الباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبر
الجزء: 3 - الصفحة: 1291
................................ النساء وباعتبار هذا يلزم حصول الكثرة 6 وكذلك قول سيبويه: يحمل على أنه ملحوظ فيه ما يعرض لإنّ من فتح همزتها ومن تخفيف نونها في الحالين وتخفيف نون «كأنّ» وما يستعمل في «لعل» من اللغات. فإن قيل: إذا كان تفريع «أن» سببا لعدم الاعتداد بها؛ فينبغي أن لا يعتد «بكأنّ» فإن أصل «كأنّ» زيدا أسد: إنّ زيدا كالأسد، فالجواب: أن أصل «كأنّ» منسوخ لاستغناء الكاف عن متعلق به بخلاف «أن» فليس أصلها منسوخا بدلالة جواز العطف بعدها على معنى الابتداء كما يعطف عليه بعد المكسورة فاعتبرت فرعية «أن» لذلك دون «كأنّ» 7، وقد قرنت كل واحد من هذه الأحرف بمعناه، فمعنى «إنّ» التوكيد، ولذلك أجيب بها القسم نحو: والله إنك لفطن، ومعنى «لكنّ» الاستدراك ولذلك لا تكون إلا بعد كلام نحو: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ 8، و «كأن» للتشبيه المؤكد نحو: كأن زيدا أسد؛ فإن أصله: إن زيدا كالأسد فقدمت الكاف وفتحت الهمزة وصار الحرفان حرفا واحدا مدلولا به على التشبيه والتوكيد 9. وزعم بعضهم أن «كأن» توكيد للتحقيق دون تشبيه 10، واستشهد على [2/ 90] ذلك بقول الشاعر يرثي هشاما: 908 - وأصبح بطن مكّة مقشعرّا... كأنّ الأرض ليس بها هشام 11
الحديث: 908 - الجزء: 3 - الصفحة: 1292
................................ واستشهد أيضا بقول الآخر: 909 - كأنّني حين أمسي لا تكلّمني... ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا 12 والصحيح أن «كأن» لا يفارقها التشبيه، ويخرج البيت الأول على أن هشاما وإن مات فهو باق ببقاء من يخلفه سائرا بسيرته، وأجود من هذا أن تجعل الكاف من «كأن» في هذا الموضع كاف التّعليل المرادفة للّام 13، كأنه قال: وأصبح بطن مكّة مقشعرّا... لأنّ الأرض ليس بها هشام 14 وعلى هذا حمل قوله تعالى: وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ 15 فقيل: معناه: أعجب لأنه لا يفلح الكافرون 16، وأكثر ما ترد الكاف بهذا المعنى مقرونة «بما» كقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ 17، ومنه ما حكى سيبويه من قول بعضهم: «كما أنه لا يعلم فيغفر الله له» 18، وأما البيت الثاني فلا حجة فيه، لأن التشبيه فيه يتبين بأدنى تأمل وكون «ليت» للتمني و «لعل» للترجي ظاهر والفرق بينهما أن التمني يكون في الممكن وغير الممكن، والرجاء لا يكون إلا في الممكن وتكن «لعل» للإشفاق 19 كقوله تعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ 20 ومنه قول الشاعر: - - والشاهد قوله: (كأن الأرض ليس بها هشام) حيث أريد بكأن هنا التحقيق على رأي الكوفيين ومن تبعهم إذ المعنى عندهم: لأن الأرض ليس بها هشام قال صاحب التصريح: ولا حجة لهم لأنه محمول على التشبيه، فإن الأرض ليس بها هشام حقيقة بل هو فيها مدفون.
الحديث: 909 - الجزء: 3 - الصفحة: 1293
................................
910 - أتوني فقالوا: يا جميل تبدّلت... بثينة إبدالا فقلت لعلّها
وعلّ حبالا كنت أحكمت فتلها... أتيح لها واش رفيق فحلّها 21
وتكون لعل أيضا للتعليل 22 كقوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى 23 ومنه قول الشاعر:
911 - وقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا... نكفّ ووثقتم كلّ موثق
فلمّا كففنا الحرب كانت جهودكم... كلمح سراب في الملا متألّق 24
قال الأخفش في المعاني: قوله تعالى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ 25 نحو قول الرجل لصاحبه: افرغ عملك لعلنا نتغدى «والمعنى لنتغدى.
ويقول الرجل: اعمل عملك تأخذ أجرك أي لتأخذه» 26. هذا نصه.
وتكون «لعل» أيضا للاستفهام 27، كقوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى 28 وكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لبعض الأنصار رضي الله تعالى عنهم وقد خرج إليه مستعجلا «لعلنا أعجلناك» 29. -
الحديث: 910 - الجزء: 3 - الصفحة: 1294
................................
وسبيل إعمال هذه الأحرف اختصاصها بمشابهة «كان» الناقصة في لزوم المبتدأ والخبر والاستغناء بهما 30:
فاللزوم مخرج لما يدخل عليها وعلى غيرها كألا وأما الاستفتاحيتين، والاستغناء بهما مخرج للو لا ولو ما
والامتناعيتين، ولإذا الفجائية فإنهن يشبهن «كان» في لزوم المبتدأ والخبر ويفارقنها بافتقار «لولا» و «لو ما» إلى الجواب وافتقار إذا إلى كلام سابق 31 وضمّ أكثر النحويين إلى المشابهة [2/ 91] من الوجه المذكور المشابهة بسكون الوسط وفتح الآخر 32، والصحيح عدم اعتبار ذلك؛ إذ لو كان سكون الوسط معتبرا لم يعتد «بلكن» لأن وسطها متحرك ولو كان فتح الآخر معتبرا لزم إبطال عمل «إن» و «أنّ» و «كأنّ» عند التخفيف.
وزاد الزجاجي في المشابهة المعتبرة: الاتصال بالضمائر المنصوبة 33 وهذا عجيب فإن الضمائر المنصوبة لم تتصل بهذه الأحرف إلا بعد استحقاق العمل فصح أن المعتبر من المشابهة ما اقتصرت على ذكره من لزوم المبتدأ والخبر والاستغناء بهما إلا أن هذه الأحرف لما كانت فروع «كان» في عمل الرفع والنصب قدم معهن عمل النصب على عمل الرفع تنبيها على الفرعية لأن الأصل تقديم الرفع 34.
ولم يحتج إلى ذلك في «ما» المحمولة على «ليس» لأن فرعيتها ثابتة بيّنة الثبوت بعدم اتفاق العرب على إعمالها وبطلان عملها عند نقض النفي بإلا أو تقديم الخبر أو وجود «إن» فاستغنت عن جعل عملها عكس عمل كان 35.
وقيل: لما كان معنى كل واحد من هذه الأحرف لا يتحقق حصوله إلا في الأخبار تنزلت منهن منزلة العمد من الأفعال فأعطيت إعراب الفاعل وهو الرفع، -
الجزء: 3 - الصفحة: 1295
................................
ونزلت الأسماء منزلة الفضلات فأعطيت إعراب المفعول وهو النصب 36.
وأجاز الفراء نصب الاسم والخبر معا «بليت» 37 ومن حجته على ذلك قول الشاعر.
912 - ليت الشّباب هو الرّجيع إلى الفتى... والشّيب كان هو البديء الأول 38
وأجاز بعض الكوفيين ذلك في كل واحد من الخمسة 39. ومن حجج صاحب هذا المذهب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ قعر جهنّم لسبعين خريفا» 40 ومن حججه قول الشاعر:
913 - إذا اسودّ جنح اللّيل فلتأت ولتكن... خطاك خفافا إنّ حرّاسنا أسدا 41
ومنه قول الراجز: -
الحديث: 912 - الجزء: 3 - الصفحة: 1296
................................
914 - إنّ العجوز خبّة جروزا... تأكل كلّ ليلة قفيزا 42
ومثله:
915 - كأنّ أذنيه إذا تشوّفا... قادمة أو قلما محرّفا 43
ولا حجة في شيء من ذلك لإمكان رده إلى ما أجمع على جوازه، أما البيت الأول فيحمل على تقدير «كان» والأصل: ليت الشباب كان الرجيع، فحذف «كان» وأبرز الضمير وبقى النصب بعده دليلا.
ومثل هذا من الحذف ليس ببدع، وقد روي عن الكسائي أنه يوجه هذا التوجيه في كل موضع وقع فيه نصبان بعد شيء من هذه الأحرف 44 ويقوي ما ذهب إليه إظهار «كان» كثيرا بعد ليت وإنّ كقوله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ 45 ويا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً 46 وإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً 47 وإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً 48 ووَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً 49 وإِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا 50 وإِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً 51 فجاز إضمار «كان» [2/ 92] هنا لكثرة إظهارها، كما جاز ذلك -
الحديث: 914 - الجزء: 3 - الصفحة: 1297
................................
في «ما أنت وزيدا» و «كيف أنت وقصعة من ثريد» 52 ويحمل الحديث على أنّ القعر فيه مصدر قعرت الشيء إذا بلغت قعره وهو اسم «إنّ» و «لسبعين خريفا» ظرف مخبر به لأن الاسم مصدر ظروف الزمان يخبر بها عن المصادر كثيرا، ويقدر:
إنّ حراسنا أسدا، كأنّه قال: إن حراسنا يشبهون أسدا.
أو كانوا، وأما قول الراجز فمحمول على أن «تأكل» خبر إنّ و «خبة جروزا» حالان من فاعل تأكل، ولا تكلف في هذا التوجيه.
وأما قول الآخر فمحمول على أنّ «قادمة» فيه و «قلما» منصوبان بفعل مضمر والتقدير: كأنّ أذنيه إذا تشوفا تحلقان قادمة 53. وزعم أبو محمد بن السيد أن لغة بعض العرب نصب خبر إن وأخواتها 54. انتهى كلام المصنف 55. لكن لا بد من التعرض لذكر أمور:
الأول: كون هذه الأحرف رافعة الخبر هو مذهب البصريين وهو الحق وأما الكوفيون فيرون أن الخبر باق على رفعه قبل دخولها 56، كما قالوا في «كان» إنها لا عمل لها في الاسم 57، وقد استدل السهيلي على صحة قولهم، بأنه لو كان مرفوعا بهذه الأحرف لجاز أن يليها كما يلي كلّ عامل ما عمل فيه 58 ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال لأنّ التقديم فرع على التأخير، ولم يعط الحرف رتبة الفعل في القوة فيجوز فيه ما جاز في الفعل.
الثاني: أنّ المفتوحة للتوكيد كالمكسورة، واستشكل ذلك بعض النحاة قال:
لأنها إذا كانت للتأكيد كان معناها تحقيق الخبر وتأكيد النسبة، وإذا كانت سابكة كان في ذلك إبطال الخبر به إذ مع السبك ينتفي قبول الصدق والكذب 59.
وأجيب عن هذا بأن المفتوحة أصلها الكير والمؤكدة هي المكسورة ليس إلّا، لكن -
الجزء: 3 - الصفحة: 1298
................................
فتحها إنما كان لصيرورتها في تأويل المفرد المؤكد ثبوته وملخص هذا الجواب أنّ فتح «إنّ» عارض وأصلها الكسر فهي مراعى فيها معناها حين هي مكسورة وكونها فتحت لعارض لفظي لا يخرجها عن ذلك 60.
الثالث: معنى الاستدراك الذي وضعت له «لكنّ» أنك تنسب حكما لمحكوم عليه يخالف الحكم الذي للمحكوم عليه قبلها، ولذلك لا بد أن يتقدمها كلام ملفوظ به أو مقدر.
هذا أصل معناها وقد تكون لتأكيد الأول وتحقيقه، فالأول نحو ما قام زيد لكنّ عمرا قاعد.
كأنه لما قيل زيد توهم أن عمرا مثله لملابسة بينهما، فرفعت ذلك التوهم بالاستدراك.
والثاني نحو: لو قام فلان لفعلت لكنه لم يقم، فأكدت ما دلت عليه «لو» وكأنها في المعنى مخرجة لما دخل في الأول توهما 61، قال الله تعالى: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ (3) ثم قال الله تعالى:
وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ 62 أي: ما أراكهم كثيرا ومذهب البصريين [2/ 93] أنها كلمة بسيطة ونقل عن الكوفيين أنها مركبة عندهم وأن الأصل «لكنّ أن» 63 ولا حاجة إلى الاشتغال بهذا إذ لا فائدة فيه.
الرابع: قد عرفت من كلام المصنف المتقدم أن «كأنّ» مركبة من كاف التشبيه وأنّ، وهذا مذهب الجمهور، وعليه الخليل وسيبويه 64، وقيل: إنها حرف بسيط، واختاره الشيخ قال: لأنّ التركيب على خلاف 65 الأصل ويلزم على رأيه أنها لمطلق التنبيه، وقد تقدم من كلام المصنف أنها للتشبيه المؤكد وإنما يتأتى ذلك على القول بتركيبها فتعين الجزم به، وقد ذكر «لكأنّ» ثلاثة معان أخر: -
الجزء: 3 - الصفحة: 1299
................................
أحدها: التحقيق كما أشار إليه المصنف وقد عرفت أنه لم يرتضه وتقدم من كلامه تخريج ما استشهد به صاحب هذا القول على البيت الذي استشهد به على أن «كأنّ» فيه للتحقيق يمكن حمل «كأنّ» فيه على التشبيه حقيقة دون احتياج إلى التأويل الذي ذكره وذلك أن الشاعر كأنه لا يعترف بفقد هشام لأنه لا يرضى أن يحدث نفسه بفقده لكونه عزيزا عنده، فهو عنده في حكم الموجود، وإذا كان في حكم الموجود وجب عنده أن لا تقشعر الأرض، فلما اقشعرت قال: كأن الأرض ليس بها هشام، وهذا معنى صحيح وهو أمر يرجع إلى تجاهل العارف.
ثانيها: الشك وهو منسوب إلى الزجاجي والكوفيين 66، وذكر ابن عصفور أنه مذهب ابن الطراوة 67 وذلك أنهم قالوا: إذا كان خبر «كأنّ» اسما جامدا كانت للتشبيه وإذا كان مشتقّا كانت للشك بمنزلة ظننت وتوهمت.
قال ابن السيد إذا كان خبرها فعلا أو جملة أو صفة فهو للظن والحسبان 68 ومستند القائل بذلك أنك إذا قلت: كأنّ زيدا قائم فالقائم هو زيد والشيء لا يشبه بنفسه وأجابوا عن ذلك بأن الشيء قد يشبه في حال ما بنفسه في حال أخرى فتكون إذا قلت: كأنّ زيدا قائم مشبها لزيد غير قائم به قائما أو يكون ثم مضاف محذوف، التقدير كأنّ هيئة زيد هيئة قائم 69.
ثالثها: التقريب وهو مذهب بعض النحويين من الكوفيين وذلك نحو قولهم:
كأنّك بالشتاء مقبل وكأنك بالفرج آت.
قالوا: لأن المعنى على تقريب إقبال الشتاء وتقريب إتيان الفرج، ولا يتصور التشبيه في الكلام 70. ومن ذلك قول الحسن البصري 71: «كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل» لأن المعنى على تقريب زوال الدنيا وتقريب وجود الآخرة.
والمحققون على أن «كأنّ» للتشبيه فيما ذكر 72، ولكن اختلف القول في تخريجه: -
الجزء: 3 - الصفحة: 1300
................................
فقيل: الكاف في كأنك بالشتاء: فقيل حرف خطاب والباء في بالشتاء زائدة واسم «كأن» «الشتاء» والخبر مقبل، والتقدير: كأنّ الشتاء مقبل وكذا القول في كأنك بالفرج آت، التقدير: كأن الفرج آت [2/ 94] وكذا: كأنك بالدنيا لم تكن، التقدير كأن الدنيا لم تكن وكأن الآخرة لم تزل والضمير في تكن وتزل عائد على اسم «كأنّ» 73 وهذا تخريج الفارسي وقيل إن ثم مضافا محذوفا، والتقدير: كأن زمانك بالشتاء مقبل وكأن زمانك بالفرج آت.
ولما لم يتأت تقدير مضاف في كأنك بالدنيا لم تكن، خرج على أنّ الكاف اسم «كأنّ» ولم تكن خبر وفي «الدنيا» متعلق بالخبر التقدير: كأنك لم تكن بالدنيا أي في الدنيا، فالضمير في «تكن» عائد على المخاطب، وكأنك لم تزل بالآخرة أي في الآخرة 74. وقد رجح هذا التأويل على تأويل الفارسي لأن فيه دعوى حرفية الكاف للخطاب ودعوى زيادة الباء في «الشتاء» وفي «بالفرج» وفي «بالدنيا» 75.
وخرج الشيخ جمال الدين بن عمرون: كأنك بالدنيا تخريجا آخر، فقال: خبر «كأنّ» هو المجرور يعني بالدنيا وبالآخرة، قال: والجملة التي هي «لم تكن» «ولم تزل» في موضع الحال ثم قال: فإن قيل: إن «بالدنيا» لا يتم به الكلام والحال فضلة، فالجواب: إن من الفضلات ما لا يتم الكلام إلا به كقوله تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ 76 فمعرضين حال من الضمير المخفوض ولا يستغنى الكلام عنها لأن الاستفهام في المعنى إنما هو عنها، ومما يبين ذلك قولهم: ما زلت بزيد حتى فعل، لا يتم الكلام بقولك بزيد، ويدل على صحة الحال قولك (كأنك بالشمس قد طلعت) ونحوه ما حكي عن بعضهم: (كأنا بالدنيا لم تكن)، قال: وعلى هذا يحمل قول الحريري: (كأني بك تنحط) 77، ولا يخفى جودة هذا التخريج وحسنه، وليته تكلم على قولهم كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آت فربما كان يذكر فيه ما يشفي الغليل.
وقد نقل الشيخ عن الصفار وغيره في هذا الموضع ما يطول -
الجزء: 3 - الصفحة: 1301
................................
إيراده وفيما أشرنا إليه غاية.
الخامس: ذكر المصنف من معاني «لعلّ» التعليل والاستفهام كما تقدم، قال: لم يذكر أصحابنا «للعلّ» هذين المعنيين، والمصنف تبع في كونها للتعليل الكسائي والأخفش 78 ثم ذكر الأدلة التي تقدم ذكرها، وقال: وهذا عند أصحابنا لعل... فيه للترجي قال: وأما الاستفهام فهو شيء قاله الكوفيون، وهي عند أصحابنا في قوله تعالى: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى 79 للترجي، وفي قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لعلّنا أعجلناك» 80 للإشفاق 81 انتهى.
ولا يخفى بعد الترجي فيما ذكر وكون ما ذهب إليه المصنف هو الكسائي والأخفش وقول الكوفيين أيضا لا يلزم منه عدم الصحة.
السادس: ذكر المصنف في متن الكتاب العلة الموجبة لعمل هذه الأحرف هذا العمل الخاص ولا مزيد عليه في الحسن، غير أن المغاربة يوردون ذلك بطريقة أخرى ربما تشتمل على التنبيه على فائدة 82، فأنا أورد ما ذكروه معتمدا كلام أبي الحسن ابن عصفور رحمه الله تعالى.
قال في ابتداء الكلام على هذا الباب: العمل أصل في الأفعال فرع في الأسماء والحروف بدليل أن الأفعال عاملة، وأما الأسماء فلا [2/ 95] يعمل منها إلا ما أشبه الأفعال، فدل ذلك على أن العمل بحق الأصالة إنما كان للأفعال فما وجد على هذا من الأسماء والحروف عاملا، فينبغي أن يسأل عن الموجب لعمله، وإنّ وأخواتها من الحروف العاملة فينبغي أن يسأل عن الموجب لعملها، والذي أوجب لها العمل عند محققي النحويين هو شبهها بالأفعال في الاختصاص وذلك أن هذه الحروف تختص بالأسماء ولا تدخل على غيرها كما أن الأفعال كذلك، وكل حرف يختص بما يدخل عليه ولا يكون كالجزء مما دخل عليه فإنه يعمل فيما يختص به اسم أو فعل، ألا ترى أن عوامل الأسماء كلها مختصة بها ولا تدخل على غيرها وكذلك عوامل الأفعال أيضا، وإنما تحرزت بقولي: ولم يكن كالجزء مما دخل عليه من «قد» والسين -
الجزء: 3 - الصفحة: 1302
................................
وسوف «والألف واللام» وذلك أن قد والسين وسوف اختصت بالأفعال، إلا أنها صارت كالجزء من الفعل بدليل أنه لا يجوز الفصل بينها وبين الأفعال بشيء إلا «بقد» فإنه قد يجوز الفصل بينها وبين الفعل بالقسم نحو: قد والله قام زيد، وبدليل أنك تقول: لقد قام زيد، ولسوف يقوم زيد فتفصل بين لام التوكيد وبين الفعل، ولام التوكيد لا يجوز الفصل بينها وبين الفعل بشيء غير هذه الأشياء.
فلولا أن هذه الأشياء تنزلت من الفعل منزلة الجزء لما جاز ذلك، وكذلك لام التعريف تنزلت من الاسم منزلة الجزء بدليل قولك: مررت بالرجل، فتفصل بها حرف الجر والمجرور، ولا يجوز الفصل بينهما بشيء، فلولا أنها مع الاسم كالشيء الواحد لما جاز ذلك.
ثم قال: فلو قيل: فإذا وجب لها العمل لما ذكر ثمّ، فلأي شيء كان عملها رفع أحد الاسمين ونصب الآخر وهلا كان الأمر بخلاف ذلك؟
فالجواب: أنها أشبهت من الأفعال ضرب فعملت عمله وأيضا فإنه لا يمكن فيها غير ذلك، وذلك أنه لا يخلو من أن ترفعهما أو تنصبهما أو تخفضهما أو ترفع أحدهما وتنصب الآخر أو ترفع أحدهما وتخفض الآخر، ولا يتصور أكثر من ذلك، فباطل أن ترفعهما لأن عاملا واحدا لا يوجد رافعا لاسمين دون تبعية، وباطل أن تنصبها أو تخفضهما لأنه لا يوجد عامل يعمل نصبا وخفضا 83 من غير أن يعمل مع ذلك رفعا، وكذلك أيضا يبطل أن تنصب أحدهما وتخفض الآخر، إذ لا بد من المرفوع، أو ترفع أحدهما وتخفض الآخر، إذ لا يكون خفض إلا بواسطة حرف فلم يبق إلا أن ترفع أحدهما وتنصب الآخر.
فإن قيل: لم كان المنصوب الاسم والمرفوع الخبر؟
فالجواب: أنه لما وجب رفع أحدهما تشبيها بالعمدة ونصب الآخر تشبيها بالفضلة كان أشبهها بالعمدة الخبر لأن هذه الأحرف إنما دخلت لتوكيد الخبر أو تجنبه أو ترجيه أو التشبيه به فصارت الأسماء كأنها غير مقصودة، فلما رفع الخبر تشبيها بالعمدة نصبت الأسماء تشبيها بالفضلة 84.
السابع: ذكر الشيخ المذاهب في نصب الخبر بهذه (الحروف) 85 ثم قال: -
الجزء: 3 - الصفحة: 1303
[حديث عن خبر هذه النواسخ من تقديمه أو حذفه]
قال ابن مالك: (وما لا تدخل عليه «دام» لا تدخل عليه هذه الأحرف وربّما دخلت «إنّ» على ما خبره «نهي» وللجزأين بعد دخولهنّ ما لهما مجرّدين لكن يجب هنا تأخير الخبر ما لم يكن ظرفا أو شبهه فيجوز توسيطه ولا يخصّ حذف الاسم المفهوم معناه بالشعر.
وقلما يكون إلّا ضمير الشّأن وعليه يحمل: «إنّ من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصوّرون» لا على زيادة «من» خلافا للكسائي وإذا علم الخبر جاز حذفه مطلقا خلافا لمن اشترط تنكير الاسم وقد يسدّ مسدّه واو المصاحبة والحال، والتزم الحذف في «ليت شعري» مردفا باستفهام، وقد يخبر هنا - بشرط الإفادة - عن نكرة بنكرة أو بمعرفة.
ولا يجوز نحو: إنّ قائما الزّيدان خلافا للأخفش والفرّاء ولا نحو: ظننت قائما الزّيدان خلافا للكوفيّين).
فصارت المذاهب في ذلك ثلاثة: -
[2/ 96] أحدها: جواز النصب في جميعها 86.
الثاني: اختصاص ذلك بليت 87.
الثالث: جواز ذلك في «كأنّ وليت ولعل» 88. انتهى.
والمعروف المقصود أنه لا يجوز نصب الخبر بعد شيء من هذه الأحرف 89 وقد عرفت تخريج ما استشهد به المخالف.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 90: قد تقدم في باب «كان» الإعلام بالمبتدآت التي لا تدخل عليها كان وأخواتها وبيان أنّ «دام» تشارك في ذلك وتزيد بأنها -
الجزء: 3 - الصفحة: 1304
................................ لا تدخل على مبتدأ خبره مفرد طلبي 91 فلذلك خصصتها بالإحالة عليها هنا فقلت: وما لا تدخل عليه دام لا تدخل عليه هذه الأحرف فعلم بهذا أن هذه الأحرف لا تدخل على ما خبره جملة طلبية نحو: زيد هل قام وعمرو أكرمه وخالد لا تهنه 92. ثم نبهت على ما شذ من دخول «إنّ» على ما خبره نهي كقول الشاعر: 916 - إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما 93 ثم أشرت إلى أنّ للجزأين من الأحوال والأقسام بعد دخول هذه الأحرف ما كان لها قبل دخولهن فكما انقسم المبتدأ إلى اسم عين وإلى اسم معنى؛ كذلك ينقسم اسم «إنّ وأخواتها» نحو: إنّ العالم فاضل وإنّ العلم فضل، وكما انقسم الخبر في باب الابتداء إلى الأقسام المتقدم ذكرها ثم كذلك ينقسم إليها في هذا الباب، وكما استصحبت الأقسام تستصحب الأحوال والشروط، ومن الشروط عود ضمير من الجملة المخبر بها ومن الأحوال حذف الضمير لدليل كقول الشاعر: 917 - وإنّ الّذي بيني وبينك لا يفي... بأرض أبا عمرو لك الدّهر شاكر 94 أراد لا يفي به أو من أجله وقد تقدم بيان موجب تقديم منصوب هذا الباب وتأخير مرفوعه فلا يجوز الإخلال بمقتضاه فإن كان الخبر ظرفا أو جارّا ومجرورا جاز تقديمه [2/ 97] لأنه في الحقيقة معمول الخبر 95 وكان حقه أن لا يتقدم على الاسم -
الحديث: 916 - الجزء: 3 - الصفحة: 1305
................................ كما لا يتقدم على الخبر، إلا أن الظرف والجار والمجرور يتوسع فيهما بما لا يتوسع في غيرهما 96 ولذلك تفصل بهما بين المضاف والمضاف إليه، وبين «كان» واسمها وخبرها، وبين الاستفهام والقول الجاري مجرى الظن، نحو: أغدا تقول زيدا قائما ولم يبطل عمل «ما» تقديمها على اسمها نحو: ما غدا زيد راحلا، واغتفر تقديمها على العامل المعنوي نحو: أكل يوم لك درهم؟ وعلى المنفي بما نحو قول بعض الصحابة رضي الله عنهم 97: 918 - ونحن عن فضلك ما استغنينا 98 ولو عومل غيرهما معاملتها في شيء من ذلك لم يجز، والأصل في الظرف الذي يلي «إنّ» أو إحدى أخواتها أن يكون ملغى أي: غير قائم مقام الخبر، نحو: إنّ عندك زيدا مقيم وكقول الشاعر: 919 - فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها... أخاك مصاب القلب جمّ بلابله 99 فأما القائم مقام الخبر فجدير بأن لا يليها لقيامه مقام ما لا يليها لكن اغتفر -
الحديث: 918 - الجزء: 3 - الصفحة: 1306
................................
إيلاؤه إيّاها التفاتا إلى الأصل، وقد عاملوا الحال معاملة الظرف فأولوها كأنّ، ومنه قول الشاعر:
920 - كأنّ وقد أتى حول جديد... أثافيها حمامات مثول 100
ويجوز حذف الاسم إذا فهم معناه ولا يخص ذلك بالشعر بل وقوعه فيه أكثر وحذفه وهو ضمير الشأن أكثر من حذفه وهو غيره ومن وقوع ذلك في غير الشعر قول بعضهم: إنّ بك زيد مأخوذ.
حكاه سيبويه والخليل، يريد: إنه بك زيد مأخوذ 101 وعليه يحمل قوله (عليه الصلاة والسّلام): «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» 102 هكذا رواه الثقاة بالرفع، وحمله الكسائي على زيادة «من» وجعل: أشد الناس اسما والمصورون خبرا 103، والصحيح أن الاسم ضمير الشأن وقد حذف كما حذف في إنّ بك زيد مأخوذ لأنّ زيادة «من» مع اسم «إنّ» غير معروفة، وحكى الأخفش: إنّ بك مأخوذا أخواك» 104 وتقديره إنّك بك مأخوذ أخواك، فحذف الاسم وهو ضمير المخاطب وجعل مأخوذ خبرا مرتفعا به أخواك كما كان يرتفع بيؤخذ ولا يجوز أن يكون التقدير: إنه بك مأخوذ أخواك، لأن الصفة المرتفع بها ظاهر بمنزلة الصفة المرتفع بها مضمرة في أنها لا تسد مسد جملة، ولا يكون مفسر ضمير الشأن إلا جملة محضة مصرحا بجزأيها.
ومن -
الحديث: 920 - الجزء: 3 - الصفحة: 1307
................................
حذف الاسم في الشعر قول الشاعر:
921 - فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتي... ولكنّ زنجيّ عظيم المشافر 105
رواه سيبويه برفع «زنجي» ونصبه، وجعل تقديره في الرفع: ولكنك زنجي وتقديره في النصب ولكن زنجيّا
عظيم المشافر لا يعرف قرابتي 106.
ومن حذف الاسم قول الشاعر:
922 - فليت دفعت الهمّ عنّي ساعة... فبتنا على ما خيّلت ناعمي بال 107
فيحتمل هذا أن يكون تقديره [2/ 98] فليتك، ويحتمل أن يكون تقديره: فليته وكذلك قول الآخر:
923 - فلا تخذل المولى وإن كان ظالما... فإنّ به تثأى الأمور وتراب 108
تقديره: فإنه به تثأى الأمور وترأب والهاء إما للمولى وإما ضمير الشأن.
ومما لا يكون المحذوف إلا ضمير الشأن قول الشاعر: -
الحديث: 921 - الجزء: 3 - الصفحة: 1308
................................
924 - ولكنّ من لا يلق أمرا ينوبه... بعدّته ينزل به وهو أعزل 109
ومثله قول الآخر:
925 - فلو أنّ حقّ اليوم منكم إقامة... وإن كان شرخ قد مضى فتسرّعا 110
ومثله:
926 - إنّ من لام في بني بنت حسّا... ن ألمّه وأعصه في الخطوب 111
وذكر سيبويه: إن إياك رأيت، وإن أفضلهم لقيت، قال: أفضلهم منتصب بلقيت وهو قول الخليل، وهو في هذا ضعيف لأنه يريد إنه إياك رأيت؛ فترك الهاء.
وهذا تصريح بالجواز دون ضرورة 112 وحذف الخبر للعلم به أكثر من حذف الاسم.
ونبهت بقولي: جاز حذفه مطلقا - على أن ذلك لا يتقيد بكون الاسم نكرة أو معرفة، ولا -
الحديث: 924 - الجزء: 3 - الصفحة: 1309
................................
يكون الخبر ظرفا أو غير ظرف 113 ومثال حذفه وهو ظرف قول الشاعر 114:
927 - ولو أنّ من حتفه ناجيا... لكان هو الصّدع الأعصما 115
أراد: ولو أن على الأرض أو في الدنيا فحذف للعلم به.
وأنشد سيبويه:
928 - وما كنت ضفّاطا ولكنّ طالبا... أناخ قليلا فوق ظهر سبيل 116
أي ولكن منيخا أنا.
هذا تقدير سيبويه، وزعم قوم أن شرط حذفه كون الاسم نكرة 117، كقول الشاعر:
929 - إنّ محلّا وإنّ مرتحلا... وإنّ في السّفر إذ مضوا مهلا 118
واشتراط ذلك غير صحيح؛ لأن الحذف مع تعريف الاسم كثير 119، فمن ذلك -
الحديث: 927 - الجزء: 3 - الصفحة: 1310
................................
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ (1)
ومثله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ 120 ومنه قول عمر بن عبد العزيز لرجل ذكره بقرابته منه: «إن ذلك» ثم ذكر له حاجته، فقال: «لعلّ ذلك».
أراد: إن ذلك حق، ولعل حاجتك مقضية 121، ومن ذلك قول الشاعر 122:
930 - سوى أنّ حيّا من قريش تفضّلوا... على النّاس أو أنّ الأكارم نهشلا 123
وقد يحذف الخبر وجوبا لسد واو المصاحبة مسده، كما كان ذلك في الابتداء ومن ذلك ما حكاه سيبويه من قول بعض العرب: إنك ما وخيرا، يريد إنك مع خير 124 و «ما» زائدة، ومثله قول الشاعر 125.
931 - فدع عنك ليلى إنّ ليلى وشأنها... وإن وعدتك الوعد لا يتيسّر 126
وحكى الكسائي «إن كل ثوب لوثمنه» بإدخال اللام على الواو ولسدها مسد - - حذف الخبر إذا كان الاسم نكرة لأن الخبر إذ ذاك إنما يكون ظرفا أو مجرورا مقدرا قبل الاسم، ولولا ذلك لم يجز الإخبار عن النكرة إذ لا مسوغ لذلك.
فلما لزم أن يكون الخبر ظرفا أو مجرورا سهل حذفه لأن العرب قد اتسعت في الظروف والمجرورات ما لم تتسع في غيرها.
اه.
شرح الجمل (1/ 443) طبعة العراق.
(1). سورة الحج: 25.
الحديث: 930 - الجزء: 3 - الصفحة: 1311
................................ «مع» 127 وقد يحذف أيضا وجوبا لسد كما كان ذلك في الابتداء، فيقال في ضربي زيدا [2/ 99] قائما وأكثر شربي السويق ملتوتا: إن ضربي زيدا قائما وإنّ أكثر شربي السويق ملتوتا. والكلام هنا على تقدير المحذوف كالكلام عليه في باب المبتدأ 128، ومن سد الحال مسد خبر «إنّ» قول الشاعر: 932 - إنّ اختيارك ما تبغيه ذا ثقة... بالله مستظهرا بالحزم والجلد 129 والتزمت العرب حذف خبر «ليت» في قولهم: «ليت شعري..» لأنه بمعنى ليتني أشعر ولا بد بعده من استفهام يسد مسد المحذوف متصلا بشعري أو منفصلا باعتراض. ويكون ما بعد الاستفهام في موضع نصب بالمصدر الذي هو شعري معلقا من أجل الاستفهام 130 فالمتصل كقول الشاعر: 933 - ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة... بواد وحولي إذخر وجليل 131 والانفصال باعتراض كقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو: 934 - ليت شعري مسافر بن أبي عمرو... وليت يقولها المحزون
الحديث: 932 - الجزء: 3 - الصفحة: 1312
................................ أيّ شيء دهاك أم غال مرآك... وهل أقدمت عليك المنون 132 ويجوز هنا الإخبار عن النكرة بالنكرة والمعرفة بشرط الإفادة. فالإخبار بالنكرة عن النكرة كقول امرئ القيس في رواية سيبويه: 935 - وإنّ شفاء عبرة مهراقة... فهل عند رسم دارس من معوّل 133 والإخبار بالمعرفة مثل قول القائل: إنّ قريبا منك زيد، وهو من أمثلة كتاب سيبويه 134 ومن ذلك قول الشاعر: 936 - وإنّ حراما أن أسبّ مجاشعا... بآبائي الشّمّ الكرام الخضارم 135 وأنشد سيبويه: 937 - وما كنت ضفّاطا ولكنّ طالبا... أناخ قليلا فوق ظهر سبيل 136
الحديث: 935 - الجزء: 3 - الصفحة: 1313
................................ أراد: ولكنّ طالبا أنا. هكذا قال سيبويه 137 وحسنه في هذا الباب شبه المنصوب بالمفعول، وشبه المرفوع بالفاعل. وقال سيبويه: لو قلت: إن من خيارهم رجلا ثم سكتّ؛ كان قبيحا حتى تعرفه بشيء أو تقول: إن رجلا من أمره كذا وكذا» 138 وأجاز الأخفش والفراء جعل اسم «إنّ» صفة رافعة لظاهر مغن عن الخبر، فيقولان: إن قائما الزيدان. وجواز هذا مبني على جواز: قائم الزيدان ونحوه دون استفهام ولا نفي 139 وقد تقدم تنبيهي في باب المبتدأ على أن نحو هذا يستقبحه سيبويه ويستحسنه الأخفش واستشهد على جوازه بقول الشاعر: 938 - خبير بنو لهب فلا تك ملغيا... مقالة لهبيّ إذا الطّير مرّت 140 فمن قاس على هذا في الابتداء أجاز دخول «إنّ» عليه فيقول إن خبيرا بنو لهب، ويلزم من أجاز هذا من البصريين أن يجيز دخول «ظننت» كما فعل الكوفيون فيقول: ظننت خبيرا بنو لهب. والصحيح أن يقال: إعمال الصفة عمل الفعل فرع إعمال الفعل فلا يستباح إلا في موضع [2/ 100] يقع فيه الفعل. فلا يلزم من تجويز: قائم الزيدان، إنّ قائما الزيدان، ولا ظننت قائما الزيدان، لصحة وقوع الفعل المتجرد من «إنّ» و «ظننت» وامتناع وقوعه بعدهما 141. واستدل الكوفيون على ظننت قائما الزيدان ونحوه بقول الشاعر: 939 - أظنّ ابن طرثوث عتيبة ذاهبا... بعاديتي تكذابه وجعائله 142
الحديث: 938 - الجزء: 3 - الصفحة: 1314
................................
ولا حجة فيه لاحتمال أن يريد قائله: أظن ابن طرثوث عتيبة شخصه ذاهبا فحذف المفعول الأول للعلم به، وترك الثاني كقوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ 143. والأصل: «ولا يحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله بخلهم هو خيرا لهم» فحذف المفعول الأول وترك الثاني 144. انتهى 145، ولننبه على أمور:
منها: أن المصنف إنما مذق حكم ما تدخل عليه هذه الأحرف بما تدخل عليه دام دون غيرها من أفعال الباب؛ لأن ما خبره مفرد طلبي نحو «أين زيد» لا تدخل عليه هذه الأحرف كما أن دام لا تدخل عليه مع أن دخول «كان» وبقية أخواتها عليه جائز، فكانت الإحالة على «دام» دون أخواتها متعينة.
وقد استدرك بعض الفضلاء على المصنف هنا فقال: إن دام لا تدخل على ما خبره فعل ماض.
ولا شك في جواز «إنّ» عليه 146 وهو استدراك لطيف.
ومنها: أن ظاهر كلام المصنف أنّ جملة النهي التي هي:
940 - لا تحسبوا ليلكم عن ليلهم ناما 147
هي الخبر عن «إنّ»، وكذا ذكر ابن عصفور في شرح الجمل الصغير له، أن الصحيح الجواز 148 والذي يقتضيه كلام غيره أن الجملة الطلبية في البيت معمولة لقول محذوف ذلك المحذوف وهو الخبر 149. قال ابن عصفور - في الشرح الكبير له بعد إنشاده البيت الذي أوله: - - الصفة عن المفعول الثاني لظن.
الحديث: 940 - الجزء: 3 - الصفحة: 1315
................................
941 - إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم 150
وقول الآخر:
942 - ولو أصابت لقالت وهي صادقة... إنّ الرّياضة لا تنصبك للشّيب 151
إن ذلك يحمل على إضمار القول، كأنه قال: أقول لكم: لا تحسبوا ليلكم نام.
وأقول لك: لا ينصبك للشيب 152 ثم إن ابن عصفور علل امتناع وقول الجمل الطلبية أخبارا لهذه الأحرف بما يوقف عليه في كلامه 153.
ومنها: أن قول المصنف: والأصل في الظرف الذي يلي «إنّ» أو إحدى أخواتها أن يكون ملغى نحو: إنّ عندك زيدا مقيم.
واستشهاده بالبيت الذي أوله:
943 - فلا تلحني فيها... 154
يفهم منه أنه يجيز تقديم معمول الخبر في هذا الباب إذا كان المعمول ظرفا على الاسم، لكن قال ابن عصفور: ولا يجوز تقديم الظرف والمجرور إذا [2/ 101] كانا معمولي الخبر على الاسم فلا تقول: إنّ في الدار زيدا قائم، تريد: إنّ زيدا قائم في الدار.
فإن جاء ما ظاهره ذلك فينبغي أن يجعل المجرور والظرف متعلقا بعامل مضمر -
الحديث: 941 - الجزء: 3 - الصفحة: 1316
................................
من معنى الكلام ويكون من قبيل ما فصل فيه بين الحرف واسمه بجملة اعتراض، وذلك نحو قوله 155: لا تلحني فيها... البيت.
في رواية من رفع مصاب فظاهره أنّ «بحبها» متعلق «بمصاب» لكن الذي ينبغي أن يتعلق بمضمر التقدير: أعني «بحبها» واعترض بالجملة بين «إنّ» واسمها ولم ينقل في المسألة خلافا، وجعل من الاعتراض أيضا الجملة في قول الشاعر:
944 - كأنّ وقد أتى حول كميل... أنا فيها حمامات مثول 156
وقد عرفت أن المصنف حكم على الجملة في هذا البيت بالحالية.
ومنها: أن المصنف لما تكلم على جواز حذف الاسم في هذا الباب قال: «وقلما يكون إلا ضمير الشأن وقال في الشرح: وحذفه وهو ضمير الشأن أكثر من حذفه وهو غيره» وكلام ابن عصفور يناقض هذا فإنه قال: ويجوز حذف أسماء هذه الحروف في فصيح الكلام إذا كان دليل عليه إلا أن يكون الاسم ضمير أمر وشأن فإنه لا يجوز حذفه إلا في ضرورة شعر نحو قوله:
945 - إنّ من يدخل الكنيسة يوما...... 157
يريد: «إنه»، وكذا في قول الآخر:
946 - إنّ من لام في بني بنت حسّا... ن... البيت 158
يريد: إنه قال: وإنما لم يجز الحذف إذا كان الاسم ضمير الشأن إلا في ضرورة لأن -
الحديث: 944 - الجزء: 3 - الصفحة: 1317
................................
الجملة الواقعة خبرا لضمير الأمر والشأن هي مفسرة له، فقبح حذفه وإبقاء الجملة كما يقبح حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامة إذا كانت 159 الجملة صفة... انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التعليل الذي ذكره ويضعف دعوى ابن عصفور قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» 160. وقد عرفت أن الكسائي خرج الحديث على أنّ «من» زائدة وذلك أن مذهبه أنه لا يجوز حذف هذا الضمير إذا أدى ذلك إلى أن يكون بعد «إنّ» وأخواتها اسم يصبح عملها فيه 161 والحق أن الأمر في ذلك كما قال المصنف من أن الاسم ضمير الشأن المحذوف لأن «من» لو حكم بزيادتها أفاد الكلام أن المصور من أشد الناس عذابا يوم القيامة وليس كذلك إذ غيرهم أشد عذابا كالكفار ومن كان ذنبه أعظم من ذنوب المصورين، وأما دعوى الكسائي فيبطلها قول العرب «إن بك زيد مأخوذ».
فإن زيدا يقبح عمل إنّ فيه 162.
ومنها: أن كلام المصنف علم منه أن في جواز حذف الخبر في هذا الباب مذهبين: -
أحدهما: الجواز مطلقا وهو مذهب سيبويه 163.
ثانيهما: أنه لا يجوز إلا إذا كان الاسم نكرة وهو مذهب الكوفيين 164.
وقد نقل الشيخ مذهبا ثالثا وهو مذهب الفراء: [2/ 102] أنه لا يجوز سواء أكان الاسم معرفة أم نكرة إلا إن كان بالتكرير نحو:
947 - إنّ محلّا وإنّ مرتحلا 165
ولا يجوز في غيره.
هكذا نقل الشيخ 166، إلا أن ابن عصفور قال: وزعم أهل الكوفة أن أحسن ما يكون حذف الخبر إذا كان الموضع موضع تفصيل نحو قولهم: إنّ الزّبابة -
الحديث: 947 - الجزء: 3 - الصفحة: 1318
................................
وإنّ الفأرة.. يرون: إنّ الزّبابة خلاف الفأرة وإنّ الفأرة خلاف الزّبابة 167. انتهى.
والصحيح من هذه المذاهب: مذهب سيبويه، ويدل عليه الآيات الشريفة التي أوردها المصنف، والقياس يقتضيه فإنهم أجمعوا على جواز حذف الخبر إذا عرف معناه في غير باب «إنّ» فينبغي أن يجوز ذلك في باب «إنّ» إذا دلّ الدليل 168 ومن حذف الخبر قولهم: (إنّ غيرها إبلا وشاء).
قال سيبويه: «غيرها» اسم «إنّ» وإبلا وشاء... تمييز والخبر محذوف، أي: إن لنا غيرها إبلا وشاء 169. قالوا:
ولا يجوز أن يكون إبلا وشاء اسم «إنّ» وغيرها حال والخبر محذوف 170 تقديره: إن لنا إبلا وشاء، في حال أنها غير هذه، لأنه لا عامل إلا «لنا»، والمعاني لا تعمل مضمرة بإجماع 171 وكذا لا يجوز أن يكون «غيرها» اسم «إنّ» وإبلا وشاء بدل والتقدير: إن لنا غيرها إبلا، أي إن لنا إبلا، لأنه متى اجتمع تابع ومتبوع فالباب أن يتقدم الجامد منهما، وقد نصّ على ذلك سيبويه في نحو: فيها قائما رجل؛ حتى عدل إلى النصب 172، ولم يجعل «رجلا» بدلا من قائم 173.
ومنها: أن «شعري» من قولهم: «ليت شعري» مصدر حذفت منه التاء، قالوا:
شعرة ودرية بالتاء 174. وفي الإفصاح: شعري معرفتي، والأصل: شعرت به ولا يتعدى إلا بالباء بخلاف «دريت»، فإنها تتعدى بنفسها وبالباء ولا تستعمل شعرة إلا بالتاء، مع «ليت»، فإنه يلزم معها حذف التاء.
ونظير ذلك قولهم: أبو عذرها، -
الجزء: 3 - الصفحة: 1319
................................
والأصل: أبو عذرتها ولا ينطق بها إلا بالتاء إلا مع (أب) فبغير تاء، والجملة الاستفهامية بعد «شعري» في موضع الخبر.
كذا قال سيبويه 175. وتحقيقه أن شعري بمعنى: معلومي، فالجملة نفس المبتدأ في المعنى فلا تحتاج إلى ضمير، ومن الناس من جعل الجملة معمولة لشعري وأضمر الخبر، أي: موجود أو ثابت.
وقيل: الجملة معمولة لشعري وسدت مسد الخبر 176. قال: ويقول العرب ليت شعري بزيد أقائم، وليت شعري عن زيد أقائم، قامت «عن» مقام التماسا في الشعر، وبالشيء عن الكشف عنه، وليت شعري زيد أقائم، قال الكسائي: العرب تقول: ليت شعري زيدا ما صنع، والنصب على إسقاط حرف الجر والاسم مجرورا أو منصوبا معمول لشعري، وما صنع خبر «ليت»، أو جملة في موضع البدل من المنصوب أو المجرور على القول بأن «شعري» يعمل في الجملة، أو أن الجملة تكون بدلا من المفرد إذا جاز أن يسلط عليها العامل الذي يعمل في المفرد، كما قيل ذلك في عرفت زيدا أبو من هو، وهو [2/ 103] قول أبي العباس 177.. انتهى.
ومنها: أنّ الإخبار بالمعرفة عن النكرة في هذا الباب قد استشكله بعضهم 178.
وقد أشار ابن هشام إلى المسوغ لذلك فقال: نصب هذه الحروف للنكرات لا ينحصر، ويخبر عنها بالمعرفة وهذا غريب لا يجوز في الابتداء ولا في كان، وقد قدر سيبويه الخبر معرفة في (ولكنّ طالبا منيخا أنا) 179، وإنما جاز هذا عندي، وأن تكون المعرفة خبرا عن النكرة أن الأول لما كان الثاني كان المعنى واحدا، وكان الاسم بها
منصوبا، فصار كأنه غير مسند إليه وفضلة فجاز تنكيره، وكان الخبر معرفة لأنه لما كان مرفوعا صار كأنه مسند إليه لا مسند وكان هذا من تتميم شبهه بالفاعل 180.
الجزء: 3 - الصفحة: 1320
[مواضع كسر همزة إن ومواضع فتحها ومواضع جواز الوجهين]
قال ابن مالك: (فصل: يستدام كسر «إنّ» ما لم تؤوّل هي ومعمولها بمصدر.
فإن لزم التأويل؛ لزم الفتح.
وإلّا فوجهان.
فلا متناع التّأويل كسرت مبتدأة وموصولا بها وجواب قسم ومحكية بقول وواقعة موقع الحال أو موقع خبر اسم عين.
أو قبل لام معلّقة.
وللزوم التّأويل فتحت بعد «لو» و «لولا» وما التّوقيتيّة.
وفي موضع مجرور أو مرفوع فعل أو منصوبه غير خبر.
ولإمكان الحالين أجيز الوجهان بعد أوّل قولي وإذا للمفاجأة وفاء الجواب).
قال ناظر الجيش: هذا الكلام في هذا الفصل يشتمل على تمييز مواقع «أنّ» المفتوحة من مواقع «إنّ» المكسورة.
واعلم أن من المصنفين: من اكتفى بتعداد مواضع كل من القسمين، ومنهم من ضبط ذلك بقاعدة، فقال: كل موضع يتعاقب عليه الاسم والفعل فإن فيه مكسورة، وكل موضع ينفرد بأحدهما «فإنّ» فيه مفتوحة 181، نحو: بلغني أنك منطلق ولو أنّ زيدا قائم قام عمرو، لأن «لو» لا يقع بعدها إلا الفعل فنقضت هذه القاعدة «بإذا» الفجائية فإنها لا يليها إلا الاسم، ويجوز كسر «إنّ» بعدها 182.
وقال آخرون - وقيل: إنه قول سيبويه 183 -: إنّ كل موضع هو للجملة فإن فيه مكسورة، وكل موضع هو للمفرد «فإنّ» فيه مفتوحة، فنقضت هذه القاعدة أيضا بنحو لو أن زيدا قائم قام عمرو، وذلك بأن «أن» وقعت موقع الجملة الفعلية التي كان ينبغي لها أن تلي «لو» 184. هذا على مذهب سيبويه، فإنه يجعل «أنّ» مباشر لـ «لو».
لفظا وتقديرا ويجعلها مع معمولها يتقدير اسم مبتدأ وسد الطول مسد الخبر 185. -
الجزء: 3 - الصفحة: 1321
................................
وأما المصنف فإنه جمع بين الأمرين، أعني: تعداد الأماكن التي يتعين فيها الكسر والتي يتعين فيها الفتح، والتي يجوز فيها الأمران، والضابط لذلك بذكر قاعدة لا يتوجه عليها نقض بشيء من الصور التي نقض بها على غيره.
وحاصل الأمر: أنه أورد ذلك إيرادا لم يقع لغيره، وأنا أورد كلامه أولا ثم أتبعه بما يحتاج إلى التنبيه عليه، قال رحمه الله تعالى: «إنّ» بالكسر أصل، لأن الكلام معها جملة غير مؤولة بمفرد وأنّ الفتح فرع لأن الكلام معها مؤول بمفرد.
وكون المنطوق به جملة من كل وجه أو مفردا من كل [2/ 104] وجه أصل، لكونه جملة من وجه، مفردا من وجه.
ولأن المكسورة مستغنية بمعمولها عن زيادة، والمفتوحة لا تستغني عن زيادة، والمجرد من الزيادة أصل للمزيد فيه ولأن المفتوحة تصير مكسورة بحذف ما تتعلق به كقولك في عرفت أنك بر: أنك بر، ولا تصير المكسورة مفتوحة إلا بزيادة كقولك في «إنك بر» عرفت أنك بر والمرجوع إليه بحذف أصل للمتوصل إليه بزيادة 186.
ولكون المكسورة أصلا قلت: يستدام كسر «إن» ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر فعلم بذلك أن الكسر لازم للمبدوء بها لفظا ومعنى نحو إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ 187 وللمبدوء بها معنى لا لفظا 188، نحو: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ 189 والموصول بها نحو: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ 190، والمجاب بها قسم نحو: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ 191 والمحكية بالقول نحو: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ 192 والواقعة موقع الحال نحو: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ 193، ومنه قول الشاعر:
948 - ما أعطياني ولا سألتهما... إلّا وإنّي لحاجزي كرمي 194
الحديث: 948 - الجزء: 3 - الصفحة: 1322
................................ وقول الآخر: 949 - سئلت وإنّي موسر غير باخل... فجدت بما أغنى الذي جاء سائلا 195 والواقعة موقع خبر اسم عين نحو: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ 196 ومنه قول الشاعر: 950 - أراني ولا كفران لله إنّما... أؤاخي من الأقوام كلّ بخيل 197 وقول الآخر 198: 951 - إنّ الخليفة إنّ الله سربله... سربال ملك به تزجى الخواتيم 199 وقول الآخر: 952 - منّا الأناة وبعض القوم يحسبنا... إنّا بطاء وفي إبطائنا سرع 200
-
- والهمع (1/ 246)، والدرر (1/ 203)، والأشموني (1/ 275)، وديوانه (273) جمع وشرح إحسان عباس، وابن عقيل (1/ 132). والشاهد قوله: (ما أعطياني... إلّا وإني) حيث كسرت همزة «إنّ» لوقوعها في صدر جملة الحال.
الحديث: 949 - الجزء: 3 - الصفحة: 1323
................................ والواقعة قبل لام معلقة، نحو: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ 201 فعدم وقوع المصدر في هذه المواضع بيّن، فلذلك استديم فيها كسر «إنّ»، واللام المعلقة هي المسبوقة بفعل قلبي أو جار مجراه 202 نحو: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ 203 وأنشد سيبويه: 953 - ألم تر إنّي وابن أسود ليلة... لنسري إلى نارين يعلو سناهما 204 فلولا اللام لفتحت «إنّ» كما فتحت في عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ 205، وفي شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ 206 وفي أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ 207، فلو لم يسبق اللام فعل قلبي ولا جار مجراه لم يكن فرق بين وجود اللام وعدمها، فلذلك استحق الكسر بعد القسم مع عدمها في إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ 208، كما استحق مع وجودها في إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ 209 وكذا سائر المواضع الخمسة 210. وأشرت بقولي: «فإن لزم التأويل لزم الفتح» إلى لزومه في موضع المبتدأ نحو: - - وعمدة الحافظ (129)، وابن الناظم (62)، والعيني (2/ 216)، وشرح الحماسة للتبريزي (1/ 187). والشاهد قوله: (يحسبنا إنا بطاء)، حيث كسرت همزة «إن» لوقولعهما موقع خبر اسم عين، عين وهو المفعول الأول ليحسب.
الحديث: 953 - الجزء: 3 - الصفحة: 1324
................................ وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً 211، وفي موضع الفاعل نحو: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ 212، [2/ 105] وفي موضع القائم مقامه نحو: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ 213 وفي موضع ما ليس خبر اسم عين من منصوب فعل، نحو: وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ 214، أو معطوف على منصوب بفعل نحو: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ 215، وفي موضع مجرور بحرف أو إضافة نحو: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ 216، وإِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ 217 وأنشد سيبويه: 954 - تظلّ الشّمس كاسفة عليه... كآبة أنّها فقدت عقيلا 218 فتأويل المصدر في هذه المواضع وأشباهها لازم، فلذلك لزم الفتح. وذكر المصدر أولى من ذكر الاسم المفرد ليسلم من نحو: «يحسبنا إنّا بطاء» 219. لأن «إنّ» واقعة فيه موقع مفرد وفتحها ممتنع لامتناع قيام المصدر مقامها 220 وللزوم تأويل المصدر بعد «لو» و «لولا» لزم الفتح نحو وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا 221 ونحو فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ 222 ومنه قول الشاعر: 955 - فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم... نطقت ولكنّ الرماح أجرّت 223
الحديث: 954 - الجزء: 3 - الصفحة: 1325
................................ وقال الآخر في «لولا»: 956 - لكم أمان ولولا أنّنا حرم... لم تلف أنفسكم من حتفها وزرا 224 وللزوم تأويل المصدر لزم الفتح بعد «ما» التوقيتية في قول العرب: لا أكلمك ما أن في السماء نجما ولا أفعل ما أن حراء مكانه 225، الأول عن يعقوب 226، والثاني عن اللحياني، والتقدير: ما ثبت أنّ في السماء نجما، وما ثبت أنّ حراء مكانه 227، وأشرت بقولي: «ولإمكان الحالين أجيز الوجهان» إلى المواضع الصالحة لتقدير مصدر باعتبار، والتقدير جملة باعتبار، فباعتبار تقدير المصدر تفتح وباعتبار تقدير الجملة تكسر فمن ذلك: «أوّل قولي إني أحمد الله» يجوز أن يراد به أول كلام أتكلم به هذا الكلام المفتتح «بإني» فيلزم الكسر لثبوت تقدير الجملة وعدم تقدير المصدر، ولا تصدق هذه العبارات بهذا القصد على حمد بغير هذا اللفظ الذي أوله «إني» بخلاف عبارة الفتح فإنها تصدق على كل لفظ تضمن حمدا 228 ومن المستعمل بوجهين لإمكان تقديرين: «إنّ» الواقعة بعد «إذا» المفاجأة، كقول الشاعر: 957 - وكنت أرى زيدا كما قيل سيّدا... إذا إنّه عبد القفا واللهازم 229
-
- واللسان (جرر).
والشاهد قوله: (فلو أن قومي أنطقتني) حيث فتحت همزة «أن» بعد «لو».
- واللسان (جرر).
الحديث: 956 - الجزء: 3 - الصفحة: 1326
................................
وروي بالكسر على التأويل بمصدر، وبالفتح على تأويل «أن» ومعمولها بمصدر مرفوع بالابتداء والخبر محذوف، والأول أولى لأنه لا يحوج إلى تقدير محذوف.
ومن المستعمل بوجهين لإمكان تقديرين «إنّ» الواقعة بعد فاء الجواب نحو: من يأتني فإنه مكرم.
من كسر جعل ما بعد الفاء جملة غير مؤولة بمصدر كما قال: من يأتني فهو مكرم، ومن فتح جعل ما بعد الفاء في تأويل مصدر
مرفوع بالابتداء والخبر محذوف والأول أولى لأنه لا يحوج إلى تقدير محذوف كالواقعة بعد «إذا»، ولذلك لم يجئ في القرآن العزيز فتح إلا مسبوق «بأنّ» المفتوحة 230 نحو: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ [2/ 106] وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ 231 فإن لم تسبق «أنّ» المفتوحة فكسر «إنّ» بعد الفاء مجمع عليه من القراء السبعة نحو:
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ 232 وإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 233 ووَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ 234 ومن المقروء بالوجهين باعتبار التقديرين مع تقدم «أنّ» المفتوحة قوله تعالى:
كَتَبَ [رَبُّكُمْ] 235 عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 236 قرأ بفتح الأولى والثانية ابن عامر 237 وعاصم 238، وقرأ بفتح الأولى وكسر الثانية نافع 239، وقرأ بكسرهما ابن - - والخصائص (3/ 399)، وشرح التسهيل للمرادي (1/ 431)، وتعليق الفرائد (1101)، وشرح عمدة الحافظ (131)، والتذييل (2/ 689)، وأمالي السهيلي (126)، وشرح الألفية لابن الناظم (63)، وشرح الألفية للمرادي (1/ 339)، وشرح المكودي (57)، والخزانة (4/ 303)، وابن يعيش (4/ 97)، (8/ 61)، والتصريح (1/ 128)، والأشموني (1/ 276)، والهمع (1/ 138)، والدرر (1/ 151). اللغة: اللهازم: جمع لهزمة وهي طرفة الحلقوم وقيل قطعة تحت الأذن ويكنى باللهازم والقفا هنا عن الخسة.
والشاهد قوله: (إذا أنه) حيث جاز في «أن» الكسر والفتح.
الجزء: 3 - الصفحة: 1327
................................
كثير 240، وأبو عمرو وحمزة والكسائي 241. انتهى كلام المصنف 242.
وقد ظهر لك أن الضابط الذي ذكره سالم من النقض الوارد على ضابط غيره، ولقد أحسن في استنتاج لزوم الكسر ولزوم الفتح وجواز الوجهين عن الضابط المذكور، وذكره ذلك إنما هو على سبيل التبرع لقصد الإرشاد وتسهيل الأمر على الطالبين، وقد كان يكفيه الاقتصار على ما ذكره من القانون المفيد لقاعدة الباب.
وبعد، فالمواضع التي ذكر أنه يلزم فيها الكسر سبعة والتي يلزم فيها الفتح ستة، والتي يجوز فيها الوجهان ثلاثة، وقد استدرك الشيخ على المصنف موضعا ثامنا فقال: إنه نقصه موضع آخر وهو أنه يجب كسرها بعد «حيث» نحو: اجلس حيث إنّ زيدا جالس 243. وذكر بعض الفضلاء 244 موضعين آخرين وهما: بعد إذ وبعد موصوف بجملة مصدرة «بأنّ» نحو: جئتك إذ إن زيدا أمير، ومررت برجل إنه فاضل 245، وكذا ذكر ثلاثة مواضع أخر في القسم الثاني، أعني ما يلزم فيه الفتح وهي: إذا وقعت خبرا عن اسم معنى نحو: اعتقادي أنه فاضل وإذا وقعت معطوفة على شيء لو كانت «إنّ» في موضعه لكانت مفتوحة كالمعطوفة على فاعل أو مفعول أو مجرور بحرف أو إضافة نحو: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ 246 وإذا وقعت مبدلة من شيء من ذلك نحو: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ 247، وكذا 248 أيضا خمسة مواضع أخر في القسم الثالث، أعني ما يجوز فيه الفتح والكسر، وهي: إذا وقعت في موضع التعليل نحو: إِنَّا -
الجزء: 3 - الصفحة: 1328
................................
كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ 249، قرئ بالفتح على تقدير لام العلة وبالكسر على أنه تعليل مستأنف 250 مثل: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ 251، وإذا وقعت بعد «واو» مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى 252 قرئ بالكسر إما على الاستئناف أو العطف على جملة «إن» الأولى، وبالفتح بالعطف على «أن لا تجوع» 253. وإذا وقعت بعد «حتى»، قال: فيختص بالكسر بالابتدائية نحو: مرض حتى إنهم لا يرجونه والفتح بالجارة [2/ 107] والعاطفة نحو: عرفت أمورك حتى أنك فاضل، وإذا وقعت بعد «أما» نحو: أما أنك فاضل قال: فالكسر على أنها حرف استفتاح بمنزلة ألا والفتح على أنها بمعنى أحقّا، وإذا وقعت بعد «لا جرم» 254.
والذي يظهر أنه لا استدراك على المصنف في القسم الأول لأن الواقعة بعد حيث و «إذا» والموصوف يصدق عليها أنها مبتدأة، إذا لا تعلق لها بما قبلها من حيث العمل، أما في الواقعة بعد الموصوف فظاهر.
وأما الواقعة بعد «حيث» و «إذ» فكذلك، وإن كانت «حيث وإذ» مضافتين لأن الإضافة إنما هي إلى الجملة بتمامها ولا يؤثر في الجملة عمل عامل، أعني في لفظها واذا كانت مبتدأة أي: مبدوءا بها في هذه المواضع، فهي مندرجة في قول المصنف: كسرت مبتدأة 255.
على أنا نقول: إن المصنف لم يلتزم استيفاء المواضع في الأقسام الثلاثة، ولا يلزمه ذلك، بل لا يلزمه التعرض إلى شيء منها لأنه ذكر الضابط للمواضع الثلاثة وإذا كان كذلك فيصير الأمر موكولا إلى الناظر.
وعبارته في الكتاب تشعر -
الجزء: 3 - الصفحة: 1329
................................
بأنه لم يذكر ما ذكره على سبيل الاستيفاء لأنه لم يقل: والمواضع التي يجب فيها الكسر كذا ولا التي يجب فيها الفتح كذا، ولا التي يجوز فيها الوجهان كذا، بل قال: «فلا متناع التأويل وجب الكسر في كذا، وللزومه وجب الفتح في كذا ولإمكان الحالين أجيز في كذا».
ويدل على أن المصنف قصد ما قلته أنه لم يذكر في المتن أن ما كان في موضع المبتدأ ونائبه يفتح، وقال في الشرح إنها في هذه المواضع الثلاثة تفتح 256 لقوله:
وللزوم التأويل فتحت، فدل ذلك على أنه اكتفى بذكر الضابط وأن الذي ذكره إنما هو على سبيل التمثيل والتنبيه.
وأما ما ذكره من أشرنا إليه زائدا في القسم الثاني من المعطوفة والمبدلة؛ فغير محتاج إليه أصلا، لأن المعطوف حكمه حكم المعطوف عليه، والمبدل حكمه حكم المبدل منه قطعا وأما الواقعة خبرا عن اسم معنى فلا شك أن قول المصنف: فإن لزم التأويل لزم الفتح يكفي في ذلك، لأن تأويل «أنّ» وما بعدها بالمصدر في نحو: «اعتقادي أنك فاضل» لازم على أنه لا يلزم المصنف التعداد كما عرفت، ولقد عجبت من ذكر هذا الفاضل المعطوفة والمبدلة.
وأما ما ذكره في القسم الثالث من المواضع الخمسة فالعجب من ذكره أشد لأن كلّا من المواضع الخمسة التي ذكرها الفتح فيه باعتبار، والكسر فيه باعتبار آخر، واعتبار الفتح راجع إلى ضابط ما يلزم فيه الفتح واعتبار الكسر راجع إلى ضابط ما يلزم فيه الكسر، وإذا كان فلا حاجة بل لا فائدة في ذكر ذلك.
وانظر إلى فعل المصنف كيف ذكر «أما» و «حتى» و «لا جرم» في آخر الفصل تنبيها على أن لكل منها معنى [2/ 108] إذا فتحت «إن» بعدها غير المعنى الذي تكسر فيه «إن» بعدها 257 ولم يذكرها مع المسائل التي يجوز فيها الوجهان، أعني: أول قولي وإذا المفاجأة وفاء الجواب.
-
الجزء: 3 - الصفحة: 1330
................................
وإذ قد عرفت هذا فلنذكر أبحاثا تتعلق بما تقدم:
الأول:
المصدر الذي تؤول به «أن» ومعمولها إذا فتحت مختلف فإذا كان خبرها فعلا أو اسما ملاقيا للفعل في الاشتقاق من المصدر، قدرت بمصدر من لفظ ذلك الفعل أو ذلك الاسم فالتقدير في بلغني أنك تنطلق أو أنك منطلق: بلغني الانطلاق.
وإذا كان الخبر ظرفا أو مجرورا يقدر المصدر من لفظ الاستقرار العامل فيهما، فالتقدير في بلغني استقرار زيد عندك.
وفي بلغني أنّ زيدا في الدار: بلغني استقرار زيد في الدار، وإن كان الخبر اسما جامدا يقدر المصدر كونا، فالتقدير في بلغني أنّ هذا أخوك: بلغني كون هذا أخاك، قالوا: وإنما ساغ التقدير بالكون لأن كل خبر جامد يصح نسبته إلى المخبر عنه بلفظ الكون تقول: هذا زيد، وإن شئت قلت: هذا كائن زيدا، فيكون معناه كمعنى: هذا زيد 258.
الثاني:
قد عرفت من قول المصنف: وللزوم التأويل فتحت بعد لو 259 أن «أنّ» مع معمولها مؤولة بمصدر بعد «لو»، فأما على مذهب المبرد ومن وافقه من البصريين 260، قيل:
وهو مذهب الكوفيين - فظاهر لأنهم يقدرون فعلا بعد، رافعا لـ «أنّ» ومعمولها على الفاعلية 261.
وأما على مذهب سيبويه وهو القول المتصور المعول عليه فإنه يحتاج إلى تقدير وذلك لأنه لا يقدر فعلا بل يحكم بمباشرة «أنّ» «للو» تقديرا كما أنها مباشرة لها لفظا، ويجعل «أنّ» مع معمولها بتقدير اسم مبتدأ والخبر محذوف 262. هكذا - - (1/ 278 - 279)، وكذلك «أما» يختلف معناها أيضا في حالة فتح «أن» بعدها عن معناها في حالة كسرها، فهي في حالة فتح «أن» بعدها بمعنى «حقّا»، وأما في حالة كسر «إن» بعدها فهى حرف استفتاح.
اه.
شرح الرضي على الكافية (2/ 351) بتصرف، والتصريح (1/ 220)، شرح الجمل لابن عصفور (1/ 461) ط. العراق.
الجزء: 3 - الصفحة: 1331
................................
ذكر أبو علي الشلوبين أن هذا مذهب البصريين.
وقال ابن هشام: مذهب سيبويه أن «أنّ» مع معمولها مبتدأ والخبر محذوف، لا يجوز إظهاره كحذفه بعد «لولا»، وهو قول أكثر البصريين 263، وقيل: لا خبر محذوف، وهو الذي ذكره ابن عصفور في شرح الجمل، قال: وسد الطول مسد الخبر يعني جريان المسند والمسند إليه في الذكر 264 وإذا كانت «أنّ» مع معمولها بعد «لو» مقدرة بمبتدأ كانت على هذا مؤولة بمصدر، فتقدير وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا 265: ولو صبرهم 266 وقد ردّ مذهب المبرد بأنّ الفعل لم يحذف بعد «لو» قط إلا أن يكون مفسرا 267 نحو قوله تعالى:
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ 268. وقالوا في المثل: «لو ذات سوار لطمتني» 269.
قال ابن عصفور: والصحيح مذهب سيبويه وذلك أنك أيّ المذهبين ارتكبت كان فيه خروج «للو» عما استقر فيها في غير هذا الموضع لأنها أبدا لا يليها إلا الفعل ظاهرا، ولا [2/ 109] يليها مضمرا يعني غير مفسر إلا في ضرورة شعر، وإذا جعلت «أنّ» ومعمولها في موضع مبتدأ أوليت الاسم لفظا وتقديرا، وهذا لا يجوز في غير هذا الموضع وإن جعلت «أنّ» وما بعدها في موضع فاعل بفعل مضمر كنت قد أضمرت بعدها الفعل في فصيح الكلام، وقد قلنا: إن ذلك لا يجوز إلا في الضرورة وإذا كان كل من المذهبين يؤدي إلى الخروج عن الظاهر فلا فائدة في تكلف الإضمار 270.
الثالث:
قد كان المصنف مستغنيا عن ذكر «ما» التوقيتية لأن «أنّ» إنما فتحت بعدها -
الجزء: 3 - الصفحة: 1332
................................
لكونها مع ما يليها في موضع فاعل بفعل مقدر كما تقدم 271، وهو قد قال: إنه إذا لزم التأويل بالمصدر لزم الفتح 272 وذكر في الشرح أنه يلزم الفتح لذلك إذا كانت في موضع المبتدأ أو في موضع الفاعل 273.
الرابع:
قد عرفت أن من صور المسائل ذات الوجهين قولهم: «أول قول إني أحمد الله»، وقد ذكروا ضابط هذه الصورة فقالوا: هو أن تقع «إنّ» خبرا عن قول ومخبرا عنها بقول، وأن يكون القائل واحدا 274، كالمثال الذي تقدم فإن كانت خبرا عن غير قول فتحت نحو: فعلى أني أحمد الله، وإن كانت مخبرا عنها بغير قول نحو: قولي إنّي مؤمن، أو كان القائل غير واحد نحو: قولي: إنّ زيدا يحمد الله؛ كسرت 275 وهذا ظاهر، أعني: كونها تفتح في الصورة الأولى وتكسر في الصورتين الأخريين.
واعلم أن سيبويه لم يمثل لهذه المسألة بما مثل به المصنف وإنما مثلها بقولهم: «أول ما أقول إني أحمد الله 276»، ولا شك أن فيما مثل به سيبويه فائدة، وهو أن «ما» هل هي مصدرية أو موصولة ويترتب على ذلك بحث.
وأما المصنف فإنه إنما أتى بصورة المصدر واقتضى هذا أنه يحكم على «ما» في: «أول ما أقول» بالمصدرية قطعا.
وبعد: فنحن نتكلم على المثال الذي مثل به سيبويه فنقول:
أجاز النحويون في مسألة «أول ما أقول أني أحمد الله» فتح «أنّ» وكسرها.
فالفتح على تقدير المصدر، كأنه قال: أول ما أقول حمد الله، و «ما» مصدرية، والتقدير: أول قولي حمد الله وهذا إخبار بمعنى عن معنى، وهل يجوز أن تكون «ما» موصولة أو نكرة موصوفة والفعل الواقع بعدها صلة أو صفة، والعائد -
الجزء: 3 - الصفحة: 1333
................................
محذوف وهو مفعول القول، والتقدير: أول الألفاظ التي أقولها وأول ألفاظ أقولها حمد الله.
منع الأكثرون ذلك قالوا: لأن حمد الله ليس من الألفاظ المقولة فكيف يقع خبرا لما هو لفظ 277، والخبر إذا كان مفردا لزم أن يكون المبتدأ نحو: زيد أخوك أو منزلا منزلته نحو: زيد زهير.
وأجاز ذلك ابن خروف 278. ويلزمه أن يجعل حمد الله من قبيل الألفاظ وهو غير ظاهر.
وأما الكسر فعلى أحد التقادير [2/ 110] الآتي ذكرها وأول مبتدأ، و «ما» يجوز فيها ثلاثة أوجه: أن تكون موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة أو مصدرية أريد بها المفعول كما قالوا: درهم ضرب الأمير أي مضروبه 279 وكذلك هذا تقديره: أول قولي أي: مقولي.
ومعمول «أقول» إذا كانت «ما» بمعنى الذي أو موصوفة محذوف، كما قدر لما فتحت «أنّ» وخبر المبتدأ «أني أحمد الله»، ولا تحتاج هذه الجملة إلى رابط لأنها نفس المبتدأ في المعنى.
هكذا شرح الشارحون كلام سيبويه 280 في هذه المسألة.
واختلف النحاة في الموجب لكسر «إنّ» حينئذ:
فقيل كسرت لكونها خبرا عن «أول» 281، وقيل: كسرت لأنها معمولة «لقولي» المحذوف، وذلك المحذوف هو الخبر، والتقدير: أول ما أقول قولي إني أحمد الله، ونسب هذا القول إلى عضد الدولة 282 وردّ بأنه يلزم منه حذف الموصول وإبقاء معموله وبابه الشعر 283 لكن قد يقال: القول قد كثر إضماره في كلامهم حتى صار يجري مضمرا مجراه مظهرا.
وقيل: كسرت لكونها معمولة -
الجزء: 3 - الصفحة: 1334
................................
لأقول والخبر محذوف وهو قول الفارسيّ 284 والتقدير على مذهبه: أول قولي: إني أحمد الله ثابت، ورد الناس على الفارسيّ هذا التقدير وقالوا: يلزم منه الإخبار عن الهمزة من قوله: «إني أحمد الله» بالثبوت، ولا معنى لهذا 285. وقيل: كسرت لأنها بعد «أول» وهو قول من حيث أضيف إلى القول والخبر محذوف أي: ثابت وهو قول الشلوبين 286، ورد عليه بأن «إنّ» لا تكسر حكاية لفعل أو مصدر إلا وهي معمولة و «أول» لا يعمل وإن كان مصدرا في المعنى لأنه ليس بمصدر في اللفظ، ولا يعمل إلا لفظ المصدر 287، وقيل: كسرت لأنها معمولة لأقول كما قال الفارسي لكنها خبر من حيث المعنى، فلم يقدر خبرا كما قدر الفارسيّ، فخالفه في تقدير الخبر، ونظره بقولهم: أقائم الزيدان 288. هذا آخر ما ذكر في هذه المسألة.
وتلخص معه أنه إذا كانت «إنّ» مكسورة كان فيها خمسة مذاهب:
قيل: خبر عن «أول»، وقيل: معمولة لقول محذوف وقيل: معمولة لأقول الموجودة.
وقيل: لأنها بعد «أول» وهو قول لإضافته إلى القول، وقيل: لأنها معمولة لأقول كما في القول الثالث، لكن هناك قيل بأن الخبر محذوف، وهنا قيل: إنها نفس الخبر من حيث المعنى مع أنها معمولة.
ولا شك أن كلّا من هذه المذاهب يجيء على القول بأن «ما» مصدرية أو موصولة أو نكرة موصوفة، فتكون الصور على هذا خمس عشرة صورة مع الكسر خاصة، ومع الفتح تقدم أن الصور -
الجزء: 3 - الصفحة: 1335
[بقية مواضع فتح همزة إن]
قال ابن مالك: (وتفتح بعد «أما» بمعنى حقّا، وبعد حتّى غير الابتدائية وبعد «لا جرم» غالبا وقد تفتح عند الكوفيّين بعد قسم ما لم توجد اللام).
فيه ثلاث إن اعتبر قول ابن خروف [2/ 111] فيكون مجموع الصور باعتبار الكسر والفتح ثماني عشرة صورة.
ثم اعلم أن ابن عصفور صحح قول أبي علي الفارسي في هذه المسألة فقال:
والصحيح عندي أن ما ذهب إليه أبو علي مستقيم لا يتوجه عليه اعتراض لأنه يريد أن أول قولي إني أحمد الله.. قد ثبت واستقر منه قبل نطقه بهذا الكلام؛ فكأنه قال: ليس قولي الآن إني أحمد الله بأول حمد حمدته بل (أول قولي: إني أحمد الله) قد تقدم قبل هذا، فليس يريد بقوله: «إني أحمد الله» هذا اللفظ الذي تلفظ به الآن يريد جنس قوله للألفاظ التي يحمد بها لله تعالى 289.
قال ناظر الجيش: هذا الكلام يشتمل على أربع مسائل، منها ثلاث تفتح فيها «إنّ»، وتكسر باعتبارين مختلفين، وهي الواقعة بعد «أما»، وبعد «حتى»، وبعد «لا جرم» 290، وقد كان في غنية عن ذكرها اكتفاء بالضابط الذي ذكره في الفصل، ولكنه قصد الإرشاد والإيضاح والتنبيه على ما قد يغفل عنه، وأما الرابعة وهي الواقعة بعد قسم فالفتح فيها والكسر باعتبار واحد وكأنه إنما لم ينظمها مع المسائل التي هي: أول قولي وإذا الفجائية وفاء الجواب كما فعل في كتاب الخلاصة لأمرين: كون فتح «إنّ» فيها ليس مذهب البصريين، إنما هو مذهب الكوفيين وكونه إنما يجوز بقيد وهو أن لا توجد اللام في الجواب 291.
الجزء: 3 - الصفحة: 1336
................................
ثم إني أورد الآن كلام المصنف ثم أتبعه بما يتعلق به من المباحث:
قال رحمه الله تعالى 292: روى سيبويه في نحو: «أما إنك ذاهب» الكسر على جعل «أما» حرف استفتاح بمنزلة «ألا» والفتح على جعل «أما» بمعنى حقّا 293، وإذا وليت «إنّ» حقّا فتحت لأنها حينئذ مؤولة هي وصلتها بمصدر مبتدأ و «حقّا» مصدر واقع ظرفا مخبرا به، ومنه قول الشاعر 294:
958 - أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا... فنيّتنا ونيّتهم فريق 295
تقديره عند سيبويه أفي حق أن جيرتنا 296 استقلوا فأما المفتوح بعدها «أنّ» كذلك قلت: ويحتمل عندي أن يكونوا نصبوا «حقّا» نصب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بفعله و «أنّ» في موضع رفع بالفاعلية، كأنه قال: أحق حقّا أن جيرتنا استقلوا 297 وكون «أما» مع الفتح للاستفتاح أيضا وما بعدها مبتدأ خبره محذوف كأنه قال: أما معلوم أنك ذاهب 298 وقد يقع بين «أما» و «أنّ» يمين فيجوز أيضا الفتح على مرادفة «أما» «حقّا»، والكسر على مرادفتها «ألا».
ذكر ذلك سيبويه 299 وإذا وقعت بعد حتى كسرت إن كانت حرف ابتداء لامتناع تقدير مصدر في موضعها نحو قولك: مرض زيد حتى إنه لا يرجى، وإن كانت عاطفة أو جارة [2/ 112] لزم الفتح لصحة تقدير مصدر مكانها نحو قولك: عرفت أمورك حتى -
الحديث: 958 - الجزء: 3 - الصفحة: 1337
................................
أنك فاضل، فلك أن تقدر موضع «أن» مصدرا منصوبا على أن تكون حتى عاطفة، ومجرورا على أن تكون جارة 300، وإذا وقعت «إنّ» بعد «لا جرم» فالمشهور الفتح، وبه قرأ القراء.
قال الفراء: «لا جرم» كلمة كثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة «حقّا» وبذلك فسرها المفسرون، وأصلها من «جرمت» أي كسبت.
وتقول العرب: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت فتراها بمنزلة اليمين 301. قلت:
ولإجرائهم إياها مجرى اليمين حكي عن بعض العرب كسر «إنّ» بعدها 302.
وذكر ابن كيسان 303 في نحو: والله إنّ زيدا كريم بلا لام أن الكوفيين يفتحون ويكسرون، والفتح عندهم أكثر 304. قال الزجاجي في جمله: وقد أجاز بعض النحويين فتحها بعد اليمين واختاره بعضهم على الكسر، والكسر أجود وأكثر في كلام العرب والفتح جائز قياسا 305. كذا قال أبو القاسم، قلت: قد تقدم قوله:
والكسر أجود وأكثر في كلام العرب، وهذه العبارة تقتضي أن يكون الفتح مستعملا في كلامهم استعمالا أقل من استعمال الكسر 306 ثم أشار إلى أن الفتح جائز قياسا، وليس كما قال، فإنّ الفتح يتوقف على كون المحل مغنيا فيه المصدر عن العامل والمعمول، وجواب القسم ليس كذلك، والكسر يتوقف على كون المحل محل جملة لا يغني عنها مفرد وجواب القسم كذلك، فوجب لأن الواقعة فيه الكسر قياسا 307، ولذلك أجمعت القراء على كسر إِنَّا جَعَلْناهُ 308 في أول الزخرف، وإِنَّا أَنْزَلْناهُ 309 في أول الدخان مع عدم اللام 310، فإن ورد «أنّ» بالفتح -
الجزء: 3 - الصفحة: 1338
................................
في جواب قسم حكم بشذوذه وحمل على إرادة «على» 311، وعلى ذلك يحمل قول الراجز 312:
959 - لتقعدنّ مقعد القصيّ... منّي ذي القاذورة المقليّ
أو تحلفي بربّك العليّ... أنّي أبو ذيّالك الصّبيّ 313
في رواية من رواه بالفتح كأنه قال: أو تحلفي على أني أبو ذيالك الصبي.
انتهى 314. ويتعلق بكلامه تنبيهات:
منها: أن عبارة الكتاب تعطي أن «أما» بمعنى «حقّا».
قال الشيخ: والذي شرح به أصحابنا كلام سيبويه هو أنك إذا كسرت «إنّ» «فأما» استفتاح «كألا»، أو فتحت فالهمزة للاستفهام، و «ما» بمنزلة «حق»، وذلك أن «ما» عامة فتجعلها بمنزلة شيء، ذلك الشيء حق.
فكأنك قلت: أحقّا أنك ذاهب.
وانتصابه على الظرف 315. ثم بحث مع المصنف منازعا له فيما ادعاه من أنّ «حقّا» من قول الشاعر:
960 - أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا 316
يحتمل أن يكون قد نصب المصدر ومن أن «أما» يجوز أن تكون مع فتح «أنّ» للاستفتاح، فقال: ما ذهب إليه المصنف من جواز انتصاب حقّا نصب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بفعله، وما بعده رفع على الفاعلية، لا يجوز لأنه ليس من المصادر التي يجوز نصبها على إضمار فعل لأن ذلك إنما يكون [2/ 113] إذا أريد به -
الحديث: 959 - الجزء: 3 - الصفحة: 1339
................................ الأمر وما أشبهه أو الاستفهام، وتكون نكرة ولا تكون معرفة وقد قالوا: آلحق أنك ذاهب 317، فوجب أن يكون «حقّا» منصوبا على الظرف وما بعده مبتدأ 318، ويكون ظرفا مجازيّا بمنزلة كيف لأن معناها في أي حالة قال: والدليل على أن نصبه نصب الظرف قول الشاعر: 961 - أفي حقّ مواساتي أخاكم... بمالي ثمّ يظلمني السّريس 319 ولا يجوز أن يكون منصوبا على إسقاط حرف الجر والعامل فيه «كائن» والتقدير: أكائن فيما يحق هذا؛ لأن المعنى لا يعمل مضمرا، ولهذا أبطلوا أن يكون مثلهم من قوله: 962 - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 320 حالا على أن العامل فيه الخبر المحذوف كأنه قال في الوجود: وإنما تعمل مضمرا مظهرا لفعل، ثم قال: ويجوز أن يقال: «أحقّ أنك ذاهب» بالرفع وهو جيد قوي، وهو الوجه؛ لأنه ليس فيه جعل ما ليس بظرف ظرفا وارتفاعه على أنه الخبر و «أنّ» مع معمولها في موضع المبتدأ ثم قال: وأما تجويز المصنف أن تكون «أما» للاستفتاح مع فتح «أنّ» وأن يقدر خبر محذوف فشيء خالف فيه النحويون 321، ويبطله أنه لو كان على ما ذهب إليه لصرحت العرب بهذا الخبر الذي قدره في موضع «ما» مع «أنّ».. انتهى 322. -
الحديث: 961 - الجزء: 3 - الصفحة: 1340
................................
ولك أن تجيب عن المصنف فتقول: أما قول الشيخ: إن «حقّا» لا يجوز نصبه على أنه مصدر بدل من اللفظ بالفعل فممنوع وقوله: إنما يكون ذلك إذا أريد به الأمر أو الاستفهام منقوض بقولهم: افعل وكرامة ومسرة 323، فإن هذا خبر محض، فإن قال: هذا موقوف على السماع.
قيل: وكذا قوله:
963 - أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا 324
موقوف على السماع 325 ثم إن قوله: إنّ ذلك لا يكون في المصدر المعرفة لا يتوجه فإن المصنف لم يدع ذلك في كلمة هي معرفة ولا يلزم من دعوى المصنف ذلك في «أحقّا أنك ذاهب» أن يدعيه في «آلحق أنك ذاهب»، على أن ما ذكره الشيخ من أن ذلك لا يكون في المعرفة منقوض بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 326 في قراءة من نصب 327، نعم النصب في المعرفة أقل منه في النكرة كما أن الرفع في النكرة أقل منه في المعرفة.
نص على هذه المسألة ابن أبي الربيع في شرح الإيضاح 328، وأما إبطاله أن «أما» لا تكون للاستفتاح مع «أن» المفتوحة على أنها وما بعدها في موضع المبتدأ، ويكون الخبر محذوفا بأنه لو كان كذلك لصرحت العرب بهذا الخبر في موضع «ما» فغير ظاهر ولا يلزم من كون العرب لم تصرح به عدم جواز تقديره، -
الحديث: 963 - الجزء: 3 - الصفحة: 1341
................................
فكم للعرب من مقدر لا يلفظ به.
ومنها: أنهم قالوا: والله إنك ذاهب بفتح «إنّ» وكسرها، فقال ابن هشام [2/ 114]: إذا كسرت جعلتها جواب القسم 329 وأما إذا فتحت، فقدره سيبويه:
أعلم والله أنك ذاهب 330، وقدره الفراء وأبو العباس وجماعة: أحلف بالله على أنك ذاهب، أي على ذهابك 331، وقالت العرب أيضا: «شد ما أنك ذاهب» و «عزّ ما أنك منطلق 332»، فقال الصفار: الكسر هنا لا يجوز لأن شدّ وعزّ فعلان، وما بعدهما في موضع الفاعل، و «ما» زائدة، والمعنى: عز ذهابك أي قلّ وشقّ وشدّ وكذلك أي شق، لأن الشيء إذا شدّ فقد شقّ ويجوز أن يكون «ما» تمييزا.
وضمن «شدّ» معنى المدح وأنك ذاهب خبر مبتدأ كأنه يريد أنّ المبتدأ المحذوف الذي هذا خبره هو المخصوص بالمدح.
قال: ويظهر من الخليل أن شدّ ما بمنزلة «حقّا» 333 ركب الفعل مع الحرف وانتصب ظرفا، والمعنى عزيزا ذهابك، وشديدا أي فيما يشقّ 334.
ومنها: أن «جرم» كلمة اختلف فيها، فقال سيبويه: قال الله تعالى:
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ 335 عملت لأنها فعل، ومعناها: لقد حق أن لهم النار، ولقد استحق أن لهم النار.
وزعم الخليل أن «جرم» إنما تكون جوابا لما قبلها من الكلام يقول الرجل: كان كذا وكذا وفعلوه كذا وكذا، فتقول: لا جرم أنهم سيندمون أو سيكون كذا وكذا 336. انتهى كلام سيبويه.
قال الشيخ: «فإن» بعد جرم في موضع الفاعل بها، والوقف على «لا» عند سيبويه، ولا يجوز أن توصل «بجرم» لأنها ليست لنفي جرم.
وذهب الفراء إلى أن جرم بمعنى كسب 337. قال:
وركبت «لا» مع «جرم» وصارت بمنزلة «لا بدّ» و «لا محالة» والتركيب يحدث -
الجزء: 3 - الصفحة: 1342
................................
معه أمر لم يكن.
ولا يقف على «لا» لأنها جزء مما بعدها، قال الفراء: وجرم بمعنى كسب، معروف في اللغة، ولم يثبت أن جرم بمعنى، «حقّ».
قال: وتفسير المفسرين لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ 338 حقّا أن لهم النار لا يثبت أنّ جرم بمعنى حق 339 لأنهم فسروا المعنى 340، ونقل الشيخ كلام المصنف على «لا جرم» الذي تقدم إيراده، ثم قال: ولقلة تصفحه - يعني المصنف - كلام سيبويه جهل مذهب سيبويه في «لا جرم» وكلام الخليل فيها، ولم يبين موضع «أنّ» بعد «لا جرم» وقد ذكرنا أنها في موضع رفع بالفاعلية على مذهب سيبويه 341 وأما على مذهب الفراء فيظهر أن التقدير عنده: لا جرم من كذا كما تقول: لا بد أنك ذاهب أي من أنك ذاهب 342.
انتهى.
وذكر أبو البقاء 343 في «لا جرم» أربعة أقوال: -
أحدها: أنّ «لا» ردّ لكلام ماض، أي ليس الأمر كما زعموا.
«وجرم» فعل، وفاعله مضمر فيه، وأَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ 344 في موضع نصب، والتقدير: كسبهم قولهم خسرانهم في الآخرة.
الثاني: أنّ «لا جرم» كلمتان ركبتا وصار معناهما «حقّا» و «أنّ» في موضع رفع بأنه فاعل الحق؛ أي حق خسرانهم.
الثالث: أن المعنى لا محالة خسرانهم فيكون في موضع رفع أيضا وقيل: في موضع [2/ 115] نصب أو جر،
والتقدير: لا محالة في خسرانهم.
الرابع: أن المعنى لا منع من أنهم خسروا، فهو الإعراب كالذي قبله 345. انتهى.
ويحتاج هذان القولان الآخران إلى تحرير؛ وقد علم من كلامه وإن وافق المنقول عن سيبويه أن «جرم» كلمة منفصلة عن «لا» وأنها فعل 346، أنه خالفه في أن جعل الفاعل مضمرا، ولم يجعله «أنهم» مع ما بعده.
-
الجزء: 3 - الصفحة: 1343
................................
ومنها: أنك قد عرفت من كلام المصنف أنّ ابن كيسان ذكر أن الكوفيين يفتحون أنّ ويكسرون في نحو: «والله إن زيدا كريم» بلا لام، وأن الفتح عندهم أكثر، وعرفت أيضا ما ذكره المصنف عن الزجاجي وأنه بعد ذكره ذلك رد إجازة الفتح معلّلا ذلك بأن الفتح يتوقف على كون المحل مغنيا فيه المصدر عن العامل والمعمول وأنّ جواب القسم كذلك إلى آخر كلامه وأنه خرج ما استدل به من أجاز ذلك على إرادة «على» ولا شك أن الذي ذكره هو الحق.
والعجب ممن يتوهم خلاف ذلك، وقد اضطرب النحاة في هذه المسألة بالنسبة إلى الفتح والكسر، وقد ذكر ابن عصفور فيها أربعة مذاهب، ولكنه أطلق القول في وقوع «إن» بعد القسم، ولم يقيد هذا الحكم بعدم اللام في الجواب كما فعل المصنف 347. وتبعه الشيخ أيضا في عدم التقييد المذكور 348، ولا بد منه فإن الإمام بدر الدين ولد المصنف نقل الاتفاق على الكسر عند وجود اللام 349، فتعين الفتح بعدمها كما فعل المصنف.
والمذاهب التي ذكروها هي: -
وجوب الفتح، وهو مذهب الفراء، وجواز الكسر والفتح مع اختيار الفتح، وهو مذهب الكسائي، وجوازهما
واختيار الكسر.
ووجوب الكسر، وهو مذهب البصريين 350، وهو المذهب المتصور من جهة القياس، وبه ورد السماع حتى قال ابن خروف: لم يسمع فتحها بعد اليمين، ولا وجه له في القياس 351. انتهى.
-
الجزء: 3 - الصفحة: 1344
................................
والذي أوجب الاختلاق والخبط في هذه المسألة هو أنه سمع من لسان العرب:
حلفت أنّ زيدا قائم بالفتح والكسر، فغلط سماع «ذلك» من أجاز الوجهين في نحو: والله إن زيدا قائم، فجوز مع إضمار فعل القسم، وأجاز مع إظهاره وهو غلط؛ فإن الفعل إذا أضمر تعين إرادة القسم لأن العرب لا يضمرون الفعل ويريدون الإخبار عن القسم، بل إذا أضمرت كان الكلام قسما حتما 352، وأما إذا أظهر الفعل فجائز أن يراد القسم، وحينئذ يجب كسر «إنّ» الواقعة جوابا له، وجائز أن يراد الإخبار عن قسم سابق، وحينئذ يجب فتح «أنّ» لأنها مع ما بعدها متعلق الفعل الظاهر.
واعلم أن الشيخ ذكر أن المصنف أهمل مسألتين: -
الأولى: وقوع «إنّ» بعد «مذ ومنذ».
قالوا: فالنحويون متفقون على فتح «أن» بعدهما 353، نحو: ما رأيته مذ أن الله خلقه.
واختلفوا في جواز الكسر، فمنهم من صرح بإجازته وهو مذهب الأخفش 354. ومنهم من من سكت عن إجازة الكسر، وامتناعه كسيبويه وابن السراج 355.
الثانية: وقوعها بعد «أما» إذا جاء بعدها [2/ 116] ظرف أو مجرور نحو: أما في الدار فإن زيدا قائم، والكسر على تقدير: فزيد قائم ويتعلق المجرور بما في «أما» من معنى الفعل، والفتح بتقدير: فقيامك، والمجرور في موضع الخبر.
لكنه قال:
ويمكن اندراج هذه المسألة تحت قوله: وفاء الجواب، فلا يكون المصنف أغفلها 356.
انتهى.
وقد اعترف الشيخ في هذه المسألة بأنها داخلة في كلام المصنف، وأما المسألة الأولى فإذا كان اتفاق النحويين على فتح «أنّ» بعد الكلمتين المذكورتين كان ذلك كافيا في الجواب عن المصنف.
ولا يلزم التعرض إلى ذكر الكسر على رأي من يجيزه لأن إجازة ذلك إن ثبتت مرجوحة لا معمول عليها على القول بها ولا أعرف -
الجزء: 3 - الصفحة: 1345
[مواضع دخول لام الابتداء ومواضع امتناع ذلك]
قال ابن مالك: (فصل: يجوز دخول لام الابتداء بعد «إنّ» المكسورة على اسمها المفصول وعلى خبرها المؤخّر عن الاسم، وعلى معموله مقدّما عليه بعد الاسم، وعلى الفصل المسمّى عمادا وأوّل جزأي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما وربّما دخلت على خبر «كان» الواقعة خبر «إنّ» ولا تدخل على أداة شرط ولا على فعل ماض متصرّف خال من قد ولا على معموله المتقدّم خلافا للأخفش، ولا على حرف نفي إلا في ندور ولا على جواب الشّرط خلافا لابن الأنباري ولا على واو المصاحبة المغنية عن الخبر خلافا للكسائيّ، وقد يليها حرف التّنفيس خلافا للكوفيين، وأجازوا دخولها بعد «لكنّ».
ولا حجة فيما أوردوه لشذوذه، وإمكان الزّيادة كما زيدت مع الخبر مجرّدا أو معمولا لأمسى أو زال أو رأى أو «أنّ» أو «ما» وربّما زيدت بعد «إنّ» قبل الخبر المؤكّد بها، وقبل همزتها مبدلة هاء مع تأكيد الخبر أو تجريده فإن صحبت بعد «إنّ» نون توكيد أو ماضيا متصرّفا عاريا من «قد» نوي قسم
وامتنع الكسر).
كيف يتوجه القول عن الأخفش بأنه يجيز الكسر، مع أنه يقدر اسم زمان بعد «مذ ومنذ» مضافا إليهما، فإن هذا التقرير يوجب التأويل بأنّ وما بعدها بالمصدر، وإذا وجب ذلك وجب الفتح 357.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 358: لام الابتداء هي المصاحبة المبتدأ توكيدا نحو: لزيد منطلق، وهي غير المصاحبة جواب القسم 359، لدخولها على المقسم به في نحو «لعمرك ولأيمن الله»، والمقسم به لا يكون جواب قسم.
ولاستغناء بها عن دون التوكيد (في) نحو وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ 360، والمصاحبة جواب -
الجزء: 3 - الصفحة: 1346
................................ القسم لا تستغني في مثل لَيَحْكُمُ عن نون التوكيد إلا قليلا، ولما كان مصحوب اللام في الأصل المبتدأ وكان معنى الابتداء باقيا مع دخول «إنّ» اختصت بدخولها معها لذلك ولتساويها في التوكيد 361، وحسن اجتماع توكيدين بحرفين كما حسن اجتماعهما باسمين نحو: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ 362، وموضعها في الأصل قبل «إنّ» لأنها تعلق أفعال القلوب وهي أقوى عملا من «إنّ»، فلو أخرت ولم ينو تقديمها لعلقت «إنّ» وإلا لزم ترجيحها على أفعال القلوب، وأزيلت لفظا عن موضعها الأصلي كراهية لتقدم توكيدين مع أنّ حق المؤكّد أن يؤخر عن المؤكّد 363، وقصدوا التنبيه على موضعها الأصلي فأولوها «إنّ» مجعولة همزتها «هاء» 364، ولكون اللام في الأصل للمبتدأ قدمت اتصالها بغيره وبينت أن ذلك مشروط بفصل الاسم من «إنّ»، ولا فرق بين الفصل بالخبر نحو: إن عندك لزيدا وبين الفصل بمعمول الخبر نحو: إن فيك لزيدا راغب 365 ولم أقيد تأخير الخبر بقرب، ليعلم أنّ بعده لا يضر كقول الشاعر: 964 - وإنّي على أنّي تجشّمت هجرها... لما ضمنتني أمّ سكن لضامن 366 وكقول الآخر: 965 - وإنّ امرأ أمسى ودون حبيبه... سواس فوادي الرّسّ فالهميان لمعترف بالنّأي بعد اقترابه... ومعذورة عيناه بالهملان 367
الحديث: 964 - الجزء: 3 - الصفحة: 1347
................................ سواس ووادي الرّسّ: موضعان والهميان: مثنّى جعل علما لموضع، فلو كان الخبر منفيّا لم يجز اتصالها به 368، لأن أكثر النفي بما أوله لام، فكره دخول لام على لام، ثم جرى النفي على سنن واحد، فلم يوكد بلام خبر منفي إلا في نادر من الكلام كقول الشاعر: 966 - وأعلم إنّ تسليما وتركا... للا متشابهان ولا سواء 369 أنشده ابن جني في المحتسب 370، وقيدت دخولها على الخبر بكونه مؤخرا عن الاسم 371 تنبيها على امتناع: إنّ لعندك زيدا، وإن غدا لعندنا عمرا، وقيدت دخولها على معمول الخبر بكونه مؤخرا عن الاسم مقدما على الخبر، لأن المعمول كجزء من العامل فإذا قدم كان كالجزء الأول، وإذا أخّر كان كالجزء الآخر، فلذلك جاز وإنّ زيدا لطعامك آكل، وامتنع إنّ زيدا آكل لطعامك 372. ومثال إن زيدا لطعامك آكل قول الشاعر: - - والشاهد قوله: (وإن امرأ... لمعترف) حيث دخلت اللام على خبر «إنّ» المؤخر مع بعده، وذلك لأن البعد لا يضر.
الحديث: 966 - الجزء: 3 - الصفحة: 1348
................................ 967 - إنّ امرأ خصّني عمدا مودّته... على التّنائي لعندي غير مكفور 373 ومن مواقع هذه اللام الفصل المسمّى عمادا، كقوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ 374 وجاز أن تدخل عليه لأنه مقوّ للخبر يرفعة توهم السامع كون الخبر تابعا فينزل منزلة الجزء الأول من الخبر فحسن دخولها عليه لذلك 375، ومع ذلك لا يتعين كون مصحوبها فصلا في إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ 376، وشبهه لإمكان جعل الضمير مبتدأ 377، وإذا كان الخبر المؤكد بها جملة اسمية فمحل [2/ 117] اللام منها صدرها كقول الشاعر: 968 - إنّ الكريم لمن نرجوه ذو جدة... ولو تعذّر إيسار وتنويل 378 وهذا هو القياس لأن صدر الجملة الاسمية كصدر الجملة الفعلية ومحل اللام من الجملة الفعلية صدرها وكذا من الجملة الإسمية وقد شذ دخولها على ثاني جزأي الجملة الاسمية في قوله 379: 969 - فإنّك من حاربته لمحارب... شقيّ ومن سالمته لسعيد 380
الحديث: 967 - الجزء: 3 - الصفحة: 1349
................................ ومثله: 970 - إنّ الألى وصفوا قومي لهم فبهم... هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا 381 فإلى مثل هذا أشرت بقولي: «وأول جزأي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما» وأشرت بقولي: وربما دخلت على خبر «كان» الواقعة خبر «إن» إلى ما في بعض نسخ البخاري من قول أم حبيبة رضي الله عنها «إني كنت عن هذا لغنية» 382، ثم بينت أن الخبر إذا كان جملة شرطية لم تدخل عليه اللام لا في صدره ولا في عجزه 383، ونبهت على أن أبا بكر بن الأنباري 384 أجاز دخولها على جواب الشرط 385، والمانع من دخولها على أداة الشرط خوف التباسها بالموطئة للقسم 386، فإنها تصحب أداة الشرط كثيرا نحو: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ 387، فلو لحقت لام الابتداء أداة الشرط لذهب الوهم إلى أنها الموطئة، وحق المؤكد أن لا يلتبس بغير مؤكد، ولما كان الجواب غير صالح للموطئة أجاز ابن الأنباري أن تلحقه لام الابتداء إلا أن ذلك غير مستعمل، فالأجود أن لا يحكم بجوازه ولا تدخل هذه اللام على فعل ماض إلا إن كان مقرونا بقد أو كان غير متصرف وذلك لأنها في الأصل للاسم فدخلت على الفعل المضارع لشبهه به 388، ولم تدخل على الماضي لعدم الشبه، فإن قرن «بقد» قرينة من الحال 389 فأشبه - - والشاهد في قوله: (لمحارب... لسعيد)، حيث دخلت اللام على ثاني جزأي الجملة الاسمية الواقعة خبرا «لإنّ».
الحديث: 970 - الجزء: 3 - الصفحة: 1350
................................ المضارع فجاز أن تلحقه نحو: إنك لقد قمت 390. وإن كان الماضي غير متصرف «كنعم» جاز أن تلحقه لأنه يفيد الإنشاء، والإنشاء يستلزم الحضور فيحصل بذلك شبه المضارع فجاز أن يقال: إن زيدا لنعم الرجل 391. وأجاز الأخفش دخول هذه اللام على معمول الفعل الماضي مقدما عليه نحو: «إن زيدا لطعامك آكل» 392. ومنع ذلك أولى لأن دخول اللام على معمول الخبر فرع دخولها على الخبر، فلو دخلت على معموله مع أنها لا تدخل عليه نفسه لزم ترجيح الفرع على الأصل 393. وحكى ابن كيسان عن الكسائي «إن كل ثوب لو ثمنه» 394. وأجاز البصريون: إن زيدا لسوف يقوم 395. ولم يجزه الكوفيون، ولا مانع من ذلك فجوازه أولى 396 وأجاز الكوفيون دخول هذه اللام بعد لكنّ اعتبارا ببقاء معنى الابتداء معها كما بقى مع «إنّ» 397 واحتجاجا بقول بعض العرب: 971 -... ولكنّني من حبّها لعميد 398
الحديث: 971 - الجزء: 3 - الصفحة: 1351
................................
ولا حجة لهم في ذلك.
أما الأول؛ فإن اللام لم تدخل بعد «إنّ» لبقاء معنى الابتداء فحسب، بل لأنها مثلها في التوكيد.
و «لكنّ» بخلاف ذلك، ولأن معنى الابتداء مع «لكنّ» لم يبق كبقائه مع «إنّ»، لأن الكلام الذي فيه «إنّ» غير مفتقر إلى شيء قبله، بخلاف الكلام الذي معه «لكنّ» فإنه مفتقر إلى كلام قبله، فأشبهت «أنّ» المفتوحة المجمع على
امتناع دخول اللام بعدها 399 وأما:
972 - ولكنّني من حبّها لعميد
فلا حجّة فيه لشذوذه، إذ لا يعلم له تتمة ولا قائل ولا راو عدل يقول: سمعته ممن يوثق بعربيته.
والاستدلال بما هو هكذا في غاية من الضعف، ولو صح إسناده إلى من يوثق بعربيته لوجه يجعل أصله «ولكن أنني» ثم حذفت همزة «أنّ» ونون «لكن»، وجيء باللام في الخبر لأنه خبر «أنّ» أو حمل على أن لامه زائدة كما زيدت في الخبر قبل انتساح الابتداء 400، كقول الراجز:
973 - أمّ الحليس لعجوز شهربه... ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه 401
وكما زادها الشاعر بعد أمس في قوله 402: - - لابن عصفور (1/ 430)، ووصف المباني (279)، والمغني (1/ 233، 292)، وشرح شواهده (2/ 605)، والاقتراح (72)، والهمع (1/ 140)، والدرر (1/ 116)، والتصريح (1/ 112)، والأشموني (1/ 280)، والبيت من الطويل.
والشاهد قوله: (ولكنني... لعميد) حيث دخلت اللام على خبر «لكن» على رأي الكوفيين.
الحديث: 972 - الجزء: 3 - الصفحة: 1352
................................ 974 - مرّوا عجالا فقالوا: كيف سيّدكم... فقال من سئلوا أمسى لمجهودا 403 وكما زادها الآخر بعد ما زلت في قوله: 975 - وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها... لكالهائم المقصى بكلّ مذاد 404 وكما زادها الآخر بعد رأى في قوله: 976 - رأوك لفي ضرّاء أعيت فثبتوا... بكفّيك أسباب المنى والمآرب 405 وحكى قطرب: أراك لشاتي 406. وربما زيدت بعد (أنّ) المفتوحة 407 كقراءة بعضهم 408: (ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلّآ أنّهم ليأكلون الطّعام) 409. -
الحديث: 974 - الجزء: 3 - الصفحة: 1353
................................ وربما زيدت في الخبر بعد «ما» النافية كقول الشاعر: 977 - أمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان 410 وأحسن ما زيدت في خبر المبتدأ المعطوف بعد «إنّ» المؤكد خبرها بها كقول الشاعر: 978 - إنّ الخلافة بعدهم لذميمة... وخلائف ظرف لممّا أحقر 411 وفيما قدم من معمول خبر «إنّ» المؤكد بها كقول الشاعر 412: 979 - إنّي لعند أذى المولى لذو حنق... يخشى وحلمي إن أوذيت معتاد 413 وحكى الفراء أن أبا الجراح سمع من يقول: «إني لبحمد الله لصالح» 414 فعلم أن هذا جائز في الاختيار، غير مختص بالاضطرار، وذكر السيرافي أن المبرد كان لا يرى تكرار اللام وأن الزجاج أجاز ذلك واختار السيرافي قول المبرد 415 وليس بمختار للشواهد المذكورة، ومثال التنبيه بها على موضعها الأصلي مع توكيد الخبر -
الحديث: 977 - الجزء: 3 - الصفحة: 1354
................................
قول الشاعر:
980 - لهنّك من عبسيّة لوسيمة... على هنوات كاذب من يقولها 416
ومثال ذلك مع تجريد الخبر قول الشاعر:
981 - ألا يا سنا برق على قلل الحمى... لهنّك من برق عليّ كريم 417
وإن وقع موقع خبر «إنّ» نحو: «ليفعلنّ»، أو نحو: «لفعل» علم أن هناك قسما منويّا وفتحت الهمزة.
قال ابن السراج: [2/ 118] تقول: قد علمت أن زيدا ليقومن وأن زيدا لقام، فلا تكسر «إن» كما تكسرها في أشهد إنّ محمدا لرسول الله، وأعلم إن بكرا ليعلم 418 وقد تقدم في أول كتابي هذا أن لام الابتداء لا تختص بالحال، وإنما الأكثر كون مصحوبها حالا وليس ذلك من أجل اللام بل من أجل أنّ الجملة المجردة من دليل مضى واستقبال، أكثر ما يكون مضمونها مرادا به - - لأنهما لام واحدة ولا يجيز: (إنّ زيدا لفي الدار لقائم)، ولا يكرر اللام إذا كان المعنى واحدا وأجاز أبو إسحاق الزجاج إنّ زيدا لفي الدار لقائم إلى قوله: وقول أبي العباس في هذا أقوى.
اه.
وينظر في هذه المسألة أيضا شرح الجمل لابن عصفور (1/ 432) ط. العراق، واختار ابن عصفور رأي الزجاج فقال: وهو الصحيح.
وينظر شرح الكافية للرضي (2/ 356)، والتذييل (2/ 731).
الحديث: 980 - الجزء: 3 - الصفحة: 1355
................................
الحال 419، ومن ورودها مع ما يراد به الاستقبال قول الشاعر:
982 - وإنّي لأحمي الأنف من دون ذمّتي... إذا الدّنس الواهي الأمانة أهمدا 420
فأعمل «حمي» في «إذا» وهو مستقبل المعنى.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 421، وبعد ذلك فأشير إلى أمور: -
منها: أن الشيخ قال: ظاهر كلام المصنف وكلام غيره إطلاق معمول خبر ما يجوز دخول اللام عليه، وهذا الإطلاق ليس بصحيح لأن معمول الخبر إذا كان حالا لم تدخل عليه اللام نحو: إنّ زيدا لضاحكا مقبل، فلا يجوز هذا، ولم يسمع من لسانهم، ونص الأئمة على منعه 422، ونقل عن ابن ولاد 423، أنه قال: إن اللام لا تدخل في الحال تقدمت أو تأخرت، لأن الحال لا تكون خبرا وهي حال بخلاف الظرف فإنه يكون خبرا وهو ظرف 424، وهذه العلة التي ذكرها ابن ولاد منقوضة بالمفعول نحو: إن زيدا لطعامك آكل، والمفعول لا يكون خبرا.
قال: وعن صاحب الإفصاح: أن القياس هنا - يعني قياس الحال على المفعول به - ممكن لأنها بمنزلته وبمنزلة الظرف أيضا إلا أنه لم يسمع وقد منعه الأئمة 425. انتهى.
وهذا البحث صحيح إلا أن يمنع مانع دخول اللام على المفعول به نحو: إن زيدا لطعامك آكل 426. وحين ذكر الشيخ هذه المسألة - أعني: إنّ زيد لطعامك آكل - قال: وينبغي أن يتوقف في دخولها على المفعول به المتقدم على عامل الخبر قال: -
الحديث: 982 - الجزء: 3 - الصفحة: 1356
................................
ولا يقاس على الظرف والمجرور يعني: قول القائل:
983 - إنّ امرأ خصّني عمدا مودّته... على التّنائي لعندي غير مكفور 427
لأنها يتسمح فيهما ما لا يتسمح في غيرها، فلا يقال: إن زيدا لطعامك آكل حتى يسمع نظيره من كلام العرب 428، ثم إن في كلام الشيخ أن معمول الخبر يكون مفعولا به وظرفا ومجرورا وحالا ومصدرا ومفعولا من أجله.
قلت: أما المفعول به والظرف والمجرور، فقد علم حكمها، وكذا الحال أيضا وأما المصدر والمفعول من أجله نحو: إنّ زيدا لقياما يقوم، وإنّ زيدا لإحسانا يزورك 429؛ فذلك مندرج في عموم قولهم: إن اللام تدخل على معمول الخبر متوسطا.
ومنها: أن جماعة من النحاة ذكروا أن سيبويه لا يجيز دخول اللام على الفعل الماضي وإن كان غير متصرف نحو: إنّ زيدا [2/ 119] لنعم الرجل وإن زيدا لعسى أن يقوم، وأن الأخفش والفراء يجيزان ذلك 430. وممن نص على أن مذهب سيبويه المنع الصفار وأبو محمد بن السيد 431. قال الشيخ: وينبغي أن يرجع عند الاختلاف إلى السماع فإن سمع قلنا به وإلا فلا 432. - - دخولها على معمول الخبر خلافا لمن أجاز ذلك.
ينظر الهمع (1/ 139). وقد ذكر النحاة لجواز دخول اللام على معمول الخبر شروطا ثلاثة هي: تقدمه على الخبر وكونه غير حال وكون الخبر صالحا للام.
ينظر أوضح المسالك (1/ 92).
الحديث: 983 - الجزء: 3 - الصفحة: 1357
................................
ومنها: أن ابن عصفور ذكر في اللام في:
984 - لهنّك من برق عليّ كريم 433
للنحاة قولين: أحدهما: أنها لام الابتداء كما قال المصنف 434.
الثاني: أنها اللام الواقعة في جواب القسم، والقسم هنا محذوف 435 كأنه قال:
«والله لهنك» واستدل صاحب هذا القول، بأنك قد تأتي بلام «إنّ» فتدخلها على الخبر نحو:
985 - لهنّك من عبسيّة لوسيمة 436
قال: فلو كانت اللام في «لهنك» لام «إنّ» لم يؤت باللام بعد ذلك في الخبر، وكذا قول الآخر:
986 -... لهنّا لمقضيّ علينا التّهاجر 437
انتهى 438.
ولا يبعد هذا القول الثاني عن الصواب.
ومنها: أن قول المصنف في المسألة آخر الفصل: نوي قسم وامتنع الكسر - إنما يعني به أنه يمتنع الكسر إذا تقدم على «إنّ» ما يطلب موضعها فإنها تفتح إذ ذاك -
الحديث: 984 - الجزء: 3 - الصفحة: 1358
[تخفيف إن ولكن - اقتران هذه النواسخ بما الزائدة]
قال ابن مالك: (فصل: ترادف «إنّ» «نعم» فلا إعمال وتخفّف فيبطل الاختصاص ويغلب الإهمال، وتلزم اللّام فارقة إن خيف لبس (بإن) النّافية. ولم يكن بعدها نفي وليست غير الابتدائيّة خلافا لأبي عليّ ولا يليها غالبا من الأفعال إلّا ماض ناسخ للابتداء ويقاس على نحو: «إن قتلت لمسلما» وفاقا للكوفيين والأخفش ولا تعمل عندهم ولا تؤكّد، بل تفيد النّفي واللّام الإيجاب، وموقع «لكنّ» بين متنافيين بوجه ما، ويمنع إعمالها مخفّفة خلافا ليونس والأخفش. وتلي «ما» ليت فتعمل وتهمل، وقلّ الإعمال في «إنّما» وعدم سماعه في «كأنّما» و «لعلّما» و «لكنّما» والقياس سائغ). ولا تكسر نحو: علمت أن زيدا ليقومن، وعلمت أن زيدا لقام 439، ولا يعني أن يمتنع الكسر على الإطلاق ولكنه ترك القيد اعتمادا على الوضوح. قال ناظر الجيش: قال المصنف: أنكر بعض العلماء كون «إنّ» بمعنى «نعم» 440 وزعم أن «إنّ» في قوله 441: 987 - بكر العواذل في الصّبو... ح يلمنني وألومهنّه ويقلن شيب قد علا... كـ وقد كبرت فقلت إنّه 442
الحديث: 987 - الجزء: 3 - الصفحة: 1359
................................
مؤكدة ناصبة الاسم رافعة للخبر وجعل الهاء اسمها والخبر محذوفا كأنه قال: إن الذي ذكرتن واقع أو كما وصفتن، فحذف الخبر للعلم به واقتصر على الاسم.
والذي زعم هذا القائل ممكن في البيت المذكور فلو لم يوجد شاهد غيره لرجح قوله، ولكن الشواهد على كون «إنّ» بمعنى «نعم» تأيّدها ظاهر ودافعها مكابر فلزم الانقياد إليها والاعتماد عليها، فمنها: قول عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لابن الزبير الأسدي 443 لما [2/ 120] قال:
لعن الله ناقة حملتني إليك: «إنّ وراكبها» أراد نعم لعن وراكبها 444.
ومنها: قول حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه:
988 - يقولون أعمى قلت: إنّ وربّما... أكون وإنّي من فتى كبصير 445
ومنها: أنشد أحمد بن يحيى قول الشاعر 446:
989 - ليت شعري هل للمحبّ شفاء... من جوى حبّهنّ إنّ اللّقاء 447
ومنها: قول الطائيين 448:
990 - قالوا أخفت؟ قلت إنّ وخيفتي... ما إن تزال منوطة برجاء 449
-
- ويروى البيت الأول برواية: بكر العواذل بالضحى... يلحينني وألومهنه والشاهد قوله: (فقلت إنّه) حيث جاءت «إنّ» فيه بمعنى نعم والهاء للسكت.
الحديث: 988 - الجزء: 3 - الصفحة: 1360
................................ ونبهت في هذا الباب على ورود «إنّ» بمعنى نعم ليعلم بها، فتعامل بما تعامل «نعم» من عدم الاختصاص وعدم الإعمال وجواز الوقف عليها 450، ومذهب البصريين أن «إنّ» قد تخفف فيقال فيها «إن» ويبطل اختصاصها بالاسم ويجوز عندهم إعمالها إذا وليها اسم، وعلى ذلك يحملون قوله تعالى وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ 451 في رواية نافع وابن كثير 452، وإهمالها أكثر 453، كقوله تعالى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ 454 وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا 455، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ 456 ومذهبهم أن اللام التي بعد «إن» هذه هي التي كانت مع الشديدة إلا أنها مع التخفيف والإهمال تلزم فارقة بين المخففة والنافية، ولا تلزم مع الإعمال لعدم الالتباس 457، وكذلك لا تلزم مع الإهمال في موضع لا يصلح للنفي كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وأيم الله لقد كان خليقا للإمارة وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ» 458 وكقول معاوية في كعب الأحبار رضي الله عنه وإن كان من أصدق هؤلاء أخرجهما البخاري، ومثله ما حكى ابن جني في المحتسب من قراءة أبي رجاء (وإن كلّ ذلك لما متاع الحياة الدّنيا) 459 بكسر اللام وتخفيف الميم على معنى: وإن كلّ ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا 460 ومثل ذلك قول الطرماح 461: -
الجزء: 3 - الصفحة: 1361
................................
991 - أنا ابن أباة الضّيم من آل مالك... وإن مالك كانت كرام المعادن 462
وكقول الآخر:
992 - إن وجدت الكريم يمنع أحيا... نا وما إن بذا يعدّ بخيلا 463
ويلزم ترك اللام إن أمن اللبس وكان في الموضع اللائق بها نفي كقول الشاعر:
993 - أما إن علمت الله ليس بغافل... فهان اصطباري إن بليت بظالم 464
ومذهب الكوفيين أن «إن» المشار إليها لا عمل لها ولا هي مخففة من «إنّ» بل هي النافية، واللام بعدها بمعنى «إلّا».
ويجعلون النصب في وَإِنَّ كُلًّا 465 بفعل يفسره «ليوفينهم» أو «بليوفينهم» نفسه 466، وبه قال الفراء 467. وكلا القولين على أصولهم محكوم بمنعه في هذا المحل أو بضعفه لأنهم يوافقون البصريين في أنّ ما بعد «إلا» لا يعمل فيما قبلها ولا يفسر عاملا فيما قبلها.
ولذلك قال الفراء في كتاب المعاني: وأما الذين خففوا «إنّ» فإنهم نصبوا «كلّا» بليوفينهم وهو وجه لا أشتهيه [2/ 121]، لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعده على شيء قبله، فلو رفعت «كلّا» لصلح ذلك كما يصلح (إن زيد لقائم)، ولا يصلح أن تقول: -
الحديث: 991 - الجزء: 3 - الصفحة: 1362
................................ إن زيدا لأضرب، لأن تأويله ما زيد إلا أضرب، وهذا خطأ في اللام، و «إلا». هذا نصه 468، وقد أقر بأن حمل القراءة على جعل «إن» نافية واللام بمعنى «إلا» خطأ، ولا شك في صحة القراءة، فإنها قراءة المدنيين والمكيين 469، ولا توجيه لها إلا توجيه الكوفيين، وتوجيه البصريين، وتوجيه الكوفيين خطأ بشهادة الفراء، فلم يبق إلا توجيه البصريين فتعين الحكم بصحته. ويؤيد ما ذهب إليه البصريون قول سيبويه: وحدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق 470، وهذا نص لا احتمال فيه، وقال الأخفش: وزعموا أن بعضهم يقول: إن زيدا لمنطلق وهي مثل إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ 471، يقرأ بالنصب والرفع 472. وأما قولهم: إن اللام بمعنى «إلا» فدعوى بلا دليل ولو كانت بمعنى «إلا» لكان استعمالها بعد غير «إن» من حروف النفي أولى، لأنها أنصّ على النفي من «إن» فكان يقال: لم يقم لزيد، ولن يقعد لعمرو بمعنى: لم يقم إلّا زيد ولن يقعد إلّا عمرو وفي عدم استعمال ذلك دليل على أن اللام لم يقصد بها إيجاب، وإنما قصد بها التوكيد كما قصد مع التشديد 473، وزعم أبو علي الفارسي أن اللام التي بعد المخففة غير التي بعد المشددة واستدل بأن ما بعد هذه ينتصب بما قبلها من الأفعال نحو إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ 474، وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ 475، وكقول امرأة الزبير رضي الله عنها 476: 994 - هبلتك أمّك إن قتلت لمسلما 477
الحديث: 994 - الجزء: 3 - الصفحة: 1363
................................
وما بعد ذلك لا ينتصب بما قبلها لو قلت: «إنك قتلت لمسلما» لم يجز.
فعلم بهذا أن التي بعد المخففة غير التي بعد المشددة.
هذا حاصل قول أبي علي في البغداديات 478، وهو مخالف لقول أبي الحسن الأخفش في كتاب المسائل الكبير، فإنه نص فيه على أن اللام الواقعة بعد المخففة هي الواقعة بعد المشددة 479، وهو الصحيح عندي.
والجواب عن شبهة أبي علي أن يقال: إنما جاز أن يكون مصحوب ما بعد المخففة معمولا لما قبلها من الأفعال، لأن الفعل بعد المخففة في موضع الخبر الذي كان يلي المشددة فكان لما بعده ما كان لما بعد تاليها لأن من قال:
995 - إن قتلت لمسلما
بمنزلة من قال: إن قتلك لمسلم، وإن شئت أن تقول: لما بطل عمل «إن» بالتخفيف وقصد بقاؤها توكيدا على وجه لا ليس فيه استحقت ما يميزها من النافية، فكان الأولى بذلك اللام التي كانت تصحبها حال التشديد، فسلك بها مع التخفيف ما كان لها مع التشديد من التأخر في اللفظ والتقدم في النية، فلم يمنع إعمال ما قبلها فيما بعدها، كما لم يمنع مع التشديد لأن النية بها التقديم وربما تقدم عليها التأخير.
وإذا أولت العرب «إن» المخففة فعلا لم يكن في [2/ 122] الغالب إلا فعلا - - وهو في شرح التسهيل للمصنف (2/ 36)، والكافية الشافية (1/ 504)، والبغداديات (ص 78)، وشرح عمدة الحافظ (138)، وابن الناظم (68)، والتذييل (2/ 752)، والمصنف (3/ 127)، والمحتسب (2/ 255)، وابن يعيش (8/ 71، 72)، والتوطئة (206)، والمقرب (1/ 112)، والإنصاف (2/ 641)، وشرح التسهيل للمرادي (1/ 442)، وشرح الألفية (1/ 353)، والإنصاف (2/ 641)، وشرح التسهيل للمرادي (1/ 442)، وشرح الألفية للمرادي (1/ 353)، والمغني (1/ 24)، والخزانة (4/ 348)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 438) ط. العراق، والعيني (2/ 278)، والتصريح (1/ 231)، والأشموني (1/ 290)، والهمع (1/ 142)، والدرر (1/ 119). ويروى أيضا: «ثكلتك امك) و (شلت يمينك) مكان (هبلتك أمك) والشاهد قوله: (إن قتلت لمسلما) حيث أولى إن فعلا غير ناسخ وأدخل اللام على مفعوله.
الحديث: 995 - الجزء: 3 - الصفحة: 1364
................................ ماضيا من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر 480، نحو قوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ 481، وقوله تعالى: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ 482 وقوله: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ 483، وذلك أنها كانت قبل التخفيف مختصة بالمبتدأ والخبر، فلما خففت وضعف شبهها بالفعل جاز دخولهما على الفعل، وكان الفعل من الأفعال المشاركة لها في الدخول على المبتدأ والخبر، كيلا تفارق محلها بالكلية ولا يكون ذلك الفعل غالبا إلا بلفظ الماضي فإن كان مضارعا حفظ ولم يقس عليه 484، كقوله تعالى وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ 485، وكقراءة أبي بن كعب 486: (وإن أخالك [يا] فرعون مثبورا) 487 وكذا إن وليها فعل من غير الأفعال المختصة بالمبتدأ والخبر كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه: إن لبثتم لقليلا 488 ذكرها الأخفش في المعاني 489، وكقول امرأة: والذي يحلف به إن جاء لخاطبا 490، يعني النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكقول بعض العرب «إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهية 491، وكقول امرأة الزبير رضي الله تعالى عنهما: 996 - ثكلتك أمّك إن قتلت لمسلما... حلّت عليك عقوبة المتعمّد 492
الحديث: 996 - الجزء: 3 - الصفحة: 1365
................................
ويروى: هبلتك أمك.
وأجاز الأخفش أن يقال: إن قعد لأنا وإن كان صالحا رحما لزيد، وإن ضرب زيدا لعمرو، وان ظننت عمرا لصالحا 493 صرح بذلك كله في كتاب المسائل، وبقوله أقول، لصحة الشواهد علي ذلك نثرا ونظما.
وموقع «لكنّ» بين كلامين متنافيين بوجه 494 ما، كقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا 495، وكقوله تعالى: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ 496 ولضعفها بمباينة لفظها لفظ الفعل لم يسمع من العرب إعمالها مع التخفيف، وأجاز يونس والأخفش إعمالها قياسا على ما خفف من «إنّ» و «أنّ» و «كأنّ» 497 ورأيهما في ذلك ضعيف.
وتتصل «ما» الزائدة «بليت»، فيجوز حينئذ إعمالها وإهمالها بإجماع 498.
وشاهد الوجهين قول النابغة: -
997 - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا... إلى حمامتنا ونصفه فقد 499
قال ابن برهان مشيرا إلى هذا البيت: الجميع رووه عن العرب بالإعمال -
الحديث: 997 - الجزء: 3 - الصفحة: 1366
................................
والإلغاء 500. قلت: من رفع جعل «ما» كافة «لليت» كما كفت «إن» «ما» الحجازية، ومن نصب جعلها زائدة غير معتد بها كما لم يعتد بها بين حرف الجر والمجرور به في نحو: عَمَّا قَلِيلٍ 501، وفَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ 502.
وأجاز سيبويه كون «ليت» في بيت النابغة عاملة على رواية الرفع، وذلك بأن تجعل «ما» موصولة أو نكرة موصوفة، والتقدير: ليتما هو هذا الحمام لنا، «فما» اسم «ليت» وهو مبتدأ محذوف وخبره هذا، والجملة صلة «ما» أو صفتها، فليت بهذا التوجيه عاملة في الروايتين 503، وهي حقيقة بذلك لأن اتصال «ما» بها لم يزل اختصاصها [2/ 123] بالأسماء بخلاف أخواتها، فإن اتصال ما بها أزال اختصاصها بالأسماء، فاستحقت «ليتما» بقاء العمل دون «إنما» و «كأنّما» و «لكنّما» و «لعلّما»، وهذا هو مذهب سيبويه 504.
وأجرى ابن السراج غير «ليتما» مجراها قياسا 505 وذكر ابن برهان أن أبا الحسن الأخفش روى عن العرب: إنما زيدا قائم، فأعمل مع زيادة «ما» وعزا مثل ذلك إلى الكسائي عن العرب 506، وهذا الفعل الذي ذكره ابن برهان رحمه الله تعالى من إجراء عوامل هذا الباب على سنن واحد قياسا وإن لم يثبت سماع في إعمال جميعها، وبقوله أقول في هذه المسألة.
ومن أجل ذلك قلت: والقياس سائغ.
انتهى 507 كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو في غاية النظافة كعادته، غير أن الجواب الذي ذكره عن شبهة أبي علي الفارسي لم أتحققه، ثم لا بد من تنبيهات:
منها: أن ابن عصفور لم يوافق المصنف على ثبوت «إنّ» بمعنى «نعم» بل قال: الأولى عندي أن يقال: إن الاسم والخبر محذوفان، لأنه قد تقرر أن «إنّ» تنصب الاسم وترفع الخبر ولم يستقر فيها أن تكون بمعنى «نعم» 508 ونظّر حذف -
الجزء: 3 - الصفحة: 1367
................................ الاسم والخبر هنا بحذف فعلي الشرط والجواب في قوله: 998 - قالت بنات العمّ يا سلمى وإن... كان فقيرا معدما قالت وإن 509 وتبعه الشيخ على ذلك، وخرج بيت حسان على أن الاسم محذوف «واللقاء» خبره، التقدير: إنّه اللقاء 510 وكذا خرج غيره ولا يخفى ما في ذلك من التكلف. ومنها: أن الشيخ انتقد على المصنف قوله ولم يكن بعدها نفي يعني إن كان بعدها نفي فلا تجوز اللام نحو: إنّ زيدا لن يقوم، وإن زيدا لم أو لما يقم، أو ليس قائما أو يقوم، قال الشيخ: وهذا الشرط غير محتاج إليه ألبته، لأنه إذا كان الخبر منفيّا لم يدخل على المبتدأ حرف نفي، فلا تلبس فيه «إن» التي للتوكيد المخففة من الثقيلة «بإن» النافية 511. ومنها: أن استدلال أبي علي الفارسي على أن اللام الواقعة بعد «إن» المخففة ليست التي بعد المشددة بأن ما بعد هذه ينتصب بما قبلها من الأفعال وما بعد تلك لا ينتصب بما قبلها 512 استدلال قوي، وقد قدمت أن جواب المصنف عن ذلك غير ظاهر لي، وقد استدل الفارسي أيضا بأن هذه اللام تدخل على ما ليس مبتدأ ولا خبرا في الأصل ولا متعلقا بالخبر، وذلك كدخولها على الفاعل نحو: إن يزينك لنفسك. وعلى المفعول نحو: 999 - إن قتلت لمسلما
الحديث: 998 - الجزء: 3 - الصفحة: 1368
................................
ولام «إن» لا تدخل على شيء من ذلك 513، لكن كلام سيبويه يعطي خلاف ما ذهب إليه الفارسي، فإنه قال: وإن توكيد لقولك: زيد منطلق، فإذا خففت فهي كذلك تؤكد ما تكلم به ويثبت الكلام غير أن لام التوكيد تلزمها عوضا
مما حذف منها 514 انتهى.
قال الشارحون: ولام التوكيد عنده عبارة عن لام الابتداء 515. واعلم أنه ينبغي على القولين [2/ 124] كونها معلقة لما قبلها عن العمل أو غير معلقة 516. وقد جاء في الحديث: «قد علمت إن كنت لمؤمنا» 517، فغير الفارسي يوجب كسر «إن»، والفارسي يوجب الفتح لكن الصحيح الكسر لأن الصحيح أن اللام لام الابتداء.
وقد أطال الشيخ الكلام في هذه المسألة وفيما ذكرناه كفاية 518.
ومنها: أن الشيخ انتقد على المصنف قوله: ولا يليها غالبا من الأفعال إلا ماض فقال: هذا ليس بصحيح فقد جاء المضارع في الكتاب العزيز كما جاء الماضي.
قال الله تعالى: وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ 519، وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ 520 وقال في قوله في الشرح: «فإن كان مضارعا حفظ ولم يقس عليه.
ولا أعلم أحدا من أصحابنا وافقه، بل أجازوا ذلك مع المضارع ومع الماضي 521، قال: وأطلق المصنف في قوله: ناسخ للابتداء، وكان ينبغي أن يقيد ذلك بالمثبت غير الواقع صلة، فلا يدخل على «ليس» ولا على «ما زال» و «ما انفك» و «ما فتئ» و «ما برح» ولا على «دام» 522. -
الجزء: 3 - الصفحة: 1369
................................
ومنها: أنا نستفيد من قول المصنف: بوجه ما في قوله: وموقع «لكن» بين متنافيين - أن الكلام الواقع قبل «لكن»
يكون نقيضا لما بعدها نحو: ما هذا ساكن لكنّه متحرك، ويكون ضدّا له نحو: ما هذا أسود ولكنه أبيض ويكون خلافا له نحو: ما هذا قائم لكنه شارب، ولا يجوز أن يكون الذي قبلها موافقا لما بعدها نحو: ما زيد قائم لكن عمرا قائم، فهذا لا يجوز إجماعا 523. وقد ذكر الشيخ أن في وقوعها بين الخلافين خلافا.
ومنها: أنه قد تقدم من كلام المصنف في هذه الحروف إذا وليها ما فيه غنية، غير أن أبا الحسن بن عصفور قال:
إن فيها للنحاة ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه يجوز في جمعها الإلغاء والإعمال وهو مذهب الزجاجي.
الثاني: أنه يجوز: في «ليت» و «لعل» و «كأن» الإلغاء والإعمال، ولا يجوز فيما عداها إلا الإلغاء وهو مذهب ابن السراج وأبي إسحق 524.
الثالث: أن «ليت» وحدها يجوز فيها الأمران، وما عداها لا يجوز فيه إلا الإلغاء وهو مذهب الأخفش وذلك أنه لم يسمع الإلغاء والإعمال إلا في «ليت 525».
ثم إنه نصر مذهب الأخفش بالسماع، يعني: أنه لم يرد الإعمال إلا في ليت، وبالقياس وذلك أن الحروف غير «ليت» يزول اختصاصها باتصال «ما» بها، قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ 526، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً 527، كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ 528.
وأما «لكنما» فقد قال الشاعر:
الجزء: 3 - الصفحة: 1370
................................
1000 - ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل 529
وأما «لعلما» فقد قال الآخر:
1001 - أعد نظرا يا عبد قيس لعلّما... أضاءت لك النّار الحمار المقيّدا 530
وأمّا «ليتما» فلم تولها العرب الفعل قط، لا يحفظ من كلامهم ليتما يقوم زيد 531 [2/ 125] انتهى.
ونقل الشيخ مذهبا رابعا: وهو أنه لا يجوز كف «ليت» و «لعلّ» بـ «ما»، بل يجب الإعمال.
قال: وهو منسوب إلى الفراء، قال: والسماع بالوجهين إنما ورد في ليت 532.
ومنها: أن المغاربة يجعلون «ما» مع هذه الحروف إذا دخلت على الفعل مهيئة وموطئة لأنها هيأت الحروف للدخول على الفعل وإذا دخلت على المبتدأ والخبر جعلوها كافة، لأنها منعتها من العمل 533 وما ذكره حسن.
الحديث: 1000 - الجزء: 3 - الصفحة: 1371
[تخفيف أن وكأن وأحكام ذلك - اللغات في لعل والجر بها]
قال ابن مالك: (فصل: لتأوّل «أنّ» ومعموليها بمصدر قد تقع اسما لعوامل هذا الباب مفصولا بالخبر، وقد تتّصل بـ «ليت» سادّة مسدّ معموليها. ويمنع ذلك في «لعلّ» خلافا للأخفش وتخفّف «أنّ» فينوى معها اسم لا يبرز إلّا اضطرارا، والخبر جملة اسمية مجرّدة أو مصدّرة بـ «لا» أو بأداة شرط أو بـ «ربّ» أو بفعل يقترن غالبا إن تصرّف ولم يكن دعاء بـ «قد» أو بـ «لو» أو بحرف تنفيس أو نفي، وتخفّف «كأنّ» فتعمل في اسم كاسم أنّ المقدّر والخبر جملة اسميّة أو فعليّة مبدوءة بـ «لم» أو «قد» أو مفرد، وقد يبرز اسمها في الشّعر، ويقال: «أما إن جزاك الله خيرا». وربما قيل: أن جزاك الله، والأصل أنّه، وقد يقال في «لعلّ»: «علّ» «ولعنّ» و «عنّ» و «لأنّ» و «أنّ» و «رعنّ» و «رغنّ» و «لغنّ» و «لعلّت». وقد يقع خبرها «أن يفعل» بعد اسم عين حملا على «عسى» والجرّ بـ «لعلّ» ثابتة الأوّل أو محذوفته مفتوحة الآخر أو مكسورته لغة عقيليّة). قال ناظر الجيش: قال المصنف رحمه الله تعالى 534: قد أشير في باب الابتداء أن من المبتدآت الواجب تقدم أخبارها «أنّ» وصلتها نحو: عندي أنك فاضل، وقد تدخل عليها «إن» أو إحدى أخواتها، فيلزم الفصل بالخبر نحو: إنّ عندي أنك فاضل 535، وكأن في نفسك أني سائل. وقد تدخل ليت بلا فصل كقول الشاعر: 1002 - فياليت أنّ الظّاعنين تلفّتوا... فيعلم ما بي من جوى وغرام 536
الحديث: 1002 - الجزء: 3 - الصفحة: 1372
................................
فسدت «أنّ» بصلتها مسد جزأي الإسناد بعد «ليت» كما سدت مسدهما في باب «ظن» كقوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ 537 وكما سدت مسدهما في نحو وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا 538، فإن مذهب سيبويه في الواقعة بعد «لو» أنها مرفوعة بالابتداء سادة بصلتها مسد الجزأين 539، واختصت «أنّ» بهذا بعد «لو» كما اختصت «غدوة» بالنصب بعد «لدن» 540، ورأي سيبويه هذا أسهل من إضمار «ثبت» بعد «لو» رافعا «لأنّ»، وما ذهب إليه هو الصحيح، فإن إضمار فعل دون مفسر ولا عوض لا نظير له 541 بخلاف جعل «أنّ» وصلتها سادة
مسد جزأي الإسناد فإنه نظير سدها مسد جزأي الإسناد بعد «ليت» و «ظن»، فلم يكن بدعا.
فإنه قيل: لم لم يكن المفسر لثبت المضمر ما يقتضيه «أنّ» من معنى الثبوت؟
فالجواب أن يقال: لا نسلم اقتضاء «أنّ» للثبوت، ولو سلمنا اقتضاءها [2/ 126] للثبوت لم يساو اقتضاء لفظ الثبوت لمعناه، ولو وقع لفظ الثبوت بعد «لو» لم يغن عن مفسر فعل يرفعه فأن لا يستغنى عنه «بأنّ» أحق وأولى.
ونظير جعل «أنّ» بعد «لو» مبتدأ مستغنيا عن خبر، ما حكاه سيبويه من قول بعض العرب: «لحق أنّه ذاهب» بالإضافة إلى «أنّ» ما قال سيبويه كأنه قال: «ليقين ذلك أمرك»، فأمرك هو خبر هذا الكلام لأنه إذا أضاف لم يكن بد كقولك: «لحق من خير» 542. هذا نص سيبويه، وأجاز الأخفش أن تعامل «لعلّ» معاملة «ليت» في الدخول على «أنّ» بلا فصل، فيقال: لعل أنّ الله يرحمنا 543، ورأيه في المسألة -
الجزء: 3 - الصفحة: 1373
................................
ضعيف لأنّ مقتضى الدليل أن لا يكتفى «بأنّ» وصلتها إلا حيث يكتفى بمصدر صريح، والمصدر الصريح لا يكتفى به بعد «ليت» فحق أن لا يكتفى بها بعدها، لكن سمع ذلك فقيل مع مخالفة الأصل فلا يزاد عليه دون 544 سماع.
وتخفف «أنّ» فلا تلغى كما تلغى «إن» المخففة إلا أن اسمها لا يلفظ به إلا في ضرورة كقول الشاعر 545:
1003 - لقد علم الضّيف والمرملون... إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا
بأنك ربيع وغيث مريع... وأنك هناك تكون الثّمالا 546
ولا يكون غير الملفوظ به إلّا ضميرا، ولا يلزم كونه ضمير الشأن كما زعم بعضهم 547، بل إذا أمكن عوده على
حاضر أو غائب معلوم فهو أولى، ولذلك قال سيبويه: حين مثل بقوله تعالى: أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا 548: كأنه قال جل وعز: أنك قد صدقت الرؤيا.
وذكر هذا في باب ما تكون فيه «أن» بمنزلة «أي» 549 وقال في الباب الذي بعده: وتقول: كتبت إليه أن لا تقل ذلك وأن لا تقول ذلك، وأن لا تقول ذلك.
فأما الجزم فعلى الأمر، عبر بالأمر على النهي.
-
الحديث: 1003 - الجزء: 3 - الصفحة: 1374
................................
وأما النصب فعلى «لئلا».
وأما الرفع فعلى: لأنك لا تقول ذلك، أو بأنك لا تقول ذلك تخبره بأن ذلك قد وقع من أمره 550. هذا نصه.
ولا يكون الخبر بعد الاسم المنويّ إلا جملة مصدرة بمبتدأ نحو وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 551، وبخبر كقول الأعشى:
1004 - في فتية كسيوف الهند قد علموا... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل 552
أو بحرف نفي نحو وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 553، أو بأداة شرط نحو قول الشاعر:
1005 - فعلمت أن من يثقفوه فإنّه... حرز لجامعة وفرخ عقاب 554
أو بربّ نحو قول الآخر:
1006 - تيقّنت أن ربّ امرئ خيّل خائنا... أمين وخوّان يخال أمينا 555
أو بفعل مباشر إن كان دعاء نحو وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها 556، أو غير منصرف نحو: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ 557، فإن كان الفعل متصرفا -
الحديث: 1004 - الجزء: 3 - الصفحة: 1375
................................ ولم يكن دعاء وقي مباشرة «أن» في الغالب بقد كقوله تعالى: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا 558 كقول الشاعر: 1007 - ألم تعلمي أن قد تجشّمت في الهوى... من أجلك أمرا لم يكن يتجشّم 559 أو «بلو» 560، كقوله تعالى: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ 561 [2/ 127]، أو بحرف تنفيس نحو عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى 562 أو بحرف نفي نحو: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا 563 وأَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ 564 وقال سيبويه مشيرا إلى قول الأعشى: 1008 - أن هالك كلّ من يحفى وينتعل 565 ومثل ذلك: أول ما أقول أن بسم الله، كأنه قال: أنه بسم الله 566. وقال سيبويه: واعلم أنه ضعيف في الكلام أن يقول: قد علمت أن تفعل وقد علمت أن فعل حتى تأتي بالسين أو قد، أو ينفى لأنهم جعلوا ذلك عوضا مما حذفوا من «أنه»، فكرهوا ترك العوض 567. قلت: ومن شواهد علمت أن فعل قول امرئ القيس: 1009 - وحدّث بأن زالت بليل حمولهم... كنخل من الأعراض غير منيّق 568
الحديث: 1007 - الجزء: 3 - الصفحة: 1376
................................
وقال سيبويه: وأما قولهم: (أما أن جزاك الله خيرا)؛ فإنهم إنما أجازوه لأنه دعاء ولا يصلون هنا إلى قد وإلى السين ولو قلت: أما أن يغفر الله لك؛ جاز لأنه دعاء، قال: وسمعناهم يقولون: أما إن جزاك الله خيرا، شبهوه بأنّه، قال محمد:
و «أما» قبل أن المخفف المفتوحة بمعنى حقّا هي قبل المشددة المفتوحة وهي بمعنى «ألا» قبل «إن» المكسورة 569. هذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى.
ويجوز عندي أن تكون «أما» في الوجهين بمعنى «ألا» وتكون «إن» المكسورة زائدة، كما زادها الشاعر في قوله:
1010 - ألا إن سرى ليلي فبتّ كئيبا... أحاذر أن تنأى النّوى بغضوبا 570
وفي المفتوحة على هذا وجهان:
أحدهما: أن تكون المخففة وتكون هي وصلتها من موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف 571، كما تقرر في «أن» الواقعة بعد «لو» على مذهب سيبويه 572، ويكون التقدير: أما من دعائي أن جزاك الله خيرا، ثم حذف الخبر للعلم به.
والوجه الثاني: من وجهي الفتح مع كون «أما» بمعنى «ألا»: أن تكون زائدة كما زيدت بعد «لما»، وقبل «لو»، وبعد كاف الجر في قوله 573: - - (منيق).
وهو من بحر الطويل.
اللغة: حمولهم: الجمال.
الأعراض: الأودية.
والشاهد قوله: (وحدث بأن زالت) حيث جاء خبر «أن» المخففة جملة فعلية فعلها منصرف، ولم تفصل من «أن» بفاصل.
الحديث: 1010 - الجزء: 3 - الصفحة: 1377
................................ 1011 - كأن ظبية تعطو... 574 على رواية الجر، ويجوز أن تكون في قول الشاعر: 1012 - ألا إن سرى ليلي... المخففة من «إن» ويكون الأصل إنه سرى ليلي، ثم فعل به ما فعل بأما إن جزاك الله خيرا في قول سيبويه 575. وقد تباشر «أن» المخففة فعلا متصرفا غير مقصود به الدعاء 576 وعليه نبهت بقولي: (غالبا) 577، فإن كان ذلك بعد فعل قلبي أو معناه فهو أسهل من أن يكون بعد غير ذلك 578، فالأول: كقول الشاعر: 1013 - علموا أن يؤمّلون فجادوا... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل 579
الحديث: 1011 - الجزء: 3 - الصفحة: 1378
................................ وأنشد الفراء: 1014 - إني زعيم يا نوي... قة إن أمنت من الرّزاح ونجوت من غرض المنو... ن من الغدوّ إلى الرّواح أن تهبطين بلاد قو... م يرتعون من الطّلاح 580 والثاني: كقراءة بعض القراء 581: (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) 582، ومثله قول الشاعر [2/ 128]: 1015 - يا صاحبيّ فدت نفسي نفوسكما... وحيثما كنتما لقّيتما رشدا أن تحملا حاجة لي خفّ محملها... يستوجبا منّة عندي بها ويدا أن تقرآن على أسماء ويحكما... منّي السّلام وأن لا تشعرا أحدا 583 و «أن» في هذين الموضعين وأشباههما عند البصريين هى الناصبة للمضارع، وترك إعمالها حملا على «ما» أختها، وهي عند الكوفيين المخففة 584، وشذ -
الحديث: 1014 - الجزء: 3 - الصفحة: 1379
................................ وقوعها موقع الناصبة كما شذ وقوع الناصبة موقع المخففة في قول جرير: 1016 - نرضى عن الله أنّ النّاس قد علموا... أن لا يدانينا من خلقه بشر 585 وقول الكوفيين عندى أولى بالصواب، فإنه لا يلزم منه إهمال ما وجب له الإعمال ومما يؤيده قول الشاعر: 1017 - رأيتك أحييت النّدى بعد موته... فعاش النّدى من بعد أن هو خامل 586 فوصل «أن» بجملة اسمية وليس قبلها فعل قلبي ولا معناه، وكل موضع هو كذا فهو «لأن» الناصبة للفعل وأن الناصبة للفعل لا توصل بجملة اسمية، فصح وقوع المخففة موقع الناصبة وهو المراد، وقريب من قوله: «أن هو خامل» قول الآخر: 1018 - فلا تلهك الدّنيا عن الدين واعتمل... لآخرة لا بدّ عن ستصيرها 587 أبدل همزة «أن» عينا وحسن وقوع المخففة هنا لأنّ «لا بد» تجرى مجرى اليقين وتخفف «كأنّ» فلا تلغى، بل تعمل إعمال «أن» المخففة، إلا أنّ خبرها إذا قدر اسمها لا يلزم كونه جملة، بل قد يكون مفردا، بخلاف خبر «أن» 588 إذا قدر اسمها وإن كان جملة جاز كونها فعلية مبدوءة «بلم» كقوله تعالى كَأَنْ لَمْ تَغْنَ -
الحديث: 1016 - الجزء: 3 - الصفحة: 1380
................................ بِالْأَمْسِ 589، أو «بقد» كقول الشاعر: 1019 - لا يهولنّك اصطلاء لظى الحر... ب فمحذورها كأن قد ألمّا 590 أو ابتدائية كقول الشاعر: 1020 - ووجه مشرق النّحر... كأن ثدياه حقّان 591 أو شرطية كقول الآخر 592. 1021 - وي كأن من يكن له نشب يح... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ 593 ومثال إفراد الخبر مع تقدير الاسم: قول الشاعر: 1022 - ويوما توافينا بوجه مقسّم... كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم 594
الحديث: 1019 - الجزء: 3 - الصفحة: 1381
................................
أي كأنها ظبية.
ويروى بالنصب على حذف الخبر والتقدير: كأن ظبية عاطية المذكورة، وهذا من عكس التشبيه، ويروى بالجر على زيادة «أن» شذوذا.
وفي «لعلّ» عشر لغات: لعلّ، علّ، لعنّ، عنّ، لأنّ، أنّ، رعنّ، رغنّ، لعنّ، لعلّت.
فالستة المتقدمة مشهورة والأربعة الباقية قليلة الاستعمال، وأقلها استعمالا «لعلت» ذكرها أبو علي في التذكرة 595.
ومن ورود «أنّ» بمعنى «لعل» ما حكاه الخليل من قول بعض العرب: إيت السوق أنّك تشتري لنا شيئا 596. واستشهد الأخفش على ذلك بقول الراجز 597:
1023 - قلت لشيبان ادن من لقائه... أنّا نغذّي القوم من شوائه 598
ومنه قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو: أنها إذا جاءت 599 بالفتح 600. وقال امرؤ القيس في «لأنّ»:
1024 - عوجا على الطّلل المحيل لأنّنا... نبكي الدّيار كما بكى ابن خذام 601
وقال [2/ 129] الفرزدق في لعنّ: -
الحديث: 1023 - الجزء: 3 - الصفحة: 1382
................................ 1025 - ألستم عائجين بنا لعنّا... نرى العرصات أو أثر الخيام 602 وإذا كان الاسم في هذا الباب وغيره اسم معنى؛ جاز كون الخبر فعلا مقرونا «بأن» كقولك: إن الصلاح أن تعصي الهوى، فلو كان الاسم اسم عين امتنع ذلك، كما يمنع في الابتداء، وقد يستباح في «لعلّ» حملا على «عسى» 603 ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لعلّك أن تخلّف فينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون» 604 وروى أبو زيد 605 أن بني عقيل يجرون بلعل مفتوحة الآخر ومكسورته 606 ومن شواهد ذلك قول الشاعر: 1026 - لعلّ الله يمكنني عليها... جهارا من زهير أو أسيد 607 وروى الفراء أيضا الجر «بعلّ» وأنشد: 1027 - علّ صروف الدّهر أو دولاتها... تدلينا اللّمّة من لمّاتها 608
الحديث: 1025 - الجزء: 3 - الصفحة: 1383
................................
وزعم أبو علي أن «لعل» خففت وأعملت في ضمير الشأن محذوفا، ووليها في اللفظ لام الجر مفتوحا تارة ومكسورا تارة، والجر به.
و «لعلّ» على أصلها 609، ولا يخفى ما في هذا من التكلف 610. انتهى كلام المصنف 611. ونتبعه بذكر أمور:
منها: أن صاحب البسيط نقل أن الخلاف الذي في «ظننت أن زيدا قائم» هو أيضا في ليت أن زيدا قائم، فرأى الأخفش أن الخبر محذوف هنا كما أن المفعول الثاني محذوف هناك 612 ورأى سيبويه: أنها سدت مسد المفعولين في «ظننت»، فكذلك هنا 613 وقال ابن الدهان 614: تكتفي ليت «بأن» مع الاسم ولا تكتفي «بأن» مع الفعل عند المحققين.
كذا نص ابن السراج وهما مصدريان، وذلك لظهور الخبر مع أن 615. انتهى.
وهذا بخلاف الحال في باب ظن، فإنه يكتفى فيه «بأن» مع الفعل 616. قال الله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا 617.
ومنها: أن الشيخ نقل أن الأخفش لم يقتصر على «لعلّ» في إجرائها مجرى «ليت» كما ذكر المصنف، بل نصّ على أن «لعلّ» و «لكنّ» و «كأنّ» في هذا الحكم سواء، فيجيز: (لكنّ أنك منطلق)، و (كأنّ أنك منطلق)، كما يجيز:
(لعل أنكّ منطلق) قال الجرمي 618: وهذا كله رديء في القياس، لأن «أن» لا يبتدأ بها، وقال الشيخ: وأجاز هشام: إنّ أنّ زيدا منطلق حقّ بمعنى إن إطلاق زيد حق.
انتهى 619.
ولا يخفى أن لا معول على شيء من ذلك، إذ لا ثبوت له عن العرب: ويكفي -
الجزء: 3 - الصفحة: 1384
................................
في رده نبو الطباع عن التكلم به.
ومنها: أنه قد يسأل فيقال: ما الذي أحوج إلى تقدير اسم «لأن» إذا خففت محذوف وهلا ادعى فيها الإلغاء؟
والجواب: أن سبب إعمالها الاختصاص بالاسم، فما دام لها الاختصاص ينبغي أن يعتقد أنها عاملة ويدل على أنها عندهم باقية على الاختصاص: كونهم استقبحوا وقوع الأفعال بعدها دون فصل، إلا أن تكون الأفعال شبيهة بالأسماء لعدم تصرفها 620، لا يقال: سبب الفصل جعل تلك الحروف عوضا عن الاسم المحذوف، لأنه لو كان السبب ذلك، لزم الفصل بينها وبين الجملة الاسمية وهم لا يفعلون ذلك 621.
قال الله تعالى: [2/ 130] وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 622.
وقد تكلم سيبويه على هذا فقال: لأنهم لم يحلوا به هاهنا يعني بالاسم - لأنهم أقروا بعدها المبتدأ والخبر كما كانوا يفعلون لو شددوا.
فأما إذا حذفوا وأولوها الفعل الذي لم يكن يليها فكرهوا أن يجعلوا عليها الحذف ودخولها على ما لم يكن يليها مثقلة، فجعلوا هذه الحروف عوضا 623.
ومنها: أن سيبويه أجاز في «أن» المخففة أن تلغى لفظا وتقديرا كما ألغيت «إنّ» إذا خففت، وتكون حرفا مصدريّا لا يعمل شيئا كبعض الحروف المصدرية.
-
الجزء: 3 - الصفحة: 1385
حكم المعطوف على اسم إنّ ولكنّ وبقية نواسخ هذا الباب
قال ابن مالك: (فصل؛ يجوز رفع المعطوف على اسم «إنّ» و «لكنّ» بعد الخبر بإجماع لا قبله مطلقا، خلافا للكسائي، ولا بشرط خفاء إعراب الاسم خلافا للفرّاء.
وإن توهّم ما رأياه قدّر تأخير المعطوف أو حذف خبر قبله، و «أنّ» في ذلك كـ (إنّ) على الأصحّ، وكذا البواقي عند الفرّاء والنّعت وعطف البيان والتّوكيد كالمنسوق عند الجرمي والفرّاء والزّجّاج.
وندر: إنّهم أجمعون ذاهبون.
وإنّك وزيد ذاهبان، وأجاز الكسائيّ رفع المعطوف على أوّل مفعولي «ظنّ» إن خفي إعراب الثّاني).
قال سيبويه: «ولو خففوا (أنّ) وأبطلوا عملها في المظهر والمضمر وجعلوها «كإنّ» إذا خففت لكان وجها قويّا» 624.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 625: نصب المعطوف على اسم «إنّ» مستغن عن التنبيه عليه لأنه كالعطف على لفظ سائر المعمولات، ولا فرق في ذلك بين إنّ وأخواتها ولا بين وقوعه قبل الخبر ووقوعه بعده 626.
ومثال وقوعه قبل الخبر، قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ 627 الآية.
ومثال وقوعه بعد الخبر، قول الراجز:
1028 - إنّ الربيع الجود والخريفا... يدا أبي العبّاس والصّيوفا 628
أراد: إن الربيع الجود والخريف والصّيوف يدا أبي العباس.
-
الحديث: 1028 - الجزء: 3 - الصفحة: 1386
................................
والذي لا يستغنى عن التنبيه عليه رفع المعطوف، وهو على ضربين:
أحدهما: مشترك فيه، وهو العطف على الضمير المرفوع بالخبر.
والثاني: العطف على معنى الابتداء، وهو عند البصريين مخصوص «بإنّ» «ولكنّ» ومشروط بتمام الجملة قبله 629. ومثاله مع «إنّ» قول الشاعر:
1029 - إن النّبوّة والخلافة فيهم... والمكرمات وسادة أطهار 630
ومثله قول الآخر:
1030 - فمن يك لم ينجب أبوه وأمّه... فإنّ لنا الأمّ النّجيبة والأب 631
ومثاله مع «لكن»، قول الآخر:
1031 - وما زلت سبّاقا إلى كلّ غاية... بها تقض في النّاس مجد وإجلال
وما قصّرت بي في التّسامي خؤولة... ولكنّ عمّي الطيّب الأصل والخال 632
وهذا العطف المشار إليه، ليس من عطف المفردات كما ظن بعضهم، بل هو من عطف الجمل، ولذا لم يستعمل إلا بعد تمام الجملة أو تقدير تمامها 633، ولو كان من -
الحديث: 1029 - الجزء: 3 - الصفحة: 1387
................................
عطف المفردات لكان وقوعه قبل التمام أولى؛ لأنّ وصل المعطوف بالمعطوف عليه أجود من فصله ولو كان من عطف المفردات [2/ 131] لجاز رفع غيره من التوابع، ولم يحتج سيبويه في قوله تعالى قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 634 إلى أن يجعل عَلَّامُ الْغُيُوبِ خبر مبتدأ أو بدلا من فاعل يَقْذِفُ 635، وأيضا فإن وأخواتها مشبهة بالأفعال لفظا ومعنى واختصاصا 636، فلا عمل للابتداء بعد دخولها 637 كما لا عمل له بعد دخول الأفعال الناسخة 638. ولقوة شبهها بالأفعال لم يبطل عملها بالفصل في نحو: إن فيك زيدا راغب 639، ولا بتقديم المسند في نحو: إن عندك زيدا، ولا بالحذف مع دليل كقراءة حمزة والكسائي 640: وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات 641. بخلاف «ما» المشبهة بليس، و «لا» المشبهة بإنّ، فإنها ضعيفة الشبه وضعيفة العمل، ولذا لا تعمل في الخبر عند سيبويه 642 ويبطل عملها الفصل بإجماع، فلضعفها لم تنسخ عمل الابتداء لفظا 643 ومحلّا، بل هو باق تقديرا بعد دخولها، ولهذا ينعت اسمها باعتبار المحل رفعا، ولم يفعل ذلك باسم «إنّ» والحاصل: أن عمل الابتداء بعد دخول إنّ وأخواتها منسوخ لفظا - - الأصل في هذه المسألة: عطف الجمل إلا أنهم لما حذفوا الخبر لدلالة ما تقدم عليه أنابوا حرف العطف مكانه ولم يقدروا إذ ذاك الخبر المحذوف في اللفظ لئلا يكون جمعا بين العوض والمعوض منه فأشبه عطف المفردات من جهة أن حرف العطف ليس بعده في اللفظ إلا مفردا وهو يخالف ما قاله الرضي ويوافق ما قاله شيخنا.
اه.
وينظر المسألة في حاشية الصبان (1/ 285)، والهمع (2/ 144)، ومغني اللبيب (2/ 474)، وشرح الألفية للمرادى (1/ 350)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 67)، والتذييل (2/ 800798)، والقول بأنه من عطف الجمل هو مذهب الجمهور.
وانظر أيضا شرح الرضي على الكافية (2/ 352 - 353).
الجزء: 3 - الصفحة: 1388
................................ ومحلّا كانتساخه بـ «كان» و «ظنّ»، إلا أنّ «إنّ» و «لكنّ» لم يتغير بدخولها معنى الجملة، ويتغير بدخول «كأن» و «ليت» و «لعل» فجاز أن يعطف على مصحوبي «إنّ» و «لكنّ» مبتدأ مصرح بخبره ومحذوف خبره، كما يجوز ذلك بعد المبتدأ والخبر لبقاء المعنى على ما كان عليه 644، ولكون الخبر الموجود صالحا للدلالة على المحذوف إذ لا تخالف بينهما، بخلاف خبر «كأن» و «ليت»، و «لعل» فإنه مخالف لخبر المبتدأ المجرد، فلا يغني أحدهما عن الآخر. فلو كان خبر المعطوف مخالفا لزم ثبوته نحو [قوله تعالى]: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 645. ومثله [قوله تعالى]: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها 646، وقرأ حمزة بنصب (الساعة) 647، ولم يختلف في رفع وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 648. وحمل سيبويه ما أوهم العطف قبل التمام على التقديم والتأخير، فالتقدير عنده في [قوله تعالى]: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى 649: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك 650. وأسهل من التقديم والتأخير تقدير خبر قبل العاطف مدلول عليه بخبر ما بعده 651 كأنه قيل: إن الذين آمنوا فرحون، والذين هادوا والصائبون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فإن حذف ما قبل العاطف لدلالة ما بعده مقطوع بثبوته في كلام العرب قبل دخول إنّ كقول الشاعر 652: 1032 - نحن بما عندنا وأنت بما... عندك راض والرّأي مختلف 653
الحديث: 1032 - الجزء: 3 - الصفحة: 1389
................................
وبعد دخولها كقول الآخر:
1033 - خليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما... وإن لم تبوحا بالهوى دنفان 654
فتقدير الأول: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض وتقدير الثاني:
فإني دنف، وأنتما دنفان.
وأنشد سيبويه قول الفرزدق:
1034 - إني ضمنت لمن أتاني ما جنى... وأبي فكان وكنت غير غدور 655
[2/ 132] ثم قال: ترك أن يكون للأول خبر حين استغنى بالآخر 656 ومثل «إنّ» و «لكنّ» في رفع المعطوف على معنى الابتداء «أنّ» إذا تقدمها علم أو معناه 657؛ فمعناه كقوله تعالى وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ 658، وصريح العلم كقول الشاعر 659:
1035 - وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم... بغاة ما بقينا في شقاق 660
تقديره عند سيبويه: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، حمله على التقديم والتأخير، - - والعيني (1/ 557)، والهمع (2/ 109)، والدرر (2/ 142)، والأشموني (3/ 152)، وملحقات ديوان قيس (173)، ومعاني القرآن للفراء (2/ 363)، وديوان حسان (ص 28)، ومعاني القرآن للزجاج (2/ 493)، والشاهد قوله: (نحن بما عندنا) حيث حذف ما قبل العاطف لدلالة ما بعده عليه وليس في الكلام (إنّ).
الحديث: 1033 - الجزء: 3 - الصفحة: 1390
................................
كما حمل آية المائدة، فسوى بين «إنّ»، و «أنّ» 661 فصح أن من فرق بينهما على الإطلاق مخالف لسيبويه، وجعل من هذا القبيل قوله تعالى 662: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ 663. وزعم قوم أنه إنما أورده بكسر الهمزة وهي قراءة الحسن 664، وهو بعيد من عادة سيبويه 665 فإنه إذا استدل بقراءة تخالف المشهور لا يستغني عما يشعر بذلك كما فعل إذا ورد (إذا لا يلبثوا خلفك إلا قليلا) 666، 667، وأجاز الكسائي رفع المعطوف بعد «إنّ» قبل الخبر مطلقا فيقول: إنّ زيدا وعمرو قائمان.
وإنك وزيد ذاهبان.
ووافقه الفراء إن خفي إعراب الاسم نحو: إنك وزيد ذاهبان 668. وكلا المذهبين ضعيف لأن «إنّ» وأخواتها قد ثبت قوة شبهها بكان وأخواتها، فكما امتنع بكان أن يكون للجزأين إعراب في المحل يخالف إعراب اللفظ؛ يمنع بإنّ.
ولو جاز أن يكون اسم إنّ مرفوعا بالمحل باعتبار عروض العامل لجاز أن يكون خبر كان مرفوع المحل بذلك الاعتبار لتساويهما في أصالة الرفع وعروض - - ومعاني القرآن للفراء (1/ 311)، وشرح التسهيل للمصنف (2/ 51)، وشرح التسهيل للمرادي (1/ 51)، وتعليق الفرائد (1158)، والكافية الشافية (1/ 513)، والخزانة (4/ 315)، استطرادا (324)، والعيني (4/ 315)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 67)، والبهجة المرضية (38)، وشرح الألفية للمرادي (1/ 348). اللغة: بغاة: جمع باغ وهي هنا بمعنى طالب من قولك: بغيت الشيء أبغيه إذا أردت طلبه.
والشاهد قوله: (أنا وأنتم بغاة) حيث عطف ضمير الرفع (أنتم) على محل اسم (أن) المبني قبل استكمال الخبر.
الجزء: 3 - الصفحة: 1391
................................
النص، ولا حجة لهما فيما حكى سيبويه من قول بعض العرب: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان 669 لأن الأول تخرج على أن أصله إنهم هم أجمعون ذاهبون فهم مبتدأ وأجمعون توكيد وذاهبون خبر المبتدأ وهو وخبره خبر إنّ، وأصل الثاني: إنك أنت وزيد ذاهبان، فأنت مبتدأ وزيد معطوف وذاهبان خبر المبتدأ، والجملة خبر «إنّ» وحذف المتبوع وإبقاء التابع عند فهم المعنى جائز بإجماع، فالقول به راجح.
وغلّط سيبويه من قال: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان، فقال: واعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان وذلك أن معناه معنى الابتداء فيرى أنه قال هم، كما قال:
1036 - لست مدرك ما مضى... ولا سابق شيئا... 670
وهذا غير مرضي منه رحمه الله تعالى 671، فإن المطبوع على العربية - كزهير قائل البيت - لو جاز غلطه في هذا لم يوفق بشئ من كلام، بل يجب أن يعتقد الصواب في كل ما نطقت به العرب المأمون حدوث لحنهم بتغير الطباع.
وسيبويه موافق على هذا ولولا ذلك ما قيل نادرا كلدن غدوة 672، وهذا جحر ضبّ خرب 673، وأجاز الفراء في المعطوف على اسم غير إنّ ما أجاز في المعطوف على اسم إنّ 674، واستشهد بقول الراجز: -
الحديث: 1036 - الجزء: 3 - الصفحة: 1392
................................
1037 - يا ليتني وأنت يا لميس... في بلد ليس له أنيس 675
[2/ 133] ولا حجة له فيه لأن تقديره: يا ليتني وأنت معي يا لميس، فحذف «معي» وهو وخبر «ليت» والجملة حالية واقعة بين اسم ليت وخبرها وأجاز الجرمي والزجاج والفراء رفع نعت الاسم بعد الخبر، وبمثل ذلك حكموا للتوكيد وعطف البيان 676، وأجازوا أن يكون من ذلك قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 677.
وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن إن خفي إعراب ثانيهما، نحو:
ظننت زيدا صديقي وعمرو 678. انتهى كلام المصنف رحمه الله، ويتعلق به مباحث:
الأول:
قد عرف من كلامه أن المرفوع في نحو: إن زيدا قائم وعمرو مبتدأ محذوف الخبر، ولا شك أن هذا هو الحق.
وقد أقام الدليل على ذلك، وعرف منه أيضا أن القائل بأنه من عطف المفردات، يقول: إنه معطوف على المنصوب باعتبار محله قبل دخول «إنّ».
وقد أبطل المصنف ذلك، ولكن للقائلين بأنه من عطف المفردات -
الحديث: 1037 - الجزء: 3 - الصفحة: 1393
................................
قول آخر وهو أن المرفوع معطوف على موضع «إنّ» وما عملت فيه لأنها وما عملت فيه في موضع ذلك الاسم الذي كان مبتدأ قبل دخولها، وهذا هو الذي جنح إليه الفارسي 679، ومن ثم قيل في المسألة مذاهب ثلاثة 680. وأما كون المرفوع يكون معطوفا على الضمير الذي في الخبر، فقد عده الشيخ مذهبا رابعا، ولا ينبغي ذلك لأن هذه مسألة برأسها 681، والعطف على الضمير المستتر لا خصوصية له بهذا الباب، وإذا كان كذلك فلا يعد مذهبا.
واعلم أن القائلين بأنه من عطف المفردات شبهتهم أنه سمع من لسان العرب: إنّ زيدا منطلق لا عمرو.
قالوا: ولا يتصور أن يكون من قبيل عطف الجمل لأن «لا» لا يعطف بها إلا المفرد، ولو كان ما بعد «لا» مرفوعا بالابتداء وكانت «لا» حرف نفي مستأنفا ما بعدها لزم تكرارها.
ولأجل هذا قال ابن خروف في قولهم: (إن زيدا منطلق لا عمرو) جاز الرفع وإن لم يجز الابتداء «بلا»، ومن هنا وقع الخلاف، إذ لا يقال في الابتداء: (لا عمرو قائم)، قال: فذكر «لا» هنا أوقع الخلاف بين النحويين في هذا المرفوع، وإنما دخلت «لا» هنا من حيث كان الاسم بعدها بصورة المعطوف؛ فجاز فيه ما لا يجوز في الابتداء 682.
وجعل الشلوبين ذلك دليلا قاطعا على أن سيبويه يحمل على الموضع 683. ولا يتم ما قاله الشلوبين لأن كلام سيبويه يعطي خلاف ذلك، فإنه قال: وما يكون محمولا على «إنّ» فيشارك فيها الاسم الذي وليها ويكون محمولا على الابتداء 684: إنّ زيدا ظريف وعمرو، فيرفع على وجهين: فأحدهما حسن، وهو أن يكون محمولا على الابتداء، لأن معنى إنّ زيدا منطلق: زيد منطلق وإنّ توكيد والآخر ضعيف أن يكون محمولا على المضمر، فأحسنه أن يقول: هو وعمرو، فإن شئت جعلت الكلام على الأول فقلت: (إنّ زيدا منطلق وعمرا) 685. ولكنّ المثقلة -
الجزء: 3 - الصفحة: 1394
................................ في جميع الكلام بمنزلة «إنّ»، فإذا قلت: إنّ زيدا منطلق لا عمرو فتفسيره كتفسيره «مع الواو». وإذا نصبت فتفسيره كتفسيره مع الواو [2/ 134]. و «لعلّ» وكأنّ و «ليت» يجوز فيهن جميع ما جاز في «إنّ» إلا أنه لا يرتفع على الابتداء 686. انتهى. وهو كلام واف بالمقصود شاهد بصحة ما قرره المصنف. المبحث الثاني: لما جرى ذكر العطف على الموضع هنا قصدت أن أذكر الضابط له على طريقة المتأخرين، وذلك يستدعى ذكر تقسيم، وهو أن المعطوف عليه إمّا مبنيّ فيحمل على موضعه أبدا إلا في بابين، في باب «لا» 687، والمبني في باب النداء 688. وإما معرب ولا موضع له؛ فيحمل على لفظه، نحو: قام زيد وعمرو، أو وله موضع بحق الفرعية ويكون ذلك في باب اسم الفاعل والصفة المشبهة «وليس» و «ما» تقول: هذا ضارب زيدا وأخيه وحسن وجها ويد، وليس زيد قائما ولا قاعد. وما زيد خارجا ولا ذاهب. فهذا ممتنع على مذهب الجمهور 689، وأجازه البغداديون في البابين الأولين لأن الإضافة فيهما قد كثرت 690 وأجاز الفراء في البابين الآخرين لأنه قد كثرت زيادة الباء في خبريهما، وقد جاء: 1038 - بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى... ولا سابق... البيت 691
الحديث: 1038 - الجزء: 3 - الصفحة: 1395
................................
وإن كان الموضع بحق الأصالة فإن لم يصرح به لم يجز الحمل عليه نحو: مررت بزيد وعمرو لأنهم لم يقولوا مررت زيدا إلا شاذّا ومنهم من أجازه، وإن صرح بالموضع فإما أن يتغير العامل حال التصريح عما كان عليه أو لا يتغير، إن تغير لم يجز الحمل، وذلك في بابين:
الأول: اسم الفاعل والمفعول والصفة.
الثاني: المصدر المنحل لأن مع الفعل نحو ضارب زيدا وعمرا، فسيبويه يمنعه 692، وغيره يجيزه.
وإن لم يتغير العامل جاز الحمل، وعدم تغير العامل هو الذي يعبرون عنه بالمحرز، وبهذا التقرير يعلم امتناع العطف على الموضع في نحو: إنّ زيدا قائم وعمرو، إذ لا محرز له.
المبحث الثالث:
ناقش الشيخ المصنف في كلامه من وجهين:
أحدهما: قوله: رفع المعطوف على اسم إنّ واسم «إنّ» منصوب، قال: فكيف يجوز عطف المرفوع على المنصوب؟
والثاني: قوله: بإجماع، قال: وليس بصحيح، بل العطف بالرفع على موضع اسم إن فيه خلاف.
والصحيح أن ذلك لا يجوز، والرفع إنما هو على الابتداء والخبر محذوف لدلالة الخبر قبله عليه 693. انتهى.
والجواب عن هاتين المناقشتين في غاية الظهور:
أما الأولى: فإن العطف إذا قلنا: إنه على اسم «إنّ» جاز أن يقال في المرفوع إنه عطف على الاسم، لأن العطف على اسم له محل يصح فيه أن يقال: عطف عليه باعتبار لفظه وعطف عليه باعتبار محله، وفي كلتا الحالتين يصح أن يقال عطف الاسم ويطلق القول، وكيف يتخيل أن مرفوعا معطوف على منصوب أعني على لفظه.
وأما الثانية: فإن قوله: بإجماع يتعلق بقوله: يجوز الرفع لا بقوله: المعطوف على اسم إنّ.
وكيف يتوهم ذلك في المصنف [2/ 135] مع قوله: وهذا العطف المشار إليه ليس من عطف المفردات - كما ظن بعضهم - بل هو من عطف الجمل فجعل -
الجزء: 3 - الصفحة: 1396
................................
كونه من عطف الجمل هو قول الجمهور، وجعل كونه من عطف المفردات هو قول بعضهم، فكيف ينسب إليه بعد هذا أنه يدعى أنه معطوف على اسم «إن» بالإجماع، لأنه إذا كان معطوفا على اسم «إنّ» كان من عطف المفرد على المفرد بلا شك.
وأما إطلاق المصنف عليه أنه معطوف على اسم «إنّ»، فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه إطلاق مجازي لأنه في الصورة كالمعطوف عليه فشبه بالمعطوف على الاسم حقيقة.
وإما أنه أرد العطف حقيقة، وذلك على قول من يرى أنه من عطف المفردات، ثم إنه صحح القول بأنه من عطف الجمل وهذا كما في كتب الفقه وغيرها، يذكر القول الضعيف ثم يذكر أن الأصح خلافه.
المبحث الرابع:
قد تقدم من كلام المصنف أن سيبويه غلط من قال: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيدا ذاهبان 694، إلى آخره وأن المصنف قال: إن ذلك غير مرضيّ من سيبويه إلى آخر الكلام، فقال الشيخ بعد إيراده ذلك: وفهم - يعني المصنف - من كلام سيبويه أن ناسا من العرب يغلطون حقيقة الغلظ، وأنهم لحنوا في ذلك، قال:
ولم يرد سيبويه هذا المفهوم الذي فهمه المصنف، وإنما يريد أنه لم يشارك في الناصب وكأنه لم يتقدم ناصب بل ابتدأ بالاسم مرفوعا فأتبعه مرفوعا، فصار كأنه لم يذكر الناصب.
وسمي هذا غلطا مجازا لا على جهة الحقيقة.
قال: ولم يفهم أحد من الشراح ولا الشيوخ المأخوذ عنهم هذا العلم عن سيبويه 695 ما فهمه هذا المصنف، قال:
وهذا كما قال في قوله تعالى: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ 696، فإنه - يعني سيبويه - سماه عطفا على التوهم كأنه قيل (أصدق، وأكن) ولا يريد التوهم حقيقة لاستحالة ذلك على الله تعالى، وإنما يريد أنه لم يتبع الثاني الأول في الإعراب، يعني بل راعى في إتباع الثاني الأول أمرا آخر يصح تلبس الأول به في هذا التركيب 697. انتهى.
-
الجزء: 3 - الصفحة: 1397
................................ وهذا الذي ذكره الشيخ عن الشراح والشيوخ من حمل كلام سيبويه على ما ذكروا هو الحق. وقبل وقوفي على كلام الشيخ قد كنت أفهم أن المراد من الغلط الذي أشار إليه سيبويه ما يقرب من المراد بالتوهم، أو ما هو المراد بالتوهم نفسه ولم أفهم منه أن المراد به الخطأ 698. المبحث الخامس: قال الشيخ: إن قول المصنف: بشرط خفاء إعراب الاسم يشمل أن يكون مبنيّا، وبه مثّلوه وأن يكون معربا لكن الإعراب فيه مقدر كالمقصور، والمضاف إلى ياء المتكلم. قال: وهو يحتاج إلى نقل مذهب الفراء في ذلك 699. المبحث السادس: قد عرفت أن المصنف أجرى «أنّ» مجرى «إنّ» و «لكنّ» في رفع المعطوف على معنى الابتداء، وأنه قيد ذلك في الشرح بأن يتقدمها علم أو معناه فعلم أنه لا يجريها مجراها مطلقا، وذكر أن هذا مذهب سيبويه، وأنه جعل من هذا القبيل قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [2/ 136] وَرَسُولُهُ 700. وأن قوما زعموا أن سيبويه إنما أورد الآية الكريمة بكسر الهمزة، وهي قراءة الحسن 701، واستبعد المصنف ذلك كما تقدم، فقال الشيخ 702: ما زعمه قوم من إنه بكسر الهمزة هو مضبوط في الكتاب بكسر الهمزة مصححا في نسخ الشيوخ المأخوذ عنهم الكتاب رواية ودراية. قال: ويدل على ذلك أنه لم يذكر في باب ما كان محمولا على «إن» سوى «لكن» فقال 703: و «لكن» بمنزلة «إن» فلو كانت «أن» بمنزلة إن في ذلك لذكرها كما ذكر لكن، إلا أنه ذكر في آخر هذه الأبواب قول الشاعر: 1039 - وإلا فاعلموا أنّا وأنتم... بغاة... 704
الحديث: 1039 - الجزء: 3 - الصفحة: 1398
................................
وقال: كأنه قال: نحن بغاة ما بقينا وأنتم، فقال ابن خروف: هذا نص من سيبويه في المفتوحة أنه يحمل معها على الابتداء.
قال الشيخ: وليس بنص، إذ يحتمل أن يكون من باب العطف على التوهم، ويحتمل أن يكون «وأنتم» معطوفا على مبتدأ محذوف تقديره: وإلا فاعملوا أنا نحن وأنتم بغاة، والجملة في موضع خبر أن كما قيل في إنك وزيد ذاهبان: إن التقدير إنك أنت وزيد ذاهبان.
وأما من قرأ: أن الله برئ من المشركين بفتح همزة أن فيكون «ورسوله» معطوفا على الضمير المستكن في بريء، وحسن ذلك الفصل بالجار والمجرور، ثم قال 705:
وفي هذا العطف بالرفع ثلاثة مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقا، وجعل أبو الفتح والأستاذ أبو علي قول الشاعر:
1040 - فلا تحسبي أنّي تجشّمت بعدكم... بشيء ولا أنّي من الموت أبرق
ولا أنا ممّن يزدهيه وعيدكم... ولا أنّني بالمشي في القيد أخرق 706
من قبيل ما عطفت فيه الجملة على أنّ وصلتها، فجعلا قوله: «ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم» معطوفا على أنّ وصلتها وخرج غيرهما ذلك على أن يكون قوله: «ولا أنا من يزدهيه وعيدكم» جملة اعتراضية بين قوله «أنّي تجشمت» والمعطوف عليه الذي هو «ولا أنني بالمشي» لما فيها من التشديد والتأكيد 707 وفي الإفصاح اختار ابن جني الجواز واحتج بقول القائل:
1041 - ولا أنا ممّن يزدهيه وعيدكم
ولا حجة فيه لأنه استئناف كلام وقوله: «ولا أنني بالمشي»، استئناف آخر أراد:
(ولا تحسبي أني بالمشي): فحذف لتقدم الذكر.
الثاني: المنع مطلقا فلا يجوز العطف فيها على معنى الابتداء عند أكثر المحققين -
الحديث: 1040 - الجزء: 3 - الصفحة: 1399
................................
لأن المفتوحة وما عملت فيه يتقدر باسم مفرد، وفي البسيط: وأما (أن) فلا يعطف على موضعها عند المحققين، كأبي علي الفارسي 708 وغيره لأنها لا بد لها من عامل، فلا يبقى للابتداء فيها مساغ لدخول العامل اللفظي.
الثالث: التفصيل بين أن يكون الموضع الذي وقعت فيه يجوز وقوع المفرد فيه ووقوع الجملة، أو يكون لا يقع فيه إلا المفرد.
فإن كان مما لا يقع فيه إلا المفرد فلا يجوز العطف على موضع أنّ وصلتها [2/ 137] نحو: بلغني أنّ زيدا قائم وعمرو.
فإن ورد مثل هذا كان الخبر محذوفا والجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على الجملة التي هي «بلغني أنّ زيدا قائم» عطف جملة اسمية على فعلية، وإن كان الموضع يصلح للمفرد والجملة جاز العطف على موضع أنّ وصلتها نحو قولك: أتقول أنّ زيدا قائم وعمرو؟ تريد وعمرو قائم (لأنّ أتقول يقع بعدها المفرد نحو: أتقول أن زيدا قائم والجملة نحو أتقول عمرو قائم) 709.
المبحث السابع:
قد صرح المصنف فيما تقدم نقله عنه بأن الجرمي والزجاج والفراء أجازوا رفع نعت الاسم بعد الخبر وأنهم بمثل ذلك حكموا للتوكيد وعطف البيان، وهذا يقتضي أن الجرمي والزجاج يعتبرون محل إنّ مع وجودها، إذ الرفع في النعت والتوكيد وعطف البيان إنما يكون بالتبعية بخلاف رفع المنسوق، فإنه إذ ذاك لا تتعين التبعية فيه لأنه يكون
مبتدأ محذوف الخبر كما تقدم، وقد قال الشيخ في شرح هذا الموضع - يعني بقوله: كالمنسوق: إنه إن كان العطف وعطف البيان والتوكيد بعد الخبر جاز الرفع عند الجرمي والزجاج والفراء ويعني بعد، ولكن فيقول: إن زيدا قائم العاقل، وإن 710 زيدا قائم نفسه، وإن زيدا قائم بطنه، وأما قبل الخبر فالذي يقتضيه مذهب الفراء جواز الرفع بشرط خفاء إعراب الاسم، نحو: إن هذا العاقل قائم، وإن هذا -
الجزء: 3 - الصفحة: 1400
................................
أخوك قائم، وإن هذا نفسه قائم، وأما الجرمي والزجاج فلا يجوز هذا عندهما لأنهما لا يريان العطف بالرفع قبل الخبر فلا يريان اتباع الاسم بهذه الثلاثة.
انتهى 711.
ولا شك أن من أجاز رفع الثلاثة - أعني النعت والتوكيد وعطف البيان - يلزمه أن يكون معتبرا محل الاسم أي موضعه من الرفع قبل دخول «إنّ» وعلى هذا لا يحتاج في المنسوق أن يجعله مبتدأ بل معطوفا على الاسم باعتبار المحل.
المبحث الثامن:
تقدم أن الكسائي يجيز رفع المعطوف على أول مفعولي «ظن» إن خفي إعراب ثانيهما نحو: ظننت زيدا صديقي وعمرو.
قال الشيخ: هكذا مثل المصنف هذه المسألة.
قال: والذي حكاه الفراء عن الكسائي أنه أجاز: أظن عبد الله وزيد مالهما كثير، فرفع زيدا في كل ما كان خبره وخبر المنصوب مستويين، وكان لا يجيز:
أظن عبد الله وزيد قائمين ولا قائما، لأن الرفع والنصب يستبين في قائمين.
ثم كأن الفراء لم يقبل ذلك منه، قال الشيخ: والقول عند البصريين قول الفراء، ثم قال: واتضح أن تصوير المصنف وتمثيله الذي ذكره خطأ.
انتهى 712.
وإنما كان له أن يحكم بخطأ المصنف أن لو نقل الفراء أنّ الكسائي لا يجيز المسألة التي ذكرها المصنف ومثل
بها.
غاية ما في الباب أن الفراء ذكر مسألة والمصنف ذكر [2/ 138] أخرى، ولا مانع من أن يكون الكسائي قائلا بكلّ منهما، وقد ذكر الشيخ ها هنا عدة مسائل من أبواب تركت إيرادها خوف الإطالة 713.
الجزء: 3 - الصفحة: 1401