تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومه
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومه

[تقسيم الفعل إلى متعدّ ولازم - إجراء اللازم مجرى المتعدي]

قال ابن مالك: (ان اقتضى فعل مصوغا له باطّراد اسم مفعول تامّ نصبه مفعولا به وسمّي: متعدّيا وواقعا ومجاوزا، وإلّا فلازما: وقد يشهر بالاستعمالين فيصلح للاسمين.
وإن علّق اللّازم بمفعول به معنى عدّي بحرف جرّ، وقد يجرى مجرى المتعدّي شذوذا، أو لكثرة الاستعمال أو لتضمين معنى يوجب ذلك.
واطّرد الاستغناء عن حرف الجرّ المتعيّن مع «أنّ» و «أن» محكوما على موضعهما بالنّصب لا بالجرّ، خلافا للخليل والكسائيّ، ولا يعامل بذلك لتعيّن الجارّ غيرهما، خلافا للأخفش الأصغر، ولا خلاف في شذوذ بقاء الجرّ في نحو: أشارت كليب بالأكفّ الأصابع) قال ناظر الجيش: ترجمة هذا الباب لا تطابق ما بني عليه ترتيب أبواب الكتاب؛ لأنه من هنا شرع في ذكر المنصوبات، ولا شك أن المفاعيل الخمسة أصلها، وهو قد ترجم كلّا من أبواب المفاعيل الأربعة، أعني المفعول المطلق، والمفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه بما وضعه له، وهذا باب المفعول به، وقد عدل عن ترجمته بذلك إلى الترجمة بتعدي الفعل ولزومه؛ ولذلك صدر الباب ببيان كل من الفعلين، وكان الواجب أن يترجمه بالمفعول به، لتوافق الأبواب الخمسة، في ترجمة كل منها بما هو له [2/ 308]، وليكون سرد تراجم الأبواب مطابقا لما تقدمت إشارته إليه، حيث قال: والنصب للفضلة، وهي مفعول مطلق، أو مقيد، أو كذا أو كذا؛ وإذ قد نبه على هذا فاعلم أن الفعل له متعلقات منها الفاعل، ومنها المفاعيل الخمسة، وكلها من مقتضيات الفعل؛ ولكن اقتضاؤه لها بجهات مختلفة، وقد تعرض النحاة إلى ذكرها، قال ابن أبي الربيع: ما يطلبه الفعل ببنيته هو عمدة، وهو الفاعل، ولا يجوز إسقاطه لما في ذلك من نقض الغرض، وما جاء بعد ذلك مما يقتضيه الفعل أو يستدعيه أو يلازم مستدعاه ينصبه، والذي يقتضيه الفعل شيئان: المصدر وظرف الزمان، والذي يلازم مستدعاه: ظرف المكان، والذي يستدعيه ثلاثة أشياء: محله، -

الجزء: 4 - الصفحة: 1719

................................  وباعثه، ومصاحبه.
انتهى 1. واعلم أن هذا الذي ذكره بالنسبة إلى المفاعيل الخمسة مأخوذ من كلام الجزولي؛ فإنه قال في الجزولية: المفعول: ما تضمنه الفعل من الحدث، والزمان، والتزمه من مكان واستدعاه من محل، وباعث، ومصاحب 2. وعبارته أحسن من عبارة ابن أبي الربيع، وقد استفيد منها أن دلالة الفعل على الحدث، دلالة تضمن، وكذا دلالته على الزمان؛ فتكون دلالته عليهما معا دلالة مطابقة، وأن دلالته على المكان دلالة إلزام؛ وأن لا دلالة على المفعول به، ولا المفعول له، ولا المفعول معه، لكنها مستدعاة له.
وأما قول ابن أبي الربيع: ما يطلبه الفعل ببنيته فهو الفاعل، فكلام حسن، ومعناه أن كلّا من الأفعال الثلاثة اشتق من المصدر، ليسند إلى فاعل؛ إذ لو لم يقصد إسناد «ضرب» مثلا إلى فاعل فعل ذلك في زمان مخصوص؛ لقيل: كان ضرب أو وجد ضرب، أو وقع ضرب ونحو ذلك، فلما كان القصد ببنية الفعل إسناده إلى فاعل؛ لم يجز حذف الفاعل، إذا كان المسند إليه فعلا، أو ما شاركه في الاشتقاق، لما في ذلك من نقض الغرض، كما قال ابن أبي الربيع، ومن ثمّ جاز حذف الفاعل، إذا كان المسند إليه مصدرا 3. وبهذا الذي قررناه، اندفع سؤال من يقول: لأي شيء لا يجوز حذف الفاعل، وإن كان عمدة إذا دلّ عليه دليل، كما جاز حذف المبتدأ، وحذف الخبر ثم المفعول به؟ قال ابن عصفور: وهو كل فضلة انتصب عن تمام الكلام، يصلح وقوعها في جواب من قال: بأيّ شيء وقع الفعل؟ أو يكون على طريقة، ما يصلح ذلك فيه 4 وهو حد طويل عريض.
وشرحه بأن قال: إنما قلت: كل فضلة، ولم أقل: كل اسم؛ لأن المفعول به قد يكون في تقدير اسم، نحو: تذكرت أنك قائم، وأريد أن تقوم، ونحو ذلك، وقد يكون [2/ 309] جملة، نحو: قال زيد: يقوم عمرو، فالفضلة تعم الجميع، قال: -

الجزء: 4 - الصفحة: 1720

................................  وتحرزت بقولي: انتصب عن تمام الكلام، من الفضلات المجرورة، نحو: مررت بزيد؛ لأن الباب موضوع للمفعول به المسرح، وتحرزت بقولي: يصلح وقوعها في جواب من قال.. إلى آخره، من سائر المفعولات، وهي المصدر، وظرف الزمان، وظرف المكان، والمفعول معه، والمفعول من أجله 5، فإن جميع ذلك غير صالح لما ذكر، ومثال ما يصلح وقوعه في جواب من قال: بأي شيء وقع الفعل؟: ضربت زيدا؛ فزيد يصلح وقوعه في جواب من قال: بأي شيء وقع الضرب؟.
ومثال ما لا يصلح لذلك؛ لكنه على طريقة ما يصلح ذلك فيه: ما ضربت زيدا؛ لأن زيدا لم يوقع به شيء؛ فلم يصلح جوابا، لكنه على طريقة ما يصلح ذلك فيه، وحده صاحب المفصل: بأنه الذي يقع عليه فعل الفاعل 6، وفسر الشراح الوقوع هنا بالتعلق المعنوي؛ فقالوا: المراد بالوقوع التعلّق المعنوي، لا الأمر الحسي 7؛ إذ ليس كل الأفعال المتعدية واقعة على مفعولها حسّا، كقولك: علمت زيدا قائما؛ فإنه لم يقع في الحس على زيد شيء، إنما تعلق به؛ ولا شك أن الذي يقع عليه حسّا هو متعلق به معنى، فكان التعلق مطردا في القسمين.
قلت: يجب أن يكون المراد بالوقوع التعلّق؛ لأن زيدا من قولك: ما ضربت زيدا، لم يقع عليه شيء، لكنه تعلق به.
وحاصل الأمر: أن تعلق الفعل بالشيء قد يكون على طريق الثبوت، وقد يكون على طريق النفي، والظاهر: أنهم إنما عدلوا في الحد عن لفظ التعلق إلى لفظ الوقوع؛ لموجب، وهو أنه لو قيل: المفعول به ما يتعلق به فعل الفاعل، لم يكن الحد مطردا، لدخول بقية المفاعيل فيه؛ إذ كل منها من متعلقاته فعدل إلى لفظ الوقوع ليخلص الحد لما هو المقصود، وفسر الوقوع بالتعلق كما عرفت، فكان في لفظ الوقوع إشعار بأنه إذا قيل: ضربت زيدا مثلا، كان تعلقه به من جهة وقوعه عليه، وإذا تقرر هذا فلنرجع إلى شرح كلام المصنف، فنقول أولا: اعلم أن المفعول به هو الفارق بين المتعدي من الأفعال واللازم؛ فالمتعدي: هو الذي له متعلق تتوقف عقليته عليه، فما كان متعديا إلا باعتبار هذا التعلق، ولهذا -

الجزء: 4 - الصفحة: 1721

................................  لا يقال: متعدّ، ويطلق القول إلا للمتعدي إلى المفعول به، وما لا يتعدى إلى المفعول به فهو لازم، ولا يقال له: متعدّ إلا بالتّقييد، فيقال: متعدّ إلى المفعول المطلق، أو المفعول فيه، أو متعدّ بحرف جر 8، ولما كان الفارق بين الفعلين إنما هو المفعول به؛ أجاز المصنف معرفة كل منهما على ذلك، فقال: (إن اقتضى فعل مصوغا له باطراد اسم مفعول تام نصبه مفعولا به، وسمي [2/ 310] متعديا وواقعا، ومجاوزا، وإلا فلازما) 9، يعني إن اقتضى فعل اسما؛ يصاغ لذلك الاسم من مادّة ذلك الفعل اسم مفعول تام نصب الفعل ذلك الاسم مفعولا به، وكان ذلك الفعل متعديا، وواقعا، ومجاوزا، وإن لم يكن كذلك؛ بأن لا يقتضي الفعل ذلك الاسم المقيد بما ذكر؛ وذلك بأن لا يصاغ من مادته اسم مفعول أصلا، كقام زيد، وجلس عمرو، أو يصاغ منها اسم مفعول غير تام، نحو: جلس زيد في الدار، ومرّ زيد بعمرو؛ إذ يصح أن يقال: الدار مجلوس فيها، وعمرو ممرور به؛ كان ذلك الفعل لازما 10، ويقال له: قاصر أيضا، واحترز بقوله: باطراد، من شيء وهو أن يكون الفعل يتعدى بحرف الجر، فيحذف ذلك الحرف للضرورة مثلا، نحو قول القائل: 1306 - تمرّون الدّيار ولم تعوجوا 11

الحديث: 1306 - الجزء: 4 - الصفحة: 1722

................................  فإنه إذا اضطر الشاعر يقول: الديار ممرورة، فقد صيغ للديار من «تمرون الديار» اسم مفعول تام، لكن هذا الصوغ لا يضطرد، وأشار المصنف بقوله: (وقد يشتهر بالاستعمالين)، إلى أن الفعل قد يستعمل بالتعدي واللزوم على السواء، فيصلح لذلك أن يسمى متعديا ولازما، فما تعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف جر؛ ولم يكن أحد الاستعمالين مستندرا فيه؛ قيل فيه: متعدّ بوجهين، نحو: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، وقد ذكروا مع هذين الفعلين فعلين آخرين: مسحت، وخشنت؛ قالوا: ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالسماع 12. قال ابن عصفور: وزعم بعض النحويين؛ أنه لا يتصور أن يوجد فعل يتعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف جر؛ لأنه محال أن يكون الفعل قويّا ضعيفا في حال واحدة، ولا المفعول محلّا وغير محل في حين واحد وهو الصحيح.
قال: فينبغي إذا أن تجعل: نصحت زيدا وأمثاله الأصل فيه: نصحت لزيد، ثم حذف حرف الجر منه في الاستعمال، وكثر فيه الأصل والفرع؛ لأن النصح لا يحل بزيد، فإن كان الفعل يحل بنفس المفعول ويوجد تارة متعديا بنفسه، وتارة بحرف جر جعلنا الأصل وصوله بنفسه، وحرف الجر زائدا نحو: مسحت رأسي، ومسحت برأسي، وخشّنت بصدره وصدره؛ لأن التخشين يحل بالصدر، والمسح يحل بالرأس 13. انتهى.
وكان قد قرر قبل هذا الكلام؛ أن المتعدي بنفسه، هو الذي يطلب مفعولا؛ ويكون ذلك المفعول يحل به الفعل، نحو: ضربت زيدا؛ وأن المتعدي بحرف جر هو الذي يطلب مفعولا به، إلا أنه لا يكون محلّا للفعل، نحو: مررت بزيد، وجئت إلى عمرو، وعجبت من بكر 14. قال: فالمرور لا يحل بزيد، ولا المجيء بعمرو، ولا التعجب من بكر 15. -

الجزء: 4 - الصفحة: 1723

................................  قلت: هذا الذي اختاره، وقال: إنه صحيح هو الذي يقتضيه النظر؛ وذلك لأن المتعدي [2/ 311] من الأفعال هو الذي له متعلق تتوقف عقليته عليه 16 كما تقدم، ولا شك أن اللازم ليس كذلك، أي: ليس له متعلق تتوقف عقليته عليه، ومحال أن يتجمع الأمران؛ إذ الضدان لا يجتمعان، وأيضا: فالفرق بين ما يحل به الفعل، وما لا يحل به الفعل واضح، وقد عرفت أن هذا الأمر أيضا فاصل بين المتعدي واللازم، ومنهم من قال: إن الفعل إذا تعدى بنفسه كان له معنى، وإذا تعدى بحرف جر كان له معنى آخر، فنصحت زيدا؛ محمول على ضده وهو «غشّ»، ونصحت لزيد؛ محمول على نظيره وهو «خلص»، فمعنى نصحت له: خلص عملي له 17، ولا يخفى بعد هذا عن مقاصد العرب.
وجعل ابن أبي الربيع الذي يتعدى بنفسه تارة، وبحرف جر تارة ثلاثة أقسام: 1 - قسم الأصل فيه حرف الجر، ثم أسقط اتساعا، نحو: شكرت لزيد وزيدا.
2 - قسم عكسه، نحو: قرأت السورة وبالسورة.
3 - قسم هما فيه أصلان، نحو: جئتك وجئت إليك، فمن قال: جئتك؛ لحظ قصدتك، ومن قال: جئت إليك؛ لحظ وصلت إليك 18. واعلم أنهم إنما اختلفوا في تعلق الفعل بالمفعول به؛ أهو من نفس معنى الفعل أم بالنقل؟ قال ابن عمرون: وأكثر النحاة على الأول قال: وذهب بعضهم إلى أن المتعدي موقوف على السماع بدليل: نقص الماء وأنقصته 19، وقد مال المصنف إلى هذا القول؛ فإنه قال: وما لا بد له من حرف الجر، فهو لازم، ولا يتميز المتعدي من اللازم بالمعنى والتعلق؛ فإن الفعلين قد يتحدان معنى، وأحدهما متعدّ والآخر لازم، كصدقته وآمنت به، ونسيته وذهلت عنه، وحببته ورغبت فيه، وأردته وهممت به، وخفته وأشفقت منه، واستطعته وقدرت عليه، ورجوته وطمعت فيه، وتجنبته -

الجزء: 4 - الصفحة: 1724

................................  وأعرضت عنه 20؛ وإنما يتميز المتعدي بأن يتصل به كاف الضمير، أو هاؤه أو ياؤه باطراد؛ وبأن يصاغ منه اسم مفعول تام باطراد، نحو: صدقته، وحببته، وأردته، ورجوته، فهو مصدق، ومحبوب، ومراد، ومرجو، وبهذا علم أن قال: متعدّ لاطراد، نحو: قلته فهو مقول، ولو قصد هذان الأمران من ذهلت، ورغبت، وطمعت، وأعرضت لم يستغن عن الحرف، كقولك: ذهلت عنه ورغبت فيه وطمعت فيه وأعرضت عنه، فهو مذهول عنه، ومرغوب فيه، ومطموع فيه، ومعرض عنه؛ فلا يتأتى لك صوغ المفعول تامّا، بل ناقصا أي: مفتقرا إلى حرف الجر؛ فعلم بذلك لزومه وعدم تعدّيه، كما علم بالتمام التعدي.
انتهى.
وما قاله من أن المتعدي لا يتميز من اللازم بالمعنى والتعلق، خلاف قول الأكثرين وأما ما [2/ 312] ذكره من أن الفعلين قد يتّحدان معنى، وأحدهما متعد والآخر لازم، كصدقته، وآمنت به، إلى آخر الأمثلة التي ذكرها؛ فلك أن تمنع اتحاد معنى الفعلين في جميع ما أورده، وهو الظاهر، فيقال: معنى آمنت به أخص من معنى صدقته؛ إذ قد يصدق الإنسان غيره ولا يؤمن به.
وكذا إذا حقق الناظر نظره، أمكنه أن يفرق بين معنى نسيته وذهلت عنه، وكذا بقية الأمثلة.
واعلم أن المصنف قد تعرض في الألفية إلى ذلك.
وأما قول المصنف: (وإن علق اللازم بمفعول به معنى عدّي بحرف جر)، فظاهر، ثم إن الحرف - أعني حرف الجر - قد يحذف فيصل الفعل بنفسه إلى ما كان مجرورا به، وإلى ذلك الإشارة بقوله: (وقد يجري مجرى المتعدي شذوذا، أو لكثرة الاستعمال، أو لتضمين معنى يوجب ذلك)، فهذه ثلاثة أسباب، أما الشذوذ فنحو: قول الشاعر: -

الجزء: 4 - الصفحة: 1725

................................  1307 - كأنّي إذا أسعى لأظفر طائرا... مع النّجم في جوّ السّماء يصوب 21 وقول الآخر: 1308 - تحنّ فتبدي ما بها من صبابة... وأخفي الّذي لولا الأسى لقضاني 22 الأصل: لأظفر بطائر، ولقضي عليّ، وأما كثرة الاستعمال فنحو قولهم: دخلت الدار، والمسجد، ونحو ذلك، فيقاس على هذا دخلت الدار، والبيت وغير ذلك من الأمكنة 23، ومن المقتصر فيه على السماع: توجّه مكة، وذهب الشام، ومطرنا السهل -

الحديث: 1307 - الجزء: 4 - الصفحة: 1726

................................  والجبل، وضرب فلان الظهر والبطن؛ فلا يقاس على هذه الأسماء وما أشبهها غيرها 24. قال المصنف 25: وإذا ثبت أن اللازم، هو المفتقر إلى حرف جر، فليعلم أن الأصل أن لا يحذف حرف الجر؛ فإن ورد حذفه وكثر، قبل وقيس عليه؛ يعني كما قيل في دخلت؛ وإن لم يكثر قبل ولم يقس عليه؛ يعني كما قيل: في توجّه، وذهب، ومطرنا السهل والجبل، وضرب فلان الظهر والبطن؛ وأما تضمين معنى يوجب ذلك؛ فنحو قول بعضهم 26: رحبكم الدخول في الطاعة، فإنه ضمنه معنى وسع، فأجراه مجراه، ومنه قول علي: إن بشرا طلع اليمن 27، ضمنه معنى بلغ، وقد قالوا في قوله تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ 28: إنه ضمنه معنى: ولا تعقدوا 29، قالوا: وإذا دخل التأويل فيما يتعدى بنفسه، فنقل إلى ما لا يتعدى بنفسه، كقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ 30 فضمن معنى يُخالِفُونَ معنى الخروج والانفصال، فعدّي بعن 31 فهنا أجوز؛ لأنه نقل من الأضعف إلى الأقوى [2/ 313]. واعلم أن المصنف لما ذكر أن حرف الجر يحذف فيصل الفعل اللازم إلى الاسم بنفسه، مثل لذلك بقوله تعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ 32، وبقوله تعالى: أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ 33، وقال: الأصل: على صراطك، وعن أمر ربكم، وأنشد البيتين المحكوم بشذوذهما عقب ذكر الآيتين الشريفتين، فأوهم ذلك أن حذف الحرف في الآيتين الشريفتين محكوم بشذوذه، وليست هذه عادته في الكتاب العزيز، والحكم بالشذوذ في ذلك صعب شديد، ولا يبعد أن الفعلين ضمنا معنى ما يتعدى بنفسه، فأجريا مجراه فضمن لَأَقْعُدَنَّ معنى: «لأرصدن»، وأَ عَجِلْتُمْ -

الجزء: 4 - الصفحة: 1727

................................  معنى: «أسبقتم» 34. وقول المصنف: (واطرد الاستغناء عن حرف الجر المتعين مع أنّ وأن)؛ كأنه استثناء من الكلام الذي قبله؛ فكأنه قال: ولا يحذف حرف الجر المعدي حذفا مطردا إلا مع هاتين الكلمتين.
قال المصنف: واطرد حذف حرف الجر مع «أنّ وأن»؛ إن تعين عند حذفه، نحو: عجبت أن يتعصب ناصح وطمعت أنك تقبل، فلو لم يتعين الحرف عند حذفه مع «أنّ وأن» لامتنع الحذف، نحو: رغبت أن يكون كذا، فإنه لا يدري هل المراد: رغبت في أن، أو عن أن يكون؟ 35 والمرادان متضادان معنى؛ فيمتنع الحذف في مثل هذا.
انتهى 36. والمسوغ لاطراد الحذف مع أنّ وأن طولهما بالصلة والطول يستدعي التخفيف 37، قاله ابن عصفور 38، قال الشيخ: وقد جاء الحذف في قوله: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ 39، فقدره بعضهم: عن أن تنكحوهن، وقدره بعضهم: في أن تنكحوهن 40. وتبع الشيخ في ذكر ذلك المعتبرون من الطلاب، ومن ثم جعلوه كالاستدراك على المصنف، والحق أن لا استدراك، فإن من قدر «في» قال: إن تقديرها متعين فلا يجيز تقدير «عن»، ومن قدّر «عن» كانت متعينة عنده أيضا؛ فلا يجيز تقدير «في» وعلى هذا؛ فالحرف المحذوف متعين قطعا، وإنما كان يكون استدراكا لو أجيز التقديران معا على التخيير، والأمر ليس كذلك، ثم قال المصنف: ومذهب الخليل، والكسائي، في أنّ وأن عند حذف حرف الجر المطرد حذفه أنهما في محل جر، ومذهب سيبويه والفراء أنهما في محل نصب، وهو الأصح؛ لأن بقاء الجر بعد حذف عامله قليل، والنصب كثير، والحمل على الكثير أولى من الحمل على -

الجزء: 4 - الصفحة: 1728

................................  القليل 41 وقد يستشهد لمذهب الخليل والكسائي بما أنشده الأخفش من قول الشاعر 42: 1309 - وما زرت ليلى أن تكون حبيبة... إليّ ولا دين بها أنا طالبه 43 انتهى 44. ومما يرجح به مذهب [2/ 314] سيبويه: أن الأصل والأكثر أنه إذا حذف حرف -

الحديث: 1309 - الجزء: 4 - الصفحة: 1729

................................  الجر أن لا يبقى له عمل البتة، ولا يضمر وآنذا يكون إعراب ما حذف منه الحرف على حسب الطالب للموضع، فإن كان الموضع يقتضي رفعا رفع الاسم، نحو: كفى الله في كَفى بِاللَّهِ 45، وما في الدار أحد في: ما في الدار من أحد، وإن كان الموضع يقتضي نصبا نصب الاسم؛ وإنما وقع الخلاف في «إنّ وأن»؛ لأن حرف الجر لم يظهر له عمل وتأثير فيما دخل عليه؛ وإنما قال المصنف: وقد يستشهد لمذهب الخليل، والكسائي، بما أنشده الأخفش من قول الشاعر: 1310 - وما زرت ليلى............... البيت ولم يقطع بالاستشهاد به؛ لاحتمال أن يكون في موضع نصب، وأن يكون «ولا دين» معطوفا على توهم الجر 46. ثم قال الشيخ 47: ما ذكره المصنف أنه مذهب الخليل ليس بصحيح، بل مذهب الخليل أنه في موضع نصب، وهو منصوص في كتاب سيبويه ثم أورد النص.
ثم قال المصنف: وأجاز علي بن سليمان الأخفش 48؛ أن يحكم باطراد حذف حرف الجر، والنصب، فيما لا لبس فيه 49، كقول الشاعر: 1311 - وأخفي الّذي لولا الأسى لقضاني 50 والصحيح أن يتوقف فيه على السماع، قال سيبويه بعد أن حكى قولهم: عددتك ووزنتك وكلتك، ولا تقول: وهبتك؛ لأنهم لم يعدوه؛ ولكن: وهبت لك 51، قال المبرد: لا يقال: وهبتك؛ لئلا يتوهم كون المخاطب موهوبا، وإذا زال الإشكال، نحو: وهبتك الغلام؛ جاز.

الحديث: 1310 - الجزء: 4 - الصفحة: 1730

................................  وحكى أبو عمرو الشيباني 52: انطلق معي أهبك نبلا، تريد: أهب 53 لك.
انتهى 54. وكذا قاله ابن عصفور لما أنشد: 1312 - تمرّون الدّيار 55 وقول الآخر: 1313 - تحنّ فتبدي......... البيت 56 وقول الآخر: 1314 - فبتّ كأنّ العائدات فرشنني... هراسا به يعلى فراشي ويقشب 57 أي: فرشن لي، قال: وزعم علي بن سليمان الأخفش؛ أنه لا يجوز حذف حرف الجر، إذا تعين موقع الحذف، والمحذوف قياسا على ما جاء من ذلك، نحو: بريت القلم السكين، تريد بالسكين؛ لأنه قد تعين المحذوف وهو «الباء»، وموضع الحذف وهو السكين؛ فإن اختل الشرطان أو أحدهما منع، نحو: رغبت الأمر؛ لأنه لا يعلم هل المراد «في» أو «عن»؟ وكذلك لا يجوز: اخترت إخوتك الزيدين؛ لأنه لا يعلم هل أردت اخترت إخوتك من الزيدين، أو الزيدين من إخوتك؟ قال: والصحيح: أنه لا يجوز شيء من ذلك وإن وجد الشرطان فيه؛ لقلة ما جاء من ذلك، إذ لا يحفظ منه إلا الأفعال [2/ 315] التي ذكرها 58. انتهى.
والأفعال التي ذكرها هي: اختار، واستغفر، وسمّى، وكنّى، ودعا بمعنى: سمّى، وأمر، مما سيأتي الكلام عليها عند إشارة المصنف إليها.
ثم قال المصنف: ولا خلاف في شذوذ حذف حرف الجر وبقاء عمله، كقول الشاعر: -

الحديث: 1312 - الجزء: 4 - الصفحة: 1731

................................  1315 - إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة... أشارت كليب بالأكفّ الأصابع 59 أراد: أشارت إلى كليب، فحذف «إلى» وأبقى عملها.
ومثله: 1316 - وكريمة من آل قيس ألفته... حتّى تبذّخ فارتقى الأعلام 60 أراد: إلى الأعلام؛ فحذف وأبقى الجر.. انتهى 61. بقي الكلام على مسألة واحدة وهي: أنهم اختلفوا في الناصب للمفعول به على مذاهب: الأول: وهو مذهب الجمهور: وهو أن الناصب له الفعل، أو ما يقوم مقامه؛ لأن العامل ما به يتقوم المعنى المقتضى، والذي يتقوم به معنى المفعولية هو الفعل، والدليل عليه أنه يختلف باختلافه؛ فإنك تقول: ضربت زيدا، وأعطيت عمرا درهما، فالمفعول مع «ضربت» واحد، ومع أعطيت اثنان، والفاعل المتكلم في الصورتين، فلو كان العامل غير الفعل لم يختلف باختلافه، ولأنه متى كان الفعل متصرفا جاز تقديمه عليه، وما لم يكن متصرفا نحو: ما أحسن زيدا؛ لا يجوز تقديمه على الفعل، فلولا أنه عامل لم يكن كذلك.
الثاني: مذهب هشام، وهو أن الناصب له الفاعل، ويبطل مذهبه جواز تقديمه عليه مع أنه غير متصرف، وأنه يأتي دون فاعل مع المصدر، نحو قوله تعالى 62: -

الحديث: 1315 - الجزء: 4 - الصفحة: 1732

[نوعا المتعدي: متعد إلى واحد - متعد إلى اثنين]

قال ابن مالك: (فصل: المتعدّي من غير بابي «ظنّ» و «أعلم» متعدّ إلى واحد، ومتعدّ إلى اثنين، والأوّل متعدّ بنفسه وجوبا، وجائز التّعدّي واللّزوم، وكذا الثاني بالنّسبة إلى أحد المفعولين، والأصل تقديم ما هو فاعل معنى على ما ليس كذلك، وتقديم ما قد يجرّ، وترك هذا [2/ 316] الأصل واجب وجائز وممتنع لمثل القرائن المذكورة فيما مضى).
أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً 63، ومحال منصوب لا ناصب له؛ وأن الفاعل يكون ضميرا وهو غير عامل.
الثالث: مذهب الفراء، وهو أن الناصب للمفعول به المجموع، وهو أيضا باطل بما أبطل به مذهب هشام، وبشيء آخر وهو أنهما لو كانا عاملين لما 64 جاز وقوعه بينهما؛ لأن المعمول لا يتوسط العامل.
الرابع: مذهب خلف الأحمر، أن العامل في المفعول 65 معنوي وهو كونه مفعولا، ويبطله رفعه في ما لم يسم فاعله، ومعنى المفعولية فيه، فإن قيل: مسلم أن معنى المفعولية باق؛ لكن فقد شرط نصبه، وهو ذكر الفاعل، فالجواب: أن ذكر الفاعل ليس بشرط، بدليل جواز حذفه مع المصدر مع نصبه 66. قال ناظر الجيش: قال المصنف 67: لما تقدم الكلام على «ظن» و «أعلم» وأخواتها استثنيتهما بقولي: (المتعدي من غير بابي «ظن» و «أعلم») وبيّنت أن المتعدي مما سواهما لا يوجد منه متعدّ إلى أكثر من اثنين، بل هو إما متعدّ إلى واحد بنفسه أبدا كضرب وأكل، مما لا يحتاج إلى حرف جر، وإما متعدّ بنفسه تارة، وبحرف جر تارة، كشكر ونصح، مما يقال له: متعدّ بوجهين، وقد أشرت إلى ذلك قبل هذا مجملا 68، ثم أشرت الآن إليه مفصلا، ثم بيّنت أن المتعدي إلى اثنين من هذا الباب، إما متعدّ إليهما بنفسه، نحو: كسا وأعطى، وإما متعدّ إلى -

الجزء: 4 - الصفحة: 1733

................................  أحدهما بنفسه أبدا وإلى الآخر بوجهين، نحو: اختار وأمر، تقول: كسوت زيدا ثوبا، وأعطيته درهما؛ فلا يحتاج إلى حرف جر، ولا يجوز ذلك أن تأتي به، وتقول: اخترت زيدا قومه، وأمرته الخير، واخترته من قومه وأمرته بالخير.
ومأخذ هذا النوع السماع 69 والأصل تقديم المفعول الذي هو فاعل معنى على المفعول الذي ليس كذلك، كزيد من مسألة: أعطيت زيدا درهما؛ فإنه مفعول في اللفظ فاعل في المعنى؛ لكونه آخذ أو متناولا، بخلاف الدرهم؛ فإنه مفعول في اللفظ والمعنى، فأصله أن يتأخر وأصل الآخر أن يقدم 70، وكذا الأصل تقديم ما هو يتعدى إليه الفعل بنفسه أبدا، وتأخير ما يتعدى إليه بوجهين؛ لأن علقه ما لا يحتاج إلى واسطة أقوى من علقه ما يحتاج إليها؛ فلذلك يقال: أعطيت درهمه زيدا، واخترت قومه عمرا، ولا يقال: أعطيت صاحبه الدرهم 71، ولا: اخترت أحدهم القوم، إلا على قول من قال: ضرب غلامه زيدا 72، ومثال: وجوب ترك الأصل: ما أعطيت درهما إلا زيدا 73، وأعطيت الدرهم صاحبه 74، وهما نظيرا: ما ضرب عمرا إلا زيد، وضرب زيدا غلامه، ومثال امتناع ترك الأصل: ما أعطيت زيدا إلا 75 درهما، وأضربت زيدا عمرا 76؛ بمعنى جعلت زيدا يضرب عمرا، وهذان نظيرا: ما ضرب زيد إلا عمرا، وضرب موسى عيسى، وما خلا من -

الجزء: 4 - الصفحة: 1734

................................  سبب الوجوب وسبب الامتناع جاز أن يبقى على الأصل، نحو: كسوت زيدا ثوبا، وجائز أن يخالف الأصل، نحو: كسوت ثوبا زيدا. انتهى 77. وقد تقدم من كلام ابن عصفور أن الأفعال التي تتعدى إلى واحد بنفسها، وإلى آخر بحرف، وأن ذلك الحرف يجوز حذفه هي: اختار، واستغفر، وسمّى، وكنّى، ودعا بمعنى سمّى، وأمر؛ فهي ستة أفعال، وذكر أنها مسموعة تحفظ، ولا يقاس عليها 78 كما ذكر المصنف، قال الله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا 79 المعنى: عن قومه، وقال الشاعر: 1317 - أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب 80 [2/ 317] وقال الآخر 81: 1318 - وسمّيت كعبا بشر العظام... وكان أبوك يسمّى جعل 82 يريد: وسمّيت بكعب، وكان أبوك يسمّى بجعل، ويقال: كنيتك أبا عبد الله أي: بأبي عبد الله، قال: 1319 - وما صفراء تكنى أمّ عمرو... كأنّ سويقتيها منجلان 83

الحديث: 1317 - الجزء: 4 - الصفحة: 1735

................................  يريد: تكنى بأم عمرو، وأستغفر الله ذنبي، يريد: من ذنبي، قال الشاعر: 1320 - أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل 84 أي: من ذنب، ودعوتك أبا عبد الله، أي: بأبي عبد الله، قال 85: 1321 - دعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن... أخاها ولم أرضع لها بلبان 86 يريد: دعتني بأخيها، أي: سمتني بذلك؛ فإن أريد بـ «دعا» معنى الاستدعاء لم يتجاوز مفعولا واحدا، نحو: دعوت زيدا، أي: استدعيه، وقد ذكر الشيخ عن النحاة مع هذه الأفعال الستة، أفعالا أخر أجريت مجراها فيما ذكر، وهي: زوّج وصدّق وعيّر.
فيقال: زوجته بامرأة، قال الله تعالى: زَوَّجْناكَها 87، وصدقت زيدا في الحديث والحديث، وعيّرت زيدا بسواده 88 قال: 1322 - وعيّرتني بنو ذبيان خشيته... وهل عليك بأن أخشاك من عار 89

    • (1/ 305)، والتذييل (3/ 75) برواية «أم عوف» مكان «أم عمرو»، والشعر والشعراء (767)، والأغاني (17/ 331)، والحيوان للجاحظ (5/ 161)، والمحكم (2/ 269)، واللسان (صفر).
      والشاهد قوله: «تكنى أم عمرو»؛ حيث حذف حرف الجر، وعدّى الفعل.

الحديث: 1320 - الجزء: 4 - الصفحة: 1736

................................  وجعل الجرجاني من هذه الأفعال أيضا كلته كذا وكذا جريبا، ووزنته كذا وكذا درهما، والأصل: كلت له ووزنت له، ثم حذفت اللام قال الله تعالى: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [يُخْسِرُونَ 90؛ المعنى: وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم] 91، ولم يذكر المكيل والموزون 92. واعلم أن الشرط المتقدم الذكر في حذف حرف الجر المصاحب لأنّ وأن، وهو المتعين مشروط هنا أيضا، ولهذا قال ابن عصفور بعد أن ذكر الأفعال المتقدمة الذكر، ولا يجوز ذلك يعني الحذف في هذه الأفعال إلا بشرط تعين موضع الحذف والمحذوف الذي هو حرف الجر؛ فإن نقص هذان الشرطان، أو أحدهما لم يجز حذف حرف الجر أصلا، فلا يجوز: اخترت إخوتك الزيدين؛ لعدم تعين موضع الحذف؛ إذ يحتمل أن يكون المراد: اخترت إخوتك من الزيدين، أو: اخترت الزيدين من إخوتك 93، ثم قد بقي هاهنا أمور ينبه عليها: منها: أن الشيخ قال: إن في جواز «أضربت زيدا عمرا»؛ نظرا فإن الظاهر من مذهب سيبويه؛ أن التعدية بالهمزة قياس في اللازم، سماع في المتعدي، قال: فعلى هذا يحتاج إلى سماع تعدية ضرب لمفعولين بالهمزة، وإلا لم يجز 94. ومنها: أن السهيلي ذهب إلى أن [2/ 318] «استغفر» ليس أصلها التعدية إلى الثاني بحرف الجر؛ بل الأصل أن تتعدى إليه بنفسها، وزعم أن تعديتها بمن إنما هو ثان عن تعديتها بنفسها؛ وإنما عديت بمن لتضمنها معنى طلب التوبة من الذنب والخروج منه، والأصل: استغفرت الله الذنب؛ لأنه من غفر إذا ستر، وتقول: غفر الله ذنوبنا ولا تقول: من ذنوبنا، إلا أن تريد بعضها، ومعنى «استغفر» طلب أن يغفر له، فهو بمنزلة: استسقيت زيدا الماء، واستطعمت عمرا الخبز، أصله: سقاني زيد الماء، وأطعمني عمرو الخبز؛ فكما أن الماء والخبز في المثالين منصوبان في -

الجزء: 4 - الصفحة: 1737

................................  الحالتين؛ كذلك يكون الذنب في الحالتين منصوبا؛ ولا يكون منصوبا في أحدهما مجرورا في الآخر؛ فإذا دخل حرف الجر، دل على تضمنه معنى ما يتعدى بحرف الجر؛ فكأنك قلت: استتبت الله من ذنبي أو سألته النجاة منه، قال: ولذلك لا يجوز الاقتصار على المنصوب بعد إسقاط «من»، لا تقول: استغفرت ذنبي، حتى تذكر المستغفر المسؤول منه التوبة والنجاة من الذنب 95 انتهى.
والذي ذكره وبحثه حسن وهو الظاهر، وقد كان في النفس من هذه المسألة شيء فانجلى بالوقوف على كلام هذا الرجل، وقد نازع الناس السهيلي في هذه الدعوى فقالوا: هذا الذي قاله السهيلي لا يلزم؛ إذ العرب تقول: استفهمت زيدا عن المسألة، وتقول: فهمني زيد المسألة، فاستغفرت الله من الذنب كاستفهمت زيدا عن المسألة ولم يجئ مجيء استطعمت، فلا يلزم من سين الاستفعال أن يتعدى الفعل بها إلى ما كان يتعدى إليه قبل دخولها 96، قالوا: ويقطع ببطلان مذهبه أن سيبويه نقل أن بعض العرب، يقول: استغفرت الله ذنبي، والجميع يقولون: استغفرت الله من ذنبي 97، فلو كان الأصل أن يتعدى بنفسه؛ لكثر ولقل تعديته بمن 98. وأقول: للسهيلي أن يقول: إن استفهمت زيدا عن المسألة ضمن معنى سألت؛ لأن المستفهم سائل؛ فكأنه قال: سألت زيدا عن المسألة، لكن السؤال قد يكون سؤال مستفهم، وقد يكون سؤال غير مستفهم، فأتى باستفهمت وجرّ المفعول الثاني؛ لإفادة أن المتكلم بذلك سأل زيدا عن المسألة مستفهما، وأما كون جميع العرب يقولون: استغفرت الله من ذنبي؛ فقد يقال في جوابه بأن الفروع قد تفوق الأصول في الاستعمال، ثم المسوغ لكثرة استعمال الفرع هنا دون الأصل: أن أصل الفعل الذي هو «استغفر» يكون حينئذ مضمنا معنى طلب.
ولهذا قال السهيلي: وكأنك قلت: «استتبت الله من ذنبي، أو سألته النجاة منه، ولا شك أن العبد مطلوب منه أن يكون طالبا للخروج من الذنب [2/ 319] والتوبة منه.
ومنها: أن ابن عصفور ذكر في هذا الباب مسألة، وهي أن الفعل المتعدي إذا -

الجزء: 4 - الصفحة: 1738

................................  قدم مفعوله عليه، جاز دخول اللام عليه، فتقول: لزيد ضربت، قال الله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ 99 أما إذا تأخر فلا يجوز دخول اللام عليه، إلا في الضرورة أو في نادر كلام، كقول الشاعر 100: 1323 - فلمّا أن توافقنا قليلا... أنخنا للكلاكل فارتمينا 101 يريد: أنخنا الكلاكل 102، ثم إنه ذكر المسوغ لدخول اللام إذا تقدم 103. فقال الشيخ: إن المصنف لم يتعرض إلى ذكر هذه المسألة، ثم ذكر كلام ابن عصفور واستوفاه 104. وأقول: إن المصنف لم يهمل ذكر المسألة المذكورة؛ بل ذكرها في موضع هو ليس بذكرها فيه من هذا الباب، وهو باب حروف الجر، وسيأتي الكلام عليها في مكانها إن شاء الله تعالى. واعلم أنك إذا قدمت المفعول وقرنته باللام، فقلت: لزيد ضربت، لا يجوز أن نصل ضميره حينئذ بالفعل، وعن مثل هذه المسألة عبر ابن عصفور، بقوله: وإذا تعدى الفعل إلى المفعول ظاهرا لم يتعد إليه مع ذلك مضمرا، لا تقول: لزيد ضربته، قال: فأما قوله 105: 1324 - هذا سراقة للقرآن يدرسه... والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب 106

الحديث: 1323 - الجزء: 4 - الصفحة: 1739

................................  فالضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل، أي: يدرس الدرس 107، ثم قال ابن عصفور: ولا يجوز دخول حرف الجر عليه - أي: على المفعول به - خلاف اللام إلا أن يحفظ؛ فيكون من باب ما زيد فيه حرف الجر، فلا يتجاوز، نحو: مسحت رأسه وبرأسه، وخشنت صدره وبصدره، أو في ضرورة شعر، نحو قوله 108: 1325 - هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور 109 يريد: لا يقرأن السور، وقول الآخر 110: 1326 - نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج 111 يريد: نرجو الفرج، هذا كله إذا كان الفعل يتعدى إلى واحد، فإن كان يتعدى إلى أكثر؛ لم يجز إدخال اللام على مفعوله، تقدم أو تأخر 112، وعلل ذلك بما يوقف عليه من كلامه 113. -

الحديث: 1325 - الجزء: 4 - الصفحة: 1740

[مسائل تأخير المفعول وجوبا وتقديمه وجوبا وجواز الأمرين]

قال ابن مالك: (فصل: يجب تأخير منصوب الفعل إن كان «أنّ» مشدّدة أو مخفّفة [2/ 320] وتقديمه إن تضمّن معنى استفهام أو شرط، أو أضيف إلى ما تضمّنهما أو نصبه جواب «أمّا» ويجوز في غير ذلك إن علم النّصب تأخير الفعل غير تعجّبيّ، ولا موصول به حرف، ولا مقرون بلام ابتداء أو قسم مطلقا خلافا للكوفيّين في نحو: زيدا غلامه ضرب، وغلامه أو غلام أخيه ضرب زيد، وما أراد أخذ زيد وما طعامك أكل إلّا زيد، ولا يوقع فعل مضمر متّصل على مفسّره الظّاهر وقد يقع على مضاف إليه أو موصول بفعله).
ونقل الشيخ عن الشلوبين الصغير 114: أن ذلك لو سمع لقبلناه، ولم يبعد أن يقولوا: لزيد أعطيت درهما 115. قال الشيخ: قد قالته العرب مع تأخر المفعول، فبالأحرى أن يجوز مع التقديم، وأنشد: 1327 - أحجّاج لا تعطي العصاة مناهم... ولا الله يعطي للعصاة مناها 116 قال فأدخل اللام على مفعول أعطى الأول، وهو متأخر عن الفعل، لكن ذلك من القلّة، بحيث ينبغي أن لا يقاس عليه 117. قال ناظر الجيش: اعلم أن تقديم المفعول على الفاعل، كما انقسم إلى ثلاثة أقسام: ممتنع، وواجب، وجائز، هكذا انقسم تقديم المفعول على الفعل نفسه إلى ثلاثة أيضا: -

الحديث: 1327 - الجزء: 4 - الصفحة: 1741

................................  ممتنع، وواجب، وجائز، والذي يحتاج إلى النص عليه منها؛ إنما هو قسمان: الممتنع والواجب، وهما اللذان ذكرهما في الكتاب؛ لأنهما إذا علما علم أن ما عدا صورهما من الصور هي صور القسم الجائز؛ ثم إن المنع من التقديم قد يكون لذات المفعول؛ وذلك أن يكون بذاته يستحق التأخير، وقد يكون لذات العامل؛ بأن يكون غير متصرف، وقد يكون لعارض؛ وذلك بأن يقترن به ما يمنع من التقديم، وقد يكون لخوف التباس المفعول بغير مفعول 118، وأما الموجب للتقديم بأن يتضمن المفعول معنى ما له الصدر، أو يضاف إلى ما يتضمن ذلك 119، وقد ذكر المصنف ما يجب فيه التقديم متوسطا بين صور ما يمتنع فيه التقديم، وكان الأولى والأحسن أن يوالي بين صور ما يمتنع فيه التقديم فيوردها جملة، ثم يردف ذلك بما يجب فيه التقديم.
وبعد؛ فأنا أولا أورد إجمالا صور كل من القسمين مواليا بين صور كل قسم؛ ليكون ذلك أعون للطالب على الضبط، ثم أعود فأورد كلام المصنف، فأقول: يمتنع التقديم في صور: 1 - منها: أن يكون المفعول أنّ أو أن مع صلتيهما؛ لأن هاتين الكلمتين لا يبتدأ بهما كلام، فالامتناع في هذه الصورة لذات المفعول.
2 - ومنها: أن يكون العامل غير متصرف كفعل التعجب؛ فالامتناع في هذه الصورة لذات الفعل.
3 - ومنها: أن يقترن بالعامل ما يمنع من التقديم؛ بأن يكون صلة لموصول حرفي أو مقترن بلام الابتداء أو بلام القسم؛ فيكون الامتناع في ثلاث الصور هذه بسبب ما عرض للعامل من مصاحبة أو اقترانه بما ذكر.
4 - ومنها: أن لا يعلم إذا قدم كونه مفعولا كقولك في ضرب موسى عيسى [2/ 321]: عيسى ضرب موسى؛ فالامتناع في هذه الصورة لخوف الالتباس 120. -

الجزء: 4 - الصفحة: 1742

................................  ويجب التقديم في صور: 1 - منها: أن يكون منصوب الفعل: اسم شرط.
2 - ومنها: أن يكون اسم استفهام.
3 - ومنها: أن يكون مضافا إلى ما تضمن معنى شرط أو استفهام.
4 - ومنها: أن يكون منصوبا بجواب «أمّا» 121. لكن الموجب للتقديم في ثلاث الصور الأولى ذات المنصوب؛ لتضمنه معنى ما له الصدر، أو لإضافته إلى ما تضمن ذلك، وأما الصورة الرابعة فالموجب للتقديم فيها ليس أمرا يرجع إلى ذات المنصوب، إنما هو شيء آخر وهو طلب الفصل بين «أما»، وجوابها بشيء.
وإذ قد عرف ما يمتنع فيه التقديم وما يجب؛ عرف أن ما عدا ذلك يجوز فيه التقديم والتأخير فهو غير محتاج إلى أن ينص عليه؛ وإنما قال المصنف: (ويجوز في غير ذلك.. إلى آخره)، فأشار إلى قسم الجائز لأمر أوجب له ذلك، وهو أن الكوفيين يمنعون التقديم في المسائل الخمسة التي ذكرها، والبصريون يجيزون، ومذهبهم هو الصحيح 122. فاحتاج أن يقول: (ويجوز) ليردفه بقوله: (مطلقا)؛ فيصير التقدير: ويجوز التقديم جوازا مطلقا لا يستثنى من ذلك شيء، يعني على المذهب الأصح؛ ولهذا أردف قوله: (خلافا للكوفيين في كذا وكذا).
وإذ قد تقرر هذا فلنورد كلام المصنف، قال رحمه الله تعالى: لا يجوز في 123 علمت أنك منطلق، ولا: خلت أن ستفعل، ولا أنك منطلق علمت، ولا: أن ستفعل خلت؛ لأنّ «أن» المشددة والمخففة منها لا يبتدأ بهما كلام، وعلى ذلك نبهت بقولي: ويجب تأخير منصوب الفعل إن كان «أن» مشددة أو مخففة؛ ولا يعترض على هذا بقوله تعالى: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ 124، وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ 125؛ فإن الأخفش جعل -

الجزء: 4 - الصفحة: 1743

................................  تقديرهما: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا؛ فإن جواز هذا مرتب على تقدير اللام وتقدير الجر بها 126، وهو عند سيبويه أقوى من جعل «أن» في موضع نصب كما يراه الخليل 127، ولو قدر نصبا لم يجز تقديمها؛ كما لا يتقدم في علمت أن زيدا منطلق؛ فإن المنصوب بحذف حرف الجر فرع المنصوب بمتعدّ، ولا يقع إلا حيث يقع، ومنصوب الفعل يعم المفعول به والظرف وغيرهما، فإذا كان أحد أسماء الاستفهام أو الشرط؛ وجب تقديمه على الفعل، نحو: من رأيت؟، وأيهم لقيت؟، ومتى قدمت؟، وأين أقمت؟، ومن تكرم يكرمك، وأيهم تدع يجبك، ومتى تعن تعن، وكذا المضاف [2/ 322] إلى شيء منها، نحو: غلام من رأيت؟ وفعل أيهم استحسنت؟ وكذا المنصوب بفعل وقع جوابا «لأمّا»، نحو: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ 128، وما سوى ذلك من منصوب بفعل متصرف؛ فجائز تقديمه عليه إن ظهر النصب، أو أغنى عن ظهوره قرينة، نحو: زيدا ضرب عمرو، وحبارى صاد موسى، فإن كان الفعل صلة حرف أو مقرونا بلام الابتداء أو القسم؛ وجب تأخير ما يتعلق به، نحو: من البر أن تكف لسانك، وإن الله ليحب المحسنين، وو الله لأقولن الحق 129، فإن خلا الفعل من ذلك؛ جاز تقديم منصوبه عليه مطلقا خلافا للكوفيين في منع، نحو: زيدا غلامه ضرب 130، وغلامه ضرب زيد 131، وغلام أخيه ضرب زيد 132، وما أراد أخذ زيد 133، وما طعامك أكل إلا زيد 134؛ فإن الكوفيين يمنعون هذه المسائل وأشباهها، وهي جائزة لثبوت استعمالها 135. فمثال زيدا غلامه ضرب، قول رجل من طيئ في كعب بن زهير وأخيه رضي الله تعالى عنه ورحم كعبا: -

الجزء: 4 - الصفحة: 1744

................................  1328 - كعبا أخوه نهى فانقاد منتهيا... ولو أبى باء بالتّخليد في سقرا 136 ومثال غلامه ضرب زيد، قول الشاعر: 1329 - رأيه يحمد الّذي ألف الحز... م ويشقى بسبيه المغرور 137 ومثال غلام أخيه ضرب زيد، قول الآخر: 1330 - شرّ يوميها وأغواه لها... ركبت عنز بحدج جملا 138 ومثال ما أراد أخذ زيد، قول الشاعر: 1331 - ما شاء أنشأ ربّي والّذي هو... لم يشأ فلست تراه ناشئا أبدا 139 ومثال ما طعامك أكل إلا زيد، قول الشاعر: 1332 - ما المرء ينفع إلّا ربّه فعلا... م تستمال بغير الله آمال 140 انتهى 141. -

الحديث: 1328 - الجزء: 4 - الصفحة: 1745

................................  ويتعلق به مباحث: الأول: أنه كما يجب تأخير منصوب الفعل فيما ذكر، يجب تأخير منصوب اسم الفاعل فيه أيضا؛ فلو قال: يجب تأخير منصوب العامل لكان أولى، لتكون العبارة شاملة كل عامل فعلا كان أو اسما 142. الثاني: أن «أن» الناصبة للفعل حكمها في وجوب التأخير عن العامل؛ إن وقعت مع صلتها مفعولا بها حكم «أنّ» المشددة والمخففة، نحو قولك: أريد أن تقوم، فلو قرنها في الذكر بأختيها لكان أولى 143. الثالث: قوله وهو عند سيبويه أقوى من جعل «أن» في موضع نصب كما يراه الخليل، بعد أن قال: فإن جواز هذا مرتب على تقدير اللام، وتقدير الجر بها لم أتحقق معناه؛ فإن ظاهره يعطي أن سيبويه يرى أن «أن» بعد حذف حرف الجر المباشر لها في موضع جر، وقد تقدم له [2/ 322 مكرر] أن القائل بذلك؛ إنما هو الخليل والكسائي؛ وأن سيبويه يرى أنّها في موضع نصب، فليتأمل كلامه.
الرابع: أنه لما ذكر ما يمنع التقديم عليه إذا كان صلة اقتصر على ذكر العامل الموصول به حرف؛ ولا شك أن العامل الموصول به «أل» يمتنع تقديم معموله عليه أيضا؛ فكان الواجب أن يقول: ولا موصول به «أل»، ولا موصول به حرف 144. -

الجزء: 4 - الصفحة: 1746

................................  الخامس: أن معمول المقرون بلام الابتداء أو القسم إنما يمتنع على الأداة نفسها، أما تقديمه على العامل فجائز، نحو أن تقول: إن الله المحسنين يحب، وو الله الحق أقول؛ فلم يمتنع التقديم في هاتين الصورتين على العامل؛ إنما امتنع التقديم على ما اقترن بالعامل 145. السادس: أن ظاهر قوله في متن الكتاب: (أو نصبه جواب «أمّا») وقوله في الشرح: (وكذا المنصوب بفعل وقع جوابا «لأمّا») يقتضي أن كل ما نصبه جواب «أمّا» يجب تقديمه على الجواب الناصب له، وليس كذلك؛ إذ يجوز أن يقال: أما اليوم فأنا أضرب زيدا، وأما بعد سماع كلام الله تعالى فلا أقهر اليتيم، نعم الواجب هو الفصل بين «أما» وجوابها بشيء، وهو في الجملة؛ ولذلك وجب التقديم في نحو: أمّا زيدا فأضرب؛ لأنه لا بد من فاصل، ولا شيء في هذه الجملة يفصل به غير زيد، ولم يكن وجوب التقديم لكونه معمولا لجواب «أمّا» 146، وإذا كان كذلك لم يتجه قوله: (أو نصبه جواب «أمّا»)، ثم إن التنبيه يتعين هاهنا على أمور منها: 1 - أنّ ابن عصفور ذكر وجوب التقديم في شيء، ووجوب التأخير في شيء، لم يذكرهما المصنف، فقال: ويجب التقديم إذا كان المفعول كم الخبرية، أو ضميرا منفصلا، لو تأخر اتصاله نحو: إياك أكرمت، ويجب التأخير إذا كان المفعول ضميرا متصلا 147؛ فزاد على ما ذكره المصنف ثلاث صور، وإنما قيد الضمير المنفصل بقوله: لو تأخر لزم اتصاله؛ احترازا من الضمير في نحو: الدرهم إياه أعطيتك، فإنه لا يلزم اتصاله إذا تأخر، بل يجوز أن يؤتى به متصلا ومنفصلا 148، ثم أقول: أما «كم» فقد ذكر المصنف في باب «كم وكأين وكذا» أن «كم» لزمت التصدير بعد أن ذكر أنها استفهامية وخبرية؛ فأفاد أن حكم الخبرية حكم الاستفهامية، وهو -

الجزء: 4 - الصفحة: 1747

قد ذكر اسم الاستفهام هنا، فاندرج تحته ما حكمه كحكمه، وأما الضمير المنفصل؛ فلا شك أن الضمير إذا كان بحيث لو تأخر لزم اتصاله [2/ 323] استغنى عن ذكره؛ لأن المعمول الذي يحكم عليه بأن يؤخر من تقديم، أو يقدم من تأخير يجب أن يكون لفظه في الحالتين واحدا، كزيد من قولك: ضربت زيدا، وزيدا ضربت، وأنت إذا أخرت المفعول في: إياك أكرمت فقلت: أكرمتك، لم يكن المؤخر هو الذي كان مقدما؛ بل غيره؛ لأن المقدم منفصل، والمتأخر متصل؛ فهذا التركيب غير ذلك، وهكذا يقال في عكس هذه الصورة فيقال له: إنما يذكر الضمير المتصل فيما يجب تأخيره؛ لأن المتأخر إذا قدم لزم انفصاله، فلم يكن المقدم هو الذي كان مؤخرا.
2 - ومنها أنّ المصنف اقتصر فيما يمنع من التقديم، لأجل ما قارن العامل على ذكر الموصول الحرفي، ولام الابتداء، ولام القسم، وتقدم القول بأن «أل» الموصولة كان يجب ذكرها أيضا، وأما ابن عصفور فإنه زاد على ذلك فذكر «ما» النافية و «لا» الواقعة في جواب قسم، وأدوات الاستفهام، وأدوات الشرط، وأدوات التّحضيض ثم قال: وكذا إذا وقع صلة لموصول، أو صفة لموصوف، وكذلك إن دخل على العامل خافض غير زائد 149. والذي قاله ابن عصفور حق، غير أن المصنف مستغن عن ذكر أكثر ذلك، أما أدوات الاستفهام، والشرط، فقد صرح المصنف بأن لها الصدر، فقال في باب الجوازم: (لأداة الشرط صدر الكلام)، وقال في الباب الذي يليه، وقد ذكر هل والهمزة: (استأثرت الهمزة بتمام التصدير)؛ فدل بهذا الكلام على أن لهما الصدر، وأما الموصول فقد عرف في بابه أن الصلة لا تتقدم على الموصول؛ لأنها كالجزء منه، وهو كالجزء منها، ولا شك أن معمول الصلة من تمامها، فحكمه في جواز التقديم حكمها، وأما الموصوف فقد قال المصنف في باب التابع: ولا يتقدم معمول تابع على متبوع، وأما العامل إذا دخل عليه خافض، فقد ذكر المصنف في باب الإضافة؛ أنه لا يتقدم على مضاف معمول مضاف إليه، فلا يقال: هذا عمرا غلام ضارب، وأما إذا كان الخافض حرفا، فلا أعرف من كلام المصنف التصريح بالنص، على أن تقديم المعمول عليه غير جائز، فعلى هذا تكون هذه الصورة -

الجزء: 4 - الصفحة: 1748

................................  مستدركة على المصنف، وكذا يستدرك عليه «ما» و «لا» النافيتان، وأدوات التحضيض ولا يعتذر عنه بأن يقال: قد علم من كلامه في باب ظن وأخواتها أن «ما» و «لا» النافيتين لهما الصدر؛ حيث [2/ 324] يجعلهما من جملة المعلقات؛ لأنا نقول: قد ذكر في باب ظن لام الابتداء، ولام القسم أيضا، مع أنه ذكرهما هنا، فأي فرق؟ ثم قد بقي على المصنف وابن عصفور أن يذكرا «إن» النافية؛ لأنها مساوية لـ «ما» في التصدير، ومن ثم كانت معلقة.
3 - ومنها أنّ جميع ما ذكر من الصور مما يمتنع تقديمه على ما قارن العامل، يجوز تقديمه على العامل نفسه، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في لام الابتداء، ولام القسم، إلا في ثلاث صور؛ فإن التقديم فيها يمتنع مطلقا، أعني على المقارن وعلى العامل، وهي أن يكون العامل صلة «أل»؛ وأن يكون صلة حرف موصول وأن يكون العامل قد دخل عليه خافض؛ لكن ابن عصفور له تفصيل في الحرف الموصول، فيقول: إن كان الحرف ناصبا فالتقديم ممتنع، وإن كان غير ناصب فالتقديم جائز، فيجيز أن يقال: يعجبني ما زيدا ضربت 150، وعلم من تقييد الخافض بكونه غير زائد؛ أن التقديم على الحرف الزائد لا يمتنع، فيقال: ليس زيد عمرا بضارب؛ لأن الزائد في حكم الساقط فيحكم للعامل المصاحب له بما يستحقه في ذاته.
4 - ومنها أنّ ابن عصفور قيد لام الابتداء التي يمتنع تقديم معمول مصاحبها عليها بكونها غير المصاحبة لـ «إن» 151، وهو تقيد حسن؛ فعلى هذا يجوز: إن زيدا عمرا ليضرب؛ لأنها وإن كانت مؤخرة لفظا؛ فهي في النيّة مقدمة على «إن»، وإنما أخرت للعلة التي تذكر في باب «إن».
5 - ومنها أنّ الشيخ قال: إن المصنف نقصه مما يجب فيه تقديم المعمول أن يكون الناصب فعل أمر دخلت عليه الفاء، نحو: زيدا فاضرب 152. انتهى.
والذي ينبغي أن لا تعد هذه المسألة من هذا الباب؛ لأن المفعول لم يقدم فيها لذاته، بل لأمر اقتضى ذلك، وقد تقدم الكلام على المسألة وأمثالها في آخر باب المبتدأ، ومن هنا يتحقق الجواب.
-

الجزء: 4 - الصفحة: 1749

................................  وأما قول المصنف: (ولا يوقع فعل مضمر متصل على مفسّره الظاهر) فأشار به إلى أنه لا يقال: زيدا ضرب، على أن يكون المراد: زيدا ضرب نفسه، فيسند «ضرب» إلى ضمير يفسره لفظ «زيد»، ولفظ «زيد» منصوب به، فلا يجوز هذا؛ لأن جوازه يستلزم توقف مفهومية ما لا يستغنى عنه وهو الفاعل على مفهومية ما يستغنى عنه، وهو المفعول 153، فلو كان الفاعل ضميرا منفصلا؛ جاز إيقاع فعله على مفسره الظاهر، نحو: ما ضرب زيدا إلا هو؛ لأن الضمير المنفصل فيما نحن بسبيله، مقدر قبله ظاهر مبدل منه الضمير، فتقدير ما ضرب زيدا إلا هو: ما ضرب زيدا أحد إلا هو، فقيام المنفصل [2/ 325] مقام الظاهر المقدر سهّل إيقاع فعله على مفسر الظاهر فحكم بالجواز، وقد يوقع فعل ضمير متصل على مضاف إلى مفسر الضمير، نحو: غلام هند ضربت، ففاعل «ضربت» ضمير «هند»، وجاز هذا؛ لأنه في تقدير: ضربت هند غلامها، ومثله قول الشاعر: 1333 - أجل المرء يستحثّ ولا يد... ري إذا يبتغي حصول الأماني 154 يريد المرء في وقت ابتغاء الأماني يستحث أجله ولا يشعر، وقد يوقع فعل ضمير متصل على موصول بفعل مسند إلى مفسر الضمير، نحو: ما أراد زيد أخذ، فـ «ما» في موضع نصب بـ «أخذ»، و «زيد» فاعل «أراد» وهما صلة لـ «ما» وفاعل «أخذ» ضمير «زيد»، وجاز هذا؛ لأن التقدير: أخذ زيد ما أراد، ومثله قول الشاعر: 1334 - ما حبّت النّفس ممّا راق منظره... رامت ولم ينهها بأس ولا حذر 155

الحديث: 1333 - الجزء: 4 - الصفحة: 1750

[حذف العامل الناصب للمفعول به جوازا ووجوبا]

قال ابن مالك: (فصل: يجوز الاقتصار قياسا على منصوب الفعل، مستغنى عنه بحضور معناه أو سببه أو مقارنه أو الوعد به أو السّؤال عنه بلفظه أو معناه أو عن متعلّقه، وبطلبه، وبالرّدّ على نافيه أو النّاهي عنه أو على مثبته أو الآمر به، فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه في كثرة الاستعمال فهو لازم، وقد يجعل المنصوب مبتدأ أو خبرا فيلزم حذف ثاني الجزأين).  هذا كلام المصنف 156. قال الشيخ: وفي جواز نحو: «غلام هند ضربت» خلاف؛ ذهب الأخفش والفراء إلى منعها، وذهب هشام إلى الجواز، واختلف عن الكسائي، والمبرد، وأكثر البصريين منهم من ذكر المنع، ومنهم من ذكر الجواز، ثم قال والأصح الجواز 157. قال ناظر الجيش: قال المصنف 158: المقصود هنا التنبيه على حذف الفعل وفاعله والاقتصار على المفعول به، لأن الباب له، لكني ذكرت لفظا صالحا للمفعول به وغيره من منصوبات الفعل؛ لأنها كلها متساوية في صحة النصب بفعل محذوف، كقولك: زيدا، لمن قال: من ضربت؟، وكقولك: حين ظلم، لمن قال: متى ضربته؟، وكقولك: ضربا يردعه، لمن قال: أي ضرب ضربته؟، وكقولك: تأديبا، لمن قال: لم ضربته؟، وكقولك: مكتوفا، لمن قال: كيف ضربته؟، ولغير المفعول به مواضع يستوفى فيها بعون الله تعالى بيان ما يحتاج إليه، ومثال الاستغناء عن لفظ الفعل بحضور معناه، قولك لمن شرع في إعطاء: زيدا؛ بإضمار أعط، ولمن شرع في ذكر رؤيا: خيرا لنا وشرّا لعدونا؛ بإضمار رأيت، ولمن قطع حديثا: حديثك؛ بإضمار تمّم، أو نحو ذلك 159، ومثال الاستغناء بسبب الفعل قول الشاعر: 1335 - إذا تغنّى الحمام الورق هيّجني... ولو تسلّيت عنها أمّ عمّار 160

الحديث: 1335 - الجزء: 4 - الصفحة: 1751

................................  بإضمار ذكرت [2/ 326]؛ لأن التّهيّج سبب الذكر وباعث عليه، ومثال الاستغناء بحضور مقارنه كقولك لمن تأهب للحج: مكة؛ بإضمار: أراد أو يريد مكة، ولمن سدد سهما: القرطاس، بإضمار تصيب، وللمواجهين مطلع الهلال إذا كبروا: الهلال بإضمار رأوا، ومن هذا القبيل قول الشاعر 161: 1336 - لن تراها ولو تأمّلت إلّا... ولها في مفارق الرّأس طيبا 162 بإضمار: ترى، لأن رؤية الشخص مقاربة لرؤية ما اشتمل عليه، فاستغني بفعل إحداهما عن فعل الأخرى، وينبغي أن يكون «يرى» المضمر بمعنى يعلم؛ لأنه إذا كان بمعنى تبصر؛ يلزم من ذلك كون الموصوفة مكشوفة الرأس 163، وينبغي أن تجعل الفعل المضمر خبر مبتدأ محذوف؛ لئلا تكون واو الحال داخلة على مضارع مثبت؛ فإن ذلك غير جائز عند الأكثرين، وما أوهمه قدر قبله مبتدأ 164، ومثل هذا البيت قول الآخر: 1337 - وجدنا الصّالحين لهم جزاء... وجنات وعينا سلسبيلا 165

    • «ولو تسليت»، والخصائص (2/ 425، 428)، والارتشاف (ص 597)، والبحر المحيط (4/ 356)، والتذييل (3/ 95)، وتعليق الفرائد (ص 1429)، والكافي شرح الهادي (ص 434)، وديوانه (ص 51) طبعة بيروت، واللسان «ورق».
      اللغة: الورق: جمع ورقاء، وهي الحمامة التي لونها بين السواد والغبرة، وقيل: هي الحمامة التي تأتلف الشجر.
      والشاهد قوله: «ولو تسليت عنها أم عمار»؛ حيث نصب «أم عمار» بفعل دل عليه ما قبله، وهو «هيجني»؛ لأنه لما قال: هيجني دل على «ذكرني» فاستغني عنه.

الحديث: 1336 - الجزء: 4 - الصفحة: 1752

................................  أي: لهم جزاء ووجدنا لهم جنات، فأضمر؛ لأن الوجدانين متقارنان، فاستغني بفعل أحدهما عن فعل الآخر، ومن هذا القبيل قول الآخر 166: 1338 - فكّرت تبتغيه فوافقته... على دمه ومصرعه السّباعا 167 أي: ووافقت على دمه، فأضمر؛ لأن الموافقتين مقترنتان، فاستغني بفعل إحداهما عن فعل الأخرى، ويروى «فصادفته»، ومن هذا القبيل قول الآخر 168: 1339 - تذكّرت أرضا بها أهلها... أخوالها فيها وأعمامها 169 أي: وتذكرت أخوالها فيها وأعمامها؛ لأن التذكيرين مقترنان، فاستغني بفعل أحدهما عن فعل الآخر، ومن هذا أيضا قول الراجز: 1340 - قد سالم الحيّات منه القدما... الأفعوان والشّجاع الشّجعما 170 أراد: قد سالم الحيات منه القدما، وسالمت القدم الشجاع الشجعما، فحذف؛ لأن المسالمتين مقترنتان، فاستغني بفعل إحداهما عن فعل الأخرى، ويروى: قد سالم الحيّات منه القدما على جعل الحيات مفعولا، والقدمان فاعل، وحذفت النون، كما حذفت نون: - - والشاهد قوله: «وجنات»؛ حيث نصبه بفعل مضمر، والتقدير: وجدنا لهم جنات، وقد أورد القيرواني هذا البيت، والذي قبله على أنهما ضرورة شعرية.
ينظر ما يجوز للشاعر في الضرورة (ص 162).

الحديث: 1338 - الجزء: 4 - الصفحة: 1753

................................  1341 - هما خطّتان إمّا إسار ومنّة 171 بالرفع، ومثال الاستغناء بالوعد، قولك: زيدا، لمن قال: سأطعم من احتاج، بإضمار أطعم، ومثال الاستغناء بالسؤال عن الفعل بلفظه، قولك لمن قال: هل رأيت أحدا؟: نعم زيدا، بإضمار رأيت، ومثال الاستغناء بالسؤال عن الفعل بمعناه دون لفظه قول من قال: بلى وجادا 172، حين قيل له: أفي مكان كذا وجد؟ بإضمار أعرف؛ لأن قوله: أفي مكان كذا وجد؟ بمعنى: أتعرف فيه وجدا؟، ومثال الاستغناء عن الفعل المسؤول عن متعلقه قوله تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [2/ 327] ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً 173، فنصب «خيرا» بأنزل مضمرا، ومثال الاستغناء عن الفعل في طلبه قولهم: ألا رجل إما زيدا، وإما عمروا تريدون أجعله زيدا وعمرا، ومنه قولهم: اللهمّ ضبعا وذئبا 174 بمعنى اجمع فيها ضبعا وذئبا، ومثال الاستغناء عن الفعل في الرد على نافيه: قولك لمن قال: ما لقيت أحدا؟: بلى زيدا.
ومثال الاستغناء عن الفعل في الرد على الناهي عنه، قولك لمن قال: ألا تضرب أحدا؟: بلى من أساء، بإضمار لقيت وأضرب، ومثال الاستغناء عن الفعل في الرد على مثبته، قولك لمن قال: ضرب زيد عمرا: لا بل عامرا، ومثال الاستغناء في الرد على الآمر به، قولك لمن قال: تعلم لغة: لا بل نحوا؛ بإضمار: ضرب وأتعلم، ونحوه، فهذا رد على وفق اللفظ، وأما الرد على وفق المعنى دون اللفظ، فكقوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ 175، أي: بل نتبع ملة -

الحديث: 1341 - الجزء: 4 - الصفحة: 1754

................................  إبراهيم، فأضمر نتبع لأن معنى كونوا هودا أو نصارى: اتبعوا ملة اليهود أو النصارى.
فالإظهار والإضمار جائزان في أمثال هذه المسائل قياسا 176؛ فإن كان الذي اقتصر فيه على المفعول مثلا، أو جاريا مجرى المثل في كثرة الاستعمال؛ امتنع الإظهار ولزم الاقتصار، فالمثل كقولهم: كلّ شيء ولا شتيمة 177 حرّ، أي ائت ولا ترتكب، وهذا ولا زعماتك 178، أي: ولا أتوهم وكليهما 179 وتمرا، أي: أعطني وزدني، والجاري مجرى المثل قولهم: حسبك خيرا لك، ووراءك أوسع لك، وقوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ 180، انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 181. قال سيبويه: وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، ولعلم المخاطب أنه محمول على أمر حين قال: انته، فصار بدلا من قوله: ائت خيرا، قال: ونظير ذلك من الكلام قوله: انته أمرا قاصدا، كأنه قال: انته وائت أمرا قاصدا، إلا أن هذا يجوز لك فيه إظهار الفعل 182، يعني أن قول من قال: انته أمرا قاصدا، ليس مثل انته خيرا لك في كثرة الاستعمال، فلزم إضمار الفعل فيه، كما لزم إضمار الفعل في ذلك، وقد غفل الزمخشري عن كلام سيبويه فجعل انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ وانته أمرا قاصدا سواء 183، ومذهب الكسائي أن خَيْراً منصوب بيكن محذوفا، والتقدير: يكن الانتهاء خيرا لكم 184، وردّ عليه الفراء بأن قال: لو صح هذا التقدير لجاز أن يقال: انته أخانا، على تقدير: تكن أخانا، وزعم هو أن التقدير: انتهوا انتهاء خيرا لكم، فحذف المصدر وأقيمت صفته مقامه 185، وهذا القول مردود بقولهم: حسبك خيرا لك، فإن تقدير مصدر هنا لا يحسن، وبقولهم: -

الجزء: 4 - الصفحة: 1755

................................  وراءك أوسع لك؛ فإن أوسع صفة لمكان لا مصدر 186، ومثله ما أنشد سيبويه من قول الشاعر [2/ 328] 187: 1342 - فواعديه سرحتي مالك... أو الرّبا بينهما أسهلا 188 وأسهل بمعنى: مكان سهل، وأجاز السيرافي أن يكون مكانا بعينه 189، وعلى كل حال لا يصلح أن يراد به المصدر، ولا أن يراد به ما قدر الكسائي، وإذا بطل قول الكسائي، وقول الفراء، تعين الحكم بصحة القول الأول، وهو قول الخليل وسيبويه، وقد جعل سيبويه من المنصوب باللازم إضماره قول ذي الرمة: 1343 - ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا... ولا يرى مثلها عرب ولا عجم 190 قال سيبويه: كأنه قال: اذكر ديار مية؛ ولكنه لا يذكر اذكر؛ لكثرة ذلك في كلامهم 191. وقال سيبويه: ومن العرب من يرفع الديار؛ كأنه يقول: تلك ديار فلانة، وقال أيضا: ومن العرب من يقول: كلاهما وتمرا؛ كأنه قال: كلاهما لي وزدني تمرا، وكل شيء ولا شتيمة حر، كأنه قال: كل شيء أمم، ولا شتيمة حر، وترك ذكر الفعل بعد لا 192. -

الحديث: 1342 - الجزء: 4 - الصفحة: 1756

................................  هذا نصه، وإلى هذا أشرت بقولي: وقد يجعل المنصوب مبتدأ أو خبرا؛ وقد تناول قولي: فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه في كثرة الاستعمال؛ نحو: إيّاي وكذا بإضمار: نحّ، ونحو: إياك وكذا بإضمار: ابق، وهذا المسمى تحذيرا، ولا يلزم إضمار الناصب فيه إلا مع إياك وأخواتها، ومع مكرر، نحو: الأسد الأسد، ومع معطوف ومعطوف عليه نحو: «ماز رأسك والسيف» 193، ولا يحذف العاطف بعد إياك إلا والمحذور مجرور بمن، نحو: إياك من الشر، وتقديرها مع «أن» كاف، نحو: إياك أن تسيء على تقدير: إياك من أن تسيء، فحذف «من»؛ لأن مثل هذا في «أن» مطرد، فلو وقعت الإساءة موقع «أن تسيء» لم يجز حذف «من» إلا في الضرورة 194، كقول الشاعر: 1344 - وإيّاك إيّاك المراء فإنّه... إلى الشّرّ دعّاء وبالشّرّ آمر 195 أراد: إياك أن تماري، ثم أوقع موقع «أن تماري» المراء، فعامله معاملة ما هو واقع موقعه، ويجوز أن يكون نصب المراء بفعل مضمر غير الذي نصب إياك.
وعلى كل حال فلا يجوز مثل هذا إلا في الشعر، وليس العطف بعد إياك من عطف الجمل، خلافا لابن طاهر وابن خروف 196، ولا من عطف المفرد على تقدير: اتق نفسك أن تدنو من الشر والشر أن يدنو منك، بل هو من عطف المفرد، على تقدير: اتق تلاقي نفسك والشر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ ولا شك أن هذا أقل تكلفا فكان أولى ويساوي التحذير في كل ما ذكرته [2/ 329]-

الحديث: 1344 - الجزء: 4 - الصفحة: 1757

................................  الإغراء، نحو: أخاك أخاك، بإضمار الزم وشبهه... انتهى كلام المصنف 197. ولا بد مع ذلك من الإشارة إلى أمور: 1 - منها: أن العامل الناصب لمعموله بالنسبة إلى الإظهار والإضمار، على ثلاثة أقسام: قسم يجب فيه الإظهار، وهو ما لا دليل عليه لو أضمر، كقولك ابتداء من غير قرينة قول أو حال، زيدا مثلا أو عمرا؛ فإنه لا يجوز 198، وهذا القسم لم يحتج المصنف أن ينبه عليه، لأنه ذكر القسمين الآخرين، وهما ما يجوز فيهما الأمران وما يجب فيه الإضمار، ونبه على أسباب كل منهما؛ فما انتفت عنه أسباب الجواز وأسباب الوجوب يعلم أن إظهار العامل فيه واجب؛ لأن إظهار العامل وذكره مع عامله هو الأصل، ثم إن المجوز للحذف أن يكون ثمّ دليل على المحذوف، ولهذا اقتصر غير المصنف على ذلك واكتفى به، وأما المصنف؛ فإنه تعرض لأسباب الدلالة، فذكر اثني عشر سببا كما علمت 199، ويظهر أنه استوفى الأسباب كلها، وأما الموجب للحذف وهو المعبر عنه بالإضمار؛ فذكر له المصنف سببين وهما: أن يكون الحذف في مثل نحو: كلّ شيء ولا شتيمة حرّ، أو ما هو جار مجرى المثل في كثرة الاستعمال، كقوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ 200 كما تقدم 201. وحاصل الأمر: أن ما لا دليل عليه من العوامل يجب ذكره، وما دل عليه لو حذف دليل جاز فيه الذكر والحذف، وما دل عليه دليل وكان له بدل يقوم مقامه وجب حذفه، وكذا ما كان مثلا أو جرى مجرى المثل في كثرة الاستعمال.
2 - ومنها: أن المصنف؛ إنما قال: (يجوز الاقتصار على منصوب الفعل)، ولم يقل: على المفعول به، وإن كان الباب معقودا له؛ لتشمل عبارته سائر المنصوبات من: مفعول به ومفعول فيه ومفعول له ومفعول مطلق وحال 202، ولهذا لما تكلم ابن عصفور في ذلك عمّ القول بالنسبة إلى كل معمول، ولم يقتصر على -

الجزء: 4 - الصفحة: 1758

................................  عامل المفعول به، فقال: وقد يعرض فيما كان من عوامل الأسماء فعلا أن يضمر 203، ثم سرد جميع ما ينصب بعامل واجب الحذف في جميع أبواب العربية 204، ويقال: إن بعض ملوك العرب سأل ابن عصفور عن هذه المسألة، وكان ذلك بحضرة جمع من النحاة، فشرع في ذكر ما ينتصب بعامل واجب الحذف إلى أن أتى على جميع ما تضمنته أبواب العربية من ذلك في مجلسه على الفور، دون تروّ فقضى منه حينئذ العجب، وشهد له بالتبريز في هذا الفن.
والمصنف لم يخلّ بشيء مما ذكره ابن عصفور؛ لكنه فرق المسائل، فأورد كلّا في بابه؛ وأنا أشير إلى ما قاله ابن عصفور ملخصا [2/ 330] ثم أرجع كلام المصنف الذي أورده مفرقا إليه.
وقبل ذلك فاعلم أن الواجب إضمار عامله قسمان: قسم نظم في أبواب، وهو الاسم المشتغل 205، والمنادى، والمخصوص، والمحذر، والمحذر منه، والمغرى به، وقسم لم ينظم، وإنما ذكر في أبواب متفرقة، لمناسبة كل من ذلك بالباب الذي يذكر فيه، فابن عصفور ذكر الأمور التي نظمت في أبوابها، وذكر المتفرق في الأبواب؛ لكنه لم يلتزم هذا الترتيب في الذكر؛ بل قال: فمنه المنادى، والاختصاص، ومنه الصفات المقطوعة على المدح، أو الشتم، أو الترحم قال: فإنها صارت بدلا من أمدح، وأذم، وأرحم، ومنه الاسم المشتغل عنه، ومنه: إياك والأسد - يعني التحذير - وشأنك والجمع - يعني الإغراء -، ومنه أمرأ ونفسه وأهلك، والليل وغديرك، وهذا ولا زعامتك، وكليهما وتمرا، وكل شيء ولا شتيمة حر، ومن أنت زيدا ومرحبا، وأهلا وسهلا؛ وإن تأتني فأهل الليل، وأهل النهار، وانْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 206 وحسبك خيرا، ووراءك أوسع لك، ومنه في الدعاء: سقيا ورعيا، والدعاء عليه: أفّة وتقّة، وزفرا، ومنه إلا أنه لا يستعمل إلا مضافا: ويحك، وويلك، وويبك 207 وونيك، ومنه إلا أنه في غير الدعاء: حمدا وشكرا، لا كفرا وعجبا، وكرامة ومسرة، ومنه: ولا كبدا ولا همّا، ومنه وزعما وهو أنا، ومنه: -

الجزء: 4 - الصفحة: 1759

................................  ما أنت إلا سيرا؛ وإنما أنت سيرا، ومنه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً 208، ومنه: له صوت صوت حمار، ومنه أنت ابني حقّا، وله ألف درهم عرفا، ومنه: صنع الله، وكتاب الله، وسبحان الله وريحانه، ومعاذ الله، وعمرك الله وبعدك الله، وكذا ما جاء مثنى، نحو: حنانيك، ولبيك، وسعديك، وهذا ذيك، ودواليك، ومنه وهو مما جرى مجرى «سبحان» 209 في المعنى؛ إلا أنه غير مصدر سبّوحا قدّوسا، أي: ذكرت سبّوحا، قدّوسا، أو اذكر، ومما أجري مجرى المصادر في الدعاء، وفي غير الدعاء: عائذا بك، وأقائما وقد قعد الناس؟، وأقاعدا وقد سار الركب؟، ومنه: أتميميّا مرة، وقيسيّا أخرى؟ ومنه أأعور وذا ناب 210، وفيه إضمار كان، وإنابة «ما» منابها، ومنه: أخذته بدرهم فصاعدا وبدرهم فزائدا، هذا ما تضمنه كلام ابن عصفور 211. فأما المنادى، والمخصوص، والمشتغل عنه، والمحذر، والمغرى به، فقد ذكرها المصنف في أبوابها، وأما الصفات المقطوعة فقد ذكرها في باب النعت، وأما: امرأ ونفسه وما ذكر بعده إلى: إن تأتني فأهل النهار وأهل الليل، فقد ذكر المصنف ذلك في باب التحذير والإغراء؛ لأنه ملحق بهما في التزام إضمار [2/ 331] الناصب على أن قول المصنف هنا: (فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه فهو لازم) يشمل الكلمات المذكورة أيضا، وأما انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 212، وحسبك خيرا لك، ووراءك أوسع لك، فقد ذكره المصنف في هذا الباب، وجعله شبه المثل في كثرة الاستعمال، وأما سقيا ورعيا، وما ذكر بعدهما إلى هذاذيك ودواليك، فقد ذكره المصنف في باب المفعول المطلق، وأما سبّوحا، قدّوسا، وهو ما جرى مجرى «سبحان» في المعنى إلا أنه غير مصدر؛ فلم يذكره المصنف، وفي كون ناصبه واجب الحذف نظر؛ إذ لا بدل عنه كما أن «سبحان» بدل من اللفظ بعامله لكن قد نقل ابن عصفور ذلك، وهو الإمام في هذا العلم والنقول لا تدفع، وأما هنيئا مريئا؛ فقد ذكرهما المصنف في باب الحال، وأما عائذا بك إلى أعور وذا ناب؛ فقد ذكره المصنف في باب المفعول المطلق أيضا، وذكر أن الصفات أحوال؛ وأن الأسماء مفعولات على الأصح فيها، وأما حذف كان وإنابة «ما» منابها؛ فذكره -

الجزء: 4 - الصفحة: 1760

................................  في باب كان، وأما أخذته بدرهم فصاعدا، وبدرهم فزائدا؛ فقد ذكره في الحال أيضا، وعلى هذا فجملة الأبواب التي يجب فيها حذف الناصب ثمانية وهي: النداء، والاختصاص، والاشتغال، والتحذير، والإغراء، وما ألحق بهما، والصفات المقطوعة، والمفعول المطلق وهو أقسام، والحال.
3 - ومنها: أنه قد تقدم أن الأصح من المذاهب الثلاثة في المسألة المذكورة في قوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 213 أن خيرا منصوب على أنه مفعول به بفعل مقدر، والتقدير: انتهوا أو ائتوا خيرا لكم؛ وأنه مذهب الخليل وسيبويه 214، واستدل الأئمة لصحته بأنك إذا قلت: انته خيرا لك، فنهيته؛ علم أنك تأمره بما هو خير، فكأنك قلت: وائت خيرا، قالوا: وإنما علم ذلك من النهي؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، قالوا: ويدل على بطلان مذهبي الكسائي والفراء في هذه المسألة قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 215؛ لأنه لو حمل على ما قالا، لا يكون خيرا؛ لأن من انتهى من التثليث وكان معطلا؛ لا يكون خيرا له.
وفي قول سيبويه: وائت خيرا؛ يكون أمرا بالتوحيد الذي هو خير 216، واعلم أن حسبك من قولهم: حسبك خيرا لك، إما مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: حسبك الذي فعلت، أو: الذي فعلت حسبك، و «خيرا» مفعول بفعل محذوف، التقدير: وائت خيرا، لأن حسبك معناه كف، ولما أمره بالكف علم أنه محمول على غيره، فقال: خيرا لك، أي: وائت خيرا لك كما ذكر في انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ سواء، وأما ورائك أوسع لك، فوراءك اسم فعل معناه تأخر [2/ 332] وضده أمامك بمعنى تقدم، «وأوسع» منصوب بإضمار فعل، التقدير: خذ مكانا أوسع لك، أو: ائت مكانا أوسع؛ لأنه لما نهاه عن التقدم بقوله: وراءك؛ علم أنه يأمره بإتيان ما هو أوسع له 217. 4 - ومنها: أن الشيخ قال في قول المصنف: (فيلزم حذف ثاني الجزأين): لو -

الجزء: 4 - الصفحة: 1761

[مواضع حذف المفعول ومواضع ذكره]

قال ابن مالك: (فصل: يحذف كثيرا المفعول به غير المخبر عنه والمخبر به والمتعجّب منه والمجاب به والمحصور، والباقي محذوفا عامله، وما حذف من مفعول به فمنويّ لدليل أو غير منويّ؛ وذلك إمّا لتضمين الفعل معنى يقتضي اللّزوم، وإمّا للمبالغة بترك التّقييد، وإمّا لبعض أسباب النّيابة عن الفاعل).
قال: حذف أحد الجزأين كان أحسن؛ لأنه إذا حذف المبتدأ فليس هو ثاني الجزأين 218. ويجاب عن المصنف؛ بأنه لم يرد بالثاني المذكور في الرتبة الثانية، بل الواحد من الاثنين؛ لأن كلّا منهما ثان للآخر.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 219: الغرض الآن بيان ما يجوز حذفه وما لا يجوز حذفه من المفاعيل، فاستثنيت المخبر عنه قاصدا المفعول القائم مقام الفاعل، والأول من مفعولي ظن وأخواتها، والثاني من مفاعيل أعلم وأخواتها؛ فإن الكلام على ذلك قد تقدم، واستثنيت أيضا المفعول المتعجب منه، كزيد من قولك: ما أحسن زيدا؛ فإن بيان ما يحتاج إليه يأتي في بابه إن شاء الله تعالى، وما سوى ذلك من المفاعيل يجوز حذفه؛ إن لم يكن جوابا، كقولك: زيدا، لمن قال: من رأيت؟، ولا محصورا كقولك: ما رأيت إلا زيدا 220، ولا محذوفا عامله كقولك: خيرا لنا وشرّا لعدونا 221؛ فهذه الأنواع الثلاثة من المفاعيل لا يجوز حذفها، وما سواها يجوز حذفه، والمحذوف على ضربين: أحدهما: ما يحذف لفظا ويراد معنى، كالعائد إلى الموصول في قوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ 222. والثاني: ما يحذف لفظا ومعنى؛ والباعث على ذلك إما تضمين الفعل معنى يقتضي اللزوم، وإما قصد المبالغة، وإما بعض أسباب النيابة عن الفاعل، فالأول كتضمين جرح معنى عماث، ومنه قول الشاعر: -

الجزء: 4 - الصفحة: 1762

................................  1345 - فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها... إلى الضّيف يجرح من عراقيبها نصلي 223 وكتضمين أصلح معنى لطّف في قولك: أصلح الله نفسك وأهلك، ولو لم يضمن معنى لطف لقيل: صلح الله نفسك وأهلك، ومنه - والله أعلم - قوله تعالى: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي 224، والثاني كقولك: فلان يعطي ويمنع، ويصل ويقطع؛ فإن حذف المفعول في هذا وأمثاله مبالغة يشعر بكمال الاقتدار، وتحكيم الاختيار، ومنه - والله أعلم - قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ 225. والثالث: مرتب على الأسباب الداعية إلى حذف الفاعل، وإقامة غيره مقامه، فمن ذلك [2/ 333] الإيجاز كقوله: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا 226، ومن ذلك مشاكلة المجاور، كقوله تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى 227، ومن ذلك إصلاح النظم، كقول الشاعر 228: 1346 - وخالد يحمد ساداتنا... بالحقّ لا يحمد بالباطل 229 أراد خالد يحمده ساداتنا؛ فحذف الهاء ليستقيم الوزن، ومن ذلك حذف المفعول لكونه معلوما، وهو كثير، كقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا 230، وكقوله تعالى: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ 231، وكقوله تعالى: فَمَنِ -

الحديث: 1345 - الجزء: 4 - الصفحة: 1763

................................  اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 232، وكقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 233، وكقوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (31) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى 234، ومن ذلك حذفه لكونه مجهولا كقولك: ولدت فلانة؛ إذا عرفت ولادتها وجهلت ما ولدت، ومن ذلك الحذف لكون التعين غير مقصود، وكقوله تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً 235، وكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» 236، ومن ذلك حذفه تعظيما للفاعل، كقوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي 237 وعكس ذلك: شتم فلان، إذا كان المشتوم عظيما والشاتم حقيرا، وقد يحذف المفعول تخوفا منه كقولك: أبغضت في الله، ولا تذكر المبغض خوفا منه.. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 238، وقد بين ما أراد بالمخبر عنه، ولم يبيّن ما أراد بالمخبر به؛ ولا شك أنه يريد به الثاني من مفعولي «ظن»، والثالث من مفاعيل «أعلم»، ولا خفاء أن الكلام تقدم على الآخر، ثم في كونه قصد بالمخبر عنه المفعول القائم مقام الفاعل نظر؛ لأن كلامه الآن في المفعول لفظا ومعنى، وهو المنصوب لفظا أو محلّا لا في المفعول معنى فقط على أنه قد عرف أن القائم مقام الفاعل حكمه في وجوب الذكر حكمه، ثم في قوله: إن من أسباب الحذف قصد المبالغة بترك التقييد مناقشة؛ فإننا في نحو: فلان يعطي ويمنع لن نحذف شيئا؛ ولكن لم يذكر للفعل مفعولا؛ وفرق بين حذف الشيء وعدم ذكره؛ فإن الحاذف يقدر المتعلق فيتقيد الفعل به؛ لأن المقدر في حكم المذكور، أما إذا لم يقصد المتكلم متعلقا؛ بل قصد الإخبار بوقوع الفعل دون نظر إلى متعلق، فلا شك أنه لا يقدر شيئا، وإذا لم يقدر فلا حذف 239، ولهذا قال أصحاب علم المعاني: إنه إذا كان الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل مطلقا، أو نفيه عنه كذلك ينزل المتعدي حينئذ منزلة اللازم؛ فلا يذكر له مفعول ولا يقدر أيضا؛ لأن -

الجزء: 4 - الصفحة: 1764

[تعدي الفعل بالهمزة والتضعيف]

قال ابن مالك: (فصل: يدخل في هذا الباب على الثّلاثيّ غير المتعدّي إلى اثنين همزة [2/ 334] النّقل فيزداد مفعولا إن كان متعدّيا، ويصير متعدّيا إن كان لازما، ويعاقب الهمزة كثيرا، ويغني عنها قليلا تضعيف العين ما لم تكن همزة، وقلّ ذلك في غيرها من حروف الحلق).
المقدر في حكم المذكور 240، والمصنف رحمه الله تعالى: لا يخفى عنه ذلك، ولكنه تجوز بالحذف عن عدم الذكر 241. قال ناظر الجيش: قال المصنف: احترزت بقولي في هذا الباب: من باب علم؛ لأن همزة النقل فيها أوصلت «علم ورأى» إلى مفعول ثالث، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى 242، والغرض الآن تبيين دخول الهمزة على أفعال غير ذلك الباب، وبينت باستثناء المتعدي إلى اثنين أن «كسوت» ونحوه من الثلاثي المتعدي إلى اثنين لا يدخل عليه همزة، ولا تضعّف عينه على القصد المشار إليه، وقد تقدم الإعلام بأن امتناع هذا في غير باب «علم» مجمع عليه: ومثال ما ازداد مفعولا بعد تعديه إلى واحد: أكفلت زيدا عمرا، وكفّلته إيّاه، وأغشيت الشيء الشيء، وغشّيته إيّاه، ومثال الصائر متعديا بعد أن كان لازما: أنزلت الشيء، ونزلته وأبنته وبيّنته 243 وهذا من التعاقب الكثير بين الهمزة وتضعيف العين، ومثال التضعيف المغني عن الهمزة: قويت الشيء وهيّأته، وحكّمت فلانا، وطهّرت الشيء، ونظّفته، وسلّمته وقدّمته، وأخّرته، وحصّلته، وهذا النوع المستغنى فيه عن أفعل بفعّل - مع كثرة مثله - قليل بالنسبة إلى النوع المستغنى فيه عن فعّل بأفعل، ولذلك وجد في أفعل ما يتعدى إلى ثلاثة دون حمل على غيره، ولم يوجد ذلك في فعّل إلا نبّأ، وحدّث، وهما محمولان على أعلم بتضمين معناها 244، ومما يبين لك أن -

الجزء: 4 - الصفحة: 1765

................................  أفعل أمكن من فعّل فيما اشتركا فيه استغناؤهم بأفعل لزوما فيما عينه همزة كأنأيت وأمأيت، وعليه فيما عينه حرف حلق غير همزة، كأذهلته، وأوهيته، وأرهقته، وأحجزته، وألحمته، وأسعده، وأسعفه، وأوعره، وأوغله، وأدخله، وأثخنه.
وقد يتعاقب في هذا النوع أفعل، وفعّل، نحو: أوهنه ووهّنه، وأمهله ومهّله، وأنعمه ونعّمه، وأبعده وبعّده، وأضعفه وضعّفه، هذا آخر كلام المصنف 245، وقد بقي الكلام في أمرين: أحدهما: أن النحاة مختلفون في التعدية بالهمزة، هل هو أمر قياسي أو سماعي؟!، وكذا التعدية بالتضعيف، أما التعدية بالهمزة ففيها ثلاثة مذاهب: منهم: من ذهب إلى أنه كله سماع؛ فلا يقال منه إلا ما قالته العرب، ولم يكثر عنده كثرة توجب القياس 246. ومنهم: من ذهب إلى أنه مقيس في غير المتعدي 247، فيقال منه ما لم يسمع قياسا على ما سمع؛ لأنه كثر، فما لم يسمع إنما كان عدم سماعه بالاتفاق، ولو تعرض للعرب لقالته، كما يقال اسم الفاعل [2/ 335] من كل فعل سمع أو لم يسمع، وأما المتعدي فلا يقال منه إلا ما قالته العرب؛ لأنه لم يكثر فيقاس عليه.
قال سيبويه: ألا ترى أنه ليس كل فعل كأولني 248، وذكر فيما لا يتعدى أن النقل بالهمزة فيه كثير 249. قال ابن أبي الربيع: فحصل من هذين الموضعين أن مذهبه - والله تعالى أعلم - أنه قياس في غير المتعدي، وسماع في المتعدي، قال: وعلى هذا المذهب أكثر النحويين، وهو الصواب 250. -

الجزء: 4 - الصفحة: 1766

................................  ومنهم: من ذهب إلى أنه قياس في غير المتعدي، وفيما يتعدى إلى واحد 251؛ وإنما قيد المتعدي بكونه إلى واحد؛ ليخرج باب «ظننت»، فإن التعدي فيه بالهمزة موقوف على السماع، ومنهم من قاس «ظننت» على علمت فعداها بالهمزة إلى ثلاثة.
وأما التعدية بالتضعيف ففيها مذهبان: منهم: من قال: إنه قياس، ومنهم: من قال: إنه سماع، سواء أكان الفعل لازما أم متعديا 252. قال ابن أبي الربيع: وهو الأصح، وقال غيره 253: إنه هو الظاهر من مذهب سيبويه.
وقد تلخص من هذا الذي ذكرنا؛ أن النقل بالهمزة قياس في اللازم، سماع في المتعدي، وبالتضعيف سماع في المتعدي واللازم، وأن منهم من قال بالقياس في التضعيف، ومنهم من قال بالسماع فيهما.
واعلم أن ابن أبي الربيع ذكر أن النقل يكون بثلاثة أشياء وهي: الهمزة، والتضعيف، وحرف الجر، كما تقول: ذهبت بزيد، أي: أذهبته 254، والذي قاله صحيح ولكن النقل بالحرف لا يذكر في هذا الباب؛ لأنه معقود لما هو منصوب من المفعولين، وما دخل عليه حرف الجر مجرور، فوجب ذكره في المجرورات، وقد ذكر المصنف ذلك في باب حروف الجر، ثم قال ابن أبي الربيع: وذهب الكوفيون إلى أن الأشياء التي ينقل بها الفعل فيصير متعديا ستة: الثلاثة المتقدمة التي ذكرها البصريون، وثلاثة أخر وهي: 1 - إسقاط الهمزة نحو: أكبّ زيد على وجهه، وكبه الله على وجهه، قال الله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ 255، وقال الله تعالى: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ 256، ومنه ثلّثت الرجلين؛ إذا صيرتهم ثلاثة، وأثلثوا؛ إذا صاروا ثلاثة، وكذلك: أنزفت البئر ونزفتها.
-

الجزء: 4 - الصفحة: 1767

................................  2 - وتغير الحركة نحو: شترت عينه وشترها الله 257، ومنه: كسيت الثوب إذا لبسته وكسوته إذا ألبسته، قال الشاعر 258: 1347 - لقد زاد الحياة إليّ حبّا... بناتي إنّهنّ من الضّعاف وأن يعرين إن كسي الجواري... فتنبوا العين عن كرم عجاف 259 معنى كسي الجواري: لبس.
3 - أن يكون النقل بغير زيادة ولا تغير في اللفظ، وإنما يكون بتغيير في التقدير؛ وذلك نحو: شجا فوه وشجا فاه، وفغر فوه وفغر فاه، فمعنى شجا فوه: انفتح، ومعنى شجا فاه: فتح فاه [2/ 336]، وكذلك فغر فوه وفغر فاه، ومنه: أمأت الدراهم، وأمأت هي اللفظ واحد، والتقدير مختلف، والبصريون يذهبون إلى أن هذه الأشياء لم تفعل للنقل، لم يكن شترت عينه، فلما أرادوا النقل، قالوا: شترها الله، ولو أرادوا لقالوا: أشترها الله، وإنما شترها: جعل فيها الشتر 260، قال: وكذلك الكلام فيما يأتون به من هذا النوع.
الأمر الثاني: قال الشيخ: وزاد بعضهم فيما يعدي السين، والتاء، نحو: حسن زيد، واستحسنته، وقبح الشيء واستقبحته، وطعم زيد الخبز، واستطعمته الخبز، وألف المفاعلة: نحو سايرته، وجالسته، وماشيته في: سار، وجلس، ومشى 261. انتهى.
-

الحديث: 1347 - الجزء: 4 - الصفحة: 1768

................................  وليس هذا بشيء؛ فإن الحرف الذي يحصل به النقل، إنما يجاء به لمجرد النقل، فلا يفيد معنى آخر، كما في: أقام زيد عمرا، وأجلس بكر خالدا، وأذهب الله الرجس؛ ولا شك أن السين والتاء يفيدان معنى غير النقل، وكذلك ألف المفاعلة جيء بها لمعنى مقصود والتحقيق في هذا أن استفعل غير فعل؛ لأنه بناء مستقل صيغ الفعل عليه؛ ليفيد أحد المعاني المقصودة منه، وكذا فاعل أيضا، فليس ذلك من باب النقل والتعدية في شيء.

الجزء: 4 - الصفحة: 1769

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل