الباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيل
[تعريفه وصياغته وشروط صياغته]
قال ابن مالك: (يصاغ للتّفضيل موازن «أفعل» اسما، ممّا صيغ منه في التّعجّب فعلا، على نحو ما سبق من اطّراد وشذوذ، ونيابة «أشدّ» وشبهه، وهو هنا اسم ناصب مصدر المحوج إليه تمييزا، وغلب حذف همزة «أخير، وأشر» في التّفضيل وندر في التعجّب).
قال ناظر الجيش: لم يحدّ المصنف «أفعل» التّفضيل، وحدّه غيره فقال: هو ما اشتقّ من فعل الموصوف بزيادة على غيره، قال: فيدخل في (ما اشتقّ من فعل):
اسم الفاعل، واسم الزمان والمكان، وقوله: (الموصوف) يخرج الزمان والمكان، وقوله: (بزيادة على غيره) يفصله عمّا عداه 1. انتهى، وهو حدّ جيد، إلّا أنّ قوله: (اشتقّ من فعل) فيه مناقشة؛ لأنّ الاشتقاق إنما هو من
المصدر، فالصفات كالأفعال في أنّها مشتقة مما اشتقّ الفعل منه، هذا هو المذهب الحقّ 2.
ثمّ قال المصنف: قد تقدم أنّ «أفعل» المتعجّب به مناسب أفعل التفضيل وزنا ومعنى، وأنّ كلّ واحد منهما محمول على الآخر فيما هو أصل فيه، ومن أجل مناسبتهما سوّت العرب بينهما، في أن يصاغ كلّ منهما ممّا يصاغ منه الآخر، وألا يصاغ مما لا يصاغ منه؟
وقد تبين في التعجب أن فعله لا يبنى دون شذوذ إلا من فعل ثلاثيّ مجرّد، تامّ، مثبت، متصرّف، قابل معناه للكثرة غير مبنيّ للمفعول، ولا معبّر عن فاعله بأفعل فعلاء.
فكذلك أفعل التفضيل لا يبنى دون شذوذ إلّا من فعل مستوف القيود المذكورة 3 -
الجزء: 6 - الصفحة: 2655
................................
فيقال في بنائه من كتب، وعلم، وظرف: هو أكتب منه، وأعلم، وأظرف، كما قيل في التعجّب: ما أكتبه، وأعلمه، وأظرفه، ويحكم في هذا ونحوه بالاطراد؛ لأنّه من فعل مستوف للقيود، ويحكم بالشذوذ فيما لا فعل له، وفيما له فعل لم يستوف القيود، كما فعل في التعجّب 4.
فمن أمثلة «أفعل» التفضيل الذي لا فعل له قولهم: هذا أمقر 5 من هذا، أي:
أمرّ، وهو ألصّ من شظاظ 6 أي: أعظم لصوصيّة.
وشظاظ اسم رجل من ضبة، ومن هذا النّوع 7: أول وآخر.
ومن أمثلة سيبويه فيما لا فعل له: أحنك الشّاتين والبعيرين (5)، أي: آكلهما، وآبل النّاس، أي: أرعاهم للإبل، ومن أمثلة غيره: هذا التمر أصفر من غيره، أي:
أكثر صفرا، وهذا المكان أشجر من هذا المكان، أي: أكثر شجرا، وفلان أضيع من غيره، أي: أكثر ضياعا 8،
والصحيح أنّ «أحنك» من قولهم: احتنك الجراد ما على الأرض أي: أكله، ولكنّه شاذّ لكونه من «افتعل» فهو نظير «أشدّ» من: -
الجزء: 6 - الصفحة: 2656
................................
اشتد، ونظير قولهم: هو أسوأ من هذا، بمعنى: أشدّ استواء، وكذا الصّحيح أنّ «آبل» من قولهم: أبل الرجل أبالة، وأبل أبلا إذا درب بسياسة الإبل، والقيام عليها فلا شذوذ فيه أصلا.
وكذا الصحيح أن «أصفر» من: صفر الرطب، إذا صار ذا صفر، فلا شذوذ فيه وكذا «أشجر» من قولهم: أشجر المكان، أي: صار ذا شجر، ولا شذوذ فيه على مذهب سيبويه 9؛ لأنّ «أفعل» - عنده - يساوي: فعل، فعل، فعل في بناء «أفعل» التفضيل، وقد تقدّم بيان ذلك، وكذا قولهم: فلان أضيع من غيره، هو من قولهم: أضاع الرجل، إذا كثرت ضياعه، ولا شذوذ فيه، على مذهب سيبويه ونظيره: هو أعطاهم للدّراهم، وأولاهم للمعروف، وأكرم لي من زيد، أي:
أشدّ إكراما، وهذا المكان أقفر من ذلك، والفعل من جميعها على وزن «أفعل» 10 ومن المحكوم بشذوذه لكونه من مزيد فيه قول عمر رضي الله عنه: «إنّ أهمّ أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن
ضيّعها فهو لما سواها أضيع» 11 فأوقع «أضيع» موقع: أشدّ تضييعا، ومن المحكوم بشذوذه من جهتين قولهم: هذا أخصر من هذا، فبنوه من «اختصر» وفيه مانعان: أحدهما: أنه من مزيد فيه، والثاني: أنه من فعل ما لم يسمّ فاعله 12، ومثله - على مذهب غير -
الجزء: 6 - الصفحة: 2657
................................
سيبويه - قولهم - فيمن أصيب بمكروه -: هو أصوب من غيره، وهو من «أصيب»، فعلى مذهب سيبويه ليس شاذّا، إلا من قبيل ما هو من فعل المفعول، وذلك لا يحكم بشذوذه إلا فيما يلتبس فيه قصد المفعول بقصد الفاعل 13 وذلك إذا كان الفعل مستعملا بالبناءين كثيرا، ولم يقارن أفعل ما يمنع من أن يراد به الفاعلية كقولك: هذا أضرب من ذاك، وأنت تريد أنّ الضرب الواقع فيه أشدّ من الواقع بغيره فإنّ هذا لا يجوز لأنّ المراد به لا دليل عليه، بل السابق إلى ذهن من يسمعه التفضيل في الفاعلية، فإن اقترن بما يمنع من قصد الفاعلية جاز وحسن.
ومن هذا قولهم: أكسى من بصلة 14، وأشغل من ذات النّحيين 15، ويصحّ على هذا أن يقال: عبد الله بن أبيّ 16 ألعن ممّن لعن على لسان داود، ولا أحرم ممن عدم الإنصاف، ولا أظلم من قتيل كربلاء 17، فلو كان مما لازم بناء ما لم يسمّ فاعله، أو غلبت قلّته؛ لم يتوقف في جوازه، لعدم اللبس وكثرة النظائر، كأزهى، وأغنى 18، وقد تقدم
من قولي: إن ورود هذا في التفضيل أكثر منه في التعجب، وأنّه لا ينبغي أن يقتصر فيه على المسموع، ومن المحكوم بشذوذه قولهم: هو أسود -
الجزء: 6 - الصفحة: 2658
................................ من حنك الغراب 19، وقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم - في صفة الحوض -: «أبيض من اللّبن» 20 وإنّما كان هذان شاذّين؛ لأنهما من باب: أفعل فعلاء، وليسا كألدّ وأخواته، ممّا يناسب عسرا أو جهلا، وقد تقدم الكلام على ذلك. وفي: «صيغ» - من قولي في أول هذا الباب: (مما صيغ منه التعجب) - ضمير يرجع إلى موازن الفعل والضمير في «منه» يرجع إلى «ما» أي: من اللفظ الذي صيغ منه موازن «أفعل» [3/ 123] والتعجب، وأشرت بقولي: (ونيابة أشدّ ونحوه) إلى أنّ الفعل الذي يقصد أن يصاغ منه أفعل التفضيل إن لم يستوف القيود يتوصل إلى معنى التفضيل فيه بذكر «أشدّ» أو نحوه، ناصبا مصدر ذلك الفعل على التمييز، كقولك في «دحرج» و «علّم» و «اقترب»: هو أشدّ دحرجة، وأصحّ تعليما، وأكثر اقترابا، وكقولك: هو أفظع موتا، وفي «عور»: هو أقبح عورا، وفي «كحل» هو أحسن كحلا 21. ولما كثر استعمال صيغة التفضيل من الخير والشر اختصروها، فحذفوا الهمزة، وقالوا في المدح والذّم: هو خير من كذا، وشرّ من كذا، ورفض: أخير، وأشرّ، إلا فيما ندر كقول الراجز: 2089 - بلال خير النّاس وابن الأخير 22
الحديث: 2089 - الجزء: 6 - الصفحة: 2659
[أحكام أفعل التفضيل المجرد من «أل» والإضافة، وأحوال المفضول منه]
قال ابن مالك: (ويلزم «أفعل» التّفضيل عاريا الإفراد والتّذكير وأن يليه أو معموله المفضول مجرورا بـ «من» وقد يسبقانه ويلزم ذلك إن كان المفضول اسم استفهام أو مضافا إليه، وقد يفصل بين «أفعل» و «من» بـ «لو» وما اتّصل بها ولا يخلو المقرون بـ «من» في غير تهكّم من مشاركة المفضّل في المعنى، أو تقدير مشاركته وإن كان «أفعل» خبرا حذف للعلم به المفضول غالبا ويقلّ ذلك إن لم يكن خبرا ولا تصاحب «من» المذكورة غير العاري إلّا وهو مضاف إلى غير معتدّ به أو ذو ألف ولام زائدتين، أو دالّ على عار متعلّق به «من» أو شاذّ).
ومن النّادر قراءة الآية 23: سيعلمون غدا من الكذاب الأشر 24 وكما ندر ردّ الهمزة في التفضيل نذر سقوطها
في التعجّب، فقيل: ما خيره، بمعنى: ما أخيره، وما شرّه، بمعنى: ما أشرّه، وشذّ حذف همزة «أحبّ» في التفضيل، كقول الأحوص:
2090 - وزادني كلفا بالحبّ أن منعت... وحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا 25
قال ناظر الجيش: اعلم أنّ لـ «أفعل» التّفضيل استعمالات ثلاثا لا يتجاوزها وهي أن تقرن به «من» ومجرورها، ويعبّر عنه بالعاري أي عن اللام والإضافة، وأن تباشره اللام، وأن يضاف.
وقد تكلم المصنف على المقرون بـ «من» هنا إلى آخر هذا الفصل وتكلم في الفصل الذي يليه على الاستعمالين الآخرين.
والسبب في أنّ «أفعل» التفضيل لا يتجاوز ثلاثة الاستعمالات أنّ الغرض منه إفادة الزيادة في موصوفه على غيره -
الحديث: 2090 - الجزء: 6 - الصفحة: 2660
................................
فقصد إلى ذكر الغير ليوفر ما يقتضيه معناه وذلك لا يحصل إذا تجرد عن هذه الثلاثة؛ لأنك إذا قلت: زيد أشرف لم يفهم من هو الذي زاد عليه هو في الشرف، فإذا أتيت بـ «من» أو أضفته علم المفضل عليه، وإذا أتيت باللام كقولك: زيد الأشرف، فالتعريف هو تعريف العهد وهو لا يكون معهودا، إلا على الصفة المذكورة، فإذا عرفته بالعهد فهو المعهود الذي قد عرف من هم المفضل عليهم هو ولا يجمع بين «من» واللام أو الإضافة، فلا يقال: زيد الأفضل من عمرو، ولأنهم لم يأتوأ بـ «من» إلا لما ذكرناه، من بيان المفضّل عليه وقد علم أنّ اللام تفيد ذلك، فلم يكن للجمع بينهما معنى.
وأيضا فإنّ معنى التعريف باللام أن يجعله للمعهود المفضل على من عهد تفضيله عليه بمعنى «من» تفضيله على من ذكر بعدها دون من سواه فيصير المعنى - عند الاجتماع - تفضيله باعتبار المعهود ولا باعتبار المعهود وذلك
تناقض، وأيضا فإنّ «من» تشعر باحتياجه ونقصانه، واللام تشعر باستغنائه وكماله.
فلو جمع بينهما لكان كالجمع بين النقيضين.
قال المصنف 26: ويلزم «أفعل» التفضيل الإفراد والتذكير إذا كان عاريا أي:
غير مضاف ولا مشفوع بحرف التعريف، فيقال: زيد أكرم من عمرو، وهما أكرم من بشر، وهم أشجع من غيرهم، وهند أجمل من دعد، وبنتاهما أصلح، والأمّهات أشفق من الأخوات 27، ويلزم العاري أيضا أن يذكر بعده المفضول، مقرونا بـ «من» متصلة به كما رأيته من الأمثلة المذكورة آنفا، أو مفصولا بين «من» وبينه بمتعلق به، فصاعدا، كقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ 28.
وكقول الشّاعر: -
الجزء: 6 - الصفحة: 2661
................................
2091 - فلأنت أسمح للعفاة بسؤلهم... عند الشّصائب من أب لبنينا 29
وكقوله:
2092 - ما زلت أبسط في غصن الزمان يدا... للناس بالخير من عمرو ومن هرم 30
ويجب تقديم «من» والمفضول 31 إن كان اسم استفهام، أو مضافا إليه، نحو:
ممّن أنت أحلم؟ ونحو: ممّن أنت أعلم؟ ومن أيّ الرّجال أنت أكرم؟ وممّ قدّك أعدل؟ ومن وجه من وجهك أجمل؟
ذكر أصل هذه المسألة أبو عليّ في التّذكرة 32 وهي من المسائل المغفول عنها.
فإن كان المفضول غير ذلك لم يجز تقديمه إلّا في نادر من الكلام، كقول ذي الرّمّة:
2093 - ولا عيب فيها غير أنّ سريعها... قطوف وأن لا شيء منهنّ أكسل 33
وكقول الآخر: -
الحديث: 2091 - الجزء: 6 - الصفحة: 2662
................................ 2094 - فقالت لنا أهلا وسهلا وزوّدت... جنى النّحل بل ما زوّدت منه أطيب 34 وقد يفصل «أفعل» و «من» بـ «لو» وما اتصل بها كقول الشّاعر: 2095 - ولفوك أطيب لو بذلت لنا... من ماء موهبة على خمر 35 ولا بدّ من كون المفضول مشاركا للمفضّل فيما ثبت فيه التفضيل فيقال: الخبز أغذى من السويق، والعسل أحلى من التّمر، ولا يقال: الخبز أغذى من الماء، ولا: الماء أروى من الخبز؛ فإن ورد لفظ تفضيل دون ظهور مشاركة قدّرت المشاركة بوجه ما، كقولهم في البغيضين: هذا أحبّ إليّ من هذا، وفي الشرّين: هذا خير من هذا، وفي الصّعبين: هذا أهون من هذا، وفي القبيحين: هذا أحسن من هذا، بمعنى: أقل بغضا، وأقل شرّا، وأقلّ صعوبة، وأقلّ قبحا ومنه قوله تعالى: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ 36. [3/ 124] وقول الرّاجز: 2096 - أظلّ أرعى وأبيت أطحن... الموت من بعض الحياة أهون 37
الحديث: 2094 - الجزء: 6 - الصفحة: 2663
................................ ومثله قول الآخر: 2097 - عجيّز لطعاء دردبيس... أحسن من منظرها إبليس 38 ومن الملحق بالتهكم قول الآخر: 2098 - لأكلة من أقط بسمن... ألين مسّا في حوايا البطن من يثربيّات قذاذ خشن 39 ومنه قول الشّاعر: 2099 - الحزم والقوّة خير من... الإدهان والفكّة والهاع 40
-
- كما يصلح البيت شاهدا على تقديم المفضل عليه «من بعض الحياة» على اسم التفضيل «أهون» على ما في الشواهد السابقة.
ينظر الشاهد في: شرح الألفية للشاطبي (4/ 93)، والتذييل والتكميل (4/ 714).
- كما يصلح البيت شاهدا على تقديم المفضل عليه «من بعض الحياة» على اسم التفضيل «أهون» على ما في الشواهد السابقة.
الحديث: 2097 - الجزء: 6 - الصفحة: 2664
................................
وممّا تقدّر فيه المشاركة قول بعضهم: الصّيف أحرّ من الشّتاء، وله توجيهات:
أحدها: أن يكون من «أحرّ القتل» بمعنى: استحرّ، أي اشتدّ، فكأنّه قيل:
الصيف أشدّ احترارا من الشتاء؛ لأنّ حروبهم في الصّيف كانت أكثر من حروبهم في الشتاء (1)، ويمكن أن يشار بذلك إلى أنّ الشّتاء يتحيّل فيه على الحرّ بموقيات البرد وأنّ الصيف لا يحتاج فيه إلى تحيّل، فحرّه أشدّ من حرّ الشتاء (2)، ويمكن أن يشار بذلك إلى «حرّ الأمر» جدّ، وأنّه في الصيف أشدّ منه في الشتاء 41. وزعم بعض العلماء أنه يقال: العسل أحلى من الخلّ، وهذا موجه بثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون قائل هذا أسمى العنب خلّا، لمآله إليه، كما سمّي خمرا في قوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً 42.
الثاني: أن يكون «أحلى» من: حلي بعيني، إذا حسن منظره.
الثالث: أن يكون هذا قد وضع «أحلى» موضع «أطيب» لأنّ الخلّ يتأدّم به، فله من الطيب نصيب، لكنّه دون طيب العسل 43.
ويكثر حذف المفضول إذا دلّ عليه دليل، وكان «أفعل» خبرا، كقوله تعالى:
أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ 44، ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا 45، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ 46، وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ 47، إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ 48، وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا 49، أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا 50، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً 51.
وهو كثير، ومنه قول الشاعر: - (1)، (2)،
الجزء: 6 - الصفحة: 2665
................................ 2100 - إذا المرء علبي ثم أصبح جلده... كرحض غسيل فالتّيمّن أروح 52 أي: فدفنه على اليمين أروح له، وقد يحذف المفضول، وأفعل ليس بخبر، فمن ذلك قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى 53. ومن ذلك قول الشاعر: 2101 - دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا... فظلّ فؤادي في هواك مضلّلا 54 أي: دنوت أجمل من البدر، وقد خلناك مثله. ومثله: 2102 - ليلقك من أرضاك قدما أجدّ في... مراضيه فالمسبوق إن زاد سابق 55 ومثله قول رجل من طيئ: 2103 - عملا زاكيا توخّ لكي تج... زى جزاء أزكى وتلفى حميدا 56
الحديث: 2100 - الجزء: 6 - الصفحة: 2666
................................
أي: لكي تجزى جزاء أوفى من العمل الزّاكي.
ومثله قول الآخر:
2104 - تروّحي أجدر أن تقيلي... غدا بجنّتي بارد ظليل 57
أي ترّوحي، وأتي مكانا أجدر مكانا بأن تقيليه، أي: تقيلي فيه، وهذا أغرب من الذي قبله، لكثرة الحذف فيه.
ولا توجد «من» جارّة للمفضول، إلا و «أفعل» عار من الإضافة، والألف واللّام، وندر إيقاع «من» بعد مضاف إلى ما لا اعتداد بذكره، والإشارة بذلك إلى قول الشّاعر:
2105 - نحن بغرس الوديّ أعلمنا... منّا بركض الجياد في السّدف 58
أراد: أعلم منّا، فأضاف، ناويا إطراح المضاف إليه كما تدخل الألف واللام في - - أزكى من العمل الزاكي، وهذا قليل ولا يكثر الحذف إلا إذا كان «أفعل» خبرا.
ينظر الشاهد في: شرح المصنف (3/ 57)، والتذييل والتكميل (4/ 717)، والارتشاف برقم (1011) (ص 1087)، ومنهج السالك (ص 408)، والتذييل والتكميل (4/ 717).
الحديث: 2104 - الجزء: 6 - الصفحة: 2667
................................
بعض الامكنة، وينوى سقوطها.
وندر إيقاع «من» في قول الشاعر:
2106 - ولست بالأكثر منهم حصى... وإنّما العزّة للكاثر 59
وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون من المعتاد وقوعها بعد العاري، والألف واللام زائدتان.
والثّاني: أن تكون متعلّقة بـ «أكثر» مقدرا، مدلولا عليه بالموجود المصاحب للألف واللام، كأنه قال: ولست بالأكثر، وأكثر منهم حصى 60، وهذا التقدير شبيه بما يقال في قوله تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ 61 أي: كانوا زاهدين فيه من الزاهدين.
والثالث: أن تكون «من» للتبيين، كأنّه قال: ولست بالأكثر من بينهم وإلى ما فيه من الأوجه أشرت بقولي: (ولا تصاحب «من» المذكورة غير العاري) 62 إلى آخر الكلام، والله تعالى أعلم.
هذا آخر كلام المصنف، ونتبعه الإشارة إلى أمور:
الأول: ذكر شواهد على بعض المسائل المذكورة، ذكرها غير المصنف:
منها: شاهد الفصل، بين «أفعل» وبين ما هو معمول لـ «أفعل»، قال الله تعالى: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ 63.
وقال الشاعر: -
الحديث: 2106 - الجزء: 6 - الصفحة: 2668
................................ 2107 - ألين مسّا في حوايا البطن... من يثربيات قذاذ خشن 64 وقال آخر: 2108 - وسبع الدّار أشجع حين يبلى... لدى الهيجاء من ليث بغاب 65 وليعلم أنّ الفصل قد حصل في الشواهد التي ذكرها المصنف، والتي ذكرها غيره بشيئين وبثلاثة أيضا، وكذا بأربعة أشياء في البيت الذي أنشده المصنّف وهو: 2109 - ما زلت أبسط في غضن الزّمان يدا... للنّاس بالخير من عمرو ومن هرم 66 ومنها: شاهد سبق «من» ومجرورها «أفعل» قال الشاعر: 2110 - إذا سايرت أسماء يوما ظعينة... فأسماء من تلك الظّعينة أملح 67 وقال آخر: 2111 - ولولا النّهى أنبأتك اليوم أنّني... من الطّابن الطبّ المجرّب أعلم 68 وقال آخر: -
الحديث: 2107 - الجزء: 6 - الصفحة: 2669
................................ 2112 - فقلت لها: لا تجزعي وتصبّري... فقالت بحقّ: إنّني منك أصبر فقلت لها: والله ما قلت باطلا... وإنّي بما قد قلت لي منك أبصر 69 إلّا أنّ قوله: 2113 - بل ما زوّدت منه أطيب ليس فيه دليل على التقديم صريحا، لاحتمال أن يعلق «منه» بـ «زودت». ومنها: شاهد حذف المفضول، إذا وقع خبرا، قال الشاعر: 2114 - فخرت بنو أسد بمقتل مالك... فخرت بنو أسد عتيبة أفضل 70 أي: من الجماعة [3/ 125] الذين قتلوا به، وقال آخر: 2115 - إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن... سراج لنا إلّا ووجهك أنور 71 وقال آخر: 2116 - وما مسّ كفّ من يد طاب ريحها... من النّاس إلّا ريح كفّك أطيب 72
الحديث: 2112 - الجزء: 6 - الصفحة: 2670
................................
الأمر الثّاني: ذكروا لوجوب الإفراد والتذكير في العاري عن اللام والإضافة عللا:
إحداها: أنّ الغرض من قولنا: زيد أكرم من عمرو، إنّما هو تفضيل كرم زيد على عمرو فهو في المعنى إخبار عن المصدر والمصدر لا يؤنث ولا يثنّى ولا يجمع 73.
ثانيها: أنّه يشبه «أفعل» المتعجّب به لفظا، ومعنى فلم يجز فيه ما لم يجز في ذلك.
ثالثها: أنّ «من» المذكورة بعد «أفعل» هي من تمامه، فهي كجزء منه، والاسم لا يثنّى جزء منه ولا يجمع، ولا يؤنث، وأقول: إنّني لم أتحقّق من هذه العلل الثلاث شيئا.
الأمر الثّالث: قد عرف أنّ تقديم «من» ومجرورها على «أفعل» واجب في نحو: ممّن أنت أفضل؟ وممّ قوامك أعدل؟
قال الشيخ 74: وينبغي أن ينبه على سبقه أيضا ما كان «أفعل» خبرا عنه، نحو ما مثل به، ونحو: ممن كان زيد أفضل؟ وممّن ظننت زيدا أفضل؟ لئلا يتوهم أنه يجوز توسيطهما بين المخبر عنه والخبر، وهو لا يجوز فلا يقال: زيد ممن أفضل؟
ولا: كان زيد ممّن أفضل؟ ولا: ظننت زيدا ممّن أفضل؟ وقد عرفت أنّ الفصل بـ «لو» وما اتّصل بها قد وقع بين أفعل و «من».
قال الشيخ 75: وقد جاء الفصل بالمنادى قال جرير:
2117 - لم نلق أخبث يا فرزدق منكم... ليلا وأخبث بالنّهار نهارا 76
الأمر الرابع: ناقش الشيخ المصنف في قوله: ولا يقال: الخبز أغذى من الماء، -
الحديث: 2117 - الجزء: 6 - الصفحة: 2671
................................
فقال: بل ذلك جائز، والماء في لغة العرب يغذو قال الشاعر:
2118 - كبكر مقاناة البياض بصفرة... غذاها نمير الماء غير المحلّل 77
وأقول: ما ذكره المصنف هو الحقّ، فإنهم نصّوا على أنّ الماء لبساطته لا يغذو، وأمّا قول الشّاعر: «غذاها نمير الماء» فمجاز، أطلق على الماء أنّه غاذ؛ للعلاقة التي بينه وبين الغاذي حقيقة، وهي التناول.
ثمّ قد علمت أنّ المصنف وجه ما أجازه بعض العلماء من أن يقال: العسل أحلى من الخلّ بالثّلاثة الأوجه التي تقدم ذكرها، فلقائل أن يقول: إذا كان الأمر كما ذكره - من أنّ الخل أريد به العنب، أو أنّ «أحلى» أوقع موقع «أطيب»؛ لأنّ الخلّ يتأدّم به فله من الطيب نصيب - لم يخالف أحد في جوازه، نعم، إن كان هذا المثال ورد عن العرب أفاد فيه هذا التخريج.
الأمر الخامس: قد عرف أنّ المصنف أشار بقوله: أو تقدير مشاركته إلى أنّ المشاركة تقدّر بوجه ما فيما لا مشاركة فيه، كقولهم في البغيضين: هذا أحبّ إليّ من هذا، إلى آخر ما ذكره.
وأقول: إننّي لم يظهر لي في الأمثلة التي ذكرها أنّها من هذا القبيل، أعني من قبيل ما تقدّر فيه المشاركة بوجه ما؛ لأنّ من مدلول الوصف المذكور منها منتف عن المفضّل والمفضّل عليه، فلو وجد في أحدهما دون الآخر اتّجه أن يقال: تقدر المشاركة بينهما في مدلول الوصف المذكور، والأمر ليس كذلك وإنّما ارتكب المجاز في الأمثلة المذكورة فوصف كلّا من المفضّل والمفضّل عليه بنقيض ما هو لهما، على -
الحديث: 2118 - الجزء: 6 - الصفحة: 2672
................................
سبيل المجاز، فصار الوصف ثابتا لهما مجازا، وإذا كان كذلك فليست المشاركة ثابتة بينهما تقديرا، والسّبب في العدول عن الحقيقة أنّ ارتكاب المجاز في هذه الأمثلة، فيه إشعار بميل المتكلم إلى أحد الأمرين، ولو أتى بحقيقة الكلام ما أشعر بذلك، بل ربّما يشعر بخلافه.
الأمر السادس: قد أشعر قول المصنّف: وإن كان أفعل خبرا حذف للعلم به المفضول غالبا أنّ المفضول قد لا يحذف مع كون «أفعل» واقعا خبرا، والمفضول معلوم، لكنّه لم يمثل لذلك ومثاله قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ 78.
وشمل قول المصنف: خبرا خبر المبتدأ وخبر «كان» وخبر «إنّ» وما في مفعولي «ظننت»، قال الشاعر:
2119 - سقيناهم كأسا شربنا بمثلها... ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا 79
أي: منا، وقال الله تعالى: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً 80.
قال الشيخ: فإن كان «أفعل» التفضيل في موضع الفاعل، أو في موضع اسم «إنّ» ففي ذلك خلاف؛ أجاز البصريون حذف المفضول للعلم، ومنعه الكوفيون، ومثال ذلك: جاءني أفضل، وإنّ أكبر الله 81.
قال: وزعم الرماني أنّه لا يجوز الحذف إلّا في الخبر، ولا يجوز في الصّفة، ولا شكّ أنّ السماع يردّ هذا القول.
وقد تقدّم ذكر الشواهد على ذلك 82. -
الحديث: 2119 - الجزء: 6 - الصفحة: 2673
................................
الأمر السابع: تقدّم ذكر الأوجه الثلاثة التي ذكرها المصنف في تخريج قول الشاعر:
2120 - ولست بالأكثر منهم حصى
وأنّ منها أن تكون «من» للتبيين.
قال الشيخ: فيكون ذلك نظير قول الشاعر:
2121 - أعكرم إن كانت بعينك كمنة... فعندي لعينيك الأمضّ من الكحل 83
قال الشيخ: وإذا كان «أفعل» التفضيل مصوغا ممّا يتعدى بـ «من» يعدّى بها، مجرّدا أو مضافا، ومع «أل» 84، قال الكميت:
2122 - فهم الأقربون من كلّ خير... وهم الأبعدون من كلّ ذام 85
وأقول: هذا واضح، لا يحتاج إلى التنبيه عليه.
ثمّ قال 86: ويجمع بينها وبين «من» الداخلة على المفضول، إذا جرّد تقول:
زيد أقرب من كلّ خير من عمرو، وإذا جمع بينهما فيجوز تقديم «من» الداخلة على المفضول، على «من» الذي يتعلق «أفعل» به، فتقول: زيد أقرب من عمرو - - دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا......... إلخ وكذلك الشواهد الشعرية الثلاثة التي ذكرها ناظر الجيش بعدها.
الحديث: 2120 - الجزء: 6 - الصفحة: 2674
[أفعل المقترن بـ «أل»، أو المضاف إلى معرفة، وما يتعلق بهما]
قال ابن مالك: (فصل: إن قرن «أفعل» التّفضيل بحرف التّعريف، أو أضيف إلى معرفة مطلقا له التّفضيل، أو مؤوّلا بما لا تفضيل فيه، طابق ما هو له في الإفراد والتّذكير وفروعهما، وإن قيّدت إضافته بتضمين معنى «من» جاز أن يطابق وأن يستعمل استعمال العاري، ولا يتعيّن الثّاني، خلافا لابن السّرّاج، ولا يكون حينئذ إلّا بعض ما أضيف إليه، وشذّ: أظلمي وأظلمه، واستعماله عاريا، دون «من» مجرّدا عن معنى التّفضيل مؤوّلا باسم فاعل أو صفة مشبّهة مطّرد عند أبي العبّاس، والأصحّ قصره على السّماع، ولزوم الإفراد والتّذكير فيما ورد كذلك أكثر من
المطابقة).
من كلّ خير؛ لأنّ كلّا من الجارّين متعلق بـ «أفعل» قال: وكذلك لو كان حرف الجرّ غير «من» نحو: زيد أبصر من عمرو بالنّحو [3/ 126] وبكر أضرب من عمرو لزيد، وبه جاء السماع، قال الله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ 87.
وأقول: إنّ ما ذكره الشيخ أمر جليّ واضح، تقتضيه القواعد، ومستغنى عن أن ينبّه عليه.
قال ناظر الجيش: قد تقدّم أنّ لـ «أفعل» التفضيل ثلاث استعمالات:
أحدها: بـ «من» ويلزم معها الإفراد والتذكير، كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك.
ثانيها: أن تقرن بـ «أل» وتلزم معها مطابقته لما هو له، في الإفراد، والتثنية والجمع، والتذكير، والتأنيث.
ثالثها: أن يكون مضافا، فإمّا إلى نكرة، وحكمه حكم المقرون بـ «من» وسيأتي الكلام عليه بعد، وإما إلى معرفة، وقد قسم ثلاثة أقسام:
الأول: أن يقصد به مطلق التفضيل، أي: اتصاف المفضل بالمفضل الزائد، دون نظر إلى مفضّل عليه، فلا ينوى بعده «من».
الثاني: أن يؤوّل بما لا تفضيل فيه البتّة، بل يكون معناه معنى اسم الفاعل، -
الجزء: 6 - الصفحة: 2675
................................
والصفة المشبّهة، وأن يكون التفضيل به مقصودا، فتكون إضافته على معنى «من»؛ (فهذان القسمان) 88 يلزم فيهما المطابقة، ولا يلزم أن يكونا بعض المعرفة المضاف إليها هي 89، كما قالوا في: زيد أفضل القوم: إنه على تقدير من القوم، وأنه لا يتعرّف.
وأما القسم الثالث، فيجوز فيه الوجهان، أعني المطابقة وعدمهما، وإذ قد أشير إلى المقصود إجمالا، فلنذكره تفصيلا.
قال المصنف 90: قد تقدّم التنبيه على أنّ «أفعل» التفضيل منع التأنيث، والتثنية، والجمع لشبهه بـ «أفعل» المتعجّب به، ولا يكمل شبهه به إلا بتنكيره؛ لأنه حينئذ يكون قد شابهه لفظا، ومعنى فإن قرن بالألف واللام نقص شبهه به نقصا بيّنا، فزال عنه ما كان له بمقتضى كمال الشبه من معنى التأنيث والتثنية والجمع، واستحقّ أن يطابق ما هو له، كغيره من الصفات المحضة فيقال: جاء الرجل الأكبر والمرأة الكبرى، وجاء الرجلان الأكبران والمرأتان
الكبريان، وجاء الرجل الأكبرون أو الأكابر والنسوة الكبريات، أو الكبر.
فإذا أضيف إلى معرفة، وأطلق له التفضيل، ولم ينو بعده معنى «من» أو أوّل بما لا تفضيل فيه، عومل من لزوم المطابقة بما عومل به المقرون بالألف واللّام؛ لشبهه به في إخلائه من لفظ «من» ومعناها، ولا يلزم حينئذ كونه بعض ما أضيف إليه.
وإن أضيف منويّا بعده معنى «من» كان له شبه بذي الألف واللّام في التعريف، وعدم لفظ «من» لزوما وشبه بالعاري الذي حذفت بعده «من» وأريد معناها، فجاز استعماله مطابقا، لما هو، بمقتضى شبهه بذي الألف واللّام، وجاز استعماله غير مطابق بمقتضى شبهه بالعاري، ولا يكون حينئذ إلا بعض ما يضاف له فيقال -
الجزء: 6 - الصفحة: 2676
................................
على الإخلاء من معنى «من» -: يوسف أحسن من إخوته، أي: حسنهم أو الأحسن من بينهم، ويقال - على إرادة معنى «من» يوسف أحسن أبناء يعقوب.
ويمتنع على هذا القصد أن يقال: يوسف أحسن من إخوته؛ والدليل على أنه مع قصد معنى «من» تجوز المطابقة وعدمها اجتماعهما في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أخبركم بأحبّكم إليّ، وأقربكم منّي مجالس يوم القيامة؛ أحاسنكم أخلاقا، الموطّئون أكنافا، الذين يألفون يؤلفون» 91.
فأفرد «أحبّ» و «أقرب» وجمع «أحسن» ومعنى «من» مراد في الثلاثة.
وزعم ابن السرّاج أنّ المضاف إذا أريد به معنى «من» عومل معاملة العاري، والحديث الذي ذكرته حجة عليه لتضمّنه الاستعمالين، مع أنّ المضاف الذي في إضافته معنى «من» أشبه بذي الألف واللّام منه واللّام منه بالعاري، فإجراؤه مجرى ذي الألف واللام أولى من إجرائه مجرى العاري، فإذا لم يعط الاختصاص بجريانه مجراه، فلا أقلّ من أن يشارك، وإلّا لزم ترجيح أضعف الشبهين، أو ترجيح أحد المتساويين دون مرجّح، وقد
يستعمل العاري الذي ليس معه «من» مجرّدا عن التفضيل، مؤوّلا باسم الفاعل كقوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ 92، أو مؤولا بصفة مشبهة كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ 93؛ فـ (أعلم) - هنا - بمعنى عالم؛ إذ لا مشارك لله تعالى، في علمه بذلك، و (أهون) بمعنى هيّن؛ إذ لا تفاوت في نسبة المقدورات إلى قدرته تبارك وتعالى 94. ومن ورود «أفعل» مؤولا بما لا تفضيل فيه قول الشاعر: -
الجزء: 6 - الصفحة: 2677
................................ 2123 - إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول 95 أي عزيزة، طويلة، ومنه قول الشنفرى: 2124 - وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل 96 أراد: لم أكن عجلا، ولم يرد: لم أكن أكثرهم عجلة؛ لأنّ قصده ذلك يستلزم عجلة غير فائقة، وليس غرضه إلا التمدح، ينفى العجلة قليلها، وكثيرها 97، واختار أبو العبّاس محمد بن يزيد المبرّد استعمال «أفعل» مؤولا بما لا تفضيل فيه، قياسا 98 والأولى أن يمنع فيه القياس، ويقتصر فيه على ما سمع، والذي سمع منه كالمشهور فيه التزام الإفراد، والتذكير، إذا كان ما هو له مجموعا، -
الحديث: 2123 - الجزء: 6 - الصفحة: 2678
................................ لفظا ومعنى، كقوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا 99، أو لفظا، لا معنى، كقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ 100 ونَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ 101 وقد يجمع، إذا كان ما هو له جمعا، كقول الشاعر [3/ 127]: 2125 - إذا غاب عنكم أسود العين كنتم... كراما، وأنتم - ما أقام - ألائم 102 أراد: وأنتم - ما أقام - لئام، فـ «ألائم» جمع «ألأم» بمعنى «لئيم» فكذلك جمعه، إلا أنّ ترك جمعه أجود؛ لأنّ اللفظ المستقرّ له حكم، إذا قصد به غير معناه على سبيل النيابة لا يغيّر حكمه، ولذا لم يغير حكم الاستفهام، في مثل: علمت أيّ القوم صديقك، ولا حكم النّفي في نحو: 2126 - ألا طعان ألا فرسان عادية 103......
الحديث: 2125 - الجزء: 6 - الصفحة: 2679
................................ وإذا صحّ جمع «أفعل» العاري لتجّرده من معنى التّفضيل، إذا جرى على جمع جاز أن يؤنّث إذا جرى على مؤنّث، ويجوز أن يكون من هذا قول حنيف الحناتم 104 في صفات الإبل: سرعى، ونهيا، وعزرى 105، وكان الأجود أن يقول: أسرع، وأنهى وأعزر، إلّا أنّه لم يقصد التفضيل، فجاء بـ «فعلى» في موضع «فعيلة» كما جاء قائل ذلك البيت بـ «ألائم» في موضع لئام، وعلى هذا يكون قول ابن هانئ: 2127 - كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها 106......
-
- اللغة: ألا طعان، ألا فرسان عادية: الهمزة في «ألا» للاستفهام، دخلت على «لا» النافية للجنس، والطعان: بمعنى المطاعنة، أو «طعان» اسم «لا» ولا خبر لها عند سيبويه والخليل، وقيل: خبرهما محذوف تقديره: موجود، وفرسان: جمع فارس وعادية: حال من الفرسان بمعنى العدو، التجشؤ: تنفس المعدة عند الامتلاء، والتنانير: جمع تنور: ما يوقد فيه النار لصنع الخبز.
والمعنى: هم أهل نهم وحرص على الطعام، لا أهل غارة وقتال.
والشاهد في البيت قوله: «ألا»؛ حيث عملت «لا» النافية للجنس، مع دخول همزة الاستفهام عليها؛ لأن معناها كمعناها؛ لأنّ الأصل فيه أنه حرف للتبرئة فلم يغير المعنى الطارئ على «لا» حكمها.
ينظر الشاهد في: ديوان حسان بن ثابت (ص 215)، والحلل (ص 328)، والأشموني (2/ 14)، والعيني (3/ 362).
- اللغة: ألا طعان، ألا فرسان عادية: الهمزة في «ألا» للاستفهام، دخلت على «لا» النافية للجنس، والطعان: بمعنى المطاعنة، أو «طعان» اسم «لا» ولا خبر لها عند سيبويه والخليل، وقيل: خبرهما محذوف تقديره: موجود، وفرسان: جمع فارس وعادية: حال من الفرسان بمعنى العدو، التجشؤ: تنفس المعدة عند الامتلاء، والتنانير: جمع تنور: ما يوقد فيه النار لصنع الخبز.
الحديث: 2127 - الجزء: 6 - الصفحة: 2680
................................
صحيحا لأنّه مؤنث «أصغر» و «أكبر» المقصود بهما التفضيل وإنّما أنّث «أصغر» بمعنى صغير، و «أكبر» بمعنى كبير 107 انتهى كلام المصنف - رحمه الله تعالى -.
ثم هنا أبحاث:
الأول:
أنّ الشيخ قال في القسمين اللّذين ذكرهما المصنّف - في المضاف إلى معرفة - وهما: أن يراد مطلق التفضيل، فلا
ينوى بعده «من» نحو: يوسف أحسن إخوته، وأن يؤول بما لا تفضيل فيه، نحو: زيد أعلم المدينة؛ أنّ فيهما خلافا.
قال: فأما الأول فمذهب البصريين، أنّ أفعل التفضيل متى أضيف إلى معرفة، فإنّه لا بدّ أن تكون ببعض ما أضيف إليه، ولا يجوز عندهم: يوسف أفضل إخوته، وأجاز ذلك الكوفيون؛ لأنه - عندهم - على معنى: من إخوته، كما قالوا في زيد أفضل القوم: إنّه على تقدير: من القوم، وإنه لا يتعرف 108 وقد جاء قول القائل:
2128 - يا خير إخوانه، وأعطفهم... عليهم راضيا وغضبانا 109
وقال جماعة منهم الزمخشريّ - هذا جائز، على أنّ أفعل - هنا - كقولك: - - ينظر الشاهد في: ديوان أبي نواس (ص 454) تحقيق أحمد الغزالي، مطبعة الكتاب العربي، ودرة الغواص (ص 59)، والتوطئة (ص 306)، والأشموني (3/ 48، 52).
الحديث: 2128 - الجزء: 6 - الصفحة: 2681
................................
فاعل، فيضاف لمجرّد التخصيص، كقولك: فاضل إخوته 110، قال: وقد أثبت «أفعل» صفة، لا للتفضيل، والاشتراك في الصّفة، أبو العبّاس 111، ومنه عنده:
الله أكبر إذ لا كبير معه، ومنه: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ 112 وقوله تعالى:
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا 113.
قال: وأما القسم الثّاني - وهو أن يؤوّل بما لا تفضيل فيه البتة ويصير كاسم الفاعل، والصفة المشبّهة، فهذا شيء
ذهب إليه المتأخرون، مستدلّين بقوله تعالى:
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ 114، وقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ انتهى 115.
وأقول: أما قوله: إنّ مذهب البصريين أنّ «أفعل» التفضيل متى أضيف إلى معرفة لا بد أن يكون بعض ما أضيف إليه فلا يجوز عندهم يوسف أحسن إخوته 116، وهذا ليس فيه نقض لكلام المصنّف؛ لأنّه يوافق البصريين في أنّ أفعل التفضيل لا بدّ أن يكون بعض ما أضيف إليه.
ويقول: إنّ قولنا: يوسف أحسن إخوته، ليس «أحسن» فيه للتفضيل، بل -
الجزء: 6 - الصفحة: 2682
................................ لإثبات الحسن الزائد، من غير نظر إلى مفضل عليه 117، وهذا واضح، وإنّما كان قصد الشيخ - في الردّ على المصنّف - أن يقول: مذهب البصريين أنه لا يجوز استعمال «أفعل» لإثبات الفضل الزائد، أما أن يقول: إنّهم لا يضيفون «أفعل» التفضيل إلّا إلى ما هو بعضه؛ فالمصنّف لا يخالف في ذلك وما أنشده الشيخ من قول الشاعر: 2129 - يا خير إخوانه......... فهو مثبت ما ادّعاه المصنّف من جواز: يوسف أحسن إخوته، بالمعنى الذي قرره 118. ثمّ، ليس مراد الزمخشري بقوله: إنّ «أفعل» هنا كقولك: فاعل؛ أنّه بمعنى فاعل؛ لأنّ «فاعلا» لا دلالة له على إثبات فضل زائد للموصوف، بل يراد بذلك أنّ إضافته تكون لمجرّد التخصيص كما أنّ «فاعلا» إذا أضيف كان لمجرد التخصيص، وأما قول الشيخ: إنّ تأويل «أفعل» بما لا تفضيل فيه البتة، وإنّه يصير كاسم الفاعل، والصفة المشبهة فشيء ذهب إليه المتأخرون 119، إلى آخر ما ذكره - فكلام عجيب؛ لأن المصنف كلامه الآن في «أفعل» المضاف إلى معرفة، لا في «أفعل» المجرّد، ثمّ لم ينتظم لي قوله هذا مع قوله قبل: وقد أثبت «أفعل» صفة، لا للتفضيل، والاشتراك في الصفة، أبو العبّاس - يعني المبرّد -، ولا شكّ أنّ المبرّد من كبار المتقدمين، فكيف ينسب هذا القول إليه ثم يقول: هذا شيء، ذهب إلى المتأخرون؟! وبعد فلم يتحقق لي في كلام الشيخ شيء في هذا الموضع، لما فيه من الاضطراب 120. البحث الثاني: قد علمت أنّ «أفعل» المضاف إلى معرفة إذا أريد به معنى «من» يجوز فيه المطابقة لما قبله، كذي الألف واللّام، وعدم المطابقة كالعاري، قال الله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها 121، وقال تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ -
الحديث: 2129 - الجزء: 6 - الصفحة: 2683
................................ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ 122. وقد ورد في الحديث الشريف الذي تقدّم الاستشهاد به الجمع بين الأمرين، وتقدّمت الإشارة إلى ما زعمه ابن السرّاج، ولا شك أنّ القرآن العزيز، والحديث الشريف حجّة عليه. والظاهر أنّ الأمرين جائزان، على السّواء، لكن ذكر الشيخ عن بعضهم أنّ الأفصح من الوجهين المطابقة حتّى ردّ القائل بهذا على ثعلب قوله: اخترنا أفصحهنّ، فقال: كان الأولى أن يقول: فصحاهنّ؛ لأنه الأفصح، كما شرط في كتابه. وقال ابن الأنباري: الإفراد، والتذكير أفصح؛ معللا لذلك بأنّ تثنيته ما أضيف إليه وجمعه وتأنيثه، أغنى عن تثنيته «أفعل» وجمعه وتأنيثه 123. وأقول: إذا اشتمل القرآن العزيز والحديث الشريف على الأمرين، فلا وجه لترجيح أحدهما على الآخر 124 [3/ 128]. البحث الثالث: فهم الشيخ من قول المصنف، وإن قيدت إضافته بتضمين معنى «من» أن تقدر بين «أفعل» وما أضيف إليه فقال: وكون إضافته بتضمين معنى «من» مبنيّ على أنّ إضافته غير محضة، وأنّها نوي بها الانفصال، قال: وإلى ذلك ذهب الكوفيون 125. انتهى. والذي يظهر أنّ المصنف لم يقصد ما أشار إليه الشيخ أصلا، وإنّما أراد بقوله: تضمين معنى «من»؛ أنّ «أفعل» - حينئذ - قصد به التفضيل، لا مطلقا بل بالنسبة إلى مفضل عليه؛ فالمراد بقولك: زيد أفضل القوم - على هذا الذي قال -: زيد أفضل من القوم، ويؤيد ذلك قوله في الألفية: وتلو أل طبق، وما لمعرفه... أضيف ذو وجهين عن ذي معرفه 126
الجزء: 6 - الصفحة: 2684
................................
هذا إذا نويت معنى «من» يعني إذا أردت بـ «أفعل» المضاف ما تريد بـ «أفعل به»، ويدلّ على ذلك أيضا أنّ إضافة «أفعل» التفضيل عند المصنف محضة، والشيخ جعل ذلك مبنيّا على أنّ إضافته غير محضة، ولا شكّ أنّ المصنف لا يرى ذلك.
البحث الرابع:
قد تقدّم ذكر الشّواهد، التي أوردها المصنف، مستدلّا بها على استعمال «أفعل» العاري من الألف واللّام، والإضافة دون «من»، مجرّدا عن معنى التفضيل، مؤولا باسم فاعل 127 أو صفة مشبهة 128، ومن الشواهد التي ذكرها غير دالة على ذلك قول الشاعر:
2130 - لئن كنت قد بلّغت عنّى وشاية... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب 129
أي: غاشّ كاذب، ولا يريد: أغشّ منّي، وقول حسّان رضي الله تعالى عنه:
2131 - أتهجوه ولست له بكفء... فشرّكما لخيركما الفداء 130
أي: خبيثكما لطيبكما، وقول الآخر: - - لزمه مطابقة ما هو له في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع وهو المراد بقوله: وتلو «ال» طبق... وإن أضيف إلى معرفة جاز أن يوافق المجرّد في لزوم الإفراد والتذكير... وجاز أن يوافق المعرف بالألف واللام في لزوم المطابقة لما هو له...) وشرح الألفية للشاطبي (4/ 79، 80)، وشرح الألفية للمرادي (3/ 125).
الحديث: 2130 - الجزء: 6 - الصفحة: 2685
[«أفعل» المضاف إلى نكرة وأحكامه]
قال ابن مالك: (ونحو: هو أفضل رجل، وهي أفضل امرأة، وهما أفضل رجلين أو امرأتين، وهم أفضل رجال، وهنّ أفضل نسوة، معناه ثبوت المزيّة للأوّل على المتفاضلين واحدا واحدا، أو اثنين اثنين، أو جماعة جماعة.
وإن كان المضاف إليه مشتقّا جاز إفراده مع كون الأول غير مفرد).
2132 - قسما إليك مع الصّدود لأميل 131
أي: مائل، وقال الله تعالى - حكاية -: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ 132
أي: طاهرات، وقال تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى 133 أي: الشقيّ، واعلم أنّ الشيخ - بعد إيراد هذه الشواهد - أعاد كلامه الأول، فقال: هو شيء ذهب إليه أبو عبيدة 134، قال: ولم يسلم النحاة له هذا الاختيار، وقالوا: لا يخلو أفعل من التفضيل، وتأولوا ما استدلّ به على ذلك 135. انتهى.
ولا أعرف كيف يذكر الشيخ هذا مع تقريره لقول المصنّف: إنّ هذا الاستعمال يطرد عند أبي العباس، فكيف يخصّ أبو عبيدة بالقول بهذه المسألة مع تقرير أنّ هذا الرجل الكبير الذي هو المبرّد، قائل بذلك، ثمّ إنّه ما كفاه القول به حتّى قال باطراده أيضا.
ومع هذا يقول الشيخ: وهو شيء ذهب إليه أبو عبيدة، ثم إنّ القول بمنع صيغة «أفعل» لغير التفضيل إنما كان يتجه لو كان بناء هذه الصيغة ممتنعا، لغير التفضيل، ولا شكّ أنّ الأمر ليس كذلك.
قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام على المقرون بـ «من» والمعرّف باللّام، -
الحديث: 2132 - الجزء: 6 - الصفحة: 2686
................................ والمضاف إلى معرفة شرع في ذكر ما بقي من الأقسام، وهو المضاف إلى نكرة، وشرح ذلك بأن قال 136: إذا قيل زيد أفضل رجل، والزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال. فمعناه: زيد أفضل من كل رجل، قيس فضله بفضله، والزيدان أفضل من كل رجلين، قيس فضلهما بفضلهما، والزيدون أفضل من كلّ رجال، وقيس فضلهم بفضلهم، فحذفت «من كلّ» وأضيف «أفعل» إلى ما كان «كلّ» مضافا إليه 137. والكلام في: أفضل امرأة، وأفضل امرأتين، وأفضل نسوة: كالكلام في: أفضل رجل، وأفضل رجلين، وأفضل رجال، ويلزم «أفعل» المستعمل هذا الاستعمال الإفراد، والتذكير، لشبهه بالعاري، في التنكير، وظهور «من» بعده، بأسهل تقدير ولا بدّ من كون المضاف إليه مطابقا لما قبل المضاف، ما لم يكن المضاف إليه مشتقّا فيجوز إفراده مع جمعيّة ما قبل المضاف، ومنه قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ 138. وقد يضمن الإفراد والمطابقة، ما أنشد الفرّاء 139 من قول الشاعر: 2133 - فإذا هم طعموا فألأم طاعم... فإذا هم جاعوا فشرّ جياع 140
الحديث: 2133 - الجزء: 6 - الصفحة: 2687
................................
وإنّما جاز الوجهان مع المشتقّ؛ لأنّه و «أفعل» مقدّران بـ «من» والفعل، و «من» بها جمع يجوز في ضميرها الإفراد، باعتبار اللفظ، والجمع باعتبار المعنى 141. انتهى.
ويتعلق بهذا الوضع التنبيه على أمرين:
أحدهما: أنّ الفراء نقل عنه أنه يجيز تأنيث «أفعل» المضاف إلى نكرة، وتثنيته، إذا كانت النكرة موصوفة بفعل، فيقول: هند فضلى امرأة تقصدنا، ودعد حورى إنسانة تلمّ بنا، والهندان فضليا امرأتين تزوراننا، وأجاز أيضا - مع تأنيث المضاف إلى نكرة - تثنية المضاف إليه مع كون «أفعل» خبرا عن مفرد، فتقول: هند فضلى امرأتين تزوراننا، ذكر الشيخ في شرحه ذلك 142، ثم ذكر عن ابن الأنباريّ كلاما طويلا، يتعلق بجرّ ما بعد «أفعل» ونصبه، إذا كان نكرة 143.
ثمّ قال: وهذا شيء لا نعرفه 144، ولا شكّ أنّ هذه الأمور التي هي مخالفة للقواعد، تشوش الأذهان، وتوقع الواقف عليها في خبط، ولا يصحّ منها شيء، فالإضراب عن ذلك أولى من الاشتغال به.
ثانيهما: أنّ المصنف قد ذكر وجوب مطابقة ما بعد «أفعل» المضاف إلى نكرة، لما قبله واستثنى من المضاف [3/ 129] إليه ما كان مشتقّا، فأجاز إفراده، مع كون ما قبل «أفعل» جمعا، وعلل إجازة ذلك، بما تقدم ذكره، وما ذكره حسن، غير أنّ الجماعة يلزمون المطابقة مطلقا، ويجيبون عن هذه الآية الشريفة بأنّ ثمّ موصوفا - - «طاعم» مع كون المضاف إليه «أفعل» مشتقّا، كما تضمن المطابقة في قوله: «جياع» مع كونه مشتقّا.
ينظر الشاهد في: معاني الفراء (1/ 33)، والتكميل (4/ 751)، وشرح الألفية للشاطبي (4/ 88).
الجزء: 6 - الصفحة: 2688
................................ محذوفا، هو جمع في المعنى، والمشتق الواقع بعد «أفعل» صفة له، والتقدير: ولا تكونوا أول فريق كافر به 145. وأما قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ 146 فقد أتى ما بعد (أفعل) فيه جمعا، مع أنّ ما قبله مفرد، والمسوغ لذلك كون المفرد المذكور لم يكن المراد به مفردا، وهو قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ 147، ويحقق ذلك استثناء الَّذِينَ آمَنُوا 148 منه، فقد روعي المعنى في الإنسان، دون اللفظ؛ فمن ثمّ جاء ما بعد «أفعل» التفضيل مجموعا لا مفردا، والمحسن لمراعاة المعنى كون المضاف إليه «أفعل» فاصلة، فناسب أَسْفَلَ سافِلِينَ ما قبله من الفواصل، وما بعده أيضا، ومنهم من قال: التقدير: أسفل قوم سافلين، ثم إنّهم قالوا في قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ 149: لما لم تكن فاصلة اختير فيه الإفراد؛ لأنّه أخفّ، ويغني عن الجمع 150. وأقول: إنّ هذا الذي ذكروه لا ينتظم لي، مع قولهم: إنّ التقدير في الآية الشريفة 151: ولا تكونوا أول فريق كافر به؛ لأنهم قدّروا مقدّرا يسوغ معه الإفراد، ولكنّ ما ذكروه يناسب أن يكون علة على التخريج الذي خرّجه المصنف، فإنه إنّما أحوجه إلى أن يستثني المشتقّ وروده في الآية الشريفة، فقال: إنّ المضاف إليه «أفعل» إذا كان مشتقّا جاز الأمران، فيقال له: لم اختير الإفراد على الجمع؟ فيكون الجواب ما تقدم، وهو أن المفرد أخفّ من الجمع، مع أنّه ليس فيه مخالفة بين الفواصل.
الجزء: 6 - الصفحة: 2689
[حكم كلمة «أول» صفة لأفعل التفضيل أو مجردة عن الوصفية]
قال ابن مالك: (وألحق بأسبق مطلقا «أوّل» صفة، وإن نويت إضافته بني على الضّمّ وربّما أعطي مع نيّتها ما له مع وجودها، وإن جرّد عن الوصفيّة جرى مجرى «أفكل» وألحق «آخر» بـ «أوّل» غير المجرّد فيما له مع الإفراد والتّذكير وفروعهما من الأوزان، إلّا 152 أنّ «آخر» يطابق في التّنكير والتّعريف ما هو له، ولا تليه «من» وتاليها، ولا يضاف بخلاف «أوّل»، وقد تنكّر «الدنيا» و «الجلّى» لشبههما بالجوامد، وأمّا «حسنى» و «سوءى» فمصدران). قال ناظر الجيش: قال المصنف 153: استعمل «أوّل» صفة جارية مجرى «أفعل» التفضيل في اللّفظ مطلقا، فألزمت في التنكير، والإفراد والتذكير، وأوليت «من» ومجرورا بها على حدّ ما وليا أسبق، وأضيف إلى نكرة، كقوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ 154. وإلى معرفة، كقوله تعالى: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ 155، وجعل له فروع مخصوصة بحال التعريف، كما فعل بـ «أفعل» التفضيل فقيل: الأولان، والأولون، والأوائل، والأولى، والأوليان، والأوليات، والأول. وحكى الفارسيّ: «أبدأ بهذا من أول» بالفتح على أنّه مجرور، وممنوع من الصرف، للوصفية والوزن، «ومن أول» بالضمّ؛ لنية الإضافة، وقطعه عنها، و «من أول» بالخفض، على تقدير الإضافة إلى مقدّر الثبوت، كما قال الراجز: 2134 - خالط من سلمى خياشيم وفا 156
الحديث: 2134 - الجزء: 6 - الصفحة: 2690
................................ أراد وفاها، فحذف المضاف إليه، وقدّر ثبوته، فأعطى المضاف ما يكون له مع عدم الحذف واستعمل «أول» مجردا عن الوصفية، فجرى «أفعل» في الصّرف، نحو: ما له أول، ولا آخر، فلو جعل علما منع الصّرف، كقول الشاعر: 2135 - أؤمّل أن أعيش وإنّ يومي... بأوّل أو بأهون أو جبار 157 فـ «أول» - هنا - علم ليوم الأحد ممنوع الصّرف، فلو جعل الكلّ - وهو - علما، لمنع الصّرف، كما منع «أول» 158 وأجرى العرب «آخر» مجرى «أفعل» التفضيل في الوصفية والتأنيث، والتصحيح والتكسير، فقالوا: الآخر والأخرى، والآخرون، والأواخر والأخريات، والأخر 159، كما قالوا: الأكبر والكبرى، والأكبرون، والكبريات، والكبر، إلا أنّه لا دلالة فيه على تفضيل بنفسه، ولا بتأويل؛ إذ لا يصلح في موضعه ما يدلّ على تفضيل، كصلاحية «أسبق» في موضع «أول» وكصلاحية «أمرّ» في موضع «أمقر»، وكصلاحية «أسرق» في موضع «ألصّ» فلذلك لم يله مجرور بـ «من» على حدّ ما يلي «أفعل» التفضيل، ولا بإضافة لكن مقتضى جعله من باب «أفعل» التفضيل أن يلازمه في التنكير لفظ الإفراد والتذكير، وألّا يؤنث، ولا يثنى، ولا يجمع، إلّا معرّفا فمنع هذا المقتضي، وكان بذلك معدولا عمّا هو به أولى، فلذلك منع «آخر» من الصّرف، وأجري مجرى «ثلاث» وإخوته، ويأتي تتميم الكلام على ذلك في باب موانع الصّرف، -
الحديث: 2135 - الجزء: 6 - الصفحة: 2691
................................
إن شاء الله تعالى.
و «الدنيا»، و «الجلّى» مؤنثا «الأدنى، الأجلّ» فكان حقهما أن لا ينكّرا إلا إذا ذكرا لكنّهما كثرا أن يستعملا استعمال الأسماء المختصّة فلذلك جاز تنكيرهما، كقوله:
2136 - في سعي دنيا طالما قد مدّت 160
وكقول الآخر:
2137 - وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة... يوما سراة كرام النّاس فادعينا 161
وقراءة بعض الشّواذّ: (وقولوا للنّاس حسنى) 162 وهو مصدر على فعلى، كالرّجعى فالحسن والحسنى، والعذر والعذرى، والسّوء والسّوءى من المصادر التي جاءت على «فعل» و «فعلى» بمعنى واحد.
الحديث: 2136 - الجزء: 6 - الصفحة: 2692
[متى يرفع «أفعل» التفضيل الظاهر، وعلة ذلك، وأحكامه؟]
قال ابن مالك: (لا يرفع أفعل التفضيل في الأعرف ظاهرا إلّا قبل مفضول هو مذكور أو مقدّر، وبعد ضمير مذكور أو مقدّر مفسّر بعد نفي أو شبهه يصاحب «أفعل» ولا ينصب مفعولا به، وقد يدلّ على ناصبه، وإن أوّل بما لا تفضيل فيه جاز على رأي أن ينصبه، وتتعلّق به حروف الجرّ على نحو تعلّقها بـ «أفعل» المتعجّب به). قال ناظر الجيش: قال المصنف: لأفعل التّفضيل شبه بـ «أفعل» المتعجّب به أوجبت له القصور عن الصّفة المشبّهة في اللفظ، وفي العمل، أما في اللفظ فللزومه [3/ 130] في حال التنكير لفظا واحدا، وأما في العمل فلكونه لا يرفع فاعلا ظاهرا، إلّا على لغة ضعيفة، حكاها سيبويه 163 فيقال على تلك اللغة: مررت برجل أكرم منه أبوه؛ لأنه بمعنى: مررت برجل، فاقه في الكرم أبوه. ومن هذه اللغة احترزت بقولي: (لا يرفع «أفعل» التفضيل في الأعرف ظاهرا). ثم أشرت إلى قرائن تهيؤه لرفع الظاهر عند جميع العرب، وذلك أن يكون الظاهر مفضلا على ما هو هو في المعنى من مذكور بعده، أو مقدرا، وأن يكون الظاهر أيضا بعد ضمير، مذكور أو مقدر، وذلك الضمير مفسر بعد نفي، أو شبهه بـ «ما أفعل» صفة له أو خبرا 164 وذلك كقول الشاعر: 2138 - ما علمت امرأ أحبّ إليه ال... بذل منه إليك يا ابن سنان 165
الحديث: 2138 - الجزء: 6 - الصفحة: 2693
................................
ومثله:
2139 - لا قول أبعد عنه نفع منه عن... نهي الخلىّ عن الغرام متيّما 166
والمثال في ذلك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد.
وقد تختصّ فيقال: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من عين زيد، و «من زيد» على تقدير: من كحل عين زيد، فمن قال: من عين زيد، حذف مضافا واحدا، ومن قال: من زيد؛ حذف مضافين، كما حذفا في قولهم: (لا فعل ذلك هبيرة بن سعد) 167.
ومن كلامهم المأثور: «ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد، من كذبة أمير على منبر»؛ فهذا فيه حذف مضاف واحد، والتقدير: ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد، من شهود كذبة أمير على منبر 168.
وقد يستغنى عن المفضول، للعلم به، ولا يقام مقامه شيء كقولك: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرّ، والأصل: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرّ منه إليه؛ فحذف «منه» و «إليه» للعلم بهما 169، وأنشد سيبويه في مثل هذا:
2140 - مررت على وادي السّباع ولا أرى... كوادي السّباع حين يظلم واديا
أقلّ به ركب أتوه تئية... وأخوف إلّا ما وقى الله ساريا 170
-
- والشاهد في البيت قوله: «أحب، البذل»؛ استشهد به على رفع «أفعل» التفضيل الاسم الظاهر واسم التفضيل صفة لاسم الجنس «امرأ» وسبق بنفي والفاعل الظاهر مفضل على نفسه باعتبارين، باعتبار كونه محبوبا لابن سنان أفضل منه باعتبار كونه محبوبا لغيره، وهذا الذي يعبر عنه العلماء بمسألة الكحل.
ينظر الشاهد في: التذييل والتكميل (4/ 759).
- والشاهد في البيت قوله: «أحب، البذل»؛ استشهد به على رفع «أفعل» التفضيل الاسم الظاهر واسم التفضيل صفة لاسم الجنس «امرأ» وسبق بنفي والفاعل الظاهر مفضل على نفسه باعتبارين، باعتبار كونه محبوبا لابن سنان أفضل منه باعتبار كونه محبوبا لغيره، وهذا الذي يعبر عنه العلماء بمسألة الكحل.
الحديث: 2139 - الجزء: 6 - الصفحة: 2694
................................
فـ «ركب» مرفوع بـ «أقل» كارتفاع «الشرّ» بـ «أبغض».
الأصل: ولا أرى واديا أقل به ركب منه بوادي السّباع؛ فحذف المفضول للعلم به ولم يقم مقامه شيئا، ومثله قول الآخر:
2141 - ما إن رأيت كعبد الله من أحد... أولى به الحمد في وجد وإعدام 171
وقد يستغنى عن تقدير مضاف، في نحو: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد؛ فأدخلوا «من» على زيد، مع ارتفاع الكحل، على حدّ إدخالها عليه، مع جرّه؛ لأن المعنى واحد، وهذا وجه حسن، لا تكلف فيه، وله نظائر يلحظ فيها المعنى ويترتب الحكم عليه، مع تناسي اللفظ، ومن نظائره قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ 172؛ فدخلت الياء على خبر (أن) لتقدم (أولم) وجعلها الكلام بمعنى: أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر.
ومن قدّر: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد بـ: ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، يقدر: ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد من كذبة أمير على منبر، ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهدا من كذبة أمير على منبر، وكذا يفعل بكلّ ما أشبه ذلك، حيثما ورد، وكلّ واحد من الأمثلة التي ذكرتها آنفا متضمنة لضمير مذكور بين «أفعل» والظاهر المرفوع، عائد على موصوف بـ «أفعل» مسبوق بنفي، وقد يحذف الضمير إذا كان معلوما، ومن المسموع في ذلك قول بعضهم: ما رأيت قوما أشبه بعض ببعض من قومك، كأنه قال: ما رأيت أبين فيهم شبه بعض ببعض، - - البيتان من الطويل وركب: اسم جنس، بمعنى الركبان، وقيل: جمع راكب، وتئية: متكئا.
والمعنى: إنّ ثبوت الركب في وادي السباع أقل من ثبوته في غيره من الأدوية.
والشاهد في قوله: «أقلّ به ركب» على أنّ «أفعل» التفضيل رفع الظاهر كما في مسألة الكحل، وهذا كثير.
ينظر: الكتاب (2/ 33)، والعيني (4/ 48).
الحديث: 2141 - الجزء: 6 - الصفحة: 2695
................................
ومن شبه بعض قومك ببعض قومك فجعل «أشبه» موضع «أبين»، واستغنى به عن ذكر الشبه المضاف إلى بعض، ثم كمل الاختصار؛ لوضوح المعنى.
ومن قدّر: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد، بـ: ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، يقدّر هذا بـ: ما رأيت قوما أشدّ تشابها من قومك، والسبب في رفع «أفعل» التفضيل الظاهر في هذه الأمثلة ونحوها؛ تهيؤه بالقرائن
التي قارنته لمعاقبة الفعل إياه، على وجه لا يكون بدونها، ألا ترى أنّ قولك:
ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، لو قلت بدله: ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، لكان المعنى واحدا 173 بخلاف قولك - في الإثبات -: رأيت رجلا الكحل في عينه أحسن منه في عين زيد، فإنّ إيقاع الفعل فيه موقع «أفعل» يغير المعنى، فكان رفع «أفعل» للظاهر؛ لوقوعه موقعا صالحا للفعل على وجه لا يغير المعنى - بمنزلة إعمال اسم الفاعل الماضي معنى، إذا وصل بالألف واللّام، فإنّه كان ممنوع العمل لعدم شبهه بالفعل، الذي في معناه، فلمّا وقع صلة قدّر بفعل وفاعل، ليكون جملة، فإنّ المفرد لا يوصل به موصول، فانجبر بوقوعه موقع الفعل ما كان فائتا من الشبه، فأعطي العمل بعد أن منعه، فكذلك «أفعل» الواقع في الموقع المشار إليه، حدث له بالقرائن التي قارنته في معاقبة الفعل، على وجه لم يكن بدونها، فرفع الفاعل الظاهر بعد أن كان لا يرفعه وأيضا، فإنّه حدث له في الموقع المشار إليه معنى زائد عن التفضيل، وذلك أنك إذا قلت: ما الكحل في عين زيد أحسن منه في عين عمرو؛ لم يكن فيه تعرض لنفي المساواة.
وإنّما تعرض نفيه لنفي المزية، بخلاف قولك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه -
الجزء: 6 - الصفحة: 2696
................................
الكحل منه في عين زيد، فإنّ المقصود به نفي المساواة ونفي المزية ولهذا قدّره سيبويه رحمه الله تعالى بـ: ما رأيت أحدا يعمل في عينه الكحل كعمله في عين زيد 174.
فكان لأفعل في هذا الموضع ما للصفة المشبّهة من تناول المساواة والمزية، فاستحقّ بذلك التفضيل على «أفعل» المقصود على المزية، ففضل برفعه الظاهر 175. وأيضا فإنّ قاصد المعنى المفهوم من: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ إمّا أن يجعل «أفعل» صفة [3/ 131] لما قبلها، رافعة لما بعدها.
وإمّا أن يجعله خبرا للكحل، فهذا الوجه ممتنع بإجماع العرب لاستلزامه الفصل بالمبتدأ بين «أفعل» و «من» مع كونهما بمنزلة المضاف والمضاف إليه، والوجه الآخر لم يجمع العرب على منعه، بل هو جائز عند بعضهم، فلما ألجأت الحاجة إليه اتفق
عليه اهـ.
فإن قيل: لا نسلم الالتجاء إليه؛ لإمكان أن يقال: ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينيه منه في عين زيد.
فالجواب: أنّ إمكان هذا اللفظ مسلّم، ولكن ليس بمسلم إفادته ما يفيده اللفظ الآخر من اقتضاء المزية، والمساواة معا، وإنّما مقتضى: ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد، نفي رؤية الزائد حسنه، لا نفي رؤية المساوي، وإذا لم يتوصل إلى ذلك المعنى إلّا بالترتيب المنصوص عليه صحّ القول بالالتجاء إليه، ولم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بـ «أفعل» التفضيل إلّا بعد نفي، ولا بأس باستعماله بعد نهي، أو استفهام فيه معنى النفي، كقولك: لا يكن عبدك أحبّ إليه الخير منه إليك، وهل في الناس رجل أحقّ به الحمد منه بمحسن لا يمنّ، ولا ينصب «أفعل» التفضيل مفعولا به 176، بل يعدّى إليه باللام، إن كان من متعدّ إلى واحد كقولك: زيد أوعى للعلم، وأبذل للمعروف، وإن كان من متعدّ إلى -
الجزء: 6 - الصفحة: 2697
................................ اثنين عدّي إلى أحدهما باللّام، وأضمر ناصب الثاني، كقولك: هو أكسى للفقراء الثياب، أي: يكسوهم الثياب 177، وإن ورد ما يوهم نصب مفعول به بـ «أفعل» نسب العمل لفعل محذوف وجعل «أفعل» دليلا عليه، فمن ذلك قول الشاعر: 2142 - فلم أر مثل الحيّ حيّا مصبّحا... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا أكرّ وأحمى للحقيقة منهم... وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا 178 ومثله قول الآخر: 2143 - فما ظفرت نفس امرئ يبغي المنى... بأبذل من يحيى جزيل المواهب 179 ومنه قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ 180 فـ (حيث) هنا ليس بظرف وإنما هو مفعول به، وناصبه فعل مدلول عليه بـ «أعلم»، والتقدير: الله أعلم مجردا عن التفضيل 181، ويكون هو العامل، وتتعلق حروف الجرّ بـ «أفعل» التفضيل، على نحو ما يتعلق بـ «أفعل» المتعجّب به، فيقال: زيد أرغب في الخير من عمرو، وعمرو أجمع للمال من زيد، ومحمد أرأف بنا من غيره، وكذلك ما أشبهه، والله -
الحديث: 2142 - الجزء: 6 - الصفحة: 2698
................................
تعالى أعلم 182. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.
ولكن تتعين الإشارة إلى أمور:
منها: أنّ الشروط التي ذكرها المصنف لرفع «أفعل» التفضيل الظاهر أربعة:
- أن يكون ثمّ مفضول، بعد الظاهر المرفوع، وذلك المفضول هو نفس الظّاهر.
- أن يكون قبل الظاهر ضمير.
- أن يكون ذلك الضمير مفسّرا بما جرى عليه «أفعل».
- أن يكون هذا كلّه بعد نفي، أو شبهه.
والمثال المنطبق على هذه قولهم: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فالضمير المجرور بـ «من» هو المفضول، وهو بعد الظاهر المرفوع بـ «أفعل» وهو - أي: المفضول - هو الظاهر، فضّل على نفسه باعتبار المحل، والضمير الذي قبل الظاهر هو الذي في قولنا: «عينه» وهو المفسر لصاحب «أفعل» وهو «رجلا» أنّ الضمير عائد عليه، وقد حصل هذا كلّه بعد النّفي وهو قولنا: «ما رأيت».
ثمّ إنّ المفضول قد لا يذكر، بل يكون مقدرا، وذلك إذا دلّ عليه دليل، وكذا الضمير الذي قبل الظاهر، قد يعرض له ذلك إذا دلّ عليه أيضا، أما إذا لم يذكر المفضول؛ فإمّا أن يقام شيء مقامه، وإمّا أن لا يقام هذا مع كونه معلوما.
مثال الأوّل 183 قولهم: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل من عين زيد، أو: من زيد، والأصل: منه في عين زيد؛ فحذف المفضول الذي هو مجرور «من»، وحرف الجر الذي هو «في» وأدخلت «من» على ما دخلت عليه «في»، ولكنك أقمت المضاف إليه مقام المضاف بعد حذفه 184، في قولك: من زيد، وإلى هذا أشار المصنف في الشرح بقوله: وقد يختصر بعد «من» مثل: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد.
ومثال الثاني: وهو أن لا يقام شيء مقام المحذوف، يعني أن لا يذكر بعد المرفوع الذي هو الظاهر شيء، بل يدل على المحذوف بشيء متقدّم قولهم: ما رأيت رجلا -
الجزء: 6 - الصفحة: 2699
................................ كزيد أبغض إليه الشرّ. الأصل: ما رأيت رجلا أبغض إليه الشرّ منه إلى زيد، ثمّ: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرّ، وإلى هذا أشار المصنف في الشرح أيضا بقوله: «وقد يستغنى عن المفضول للعلم به، ونظير قولهم: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرّ؛ قول الشاعر: 2144 - [مررت على وادي السباع] ولا أرى... كوادي السّباع حين يظلم واديا أقلّ به ركب......... 185 فيكون الأصل: ولا أرى واديا أقلّ به ركب منه بوادي السباع، ثمّ صار: ولا أرى كوادي السباع واديا أقلّ ركب منه به، ثمّ صار: ولا أرى كوادي السّباع واديا أقلّ به ركب وقد جعل المصنّف - كما ترى - قول الشاعر: ... ولا أرى... كوادي السّباع... من صور ما لا يقام مقام المحذوف فيه شيء. ولمّا لم يتعرض ابن الحاجب إلى ذكر هذا القسم - يعني ما لا يقام مقام المحذوف فيه شيء - جعل قول الشاعر: ... ولا أرى... كوادي السّباع... وقولهم: أبغض إليه الشّرّ، من صور ما أقيم فيه شيء مقام المحذوف، وهو قولهم: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد، فإنّه لمّا ذكر المسألة من أصلها مثّل لها بقولهم: ما رأيت رجلا أبغض إليه الشرّ منه كزيد 186، ثمّ قال: ولك أن تختصر فتقول: أبغض إليه الشرّ من زيد 187، ثمّ قال [3/ 132]: ولك أن تقول: ما رأيت كزيد أبغض إليه الشرّ، ويفيد ذلك المعنى 188، وأنشد: مررت على وادي السّباع......... البيتين
الحديث: 2144 - الجزء: 6 - الصفحة: 2700
................................
ثمّ قال: وإذا عبّرت بالعبارة الأولى قلت: ولا أرى واديا أقل به ركب منه بوادي السّباع، وعلى العبارة الثانية تقول: ولا أرى واديا أقلّ به ركب من وادي السباع، والثالثة هي عين ما ذكره في البيت 189. انتهى.
وهذا التقدير أسهل [من] تقدير المصنف وأقرب إلى الخاطر، وتجري به صور هذه المسألة على سنن واحد، والذي ذكره المصنف أكثر عملا، وأعلى نظرا ولكن قد يقال: إنّ قولنا: ما رأيت كزيد أبغض إليه الشرّ، وإن لم يذكر بعد المرفوع الظاهر فيه شيء لفظا، فهو مقدّر فيه، ولا شك أنّ المقدر في حكم الملفوظ، وحينئذ يستوي القسمان، أعني ما لم يقم فيه شيء مقام المحذوف، وما أقيم؛ فيكون القسمان واحدا إلا أن يمنع المصنف التقدير، فيقول: لا أقدّر شيئا لعدم الحاجة إليه، فيتمّ إذ ذاك بقسميه، ويرجح تقديره على تقدير غيره.
وأما عدم ذكر الضمير الذي قبل الظاهر لفظا استغناء بتقديره، فمثال قولهم:
ما رأيت قوما أشبه بعض ببعض من قومك؛ قدّره المصنف كما عرفت بـ: ما رأيت قوما أبين فيهم شبه بعض ببعض من شبه بعض قومك ببعض قومك، قال: فجعل «أشبه» موضع «أبين» واستغنى به عن ذكر الشبه المضاف إلى «بعض» ثم أكمل الاختصار بوضوح المعنى 190.
قلت: وينبغي أن يكون التقدير في المثال المذكور: ما رأيت قوما أبين فيهم شبه بعض ببعض منه في قومك، ثم حذف الضمير المجرور بـ «من» العائد على الشبه وأدخلت «من» على «شبه»، فصار الكلام: من شبه بعض قومك ببعض، ثم حذف «شبه» و «بعض» وحذف متعلّق «شبه» أيضا وهو «ببعض» لحذف ما تعلق به، فباشرت «من» -
الجزء: 6 - الصفحة: 2701
................................
«قومك» وحاصل الأمر: أن يقدر حذف اسمين بعد حذف الضّمير المجرور بـ «من».
ومنها: أنّا نستفيد من قول المصنف لمّا ذكر الحذف للاختصار في: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من عين زيد: ومن زيد أيضا، وأنّ التقدير فيه: من كحل عين زيد، أنه لما حذف المفضول وهو الضمير المجرور بـ «من» العائد على الظاهر المرفوع بـ «أفعل» أقيم الظاهر مقامه، ثم أضيف ذلك القائم مقام الضّمير إلى ما بعده، وبعد حذف حرف الجرّ الذي هو «من»، فالأصل: من كحل عين زيد، ثم: من عين زيد، ثمّ: من زيد، ومن ثمّ حكم بحذف مضافين في قولنا: من زيد.
والحاصل: أنّ «من» - بعد حذف الضمير المجرور بها - إمّا أن تباشر الظاهر الذي الضمير له وهو «الكحل»، وإمّا أن تباشر المحلّى الذي يحلّ فيه ذلك الظاهر، وهو العين، وإمّا أن تباشر صاحب ذلك المحلّ وهو زيد.
لكنّ المصنف - مع تقديره أنّ الأصل: من كحل عين زيد - لم يصرح بالظاهر لفظا، فقد يقال: إنّ التصريح به غير جائز والذي يظهر أنّ التصريح به غير ممتنع، وإنما قدّره المصنف ولم يصرح به؛ لأنه ذكر أنّ هذا المثال الذي هو: ما رأيت أحدا أحسن فيه الكحل منه في عين زيد، قد يختصر فيقال فيه: من عين زيد، ومن زيد، ومع التصريح بالظاهر لا يكون اختصار؛ لأنّ التصريح به كذكر الضمير، فينتفي الاختصار حينئذ كذكر الضمير ثمّ قد عرفت أنّ من كلامهم: ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد من كذبة أمير على منبر وأنّ التقدير فيه: من شهود كذبة أمير؛ ففيه حذف مضاف واحد، كما أنّ قولنا: في عينه الكحل من عين زيد؛ فيه حذف مضاف واحد، على الوجه الذي ذكره المصنف، ومما حذف فيه مضاف واحد المثال الذي ذكره المصنف في الألفية وهو:
فلن ترى في النّاس من رفيق... أولى به الفضل من الصديق 191
الأصل فيه: أولى به الفضل منه بالصديق، ثمّ حذف الضمير وأقيم الظاهر مقامه، فصار: من الفضل بالصّديق، ثمّ أضيف «الفضل» إلى «الصديق» ثم -
الجزء: 6 - الصفحة: 2702
................................
حذف الباء، بملابسته إياه، فصار: من فضل الصديق، ثم حذف المضاف، فصار: من الصديق، وكذا يقال: ما أحد أحسن به الجميل من زيد، الأصل: منه بزيد، ثم: من الجميل بزيد، ثمّ: من جميل زيد، ثمّ: من زيد، واعلم أنّ بعض الفضلاء ممّن تكلم على الألفية جعل التقدير الأصليّ، في هذين المثالين قبل الحذف، من ولاية الفضل بالصديق
ومن حسن الجميل بزيد.
ولم يظهر لي ذلك، فإنّ «من» إنما تدخل على ضمير ذلك الاسم الظاهر الذي هو المرفوع، أو على ظاهر يقوم مقامه، والذي قدّر ذلك رجل معتبر، لكنني لم يتجه لي كلامه فليتأمل.
ومنها: أنّ المصنف قال - كما عرفت -: وقد يستغني عن تقدير مضاف، في نحو: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد؛ بأن يقال: إن تقديره:
ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، أدخلوا «من» على «زيد»، مع ارتفاع «الكحل» على حدّ إدخالها عليه مع جرّه لأنّ المعنى واحد، وهذا وجه حسن، لا تكلف فيه، وله نظائر يلحظ فيها المعنى ويترتب الحكم عليه مع تناسي اللفظ إلى آخر ما ذكره 192.
فقال الشيخ ما معناه: إن المعنى المستفاد من قولنا: ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، غير المعنى المستفاد من قولنا: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد؛ لأن المحكوم له بالأحسنية في المثال الأول المكتحل، وفي المثال الثاني الكحل 193، وما قاله [3/ 133] حق، وقد كان ظهر لي ذلك، قبل الوقوف على كلامه ولكن لما ذكره تعينت نسبته إليه.
ومنها: أن المصنف تضمن كلامه - في شرح الكافية - شرطا خامسا لهذه المسألة - أعني ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل - وهو: كون الظاهر المرفوع فاعلا بـ «أفعل» سببا لموصوف «أفعل» قال: كالصوم بالنسبة للأيام 194 في قول -
الجزء: 6 - الصفحة: 2703
................................
النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من أيام أحبّ إلى الله فيها الصوم من أيام العشر» 195.
قال: «وإنّما اشترطوا كون الظاهر سببيّا؛ لأنّ ذلك يجعله صالحا للقيام مقام الضمير؛ فإن الاستغناء بالظاهر السببيّ عن الضمير كثير، ولأنّ كونه سببيّا على الوجه المستعمل يجعل أفعل واقعا موقع الفعل 196، هذا كلامه في شرح الكافية، وكأنّه يعني بالضمير الذي صلح الظاهر لقيامه مقام الضمير الذي يرفعه «أفعل» بالغا عليه وكلام
الإمام بدر الدّين في شرح الألفية، يخالف ظاهرا كلام والده، فإنه قال: لم يرفع «أفعل» التفضيل الظاهر عند أكثر العرب، إلا إذا ولي نفيا [أو استفهاما]، وكان مرفوعه أجنبيّا، مفضلا على نفسه باعتبارين، نحو قولهم:
ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد 197.
وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من أيام أحب إلى الله فيها الصّوم منه في عشر ذي الحجة» انتهى.
وما قاله المصنف هو الظاهر؛ لأنّ «الصّوم» إنما وقع في الأيام التي هي موصوف «أفعل»، فكأنه قيل: فصومها، وكذا «الكحل»، وإنما هو حاصل في عين الموصوف بـ «أفعل» فكأنه قيل: كحل عينه فإن قيل: فإذا كان كذلك فلم لم يتعرض إلى ذكر السببية وجعلها شرطا في التسهيل، فالجواب أنه لا يحتاج إلى ذكره؛ لأن الشروط التي ذكرها - متى وجدت - لا يكون الظّاهر المرفوع بـ «أفعل» إلا كذلك، فكان في الاقتصار عليها غنية، ثم لا يعتذر عن بدر الدين بأن يقال: لا شكّ أنّ نحو: ما رأيت رجلا أحسن منه أبوه، غير جائز؛ لأننا نقول: إنّ امتناع هذا التركيب ليس من جهة أنّ المرفوع سببي بل من جهة أنّه لا يصحّ أن يقع موقع «أفعل» فعل يفيد معنى التفضيل كما سيأتي ذكر ذلك.
واعلم أن ابن الحاجب لما تعرض إلى المسألة قال: ولا يعمل - يعني «أفعل» -
الجزء: 6 - الصفحة: 2704
................................
التفضيل - في مظهر إلا إذا كان صفة لشيء وهو في المعنى لمسبّب مفضّل باعتبار الأول على نفسه باعتبار غيره 198.
وقال - في شرح المفصل -: «أفعل» التفضيل يعمل عمل الفعل في بعض المواضع وهو كل موضع كان فيه لمسبّب مفضل باعتبار من هو له على نفسه، باعتبار غيره، فعند ذلك يعمل عمل فعله في ذلك المسبّب، مثاله: قولهم: ما رأيت رجلا أبغض إليه الشرّ منه إلى زيد، وما أشبه ذلك فـ «أبغض» ههنا في المعنى لمسبب - لرجل - وهو «الشرّ» مفضل باعتبار الرجل على نفسه باعتبار غيره وهو «زيد» انتهى 199.
ومراده بقوله 200: إلّا إذا كان صفة لشيء وهو في المعنى لمسبّب؛ أنّ «أفعل» التفضيل في المثال الذي ذكره هو الرجل في اللّفظ وهو في المعنى لسببه، وهو الشرّ يعني أنّ الشرّ مسبّب عن الرّجل، هكذا فهمت في هذا الموضع،
دون تحقق فإن «الكحل» في: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل، كيف يكون مسبّبا عن «رجل»؟.
ثمّ إنّ ابن الحاجب جعل هذا الظاهر المرفوع بـ «أفعل» مسبّبا وقد عرفت أنّ المصنف جعله سببيّا فإن كان مراد من قال: إنّه سبب غير مراد من قال: إنّه سببيّ - وهو الظاهر - فلا كلام وإلّا أشكل الأمر.
ومنها: أنك عرفت أنّ المصنّف ذكر لرفع «أفعل» التفضيل الظّاهر سببين:
أحدهما: معاقبة الفعل إياه.
الثاني: ما يلزم من الفصل بينه وبين «من» بأجنبي لو لم نرفعه على الفاعلية، وجعلناه مبتدأ مخبرا عنه بما قبله، وقرر ذلك أحسن تقرير، فتبعه الإمام بدر الدين -
الجزء: 6 - الصفحة: 2705
................................
ولده وذكر ما ذكره والده، وضمّ إلى ذلك بحثا، فأجببت إيراده، قال 201 رحمه الله تعالى: ويمكن أن يعلّل رفع «أفعل» التفضيل الظاهر معنى، في الأمثلة التي ذكرت بأمرين:
أحدهما: معاقبة الفعل إياه، فاستحقّ العمل، كما استحقّ اسم الفاعل معنى المعنى، إذا وقع صلة للألف واللام، وقرر ذلك إلى آخره، ثمّ قال: فإن قلت: فكان ينبغي أن يقضي جواز مثل هذا، بجواز رفع «أفعل» التفضيل للسببيّ المضاف إلى ضمير الموصوف نحو: ما رأيت رجلا أحسن منه أبوه، وفي الإثبات نحو: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ لأنّه يصحّ في ذلك كلّه وقوع الفعل موقع «أفعل» التفضيل.
قلت: المعتبر في اطراد رفع «أفعل» التفضيل الظاهر: جواز أن يقع موقعه الفعل الذي يبنى منه مفيدا فائدته، وما أوردته ليس كذلك، ألا ترى أنك لو قلت:
ما رأيت رجلا يحسن أبوه كحسنه؛ فأتيت موضع «أحسن» بمضارع «حسن» فاتت الدلالة على التفضيل، أو قلت: ما رأيت رجلا يحسنه أبوه؛ فأتيت موضع «أحسن» بمضارع «حسن» إذا فاقه في الحسن، كنت قد جئت بغير الفعل
الذي يبنى منه «أحسن»، وفاتت الدلالة على الغريزة المستفادة من «أفعل» التفضيل، ولو رمت أن توقع الفعل موقع «أحسن» على غير هذين الوجهين لم تستطع، وكذا القول في نحو: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ فإنك لو جعلت فيه «يحسن» مكان «أحسن» فقلت: رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، أو: يحسن في عينه الكحل كحلا في عين زيد، فاتت الدلالة على التفضيل في الأول، وعلى [3/ 134] الغريزة في الثاني 202.
الأمر الثّاني: أنّ «أفعل» التفضيل متى ورد على الوجه المذكور وجب رفعه الظّاهر لئلّا يلزم الفصل بينه وبين «من» بأجنبي؛ فإنّ ما هو له في المعنى لو لم يجعل فاعلا لوجب كونه مبتدأ ولتعذّر الفصل به.
-
الجزء: 6 - الصفحة: 2706
................................
فإن قلت: وأيّ حاجة إلى ذلك ولم يجعل مبتدأ مؤخرا عن «من»، فيقال:
ما رأيت رجلا أحسن في عينه منه في عين زيد الكحل، أو مقدما على «أحسن»؛ فيقال: ما رأيت رجلا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد.
قلت 203: لم يؤخر تجنبا عن قبح اجتماع تقديم الضّمير على مفسره وإعمال الخبر في ضميرين لمسمى واحد، وليس هو من أفعال القلوب ولم يقدم كراهية أن يقدموا لغير ضرورة ما ليس بأهم؛ فإن الامتناع من رفع «أفعل» التفضيل الظاهر ليس لعلة موجبة إنما هو لأمر استحساني.
فيجوز التخلف عن مقتضاه إذا زاحمه ما رعايته أولى وهو تقديم ما هو أهم وإيراده في الذكر أتم وذلك صفة ما يستلزم صدق الكلام تخصيصه، ألا ترى أنك لو قلت: ما رأيت رجلا؛ كان صدق الكلام موقوفا على تخصيص رجل بأمر يمكن أنّه لم يحصل لمن رأيته من الرجال؛ لأنه ما من راء إلا وقد رأى رجلا ما، فلمّا كان موقوف الصدق على المخصّص وهو الوصف؛ كان تقديمه مطلوبا فوق كل مطلوب فقدم، واغتفر ما ترتب على التقديم من الخروج عن الأصل، فإن قلت: فلم لم يجز على مقتضى ما ذكرتم أن يرفع «أفعل» التفضيل الظاهر في الإثبات فيقال: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؟
قلت: لأنّ مطلوبية المخصص في الإثبات دون مطلوبيته في النفي؛ لأنّه في الإثبات يزيد في الفائدة، وفي النفي يصون الكلام عن كونه كذبا فلما كان ذلك كذلك كان لهم عن تقديم الصفة ورفعها الظاهر مندوحة؛ بتقديم ما هي
له في المعنى، وجعله مبتدأ فيقال: رأيت رجلا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد، ثمّ قال:
ولكون المانع من رفع «أفعل» التفضيل الظاهر ليس أمرا موجبا؛ اطرد عند بعض العرب إجراؤه مجرى اسم الفاعل، فيقولون: مررت برجل أفضل منه أبوه 204.
ومنها: ما ذكره الشيخ بحثا ومناقشة للمصنف.
وذلك في مواضع:
الأول: قول المصنف: والسبب في رفع «أفعل» التفضيل الظاهر في هذه الأمثلة تهيؤه بالقرائن التي قارنته لمعاقبة الفعل إياه وعلى وجه لا يكون بدونها، ألا ترى أنّ -
الجزء: 6 - الصفحة: 2707
................................
قولك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، لو قلت بدله:
ما رأيت أحدا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد؛ لكان المعنى واحدا، بخلاف قولك في الإثبات: رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ فإنّ إيقاع الفعل فيه موقع «أفعل» يغير المعنى 205. انتهى.
فقال الشيخ - بعد نقله هذا الكلام -: وهذا خطابه وليس معنى «أحسن» «يحسن» بل معناه: يزيد حسن الكحل في عينه على حسنه في عين زيد، وعلى تقديره بـ «يحسن» لا يفيد المعنى إلا من حيث أنّ الإيجاب يغاير النفي، ولو جاء ذلك في الإثبات لكان صحيح المعنى وتقديره: رأيت رجلا يحسن الكحل في عينه كحسنه في عين زيد، وهذا معنى صحيح لا ينكره عاقل.
انتهى 206.
وأقول: أما قوله: وليس معنى «أحسن» «يحسن»؛ فالمصنف لم يقل: معنى «أحسن» «يحسن» مقتصرا على ذلك، بل قال: المعنى: يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، ولا شك أنّ هذا معناه يزيد حسن الكحل في عينه على حسنه في عين زيد.
فمعنى «ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد» و «ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد» واحد، فنحن نفهم من قولنا: ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد؛ أنّ حسن الكحل في عين زيد زائد على حسنه في عين غيره، وإذا كان كذلك سقطت المناقشة التي ذكرها الشيخ.
وأمّا قوله: إنّ ذلك لو جاء في الإثبات لكان صحيح المعنى؛ فحق، لكن يكون المعنى المفهوم في صورة الإثبات غير المعنى المفهوم في صورة النّفي، وذلك أنّ المفهوم من قولنا: رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في
عين زيد؛ ثبوت المساواة بينهما في الحسن.
والمفهوم من قولنا: ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد؛ ثبوت زيادة الحسن في أحد المحلين على الآخر 207، ولا شكّ أنّ هذا الثاني هو -
الجزء: 6 - الصفحة: 2708
................................
مدلول «أفعل» التفضيل فلمّا كان كذلك صحّ رفع «أفعل» التفضيل الظاهر في صورة المعنى؛ لأنّ الفعل يعاقبه ومعنى التفضيل باق، ولم يصحّ في صورة الإثبات لأنا إذا أوقعنا الفعل موقعه لا يبقى معنى التفضيل بل يصير لذلك التركيب معنى آخر.
الموضع الثاني: قول المصنف: فإن قيل: لا نسلم الالتجاء إليه - يعني إلى رفع «أفعل» التفضيل الاسم الظاهر فاعلا - بل نجعله مبتدأ، ونقدّمه على «أحسن»، وذلك بأن يقال: ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد، فالجواب أنّ إمكان هذا اللفظ مسلم، ولكن ليس بمسلم إفادته ما يفيده اللفظ الآخر من اقتضاء المزية والمساواة معا.
وإنما مقتضى: ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد؛ نفي رؤية الزائد حسنه لا نفي رؤية المساوي، وإذا لم يتوصل إلى ذلك المعنى إلا بالترتيب المنصوص عليه صحّ القول بالالتجاء إليه 208، وكان قد تقدم له قبل [3/ 135] هذا أن قال معللا رفع أفعل التفضيل الظاهر، في المثال المعروف، وهو: ما رأيت أحدا أحسن في عينيه الكحل منه في عين زيد، وذلك أنه حدث له - في الموقع المشار إليه - معنى زائد على التفضيل، وبيانه أنك إذا قلت: ما الكحل في عين زيد أحسن منه في عين عمرو، ولم يكن فيه تعرض لنفي المساواة، وإنّما تعرض فيه لنفي المزية، بخلاف قولك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ فإنّ المقصود به نفي المساواة، ونفي المزيّة.
ولهذا قدّره سيبويه بـ: ما رأيت أحدا يعمل في عينه الكحل، كعمله في عين زيد 209.
فقال الشيخ - في قوله: إنّه حدث في الموقع المشار إليه معنى زائد على التفضيل إلخ -: هذا الكلام فيه تكثير لا طائل تحته، ودعوى أنّ قولك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ قصد به نفي المساواة ونفي المزية،
لا دليل على ذلك، بل لا فرق بين قولك: ما رأيت أحدا الكحل في عينه أحسن منه في -
الجزء: 6 - الصفحة: 2709
................................
عين زيد، وبين المثال السابق؛ كلاهما فيه نفي المزية لا نفي المساواة، و «أفعل» التفضيل سواء أرفعت به المضمر أم المظهر، وإنما يدلّ على الزيادة في ذلك الوصف فإن كان الكلام مثبتا كانت تلك الزيادة ثابتة، وإن كان منفيّا كانت تلك الزيادة منفية، ولا يدلّ انتفاء تلك الزيادة على انتفاء المساواة بوجه.
قال: وأما قول المصنف: ولهذا قدره سيبويه... إلخ؛ فليس على ما فهمه، وإنما أراد سيبويه أن يبين أنّ رفع «الكحل» بـ «أحسن» هو على طريق الفاعلية، وأنه جرى في ذلك مجرى الفعل فكما رفع الفعل الظاهر كذلك رفعه هنا «أفعل» التفضيل وأما أن يريد بذلك أنه انتفت المزية والمساواة فلا 210.
وقال 211 أيضا - في قوله: فإن قيل: لا نسلم الالتجاء إليه؛ لإمكان أن يقال:
ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد، فالجواب أنّ إمكان هذا اللفظ مسلم، ولكن ليس بمسلم إفادته ما يفيده اللفظ الآخر، من اقتضاء المزية والمساواة معا... إلى آخره قد بيّنّا أنّ ذلك دعوى لا تصحّ البتة ولا فرق بين تقدم الوصف ورفع الاسم به أو تأخره وجعله خبرا للاسم.
ألا ترى أنه لا فرق بين: ما رأيت رجلا قائما أبوه، ولا بين: ما رأيت رجلا أبوه قائم؟ 212. هذا كلام الشيخ مع المصنف أولا وثانيا.
وأقول: أما قوله: إن «أفعل» التفضيل إنما يدلّ على الزيادة في ذلك الوصف فإن كان الكلام مثبتا كانت الزيادة ثابتة وإن كان منفيّا كانت الزيادة منفية ولا يدلّ انتفاء الزيادة على انتفاء المساواة - فكلام صحيح، ولكن إنما يكون ذلك إذا سبق الكلام للدلالة على الإثبات فقط، كقولك: زيد أفضل من عمرو، أو على الانتفاء فقط كقولك: ليس زيد أفضل من عمرو، وأما الكلام الذي قصد به نفي الزيادة عن شيء باعتبار، وإثباتها لذلك الشيء باعتبار آخر نحو: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ فليس الأمر فيه كذلك.
فإنّ إثبات الزيادة يلزم منه انتفاء المساواة؛ إذ لو حصلت المساواة لم تكن الزيادة ثابتة فانتفاء المزية عن المفضول دلّ عليه بالمنطوق، وانتفاء المساواة دلّ عليه باللزوم، وإذا كان كذلك ثمّ قول -
الجزء: 6 - الصفحة: 2710
................................
المصنف: إنّ المقصود بهذا التركيب نفي المساواة ونفي المزية.
ولا شكّ أنّ قولنا:
ما الكحل في عين زيد أحسن منه في عين عمرو؛ نفي محض لم يقصد فيه إلى إثبات شيء فهو إنما يدلّ على نفي الزيادة فتمّ أيضا قول المصنف فيه إن لم يكن فيه تعرض لنفي المساواة وإنّما تعرض فيه لنفي المزية، وإدراك الفرق بين هذين التركيبين - أعني: ما الكحل في عين زيد أحسن منه في عين عمرو، و: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين عمرو ظاهر، ولعلّه لا يخفى على من له أدنى تحصيل.
وإذا تبين أنّ قول المصنف تمّ فيما ذكره، تبين صحة قوله آخرا: فالجواب أنّ إمكان هذا اللفظ مسلم - يعني: ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد - ولكن ليس بمسلّم إفادته ما يفيده اللفظ الآخر من اقتضاء المزية والمساواة معا، وإنّما مقتضى: ما رأيت أحدا الكحل في عينه منه في عين زيد؛ نفي رؤية الزائد حسنه لا نفي رؤية المساوي، واندفع كلام الشيخ حينئذ، واعلم أنّ الذي ذكره المصنف في هذا المثال - من أنّ سبب العدول عنه إلى المثال المشهور في هذه المسألة أنّ هذا المثال مقتضاه نفي رؤية الزائد حسنه لا نفي رؤية المساوي - أحسن من قول الإمام بدر الدين فيه: إنّ المانع منه كراهية أن يقدّموا لغير ضرورة ما ليس بأهمّ كما تقدم لنا نقل ذلك عنه 213.
الموضع الثالث: قول المصنّف: ولم يرد هذا الكلام، المتضمن ارتفاع الظّاهر بـ «أفعل» التفضيل إلا بعد نفي، ولا بأس باستعماله بعد نهي، أو استفهام، فيه معنى النفي كقولك: لا يكن غيرك أحبّ إليه الخير منه إليك، وهل في النّاس رجل أحقّ به الحمد منه بمحسن، لا يمنّ 214؛ فقال فيه الشيخ: وإذا كان لن يرد هذا الاستعمال إلا بعد نفي وجب اتباع السماع فيه، والاقتصار على ما قالته العرب 215. انتهى.
ولا شكّ أنّ ما ذكره المصنف لا مانع منه من حيث الصناعة النحويّة، كيف ولا فرق في المعنى بين النّهي والاستفهام المراد به النفي، وبين النفي الحقيقي.
-
الجزء: 6 - الصفحة: 2711
................................
ومنها: أنّ المصنف - كما عرفت - قد حكم على (حيث) من قوله تعالى:
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ 216 بأنها مفعول به [3/ 136] وناصبه فعل مدلول عليه بـ (أعلم) وأن التقدير: الله أعلم، يعلم مكان جعل رسالته 217.
وقال الشيخ: قد خرّجنا نحن الآية الشريفة، باقية فيها على بابها من الظرفيّة؛ لأنّ (حيث) من الظروف التي لم يتصرف فيها بابتدائية ولا فاعلية ولا مفعوليّة فنصبها على المفعولية بفعل محذوف مخرج لها عن بابها 218.
ومنها: أنّه قال: في قول المصنّف: وإن أوّل بما لا تفضيل فيه جاز على رأي أن تنصبه 219، هذا الرأي ضعيف؛ لأنّه - وإن أوّل بما لا تفضيل فيه - فلا يلزم تعدّيه كتعديه، وللتركيب خصوصيات ألا ترى أنّ «فعولا» وأخواتها تعمل، و «فعيل» لا يعمل، نحو: شريب وطبيخ، لا يقال: هذا شريب الماء، ولا طبيخ الطعام، وإن كان يقال: هذا شرّاب الماء، وطبّاخ الطعام.
وناقش المصنف - في تمثيله، بقوله: وعمرو أجمع للمال من زيد 220 للأفعال التي تتعدّى بحروف الجرّ - فقال: ليس «أجمع للمال» من هذا الفصل، بل من باب ما يتعدّى الفعل فيه إلى مفعول به تقول: جمع زيد المال، فـ «أجمع للمال» من فصل: أضرب لزيد، وأشرب للماء 221 انتهى.
وما ذكره في «أجمع» ظاهر وأما ما ذكره قبله فغير ظاهر، ولا يتوجّه إلى منع «فعيل» العمل، وقد قالت العرب: -
الجزء: 6 - الصفحة: 2712