا.
انتهى.
وعلى هذا حمل قول سيبويه في قولك: من ذلك الموضع؛ جعلته غاية 143 رؤيتك؛ فـ «ذلك» الموضع هو محل ابتداء الرؤية وانتهائها.
وإذا تقرر هذا: علم أن «من» لا تخلص لانتهاء الغاية؛ وإنما تكون لابتداء الغاية وهو الأغلب في الاستعمال، وتكون لابتداء الغاية وانتهائها وذلك قليل.
وأما قول القائل: 2372 - أزمعت من آل ليلى ابتكارا 144 فليس «من» فيه للانتهاء أي: أزمعت إلى آل ليلى؛ بل هي للتعليل أي: أزمعت من أجل آل ليلى ابتكارا؛ لأنه إذا أزمع ابتكارا (إليهم) 145 فقد أزمعه من أجلهم، وحذف المضاف لدلالة المعنى سائغ.
ومنها: كونها للاستعلاء، وقد عرفت استدلال المصنف على ذلك بقوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا 146 مسندا ذلك إلى الأخفش.
-

الحديث: 2372 - الجزء: 6 - الصفحة: 2894

................................  لكن في كون «من» تفيد معنى «على» بعد كثير، ولا شك أن تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بـ «من» أولى من أن يجعل الحرف بمعنى حرف آخر.
وقد ذكر المعربون كأبي البقاء 147 وغيره أن معنى (نصرنه) 148 في الآية الشريفة: منعناه، والتحقيق أن: (نصرنه) ضمّن معنى منعناه، وفائدة التضمين أن الفعل حينئذ يستفاد منه أمران وهما: معناه الأصلي الموضوع هو له، والمعنى المضمن الذي دلّ عليه ذلك الحرف الذي ترشد الصناعة النحوية إلى أنه متعلق به؛ [3/ 179] فـ (نصرنه) دل على حصول النصر بالوضع، ودلت تعديته بـ «من» على أنه ضمن معنى: منعناه؛ فصار المعنى: ومنعناه بالنصر؛ لأن المنع قد يكون بغير النصر، ولا شك أن المنع بالنصر أمر عظيم فأفادنا التضمين معنى عاملين مع الاقتصار على ذكر عامل واحد 149. ومنها: كونها للفصل، وقال المصنف: إنه أشار بذلك إلى دخولها على ثاني المتضادين نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ 150، وحَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ 151 ونحو أحد الأبيات الثلاثة التي أنشدها وهو: 2373 - ولم تره قابلا للجميل... ولا عرف العزّ من ذلّه ومن ذلك قولهم: لا تعرف قبيلا من دبير.
قال الشيخ 152: وليس من شرطها الدخول على المتضادين بل تدخل على المتباينين تقول: فلان لا يعرف زيدا من عمرو انتهى.
ومراد المصنف بالمتضادين أنهما اللذان لا يجتمعان، ولا شك أن المتناقضين كذلك.
ومنها: كونها بمعنى الباء، وقد عرفت أن المصنف استشهد على ذلك بقوله تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ 153 وأنه نقله عن الأخفش عن يونس، وبقول -

الحديث: 2373 - الجزء: 6 - الصفحة: 2895

................................  العرب: ضربته من السيف، أي: بالسيف.
قال الشيخ: وهو قول كوفي.
[ثم] قال: يحتمل أن تكون «من» في الآية الشريفة لابتداء الغاية أي: ابتداء نظرهم هو من طرف خفي 154. ومنها: كونها بمعنى «في»، وقد تقدم استشهاد المصنف على ذلك بقول الشاعر: 2374 - عسى سائل ذو حاجة إن منعته... من اليوم سؤلا أن ييسّر في غد واستدل غير المصنف على ذلك أيضا بقوله تعالى: أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ 155 أي: في الأرض.
قال الشيخ: هذا قول كوفي أيضا، ولا حجة في البيت الذي أنشده؛ لأنه يحتمل أن تكون «من» للتبعيض على حذف مضاف، التقدير: إن منعته سؤلا من سؤلاته اليوم 156. انتهى.
وأما الآية الشريفة فيحتمل أن تكون «من» فيها لابتداء الغاية أي: ماذا خلقوا من الأرض؟ أي: ماذا وجدوه منها؟ لأن كون الخلق في الأرض لا خصوصية له، بخلاف الخلق من الأرض؛ فإن الخلق يدل على القدرة الباهرة فإذا كان من الأرض كان أعظم (دليل) 157 على ذلك.
ولا شك أن الآية الشريفة المقصود منها إقامة البرهان على ضلال عبّاد الأصنام بإقامة البرهان على عجزهم عما هو من أفعال من هو إله، وإنما قيد الخلق بكونه مِنَ الْأَرْضِ؛ لأن الخلق من الأرض - أي: من التراب - من أقوى الأدلة على القدرة التي لا تكون إلا لله سبحانه، وذكر بعضهم أن التقدير: من مخلوقات الأرض؛ فحذف المضاف، وهو تخريج لا بأس به، ولكن ما ذكرته أولى.
ومما استدل به على ذلك أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ 158 قالوا: المراد في يوم الجمعة.
ولقائل أن يقول: إن «من» في الآية الشريفة باقية على معناها الأصلي الذي هو ابتداء الغاية، وتقدير ذلك أن المراد التحريض على إتيان صلاة الجمعة.
لم تسق الآية الشريفة لغير هذا، وتفسير «من» بـ «في» لا يعلم منه هذا المقصود.
ومما يفيد أن المؤمنين مأمورون بالسعي إلى الصلاة إذا نودي لها في يوم الجمعة، ولا يتحتم أن -

الحديث: 2374 - الجزء: 6 - الصفحة: 2896

................................  يكون السعي في يوم الجمعة؛ فقد يجوز أن يعلق الأمر بالسعي في غير يوم الجمعة، على النداء في يوم الجمعة وكذا لا يتحتم أن يكون السعي لصلاة الجمعة، أما إذا كانت «من» لابتداء الغاية فإن الجار والمجرور يكون في موضع الحال من الصلاة، التقدير: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة كائنة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله؛ فيصير المعنى: إذا نودي للصلاة الكائنة في يوم الجمعة فاسعوا إليها، وهذا هو المراد، والله تعالى أعلم. وقد علم مما أشرت إليه: أن المعاني التي ذكرها المصنف لهذا الحرف الذي هو «من» منها ما تحقق، ومنها ما لم يتحقق، ولا شك أن للنظر في ذلك مجالا. وبعد: فقد بقي التنبيه على أمور تتعلق بـ «من» ذكرها الشيخ: منها: أنه قال: وزعم السيرافي 159، والأعلم 160، وابن طاهر 161، وابن خروف 162 أن «من» إذا كان بعدها «ما» كانت بمعنى «ربما»، وزعموا أنّ سيبويه يشير بها لهذا المعنى كثيرا في كلامه كقوله في باب ما يكون في اللفظ من الأعراض 163: اعلم أنهم مما يحذفون أي: ربما يحذفون. وكان الأستاذ أبو علي لا يرتضي هذا المذهب؛ لكون سيبويه إذا ذكرهما إنما يريد التكثير؛ فلا يحسن إذ ذاك استعمال «رب» إذا كان معناها يناقض المراد. واحتج الذاهبون إلى ذلك بأنه قد سمع ذلك منهم قال: 2375 - وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة... على وجهه تلقي اللّسان من الفم 164

الحديث: 2375 - الجزء: 6 - الصفحة: 2897

................................  قالوا: المعنى: لربما، وخرج [الأستاذ] 165 أبو علي وأصحابه ذلك على أن «ما» مصدرية و «من» لابتداء الغاية، وكأنهم خلقوا من الضرب؛ لكثرة ما يقع منهم، كما قال تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ 166 جعل كأنه مخلوق من العجل؛ لكثرة وقوع العجل منهم، فأما قول الشاعر: 2376 - نصحت أبا زيد فأدّى [نصيحة]... إليّ وممّا أن تعزّ النّصائح 167 وقول الآخر: 2377 - الأغنياء بالقادسيّة إنّني على... النّأي ممّا أن ألمّ بها ذاكرا 168 فلا يمكن أن تكون «ما» مصدرية؛ لأجل أن، قالو: فمعناها ربما، وتأوله من منع ذلك على أن ما نكرة موصوفة بالمنسبك من أن وما بعدها وهو مصدر كأنه قال: إنني على النأي من شيء إلمام بها ذاكرا فجعلهم من إلمامهم ذكرا لكثرة إلمامهم [3/ 180] وكذلك النصيحة للإنسان تشق عليه فكأنه النصح مخلوق مما يشق على الإنسان، وهذا التأويل بعيد، ولا يجوز الوصف بأن والفعل.
لا يجوز: مررت برجل أن يصوم، تريد: رجل صوم؛ لأن الوصف بالمصدر مجاز، ونيابة «أن» والفعل عنه مجاز فيكثر التجوز.
والأولى في التخريج أن يقال إن «ما» مصدرية وجمع بينهما وبين أن المصدرية لاختلاف لفظهما وذلك في الشعر كما جاء قوله: 2378 - فأصبحن لا يسألنني عن بما به... أصعّد في علو الهوى أم تصوّبا 169 وإذا جمعوا بين حرفي الجر مع كونهما عاملين فالجمع بين ما لا عمل له [و] هو «ما» [المصدرية] وما له عمل وهو «أن» أولى.
انتهى 170. ومنها: أن المصنف قد تقدم من كلامه أنه قال: وأشار سيبويه إلى أن «من» الزائدة قصد بها التبعيض؛ لأنه قال بعد تمثيله بـ: «ما أتاني من رجل»: أدخلت -

الحديث: 2376 - الجزء: 6 - الصفحة: 2898

................................  «من» لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأت بعض الرجال.
هكذا قال، يريد أن «من» دلت على شمول الجنس؛ فلكل بعض منه قسط من المنسوب إلى جمعها فالتبعيض على هذا التقدير مقصود.
وتقدم أيضا قول المصنف بعد إيراد هذا الكلام: وهذا غير مرض؛ لأنه يلزم منه أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض، وإنما المقصود بزيادة «من» في نحو: ما أتاني من رجل جعل المجرور بها نصّا في العموم إلى آخر ما ذكره.
قال الشيخ: وما فهمه المصنف عن سيبويه ليس بصحيح؛ لأن سيبويه لم يرد بقوله: «لأن هذا موضع تبعيض» أنه حين زيدت كان الكلام بزيادتها استفيد منه التبعيض وإنما يريد أنها زيدت ناصة على العموم؛ لأن الكلام قبل الزيادة كان يفهم منه التبعيض ولم يكن نصّا العموم كما هو بزيادتها 171. ومنها: أنه قال: تقسيم المصنف وغيره «من» هذه الزائدة إلى أنها تكون لاستغراق الجنس ولتأكيد استغراق الجنس ليس مذهب سيبويه بل قولك: ما جاءني من أحد، وما جاءني من رجل؛ «من» في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس، قال: وهذا هو الصحيح؛ لأن من لم تدخل في قولك: ما جاءني من رجل، إلا على قولك: ما جاءني رجل؛ المراد به استغراق الجنس 172. انتهى.
ولم يتضح لي ما ذكره.
وقوله: لأن «من» لم تدخل في قولك: ما جاءني من رجل، إلا على قولك: ما جاءني رجل؛ المراد به استغراق الجنس - مسلّم، لكن لا يلزم من كون مراد المتكلم الاستغراق ألا يكون اللفظ محتملا لغير المراد؛ فإن نحو: ما جاءني رجل - وإن كان مراد المتكلم به الاستغراق - يحتمل أن يريد به نفي الواحد دون ما عداه وإذا كان كذلك فلا يصير نصّا في المراد إلا بذكر «من» ويصدق حينئذ أنها لتنصيص العموم، ومع كونها لتنصيص 173 العموم يمكن أن يقال: إنها تفيد التوكيد أيضا فهي بالنسبة إلى المتكلم للتوكيد وبالنسبة إلى المخاطب لإفادة التنصيص على العموم، وربما يفهم أنها مفيدة التوكيد مع التنصيص على -

الجزء: 6 - الصفحة: 2899

................................  العموم قول المصنف أو لمجرد التوكيد بعد قوله: وتزاد لتنصيص العموم؛ فكأنها في قولك: ما جاءني من أحد؛ للتوكيد مجردا عن غيره لإفادته النص بالوضع، وفي قولك: ما جاءني من رجل؛ ليست للتوكيد مجردا بل له مع أمر آخر.
والعجب من الشيخ!! كيف قال ما قال، ثم نقل عن أبي العباس أنه ينفي الزيادة عن «من» في نحو قولك: ما جاءني من رجل، معللا ذلك بأن الزائد لا يفيد معنى، ومن هنا يفيد استغراق الجنس؟! قال 174: إنما هي زائدة في نحو: ما جاءني من أحد لأنك إذا حذفتها لم يخلّ حذفها بمعنى.
فذكر الشيخ لهذا وسكوته عنه يدل على تسليمه أن «من» في (نحو) 175: ما جاءني من رجل؛ أفادت معنى الاستغراق، وهو قد قال: إنها للتوكيد في هذا التركيب كما أنها للتوكيد في: ما جاءني من أحد، ويؤيد ذلك أنه بعد ذكر ما قاله أبو العباس نقل عن ابن هشام أنه قال: هذا الذي ذكره أبو العباس صحيح إلا أنها لما كان العامل يطلب موضعها، ولم تكن معدية؛ جعلها سيبويه بهذا الاعتبار زائدة.
فقد اعترف ابن هشام بصحة ما قاله أبو العباس حتى أجاب بما أجاب وإيراد الشيخ لذلك أقوى دليل على الاعتراف به.
ومنها: أن الاستفهام الذي تزاد «من» بعده ليس عامّا في جميع أدواته، لو قلت: كيف تضرب من رجل، وأين تضرب من رجل؛ لم يجز، إنما يحفظ ذلك مع «هل»، ولهذا اقتصر المصنف لما أشار إلى المسألة على التمثيل بها.
قال الشيخ: وفي إلحاق الهمزة بها نظر، ولا أحفظه من لسان العرب 176، وقد تقدم التمثيل لزيادتها مع المبتدأ بعد «هل» بقوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ 177، ومثال الزيادة معه بعد النفي قول الله تعالى: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ 178، وقال الشاعر: -

الجزء: 6 - الصفحة: 2900

................................  2379 - ألا لا من سبيل إلى هند 179 ومثال الزيادة مع الفاعل قوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ 180، و: هل قام من رجل؟ و: لا يقم من أحد، وحكم اسم كان وأخواتها حكم الفاعل؛ قال الله تعالى: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ 181. أما خبر كان وأخواتها فلا تدخل عليه؛ لأنه ليس فاعلا ولا مفعولا إنما هو خبر، ومثال الزيادة مع المفعول قول الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ 182 [و] هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ 183، ويشمل المفعول به ما لم يسم فاعله أيضا.
واعلم أنها تدخل على الثاني من مفعولي باب أعطى؛ لأنه مفعول به كالأول وقد تدخل على الأول من باب ظن؛ لأنه [3/ 181] مبتدأ في الأصل، ومن باب علم؛ لأنه فاعل في الأصل.
ولا تدخل على ثاني مفعولي باب ظن؛ لأنه ليس مبتدأ ولا فاعلا ولا مفعولا؛ إنما هو خبر في الأصل، ولا على ثالث علم؛ لما ذكرته.
قال الشيخ 184: وفي دخولها على ثاني [علم] 185 نظر، ولا يخفى أنها تدخل على المتسع فيه من ظرف ومصدر نحو: ما سير من ميل، وما صيم من يوم وما ضرب من ضرب شديد.
قال ابن عصفور 186: وزعم بعض النحويين أن الشرط يجري مجرى النفي والنهي والاستفهام نحو: إن قام من رجل قام عمرو، وصحة من أجاز ذلك أن الشرط غير واجب، يعني أن المشروط غير واقع كما أن النفي غير واقع؛ قال: «والصحيح أنه لا يجوز ذلك؛ لأنك إذا قلت: إن قام من رجل قام عمرو؛ فالقيام وإن لم يكن واقعا فهو مفروض الوقوع، ولا يمكن أن يفرض إلا ما لا تناقض فيه؛ -

الحديث: 2379 - الجزء: 6 - الصفحة: 2901

................................  ألا ترى أنك إذا قلت: إن قام من رجل قام عمرو؛ كان معناه: إن قدر وقوع هذا الخبر الذي هو قام من رجل قام عمرو، و «قام من رجل» لا يمكن وقوعه؛ لما ذكرنا من أنه يلزم أن يقوم الرجل وحده مع غيره في حيّز واحد، وذلك لا يمكن تقديره، وكان لما ذكر أن شرط زيادة «من» أن يكون الكلام التي هي فيه غير موجب؛ قال: «وأما التزام كون الكلام غير موجب؛ فلأنك إذا قلت: ما جاءني من رجل؛ فقد نفيت أن يجيئك رجل واحد، وقد نفيت أيضا أن يجيئك أكثر من واحد، فلو قلت على هذا: جاءني من رجل؛ للزمك أن يكون «من رجل» على حده بعد النفي، فيكون كأنك قلت في حين واحد: جاءني رجل وحده لم يجئني رجل وحده بل أكثر من رجل واحد، وذلك تناقض؛ لأنه يلزم اجتماع الضدين في الواجب وهو مجيء الرجل وحده مع غيره، ولا يلزم ذلك في غير الواجب؛ إذ قد يجوز اجتماع الأضداد في ما ليس بواجب؛ لأنك تقول: ما زيد أبيض ولا أسود، ولا تقول: زيد أبيض وأسود.
انتهى.
وهو كلام عجيب لا يخفى ضعفه.
ولا أعلم من أين يلزم أن قولك: «من رجل» في الإثبات يكون على حدّه في النفي حتى يلزم منه اجتماع الضدين.
ولا شك أن مدعي جواز الزيادة في الإثبات معترف أنه إذا قال: جاءني من رجل (فإنما) 187 جاءه رجل واحد، ولكنه أتى بـ «من» ولم تكن مفيدة لمعنى؛ فحكم بزيادتها، والذي أفادنا عدم مجيء الرجل الواحد وعدم مجيء أكثر من واحد إنما هو النفي و «من» لا مدخل لها في ذلك إنما هي مؤكدة في نحو: ما جاءني من أحد، أو [منبهة] 188 على عدم إرادة ما يحتمله اللفظ من غير المراد في نحو: ما جاءني من رجل، وإذا كان كذلك فلم يتم له الذي قصده وهو الاستدلال على عدم جواز زيادة «من» بعد الشرط؛ لأنه بناه على الدليل الذي نقلناه عنه، وقد عرف ما فيه.
ومما يتصل بالمسألة التي نحن فيها: أنك إذا قلت: قلما يقول ذلك رجل، وقلما أضرب رجلا؛ فإن جعلت «قلما» مقابلة «كثر ما» لم يجز دخول «من» على رجل؛ لأن الكلام موجب وإن جعلتها للنفي المحض جازت زيادة «من»؛ لأن -

الجزء: 6 - الصفحة: 2902

................................  الكلام غير موجب واستعمال «قلما» بالوجهين سائغ في كلام العرب.
ومنها: أنك عرفت اختيار المصنف مذهب الأخفش في أن «من» تزاد في الكلام الموجب كما تزاد في غير الواجب، وأن كون مدخولها معرفة لا يمتنع.
والمنقول عن الكوفيين 189 أنهم يرون زيادتها في الواجب ولكنهم يشترطون أن يكون مدخولها نكرة كما هو مذهب البصريين، وقد تقدم استدلال المصنف على ذلك والمنتصرون لمذهب البصريين أجابوا عن جميع ما استدل به.
أما قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (2) فقالوا فيه: إن الفاعل مضمر أي: ولقد جاءك هذا النبأ، ومِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ في موضع الحال أي: كائنا من نبأ المرسلين؛ لأن قبله: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا 190، فأخبر تعالى أن هذا النبأ الذي جاءك هو من نبأ المرسلين فتأسّ بما جرى لهم.
ولك أن تقول: كون النبأ الذي جاءه صلّى الله عليه وسلّم هو من نبأ المرسلين قد علم قبل من قوله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وإذا كان قد علم فكيف يخبر ثانيا أنه من نبئهم؟! ولا شك أن كون نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ هو فاعل (جاء) هو الظاهر.
وأما قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ 191 فأجابوا عنه بأن من فيه للتبعيض، ولو قيل: إنها للبيان؛ لكان أقرب.
وأما قوله تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ 192، ويَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ 193 فأجابوا عنه بأن الذي يكفر بعض السيئات، والذي يغفر بعض الذنوب؛ لأن ما كان فيه تبعة لآدمي لا يكفر، ولأن المغفور بالإيمان ما اكتسبوه من الكفر لا ما يكتسبونه في الإسلام من الذنوب، وما تقدم لهم من الذنوب في حال الكفر بعض ذنوبهم وإذا كان كذلك فـ «من» في الآيتين الشريفتين للتبعيض.
وقد قيل في يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ: إن (يغفر) ضمن معنى يخلص؛ التقدير: يخلصكم من ذنوبكم؛ لأن الكافر ذنوبه -

الجزء: 6 - الصفحة: 2903

................................  محيطة به لا خلاص له منها إلا بالإيمان، وقد تقدم لنا التنبيه على فائدة التضمين.
وأما قوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ 194 فأجابوا عنه بأن «من» فيه [3/ 182] لابتداء الغاية وهو ظاهر.
وأما الحديث الشريف: «فإذا بقي من قراءته نحو من كذا» فأجابوا عنه بأن «من» فيه للتبعيض وأن الفاعل مضمر وهو اسم فاعل يفسره الفعل التقدير: فإذا بقي هو أي باق من قراءته نحوا من كذا.
وهذا الجواب الذي أجابوا به الحديث أجابوا [به] عن قول الشاعر: 2380 - فما قال من كاشح وعن قول الآخر: 2381 - قد كان من طول إدلاج وقول الآخر: 2382 - ويكثر فيه من حنين الأباعر وعن قول العرب: قد كان من مطر، وقولهم أيضا: قد كان من حديث فحل عنّي، ولا يخفى ضعف هذا التخريج؛ لعدم ذوقه.
وأما قول الآخر: 2383 - وكنت أرى كالموت من بين ساعة فقالوا فيه: إن «من» للسبب أي: أرى شيئا عظيما كالموت من أجل بين ساعة، فكيف يكون حالي ببين موعده الحشر؟! أي: بسبب بين موعده الحشر.
وخرّجه الإمام بدر الدين 195 ولد المصنف: على أن «من» لابتداء الغاية والكاف اسم، والمعنى: وكنت أرى «من» بين ساعة حالا مثل الموت؛ على حد قولهم: رأيت منك أسدا 196. وأقول: لا حاجة إلى تكلف هذه التخريجات لما ورد في هذه الأبيات؛ لأن البصريين يجيزون زيادة «من» في الكلام الموجب ودخولها على المعرفة في الشعر، -

الحديث: 2380 - الجزء: 6 - الصفحة: 2904

................................  وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى تكلف الجواب عن الوارد فيه.
وأما قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» فقد كفى المصنف مئونة الجواب عنه؛ إذ قال في باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر لما ذكر أن ضمير الشأن يكون اسما لـ «إن» وأنه يحذف معها كثيرا قال 197: وعليه يحمل «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» لا على زيادة «من» خلافا للكسائي.
وقد خرج ابن عصفور «قد كان من مطر»، و «قد كان من حديث» على أن أصله: قد كان كائن من مطر، و: قد كان كائن من حديث؛ فحذف الموصوف وقامت الصفة مقامه.
قال: وإن كانت غير محضة 198. وقد ذكر في باب النعت 199 أن ذلك يحسن في الكلام مع «من»، ورده الشيخ بأنه يلزم من ذلك أن يكون المجرور فاعلا، والمجرور الذي يجر بحرف غير زائد لا يكون فاعلا.
وأما تخريج ابن جني قراءة ابن هرمز فقد استبعده الشيخ، وقال 200: هذا تخريج لا يحتمل مثله القرآن العزيز، قال: وكونها على ما استقر في «لما» ظاهر إما على الظرف أي: حين أتيناكم، وإما كونها حرف وجوب لوجوب وأتيناكم التفات من الغيبة إلى الخطاب ولو جرى على الغيبة لكان: لما (أتيناهم) 201، قال: ولا يظهر معنى لتخريج ابن جني لمن ما أتيناكم من كتاب وحكمة.
وقد استدل على زيادة «من» في الواجب بأشياء أخر غير الذي ذكره المصنف: منها: قوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ 202، وقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ 203، ووَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً [وَأَجْراً عَظِيماً] 204. وأجيب بأن التقدير: ولهم مطعوم، أو فاكهة من كل الثمرات لما تقدم ذكر المشروب ذكر المطعوم وحذف المبتدأ لدلالة المعنى عليه جائز ولا سيّما إذا كانت له صفة.
وأما يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ فـ «من» للتبعيض؛ لأنهم لم يؤمروا بغض -

الجزء: 6 - الصفحة: 2905

................................  الأبصار وإنما يغضّ منها ما كان في النظرية امتناع شرعي، وكذلك هي للتبعيض في وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً 205. ومنها: أنك قد عرفت ما ذكره المصنف من أن «من» الزائدة ربما دخلت على حال واستدلاله على ذلك بقراءة زيد بن ثابت ومن وافقه ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ 206 يعني بفتح الخاء وضم النون أي: أولياء.
ولا شك أن مسوّغ ذلك انسحاب النفي عليه من حيث المعنى كما انسحب عليه في قراءة الجماعة حين كان مفعولا 207 شبه ذلك بانسحاب النفي على الفعل المتعدي إلى مفعول كقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ 208. ومنها: أنك قد عرفت أيضا أن «من» تنفرد بجر ظروف لا تتصرف كما أشار المصنف إلى ذلك في متن الكتاب وهذا لا كلام فيه، ولكنه قال في الشرح ما تقدم نقله عنه وهو أن «من» إذا دخلت على «قبل وبعد ولدن وعن» فهي زائدة؛ لأن المعنى بسقوطها وثبوتها واحد.
فقال الشيخ: زعم بعض النحويين ذلك (5). قال: وليس كما زعم، بل المعنى مختلف؛ فإذا قلت: جئت من قبل زيد؛ كان مجيئك مبتدأ من الزمان المتعقبه زمان مجيء زيد، وإذا قلت: جئت قبل زيد؛ كان مجيئك سابقا على مجيء زيد واحتمل تعقبه زمان مجيء زيد أو كان بينهما مهلة كثيرة أو قليلة؛ لأنه يدل على مطلق السبق، وإذا قلت: جئت من بعد عمرو؛ كان ابتداء مجيئك من الزمان المتعقب زمان مجيء عمرو، وإذا قلت: جئت بعد عمرو احتمل أن يتعقب وأن يتأخر بمهلة كثيرة أو قليلة فـ «من» لابتداء الغاية في القبلية والبعدية، فلو جاء شخص ظهرا وآخر عصرا حسن «قبل وبعد»، ولم يحسن «من قبل» ولا «من بعد» إذ لا [ا] عتقاب في الزمانين 209. قال: وكذلك تقول في «من لدن»، و «من عن»: إنها فيهما لابتداء الغاية؛ فإذا قلت: قعد زيد عن يمين عمرو؛ فمعناه ناحية يمين عمرو، واحتمل أن يكون قعوده ملاصقا لأول ناحية يمينه، واحتمل ألا يكون ملاصقا لأولها.
وإذا قلت: من -

الجزء: 6 - الصفحة: 2906

................................  عن يمينه؛ كان ابتداء القعود نشأ ملاصقا لأول الناحية 210. انتهى. والحاصل: أن المصنف جعل «من» إذا دخلت على الأربعة المذكورة وهي: «قبل، وبعد، ولدن، وعن» زائدة، وقد رأيت بحث الشيخ معه في ذلك وجعلها إذا دخلت على «عند، ولدى، ومع، وعلى» [3/ 183] لابتداء الغاية. ولقائل أن يقول: لا شك أن «عن، وعلى» يصير كل منهما اسما بمباشرة «من» له فإذا قيل: من عن؛ كانت بمعنى: جانب، وإذا قيل: من على؛ كانت «على» بمعنى: فوق وإذا كان كذلك فلا يظهر وجه للتفرقة بينهما في ما ذكر ويحتاج ذلك إلى تأمل. وقد استشهد على مباشرة «من» لـ «عن» ول «على» بأبيات غير ما أورده المصنف منها قول الشاعر. 2384 - فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها... يمينا ومهوى القرط من عن شمالك 211 وقول الآخر: 2385 - غدت من عليه تنفض الطّلّ بعد ما... رأت حاجب الشّمس استوى فترفّعا 212 وأما قول الآخر: 2386 - فقلت للرّكب لمّا أن علا بهم... من عن يمين الخبيّا نظرة قبل 213 فهو من إنشادات المصنف في غير هذا الموضع. قيل: وكان القياس أن يقال في «من عليه»: من علاه، كما يقال: من فتاه؛ لأن المقصور من الأسماء لا يتغير مع المظهر والمضمر لما روعي أصلها. وفي شرح الشيخ: وقد تجرّ «عن» بعلى قال الشاعر: 2387 - على عن يميني مرّت الطّير سنّحا... وكيف سنوح واليمين قطيع 214

الحديث: 2384 - الجزء: 6 - الصفحة: 2907

................................  واعلم أن ابن عصفور حكم على «عن وعلى» بالاسمية إذا (باشرهما حرف جر كما قال المصنف، قال: وكذا - يعني يحكم عليهما بالاسمية - إذا) 215 أدّى جعل شيء منهما حرفا إلى تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل كقول القائل في «عن»: 2388 - [و] دع عنك نهبا صيح في حجراته... ولكن حديثا ما حديث الرّواحل 216 وكقول الآخر في «على»: 2389 - [فـ] هوّن عليك فإنّ الأمور... بكفّ الإله مقاديرها 217 وفي ما ذكره نظر؛ فإن «عنك» في «دع عنك»، و «عليك» في «هون عليك» ليسا مفعولي الفعلين اللّذين هما «دع، وهوّن» وإن كانا من متعلقاتهما إنما مفعول «دع» «نهبا»، وأما مفعول «هون» فمحذوف يدل عليه المعنى، التقدير: هون عليك ما تلقاه.
ولو كانت «عن» في البيت لتعدية الفعل الذي قبلها إلى ما بعدها لكان التقدير: دع إياك، أي: نفسك، وليس المعنى على هذا.
وكذا كان يكون التقدير في البيت الآخر: هون إياك، أي: نفسك، وهذا لا يقال.
فظهر أن المفعول غير ما باشره الحرفان المذكوران، وإذا كان المفعول غير ما باشره الحرف فمن أين يجيء تعدي فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل، ولو كان ما قاله صحيحا لوجب أن يحكم باسمية «إلى» من قوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ 218، [و] وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ 219. ولم يذهب أحد إلى أن «إلى» اسم، وقد ذكر عن الأخفش 220 نحو ذلك، ولعله هو الموقع لابن عصفور في ما ذكرناه عنه، فإنه استدل على اسمية «على» بقول العرب: -

الحديث: 2388 - الجزء: 6 - الصفحة: 2908

................................  سويت على ثيابي، بالطريق الذي ذكره ابن عصفور، وقد عرفت أن ذلك لا دليل فيه.
وقد سلم الشيخ أن التعدية 221 حاصلة فإنه قال: كما أن «إلى» من قوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ 222 حرف إجماعا كذلك تقول إن على، وعن حرفان يعني في الأبيات التي ذكرها ابن عصفور لكن هذه التعدية قليلة فلا يكون فيها دلالة على اسمية «عن وعلى» 223. انتهى.
وهو كلام عجيب!! وكيف يبقي الدلالة على الاسمية بعد أن سلم التعدية التي جعلها المدعي دليلا عليها؟! فإن قلت: فعلى أي وجه تعلق هذه الأحرف الجارة بالفعل وما معناها؟ قلت: الذي يظهر أن «عنك» من قوله: «دع عنك» في موضع الحال من المفعول المذكور - أعني «نهبا» - والتقدير: دع نهبا كائنا عنك، ومعنى «عن» المجاوزة، وكذلك القول في «عليك» من قول الآخر: «هوّن عليك»، التقدير: هوّن ما تلقاه كائنا عليك، ومعنى «على» الاستعلاء فإن ما يلقاه الإنسان من الأمور الصعبة كأنه عليه، فالاستعلاء الذي أفادته هنا معنوي.
وأما كون «إليك» من الآيتين الشريفتين في موضع الحال «وإلى» لانتهاء الغاية ففي غاية الظهور، التقدير: وهزي بجذع النخلة كائنا إليك، و: اضمم جناحك كائنا إليك.
ثم إن في كتب المغاربة الإشارة إلى مسألتين 224: الأولى: أن الفراء ومن وافقه من الكوفيين يزعمون أن «عن، وعلى» إذا دخلت عليهما «من» حرفان كما كانتا قبل دخولها قال: وزعموا أن «من» تدخل على حروف الجر كلها سوى «من» واللام، والباء، وفي»، وذكر عنهم دليلا 225. ولا شك أن هذا ونحوه مما لا يشتغل به فالواجب إهمال ذكره.
-

الجزء: 6 - الصفحة: 2909

................................  الثانية: أن جماعة من النحاة منهم ابن طاهر، وابن خروف، والأستاذ أبو علي في أحد قوليه - ذهبوا 226 إلى أن «على» لا تكون حرفا، وزعموا أن ذلك مذهب سيبويه؛ لقوله في باب عدة ما يكون عليه الكلم: وهو اسم ولا يكون إلا ظرفا 227، قالوا: واستدل المخالف لهؤلاء بأن «على» إذا حذفت في ضرورة الشعر نصب ما بعدها على أنه مفعول به.
نحو قول الشاعر: 2390 - تحنّ فتبدي ما بها من صبابة... وأخفي الّذي لولا الأسى لقضاني 228 وقول الآخر: 2391 - بخلت فطيمة بالّذي يرضيني... إلّا الكلام وقلّما يجديني 229 أي: لقضى عليّ، وقلما يجدي عليّ، وقال آخر: 2392 - ما شقّ جيب ولا ناحتك نائحة... ولا بكتك جياد غير أسلاب 230 أي: ولا ناحت عليك.
وقد أجاز أبو الحسن 231 ذلك في الكلام وجعل منه قوله تعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ 232 أي: على صراطك، واستدل أيضا لذلك بحذفها مع الضمير في الصلة نحو: ركبت على الفرس الذي ركبت، قال الشاعر: 2393 - فأصبح من أسماء قيس كقابض... على الماء لا يدري بما هو قابض 233 أي: عليه، ولو كانت اسما لم يجز ذلك، لو قلت: قعدت وراء الذي قعدت، تريد وراءه؛ لم يجز.

الحديث: 2390 - الجزء: 6 - الصفحة: 2910

[إلى الجارة... معانيها، وأحكامها] قال ابن مالك: (ومنها: «إلى» للانتهاء مطلقا، وللمصاحبة، وللتّبيين، ولموافقة اللّام، وفي، ومن. ولا تزاد خلافا للفرّاء). قال ناظر الجيش 234: قال [3/ 184] المصنف: أردت بقولي: (للانتهاء مطلقا) شيئين: أحدهما: الزمان والمكان كقولك سرت إلى آخر النهار، وإلى آخر المسافة. والثاني: أن منتهى العمل بها قد يكون آخرا وغير آخر، نحو: سرت إلى نصف النهار، وإلى نصف المسافة. ونبهت بقولي: (وللمصاحبة) على أنها تكون بمعنى مع كقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ 235 ومَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ 236. قال الفراء في مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ: قال المفسرون: من أنصاري مع الله (4) قال: وهو وجه حسن 237، قال: وإنما تجعل «إلى» كـ «مع» إذا ضممت شيئا إلى شيء، كقول العرب: الذود 238 إلى الذود إبل 239، فإن لم يكن ضم لم تكن إلى كمع فلا يقال في مع فلان مال كثير: إلى فلان مال كثير 240، قلت: ومن مجيئها بمعنى (مع) 241 قول الشاعر: 2394 - برى الحبّ جسمي ليلة بعد ليلة... ويوما إلى يوم وشهرا إلى شهر 242 ومثله: 2395 - ولقد لهوت إلى كواعب كالدّمى... بيض الوجوه حديثهنّ رخيم 243

الحديث: 2394 - الجزء: 6 - الصفحة: 2911

................................  ومثله: 2396 - وإنّ امرأ قد عاش سبعين حجّة... إلى مائة لم يسأم العيش جاهل 244 ومثله قول الآخر: 2397 - فلم أر عذرا بعد عشرين حجّة... مضت لى وعشر قد مضين إلى عشر 245 ونبهت بقولي: (وللتبيين) على المتعلقة - في تعجب أو تفضيل بحب أو بغض مبينة لفاعلية مصحوبها كقول الله تعالى: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ 246، وكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وايم الله لقد كان خليقا للإمارة وإن كان من أحبّ النّاس إليّ» 247 وأشرت بموافقة اللام إلى نحو: وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ 248؛ فاللام في هذا هو الأصل كقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ 249، وكقوله تعالى: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ 250 وهَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ 251 ومثل «إلى» من وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ في موافقة اللام «إلى» (المعدية) 252 فعل الهدى كقوله تعالى: وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 253؛ فإنها موافقة للام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا 254، وقُلِ (اللَّهُ) 255 يَهْدِي لِلْحَقِّ 256 وإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ 257، ومنه قول عمر رضي الله عنه، لا يمنعنّك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحقّ» 258 وأشرت -

الحديث: 2396 - الجزء: 6 - الصفحة: 2912

................................  بموافقة «في» إلى قول الشاعر: 2398 - فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني... إلى النّاس مطليّ به القار أجرب 259 ومثله قول النمر 260: 2399 - إذا جئت دعدا لا تتركانني... إلى آل دعد من سلامان أو نهد 261 أراد: في الناس، و: في آل دعد.
ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 262، وثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 263 ومثل موافقة إلى «من» قول ابن أحمر 264: 2400 - تقول وقد عاليت بالكور فوقها... أيسقى فلا يروي إليّ ابن أحمرا 265 أي: فلا يروي مني.
وزعم الفرّاء أنها زائدة 266، في قراءة بعضهم فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ 267 بفتح الواو، ونظّرها باللام في قوله تعالى: رَدِفَ لَكُمْ 268 وأولى من زيادتها أن يكون الأصل «تهوي» فجعل موضع الكسرة فتحة كما يقال في رضي: رضى، وفي ناصية: ناصاه وهي لغة طائية، وعليها قول الشاعر: -

الحديث: 2398 - الجزء: 6 - الصفحة: 2913

................................  2401 - نستوقد النّبل بالحضيض ونص... طاد نفوسا بنت على الكرم 269 أراد: بنيت على الكرم 270. انتهى.
والمعاني التي ذكرها لهذا الحرف الذي هو «إلى» ستة: أولها: الانتهاء، أي: انتهاء الغاية، وهذه هي عبارة النحويين.
وقال سيبويه: «وأما» إلى فمنتهى الغاية؛ تقول: من مكان كذا وكذا إلى مكان كذا وكذا، وتقول لرجل: إنما انتهائي إليك، أي: أنت غايتي 271، وقال الفارسي: معناها الغاية 272 وحمله الناس على أن مراده انتهاء الغاية، وابن خروف 273 يذهب إلى أنها قد تدخل على ما يقع فيه ابتداء الفعل وانتهاؤه مستدلّا بقوله تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ 274؛ لأن الأمة المعدودة هي الزمان الذي وقع فيه تأخير العذاب لا الزمان الذي وقع فيه نهاية تأخيره.
قال: لأن المعنى: ولئن أخرنا عنهم العذاب أمة معدودة.
وأجاب غيره 275 عن ذلك بأن ثم مضافا حذف وهو مراد، التقدير: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى انقضاء أمة معدودة.
قال ابن عصفور: وإنما وجب أن يقدر أن الأمر كذلك؛ لأن الثابت في كلام العرب أن «إلى» إنما تدخل على ما يكون منتهى لابتداء غاية الفعل 276. انتهى.
ثم قد عرفت ما قاله المصنف من أن منتهى العمل بها قد يكون آخرا وغير آخر.
وهذه المسألة غير مسألة قولهم: إن المغيّا بـ «إلى» هل هو داخل فيما قبلها أو غير داخل؟ لكن الشيخ 277 حكم بأن مراد المصنف مما ذكره هذه المسألة، وليس مراده ذلك؛ بل هذه المسألة لم يتعرض المصنف إلى ذكرها في هذا الكتاب ولا في بقية وإنما ذكرها غيره.
قال ابن عصفور: ما بعد «إلى» غير داخل فيما قبلها إلا أن يقترن بالكلام قرينة تدل على خلاف ذلك نحو قولك: اشتريت الشقة إلى طرفها.
-

الحديث: 2401 - الجزء: 6 - الصفحة: 2914

................................  هذا ما قاله في المقرب 278، وقال في شرح الإيضاح 279: وإذا ثبت أن «إلى» تكون لانتهاء غاية الفعل فجائز أن تقع على أول الحد فلا يكون الفعل فيما بعدها، وجائز أن يقع الفعل فيما بعدها ولكن يمتنع أن يجاوز الفعل ما بعدها؛ لأن النهاية غاية وما كان بعده شيء لم يسم غاية.
فعلى هذا إذا قلت: سرت إلى الكوفة؛ فجائز أن تكون دخلت الكوفة، وجائز أن تكون بلغتها ولم تدخلها، ولا يجوز أن تكون قد تجاوزتها بالسير، ومما يدل على أن ما بعد «إلى» قد يكون داخلا في الفعل الذي قبلها قول امرئ القيس: 2402 - وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال 280 ألا ترى أن مراده أنه قد دخل في الحسنى، وتقول: اشتريت الشقة إلى طرفها، ومعلوم أن طرف الشقة داخل في الشراء [3/ 185] ومما يدل على أنه قد يكون غير داخل فيما قبلها قولك: صمت إلى يوم الفطر، واشتريت المكان إلى الطريق، وإذا عري الكلام عن قرينة تدل على الدخول أو عدمه فأكثر المحققين على أنه لا يدخل؛ لأن استعمالها على أن يكون ما بعدها غير داخل في الفعل الذي قبلها أكثر في كلام العرب.
ألا ترى أنك تقول: ذهبت إلى زيد، ودخلت إلى عمرو، ونحو ذلك، وليس ما بعدها داخلا في الفعل الذي قبلها في شيء منه 281. انتهى كلامه.
وقال ابن هشام الخضراوي: قد اختلف النحويون؛ أيدخل ما بعدها فيما قبلها، أم لا؟ فمنهم من منع ذلك، ومنهم من التزمه، ومنهم من فرّق فقال: إن كان من جنس الأول دخل، وإلا فلا، نحو: أبيعك هذه الأرض إلى هذا الحد، وهذه الشجرة إلى تلك الشجرة.
فإن قلت: أبيعك هذه الأرض إلى هذه الشجرة؛ لم تدخل في البيع، ودليل هذا قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ 282 ومنهم من -

الحديث: 2402 - الجزء: 6 - الصفحة: 2915

................................  قال: هي انتهاء الغاية؛ فقد يصل الفعل لما بعدها ويقف، وقد يباشرها؛ تقول: سرت إلى الكوفة؛ فقد يصل إليها ولا يدخلها، وقد يجوز أن يكون دخلها ولا يجاوزها، وهو قول الفراء 283، وهذا أغلب أقوال النحويين وأقربها إلى الصواب، وهو قول أبي علي وسيبويه 284 في كلامه يدخل ما بعد إلى فيما قبلها، وليس عنه نصّ في أنه قد لا يدخل 285 انتهى.
ولا يخفى أن فيه من التنقيح ما ليس في كلام ابن عصفور.
ثم قال - أعني ابن عصفور -: «وقد تكون لانتهاء الغاية في الأسماء كما تكون لانتهاء الغاية في الأفعال، وذلك نحو قولك: إنما أنا إليك، أي: أنت غايتي، ومن ذلك قوله تعالى: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ 286 المعنى فأيمانهم إلى الأذقان، أي: مضمومة إلى الأذقان، وعاد الضمير على الأيمان، وإن لم تذكر، من جهة أن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق جميعا؛ فكفى ذكر أحدهما عن الآخر 287. وثانيها: المصاحبة، أي أنها تكون بمعنى «مع» وقد تقدم استدلال المصنف على ذلك.
والمنقول أن كون «إلى» تكون بمعنى «مع» هو مذهب الكوفيين، لكن ابن هشام الخضراوي لما ذكر المسألة قال: هذا قول أهل اللغة وهو مذهب الكوفيين وكثير من البصريين، ثم قال: وقد جعل الأئمة هذا من التضمين وهو نوع من الاتساع لا يقاس؛ وذلك أن الفعل قد يتأول فيه معنى ما يقاربه فيعدّونه تعديته.
وكان قد ذكر أن من الأدلة على أن «إلى» ترد بمعنى «مع» قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ 288 قال: فـ الرَّفَثُ إفضاء وهو يتعدى بـ «إلى» فكأنه قيل: أحل لكم الإفضاء إلى نسائكم.
قال: وكذا قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ 289 إن شئت جعلته على هذا أي: -

الجزء: 6 - الصفحة: 2916

................................  ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل، وقد يكون إِلى أَمْوالِكُمْ حالا من أَمْوالَهُمْ على تقدير مضافة إلى أموالكم.
قال: وكذا يقال في قولهم: الذود إلى الذود إبل، يقال للذي يرى أنها بمعنى «مع» الذي يقدر عاملا في «مع» ويليق بها يقدر مثله عاملا في «إلى» أي: مضافة إلى الذود، كما يقدر في «مع»: مجتمعة.
قال: وكذا يقال في قول الشاعر: 2403 - شدخت غرّة السّوابق منهم... في وجوه إلى اللمام الجعاد 290 التقدير: واصلة إلى اللمام، قال: ولأجل هذا وغيره قال سيبويه بعد أن ذكر أنها لانتهاء الغاية: فهذا أمر «إلى» وأصلها وإن اتسعت 291. قال: وكذا قولهم: إن فلانا ظريف عاقل إلى حسب ثاقب، قيل: إن «إلى» فيه بمعنى «مع» أي: مع حسب.
ونحن نقول: إن «إلى» معناها الأصلي [الإضافة] أي: مضيف ذلك إلى حسب 292. انتهى.
وهذا الذي ذكره من التخريج أشار إليه الجماعة كابن أبي الربيع وابن عصفور وغيرهما، ولا يبعد عن الصواب، وهو أولى من جعل «إلى» بمعنى «مع» وعلى الوجه الثاني من الوجهين اللّذين ذكرهما في قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ 293 تتخرج الأبيات التي أنشدها المصنف 294 وهي: برى الحبّ جسمي، ولقد لهوت إلى كواعب، وإنّ امرأ قد عاش، وفلم أر عذرا، وأما قوله تعالى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ 295 فقال ابن عصفور: إن مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ضمّن معنى ما يصل بـ «إلى» فالمعنى: من ينضاف في نصرتي إلى الله؟ وقال ابن أبي الربيع: قال بعض 296 النحاة: إن «إلى» تكون بمعنى «مع» واستدلوا بقوله سبحانه وتعالى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ المعنى: من أنصاري مع الله، وبقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ، وبقول امرئ القيس: -

الحديث: 2403 - الجزء: 6 - الصفحة: 2917

................................  2404 - له كفل كالدّعّص لبّده النّدى... إلى حارك [مثل الغبيط المذأّب] 297 أي: مع حارك وهذا كثير فالكوفيين يذهبون إلى أن «إلى» في مثل ذلك بمعنى «مع».
وأما البصريون فيذهبون إلى التضمين وهو الصحيح.
فأما قوله سبحانه وتعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ 298 فهو من إقامة المسبب مقام السبب، والأصل: ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم؛ فيكون ذلك سببا لأكلها، فلما كان المراد ألا يخلط مال اليتيم بماله وأن (يفرده) 299 محافظة على أن يتنمى ولا يتعدى فيه، أتى بـ «إلى» لتدل على هذا المراد، فيعطي على اختصاره ما يعطي لو قال سبحانه: ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم؛ فيكون ذلك سببا لأكلها، فهذه فائدة لا تكون مع «مع»، وأكثر ما يكون هذا التضمين في الكلام الفصيح لإفادة معنى وإحرازه، وإذا تدبرته في كل ما ذكرته وجدتّه.
وأما قوله سبحانه: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ 300 ففي «إلى» هنا فائدة لا تعطيها «مع»، وذلك أنك إذا قلت: من ينصرني مع فلان؟ لم يعط أن فلانا ينصرك [3/ 186] ولا بد وحده، فقد يقول: هذا فلان قد قال انصرك وإن وجدت لي معينا، وإذا قلت: من يضيف نصرته إلى نصرة فلان؟ ففلان ناصرك ولا بد، وأنت تطلب من يضيف نصرته إلى نصرته، وهذا المراد في قوله تعالى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي: من يضيف نصرته إلى نصرة الله، والله تعالى أعلم.
وأما قول امرئ القيس فالتقدير فيه: له كفل مضاف إلى حارك؛ لأن بإضافة حارك إلى هذه الصفة إلى الكفل (حسن) 301 الكفل، فلو كان الكفل والحارك منخفض لكان الفرس قبيحا، وهذا المعنى لا تحرزه «مع»؛ لأنه لو قال: له كفل مع حارك؛ لم يكن فيه إلا أن له عضوين حسنين ليس أحدهما شرطا في رتبة صاحبه.
وإذا تأملت ما قلته وأجريته في النظائر، وفي كل ما يأتي من هذا النوع؛ وجدته إن شاء الله تعالى صحيحا 302. انتهى كلامه.
وهو كلام حسن صواب.
-

الحديث: 2404 - الجزء: 6 - الصفحة: 2918

................................  وثالثها: التبيين، وهذا المعنى لم يتعرض المغاربة إلى ذكره.
ولا شك أنه حق لا مطعن فيه وهو يحقق لك أن «من» الواقعة بعد «أفعل» التفضيل للتبيين.
ورابعها: موافقة اللام، والظاهر إثبات هذا المعنى لها وسيأتي أن اللام تكون بمعنى «إلى» كما في قوله تعالى: سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ 303 والأمثلة التي تقدم ذكرها للمصنف ظاهر فيها ما ذكره غير قوله تعالى حكاية: وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ 304؛ فإن الشيخ قال: لا يتعين ما ذكره بل «إلى» باقية على معناها من الغاية، أي: الأمر مضاف إليك ومنته إلى رأيك.
قال: وقد قال ابن عصفور: إنها تكون غاية في الأسماء كما تكون في الأفعال نحو: إنما أنا إليك 305. انتهى.
والذي ذكره الشيخ في الآية الشريفة ظاهر، وسيعاد الكلام في شيء مما تقدم عند الكلام على اللام.
وخامسها: معنى «في».
وقد عرفت ما استشهد به المصنف على ذلك.
وقال ابن هشام: قال 306 بعضهم «إلى» تكون بمعنى «في» تقول العرب: جلست إلى القوم، أي: فيهم، وقال تعالى: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى 307؛ لأن العرب تقول: هل لك في كذا، وقال طرفة: 2405 - وإن يلتق الحيّ الجميع تلاقني... إلى ذروة البيت الرّفيع المصمّد 308 وقال النابغة: 2406 - فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني إلى... النّاس مطليّ به القار أجرب 309 ثم إنه خرج ذلك جميعه إلا قوله تعالى: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى؛ فقال في: جلست إلى القوم: إن تقديره: منضمّا إلى القوم، وفي قول طرفة: إن تقديره: -

الحديث: 2405 - الجزء: 6 - الصفحة: 2919

................................  تلاقني آويا إلى ذروة، كقوله تعالى حكاية: سَآوِي إِلى جَبَلٍ 310، وفي قول النابغة: إن تقديره: منضمّا إلى الناس؛ فـ «منضمّا» حال من الضمير المنصوب والعامل فيها ما في «كأن» من التشبيه، وقيل: ضمنه معنى «مبغض إلى الناس»؛ لأنه إذا كان بالمنزلة التي ذكر فهو مبغّض إلى الناس.
هذا كلامه، ولم أفهم المضمن معنى مبغض ما هو.
وقد أفصح ابن عصفور فقال: إن «مطليّا» في البيت ضمن معنى «مبغّض»؛ لأن الجمل الأجرب المطلي بالقطران تبغضه الناس ويطردونه خوفا من عدواه، فلما ضمن معنى مبغض أجراه في التعدي بـ «إلي» مجراه 311. وقال في قوله تعالى: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى 312. لما كان دعاء موسى عليه الصلاة والسّلام - لفرعون صار تقديره: أدعوك إلى أن تزكى.
وأما البيت الذي أنشده المصنف وهو: 2407 - إذا جئت دعدا لا... فقيل فيه: إن التقدير كأنني بغيض إلى آل دعد؛ لأن سلامان ونهدا عدوان لآل دعد.
وأما قوله تعالى: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 313 فقد خرّج على نحو ما تقدم؛ فقيل: التقدير: مضمومين إلى هذا اليوم.
قال ابن هشام: أو يكون التقدير: إلى عرض هذا اليوم، أو حساب هذا اليوم 314. وسادسها: معنى «من» وقد استدل المصنف على ذلك بما أنشده من قول الشاعر: 2408 - تقول وقد عاليت بالكور فوقها... أيسقى فلا يروي إليّ ابن أحمرا 315 وذكر أن التقدير: فلا يروى مني، وقد خرجه ابن عصفور في شرح الإيضاح تخريجا عجيبا إذا تأمل الواقف عليه عرف ما فيه.
وأما ابن هشام فإنه بعد إنشاده البيت المذكور وذكره أنه لابن أحمر يصف ناقته قال: أراد: أيسقى ابن أحمر فلا يروى مني، ضرب السقي والري مثلين لما ينال بها -

الحديث: 2407 - الجزء: 6 - الصفحة: 2920

................................  من المأرب؛ فضمن الري هنا معنى الإشفاق فكأنها تقول: فلا يأوي إليّ.
يقال: أويت إليه أي: أشفقت؛ لأن الأوي انضمام وانعطاف.
قال: وهذا من الاتساع الذي ذكره سيبويه 316 رحمه الله تعالى 317 انتهى.
وما ذكره أقرب وأولى مما ذكره ابن عصفور.
وقد تبين مما ذكرناه: أن الثابت بالتحقيق لـ «إلى» من المعاني التي ذكرها المصنف ثلاثة وهي: انتهاء الغاية، والتبيين، وموافقة اللام.
واعلم أن غير المصنف ذكر أن «إلى» تجيء بمعنى «عند» قال ابن هشام: وذلك كثير؛ لأن ما كان عندك فقد انضم إليك، يقال: هو أشهى إليّ من كذا، أي عندي.
وقال الراعي 318. 2409 - ثقال إذا زار النساء خريدة... صناع فقد سادت إليّ الغوانيا 319 أي: عندي.
وقال: 2410 - لعمرك إنّ المسّ من أمّ خالد... إليّ وإن لم آته لبغيض 320 يريد بالمس: النكاح، وقال حميد بن ثور 321: 2411 - ذكرتك لمّا أتلعت من كناسها... وذكرك سبّات إليّ عجيب 322 أتلعت: رفعت رأسها، يعني غزالة، والسبات: الأوقات، واحدها سبة.
وفي الحديث: «إنّ أبغضكم [3/ 187] إليّ المتفيهقون» 323 أي: عندي، وقال تعالى: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ 324، وقال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ -

الحديث: 2409 - الجزء: 6 - الصفحة: 2921

................................  فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ 325 أي: عند الله، وهذا كله على تأويل الإضافة بالانضياف؛ لأن من أبغضته قد انضاف إلى خاطرك واشتغل به، وكذلك «الأغلال» قد انضافت إلى «الأذقان» واتصلت بها، وكذلك ما انفرد حكمه بالله قد انضاف إليه على ما يليق به سبحانه فـ «إلى» غير خارجة عن بابها فإنها نهاية إن شاء الله تعالى متصلة. انتهى. ولم يفصح عن تخريج الشواهد التي أوردها، ولا شك أن معنى أشهى إليّ من كذا: أحب إليّ من كذا، وقد عرفت أن «إلى» المتعلقة بحبّ أو بغض في التفضيل معناها التبيين؛ فعلى هذا «إلى» في قولهم: أشهى إليّ من كذا، كما قال أبو كبير الهذلي 326: 2412 - ام لا سبيل إلى الشّباب وذكره... أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل 327 على بابها. لكن المغاربة لم يذكروا هذا المعنى - أعني التبيين - لهذا الحرف، على أن ابن عصفور ذكر أن معنى أشهى إليّ: أحب إليّ، لكنه لم يتعرض إلى معنى «إلى» في هذا التركيب 328، والظاهر أنها عنده لانتهاء الغاية، وكذا قول الآخر: 2413 - إليّ وإن لم آته لبغيض «إليّ» متعلقة فيه بقوله: لبغيض، أي: لبغيض إليّ فهي للبيان على بابها، وكذا يقال في الحديث الشريف أيضا، وقالوا في: 2414 - سادت إليّ الغوانيا إن الكلام المذكور ضمن معنى: صارت أحبّ الغواني إليّ؛ لأنها إذا سادت الغواني عنده؛ فقد صارت أحبّهنّ إليه، وأما قول الآخر: 2415 - وذكرك سبّات إليّ عجيب

الحديث: 2412 - الجزء: 6 - الصفحة: 2922

الجزء: 6 - الصفحة: 2923

................................  نحو: أدوم لك ما تدوم لي، وكقول الشاعر: 2416 - ما لمولاك كنت كان لك المو... لى ومثل الّذي تدين تدان 336 ومن هذا النوع المفهمة ما يجب مقابلة لـ «على» كقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها 337. وكقول الشاعر: 2417 - فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نساء ويوم نسرّ 338 والتمليك نحو: وهبت لزيد دينارا، وشبه التمليك نحو: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً 339، ولام الاستحقاق نحو: الجلباب للجارية، والجل للفرس، ولام النسب نحو: لزيد عمّ هو لعمرو خال، ولعبد الله ابن هو لجعفر حم، ولام التعليل نحو: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ 340، ولِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ 341، وكقول الشاعر: 2418 - ولو سألت للنّاس يوما بوجهها... سحاب الثّريّا لاستهلّت مواطره 342 ومن لامات التعليل الجارة اسم من غاب حقيقة أو حكما عن قائل قول يتعلق به نحو: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ 343، ومثله: وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا 344، ومثله: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا 345، ومثله: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا 346، ومثله: وَلا أَقُولُ -

الحديث: 2416 - الجزء: 6 - الصفحة: 2924

................................  لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً 347، ومنه قول الشاعر: 2419 - وقولك للّشيء الّذي لا تناله... إذا ما هو احلولى ألا ليت ذا ليا 348 ومثله: 2420 - حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه... فالنّاس أعداء له وخصوم 2421 - كضرائر الحسناء قلن لوجهها... حسدا وبغيا 349 إنّه لدميم 350 ولام التبليغ هي الجارة اسم سامع قول أو ما في معناه نحو: قلت له، وبينت له، وفسرت له، وأذنت له، واستجبت له، وشكرت له، ونصحت له.
إلا أن هذين قد يستغنيان [3/ 188] عن اللام فيقال: شكرته، ونصحته، والمختار تعديتهما باللام، وبذلك نزل القرآن العزيز كقوله تعالى: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ 351، وكقوله تعالى: وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ 352، ولام التعجب كقول الشاعر: 2422 - شباب وشيب وافتقار وثروة... فلله هذا الدّهر كيف تردّدا 353 ومثله: 2423 - فلله عينا من رأى من تفرّق... أشتّ وأنأى من فراق المحصّب 354 ولام التبيين هي الواقعة بعد أسماء الأفعال والمصادر التي تشبهها مبينة لصاحب معناها، والمتعلقة بحب في تعجب أو تفضيل مبينة لمفعولية مصحوبها فالأول نحو: هَيْتَ لَكَ 355، وهَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ 356، والثاني نحو: ما أحبّ زيدا لعمرو، [و] وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ 357، ولام الصيرورة كقوله -

الحديث: 2419 - الجزء: 6 - الصفحة: 2925

................................  تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً 358، وكقول الشاعر: 2424 - فللموت تغدو الوالدات سخالها... كما لخراب الدّور تبنى المساكن 359 ومثله: 2425 - لا أرى حصنا ينجّي أهله... كلّ حيّ لفناء ونفد 360 والموافقة «في» كقوله تعالى: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ 361، [و] وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ 362، ومنه قول مسكين الدارمي 363: 2426 - أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم... كما قد مضى لقمان عاد وتبّع 364 ومنه قول الحكم بن صخر 365: 2427 - وكلّ أب وابن وإن عمّرا معا... مقيمين مفقود لوقت وفاقد 366 والموافقة «عند» كقراءة الجحدري 367: بل كذبوا بالحق لما جاءهم 368، قال أبو الفتح ابن جني: أي عند مجيئة إياهم كقولك: كتب لخمس خلون 369. والموافقة «إلى» كقوله تعالى: حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ -

الحديث: 2424 - الجزء: 6 - الصفحة: 2926

................................  مَيِّتٍ 370، وكقوله تعالى: كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى 371. والموافقة «بعد» كقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ 372 أي: بعد زوالها، وكقول الشاعر يرثي أخاه: 2428 - فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكا... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا 373 أي: بعد طول اجتماع.
والموافقة «على» كقوله تعالى: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً 374 ودَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً 375، وفَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 376، ومثله قول الشاعر: 2429 - تناوله بالرّمح ثمّ ثنى له... فخرّ صريعا لليدين وللفم 377 والموفقة «من» كقول جرير: 2430 - لنا الفضل في الدّنيا وأنفك راغم... ونحن لكم يوم القيامة أفضل 378 أي: نحن منكم يوم القيامة أفضل، ومثله قول الآخر أنشده ثعلب 379: 2431 - فإنّ قرين السّوء لست بواجد... له راحة ما عشت حتّى تفارقه 380 أي: لست بواجد منه راحة، ومثله: -

الحديث: 2428 - الجزء: 6 - الصفحة: 2927

................................  2432 - إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم يزل... عليك بروق جمّة ورواعد 381 ومن لا مات الجر: الزائدة، ولا تزاد إلا مع مفعول به بشرط أن يكون عامله متعديا إلى واحد، فإن كانت زيادتها لتقوية عامل ضعف بالتأخير نحو: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ 382، أو بكونه فرعا في العمل نحو: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ 383 جاز القياس على ما سمع منها، وإن كانت بخلاف ذلك قصرت على السماع نحو: رَدِفَ لَكُمْ 384، ومنه قول الشاعر: 2433 - ومن يك ذا عود صليب رجا به... ليكسر عود الدّهر فالدّهر كاسره 385 انتهى كلامه رحمه الله 386. والمعاني التي ذكرها سبعة عشر معنى.
وأقول: أما كون اللام بمعنى «في، وعند، وإلى، وبعد، وعلى، ومن» ففيه كلام سيذكر.
وأما كونها للملك وشبهه، وللتمليك وشبهه، وللاستحقاق، وللنسب ففيه بحث: أما الملك: فيقال فيه: إنه لم يستفد من اللام إنما استفيد من الكلام بجملته، وكذا تقول في خمسة المعاني الباقية أيضا.
وبيان ذلك أن اللام إنما تفيد اختصاص الثاني بالأول أي نسبته إليه وهذا الاختصاص يكون على وجوه فقد يكون على جهة الملك أو التمليك أو شبههما أو الاستحقاق أو النسب، وكل من هذه المعاني يتبين بالقرائن المرشدة إليه.
فإذا قيل: هذه الدار لزيد؛ فيهم اختصاص «زيد» بالدار، وليس ثمّ قرينة ترشد إلى معنى من المعاني الخمسة فتعين كون المعنى على الملك.
وإذا قلت: أدوم لك ما تدوم لي؛ كان المعنى أنك مخصوص بدوام مودتي لك ما دمت مخصوصا بدوام مودتك لي، ولا يحتاج أن تقول: إن اللام فيه لشبه الملك، وإذا قلت: وهبت لزيد دينارا فالمعنى خصصت زيدا بهبة الدينار، والتمليك إنما فهم من -

الحديث: 2432 - الجزء: 6 - الصفحة: 2928

................................  قولك: وهبت لا من اللام، وأما قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً 387، فالاختصاص فيه ظاهر لكنه اختصاص على جهة التفضيل والإنعام لا على جهة تمليك وشبه تمليك.
وإذا قلت: الجلباب للجارية، والجل للفرس؛ كان الاختصاص فيه بسبب الاستحقاق، وإذا قلت: لزيد عمّ هو لعمرو خال، ولعبد الله ابن هو (لجعفر) 388 حم؛ فالاختصاص فيه في غاية الظهور، والنسب إنما استفيد من ذكر العمّ والخال والابن والحم، فقد ظهر أن اللام لم تفد شيئا من هذه المعاني الستة، وإنما هي دالة على تخصيص مدخولها بالمذكور معها [3/ 189] أي نسبته وإضافته إليه، ودل الكلام الذي هي فيه على أن اختصاص المدخول بما ذكر أو نسبته وإضافته إليه إنما هو على معنى من المعاني الستة المذكورة.
وعبارة سيبويه في اللام: إنها للاستحقاق والملك، وجعل الاستحقاق أعم أي: عامّا فيها؛ لأن كل مملوك مستحق لمالكه، هكذا ذكر الخضراوي.
والظاهر أن العمومية إنما هي من أجل أن المستحق قد يكون مالكا وقد يكون غير مالك، فإذا قيل: اللام للاستحقاق كانت العبارة شاملة للقسمين، ولك أن تأخذ من قول سيبويه: إنها للاستحقاق؛ ما قررته من أنها للاختصاص.
ولا شك أن الاستحقاق والاختصاص والنسبة والإضافة معان يقرب بعضها من بعض فالمقصود واحد وإن اختلفت العبارات.
وقال ابن أبي الربيع - في قول الفارسي: إن اللام معناها التحقيق والملك -: يريد بالتحقيق أن هذا الشيء حق لهذا كما تقول: سرج الدابة أي أن الدابة لها أن يكون لها سرج 389، ومنه قوله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ 390 فالناس مستحقون ربّا يقيم لهم أمرهم؛ لأنهم لا يقومون بأنفسهم، وإنما قوامهم بخالقهم سبحانه وتعالى.
وقد ذكر غير المصنف من معاني اللام الاستغاثة، والقسم.
أما الاستغاثة فشاملة للقسمين - أعني المستغاث به والمستغاث لأجله - ولا شك أن ذلك إنما يستفاد من اللام.
وأما القسم فالمراد به أنها الحرف المعدي فعل القسم إلى المقسم به.
ولا يتعذر عن المصنف بأن يقال: إنما لم يذكر لام القسم؛ لأنهم ذكروا أنها تكون للقسم إذا -

الجزء: 6 - الصفحة: 2929

................................  كان في الكلام معنى التعجب نحو قولك: لله لا يبقى أحد، والمصنف قد ذكر أنها تكون للتعجب فكأنه استغنى بذلك عن ذكر أنها تكون للقسم؛ لأن بعض العرب قد استعملها للقسم دون تعجب.
قال سيبويه: ويقول بعض العرب: لله لأفعلن» 391، ثم إن التعجب الذي مثل به المصنف خال عن القسم فتبين أنه لا تلازم بينهما.
وقد ردّ بعضهم لام الاستغاثة ولام القسم إلى معنى الاستحقاق فقال في قولنا: لله لا يبقى أحد: إن اسم الله تعالى مستحق لأن يقسم به، وفي قولك: يا لزيد لعمرو: إن الأول مستحق أن يستغاث به، والثاني مستحق أن يستغاث له.
ولا يخفى ما فيه من النقد، ثم إن ثبت هذا فلا يحتاج إلى إفراد هذين المعنيين بالذكر.
وأما كونها تكون بمعنى «في» فقد استشهد المصنف على ذلك بقوله تعالى: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ 392، وبقول الدارمي: 2434 - قد مضوا لسبيلهم وبقول الآخر: 2435 - مفقود لوقت وفاقد ويمكن أن يكون (لوقتهآ) في موضع الحال من ضمير الساعة أي: لا يجليها كائنة لوقتها، أي: صائرة لوقتها؛ فتكون اللام للغاية كـ «إلى»، وكون اللام، بمعنى «إلى» أقرب من كونها بمعنى «في» وكذا يكون التقدير في البيتين الآخرين.
وأما كونها تكون بمعنى «عند» فقد استدل عليه بقراءة الجحدري: بل كذبوا بالحق لما جاءهم 393 وأن ابن جني قال: عند مجيئه إياهم كقولهم: كتب لخمس خلون.
وأقول: يمكن أن تكون اللام للتعليل، المعنى: أنهم كذبوا بالحق لمجيئه إياهم، جعل مجيء الحق الذي من شأنه أن يكون سببا للتصديق سببا للتكذيب؛ تفظيعا لشأنهم، وتقبيحا لفعلهم، وإعلاما بأنهم ارتكبوا نقيض ما كان يجب ارتكابه؛ لأن من جاءه الحقّ تعين عليه قبوله عقلا فإذا خالف ذلك فقد خالف ما يقتضي العقل ألا يخالف وكفى بفاعل ذلك ذمّا.
-

الحديث: 2434 - الجزء: 6 - الصفحة: 2930

................................  وأما «كتب لخمس خلون» فيمكن أن تكون اللام فيه للتبيين فإن التبيين معنى ثابت لها، ويكون المجرور بها في موضع الحال من مفعول «كتب»، ولا بد من تقدير مضاف محذوف حينئذ، التقدير: كتب كائنا لانقضاء خمس خلون.
ولا شك أن المعنى على هذا، وأن كون اللام للتبيين أسهل من كونها بمعنى «عند».
وقد قيل: إن اللام في «كتب لخمس خلون» بمعنى «بعد»، وأن المراد: كتب بعد خمس خلون، ورده ابن أبي الربيع بأن الكتب كان متصلا (بالخمس) 394، و «بعد» لا تعطي ذلك؛ لأن البعدية لا تقتضي الاتصال 395، وهو رد صحيح غير أني لم أفهم من كلامه ما حمل عليه اللام من المعاني في هذا المثال.
وأما كونها تكون بمعنى «إلى» فقد استشهد المصنف على ذلك بقوله تعالى: سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ 396، وبقوله تعالى: كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى 397 ولا بعد في ذلك؛ فإن «إلى» قد تكون بمعنى اللام كما تقدم، فلا ينكر أنّ اللام تكون بمعناها.
وحاصل الأمر: أن «إلى» واللام يشتركان في إفادة معنى واحد وهو الغاية.
لكن قال ابن عصفور: وزعم الكوفيون أنها تكون يعني اللام تكون بمعنى «إلى» مستدلين بأنه يقال: أوحى له، وأوحى إليه بمعنى واحد؛ قال الله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها 398، وقال تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ 399، وبأنه يقال: هداه لكذا وهداه إلى كذا بمعنى واحد؛ قال تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ 400، وقال تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا 401. ثم أجاب عن ذلك بأن قال: إن «أوحى» يتعدى بـ «إلى» إذا كانت بمعنى: أشار، يقال: أوحى إليه أي: أشار إليه، ومنه قول القائل: 2436 - فأوحت إلينا والأنامل رسلها 402 أي: أشارت، وكذا إذا كانت بمعنى: أرسل؛ يقال: أوحى الله إلى نبيه، بكذا -

الحديث: 2436 - الجزء: 6 - الصفحة: 2931

................................  أي: أرسل إليه بكذا، وكذا إذا كانت بمعنى: ألهم؛ لأن الإلهام إشارة في المعنى وتكون بمعنى: أمر؛ فتتعدى باللام قال تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها 403 أي: أمرها، وإنما تعدت باللام إذا كانت بمعنى: أمر؛ لأن أمر الله تعالى للأرض قول في المعنى، فكأنه قيل بأن ربك قال لها: حدثي أخبارك، قال [3/ 190]: وكذلك «هدى» يكون بمعنى: وفّق يتعدى باللام يقال: هداه الله تعالى للدّين أي: وفقه للدين، وقد تكون بمعنى بيّن؛ فتتعدى باللام أيضا قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ 404، قال أبو عمرو بن العلاء 405: المعنى: أو لم يبين لهم، وقد يكون بمعنى عرف؛ فتتعدى إلى مفعولين بنفسها يقال: هديته الطريق أي: عرفته الطريق، ومنه قوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ 406 قال: ولا يعديها إلى مفعولين بنفسها إلا أهل الحجاز، وغيرهم من العرب يقول: هديتهم للطريق؛ لأنهم يريدون معنى أرشدتهم، قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 407، قال: ولا ينكر اختلاف تعدي الفعل بسبب ما تشرب المعاني ألا ترى أنهم قد يستعملون «بكيت» غير متعد إذا أشربوه معنى «نحت»؛ لأن البكاء نوح في المعنى، وقد يقال: بكيت زيدا فيتعدى إلى واحد إذا أشرب معنى رثيت وندبت، وقد يعدى إلى مفعولين فيقال: بكيت زيدا دما، يضمنونه إذ ذاك معنى (أتبعت) 408 زيدا دما.
والدليل على أن دما مفعول به قوله: 2437 - ولو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع 409 قال: فإضماره يدل على أنه ليس من جنس التمييز ومثل ذلك في كلامهم كثير 410. انتهى.
ولا يلزم من تخريجه «أوحى، وهدى» إذا اختلف تعديهما على التضمين أن -

الحديث: 2437 - الجزء: 6 - الصفحة: 2932

................................  تنتفي الدلالة بما استدل به المصنف من قوله تعالى: سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ 411، وكُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى 412، ثم ما ذكره في بكيت فيه نظر.
والظاهر أن «بكى» فعل لازم وأنه إذا قيل: بكيت زيدا؛ كان «زيدا» منصوبا على إسقاط الجار، والأصل: بكيت على زيد، ولو كان هذا الفعل متعديا لامتنع ذكر «على» مع المفعول، وأما «بكى زيد دما» فالظاهر أن أصله (بكى) 413 زيد بكاء دم، ثم حذف المنصوب الذي هو المصدر وأقيم المضاف إليه مقامه.
وأما كونها تكون بمعنى «بعد» فقد استدل المصنف على ذلك بقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ 414 أي: بعد زوالها، وبقول القائل من البيت المتقدم: 2438 - كأنّي ومالكا لطول اجتماع أي: بعد طول اجتماع.
وفيه نظر.
أما الآية الشريفة فالظاهر أن اللام فيها للسببيّة وهي ترجع إلى التعليل.
المعنى: إنه بدلوك الشمس تجب الصلاة، ولا بد أن يوجد الدلوك؛ لأنه العلة الموجبة، والعلة يتعين تقدمها على المعلول فالصلاة إنما تقع بعد الدلوك.
أما إذا جعلت بمعنى «بعد» فإنه لا يلزم منه الاتصال - أعني اتصال وجوب الصلاة بحصول الدلوك - ولا شك أنه متصل.
وأما البيت الذي أنشده فقد ذكر ابن عصفور فيه: أنه يحمل على تقدير مضاف محذوف وأن اللام لام السبب، قال: والتقدير: كأني ومالكا لفقد طول اجتماعنا أو لانقطاع طول اجتماعنا 415. وأما كونها تكون بمعنى «على» فقد استدل المصنف عليه بقوله تعالى: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً 416، ودَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً 417، وفَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 418 وقال الشاعر: 2439 - فخرّ صريعا لليدين وللفم البيت الذي تقدم إنشاده.
وقد أجاب النحاة عن البيت؛ قال ابن أبي الربيع فيه: -

الحديث: 2438 - الجزء: 6 - الصفحة: 2933

................................  يحتمل عندي أن يتأول وتبقى اللام على أصلها؛ لأن اليدين والفم لما كانت تتقدم ويتبعها سائر البدن صار ذلك شبيها بما سقط لسقوط غيره فدخلت اللام لملاحظة ذلك الشبه.
قال: وبهذا يتأول قوله سبحانه وتعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 419. انتهى.
وأقول: وكذا يتأول على ما قاله قوله تعالى: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً 420، وأما قوله تعالى: دَعانا لِجَنْبِهِ 421 فيقال فيه: إن الجار والمجرور في موضع الحال ويدل على ذلك عطف الحال عليه والتقدير: دعانا (كائنا) 422 لجنبه؛ فتكون اللام على هذا للتبيين كما هي في: سقيا لك، والتبيين أحد معانيها.
وقال ابن عصفور في قول القائل: 2440 - فخرّ صريعا لليدين وللفم اللام متعلقة بمحذوف، والتقدير: فخر صريعا مقدما لليدين والفم 423. وما قاله ابن أبي الربيع أدخل في المعنى، وأحسن.
وأما كونها تكون بمعنى «من» فقد استدل المصنف عليه بقول جرير: 2441 - ونحن لكم يوم القيامة أفضل أي: ونحن منكم.
وبقول الآخر: 2442 - فإنّ قرين السّوء لست بواجد له راحة أي: منه راحة، وبقول الآخر: 2443 - إذا الحلم لم يغلب لك الجهل... البيت أي: منك الجهل.
ولم أر ذكر هذا المعنى في كلام المغاربة ويمكن أن يجاب عما استدل به على ذلك.
أما «ونحن لكم يوم القيامة أفضل» فلا شك أن الشاعر مراده إثبات الفضل الزائد له ولقومه بدليل صدر البيت وهو: 2444 - لنا الفضل في الدّنيا وأنفك راغم وليس مراده: ونحن أفضل منكم يوم القيامة، إنما المعنى: ونحن أفضل مفاخرين لكم يوم القيامة؛ فالجار والمجرور في موضع الحال ويدل على مفاخرين سياق البيت؛ -

الحديث: 2440 - الجزء: 6 - الصفحة: 2934

................................  لأن الشاعر إنما قال ذلك افتخارا وشرفا، وعلى هذا تكون معدية للعامل المقدر الذي هو الحال في الحقيقة وهو مفاخرين كما في قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ 424 هذا هو الذي ظهر لي في هذا البيت.
لكن فيما ذكرته إشكال من جهة الصناعة النحوية؛ لأن «لكم» إذا كان حالا فإنما هو حال من الضمير المستتر [3/ 191] في «أفضل» فالعامل في الحال هو أفضل، وأفعل التفضيل لا يعمل في حال مقدمة عليه إلا في مسألة: هذا بسرا أطيب منه رطبا.
لكن يجاب عن هذا بأن الحال المتقدمة هنا إنما هي ظرف لا اسم صريح والتوسع في الظرف أمر معروف عند النحاة لا سيما ورود ذلك في شعر.
وأما قول الآخر: 2445 - فإنّ قرين السّوء لست بواجد له راحة... البيت فيمكن أن تكون اللام فيه للسببية أي لست بواجد لأجله راحة ويكون هذا أبلغ في التحذير من قرناء السوء [مما] لو قلنا: لست بواجد منه راحة.
وأما قول الآخر: 2446 - إذا الحلم لم يغلب لك الجهل فيمكن أن يقال فيه: إن الجار والمجرور في موضع الحال من الضمير في «يغلب»، التقدير: إذا الحلم لم يغلب كائنا لك الجهل، كأنه قال: إذا حلمك لم يغلب الجهل، فلما لم يتأت الإتيان بالحلم مضافا إلى المخاطب دل على أن المراد حلمه بقوله: لك.
ولا شك أن المعنى على هذا، وهو أن يكون المراد أن حلمه يغلب الجهل منه ومن غيره؛ لأن الغالب أن الحلم إنما يكون عن جهل الغير لا عن جهل الحالم.
وعلى هذا فاللام للاختصاص إما على وجه الاستحقاق، أو الملك، أو شبهه على ما تقدم.
هذا آخر الكلام على المعاني التي ذكرها المصنف لهذا الحرف أعني اللام.
وأما زيادتها: فقد عرفت أن المصنف حكم بزيادتها قياسا في نحو: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ 425، وإِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ، وسماعا في نحو: رَدِفَ لَكُمْ 426. وفي كون اللام زائدة فيما أشار إليه كلام للناس.. فأنا أذكره.. -

الحديث: 2445 - الجزء: 6 - الصفحة: 2935

................................  قال ابن أبي الربيع 427: اختلف الناس في زيادة اللام. فأما سيبويه فلم يذكر ذلك، وتابعه عليه أبو علي، وذهب المبرد إلى زيادتها مستدلّا بقوله تعالى: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ 428. المعنى: ردفكم، وبقول تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ 429 الأصل: الرؤيا تعبرون لأنك تقول: عبرت الرؤيا ولا تقول: عبرت للرؤيا. فأما هذه الآية الشريفة فلا دلالة فيها عندي؛ لأن العامل قد تأخر، وإذا تأخر عن منصوب يصل إليه بنفسه جاز دخول حرف الجر، وذلك أن الفعل إذا تأخر ضعف وصوله إلى مفعوله فجاز أن يقوى بحرف يصل به. وأما الآية الشريفة الثانية فالاستدلال بها أقوى من الأولى. إلا أنه يمكن أن يضمن (ردف) معنى: تهيأ، التقدير: قل: عسى أن يكون تهيأ لكم بعض الذي تستعجلون، وإذا أمكن أن يبقى الحرف على معناه فلا سبيل إلى ادعاء الزيادة، لأن الزيادة في الشيء خروج عن موضوع الشيء 430. وكلام ابن عصفور موافق لكلام ابن أبي الربيع في ذلك فإنه جعل من أقسام اللام أن تكون مقوية لعمل العامل قال: وهي الداخلة على المفعول إذا تقدم على العامل فيه نحو قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ 431. ثم ذكر من أقسامها أن تكون زائدة، قال: وذلك في موضعين: أحدهما: بين المضاف والمضاف إليه في باب «لا»، وباب النداء نحو: لا أبا لزيد، و: 2447 - يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام 432 والآخر: أن تدخل على المفعول وهو متأخر عن العامل نحو: ضربت لزيد، وبابه أن يجيء في الشعر نحو قوله: 2448 - وملكت ما بين العراق ويثرب... ملكا أجار لمسلم ومعاهد 433

الحديث: 2447 - الجزء: 6 - الصفحة: 2936

................................  وقول الآخر: 2449 - يذمّون للدّنيا وهم يرضعونها... أفاويق حتّى ما يدرّ لها ثعل 434 وقول الآخر: 2450 - فلمّا أن تواقفنا قليلا... أنخنا للكلاكل فارتمينا 435 وقد يجيء ذلك في الكلام إلا أنه قليل لا يقاس عليه، ثم ذكر الآية الشريفة 436. هذا كلامه.
وقد عرفت أن ابن أبي الربيع ذكر أن رَدِفَ 437 ضمّن معنى تهيأ، وقد توافق كلام الرجلين على أن المقوية غير زائدة؛ لأنهما جعلا التقوية معنى من جملة المعاني التي تستفاد من اللام وهذا منهما يخالف صريحا ما ذكره المصنف.
وقد يحتج للمصنف بأن يقال: الذي يدل على أن اللام - في نحو: لزيد أكرمت - زائدة؛ أن المعنى المستفاد مع وجودها مستفاد مع عدمها، غاية ما في الباب أن ذكرها فيه تقوية للعامل.
وكان مستند من لم يجعلها زائدة أنها أفادت شيئا في الجملة وهو التقوية.
والذي يظهر القول بزيادتها؛ لأن التقوية لا يستفاد بها معنى زائد إذ تقوية العامل من قبيل التأكيد، لا التأسيس.
ولتجاذب المسألة بين القولين قال بعض الفضلاء: إن المقوية لا تتمحض زيادتها، ولا تتمحض تعديتها، بل تكون بينهما أي: بين كونها زائدة وكونها معدية.
لكن في قوله: إنها معدية منع؛ لأن عبارة الفريقين فيها أنها مقوية ولو كانت معدية لتوقف وصول العامل إلى المعمول على ذكرها وهو لا يتوقف.
وأما قول المصنف: وفتح اللام مع المضمر لغة غير خزاعة ومع الفعل لغة عكل وبلعنبر فقال هو في شرح ذلك: وكل العرب يفتحون لام الجر الداخلة على المضمر إلا خزاعة فإنها تكسرها مع المضمر كما تكسر مع غيره في اللغات كلها، وإذا وليها فعل كسرها أيضا كلّ العرب إلا عكلا وبني العنبر 438 فإنهم يفتحونها وأنشدوا على ذلك: -

الحديث: 2449 - الجزء: 6 - الصفحة: 2937

[كي الجارة - مساواتها للام]

قال ابن مالك: (وتساوي لام التّعليل معنى وعملا كي مع «أن» و «ما» أختها والاستفهاميّة).
2451 - وتأمرني ربيعة كلّ يوم... لأشربها وأقتني الدّجاجا 439 الرواية بفتح اللام.
انتهى.
قال أبو زيد: سمعت من يقول: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ 440 بفتح اللام، وقرأ سعيد بن جبير 441 فيما حكى عنه المبرد: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ 442 وحكى مكي 443 فتحها عن بني العنبر كما حكاه المصنف عنهم.
واستدرك الشيخ على المصنف بأن قال: كان ينبغي له أن يستثني من صور المضمر [3/ 192] ياء المتكلم؛ فإن اللغتين اتفقتا على كسر اللام معها 444. ولا يخفى أن هذا ليس باستدراك؛ لأن فتح اللام جارة لياء المتكلم ممتنع طبعا وما كان ممتنع الإتيان به مستغنى عن الاحتراز عنه.
قال ناظر الجيش: «كي» على ضربين: مصدرية تذكر في إعراب الفعل، وجارة تساوي لام التعليل ولا تدخل إلا على «أن» كقوله: 2452 - فقالت أكلّ النّاس أصبحت مانحا... لسانك كيما أن تغرّ وتخدعا 445 أو على «ما» أختها كقوله: -

الحديث: 2451 - الجزء: 6 - الصفحة: 2938

الحديث: 2453 - الجزء: 6 - الصفحة: 2939

................................  قوّة ترهب عدو الله وعدوكم؛ لصحّ وحسن، ولكنه مجاز والآخر حقيقة، ومنه: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين، فإنه يصح أن يقال: كتب القلم، وقطع السكين.
والنحويون يعبرون عن هذه الباء بياء الاستعانة، وآثرت على ذلك التعبير بالسببية من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى؛ فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة فيها لا يجوز.
وأما [باء] التعليل: فهي التي يحسن غالبا في موضعها اللام كقوله تعالى: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ 457، وفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ 458، وإِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ 459، وكقول الشاعر: 2454 - ولكنّ الرّزيّة فقد قرم... يموت بموته بشر كثير 460 واحترزت بقولي: (غالبا) من قول العرب: غضبت لفلان؛ إذا غضبت من أجله وهو حيّ، وغضبت به؛ إذا غضبت من أجله وهو ميّت.
وباء المصاحبة: هي التي يحسن في موضعها «مع» ويغني عنها وعن مصحوبها الحال كقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ 461 أي: مع الحق ومحقّا، وكقوله تعالى: اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ 462 أي: مع سلام ومسلما.
ولمساواة هذه الباء «مع» قد يعبر سيبويه 463 عن المفعول معه بالمفعول به.
وباء الظرفية: هي التي يحسن في موضعها في نحو: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ 464. وإِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى 465، وإِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً 466، [و] وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ 467، ووَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ 468، وبِبَطْنِ مَكَّةَ 469، ووَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ 470، وإِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ 471 وباء البدل: هي التي يحسن في موضعها بدل -

الحديث: 2454 - الجزء: 6 - الصفحة: 2940

................................  كقول رافع بن خديج 472 رضي الله عنه ما يسرّني أنّي شهدت بدرا بالعقبة 473، ومثله قول الشاعر: 2455 - فليت لي بهم قوما إذا ركبوا... شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا 474 وقول الآخر: 2456 - يلقى غريمكم من غير عسرتكم... بالبذل بخلا وبالإحسان حرمانا 475 وباء المقابلة: هي الداخلة على الأثمان والأعواض كقولك: اشتريت الفرس بألف، وكافأت الإحسان بضعف، وقد تسمى باء العوض.
والموافقة «عن»: كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ 476، ويَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ 477 أي: عن أيمانهم.
كذا قال الأخفش 478، ومثله: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً 479، ومثله قول الشاعر: 2457 - هلّا سألت بنا فوارس وائل... فلنحن أسرعها إلى أعدائها 480 والموافقة «على»: كقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ 481 أي: على قنطار، وعلى دينار، وكذا قال الأخفش 482 وجعل مثله مررت به، أي: عليه؛ قال تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ 483، ويَمُرُّونَ عَلَيْها 484، ولَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ 485، وقال تعالى: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ 486، ومن موافقة الباء لـ «علي» أيضا: -

الحديث: 2455 - الجزء: 6 - الصفحة: 2941

................................  2458 - أربّ يبول الثّعلبان برأسه... لقد هان من بالت عليه الثعالب 487 أراد: ببول على رأسه، والموافقة «من» التبعيضية كالثانية في قول الشاعر: 2459 - فلثمت فاها آخذا بقرونها... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج 488 ذكر ذلك أبو علي الفارسي في التذكرة 489. وروي مثل ذلك عن الأصمعي 490 في قول آخر: 2460 - شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج 491 والأجود في هذا أن يضمّن «شربن» معنى «روين» ويعامل [3/ 193] معاملته كما ضمّن يُحْمى معنى «يوقد» فعومل معاملته في يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ 492؛ لأن المستعمل: أحميت الشيء في النار، وأوقدت عليه.
وزيادة الباء مع الفاعل نحو: أحسن بزيد، وكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 493 [و]: 2461 - [فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها]... وحبّ بها مقتولة [حين تقتل] 494 و: 2462 - ألم يأتيك والأنباء تنمي... بما لاقت لبون بني زياد 495 و: -

الحديث: 2458 - الجزء: 6 - الصفحة: 2942

................................  2463 - ألا هل أتاها والحوادث جمّة... بأنّ امرأ القيس بن مالك بيقرا 496 و: 2464 - [مهما لي الليلة مهما ليه]... أودى بنعليّ وسرباليه 497 وزيادتها مع المفعول نحو: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ 498، [و] وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ 499 وفَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ [إِلَى السَّماءِ] 500، ووَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ 501، وتَنْبُتُ بِالدُّهْنِ 502 في قراءة ابن كثير 503، وأبي عمرو، ويذهب بالأبصر 504 في قراءة أبي جعفر ومن الشواهد الشعرية قول الشاعر: 2465 - شهيدي سويد والفوارس حوله... وما ينبغي بعد ابن قيس بشاهد 505 ومثله: 2466 - وكفى بنا فضلا على من غيرنا... حبّ النّبيّ محمد إيّانا 506 أي: كفانا فضلا حب النبي إيانا.
وكثرت زيادتها في مفعول «عرف» وشبهه.
وأشرت بقولي: (وفي غيرهما) إلى زيادتها في «بحسبك»، وفي المواضع المذكورة في باب كان 507. انتهى كلامه رحمه الله تعالى 508. -

الحديث: 2463 - الجزء: 6 - الصفحة: 2943

................................  وجملة المعاني التي ذكرها أحد عشر.
ولم يذكر من المعاني الاستعانة؛ لأنه جعل السببية شاملة لها وسيأتي أنهما غيران.
وعلى هذا: تكون المعاني التي للباء اثني عشر معنى.
ذكر المغاربة منها ستة وهي الإلصاق، والاستعانة، والسبب، والمصاحبة، معبرين عنها بالحال، والظرفية، والتعدية معبرين عنها بالنقل ثم إنهم لم يتعرضوا لذكر التعليل، ولا شك أنه معنى ثابت للباء وكذا البدل، والظاهر ثبوته أيضا.
فهذه ثمانية معان، تبقى أربعة مما ذكره المصنف وهي: المقابلة، وموافقة «عن»، وموافقة «على»، وموافقة «من» التبعيضية.
ولا شك أن في ثبوت كل منها بحثا سيذكر.
ثم إن ابن عصفور ذكر من جملة المعاني القسم 509، ولا يتحقق ذلك فإن القسم لم يفهم من الحرف الذي هو الباء؛ بل من فعل القسم، والباء إنما هي لتعدية فعل القسم إلى المقسم به.
ثم اعلم أن سيبويه ذكر أن معنى الباء الإلصاق والاختلاط 510، ولم يذكر لها معنى آخر غير هذا.
ومن ثم ذكروا أن الإلصاق معنى لا يفارق الباء وأن كونها للإلصاق لا يلزم منه ألّا يفاد بها معنى آخر كالاستعانة نحو: كتبت بالقلم، ونجرت بالقدوم، والمصاحبة نحو: خرج زيد بثوبه، حتى قال ابن أبي الربيع بعد أن مثل بما ذكرته: وإذا نظرت إلى هذا وما أشبهه وجدت فيها الإلصاق والاختلاط؛ لأنك ألصقت الكتب بالقلم والنّجر بالقدوم (3)، وقال: وكذلك: خرج زيد بثوبه، هو بمنزلة: مررت بزيد؛ لأنه إذا صاحبك في حين الفعل فكأن فعلك ملتصق به 511 قال: وكذلك إذا قلت: دخلت بزيد، أي: أدخلته؛ كان في الباء معنى الإلصاق والاختلاط؛ لأنك إذا جعلته يدخل فقد ألصقت الدخول به فالإلصاق عام فيها حيثما وقعت.
وتلك المعاني تصاحب في موضع وتفارق في آخر.
فينبغي أن يدعي أنها وضعت بإزاء المعنى المصاحب في كل حال لا بإزاء المعنى الذي يكون بحكم الانجرار لا بحكم الموضع 512. انتهى.
ولا شك أن كون الإلصاق لا يفارقها غير ظاهر.
ولا يخفى ما في تقرير ابن الربيع لذلك في كل مسألة من التكلف.
وكلام ابن عصفور يقرب من كلامه -

الجزء: 6 - الصفحة: 2944

................................  وكذا كلام ابن هشام الخضراوي فإنه قال: ومعناها الإلصاق والاختلاط وهذا غالب أحوالها وإلى هذا ترجع في أكثر متصرفاتها 513. وبعد: فأنا أورد المعاني التي ذكرها المصنف معنى معنى، وأتبع كلّا منها بما يتعلق به من البحث.
أما الإلصاق: فقد مثل له بقوله: وصلت هذا بهذا، وقد يقال: إنما استفيد الإلصاق في هذا المثال من الفعل الذي هو «وصلت» والباء إنما هي هنا للتعدية عدت «وصلت» إلى مفعول ثان لكن كون الباء تعدي فعلا غير لازم فيه كلام سيذكر قريبا إن شاء الله تعالى.
وقد مثل ابن عصفور للإلصاق بقولك: مسحت برأسي قال: وهذا إلصاق حقيقة، وقد يكون الإلصاق مجازا نحو: مررت بزيد؛ فالمرور التصق بمكان يقرب من زيد فجعل كأنه ملتصق بزيد مجازا 514. وقال في شرح الإيضاح: الباء التي لمجرد التي الإلصاق والاختلاط نوعان: أحدهما: الباء التي لا يصل الفعل إلى المفعول إلا بها نحو قولك سطوت بعمرو ومررت بزيد فألصقت الباء معنى الفعل بالمفعول إلا أن الإلصاق في مررت بزيد وأمثاله مجاز.
والآخر: الباء التي تدخل على المفعول المنتصب بفعله؛ لأنها إذ ذاك تفيد مباشرة الفعل للمفعول نحو: أمسكت بزيد؛ فإن الإمساك في هذا المثال يكون بمباشرة منك له، بخلاف قولك: أمسكت زيدا؛ فإن ذلك يقال حيث تمنعه من التصرف، وإن لم يكن مباشرا ومثله أنك تقول: خشّنت صدره إذا كنت سببا في تخشين صدره؛ وإن لم تباشره، و: خشّنت بصدره؛ إذا باشرت تخشين صدره بنفسك وأما التعدية فأمرها واضح، لكن الشيخ ناقش المصنف في قوله: إنها قائمة مقام همزة النقل في إيصال الفعل اللازم إلى مفعول به فقال: ليست مختصة بالفعل اللازم فقد وجدت في المتعدي تقول: دفع بعض الناس بعضا، وصك الحجر الحجر، ثم تقول: دفعت بعض الناس [3/ 194] ببعض، وصككت الحجر بالحجر (3)، قال: فقول من قال: هي الداخلة على الفاعل فتصيّره مفعولا أشدّ؛ لأنها وجدت مع المتعدي كما وجدت مع اللازم 515. انتهى.
-

الجزء: 6 - الصفحة: 2945

................................  الذي ذكره المصنف صرح به ابن عصفور فقال في المقرب ومعناها ومعنى الهمزة واحد إلا أنها لا تنقل الفعل عن الفاعل فتصيره مفعولا إلا في الأفعال غير المتعدية 516. ولا شك أن ذلك يحتاج إلى تحرير.
وأما السببية: فقد عرفت قول المصنف: إن باء السببية هي الداخلة على صالح للاستغناء به عن فاعل معداها مجازا نحو: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً 517، وتُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ [وَعَدُوَّكُمْ] 518. وهو كلام صحيح؛ فإنه قد عرف أن الفعل كما يسند إلى الفاعل حقيقة يسند إلى السبب مجازا فباء السبب هي الداخلة على شيء تسبب عنه الفعل.
لكن المصنف جعل الباء في نحو: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين؛ للسببية أيضا، وقال: إنه نكب عن التعبير عنها بباء الاستعانة التي هي عبارة النحويين من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى.
وأقول: إن باء الاستعانة هي التي تباشر ما هو آلة حسية لا يمكن التوصل إلى المعمول المذكور معها إلا بها، وباء السبب هي التي تباشر ما يتسبب عنه ذلك المعمول المذكور معه حسيّا كان ذلك السبب أو معنويّا.
وقد يتصور وجود ذلك المعمول مسببا عن سبب آخر غير المذكور وهذا بخلاف باء الاستعانة.
ولا يلزم من إثبات الاستعانة.
في حق الآدميين ثبوتها بالنسبة إلى أفعال الله تعالي.
وإذا كان كذلك فما قاله المصنف غير ظاهر.
وأما التعليل: فلا شك أنه معنى ظاهر في الباء، لكن الجماعة - أعني المغاربة - لم يذكروه، وكأنهم استغنوا عن ذكره بذكر السبب، لكن قد تصح نسبة العلة إلى شيء ولا تصح نسبة السببية إليه كالبيت الذي أنشده المصنف وهو: 2467 - يموت بموته خلق كثير فإن باء السببية عند المصنف هي الداخلة على صالح للاستغناء به عن فاعل معداها مجازا، وذلك لا يصح هنا فوجب أن يكون التعليل غير السببية.
وقد عرفت أن المصنف من جملة ما مثل به للتعليل قوله تعالى حكاية: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ 519، وقال الشيخ: ليست الباء للتعليل، بل التعليل هو [قوله] 520: -

الحديث: 2467 - الجزء: 6 - الصفحة: 2946

................................  لِيَقْتُلُوكَ 521 والباء ظرفية فيه أي: يأتمرون فيك، أي: يتشاورون في أمرك لأجل القتل، ولا يكون للائتمار علتان 522. وأما المصاحبة فهو معنى ثابت للباء، والجماعة قد أثبتوه أيضا، وكذا الظرفية هو معنى ثابت كالمصاحبة.
أما البدل: فلا شك أن ما استدل به المصنف وغيره 523 [4/ 2] على ذلك فلا مطعن فيه وإنكار ثبوت هذا المعنى عناد محض.
وذكر ابن عصفور أن هذا المعنى زاده بعض المتأخرين، وذكر استدلاله على ذلك ثم خرّجه تخريجا بعيدا عن القبول 524. وأما موافقة «عن، وعلى، ومن التبعيضية» فقد عرفت استدلال المصنف على الأول بقوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ 525، وبقوله تعالى: يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ 526، وبقوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً 527، وعلى الثاني بقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً 528، وبأن الأخفش جعل مثله قولهم: مررت به، أي: عليه.
قال الله تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ 529 ويَمُرُّونَ عَلَيْها 530، ولَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ 531، وعلى الثالث بقول الشاعر: 2468 - شربن بماء البحر........ لكنه قال في هذا: والأجود أن يضمن «شربن» معنى «روين»، ويعامل معاملته.
وما استدل له على أن الباء بمعنى «عن» وأنها بمعنى «على» ظاهر.
وذكر ابن عصفور 532 للباء هذه المعاني الثلاثة، وذكر أن ذلك مذهب الكوفيين.
-

الحديث: 2468 - الجزء: 6 - الصفحة: 2947

................................  وقيد كون الباء بمعنى «عن» بأن تكون بعد السؤال.
قال: واستدل الكوفيون على مجيئها بمعنى «عن» بعد السؤال بقوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً 533، وبقول علقمة 534: 2469 - فإن تسألوني بالنّساء [فإنّني... بصير بأدواء النّساء طبيب] 535 وبقول الآخر: 2470 - لا تسل الضيف الغريم إذا شتا بما... زخرت له قدري حين ودعا 536 أي: عما زخرت، وبقول الآخر: 2471 - دع المعمّر لا تسل بمصرعه... وسل بمصقله البكريّ ما فعلا 537 وعلى مجيئها بمعنى «عن» بقول الشاعر: 2472 - بودّك ما قومي على أن تركتهم... سليمى إذا هبّت شمال وريحها 538 قال: «ما» عندهم زائدة والمعنى: على ودك قومي على أن تركتهم.
وعلى مجيئها بمعنى «من» بقوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ 539، وبقول الشاعر: 2473 - شربن بماء البحر......... البيت ثم أجاب عن ذلك.
أما قوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً فأجاب عنه بأنه من التضمين ضمن السؤال معنى الاهتمام والاعتناء؛ لأن سؤالك عن الشيء اهتمام به واعتناء فعدى السؤال بالباء إجراء له مجرى ما ضمن معناه.
قال: وأما قول الشاعر: 2474 - بودك ما قومي......... فليست «ما» فيه زائدة؛ لأنه لو أراد: على ودك قومي سليمى على أن تركتهم؛ لم يكن لقوله: إذا هبّت شمال وريحها وجه، وإنما الود هنا: الصّنم وما استفهامية، والتقدير: أسألك بودك، أي: بصنمك ما قومي؟ أي: أي شيء قومي إذا هبت -

الحديث: 2469 - الجزء: 6 - الصفحة: 2948

................................  شمال وريحها في وقت اشتداد الزمان، وعنى بريح الشمال: النكباء كما قال: 2475 - إذا النّكبا [ء] ناوحت الشمالا 540 وقوله: «على أن تركتهم» أي: على أن فارقتهم؛ لأن هذا الشاعر يخاطب سليمى وكانت امرأته نشزت عنه فطلقها.
فارتحلت إلى قومها، فسألها بصنمها أن تخبر بما شاهدته من قومه في وقت هبوب الشمال، ومناوحة النكباء لها وهو وقت اشتداد الزمان.
وأما قوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ 541 فالباء فيه بمعنى «في».
قال: وكذا هي في قول الشاعر: 2476 - شربن بماء البحر... 542...... البيت انتهى.
ولقائل أن يقول: هب أنه أجاب عن الاستشهادات التي أوردها، فماذا يجيب به عن الاستدلالات التي استدل بها المصنف؟ وأما تقييده كون الباء بمعنى «عن» بأن تكون بعد السؤال فتنقضه الآية الشريفة وهي قوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ 543، وأيضا قوله تعالى: يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ 544، وأما قوله: إن الباء في قوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ بمعنى «في» فلا يخفى ما فيه من البعد، والأقرب بل المتعين أن الفعل الذي هو (يشرب) ضمّن معنى «يروى» كما قال المصنف في: شربن بماء البحر......... البيت وأما قوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً 545 ففيه أقوال: منها: ما تقدم وهو أن الباء فيه بمعنى «عن».
ومنها: أن السؤال ضمن معنى الاعتناء والاهتمام.
ومنها: وهو للشلوبين 546 أن الباء للسببية أي فاسأل بسببه خبيرا.
ومنها: أن الباء تتعلق بقوله: (خبيرا.) -

الحديث: 2475 - الجزء: 6 - الصفحة: 2949

................................  واعلم أن ابن هشام الخضراوي 547 ذكر للباء معنيين آخرين: أحدهما: السببية ومثل ذلك بنحو: لقيت بزيد الأسد، ورأيت به القمر، التقدير: لقيت بلقائي إياه الأسد، أي: شبهه، وبرؤيتي إياه القمر، أي: شبهه.
والثاني: أنها تدخل على ما ظاهره أن المراد به غير ذات الفاعل، أو ما أضيف إلى ذات الفاعل نحو قوله: 2477 - [إذا ما غزا لم يسقط الخوف رمحه]... ولم يشهد الهيجا بألوث معصم 548 وقول الآخر: 2478 - يا خير من يركب المطيّ ولا... يشرب كأسا بكفّ من بخلا 549 فظاهر الكلام أن «بألوث معصم» غير فاعل «يشهد» أن ما أضيف إليه الكف وهو «من بخل» غير فاعل «يشرب» والمراد في الحقيقة أن فاعل «يشهد» هو «ألوث معصم» أي: يشهدها بنفسه، وليس «بألوث معصم»، وفاعل «يشرب» هو «من بخل» كأنه قال: ولا يشرب من نفسه بكف من بخل، أي: يشرب كأسه بنفسه وليس ببخيل.
قال ابن عصفور - بعد أن ذكر للباء هذين المعنيين عن بعضهم -: والصحيح عندي أن الباء في: لقيت بزيد الأسد؛ معناها السبب، التقدير: لقيت بسبب لقاء زيد الأسد، وكذا: رأيت به، التقدير: رأيت بسبب رؤيته القمر، وأنها في قوله: ... ولا... يشرب كأسا بكفّ من بخلا باء الاستعانة؛ لأنها دخلت على الاسم المتوسط بين الفعل ومفعوله كما أنها كذلك في قولك: شربت الماء بكفي [4/ 3] وكذلك في قول الآخر: ولم يشهد الهيجا بألوث معصم 550 انتهى.
-

الحديث: 2477 - الجزء: 6 - الصفحة: 2950

................................  وأما زيادة الباء فقد عرفت قول المصنف إنها تزاد مع فاعل، ومفعول، (وغيرهما) 551. وقد تقدم له في باب الأفعال الرافعة (الاسم) (2) الناصبة الخبر أن الباء تزاد في مواضع عدة وذكر أنها إنما تزاد كثيرا في الخبر المنفي بـ «ليس» و «ما» أختها، وأن زيادتها في غير ذلك قليلة.
لكن ابن عصفور ذكر 552 أنها إنما تزاد بقياس في خبر «ليس وما» وفي «حسبك» إذا كان مبتدأ وفي فاعل «كفى» ومفعوله.
قال: وما عدا ذلك مما الباء فيه زائدة فزيادتها على غير قياس إلا أن أحسنه أن يكون ما زيدت فيه الباء قد توجّه عليه النفي في المعنى نحو قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى 553؛ لأن معنى الكلام: أو ليس الله بقادر 554. وقال في المقرب: وتكون زائدة مصلحة في نحو: أحسن بزيد 555. ولم يذكر المصنف ذلك استغناء عنه بذكره له في باب التعجب 556. والذي فعله المصنف أولى بل هو متعين؛ لأن الباء في نحو: أحسن بزيد، مع كونها زائدة هي لازمة؛ فوجب ذكرها في مكان يخصها.
ولا شك أن شأن الزائد أن يكون جائز الذكر لا لازمه؛ فوجب ألا يذكر - هنا أعني الموضع الذي يذكر فيه زيادة الباء - إلا ما كان يجوز أن يؤتى به وألا يؤتى به.
ثم اعلم أن الذي ذكره المصنف من أن الباء زائدة في فاعل (كفى) من كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 557 هو مذهب سيبويه 558. وذكر ابن عصفور عن ابن السراج 559 وجها آخر وهو أن الباء غير زائدة وفاعل (كفى) ضمير مستتر فيه عائد على الاكتفاء المفهوم من (كفى) كأنه قيل: كفى هو بالله، أي: كفى اكتفاؤك بالله 560. قال: حكى ذلك عنه أبو الفتح ابن جني 561 ورده -

الجزء: 6 - الصفحة: 2951

................................  ابن عصفور بأن الباء حينئذ إنما تتعلق بالضمير الذي هو الفاعل وهو الذي يراد به الاكتفاء والضمير لا يجوز إعماله.
وابن جني منع ذلك من جهة أخرى وهو أن معمول المصدر من كماله فيهما بمنزلة اسم واحد، فلو أضمرت المصدر وجعلت المجرور متعلقا بذلك الضمير؛ لأدى ذلك إلى أن يكون بعض الاسم مظهرا وبعضه مضمرا.
ورد ابن عصفور هذا بأن قال: الموصولات كلها صلاتها تمام لها وفي كل صلة ضمير يعود على الموصول، ويلزم على قول ابن جني ألا يكون في الصلة ضمير يعود على الموصول لما يلزم منه أن يكون بعض الاسم مظهرا وبعضه مضمرا.
انتهى.
وهذا الذي ذكره غير ظاهر؛ فإن الذي هو من تمام الموصول إنما هو الصلة، والعائد إنما هو للربط - أعني ربط الصلة بالموصول - ثم ليس مراد ابن جني بقوله: ابن، بعض الاسم مضمر، أن ذلك البعض يكون ضميرا؛ بل مراده أنه مستتر أي: غير ملفوظ به.
ولا شك أن بعض الاسم لا يكون ملفوظا به والبعض الآخر ملفوظ به، ولمّا مثل ابن عصفور زيادة الباء في المبتدأ بقوله: بحسبك زيد، وأنشد: 2479 - بحسبك بالقوم أن يعلموا... بأنّك في القوم غنيّ مضر 562 وقال: التقدير: حسبك بالقوم أن يعلموا.
قال: ومن زيادتها في المبتدأ أيضا قوله: 2480 - اضرب بالسّيف على نصابه... أتى به الدّهر بما أتى به 563 قال: فـ «ما» من قوله: «بما أتى به» مبتدأ؛ بدليل عود الضمير عليها من الجملة التي قبلها، والتقدير: بما أتى به الدهر أتى به، والضمير لا يعود على متأخر لفظا إلا إذا كان متقدما في الرتبة.
قال: ولا يحفظ زيادة الباء في المبتدأ إلا في هذين الموضعين.
وزعم بعضهم 564 أن الباء في قوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ 565 زائدة، وأنّ (أيكم) مبتدأ والتقدير: أيكم المفتون.
قال: وزيادة الباء في المبتدأ لا ينبغي أن يقال بها ما وجدت عنها مندوحة؛ لقلة ما جاء من ذلك، والأولى القول بعدم زيادة الباء.
ثم الآية الشريفة تحتمل وجهين: -

الحديث: 2479 - الجزء: 6 - الصفحة: 2952

................................  أحدهما: أن يكون (المفتون) 566 مصدرا جاء على زنة مفعول التقدير بأيكم الفتنة.
والآخر: أن يكون (المفتون) صفة والباء بمعنى «في»، التقدير: في أيكم المفتون أي: في أيكم القرين المفتون.
وأجاز الأخفش زيادة الباء في خبر المبتدأ في غير النفي وجعل من ذلك قوله تعالى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها 567، التقدير عنده: جزاء سيئة سيئة مثلها، واستدل على ذلك بقوله تعالى في الآية الأخرى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها 568. وقد خرّجت الآية الشريفة على وجهين لا تكون الباء فيهما زائدة: أحدهما: أن المجرور في موضع الخبر، والتقدير: جزاء سيئة حاصل بمثلها.
الآخر: أن يكون المجرور متعلقا بـ (جزاء) والخبر محذوف والتقدير: ثابت لهم.
وذكروا من زيادة الباء في المفعول: قرأت بالسورة، أي: قرأت السورة قال الشاعر: 2481 - هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور 569 أي: لا يقرأن السور، وليس منه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ 570؛ لأن الباء فيه للاستعانة.
قال: وبالجملة كل فعل وصل بنفسه تارة وبالباء أخرى ووصوله بنفسه إلى مفعوله أكثر من وصوله إليه بالباء وليس في دخول الباء عليه زيادة معنى نحو ما ذكر من أمسكت زيدا، وأمسكت بزيد؛ فإنه إن أمكن تضمينه معنى فعل يصل بالباء لم تجعل الباء فيه زائدة نحو الباء في قوله: 2482 - نحن بني ضبّة أصحاب الفلج... نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج 571 وقول الآخر: 2483 - ضمنت برزق [4/ 4] عيالنا أرماحنا 572 ألا ترى أنه يجوز أن يكون ضمّن «ضمنت» معنى تكفّلت فعدّاه بالباء؛ ذلك لأن من ضمن شيئا فقد تكفل به، وكذلك يجوز أيضا أن يكون ضمن «نرجو» -

الحديث: 2481 - الجزء: 6 - الصفحة: 2953

الحديث: 2484 - الجزء: 6 - الصفحة: 2954

................................  2486 - شموس ودود في حياء وعفّة... رخيمة رجع الصّوت طيّبة النّشر 585 والتي للتعليل كقوله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما (أَخَذْتُمْ) 586 عَذابٌ عَظِيمٌ 587، وكقوله تعالى: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ 588، وكقوله عليه الصلاة والسّلام: «عذّبت امرأة في هرّة حبستها» 589، ومنه قول الشاعر: 2487 - فليت رجالا [فيك] قد نذروا دمي... وهمّوا بقتلي يابثين لقوني 590 ومثله: 2488 - لوى رأسه عنّي ومال بودّه... أغانيج خود كان فينا يزورها 591 ومثله: 2489 - أفي قمليّ من كليب هجوته... أبو جهضم تغلي عليّ مراجله 592 ومثله: 2490 - نكرت باللّوم تلحانا... في بعير ضلّ أو حانا 593 والتي للمقايسة هي الداخلة على تال يقصد تعظيمه وتحقير متلوه كقوله تعالى: فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ 594، وكقوله عليه الصلاة والسّلام: «ما أنتم في سواكم من الأمم إلّا كالشّعرة البيضاء في جلد الثّور الأسود» 595 -

الحديث: 2486 - الجزء: 6 - الصفحة: 2955

................................  وكقول الخضر لموسى عليه السّلام. «ما علمي وعلمك في علم الله إلّا كما أخذ هذا الطّائر بمنقاره من البحر» 596 أو كما قال، ومنه قول الشاعر: 2491 - وما جمعكم في جمعنا [غير] ثعلب... هوى بين لحيي أخزر العين ضيغم 597 ومثله: 2492 - كلّ قتيل في كليب حلّام... حتّى ينال القتل إلى همّام 598 والموافقة «على» كقوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ 599، ومنه قول حسّان 600 رضى الله تعالى عنه: 2493 - بنو الأوس الغطارف آزرتها... بنو النّجّار في الدّين الصّليب 601 ومثله: 2494 - بطل كأنّ ثيابه في سرحة... يحذي نعال السّبت ليس بتوءم 602 والموافقة الباء كقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ 603 أي: يكثركم به كذا جاء في التفسير 604، ومثله قول الأفوه الأودي 605: 2495 - أعطوا غواتهم جهلا مقادتهم... وكلّهم في حبال الغيّ منقاد 606

الحديث: 2491 - الجزء: 6 - الصفحة: 2956

................................  ومثله قول زيد الخيل: 2496 - ويركب يوم الرّوع منّا فوارس... بصيرون في طعن الأباهر والكلى 607 ومثله: 2497 - وخضخض فينا البحر حتّى قطعنه... على كلّ حال من غمار ومن وحل 608 ومثله: 2498 - وأرغب فيها عن لقيط ورهطه... ولكنّني عن سنبس لست أرغب 609 وحكى يونس عن بعض العرب: ضربته في السيف أي: بالسيف 610. انتهى كلامه رحمه الله تعالى 611، والمعاني التي ذكرها لهذا الحرف الذي هو «في» ستة: أما الظرفية: فهو المعنى الأصلي لهذه الكلمة ومن ثم قال سيبويه: وأما «في» فهي للوعاء تقول: هو في الجراب وفي الكيس 612، ثم قال: وإن اتسعت في الكلام فهي على هذا، وإنما تكون كالمثل يجاء بها لتقارب الشيء، وليس مثله 613. وقال ابن الربيع: إذا قلت: جعلت المال في الكيس؛ فالجعل بعد طلبه المال طالب للكيس على أنه وعاء للمال، ومحتو عليه وكذا إذا قلت: نزلت في الدار؛ فالنزول طالب للدار على أنها محتوية عليك ووعاء لك.
وكذلك: تكلمت في شأنك ودخلت في أمرك، إلا أن الوعاء هنا على جهة التمثيل والتشبيه، وذلك أنك إذا دخلت في الأمر؛ فقد شغلك عن غيره، وأحاط بخاطرك، فقد صار بمنزلة الوعاء الذي يحوي الشيء من جهاته كلها، ومثله: أنا فى حاجتك؛ لأن الحاجة شغلتك عن غيرها فصارت المسألة بذلك شبيهة بالوعاء المحيط بالشيء الضام له 614، قال: والعرب تعبر عن الشيء بطريق التشبيه والتمثيل كما تعبر عنه بحسب مقتضى الألفاظ ووضعها 615. -

الحديث: 2496 - الجزء: 6 - الصفحة: 2957

................................  وكلام ابن هشام الخضراوي موافق له؛ فإنه لما أورد كلام الفارسي [4/ 5] وهو قوله: «في» معناها الوعاء، نحو: المال في الكيس، واللص في السجن، ويتسع فيها فيقال: زيد ينظر في العلم، وأنا في حاجتك 616 قال: هذا كما ذكر إنما تكون للوعاء حسّا أو تخييلا واستعارة كقولهم: فلان يسعى في حاجتك، ويتصرف في أمرك، فهي ظرف حسي، أو معنوي 617. وأقول: قد أشار المصنف إلى الظرف الحسي بقوله: حقيقة، وإلى الظرف المعنوي بقوله: مجازا؛ لكن مقتضى كلام سيبويه وكلام الفارسي وكلام هذين الرجلين أن «في» لا تفارقها الدلالة على هذا المعنى.
ولهذا لما ذكر ابن أبي الربيع عن القتبي 618 أن «في» تكون بمعنى كذا، وبمعنى كذا؛ قال: هذا جار على مذهب الكوفيين من وضع حرف مكان حرف لما بين الحروف من الاتفاق، وأما البصريون فيذهبون إلى التضمين.
وقال ابن عصفور: «في» معناها الوعاء حقيقة أو مجازا عند سيبويه 619، والمحققين من النحويين، فالحقيقة ظاهرة، والمجاز نحو قولك: أنا في حاجتك؛ جعلت الحاجة لك مكانا مجازا، واتساعا من حيث كان المعنى: أنا في طلب حاجتك؛ فصار طلبه للحاجة كأنه مشتمل عليه، وكذا: فلان ينظر في العلم؛ جعلت العلم وعاء للنظر من حيث كان محلّا له على جهة المجاز والاتساع، وكذا: في فلان عيب، وفي الخبر شك 620. والمصنف لا يلتزم بقاء دلالتها على هذا المعنى - أعني الظرفية - بل جعلها تستعمل مجردة عنه دالة على معنى آخر كما رأيت تعدادة لذلك، وهذا جري منه على الطريقة التي سلكها في إتيان معان متعددة لكل حرف من الحروف المذكورة في هذا الباب.
على أن ابن عصفور صرّح بأن «في» للوعاء كما تقدم، وأن المثبت لها معنى غير ذلك هم الكوفيون.
وأما المصاحبة: فقد ذكروا من الدلالة على ذلك قول الشاعر: 2499 - ولوج ذراعين في بركة... إلى جؤجؤ رهل المنكب 621 أي: مع بركة وهو الصدر، وقول الآخر: -

الحديث: 2499 - الجزء: 6 - الصفحة: 2958

................................  2500 - كأنّ [ريقتها] بعد الكرى اغتبقت... في مسكن نمّاه النّحل في النّيق أو طعم عادية في ذي حدب... من ساكن المزن تجري في الغرانيق 622 أي: مع الغرانيق وهي طير الماء، وساكن المزن: المطر، والغرانيق لفرحها به تجري معه، وقول العرب: فلان عاقل في حلم أي: مع حلم، وخرّجوا «في بركة» على حذف مضاف أي: في جانبي بركة.
وكذا «في الغرانيق» أي: في مجرى الغرانيق.
ذكر ابن عصفور ذلك في شرح الإيضاح.
وأما قول العرب: فلان عاقل في حلم فقال ابن أبي الربيع: «في» هنا تفيد ما لا تفيده «مع»؛ لأنك إذا قلت: فلان ذو عقل مع حلم؛ لم يقتض أن عقله كان له في حين اتصافه بالحلم؛ إذ قد يقال هذا لمن حلم في وقت وظهر فيه عقل في وقت آخر، وإذا قلت: فلان عاقل في حلم فالمعنى أن حلمه تصرف بالعقل على حسب مقتضاه فكأنه دخل فيه 623. وقال: في قول الجعدي 624: 2501 - ولوج ذراعين في بركة إن «في بركة» صفة لـ «ذراعين» كأنه قال: داخلان في بركة؛ ألا ترى أنك لا تجد في كلام العرب: ولوج ذراعين في كفل؛ لأن الذراعين لا يكونان في الكفل، و «مع» تصلح هنا لو قلت: له ذراعان مع كفل؛ لكان ذلك صحيحا، وتقول: له رجلان في كفل، ولا تقول: رجلان في بركة، ويصلح أن تقول: مع بركة 625. ففي النظر في تخريج ما استدل به المصنف.
أما قوله تعالى: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ (5) الآية، فقال الشيخ: يحتمل أن يكون على حذف مضاف أي: في عذاب أمم، ويكون (فى النار) 626 بدلا.
انتهى.
ولقائل أن يدعي أن «في» باقية على معناها، ولكن الظرفية مجاز، ويكون (فى النار) في موضع الصفة؛ وصف بالجار والمجرور بعد الوصف بالجملة، -

الحديث: 2500 - الجزء: 6 - الصفحة: 2959

................................  المعنى: قال ادخلوا في أمم خالية كائنة في النار؛ فليس (فى النار) 627 من متعلقات (ادخلوا) (2). وأما قوله تعالى: وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ 628 فـ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ في موضع الحال من الضمير المضاف إليه (سيئات؛) المعنى: أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم كائنين في أصحاب الجنة.
فأفادت «في» الظرفية المجازية؛ لأنهم لشدة اختلاطهم بهم جعلوا منهم.
ومجيء الحال من المضاف إليه هنا كمجيئها منه في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً 629؛ لأن التجاوز عن سيئاتهم تجاوز عنهم فكأنه قيل: ونتجاوز عنهم.
وأما قوله تعالى: حَقَّ 630 عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ 631 فيقال فيه ما قيل في قوله تعالى: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ 632. والحاصل: أن «في» مستعملة فيه في الظرفية المجازية.
وأما قوله تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ 633 فالظرفية ظاهرة والجار والمجرور في موضع الحال المعنى: فخرج على قومه كائنا في زينته.
ونظير هذا قوله تعالى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ 634، والعرب تقول: جاء زيد في أصحابه وعشيرته أي: كائنا فيهم وعلى هذا يخرّج البيتان اللذان أنشدهما، وهما: 2502 - كحلاء في برج و: 2503 - شموس ودود في حياء وعفّة وأما التعليل فلم يذكره المغاربة، والظاهر ثبوته؛ فإن الدلائل التي استدل بها المصنف على هذا المعنى لا تدفع ولا يظهر في شيء منها معنى الظرفية.
وأما المقايسة فقد عرفت معناها الذي فسرها به المصنف وعرفت استدلاله على [4/ 6] ذلك.
والذي يظهر في ما استدل به القول بالظرفية؛ لأن المعنى في الآية الشريفة: إن متاع الدنيا بتقدير جعله في الآخرة قليل، والمعنى في الحديث الشريف: إنكم لو أدخلتم في سواكم من الأمم لكنتم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، وكذا يقال في قول الخضر لموسى صلّى الله عليه وسلّم، وكذا يقال في البيتين اللذين أنشدهما.
-

الحديث: 2502 - الجزء: 6 - الصفحة: 2960

................................  وأما موافقة «على»: فقد عرفت ما استدل به المصنف على ذلك من قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ 635، ولكن المغاربة لما ذكروا أن «في» تفيد الظرفية المعنوية أي: المجازية قالوا: ومن ذلك قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ؛ لأن تمكن المصلوب من الجذع الذي صلب فيه صيّره كالوعاء له والظرف.
قالوا ومنه قول الشاعر: 2504 - بطل كأنّ ثيابه في سرحة قال ابن أبي الربيع: وذكر القتبي 636 أن «في» تكون مكان «على» تقول: لا تدخل الخاتم في أصبعي، أي: على أصبعي وقال تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي: عليها.
قال: وهذا يرجع إلى ما ذكرت من الظرفية؛ لأنه إذا صلب على الجذع فهو في الجذع، وكذلك الخاتم إذا دخل على الأصبع فهو فيه بلا شك.
ومما استدل به قول العرب: نزلت في أبيك، أي: على أبيك.
وأجيب عنه بأن المراد: نزلت في كنف أبيك وظلّه 637، وأما موافقة الباء فقد استدل المصنف على ذلك بقوله تعالى: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ 638 واستدل أيضا بقول الشاعر: 2505 - وكلّهم في حبال الغيّ منقاد وبقول الآخر: 2506 - بصيرون في طعن الأباهر والكلى وقول الآخر: 2507 - وخضخض فينا البحر حتّى قطعنه فأما الآية الشريفة فليس فيها دلالة قاطعة على أن «في» بمعنى الباء.
وقد قال الزمخشري 639: (يذرؤكم) يكثركم فيه، أي: في هذا التدبير، وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، ثم قال: فإن قلت: ما معنى «يذرؤكم» في هذا التدبير، وهلا قيل: يذرؤكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير؛ ألا تراك تقول: للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ 640. انتهى.
فانظر إلى هذا الرجل كيف يهديه الله تعالى إلى سبيل الرشاد، ويطلعه على -

الحديث: 2504 - الجزء: 6 - الصفحة: 2961

................................  الأسرار، وينطق لسانه بما فيه الحكمة والصواب.
وبهذا المعنى الذي قرّره يظهر لك التفاوت بين في، والباء في هذا المحل؛ لأن الباء لا تفيد ما أفادته في حق كون هذا التدبير كالمنبع والمعدن وإنما تفيد السببية لا غير.
وأما قول الشاعر: 2508 - وكلهم في حبال الغيّ منقاد فيمكن أن يقال فيه: «في حبال الغيّ» ليس متعلقا بـ «منقاد» حتى تكون «في» بمعنى الباء، وإنما «في حبال الغيّ» في موضع الحال من الضمير المستكن في «منقاد»؛ التقدير: وكلهم منقاد كائنا في حبال الغيّ، وهذا المعنى أبلغ؛ فإنه يفيد استمرارهم في حبال الغيّ مع كونهم منقادين، أما إذا جعلنا «في» بمعنى الباء فيصير التقدير: إنهم منقادون بحبال الغيّ، يعنى: أنهم إذا حصل لهم انقياد ينقادون بحبال الغيّ، وإذا لم يحصل لهم انقياد فقد تفارقهم الحبال.
وأما قول الآخر: 2509 - بصيرون في طعن الأباهر والكلى فـ «بصيرون» ضمن معنى ماهرون، أو متقدمون على غيرهم في ما ذكر؛ لأن البصير بالشيء ماهر فيه، ومتقدم فيه على غيره.
قال ابن أبي الربيع: وفي جعل «في» في هذا الموضع فائدة ليست للباء لو ذكرت؛ لأنه لو قال: بصيرون بهذا؛ لم يقتض أكثر من العلم به، وقد يكون بصيرا به فإذا كان وفيه ذهل خاطره عن ذلك لما هناك من الشدة فوصفهم بأنهم مع معرفتهم بأن الطعن في الأباهر والكلى أعظم الطعن ثابتو الخواطر عند الطعان، و «في» تقتضي ثبوت خواطرهم 641. وأما قول الأعشى: 2510 - ربّي كريم ما يكدر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا 642 فقال ابن عصفور: «في المهارق» في موضع الحال والمجرور الذي يطلبه «تنوشد» محذوف؛ التقدير: وإذا تنوشد بكلام الله تعالى في المهارق «أنشدا» أي: أجاب 643. -

الحديث: 2508 - الجزء: 6 - الصفحة: 2962

................................  وقال ابن أبي الربيع: و «في» لها معنى هنا لا تقتضيه الباء؛ وذلك أنه لو قال: حلف بالمصحف؛ لم يقتض أن المصحف أحضر له عند اليمين، وإذا قال: حلف في المصحف اقتضى أنه أحضر له عند اليمين 644، وأما: 2511 - وخضخض فينا البحر... فعلى حذف مضاف؛ التقدير: وخضخض في سيرنا البحر.
وقد ذكر غير المصنف أن «في» تكون أيضا بمعنى «إلى»، وبمعنى «من» 645، واستدل على الأول بقوله تعالى: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ 646 قيل: التقدير: إلى أفواههم، وعلى الثاني بقول امرئ القيس: 2512 - وهل يعمن من كان أحدث عهده... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال 647 قال ابن عصفور: «وأما الآية الشريفة فقد فسرت على معنيين كلاهما «في» باقية فيه على بابها: أحدهما: أن يراد بالأيدي الجوارح، والمعنى على ذلك: ردوا أيديهم في أفواههم وعضوا أناملهم من الغيظ كما قال تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ 648، ومحال أن يعضوا أناملهم بأفواههم إلا بعد إدخالها في الأفواه.
والآخر: أن يراد بالأيدي النعم ويعني بذلك ما بلغهم الرسل صلوات الله تعالى عليهم عن الله تعالى من الأمر بما فيه خير لهم، والنهي عما فيه شرّ لهم؛ لأن ذلك نعمة فلما لم يقبلوا كلام الرسل صاروا كأنهم ردوا كلامهم في أفواههم، والعرب [4/ 7] تقول: ردّ كلام فلان في فيه؛ إذا لم يقبل منه.
وأما بيت امرئ القيس فحمله ابن جني 649 على حذف مضاف، والتقدير عنده: في عقب ثلاثة أحوال فتكون «في» للوعاء على بابها.
-

الحديث: 2511 - الجزء: 6 - الصفحة: 2963

الحديث: 2513 - الجزء: 6 - الصفحة: 2964

................................  القراء فويل للقاسية قلوبهم عن ذكر الله 654 فأوقع «عن» موقع «من» والمعنى واحد 655، والله تعالى أعلم.
واستعمالها للبدل: كقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً 656، وكقول القائل: حج فلان عن أبيه، وقضى عنه دينا، وفي صحيحي البخاري ومسلم 657 أن رجلا قال: يا رسول الله، إنّ أمّي ماتت وعليها صوم أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمّك دين أكنت (قاضيه) 658 عنها؟» قال: نعم.
قال: «فدين الله أحقّ أن يقضى» 659، ومنه قول الشاعر: 2514 - كيف تراني قاليا مجنّي... قد قتل الله زيادا عنّي 660 أي: كأن قتل الله زيادا بدل قتلي إياه، ومثله قول الآخر: 2515 - حاربت عنك عدى قد كنت تحذرهم... فنلت بي منهم أمنا بلا حذر 661 واستعمالها للاستعلاء: كقول الشاعر: 2516 - لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني 662 أراد: لا أفضلت في حسب عليّ أي: لم يعل حسبك على حسبي.
-

الحديث: 2514 - الجزء: 6 - الصفحة: 2965

................................  ومن استعمال «عن» للاستعلاء قولهم: بخل عنه، والأصل: بخل عليه؛ لأن الذي يسأل فـ «يبخل» يحمل السائل ثقل الخيبة مضافا إلى ثقل الحاجة؛ ففي «بخل» معنى ثقل فكان حقيقيّا بأن يشاركه في التعدية بـ «على»، فإن عدّي بـ «عن» كان معناها معنى «على»، وأيضا فإنّ «شحّ وضنّ» بمعنى «بخل» وتعديتهما في الغالب بـ «على» لا بـ «عن» فكانت «بخل» (أحق) 663 بذلك إلا أن «بخل» أكثر استعمالا فعديت بـ «عن» نيابة عن «على»؛ لأنها أخف منها، وبصلاحية «عن» للاستعلاء عدّي بها «رضي»، والأصل تعديته بـ «على»؛ لأن قائله مقبل على المعلق به ومثن عليه، ولأن في «رضيت عنه» معنى: رضيته وزدت على رضاه، والزيادة استعلاء فجيء بـ «عن» دالة عليه وكانت «على» أحقّ منها لكنهم قصدوا مخالفة غضب وسخط فعدوا «رضي» بـ «عن» لصلاحيتها للاستعلاء كما تقرر.
وقد نبه على الأصل المتروك من قال: 2517 - إذا رضيت عليّ بنو قشير... لعمر أبيك أعجبني رضاها 664 واستعمال «عن» للاستعانة: كقول العرب: رميت عن القوس، كما يقولون: رميت بالقوس؛ فـ «عن» هنا كالباء في إفادة الاستعانة.
وحكى الفرّاء عن العرب: رميت عن القوس، وبالقوس على القوس وأنشد: 2518 - أرمي عليها وهي فرع أجمع... وهي ثلاث أذرع وإصبع 665 واستعمال «عن» للتعليل: كقوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ 666، وقوله تعالى: وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ 667، ومنه قول ضابئ البرجمي 668: -

الحديث: 2517 - الجزء: 6 - الصفحة: 2966

................................  2519 - وما عاجلات الطّير تدني من الفتى... نجاحا ولا عن ريثهنّ يخيب 669 واستعمال «عن» موافقة لـ «بعد»: كقوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ 670 أي: حالا بعد حال، ومنه قول الشاعر: 2520 - قرّبا مربط النعامة منّي... لقحت حرب وائل عن حيال 671 ومثله: 2521 - لقد منيت بنا عن غبّ معركة... لا تلقنا عن دماء القوم ننتفل 672 واستعمالها موافقة لـ «في»: كقول الشاعر: 2522 - وآس سراة الحيّ حيث لقيتهم... ولا تك عن حمل الرباعة وانيا 673 أي: في حمل الرباعة وانيا.
وجعلت هنا الأصل «في» كقوله تعالى: وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي 674. وأشرت بقولي: وتزاد هي «وعلى، والباء» عوضا إلى قول الشاعر: 2523 - أتجزع إن نفس أتاها حمامها... فهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع 675 [4/ 8] وإلى قول الراجز: 2524 - إنّ الكريم وأبيك يعتمل... إن لم يجد يوما على من يتّكل 676 وإلى قول الشاعر: -

الحديث: 2519 - الجزء: 6 - الصفحة: 2967

................................  2525 - ولا يؤاتيك فيما ناب من حدث... إلّا أخو ثقة فانظر بمن تثق 677 قال أبو الفتح ابن جني في البيت الأول: أراد: فهلا عن التي جنبيك تدفع؛ فحذف «عن» وزادها بعد «التي» عوضا 678، وقال في قول الراجز: أراد: إن لم يجد من يتكل عليه؛ فحذف «عليه»، وزاد «على» قبل «من» عوضا 679. ويجوز عندي أن يعامل بهذه المعاملة «من، واللام، وإلى، وفي» قياسا على «عن، وعلى، والباء» فيقال: عرفت ممن عجبت، ولمن قلت، وإلى من أويت، وفي من رغبت، والأصل: عرفت من عجبت منه، ومن قلت له، ومن أويت إليه، ومن رغبت فيه؛ فحذف ما بعد «من» وزيد ما قبلها عوضا.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 680، وقد ذكر لهذا الحرف الذي هو «عن» معاني سبعة كما رأيت.
والجماعة المغاربة لم يثبتوا من هذه المعاني سوى المجاوزة؛ مستندين لقول سيبويه: وأما «عن» فلما عدا الشيء 681، قال ابن عصفور: ومعنى «عن» اسما كانت أو حرفا المجاوزة؛ ألا ترى أنك إذا قلت: أطعمته عن جوع؛ فالمعنى: جعلت الجوع مجاوزا له ومنصرفا عنه، وكذلك إذا قلت: سقيته عن العيمة 682 وكسوته عن العري؛ فقد جعلت العيمة والعري قد تراخيا عنه وجاوزاه، وكذلك أيضا قولك: رميت عن القوس؛ لأنك قذفت سهمك عنها فجاوزها، وإذا قلت: جلست عن يمينه؛ فالمعنى: تراخيت عن يمينه وجاوزتها.
وإذا قلت: أضربت عنه، وأعرضت عنه، فالمعنى: تراخيت عنه وجاوزته إلى غيره.
وإذا قلت: أخذت عنه حديثا؛ فالمعنى: عدا إلى منه حديث 683. انتهى.
وكلام الخضراوي 684 قريب من كلامه وبمعناه، وكذا كلام ابن أبي الربيع 685. ولكنهم نقلوا عن الكوفيين 686 إثبات أربعة معان.
وهي: معنى «على»، ومعنى «بعد»، -

الحديث: 2525 - الجزء: 6 - الصفحة: 2968

................................  ومعنى «من أجل»، ومعنى «الباء» ولم يتعرضوا إلى ذكر البدل، ومعنى «في».
وأما الأربعة التي ذكروها: فقد ذكرها المصنف حيث صرح بكلمة «بعد»، وأشار إلى معنى «على» بالاستعلاء، وإلى معنى «من أجل» بالتعليل، وإلى معنى «الباء» بالاستعانة، ولنشر إلى كل من المعاني التي هي غير المجاوزة: أما البدل: فقد استدل المصنف عليه بما تقدم 687 [ولم يرتضه الشيخ فقال بالتضمين في البيتين الأول والثاني]؛ قال الشيخ: وما استدل به المصنف يحتمل التأويل فيقال: إن «قتل الله» ضمن معنى: صرف الله، أي: صرف الله بقتله زيادا عني، وكذلك «حاربت عنك» ضمن معنى صرفت بالمحاربة عنك 688. وأما الاستعلاء: فقد استدل عليه المصنف بقوله: لا أفضلت في حسب عني، وهو الدليل المذكور عن الكوفيين وبقول العرب: بخل عنه أي: عليه وأجيب عنه.
أما: «لا أفضلت في حسب عنّي» فقال ابن عصفور 689: ضمن أفضلت معنى: انفردت، أي: ما انفردت بحسب عني؛ لأنه إذا فضّل عليه في الحسب أي: زاد؛ فقد انفرد عليه بتلك الزيادة.
وأما قولهم: بخل عنه؛ فقالوا: إن «بخل» ضمن معنى: رغب أو كفّ؛ التقدير: رغب بماله عنه، أو كف بماله عنه، واستدل الكوفيون أيضا بقول الشاعر: 2526 - لو أنّك تلقي حنظلا فوق بيضهم... تدحرج عن ذي سامه المتقارب 690 وأجاب ابن عصفور والخضراوي عن ذلك بأن تدحرجه عن ذي سامه المتقارب انتقال عن بعضه إلى بعض؛ ففيه معنى التجاوز والتعدّي 691، والسامة: عروق الذهب، ويعني بذي سامه المتقارب» البيض المذهب.
وأما الاستعانة: فقد استدل المصنف على ذلك بقول العرب: رميت عن القوس، كما تقول: رميت بالقوس، وأجيب عن ذلك بأن «عن» في «رميت عن القوس» -

الحديث: 2526 - الجزء: 6 - الصفحة: 2969

................................  للمجاوزة. وأما «رميت بالقوس» فالباء فيه للاستعانة؛ فالمعنى مختلف وكل واحد من الحرفين مستعمل في موضوعه. وقد استدل الذاهبون إلى ذلك بقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى 692 قالوا: التقدير: بالهوى، واستدلوا أيضا بقول امرئ القيس: 2527 - تصدّ وتبدي عن أسيل وتتّقي... بناظرة من وحش وجرة مطفل 693 أي: تصد بأسيل. وأجيب عن الآية الشريفة بأن المراد أن النطق خارج عن الهوى متجاوزه؛ فمعنى المجاوزة ظاهر، والمعنى: لا يصدر نطقه إلا عن وحي. هذا جواب الخضراوي 694. وقال ابن أبي الربيع: وأما قوله سبحانه وتعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى فهو بمنزلة: أطعمتك عن جوع؛ لأنه نفى - تعالى - عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكون نطقه كنطق غيره الذين ينطقون عن الهوى؛ فهو كما يقول ما تكلم عن حرج 695. ولا يخفى على الناظر تطابق كلام هذين الرجلين. ولا شك أن ما ذكراه أحسن من قول ابن عصفور: إن المعنى وما يصرّف نطقه عن الهوى 696. وأما قول الشاعر: تصدّ وتبدي......... فأجابا عنه بأن «عن» متعلقة بـ «تبدي» أي: وتبدي عن أسيل، وليست متعلقة بـ «تصد»، وإنما عدّي تبدي بـ «عن» لأنه إذا أبدى عن الشيء فقد صرف عنه ما يستره 697. ومنهم 698 من ذهب إلى التضمين [4/ 9] فضمن «وتبدى» معنى: وتزيل؛ لأنها إذا أبدت فقد أزالت الستر، فكأنه قال: تصد وتزيل الستر عن أسيل. وأما التعليل فما استدل به المصنف على ذلك ظاهر وهو قوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ 699 وقوله تعالى: وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ 700، وكذا ما ذكره من قول الشاعر: 2528 - ولا عن ريثهنّ يخيب

الحديث: 2527 - الجزء: 6 - الصفحة: 2970

................................  ولكن المغاربة ذكروا أن الذاهبين إلى ذلك استدلوا عليه بقولهم: أطعمتهم عن جوع، أي: من أجل جوع، وبقول الشاعر: 2529 - بسير تقلّص القيظان عنه... بيد مغازة الخمس الكمال 701 يريد: تقلص القيظان من أجله، وبقول الآخر: 2530 - ولقد شهدت إذا القداح توحّدت... وشهدت عند اللّيل موقد نارها عن ذات أولية أساود ربّها... وكأنّ لون الملح فوق شغارها 702 يريد: من أجل ذات أولية، والأولية جمع ولي، وهو الثاني من الوسمي، ويريد به الربيع الذي يكون عنه.
وأجابوا عن ذلك: أما أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ 703 فقالوا: ليست «عن» فيه بمعنى «من أجل»؛ لأن «أطعمه من جوع» معناه: أنه أطعمه من أجل الجوع، و «أطعمه عن جوع» معناه: أطعمه بعد الجوع؛ فقد عدا وقته وقت الجوع وتجاوزه.
وأما قوله: بسير تقلص القيظان عنه فقالوا: «عن» فيه باقية على معناها؛ لأن القيظان إنما تقلص بعد وقوع السير، وإذا كان قلوصها بعد السير فقد تجاوز وقت القلوص وقت السير.
وأما قول الآخر: عن ذات أولية أساود ربها فقالوا: «عن» فيه متعلقة بـ «أساود» و «أساود» ضمن معنى: أساير؛ لأن المساودة هي المسايرة، ومساودته له في حقها سؤال عنها، ويمكن أيضا أن يضمن «أساود» معنى: أخادع؛ لأنه إنما أسود ربها ليخدعه عنها.
ذكر ذلك ابن عصفور في شرح الإيضاح 704. وأما استدلال المصنف فقد تأوله الشيخ بأن المعنى: إلا بعد موعدة، وبعد قولك، وبعد ريثهن؛ قال: وإذا كان ذلك بعد فقد تجاوز الوقت 705. انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التأويل؛ لأن المراد أن الاستغفار ما كان من إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم -

الحديث: 2529 - الجزء: 6 - الصفحة: 2971

................................  لأبيه إلا لأجل الموعدة؛ فالآية الشريفة مسوقة للاعتذار عنه صلّى الله عليه وسلّم فإن استغفاره لأبيه إنما كان من أجل الوفاء بعهده له، وليس المراد الإخبار بأن الاستغفار كان بعد الوعد أو قبله، وكذا المراد من الآية الشريفة الثانية أنهم يقولون: إنهم لا يتركون آلهتهم من أجل قول هود صلّى الله عليه وسلّم.
وأما موافقة «بعد» فقد استدل عليه المصنف بقوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ 706، واستدل أيضا بقول القائل: 2531 - لقحت حرب وائل عن حيال وبقول الآخر: 2532 - عن غبّ معركة وذكر المغاربة أيضا من الأدلة على ذلك بعد ذكرهم الآية الشريفة قول: امرئ القيس: 2533 - وتضحي فتيت المسك فوق فراشها... نؤوم الضّحى لم تنتطق عن تفضّل 707 أي: بعد تفضل، وقول الآخر: 2534 - ومنهل وردته عن منهل... [قفر به الأعطان لم تسهّل] 708 أي: بعد منهل.
وأجابوا عن ذلك: أما الآية الشريفة؛ فقال ابن عصفور: إنما وقعت «عن» فيها موقع «بعد» لتقارب معنيهما؛ لأن «عن» تكون لما عدا الشيء وتجاوزه و «وبعد» لما تبعه وعاقبه.
فإذا جاء الشيء بعد الشيء فقد عدا: وقته وقته.
قال: ومثل ذلك: «لم تنتطق عن تفضّل»؛ لأنها إذا جعلت النطاق بعد التفضل فقد عدا وقت الانتطاق وقت الشروع في التفضل وتجاوزه.
قال: ومثل ذلك: «ومنهل وردته عن منهل»؛ لأنه إذا ورد منهلا بعد منهل؛ فقد تجاوز وقت ورود الثاني وقت ورود الأول 709. وقال ابن أبي الربيع - في «لم تنتطق عن تفضّل» -: الذي يظهر لي أن التتنطق لما كان بعد التفضل فكأنه بسببه إذا كان ناشئا عنه فصار يقرب من قولك: كلمته -

الحديث: 2531 - الجزء: 6 - الصفحة: 2972

................................  عن حرج، وأكلت عن جوع، وشربت عن عطش قال: وكذلك الكلام في قوله: 2535 - ومنهل وردته عن منهل 710 انتهى.
فإن صح ما ذكره - أعني ابن عصفور وابن أبي الربيع - من التأويل ساغ القول بذلك أيضا في: «عن حيال» و «عن غبّ معركة».
وأما موافقة «في» فقد عرفت أن المغاربة لم يتعرضوا إلى ذكره وأن المصنف استدل على ذلك بقول القائل: 2536 - ولا تك عن حمل الرباعة وانيا وأنه قال: وجعلت هنا الأصل «في»، كقوله تعالى: وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي 711 لكن قال الشيخ: تعدية «ونى» بـ «عن» مستعمل في لسان العرب وفرق بين ونى عن كذا، ووني في كذا؛ فإذا (قلت) 712: ونى عن ذكر الله؛ فمعناه المجاوزة وأنه لم يذكره، وإذا قلت: ونى في ذكر الله؛ فمعناه أنه التبس بالذكر وإنما لحقه فيه فتور وأناة 713. انتهى.
وعلى هذا الذي ذكره الشيخ لا يتم استدلال المصنف فلا يثبت أن «عن» تستعمل موافقة «في» وهذا هو الظاهر.
ثم إنك قد عرفت قول المصنف: وتزاد هي، و «على، والباء» عوضا، وما ذكره من الأدلة على ذلك وهي قول القائل: 2537 - فهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع وقول الآخر: 2538 - إن لم يجد يوما على من يتّكل وقول الآخر: 2539 - فانظر بمن تثق ولا شك أن ما ذكره ظاهر إلا أن الشيخ قال: لا يتعين هذا التأويل؛ لاحتمال أن يكون الكلام تمّ قوله: «إن لم يجد يوما»، أي أنه إذا لم يجد ما يستعين به اعتمل بنفسه ثم قال: على من يتّكل، و «من» استفهامية كأنه قال: على أي شخص يتكل؟ -

الحديث: 2535 - الجزء: 6 - الصفحة: 2973

الحديث: 2540 - الجزء: 6 - الصفحة: 2974

................................  ومثله: 2543 - لك لا عليك من استعنت فلم يعن... إلّا على ما ليس فيه ملام 725 ومن هذا النوع وقوع «على» بعد «وجب» وشبهه؛ لأن «وجب عليك». مقابل لـ «وجب لك» وكذا وقوعها بعد «كذب» وشبهه. ومن الاستعلاء المعنوي وقوعها بعد «كبر، وضعف، وعز، وعظم» مما فيه معنى «ثقل» وكذلك ما دلّ على معنى تمكن نحو: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ 726 [و] «وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت» 727. واستعمالها للمصاحبة: نحو: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى 728 [و] وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ 729، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ 730، وفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ 731، وأَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ 732، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين استأذن عمر رضي الله عنه: «ائذن له وبشّره بالجنّة على بلوى تصيبه» 733 أي: مع بلوى تصيبه. واستعمالها للمجاوزة: كوقوعها بعد «بعد، وخفي، وتعذر، واستحال، وحرم، وغضب»، وأشباهها. ولمشاركتها «عن» في المجاوزة [تعاقبتا] في بعض المواضع نحو: رضي عنه وعليه، وأبطأ عنه وعليه، وأحال بوجهه عنه وعليه إذا عدل عنه، وولى بوده عنه، وعليه قال الشاعر: 2544 - إذا امرؤ ولّى عليّ بؤدّه... وأدبر لم يصدر بإدباره ودّي 734

الحديث: 2543 - الجزء: 6 - الصفحة: 2975

................................  واستعمالها للتعليل: كقوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ 735. ومنه قول الشاعر: 2545 - على مورثات المجد تحمد فاقتها... ودع ما عليه ذمّ من كان قد ذما 736 ومنه قول الآخر: 2546 - علام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت 737 أي: لأي سبب؟ واستعمالها للظرفية: كقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ 738 وكقوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها 739، ومنه قول الشاعر: 2547 - يمرّون بالدّهنا خفافا عيابهم... ويخرجن من دارين بجر الحقائب على حين [ألهى] النّاس جلّ أمورهم... فندلا زريق المال ندل الثّعالب 740 واستعمالها موافقة لـ «من»: كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ 741، وكقوله تعالى: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 742 المعنى من أزواجهم، ومن الناس.
واستعمالها موافقة للباء: كقوله تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ 743 أي: بأن لا أقول، وقرأ أبيّ بن كعب 744 رضي الله عنه: «حقيق بأن -

الحديث: 2545 - الجزء: 6 - الصفحة: 2976

................................  لا أقول» 745 فكانت قراءته مفسرة لقراءة الجماعة.
وقد جاءت «على» زائدة دون تعويض في قول حميد بن ثور: 2548 - أبى الله إلّا أنّ سرحة مالك... على كلّ أفنان العضاه تروق 746 فزاد «على»؛ لأن راق متعد بنفسه مثل «أعجب»؛ لأنهما بمعنى واحد يقال: راقني حسن الجارية، وأعجبني عقلها، وفي الحديث: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفّر عن يمينه وليفعل الّذي هو خير» 747، والأصل: من حلف يمينا، كما قال النابغة: 2549 - حلفت يمينا غير ذي مثنويّة... [ولا علم إلّا حسن ظنّ بصاحب] 748 فـ «علي» زائدة، وقيل: هي بمعنى الباء.
ويلزم من كونها بمعنى الباء أن تكون زائدة؛ لأن الباء زائدة في قولك: حلفت بيمين؛ لأن «حلف» يتعدى إلى اليمين كتعدية «آلى»؛ لأنه بمعناه.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 749. والمعاني التي ذكرها لهذا الحرف سبعة.
أما الاستعلاء فمجمع عليه وهو معناه الأصلى، وعليه عوّل المغاربة فلم يتعرضوا إلى ذكر غيره إلا منسوبا إلى غير مذهب البصريين.
قال ابن أبي الربيع: و «على» معناها الاستعلاء 750 وذكر القتبي أنها وضعت موضع حروف.
قال: وهذا مذهب الكوفيين الذين يرون وضع الحروف بعضها مكان [بعض].
وأما البصريون فيذهبون إلى التضمين؛ قال ابن عصفور 751: معنى «على» اسما كانت أو حرفا: الاستعلاء؛ حقيقة نحو: زيد على الفرس، أو مجازا نحو: عليه مال -

الحديث: 2548 - الجزء: 6 - الصفحة: 2977

................................  لزيد؛ يريد: أن المال ثبت عليه كما يثبت الشيء على المكان، وقد يعرض فيها إشكال في بعض المواضع التي تتصرف فيها، فيظن أنها قد فارقت معنى الاستعلاء وليس كذلك.
فمن تلك المواضع قولهم: زرت زيدا على مرضي، وأعطيته على أنه شتمني؛ والوجه في ذلك أن المرض من شأنه أن يمنع المريض أن يزور، والشتم من شأنه أن يمنع المشتوم من أن يعطي شاتمه شيئا، فلما لم يمنعه المرض من الزيارة ولا الشتم من الإعطاء صارا ممنوعين مما عهد فيهما [4/ 11] والممنوع من الشيء مقهور، والقهر علو في المعنى بدليل قولك: فلان يحب قهر فلان، فساغ دخول «على» عليهما على جهة المجاز والتشبيه للشيء المعقول بالشيء (المحس) 752. ومن هذا القبيل قول قيس الرقيات 753: 2550 - ألا طرقت من آل بثنة طارقه... على أنّها معشوقة الدّلّ عاشقه 754 فـ «عاشقة» منوي بها التقديم؛ لأنه صفة لـ «طارقة» والتقدير: ألا طرقت من آل بثنة طارقة عاشقة على أنها معشوقة الدل.
ووجه الشبه بين هذا والذي قبله أن المعشوق من شأنه أن يعرض عن عاشقه ويهجره كما أن المرض من شأنه أن يمنع المريض من أن يزور.
ومنها أيضا قولهم: فلان على البصرة؛ لأنه إذا أمّر عليها فقد صارت تحت حكمه وقهره.
ومن هذا القبيل قولهم: تعذّر عليه كذا، وصعب عليه، وشقّ عليه؛ لأن جميع ذلك راجع إلى معنى امتنع، والمنع قهر، والقهر علو.
ومنه أيضا قولهم: خفي عليه كذا، وأشكل عليه، وكل ما كان راجعا إلى معنى «خفي»؛ لأنه إذا خفي عليه، الشيء فقد منعه من أن يدركه.
ومنها قولهم: تقوّل عليه ما لم يقل؛ لأنه إذا نسب إليه ما لم يقل فقد حمّله إياه، والمحمول أبدا في الأمور (المحسّة) 755 من شأنه أن يكون غالبا على حامله.
فأدخلت «على» عليه تشبيها للمعقول (بالمحسّ) 756. ومنها قولهم: اتصل بي هذا على لسان فلان؛ لأن اللسان حامل للكلام؛ قال الله تعالى: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ 757 أي: على لسان رجل منكم.
ومنها قولهم: كان -

الحديث: 2550 - الجزء: 6 - الصفحة: 2978

................................  ذلك على عهد كسرى، لأنه إذا كان في عهده كان العهد متحملا له، ومن هذا القبيل: جازاه على كذا، وعاقبه على كذا، وأساء إليه على كذا، وكل ما هو راجع إلى معنى المجازاة؛ لأن السبب الذي لأجله وقعت المجازاة هو الذي أوصل المجازاة وحملها إليه.
ومنها قولهم: كرّ عليه، وعطف عليه ورجع عليه.
وجنى عليه، وكل ما هو راجع إلى معنى عطف؛ لأن من عطف على شيء فهو فوقه في الأشياء (المحسة) 758 فشبة في ذلك المعقول (بالمحس) 759. هذا كلامه في شرح الإيضاح ثم أتبع ذلك بأن قال: وزعم الكوفيون أن لها ستة معان خلاف ما ذكرناه: وهي معنى «عن»، ومعنى «اللام»، ومعنى «الباء» ومعنى «مع»، ومعنى «في»، ومعنى «من».
وأقول: هذه الستة هي التي ذكرها المصنف إلا أنه عبر عن معنى «عن» بالمجازاة وعن معنى «اللام» بالتعليل، وعن معنى «مع» بالمصاحبة وعن معنى «في» بالظرفية، وذكر «الباء ومن» بلفظهما.
وأنا أشير إلى ما ذكره على الترتيب.
أما المصاحبة: فقد استدل المصنف عليها كما عرفت بقوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ 760 [و] وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ 761، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ 762، وفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ 763، وأَ [وَ] عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ [لِيُنْذِرَكُمْ] 764، وبالحديث الشريف: «وبشّره بالجنّة على بلوى تصيبه» ولك أن تدعي أن «على» في هذه الآيات الشريفة والحديث الشريف للاستعلاء وتقرير ذلك أن المستعلي على الشيء حائز لذلك الشيء متمكّن منه متصرف فيه كما يتصرف المالك في ملكه.
وعلى هذا فالآية الأولى: قصد فيها الإخبار بأن مؤتي المال يؤتيه مع أنه مستول على حب المال قد تمكن منه باستعلائه عليه، وهو مع ذلك لا يمنعه الاشتمال على حب المال من الإيتاء، وهذا منه تعالى ثناء عظيم، ومدح شريف.
وأما الآية الثانية: فالقصد فيها الإعلام بأن الله تعالى يغفر الذنوب مع اشتمال العباد على ظلم أنفسهم، -

الجزء: 6 - الصفحة: 2979

................................  وتمكنهم منه باستعلائهم عليه. وأما الآية الثالثة: فالقصد فيها الاعتراف بنعمة الله تعالى حيث وهب له الولد بعد أن صار مشتملا على الكبر حيث هو مستعل عليه؛ المعنى: أن الولد منه كان في غاية البعد، فتصدق الله تعالى عليه، ووهب له ما وهب. وأما الآية الرابعة: فالأمر فيها ظاهر؛ لأن المرأة إذا اشتملت على الاستحياء واستعلت عليه كان حياؤها في الغاية. وأما الآية الخامسة: فقد تقدم من كلام ابن عصفور ما فيه الجواب عنها، وأما الحديث الشريف فيحتاج الجواب عنه إلى تأمل. وأما المجاوزة: فقد استدل المصنف عليها بوقوعها بعد: «بعد، وخفي، وتعذّر، واستحال، وحرم، وغضب» وأشباهها. وقد تقدم من كلام ابن عصفور أيضا ما فيه الجواب عن ذلك، وقد استدل المصنف أيضا بقولهم: رضيت عليه. والمغاربة لما ذكروا قول الشاعر: 2551 - إذا رضيت عليّ بنو قشير... قالوا: إن «رضي» ضمّن معنى «عطف» وهو جواب حسن 765. وذكروا جوابا آخر، وهو أن «رضي» أجريّ مجرى ضدّه وهو «سخط» فعدي تعديته. واستدل المصنف أيضا بقول الشاعر: 2552 - إذا امرؤ ولّى عليّ بودّه والجواب عنه بأن التعدي يلزم منه الإعراض ومن أعرض عن شخص فقد منعه وده، والمنع قهر والقهر علو كما قال ابن عصفور. ومما استدل به قول الشاعر: 2553 - أرمي عليها وهي فرع أجمع أي: عنها، ولا دليل في ذلك؛ لأنه إذا رمى بالقوس جعل سهمه عليها؛ فكأنه قال: أرمي السهم عليها أي: كائنا عليها، وأما «رميت عن القوس» فمعناه: أزلت السهم بالرمي عنها، ومن قال: رميت بالقوس؛ فقد جعل القوس آلة للرمي. وأما التعليل فقد استدل عليه المصنف كما عرفت بقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ 766 وأنه جعل من ذلك قول الشاعر: 2554 - علام تقول الرّمح يثقل عاتقي...

الحديث: 2551 - الجزء: 6 - الصفحة: 2980

................................  ولم يظهر لي الجواب عن ذلك.
ولم يذكر [4/ 12] المغاربة شاهدا على ذلك سوى بيت واحد وهو قول الشاعر: 2555 - رعته أشهرا وخلا عليها... فطار النيء منها واستعارا 767 أي: خلا لها، ثم أجابوا عنه؛ فقال ابن عصفور: إن خلا ضمن معنى وقف قال: لأنه إذا خلا لها فقد وقف عليها.
وقال ابن أبي الربيع بعد إنشاده البيت: هذا على التضمين؛ لأن المكان إذا خلا لها فرعته وحدها فقد صار النبات عليها لكثرته، وليس هناك ما يرعاه غيرها.
قال: وهذا الشاعر يصف إبلا سمنت بسرعة.
والنيء: الشحم، واستعار: يريد استعر من السعير، وهو افتعل منه أشبع الفتحة فتولد منها ألف 768. وأما الظرفية: فقد استدل المصنف عليها بما تقدم من قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ 769، ومن قوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها 770، وأنشد قول الشاعر: 2556 - على حين ألهى النّاس جلّ أمورهم ولم يذكر المغاربة شاهدا على ذلك سوى الآية الشريفة الأولى، وأجابوا عن ذلك بأن (تتلوا) ضمن معنى «تتقول»؛ قالوا: لأن معنى الآية: أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه فعديت (تتلوا) تعدية ما ضمن معناه، وهو «تتقول».
وأما الآية الشريفة الثانية؛ فقال الشيخ: إن (على) فيها للاستعلاء المجازي، وذلك أنه لما تمكن من الدخول والخروج في ذلك الوقت صار مستعليا عليه في المعنى 771 ولم يتعرض إلى الجواب عن (الثالثة) 772. ويمكن أن يقال فيه ما أشار إليه من التخريج في الآية الشريفة.
وأما موافقة «من»: فقد عرفت استشهاد المصنف عليه بقوله تعالى: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ 773، وبقوله تعالى: إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 774. وقد أجيب عن الآية الشريفة الأولى بأن (حفظون) 775 ضمن معنى «قاصرون»؛ المعنى: -

الحديث: 2555 - الجزء: 6 - الصفحة: 2981

................................  والذين هم قاصرون فروجهم إلا على أزواجهم، يقال: قصر فلان أمره على فلان.
وأما الآية الشريفة الثانية فذكر ابن عصفور 776 عن الفراء 777 أن «من، وعلى» إنما اعتقبا على هذا الموضع؛ لأنه حق عليه، فإذا قيل: اكتلت عليه؛ فكأنه قيل: أخذت مما عليه، وإذا قيل: اكتلت منه، فكأنه قيل: استوفيت منه.
وقال الخضراوي: دخول «على» هنا أكثر من «من»، ودخول «من» على أنه استخراج واحد ودخول «على» لأنه استطلاع بحق واستشراف عليه، قال: وكلاهما على التجوز 778. وكلام الخضراوي هو معنى كلام الفراء، وقال ابن أبي الربيع: المعنى: وإذا حكموا على الناس في الكيل استوفوا؛ لأن ذلك لا يكون حتى يلوا الكيل بأنفسهم 779. وأما موافقة الباء: فقد عرفت استدلال المصنف عليها بقوله تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ 780. وذكر المغاربة من الأدلة على ذلك قول العرب: اركب على اسم الله؛ المعنى: باسم الله، وبقول الشاعر: 2557 - شدّوا المطيّ على دليل دائب... من أهل كاظمة بسيف الأبحر 781 أي: بدليل دائب.
وبقول الآخر: 2558 - وكأنّهنّ ربابة وكأنّه... يسر يفيض على القداح ويصدع 782 أي: بالقداح وقد خرّج ذلك كله على التضمين 783 فأما الآية الشريفة فـ «حقيق» فيها ضمن معنى «حريص» وأما «اركب على اسم الله»، و «على دليل»، ويفيض على القداح» فخرجه ابن عصفور على تعليق «على» بمحذوف في موضع الحال؛ التقدير: اركب معتمدا على اسم الله، وشدوا المطي معتمدين على دليل، ويفيض -

الحديث: 2557 - الجزء: 6 - الصفحة: 2982

[حتى الجارة... معانيها، وأحكامها] قال ابن مالك: (ومنها: «حتّى» لانتهاء العمل بمجرورها أو عنده، ومجرورها إمّا بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهاما صريحا، أو غير صريح، وإما كبعض، ولا يكون ضميرا، ولا يلزم كونه آخر جزء، أو ملاقي آخر جزء خلافا لزاعم ذلك ويختصّ تالي الصّريح المنتهي به بقصد زيادة ما، وبجواز عطفه واستئنافه، وإبدال حائها عينا لغة هذيليّة).
صائحا على القداح 784. وقال الخضراوي: التقدير: معتكفا عليها 785، وهو أحسن.
وقال ابن أبي الربيع: إن «يفيض على القداح» ضمن معنى «يدفع» أي: يدفع على القداح أنفسها، من باب تسمية الشيء باسم ما يلازمه 786، يصف أتنا وحمارا.
واليسر: المقامر الضارب بها، ويصدع: يفرق، وأصله الشق.
وأما زيادة «على» دون تعويض: فقد تقدم استدلال المصنف عليه، لكن قال الشيخ: ما ذكره المصنف مخالف لنص سيبويه فإنه قال: عن وعلى لا يزادان 787. قال: وأما استدلال المصنف بقول الشاعر: 2559 - على كلّ أفنان العضاه تروق فيحتمل التضمين؛ وذلك أنه ضمّن «تروق» معنى «تفضل وتشرف» قال: وكذا استدلاله بما ورد في الحديث الشريف: «من حلف على يمين» 788 إن صح أنه من لفظ الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقال فيه: إن «حلف» ضمّن معنى جسر أي: من جسر بالحلف على يمين.
انتهى.
وليس ما ذكره الشيخ من التضمين يدفع ما قاله المصنف من الزيادة، غاية الأمر أن هذا الذي ذكره توجيه آخر.
وأما نص سيبويه أن «على» لا تزاد فيحمل على أن مراده أنها لا تزاد في الأشهر والأغلب، ولا يمنع ذلك من أنها قد يندر زيادتها.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 789: «حتّى» على أربعة أقسام: عاطفة، وحرف ابتداء، وبمعنى «كي»، وجارة؛ فللثلاثة الأولى مواضع تجيء إن شاء الله تعالى.
والجارة: مجرورها: إما اسم صريح نحو: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 790، وسَلامٌ -

الحديث: 2559 - الجزء: 6 - الصفحة: 2983

................................  هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 791، وإما مصدر مؤول من «أن» لازمة الإضمار وفعل ماض نحو: حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا 792، أو مضارع نحو: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ 793. وجرّها المصدر [4/ 13] المؤول يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في باب إعراب الفعل وعوامله 794. وأما جر الاسم الصريح فهي فيه على ضربين: أحدهما: أن يكون ما بعدها جزءا لما قبلها من دليل جمع مصرح بذكره نحو: ضربت القوم حتى زيد، فـ «زيد» جزء لما قبله 795 دليل جمع مصرح بذكره وهو مضروب انتهى الضرب به، ويجوز أن يكون غير مضروب لكن انتهى الضرب عنده، وإذا كان الانتهاء به ففي ذكر القوم غنى عن ذكره لكن قصد التنبيه على أن فيه زيادة ضعف، أو قوة، أو تعظيم، أو تحقير.
وإلى هذا أشرت بقولي: (ويختص تالي الصريح المنتهى به بقصد زيادة ما).
وعنيت بالصريح: كونه بلفظ موضوع للجمعية فدخل في ذلك الجمع الاصطلاحي واللّغوي كـ: «رجال، وقوم»، وعنيت بغير الصريح: ما دل على الجمعية بغير لفظ موضوع لها كقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 796 فإن مجرور (حتى) فيه منتهى لأحيان مفهومة غير مصرح بذكرها، ويجوز كون تالي الصريح منتهى عنده؛ لأنه كما يجوز مع «إلى» فإنهما سواء في صلاحية الاسم المجرور بهما للانتهاء به والانتهاء عنده، أشار إلى ذلك سيبويه 797، والفراء 798، وأبو العباس أحمد بن يحيى 799. وقال أحمد بن يحيى: قوله إِلَى الْمَرافِقِ 800 مثل «حتى» للغاية، والغاية تدخل وتخرج.
يقال: ضربت القوم حتى زيد، فيكون «زيد» مضروبا وغير مضروب؛ فيؤخذ هنا بالأوثق 801، يريد أن كون المرافق مدخلة في الغسل هو المعمول به؛ لأنه أحوط الحكمين.
ومن شواهد استواء «حتى» و «إلى» أن قوله تعالى: فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ 802 قرأه عبد الله (فمتّعنهم حتى حين) 803، ومن -

الجزء: 6 - الصفحة: 2984

................................  شواهد خروج ما بعد «حتى» مع صلاحيته للدخول قول الشاعر: 2560 - سقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيت... لهم فلا زال عنها الخير محدودا 804 ولا يعتبر في تالي غير الصريح إفهام الزيادة التي أشرت إليها.
ومما يختص به تالي الصريح المنتهى به جواز عطفه على ما قبله نحو: ضربت القوم حتى زيدا، وجواز استئنافه نحو: ضربتهم حتى زيد؛ فـ «زيد» مبتدأ محذوف الخبر، ويروى بالأوجه الثلاثة قول الشاعر: 2561 - عممتهم [بالنّدى] حتّى غواتهم... فكنت مالك ذي غيّ وذي رشد 805 ويروى بالأوجه الثلاثة أيضا قول الآخر: 2562 - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله... والزّاد حتّى نعله ألقاها 806 وإلى هذا أشرت بقولي: (وإما كبعض)؛ لأن النعل ليست بعضا للصحيفة والزاد لكنها كبعض؛ باعتبار أن إلقاء الصحيفة والزاد إنما كان ليخلو من ثقل وشاغل، والنعل مما يثقل ويشغل، فجاز عطفها لذلك؛ لأنه بمنزلة أن يقول: ألقى ما يثقله حتى نعله، وإذا لم يصلح أن ينسب لمجرورها ما نسب إلى ما قبلها فالانتهاء عنده، لا به نحو: صمت ما بعد يوم الفطر حتى يوم الأضحى، وسريت البارحة حتى الصباح، فانتهى الصوم عند يوم الأضحى (لا به) 807، لا يصح أن ينسب إليه؛ [لأن] انتهاء السرى عند الصباح لا به؛ (إذ) 808 لا يصح أن ينسب إليه.
فالجر متعين والعطف والاستئناف ممتنعان، ومجرورها أبدا عند سيبويه 809 ظاهر لا مضمر، وأجاز غيره أن تجر المضمر فتقول: حتاه، وحتاك.
قال أبو بكر بن السراج: والقول عندي ما قال سيبويه؛ لأنه غير معروف اتصال «حتى» بالضمير وهو في القياس غير ممتنع 810. والتزم الزمخشري كون مجرورها آخر جزء (أو) 811 ملاقى في آخر جزء 812، وهو غير لازم ومن دلائل ذلك قول الشاعر: -

الحديث: 2560 - الجزء: 6 - الصفحة: 2985

................................  2563 - إنّ سلمى من بعد يأسي همّت... بوصال لو صحّ لم يبق بوسا عيّنت ليلة فما زلت حتّى... نصفها راجيا فعدت يؤوسا 813 وفي قراءة ابن مسعود (ليسجننّه عتّى حين) 814، وسمع عمر رضي الله عنه رجلا يقرأ (عتّى حين)، فقال: من أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب إليه: إن الله أنزل هذا القرآن، فجعله عربيّا وأنزل بلغة قريش: فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسّلام 815 هذا آخر كلام المصنف رحمه الله، ويتعلق به أمور: منها: أنه ذكر أن «حتى» أربعة أقسام من حيث إنه جعل التي بمعنى «كي» قسيمة للجارة، وذلك غير ظاهر؛ فإن التي بمعنى «كي» جارة أيضا فكيف تكون قسيمة للجارة؟ نعم؛ الجارة إما أن تفيد الغاية فتكون بمعنى «إلى»، أو التعليل فتكون بمعنى «كي».
وقد قال هو في باب إعراب الفعل: إن «أن» ينصب الفعل بها مضمرة بعد «حتى» المرادفة لـ «إلى»، أو «كي» الجارة 816. ولا شك أن «حتى» التي ينصب الفعل بعدها بإضمار «أن» هي الجارة، وإذا كان كذلك فكيف ينتظم هذا مع قوله هنا: إن «حتى» تكون بمعنى «كي»، وجارة؟! والحق: أن أقسام «حتى» ثلاثة: عاطفة، وحرف ابتداء، وجارة.
لكن الجارة قسمان؛ لأن مجرورها: إما مصدر مؤول وهي الداخلة على الفعل المضارع المنصوب بـ «أن» مضمرة ثم إنها قد تفيد التعليل فتكون بمعنى «كي»، وقد تفيد الغاية فتكون بمعنى «إلى»، وقد تكون بمعنى «إلا أن» كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في باب إعراب الفعل وعوامله، وإما اسم صريح كقوله تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 817 والثانية - أعني الجارة الاسم الصريح - هي المذكورة هنا أي: في باب حروف الجر.
وأما الأولى فهي التي تذكر في الباب الذي أشرنا إليه.
ومنها: أن قوله: إن الكلمة المذكورة وهي «حتى» لانتهاء العمل بمجرورها، -

الحديث: 2563 - الجزء: 6 - الصفحة: 2986

................................  أو عنده يعطي أن ذلك جائز فيها على الإطلاق، ويؤيد أن هذا مراده قوله في الشرح - بعد أن مثل بـ: «ضربت القوم حتى زيد» -: فـ «زيد» جزء لما قبله وهو مضروب انتهى الضرب به، ويجوز أن يكون غير مضروب لكن انتهى الضرب [4/ 14] عنده لكن المغاربة ليس ذلك عندهم على الإطلاق؛ إنما هو باعتبار حالين: ففي حال يوجبون أن يكون انتهاء العمل عنده؛ وذلك أن المجرور بـ «حتى» إذا كان جزءا مما قبلها واقترنت بالكلام قرينة دالة على أنه داخل في المعنى مع ما قبله، أو خارج عنه كان بحسب تلك القرينة نحو: صمت الأيام حتى يوم الفطر، وإن لم تقترن به قرينة كان ما بعدها داخلا في المعنى مع ما قبله نحو: صمت الأيام حتى يوم الخميس.
أما إذا لم يكن ما بعد «حتى» جزءا مما قبلها؛ فالفعل غير متوجه عليه قطعا نحو قولك: سرت حتى الليل؛ فالسير غير واقع في الليل، ثم إنهم بنوا على ذلك جواز العطف وعدم جوازه.
وسيأتي ذكر ذلك مفصّلا كما ذكروه.
ومنها: أن قوله: ومجرورها إما بعض لما قبلها، وإما كبعض يقتضي ألا يصح قول القائل: سرت النهار حتى الليل، ولا شك في صحة ذلك.
ويدل عليه تقسيمهم المجرور بحتى إلى ما يكون جزءا مما قبلها وإلى ما لا يكون جزءا منه، ثم هذا مناف لقوله في الشرح: وإذا لم يصلح أن ينسب لمجرورها ما نسب إلى ما قبلها فالانتهاء عنده، لا به نحو: صمت ما بعد يوم الفطر حتى يوم الأضحى، وسريت البارحة حتى الصباح فانتهاء الصوم عند يوم الأضحى لا به؛ إذ لا يصح أن ينسب (إليه) 818 وانتهاء السرى عند الصباح لا به إذ لا يصح أن ينسب إليه، فالجر متعين والعطف والاستئناف ممتنعان؛ فقد حكم بتعيين الجر في الصباح، وليس الصباح بعضا من الليل الذي حصل فيه السري.
وهو قد قال: إن مجرور «حتى» بعض لما قبلها، أو كبعض.
ومنها: أنّه سوّى بين «حتى»، و «إلى» في أن المجرور بكل منهما يجوز فيه أن يكون منتهى به ومنتهى عنده؛ كما «صرّح» 819 ذلك في الشرح فقال: فإنهما سواء في صلاحية الاسم المجرور بهما للانتهاء به والانتهاء عنده.
وقد عرفت أن المغاربة يفرّقون بين الحرفين فالمجرور بـ «إلى» منتهى عنده إلا أن -

الجزء: 6 - الصفحة: 2987

................................  تقوم قرينة على أن الانتهاء به؛ فيعمل بمقتضاها أيضا.
لكن المصنف أشار إلى أن ما ذكره هو مذهب سيبويه كما عرفت.
وفي شرح الإيضاح للخضراوي: اختلف الناس في ما بعد «حتى» إذا كانت جارة، أيدخل في ما قبلها أم لا؟ فمذهب أكثر النحويين أنه داخل في ما قبلها في كل وجه.
وقال قوم: يدخل في ما قبلها ما لم يكن غير جزء منه نحو: إنه لينام الليل حتى الصباح، وهو قول الفراء 820، والرماني 821، وجماعة 822. ومذهب أبي العباس 823، وأبي بكر 824، وأبي علي 825: أنه داخل إلا بقرينة تخرجه نحو قولهم: إنه ليصوم الأيام حتى يوم الفطر.
واتفقوا [على] أنها إذا عطفت دخل ما بعدها في ما قبلها فمن يقول في «نمت الليل حتى الصباح»: إن الصباح لم ينم فيه حتى يجيز العطف؛ لأنهم اتفقوا فيما أعلم [على] أنها لا تعطف إلا حيث تجر ولا يلزمه العكس.
واتفقوا على أنه إذا لم يكن قبلها ما يعطف عليه لم يجز إلا الخفض نحو: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 826، وتَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ 827، وأقاموا حتى الصباح، وأقام حتى ساعة تهيأ أمرنا 828. هذا كلام الخضراوي.
ومنها: قوله: ولا يلزم كونه آخر جزء أو ملاقي آخر جزء أي: لا يلزم كون مجرور حتى [كذلك]؛ فإن مقتضاه أن هذا الذي ذكره هو مذهب الجمهور، ولهذا نسب في الشرح الخلاف في ذلك إلى الزمخشري خاصّة لكن المغاربة مطنبون على خلاف ما ذكره المصنف.
قال ابن عصفور في شرح الإيضاح: ولا يكون الاسم الذي انجر بها - يعني بـ «حتى» - إلا آخر جزء من الشيء نحو قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، أو ملاقيا لآخر جزء منه نحو قولك: سرت النهار حتى الليل، ولو قلت: أكلت السمكة حتى وسطها، وسرت النهار حتى نصفه؛ لم يجز، بل يجب أن تأتي -

الجزء: 6 - الصفحة: 2988

................................  حينئذ بـ «إلى» فتقول: أكلت السمكة إلى وسطها، وسرت النهار إلى نصفه.
قال: فـ «إلى» في استعمالها لانتهاء الغاية أقعد من «حتى»؛ لأنها تدخل على كل ما جعلته انتهاء غاية، وسواء في ذلك أن يكون آخر جزء من الشيء أو ملاقيا لآخر جزء منه أو لا يكون، ولمّا كانت أقعد منها في ذلك جرّوا بها الظاهر والمضمر ولم يجروا بـ «حتى» إلا الظاهر.
قال: وما بعد «حتى» لا يكون إلا داخلا في معنى ما قبلها إلا أن يقترن بالكلام قرينة تدل على خلاف ذلك 829. انتهى.
وكلام الخضراوي موافق لكلام ابن عصفور، ولهذا قال الشيخ: وما نقله - يعني المصنف - عن الزمخشري هو قول أصحابنا، ثم قال: «وما استدل به المصنف من قوله: 2564 - عيّنت ليلة فما زلت حتّى... نصفها... البيت لا حجة فيه؛ لأنه لم يتقدم «حتى» [شيء] 830 يكون ما بعدها جزءا له ولا يكون ما بعدها ملاقيا لآخر جزء منه في الجملة العامل فيها بـ «حتى» ليس المغيّا البيت نظير ما مثل به أصحابنا من قولهم: أكلت السمكة حتى وسطها؛ لأنه تقدم السمكة في الجملة المغيا العامل فيها بحتى، وليس الوسط آخر جزء في السمكة ولا ملاقيا لآخر جزء منها.
فلو صرح في الجملة بذكر الليلة فقال: فما زلت راجيا وصلها تلك الليلة حتى نصفها؛ كان ذلك حجة على الزمخشري.
ونحن نقول: إذا لم يتقدم في الجملة المغياة بـ «حتى» ما يصلح أن يكون ما بعد «حتى» آخر جزء منه أو ملاقيا آخر جزء منه جاز أن تدخل على ما ليس بآخر جزء ولا ملاقي آخر جزء 831. انتهى.
ولم يظهر ما قاله؛ لأن الشاعر وإن لم يصرح بذكر الليلة فمراده: فما زلت تلك الليلة.
ولو لم يكن ذلك مراده لم يكن للضمير المضاف إليه النصف مفسر يعود عليه.
وقد قال المصنف: إن مجرور [4/ 15] «حتى» بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهاما صريحا، أو غير صريح، ومثّل لغير الصريح بقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 832. والحاصل أنه: لا يلزم من عدم الذكر لفظا عدم الإرادة والتقدير.
-

الحديث: 2564 - الجزء: 6 - الصفحة: 2989

................................  وإذ قد انقضى البحث في ما يتعلق بكلام المصنف فلنذكر شيئا من كلام الجماعة على هذه الكلمة - أعني «حتى» - ثم نختم ذلك بالكلام على «حتى» الابتدائية؛ لأن المصنف لم يخصها بكلام في شيء من كتبه.
قال ابن هشام الخضراوي: بين «حتى» و «إلى» فروق 833 ينبغي أن تعرف: منها: أن «حتى» ينتصب الفعل بعدها بإضمار «أن»، وأما «إلى» فلا ينتصب الفعل بعدها بإضمار «أن» تقول: أسير حتى تطلع الشمس، ولا يجوز ذلك في «إلى».
ومنها: أن «حتى» إذا نصب الفعل بعدها تخرج إلى معنى «كي»، وإلى معنى «إلا أن» كما يذكر في إعراب الفعل ولا يكون ذلك في «إلى».
ومنها: أنها لا تجر مضمرا، وما أجازه أبو العباس من ذلك باطل؛ لعدم سماعه 834. ومنها: أنك تقول: سرت إلى زيد، ولا تقول: سرت حتى زيد؛ لأن ما بعد حتى يكون جزءا مما قبلها، أو ملاقيا لآخر جزء، أو داخلا مع ما ذكر قبلها بوجه شمله معه، أو فيما هو مقدر وإن لم يذكر فالأول قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، وضربت القوم حتى زيد، والثاني قولك: إنه لينام الليل حتى الصباح ويصوم الأيام حتى يوم الفطر، والثالث قوله: 2565 - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله... والزّاد حتّى نعله ألقاها فالفعل داخل مع الزاد والصحيفة في أنه متاع وسبب ومتملك، و [الأخير] قوله تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 835؛ لأن ذلك في حكم: سلام هي طول أمدها حتى مطلع الفجر، وكذلك قوله تعالى: قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ 836 المعنى: طول ما تتركون حتى حين، وتستعمل «إلى» في هذا كله وتزيد بما يخرج عن هذا نحو: نمت النهار إلى ثلث الليل، وإلى نصفه، وجئت إلى عبد الله، وإنما هي غاية دون اشتراط، ولهذا قال سيبويه فيها: وهي أعمّ في الكلام من حتّى 837. ومنها: أن «حتى» لا تكون إلا لتعظيم، أو تحقير، أو ضعف، ولا يلزم ذلك -

الحديث: 2565 - الجزء: 6 - الصفحة: 2990

................................  في «إلى»، هذا هو المشهور، وقيل: إنما يلزم ذلك في العاطفة، وقيل: هذا لازم لها حيث وقعت، وتخرج «حتى» إلى العطف وإلى الابتداء ولا يكون ذلك في «إلى».
وقد شذت «حتى» عن حروف الجر بكل ما فارقت به «إلى»، وهي بذلك شاذة عن العوامل؛ لأن عامتها مختصة.
ثم ذكر مسألة فقال: قال أبو العباس: إذا قلت: أكلت السمكة حتى رأسها فالرأس قد دخل الأكل؛ لأن معناها عاملة وعاطفة واحد.
وقد قال غيره 838: إذا انتهى الأمر إليها، ولم يقع بها فهي جارة لا غير، وإذا وقع بها جاز الوجهان وهو موضع خلاف.
وقال أبو علي: من حيث هي غاية صحّ معنى الغاية فيها بالانتهاء دون مباشرة 839 بها، ومذهب الفراء أن «حتى» يدخل ما بعدها في ما قبلها، ولا يدخل 840. واتفقوا في ما أعلم [على] أن العطف بها - في من يري أنها تعطف - لا يكون إلا في ما يصح فيه الجر فإن الجر أكثر وأقيس من العطف في ذلك إلا في باب: ضربت القوم حتى زيدا ضربته؛ فالنصب عندهم أحسن في من ذكر هنا العطف، وجعل «ضربته» تأكيدا، ومن لم يجعل هنا عطف المفرد على المفرد فالنصب عنده أيضا أحسن، وأنها لا تعطف فعلا على فعل، وعلة ذلك عندي - والله تعالى أعلم - أنها في الأصل حرف جر نقلت إلى العطف فلذلك لم تدخل على الفعل كما لم يدخل عليه حرف الجر، ولذلك لزمها في العطف الشروط التي ذكرناها في الخفض مع تقدم ما يصح العطف عليه، ولذلك لا تعطف مضمرا على ظاهر، ولا مضمر، ولا يجوز: أكرمت القوم حتى إياك، ولا: قاموا هم حتى أنت؛ لأنها منقولة من الخافضة وهي لا تدخل على المضمر.
ثم قال: فأما قولهم: سرت حتى إلى الليل؛ فـ «إلى» تأكيد زائدة كاللام في «يا ويح لزيد» عند البصريين وهو قول الفراء 841، وقد رأى الكسائي 842 أن «حتى» هنا ابتدائية والجرّ بـ «إلى» على تقدير: سرت أخرى، وذكر عن الكسائي أن الجر بعد «حتى» لا يكون إلا بإضمار «إلى» 843، -

الجزء: 6 - الصفحة: 2991

................................  قال: وهو قول لا دليل عليه.
ولما ذكر ابن أبي الربيع أن ما بعد «حتى» العاطفة لا يكون إلا الطّرف الأعلى، أو الطرف الأدنى ومثّل ب جاءني الناس حتى الأمير، وقدم الحاج حتى المشاة، قال: ولو قيل: قدم الحاج حتى الركبان؛ لم يكن فيه دليل على قدوم المشاة؛ لأن الركبان أقوى على المشي من المشاة، قال: والأحسن في هذا أن يجعل الاسم مخفوضا فتقول: شتمه الناس حتى زيد، وضربت القوم حتى عمرو، ثم قال: فإن قلت: كيف خفضت بـ «حتى» وليس فيها معنى «إلى»؛ ألا ترى أنك لو جعلت مكانها «إلى» لم يصلح وفسد المعنى، قلت: كان الأستاذ أبو علي - رحمه الله تعالى - يذهب إلى أنها تخفض بما فيها من الغاية 844 ووجه ذلك: أنك لما قلت: جاءني القوم حتى زيد؛ كان معناه انتهى مجيء القوم إلى زيد، وكذلك: ضربت القوم حتى عمرو، أي: انتهى ضرب القوم إلى عمرو.
ثم ذكر مسألة وهي: إذا قلت: جاءني القوم حتى زيد؛ فقال: يجوز في «حتى» أن تكون عاطفة، ويكون ما بعدها مرفوعا، ويجوز أن تكون خافضة وهو أحسن، ولم يجز البصريون أن يكون ما بعدها مرفوعا بالابتداء والخبر محذوف، وكذلك: ضربت القوم حتى زيد أو حتى زيد الخفض أكثر وأحسن.
ولا يجوز الرفع بالابتداء والخبر محذوف ونقل عن بعض الكوفيين أنهم أجازوه.
قال: وكان الأستاذ أبو علي يقول 845: لا يجوز؛ لأن حتى [4/ 16] مهيأة للعمل في الاسم من حيث هو مفرد، وفي «حتى» معنى الغاية كما ذكرته.
فلو رفعت بالابتداء لهيأت العامل للعمل وقطعته عنه، وأمر آخر أنك تركت العامل اللفظي المهيأ للعمل، وأعملت المعنوي، واللفظي أقوى من المعنوي، والدليل على صحة هذا القياس ومراعاته عدم السماع، والله تعالى أعلم.
وأما ابن عصفور فإنه قد تقدم عنه ذكر الجارة ثم إنه قال بعد ذكره ذلك 846: ومثال استعمالها عاطفة: قدم الحجاج حتى المشاة، ومات الناس حتى الأنبياء عليهم -

الجزء: 6 - الصفحة: 2992

................................  الصلاة والسّلام.
ولا يعطف بها إلا الأسماء وهذا الاستعمال أقل الاستعمالات فيها.
ومثال استعمالها حرف ابتداء قولهم: قام القوم حتى زيد قام، وحتى زيد يقوم، ومن ذلك قوله: 2566 - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله... والزّاد حتّى نعله ألقاها في رواية من رفع «نعله».
والدليل على أنها حرف ابتداء أنها لو كانت جارة لانخفض ما بعدها، ولو كانت عاطفة لشركت بين الاسم الذي بعدها والاسم الذي قبلها في الإعراب فتعين أن تكون حرف ابتداء.
لا يقال: هي جارة والجملة بعدها في موضع خفض لها؛ لأن الجمل لا يدخل عليها حروف الجر في فصيح الكلام، فلا يقال: عجبت من يقوم زيد، ولا عجبت من زيد قائم؛ لأنه يؤدي إلى تعليق حروف الجر، وحروف الجر لا تعلّق في موضع؛ ألا ترى كيف فحّش سيبويه [ذلك] 847 ومما يدل على أنها تستعمل حرف ابتداء قول الشاعر: 2567 - فيا عجبا حتّى كليب تسبّني... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع 848 فإنها ليست خافضة؛ لما ذكرنا أن حرف الجر لا يباشر الجمل، ولا عاطفة؛ لأنها لا يعطف بها إلا الأسماء.
ثم شرع في التقسيم - أعني تقسيم «حتى» من الرأس - فقال 849: فعلى هذا: الاسم الواقع بعد «حتى» إما أن يقع بعده شيء، أو لا.
إن لم يقع بعده شيء يصلح أن يكون خبرا له؛ فإما أن يتقدم «حتى» ما يكون الاسم الواقع بعدها جزءا [منه]، أو لا يتقدم.
إن لم يتقدم؛ لم يجز في الاسم الواقع بعدها إلا الخفض، وذلك نحو قولك: سرت حتى الليل، ونمت حتى الصباح؛ بخفض «الليل» و «الصباح».
وإن تقدمها ما يكون الاسم الواقع بعدها جزءا منه؛ فإما أن يقترن بالكلام قرينة تدل -

الحديث: 2566 - الجزء: 6 - الصفحة: 2993

................................  على أن ما بعد «حتى» غير شريك لما قبلها في المعنى، أو لا يقترن.
إن وجدت قرينة تدل على ذلك؛ لم يجز في الاسم الواقع بعدها إلا الخفض وذلك نحو: صمت الأيام حتى يوم الفطر؛ بالخفض، وإن لم يقترن به قرينة تدل على ذلك؛ حمل الكلام على أن ما بعد «حتى» شريك لما قبلها في المعنى، ويجوز كونها جارة، وكونها عاطفة حينئذ.
والخفض أحسن؛ لما تقدم من أن العطف بها لغة ضعيفة، وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيدا، وحتى زيد؛ بنصب «زيد» وخفضه، إلا أن يقترن بالكلام قرينة تدل على أن المراد العطف؛ فلا يجوز الخفض، وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيدا أيضا؛ بنصب «زيد» على العطف؛ لأن «أيضا» تدل على أنك أردت تكرار الفعل وهذا المعنى إنما يعطيه العطف من حيث كان حرف العطف نائبا من جهة المعنى مناب العامل ومغنيا عن تكراره؛ فكأنك قلت: ضربت القوم حتى ضربت زيدا أيضا.
وإن وقع بعد الاسم الواقع بعد حتى ما يصلح أن يكون خبرا له فإما أن يكون اسما مفردا، أو ظرفا، أو مجرورا، أو جملة، فإن كان اسما مفردا؛ لم يجز في الاسم الواقع بعدها إلا على الابتداء، وجعل الاسم الواقع بعده خبرا له وذلك نحو: ضرب القوم حتى زيد مضروب، وقام القوم حتى زيد قائم، وإن كان ظرفا أو مجرورا؛ جاز في الاسم الواقع بعد «حتى» ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء وما بعده الخبر، والخفض على أن تكون «حتى» جارة، وجعل الاسم على حسب إعراب الاسم الواقع قبله على أن تكون «حتى» عاطفة، ويكون الظرف أو المجرور في هذين الوجهين الآخرين تأكيدا للظرف أو المجرور المتقدمين، وذلك نحو قولك: القوم عندي حتى زيد عندي، والقوم في الدار حتى زيد فيها؛ برفع «زيد»، ونصبه، وخفضه.
وإن كان جملة فإن كانت اسمية وكان الاسم الواقع بعد «حتى» شريكا لما قبلها في المعنى جاز في الاسم ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء والجملة خبر، والخفض بـ «حتى» على أنها جارة، وجعل إعراب الاسم على حسب إعراب ما قبله على أنها عاطفة، وتكون الجملة الواقعة بعد الاسم في هذين الوجهين الآخرين تأكيدا، وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيد هو مضروب؛ برفع «زيد»، ونصبه، وخفضه.
وإن لم يكن الاسم الواقع بعد «حتى» شريكا لما قبله في المعنى؛ لم يجز فيه إلا الرفع على الابتداء وجعل الجملة الواقعة بعده خبرا له وذلك نحو قولك: ضربت -

الجزء: 6 - الصفحة: 2994

................................  القوم حتى زيد أبوه مضروب؛ فلم يجز العطف لعدم مشاركة «زيد» للقوم في الضرب، ولم يخفض؛ لأن الجملة الواقعة بعده إذ ذاك ليس فيها تأكيد لما قبلها.
وإن كانت فعلية فإن يكن الاسم الذي بعد «حتى» شريكا لما قبله في المعنى؛ جاز في الاسم وجهان: الرفع على الابتداء وجعل الجملة خبرا له، والحمل على إضمار فعل يفسره الفعل الظاهر الذي بعده وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيد ضربت أخاه؛ برفع «زيد»، ونصبه بفعل مضمر يفسره ما بعده ولا يجوز عطفه؛ لعدم المشاركة، ولا الخفض؛ لأن الجملة إذ ذاك ليس فيها معنى تأكيد.
وإن كان الاسم الواقع بعدها شريكا لما قبله في المعنى فالفعل الواقع بعده إما أن يعمل في ضمير الاسم الواقع قبل «حتى» أو في ضمير ذلك الاسم إن كان قد عمل في ضمير [4/ 17] الاسم الواقع قبل «حتى» جاز في الاسم الواقع بعدها وجهان: الخفض على أن «حتى» جارة؛ وجعل إعرابه على حسب إعراب الاسم الذي قبله على أنها عاطفة، وذلك نحو قولك: ضربت القوم حتى زيد ضربتهم، وحتى زيدا ضربتهم، وتكون الجملة الواقعة بعد «زيد» في الحالتين تأكيدا للجملة التي قبل «حتى».
وإن كان قد عمل في ضمير الاسم الواقع بعدها جاز في الاسم الواقع بعدها أربعة أوجه: رفعه على الابتداء والجملة بعده خبر، وحمله على إضمار فعل يفسره الظاهر الذي بعده، وخفضه على أن «حتى» جارة، وجعل إعرابه على حسب إعراب الاسم الذي قبل «حتى» على أنها عاطفة، وتكون الجملة الواقعة بعد الاسم الواقع بعد «حتى» في هذين الوجهين الآخرين تأكيدا وذلك نحو قولك: ضربت القوم حتى زيد ضربته؛ برفع «زيد» على الابتداء، ونصبه على أن يكون معطوفا على القوم، أو على أن يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره الفعل الذي بعده، وخفضه على أن تكون «حتى» جارة ومن ذلك قوله: 2568 - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله... والزّاد حتّى نعله ألقاها 850 فإنه روي بالأوجه الثلاثة.
وحكي عن بعضهم أن خفض الاسم المذكور، وعطفه على ما قبله، وجعل الجملة تأكيدا لا يجوز حتى يكون ذلك الفعل عاملا في ضمير الاسم الواقع قبل «حتى» نحو قولك: رأيت القوم حتى إخوتك رأيتهم؛ -

الحديث: 2568 - الجزء: 6 - الصفحة: 2995

................................  لأنك تريد: رأيت القوم رأيتهم حتى إخوتك.
وزعم أن الخفض في قول الشاعر: 2569 - حتّى نعلّه ألقاها إنما جاز؛ لأن الضمير عائد على الصحيفة، والصحيح أن الخفض والعطف جائزان، وإن كان الفعل عاملا في ضمير الاسم الواقع بعد «حتى» وتكون الجملة إذ ذاك تأكيدا معنويّا لا تأكيدا لفظيّا من جهة أنك إذا قلت: ضربت القوم حتى زيد، بخفض «زيد» ونصبه على أن يكون معطوفا على القوم؛ كان «زيد» شريكا للقوم في الضرب، فإذا قلت بعد ذلك: ضربته كنت مؤكدا لما اقتضاه معنى الكلام من أنك ضربت زيدا 851. انتهى كلام ابن عصفور.
ولم يتعرض إلى ما نبّه عليه ابن أبي الربيع من أن البصريين لا يجيزون أن يكون ما بعد «حتى» مرفوعا بالابتداء والخبر محذوف 852. ثم اعلم أن ابن عصفور قد أطال الكلام في المسألة بما ذكره من التقسيم وما أشار إليه من جواز العطف في نحو: صمت الأيام حتى يوم الخميس، وجواز العطف والرفع على الابتداء، وقد ذكره المصنف صريحا حيث قال: ويختص تالي الصريح المنتهي به بجواز عطفه واستئنافه، ولم يشترط المصنف في جواز الرفع على الابتداء أن يذكر الخبر بعده لفظا كما اشترط ذلك ابن أبي الربيع.
ولهذا مثل للاستئناف بنحو: ضربتهم حتى زيد، ثم قال: فـ «زيد» مبتدأ محذوف الخبر قال: ويروى بالأوجه الثلاثة قول الشاعر: 2570 - عممتهم بالنّدى حتّى غواتهم... فكنت مالك ذي غيّ وذي رشد وأما كون عامل الاسم الذي بعد («حتى» إذا وقع بعد الاسم ما يصلح أن يكون خبرا يجوز أن يكون مضمرا يفسره الظاهر) 853؛ فتكون المسألة من الاشتغال، فهذا أمر معروف وقاعدة مستقرة تعرف من ذلك الباب؛ فلا يحتاج إلى أن يذكر في غيره.
وقد ذكر المصنف في الباب المذكور أن الاشتغال يقع عن الاسم الواقع بعد «حتى» فكان مستغنيا عن ذكر ذلك هنا.
-

الحديث: 2569 - الجزء: 6 - الصفحة: 2996

................................  وأما «حتى» الابتدائية فاعلم أن معناها انتهاء الغاية، وإذا وقعت بعدها الجمل الفعلية دخلها معنى الفاء.
والمراد بكونها حرف ابتداء: أن الكلام يستأنف بعدها ويقع بعدها الجملة من فعل ومرفوعه، والجملة من مبتدأ وخبر، والكلمتان من شرط وجزاء.
فمن وقوع المبتدأ والخبر قول الشاعر: 2571 - فيا عجبا حتّى كليب يسبّنى... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع وقول الآخر: 2572 - فما زالت القتلى تمجّ دماءها... بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل 854 وقول الآخر: 2573 - [سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم]... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان 855 والنصف الأول من هذا البيت وهو قوله: سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم شاهد وقوع الجملة الفعلية.
ومن وقوع الشرط والجزاء قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [فَادْفَعُوا] 856، وقوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها 857. ومن مجيء الفعل ومرفوعه قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ 858، ومنه أيضا قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا 859. ومن ثم وهّم الشيخ المصنف في جعله «حتى» في هذه الآية الشريفة جارة حيث قال: والجارة ومجرورها إما اسم صريح [نحو: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 860، -

الحديث: 2571 - الجزء: 6 - الصفحة: 2997

................................  وسَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 861]، وإما مصدر مؤول من «أن» لازمة الإضمار وفعل ماض نحو: حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا 862، أو مضارع... إلى آخره؛ فزعم أن «أن» مضمرة بعد «حتى» في قوله تعالى: حَتَّى عَفَوْا.
قال الشيخ: وإنما هي الآية الشريفة حرف ابتداء ولولا ظهور النصب في المضارع بعد «حتى» لم ندّع أن «أن» مضمرة بعدها 863. انتهى.
وما قاله هو الظاهر، ويؤيده كلام ابن أبي الربيع.
وكأن الشيخ استند في كلامه هذا إليه فإنه قال في شرح الإيضاح: ضابط «حتى» أن تقول: إذا كان بعدها مفرد مخفوض أو فعل مضارع منصوب فهي حرف جر، وإذا وقع بعدها اسم مفرد مرفوع أو منصوب فهي حرف عطف، وإن وقع بعدها جملة فهي حرف ابتداء 864. انتهى.
والجملة الابتدائية بعد «حتى» لا موضع لها من الإعراب، ولا يعتد بقول من يقول: إنها في موضع جر؛ لما علم من أن حروف الجر لا تباشر الجمل في الكلام الفصيح.
ثم هاهنا بحث يتعلق بـ «حتى» هذه - أعني الابتدائية -: [4/ 18] وهو أن الفارسي قال في الإيضاح: إنها يستأنف بعدها كما يستأنف بعد «إما، وإذا» 865 فنوقش في ذلك بأن قيل: ليست «حتى» كـ «إما وإذا»؛ لأن «حتى» يشاكل بها الجمل كما يشاكل بحروف العطف و «إما وإذا» يقطعان، ويدل على ذلك قول سيبويه في بعض أبواب الاشتغال: ومما يختار فيه النصب لنصب الأول ويكون الحرف الذي بين الأول والآخر بمنزلة الواو، والفاء، وثم؛ قولك: قد لقيت القوم كلهم حتى عبد الله لقيته، وضربت القوم حتى زيدا ضربت أباه 866. وأجيب عن أبي علي أنه لم يرد أن «حتى» يستأنف بعدها في كل موضع، ولا تشبه «إما وإذا» في كل وجه.
قالوا: ولا يلزم هذا في كلامه ولا بد.
لكن لو قيده، فقال: في غير باب الاشتغال؛ كان أحسن، وإنما غلبت العرب جهة العطف في باب الاشتغال بما يحافظون عليه في ذلك الباب من المشاكلة و «إما، وإذا، وإنما»، -

الجزء: 6 - الصفحة: 2998

[الكاف الجارة: معانيها... وأحكامها] قال ابن مالك: (ومنها: «الكاف» للتّشبيه، ودخولها على ضمير الغائب المجرور قليل، وعلى «أنت» و «إيّاك» وأخواتهما أقلّ، وقد توافق «على»، وقد تزاد إن أمن اللّبس وتكون اسما فتجرّ ويسند إليها، وإن وقعت صلة فالحرفية راجحة وتزاد بعدها ما كافّة وغير كافة، وكذا بعد «ربّ» و «الباء»، وتحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل، وقد تحدث في الكاف معنى التّعليل، وربّما نصبت حينئذ مضارعا لا لأنّ الأصل «كيما»، وإن ولي «ربما» اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبر، لا خبر مبتدأ محذوف، و «ما» نكرة موصوفة بهما، خلافا لأبي علي في المسألتين وتزاد «ما» غير كافّة بعد «من»، و «عن»).  وغيرها لم تكن عاطفة فلم يصح فيها الاستئناف، و «حتى» لما كانت عاطفة كان استعمالها على جهة العطف أولى. قال ابن هشام الخضراوي: وينبغي إذا وقع الرفع بعدها نحو: ضربت الناس حتى زيد ضربته؛ أن تكون ابتدائية؛ لأنها لم تجانس هنا بين الأول والثاني فيرجع إلى حكمها إذا كانت داخلة على الجمل. قال: وقد تكون عاطفة وقد أجازوا ضربت القوم حتى زيد بإضمار الخبر فهو دليل على صحة ما ذكره المصنف من جواز ذكر الاسم بعد «حتى» مرفوعا على الابتداء والخبر محذوف وهو خلاف ما ذكره ابن أبي الربيع ونقله أيضا عن الشلوبين 867. قال ناظر الجيش: قال المصنف 868: الكاف من الحروف التي تجر الظاهر وحده: كـ «حتى»، فكما استغني في الغاية مع المضمر بـ «إلى» عن «حتى» استغني في التشبيه مع المضمر بمثل عن الكاف إلا أن الكاف خالفت أصلها في بعض الكلام لخفتها، فجرت ضمير الغائب المتصل كقول الشنفرى 869: 2574 - لئن كان من جنّ لأبرح طارقا... وإن كان إنسا ماكها الإنس تفعل 870

الحديث: 2574 - الجزء: 6 - الصفحة: 2999

................................  أي: ما مثلها الإنس يفعل، وقول الراجز في وصف حمار وحش وأتن: 2575 - ولا ترى بعلا ولا حلائلا... كه 871 ولا كهنّ إلّا حاظلا 872 وقد خولف بهذا الأصل أيضا فأدخلت على ضمير الرفع، وضمير النصب المنفصلين فقالوا: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا، وأنا كإياك قال الشاعر: 2576 - قلت إنّي كأنت ثمّة لمّا... شبّت الحرب خضتها وكععتا 873 وأنشد الكسائي: 2577 - فأحسن وأجمل في أسيرك إنّه... ضعيف ولم يأسر كإيّاك آسر 874 وقد تجيء بمعنى «على»: كقول بعض العرب: كخير، في جواب من قال: كيف أصبحت؟ حكاه الفراء 875. وقد تزاد إن أمن اللبس: بكون الموضع غير صالح للتشبيه كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ 876 أي: ليس مثله شيء، لا بد من عدم الاعتداد بالكاف؛ لأن الاعتداد بها يستلزم ثبوت مثل لا شيء مثله، وذلك محال، وما أفضى إلى المحال محال، وكالزيادة في (كمثله) الزيادة في: وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ 877، وفي قول النبي صلّى الله عليه وسلّم على إحدى الروايتين: «يكفي كالوجه واليدين» 878 يريد: يكفي الوجه واليدين وهي الرواية الأخرى، ومنه قول الراجز: -

الحديث: 2575 - الجزء: 6 - الصفحة: 3000

................................  2578 - لواحق الأقراب فيها كالمقق 879 يريد: فيها المقق، أي: الطول. وقال الفراء: قيل لبعض العرب: كيف تصنعون الأقط؟ فقال: كهين؛ يريد: هينا، فزاد الكاف 880، وتكون اسما: فتجر بحرف كقول الشاعر: 2579 - بكا للّقوّة الشّغواء جلت فلم أكن... لأولع إلّا بالكميّ المقنّع 881 وبإضافة كقوله: 2580 - تيّم القلب حبّ كالبدر لا... بل فاق حسنا من تيّم القلب حبّا 882 وتقع فاعلة كقول الشاعر: 2581 - وما هداك إلى أرض كعالمها... ولا أعانك في عزم كعزّام 883 واسم «كان» كقول الآخر: 2582 - لو كان في قلبي كقدر قلامة... فضلا لغيرك ما أتتك رسائلي 884 ومبتدأ كقول الآخر: 2583 - بنا كالجوى ممّا يخاف وقد ترى... شفاء القلوب الصّاديات الحوائم 885 وإن وقعت صلة فحرفيتها أولى من اسميتها كقول الراجز: 2584 - ما يرتجى وما يخاف جمعا... فهو الّذي كالغيث والّليث معا 886

الحديث: 2578 - الجزء: 6 - الصفحة: 3001

................................  وتزاد بعدها ما كافة كقول زياد الأعجم 887: 2585 - لعمرك إنّني وأبا حميد... كما النّشوان والرّجل الحليم أريد هجاءه وأخاف ربّي... وأعلم أنّه عبد لئيم 888 وغير كافة كقول الآخر أنشده أبو المعالي علي القالي 889: 2586 - وننصر مولانا ونعلم أنّه... كما النّاس مجروم عليه وجارم 890 قال سيبويه: وسألته عن قولهم: هذا حق كما أنك هاهنا؛ فزعم أن العامل في أن الكاف و «ما» لغو إلا أنها لا تحذف كراهية أن يجيء لفظها كلفظ [كان] 891. وتزاد «ما» أيضا بعد «ربّ» [4/ 19] كافة كقول أبي دؤاد 892. 2587 - ربّما الجامل المؤبّل فيهم... وعناجيج بينهنّ المهار 893 وغير كافة كقول الآخر: 2588 - ماويّ يا ربّتما غارة... شعواء كاللّذعة بالميسم 894

الحديث: 2585 - الجزء: 6 - الصفحة: 3002

................................  وكذلك تزاد بعد الباء كافة كقول الشاعر: 2589 - فلئن صرت لا تحير جوابا... لبما قد ترى وأنت خطيب 895 وغير كافة كقوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ 896، وتحدث «ما» الكافة في الباء معنى «ربما» فمعنى «لبما قد ترى وأنت خطيب»: لربما قد ترى، ومثله قول كثير: 2590 - مغان يهيّجن الحليم إلى الهوى... وهنّ قديمات العهود دواثر بما قد أرى تلك الدّيار وأهلها... وهنّ جميعات الأنيس عوامر 897 أراد [ربما] قد أرى.
و «قد» مع المضارع تفيد هذا المعنى، ولكن اجتمعا توكيدا كما اجتمعت «عن» و «الباء» التي بمعناها في قول الشاعر: 2591 - فأصبحن لا يسألنه عن بما به... أصعّد في غار الهوى أم تصوّبا 898 وتحدث «ما» الكافة في الكاف معنى التعليل كقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ 899، وقال الأخفش في قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ 900 أي: كما أرسلنا فيكم رسولا فاذكروني أي: كما فعلت هذا فاذكروني 901. وجعل ابن برهان 902 من هذا قوله تعالى: وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ 903. أي أعجب؛ لأنه لا يفلح الكافرون 904، كذا قدره، ثم قال: وحكى سيبويه 905 كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه أي: لأنه لا يعلم.
وإذا حدث -

الحديث: 2589 - الجزء: 6 - الصفحة: 3003

................................  فيها معنى التعليل ووليها مضارع نصبته تشبيها بـ «كي» كقول الشاعر: 2592 - وطرفك إمّا جئتنا فاحبسنّه... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر 906 وزعم الفارسي أن الأصل: كيما فحذفت الياء 907، وهذا تكلف لا دليل عليه، ولا حاجة إليه، وكذلك أيضا زعم في قول الشاعر: 2593 - ربّما الجامل المؤبّل فيهم أنّ «ما» فيه نكرة موصوفة بمبتدأ مضمر وخبر مظهر.
والصحيح أن «ما» فيه زائدة كافة هيأت «رب» للدخول على الجملة الاسمية كما هيأتها للدخول على الجملة الفعلية في قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 908، وقول الشاعر: 2594 - لا يضيع الأمين سرّا ولكن... ربما يحسب الخؤون أمينا 909 وتزاد «ما» بعد «من، وعن» غير كافة كقوله تعالى: مِمَّا [خَطِيئاتِهِمْ] أُغْرِقُوا 910، وعَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ 911. انتهى كلام المصنف رحمه الله 912. وملخص ما ذكره: أن هذه الكلمة التي هي «الكاف» معناها التشبيه، وأنها تباشر الأسماء الظاهرة دون المضمرة إلا في الشعر، وأنها قد تفارق معنى التشبيه، وتوافق «على»، وأنها قد تستعمل زائدة فلا تفيد معنى، وأنها قد تستعمل اسما، وأنها قد تزاد بعدها «ما»، ثم إنه لما ذكر زيادة «ما» بعد «الكاف» وكانت تزاد بعد غيرها من حروف الجر استطرد فذكر أنها كما زيدت بعد «الكاف» زيدت بعد «رب»، وبعد «الباء»، وبعد «من» وبعد «عن»، ونبّه على أن «ما» المزيدة بعد «من، وعن» لا تكفهما عن العمل بل يبقيان على عملهما وأنها بعد ثلاثة الأحرف الأخر تكون كافة وغير كافة، لكن كونها بعد «الكاف» و «رب» كافة أكثر من كونها غير كافة، وكونها بعد «الباء» غير كافة أكثر من كونها كافة، -

الحديث: 2592 - الجزء: 6 - الصفحة: 3004

................................  وأن «الباء» المكفوفة بـ «ما» يحدث فيها معنى التقليل، وأن «الكاف» المكفوفة بـ «ما» أيضا قد يحدث فيها معنى التقليل.
وقد أتى المصنف على شرح ذلك بما فيه غنية.
غير أن ثمّ مباحث تذكر: منها: أن بعض المصنفين استدل على أن «الكاف» حرف بأن الموصول يوصل بها وبمجرورها في السعة كقولك: جاءني الذي كزيد، ولو كانت الكاف اسما لم يجز ذلك إلا في قليل من الكلام، أو في الشعر.
وأقول: إن الاستدلال على حرفيتها مستغنى عنه؛ لأن الإجماع منعقد على أنها تكون حرفا.
وقد قال ابن أبي الربيع: ولا خلاف أعلمه في أن كاف التشبيه تكون حرفا، وإنما الخلاف في كونها اسما فذهب سيبويه إلى أنها لا تكون اسما بمنزلة «مثل» إلا في الضرورة 913، وذهب الأخفش إلى أنها تكون اسما في الكلام والشعر 914، انتهى.
ولهذا لم يحتج المصنف إلى أن يستدل على حرفيتها.
ومنها: أن الكاف تكون بمعنى «على» كقول بعض العرب: كخير، في جواب من قال: كيف أصبحت؟ كما حكاه الفراء؛ فإن المغاربة ذكروا أن هذا مذهب الأخفش كما أنه مذهب الكوفيين 915. قالوا: وعلى هذا خرّج الأخفش قول العرب: كن كما أنت قال: لا يتصور أن تكون الكاف للتشبيه؛ لأنه لا يشبه بحاله، والتقدير: كن على الحال الذي أنت عليه؛ فالكاف بمعنى «على»، و «ما» موصولة و «أنت» مبتدأ محذوف الخبر والجملة صلة لما قالوا.
ولا حجة في ما استدل به؛ أما كخير: فهو على حذف مضاف التقدير: كصاحب خير.
-

الجزء: 6 - الصفحة: 3005

................................  وأما «كن كما أنت» فذكر ابن عصفور أنه يحتمل وجهين: أحدهما: ما تقدم ذكره، قال: وعلى ذلك حمله الأخفش 916 بأن «ما» كفت الكاف عن العمل، وهيأتها للدخول على الجمل كما في «ربما»، ويجوز إذ ذاك أن يكون «أنت» مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: كن كما أنت عليه، قال: وتكون الكاف إذ ذاك لتشبيه معنى الجملة التي قبلها بمعنى الجملة التي بعدها، وكأنه أمره بأن يكون منه في ما يستقبل كون يشبه كونه في الحال، ويكون ذلك نظير قوله تعالى حكاية: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ 917 ونظير قول القائل: 2595 - وإنّ بنا لو تعلمين لغلّة... إليك كما بالحائمات غليل 918 وقول الآخر: 2596 - لقد علمت سمراء أنّ حديثها... نجيع [4/ 20] كما ماء السّماء نجيع 919 ويجوز أن يكون «أنت» مرفوعا بفعل مضمر، والأصل: كن كما كنت، ثم حذف الفعل، وانفصل الضمير، فيكون نظير ما روي من قول الشاعر: 2597 - وما زرتنا في الدّهر إلّا لعلّة... كما اليائس العجلان ثمّ يغيب 920 أي كما يزور اليائس العجلان؛ لأن «ثم يغيب» معطوف على الفعل المضمر والكاف باقية أيضا على معناها من التشبيه.
ثم قال ابن عصفور: ويجوز عندي في: كما أنت وجه آخر، وهو أن يقال: إن «ما» زائدة، و «أنت» في موضع خفض بالكاف ووقع ضمير الرفع المنفصل بعد الكاف كقولهم: ما أنا كأنت، وفصل بين الكاف ومجرورها بـ «ما» الزائدة 921 هكذا ذكر.
ولم يظهر لي على هذا التقدير ما هو معنى هذا التركيب، وإذ هذا الذي قرره يؤدي إلى أن يصير المعنى: كن كإياك أي كن كنفسك، وهذا لا يقال، لكن قال: هو أنك تكون شبهته فيما يستعمل بنفسه قبل ذلك.
قال: ولا ينكر تشبيه الشيء بنفسه في حالتين مختلفتين.
وقال ابن أبي الربيع في «كن كما أنت»: «ما» بمعنى «الذي»، وما بعده صلة -

الحديث: 2595 - الجزء: 6 - الصفحة: 3006

................................  الذي، و «أنت» مبتدأ والخبر محذوف؛ التقدير: كن كالذي أنت كائنه، والهاء عائدة على «الذي»، ويكون «كما أنت» خبرا لـ «كن»، ويجوز أن تجعل «ما» كافة فلما كفّت الكاف عن العمل وليتها الجملة ويكون هذا بمنزلة قولك: زيد جالس، كما عمرو كذلك، وارتبطت الجملتان بـ «كما» على أن مقتضى الأول شبه بمقتضى الثاني، وأنت هنا إنما أردت كن في ما يستقبل كحالك الآن، فلما دخلت «ما» كفتها عن مخفوضها ووقع بعدها جملة يفهم منها ما كان يفهم من المنخفض الذي يخفض بالكاف فلذلك يجاء بـ «ما».
قال: ونظير هذا قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ 922، فهذه الجملة مفسرة للموعود ويعمل العرب هذا كثيرا في مواضع التعظيم 923. ثم قال ابن عصفور: وزعم الخليل أن الكاف إذا لحقتها «ما» الكافة [فقد] 924 يجعلها العرب بمعنى «لعلّ»، وجعل من ذلك قولهم: انتظرني كما آتيك؛ فالمعنى: لعلي آتيك، قال: ومنه قول الشاعر: 2598 - قلت لسفيان ادن من لقائه... كما نغدّي القوم من شوائه 925 أي: لعلنا نغدي القوم من شوائه، وقول الآخر: 2599 - لا تشتم النّاس كما لا تشتم 926 أي: لعلك لا تشتم وقال الفراء: إن الكاف للتشبيه، وجعل «كما آتيك» صفة لمصدر محذوف تقديره: انتظرني انتظارا صادقا مثل إتياني لك أي: فـ لي بالانتظار كما أفي لك بالإتيان، وكذا قال في «(لا) 927 تشتم النّاس كما لا تشتم»: التقدير: انته عن شتم الناس كانتهائهم عن شتمك 928، ثم قال: وجعل الكوفيون «كما» في «كما -

الحديث: 2598 - الجزء: 6 - الصفحة: 3007

................................  نغدي القوم من شوائه» محذوفة من «كيما»، و «نغدي» في موضع نصب بها إلا أنه سكن ضرورة.
واستدلوا على ذلك بقوله: 2600 - كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر وأقول: سيأتي الكلام على ما ذهب إليه الكوفيون في هذه المسألة.
واعلم أن ابن هشام الخضراوي أشار إلى ما نقله ابن عصفور عن الخليل، وزاد بذكر معاني أخر فقال: ذكر سيبويه أنها - يعني «كما» - تكون بمعنى «لعلّ» قال: وسألت الخليل عن قولهم: انتظرني كما آتيك فزعم أن «الكاف» و «ما» جعلتا كحرف واحد وصيرت للفعل كما صيرت «ربما» والمعنى لعلي آتيك، ومن ثم لم ينصبوا بها الفعل كما لم ينصبوا بـ «ربما» 929. يريد أن «ما» ليست بزائدة فتكون الكاف داخلة على الفعل فينتصب بإضمار «أن» كسائر ما تدخل عليه حروف الجر من الأفعال، وأنشد لرؤبة 930: 2601 - لا تشتم النّاس كما لا تشتم وقال: معناه: لأنك لا تشتم، وأنشد لأبي النجم 931: 2602 - قلت لسفيان ادن من لقائه...... البيت قال: وتكون «كما» بمعنى من أجل تقول: قمت كما قام زيد أي: من أجل قيامه قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ 932 قال: وتكون بمعنى «عند»، قالوا: دخلت السوق كما يؤذن المؤذن أي: عند ما يؤذن، قال: وتكون بمعنى المصدر التشبيهي مثل قوله: 2603 - تبكي الدّيار كما بكى ابن خذّام 933 هكذا قال.
وفيه نظر؛ فإن «كما» في هذا البيت إنما صفة لمصدر محذوف وذلك المحذوف هو المصدر التشبيهي فليست «كما» بمعنى المصدر.
ثم قال: وحكى الكوفيون أنها تكون بمعنى «كي» فينصب بها، ووافقهم المبرد وأنشدوا: -

الحديث: 2600 - الجزء: 6 - الصفحة: 3008

................................  2604 - لا تظلموا النّاس كما لا تظلموا 934 وأنشدوا أيضا: 2605 - اسمع حديثا كما يوما تحدّثه... عن ظفر غيب إذا ما سائل سألا 935 بالنصب، والبصريون يرفعون.
وأنشد المبرد: 2606 - وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنّه... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر 936 ومنها: أنك قد عرفت ما ذكره المصنف من أن الكاف تزاد عند أمن اللبس وتقدم ذكر الأدلة على ذلك.
وقد نص النحاة على جواز زيادتها كابن هشام الخضراوي، وابن أبي الربيع وابن عصفور وغيرهم 937. قال ابن عصفور: إلا أن ذلك ليس بمطرد فيها، ولا منقاس.
قال: وزيادتها على وجهين: أحدهما: أن تزاد توكيدا للتشبيه نحو قوله: 2607 - [ولعبت طير بهم أبابيل]... فصيّروا مثل كعصف مأكول 938 فزاد الكاف لتأكيد التشبيه الذي يعطيه «مثل»، وجرّ «عصفا» بها، والكاف مع ما جرته في موضع خفض بـ «مثل» وكقول الآخر: 2608 - وصاليات ككما يؤثفين 939 فزاد إحدى الكافين تأكيدا لما تعطيه الأخرى من معنى التشبيه.
ثانيهما: أن تزاد، وتخرج عن معنى التشبيه جملة كقوله: -

الحديث: 2604 - الجزء: 6 - الصفحة: 3009

................................  2609 - لو أحق الأقراب فيها كالمقق 940 المعنى: فيها مقق، أي طول؛ لأنه يقال: في الشيء طول ولا يقال فيه [4/ 21] كالطول.
ومنها: أن الكاف تكون اسما فتجر إما بالحرف، أو بالإضافة، وينسد إليها فتكون فاعلة ومبتدأ، وقد تقدم تقرير ذلك وأمثلته في كلام المصنف.
وذكر ابن أبي الربيع أنها تجيء مفعولة أيضا، وأنشد على ذلك قول القائل: 2610 - لا يبرمون إذا ما الأفق جلّله... برد الشّتاء من الأمحال كالأدم 941 قال: فالكاف بمنزلة مثل، وهي اسم ومفعولة بـ «جلل».
قال: وكذلك بيت النابغة أيضا: 2611 - كما لقيت ذات الصّفا من حليفها... [وما انفكّت الأمثال في النّاس سائره] 942 فإن الكاف مفعولة لقوله «لألقى» قبله، وقد تقدم أيضا الإعلام بأن سيبويه إنما يثبت اسميتها في الضرورة وأن الأخفش يثبت ذلك في الكلام.
ولا شك في ثبوت اسميتها في الجملة وقد كثر ورود ذلك.
فمن أجازه في الكلام كان مستنده كثرة ما ورد منه، ومن لم يجزه في الكلام جعل مستنده أن الوارد من ذلك إنما ورد في الشعر خاصة ولم يرد في نثر، ومن النحويين 943 من تأول ما ورد من ذلك على حذف الموصوف وإقامة المجرور الذي هو صفته مقامه.
وقال ابن عصفور في قول القائل: 2612 - أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط... كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل 944 الكاف فاعلة «ينهى»؛ لأنه لا يجوز أن يقدر الفاعل محذوفا ويكون التقدير: -

الحديث: 2609 - الجزء: 6 - الصفحة: 3010

................................  ناه كالطعن، والكاف مع ما جرّته في موضع الصفة لـ «ناه»؛ لأنك إن لم تقم المجرور مقامه لزم أن يكون المجرور فاعلا؛ لأن الصفة إذا قامت مقام الموصوف أعربت بإعرابه والمجرور الذي حرف الجر فيه غير زائد لا يكون فاعلا. فتعين أن تكون الكاف فاعلة وكأنك قلت: مثل الطعن 945، ثم قال: ولا حجة في البيت عندي؛ لاحتمال أن يكون فاعل «ينهى» ضمير الوعيد الذي يدل عليه ما تقدم، وكأنه قال: ولن ينهى الوعيد ذوي شطط كالطعن أي: كنهي الطعن؛ فيكون المجرور صفة لمصدر محذوف، والتقدير: ولن ينهاهم الوعيد نهيا كنهي الطعن. قال: وإنما الحجة على استعمالها اسما قول الآخر: 2613 - فيا عجبا إنّ الفراق يروعني... به كمناقيش الحليّ قصار 946 وقول امرئ القيس: 2614 - وإنّك لم يفخر عليك كفاخر... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب 947 ألا ترى أن الكاف من قوله: «كمناقيش» فاعلة «يروعني»، والكاف من قوله «كفاخر» فاعلة [يفخر] 948 ولا يكون الفاعل محذوفا، والكاف مع ما جرته صفة له؛ للدليل الذي تقدم ذكره 949. قال: وممّا يقوّي أن الكاف فاعلة في قول امرئ القيس أنه قرنها بـ «مثل» في قوله: ... ولم يغلبك مثل مغلّب 950 قال: ومما يدل أيضا على استعمال الكاف اسما قول ذي الرمة 951: 2615 - أبيت على ميّ كئيبا وبعلها... على كالنّقا من عالج يتبطّح 952

الحديث: 2613 - الجزء: 6 - الصفحة: 3011

................................  وقول ابن عادية السلمي: 2616 - وزعت بكالهراة أعوجي... إذا ونت الرّياح جرى وثابا 953 وقول امرئ القيس: 2617 - ورحنا بكابن الماء يجنب وسطها... تصوّب [فيه العين] طورا وترتقي 954 وقول سلامة العجلي: 2618 - على كالخنيف السّحق يدعو به الصّدى... له قلب عفيّ الحياض أجون 955 وقول الآخر: 2619 - قليل غرار النّوم حتّى تقلّصوا... على كالقطا الجوني أفزعه الزّجر 956 قال: فالكاف في جميع ذلك اسم؛ بدليل دخول حرف الجر عليها، وحرف الجر لا يدخل على مثله إلا في ضرورة بشرط أن يكون الحرفان في معنى واحد فيكون أحدهما تأكيدا للآخر.
قال: ولا يتصور أن يجعل الكاف حرف جر في جميع ذلك، وتكون مع ما جرته في موضع صفة لموصوف محذوف، ويكون التقدير: على كفل كالنقا، وبغرس كالهراوة، وبفرس كابن الماء، وعلى طريق كالخنيف، وعلى خيل كالقطا الجوني؛ لأنك إن لم تقدر المجرور بالكاف قائما مقام المحذوف لزم من ذلك أن يكون «على والباء» مقطوعين عن الاسم والمجرور بهما، وقطع حرف الجر عن المجرور غير جائز، وإن قدرته قائما مقام المحذوف لزم من ذلك أن يكون حرف الجر الذي هو الكاف مع الاسم المجرور به في موضع خفض بـ «على، والباء» وذلك لا يجوز؛ لأن حرف الجر إنما يجر الأسماء وحدها، فلما تعذر أن تكون الكاف حرفا على التقديرين المذكورين لم يبق إلا أن تكون جعلت اسما حملا على ما هي في معناه -

الحديث: 2616 - الجزء: 6 - الصفحة: 3012

................................  وهو «مثل» للضرورة وإن جاء شيء من مثل هذا في الكلام كان شاذّا 957. انتهى.
وفي كلامه نظر.
أما قوله: إن لم يقدر المجرور بالكاف قائما مقام المحذوف لزم قطع «على والباء» عن الاسم المجرور بهما وقطع حرف الجر عن المجرور غير جائز، فيقال فيه: الممتنع إنما هو قطع حرف الجر عن المجرور لفظا.
أما قطعه عنه تقديرا فكيف يمتنع؟ ولا شك أن كل حرف زائد [إنما] 958 هو مقطوع عن مجروره معنى بدليل جعلك: «حسبك درهم» من قولهم: بحسبك درهم مبتدأ، وجعلك الاسم المعظم فاعلا في كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 959، وكذلك جعلك «زيد» فاعلا في قولنا: أحسن بزيد.
وأما قوله: وإن قدرته قائما مقام المحذوف لزم منه أن يكون الجر الذي هو الكاف مع الاسم المجرور به في موضع خفض بـ «على، والباء» إلى آخره؛ فيقال فيه: إن الكاف مع مجرورها؛ والباء مع مجرورها.
كل منهما في موضع الصفة فهو متعلق بمحذوف، وإذا كان كذلك فالذي في موضع خفض بالحقيقة إنما هو ذلك المحذوف المتعلق به، التقدير: على كائن كالنقا، وبكائن كالهراوة.
ومنها: أن «ما» تزاد بعد الكاف وبعد «ربّ»، وبعد «الباء» كافة وغير كافة.
وحاصل الأمر: أن الكاف إذا [4/ 22] زيدت بعد [ها] «ما» كافة وليتها الجمل الاسمية، وصارت حرف ابتداء وقد تقدم استشهاد المصنف على ذلك بقول القائل: 2620 - كما النّشوان والرّجل الحليم واستشهد في غير هذا الكتاب بقول الآخر: 2621 - أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه 960 ومن ذلك قول الشاعر: -

الحديث: 2620 - الجزء: 6 - الصفحة: 3013

................................  2622 - ألم تر أنّ البغل يتبع إلفه... كما عامر واللّؤم مؤتلفان 961 وقول الآخر: 2623 - وإنّ بنا لو تعلمين لغلّة... إليك كما بالحائمات غليل (2) وقول الآخر: 2624 - لقد علمت سمراء أنّ حديثها... نجيع كما ماء السّماء نجيع 962 وقد عرفت أن المصنف قال في باب الموصول: إن «ما» الموصوفة الحرفية قد توصل بجملة اسمية على رأي؛ فعلى هذا لا يتعين القول بكون «ما» كافة في هذه الأبيات إلا على قول من لا يجيز وصل المصدرية إلا بالجملة الفعلية.
أما من يجيز وصلها بالجمل الاسمية فيجوز عنده أن تكون «ما» مصدرية ينسبك منها مع الجملة التي بعدها مصدر يكون في موضع جر بالكاف، فلا تكون الكاف مكفوفة حينئذ.
ولكن المصنف كأنه لم يقل بذلك هنا؛ لأنه إنما ساق الكلام على أن «ما» كافة، ولهذا بنى على ذلك فقال: وقد يحدث في الكاف معنى التعليل، يعني أن الكاف تخرج بذلك عن التشبيه، ولا تخرج الكاف عن التشبيه إلى التعليل إلا إذا كانت «ما» كافة.
وأما زيادة «ما» بعد «ربّ» فسيأتي الكلام على ذلك عند الكلام على «رب» إن شاء الله تعالى.
وأما زيادة «ما» بعد الباء غير كافة: فقد اشتمل عليه القرآن العزيز.
وأما زيادتها بعدها كافة فقد استدل عليه المصنف بقول القائل: 2625 - بما قد ترى وأنت خطيب وبقول الآخر: 2626 - بما قد أرى تلك الدّيار وأهلها وقال: إن «ما» هذه - أعنى الكافة - تحدث في الباء معنى التقليل أي: معنى «ربما».
قال: فمعنى «لبما قد ترى»: لربما قد ترى ومعنى «[بما] قد أرى»: ربما قد أرى.
لكن قال الشيخ: ما ذهب إليه - يعني المصنف - من أن «ما» في ما ذكر كافة وأنها أحدثت معنى التقليل؛ غير صحيح، بل «ما» في ذلك مصدرية والباء للسببية المجازية والمعنى على التكثير لا على التقليل، ونظيره قول الآخر: -

الحديث: 2622 - الجزء: 6 - الصفحة: 3014

................................  2627 - فلئن قلت هذيل شياه... لبما كان هذيلا يفل 963 قال: والفعل الذي يتعلق به الباء مقدر [مما] قبلها، والتقدير: لانتفاء إحارتك جوابا برؤيتك وأنت خطيب.
وهنّ قديمات العهود دواثر ترويني تلك الديار؛ لقلته بما كان نقلها، والسببية ظاهرة في هذا البيت، وأما في البيتين قبله: فسبب خرسه بالموت كونه كان خطيبا في الحياة؛ إذ ينشأ عن الحياة الموت، إذ مصير كل شيء إلى الممات، وكذلك البيت الثاني: سبب دثور الديار كونها عامرة بأهلها؛ إذ مصير العمران للخراب؛ ولذلك جاء: 2628 - لدوا للموت وابنوا للخراب... [فكلّكم يصير إلى ذهاب] 964 انتهى.
ولا يخفى أن ما قدره بعيد أن يكون مراد الشاعر، ولكن قول المصنف: إن المراد التعليل؛ غير ظاهر.
وأما قول المصنف: وربما نصبت حينئذ مضارعا؛ فمراده حين يحدث في الكاف معنى التعليل، وذلك إذا كانت «ما» كافة واقتضى كلام المصنف أن «كما» هي الناصبة وأنها إنما نصبت تشبيها لها بـ «كي» ولم يرتض قول الفارسي فيها، وهو أن الأصل كيما، وقول المصنف في المتن: وربّما نصبت حينئذ مضارعا يرشد إلى أن المراد بقوله في الشرح: وإذا حدث فيها معنى التعليل، ووليها مضارع نصبته: أنّ المضارع قد ينصب بعدها، أي: أن ذلك قليل؛ فلا تتوجه على عبارته في الشرح مناقشة.
ثم اعلم أنه قد تقدم لنا قول ابن عصفور: وجعل الكوفيون «كما» في: 2629 - [كما] نغدّي القوم من شوائه محذوفة من «كيما»، و «نغدّي» في موضع نصب بها، إلا أنه سكن للضرورة فقال: واستدلوا على ذلك بقوله: 2630 - كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر فعلى هذا الذي ذكره المصنف في هذه المسألة عن الفارسي هو مذهب الكوفيين.
-

الحديث: 2627 - الجزء: 6 - الصفحة: 3015

................................  وأقول: هذا الذي ذكر عن الكوفيين، والفارسي أقرب وأولى مما ادعاه المصنف.
ولهذا قال الشيخ: قول المصنف: وهذا تكلف لا دليل عليه، ولا حاجة إليه - ليس كما ذكر، بل هو تأويل عليه دليل وإليه حاجة؛ وذلك أنه لم يثبت النصب بـ «كما» في موضع خلاف هذا المختلف فيه فيحمل هذا عليه والنصب ثابت بـ «كيما»، والعلة في «كيما» أصل، وفي كاف التشبيه المكفوفة بـ «ما» ليس أصلا 965؛ فالأولى أن يعتقد أن أصلها «كيما»؛ لظهور التعليل فيها، ولثبوت النصب بـ «كيما» 966. انتهى.
وما قاله هو الظاهر، لكن قد تقدم لنا من كلام ابن هشام الخضراوي أنه لما تكلم على «كما» قال: وحكى الكوفيون أنها تكون بمعنى «كي»، فينصب بها ووافقتهم المبرد وأنشدوا: 2631 - اسمع حديثا كما يوما تحدّثه وكذا: 2632 - كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر وهذا الكلام بظاهره يعطي ما ادعاه المصنف من أن الناصب «كما» نفسها تشبيها لها بـ «كي».
وأما قول المصنف أيضا: وإن ولي «ربما» اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبر لا خبر مبتدأ محذوف و «ما» نكرة موصوفة؛ خلافا لأبي علي، وقوله في الشرح بعد ذكر المسألة: نصب المضارع بعد «كما»، وأن الفارسي يزعم أن الأصل: «كيما»، وكذلك أيضا زعم - يعني الفارسي - في قول الشاعر: 2633 - ربّما الجامل المؤبّل فيهم أن «ما» نكرة موصوفة بمبتدأ مضمر وخبر مظهر.
والصحيح أن «ما» فيه زائدة كافة هيأت «رب» للدخول على الجملة الاسمية كما هيأتها للدخول على الجملة الفعلية - فاعلم أنّ: المغاربة كالمطبقين على أن «ربما» لا تليها الجمل الاسمية عند الجمهور، وهو مذهب سيبويه 967. قال ابن هشام: و «هل» عند سيبويه حرف يدخل على الفعل، ويختص به، ولا يدخل على الجملة الابتدائية؛ ولهذا لما ذكر الحروف التي لا يليها إلا الفعل -

الحديث: 2631 - الجزء: 6 - الصفحة: 3016

................................  وذكر «قد» و «سوف» قال: ومن تلك الحروف «ربما» وقلما جعلوا «ربّ» مع «ما» بمنزلة كلمة واحدة وهيئوها ليذكروا بعدها الفعل؛ لأنهم لم يكن لهم سبيل إلى: ربّ يقول، ولا إلى: قلّ يقول؛ فألحقوها وأخلصوها للفعل 968، والذي ذكره المصنف عن الفارسي في قول الشاعر: 2634 - ربّما الجامل المؤبل فيهم هو الذي ذكره المغاربة فيه.
قال ابن عصفور بعد [4/ 23] إنشاده 969 هذا البيت على رواية من رواه بخفض «الجامل المؤبل»: والرواية الصحيحة «الجامل» بالرافع على أن تكون «ما» في موضع اسم نكرة مخفوض بـ «رب» و «الجامل» خبر مبتدأ مضمر والجملة في موضع الصفة كأنه قال: ربّ شيء هو الجامل المؤبل 970. ومن ثم قال الشيخ: هذا الذي قاله - يعني المصنف - عن الفارسي هو مذهب الجمهور، وابن عصفور خرّج البيت تخريج أبي علي وهو الصحيح؛ إذ لو كان الصحيح ما اختار المصنف لسمع من كلامهم: ربما زيد قائم بتصريح المبتدأ والخبر ولم يسمع ذلك فيما أعلم، فوجب تخرج البيت على ما خرّجه الفارسي وابن عصفور 971. قال: ومثل قوله: ربّما الجامل المؤبل» قول الآخر: 2635 - طالعات ببطن نقرة بدن... ربّما طاعن بها ومقيم 972 وقول الآخر: 2636 - أمّ الصّبيّين ما يدريك أن ربّما... عنظاء قلتها شمّاء قرواخ 973 قال: ويتأول هذان البيتان تأويل «ربما الجامل»، والعنظاء: الهضبة، وشماء: مرتفعة، وقرواخ: جرداء.
قال: والذي ذهب إليه المصنف هو مذهب المبرد، وزعم أنه يليها الجملة الاسمية والفعلية نحو «إنما» تقول: ربما قام زيد، وربما زيد قائم كما تقول ذلك في «إنما».
وأما زيادة «ما» بعد «من وعن» غير كافة: فقد تقدم الاستدلال عليه من -

الحديث: 2634 - الجزء: 6 - الصفحة: 3017

الحديث: 2637 - الجزء: 6 - الصفحة: 3018

................................  بتخفيفها، وقد ذكرت.
وهي حرف عند البصريين، واسم عند الكوفيين والأخفش 978 في أحد قوليه.
وحرفيتها أصح؛ لخلوها من علامات الأسماء اللفظية والمعنوية ولمساواتها (الحرف) 979 في الدلالة على معنى في مسمى غير مفهوم جنسه بلفظها بخلاف أسماء الاستفهام والشرط فإنها تدل على معنى في مسمى مفهوم بلفظها.
ومقتضى هذا التقدير أن تكون «كم» حرفا لكن اسميتها ثابتة بالعلامات اللفظية وهي الإضافة إليها، ودخول حرف الجر عليها، والابتداء بها، وإيقاع الأفعال عليها، وعود الضمير إليها.
واستدل الكوفيون على اسميتها بقول الشاعر: 2640 - إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن... عارا عليك وربّ قتل عار 980 فزعموا أن «رب» مبتدأ وعار خبره والصحيح أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة لـ «قتل» والتقدير: وربّ قتل هو عار، وأكثر النحويين يقولون: معنى «رب» التقليل.
قال أبو العباس: «رب» تبني عمّا وقعت عليه أنه قد كان، وليس بالكثير؛ فلذلك لا تقع إلا على نكرة؛ لأن ما بعدها يخرج مخرج التمييز 981. وقال ابن السراج: النحويون كالمجمعين على أنّ «ربّ» جواب لما تقول: رب رجل عالم، لمن قال لك: ما رأيت رجلا عالما، أو قدرت أنه يقول...؛ فضارعت حرف النفي؛ إذ كان يليه الواحد المنكور وهو يراد به الجماعة 982. وقال ابن السراج أيضا: رب حرف جر وكان حقه أن يكون بعد الفعل موصّلا له إلى المجرور كأخواته، ولكن لما كان معناه التقليل وكان لا يعمل إلا في نكرة صار مقابلا لـ «كم» إذا كانت خبرا فجعل له صدر الكلام كما جعل لـ «كم» 983، وقال الزمخشري في المفصّل: «رب» للتقليل 984، وجعلها في الكشاف للتكثير 985. قلت: والصحيح أن معنى «رب» التكثير، ولذا تصلح «كم» في كل موضع وقعت فيه غير نادر كقول الشاعر: -

الحديث: 2640 - الجزء: 6 - الصفحة: 3019

................................  2641 - ربّ من أنضجت غيظا صدره... قد تمنّى لي موتا لم يطع 986 وكقول الآخر: 2642 - ربّ رفد هرقته ذلك اليو... م وأسرى من معشر أقتال 987 وكقول الآخر: 2643 - ربّما تكره النّفوس من الأم... ر له فرجة كحلّ العقال 988 وكقول حسان رضي الله عنه: 2644 - ربّ حلم أضاعه عدم الما... لـ وجهل غطّى عليه النّعيم 989 وكقول الآخر: 2645 - وربّ امرئ ناقص عقله... وقد يعجب النّاس من شخصه وآخر تحسبه أحمقا... ويأتيك بالأمر من فصّه 990 وكقول ضابئ البرجمي: 2646 - وربّ أمور لا تضيرك ضيرة... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب 991 وكقول عدي بن زيد: 2647 - ربّ مأمول وراج أملا... قد ثناه الدّهر عن ذاك الأمل 992

الحديث: 2641 - الجزء: 6 - الصفحة: 3020

................................  وهذا الذي أشرت إليه [4/ 24] من أن معنى «رب» التكثير هو مذهب سيبويه 993 رحمه الله تعالى، وقال ابن خروف: وذكر سيبويه في باب «كم» أن «رب» للتكثير، وذكر ذلك غيره من اللغويين. واستعمالها على ذلك موجود كثير 994، قلت: فمن كلامه الدال على ذلك قوله في باب «كم»: اعلم أن لـ «كم» موضعين: أحدهما: الاستفهام. والآخر: الخبر. ومعناها معنى «ربّ» 995. ثم قال بعد ذلك في الباب: واعلم أن «كم» في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه «رب»؛ لأن المعنى واحد إلا أن «كم» اسم، و «رب» غير اسم 996. هذا نصه ولا معارض له في كتابه. فعلم أن مذهبه كون «رب» مساوية لـ «كم» الخبرية في المعنى. ولا خلاف في أن معنى «كم» الخبرية التكثير، والذي دلّ عليه كلام سيبويه من أن معنى «رب» التكثير هو الواقع غير النادر من كلام العرب نثره ونظمه. فمن النظم الأبيات التي قدمت ذكرها، ومن النثر قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا ربّ كاسية في الدّنيا عارية يوم القيامة» 997، و «ربّ أشعث أغبر لا يؤبه له لو (أقسم) 998 على الله لأبرّ قسمه» 999، ومنه قول الأعرابي الذي سمعه الكسائي يقول بعد الفطر: ربّ صائمه لن يصومه وربّ قائمه لن يقومه 1000، وقال الفراء: يقول القائل إذا أمر فعصي: أما والله لرب ندامة لك تذكر قولي فيها 1001. وقولي: والتعليل بها نادر؛ أشرت به إلى قول الشاعر: 2648 - ألا ربّ مولود وليس له أب... وذي ولد لم يلده أبوان 1002

الحديث: 2648 - الجزء: 6 - الصفحة: 3021

................................  يريد آدم وعيسى عليهما السّلام، ومثله قول عمرو بن الشريد أخي الخنساء 1003: 2649 - وذي إخوة قطّعت أقران بينهم... كما تركوني واحدا لا أخا ليا 1004 ومثله: 2650 - ويوم على البلقاء لم يك مثله... على الأرض يوم في بعيد ولا دان 1005 أراد بـ «ذي إخوة» زيد بن حرملة قاتل أخيه معاوية بن الشريد، وأراد الآخر: يوما كان فيه وقعة بين غسان ومذحج في موضع يعرف بالبلقاء. وقول المبرد: ربّ تبني عما وقعت عليه أنه قد كان هذا هو الأكثر، وأما كون ذلك لازما لا يوجد غيره فليس بصحيح؛ بل قد يكون مستقبلا كقول جحدر اللص: 1006. 2651 - فإن أهلك فربّ فتى سيبكي... عليّ مهذّب رخص البنان 1007 وكقول هند أم معاوية 1008 رضي الله تعالى عنها: 2652 - يا ربّ قائلة غدا... يا لهف أمّ معاويه 1009 وكقول سليم القشيري: 2653 - ومعتصم بالحيّ من خشية الرّدى... سيردى وغار مشفق سيؤوب 1010 وقال الراجز: 2654 - يا ربّ يوم لي لا أظلّله... أرمض من تحت وأضحى من عله 1011

الحديث: 2649 - الجزء: 6 - الصفحة: 3022

................................  وقال آخر: 2655 - يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم... لاقى مباعدة منكم وحرمانا 1012 ولا مبالاة بقول المبرد ولا بقول ابن السراج؛ فإنهما لم يستندا في ذلك إلا إلى مجرد الدعوى، ولو لم يكن غير ما ادعياه مسموعا لكان مساويا لما ادعاه في إمكان الأخذ به، فكيف وهو ثابت بالنقل الصحيح في الكلام الفصيح؟! وقد يكون ما وقعت عليه «ربّ» حالا كقولك لمن قال: ما في وقتنا امرؤ مستريح: رب امرئ في وقتنا مستريح، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: 2656 - فقمت ولم تعلم عليّ خيانة... ألا ربّ باغي الرّبح ليس برابح 1013 ومثله: 2657 - ألا ربّ من تغتشّه لك ناصح... ومؤتمن بالغيب غير أمين 1014 وقد هدي الزمخشريّ إلى الحق في معنى «ربّ» فقال في تفسير قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ 1015: قَدْ نَرى ربما نرى، ومعناه: كثرة الرؤية 1016 وقال في قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ 1017 بمعنى ربّما التي تجيء لزيادة الفعل وكثرته 1018، وقال في قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ 1019: أدخل (قد) لتوكيد علمه بما هم عليه؛ وذلك أن (قد) إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى «ربما»، فوافقت «ربما» في خروجها إلى معنى التكثير في قوله: 2658 - فإن تمس مهجور الفناء فربّما... أقام به بعد الوفود وفود 1020 فكلامه هذا سديد أداه إليه ترك التقليد، وقال في رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ -

الحديث: 2655 - الجزء: 6 - الصفحة: 3023

................................  كانُوا مُسْلِمِينَ 1021: فإن قلت: ما معنى التقليل هاهنا؟ قلت: هو وارد على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك، وربما يندم الإنسان على ما فعل ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان قليلا لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل؛ لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المظنون كما يتحرزون من الغم المتيقن، ومن القليل منه كما يتحرزون من الكثير وكذلك المعنى في الآية الشريفة: لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لكانوا حقيقين بالمسارعة إليه فكيف وهم يودونه في كل ساعة 1022. قلت: في هذا الكلام ما يناقض كلامه في قَدْ نَرى 1023 وقَدْ نَعْلَمُ 1024 وقَدْ يَعْلَمُ 1025 من دلالة «ربما» على التكثير؛ لأنه نسب إليها هنا التقليل، وتكلف في تخريجه ما لا حاجة إليه، ولا دلالة عليه، ثم اعترف بقول العرب: ربما يندم الإنسان على ما فعل، وبأنهم لا يقصدون تقليله فهو حجه عليه، وعلى من وافقه.
وأظنه في هذا التأويل قلّد ابن السراج فإنه قال: قالوا في قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ بأنه لصدق الوعدة كأنه قد كان 1026 كما قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ 1027. والصحيح عندي: أن «إذ» قد يراد بها الاستقبال كما يراد بها المضي؛ فمن ذلك قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ 1028، وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها 1029 فأبدل يَوْمَئِذٍ من «إذا» فلو لم تكن «إذ» صالحة للاستقبال ما أبدل «يوم» المضاف [4/ 25] إليها من «إذا»؛ فإنها لا يراد بها إلا الاستقبال.
والمبرد، وابن السراج، والفارسي، وابن خروف 1030 يرون وجوب وصف المجرور بـ «ربّ» وقلّدهم في ذلك أكثر المتأخرين مع أنه خلاف مذهب سيبويه 1031. -

الجزء: 6 - الصفحة: 3024

................................  ولا حجة لهم إلا شبهتان: إحداهما: أن «رب» للتقليل، والنكرة بلا صفة فيها تكثير بالشياع والعموم، ووصفها يحدث فيها التقليل بإخراج الحالي منه، أي: من الوصف فلزم الوصف لذلك. والشبهة الثانية: أن قول القائل: ربّ رجل عالم لقيت، ردّ على من قال: ما لقيت رجلا عالما؛ فلو لم يذكر الصفة لم يكن الرد موافقا، وفي كلتا الشبهتين ضعف بيّن. أما ضعف الأولى؛ فلترتيبها على «ربّ» للتقليل، وقد سبق أنها للتكثير، وعلى تقدير أنها للتقليل فإن النكرة دون وصف صالحة أن يراد بها العموم فيكون فيها تكثير، وأن يراد بها غير العموم فيكون فيها تقليل. فإذا دخلت عليها «ربّ» على تقدير وضعها للتقليل أزالت احتمال التكثير كما يزول احتمال التقليل بـ «لا، ومن» الجنسيتين، فإن وصفت بعد دخول «ربّ» ازداد التقليل، فإن كان المطلوب زيادة التقليل لا مطلقه فينبغي أن لا يقتصر على وصف واحد؛ لأن التقليل يزيد بزيادة الأوصاف. وأما الشبهة الثانية؛ فضعفها أيضا بيّن؛ لأن مرتبه على أن «ربّ» لا يكون إلا جوابا، وعلى أن الجواب يلزم أن يوافق المجاب وكلا الأمرين غير لازم بالاستقراء. والصحيح: أنها تكون جوابا وغير جواب، وإذا كانت جوابا فقد تكون جواب موصوف، وجواب غير موصوف فيكون لمجرورها من الوصف وعدمه ما للمجاب فيقال لمن قال: ما رأيت رجلا: رب رجل رأيت، ولمن قال: ما رأيت رجلا عالما: رب رجل عالم رأيت، وإذا لم يكن جوابا فللمتكلم بها أن يصف مجرورها، وأن لا يصفه. ومن وقوعه غير موصوف قول أم معاوية رضى الله تعالى عنه: 2659 - يا ربّ قائلة غدا... يا لهف أمّ معاويه 1032 ومثله: 2660 - ألا ربّ مأخوذ بإجرام غيره... فلا تسأمن هجران من كان مجرما 1033 ومثله: 2661 - ربّ مستغن ولا مال له... وعظيم الفقر وهو ذو نسب 1034

الحديث: 2659 - الجزء: 6 - الصفحة: 3025

................................  والذي يدل على أن وصف مجرورها لا يلزم عند سيبويه تسويته إياها بـ «كم» الخبرية 1035. ووصف مجرور كم الخبرية لا يلزم فكذا وصف ما سوّي بها.
ومن كلامه المتضمن استغناء مجرورها قوله في باب الجر: وإذا قلت: رب رجل يقول ذاك؛ فقد أضفت القول إلى الرجل بـ «رب» 1036. فبصريحه يكون «يقول» مضافا إلى الرجل بـ «رب» مانع كونه صفة؛ لأن الصفة لا تضاف إلى الموصوف وإنما يضاف العامل إلى المعمول فـ «يقول» إذا عامل في «رجل» بواسطة «رب» كما كان «مررت» من: مررت بزيد؛ عاملا في «زيد» بواسطة الباء، وكما كان («أخذت» من: أخذته من عبد الله) 1037 عاملا في «عبد الله» بواسطة «من»، وهما من أمثلة سيبويه في باب الجر، وقال فيهما: وإنما أضفت المرور إلى «زيد» بالباء، وقال أيضا: فقد أضفت الأخذ إلى «عبد الله» بـ «من» فجعل نسبة «مررت» من «بزيد»، ونسبة «أخذت» من «عبد الله» كنسبة «يقول» من «رب رجل».
وفي تمثيله بـ «رب» رجل يقول ذاك، وجعله «يقول» معدى إلى «رجل» بواسطة «ربّ» دليل على أن مضمون ما دخلت عليه «رب» يجوز استقباله.
ولا يلزم مضيه، وقد تقدمت شواهد ذلك؛ إلا أن في هذا المثال إشكالا بيّنا؛ وذلك أن ظاهره يقتضي جواز أن يقال: من زيد عجب؛ إذا عجب من نفسه، وهو غير جائز بإجماع؛ لأن فيه إعمال فعل رافع ضمير متصل في مفسره، وذلك ممتنع دون خلاف.
وقد أخذ أكثر الناس هذا المثال على ظاهره فمنهم من خطأ فيه سيبويه، ومنهم من صوبه وتكلف تأويله، وأحسنهم مأخذا في التأويل أبو الحسن بن خروف؛ فإنه قال: فقول سيبويه: فقد أضفت القول إلى الرجل بـ «رب» 1038؛ كلام حسن، وهو كقوله: فقد أضفت الكينونة إلى الدار بـ «في»، وكقوله: فقد أضفت إليه الرداءة بـ «في» 1039 يعني قوله: أنت في الدار، وفيك خصلة سوء؛ فـ «رب» أوصلت القول إلى قليل الرجال وكثيرهم، كما أوصلت «في» الكينونة إلى الدار، -

الجزء: 6 - الصفحة: 3026

................................  واستقرار الرداءة إلى المخاطب، وموضع المخفوض بـ «رب» مبتدأ و «بقول» خبره، فكأنه على تقدير: كثير من الرجال يقول ذلك.
ولا يخفى ما في هذا من التكلف.
وقد يسر لي بحمد الله تعالى تخريجه بوجه لا تخطئة فيه ولا تكلف.
وذلك بأن يجعل «يقول» مضارع «قال» بمعنى: فاق في المقاولة، ويجعل ذلك فاعلا أشير به إلى مرئي أو مذكور، كأنه قال: رب رجل يفوق ذلك في المقاولة؛ فهذا التخريج يؤمن الخطأ والتكلف، ويثبت استغناء مجرور «ربّ» عن الوصف، وكون ما دخلت عليه لا يلزم مضيه بل يجوز كونه مستقبلا وحالا.
ومنع ابن السراج استقباله وأجاز حاليته؛ فإنه قال: ولا يجوز: رب رجل سيقوم وليقومن غدا، إلا أن تريد: رب رجل يوصف بهذا تقول: رب رجل مسيء اليوم محسن غدا، أي: يوصف بهذا 1040. والصحيح: جوازهما إلا أن المضي أكثر، قال ابن خروف: والمتأخرون مختلفون في «ربّ»؛ منهم من تبع المبرد على مذهبه كابن السراج والفارسي، وهو فاسد؛ لأنه ألزم مخفوضه [4/ 26] الصفة وحذف ما يتعلق به وأن لا يدل إلا على التقليل ولا يفتقر إلى الصفة كما زعموا؛ لأن معنى التقليل والتكثير الذي دلت عليه يقوم مقام وصف مخفوضها كما كان ذلك في «كم»، ولذلك قلت: كم غلام عندك؛ فابتدأت بنكرة؛ يعني أن ما دلت عليه «كم» من التكثير سوغ الابتداء بها مع أنها نكرة.
ونبهت بقولي: (وقد يعطف على مجرورها وشبهه مضاف إلى ضميريهما) على أنه قد يقال: رب رجل وأخيه رأيت، وكم ناقة وفصيلها ملكت؛ على تقدير: رب رجل وأخ له، وكم ناقة وفصيل لها.
ثم نبهت على أن المجرور بها قد يكون ضميرا لازما تفسيره بمميز مؤخر مطابق للذي يقصده المتكلم من إفراد وتذكير وغيرهما، وأن الضمير على أشهر المذهبين لا يكون إلا بلفظ الإفراد والتذكير فيقال: ربّه رجلا، وربّه رجلين، وربه رجالا، وربّه امرأة وربّه نسوة، ومثال «ربه رجلا» قول الشاعر: 2662 - ربه امرأ بك نال أمنع عزّة... وغنى بعيد خصاصة وهوان 1041 ومثال «ربه رجالا» قول الآخر: -

الحديث: 2662 - الجزء: 6 - الصفحة: 3027

................................  2663 - ربه فتية دعوت إلى ما... يورث المجد دائبا فأجابوا 1042 وحكى الكوفيون: ربهما رجلين، وربهم رجالا، وربها امرأة، وإلى هذا الوجه والذي قبله أشرت بقولي: (ولزوم إفراد الضمير وتذكيره عند تثنية التمييز وجمعه وتأنيثه أشهر من المطابقة).
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 1043. وهو كما قيل وليعلم أن الكلام يتوجه في «رب» من عشر جهات: الأولى: ذاتها؛ أهي حرف، أم اسم؟ الثانية: معناها؛ هل للتكثير، أو التقليل؟ الثالثة: وصف مجرورها؛ أهو لازم، أم غير لازم؟ الرابعة: معنى ما يتعلق بها؛ أهو لازم أم غير لازم؟ الخامسة: تنكير مجرورها مع لزوم تصديرها.
السادسة: مباشرتها الضمير المجهول المفسر بتمييز بعده.
السابعة: حكم «ما» اللاحقة لها، وحكم «رب» معها.
الثامنة: ما يليها من الجمل إذا لحقتها «ما» وكفّتها عن العمل.
التاسعة: عملها محذوفة.
العاشرة: متعلقها أي: ما تتعلق «ربّ» به، وموضعها مع الاسم المجرور بها.
ثم إن الست الأول ذكرها المصنف هنا - أعني في فصل «رب» - والسابعة قد ذكرها آنفا عند ذكره زيادة «ما» بعد كاف الجر، والتاسعة: وهي عملها محذوفة سنذكرها في الفصل بعيد ما نحن فيه، وأما الثامنة وهي ما يليها من الجمل إذا كفتها «ما» فلم يحتج المصنف إلى ذكره؛ لأنه يرى أن يليها كل من الجملة الفعلية والاسمية.
و [أما] العاشرة: وهي ما تتعلق به، وموضعها مع المجرور بها؛ فلم يتعرض المصنف إليها.
وبعد: فأنا أشير إلى الجهات المذكورة جهة جهة، وأذكر ما يتعلق بها من المباحث التي لم يتضمنها كلام المصنف.
-

الحديث: 2663 - الجزء: 6 - الصفحة: 3028

................................  وبعد: فأما كونها حرفا؛ فقد عرفت أنه مذهب البصريين؛ وأن القائل باسميتها هم الكوفيون، والأخفش في أحد قوليه، وتقدم استدلال المصنف على الحرفية والجواب عما استدل به الكوفيون، وفي ما ذكره مع اختصاره ولفظه غنية عن غيره.
واعلم أن الكوفيين كما زعموا أن «رب» مبتدأ في: وربّ قتل عار؛ يزعمون أن: «ربّ ضرب ضربت»؛ بتقدير المصدر، وأن «رب يوم سرت»؛ بتقدير الظرف، وأن «رب رجل ضربت»؛ مفعول، و «رب رجل قائم»؛ مبتدأ كما يكون ذلك في «كم» إذا قلت: كم ضربة ضربت، وكم يوم سرت، وكم رجل ضربت، وكم رجل قام.
ولا شك أن هذا جميعه إنما ابتنى عندهم على اسميتها ولكن لم يقم على كونها اسما دليل.
وما استدل به على بطلان اسميتها أنها لا يدخل عليها حرف الجر ولو كانت اسما؛ لتعدى إليها الفعل بحرف جر كما يتعدى إليها الفعل المتعدي بنفسه فكنت تقول: برب رجل عالم مررت، كما تقول: رب رجل عالم أكرمت؛ إذ ليس في الكلام اسم تعمل فيه الأفعال المتعدية بنفسها، ولا يعمل فيه الفعل المتعدي بحرف جر.
وقد احتج لهم بأنك تقول: رب رجل عاقل ضربت؛ فقد عديت المتعدي إلى ما ينصبه بنفسه بحرف جر.
وأجيب بأن حروف الجر لم تجلب للتعدي، وإنما جلبت لما تعطي من المعنى.
وأما كونها للتكثير وأن التقليل بها نادر؛ فقد استدل عليه المصنف بما لا مدفع له.
ولا شك أن مذهب سيبويه أنها للتكثير 1044، ويدل عليه ما أورده المصنف من كلامه الدالّ على ذلك.
وقال الخضراوي: كون «رب» للتكثير هو المشهور عند الخليل، وظاهر كلام سيبويه؛ قال في باب «كم»: ومعناها معنى «ربّ» - يعني 1045 «كم» الخبرية - ثم قال - يعني سيبويه -: واعلم أن «كم» بمنزلة اسم ينصرف في الكلام غير منون يجر ما بعده إذا أسقط التنوين، وذلك الاسم نحو: مائتي درهم؛ فانجر الدرهم؛ لأن التنوين ذهب ودخل فيما قبله والمعنى معنى «ربّ» 1046. قال الخضراوي: وأبو علي - يعني الفارسي يتأول المعنى هنا بالحكم 1047. قال: -

الجزء: 6 - الصفحة: 3029

................................  لكن قول سيبويه: واعلم أن «كم» في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه «رب»؛ لأن المعنى واحد إلا أن «كم» اسم؛ و «رب» غير اسم 1048، يبعد تأويل أبي علي 1049، ثم إن سيبويه قال [4/ 27] في «كأين»: معناها معنى «رب» 1050. ولا شك أن «كأين» ليس حكمها حكم «رب»؛ لأنها قلما تجر، وإنما ينتصب تمييزها، أو يدخل عليه حرف الجر، ثم قال 1051: واختلف النحويون في معنى «رب» فمذهب أبي عليّ أنها للتقليل، وهو قول عيسى بن عمر، ويونس، وأبي زيد الأنصاري، وأبي عثمان، وأبي العباس، وأبي بكر، وأبي إسحق الزجاج، والرماني، وابن جني، والصيمري، والسيرافي، وأبي عمرو بن العلاء، والأخفش سعيد بن مسعدة، وأبي عمر الجرمي، وابن درستويه، وكذلك جعله الكوفيون، كالكسائي، والفراء، ومعاذ الهراء.
وهشام وابن سعدان 1052. وبهذا قال الزمخشري 1053 من المتأخرين.
وقيل: إنها للتكثير، قال بذلك جماعة منهم صاحب العين، وروى عن الخليل 1054، وقال به كثير من المتأخرين، وقال بعض المتأخرين: هي من الأضداد تكون للتقليل والتكثير، وقال ابن (الباذش) 1055 هي لمبهم العدد تكون تقليلا وتكثيرا، وبه قال ابن طاهر، وابن خروف 1056، وذكر أنه مذهب سيبويه، وأن «كم» عنده تكون تقليلا وتكثيرا؛ لأنها لمبهم العدد عنده من قليل وكثير.
قال الخضراوي: وهذا غريب من القول في «كم».
وأما ابن عصفور فإنه قال في شرح الجمل 1057: «وأما «ربّ» فمعناها عند المحققين من النحويين التقليل؛ فإذا قلت: رب رجل عالم لقيت؛ فكأنك قلت: قد لقيت من ضعيف الرجال العلماء وليس من لقيته بالكثير وأنشد: -

الجزء: 6 - الصفحة: 3030

................................  2664 - ألا ربّ مولود وليس له أب...... البيت وأنشد أيضا البيت الذي يليه وهو: 2665 - وذي شامة غرّاء في حرّ وجهه... مجلّلة لا تنقضي لأوان قال: [فالمولود الذي ليس له أب عيسى عليه السّلام، والذي له ولد ولم يلده أبوان هو آدم عليه السّلام وصاحب الشامة] هو القمر؛ شبه الكلف الذي يظهر فيه المسمى أرنب القمر بالشامة.
وزعم بعضهم أنها للتكثير وذلك في موضع المباهاة والافتخار نحو قوله: 2666 - فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة... بآنسة كأنّها خطّ تمثال 1058 2667 - فيا ربّ مكروب كررت وراءه... وعان فككت الغلّ عنه ففدّاني 1059 لأنه يريد أن لها أياما كثيرة، وكثير منه فك الأسرى، وكرّه وراء المكروبين، وهذا وأمثاله لا حجة فيه لهم؛ لأن «رب» في هذه الأماكن وأمثالها للمباهاة والافتخار.
والمباهاة لا تتصور إلا بما لا يقل نظيره من غير المفتخر؛ إذ ما يكثر من المفتخر وغيره لا يتصور الافتخار به؛ فتكون «رب» في هذه الأماكن التي للمباهاة والافتخار لقليل النظير فكأنه قال: الأيام التي لهوت فيها والليالي يقل وجود مثلها لغيري، وكأنه قال: الأسرى الذين فككت والمكروبون الذين كررت وراءهم هم من الكثرة بحيث يقل فك غيري لهم؛ ويمكن أيضا أن يريد أن هذه الأشياء التي يفتخر بها هي وإن كانت قد وقعت كثيرا من المفتخر فإنها بالنظر إلى شرف هذا المفتخر وجلالة قدره قليلة، وأيضا فإن المفرد بعد «ربّ» يكون في معنى جمع، والمفرد لا يكون في معنى جمع إلا إذا اقترن به لفظ عموم نحو: كلّ رجل، ويقع تمييزا في نحو: عشرين رجلا أو في نفى نحو: ما قام رجل، أو في تقليل نحو: قلّ رجل يقول ذلك إلا زيد.
فلولا أن «ربّ» للتقليل لما كان المفرد بعدها في معنى جمع.
انتهى 1060. ولم يظهر لي قوله، ولا قول غيره: إن «رب» في الأماكن التي ذكرها لتقليل النظير؛ فإن معنى الحرف إنما يكون حاصلا لما باشره الحرف؛ فكيف تباشر «رب» -

الحديث: 2664 - الجزء: 6 - الصفحة: 3031

................................  شيئا والمعنى (الذي) 1061 وضعت له قائم بكلمة أخرى غير ما باشرته.
وأما قوله: فلولا أن «ربّ» للتقليل لما كان المفرد بعدها في معنى جمع بل هذا الذي ذكره أدل على أنها للتكثير، ثم إنه قال: قال أبو العباس المبرد: النحويون كالمجمعين على أن «رب» جواب لكلام متقدم، فإذا قلت: رب رجل عالم لقيت؛ فهو جواب لمن قال: هل لقيت رجلا عالما؟ أو قدر سؤاله كذلك فتقول له: رب رجل عالم لقيت، أي: لقيت من جنس الرجال العلماء؛ إلا أن ذلك ليس بالكثير، والدليل على أن «رب» جواب أنّ واو «ربّ» عاطفة نائبة عن «رب» بدليل أنها لا يدخل عليها حرف عطف؛ لا تقول: رب رجل ثم وامرأة؛ فإذا تبين أنها عاطفة، والعرب تستعملها وإن لم يتقدمها كلام فتقول: ورجل أكرمته؛ ابتداء كما قال: 2668 - وبلدة ليس بها أنيس... [إلّا اليعافير وإلّا العيس] 1062 دل على أن «رب» جواب حتى تكون الواو قد عطفت الجواب على السؤال المتقدم، أو المقدر، ولولا أنها كذلك لما ساغ وقوع حرف عطف أول الكلام 1063. انتهى.
وفي ما ذكره أمران: أحدهما: أنا (إذا) 1064 سلمنا له أن «رب» جواب وأن المراد بقولنا: رب رجل عالم لقيت: لقيت من جنس الرجال العلماء، إلا أن ذلك ليس بالكثير لا يتم مراده.. فإن القائل بأن معنى «رب» التكثير يجوز استعمالها للتقليل على سبيل القلة والندور.
ثم ما ذكروه إنما قرره على تقدير أن تكون «رب» جوابا أبدا.
وقد تقدم لك من كلام المصنف أنها قد تكون جوابا، وقد تكون غير جواب.
وثانيهما: قوله: إن واو «رب» عاطفة، واستنتاجه من ذلك أنها عطفت الجواب على السؤال فإن جوابا لا يعطف على سؤال، ولو عطف جواب على سؤال لكان سؤالا، لا جوابا.
وما برحت أستشكل هذا في كلام [4/ 28] هذا الرجل.
-

الحديث: 2668 - الجزء: 6 - الصفحة: 3032

................................  ولا شك في جلالة قدره في هذا الفن فربما يكون مراده بعطف هذا الجواب على السؤال معنى خاصّا غير المتبادر إلى الأفهام.
وبعد: فقد ذكر في شرح الإيضاح أنها تكون للتقليل فقال: والصحيح أنها تكون لتقليل الشيء في نفسه، أو لتقليل نظيره، وأنها تكون للتكثير، ومثّل تقليل الشيء في نفسه بالبيتين المتقدمين اللذين أولهما: 2669 - ألا ربّ مولود وليس له أب...... وبالبيت الذي أنشده المصنف وهو الذي أوله: 2670 - وذي إخوة......... وقال بعد إنشاده البيت المذكور: لأنه إنما يريد بالإخوة هنا: دريد بن حرملة المزني، وهو الذي قتل أخاه معاوية، فلما قتله قال هذا الشعر، وقوله: 2671 -... كما تركوني واحدا لا أخا ليا يبطل توهم الكثرة هنا؛ لأن الّذين تركوه بلا أخ كانوا بني حرملة، ولم يكن له أخ قبل غير معاوية وحده.
ومما مثل للتقليل قول زهير 1065: 2672 - وأبيض فيّاض (يداه) 1066 غمامة... على معتفيه ما تغبّ فواضله 1067 قال: أراد بالأبيض: حصن بن حذيفة بدليل قوله بعد: 2673 - حذيفة ينميه وبدر كلاهما... إلى باذخ يعلو على من يطاوله 1068 وذكر غير ذلك.
ومثل تقليل نظير الشيء بقول امرئ القيس: -

الحديث: 2669 - الجزء: 6 - الصفحة: 3033

................................  2674 - فإن أمس مكروبا فيا ربّ بهمة... كشفت إذا ما اسودّ وجه جبان 1069 وبقوله: 2675 - وإن أمس مكروبا فيا ربّ قينة... منعّمة أعملتها بكران 1070 وبقول أبي (كبير) 1071 الهذلي: 2676 - أزهير إن يشب القذال فإنّه... رب هيضل مرس لفقت بهيضل 1072 ثم قال: وكذلك هي في كل موضع استعملت فيه للمباهاة والافتخار؛ لأن الإنسان إنما يفتخر بما يقل نظيره من غيره ويكثر منه.
ثم قال: ما ذكروه من أنها في التقليل نظيرة «كم» في التكثير؛ بناء منهم على أن «كم» لا تكون إلا للتكثير وذلك مختلف فيه؛ لأن منهم من ذهب إلى أنها تقع للقليل والكثير؛ فعلى هذا قول عمارة بن عقيل 1073: 2677 - فإن تكن الأيّام شيّبن مفرقي... وأكثرن أشجاني وقلّلن من غربي فيا ربّ يوم قد شربت بمشرب... شفيت به عن الصّدي بارد عذب وكم ليلة قد بتّها غير آثم... بناحية الحجلين منعمة القلب 1074 إنما ساغ له فيه أن يجمع بين «رب» و «كم» مع أنه أراد تكثير أيامه ولياليه في مذهب من زعم أن «رب» للتقليل، و «كم» للتكثير؛ لأنه راعى فيما أدخل عليه «رب» كونه قليل النظير، وراعى فيما أدخل عليه «كم» كونه كثيرا في نفسه.
-

الحديث: 2674 - الجزء: 6 - الصفحة: 3034

................................  ومن زعم أن «رب» تقع على القليل والكثير؛ لم يحتج إلى هذا التأويل.
انتهى.
ولم يمثل التكثير بـ «رب»، وكأنه اكتفى عنه بذكر هذا البيت - أعني قوله: 2678 - فيا ربّ يوم......... وذلك أنه أثبت أن مراد الشاعر تكثير أيامه ولياليه التي فعل فيها ما ذكره.
وذلك إنما يتم له بجعل ما أدخل عليه «رب» قليل النظير، أو بأن يجعل «رب» للتكثير.
وأما ابن أبي الربيع فإنه يرى أن معنى «رب» إنما هو التقليل قال: وذهب الكوفيون إلى أنها تكون للتقليل والتكثير وهي عندهم من الأضداد ثم ذكر عنهم الأبيات التي استدل بها على التكثير وقد تقدمت.
ثم قال: وما قاله الكوفيون باد بأول نظر، وإذا حقق معنى التقليل صح قول البصريين.
وكان الأستاذ أبو علي يذهب إلى أنها تدخل لتقليل النظير 1075، ثم أتبع هذا الكلام بما يناسبه 1076. والذي يظهر أن «رب» للتكثير وأنها تستعمل للتقليل قليلا كما قال المصنف رحمه الله تعالى.
وأما وصف مجرورها: فقد عرفت ما ذكره المصنف من أن المبرد، وابن السراج، والفارسي يرون وجوب ذلك، وأن أكثر المتأخرين عليه وما أوردوه من الشبهتين للقائلين بذلك، وما أجاب به عنهما وما ذكره أيضا من أن هذا - أعني وجوب وصف مجرور «ربّ» خلاف مذهب سيبويه، وما استدل به كلام سيبويه المتضمن استغناء مجرورها عن الوصف.
وذكر ابن عصفور عن [هؤلاء] الثلاثة - أعني المبرد، وابن السراج، والفارسي - ما ذكره المصنف عنهم من التزام الوصف، ثم قال 1077: وهو الصحيح عندي واستدل على عدم لزومه بقول الشاعر: 2679 - ألا ربّ مولود وليس له أب...... قال: ومما يبين لك أن المخفوض بها لا يفتقر في كل المواضع إلى الصفة؛ أنك تجد أماكن إن جعلت فيها ما بعد المخفوض بـ «رب» صفة لم يبق للمخفوض بها -

الحديث: 2678 - الجزء: 6 - الصفحة: 3035

................................  ما يعمل فيه إلا في اللفظ ولا في التقدير؛ لأن معنى الكلام لا يقتضي عاملا محذوفا بل تجد المعنى مستقلّا من غير حذف نحو قول امرئ القيس: 2680 - فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة... بآنسة كأنّها خطّ تمثال 1078 ألا ترى أن المعنى مستقل بما في اللفظ خاصة، وإن رمت تتكلف حذف عامل فقدرت: ظفرت بها، أو: تمتعت بها؛ كان زائدا غير مفيد، فإن ذلك المعنى حاصل من غير حذف؛ لأن لهوه بالآنسة في ذلك اليوم وتلك الليلة ظفر بها وتمتع.
قال: وهذا الذي ذكرناه من غير لزوم الوصف هو الذي يعطيه كلام سيبويه؛ لأنه قال في باب [حروف] الجر: «وإذا قلت: ربّ رجل يقول ذلك؛ فقد أضفت القول إلى الرجل بـ «رب».
فدل هذا من كلام سيبويه على أنه لم يجعل «يقول ذلك» صفة لـ «رجل».
وأما ابن أبي الربيع فإنه قال: ذهب أبو علي إلى أن مخفوض «رب» لا بد له من الصفة؛ وتابعه على ذلك جماعة من حذاق هذه الصناعة 1079، وخالفه في هذا ابن طاهر وجماعة من خلاف المتأخرين 1080. قال: وظاهر كلام سيبويه أن مخفوضها لا يلزم الصفة وكان الأستاذ أبو علي يتأول كلام سيبويه 1081. انتهى.
وقد تقدم قول ابن خروف إن معنى التقليل والتكثير الذي دلت عليه يقوم مقام وصف مجرورها... إلى آخره.
وأما تخريج المصنف قول سيبويه: رب رجل يقول ذلك؛ على أن «يقول» مضارع «قال» بمعنى: فاق في المقاولة، ويجعل ذلك فاعلا إلى آخره؛ فتخريج غير ظاهر، ولا يخفى أن ذلك يبعد أن يكون مراد سيبويه.
وقد قال الشيخ: المتبادر إلى الذهن - من هذا المثال - أن ذلك منصوب لا مرفوع، وأن الفاعل بـ «يقول» هو ضمير عائد على «رجل»، ولما كانت «رب» حرفا محكوما له بحكم الزائد لم يتنزل منزلة الحرف الذي لم يحكم له بحكم الزائد فاحتمل أن عاد الضمير فاعلا على مجرورها؛ فليس نظير بزيد افتخر؛ لأن «بزيد» -

الحديث: 2680 - الجزء: 6 - الصفحة: 3036

................................  في موضع نصب، وهذا ليس في موضع نصب؛ بل في موضع رفع بالابتداء و «رب» كأنها حرف زائد 1082. انتهى.
وهو تخريج حسن مبني على تقرير صحيح كما سيأتي في كلام ابن عصفور.
وأما مضيّ ما يتعلق به: فهو مشهور وهو مذهب المبرد 1083، والفارسي 1084 واختاره ابن عصفور 1085 ولهذا يتأول النحاة رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 1086 بأن المعنى: ربما ودّ، وأنه عبر عن المستقبل بالماضي؛ لكونه متحقق الوقوع، ولكن قد عرفت أن المصنف لم يلتزم ذلك، وأنه أجاز كون العامل مستقبلا وذكر الأدلة على ذلك، على أن الشيخ قال في الأدلة: إنها تحتمل كذا، وتحتمل كذا، قاصدا إبطال ما ذهب إليه المصنف.
وأما لزوم تنكير مجرورها مع لزوم تصديرها: فأمر معروف.
وقد قال ابن عصفور: ولا تدل على معرفة محضة أصلا.
قال: وزعم بعضهم أنها تجر الاسم المعرف باللام فيقول: رب الرجال لقيت، وأنشدوا قول الشاعر: 2681 - ربّما الجامل المؤبّل فيهم بخفض الجامل قال: والرواية الصحيحة بالرفع.
وقال أيضا: و «ربّ» من الحروف التي لها صدر الكلام؛ وسبب ذلك أنها كما ذكرنا للتقليل، والتقليل يجري مجرى النفي؛ فعوملت معاملة ما يجعل له صدر الكلام؛ لذلك قال: وأيضا؛ فإنها للمباهاة، والافتخار مثل «كم»، وهي للتقليل فهي نقيضة «كم»، والشيء يجري مجرى نقيضه كما يجري مجرى نظيره 1087. انتهى.
ولو قيل: إن سيبويه قد سوّى بينها، وبين «كم» الخبرية كما تقدم.
ولا شك أن «كم» لها صدر الكلام فلتكن «رب» لشبهها بها كذلك؛ لكان قولا.
والمراد من لزوم تصديرها أنها تتصدر لزوما على ما تتعلق به؛ فيقال: رب رجل عالم لقيت، ولا يقال: لقيت رب رجل عالم، وليس المراد تصديرها أول الكلام فقد تقع هي خبرا عن شيء كما سيأتي؛ وإنما المراد أن تكون هي صدر جملتها.
-

الحديث: 2681 - الجزء: 6 - الصفحة: 3037

................................  وأما مباشرتها الضمير المجهول: فأمر معروف أيضا.
وكأن مسألة مباشرتها الضمير كالمستثناة من قوله: إن تنكير مجرورها لازم وأشار إلى قلّته بذكر «قد» في قوله: وقد تجرّ ضميرا وهذا الضمير لا يبعد عن النكرة؛ لأنه ضمير مجهول ومفسره نكرة؛ ولذلك علل ابن عصفور دخولها على ضمير النكرة بأن قال: وذلك أن ضمير النكرة من طريق المعنى نكرة؛ لأن الضمير هو الظاهر في المعنى، وإنما يكون ضمير النكرة محكوما له بحكم المعرفة من طريق نيابته مناب ما عرف بالألف واللام إذا عاد على متقدم؛ لأنك إذا قلت: لقيت رجلا فضربته؛ أغنى عن أن تقول: فضربت الرجل المتقدم الذكر، فلما ناب مناب اسم فيه الألف واللام حكم له بحكم المعرفة لذلك، فلما كان الضمير في باب «رب» مفسرا بالنكرة بعده كان نكرة من كل وجه؛ لأنه إذ ذاك لا ينوب مناب اسم معرف بالألف واللام 1088. انتهى.
ودل كلامه على أنه لا يحكم على ضمير نكرة بأنه نكرة على الإطلاق، بل يفصل القول في ذلك كما رأيت.
وقال في شرح الإيضاح - مشيرا إلى كلام أبي علي -: هذا الذي ذكره من أن الضمير في قولك: ربه رجالا، وأمثاله معرفة إلا أنه أجري مجرى النكرة في دخول رب عليه لمّا أشبهه في أنه غير معين ولا مقصود قصده - هو مذهب كثير من النحويين.
والصحيح عندي: أن ضمير النكرة معرفة إذا فسّرته نكرة متقدمة عليه وإذا فسّرته نكرة متأخرة عنه، فإنه إن كان واقعا موقع ظاهر معرفة؛ فهو معرفة، وإن كان واقعا موقع ظاهر نكرة؛ فهو نكرة، والدليل على ذلك أن ضمير الغيبة العائد على ما قبله نائب مناب تكرار الظاهر.
فإذا قلت: زيد ضربت؛ فالأصل: زيد ضربت زيدا؛ إلا أنهم كرهوا التكرار؛ فأنابوا الضمير مناب الظاهر، فعلى هذا قولك: لقيت رجلا فضربته؛ أصله: لقيت رجلا فضربت الرجل؛ لأن النكرة إذا أعيدت فإنما تعاد بالألف واللام؛ إشعارا بأن المراد النكرة المعهودة في الذكر لا غيرها، إلا أنهم فرّوا من التّكرار؛ فوضعوا الضمير موضع الاسم الداخل عليه الألف واللام.
فكما أن الاسم المباشر بالألف واللام معرفة كذلك الضمير القائم مقامه.
وأما ضمير الغيبة العائد على ما بعده فقد يضعه العرب [4/ 30] موضع ظاهر معرفة؛ -

الجزء: 6 - الصفحة: 3038

................................  فيكون إذ ذاك معرفة؛ لوقوعه موقع معرفة وذلك نحو: نعم رجلا زيد؛ فالضمير المستتر في «نعم» واقع موقع ظاهر معرفة؛ لأن فاعل «نعم» إذا كان ظاهرا فبابه أن يكون معرفا بالألف واللام أو مضافا إلى ما هي فيه فالضمير في «نعم» نائب عن الظاهر معرفة يراد به الجنس، وكأنك قلت: نعم الجنس، ثم فسرت الجنس الذي أردت بقولك: رجلا، وقد تضعه العرب موضع نكرة؛ فيكون إذ ذاك نكرة؛ لوقوعه موقع نكرة وذلك نحو: ربّه رجلا، فالضمير مع «رب» واقع موقع ظاهر نكرة لأن المخفوض بـ «رب» إذا كان اسما ظاهرا لا يكون إلا نكرة فالضمير المخفوض بـ «رب» إذا نائب عن ظاهر نكرة، وكأنك قلت: ربّ شيء، ثم فسرت الشيء الذي أردت بقولك: رجلا 1089. انتهى.
وكلامه يعطي التفرقة بين الضميرين - أعني المجرور بـ «رب» والمرفوع بـ «نعم» فإنه حكم على المجرور بـ «رب» بأنه نكرة وعلى المرفوع بـ «نعم» بأنه معرفة وكلام غيره يعطي التسوية بين الضميرين وهو الظاهر فإن كلّا منهما ضمير مجهول مفسر بما بعده.
وقول ابن عصفور: إن المرفوع بـ «نعم» واقع موقع ظاهر معرفة قد لا يسلم، بل يقال: فاعل «نعم» قسمان: اسم معرف بالألف واللام، أو ضمير مفسر بنكرة؛ فليس الضمير نائبا عن المعرف باللام بل هو قسيمه، ولو قال: إن الضمير المذكور معرفة من جهة أن «زيدا» ذكر بعده وهو المخصوص بالمدح؛ فتبين بذلك أن المراد بالضمير هو «زيد»، وإذا كان المراد بالضمير هو «زيد» اتجه أن يحكم على ذلك الضمير بأنه معرفة لكان أقرب على أن في هذا نظرا أيضا.
وقد أطال ابن عصفور الكلام في هذه المسألة، والذي ذكره في باب «كان» أخلص مما ذكره هنا، وهو أنه قال 1090: إن ضمير النكرة يعامل في باب الإخبار معاملة النكرة.
وذلك أن تعريفه إنما هو لفظي؛ لأنك إذا قلت: لقيت رجلا فضربته؛ علم أنك إنما تعني بالضمير: الرجل المتقدم الذكر، وأن الملقي هو المضروب، وأما أن يعلم من هو في نفسه فلا.
فلما علم من يعني به كان معرفة من هذا الطريق، وأيضا فإنه ينوب مناب تكرار الظاهر، والظاهر إذا كرر كان بالألف واللام فلمّا ناب مناب معرفة بالألف واللام كان هو معرفة، ثم قال بعد هذا: فإذا -

الجزء: 6 - الصفحة: 3039

................................  ثبت أن تعريفه لفظي والإخبار عن النكرة كما تقدم في باب الابتداء إنما امتنع من طريق معناها لا من طريق لفظها جرى ضمير النكرة مجرى النكرة. هذا كلامه وتبين منه: أن ضمير النكرة على الإطلاق نكرة، وأنه إذا قيل فيه: إنه معرفة فإنما القصد بذلك التعريف لفظا لا أنه معرفة حقيقة. فإن قيل: قول المصنف: وقد تجر ضميرا بعد قوله: إنه يلزم تنكير مجرورها، يقتضي أن الضمير الذي باشرته محكوم بتعريفه. فالجواب: أن «ربّ» في الغالب إنما تجر الأسماء الظاهرة وجرها المضمر قليل؛ فيمكن أن يقال: إن ضميرا في كلام المصنف إنما قابل به الظاهر المفهوم من قوله: وتنكير مجرورها فإن الذي يوصف بالتنكير بطريق الأصالة إنما هي الأسماء الظاهرة، ولم يكن قوله: وقد تجر ضميرا مقابلا لتنكير المجرور من حيث هو منكر. وأما مسألة أن يعطف على مجرور «رب» مضاف إلى ضمير: فهو بالحقيقة فرع قولنا: ربه رجلا؛ لأنه قد ثبت أن الضمير في «ربه» نكرة لكونه مجهولا مفسرا بنكرة، ولا شك أن الضمير في: «وأخيه» من: رب رجل وأخيه؛ ضمير نكرة فهو نكرة أيضا فلم تخرج «رب» عن كونها داخلة على نكرة. فإن قيل: إذا كان كذلك؛ فلا حاجة إلى التنصيص على هذه المسألة؛ لأن «رب» فيها باقية على أصلها من مباشرة ما هو نكرة. فالجواب: أنه إنما ذكر ذلك؛ لئلا يتوهم أن «رب» مختصة بمباشرة هذين الشيئين فقط - أعني الاسم الظاهر النكرة والضمير المجهول المفسر بما بعده - فذكر ذلك تنبيها على أن أمرا ثالثا يكون من مدخولها وهو الاسم المضاف إلى ضمير اسم نكرة وإنما جعل نحو: «وأخيه» - من: رب رجل وأخيه - من مدخولها؛ لأنه معطوف على «رجل»، و «رب» داخلة عليه، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه. وأما حكم «ما» اللاحقة لها: فقد تقدم لك عند الكلام على الكاف قول المصنف: إن «ما» تزاد بعد «رب» كافة وغير كافة، وعرف منه أن الكاف قسم من الزائدة. ولكن ابن أبي الربيع جعل الكاف قسيمة الزائدة، فإذا وقع بعد «ربما» ما يقع بعد «ربّ» أعني أن يجر الاسم بعد «ربما» كما يجر بعد «رب» فـ «ما» زائدة كقوله: 2682 - ربّما ضربة بسيف صقيل... [بين بصرى وطعنة نجلاء] 1091

الحديث: 2682 - الجزء: 6 - الصفحة: 3040

................................  وإذا لم يجر الاسم بعد «ربما» بل وقع بعدها الجملة فـ «ما» كافة.
ولا بأس بما قاله.
قال: ولا تجد من حروف الجر ما كفّ عن مجرور، إلا «ربّ»، وكاف التشبيه على أحد الوجهين في قولك: كن كما أنت.
قال: وأكثر ما يكون الكف في الحروف الداخلة على الجمل المؤثرة فيها نحو: إن زيدا قائم، وليت عمرا خارج، وما زيد قائما، فإذا دخلت على «إن» وأخواتها «ما» كفتها عن العمل وكذلك «ما» إذا وقعت بعدها «إن» كفتها عن العمل 1092. انتهى.
وما ذكره ابن هشام الخضراوي عن بعضهم أن «ما» في «ربما» بمنزلة «ما» في التعجب [4/ 31] لكنها موصوفة كقولهم: مررت بما عجب لك.
وما نقله عن أبي علي أن بعضهم جعل «ما» في قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ 1093، وقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ 1094 اسما بمنزلتها في التعجب وما بعدها بدل 1095؛ لا معول عليه.
وأما ما حكاه - أعني الخضراوي - أيضا عن ابن يسعون أنه حكم على «ما» في قوله: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا 1096 أنها نكرة موصوفة أي: رب ودّ يوده الذين كفروا 1097؛ فقد رده هو عليه بأنه باطل.
قال: لأن «لو» تحتاج على هذا التقدير إلى جواب، ولا يكون إلا من جنس ما قبلها.
ولا يصح هنا، وإنما هي بمنزلة أن معمولة لما قبلها كقوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ 1098، و [يَوْمَئِذٍ] يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [وَعَصَوُا الرَّسُولَ] لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ 1099، وكذا: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ 1100. وأما ما يليها من الجمل - أعني «ربّما» إذا كانت «ما» كافة - فقد تقدم ذكرها عن المغاربة أنهم كالمطبقين على أن «ربما» لا تليها الجمل الاسمية وأن هذا هو مذهب سيبويه؛ لقوله عند ذكر الحروف التي لا يليها إلا الفعل، ومن تلك الحروف - - الأشموني (2/ 231)، والمغني (ص 146)، والهمع (2/ 38). هذا، والبيت لعدي بن الرعلاء الغساني.

الجزء: 6 - الصفحة: 3041

................................  «ربما» جعلوا «رب» مع «ما» بمنزلة كلمة واحدة وهيئوها ليذكروا بعدها الفعل؛ لأنهم لم يكن لهم سبيل إلى «رب يقول»؛ فألحقوها وأخلصوها للفعل 1101. ومن ثم قال الخضراوي: «ربّما» عند سيبويه حرف يدخل على الفعل ويختص به.
ولا يدخل على الجمل الابتدائية 1102. وقال ابن أبي الربيع عند ذكر مباشرة «ما» لـ «ربّ» وأنها قد تكون زائدة وكافة: وأما إذا كانت «ما» كافة فإنها تصير حينئذ من الحروف الطالبة للجمل الفعلية؛ فلا يقع بعدها إلا الفعل ولا يكون الفعل إلا ماضيا، ولا يكون إلا ظاهرا ولا يكون إلا مقدما؛ فتقول: ربما قام زيد، وربما ضربت عمرا، ولا تقول: ربما عمرا ضربته؛ إلا أن يأتي في الشعر فيقتصر على موضعه.
ثم قال: إلا أن العرب تدخلها على المضارع فيصير ماضيا ثم إنه استطرد إلى ذكر الآية الشريفة وهي قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا 1103، وذكر فيها ما ذكره غيره من التقدير 1104، وهو أن ذلك لمّا كان أمرا مقطوعا بوقوعه أخبر عنه مع كونه مستقبلا بما يخبر به عن الماضي كما قال تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ 1105 ووَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ 1106 قال: فكان الأصل قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا: ربما ودّ الذين كفروا، إلا أن العرب تحكي الماضي فيصير كأنه حال واقع فيخبر عنه إخبار الحال ومن هذا قوله تعالى: فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ 1107، والإشارة لا تكون إلا لحاضر، فأشار إليها سبحانه على تقدير وجودها 1108. انتهى.
ومن جهة أن «ربما» لا يليها إلا الجمل الفعلية احتاج أبو علي في قول الشاعر: 2683 - ربّما الجامل المؤبل فيهم إلى أن جعل «ما» نكرة موصوفة وجعل «الجامل» خبر مبتدأ محذوف والجملة الاسمية هي التي وصفت «ما» بها كما تقدم تقرير ذلك.
وقد علمت أن المصنف يخالف ذلك، فيرى أن «ربما» يليها الجملة الاسمية كما تليها الجملة الفعلية؛ لأنه لم يكن في كلامه تعرض لما ذكره الجماعة من اختصاص «ربما» بالجمل الفعلية، -

الحديث: 2683 - الجزء: 6 - الصفحة: 3042

................................  ولهذا صرح بخلاف أبي علي في المسألة حيث لم يجعل «ما» نكرة موصوفة في البيت المذكور بل جعلها كافة.
وأما عملها محذوفة فتذكر في الفصل الذي ختم به المصنف هذا الباب - أعني باب حروف الجر - إن شاء الله تعالى.
وأما ما تتعلق به، وما هو موضعها مع مجرورها من الإعراب؛ فقد ذكرنا أن المصنف لم يتعرض لذكره.
وسبب عدم تعرضه لذلك أن حكم «رب» عنده حكم حروف الجر فكما أن «بزيد» من قولك: مررت بزيد - مثلا - تتعلق بـ «مررت» هكذا: «رب رجل» من قولك: رب رجل لقيت تتعلق بـ «لقيت».
والظاهر أنه يعلق: «رب رجل» من قولك: رب رجل أتاني بـ «أتاني»، فالحكم عنده واحد في جميع الصور.
هذا هو الظاهر؛ لسكوته عن ذكر ما تتعلق به.
وأما الجماعة فإنهم ذكروا ذلك.
فأما ابن عصفور فإنه قال في شرح الجمل 1109: وينبغي أن يعلم أن الاسم المخفوض بـ «رب» هو معها بمنزلة اسم واحد يحكم على موضعها بالإعراب، فإن كان العامل الذي بعدها رافعا كانت في موضع رفع على الابتداء نحو قولك: رب رجل عالم قام؛ فلفظ «رجل» مخفوض بـ «رب» وموضعه مع «رب» رفع على الابتداء وإن كان العامل الذي بعدها متعديا ولم يأخذ معموله كان الاسم الذي بعد «رب» في موضع نصب ويكون لفظه مخفوضا نحو قولك: رب رجل عالم لقيت، وإن أخذ المتعدي معموله جاز الحكم على موضع الاسم بعد «رب» بالرفع والنصب، ويكون لفظه مخفوضا نحو: رب رجل عالم لقيته؛ لأن «رب» كأنها زائدة في الاسم فكأنك قلت: رب رجل عالم لقيته؛ فكما يجوز في «رجل» في هذه المسألة أن يرفع وينصب كذلك يجوز في الاسم الواقع بعد «رب» أن يحكم عليه بذلك.
والدليل على أن «رب» بمنزلة حرف زائد على الاسم أنها لو لم تكن كذلك لما جاز: رب رجل عالم ضربته؛ لأنك لو جعلت «رب رجل» متعلقا بـ «ضربت» لكنت قد عديت الفعل إلى الاسم وإلى [4/ 32] ضميره وذلك لا يجوز.
ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: زيدا ضربته؛ على أن يكون «زيدا» منصوبا بـ «ضربت» هذه الملفوظ بها؟ ولو جعلته متعلقا بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر وتكون المسألة من -

الجزء: 6 - الصفحة: 3043

................................  باب الاشتغال لم يجز؛ لأنه لا يجوز في الاشتغال إضمار الفعل وإبقاء الاسم مجرورا لا يجوز أن تقول: بزيد مررت به؛ بل تقول: زيدا مررت به؛ فدل ذلك على أن «رب» كأنها زائدة وكأنك قلت: رب رجل عالم لقيته، أو رجلا عالما لقيته؛ على حسب ما تنوي.
وكذلك يجوز أن تقول: رب رجل عالم وغلام ضربته؛ بالخفض على اللفظ، وبالرفع وبالنصب على الموضع على حسب ما تنوي، ويجوز أن تقول: رب رجل عالم وغلام ضربت؛ بالنصب، والخفض؛ فالخفض على اللفظ، والنصب على الموضع؛ لأنك لو أسقطت «رب» كان الكلام منصوبا، قال امرؤ القيس: 2684 - وسنّ كسنّيق سناء وسنّما... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض 1110 بنصب «سنم» عطفا على موضع «سن» المخفوض بواو «رب»؛ لأن الواو لو لم تدخل عليه كان الاسم منصوبا بـ «ذعرت» ويجوز الخفض في «سنم» على اللفظ 1111. وقال في شرح الإيضاح 1112: اختلفوا في موضع «رب» مع الاسم المجرور بها فمذهب الزجاج، ومن وافقه أنها وما عملت فيه في موضع نصب أبدا تقول: رب رجل قد ضربت، ورب رجل قد أتاني؛ فهي في موضع نصب بـ «ضربت»، وب «أتاني» إلا إن قدّرت «ضربت» و «أتاني» في موضع الصفة لـ «رجل»، فتكون «ربّ» وما عملت فيه في موضع نصب بعامل مضمر.
ومذهب الأخفش، والجرمي ومن تبعهما 1113 أن «رب» تزاد في الإعراب ويحكم على موضع مخفوضها بالرفع، أو بالنصب، أو بهما؛ ففي نحو: ربّ رجل عالم أتاني؛ يحكم على الاسم المجرور بأنه في موضع رفع بالابتداء، وفي نحو: ربّ رجل عالم لقيت؛ يحكم بأنه في موضع نصب بـ «لقيت» وكأنك قلت في الأول: فلان أتاني، وفي الثاني: فلانا لقيت، وفي نحو: رب رجل عالم لقيته، أو مررت به؛ يجوز في الاسم المجرور أن يكون في موضع رفع، بالابتداء وأن يكون في موضع نصب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده وكونه في موضع رفع بالابتداء أولى كما هو -

الحديث: 2684 - الجزء: 6 - الصفحة: 3044

................................  معروف في نحو: زيد لقيته، وزيد مررت به.
وتبين اعتبار الموضع بالعطف فيقال: رب رجل عالم وأخوه أتياني؛ بالرفع، ورب رجل عالم وأخاه لقيت؛ بالنصب، ورب رجل عالم وأخوه وأخاه لقيتهما، ورب رجل عالم وأخوه وأخاه مررت بهما؛ بالرفع والنصب، والاختيار الرفع كما عرفت، والخفض على اللفظ جائز في جميع الصور التي ذكرت.
قال: والصحيح عندي ما ذهب إليه الأخفش؛ لأن جعل «رب» غير زائدة في الإعراب يؤدي إلى أشياء لا تجوز في كلام العرب.
منها: أن يكون الفعل المتعدي إلى مفعوله بنفسه لا يصل إليه إلا بوساطة «رب» وذلك نحو قولك في جواب من قال: ما لقيت رجلا عالما: رب رجل عالم لقيت؛ إذ لو لم تجعل «رب» زائدة في الإعراب لكان «لقي» متعديا بواسطتها والفعل المتعدي بنفسه لا يحتاج في وصوله إلى مفعوله إلى واسطة حرف جر.
واعتذر الرماني عن ذلك بأن قال 1114: «رب» دخلت على معمول الفعل كما دخل الجار في قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ 1115 إلا أن اللام دخلت على معمول تَعْبُرُونَ على سبيل الجواز لما كان تقديمه وتأخيره سائغين.
ولما وجب في الفضلة المجرورة بـ «رب» التقديم على الفعل وجب دخول «رب» عليها؛ لأنه ليس بعد الجواز إلا الوجوب.
وهذا الذي اعتذر به ليس لشيء؛ لأن العامل إذا تقدم معموله عليه لم يقوّ في وصوله إليه إلا باللام خاصة، وأيضا فإن المفعول إذا لزم تقديمه على العامل لم يلزم أن يقوّى في وصوله بحرف الجر؛ إذ لك أن تقول: لأي رجل ضربت؛ قدّم اللام على المفعول وإن شئت أسقطتها، فتقول: أي رجل ضربت.
ومنها: أنك تقول في جواب من قال: ما لقيت رجلا عالما، وما مررت برجل عالم: رب رجل عالم لقيته، ورب رجل عالم مررت به، ولولا أن «رب» زائدة في الإعراب لم يسغ ذلك؛ لأن الفعل لا يتعدى إلى اسم بحرف جر ويتعدى مع ذلك إلى ضمير بنفسه أو بحرف جر لا تقول: بزيد لقيته، ولا: بزيد مررت به، وإن جاء ما ظاهره ذلك يؤول كقوله: -

الجزء: 6 - الصفحة: 3045

................................  2685 - هذا سراقة للقرآن يدرسه... [والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب] 1116 فالضمير المتصل بـ «يدرس» عند النحويين عائد على الدرس المفهوم من «يدرس»، ولا على «القرآن»، وكأنه قال: للقرآن يدرس الدرس، ونحو قراءة من قرأ (وللظالمين أعد لهم عذابا أليما) 1117. فـ «للظالمين» متعلق بفعل مضمر يفسره ما بعده والتقدير: وأعد للظالمين أعد لهم عذابا أليما، وهو مع ذلك قليل.
ومنها: أنك تقول في جواب من قال: ما يقول ذلك رجل عالم: رب رجل عالم يقول ذلك، ولولا أن «رب» زائدة في الإعراب والاسم المجرور بها في موضع رفع بالابتداء لم يسغ ذلك؛ لأن فاعل «يقول» ضمير عائد على «رجل» فلو لم يكن «رب رجل» في موضع رفع بالابتداء بل مجرورا متعلقا بـ «يقول» للزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره، وذلك لا يسوغ في باب من الأبواب ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول: بزيد فرح، تريد أن زيدا فرح بنفسه.
ومنها: أنك تقول في جواب من قال [4/ 33]: ليس في الدار رجل عالم: رجل عالم في الدار، ولولا أن «رب» زائدة في الإعراب والاسم المجرور بها في موضع رفع بالابتداء والمجرور الذي هو «في الدار» في موضع خبره لما ساغ ذلك؛ إذ المجرور الذي حرف الجر فيه غير زائد لا يجوز الابتداء به، لا يجوز أن تقول: برجل عاقل في الدار؛ والسبب الذي لأجله امتنعت «رب» من أن يصل بها عامل إلى معموله ما ذكره (ابن عمر) 1118 من أنها ضارعت حرف النفي وحرف النفي لا يصل به عامل، وقد تبين في ما تقدم ذكر مضارعتها بالحرف النفي.
فإن قيل: كيف تجعل «رب» زائدة، والزائد هو الذي يجوز إسقاطه في الكلام فلا يتغير المعنى؟ فالجواب: أن الزائد قسمان: زائد في اللفظ والمعنى؛ وهذا النوع هو الذي إذا أسقط (من) 1119 الكلام لم -

الحديث: 2685 - الجزء: 6 - الصفحة: 3046

................................  يتغير المعنى، وذلك نحو قولك: ليس زيد بقائم، وما جاءني من أحد.
وزائد في الإعراب، لا في المعنى؛ فهذا النوع هو الذي إن أسقط من الكلام غيّر المعنى، وذلك نحو قولك: جئت بلا زاد، وغضبت من لا شيء؛ فـ «رب» من هذا القبيل، ألا ترى أنها زائدة في الإعراب، وأعني بذلك أنها لا يطلبها عامل على أن يصل إلى معموله بها بل تطلب الاسم الذي بعدها فتعمل في موضعه، ولا يعتد بها فاصلة بينه وبينه كما لا يعتد بـ «لا» النافية فاصلة بين الخافض والمخفوض.
ونظيرها في ذلك «لولا» مع المضمر و «لعلّ» في لغة من جر بها في أنهما لا يصل بهما عامل إلى معموله وأنك إذا قلت: لعل زيد قائم، ولولاي لجاء زيد؛ كان «قائم» خبرا عن «زيد»، وحاضر المضمر بعد «لولا» خبرا عن الضمير، ولم يصل بـ «لعل» و «لولا» عامل إلى معموله كما أنك إذا قلت: رب رجل عالم في الدار؛ كان المجرور الذي هو «في الدار» خبرا عن «رجل» ولم يصل بـ «رب» عامل إلى معموله.
فإن قيل: النحويون يقولون: إن «رب رجل» من قولنا: رب رجل عالم لقيت؛ متعلق بـ «لقيت»، ولم يقل أحد بذلك في «لولا» من قولك: لولاي لجاء زيد، ولا في «لعل» من قولك: لعل زيد قائم؛ فالجواب: أن المجرور بـ «لولا» و «لعل» لا يكون أبدا إلا في موضع لا يتعلق فيه بعامل.
وأما المجرور بـ «رب» فقد يكون في موضع مفعول وذلك في قولك: رب رجل عالم لقيت، وأشباهه.
ألا ترى أن المجرور بـ «رب» تعلقه بعامل ليس على أنه لا يكون معمولا له إلا بوساطة حرف الجر، فإن قال قائل: قول سيبويه في قولك: رب رجل يقول ذلك: إنك قد أضفت القول إلى الرجل بـ «رب» يعطي أن «يقول» تعدّى إلى الرجل بوساطة «رب».
فالجواب: أن حرف الجر لا يلزم فيه أن تضيف عاملا إلى معمول، بل قد تضيف الخبر إلى المخبر عنه.
وإن لم يكن عاملا فيه فـ «ربّ» هي التي أضافت الفعل إلى الرجل على معنى التقليل، ولولاها لم يكن مضافا إليه على معنى القلة، كما أنك إذا قلت: لعل زيد قائم؛ كانت «لعل» مضيفة القيام إلى «زيد» على جهة الترجي؛ إذ لولا «لعل» لم يكن مضافا إليه على ذلك المعنى، وحروف الجر غير الزائدة متعلقة كانت بعامل أو غير متعلقة به إنما معناها الإضافة.
فإن كانت متعلقة أضافت العامل إلى المعمول، وإن كانت غير متعلقة أضافت المبتدأ -

الجزء: 6 - الصفحة: 3047

................................  إلى المخفوض بها على المعنى الذي لها.
انتهى كلام ابن عصفور 1120. وقد اشتمل على مباحث حسنة، غير أن: في جعله «رب» في الزيادة نظيرة «لا» من قولهم: جئت بلا زاد - نظرا؛ وذلك أن الحكم بزيادة «لا» في مثل: جئت بلا زاد، الموجب له تخطي العامل إياها بعمله في ما بعدها وليس مثل ذلك موجودا في «ربّ».
وأما ما ذكره من أن: «ربّ» لو لم تكن زائدة في الإعراب لكان يلزم أن يكون الفعل المتعدي الى مفعوله بنفسه لا يصل إليه إلا بوساطة «ربّ» في نحو قولنا: رب رجل عالم لقيته؛ فيمكن أن يجاب عنه بما تقدم، وهو: أن حرف الجر هنا لم يجلب للتعدي وإنما جلب لما يعطي من المعنى.
وبعد: فكلامه في شرح الإيضاح يقتضي الحكم عليها بالزيادة، وكلامه في شرح الجمل يقتضي أن حكمها حكم الحرف الزائد.
ولعل هذا القول أقرب.
وأما ابن أبي الربيع فإنه قال: ذهب أكثر النحويين إلى أن «رب» لا بد لها من فعل تتعلق به.
وسمعت لبعض المتأخرين كلاما يقتضي أن «لا» تحتاج إلى متعلق؛ وذلك أنه قال: إذا قلت: رب رجل عالم قد لقيته؛ فـ «رب» هنا حرف دخل على المبتدأ وخفضه وهو بمنزلة «بحسبك زيد» الأصل: حسبك زيد؛ فدخل حرف الجر فانخفض المبتدأ فكما أن المجرور هنا لا يحتاج إلى متعلق فكذلك: رب رجل عالم لا يحتاج إلى متعلق 1121. وهذا الذي قاله لا يثبت ولا يوجد له نظير؛ لأن حرف الجر هنا زائد، وحرف الجر إذا كان زائدا فلا يلزم أن يتعلق بشيء إنما يكون بحسب ما يدخل عليه.
فإن دخل على المفعول طلب أن يتعلق بفعل؛ لأن المفعول طالب له، وإن دخل على المبتدأ أو خبره أو على خبر «ليس»، أو خبر «ما» لم يطلب ما يتعلق به، ولا يمكنك أن تجعل «رب» هنا زائدة؛ لأنها تحرز معنى، والزائد لا يحرز معنى، وإنما هو مؤكد؛ لأن كل حرف خافض لا يكون إلا موصلا، وإنما خفض إذا كان زائدا ليبقى عليه عمله الذي أنس به.
وما أدته العرب للتوكيد، وليس له أصل فلا يكون خافضا؛ لأنه ليس موصلا، و «رب» خافضة فلا بد أن تكون موصلة أو منقولة منها إن جعلتها زائدة.
-

الجزء: 6 - الصفحة: 3048

................................  فقد صح ما ذكرته أنها لا بد (لها) 1122 من فعل تتعلق به [4/ 34] ولا بد أن يكون ظاهرا، أو محذوفا، وإذا كان محذوفا كان على وجهين: أحدهما: أن يكون قد ناب منابه شيء فلا يظهر.
الثاني: أن لا يكون قد ناب منابه شيء؛ فيجوز أن يظهر وأن لا يظهر، ويكون ظاهرا إذا لم يكن معك ما يدل عليه، وإذا كان معك ما يدل عليه ولم تكن الصفة تقوم مقامه؛ فأنت بالخيار: إن شئت حذفته، وإن شئت أظهرته، وإذا كانت الصفة تقوم مقامه فلا يجوز إظهار الفعل.
فمثال ما أنت فيه بالخيار أن تسمع إنسانا يقول لك: ما لقيت رجلا عالما؛ فتقول له: رب رجل عالم لقيت، ولك أن لا تذكر «لقيت» فتقول: رب رجل عالم، وتكتفي بكونه جوابا فإن كان ذلك منك ابتداء فلا بد من إظهار الفعل، وأكثر ما تكون جوابا، وإذا كانت غير جواب فهي على تقدير ذلك 1123 إلا أن الفعل يظهر؛ لأن سامعك لا يعلم ذلك الفعل إذا حذفته.
ومثال ما يكون الفعل فيه لا يظهر لأن الصفة تقوم مقامه قولك: رب رجل يفهم هذه المسألة؛ لمن يقول لك: قد فهمتها، فالتقدير: رب رجل يفهم هذه المسألة (وجدت لكن مثل) 1124 هذا لا يظهر، وبهذا كان الأستاذ أبو علي (يتأول) 1125 كلام سيبويه لأنه قال: «رب» وصلت «يفهم» إلى «رجل»، أو ما هذا معناه فكان يقول: إن يفهم لا يصح أن يكون إلا صفة لـ «رجل»؛ لأن فعل المضمر لا يتعدى إلى ظاهره.
ألا ترى أنك لا تقول: بزيد افتخر؛ تريد: بنفسه افتخر زيد؛ لأن فاعل «افتخر» ضمير يعود إلى «زيد» فكذلك فاعل «يفهم» ضمير يعود إلى «رجل» فكيف يتعدى إلى رجل بحرف جر؟ فلا بد له من متعلق محذوف إلا أنه لا يظهر، ونابت الصفة منابه، فلما كان كذلك قال سيبويه 1126 رحمه الله تعالى: إن «رب» -

الجزء: 6 - الصفحة: 3049

................................  وصلت «يفهم» إلى «رجل» وإن كانت إنما وصلت «وجدت» ونابت «يفهم» منابه، ولما كان قولك: رب رجل يفهم؛ بمنزلة: أقل رجل يفهم، وتنزّل منزلته؛ صار بمنزلة المبتدأ والخبر، وصارت «رب رجل» مبتدأ و «يفهم» خبره، ولذلك أجراه بعض المتأخرين مجرى «بحسبك زيد»، وهذا إنما يجري فيها في بعض وجوهها، وأما الأصل فما ذكرته أولا.
ومن هذا - والله تعالى أعلم - قول امرئ القيس: 2686 - فيا ربّ مكروب كررت وراءه... وعان فككت الغلّ عنه ففدّاني 1127 فإنك لا تقدر أن تعلق «رب مكروب» بـ «كررت»، ولا تقدر أن تقدّر محذوفا يتعلق به فيجري مجرى ما ذكرته 1128. انتهى كلامه.
وأما الشيخ فإنه مقتف كلام هذين الرجلين، ولم يظهر لي ما الذي هو مختاره في المسألة المذكورة؛ فإنه قال: وفي قول المصنف: ولا مضيّ ما تتعلق به نصّ على أنها تتعلق كحروف الجر غير الزوائد 1129 قال: وهذا مسألة اختلاف [فيها] 1130. ذهب الرماني 1131، وابن طاهر إلى أنها لا تتعلق بشيء، وحكاه شيخنا ابن أبي الربيع عن بعض المتأخرين 1132، وذهب الجمهور إلى أنها تتعلق، واختلفوا [في موضع المجرور بها]؛ فذهب الزجاج 1133 إلى أن مجرورها في موضع نصب أبدا، وذهب الجرمي 1134، والأخفش إلى أنها تزاد في الإعراب ويحكم على موضع مجرورها بالنصب والرفع على حسب العوامل بعدها ويجوز [فيه] الاشتغال إذا كان العامل قد عمل في ضميره، أو سببيه نصبا، ويعطف على لفظه وعلى موضعه 1135. وذكر حذف الفعل الواقع بعد «ربّ» فقال: وحذف الفعل الذي يكون خبرا لمجرور «رب»، أو عاملا في موضعه، أو مفسرا لعامل نادر وفاقا لسيبويه 1136 والخليل، لا كثير خلافا للفارسي 1137، والجزولي 1138، ولا ممنوع خلافا للكذة -

الحديث: 2686 - الجزء: 6 - الصفحة: 3050

[لولا.. حكم الجر بها]

قال ابن مالك: (فصل: قد يلي عند غير المبرّد «لولا» الامتناعيّة الضّمير الموضوع للنّصب والجرّ مجرور الموضع عند سيبويه مرفوعه عند الأخفش، والكوفيّين).
الأصبهاني 1139؛ إذ زعم أن ذكره واجب 1140، ثم ذكر كلام ابن أبي الربيع المقدم آنفا المشتمل على الذكر والحذف، ثم قال: فصارت المذاهب في الفعل المقدر عاملا في «ربّ» بالنسبة إلى الحذف خمسة: الندور: وهو مذهب سيبويه، والخليل، والكثرة: وهو مذهب الفارسي، والمنع: وهو مذهب لكذة، ولزوم الحذف: نقله صاحب البسيط 1141، قال: لأنه معلوم كما حذف في باسم، وتالله لأفعلن، والتفصيل: وهو ما ذهب إليه ابن أبي الربيع 1142. انتهى.
وأقول: هذا الذي ذكرته، وأوردته من الكلام على «ربّ» هو الذي وصلت القدرة إليه.
ولا شك أن بعض المسائل، وبعض المباحث المتقدمة لم تنجل عند النفس انجلاء خالصا.
فسبحان من يعلم حقائق الأمور وخفاياها، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1143: إذا ولي «لولا» الامتناعية مضمر فالمشهور كونه أحد المضمرات المرفوعة المنفصلة؛ لأنه موضع ابتداء قال الله تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ 1144، ومن العرب من يقول: لولاي، ولولانا، إلى لولاهنّ، وزعم المبرد 1145 أن ذلك لا يوجد في كلام من يحتج بكلامه، وما زعمه مردود برواية سيبويه والكوفيين.
وأنشد سيبويه 1146 رحمه الله تعالى: 2687 - وكم موطن لولاي طحت كما هوى... بأجرامه من قنّة النيق منهوي 1147

    • أصول ابن السراج والمقدمة وغيرهما (ت 607 هـ) وانظر: الأعلام (5/ 288)، والهمع (2/ 28).

الحديث: 2687 - الجزء: 6 - الصفحة: 3051

................................  وأنشد الفرّاء 1148: 2688 - أتطمع فينا من أراق دماءنا... ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن 1149 ومذهب سيبويه في ياء «لولاي»، وكاف «لولاك» وشبههما أنها في موضع جر 1150 بـ «لولا»؛ لأن الياء وأخواتها لا يعرف وقوعه إلا في موضع نصب أو جر، والنصب في «لولاي» ممتنع؛ لأن الياء [4/ 35] لا تنصب بغير اسم إلا ومعها نون الوقاية وجوبا، أو جوازا ولا تخلو منها وجوبا إلا وهي مجرورة وياء «لولاي» خالية منها وجوبا فامتنع كونها منصوبة وتعين كونها مجرورة، وفي ذلك مع شذوذه استيفاء حقّ لـ «لولا»؛ وذلك أنها مختصة بالاسم غير مشابهة للفعل، ومقتضى ذلك أن تجر الاسم مطلقا لكن منع من ذلك شبهها بما اختص به الفعل من أدوات الشرط في ربط جملة بجملة.
وأرادوا التنبيه على موجب العمل في الأصل فجروا بها المضمر المشار إليه.
ومذهب الأخفش 1151 أن الياء وأخواتها في موضع رفع نيابة عن ضمائر الرفع المنفصلة ونظير ذلك نيابة المرفوع في: ما أنا كأنت، وشبهه.
انتهى كلام المصنف 1152. وكلام ابن عصفور موافق له.
وقد علمت في ما تقدم من كلام ابن عصفور أن «لولا» مع المضمر لا تتعلق بشيء كما أن «لعل» أيضا كذلك إذا جرت.
ومن ثم قال ابن أبي الربيع: تنزلت «لولا» مع الضمير - في لغة من يقول: لولاك، ولولاه - منزلة الباء في «بحسبك زيد»؛ ألا ترى أن «حسبك» مرفوع بالابتداء دخلت عليه الباء فعملت عملها المعهود لها، وهو الخفض، فشبهت بها «لولا»؛ لأن كل واحدة منها حرف مختص بالاسم قد دخل على المبتدأ فعملت في المبتدأ الخفض؛ لذلك قال: وهذا لم تفعله العرب إلا مع الضمير قليلا، ثم قال: ومذهب الأخفش معترض؛ -

الحديث: 2688 - الجزء: 6 - الصفحة: 3052

[لعلّ، ومتى.. هل يجر بهما]

قال ابن مالك: (ويجرّ بـ «لعلّ»، و «علّ» في لغة عقيل، وب «متى» في لغة هذيل).  لأن الضمير المخفوض لا يكون إلا متصلا، ولا يتصل الضمير إلا بعامله، و «لولا» عنده ليست بعامله، وإنما الضمير عنده مرفوع بالابتداء والابتداء عامل معنوي 1153. وقال ابن عصفور: والذي ذهب إليه الأخفش فاسد؛ لأن وقوع الضمير المتصل موقع المنفصل لا يجوز إلا في ضرورة شعر كقوله: 2689 - [وما نبالي إذا ما كنت جارتنا]... ألّا يجاورنا إلّاك ديّار 1154 يريد: إلا إياك.. فإذا كان وضع المتصل موضع المنفصل قبيحا مع أنهما من قبيل واحد أي: منصوبان؛ فبالأحرى إذا كانا من بابين مختلفين بأن يكون المتصل ضمير خفض، والمنفصل الذي وقع موقع ضمير رفع 1155. قال ناظر الجيش: قال المصنف: روى أبو زيد عن بني عقيل الجرّ بـ «لعل» (4)، وحكى الجر بها أيضا الفراء وغيره 1156، وروى في لامها الأخيرة الفتح، والكسر، وأنشد باللغتين قول الشاعر: 2690 - لعلّ الله يمكنني عليها... جهارا من زهير أو أسيد 1157 وروى الفرّاء 1158 أيضا الجرّ بـ «لعلّ»، وأنشد: 2691 - علّ صروف الدّهر أو دولاتها... يدلننا اللّمّة من لمّاتها فتستريح النّفس من زفراتها 1159

الحديث: 2689 - الجزء: 6 - الصفحة: 3053

................................  وأما «متى» فهي في لغة هذيل حرف جر بمعنى «من»، ومنه قول الشاعر: 2692 - شربن بماء المزن ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج 1160 ومن كلامهم: أخرجها متى كمه، أي: من كمه.
انتهى.
وقد أنكر بعض الناس الجرّ بـ «لعل»، ومنهم ابن عصفور وخرج قول الشاعر: 2693 - [فقلت ادع أخرى وارفع الصّوت جهرة]... لعلّ أبي المغوار منك قريب 1161 على أن «لعل» ناصبة لضمير شأن محذوف، وأن «أبي المغوار» مجرور بلام محذوفة و «قريب» صفة لمحذوف التقدير: لعل لأبي المغوار منك جواب قريب 1162. وقال: إنه ارتكب في البيت ضرورتان: حذف ضمير الشأن، والجر بحرف محذوف.
ولا يخفى ما في هذا التخريج مع بعده من التكلف.
وإذا نقل الأئمة أن الجر بـ «لعل» لغة لقوم من العرب؛ فكيف يسوغ إنكار ذلك، وقد رواه أبو زيد عن بني عقيل، وكذلك رواه الفراء أيضا كما ذكر المصنف؟! وقال الشيخ: والصحيح ثبوت ذلك لغة وحكاها الأخفش والفراء 1163، ثم إن الشيخ ذكر 1164 احتمالا في ما استدل به على الجر بـ «متى»، وذلك بأن يكون «متى» في البيت الذي أنشده المصنف، وفي قول الآخر: 2694 - متى ما تعرفونا تنكرونا... متى أقطارها علق مصب طرفا 1165 بمعنى «وسط» فتبقى على ما استقر فيها من الظرفية وإن لم تكن شرطا، ولا استفهاما.
وأقول: ما المحوج إلى هذا التخريج البعيد المتكلف بعد أن ثبت أن ذلك لغة بنقل الأئمة المعتبرين؟!

الحديث: 2692 - الجزء: 6 - الصفحة: 3054

مواضع الجر بحرف محذوف، أحكامه، حكم الفصل بين الجار والمجرور

قال ابن مالك: (فصل في الجرّ بحرف محذوف.
يجرّ بـ «ربّ» محذوفة بعد الفاء كثيرا، وبعد الواو أكثر، وبعد «بل» قليلا، ومع التجرد أقلّ، وليس الجرّ بالفاء و «بل» باتّفاق، ولا بالواو خلافا للمبرّد، ومن وافقه، ويجرّ بغير «ربّ» أيضا محذوفا في جواب ما تضمّن مثله، أو في معطوف على ما تضمنه بحرف متّصل أو منفصل بـ «لا» أو «لو»، (أو) 1166 في مقرون بعد ما تضمنه بالهمزة، أو «هلّا»، أو «إن»، أو الفاء الجزائيتين.
ويقاس على جميعها خلافا للفراء في جواب [نحو]: بمن مررت؟ وقد يجر بغير ما ذكر محذوفا.
ولا يقاس منه إلّا على ما ذكر في باب «كم» و «كان» و «لا» المشبهة بـ «إنّ»، وما يذكر في باب القسم، وقد يفصل في الضّرورة بين حرف جرّ ومجرور بظرف أو جارّ ومجرور وندر في النّثر الفصل بالقسم بين حرف الجرّ والمجرور، والمضاف والمضاف إليه).
قال ناظر الجيش: اعلم أن الذي أشار إليه المصنف في هذا الفصل من جواز حذف حرف الجر وبقاء عمله مخالف لما يراه المغاربة؛ وذلك أنهم لا يجوزون الجر بحرف محذوف غير «رب» إلا إذا عوض عن ذلك الحرف غيره، وذلك إنما هو في باب «كم»، وباب القسم، والجر بحرف محذوف غير «ربّ» في غير هذين [4/ 36] البابين معدود عندهم من النادر الشاذ؛ فلا يقاس عليه.
أما المصنف فإنه يرى أن الجر بحرف محذوف غير «رب» جائز مقيس في غير هذين البايين كما هو جائز فيهما ولكن إنما يجوز ذلك في مواضع خاصة، والمواضع التي تضمنها كلامه سبعة: فالأول: كونه في جواب كلام تضمن مثل ذلك الحرف.
والثاني: كونه في معطوف على ما تضمنه.
والثالث: كونه في مقرون بأحد أربعة أحرف مذكور بعد ما تضمنه، وأربعة الأحرف هي: الهمزة، و «هلّا»، و «إن، والفاء» الجزائيتان.
-

الجزء: 6 - الصفحة: 3055

................................  والرابع: في باب «كم». والخامس: في باب «كان». والسادس: في باب «لا» المشبهة بـ «إنّ». والسابع: القسم، فزاد على ما ذكره المغاربة خمسة مواضع، ولا يبعد ما قاله عن الصواب. وكم له من استدراكات. فرحمه الله تعالى، وأحسن جزاءه بمنّه، وكرمه. وهذا الذي ذكرناه إنما هو في حكم غير «ربّ». أما إذا كان الحرف «ربّ» فهم متفقون على عملها محذوفة. وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى تصوير المسائل، وذكر أمثلتها وإلى ما يتعلق بلفظ الكتاب. فنقول: قد ذكر المصنف 1167 أن الجر بـ «رب» محذوف بعد الواو كثير، وأن الجر بها محذوفة بعد الفاء أقل من ذلك وأن فعل، وأن فعل ذلك بعد «بل» أقل من فعله بعد الفاء، وأن فعله مع التجرد أقل من فعله بعد «بل»، ومثاله بعد الواو قول امرئ القيس: 2695 - وليل كموج البحر أرخى سدوله... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي 1168 وقد أكثر المصنف من ذكر الشواهد على ذلك، ولا حاجة إلى إيرادها؛ لأن هذا كما قال الشيخ: لا يحتاج إلى مثال؛ لأن دواوين العرب ملأى منه 1169. ومثاله بعد الفاء قول امرئ القيس: 2696 - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا... فألهيتها عن ذي تمائم محول 1170 وقول الآخر: 2697 - فإن أهلك فذي حنق لظاه... تكاد عليّ تلتهب التهابا 1171

الحديث: 2695 - الجزء: 6 - الصفحة: 3056

................................  وقول الآخر: 2698 - إن يثن سلمى بياض الفود عن صلتي... فذات حسن سواها دائما أصل 1172 وقول الآخر: 2699 - فإمّا تعرضنّ أميم عنّي... وينزعك الوشاة أولو النّباط فحور قد لهوت بهنّ عين... نواعم في المروط وفي الرّياط 1173 قال الشيخ: وقول المصنف: يجر بـ «رب» محذوفة بعد الفاء كثيرا، ليس بكثير، بل هو قليل يكاد ألا يوجد منه إلا هذا الذي أنشده 1174. ومثاله بعد «بل» قول الراجز: 2700 - بل بلد ملء الفجاج قتمه... لا يشترى كتّانه وجهرمه 1175 ومثال الجر بها محذوفة دون واحد من الثلاثة قول الراجز: 2701 - رسم دار وقفت في طلله... كدت أقضي الحياة من جلله 1176 قال المصنف 1177: ولا خلاف في أن الجر في: فذي حنق، وبل بلد، ورسم -

الحديث: 2698 - الجزء: 6 - الصفحة: 3057

................................  دار، وأشباهها بـ «ربّ» المحذوفة، وزعم المبرد أن الجر بعد الواو بالواو نفسها 1178. ولا يصح ذلك؛ لأن الواو أسوة «الفاء، وبل» في إضمار «رب» بعدهما، ولأنها عاطفة لما بعدها من الكلام على ما قبلها، والعاطف ليس بعامل ولا يمنع كونها عاطفة افتتاح بعد الأراجيز بها؛ (لإمكان) 1179 إسقاط الراوي شيئا من الأرجوزة متقدما، ولإمكان عطف الراجز ما افتتح به على بعض ما في نفسه. انتهى. وقال ابن أبي الربيع: العرب تحذف «رب» وتبقي عملها بعد واو العطف ولا يجوز إظهارها بعده، نحو قول امرئ القيس: 2702 - وفرع يغشّي المتن أسود فاحم... أثيث كقنو النّخلة المتعثكل 1180 وهذا إذا كانت الواو عاطفة جملة على جملة، وأما إذا كانت معطوفة على «رب» نحو: ربّ مكروب، وربّ أسير؛ فتكون ظاهرة، وإنما يلزم حذفها في ما ذكرت لك. وقد أجرت العرب الفاء مجرى الواو فحذفت بعدها «ربّ» نحو: 2703 - فمثلك حبلى......... البيت ونحو: 2704 - فإن أهلك فذي حنق... البيت الآخر وقد حذفت قليلا بعد «ثمّ» والأصل في هذا كله الواو. ولا أعلم خلافا بين النحويين في ما ذكرته إلا أبا العباس المبرد فإنه قال: إن الواو بمنزلة «رب» وإن الواو تأتي على ثلاثة أقسام: عاطفة، وللحال، وبمنزلة «رب». وقال في مثل قول امرئ القيس: وفرع يغشّي المتن... إن الخفض في «فرع» بالواو، وليست عاطفة، وكأنه قال: ربّ فرع فوضعت العرب الواو موضعها، وبمعناها. واستدل على ذلك بقول الشاعر: 2705 - وقائم الأعماق خاوي المخترق... [مشتبه الأعلام لمّاع الخفق] 1181

الحديث: 2702 - الجزء: 6 - الصفحة: 3058

................................  قال: لأن الواو فيه ليست عاطفة؛ لأن هذا أول الأرجوزة فليس ثم ما يعطف عليه، فإذا صح أنها ليست عاطفة صح أنها بمنزلة «ربّ» 1182. قال ابن أبي الربيع: والحجة لقول الجمهور أن العرب لم تدخل عليها حرف العطف فلو كانت بمنزل «ربّ» لقالوا: وفرع، كما تقول: ورب فرع، إذا تقدم قبل ذلك «ربّ» لا يقال: كرهوا ذلك لاتفاق اللفظين؛ لأنهم قد قالوا: والله، وو الله، ويقول العرب: جاء زيد ووجهه حسن.
وأما الجواب عن: 2706 - وقاتم الأعماق خاوي المخترق فالجواب عنه: أن العرب عادتها أن تستفتح قصائدها بما يكون فيه تأنيس للخاطر، فتتغزل كثيرا.
فكأنّ هذا لمّا أخذ في أرجوزته قام في نفسه ما جرت العادة به فقدره مقولا موجودا، فعطف عليه: «وقاتم الأعماق»، وينظر إلى هذا ما روي في قصيدة زهير: 2707 - دع ذا وعدّ القول في هرم... [خير البداة وسيّد الحضر] 1183 ولا يعرفون قبلها شيئا وكان منهم من ينشدها: 2708 - لمن الديار تعنه البحر لكن الحجة في رواية من روى أولها: دع ذا وعدّ القول... فإن «ذا» إشارة إلى شيء، ولم يذكر قبل ذلك شيئا فتكون إشارة - والله أعلم - ما جرت العادة أن تستفتح القصائد به من الغزل، ووصف الأطلال، وغير [4/ 37] ذلك مما يجري في أول قصائدهم 1184. انتهى كلام ابن أبي الربيع.
ومثال الجر بغير «رب» محذوفا في جواب ما تضمن مثله نحو: «زيد» في - - وهو الشق، وانظر: ديوانه (ص 104)، والخصائص (1/ 228، 260)، وشرح المفصل (2/ 118)، (9/ 29)، والكتاب (2/ 301)، والهمع (2/ 36).

الحديث: 2706 - الجزء: 6 - الصفحة: 3059

................................  جواب من قيل له: بمن مررت؟ وكقوله عليه الصلاة والسّلام إذ قيل له: فإلى أيّهما أهدي؟ قال: «أقربهما [منك] بابا» 1185 بالجر على إضمار «إلى». ومن الجواب نحو: بلى زيد بالجر لمن قال: ما مررت بأحد، أو: هل مررت بأحد؟ ومثال ذلك بعد عطفه على الوجه المذكور قوله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 1186 فجر اخْتِلافِ اللَّيْلِ بـ «في» مقدرة مع اتصاله بالواو لتضمن ما قبلها إياها، وقرأ عبد الله بإظهارها 1187. ومثل ما في الآية قول الشاعر: 2709 - ألا يا لقومي كلّ ما حمّ واقع... وللطّير مجرى والجنوب مصارع 1188 ومثله: 2710 - حبّب الجود للكرام فحمدوا... ولناس فعل اللّئام فلئموا 1189 ومثله: 2711 - أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا 1190 ومثله: 2712 - كالمرّ أنت إذا ما حاجة عرضت... وحنظل كلّما استغنيت خطبان 1191 ومثال ذلك مع الفصل بـ «لا» قول الراجز: 2713 - ما لمحبّ جلد أن [ي] هجرا... ولا حبيب رأفة فيجبرا 1192

الحديث: 2709 - الجزء: 6 - الصفحة: 3060

................................  ومثال ذلك مع الفصل بـ «لو» ما حكى أبو الحسن في المسائل 1193 من أنه يقال: جيء بزيد، أو عمرو، ولو كليهما.
وأجاز في «كليهما» الجرّ على تقدير: ولو بكليهما، والنصب بإضمار ناصب، والرفع بإضمار رافع.
قال المصنف: وأجود من هذا المثال الذي ذكره الأخفش أن يقال: جيء بزيد وعمرو ولو أحدهما، كما قال الشاعر: 2714 - متى عذتم بنا ولو فئة منّا... كفيتم ولم تخشوا هوانا ولا وهنا 1194 لأن المعتاد في مثل هذا النوع من الكلام أن يكون ما بعد «لو» أدنى مما قبلها في كثرة، وغيرها كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «التمس ولو خاتما من حديد» 1195، وكقولهم: ائتني بدابة ولو حمارا، ومن شواهد إضمار الجار في العطف بغير الواو قول الشاعر: 2715 - أيّه بضمرة أو عوف بن ضمرة أو... أمثال ذينك إيّه تلف منتصرا 1196 قال المصنف: (أراد: أو) 1197 بأمثال ذينك إيه.
قال الشيخ: ولا يتعين ما قاله؛ إذ يحتمل أن يكون «أو مثال ذينك» معطوفا على ما قبله، و «إيه» توكيد لقوله «إيه» المتقدمة 1198. ثم قال المصنف: ومنها - أي: ومن شواهد إضمار الجار في العطف بغير الواو - قول القائل: 2716 - لك ممّا يداك تجمع ما تن... فقه ثمّ غيرك المخزون 1199 أراد: ثم لغيرك المخزون، ومثال جر المقرون بهمزة الاستفهام، وب «هلّا» على الوجه المذكور ما حكى الأخفش في المسائل من أنه يقال: مررت بزيد، فتقول: أزيد ابن عمرو؟، ويقال: جئت بدرهم، فيقال: هلا دينار؟ قال أبو الحسن: وهذا كثير (1). ومثال الجر -

الحديث: 2714 - الجزء: 6 - الصفحة: 3061

................................  بمضمر بعد «إن والفاء» الجزائيتين ما حكى يونس من قولهم: مررت برجل صالح إن لا صالح فطالح؛ على تقدير: إن لا أمر بصالح فقد مررت بطالح، وأجاز امرر بأيهم هو أفضل إن زيد وإن عمرو، على معنى: إن مررت بزيد، أو مررت بعمرو 1200. قال المصنف: وجعل سيبويه إضمار الباء بعد «إن» لتضمن ما قبلها إياها أسهل من إضمار «رب» بعد الواو 1201، فعلم بذلك اطراده عنده.
وشبيه بما روى يونس ما في البخاري من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعة فخامس أو سادس» 1202، ويجوز رفع «أربعة» على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وجرها على حذف المضاف، وبقاء عمله ونظائر الرفع أكثر.
قال: والقياس على هذه الأوجه كلها جائز، ومنعه الفراء 1203 في نحو: زيد، لمن قال: بمن مررت؟ والصحيح جوازه لقوله عليه الصلاة والسّلام: «أقربهما منك بابا» بالجر؛ إذ قيل له: فإلى أيّهما أهدي.
وكقول العرب: خير، لمن قال: كيف أصبحت؟ 1204 بحذف الباء وإبقاء عملها؛ لأن معنى «كيف»: بأي حال؟ فجعلوا معنى الحرف دليلا، فلو لفظ به لكانت الدلالة أقوى وجواز الجر أولى.
وقد يجر بحرف محذوف في غير ما ذكر مقيسا، ومسموعا.
فالمقيس نحو: بكم درهم؟ ولا سابق شيئا، وألا رجل جزاه الله خيرا، وقد ذكرت هذه الأنواع الثلاثة في أبوبها.
ومن المقيس نحو: ها الله لأفعلن، مما يذكر في باب القسم.
والمسموع كقول الشاعر: 2717 - سألت الفتى المكّيّ ذا العلم ما الّذي... يحلّ من التّقبيل في رمضان فقال لي المكّيّ إمّا لزوجة... فسبع وإمّا خلّة فثمان 1205

  • (1) الارتشاف (ص 747).

الحديث: 2717 - الجزء: 6 - الصفحة: 3062

................................  أراد: وإما لخلة، وكقول الآخر: 2718 - وكريمة من آل قيس ألفته... حتّى تبذّخ فارتقى الأعلام 1206 أراد: في الأعلام، والأول أجود؛ لأن فيه حذف حرف (ثابت) 1207 مثله في ما قبله، ولكن لا يقاس عليه لكون العاطف مفصولا بـ «إما»، وهي تقتضي الاستئناف، ومثل «فارتقى الأعلام» قول الآخر: 2719 - إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة... أشارت كليب بالأكفّ الأصابع 1208 أراد: أشارت إلى كليب وفي صحيح البخاري قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلاة الرّجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمس وعشرين ضعفا» 1209 بخفض «خمس» على تقدير الباء.
ومثله في جامع المسانيد على أحد الوجهين قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجّل ثلاث» 1210 [4/ 38] على أن يكون المراد: المحجل [في] ثلاث.
والأجود أن يكون أصله: المحجل محجل ثلاث، فحذف البدل، وبقي مجروره كما فعل بالمعطوف في نحو: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة 1211. هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولا مزيد عليه في الحسن واللطف.
وإذا تحققت كلامه عرفت أنه لو قال في متن الكتاب: وقد يجر في غير ما ذكر بحرف محذوف كان أولى من قوله فيه: وقد يجر بغير ما ذكر محذوفا، فإن كلامه السابق لم يتضمن أن الحرف الذي يجر به محذوفا حرف خاص حتى يقول: -

الحديث: 2718 - الجزء: 6 - الصفحة: 3063

................................  وقد يجر بغيره وإنما تضمن أن ثمّ مواضع يحذف فيها الجار، ويبقى جره وهذا يوجب له أن يقول: وقد يجر في غير ما ذكر بحرف محذوف كما قدمنا.
ثم إن المصنف لما انقضى كلامه على الجر بحرف محذوف ذكر مسألة الفصل بين حرف الجر والمجرور فقال: وقد يفصل في الضرورة بين حرف الجر، ومجرور.. إلى آخره.
وقال في الشرح: وقد يفصل بين حرف جر ومجرور بظرف، أو مفعول به، أو جار ومجرور، ولا يكون ذلك إلا في ضرورة الشعر كقول الشاعر: 2720 - يقولون في الأكفاء أكثر همّة... ألا ربّ منهم من يعيش مالكا 1212 أراد: ربّ من يعيش مالك منهم، وكقول الآخر: 2721 - ربّ في النّاس موسر كعديم... وعديم يخال ذا إيسار 1213 أراد: ربّ موسر كعديم في الناس، وكقول الفرزدق: 2722 - وإنّي لأطوي الكشح من دون من طوى... وأقطع بالخرق الهيوع المراجم 1214 أراد: وأقطع الخرق بالهيوع المراجم، ففصل بالمفعول به بين الباء ومجرورها، وأنشد أبو عبيدة 1215: 2723 - إنّ عمرا لا خير في اليوم عمرو... وإنّ عمرا مخيّر الأحوال 1216 أراد: لا خير اليوم في عمرو، وحكى الكسائي في الاختيار الفصل بين الجار والمجرور بالقسم نحو: اشتريت بو الله درهم، والمراد: بدرهم والله، أو: والله بدرهم وحكى الكسائي أيضا: هذا غلام والله زيد 1217، وحكى أبو عبيدة: إنّ الشّاة تعرف ربّها حين تسمع صوت والله ربّها 1218، ففصل بالقسم بين المضاف والمضاف إليه.

الحديث: 2720 - الجزء: 6 - الصفحة: 3064

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل