تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب الخامس والستون باب عوامل الجزم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الخامس والستون باب عوامل الجزم

قال ابن مالك: (منها لام الطّلب مكسورة، وفتحها لغة، وقد تسكّن بعد «الفاء» و «الواو» و «ثمّ»، وتلزم في النّثر في فعل غير الفاعل المخاطب مطلقا خلافا لمن أجاز حذفها في نحو: قل له ليفعل، والغالب في أمر الفاعل المخاطب خلوّه منها ومن حروف المضارعة، وهو موقوف لا مجزوم بلام محذوفة خلافا للكوفيين ولا بمعنى الأمر خلافا للأخفش في أحد قوليه، ويلزم آخره ما يلزم آخر المجزوم.
ومنها «لا» الطلبية، وقد يليها معمول مجزومها، وجزم فعل المتكلّم بها أقلّ من جزمه باللّام، ومنها «لم» و «لمّا» أختها، وتنفرد «لم» بمصاحبة أداوات الشّرط، وجواز انفصال نفيها عن الحال، و «لمّا» بوجوب اتّصال نفيها بالحال، وجواز الاستغناء بها في الاختيار عن المنفيّ إن دلّ عليه دليل، وقد يلي «لم» معمول مجزومها اضطرارا، وقد لا يجزم بها حملا على «لا»).
قال ناظر الجيش: عوامل الجزم منها ما يجزم فعلا واحدا ومنها ما يجزم فعلين، أما القسم الأول فمنحصر في كلمات أربع وهي: لام الطلب، و «لا» الطلبية، و «لم» و «لما» النافية، وأما القسم الثاني فمنحصر في أدوات الشرط، وقد بدأ المصنف بذكر القسم الأول.
وبعد: فأنا أشير أولا إلى ما ذكره في شرح الكافية ثم أتبعه كلام الإمام بدر الدين رحمهما الله تعالى ثم أردف ذلك بما يتيسر إن شاء الله تعالى.
قال في شرح الكافية 1: ذكر الطلب بعد «اللام» و «لا» الجازمتين يحصل فائدتين لا يحصلان بدونه: إحداهما: تمييز «اللام» المرادة من غير المرادة وهي التي ينتصب الفعل بعدها وقد ذكرت، وتمييز «لا» المرادة من غير المرادة وهي النافية نحو: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ 2، -

الجزء: 9 - الصفحة: 4299

................................  والزائدة نحو: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ 3. والثانية: من الفائدتين: [5/ 143] أن الطلب يعم لام الأمر نحو: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ 4 ولام الدعاء نحو: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ 5، ويعم «لا» في النهي نحو: لا تَحْزَنْ 6، و «لا» في الدعاء نحو: لا تُؤاخِذْنا 7 بخلاف أن يقال: لام الأمر و «لا» في النهي؛ فإن الدعاء لا يدخل في ذلك، ومن ورود الدعاء مجزوما باللام قول أبي طالب 8: 3933 - يا ربّ إمّا تخرجنّ طالبي... في مقنب من تلكم المقانب وليكن المغلوب غير الغالب... وليكن المسلوب غير السّالب 9 ول «لام» الطلب الأصالة في السكون من وجهين: أحدهما: مشترك فيه وهو كون السكون مقدما على الحركة؛ إذ هي زيادة والأصل عدمها.
والثاني: خاص وهو أن يكون لفظا مشاكلا لعملها كما فعل بـ «باء» الجر، لكن منع من سكونها الابتداء بها فكسرت وبقي للقصد تعلق بالسكون، فإذا دخل عليها «فاء» أو «واو» رجع غالبا إلى السكون ليؤمن دوام تفويت الأصل، وليس التسكين حملا على عين «فعل» كما زعم الأكثرون؛ لأن في ذلك إجراء منفصل مجرى متصل ومثله لا يكاد يوجد مع قلته إلا في اضطرار، وأيضا لو كان تسكين هذه اللام لغير سبب يخصها لشاركها فيه دون شذوذ لام «كي» الواقعة بعد «فاء» -

الحديث: 3933 - الجزء: 9 - الصفحة: 4300

................................  أو «واو»، وتسكين هذه «اللام» بعد «الفاء» و «الواو» أكثر من تحريكها، ولذلك أجمع القراء 10 على التسكين فيما سوى وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا 11، (وليتمتّعوا) مما ولي «فاء» أو «واوا» كقوله تعالى: وَلْيُؤْمِنُوا بِي 12 وكقوله تعالى: فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ 13 وكقوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا 14 وكقوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً 15، وقد تسكن هذه «اللام» بعد «ثم» نحو: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ 16 وهي قراءة 17 قنبل وأبي عمرو وابن عامر وورش، ويقل دخول هذه «اللام» على فعل فاعل مخاطب استغناء بصيغة «أفعل» ومن ذلك على قلته قراءة 18 عثمان وأبي وأنس رضي الله تعالى عنهم: فبذلك فلتفرحوا 19 وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لتأخذوا مصافكم» 20، والكثير دخولها على فعل ما لم يسمّ فاعله مطلقا نحو: لتعن بحاجتي وليزه زيد علينا 21، ومن دخولها على المضارع المسند إلى المتكلم قوله -

الجزء: 9 - الصفحة: 4301

................................  تعالى: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ 22، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قوموا فلأصلّ لكم» 23. وحذف لام الأمر وبقاء عملها جائز وهو على ثلاثة أضرب: كثير مطرد، وقليل جائز في الاختيار، وقليل مخصوص بالاضطرار.
فالكثير المطرد: الحذف بعد أمر بقول كقوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ 24. أي: ليقيموا فحذفت اللام لوقوع ذلك بعد: قل، وليس بصحيح قول من قال 25: إن أصله: قل لهم فإن تقل لهم يقيموا؛ لأن تقدير ذلك يلزم منه أن يتخلف أحد من المقول لهم عن الطاعة والواقع بخلاف ذلك فوجب إبطال ما أفضى إليه وإن كان قول الأكثر.
والقليل الجائز في الاختيار: الحذف بعد قول غير أمر كقول الراجز.
3934 - قلت لبوّاب لديه دارها... تيذن فإنّي حمؤها وجارها 26 أراد: لتيذن فحذف اللام وأبقى عملها وليس مضطرا لتمكنه من أن يقول: إيذن، وليس لقائل أن يقول: إن هذا من تسكين المتحرك على أن يكون الفعل مستحقّا للرفع فسكن اضطرارا؛ لأن الراجز لو قصد الرفع لتوصل إليه مستغنيا عن «الفاء» فكان يقول: تيذن إني حمؤها وجارها فإذ لم يستغن عن الفاء فاللام والجزم مرادان.
والقليل المخصوص بالاضطرار: الحذف دون تقدم قول بصيغة أمر ولا بغيرها كقول الشاعر: -

الحديث: 3934 - الجزء: 9 - الصفحة: 4302

................................  3935 - فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي... ولكن يكن للخير منك نصيب 27 أراد: ولكن ليكن 28 فحذف «اللام» مضطرّا وأبقى عملها، وليس من هذا ما أنشده الفراء 29 من قول الراجز: 3936 - من كان لا يزعم أنّي شاعر... فيدن منّي تنهه المزاجر 30 لأنه لو قصد الأمر لقال: فليدن مني، وإنما أراد: عطف «يدنو» على «لا يزعم» وحذف «الواو» من «يدنو» لدلالة الضمة عليها كما قال: 3937 - فياليت الأطبّا كان حولي 31 فحذف «واو» الضمير اكتفاء بالضمة، فـ «واو» ليست بضمير أحق أن يفعل بها ذلك، وأما «تنهه» فمجزوم؛ لأنه جواب «من». ومن دخول «لا» النهي على فعل المتكلم قول الشاعر: 3938 - إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد... بها أبدا ما دام فيها الجراضم 32

الحديث: 3935 - الجزء: 9 - الصفحة: 4303

................................  ومثله قول الآخر: 3939 - لا أعرفن ربربا حورا مدامعها... مردّفات على أحناء أكوار 33 وقد فصل بين «لا» ومجزومها في الضرورة كقول الشاعر: 3940 - وقالوا أخانا لا تخشّع لظالم... عزيز ولا ذا حقّ قومك تظلم 34 أراد: ولا تظلم ذا حق قومك، وهذا رديء؛ لأنه شبيه بالفصل بين الجار والمجرور.
هذا آخر كلامه على «اللام» و «لا» وقد تضمن ما تضمنه من بيان متن الكتاب - أعني التسهيل - شرحا وتعليلا، ولكنا نشير إلى التنبيه على ما لم يتضمنه كلامه في الشرح المذكور فمن ذلك: أنه أشار بقوله في اللام: (وفتحها لغة)، إلى ما ذكره الفراء عند كلامه على قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ 35 قال 36: بنو سليم يفتحون لام الأمر نحو: ليقم زيد.
ومنه: أن قوله: (وتلزم في النّثر في فعل غير الفاعل المخاطب) يشمل فعل ما لم يسمّ فاعله مطلقا أي سواء أكان لمخاطب أم متكلم أم غائب، وفعل الفاعل المتكلم وحده أو مشاركا، وفعل الفاعل الغائب فـ «اللام» في كل هذا واجبة الذكر، أما فعل أمر الفاعل المخاطب، فالغالب خلوه منها ومن حروف المضارعة كما أشار إليه.
وأما قوله: (خلافا لمن أجاز حذفها في نحو: قل له ليفعل) فلا شك أن هذا الكلام يناقض ما ذكره في شرح الكافية، وقد [5/ 144] قرر الإمام بدر الدين 37 - - كثير الأكل جدّا، وهو بضم الجيم، الأكول الواسع البطن.
والشاهد فيه دخول «لا» الناهية على فعل المتكلم في قوله: «فلا نعد» وهو نادر؛ لأن المتكلم لا ينهى نفسه إلا على المجاز تنزيلا له منزلة الأجنبي ويجوز أن تكون دعائية كما في المغني، والبيت في المغني (ص 247) وشرح شواهده (ص 633)، وأمالي الشجري (2/ 226)، والعيني (4/ 420)، وشرح التصريح (2/ 246).

الحديث: 3939 - الجزء: 9 - الصفحة: 4304

................................  ذلك ولم يتعرض إلى ما ذكره والده في شرح الكافية، وكلام الشيخ موافق لكلام بدر الدين فإنه قال 38: «والصحيح أن حذف لام الأمر وإبقاء عملها لا يجوز إلا في الشعر سواء أتقدم أمر بالقول أو قول غير أمر أم لم يتقدم قول. ومنه: أنه عنى بقوله: (ويلزم آخره ما يلزم المجزوم) أنه إن كان مسندا إلى «الألف» أو «الواو» أو «الياء» يقال فيه: اضربا واضربوا واضربي كما يقال: لم تضربا ولم تضربوا ولم تضربي، وإن لم يكن مسندا إلى أحد الثلاثة وهو صحيح الآخر يقال فيه: اضرب كما يقال: لم يضرب، وإن كان معتل الآخر يقال فيه: اغز، وارم، واخش، كما يقال: لم يغز، ولم يرم، ولم يخش. وإذا قد عرف هذا فلنذكر كلام بدر الدين رحمه الله تعالى قال 39: عوامل الجزم: لام الأمر، و «لا» التي للنهي، و «لم» و «لما» أختها، و «إن» الشرطية وما ضمنّ معناها، وإنما عملت الجزم؛ لأنها اختصت بالأفعال ولازمتها ولم تتنزل منها منزلة الجزء فاقتضى ذلك أن تؤثر فيها وتعمل؛ لأن كل ما لزم شيئا أثّر فيه غالبا فعملت فيه الجزم لأنه أنسب؛ وذلك لأن الفعل بعد لام الأمر شبيه بالأمر المبني على السكون ومثله في المعنى فحمل عليه في اللفظ فأعرب بالجزم الشبيه بالبناء، وأما النهي فإنه يجزم فعله لأنه نقيض الأمر المبني كما يجزم الفعل بـ «لم» و «لما»؛ لأنه نقيض الماضي، والماضي مبني، وأما «إن» الشرطية فلأنها تقتضي جملتين: شرطا وجزاء فعملت الجزم لأنه أخف وأحسن مع الإطالة. واعلم أن الفعل يجزم باللام في الأمر وهو: طلب الفعل على سبيل الاستعلاء نحو: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ 40، وفي الدعاء وهو: طلب الفعل على سبيل الخضوع نحو: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ 41، ومثله قول أبي طالب: 3941 - يا ربّ إمّا تخرجنّ طالبي... في مقنب من تلكم المقانب فليكن المغلوب غير الغالب... وليكن المسلوب غير السّالب 42

الحديث: 3941 - الجزء: 9 - الصفحة: 4305

................................  فلذلك سماها: لام الطلب.
والنحويون يسمونها: لام الأمر 43 لأنه الأصل فيها، ولام الأمر مبنية على الكسر؛ لأنه أقرب إلى الجزم لأنه حركة مقابل مقابله وهو الجر، ومن العرب من يبنيها على الفتح قال الفراء 44 في كلامه على قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ 45: بنو سليم يفتحون لام الأمر نحو: ليقم زيد.
وإذا وقعت لام الأمر بعد «الفاء» و «الواو» و «ثم» جاز تسكينها حملا على «فعل» وإجراء للمنفصل مجرى المتصل لكثرة الاستعمال 46، وهو مع «الفاء» و «الواو» أعرف من التحريك ولذلك اتفق القراء 47 على التسكين فيما سوى وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا 48، وَلِيَتَمَتَّعُوا 49، مما ولي «واوا» أو «فاء» كقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي 50 وقوله تعالى: فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ 51 وقوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ 52، وأما تسكين اللام بعد «ثم» فقليل ومنه قراءة أبي عمرو وغيره: 53 ثم ليقضوا تفثهم 54. وتلزم لام الأمر في النثر فعل غير الفاعل المخاطب وهو فعل الفاعل الغائب والمتكلم وحده أو مشاركا، وفعل ما لم يسم فاعله مطلقا كقولك: ليقم زيد، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «قوموا فلأصلّ لكم» وقوله تعالى: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ 55، وقولهم: لتعن -

الجزء: 9 - الصفحة: 4306

................................  بحاجتي وليزه زيد علينا 56، فاللام في كل هذا واجبة الذكر ولا يجوز حذفها في مثله إلا في الشعر فإنه محل الاختصار والتغيير فيجوز فيه حذف اللام وجزم الفعل بها مضمرة لاضطرار ودونه، فالأول كقول الشاعر: 3942 - فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي... ولكن يكن للخير منك نصيب 57 أراد: ليكن للخير منك نصيب ولكنه اضطر فحذف 58. والثاني كقول الآخر: 3943 - على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (4) لتمكنه من أن يقول: وليبك من بكى، ومثله قول الآخر: 3944 - قلت لبوّاب لديه دارها... تيذن فإنّي حمؤها وجارها 59 لأنه لو لم يؤثر الجزم باللام المحذوفة لقال: إيذن بلفظ الأمر، فأما قول الشاعر 60: 3945 - محمّد تفد نفسك كلّ نفس... إذا ما خفت من شيء تبالا 61 فليس يثبت لجواز أن يكون أراد: تفدي نفسك على الخبر، ولكن حذف الياء تخفيفا كما حذفوا من: كرامي الأيد يريدون: الأيدي، وكذا ما أنشده الفراء 62: 3946 - من كان لا يزعم أنّي شاعر... فيدن منيّ تنهه مني المزاجر 63

الحديث: 3942 - الجزء: 9 - الصفحة: 4307

................................  لأنه لو أراد الأمر لقال: فليدن مني، وإنما أراد عطف «يدنو» على «لا يزعم» وحذف «الواو» من «يدنو» لدلالة الضمة عليها كما قال: 3947 - فيا ليت الأطبّا كان حولي 64 فحذف «واو» الضمير اكتفاء بالضمة، وأما «تنهه» فمجزوم لأنه جواب «من» 65. ولا يجوز في غير الشعر حذف لام الأمر خلافا للكسائي 66، قال ثعلب 67: قال الكسائي في قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا 68: هو ليغفروا فأسقط «اللام» وترك «يغفروا» مجزوما قلت: والوجه أن يكون مجزوما بجواب الأمر 69 على معنى: إن يقل لهم اغفروا يغفروا، والغالب في أمر الفاعل المخاطب خلوّه من «اللام» ومن حرف المضارعة، وقد لا يخلو منهما كقراءة عثمان وأنس وأبيّ (فبذلك فلتفرحوا)، وكقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لتأخذوا مصافّكم» وهو قليل، والكثير المعروف في كلامهم مجيء أمر الفاعل المخاطب مجردا من «اللام» ومن حرف المضارعة مجعولا آخره كآخر المجزوم، فإن لم يتصل به ألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة فإن كان صحيحا فهو ساكن الآخر نحو: اذهب واضرب واخرج، وإن كان معتلّا فهو محذوف [5/ 145] الآخر نحو: اخش وارم واغز، وإن اتصل به ألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة ثبتت في آخره بغير نون نحو: اضربا، واضربوا، واضربي، وليس ذلك جزما بل بناء؛ لأن دلالة «اضرب» ونحوه على الأمر إما بإضمار اللام وهو مضارع محذوف منه حرف المضارعة، وإما بتضمن معناها وهو مثال مأخوذ من لفظ المصدر للدلالة على الحدث والنسبة تفيد الطلب، لا جائز أن يكون بالإضمار لما فيه من كثرة الحذف لغير موجب فتعيّن أن يكون -

الحديث: 3947 - الجزء: 9 - الصفحة: 4308

................................  بالتضمين، وإذا كانت دلالة «اضرب» ونحوه على الأمر بتضمن معنى «اللام» وجب الحكم عليه بالبناء لوجهين: أحدهما: عدم وجود علة الإعراب فيه وهو شبه الاسم، فإن المضارع إنما أعرب لشبهه بالاسم إما لجواز قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة وإما في احتمال الإبهام والتخصيص وقبول لام الابتداء، والجريان على حركات اسم الفاعل وسكناته، وذلك وشبهه مفقود من فعل الأمر فوجب أن يكون مبنيّا كالماضي.
الثاني: أن فعل الأمر لو كان معربا لكان مجزوما، لأنه أبدا ساكن الآخر أو محذوفه، ولو كان مجزوما لكان الجازم له إما اللام وإما غيرها، لا جائز أن يكون مجزوما باللام لأن المتضمن يمنع من إظهار مثله؛ لأنه لا فائدة فيه، ولا يصح أن تعمل متضمنة كما لا يعمل الشيء في نفسه، ولا جائز أن يكون مجزوما بغيرها لاستحالة تقديره فتعيّن الحكم عليه بالبناء.
وذهب الكوفيون 70 إلى أن فعل الأمر مجزوم بلام محذوفة وهو مضارع حذف منه حرف المضارعة؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما كان لوجوب حذف آخر المعتل منه وجه، وهو ضعيف لجواز أن يكون الوجه في حذف آخر المعتل من الأمر هو طلب التخفيف استثقالا بحرف العلة المتطرف الساكن، ثم التزموا حذفه كما أجازوا حذف المتحصن بالحركة المقدرة كقراءة من قرأ 71 يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه 72 وذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ 73، ولو لم يكن لحذف آخر فعل الأمر المعتل وجه من المناسبة والاستحسان لكان دعواه أيسر من دعوى حذف لام الأمر وحرف المضارعة.
والمشهور عن الأخفش 74 موافقة سيبويه في الحكم على فعل -

الجزء: 9 - الصفحة: 4309

................................  الأمر بالبناء، وعنه أيضا قول آخر 75 وهو أن فعل الأمر مجزوم بمعنى الأمر، وهو قول بما لا نظير له من غير دليل عليه.
وكذا يجزم الفعل بـ «لا» الطلبية وهي الدالة على النهي عن الفعل كقوله تعالى: لا تَحْزَنْ 76 أو الدعاء بتركه لشخص أو عليه فالأول كقوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا (3)، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً 77، والثاني كقول الشاعر: 3948 - بكى دوبل لا يرقئ الله دمعه... ألا إنّما يبكي من الذّلّ دوبل 78 وقد يليها معمول مجزومها كقول الشاعر: 3949 - وقالوا أخانا لا تخشع لظالم... عزيز ولا ذا حقّ قومك تظلم 79 أراد ولا تظلم ذا حق قومك.
وأكثر ما تجزم «لا» فعل المخاطب أو الغائب وقد يجزم بها فعل المتكلم وهو أقل من جزمه باللام ومنه قول الأعشى 80: 3950 - لا أعرفن ربربا حورا مدامعها... مردّفات على أحناء أكوار (8) وقول الآخر: 3951 - إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد... بها أبدا ما دام فيها الجراضم 81

    • وشرح التصريح (1/ 55)، وحاشية الصبان (1/ 58) ومنهج الأخفش الأوسط (ص 402).

الحديث: 3948 - الجزء: 9 - الصفحة: 4310

................................  انتهى كلام بدر الدين 82 وبعضه يحتاج إلى تأمل، وبعض منه يحتمل البحث فيه.
ثم لا بد من التنبيه على أمور: منها: أنه لا يجوز أن يفصل بين «لام» الأمر وبين ما عملت فيه لا بمعمول الفعل ولا بغيره فهي أشد اتصالا من حروف الجر؛ لأن حرف الجر فصل بينه وبين مدخوله بالقسم، روى عن العرب: اشتريته بو الله ألف درهم 83، ولا يجوز في «اللام»؛ ذلك لأن عامل الجزم أضعف من عامل الجر 84. ومنها: أنه لا يجوز أن يتقدم عليها - أعني اللام - معمول فعلها إذا كان مما يجوز تقديمه في فعل الأمر بغير لام فيجوز أن تقول: زيدا ليضرب عمرو كما يجوز: زيدا اضرب.
ومنها: أن قول المصنف في «لا» الطلبية: (وقد يليها معمول مجزومها) ظاهره يعطي أن ذلك يجوز في الكلام على قلة، لكنه قد قال في شرح الكافية كما علمت: إن ذلك مخصوص بالضرورة، وقال: إنه رديء أيضا.
ومنها: أن قول المصنف أيضا: (وجزم فعل المتكلّم بها - يعني بـ «لا» - أقلّ من جزمه باللّام) ليس المراد به الإطلاق؛ لأن الفعل إذا كان مبنيّا للمفعول جاز دخول «لا» المذكورة عليه مطلقا سواء أكان لمتكلم أم مخاطب أم غائب نحو: لا أخرج، ولا تخرج، ولا يخرج زيد، أما إذا كان مبنيّا للفاعل فالأكثر كونه للمخاطب نحو: لا تذهب، ويضعف للغائب والمتكلم، والفرق بينه وبين المبني للمفعول أنه لا يلزم في المبني للمفعول أن يكون المنهي غائبا ويلزم ذلك في المبني للفاعل، فإذا قيل: لا أخرج، أو لا يخرج زيد مبنيّا للمفعول احتمل أن يكون الفاعل المحذوف هو المسند إليه الفعل أو غيره، وأما إذا بناه للفاعل فقال: لا أخرج أو لا يخرج زيد فإنه في التّكلّم لا ينهى نفسه إلا على ضرب من التجوّز وتنزيلها منزلة أجنبي حتى ينهاها وأما في الغائب فمحال أن ينهى الغائب، وإنما يكون ذلك أيضا على نوع من التجوز بأن يوصل إليه النهي، وحقيقة الأمر والنهي إنما هو خطاب الحاضر بإيجاد شيء أو تركه فهما فيما سواه إنما يكونان على ضرب من -

الجزء: 9 - الصفحة: 4311

................................  المجاز والتوسع، هكذا ذكر الشيخ 85، ولا يخفى ما فيه. وقد تعرّض أيضا هنا لذكر مسألة مشهورة لا تعلق لها بمسائل الفصل الذي نحن فيه إلا على بعد فأحييت ذكرها لما فيها من الفائدة قال 86 رحمه الله تعالى: «وقد يتجوز بالنهي عن الفعل [5/ 146] المقصود به في الحقيقة - أي بالنهي - إلى ما يلزمه كقولهم: لا أرينّك ها هنا 87، ولا يرينّك زيد هاهنا، لا يريد المتكلم بذلك نهي نفسه ولا نهي الغائب عن الرؤية وإنما يريد: لا تحضر فأراك أو يراك زيد؛ فنهى عن المسبب وليس مقصودا، قال: وقريب من هذا قوله تعالى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 88 لم ينههم عن الموت بغير الإسلام؛ لأنه ليس لهم، وإنما معناه: لا تكفروا فتموتوا غير مسلمين، وقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ 89 أي: لا تمتنعوا. هذا ما يتعلق بالحرفين الأولين وهما: «اللام» و «لا»، وأما الحرفان الآخران وهما: «لم» و «لمّا» النافية فقال المصنف في شرح الكافية 90: إذ قلت: لم يكن جاز أن تريد انتفاء غير محدود كقوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ 91، وانتفاء محدودا متصلا بالحال كقوله تعالى: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا 92، وكقول سيبويه 93: ولما هو كائن لم ينقطع، وانتفاء منقطعا كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً 94، وكقول الراجز 95: 3952 - وكنت إذ كنت إلهي وحدكا... لم يك شيء يا إلهي قبلكا 96

الحديث: 3952 - الجزء: 9 - الصفحة: 4312

................................  ولجواز انقطاع مدلول «لم» يحسن أن يقال: لم يكن ثم كان، ولجواز كونه غير محدود حسن أن يقال يقال: لم يقض ما لا يكون.
وأما «لما» فمدلولها انتفاء محدود متصل بزمن النطق بها، فلذلك امتنع أن يقال: لما يكن ثم كان، ولما يقض ما لا يكون؛ لأن انتفاء قضاء ما لا يكون غير محدود، ولا يشترط كون المنفي بـ «لما» قريبا من الحال كقولهم: عصى إبليس ربّه ولما يندم 97، بل الغالب كونه قريبا (2). وقد تهمل «لم» فيليها الفعل مرفوعا 98 كقول الشاعر: 3953 - لولا فوارس من نعم وأسرتهم... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار 99 وانفردت «لما» بجواز حذف مجزومها 100 والوقف عليها كقول الشاعر: 3954 - فجئت قبورهم بدأ ولمّا... فناديت القبور فلم يجبنه 101 وانفردت «لم» بأشياء منها: أنه فصل بينها وبين مجزومها اضطرارا 102 كقول الشاعر: - - «يا إلهي» على الأصل وإن كان الحذف أكثر في الكلام، والثاني استشهد به ابن هشام في أوضح المسالك (2/ 184) على إضافة «وحد» إلى الكاف، والرجز في الكتاب (2/ 210) والمقتضب (4/ 247)، والمنصف (2/ 232)، وابن يعيش (2/ 11) والمغني (ص 279)، وشرح شواهده: (ص 681).

الحديث: 3953 - الجزء: 9 - الصفحة: 4313

................................  3955 - فذاك ولم إذا نحن امترينا... تكن في النّاس يدرككّ المراء 103 التقدير: ولم تكن إذا نحن امترينا يدركك المراء 104. وقال الإمام بدر الدين 105: من عوامل الجزم و «لم» و «لما» أختها، أما «لم» فحرف نفي يختص بالمضارع ويصرفه إلى معنى المضي، وأما «لما» فعلى ثلاثة أقسام: حرف نفي بمنزلة «لم» في الاختصاص بالمضارع وصرف معناه إلى المضي، وهي التي تجزم نحو قوله تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ 106، وحرف استثناء بمعنى: إلا، وتختص بالفعل المؤول بالمصدر في مثل قولهم: عزمت عليك لمّا فعلت، المعنى: ما أسألك إلا فعلك 107، وحرف يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب نحو: لما قام زيد قام عمرو، وسيأتي ذكرها، وتنفرد «لم» عن «لما» بأمرين: أحدهما: جواز مصاحبة أدوات الشرط نحو: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ 108، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ 109، كما يجوز دخولها على بناء الماضي نحو: إن قام زيد قام عمرو، ولا يجوز مثل ذلك في «لما» كأنهم كرهوها مع الشرط لطولها وإمكان الاستغناء بـ «لم». والثاني: جواز انفصال نفيها عن الحال فتنفي الماضي المنقطع حدثه عن زمن الحال كما تنفي الماضي المتصل به. مثال الأول: قولهم: لم يكن كذا ثم كان، ومنه قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً 110 وقال الراجز: 3956 - وكنت إذ كنت إلهي وحدكا... لم يك شيء يا إلهي قبلكا 111

الحديث: 3955 - الجزء: 9 - الصفحة: 4314

................................  ومثال الثاني: قول سيبويه 112: ولما هو كائن لم ينقطع، ومنه قوله تعالى: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا 113 وقال الطرماح: 3957 - لم يفتنا بالوتر قوم وللضّي... م رجال يرضون بالإغماض 114 أي: المسامحة بترك الحق. وتنفرد «لما» بأمرين: أحدهما: وجوب اتصال نفيها بالحال ومن ثمّ امتنع أن يقال: لما يكن كذا ثم كان، وإنما يقال: لما يكن كذا وقد يكون أو لا يكون، قال: 3958 - فإن كنت مأكولا فكن خير آكل... وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق 115 والثاني: جواز الاستغناء في الاختيار بذكر «لما» عن ذكر المنفي بها إذا دلّ عليه دليل كما تقول: ندم زيد ونفعه الندم، وندم غيره ولمّا، قال الشاعر: 3959 - فجئت قبورهم بدأ ولمّا... فناديت القبور فلم يجبنه 116 أراد: ولما أكن كذلك. ولا يسلك مثل ذلك بـ «لم» إلا في الضرورة كقول الراجز: 3960 - يا ربّ شيخ من بكير ذي غنم... أحلج لم يشمط وقد كاد ولم 117

الحديث: 3957 - الجزء: 9 - الصفحة: 4315

................................  وقد يلي «لم» معمول مجزومها اضطرارا كقول ذي الرمة: 3961 - فأضحت مباديها قفارا بلادها... كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل 118 التقدير: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، وقول الآخر: 3962 - فذاك ولم إذا نحن امترينا... تكن في النّاس يدرككّ المراء 119 التقدير: ولم تكن يدركك المراء إذا نحن امترينا.
وقد تلغى لم حملا على «لا» النافية فيرفع الفعل بعدها، ذكر ذلك جماعة 120 وأنشد عليه الأخفش وثعلب: 3963 - لولا فوارس من نعيم وأسرتهم... يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار 121 انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى.
ونحن نشير بعد ذلك إلى أمور: منها: أن الشيخ قال 122: إن المصنف يزعم أنه احترز بقوله: (ولما أختها)، يعني أخت «لم» من «لما» التي بمعنى: «إلّا»، ومن «لما» التي هي حرف وجوب لوجوب 123 على مذهب سيبويه 124، وظرف على مذهب الفارسي 125، قال 126: ولا يحتاج إلى هذا الاحتراز؛ لأن «لما» التي بمعنى «إلّا» والتي هي ظرف أو حرف - - والشاهد في قوله: «ولم» حيث استغنى بذكر «لم» عن ذكر المنفي بها وهو ضرورة، بخلاف «لما» فإن ذلك جائز معها اختيارا، ووجدت على هامش النسخة (جـ) حاشية بخطه نصها: «يريد وقد كاد يمشط ولم يمشط فحذف خبر كاد ومعمول لم».

الحديث: 3961 - الجزء: 9 - الصفحة: 4316

................................  وجوب لوجوب لا يحفظ دخولها على مضارع، وهو إنما يذكر عوامل الجزم.
انتهى.
وأقول: إنه قد تقدم الكلام في ذلك في أول الكتاب عند الكلام على قوله «ولما الجازمة» وربما أشير هناك إلى الاعتذار عن المصنف.
منها: أنك قد عرفت أن «لم» انفردت عن «لما» بجواز مصاحبتها أدوات الشرط، وعرفت التعليل الذي ذكره «بدر الدين» وقد ذكروا لذلك علة أخرى وهي «إن لم تفعل» نفي «فعل»، فكما أنّ «فعل» تدخل [5/ 147] عليه أدوات الشرط فكذلك نفيه.
وأما «لما» فإنها نفي «قد فعل»، و «قد فعل» لا تدخل عليه أدوات الشرط لا يقال: «إن قد قام زيد» كذلك لا يقال: «إن لما يقم زيد»، قالوا: وإنما لم تدخل «إن» على «قد فعل» لأن «إن» تخلص الماضي إلى الاستقبال، وقد تقربه من الحال، فتعارضا.
ثم لا يخفى أنّ «لا» النافية تجوز مصاحبتها لأدوات الشرط كما صحبتها «لم»، كقولك: إن لا تفعل أفعل.
قال الله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ 127، وقال تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ 128 ولا يتوهم أن «لا» المصاحبة لأدوات الشرط ناهية؛ لأن النهي طلب، والشرط خبر، فلا يجتمعان.
ونقل الشيخ عن بعضهم أنه يزعم أنها النافية، وإن عملها بطل وصار التأثير لأداة الشرط، وذلك بخلاف «لم» فإن التأثير لها لا لأداة الشرط، قالوا: لأن أداة الشرط لم تلزم العمل، في كل ما تدخل عليه، إذ تدخل على الماضي فلم يكن لها اختصاص بالمضارع، فضعفت فحيث دخل عامل مختص كان الحكم له.
انتهى 129. ولم يظهر لي ما ذكروه؛ لأن مقتضاه أن أداة الشرط المقرونة بـ «لم» طالبة للفعل الذي هو مدخول «لم» وليس كذلك، إنما الأداة طالبة للواقع بعدها وهو نفي الفعل، فالمشروط في نحو قولنا: إن لم يقم زيد قام عمرو، هو نفي قيام زيد، فـ «لم» عاملة في لفظ الفعل الذي هو «يقم»، وأداة الشرط عاملة في محل «لم يقم»، وليس لها طلب للفعل بحال، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى الاعتذار عن عدم عمل أداة الشرط في الفعل بأن أداة الشرط لم تلزم العمل في كل ما تدخل عليه؛ إذ تدخل -

الجزء: 9 - الصفحة: 4317

................................  على الماضي، ثم مقتضى هذا أن أداة الشرط إذا دخلت على الماضي لا عمل لها وهذا لا يسلم، بل الذي يقال: إن أداة الشرط لا بد أن تكون عاملة، ولا يقال: إنها لا تعمل إذا دخلت على الماضي لأنا نقول: إنها عاملة في محله فعملها مستمر، إما في اللفظ وإما في المحل، ولكن لك أن تقول: مقتضى ما قررته أن لا يكون لأداة الشرط في نحو قولنا: إن لا تفعل أفعل - عمل في الفعل المنفي؛ لأن المشروط إنما هو نفي الفعل فليست الأداة طالبة للفعل الواقع بعد «لا»؛ لأن المشروط في مثل ذلك إنما هو نفي الفعل، وإذا كان كذلك فليست الأداة طالبة للفعل الواقع بعد «لا» كما أنها ليست طالبة للفعل الواقع بعد «لم»، وإذا لم تكن طالبة له فيقال: كيف عملت الأداة في الفعل وليست موجهة إليه مثبتا بل إنما هي متوجهة إليه منفيا؟ وقد يجاب عن ذلك بأن يقال: إن «لا» النافية لا عمل لها في الأفعال، ولما لم يكن لها عمل تعيّن عمل الأداة، وإنما تخطت الأداة «لا» وعملت فيما بعدها؛ لأن العرب قد استعملوها زائدة بين العامل والمعمول مع أن معناها وهو النفي مراد فحكم بزيادتها من أجل أن العامل تخطاها وعمل فيما بعدها.
ومنها: أن الشيخ ناقش المصنف في شيء فقال 130: قوله: (بمصاحبة أدوات الشّرط)، لا يمكن حمله على العموم لأنه يزعم أن «لولا» من أدوات الشرط و «لولا» لا تدخل على «لم» لا يقال: لولا لم يقم زيد لم يقم عمرو، قال: فكان ينبغي أن يخصص أدوات الشرط أو يستثني «لولا».
انتهى.
وهذا عجب من الشيخ فإن «لولا» المشار إليها لا يليها إلا اسم مبتدأ، و «لم» إنما يتصور وجودها مع الفعل و «لولا» لا تباشر الفعل، فكيف يحترز عن شيء لا يمكن وقوعه؟ ومنها: أن الشيخ أيضا قال 131 في البيت الذي أنشده المصنف وهو: 3964 - وكنت إذ كنت إلهي وحدكا... لم يك شيء يا إلهي قبلكا 132 هذا تمثيل وهم فيه إذ ليس من الانتفاء المنقطع؛ لأنه لا يمكن أن يكون تقديره: -

الحديث: 3964 - الجزء: 9 - الصفحة: 4318

................................  لم يك شيء يا إلهي قبلك ثم كان شيء قبلك، وإنما يكون من هذا النوع لو كان لم يك شيء يا إلهي معك ليحسن ثم كان معك قال: فلم يمعن المصنف ولا ابنه الفكر في ذلك.
انتهى.
وهو استدراك جيد.
ومنها: أنهم عللوا جواز حذف المنفي بـ «لما» في الاختيار إذا دل عليه دليل بأن «لما» لنفي «قد فعل» قالوا 133: ويجوز حذف الفعل بعد «قد» إذا دل عليه، قال الشاعر: 3965 - أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا... لمّا تزل برحالنا وكأن قد 134 أي 135: وكان قد زالت، فلذلك جاز الحذف بعد «لما»، وأما «لم» فلا يجوز ذلك معها إلا في الضرورة وقد تقدم شاهد ذلك 136، ومنه أيضا قول الشاعر: 3966 - احفظ وديعتك الّتي استودعتها... يوم الأعازب إن وصلت وإن لم 137 يريد: وإن لم تتصل 138. وليعلم أن «لم» و «لما» انفردا دون «لام» الابتداء و «لا» الطلبية بدخول -

الحديث: 3965 - الجزء: 9 - الصفحة: 4319

[الأدوات التي تجزم فعلين]

قال ابن مالك: (ومنها أدوات الشّرط وهي: إن، ومن، وما، ومهما، وأيّ، وأنّى، ومتى، وأيّان وهما ظرفا زمان، وكسر همزة «أيّان» لغة سليم، وقلّ ما يجازى بها، وتختصّ في الاستفهام بالمستقبل بخلاف «متى»، وربّما استفهم بـ «مهما» وجوزي بـ «كيف» معنى لا عملا خلافا للكوفيين، ومن أدوات الشّرط: إذما، وحيثما، وأين، وهما ظرفا مكان، وما سوى «إن» أسماء متضمّنة معناها فلذلك بنيت إلّا «أيّا»، وفي اسميّة «إذما» خلاف، وقد ترد «ما» و «مهما» ظرفي زمان، و «أي» بحسب ما تضاف إليه).
همزة الاستفهام عليهما وهو مع «لم» أكثر منه مع «لما»، وإذا دخلت الهمزة عليهما فقد يكون المراد الاستفهام حقيقة فالمتكلم بذلك يستفهم عن الفعل المنفي بهما، فإذا قال: ألم يقم زيد؟ وألمّا يقم زيد فالمعنى: السؤال عن انتفاء قيام زيد فيما مضى وهذا قليل، وقد يكون ذلك على جهة التقرير 139 وهو الكثير، والتقرير هو: التوقيف على ما يعلم المخاطب ثبوته 140، ومن ثمّ كان الكلام معه موجبا حتى إنه يعطف عليه صريح الموجب، قال الله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ 141، وقال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى 142. [5/ 148] قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على ما يجزم فعلا واحدا وهو الكلمات الأربع شرع في الكلام على ما يجزم فعلين وهو أدوات الشرط وهي إحدى عشرة أداة، وقد سردها في متن الكتاب، ثم منها ما مجمع على حرفيته وهو «إن»، وما هو مجمع على اسميته وهو ما سوى «إذما» من بقية الأدوات، وما هو مختلف فيه هل هو حرف أو اسم؟ وهو «إذما»، قال الإمام بدر الدين 143: من عوامل الجزم أدوات الشرط وهي كلمات وضعت لتدل على التعليق بين جملتين والحكم بسببية -

الجزء: 9 - الصفحة: 4320

................................  أولاهما ومسببية الثانية. وهذا التعليق نوعان: تعليق ماض على ماض، وتعليق مستقبل على مستقبل، فالنوع الأول له حرفان: لو ولولا، وأكثر ما تصحب «لو» بناء الماضي نحو: لو قام زيد قام عمرو، وقد تصحب المضارع ولا تجزمه؛ لأنها لما قل استعمالها مع المضارع لم يقبل أن تؤثر فيه وتعمل عمل ما لازم المضارع أو غلب استعماله، والنوع الثاني له حروف وأسماء فالحروف: «إن» و «إذما» و «أمّا» ويأتي ذكر «أمّا» في آخر الباب، وأما «إن» فللخلو عن الجزم لوقوع الشرط تحقيقا أو باعتبار مجازي، وتعمل الجزم كقولك: إن تقم أقم لأنها تصحب المضارع أكثر مما تصحب الماضي، فلما غلب استعمالها مع المضارع كانت بمنزلة ما لازمه واختص به فقبلت أن تؤثر فيه وتعمل فعملت الجزم لأنه أخف، وأما «إذما» فأصلها: إذ ضمّ إليها ما بعد ما سلبت معناها الأصلي وجعلت حرف شرط بمعنى «إن» فجرت مجراها وعمل عملها، قال الشاعر: 3967 - وإنّك إذ ما تأب ما أنت آمر... به تلف من إيّاه تأمر آبيا 144 وأنشد سيبويه 145 للعباس بن مرداس: 3968 - إذ ما أتيت على الرّسول فقل له... حقّا عليك إذا اطمأنّ المجلس يا خير من ركب المطيّ ومن مشى... فوق التّراب إذا تعدّ الأنفس 146 وأنشد لآخر: 3969 - فإذا ما تريني اليوم مزجى مطيّتي... أصعّد سيرا في البلاد وأفرع

الحديث: 3967 - الجزء: 9 - الصفحة: 4321

................................  فإنّي من قوم سواكم وإنّما... رجالي فهم بالحجاز وأشجع 147 وعند المبرد 148 وابن السراج 149 وأبي علي 150 أن «إذما» باق على اسميته، وفي ذلك كلام يأتي ذكره في القول على «حيثما». وأما الأسماء فما تضمن معنى «إن» فجرى مجراها في التعليق والعمل وهي خمسة أضرب: اسم محض، واسم يشبه الظرف، وظرف زمان، وظرف مكان، وما يستعمل اسما وظرفا. الضرب الأول: من، وما، ومهما، فـ «من» لتعميم أولي العلم، وتكون شرطا فتجزم كقوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ 151، و «ما» لتعميم الأشياء، وتكون أيضا شرطا فتجزم كقوله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ 152 و «مهما» مثل «ما» وأعم منها، ولا شك في كونها اسما بدليل عود الضمير إليها كما يعود إلى «ما» قال الشاعر: 3970 - إذا سدته سدت مطواعة... ومهما وكلت إليه كفاه 153

الحديث: 3970 - الجزء: 9 - الصفحة: 4322

................................  فـ «الهاء» في «كفاه» عائدة إلى «مهما» فهي اسم ولكنها في معنى «إن» فلذلك تجزم الفعل كقوله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ 154، وعند الخليل 155 أن أصلها، ما فدخلت عليها «ما» الزائدة كما تدخل على «إن» و «متى» و «أين» و «أيّ» ثم كرهوا التكرير، وأن يقولوا: ماما، فأبدلوا «الهاء» من «الألف»، وقال سيبويه 156: وقد يجوز أن تكون «مه» كـ «إذ» ضمّ إليها «ما» وإليه ذهب الزجاج 157، وندر مجيء «مهما» اسم استفهام كقول الراجز 158 أنشده أبو علي 159: 3971 - مهما لي اللّيلة مهما ليه... أودى بنعليّ وسرباليه 160 أراد: ما لي الليلة؟ استفهاما على طريق التعجب، وزعم الشيخ 161 رحمه الله تعالى أن «ما» و «مهما» في الشرط قد يردان ظرفي زمان فقال 162: جميع النحويين يجعلون «ما» و «مهما» مثل «من» في لزوم التجرد عن الظرفية مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب، وأنشد قول الشاعر: 3972 - فما تك يا ابن عبد الله فينا... فلا ظلما نخاف ولا افتقارا 163

الحديث: 3971 - الجزء: 9 - الصفحة: 4323

................................  وقول عبد الله بن الزبير 164: 3973 - فما تحي لا تسأم حياة وإن تمت... فلا خير في الدّنيا ولا العيش أجمعا 165 وقول حاتم الطائي: 3974 - وإنّك مهما تعط بطنك سؤله... وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا 166 ولا أرى في هذه الأبيات حجة؛ لأنه كما يصح تقدير «ما» و «مهما» بظرف زمان كذلك يصح تقديرهما بالمصدر على معنى: أيّ كون قصير أو طويل تكن فينا فلا نخاف، وأيّ حياة هنية أو غير مرضية تحي لا تسأم، وأيّ عطاء قليل أو كثير تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم، لكن يتعين جعل «ما» و «مهما» في الأبيات المذكورة مصدرين؛ لأن في كونهما ظرفين شذوذا وقولا بما لا يعرفه جميع النحويين، بخلاف كونهما مصدرين؛ لأنه لا مانع من أن يكنى بـ «ما» و «مهما» عن مصدر فعل الشرط، كما لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به ونحوه؛ إذ لا فرق. الضرب الثاني: أنّى وكيف، فـ «أنّى» لتعميم الأحوال وليست ظرفا؛ لأنها لا زمان ولا مكان، ولكنها تشبه الظرف؛ لأنها بمعنى: على أي حال، فلما كانت تقدر بالجار والمجرور والظرف يقدر بهما كانت بمنزلته، وقد تأتي «أنّي» بمعنى: متى، وبمعنى: أين، وتكون استفهاما وشرطا، وإذا كانت شرطا [5/ 149] جزمت. قال الشاعر: 3975 - خليليّ أنّى تأتياني تأتيا... أخا غير ما يرضيكما لا يحاول 167

الحديث: 3973 - الجزء: 9 - الصفحة: 4324

................................  وقول لبيد: 3976 - فأصبحت أنّى تأتها تشتجر بها... كلا مركبيها تحت رجلك شاجر 168 يخاطب رجلا وقع في قضية صعبة المخلص يقول: على أي رجال يأتي الخلاص من هذه القضية يلتبس ويختلط بها «كلا مركبيها تحت رجلك شاجر» أي: داخل تحت الرجل، وإذا دخل شيء بين شيئين فقد شجرهما.
وأما «كيف» فاسم لتعميم الأحوال، وتسمى ظرفا لتأولها بـ: على أيّ حال، والدليل على اسميتها جواز الاكتفاء بها مع صحة دخولها على الأفعال، وأكثر ما تكون استفهاما، وقد ترد شرطا في المعنى فحسب، فتعلق بين جملتين ولا تعمل شيئا حملا على الاستفهامية؛ لأنها الأصل، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ 169، وقال تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ 170 المعنى: على أي حال يشأ الإنفاق ينفق، فـ «كيف» هنا اسم شرط ولكنها لم تجزم الفعل كما لم تجزم في الاستفهام، وأجاز الكوفيون 171 الجزم بها قياسا وأباه البصريون، قال سيبويه 172: وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع.
قال: هي مستكرهة وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء؛ لأن معناها: على أي حال تكن أكن.
الضرب الثالث: إذا، ومتى، وأيّان - بفتح الهمزة - وبنو سليم يكسرونها 173 فيقولون: إيّان، فأما «إذا» فسيأتي ذكرها، وأما «متى» و «أيّان» فلتعميم الأزمنة ولا يفارقان الظرفية، ويردان شرطا فيجزمان كقول طرفة: - - أي أردته، والمعنى: لا يريد شيئا غير ما يرضيكما.
والشاهد في «أنى» حيث جاءت للشرط هنا فجزمت الفعلين «تأتياني» و «تأتيا».
والبيت في شرح شذور الذهب (ص 336)، والعيني (4/ 426)، والأشموني (4/ 11).

الحديث: 3976 - الجزء: 9 - الصفحة: 4325

................................  3977 - ولست بحلّال التّلاع مخافة... ولكن متى يسترفد القوم أرفد 174 وقال الآخر: 3978 - أيّان نؤمنك تأمن غيرنا وإذا... لم تدرك الأمن لم تزل حذرا 175 ويردان استفهاما أيضا فلا يعملان شيئا، ولا يستفهم بـ «أيان» إلا عن زمان مستقبل، وأما «متى» فيستفهم بها عن زمان مستقبل نحو: وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ 176، أو زمن ماض نحو قول الشاعر: 3979 - متى كان الخيام بذي طلوح... سقيت الغيث أيّتها الخيام 177 الضرب الرابع: حيثما وأين وهما لتعميم الأمكنة، ولا ينفكان عن الظرفية، ويفترقان بأن «أين» لا تكون إلا شرطا أو استفهاما، وإذا كانت شرطا جزمت كقول الشاعر: 3980 - أين تضرب بنا العداة تجدنا... نصرف العيس نحوها للتّلاقي 178

الحديث: 3977 - الجزء: 9 - الصفحة: 4326

................................  وقال الله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ 179، وقال الله تعالى: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً 180. وأما «حيثما» فلا تكون إلا شرطا، وكانت قبل دخول «ما» اسم مكان خاليا من معنى الشرط ملازما للتخصيص بالإضافة إلى جملة، ولا تعمل في الأفعال، ثم أخرجوها إلى الجزاء فضمنوها معنى «إن» وجعلوها اسم شرط فلزمهم إتمامها وحذف ما تضاف إليه، وألزموها «ما» تنبيها على إبطال مذهبها الأول وجزموا بها الفعل كقول الشاعر: 3981 - حيثما تستقم يقدّر لك اللّ... هـ نجاحا في غابر الأزمان 181 ولا يجوز أن تكون منقولة كـ «إذما» إلى الحرفية؛ لأنها لم تزل عما كانت عليه قبل من الدلالة على المكان بخلاف «إذما» فإنها كانت قبل دخول «ما» عليها اسم زمان ماض خاليا من معنى الشرط، فلما دخلت عليها «ما» صارت أداة شرط بمعنى «إن» مختصة بالمستقبل، وزال ما كان فيها من معنى الاسم، ولم يعلم نقلها إلى معنى آخر غير الشرط فحكمنا بحرفيتها، لأن دلالتها على معنى الحرف متيقّنة، ودلالتها على معنى الاسم مشكوك فيها، والحكم بمقتضى ما تيقّن أولى.
الضرب الخامس: «أيّ» وهي لتعميم أوصاف الشيء، والأوصاف مشتركة.
فلذلك يلزم في «أي» أن تضاف لفظا أو معنى إلى الموصوف على حد قولهم: سحق عمامة رفعا، لالتباس عموم الأوصاف بجنس لعمومها لغيره فتكون بحسب - - الشرح: قوله: تضرب بنا أي: إلينا، والعداة بضم العين جمع: عاد، والعيس الإبل البيض والمفرد: أعيس وعيساء، كانوا يرحلون على الإبل فإذا لقوا العدو قاتلوا على الخيل، ولم يرد أنهم يلقون العدو على الإبل.
يقول: إن تضرب بنا العداة في موضع من الأرض نصرف العيس نحو هؤلاء العداة للقائهم، والشاهد فيه المجاز بـ «أين» وجزم ما بعدها - والبيت في الكتاب (3/ 58)، والمقتضب (2/ 47)، وابن يعيش (4/ 105)، (7/ 45)، والأشموني (4/ 10).

الحديث: 3981 - الجزء: 9 - الصفحة: 4327

................................  ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى ظرف فهي ظرف، وإن أضيفت إلى غير ذلك فهي بمعنى ما أضيفت إليه، لأن الصفة هي الموصوف في المعنى، وتقع في الشرط وغيره، وإذا كانت شرطية جزمت الفعل نحو: أيّ يوم تقم أقم، وأَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 182، وبأي تمرر أمرر، وغلام أيهم تضرب أضرب، وأيّهم يأتي فله درهم.
هذه الأسماء المذكورة هي جميع أسماء الشرط، وكلها مبنية لتضمنها معنى «إن» إلا «أيّا» فإنها أعربت، لأنه قد عارض ما فيها من شبه الحرف لزوم الإضافة إلى الأسماء فحماها ذلك عن البناء.
انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى، وهو كلام نظيف محرر لا يخفى حسنه عن الناظر، لكن فيه بحث: وهو أنه ذكر «لو» و «لولا» و «أمّا» و «كيف» و «إذا» كما عرفت، والكلام إنما هو في أدوات الشرط الجازمة، وهو قد افتتح كلامه بقوله من عوامل الجزم أدوات الشرط وهي كذا كذا؛ فكيف يتجه بعد ذلك أن يذكر من الأدوات ما هو غير جازم؟ فإن قيل: كلامه المتضمن لذكر «لو» و «لولا» إنما يرجع إلى ما يقتضي التعلق لقوله: «وهذا التعليق نوعان» فكون الأداة معلقة أعم من كونها جازمة، فالجازمة معلقة والمعلقة قد تكون جازمة وقد لا تكون!! قيل: فالكلام يرجع معه حينئذ في شيء آخر وهو أن يقال: في ذلك أمران: أحدهما: أن «أمّا» ليس فيها تعليق وهو قد جعلها من جملة الأدوات.
ثانيهما: أن تعليق أمر على أمر إنما يكون قبل الوقوع، وذلك إنما يتصور في الأمور المستقبلة، ولهذا أثبت المغاربة إطلاق الشرطية على «لو» الامتناعية حتى ردّوا على الجزولي استثناءه «لو» من قوله: من القرائن المخلصة الفعل المضارع للاستقبال أدوات الشرط إلا لو، فقالوا: استثناؤه «لو» غير مرضي، لأنها إذا كانت شرطا خلصته للاستقبال، وإن كانت -

الجزء: 9 - الصفحة: 4328

................................  الامتناعية صرفت معناه إلى المضي.
وليست إذ ذاك شرطا لا في اللفظ لأنها لا تجزم، ولا [5/ 150] في المعنى، لأن الشرط إنما يكون بالنظر إلى الاستقبال، قالوا: وإن سماها شرطا من حيث إنها مفتقرة إلى جواب فليستثن «أيّا» لأنها تحتاج إلى جواب.
ولكن العذر لبدر الدين في ذلك أن المصنف - أعني والده الشيخ جمال الدين - يطلق الشرط على لو الامتناعية وقد قال في الألفية: 3982 - لو حرف شرط في مضيّ ويقل... إيلاؤه مستقبلا لكن قبل ولكن هذا الإطلاق إطلاق مجازي لا حقيقي.
وبعد فالأولى بل الواجب أن يقتصر هنا على ذكر الأدوات الجازمة لأن الباب معقود لها.
وأما الكلمات الخمس التي ذكرها بدر الدين فالواجب إفرادها بالذكر وقد فعل المصنف ذلك، فأما إذا فقد سبق كلامه عليها في باب المفعول فيه المسمى ظرفا، وأما كيف فقد أشار إليها بقوله هنا: وربما استفهم بمهما وجوزي بكيف معنى لا عملا، وسيذكرها في باب «تتميم الكلام على كلمات» وأما «لو» و «لولا» وأمّا فقد أشار إليها في الفصول التي ستذكر إن شاء الله تعالى.
ثم قد بقيت بعد ذلك الإشارة إلى أمور: منها: أنه قد تقدم أن «مهما» مركبة إما من: ماما أو من: مه ما، وقد قيل: إنها بسيطة 183، واختار الشيخ القول ببساطتها، قال 184: «لأن دعوى التركيب لم يقم عليها دليل، فإذا سميت بـ «مهما» فالقائل بالتركيب يحكي، والقائل بالبساطة يمنع الصرف لأن ألفها إن قدرت للتأنيث فظاهر، وإن قدرت للإلحاق فألف الإلحاق المقصورة تمنع الصرف مع العلمية، وثمرة الخلاف تظهر إذا نكرت الكلمة بعد التسمية بها؛ فمن قال: إنها ألف التأنيث استمر بالمنع، ومن قال: إنها ألف الإلحاق صرف».
ثم إنك قد عرفت أن «مهما» اسم بدليل عود الضمير عليها، وذهب -

الحديث: 3982 - الجزء: 9 - الصفحة: 4329

................................  السهيلي 185 إلى أنها تكون حرفا أيضا، وذلك إذا لم يعد عليها ضمير مستدلّا على ذلك بقول الشاعر: 3983 - ومهما تكن عند امرئ من خليقة... ولو خالها تخفى على النّاس تعلم 186 قال: فـ «مهما» في البيت حرف شرط بمعنى «إن» و «من خليقة» اسم «تكن» و «من» زائدة كأنه قال: وإن تكن عند امرئ خليقة، ولا يتأتى ذلك إلا على القول بأن «مهما» في البيت حرف، قالوا 187: وهذا البيت لا حجة فيه، لأنه يمكن أن يكون فيه ضمير يعود على «مهما» فتكون مهما مبتدأ وتكن في موضع خبره، وفي تكن ضمير يعود على مهما. وأنثه حملا على المعنى لأنها واقعة على «الخليقة» وهو اسم نكرة، وقوله «عند امرئ» في موضع الخبر و «من خليقة» تفسير و «من» فيه كـ «من» في قوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ 188، قالوا 189: ويلزم على مذهب السهيلي أن تكون «من» في قوله «من خليقة» زائدة، لأنه لا ضمير في «تكن» فترتفع «خليقة» به وتكون «من» زيدت في الواجب وذلك لا يجوز إلا على مذهب مرجوح 190، فثبت أن الصحيح مذهب الجمهور، ولثبوت اسميتها لا توجد في كلامهم إلا مبتدأة عائدا عليها ضمير أو مفرّغا لها العامل فتكون معمولة له نحو قولك: مهما تصنع أصنع، ومن ذلك قول الشاعر: 3984 - وإنّك مهما تأمري القلب يفعل 191

الحديث: 3983 - الجزء: 9 - الصفحة: 4330

................................  فـ «مهما» مفعول ثان لـ «تأمري»، وقول الآخر: 3985 - قد أو بيت كلّ ماء فهي ضاوية... مهما تصب أفقا من بارق تشم 192 يصف حميرا قد أجهدها العطش فيبست أجوافها وهي لا تقدم على ماء الأنهار والعيون فزعا من الصائد، فهي تشيم البرق وترتقب نزول المطر لترده، و «ضاوية» من: الضّوى وهو الهزال، والضوى أيضا: ضعف الخلق وصغره 193، فـ «مهما» مفعول مقدم لـ «تصب» وقوله «أفقا» منصوب على الظرف 194. قال الشيخ 195: «وقد وقع لبعض الأدباء النبلاء في مكاتبة قوله: ومهما شككت في شيء فلست أشكّ في محبتك، قال: وغلّطه في ذلك صاحب كتاب «الترشيح» 196 من حيث استعمل مهما غير عائد إليها ضمير، ولا معمولة لعامل متأخر عنها مفرّغ لها، قال: والصواب أن يقول: ومهما شككت فيه من شيء».
ومنها: أنك قد عرفت أن «كيف» أكثر ما تكون استفهاما، وأنها قد تكون شرطا في المعنى فحسب فتعلق بين جملتين ولا تعمل شيئا حملا على الاستفهامية، قيل: وإنما قصرت عن أسماء الشرط من وجهين: أحدهما: أنه لا يكون جوابها إلا نكرة، وجوابات أسماء الشرط تكون معارف - - أغرّك منّي أنّ حبّك قاتلي واستشهد به على أن مهما معمولة لـ «تأمري» ويكون العامل قد فرغ لها واستشهد به سيبويه في الكتاب (4/ 215)، على كسر اللام في حال الجزم للإطلاق والوصل، وانظر البيت في ابن يعيش (7/ 43)، والهمع (2/ 211)، والدرر (2/ 236)، وابن السيرافي (2/ 291).

الحديث: 3985 - الجزء: 9 - الصفحة: 4331

................................  ونكرات، يقول القائل: كيف زيد؟ فتقول: سخيّ أو بخيل، ولا يقال: السخيّ ولا البخيل، ويقول: ما عندك؟ فتقول: خير والخير، ويقول: أيّ الناس عندك؟ فتقول: رجل يعجبك أو زيد أو هند، هكذا ذكر ابن عصفور 197، قال الشيخ 198: «وفي هذا الكلام تجوّز لأن أسماء الشرط لا يكون جوابها لا معارف ولا نكرات، إنما يكون جوابها الجمل، قال: لكن يتأوّل كلامه على أنه أراد: وجوابات أسماء الشرط إذا استعملن لمحض الاستفهام وخرجن عن معنى الشرط يكون الجواب بالنكرة والمعرفة، أما إذا بقين على الشرط هن أو استعملت كيف في الشرط فلا يكون جواب شيء منهن لا نكرة ولا معرفة، بل يكون الجواب إذ ذاك جملة أسمية أو فعلية «انتهى».
ولم أتحقق هذا الذي ذكره لأن جواب كل من أسماء الاستفهام أيضا لا تكون إلا جملة كما أن جواب كل من أسماء الشرط كذلك، فإذا قال القائل: زيد أو رجل في جواب القائل له: من عندك؟ كان التقدير: عندي زيد أو عندي رجل، ولا أعرف فائدة هذا الكلام ما هي؟ وكلام ابن عصفور مدخول من أصله فإن السؤال بـ «كيف» إنما هو سؤال عن الحال والوصف لا عن الذات، وإذا كان كذلك تعيّن أن يقال في الجواب: سخيّ أو بخيل ليكون ذلك جوابا، ولو قيل: السخيّ أو البخيل لما كان جوابا، لأن هذا إنما يقال لمن هو عالم بتلبس المسؤول عنه بالسخاء أو البخل، ولو كان عالما بذلك لما صح السؤال [5/ 151] بـ «كيف».
وأما الوجه الثاني 199 من الوجهين اللذين قصرت «كيف» فيهما عن أدوات الشرط: فهو أن الفعلين بعد أسماء الشرط قد يكونان متفقين نحو: إن يقم أقم، ومختلفين نحو: إن يقم أغضب، ولا يكونان بعد «كيف» إلا متفقين نحو: كيف يصنع أصنع، ولا يقال: كيف يقم أخرج، قالوا: فلما قصرت «كيف» عن أدوات الشرط فيما ذكر لم يجزم، وقيل: حملت في منع الجزم بها على «إذا» فخالفت أدوات الاستفهام كما خالفت «إذا» «حيثما» وقيل غير ذلك.
وتلحقها «ما» نحو: كيفما يكون أكون لا على جهة اللزوم بل على جهة -

الجزء: 9 - الصفحة: 4332

................................  التأكيد، قالوا: لضعف الارتباط بها، وفي ذلك نظر؛ فإن «ما» تلحق «إن» و «أين» و «متى» وقوة الارتباط فيها موجودة.
ثم إن الشيخ أطال الكلام في «كيف» وقال 200: «فالامتناع من المجازاة بها على الإطلاق لا يصح لا سيما وهو موجود»، ثم ذكر الآيتين الشريفتين وهما قوله تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ 201، وقوله تعالى: فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ 202 قال 203: وباطل أن تكون هنا استفهاما فلم يبق إلا أن تكون شرطا مؤخرا في اللفظ كما تؤخر «إن» مع الفعل إذا قلت: أقوم إن قمت، قال: فلا يصح إذن الامتناع من الجزاء بها مع هذا الشاهد الجلي، قال: ولا تكون للمجازاة على الإطلاق لاتفاق العرب والنحاة على أنه لا يجوز: كيف تجلس أقم، ولا كيف تخرج أنم إذا اختلف الفعلان، وهذا كله جائز في أين ومتى وغيرهما، فثبت أن كيف يجازى بها إذا اتفق الفعلان، وإذا اختلف الفعلان فلا يجوز المجازاة بها، ثم قال 204 بعد ذلك كله: «وظاهر الآيتين الشريفتين وهما: قوله تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ، وفَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ أن كيف فيهما ليست للاستفهام حقيقة، ولا يدل ذلك على أنه جوزي بها من حيث المعنى لا من حيث العمل، بل يدل ذلك على الربط، والربط أعم من أن يكون ذلك على جهة المجازاة المعنوية وغيرها، ألا ترى إلى قولك: حين تقوم أقوم لا يدل ذلك على أن «حين» للمجازاة، بل هي ظرف مختص يقع فيه الفعل المتصل بها والفعل العامل فيها، قال: وإذا ثبت أن الربط أعم من أن يكون لمجازاة أو غيرها احتمل قوله تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ أن يكون من الربط غير الجزائي، وإذا احتمل ذلك لم يكن فيه دليل على إثبات المجازاة بكيف من حيث المعنى» انتهى.
وأقول: إذا سلم أن الربط حاصل فأي مانع يمنع من قولنا: إن كيف للمجازاة في المعنى؟ وأي محذور يمنع من ذلك؟ وقد تقدم 205 لك ما نقله سيبويه عن -

الجزء: 9 - الصفحة: 4333

................................  الخليل - رحمهما الله تعالى - وهو قوله «ومخرجها على الجزاء لأن معناها: على أي حال تكن أكن»، وكفى بذلك حجة ودليلا على أن «كيف» يجازى بها في المعنى، وإنما حصل الربط في قولك: حين تقوم أقوم بسبب أن كلمة «حين» مضافة إلى أحد الفعلين، والفعل الآخر عامل فيها.
ومنها: أن زيادة «ما» مع هذه الأدوات على ثلاثة أقسام: واجبة وممتنعة وجائزة.
فالوجوب: مع أداتين وهما: «إذ» و «حيث» فلا يجزم بهما إلا مقرونتين بـ «ما»، قال في شرح الكافية 206: «لأنهما إذا تجردا لزمهما الإضافة إلى ما يليهما، والإضافة من خصائص الأسماء فكانت منافية للجزم، فلما قصد جعل هاتين الكلمتين جازمتين ركبتا مع «ما» لتكفهما عن الإضافة وتهيئهما لما لم يكن لهما من معنى وعمل فصارت «ما» ملازمة لهما ما دامت المجازاة مقصودة بهما».
والامتناع: مع أربع وهي: «من» و «ما» و «أنّى» و «مهما».
والجواز: مع «إن» و «أيّ» وأيّان و «أين» و «متى»، وإذا زيدت «ما» مع «أيّ» والمضاف إليه مذكور فالأجود أن يتوسط بينهما كقوله تعالى: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ 207، ويجوز أن يجاء بها بعد المضاف إليه كقول الشاعر: 3986 - فأيّهما ما أتبعنّ فإنّني... حريص على إثر الّذي أنا تابع 208 وقرأ ابن مسعود 209 رضي الله تعالى عنه: (أيّ الأجلين ما قضيت فلا عدون علىّ) فإن حذف ما تضاف إليه نونت ووليت «ما» كقوله تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 210. هل زيادة «ما» بعد حذف ما تضاف إليه واجبة أو جائزة؟ ظاهر كلام المصنف يعطي الوجوب، وكلام غيره يعطي الجواز.
-

الحديث: 3986 - الجزء: 9 - الصفحة: 4334

................................  ومنها: أنك قد عرفت قول المصنف 211: وقد ترد ما ومهما ظرفي زمان.
وقال في شرح الكافية 212: «وما سوى إن وإذما من أدوات الشرط فأسماء بإجماع المحققين، وهي على ثلاثة أضرب: ضرب لا ظرفية فيه وهو: أين ومتى وأيّان وحيثما وأيّ، وضرب يستعمل ظرفا وغير ظرف وهو: أيّ تكون عارية من الظرفية إذا أضيفت إلى ما لا يدل على زمان ولا مكان، وتكون ظرف زمان إن أضيفت إلى اسم زمان، وظرف مكان إن أضيفت إلى مكان نحو: أيّهم تضرب أضرب، وأيّ وقت تقم أقم، وأيّ مكان تجلس أجلس»، لكنه قال في متن الكافية 213: وقد أتت مهما وما ظرفين في... شواهد من يعتضد بها كفي وقال في شرحه لذلك 214: «جميع النحويين يجعلون ما ومهما مثل من في لزوم التجرد عن الظرفية مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب كقول الفرزدق: 3987 - فما تحي لا أرهب وإن كنت جارما... ولو عدّ أعدائي عليّ لهم ذحلا 215 وقول الآخر: 3988 - وما تك يا ابن عبد الله فينا... فلا ظلما نخاف ولا افتقارا 216 وقول الآخر: 3989 - فما تحي لا أخش العدوّ ولا أزل... على النّاس أعلو من ذرى المجد مفرعا 217 وقول تميم العجلاني 218: -

الحديث: 3987 - الجزء: 9 - الصفحة: 4335

................................  3990 - ولو كحلت حواجب خيل قيس... بتغلب بعد كلبق ما فدينا فما تسلم لكم أفراس قيس... فلا نرجو البنات ولا البنينا 219 وقول عبد الله [5/ 152] بن الزبير الأسدي: 3991 - فما تحي لا تسأم حياة وإن تمت... فلا خير في الدّنيا ولا العيش أجمعا 220 وكقول طفيل الغنوي: 3992 - نبّئت أنّ أبا شتيم يدّعي... مهما يعش يسمع بما لم يسمع 221 وكقول حاتم الطائي 222: 3993 - وإنّك مهما تعط بطنك سؤله... وفرجك نالا منتهى الذّم أجمعا 223 انتهى.
وقد عرفت أن بدر الدين بغى الحميّة عن ما استدرك به والده وقال: «كما يصح تقدير ما ومهما فيما ذكره بظرف زمان، كذلك يصح تقديرهما بالمصدر فيكون التقدير في قول القائل: 3994 - فما تك يا ابن عبد الله فينا أيّ كون قصير أو طويل تكن فينا فلا نخاف، وقول الآخر: فما تحي لا تسأم... أيّ حياة هنيّة أو غير مرضية تحي لا تسأم وفي قول الآخر: وإنّك مهما تعط... أيّ عطاء قليل أو كثير تعط نفسك سؤلها وفرجك نالا منتهى الذم».
وقد وافقه الشيخ أثير الدين على ذلك حتى قال 224: «فقد كفانا ولده الرد عليه».
والظاهر أن ما قاله المصنف أولى وأقرب والطباع تقبله، بخلاف ما ذكره ولده، -

الحديث: 3990 - الجزء: 9 - الصفحة: 4336

[ما تقتضيه أدوات الشرط التي تجزم فعلين]

قال ابن مالك: (وكلّها تقتضي جملتين تسمّى أولاهما: شرطيّة وتصدّر بفعل ظاهر أو مضمر مفسّر بعد معموله بفعل يشذّ كونه مضارعا دون «لم»، ولا يتقدّم فيها الاسم مع غير «إن» إلا اضطرارا، وكذا بعد استفهام بغير الهمزة، وتسمّى الجملة الثّانية: جزاء وجوابا، وتلزمه الفاء في غير الضّرورة إن لم يصحّ تقديره شرطا، وإن صدّر بمضارع صالح للشّرطية جزم في غير الضّرورة وجوبا إن كان الشّرط مضارعا، وجوازا إن كان ماضيا، وإن قرن بالفاء رفع مطلقا).
والمصنف يقول لولده كما قلت إنه لا مانع من أن يكنى بـ «ما» و «مهما» عن مصدر فعل الشرط، كما لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به.
أنا أقول: لا مانع من أن يكنى بـ «ما» و «مهما» عن زمان فعل الشرط كما لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 225: كل من الأدوات المذكورة تقتضي جملتين أولاهما ملزومة للثانية، فتسمى الأولى شرطا لأن وجود الملزوم علامة على وجود اللازم، والشرط في اللغة: العلامة 226، وتسمى الثانية جزاء وجوابا، لأنه مدعى فيها أنها لازمة لما جعل شرطا كما يلزم في العرف الجواب للسؤال، والجزاء للإساءة أو الإحسان، فسميت بذلك على الاستعارة والتشبيه، ولا تكون جملة الشرط إلا مصدرة بفعل متصرف مجزوم بالأداة لفظا أو تقديرا وهو إما ماض مجرد من حرف النفي ومن حرف «قد» لفظا أو تقديرا، وإما مضارع مجرد أو منفي بـ «لا» أو «لم» وأكثر ما يكون ظاهرا، ويجوز أن يضمر إذا دل عليه دليل، كما في: إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ تقديره: إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير، وإن كان عمله شرّا فجزاؤه شر، على ما تقدم ذكره في باب «كان» 227، وأكثر ما يضمر إذا فسر -

الجزء: 9 - الصفحة: 4337

................................  بعد معموله بفعل مذكور والغالب كونه ماضيا أو مضارعا منفيّا بـ «لم» نحو قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ 228 ونحو: إن زيد لم يأتني آته، ومجيئه مضارعا بدون «لم» شاذ ومنه قول الشاعر: 3995 - فإن أنت تفعل فللفاعلي... ن أنت المجيزين تلك الغمارا 229 وقول الآخر: 3996 - يثني عليك وأنت أهل ثنائه... ولديك إن هو يستزدك مزيد 230 ولا يتقدم الاسم الفعل على الإضمار المذكور مع غير «إن» من أدوات الشرط إلا في الضرورة كقوله: 3997 - فمن نحن نؤمنه بيت وهو آمن... ومن لا نجره يمس منّا مفزّعا 231 وكقوله: 3998 - صعدة نابتة في حائر... أينما الرّيح تميّلها تمل 232

الحديث: 3995 - الجزء: 9 - الصفحة: 4338

................................  وكقول الآخر: 3999 - فمتى واغل ينبهم يحيّو... هـ وتعطف عليه كأس السّاقي 233 والاستفهام في هذا الاستعمال كأدوات الشرط مع كونه غير مختص، فإن كان بالهمزة جاز - لكونها أمّ الباب، وأصل أدوات الاستفهام - أن يتقدم على الفعل بعدها اسم مرفوع بالابتداء أو معمول لفعل مضمر يفسره ما بعد الاسم، وإن كان بـ «هل» أو غيرها من أسماء الاستفهام امتنع أن يتقدم الاسم على الفعل إلا في الضرورة كقوله: 4000 - أم هل كبير بكى لم يقض عبرته... إثر الأحبّة يوم البين مشكوم؟ 234 وامتنع حينئذ كونه مبتدأ ووجب حمله على فعل مضمر عامل فيه عمل الفعل الظاهر في ما اشتغل به.
وأما الجزاء فيصلح له كل الجمل، فيكون جملة طلبية، وخبرية شرطية وغير شرطية، وجملة اسمية أو فعلية، والأصل كونه جملة يصح جعلها شرطا وهي المصدرة بفعل متصرف ماض مجرد من «قد» لفظا أو تقديرا ومن غيرها، أو مضارع مجرّد أو منفي بـ «لا» أو «لم» لأن الشرط بـ «إن» وأخواتها تعليق حصول ما ليس بحاصل على حصول غيره، فاستلزم في جملته امتناع الثبوت - - (2/ 73) وأمالي الشجري (1/ 332، 347) والإنصاف (ص 618) وابن يعيش (9/ 10)، وشرح الكافية للرضي (2/ 255).

الحديث: 3999 - الجزء: 9 - الصفحة: 4339

................................  وإمكان الحصول؛ فلا تكون إحداهما اسمية ولا طلبية إلا بتأويل. وإذا جاء الجزاء على غير ما هو الأصل فيه وجب اقترانه بالفاء ليعلم ارتباطه بالشرط وتعليق أداته به لما لم يكن على وفق ما يقتضيه الشرط وذلك إذا كان جملة طلبية كقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي 235 وكقراءة ابن كثير 236 ومن يعمل من الصلحات وهو مؤمن فلا يخف ظلما ولا هضما 237، أو شرطية نحو: إن تأتني فإن تحدثني أكرمك، أو اسمية نحو: إن تقم فزيد قائم، أو فعلية مصدرة بفعل غير متصرف نحو: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (39) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ 238، أو ماض مقرون بـ «قد» لفظا نحو قوله تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ 239، أو تقديرا وذلك إذا كان الفعل ماضي المعنى كقوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ 240، أو مقرون بحرف نفي نحو: إن قام زيد فما قام عمرو، أو مضارع مقرون بـ «قد» أو حرف تنفيس أو نفي بغير «لا» أو «لم» نحو: إن تقم فقد أقوم أو فسوف أقوم، أو فما أقوم [5/ 153] أو فلن أقوم، فـ «الفاء» في أمثال كل هذا واجبة الذكر لا يجوز أن تقوم «الواو» وغيرها مقامها، ولا يجوز حذفها إلا في الضرورة كقوله: 4001 - من يفعل الحسنات الله يشكرها... والشّرّ بالشّر عند الله مثلان 241 وقوله: 4002 - ومن لا يزل ينقاد للغي والهوى... سيلفى على طول السّلامة نادما 242

الحديث: 4001 - الجزء: 9 - الصفحة: 4340

................................  وإذا جاء الجزاء على مقتضى الأصل صالحا للشرطية لم يحتج إلى «فاء» تربطه بالشرط؛ فالأولى خلوّه منها ويجوز اقترانه بها، فإن خلا منها وصدر بمضارع جزم سواء أكان الشرط مضارعا نحو قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً 243 أو ماضيا كقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها 244 وقال الفرزدق 245: 4003 - دسّت رسولا بأنّ القوم إن قدروا... عليك يشفوا صدورا ذات توغير 246 وقد يرفع بكثرة إن كان الشرط ماضيا أو منفيّا بـ «لم»، وبقلة إن كان غير ذلك، فالأول كقول زهير: 4004 - وإن أتاه خليل يوم مسألة... يقول لا غائب مالي ولا حرم 247 وقول أبى صخر 248: 4005 - وليس المعنّى بالّذي لا يهيجه... إلى الشّوق إلّا الهاتفات السّواجع ولا بالّذي إن بان عنه حبيبه... يقول - ويخفي الصّبر - إني لجازع 249

الحديث: 4003 - الجزء: 9 - الصفحة: 4341

................................  وقول الآخر: 4006 - فإن كان لا يرضيك حتّى تردّني... إلى قطريّ لا إخالك راضيا 250 وقول الآخر: 4007 - وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه... تشوّف أهل الغائب المتنظّر 251 والثاني كقول جرير بن عبد الله البجلي 252: 4008 - يا أقرع بن حابس يا أقرع... إنّك إن يصرع أخوك تصرع 253 ومثله قول الآخر: 4009 - فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها... مطبّعة من يأتها لا يضيرها 254

الحديث: 4006 - الجزء: 9 - الصفحة: 4342

................................  ومنه قراءة طلحة بن سليمان 255: أينما تكونوا يدرككم الموت 256. ورفعه عند سيبويه على وجهين: على تقدير تقديمه وكون الجواب محذوفا، وعلى حذف الفاء لأنه قال 257: وقد يقولون: إن أتيتني آتيك [أي: آتيك] إن أتيتني، وأنشد بيت زهير 258 ثم قال 259: فإذا قلت آتي من أتاني فأنت بالخيار، إن شئت كانت أتاني صلة، وإن شئت كانت بمنزلها في إن، ويجوز في الشعر: آتي من يأتني قال: 4010 - فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها... مطبّعة من يأتها لا يضيرها كأنه قال: لا يضيرها من يأتها، ولو أريد به حذف الفاء جاز.
منع أبو العباس صحة تقدير التقديم فقال 260: وأما قوله: 4011 - وإن أتاه خليل يوم مسألة... يقول... 261 في القلب فهو محال، وذلك لأن الجواب حده أن يكون بعد إن وفعلها الأول، وإنما يعني بالشيء موضعه إذا كان في غير موضعه نحو: ضرب غلامه زيد، لأن حق الغلام أن يكون بعد زيد، وهذا قد وقع في موضعه من الجزاء، فلو جاز أن يعني به التقديم لجاز أن يقول: ضرب غلامه زيدا، يريد: ضرب زيدا غلامه.
وإن قرن المضارع الصالح للشرطية بالفاء وجب رفعه مطلقا سواء أكان الشرط مضارعا أم ماضيا كقوله تعالى: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ 262، وقوله تعالى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً 263، وكقراءة حمزة 264: إن تضل -

الحديث: 4010 - الجزء: 9 - الصفحة: 4343

................................  إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى 265، وينبغي أن يكون الفعل بعد هذه الفاء خبر مبتدأ محذوف، ولولا ذلك لحكم بزيادة الفاء وجزم المضارع، لأنها حينئذ في تقدير الشرط، لكن العرب التزمت رفع المضارع بعدها فعلم أنها غير زائدة وأنها داخلة على مبتدأ مقدر كما تدخل على مبتدأ مظهر.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال والده في شرح الكافية 266: «أصل جواب الشرط أن يكون فعلا ماضيا صالحا لجعله شرطا، فإذا جاء على الأصل لم يحتج إلى فاء يقترن بها، فإن اقترن بها فعلى خلاف الأصل، وينبغي أن يكون الفعل خبر مبتدإ، ولولا ذلك لحكم بزيادة الفاء وجزم الفعل إن كان مضارعا لأن الفاء على ذلك التقدير زائدة في تقدير السقوط، لكن العرب التزمت رفع المضارع بعدها فعلم أنها غير زائدة وأنها داخلة على مبتدأ مقدر كما تدخل على مبتدأ مصرح، ومن ذلك قوله تعالى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً 267، ومثله قراءة حمزة: إن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، وإذا كان الجواب ماضيا لفظا لا معنى لم يجز اقترانه بالفاء إلا في وعد أو وعيد، لأنه إذا كان وعدا أو وعيدا حسن أن يقدر ماضي المعنى فعومل معاملة الماضي حقيقة، ومثال الماضي حقيقة قوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ 268، ومثال الماضي لفظا لا معنى مقرونا بالفاء قوله تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ 269، وإلى هذا أشرت بقولي.
ولا يلي [الفا] الماضي الآتي معنى... إلّا لوعد أو وعيد يعني ويجوز أن تكون الفاء عاطفة ويكون التقدير: ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار فيقال لهم: هل تجزون؟ كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ 270 أي: فيقال لهم: أكفرتم؟ وإذا كان الجواب جملة اسمية [أو فعلية] 271 لا تلي حرف الشرط وجب اقترانها بالفاء ليعلم ارتباطها بالأداة، فإن ما لا يصح للارتباط مع الاتصال أحق بأن -

الجزء: 9 - الصفحة: 4344

................................  لا يصلح مع الانفصال، فإذا قرن بالفاء علم الأرتباط، والفعلية التي لا تلي حرف الشرط هي التي فعلها غير متصرف نحو قوله تعالى: فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ 272، وماض لفظا ومعنى نحو قوله تعالى: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ 273 أو مطلوب به فعل أو ترك نحو قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ 274 ونحو قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً 275 في رواية 276 ابن كثير 277، ومما يجب اقترانه بالفاء لأنه لا يلي حرف الشرط المقرون بالسين أو سوف، والمنفي بلن أو ما أو إن 278. وبعد ذلك فالإشارة إلى أمور: منها: أن شاهد [5/ 154] الفعل المفسر للفعل المحذوف بعد «إن» إذا كان مضارعا مقرونا بـ «لم» قول الشاعر: 4012 - وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها... فليس إلى حسن الثّناء سبيل 279 ومنها: أن المصنف في شرح الكافية أشار إلى ذكر سبب عدم جواز تقدم الاسم على الفعل مع أدوات الشرط غير «إن» فقال 280: «وكان حق أدوات الشرط أن لا يليها إلا معمولها كغيرها من عوامل الفعل السالمة من شذوذ، لكنها أشبهت الفعل في الدخول على معرب ومبنى، وأشبهت الفعل المتعدي بكونها لا تكتفي بمطلوب واحد فجاز أن يليها الاسم أي: معمول فعلها، وخصت إن لكونها في الشرط أصلا بكثرة ذلك فيها بشرط مضي الفعل» انتهى.
-

الحديث: 4012 - الجزء: 9 - الصفحة: 4345

................................  وإنما اشترط 281 مضى الفعل لئلا يظهر القبح في كونها ظهر لها تأثير وفصل بينهما وبين معمولها بمعموله، أما الفصل بغير معمول فعلها فلا يجوز إلا بـ «لا» خاصة سواء أكان ذلك في «إن» أم في غيرها من الأدوات نحو قوله: 4013 - ومن لا يصانع في أمور كثيرة... يضرّس بأنياب ويوطأ بميسم 282 ومنها: أننا عرفنا من قول المصنف في جملة الشرط: «وتصدّر بفعل ظاهر أو مضمر مفسّر بعد معموله بفعل» أن الاسم بعد أداة الشرط لا يجوز رفعه على الابتداء 283، لأن أداة الشرط مختصة بالأفعال، فإن كان الاسم الذي وليها منصوبا فهو منصوب بفعل مضمر، وإن كان مرفوعا فهو مرفوع بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده إما من لفظه نحو: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ 284 وإما من المعنى نحو: 4014 - لا تجزعي إن منفس أهلكته 285 أي: إن هلك منفس، والمنقول عن الكسائي أنه يجوز رفع الاسم بعدها على الابتداء قال 286: وتكون الجملة الابتدائية في موضع جزم كما أن الجملة الجزائية إذا كانت اسمية تكون كذلك.
وكأنه حمل الشرط على الاستفهام فأجاز ذلك كما يجوز: أزيد قائم؟ والفرق: أن العرب لم يسمع منهم نحو: إن زيد قائم قمت، وسمع منهم نحو: أزيد قائم؟ -

الحديث: 4013 - الجزء: 9 - الصفحة: 4346

................................  قال الشيخ 287: «وما ذهب إليه الكسائي من جواز الابتداء بعد أداة الشرط قد ذكره سيبويه وجها رديئا، فذكر 288 أن الاسم قد يرتفع بعد حرف الشرط بالابتداء إذا كان الخبر فعلا نحو: إن زيد قام أكرمتك، وسهّل ذلك عنده وجود الفعل في الجملة الشرطية فكأنه لم يعدم الفعل، قال 289: وعلى هذا ينبغي أن يحمل بيت لبيد: 4015 - فإن أنت لم ينفعك علمك........ 290 فيكون «أنت» مرفوعا بالابتداء لأنه لو حمله على الفعل بعده للزمه أن يقول فإن إياك لم ينفعك علمك ولا يجوز حمل «أنت» على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره قوله: لم ينفعك لأنه يلزم من ذلك تعدي فعل الضمير المرفوع إلى ضميره المتصل المنصوب، إذ يصير التقدير: فإن لم ينفعك، أما من لا يجيز الابتداء بعد أداة الشرط فإنه يذهب إلى [أن] «أنت» مرفوع بفعل محذوف يفسره ما بعده من جهة المعنى لا من جهة اللفظ.
التقدير: فإن ضللت، قال: وأجاز السهيلي 291 أن يكون «أنت» في موضع نصب، فيكون مما وضع فيه المرفوع موضع المنصوب كما فعل عكس ذلك حين قالوا: لم يضربني إلا إيّاه وفي الحديث الشريف: «من خرج إلى الصّلاة لا ينهزه إلّا إيّاها» 292، فعلى هذا يكون في تخريج البيت - أعني بيت لبيد - ثلاثة أقوال 293. -

الحديث: 4015 - الجزء: 9 - الصفحة: 4347

................................  ومنها: أن قول المصنف مشيرا إلى الجواب: «وتلزمه الفاء في غير الضّرورة إن لم يصحّ تقديره شرطا».
حيث جعل عدم صحة تقدير الجواب شرطا قانونا كليا لدخول «الفاء» فيه أحسن وأقرب مما ذكره المغاربة وهو أنهم لم يذكروا ضابطا، بل عددوا الأماكن التي تدخلها «الفاء» مكانا مكانا، قال ابن عصفور في المقرب 294: «فإن كانت الثانية - يعني جملة الجزاء - أمرا أو نهيا أو دعاء أو استفهاما، أو فعلا قد دخلت عليه قد، أو السين أو سوف أو ما، أو لن، أو غير ذلك أدخلت عليها الفاء».
ثم ذكر 295 أن الاسمية بالنسبة إلى دخول «الفاء» كذلك.
ولو قال ابن عصفور: فإن كانت الثانية طلبا لكان أولى، فإن العرض والتحضيض حكمهما في ذلك حكم الأمر والنهي.
يقال: إن الجملة الشرطية إذا وقعت جوابا وجبت «الفاء» فهي داخلة في ضابط المصنف ومسكوت عنها في كلام ابن عصفور.
ودخل تحت ضابط المصنف الجملة التعجبية 296 نحو: إن أقبل زيد فما أحسنه، والقسم (4) نحو: إن تكرمني والله لأكرمنّك، والجملة المصدرة بـ «ربّ» 297 نحو قول امرئ القيس: 4016 - فإن أمس مكروبا فيا ربّ بهمة... كشفت إذا ما اسودّ وجه الجبان 298 والنداء نحو 299: إن أتاك راج فيا أخا الكرام لا تهنه.
-

الحديث: 4016 - الجزء: 9 - الصفحة: 4348

................................  ومنها: أنك قد عرفت أن حذف هذه «الفاء» لا يجوز إلا في الضرورة والمنقول عن المبرد أنه يجيز ذلك في الكلام 300، وعند سيبويه 301 أن ذلك لا يجوز إلا في الشعر قال ابن هشام 302: «وهو الصحيح».
وقد أجاز 303 بعض النحويين حذفها في السعة إذا كان الشرط ماضيا حملا على: إن أتيتني آتيك وجعل من ذلك قوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ 304، وردّ 305 عليه ذلك بأن «إنكم لمشركون» جواب قسم محذوف قبل الشرط التقدير: والله إن أطعتموهم إنكم لمشركون كما حذف في قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ 306، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ 307. وقد جاء 308 مع حذف «الفاء» حذف المبتدأ الذي دخلت «الفاء» عليه قال الشاعر: 4017 - بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها... بني ثعل من ينكع العنز ظالم 309 التقدير: فهو ظالم، قالوا 310 وحسّن حذف المبتدأ فيه أن «من» الشرطية هنا قريبة من الموصولة، فكأنه توهّم [5/ 155] أن «من» موصولة وإن كان قد -

الحديث: 4017 - الجزء: 9 - الصفحة: 4349

................................  استعملها شرطا، ونظير هذا تشبيههم «الذي» وهو موصول بـ «من» الشرطية فجزموا الفعل الواقع خبرا له تشبيها له بالجواب كما سيأتي ذكر ذلك حيث ذكره المصنف.
ومنها: أن النحاة اختلفوا في المضارع المرفوع الواقع في محل الجواب فقال سيبويه 311: إنه دليل الجواب، وعلى هذا فهو مؤخر عنده من تقديم، وجواب الشرط محذوف، وقال المبرد والكوفيون 312: إنه هو الجواب وإن «الفاء» حذفت منه، وقال آخرون 313: إن أداة الشرط لما لم يظهر لها تأثير في فعل الشرط لكونه ماضيا لم يجزم الجواب، فهو عند هؤلاء جواب لا دليل الجواب كما يقول سيبويه ولا على إضمار «الفاء» كما يقول المبرد، ولكن قد عرفت أن بدر الدين ذكر أن سيبويه يجيز الوجهين وهما: تقدير التقديم، وكون الجواب محذوفا وحذف «الفاء»، وكلام الشيخ أيضا يقتضي ذلك فإنه قال 314 بعد إنشاده: 4018 - إنّك إن يصرع أخوك تصرع (5) وقول الآخر: 4019 -..... من يأتها لا يضيرها 315 والفعل المرفوع إذ ذاك إما أن يكون قبله ما يمكن أن يطلبه أولا، فإن كان نحو: إنّك إن يصرع أخوك تصرع وإن لم يكن نحو: إن تأتني آتيك إذا جاء في الشعر فذهب سيبويه إلى أن الأولى أن يكون في المسألة الأولى على نية التقديم والتأخير، وفي الثانية على إضمار «الفاء»، وجوز العكس وهو أن يكون الأول على إضمار «الفاء» والثاني على التقديم انتهى.
واعلم أن الزمخشري قال 316 في قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ -

الحديث: 4018 - الجزء: 9 - الصفحة: 4350

................................  خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً 317: إن «ما» من: وما عملت من سوء، ليست شرطية لارتفاع تود.
وقد أبى الجماعة قبول ذلك منه وقالوا 318: إن فعل الشرط إذا كان ماضيا واستفيد الجواب من مضارع بعده جاز رفع ذلك المضارع و [قد] تقدمت شواهد ذلك.
ولا شك أن كلام الزمخشري غير ظاهر، وقد منع الشيخ كون «ما» المذكورة شرطية من وجه آخر لا لكون «تود» مرفوعا وهو: أن النية بـ «تود» التقديم على مذهب سيبويه، فيكون دليلا على الجواب لا نفس الجواب قال 319: فنقول إذا كان تود منويا به التقديم أدى إلى تقديم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناه في العربية، ألا ترى أن الضمير في قوله: «وبينه» عائد على اسم الشرط الذي هو «ما» فيصير التقدير: تود كل نفس لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ما عملت من سوء، فيلزم من هذا التقدير تقديم المضمر على الظاهر وذلك لا يجوز، فإن قلت: لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخر عن اسم الشرط وإن كان النية به التقديم فقد حصل عود الضمير على الاسم الظاهر قبله، وذلك نظير: ضرب زيد غلامه والفاعل رتبته التقديم ووجب تأخيره لصحة عود الضمير؟ الجواب أن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه لعود الضمير، فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل، وجملة الشرط إنما تقتضي جملة الجزاء لا دليله إذ ليست بعاملة في جملة الدليل، [بل] إنما تعمل في جملة الجزاء، وجملة الدليل لا موضع لها، وحينئذ يتدافع الأمر لأنها من حيث هي دليل لا يقتضيها اسم الشرط ومن حيث عود الضمير على اسم الشرط يقتضيها فتدافعا، وهذا بخلاف: ضرب زيدا غلامه لأنها جملة واحدة والفعل عامل في الفاعل والمفعول معا، ولذلك جاز عند بعضهم، ضرب غلامها هندا لاشتراك الفاعل المضاف للضمير والمفعول الذي عاد عليه الضمير في العامل، وامتنع: ضرب -

الجزء: 9 - الصفحة: 4351

................................  غلامها جار هند لعدم الاشتراك في العامل، قال: فهذا فرق ما بين المسألتين انتهى كلامه. وفي مستند المنع الذي ذكره نظر، لأنا لا نسلم أنه يلزم من اشتمال دليل الجواب المتأخر عن جملة الشرط على ضمير عائد على اسم الشرط اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل، بل المعتبر في صحة تفسير الظاهر للمضمر في غير الأبواب المستثناه 320 تقدم ذلك الظاهر على ذلك المضمر لفظا ورتبة، أو لفظا لا رتبة كما تقرر في علم النحو. وأما اشتراك الاسم الذي اتصل به الضمير وصاحب الضمير أي: مفسره في عامل واحد فغير لازم بدليل جواز: ضرب غلامها بعل هند على القول الأصح، فلم يشترك المفعول المضاف للضمير والاسم الذي عاد عليه الضمير في العامل، وإنما احتيج في [نحو] ضرب غلامها هندا إلى أن يكون الذي عاد عليه الضمير مشاركا للمضاف إلى الضمير في العامل لأن الضمير عاد فيه على متأخر لفظا ورتبة، فالتزموا في المفسر المشاركة لما قبله في العامل ليكون العامل منصبا عليهما معا فيخف الأمر في عود الضمير على ما هو متأخر من جهتين، فكأن اشتراكهما في العامل نزلهما منزلة واحدة، فلم يكن اشتراط المشاركة في العامل في المسألة المذكورة لأمر يرجع إلى جهة الاقتضاء الذي أشار إليه الشيخ، بل لما ذكرته، وإذا كان كذلك فلم يتحقق ما قرره من امتناع أن تكون «ما» من قوله تعالى: وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ 321 شرطية. ومنها: أن المصنف ذكر في شرح الكافية مسألة وكأنه لم يذكرها في التسهيل وهي 322: ما إذا تقدم على الشرط استفهام نحو: أإن تقم أقم؟ قال 323: «فسيبويه 324 يجعل الاعتماد على الشرط كأن الاستفهام لم يكن، ويونس 325 يجعل الاعتماد على الاستفهام ناويا تقديم الفعل الثاني، وإلى هذا أشرت بقولي: ويونس التّقديم [ينوي] فرفع... وعند سيبويه ذلك [5/ 156] امتنع

الجزء: 9 - الصفحة: 4352

................................  ومن حجة سيبويه 326 قوله تعالى: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ 327» انتهى.
ومعنى قوله: «إن سيبويه يجعل الاعتماد على الشرط» أن الجواب الذي يذكر يكون للشرط ويكون الاستفهام داخلا على جملة الشرط والجزاء نحو قولك: هل إن قام زيد يقم عمرو؟ ويونس لما نوى التقديم جعل الجواب محذوفا، ولزم من ذلك كون فعل الشرط ماضيا لأنه محذوف الجواب فيقول: أإن أتيتني آتيك التقدير: آتيك إن أتيتني، ولا يجوز عنده أإن تأتني آتك بجزمها، ولا: أإن تأتني آتيك بجزم الأول ورفع الثاني إلا في الضرورة 328. وأما وجه دليل سيبويه من الآية الشريفة فإنه لا يجوز أن يكون التقدير: أفهم الخالدون فإن مت؟ لأن الذي يقول: أنت ظالم إن فعلت، فيحذف الجواب لدلالة ما تقدم عليه لا يقول: أنت ظالم فإن فعلت، أن «الفاء» حرف استئناف يمنع ما قبلها أن يفسر ما بعدها 329. قال الشيخ 330: «وليس في ما ذكره دليل على فساد مذهب يونس، لأن الكلام إنما كان في مسألة تقدمت همزة الاستفهام على أداة شرط بعدها مضارعان، وليست الآية الشريفة من هذا في شيء» انتهى.
وأقول: إن الشيخ بنى الأمر على أن المسألة التي يأتي فيها خلاف يونس لا بد أن تكون أداة الشرط يتقدمها الاستفهام داخلة على مضارعين، وأطال الكلام في ذلك بما توقف عليه كلامه.
والذي يقتضيه كلام المصنف وكلام ابن عصفور أن يونس يجعل الاعتماد على الاستفهام دون الشرط في كل مسألة باشر الاستفهام فيها أداة الشرط دون تقييد بمضارعين أو غيرهما.
وقد قال الشيخ 331: «إن سيبويه رد على يونس بالقياس والسماع» فذكر -

الجزء: 9 - الصفحة: 4353

................................  القياس ثم قال 332: «وأما السماع» فذكر الآية الشريفة - أعني قوله تعالى: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ 333. ومنها: أنه قد تقدم أن المضارع الصالح للشرطية إذا قرن بـ «الفاء» يجب رفعه كقوله تعالى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً 334، وكقراءة حمزة أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى 335 أنه ينبغي أن يكون الفعل بعد هذه «الفاء» خبر مبتدأ محذوف، وأنه لولا ذلك الحكم بزيادة «الفاء».
وجزم المضارع لأنها حينئذ في تقدير الشرط، لكن العرب التزمت رفع المضارع بعدها فعلم أنها غير زائدة وأنها داخلة على مبتدأ مقدر كما تدخل على مبتدأ مظهر، فذكر الشيخ: ذلك 336 ثم قال 337: «وإذا كان على ما قالوا فيكون قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ على قراءة حمزة 338 يكون المبتدأ ضمير الشأن أو القصة، إذ قد رفع الظاهر فليس ثمّ اسم متقدم يعود عليه الضمير فيكون إذ ذاك الضمير ضمير الأمر أو القصة، ولذلك إذا قلت: إن قام زيد فيقوم عمرو يكون التقدير: فهو يقوم عمرو، والضمير إذ ذاك ضمير الأمر والشأن، ثم قال: ويمكن أن يقال: إن ربط الجملة الشرطية المصدر جوابها بالمضارع يكون بأمرين: أحدهما: بجزم المضارع، والآخر: بالفاء ورفعه، لأنه لو رفع ولم تدخل الفاء لتوهم فيه أنه على نية التقديم كما قال سيبويه 339 في قوله: إن قام زيد يقوم عمرو، فيكون إذ ذاك للربط طريقان ولا يحتاج إلى تكلف الإضمار في كل مكان وخصوصا تكلف إضمار القصة أو الشأن إذا لم يمكن أن يعود الضمير على سابق، وكما ربطت الفاء الجملة الاسمية كذلك ربطت الجملة الفعلية المصدرة بالمضارع إذا لم يؤثر فيه الشرط الجزم».
انتهى.
ولا يخفى أن هذا الذي ذكره فيه هدم لقاعدة الباب، لأن الأداة طالبة للجواب كما هي طالبة للشرط، وإذا كانت طالبة كانت منصبة عليه عاملة فيه كما سيأتي أنه -

الجزء: 9 - الصفحة: 4354

[العامل في الجواب]

قال ابن مالك: (وجزم الجواب بفعل الشّرط [لا] بالأداة وحدها، ولا بهما، ولا على الجوار خلافا لزاعمي ذلك).
المذهب الصحيح، فإذا كان الجواب صالحا لمباشرة الأداة بان يكون صالحا لكونه شرطا جزم لفظا، وكان جزمه دليلا على ارتباطه بما قبله، وإذا لم يكن صالحا للشرطية أتى بـ «الفاء» لتدل على الارتباط، إذ شأنها أن تصل ما بعدها بما قبلها، وحكم على محله بالجزم، فقد ثبت لنا أن «الفاء» إنما يحتاج إليها عند عدم صلاحية ما تباشره لأن يكون شرطا، ولزم من ذلك أنها إذا باشرت ما هو صالح للشرطية أن يقدر قبله مبتدأ فتصير الجملة اسمية لتكون «الفاء» واقعة موقعا تستحقه، ولو لم يكن الأمر كذلك لقال النحاة ابتداء: إن ربط الجملة الشرطية المصدرة بالمضارع يكون بأمرين أحدهما: بجزم المضارع، والآخر: بالفاء ورفعه، وهم لم يقولوا ذلك.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 340: «اختلف في الجازم لجواب الشرط إذا حذفت منه الفاء، فعند الكوفيين 341 هو مجزوم على الجوار كخفض «خرب» من قولهم: هذا جحر ضبّ خرب 342، ويبطله أمور ثلاثة: أحدها: أن الخفض على الجوار لا يكون واجبا وجزم الجواب واجب.
الثاني: أن الخفض على الجوار لا يجوز إلا بعد مخفوض خفضا لتحصل المشاكلة، وجزم الجواب يكون بعد جزم ظاهر وغير ظاهر.
الثالث: أن الخفض على الجوار لا يكون مع الاتصال، وجزم الجواب يكون مع الاتصال والانفصال فعلم أنه ليس مجزوما على الجوار، فجزمه إما بفعل الشرط، وإما بأداته، وإما بهما، لا جائز أن يكون جزمه بالأداة وحدها، لأن الجزم في الفعل نظير [5/ 157] الجر في الاسم وليس في عوامل الجر ما يعمل في شيئين دون إتباع، فوجب أن تكون عوامل الجزم كذلك تسوية بين النظيرين، ولئلا يلزم ترجيح الأضعف على الأقوى، وأيضا فإن العوامل على ضربين أحدهما: ما يعمل عملا -

الجزء: 9 - الصفحة: 4355

................................  متعددا، والثاني: ما يعمل عملا غير متعدد، والعامل عملا متعددا لا بد في عمله من اختلاف، أن يغاير معنى معموليه ليمتاز أحدهما من الآخر، والشرط والجواب متغايران فلو كان عاملهما واحدا لوجب اختلاف عمليهما وجوب ذلك في الفاعل والمفعول، فالحكم على أداة الشرط بأنها جازمة للجواب مع أنها جزمت الشرط حكم بما لا نظير له، فوجب منعه.
ولا جائز أن يكون جزم الجواب بالأداة والشرط معا لأن كل عامل مركب من شيئين لا يجوز انفصال جزئيه ولا حذف أحدهما كـ «إذما» و «حيثما» بخلاف أداة الشرط وفعله فإن انفصالهما جائز نحو: إن زيدا تكرم يكرمك، وقد يحذف فعل الشرط دون الأداة كقوله: 4020 - فطلّقها فلست [لها] بكفء... وإلّا يعل مفرقك الحسام 343 فلو كان العمل لهما معا وجب لهما ما وجب لـ «إذ ما» و «حيثما» من عدم الإفراد والانفصال، وإذا بطل جزم الجواب بما سوى فعل الشرط تعيّن كونه مجزوما بفعله لاقتضائه إياه بما أحدثت فيه الأداة من المعنى والاستلزام، وعلى هذا يؤول قول سيبويه: واعلم أن حروف الجزاء تجزم الأفعال ويجزم الجواب بما قبله 344، لأن ترك تأويله يقتضي أن يكون للفاعل والمفعول حظ في جزم الجواب وذلك لا يصح اتفاقا وقد دل الدليل على أن جزم الجواب ليس بالأداة والشرط معا، ولا بالأداة وحدها فلم يبق ما يحمل عليه قول سيبويه إلا فعل الشرط وحده، وبهذا الجواب يسلم من ترجيح الاسم على الفعل في العمل مع أصالته وفرعية الاسم، وذلك أن الاسم قد عمل في جنسه نحو: هذا ضارب زيدا، وفي غير جنسه نحو: من يكرمني أكرمه، فلو لم يكن جزم الجواب بفعل الشرط لزم كون الفعل مقصور العمل على غير جنسه وذلك انحطاط أصل عن رتبة فرع، فإذا كان جزم الجواب بفعل الشرط -

الحديث: 4020 - الجزء: 9 - الصفحة: 4356

................................  أمن ذلك فوجب القول به انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وهذه الأقوال في جازم الجواب أربعة: أحدها: أنه الجوار وقد عرفت أنه مذهب الكوفيين، وقد ردّ ذلك عليهم بما تقدم ذكره.
ثانيها: أنه فعل الشرط وهو مذهب الأخفش 345 قال: «لأنه مستدع للجواب بما أحدثت فيه الأداة من المعنى والاستلزام» وقد عرفت أنه مختار المصنف 346. ثالثها: أنه الأداة وفعل الشرط 347. رابعها: أنه الأداة وحدها قال الشيخ 348: «وهو مذهب المحقيين من البصريين 349، وعزاه السيرافي 350 إلى سيبويه، وهو مختار الحذاق من المتأخرين كالجزولي 351، والأبّذيّ 352، وابن عصفور 353» انتهى.
والذي يظهر أنه هو الحق، لأن الأداة هي الطالبة للجواب كما هي طالبة للشرط.
وأما قول بدر الدين: إنه ليس في عوامل الجر ما يعمل في شيئين فوجب أن تكون عوامل الجزم كذلك «فيقال» في جوابه: إن العمل إنما يكون بحسب الاقتضاء، وعامل الجر إنما اقتضى شيئا واحدا فكيف يعمل في شيئين؟ وأما قوله: إن العامل عملا متعددا لا بد في عمله من اختلاف، أن يغاير معنى معموليه ليمتاز أحدهما من الآخر والشرط وجوابه متغايران، فلو كان عاملهما واحدا -

الجزء: 9 - الصفحة: 4357

[الجزم بإذا حملا على غيرها وإهمال غيرها حملا عليها]

قال ابن مالك: (قد يجزم بإذا الاستقباليّة حملا على «متى»، وتهمل «متى» حملا على «إذا»، وقد تهمل «إن» حملا على «لو» والأصحّ امتناع حمل «لو» على «إن»، وقد يجزم مسبّب عن صلة الّذي تشبيها بجواب الشّرط).
لوجب اختلاف عمليهما.. إلى آخر كلامه فيقال في جوابه: إن هذا الذي ذكره إنما يتصور في معمول يقبل من أنواع الإعراب غير ما التبس به المعمول الآخر كما أن المفعول يقبل النصب مع أن الفاعل مرفوع، وما نحن فيه لا يمكن فيه ذلك، وبيانه أن الفعل إنما له من الإعراب الذي تحدثه العوامل اللفظية نوعان وهما: النصب والجزم ولا شك أن النصب متعذر لأن العامل الذي عمل في الشرط إنما عمل جزما فثبت أنه عامل جزم، وإذا ثبت له ذلك امتنع فيه أن ينصب فعل الجواب، وإذا امتنع النصب تعين الجزم، إذ ليس للعامل اللفظي الداخل على الفعل غيرهما، ثم من المعلوم أن العامل هو ما يتقوم به المعنى المقتضي، ولا شك أن الشرط وجوابه إنما يتقومان بالأداة فوجب نسبة العمل فيها إليها.
فإن قال الإمام بدر الدين: الشرط يتقوّم بالأداة والجواب يتقوّم بالأداة وبالشرط معا فيجب على هذا أن تكون الأداة والشرط هما العاملان في الجواب!! أجيب بأنك أنت [قد] أبطلت أن يكون الجزم بالأداة والشرط معا، ولا شك أنه إبطال صحيح، وإذا كان كذلك تعين أن الأداة هي العاملة فيهما، ولا شك أن كون الأداة هي الجازمة للشرط والجواب هو الذي تركن إليه النفس، ولم ينتهض الأمر الذي استدل به على بطلانه فتعيّن الاستمساك به.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 354: «إذا في الكلام على ضربين: ظرف زمان مستقبل وحرف مفاجأة، فالتي هي حرف مفاجأة مختصة بالجمل الاسمية ولا عمل لها، والاستقبالية مختصة بالجمل الفعلية وتأتي على وجهين: أحدهما: أن تكون خالية من معنى الشرط نحو: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (1) [5/ 158] وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى 355.

الجزء: 9 - الصفحة: 4358

................................  والثاني: أن تكون متضمنة معنى الشرط وهو الغالب فيها نحو قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ 356. وهي كالخالية من معنى الشرط في عدم استحقاق عمل، لأن إذا الشرطية مختصة بالتعليق على الشرط المقطوع بوقوعه حقيقة أو حكما كقولك: آتيك إذا احمرّ البسر، وإذا قدم الحاجّ، ولو قلت: آتيك إن احمرّ البسر كان قبيحا 357، فلما خالفت إذا «إن» وأخواتها فلم تكن للتعليق على الشرط المشكوك في وقوعه فارقتها، في حكمها فلم يجزم بها في السعة، بل تضاف إلى الجملة، وإذا وليها المضارع كان مرفوعا كقوله تعالى وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ 358، وأما في الشعر فساغ الجزم بها حملا على «متى» قال سيبويه 359: وقد جازوا بها في الشعر مضطرين شبهوها بإن وحيث رأوها لما يستقبل وأنها لا بد لها من جواب، قال قيس بن خطيم 360: 4021 - إذا قصرت أسيافنا كان وصلها... خطانا إلى أعدائنا فنضارب 361 القافية مكسورة 362، وقال الفرزدق: 4022 - ترفّع لي خندف والله يرفع لي... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد 363

الحديث: 4021 - الجزء: 9 - الصفحة: 4359

................................  وأنشد الفراء 364: 4023 - استغن ما أغناك ربّك بالغنى... وإذا تصبك خصاصة فتجمّل 365 وقال الآخر 366: 4024 - وإذا نطاوع أمر سادتنا... لا يثننا بخل ولا جبن 367 قال الشيخ رحمه الله تعالى - يعني والده -: وليس قائل [هذا] مضطرا لأنه لو رفع: نطاوع لم يكسر الوزن ولم يزاحفه 368. وقد تهمل «متى» فيرفع الفعل بعدها حملا على «إذا» وهو غريب ومنه «إنّ أبا بكر رجل أسيف وأنّه متى يقوم مقامك رقّ» 369. وقد تهمل «إن» حملا على «لو» كما في الحديث الشريف: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه فإنّك إن لا تراه فإنّه يراك» 370. وأجاز الجزم بـ «لو» في الشعر قوم منهم الشجري واحتج 371 بقول الشاعر: -

الحديث: 4023 - الجزء: 9 - الصفحة: 4360

................................  4025 - لو يشأ طار به ذو ميعة... لا حق الآطال نهد ذو خصل 372 قال الشيخ رحمه الله تعالى 373: وهذا لا حجة فيه لأن من العرب من يقول: جاء يجئ وشاء يشأ بترك الهمزة، فيمكن أن يكون قائل هذا البيت من لغته ترك همزة «يشاء» فقال: يشا، ثم أبدل الألف همزة كما قيل في: عالم وخاتم، عألم وخأتم، وكما فعل ابن ذكوان 374 في قوله تعالى: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ 375. والأصل: منسأة مفعلة من: نسأته: زجرته بالعصا، فأبدل الهمزة ألفا ثم أبدل الألف همزة ساكنة فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشأ، وأما قول الشاعر: 4026 - تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا 376 فهو من تسكين ضمة الإعراب تخفيفا كما قرأ أبو عمرو 377 وينصركم 378 - - الاستقبال كقولك: إن خرجت غدا خرجنا، ولا تفعل ذلك لو وإنما تقول: لو خرجت أمس خرجنا «ثم قال: «وقد جاء الجزم بلو في مقطوعة لامرأة من بني الحرث بن كعب» ثم ذكر ثلاثة أبيات ثانيهما بيت الشاهد.
انظر أمالي الشجري (1/ 186، 187)، فابن الشجري لم يجز الجزم بـ «لو» ولم يحتج لذلك كما هو واضح من هذا النص ولكنه حين رأي ذلك في البيت الذي أورده وهو: إن الوفاء كما اقترحت فلو تكن... حيا اذن ما كنت بالمزداد أراد أن يقول: أن هذا ليس بغريب فقد ورد الجزم بها عن الثقات من العرب.

الحديث: 4025 - الجزء: 9 - الصفحة: 4361

................................  و (يشعركم) 379 وكما قرأ بعض السلف 380: ورسلنا لديهم يكتبون 381 بسكون اللام.
وأشار بقوله: «وقد يجزم مسبّب عن صلة الّذي تشبيها بجواب الشّرط» إلى ما أنشد ابن الأعرابي 382 من قول الشاعر: 4027 - لا تحفرن بئرا تريد أخا بها... فإنّك فيها أنت من دونه تقع كذاك الّذي يبغي على النّاس ظالما... تصبه على رغم عواقب ما صنع 383 انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى.
واعلم أن «إذا» قد تقدم الكلام عليها مشبعا محررا في باب «المفعول فيه» 384 فالناظر بمراجعته ذلك يكتفي به عن غيره، ولا حاجة إلى الإطالة بإعادته هنا.
وأما جزم المسبب عن صلة الذي فقال الشيخ 385: «إنه مذهب الكوفيين قال: وليس مذهب البصريين» انتهى.
هذا تنبيه من الشيخ على المذاهب لا دفع لما ذكره المصنف، فإن عبارته قد أشعرت بأن ذلك في غاية القلة، ولا شك أنه مسموع فأشار إلى أنه سمع، أما كونه مذهبا لقوم دون قوم فلم يتعرض إلى ذلك.
قال الشيخ 386: وقد يجزم أيضا مسبب عن نكرة موصوفة تشبيها بجواب الشرط قال الشاعر: -

الحديث: 4027 - الجزء: 9 - الصفحة: 4362

[حكم تقديم معمول الشرط أو الجواب عليهما]

قال ابن مالك: (ويجوز نحو: إن تفعل زيد وفاقا لسيبويه، ونحو: إن تنطلق خيرا تصب خلافا للفرّاء).
4028 - وكلّ امرئ بغى على النّاس ظالما... تصبه على رغم عواقب ما صنع 387 وقال الآخر: 4029 - وإنّ امرأ لا يرتجى الخير عنده... يكن هيّنا ثقلا على من يصاحبه 388 قال 389: وهذا كله ضرورة، ونظير هذا التشبيه دخول «الفاء» في الخير تشبيها بجواب الشرط نحو: كلّ رجل يأتني فله درهم، والذي يأتني فله درهم، إلا أن هذا جائز في الكلام وذلك لم يسمع إلا في الشعر.
انتهى.
ولا يخفى أن بين الشبيهين في البابين فرقا، لأن «الفاء» إنما دخلت في الخير لشبه المبتدأ باسم الشرط وشبه الخبر بالجواب كما عرف ذلك في موضعه، ولهذا اشترطوا فيه أن يكون الخير مستحقا بالصلة أو الصفة.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 390: ويجوز في الشرط بـ «إن» تقديم معموله عليه وحده باتفاق، وأجاز سيبويه 391 والكسائي 392 نحو: إن طعامنا تأكل نكرمك، وفي الجزاء المجزوم بـ «إن» تقديم معموله عليه نحو: إن تكرمنا طعامك نأكل، وإن تنطلق خيرا تصب كما جاز مثله في الشرط، وأنشد الكسائي 393: -

الحديث: 4028 - الجزء: 9 - الصفحة: 4363

................................  4030 - وللخيل أيّام فمن يصطبر لها... ويعرف لها أيّامها الخير تعقب 394 ومنع ذلك الفراء 395 وأوجب في الجزاء إذا تقدم معموله الرفع على القلب أو على تقدير «الفاء» نحو: إن تنطلق خيرا تصيب، وجعل «الخير» في البيت صفة لـ «الأيام».
وإن صدر الجزاء باسم يليه فعل مسند إلى ضميره فالوجه ذكر «الفاء» ورفع الفعل نحو: إن يفعل فزيد بفعل، وأجاز سيبويه 396 ترك «الفاء» والجزم نحو: إن تفعل زيد يفعل، ووجهه أن يكون الاسم مرفوعا بفعل مضمر يفسره الفعل الظاهر لصحة عمله في محل الاسم السابق لو خلا عن الشاغل، ومنع ذلك الفراء والكسائي 397، أما الفراء فمنعه له متّجه على أصله فإنه [5/ 159] لما منع عمل الجواب المجزوم فيما قبله وجب عليه أن يمنع تفسيره عاملا فيما قبله، وأما الكسائي فإنه يجيز عمل الجواب المجزوم فيما قبله، فقد كان ينبغي له أن يجيز تفسيره عاملا فيما قبله، اللهم إلا أن يكون مذهب الكسائي امتناع إضمار الفعل على شريطة التفسير إلا عند وجود الموجب لإضماره أو المرجّح أو المسوى، فحينئذ يكون نحو: إن تنطلق زيد يفعل ممتنعا عند الكسائي لوجوب كون «زيد» مبتدأ، وكون الفعل خبره وامتناع جزم الخبر انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
والذي ذكره المصنف مسألتان: أما الأولى: وهي إن تفعل زيد يفعل فقال الشيخ 398: «قد اختلف رأي المصنف في هذه -

الحديث: 4030 - الجزء: 9 - الصفحة: 4364

................................  المسألة، ففي هذا الكتاب وافق سيبويه، وفي شرح الكافية اختار المنع، وقال: أجاز ذلك سيبويه دون سماع، ومنعه الكسائي والفراء، وبقولهما أقول» انتهى.
وقد عرفت ما قاله بدر الدين من أن توجيه ذلك أن يكون ذلك أن يكون الاسم مرفوعا بفعل مضمر يفسره الفعل الظاهر لصحة عمله في محل الاسم السابق لو خلا عن الشاغل، إلا أن في ما قاله نظرا.
وأما المسألة الثانية: فقد اقتصر المصنف فيها على ذكر حكم واحد وهو: تقديم معمول الجواب المجزوم عليه، وكلامه في الكافية يزيد على ذلك فإنه قال 399: وقد يلي الجزاء ما فيه عمل... عند سوى الفرّا وشيخه قبل كزيدا إن تسل يبن وكالمنى... إن تزك تبلغ رأياه حسنا وقال في شرح ذلك 400: «مثال إيلاء الجزاء ما عمل فيه قول طفيل الغنوي: 4031 - وللخيل أيّام فمن يصطبر لها... ويعرف لها أيّامها الخير تعقب 401 قال: ولم يجز الفراء 402 مثل هذا، وهو محجوج بالنقل، وأجاز هو والكسائي 403 تقديم معمول الجزاء على أداة الشرط، نحو: المنى إن تزك تبلغ، وأجاز الكسائي 404 وحده: زيدا تسأل يبن» انتهى.
فذكر ثلاث مسائل: الأولى: تقديم معمول الجزاء المجزوم عليه وذكر أن الفراء يمنعه.
الثانية: تقديم معمول الجزاء على أداة الشرط، وذكر أن الكسائي والفراء يجيزان ذلك.
-

الحديث: 4031 - الجزء: 9 - الصفحة: 4365

................................  الثالثة: تقديم معمول الشرط على أداته، وذكر أن الكسائي وحده يجيزها.
وقد ذكر الشيخ 405 أن هذا الذي تقدم الكلام عليه ثبت في نسخة ابن المصنف قال 406: «والذي ثبت في كتابي بعد قوله: خلافا لزاعمي ذلك، قوله: ولا يمنع جزمه تقديم معموله عليه، ولا يعمل في ما قبل الأداة إلا وهو غير مجزوم خلافا للكوفيين في المسألتين.
ثم شرح ذلك بأن قال 407: «مثال تقديم معمول الجواب المجزوم عليه: إن تأتني خيرا تصب قال: ونسب المنع إلى الكوفيين، والذي ثبت في نسخة ابن المصنف أن الذي خالف فيها هو الفراء وهو الصحيح لأن الكسائي وهو رأس الكوفيين وافق سيبويه في الجواز.
وقوله: ولا يعمل في ما قبل الأداة، أي: ولا يعمل فعل الجواب في ما قبل أداة الشرط إلا والفعل غير مجزوم مثال ذلك: خيرا إن أتيتني تصيب، فإن جزمت أجاز ذلك الكسائي والفراء ولا يجوز ذلك عند البصريين.
قال 408: وقول المصنف: ولا يعمل فعل الجواب في ما قبل الأداة إلا وهو غير مجزوم، ليس بصحيح لأن الفعل إذ ذاك ليس فعل جواب، بل الجواب محذوف والتقدير: تصيب خيرا إن أتيتني» انتهى.
وقد تبين أن كلامه في الكافية وشرحها أوضح وأجلى مما ذكره هنا، لكن بقى عليه أن يذكر تقديم معمول فعل الشرط على الأداة نحو: خيرا إن تفعل يثبك الله قال الشيخ 409: «ومذهب البصريين والفراء (6) فيها المنع ومذهب الكسائي 410 الجواز» انتهى.
وأما تقديم معمول فعل الشرط وحده إذا كان الشرط بـ «إن» فقد عرفت جوازه باتفاق كما ذكر الشيخ بدر الدين ولد المصنف.
واعلم أن المصنف لما ذكر في شرح الكافية تقديم معمول الجزاء المجزوم عليه استدل بقول طفيل: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4366

[نيابة إذا الفجائية عن الفاء]

قال ابن مالك: (وقد تنوب إذا المفاجأة عن «الفاء» في الجملة الاسميّة غير الطّلبيّة).
4032 - وللخيل أيّام فمن يصطبر لها 411 جعل 412 من ذلك قول الآخر: 4033 - هل أنت بائعتي دمي بغلائه... إن كنت زفرة عاشق لم ترحمي 413 وكنت لما وقفت على ذلك كتبت على حاشية الكتاب: إن في الاستدلال بهذا البيت نظرا، لأن «زفرة عاشق» مع عامله الذي هو «لم ترحمي» من تتمة فعل الشرط وليس «لم ترحمي» جوابا بل هو خبر «كان» التي هي فعل الشرط، [ثم] لما نظرت في شرح الشيخ وجدته قال 414: وقد وهم المصنف في شرح الكافية - يشير إلى هذا البيت - الذي فيه: إن كنت زفرة عاشق لم ترحمي قال: توهم أن: لم ترحمي جواب وليس كذلك، لأن «لم ترحمي» خبر لـ «كنت» والجزاء محذوف يدل عليه قوله: هل أنت بائعتي دمي بغلائه قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 415: «يقوم مقام «الفاء» بعد «إن» الشرطية خاصة «إذا» المفاجأة في ربط الجزاء بالشرط، وإنما يكون ذلك إذا كان الجزاء جملة اسمية غير طلبية نحو: إن تقم إذا زيد قائم، لأن «إذا» المفاجأة لا تدخل على الجملة الفعلية ولا الطلبية، وإنما قامت مقام «الفاء» لأنها مثلها في عدم الابتداء بها وفي إفادة معنى التعقيب، قال سيبويه 416: سألت الخليل عن قوله تعالى: وَإِنْ -

الحديث: 4032 - الجزء: 9 - الصفحة: 4367

................................  تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ 417 قال: هذا معلق بالكلام [5/ 160] الأول كما كانت الفاء معلقة [بالكلام]، الأول، وهذا هاهنا في موضع قنطوا كما أن الجواب بالفاء في موضع الفعل، ومما يجعلها بمنزلة الفاء أنها لا تجيء مبتدأة كما لا تجيء الفاء مبتدأة ثم قال: وزعم الخليل أن إدخال الفاء على إذا قبيح ولو كان إدخال الفاء على إذا حسنا لكان الكلام بغير الفاء قبيحا فهذا قد استغنى عن الفاء كما استغنت الفاء عن غيرها فصارت إذا هنا جوابا كما صارت الفاء جوابا» انتهى.
وقال والده في شرح الكافية 418: ويقوم مقام الفاء في الجملة الاسمية إذا المفاجأة نحو قوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ وإنما قامت مقامها لأنها مثلها في عدم الابتداء بها فوجودها يحصل ما يحصل بالفاء من بيان الارتباط» انتهى.
وعني الخليل بقوله «قبيح» يعني إدخال «الفاء» على «إذا» أنه ممتنع، قال الشيخ 419: ثبت في بعض النسخ: وقد ينوب بعد إن إذا المفاجأة والنصوص متظافرة في الكتب على الإطلاق في الربط بإذا الجملة الاسمية، ولكن السماع إنما ورد في إن من أدوات الشرط الجازمة، فيحتاج في إثبات ذلك في غير إن من الأدوات إلى سماع، وجاء جواب إذا بـ «إذا» الفجائية؛ قال الله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا 420 وقال تعالى: فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ 421. وإنما قال المصنف: الاسمية، لأن إذا الفجائية لا تباشر الأفعال، ومثال الطلبية التي لا تباشرها إذا المذكورة قولك: إن عصى زيد فويل له، وإن أطاع فسلام عليه.
قال 422: وقد نقص المصنف قيدان في الجملة الاسمية: أحدهما: أن لا تدخل عليها أداة نفي، فإن دخلت فلابد من الفاء نحو: إن تقم فما عمرو قائم، ولا يجوز إذا ما عمرو قائم.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4368

[أحكام في تقديم جواب الشرط على الأداة]

قال ابن مالك: (فصل لأداة الشّرط صدر الكلام، فإن تقدّم عليها شبيه بالجواب معنى فهو دليل عليه وليس إيّاه خلافا للكوفييّن والمبرّد وأبي زيد، ولا يكون الشّرط حينئذ غير ماض إلّا في الشّعر، وإن كان غير ماض مع «من» أو «ما» أو «أيّ» وجب لها في السّعة حكم «الّذي» وكذا إن أضيف إليهنّ «حين» ويجب ذلك مطلقا لهنّ إثر «هل» أو «ما» النّافية أو «إنّ» أو «كان» أو إحدى أخواتها، أو «لكن» أو «إذا» المفاجأة غير مضمر بعدهما مبتدأ).
القيد الثاني: أن لا تدخل إنّ على الجملة الاسمية، فإن دخلت إنّ قلت: إن يقم زيد فإنّ عمرا قائم ولا يجوز: إذا إنّ عمرا قائم، وإن كان يجوز مع غير الشرط نحو قوله: 4034 - إذا إنّه عبد القفا واللهازم 423 انتهى.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 424: «لإن الشرطية صدر الكلام فلا يتقدم عليها ما بعدها، ولا يعمل فيها ما قبلها، ولا يكون مع الشرط والجزاء إلا كلاما مستأنفا أو مبنيا على ذي خبر أو نحوه كقولك: زيد إن يقم يقم أخوه، وكذا جميع أسماء الشرط فلذلك لو تقدم على أداة الشرط مفعول في المعنى لفعل الشرط أو الجزاء وجب رفعه بالابتداء وشغل الفعل بضمير مذكور أو مقدر خلافا للكسائي 425 في جواز: طعامك إن آكل يعجبك، وله وللفراء 426 في جواز طعامك -

الحديث: 4034 - الجزء: 9 - الصفحة: 4369

................................  إن تذهب آكل، ولو تقدم على الأداة جملة هي الجواب في المعنى فليست هي نفس الجواب بل دليل عليه 427 وهي كلام منقطع عما بعده، وقد يكون حكمه مطلقا، وقد يكون مقيدا بشرط مقدر وإلا لزم تنجيز المعلق عليه تقديمه، وذهب الكوفيون 428 وأبو العباس 429 وأبو زيد الأنصاري 430 إلى أن المتقدم على الشرط نفس الجواب، ويرده أن حرف الشرط دال على معنى في الشرط والجزاء وهي الملازمة بينهما فوجب تقديمه عليهما كما وجب تقديم سائر حروف المعاني على ما فيه معناها واحتج أبو زيد 431 على أن المتقدم هو نفس الجواب بمجيئه مقرونا بالفاء كقوله: 4035 - فلم أرقه إن ينج منها وإن تمت... فطعنة لا نكس ولا بمغمّر 432 وليس بشيء، لأن تقدير معطوف عليه خير من تقديم الجزاء على الشرط وتصدير حرف العطف، ولا يجوز أن يتقدم دليل الجواب على الشرط في السعة إلا إذا كان ماضيا نحو: آتيك إن أتيتني ولا يجوز: آتيك إن تأتني إلا في الشعر كما في قوله: فلم أرقه إن ينج منها..... 433 قال سيبويه 434: وقبح في الكلام أن تعمل إن أو شيء من حروف الجزاء في الأفعال حتى يجزمها في اللفظ ثم يكون لها جواب ينجزم بما قبله، ألا ترى أنك تقول: آتيك إن أتيتني ولا تقول: آتيك إن تأتني إلا في الشعر، لأنك أخرت إن وما عملت فيه ولم تجعل لإن جوابا ينجزم بما قبله فهكذا أجرى هذا في كلامهم.
وإذا تقدم دليل الجواب وكان الشرط غير ماض مع «من» أو «ما» أو «أيّ» وجب لها في السعة حكم «الذي» - وإن كان المعنى على المجازاة - فلا تجزم -

الحديث: 4035 - الجزء: 9 - الصفحة: 4370

................................  ويكون ما بعدها صلة وما قبلها عاملا فيها وذلك قولك: آتي من يأتني، وأقول ما تقول، وأعطيك أيّها تشاء، فترفع لأنه لما امتنع في السعة تأخير أداة الجزاء إذا جزمت ما بعدها حملوا هذه الأسماء على «الذي» لأنه لا قبح فيه، ولم يحملوها على الجزاء إلا في الشعر، وقد تقدم عند ذكر «فاء» الجواب حكاية كلام سيبويه في هذه المسألة فلا حاجة إلى إعادته.
ويجب حكم «الذي» أيضا لـ «من» أو «ما» أو «أيّ» إذا وقعت صفة وذلك في صور: إحداها: أن يضاف إليها حين يعني ظرف زمان كقولك: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه، وإنما كرهوا الجزاء هاهنا لأنه ليس من مواضعه، لأن أسماء الأحيان لا تضاف إلى الجمل الشرطية، ألا ترى أنه لا يقال: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك 435، فلما كان قبيحا في «إن» قبح في سائر أخواتها ولم يرد إلا في الشعر كقول لبيد: 4036 - على حين من تكتب عليه ذنوبه... يجد فقدها إذ في المقام تدابر 436 الوجه حمله على حذف ضمير الشأن، والمعنى: على حين الشأن من تكتب عليه ذنوبه يجد فقدها كما تقول: أتذكر إذ نحن من يأتنا نأته 437، لأن الجملة الشرطية تصح أن تكون خبرا [5/ 161] ولا يصح أن تكون مضافا إليها.
الثانية: أن تقع بعد «هل» كقولك: هل من يأتينا نأتيه؟ فليس لك في نحو هذا إلا الرفع لأن «من» موصولة ولا يجوز جعلها شرطية لأن «هل» لا يستفهم بها عن الشرطية فلا يقال: هل إن تقم أقم، ولو كان الاستفهام بالهمزة جاز وكون «من» شرطية لأنه توسّع في الهمزة فاستفهم بها عن الجمل الشرطية كما يستفهم بها عن غير ذلك كقولك: أإن تأتني آتك؟ فلما حسن دخولها على [إن حسن -

الحديث: 4036 - الجزء: 9 - الصفحة: 4371

................................  دخولها على] أخواتها فيقال: أمن يأتنا نأته.؟ وإن لم يجز مثله في «هل».
الثالثة: أن تقع بعد «ما» النافية كقولك: ما من يأتينا نأتيه، وما أيّها تشاء أعطيك، فيرفع ما بعد الاسم لأنه موصول، ولا يجوز الجزم وجعل الاسم شرطا لأن «ما» لا تنفي الجملة الشرطية فلا يقال: ما إن تأتنا نأتك، فلما لم يجز ذلك في «إن» لم يجز فيما سواها، ولو كان النفي بـ «لا» لم يجب لما ذكر حكم «الذي» فيجوز جعله شرطا فيجزم ما بعده كقولك لا من يأتك تعطه 438، ولا من تعطه يأتك، لأنهم لما توسّعوا في «لا» فقدموا العامل عليها ونفوا بها المفرد والجملة نفوا بها الجملة الشرطية أيضا كقولك: لا إن أتيناك أعطيتنا، ولا إن بعدنا عنك عرضت علينا، قال ابن مقبل: 4037 - وقدر ككفّ القرد لا مستعيرها... يعار ولا من ذاقها يتدسّم 439 الرابعة: أن تقع بعد «إن» أو إحدى أخواتها كقولك: إنّ من يأتيني آتيه، وليت ما أقول تقول، فترفع لأنك لما أعملت «إنّ» في «من» وجب أن تكون موصولة لأن الشرطية لا يعمل فيها لفظ قبلها إلا أن يكون حرف جر نحو: بمن تمرر أمرر 440 وعلى أيّها تركب أركب 441 لأنه معدّ لفعل الشرط إلى الاسم فصار مع الفعل بمنزلة فعل وصل إلى الاسم بغير حرف جر، فلما لم يعمل في الأسماء الشرطية لفظ قبلها غير حرف الجر وجب فيما وقع قبلها بعد «إنّ» أو إحدى أخواتها أن يكون موصولا؛ لأن هذه الحروف لا تدخل على «إن» الشرطية لأنها مختصة بالأسماء، ولا تدخل على ما تضمن معنى «إن» إلا في الشعر، ولا يكون ذلك إلا على حذف الاسم، قال الأعشى: -

الحديث: 4037 - الجزء: 9 - الصفحة: 4372

................................  4038 - إنّ من لام في بني بنت حسّا... ن ألمه وأعصه في الخطوب 442 وقال أمية بن أبي الصلت: 4039 - ولكنّ من لا يلق أمرا ينوبه... بعدّته ينزل به وهو أعزل 443 قال سيبويه 444: فزعم الخليل أنه إنما جازي حيث أضمر الهاء وأراد: إنّه ولكنّه. الخامسة: أن تقع بعد «كان» أو إحدى أخواتها كقولك: كان من يأتيني آتيه، وليس من يأتيني آتيه 445، فترفع بعد «كان» و «ليس» كما ترفع بعد «إنّ» وأخواتها، ويجوز الجزم على أن يضمر في «كان» ضمير الشأن فتقول: كان من يأتني آته، وليس من يأتنا نحدّثه 446، لأنك جعلت الجملة خبرا فجاز على حد قولك: كنت من يأتني آته، ولست من يأتني أحدّثه. السادسة: أن تقع بعد «لكن» المخففة غير مضمر بعدها مبتدأ كقولك: ما أنا ببخيل ولكن من يأتيني أعطيه، فترفع لأنك لما لم تضمر قبل «من» مبتدأ وجب أن تكون موصولة، لأن «لكن» لا تدخل على الجملة الشرطية، ولك أن تجزم على جعل «من» الشرطية وإضمار مبتدأ قبلها كما أضمر بعد «لكن» في غير ذلك نحو: ما زيد عاقلا ولكن أحمق، فتقول: ما أنا ببخيل ولكن من يأتني أعطه 447 كما قال: ولكن متى يسترفد القوم أرفد 448

الحديث: 4038 - الجزء: 9 - الصفحة: 4373

................................  تقديره: ولكن أنا متى، ولا يجوز في «متى» ولا غيرها من الظروف أن توصل بالفعل كما توصل «من» و «ما» و «أىّ»، ولا تقع في شيء من الصورر المذكورة إلا على تقدير مبتدأ قبلها.
السابعة: أن تقع بعد «إذا» المفاجأة غير مضمر بعدها مبتدأ كقولك: مررت به فإذا من يأتيه يعطيه بالرفع، لأنك لم تضمر قبل «من» مبتدأ فتعين أن تكون موصولة لأن «إذا» المفاجأة لا تدخل على الشرط والجزاء، ولك أن تضمر قبل «من» مبتدأ، وتجزم قال سيبويه 449: «وإن شئت جزمت لأن الإضمار يحسن هنا ألا ترى أنك تقول: مررت به فإذا أجمل الناس، ومررت به فإذا أيّما رجل، فإذا أردت الإضمار فكأنك قلت: مررت به فإذا هو من يأته يعطه، فإن لم تضمر وجعلت إذا تلي «من» فهى بمنزلة «إذ» لا يجوز فيها الجزم» انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وبعد ذلك لا بد من الإشارة إلى أمور: منها: أن المصنف 450 قد ذكر أن أداة الشرط لها صدر الكلام، وهذا هو الذي عليه جمهور البصريين، فحكمها في الصدارة حكم أدوات الاستفهام وحكم «ما» النافية ومقتضى إجازة الكوفيين والمبرد وأبي زيد تقديم الجواب عليها أن لا يكون لها الصدر قال الشيخ 451: ذكر المصنف مذهبين: أحدهما: أنه يجوز تقديم جواب الشرط عليه.
والثاني: المنع، قال: وترك مذهبين آخرين: أحدهما: مذهب المازني 452 وهو أنه إن كان ماضيا فلا يجوز تقديمه، وإن كان مضارعا جاز.
والثاني: مذهب بعضهم وهو أنه يجوز تقديم الجزاء فيما كان الشرط فيه ماضيا أو كانا معا ماضيين، قال: فصارت المذاهب في المسألة أربعة، قال: فأما من منع 453 وجعل المتقدم في نحو: أقوم إن قمت هو دليل الجواب فاستدل بعدم جزمه، -

الجزء: 9 - الصفحة: 4374

................................  وبعدم دخول الفاء عليه، وبأن الجواب مسبب عن الشرط، والمسبب لا يتقدم على سببه، وبالتفرقة في المعنى بين التقديم والتأخير، فإنك في التقديم وفي التأخير تثبت الكلام أولا على الشرط «ثم قال 454: وأما من أجاز تقديم الجواب على الشرط فمستنده أن الأصل في الكلام أن لا حذف وإذا أمكن استقلال الكلام فلا حاجة إلى تقدير شيء زائد، وأما تخلّف بعض آثار التأخر لأجل التقديم فلا يدل ذلك على الحذف لأن ترك العمل إن قلنا: إن العامل هو الحرف - كما هو القول الأصح - فقد ضعف عمله بالتقدم عليه ولم تبلغ الحروف من القوم في العمل أن تعمل متقدمة مثلها متأخرة، وإن قلنا إن العامل هو المجاورة فشرط عمل المجاورة كونه تابعا لما جاوره، وقد زالت التبعية فزال العمل، وأما كون الفاء لا تدخل حالة التقدم فإنما كان ذلك لأن الفاء خلف عن العمل والعمل مفقود حالة التقديم فكذلك الفاء [5/ 162] وأيضا فإن الفاء إنما هي للعطف وقد زال نظام العطف» انتهى.
وأقول: إن الأمر لا يفتقر إلى شيء من ذلك لأن الصدارة إذا كانت ثابتة لأدوات الشرط كان ذلك كافيا في منع تقديم الجواب.
واعلم أنه قد تقدم احتجاج أبي زيد على أن المتقدم هو نفس الجواب بقول القائل: 4040 - فلم أرقه إن ينج منها.... البيت ورد الإمام بدر الدين ذلك بقوله: «إن تقدير معطوف عليه خير من تقديم الجزاء على الشرط فذكر الشيخ ذلك 455 ثم قال 456: ما ذهب إليه أبو زيد في البيت المذكور سهو لأن الفعل المنفي بلم الواقع جزاء لا تدخله الفاء تقول: إن قمت لم أقم ولا يجوز: إن قمت فلم أقم، فدخل الفاء الجزائية على: لم أرقة لا يجوز إذا كان متأخرا فكيف إذا كان متقدما؟ وإنما هي للعطف على جملة متقدمة في اللفظ أو في التقدير».
ومنها: أنك قد عرفت أنه إذا تقدم دليل الجواب تعيّن أن يكون فعل الشرط ماضيا، ولا يجوز أن يكون غير ماض إلا في الشعر 457، وعلة ذلك 458 أن الأداة -

الحديث: 4040 - الجزء: 9 - الصفحة: 4375

................................  تقتضي الجملتين فإذا حذفت جملة الجزاء على مذهب أو قدمت على مذهب لم يكن إذ ذاك للأداة تأثير في الجملة إما لحذفها أو لتقديمها، قالوا 459: فلما لم تؤثر في الجملة الجزائية كان ذلك إضعافا لها فأتى بجملة الشرط ماضية حتى لا يظهر فيها تأثير، إذ لو ظهر لها [فيها] تأثير لكانت من حيث ظهور التأثير في الشرط قوية، ومن حيث عدم ظهوره في الجزاء ضعيفة، فنكبوا عنه، أما الشعر فلما كان محلّ الضرورة جاز فيه ذلك، والمنقول عن الكوفيين سوى الفراء 460 أنهم يجيزون في الكلام أن يكون فعل الشرط مستقبلا عند حذف الجواب أو تقديمه على رأيهم فيجيزون: أنت ظالم إن تفعل.
ومنها: أن الشيخ قال 461: «والأشياء التي ذكرها المصنف بعضها مما أخرج أسماء الشرط إلى الموصولية وجوبا أو جوازا يريد: أن يعقد فيها عقدا يشمل ما يجوز من ذلك وما يمتنع وما يوجب» فذكر تقسيما أطال فيه ولخصه في «ارتشاف الضرب» له فاقتصرت على ما ذكر في «الارتشاف» وهو أنه قال 462: «فالداخل على هذه الأدوات إما عامل معنوي فيجوز أن يكون الاسم موصولا واسم شرط مبتدأ خبره جملة الشرط لا هي وجملة الجزاء معا خلافا لبعضهم، وإما لفظي عامل في الجمل مما لا يعلق نحو «كان» وأخواتها و «ما» الحجازية، و «لا» العاملة عمل «إنّ» فيتعيّن الوصل إلا في ما يصح فيه إضمار الشأن فيجوز الوصل، ولا يكون في أفعال المقاربة، وقيل: يجوز في «عسى» 463، أو مما يعلّق كـ «ظننت» وأعملتها في الأول جاز الأمران نحو: ظننت زيدا من يأتيه يعطيه ومن يأته يكرمه، أو لم تعملها فيه فالظاهر من قول المبرد (6) أنه لا يجوز الشرط، ومن قول غيره 464 أنه يجوز وتعلق عنها، أو غير عامل في الجملة الابتدائية فعلا فلا يصح دخوله، أو عاملا في الأفعال فلا يصح دخول لا على حرف الشرط ولا اسمه، ولا إن كان -

الجزء: 9 - الصفحة: 4376

................................  موصولا أو عاملا في الأسماء كحروف الجر، فإن تعلقت بفعل أجنبي عن الشرط والجزاء رجعت إلى الوصل نحو: أتصدّق على من يسأل وأدعو من يسمع فيجيب، فإن كان المجرور في موضع خبر محذوف فمن جعل العامل فعلا أو اسم فاعل منع الشرط، ومن جعله نفس الخبر أجاز نحو: زيد في أي مكان يكون أكون أو في [أي] مكان يكن أكن، وإن تعلق بالجزاء بطل الشرط نحو: بمن تمرّ أمرّ أو بفعل الشرط جاز بقاء الشرط، فإن شغلت كلا من الفعلين بضمير نحو: بمن تمرر به أمرر به فالوصل والشرط، ولا بد لحرف الجر الداخل على اسم الشرط إذا ذاك إضمار فعل يتعلق به التقدير: بمن تمرر أمرر به، وإن حذفت الضمير منهما تعلق بأحدهما، فإن كان بالفعل الذي يليه فالجزم، أو بالفعل مقدر جزاء فالوصل، وحذفه من هذا ضعيف، ويضعف إن اختلف نحو: بمن تمرّ أنزل، وكحرف الجر الاسم الذي يضاف إلى اسم الشرط، فإن عمل فيه الجزاء رفعت، أو الشرط جزمت، أو غير ذلك فلا بد أن يكون جملة، فإن شاركت الشرط في معناه فلا تدخل على جملة الشرط كـ «إذا» و «لمّا» و «لو» وإن لم تشارك وشأنه أن يغير لفظ ما دخل عليه إلى لفظ آخر كالنهي، واعتمد عليه حرف جواب الشرط إلى نفسه أو معتمدا على غيره فالشرط على ما كان عليه، أو شأنه أن لا يغير وهو مخصوص ببعض الجمل أو أكثرها نحو المختص بالجمل الابتدائية كـ «إنّ» وأخواتها إذا كفّت و «لام» الابتداء، و «لكن» المخففة، و «ما» التميمية، و «أمّا»، و «لولا»، والظروف المضافة إلى الجمل نحو «إذ» و «إذا» الفجائية و «حيث»، ونحو المختصة بالفعلية كالظروف غير اللازمة للإضافة إذا أضيفت نحو «حين» و «يوم» ونحوه، فالمختصة بالاسمية الوجه أن لا تدخل عليها، فإن دخلت كانت موصولة ويصير الفعل إلى الصلة، وأجاز المبرد 465 في هذا كله أن تدخل على الشرط، وقد أجازه سيبويه 466 على ضعف، وأحسن ما يجوز ذلك فيه في الأسماء المبتدأة ثم تحمل عليه «إن» فإن كان مما لا يجوز الإضمار بعده مبتدأ جاز الشرط مطلقا، والمضاف إلى الفعلية بمنزلة ما تقدم، ويجوز فيه ما جاز في تلك على ضعف، وغير المخصوص -

الجزء: 9 - الصفحة: 4377

................................  صحّ دخوله عليه وذلك أفعال نحو: قال وسمع، وجميع أفعال الحكاية، وحروف كالحروف العاطفة، وكحرف الاستفهام وهو «الألف» وحده، أما أسماؤه فلا تدخل على الشرط، وتقدّم خلاف يونس في الهمزة إذا دخلت على الشرط وبمنزلة «ألف» الاستفهام في هذا «لا» غير العاملة، وأما «ما» التميمية فجوزها المبرد 467 وأبو علي (2)، وأما الحجازية إذا ألغيت بسبب «إن» فينبغي أن لا تدخل لأنها عاملة لولا «إن» فهي كإن انتهى.
ومنها: أن الشيخ أنشد 468 بيتا لمقصد وهو قول الشاعر: 4041 - وإنّ الكثيب الفرد من جانب الحمى... إليّ وإن لم آته لحبيب 469 والمقصد الذي ذكر له البيت هو: أنه يردّ بذلك على يدّعى أن المتقدم على الشرط مما يفيد الجواب يكون نفسه جوابا، قال 470 لأن الشرط قد عطف ولو كان الأول جوابا لم يعطف عليه الشرط لأن رتبة الجواب متأخرة عن رتبة الشرط، فلو عطف لصار المتأخر متقدما فيبطل الجزاء [5/ 163] وأقول: لا يخفي ضعف هذا الكلام، ثم إن عطف الشرط على ما هو دليل الجواب لا يعقل من حيث المعنى ولا توجيه له من حيث الصناعة النحوية.
ثم إن الشيخ نقل (6) عن ابن جني أن هذه «الواو» عنده واو الحال، فالجملة الشرطية عنده في هذا البيت وما أشبهه حال فإذا قلت: أقوم وإن غضبت فالتقدير: أقوم وإن كانت الحال هذه.
ثم إنه نقل 471 عن بعضهم إفساد قول ابن جني بما هو غير ظاهر، وأطال القول في ذلك ثم 472 قال: «والذي يظهر لي أن الواو الداخلة على الشرط في مثل: أقوم -

الحديث: 4041 - الجزء: 9 - الصفحة: 4378

[حذف الشرط أو الجواب أو هما معا]

قال ابن مالك: (ويحذف الجواب كثيرا لقرينة، وكذا الشّرط، ويحذفان بعد إن في الضّرورة، وقد يسدّ مسدّ الجواب خبر ما قبل الشّرط).
وإن قمت، واضرب زيدا وإن أحسن إليك، إنما هي للعطف لكنها لعطف حال على حال محذوف يتضمنها الكلام السابق تقديره: أقوم على كل حال وإن قمت، واضرب زيدا على كل حال وإن أحسن إليك أي: وفي هذه الحال» انتهى.
وهذا الذي قاله الشيخ هو الظاهر، بل هو الحق ولا يجوز العدول عنه، ولك أن تقدر الحال المحذوفة في نحو: اضرب زيدا وإن أحسن إليك غير ذلك فيكون التقدير: اضرب زيدا إن أساء إليك وإن أحسن إليك، ولا شك أن الضرب لزيد مع إحسانه فيه منافاة بخلاف الضرب له مع إساءته، فإذا أثبت حكم مع ما ينافيه كان إثباته مع ما يناسبه أولى وأحرى، والمعنى يرجع إلى: اضرب زيدا على كل حال، لكن في التقدير الذي ذكرنا من المبالغة في طلب الضرب مثلا ما ليس في هذا التقدير.
وإنما ساغ وقوع الجملة المصدرة بأداة الشرط حالا في الأمثلة التي ذكرناها لما تقدم ذكره في باب «الحال».
لم يشرح الإمام بدر الدين من هذا الموضع إلى قوله «خلافا لبعضهم» قال الشيخ 473: «وذلك نحو سبعة سطور من أصل كتابي، بل وجد بياض معدّ لأن يشرح» انتهى.
قال ناظر الجيش: وأنا أذكر كلام المصنف في شرح الكافية أولا، ثم أذكر كلام الشيخ ثانيا.
قال المصنف 474 رحمه الله تعالى: والاستغناء عن جواب الشرط للعلم به كثير ومنه قوله تعالى: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ 475 وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ -

الجزء: 9 - الصفحة: 4379

................................  بِآيَةٍ 476، والاستغناء عن الشرط وحده أقل من الاستغناء عن الجواب، ومنه قول الشاعر: 4042 - فطلّقها فلست لها بكفء... وإن لّا يعل مفرقك الحسام 477 أراد: وإن لا تطلقها يعل مفرقك الحسام، ومنه قول الآخر: 4043 - متى تؤخذ واقسرا بظنة عامر... ولا ينج إلّا في الصّفاد يزيد 478 أراد: متى تثقفوا تؤخذوا، ومثال حذف الشرط والجزاء معا قول الراجز: 4044 - قالت بنات العمّ يا سلمى وإن... كان فقيرا معدما قالت وإن 479 أي: قالت: وإن كان فقيرا معدما هويته ورضيته، وقال السيرافي: يقول القائل: لا آتي الأمير لأنه جائر فيقال: ائته وإن، ويراد بذلك: وإن كان جائرا فأته.
وهذا - أعني حذف الجزأين معا - لا يجوز مع غير «إن» وهو مما يدل على أصالتها في باب المجازاة.
ثم قال: وقد يغني عن جواب الشرط خبر ذي خبر متقدم على أداة الشرط، أو خبر مبتدأ مقدر بعد الشرط؛ فالأول كقول الله تعالى: وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ 480 قال الشاعر: 4045 - وإنّي متى أشرف من الجانب الّذي... به أنت من بين الجوانب ناظر 481 وكقول الآخر: -

الحديث: 4042 - الجزء: 9 - الصفحة: 4380

................................  4046 - هذا سراقه للقرآن يدرسه... والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب 482 والثاني: مثل قول الشاعر: 4047 - بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها... بني ثعل من ينكع العنز ظالم 483 انتهى.
وذكر الشيخ الآيتين الشريفتين 484 وقال 485: «تقدير الجواب في الآية الأولى - والله أعلم - تطيرتم، وتقديره في الآية الثانية: فافعل، قال: وجعل من ذلك بعض أصحابنا قول الشاعر: 4048 - أقيموا بني النّعمان عنّا صدوركم... وإن لّا تقيموا صاغرين الرّؤسا 486 وقدره: وإن لا تقيموا مختارين تقيموا صاغرين الرؤوس [قال] فقوله: لا تقيموا هو فعل الشرط وحذف «مختارين» لدلالة «صاغرين» عليه، وحذف «تقيموا» الذي هو جواب «إن لا تقيموا» لدلالة «إن لا تقيموا» عليه، فحذف من الأول الحال ومن الثاني فعل الجواب، قال الشيخ 487: ولا يتعين هذا التخريج إذ يحتمل أن يكون فعل الشرط محذوفا بعد الأداة وحرف النفي، وكون «تقيموا» الثانية هي - - قوله «ناظر» خبر «وإني» في أول البيت وقد أغني عن جواب الشرط.
والبيت في الكتاب (3/ 68)، والمقتضب (2/ 69) وشرح الكافية للرضي (2/ 257) والتذييل (6/ 875).

الحديث: 4046 - الجزء: 9 - الصفحة: 4381

................................  جواب الشرط، فيكون حذف منه فعل الشرط 488» انتهى.
والذي قاله هو الظاهر وما كنت أفهم من هذا البيت قبل غير ذلك، ومن حذف الشرط قول الآخر: 4049 - فإمّا أن تكون أخي بحقّ... فأعرف منك غثّي من سميني وإلّا فاطّرحني واتّخذني... عدوّا أتّقيك وتتّقيني 489 التقدير: وإن لا تكن كذلك فاطرحني 490. وزعم ابن عصفور 491 والأبّذيّ 492 أنه لا يجوز حذف فعل الشرط في الكلام إلا بشرط تعويض «لا» من الفعل المحذوف تقول: اضرب زيدا إن أساء وإلا فلا تضربه، قال الشيخ 493: وليس ذلك بشئ لأن «لا» هي نافية وليست عوضا من الفعل، ولو كانت عوضا لما جاز الجمع بينهما، وأنت يجوز لك أن تقول: وإن لا يسئ فلا تضربه.
انتهى.
والعجب من هذين الرجلين الكبيرين، كيف يزعمان أن «لا» عوض مع أن الشرط ليس الفعل المثبت، بل الشرط إنما هو الفعل المنفى، فأداة الشرط إنما هي طالبة في مثل هذا التركيب للفعل المنفي لا للفعل المثبت، ثم إن الفعل حذف وبقيت «لا» لتدل على أن المشروط إنما هو النفي لا الإثبات، وإذا كان كذلك فكيف يقال: إن «لا» عوض من الفعل؟ لأن لازم هذه الدعوى أن «لا» إنما أتي بها بعد أن حذف الفعل، ويلزم منه أن أداة الشرط مباشرة للفعل دون «لا» وليس الأمر كذلك.
-

الحديث: 4049 - الجزء: 9 - الصفحة: 4382

................................  ثم إنك عرفت من البيت الذي أنشده المصنف في شرح [5/ 164] والكافية وهو قول القائل: 4050 - متى تؤخذوا قسرا بظنّة عامر أن حذف أحد الجزأين ليس مختصّا بكون أداة الشرط «إن» لورود حذف فعل الشرط مع «متى» ولكن قال الشيخ 494: «ولا أحفظ لفعل الشرط ولا الجزاء جاء بعد غير إن، إلا أن المصنف أنشد بيتا في شرح الكافية زعم أنه حذف فيه فعل الشرط بعد متى وهو قوله: متى تؤخذوا قسرا... البيت» انتهى.
وأما حذف فعلي الشرط والجزاء معا فقد عرفت من كلام المصنف في شرح الكافية أن حذفهما معا لا يجوز مع غير «إن» وقيّد ذلك في التسهيل «بالضّرورة» أيضا، وفي شرح الشيخ 495 أن بعضهم يجيز ذلك في الكلام دون ضرورة.
وأما قول المصنف «وقد يسدّ مسدّ الجواب خبر ما قبل الشّرط» فقد تقدم من كلام المصنف في شرح الكافية ما يغني عن ذكر ذلك هنا، غير أن في قوله «وقد يسدّ مسدّ الجواب خبر ما قبل الشّرط» وذلك كقوله وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ 496 فيه بحث وهو أن يقال: مقتضى كلامه أن لَمُهْتَدُونَ الذي هو الخبر هو الذي سد مسدّ الجواب، ولا شك أن الذي سد مسدّ الجواب إنما هو الجملة بتمامها لأن الفائدة إنما تتم بذكرها، والحق أن الذي سد مسدّ الجواب إنما هو وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ والجملة السادة متقدمة على الشرط، ثم بعد تقديمها اعترض بجملة الشرط بين المبتدأ والخبر.
ونظير الحذف في قول القائل: 4051 - وإنّي متى أشرف من الجانب الّذي... به أنت من بين الجوانب ناظر 497 قول القطامي 498: -

الحديث: 4050 - الجزء: 9 - الصفحة: 4383

[حكم اجتماع الشرط والقسم وحديث طويل في ذلك]

قال ابن مالك: (وإن توالى شرطان، أو قسم وشرط، استغني بجواب سابقهما، وربّما استغني بجواب الشّرط عن جواب قسم سابق، ويتعيّن ذلك إن تقدّمهما ذو خبر، أو كان حرف الشّرط لو أو لولا).
4052 - والنّاس من يلق خيرا قائلون له... ما يشتهي ويلام المخطئ الخبل 499 قال ناظر الجيش: من المعلوم أن الشرط يحتاج إلى جواب، وأن القسم يحتاج إلى جواب، فإذا اجتمع شرطان في كلام وولي أحدهما الآخر، أو قسم وشرط كذلك اقتصر على جواب واحد ولم يذكر جواب الآخر، ومن ثمّ قال المصنف: «استغني بجواب سابقهما» بعد قوله «وإن توالى شرطان أو قسم وشرط».
ولنفصل القول في كل من القسمين: أما توالي القسم والشرط فقد تقدّم الكلام عليه مشبعا في باب «القسم»، ولكن الناظر قد لا يتيسر له مراجعة ذلك الباب فوجب أن نشير إلى شيء من ذلك الآن مقتصرين على ما ذكره في شرح الكافية قال 500 رحمه الله تعالى: «إذا اجتمع في كلام واحد شرط وقسم استغني بجواب أحدهما عن جواب الآخر، وكان الشرط حقيقا بأن يستغنى بجوابه مطلقا لأن تقدير سقوطه يخل بمعنى الجملة التي هو منها، وتقدير سقوط القسم غير مخل لأنه مسوق لمجرد التوكيد والاستغناء عن التوكيد سائغ، ففضّل الشرط بلزوم الاستغناء بجوابه مطلقا إذا تقدّم عليه وعلى القسم ذو خبر نحو: الفتى والله إن يقصد يبرّ، وإن لم يتقدم ذو خبر وأخّر القسم وجب الاستغناء عن جوابه بجواب الشرط [وإن أخّر الشرط] استغني في أكثر الكلام عن جوابه بجواب القسم كقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ 501، ولا يمتنع الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره، ومن شواهد ذلك قول الأعشى: -

الحديث: 4052 - الجزء: 9 - الصفحة: 4384

................................  4053 - لئن منيت بنا عن غبّ معركة... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل 502 ومنها قول الفرزدق: 4054 - لئن بلّ لي أرضي بلال بدفقة... من الغيث في يمنى يديه انسكابها 503 أكن كالّذي صاب الحيا أرضه الّتي... سقاها وقد كانت جديبا جنابها ومنها قول ذي الرمة: 4055 - لئن كانت الدّنيا عليّ كما أرى... تباريح من ميّ فللموت أروح 504 ومنها قول ذي الرمة أيضا: 4056 - لئن قطع اليأس الحنين فإنّه... رقوء لتذراف الدّموع السّوافك 505 ومنها قول الآخر 506 أنشده الفراء 507: -

الحديث: 4053 - الجزء: 9 - الصفحة: 4385

................................  4057 - لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا... أصم في نهار القيظ للشّمس باديا وأركب حمارا بين سرج وفروة... وأعر من الخاتام صغرى شماليا 508 فثبتت المزية للشرط من ثلاثة أوجه: أحدها: لزوم الاستغناء بجوابه عند تقدم ذي خبر.
والثاني: لزوم الاستغناء بجوابه عند تقدمه وعند تقدم ذي خبر.
والثالث: جواز الاستغناء بجوابه عند تأخره وعدم تقدم ذي خبر.
قال 509: ثم قلت - يعني في النظم: وبجواب لو ولولا استغنيا... حتما إذا ما تلوا أو تنليا فنبهت بذلك على قول الشاعر: 4058 - فأقسم لو أبدى النّديّ سواده... لما مسحت تلك المسالات عامر 510 المسالات: جمع مسالة وهي: جانب اللحية، وعلى نحو قول الآخر:

  • والله لولا الله ما اهتدينا... ولا تصدّقنا ولا صلّينا 511 انتهى.
    وقد تقدم في باب «القسم» مباحث تتعلق بما ذكرناه، فمن أراد الوقوف عليها فليراجع الباب 512. -

الحديث: 4057 - الجزء: 9 - الصفحة: 4386

................................  وأما توالي الشرطين فقد قال المصنف: إنه يستغنى بجواب سابقهما كما رأيت، ومقتضى هذا أن الشرط الثاني له جواب مقدر، لكن كلامه في شرح الكافية يقتضي أن الثاني لا جواب له لأنه قال 513: «إذا توالى شرطان دون عطف فالثاني مقيد للأول كتقييده بحاله واقعة موقعه، والجواب المذكور أو المدلول عليه للأول والثاني مستغن عن جواب لقيامه مقام ما لا جواب له وهو الحال مثال ذلك قول الشاعر: 4059 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم 514 فهذا بمنزلة أن تقول: إن تستغيثوا بنا مذعورين تجدوا [منا] معاقل عز، فالشرط الأول هو صاحب الجواب، والثاني مفيد ما يفيده الحال من التقييد، ومن هذا النوع قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ 515 فـ «لا ينفعكم» دليل على الجواب المحذوف، وصاحب الجواب أول الشرطين والثاني مقيد له مستغن [5/ 165] عن جواب والتقدير: إن أردت أن أنصح لكم مرادا غيّكم لا ينفعكم نصحي.
فإن توالى شرطان بعطف فالجواب لهما معا كقولك: إن تؤمّا وتلمّا تكرما، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ 516 انتهى.
فإن قيل: لا منافاة بين هذا الذي قاله في شرح الكافية وبين قوله في التسهيل «استغني بجواب سابقهما» لأن الاستغناء بجواب السابق قد يكون لدلالة الكلام على الحذف من المسبوق وقد يكون لعدم الاحتياج إليه قبل هذا الذي ذكر، محتمل لكن يدفعه أنه قرن بتوالي الشرطين توالي القسم والشرط ثم قال بعد ذكرهما: إنه يستغنى بجواب السابق، ولا شك أن القسم وإن تأخّر لا بد له من تقدير جواب -

الحديث: 4059 - الجزء: 9 - الصفحة: 4387

................................  فليكن المقرون معه في الذكر وهو الشرط كذلك.
وأما قوله «فإن توالي شرطان بعطف فالجواب لهما معا» واستشهاده بالآية الشريفة فكلام عجيب لأن الآية الشريفة لم يتوال فيها شرطان وليس إلا شرط واحد، وإنما عطف على الفعل الذي هو شرط فعل آخر، على أن الشيخ ذكر نقلا عن المصنف وأقره وقال 517: «وقد أطلق المصنف في العطف وفيه تفصيل، لأن العطف إن كان بـ «أو» نحو: إن جاء زيد أو جاءتك هند فأكرمها أو فأكرمه فالجواب لا يكون لهما معا بل لأحدهما، وكذلك إذا كان بالفاء ذكروا ونصوا على أن الشرط إذا كان بالفاء بعد شرط سابق فإنه جواب ذلك الشرط السابق فعلى هذا لا يكون الجواب للشرطين معا إذا كان الحرف «الفاء» بل الجواب للثاني، والثاني المصحوب بـ «الفاء» وجوابه للأول» انتهى.
والذي ذكره الشيخ غير الذي ذكره المصنف، فإن الشيخ أتى في تمثيله بشرطين صريحين كل منهما مقرون بأداة وأما ما ذكره من الحكم إذا كان العطف بـ «أو» أو بـ «الفاء» فإنه أمر معلوم لا يرتاب فيه فيحتاج معه إلى تنبيه، وعلى هذا لا يكون الجواب لهما معا إلا إذا ذكرت أداة الشرط مع المعطوف.
وإذا [قد] عرف هذا فاعلم أنني أورد كلام ابن عصفور على توالي الشرطين أولا ثم كلام الشيخ ثانيا، ثم أتبع ذلك بما سنقف عليه إن شاء الله تعالى.
قال ابن عصفور 518: «اجتماع الشرطين فصاعدا بمنزلة اجتماع القسم والشرط في أنك تبني الجواب على المتقدم وتجعل جواب الذي يليه محذوفا لدلالة الشرط المتقدم وجوابه عليه ولا بد إذا ذاك من أن يكون فعل الشرط المتأخر ماضيا لأنه محذوف الجواب فتقول: من أجابني إن دعوته أحسنت إليه، فيكون «أحسنت» جواب «من»، وجواب «إن» يغني عنه «من» وجوابها التقدير: من أجابني أحسنت إليه إن دعوته، فقولك: من أجابني أحسنت إليه هو جواب «إن» حتى كأنك قلت: إن دعوت فمن أجابني أحسنت إليه، فإذا وقع منه الدعاء أولا لشخص وأجابه ذلك الشخص بعد دعائه إيّاه وجب عليه الإحسان له لأن جواب -

الجزء: 9 - الصفحة: 4388

................................  الشرط في التقدير بعد الشرط، وعلى هذا الذي ذكرته تجري الشروط وإن كثرت، فإذا قال الرجل: إن أعطيتك إن وعدتّك إن سألتني فعبدي حرّ فليس يعتق العبد إلا إن بدأ بآخر الشروط، فيكون مبدأ فعله، ويكون أول الشرط آخر فعله، فإن سأله ثم وعده ثم أعطاه لزمه العتق، وإن وقعت الشروط على غير هذا الترتيب لم يلزم العتق، وذلك أنه قد تقدم على الجواب ثلاثة شروط فيجعل الجواب للشرط الأول، وجواب الشرط الثاني محذوف لدلالة الشرط المتقدم وجواب عليه، وإذا كان دالّا عليه فهو الجواب في المعنى، وجوابه الشرط الثالث محذوف لدلالة الشرط الثاني وجوابه عليه، وإذا كان دالّا عليه ومغنيا عنه فهو جواب في المعنى، ولما كان جواب كل شرط بعده وإن تقدم عليه جرى في المعنى على أن يتأخر بعده حتى كأنه قال: إن سألتني فإن وعدتّك فإن أعطيتك فعبدي حرّ، قال الفراء 519: سألت عن هذه المسألة عدة من الفقهاء فقال بعضهم: كما قدمنا آنفا، وقال بعضهم: إذا وقع فعل الشرط الأول ثم فعل الثاني ثم فعل الثالث لزم العتق، وقال بعضهم: أيّا ما فعل قدّم أو أخّر لزم العتق» انتهى.
ثم إنه صحح المذهب الأول وأفسد المذهبين الآخرين كما سيأتي الكلام على ذلك.
وأما الشيخ فإنه قال 520: «لا اختصاص لقوله: شرطان، بل قد يقع شرطان فصاعدا وهما إذ ذاك بمنزلة اجتماع القسم والشرط في أنك تبني الجواب على المتقدم، وتجعل جواب الذي يليه محذوفا لدلالة الشرط المتقدم وجوابه عليه، ويلزم مضي فعل الشرط المتأخر لأنه قد حذف جوابه، ولا يحذف جواب الشرط في فصيح الكلام حتى يكون فعله ماضيا، قال 521: وإنما قلنا: في فصيح الكلام لأنه جاء بصيغة المضارع وليس مقرونا بلم قال الشاعر: 4060 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم 522 ثم ذكر ما ذهب إليه المصنف من أن الشرط الثاني مقيد للأول، فكأنه في البيت قال: إن تستغيثوا بنا مذعورين، قال 523: وكذا إذا قلت: من أجابني إن دعوته -

الحديث: 4060 - الجزء: 9 - الصفحة: 4389

................................  أحسنت إليه، فـ «أحسنت» جواب من وجواب «إن دعوته» عنده مستغنى عنه بجواب الشرط، وكأنه قال: من أجابني داعيا له أحسنت إليه، أي من أجابني في حال دعائي أحسنت إليه، قال: وغير المصنف يجعله متأخرا في التقدير فكأنه قال: من أجابني أحسنت إليه إن دعوته، فقولك: من أجابني أحسنت إليه هو جواب «إن» في المعنى حتى كأنك قلت: إن دعوت فمن أجابني أحسنت إليه، فإذا وقع دعاؤه لشخص فأجابه [5/ 166] ذلك الشخص بعد دعائه إياه وجب عليه الإحسان، لأن جواب الشرط في التقدير بعد الشرط وكذلك البيت الذي أنشدناه يكون التقدير: إن تذعروا فإن تستغيثوا بنا تجدوا منا معاقل عز، فأول الشرط يصير آخرا سواء أكانت مترتبة في الوجود أم غير مترتبة، فمثال المترتبة: إن أعطيتك إن وعدتّك إن سألتني فعبدي حرّ فالسؤال أول ثم الوعد ثم الإعطاء، فمتى وقع في الوجود وجب العتق، وإن وقعت على غير هذا الترتيب لم يجب العتق، ومثال غير المترتبة: إن جاء زيد إن أكل إن ضحك فعبدي حرّ، فضحك زيد أول ثم الأكل ثم مجيئه [و] حكمها كالمسألة الأولى، وذلك أنه قد تقدم على الجواب ثلاثة شروط فيجعل الجواب للشرط الأول، وجواب الشرط الثاني محذوف لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، وإذا كان دالّا عليه فهو الجواب في المعنى، وجواب الشرط الثالث محذوف لدلالة الشرط الثاني وجواب عليه، وإذا كان دالّا عليه وأغنى عنه فهو جوابه من حيث المعنى، ولما كان جواب كل شرط بعده وقوعا وإن تقدم عليه لفظا جرى في الواقع على أن يتأخر بعده وحتى كأنه قال: إن سألتني فإن وعدتّك فإن أعطيتك فعبدي حرّ قال: وقد سئل عن هذه المسألة عدّة من الفقهاء فمنهم من ذهب إلى هذا الذي قررناه، ومنهم من جعل الجواب للآخر وجواب الثاني الشرط الثالث وجوابه وجواب الأول الشرط الثاني وجوابه، فإذا وقع الأول ثم الثاني ثم الثالث لزم العتق وكأن الفاء عنده محذوفة، فكأنه قال: إن أعطيتك فإن وعدتّك فإن سألتنى فعبدي حرّ، ولا يلزم على هذا المذهب مضيّ فعل الشرط لأنه غير محذوف الجواب، لأن كل شرط قد ذكر جوابه، قال 524: وردّ هذا المذهب بوجهين: أحدهما: أن حذف الفاء لا يجوز في الكلام إنما يجوز في الضرورة.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4390

................................  والثاني: أن حكمه حكم القسم مع الشرط، فكما أنهما إذا اجتمعا بني الجواب على السابق منهما فكذلك إذا اجتمع الشرطان بجامع ما بينهما من أن الجواب في الموضعين تقدّمه ما يطلبه منهما، فكما بني الجواب على القسم إذا تقدّم الشرط كذلك بني على الشرط إذا تقدم الشرط» انتهى.
وهذان الوجهان اللذان ردّ بهما هذا المذهب هما اللذان رد بهما ابن عصفور، إلا أن الشيخ قال بعد ذلك 525: «الفرق بينهما عندي أن الشرط الثاني يمكن أن يكون جوابا للشرط الأول بخلاف القسم إذا تقدم الشرط فإن الشرط لا يمكن أن يكون جوابا له، فلما لم يمكن أن يكون جوابا له وقوي بالتقدم كان الجواب له وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، غاية ما يبقى على هذا المذهب حذف الفاء، لكن يدفع هذا المذهب أنا نجد شرطين متواليين لا يمكن تقدير الفاء في الثاني، وذلك إذا كان الأول يكون بعد الثاني نحو البيت الذي أنشدناه من قبل: 4061 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا 526 ألا ترى أنه لا يصلح تقدير الفاء هنا.
ومن الفقهاء من ذهب إلى أنه لا يلتفت إلى تقديم فعل منها وتأخيره، بل إذا حصلت الشروط جميعها وقع العتق وكأنه احتمل عنده المذهب الأول والمذهب الثاني، واحتمل أيضا عنده أن يكون أضمر الفاء في الثاني ولم يضمرها في الآخر، واحتمل أيضا عنده أن يضمرها في الثالث ولم يضمرها في الثاني، و [لما] كانت تقادير هذه الاحتمالات وأحكامها متغايرة قال: إذا حصلت هذه الأفعال وقع العتق ولا يقال بالتقديم والتأخير» انتهى.
قال ابن عصفور 527: «صاحب هذا المذهب يرى أن الكلام يحتمل أن يكون على ما ذكرناه أولا من بناء الجواب على الشرط الأول، وعلى ما ذكرناه لصاحب المذهب الآخر من جعل الشرط الثاني جوابا للأول وذلك على إضمار الفاء، ثم -

الحديث: 4061 - الجزء: 9 - الصفحة: 4391

................................  قال: فلما كان هذا الكلام يحتمل عنده ما ذكر قال: إذا وقعت هذه الأفعال لزم العتق ولا يبالي بأيّها قدّم أو أخرّ» انتهى. ثم قال الشيخ 528: «والصحيح المذهب الأول وبه ورد السماع وعليه البيت الذي أنشدناه، وعليه عمل فصحاء المولدين قال أبو بكر بن دريد: 4062 - فإن عثرت بعدها إن وألت... نفسي من هاتا فقولا لالعا 529 ألا ترى أنه جعل الجواب للشرط الأول وهو متقدم لفظا متأخر معنى، والشرط الثاني متأخر لفظا متقدم في المعنى فكأنه قال: إن نجوت من هذه فإن عثرت بعدها فقولا: لالعا. ثم قال 530: - أعني الشيخ -: «وثبت بعد قول المصنف: استغنى بجواب سابقهما، في نسخة عليها [خطه] ما نصه: وثاني الشرطين لفظا أولهما معنى في نحو: إن تتب إن تذنب ترحم 531، قال (5): وقد تقدم لنا ذكر الأقاويل الثلاثة في اجتماع الشروط، فإن المختار أن الآخر هو الأول في الوقوع، وأنه لا فرق بين أن تكون مترتبة في الوجود أو لا تكون مترتبة، وكان المصنف ذهب إلى تفصيل فذكر أنه ما كان منها مترتبا في الوجود فوقع في النطق على غير الترتيب الوجودي فإن المراعي في الجواب إنما هو على الترتيب الوجودي لا على الترتيب المنطقي، فيكون: ترحم جواب: إن تتب وإن تذنب جوابه محذوف يدل عليه جواب: إن تتب، قال 532: وذهل 533 عن القاعدة التي قررها وهي: أنه متى كان الجواب محذوفا لم يكن فعل الشرط غير ماض، فأني بصيغة: إن تذنب وليس بلفظ المضيّ، قال: وغرّه في ذلك الوقوف مع ظاهر قوله: 4063 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا 534

الحديث: 4062 - الجزء: 9 - الصفحة: 4392

................................  فإن صيغة «تذعروا» مضارعة، وقد ذكرنا أن هذا إنما جاء في الشعر، قال: وأفهم كلامه في هذه المسألة [أنه] إذا لم [5/ 167] يكن الشرطان مترتبين فإن كل واحد يقع معنى حيث يقع نطقا نحو: إن أكلت إن ضحكت فأنت حرّ فيكون: إن أكلت أولا لفظا ومعنى، وإن ضحكت ثانيا لفظا ومعنى» انتهى.
وفي قوله مشيرا إلى المصنف: وغرّه في ذلك الوقوف مع ظاهر قوله: 4064 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا نظر لأن المصنف لا يرى [أن] «إن تذعروا» له جواب وذلك أنه يجعله حالا مقيدة لقوله: «إن تستغيثوا» كما تقدم تقرير ذلك عنه، وإذا لم يكن له جواب فلا حذف حينئذ، وإذا لم يكن حذف لم يتعيّن كون فعل الشرط ماضيا.
ثم قال الشيخ 535: «وأما قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ 536 فهذان شرطان متواليان قد حذف جواباتهما على مذهب جمهور البصريين، وقوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي ينبغي أن يجعل دليل جواب الأول، ويكون جواب الثاني محذوفا لدلالة الشرط وجوابه المحذوف عليه، فيكون محذوف دلّ على محذوف ويصير نظير قولك: أزيد أخاه تضربه، إذ التقدير: أتهين زيدا تضرب أخاه تضربه، فـ «تضرب» الناصب «أخاه» محذوف دلّ على «أتهين» الناصب زيدا فيكون محذوف قد دلّ على محذوف، ودلّ على المحذوف الأول لفظ وهو في الشرط: ولا ينفعكم نصحي، وفي مسألة الاشتغال قولك: تضربه، وهذا على مذهب من أجاز: أزيدا أخاه تضربه، وفي جوازها خلاف، ويكون المعنى في الشرط: إن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم، وقدره المصنف على عادته بالحال فقال 537: التقدير: إن أردت [أن] أنصح مريدا الله غيّكم لا ينفعكم نصحي» انتهى.
ولقائل أن يقول: إذا كان قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي دليل جواب «إن أردت أن أنصح لكم» وكان هذا الشرط مع دليل جوابه دليل جواب «إن كان الله يريد أن يغويكم» كان كل من الشرطين كأن جوابه مذكور لقيام الدليل مقام المدلول -

الحديث: 4064 - الجزء: 9 - الصفحة: 4393

................................  وكيف لا وهذا الذي جعله البصريون دليل الجواب هو نفس الجواب ضد الكوفيين ومن وافقهم من البصريين؟ وإذا كان الأمر كذلك كان كل من الشرطين في حكم مذكور الجواب لذكر ما هو دليل عليه، فيكون كل منهما كأنه قد ذكر جوابه، وتقدير الجواب محذوفا لم يكن للاحتياج إليه للاستغناء عنه بذكر ما دلّ عليه قبل الشرط، بل إنما هو من أجل الصناعة النحوية، لأنه قد تقرر أن الشرط لا بد له من جواب، وأن الجواب شأنه أن يذكر بعد الشرط، وإذا كان كذلك لم تكن الآية الشريفة وهي قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ 538 من قبيل ما نحن فيه، لأن الكلام الآن إنما هو في كلام توالى فيه شرطان وليس معهما مذكور إلا جواب واحد، وأن الاستغناء يحصل بذلك الجواب عن جواب الآخر ولا شك أن [الأمر في] الآية الشريفة ليس كذلك.
وبعد فمسألة اعتراض الشرط على الشرط مهمة ومحتاج إليها في مسائل فقهية فلنذكرها الآن والمذاهب فيهما من رأس فنقول: نقل عن بعض النحاة منع هذا التركيب - أعني أن يعترض شرط على شرط - لكن الجمهور مطبقون على صحته، ولا شك في وروده في كلام العرب فيجب الاعتراض به، وقد عرفت أن مذهب النحاة أن الجواب يكون للشرط الأول وأن جواب الشرط الثاني محذوف لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، وكذا جواب الشرط الثالث محذوف لدلالة الشرط الثاني وجوابه عليه، فإذا كان الشرط الأول وجوابه دالّا على جواب الشرط الثاني، والشرط الثاني وجوابه دالّا على جواب الشرط الثالث كان كل منهما جوابا من حيث المعنى لأنه قد دل على الجواب وأغنى عنه فكأنه هو في المعنى، واستدل على أن الشرط وجوابه يدلان على جواب الشرط بقوله تعالى: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 539 لأن التقدير: إن كنتم مسلمين فإن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا، فحذف الجواب لدلالة ما تقدم عليه، ولا شك أنه إذا كان الأمر كذلك يلزم فيما علّق على شرط اعترض عليه شرط آخر أن يكون الشرط الثاني يقع في الوجود قبل الشرط الأول، لأن الأول قد تقرر فيه أنه قائم مقام الجواب، والجواب لا بد من تأخره عن الشرط لأنه مسبب -

الجزء: 9 - الصفحة: 4394

................................  عنه، فالقائم مقامه حكمه حكمه، كيف والكوفيون ومن وافقهم من البصريين يدّعون أن المتقدم نفسه هو الجواب كما عرفت.
فإذا قال القائل: إن أعطيتك إن وعدّتك إن سألتني فعبدي حرّ، فلا يحصل العتق في هذه الصورة إلا بوقوع السؤال أولا ثم وقوع الوعد ثانيا ثم وقوع الإعطاء ثالثا، لأن التقدير: إن سألتني فإن وعدتك فإن أعطيتك فعبدي حر، وإذا تقرر أن الجواب للشرط الأول تعيّن أن يكون فعل الشرط في الثاني وكذا الثالث إن كان الثالث ماضيا لأن الجواب قد حذف منه أو منهما، وإذا كان الجواب محذوفا تعيّن مضىّ فعل الشرط على ما هو متقرر عند النحاة، نعم يجوز أن يرد في الشعر غير ماض لأنه محلّ ضرورة، ومنه قول الشاعر: 4065 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم 540 لكن قد عرفت أن المصنف لم يجعل هذا البيت ضرورة لأن الشرط الثاني لا جواب له عنده وإنما هو مقيد للأول كما يكون مقيدا بحال واقعة موقعه والتقدير: إن تستغيثوا بنا مذعورين، وعلى هذا إذا قيل: إن لبست إن ركبت فأنت حرّ كان معناه: إن لبست راكبا فأنت حر، قال بعض الفضلاء: «فهو - يعني المصنف - موافق للجمهور في اشتراط تأخير المقدم وتقدم المؤخر، لكن تخريجه يخالف تخريجهم» انتهى.
وما قاله من أن المصنف [5/ 168] موافق الجمهور في اشتراط تأخير المقدم وتقديم المؤخر، قد ينازع فيه فإن الركوب في قولنا: إن لبست إن ركبت، لو قارن اللبس وذلك بأن يقعا معا حصل مقصود المصنف، نعم المصنف لا يمنع تقديم المتأخر، أما أن يوجبه كما توجبه الجماعة فلا.
وإذا تقرر أن الشرط المذكور ثانيا هو في الوقوع أول، والمذكور أولا هو في الوقوع ثان، بطل أن يقال: إن توضأت إن صليت أتيت، لأن الوضوء لا يتسبب عن الصلاة، وصح أن يقال: إن صليت إن توضأت أتيت لأن الصلاة تتسبب عن الوضوء.
ثم إنك قد عرفت ما ذكره ابن عصفور عن الفراء السادة الفقهاء من المذهبين -

الحديث: 4065 - الجزء: 9 - الصفحة: 4395

................................  الآخرين في هذه المسألة، وأن منهم من جعل الجواب للآخر، وجواب الثاني الشرط الثالث وجواب الأول الشرط الثاني وجوابه، فاذا وقع الأول ثم الثاني ثم الثالث لزم المعلّق على الشرط، ففي قولنا: إن أعطيتك إن وعدتّك إن سألتني فأنت حرّ، إنما يحصل العتق إذا وقع الأول ثم الثاني ثم الثالث، وأن منهم من لم يعتبر تقديما ولا تأخيرا بل يقول: إذا حصلت الشروط جميعها على أي وجه حصلت وقع العتق، وقد طعن في هذين المذهبين: أما الأول منهما [فقد] تقدمت الإشارة إلى فساده بالوجهين اللذين ذكرهما الشيخ وقلنا: إنهما لابن عصفور، ومما يدل على بطلانه أيضا قول الشاعر: 4066 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا..... 541 وذلك أن الواقع أولا إنما هو «الذعر» ثم تنشأ الاستغاثة عنه.
وأما الثاني: فبطلانه ظاهر، لأن القائل به إن جعل الجواب للشرطين إن تقدم شرطان أو للشرط إن تقدم أكثر من شرطين فلا يكون جواب واحد لشيئين، وإن جعل لغير الشرط الأول فقد تبين بطلانه بما ذكر ردّا على المذهب الثاني، وإن جعل للشرط الأول فقد وافق قوله حينئذ قول الجمهور ولكنه لا يقول به.
ثم إذا علم أن اعتراض الشرط على الشرط إنما يتحقق إذا توالي في الكلام شرطان أو أكثر، وكان المذكور بعد جوابا واحدا نحو: إن أعطيتك إن وعدتّك إن سألتني فعبدي حرّ علم أن الشرط إذا وليه جوابه ثم ذكر شرط آخر نحو قوله تعالى: وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 542 لا يكون ذلك من اعتراض الشرط على الشرط، وكذا لا يكون منه أيضا ما إذا كان الشرط الثاني مقرونا بـ «الفاء» نحو: إن راعاك زيد فإن أقبل عليك فأقبل عليه، إذ الشرط الثاني وجوابه جواب الشرط الأول، وكذا لا يكون منه أيضا ما إذا كان كل من جوابي الشرطين محذوفا مدلولا عليه بما هو متقدم على الشرط كقوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ 543 فقد تقدم أن قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي دليل جواب «إن أردت أن أنصح لكم»، وأن -

الحديث: 4066 - الجزء: 9 - الصفحة: 4396

................................  هذا الشرط مع دليل جوابه دليل جواب «إن كان الله يريد أن يغويكم» والتقدير: إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي، فكل من الشرطين في حكم مذكور الجواب لذكر ما هو دليل عليه، ونظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها 544 لاشتماله على شرطين ذكر دليل جواب كل منهما مقدما عليه فليس في شيء من هذه الصور الثلاث اعتراض شرط على شرط.
وبقيت صورة اضطرب الكلام فيها وهي: ما إذا اجتمع «أما» وأداة الشرط كقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ 545، فأما المصنف فإنه جعل ذلك من قبيل [دخول] شرط على شرط فقال 546: «وقد يلي أمّا «إن» فيغني جواب «أمّا» عن جوابها كقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ قال: وقد تقدم 547 أن الجواب لأول الشرطين المتواليين، فإذا كان أول الشرطين «أما» كانت أحق بذلك من وجهين: أحدهما: أن جوابها إذا انفردت لا يحذف أصلا، وجواب غيرها إذا انفرد يحذف كثيرا لدليل، وحذف ما عهد حذفه أولى من حذف ما لم يعهد حذفه الثاني: أن «أما» قد التزم معها حذف فعل الشرط وقامت هي مقامه، فلو حذف جوابها لكان ذلك إجحافا و «إن» ليست كذلك» هذا كلامه رحمه الله في شرح الكافية، وكلامه في التسهيل موافق لذلك فإنه لما ذكر «أمّا» قال 548: «ولا يليها فعل بل معموله أو «أو» إلى أن قال: أو أداة شرط يغنى عن جوابها جواب أمّا»، وقال الشيخ 549 في شرح هذا: «هذه المسألة فيها خلاف والصحيح أن أداة الشرط جوابها محذوف لدلالة جواب «أمّا» عليه، قال: ولذلك لزم أن يكون فعل الشرط ماضيا، ثم قال: وسبب ذلك أن ما يلي «أمّا» مقدم من تأخير وكان حقه أن يكون بعد «الفاء» فصار اجتماع «أما» والشرط كاجتماع الشرطين، وكاجتماع -

الجزء: 9 - الصفحة: 4397

................................  القسم المتقدم مع الشرط، فيحذف إذ ذاك جواب الشرط الثاني، قال 550: والتقدير: مهما يكن من شيء فروح وريحان إن كان من المقربين، فـ «الفاء» في جواب الشرط الذي تقدم، وجواب «إن» محذوف، قال (2): وهذا مذهب سيبويه 551، قال: وزعم الأخفش 552 أن «فروح» و «فسلام» و «فنزل» جواب لـ «أمّا» والشرط معا فالأصل عنده: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح، ثم أنيبت «أمّا» مناب «مهما» والفعل الذي بعدها فصار: فأمّا إن كان من المقربين فروح، ثم قدمت «إن» والفعل الذي بعدها [5/ 169] فصار: فأما إن كان من المقربين ففروح التقت الفاءان فأغنت إحداهما عن الأخرى فصار: فروح، قال: وهذه تقادير عجيبة ومع ذلك هي باطلة» انتهى.
وقد أخرج بعض الفضلاء هذه المسألة من اعتراض على الشرط فقال: «وليس من اعتراض الشرط على الشرط أن يقترن الثاني منها بـ «الفاء» تقديرا، كما أنه ليس منه إذا اقترن بـ «الفاء» لفظا، قال: وذلك نحو قوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ 553 قال: لأن الأصل: مهما يكن من شيء فإن كان المتوفى من المقربين فجزاؤه روح، فحذفت «مهما» وجملة شرطها وأنيب عنها «أمّا» فصار: فأما فإن كان ففروا من ذلك لوجهين: أحدهما: أن الجواب لا يلي أداة الشرط بغير فاصل.
والثاني: أن «الفاء» في الأصل للعطف فحقها أن تقع بين شيئين وهما المتعاطفان، فلما أخرجوها في باب الشرط عن الشرط حفظوا عليها المعنى [الأصلي] وهو التوسط، فوجب أن يقدم ما في حيزها عليها فقدمت جملة الشرط الثاني لأنها كالجزء الواحد، كما قدم المفعول في قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ 554 فصار: فأما إن كان من المقربين ففروح، فحذفت «الفاء» التي هي جواب «إن» لئلا يلتقي فاءان، قال: فتلخص أن جواب «أما» ليس محذوفا بل مقدما بعضه -

الجزء: 9 - الصفحة: 4398

[الأوجه الجائزة في المضارع المعطوف على الشرط]

قال ابن مالك: (وإن توسّط بين الشّرط والجزاء مضارع جائز الحذف غير صفة أبدل من الشّرط إن وافقه معنى وإلّا رفع وكان في موضع الحال).  على «الفاء» فلا اعتراض» انتهى. ولقائل أن يقول: لا شك أن «أما» ليست حرف شرط في الأصل وإنما هي حرف تفصيل وقد تضمن معنى الشرط كما في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ 555 وقد لا تضمن وذلك إذا اقترنت بها أداة شرط كقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ 556 فيقال: استغنى عن تضمينها معنى الشرط بذكر الشرط معها وخلصت هي للتفصيل الذي هو معناها الأصلي، وعلى هذا فتخرج المسألة من هذا الباب. وأما قول المصنف: «ويتعيّن ذلك - يعني الاستغناء بجواب الشرط عن جواب القسم السابق - إن تقدّمهما ذو خبر» فقد تقدم آنفا ما نقلناه عنه من شرح الكافية، وتقدم الكلام [عليه] في باب «القسم» أيضا. وأما قوله «أو كان حرف الشّرط لو أو لولا» فقد أشبع فيه الكلام في باب «القسم» أيضا فليراجع فإنه مشتمل على بحث حسن. قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 557 بعد كلامه على الفعل المتوسط بين الشرط والجزاء المقترن بـ «فاء» أو «واو»: «فإن خلا الفعل المتوسط بين الشرط والجزاء من الفاء والواو جزم وجعل بدلا من الشرط أو رفع وكان في موضع نصب على الحال، فمثال المجزوم المجعول بدلا قول الشاعر: 4067 - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا 558

الحديث: 4067 - الجزء: 9 - الصفحة: 4399

................................  ومثال المرفوع المقدر في موضع الحال قول الآخر: 4068 - متى تأته تعشو إلى ضوء ناره... تجد خير نار عندها خير موقد 559 انتهى.
لكنه [هنا] قيّد الفعل - أعني المضارع المتوسط بين الشرط والجزاء الصالح للبدلية أو الحال تقيدين وهما: أن يكون جائز الحذف، وأن يكون غير صفة، واحترز بالقيد الأول من أن يكون ذلك الفعل خبر «كان» أو ثاني مفعولي «ظننت» نحو قولك، إن تكن تحسن إلى أحسنت إليك، وإن تظنني أصدق أصدقك، ومن ذلك قول زهير: 4069 - ومن لا يزل يستحمل النّاس نفسه... ولا يغنها يوما من الدّهر يسأم 560 فالفعل الذي في هذين المثالين وفي هذا البيت لا تعلق له بفعل الشرط فيكون بدلا منه، ولا بفاعل فعل الشرط فيكون حالا، إنما هو خبر «كان» وخبر «لا يزال» وفي موضع ثاني مفعولي «ظننت» فكان له في الإعراب حكم نفسه، ولم يجز فيه أن يكون بدلا من فعل الشرط ولا حالا من فاعله.
واحترز بالقيد الثاني من أن يكون ذلك الفعل صفه أي في موضع الصفة نحو قولك: إن يأتني رجل يخاف الله أعظّمه، فـ «يخاف الله» في موضع الصفة لفاعل الشرط فكان له أيضا في الإعراب حكم نفسه.
فإذا انتفى عن المضارع الواقع بين الشرط والجزاء أن يكون جائز الحذف وأن يكون صفة ووافق في المعنى فعل الشرط جزم على أنه بدل من فعل الشرط كما في البيت المتقدم إنشاده 561، وإن لم يوافق ذلك الفعل المتوسط فعل الشرط في المعنى -

الحديث: 4068 - الجزء: 9 - الصفحة: 4400

................................  رفع وكان في موضع الحال نحو: من يأتني يضحك أحسن إليه، ومن ذلك البيت المتقدم إنشاده وهو: 4070 - متى تأته تعشو إلى ضوء ناره قال الشيخ 562: «والموافقة قد تكون بالترادف كما في قوله: 4071 - متى تأتنا تلمم.... لأن الإتيان والإلمام مترادفان، وقد يكون الفعل الثاني نوعا من الأول نحو قولك: إن تأتني تمشى أمش إليك.
انتهى.
ولك أن تقول: كان الواجب أن يقول المصنف: وغير حال بعد قوله: «غير صفة» لأن الصفة كما أنها لفاعل فعل الشرط هكذا الحال إنما هي حال من فاعل الفعل المذكور فلها حكم نفسها، كما أن الصفة لها حكم نفسها، فكان الواجب أن يستثنى الحال كما تستثنى الصفة لأن الكلام إنما هو مسوق الآن لبيان تبعية المتوسط في الإعراب لفعل الشرط، وذلك إنما يتصور إذا كان بينه وبين فعل الشرط علاقة بأن وافقه معنى كما ذكر، أما إذا كان صفة لفاعل فعل الشرط أو حالا منه فلا يخفى أن له في الإعراب حكم نفسه.
واعلم أن كلام الشيخ هنا تضمّن أمورا: أولها: أنه قال 563: «لا خصوصية في المسألة بالمضارع، بل الحكم الذي ذكره من البدل [5/ 170] أو الحال جار في المضارع وفي الماضي، فكما تقول: إن تأتني تمشي أكرمك تقول: إن أتيتني قد مشيت أكرمك، وإن تأتني قد ضحكت أحسن إليك، ويجوز أن لا تأتى بـ «قد» على رأي من لا يشترط ذكرها، ثم قال 564: ولكن المصنف ذكر المضارع لأن فيه يظهر أثر العمل في البدل وعدم أثره في الحال.
انتهى.
وقد كفانا مؤونة الجواب عن المصنف بقوله: إن أثر العمل يظهر في المضارع - يعني من جزم أو رفع ولا شك أن هذا هو المقتضي له أن خصص المضارع بالذكر.
ثانيها: أنه قال 565: «وذكر المصنف أن المضارع إذا استوفى ما ذكره من الشروط -

الحديث: 4070 - الجزء: 9 - الصفحة: 4401

[اتصال «ما» الزائدة ببعض أدوات الشرط]

قال ابن مالك: (واتّصال «ما» الزّائدة بإن وأيّ وأين وأيّان ومتى وكيف جائز).
كان بدلا، قال: وظاهر كلامه أنه لا يجوز فيه الحال ولذلك قال: وإلا رفع وكان في موضع الحال، وليس على ما ذكر، بل قد جوّز النحويون أنه إذا كان بتلك الشروط رفعه على أنه يكون في موضع الحال، وتكون تلك الحال مؤكدة، ويقوي الحال إن كان المضارع نوعا من الأول، وإن كان جزمه بدلا في النوعين هو الوجه» انتهى.
ولقائل أن يقول: جعل المضارع المتوسط بين الشرط والجزاء حالا لا يمنع منه مانع صناعي، فإذا كان حالا كأنه جاء على ما يقتضيه أصل التركيب، وإنما تبعية ذلك المتوسط لما قبله في الإعراب هو الذي يحتاج إلى التنبيه عليه، فكان هو المحتاج إلى ذكره لأنه قد يتوهم فيه أنه لا يجوز إتباعه في الإعراب لما قبله.
وأما قوله «وإلّا رفع وكان في موضع الحال» فتنبيه على أنه إذا لم يوافق فعل الشرط في المعنى لا يجوز أن تبدل منه، بل يعطى حكم نفسه فيرفع، ونبّه على أنه إذا رفع كان في موضع الحال لأنه قد يتوهم فيه الاستفهام.
ثالثها: أنه قال: لم يبين المصنف في قوله: «أبدل، طريقة البدل، قال: ونصّوا على أنه يكون بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، وبدل اشتمال على ما قررناه من القسمين» انتهى.
قال ناظر الجيش: قد تقدم الكلام على هذه المسألة، وذكر أن أدوات الشرط بالنسبة إلى لحوق «ما» وعدم اللحوق على أقسام ثلاثة: قسم يجب فيه عدم اللحوق وهو: «من» و «ما» و «مهما» و «أنّى».
وقسم يجب فيه اللحوق وهو: «إذ» و «حيث».
وقسم يجوز فيه الأمران وهو: «إن» و «متى» و «أين» و «أيّ» و «أيّان» وهذا تقسيم مدخول لأن «إذ» و «حيث» ليستا أداتي شرط إنما الأداة «إذما» و «حيثما».
وبعد فالذي أتى به المصنف هنا في غاية الحسن وهو أنه لم يتعرض لشيء من ذلك، بل ذكر أن اتصال «ما» جائز بهذه الكلمات التي ذكرها، فعلم أن اتصالها -

الجزء: 9 - الصفحة: 4402

................................  ببقية الكلمات من أدوات الشرط غير جائز، وأما «إذما» و «حيثما» فقد عرفت أن «إذما» هي الأداة نفسها لا «إذ» وكذا «حيثما» هي الأداة [لا «حيث» فلا يقال إن ثمّ أداة] شرط يجب اتصال «ما» الزائدة بها، وقد ذكر المصنف «كيف» ولا شك أن كلامه الآن إنما هو في الأدوات الجوازم فكان ينبغي أن يؤخّر ذلك إلى أن يتكلم في «كيف».
واعلم أن في شرح الشيخ 566 أن الكوفيين يجيزون زيادة «ما» بعد «من» و «ما» و «أنّى»، وأن الفراء 567 يجوّز الجزم بـ «إذ» وب «حيث» دون «ما» ولا شك أن مثل هذا لا ينبغي التعويل على نقله ولا الاشتغال به.
والمنقول عن الجزولي 568 أن «ما» لحقت «أيّا» عوضا من الإضافة، وهو غلط، لأنها لو كانت عوضا للزمت ثم إنها قد لحقت مع الإضافة في قوله تعالى: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ 569، والحق أن «ما» زائدة لمجرد التوكيد 570. فأما لحاقها «إن» فمنه قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ 571 وقوله تعالى: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ 572، وقوله تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ 573 وهو في القرآن العزيز كثير (9)، ولم يأت لحاقها «إن» في الكتاب العزيز إلا والفعل مؤكد بـ «النون» 574، ومن ورودها في غير الكتاب العزيز بغير «نون» قوله: 4072 - زعمت تماضر أنّني إمّا أمت... يسدد أبينوها الأصاغر خلّت 575 وأما لحاقها «أيّا» فمنه قوله تعالى: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ، وقوله تعالى: -

الحديث: 4072 - الجزء: 9 - الصفحة: 4403

................................  أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 576. وأما لحاقها «أين» فمنه قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ 577. وأما لحاقها «أيّان» فكقول القائل: 4073 - فأيّان ما تعدل بها الرّيح تنزل 578 ولا التفات إلى قول من يمنع لحاقها «أيّان» 579. وأما لحاقها «متى» فكقول القائل: 4074 - ومتى مايع منك كلاما... يتكلّم فيجبك بعقل 580 وكقول الآخر: 4075 - متى ما يجئ يوما إلى المال وارثي... يجد جمع كفّ غير ملء ولا صفر يجد فرسا مثل العنان وصارما... حساما إذا ما هزّ لم يرض بالهبر 581 وأسمر خطّيّا كأنّ لعابه وأما لحاقها «كيف» فكقول القائل: افعل كيف ما شئت.
-

الحديث: 4073 - الجزء: 9 - الصفحة: 4404

[صور فعلي الشرط والجواب]

قال ابن مالك: «وكون فعلي الشّرط ماضيين وضعا، أو بمصاحبة «لم» أحدهما أو كليهما، أو مضارعين دون «لم» أولى من سوى ذلك، ولا يختصّ نحو: إن تفعل فعلت بالشّعر خلافا لبعضهم».
قال ناظر الجيش: أراد بقوله «فعلي الشّرط»: فعلى الشرط والجزاء، لأن فعل الجزاء لما كان ناشئا عن فعل الشرط لأنه مسبب عنه صحت نسبته إليه، ثم إن فعل الشرط إما أن يكون ماضيا بالوضع، أو مضارعا عاريا من «لم» أو مضارعا مصحوبا بـ «لم» وفعل الجزاء أيضا كذلك، والخارج من ذلك تسع صور وتؤخذ من كلام المصنف، فمنها خمس بالمنطوق وهي: أن يكون الفعلان ماضيين بالوضع نحو: إن قام زيد قام عمرو، وأن تكون «لم» مصاحبة لفعل الشرط نحو: إن لم يقم زيد قام عمرو، وأن تكون «لم» مصاحبة [5/ 171] لفعل الجزاء نحو: إن قام زيد لم يقم عمرو، وأن تكون «لم» مصاحبة كليهما نحو: إن لم يقم زيد لم يقم عمرو، وأن يكون الفعلان مضارعين دون «لم» في كل منهما نحو: إن يقم زيد يقم عمرو.
ومنها أربع بالمفهوم وهي: أن يكون الشرط ماضيا بالوضع وفعل الجزاء مضارعا لم تصحبه «لم» نحو: إن قام زيد يقم عمرو، وأن يكون الأول مصحوبا بـ «لم» والثاني مضارعا نحو: إن لم يقم زيد يقم عمرو، وأن يكون الأول مضارعا لم تصحبه «لم» والثاني [ماضي الوضع نحو: إن يقم زيد قام عمرو، وأن يكون الأول مضارعا لم تصحبه «لم» والثاني] مضارعا مصحوبا بـ «لم» نحو إن يقم زيد لم يقم عمرو.
ثم إن كلّا من الصور الخمس المأخوذة من المنطوق أولى من كل من الصور الأربع المأخوذة من المفهوم كما صرح به في قوله «وكون فعلي الشّرط كذا أولى من سوى ذلك»، وإنما كانت تلك أولى للمشاكلة، ولكن بعضها أولى من بعض، قالوا 582: فالأحسن أن يكونا مضارعين [وذلك لظهور 583 العمل فيهما، ثم ماضيين للمشاكلة وهو عدم التأثير، ثم أن يكون الأول ماضيا والجواب مضارعا، قالوا 584: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4405

................................  لأن فيه الخروج من الأضعف إلى الأقوى وهو من عدم التأثير إلى التأثير.
وقال الإمام بدر الدين 585: «إذا كان الشرط والجزاء فعلين جاز أن يكونا مضارعين] وأن يكونا ماضيين، وأن يكون الشرط ماضيا والجواب مضارعا، وأن يكون الشرط مضارعا والجواب ماضيا، والأكثر أن يكونا مضارعين لأنه الأصل، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ 586 ويليه في الكثرة أن يكونا ماضيين وضعا أو بمصاحبة «لم» أحدهما أو كلاهما لأنه وإن كان أبعد عن الأصل من كون أحدهما مضارعا فهو أدخل في المشاكلة وذلك نحو: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا 587، ونحو: إن قمت لم أقم، وإن لم تقم قمت، وإن لم تقم لم أقعد، وأما كون الشرط ماضيا والجواب مضارعا فقليل بالنسبية ومن ذلك قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها 588 وأقلّ منه كون الشرط مضارعا والجواب ماضيا لأن الشرط الماضي لا يلتبس بغيره لأنه مقرون بأداة الشرط والجواب الماضي قد يلتبس بغيره لعدم ظهور الجزم فيه» انتهى.
وقال سيبويه 589 بعد أن قرر أن المجزوم بـ «لم» ماض: «فإذا قلت: إن تفعل فأحسن الكلام أن يكون الجواب أفعل لأنه نظيره من الفعل، وإذا قلت: إن فعلت فأحسن الكلام أن تقول: فعلت لأنه مثله فكما ضعف فعلت مع أفعل، وأفعل مع فعلت قبح لم أفعل مع الفعل، لأن لم أفعل نفي فعلت، وقبح لا أفعل مع فعل لأنها نفي أفعل» انتهى.
وأما أفهم كلام المصنف أن الصور الأربع - وإن كانت الصور الخمس أولى منها - جائزة في الكلام، وكان في إحداهما خلاف وهي التي قال فيها بدر الدين: «وأقلّ منه كون الشرط مضارعا والجواب ماضيا» أراد التنبيه على ذلك فأشار إليه بقوله «ولا يختصّ إن تفعل فعلت بالشّعر خلافا لبعضهم» ثم لما ذكر هذه المسألة في شرح الكافية أنشد أبياتا 590 شواهد على ذلك وهي قول الشاعر: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4406

................................  4076 - من يكدني بسيّئ كنت منه... كالشّجابين حلقه والوريد 591 وقول الآخر: 4077 - إن تصرمونا وصلناكم وإن تصلوا... ملأتم أنفس الأعداء إرهابا 592 وقول الآخر: 4078 - إن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا... منّي وما يسمعوا من صالح دفنوا 593 ثم قال 594: وأكثر النحويين يخصون ذلك بالضرورة، ولا أرى ذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» 595، قال: ولأن قائل البيت الأول متمكن من أن يقول بدل: كنت منه: أك منه وقائل الثاني متمكن من أن يقول بدل: وصلناكم: نواصلكم، وبدل: ملأتم: تملأوا، وقائل الثالث متمكن من أن يقول بدل: إن تسمعوا: إن سمعوا وبدل: وما يسمعوا: وما سمعوا.
فإذ لم يقولوا ذلك مع إمكانه علم أنهم غير مضطرين، قال: وقد صرح بجواز ذلك في الاختيار الفراء 596 - رحمه الله تعالى - وجعل من ذلك قوله تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 597 لأن: ظلت بلفظ الماضي وقد -

الحديث: 4076 - الجزء: 9 - الصفحة: 4407

................................  عطف على: تنزل، وحق المعطوف أن يصلح لحلوله محلّ المعطوف عليه» انتهى.
قال الشيخ 598: «هذا البعض الذي خالفه المصنف هو الجمهور، ونصّوا على أنه مخصوص بالشعر».
ثم قال 599: فأما استدلاله بالأثر فنقول: قد لهج هذا المصنف في تصانيفه كثيرا بالاستدلال بما وقع في الحديث في إثبات القواعد الكلية في لسان العرب بما روي فيه، وما رأيت أحدا من المتقدمين ولا المتأخرين سلك هذه الطريقة غير هذا الرجل، قال: وإنما تنكّب 600 العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك نفس لفظ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى، قال: وقد وقع اللحن كثيرا فيما روي في الحديث لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في نقلهم وهم لا يعلمون.
وأطال الكلام في ذلك إلى أن قال 601: إن المصنف يستدل بالآثار متعقبا بزعمه على النحويين وما أمعن النظر في ذلك، ولا صحب من له التمييز في هذا الفن والاستبحار والإمامة، ولذلك تضعف استنباطاته من كلام سيبويه، وينسب إليه مذاهب، ويفهم من كلامه مفاهيم لم يذهب سيبويه إليها، ولا أرادها، ووقفت له على ذلك، ومنها: زعمه أن مذهب سيبويه أن [الفعل المبني للمفعول أصل بنفسه، ومنها: زعمه أن مذهب سيبويه أن] إن النافية تعمل عمل «ما» النافية، ومنها: زعمه أن ترخيم الجملة جائز، وغير ذلك، يستنبط ذلك بزعمه من «كتاب» سيبويه والعارفون بالكتاب وبمقاصده، والعاكفون على إقرائه والجمع بين أطرافه يخالفونه في ذلك، فدلّ على أنه حين ينظر في «كتاب» سيبويه إنما ينظر نظر من لم يتفقه فيه مع أحد، وقال وقال إلى أن قال 602: إنما الناس [5/ 172] الفاضل منهم من يحل كتابا أو كتابين في الفن المنسوب إليه، هذا إذا كان مزاولا لذلك الكتاب، وأما إن كان صاحب نتاتيف 603 وينظر في علوم كثيرة فهذا لا يمكن أن -

الجزء: 9 - الصفحة: 4408

................................  يبلغ الإمامة في شيء منها.
قال 604: وقد نظمت أبياتا في شأن من يقرأ بنفسه ويأخذ العلم من الصحف بفهمه وهي: يظنّ الغمر أنّ الكتب تهدي... أخا فهم لإدراك العلوم 605 وما يدري الجهول بأنّ فيها... غوامض حيّرت عقل الفهيم إذا رمت العلوم بغير شيخ... ضللت عن الصّراط المستقيم وتلتبس الأمور عليك حتّى... تصير أضلّ من توما الحكيم 606 أشرت إلى قول بعضهم: قال حمار الحكيم توما... لو أنصفوني لكنت أركب لأنّني جاهل بسيط... راكبي جاهل مركّب قال 607: وكان بعض من تولي قضاء القضاة بديار مصر من أهل الصعيد الأعلى يقول: هذا كتاب سيبويه فيه عجمة ونكادة لفظ، قال 608: وما ذلك إلا لكونه لم يقرأ النحو أو قرأ منه نزرا يسيرا على مبتدئ في النحو، هذا وما كان مدفوعا عن فطنة وذكاء وإعمال فكر وإكداده وبعض إنصاف رحمه الله تعالى.
وأما هذا المصنف الذي كمّلنا شرح كتابه فإنه كان رجلا صالحا مغتنيا بهذا الفن النحوي، كثير المطالعة لكتبه، منفردا بنفسه، لا يحتمل أن ينازع ولا يجادل، ولا يباحث، ونظم في هذا الفن كثيرا، ونثر، جمع باعتكافه على الاشتغال بهذا الفن والشّغل به وبمراجعة الكتب ومطالعة الدواوين الغريبة، وطول السن من هذا العلم غرائب، وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب، ومنها كثيرا ستخرجه من أشعار العرب وكتب اللغة، ولم يكن ممن لازم في هذا الفن إماما مشتهرا به، ولا يعلم له فيه -

الجزء: 9 - الصفحة: 4409

................................  شيخ، ولا ذكر هو من اشتغل عليه بهذا الفن، واستمر في كلام يشبه ذلك ثم قال 609: وقال لي قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الحموي 610، وكان ممن قرأ على المصنف، وقد جرى ذكرا ابن مالك واستدلاله بما أشرنا إليه قال 611: قلت له: يا سيدي هذا الحديث روته الأعاجم، ووقع فيه بروايتهم ما نعلم أنه ليس من لفظ الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فلم يجب بشيء، قال 612: وإنما أمعنت الكلام في هذا المسألة لئلا مبتدئ: ما بال النحويين يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر، ولا يستدلّون بما ورد في الحديث بنقل العدول كالبخاري 613 ومسلم 614 وأضرابهما، فإذا طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث» انتهى.
وأقول: أما إنكاره على المصنف الاستدلال بما ورد من الأحاديث الشريفة معتلّا لذلك بأن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى، فيقال فيه: لا شك أن الأصل في المروي أن يروى باللفظ الذي سمع من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والرواية بالمعنى وإن جازت فإنما تكون في بعض كلمات الحديث المحتمل لتغيير اللفظ بلفظ آخر يوافقه معنى، إذ لو جوّزنا ذلك في كل ما يروى لارتفع الوثوق عن جميع الأحاديث بأنها هي بلفظ الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أمر لا يجوز توهمه فضلا عن أن يعتقد وقوعه، ثم إن المصنف إذا استدلّ على مسألة بحديث لا يقتصر على ما في الحديث الشريف، بل يستدل بكلام العرب من نثر ونظم يردف ذلك بما في الحديث إما تقوية لما ذكره من كلام العرب وإما استدلالا على أن المستدل عليه لا يختصّ جوازه بالشّعر، بل إنه يجوز في الاختيار أيضا، ولا يخفى عن البيب أن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمر رضي الله تعالى عنه في ابن -

الجزء: 9 - الصفحة: 4410

................................  صيّاد «إن يكنه فلن تسلّط عليه وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله» 615 يبعد فيه أن يكون مغيّرا، كذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله ملّككم إيّاهم ولو شاء ملّكهم إيّاكم» 616 وأما قوله: إن المصنف ما أمعن النظر في ذلك فما علمت الأمر الذي أشار إليه بأن المصنف ما أمعن فيه نظره ما هو؟ وأما قوله: «ولا صحب من له التمييز في هذا الفن والاستبحار والإمامة» فما أعرف من أين له علم ذلك حتى بنفيه؟ وكأنه يشير بذلك إلى أنه ما صحب أبا علي الشلوبين ولا قرأ عليه، كما اتفق ذلك للحلبة الشلوبينية كابن عصفور وابن الضائع والأبّذيّ وابن هشام وابن أبي الربيع، وأصحابهم، وهذا أمر عجيب، فإن الله تعالى من كرمه وإنعامه على عباده لم يحصر العلم في ناحية ولا في إنسان، بل فضل الله منتشر في الجهات ومثبوت في العباد ولا يختص بجهة دون جهة، ولا بإنسان دون آخر، وهب أنه صحب من له الإمامة في الفن أو من ليست له الإمامة أليس الله تعالى قد أنعم عليه وأوصله عن هذا العلم إلى ما لم يصل إليه من صحب له التمييز في هذا الفن والاستبحار كما ذكر والإمامة.
وأما قوله عنه: إنه تصعف استنباطاته من كلام سيبويه وينسب إليه مذاهب ويفهم من كلامه مفاهيم لم يذهب سيبويه إليها ولا أرادها، وإن منها كذا وكذا ومنها كذا وكذا إلى آخر كلامه، فهذا عجب من الشيخ كيف يصدر عنه هذا في حق مثل هذا الإمام الكبير المشهود له بالتبريز الذي قال هو في حقه: إنه نظم في هذا الفن كثيرا ونثر، وأنه جمع باعتكافه على الاشتغال بهذا الفن والشّغل به، ومراجعة الكتب ومطالعة الدواوين الغريبه من هذا العلم غرائب، وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب، وإن منها كثيرا استخرجه من أشعار العرب وكتب اللغة، فمن شهد له بأنه وصل إلى هذه الرتبة التي هي رتبة الاجتهاد لقوله: إنه استخرج كثيرا من أشعار العرب وكتب اللغة، ولا شك أن هذه وظيفة المجتهد، كيف يقول [5/ 173] فيه: إنه ضعيف الاستنباط من كلام سيبويه، وأنه يفهم غير المراد، وأنه وأنه؟ -

الجزء: 9 - الصفحة: 4411

................................  وأما قوله: إنه لم يعلم له شيخ، فما أعرف كيف ذلك نقصا في رجل انتشر علمه وانتهى إلى رتبة بلغ بها أن يصحح ما أبطله غيره ويبطل ما صححه غيره بالأدلة الواضحة والمستندات الراجحة؟ وكم من طالب فاق شيخه، وخادم برّز على أستاذه، وانظر إلى العلماء الكبار المشهورين من أهل الفنون الذين اعترف الناس لهم بأنهم ارتقوا في فنونهم إلى المراتب السنية التي لا تلحق، هل كانوا متقدمين في الذكر على من اشتغلوا عليه وأخذوا عنه أولا؟ والطالب لا بد له من شيخ موفق، ولكن إنما يحتاج إليه في حل الكتاب الذي يقرأه عليه وتبيين المقصود من كل باب من ذلك الكتاب، وتقرير مسائله تصورا وتصديقا بحيث تصير له أهلية لفهم ما يطالعه من كتب ذلك الفن، والتمييز بين الصحيح والفاسد من مسائله، فإذا أعطاه الله تعالى مع ذلك صحة فكر وقوة إدراك واستمر عاكفا محصلا لما هو بصدده فقد يصل إلى أضعاف ما وصل إليه شيخه، وقد قال المصنف 617: «وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين»، ولكن الشيخ - رحمه الله تعالى - كان في خاطره أن النحو الذي وصل إليه المتأخرون من المغاربة كالأستاذ أبي علي الشلوبين وتبّاعه - رحمهم الله تعالى - لم يصل إليه غيرهم، فما رأي كتب المصنف وما أبرزه من النوادر والغرائب والعجائب، ولم يبعد أن حصل في النفس حسد ما، وكأن المصنف استشعر وقوع ذلك فلهذا قال بعد كلامه الذي تقدم 618: «أعاذنا الله من حسد يسدّ باب الإنصاف، ويصدّ عن جميل الأوصاف». ولكن الله در أبي تمام الطائي 619 حيث قال: 4079 - وإذا أراد الله نشر فضيلة... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النّار في ما جاورت... ما كان يعرف طيب نشر العود 620

الحديث: 4079 - الجزء: 9 - الصفحة: 4412

................................  وأما قوله - أعني الشيخ -: «إن الفاضل من يحل كتابا أو كتابين في الفن المنسوب إليه مع مزاولته لذلك الكتاب» فهذا الكلام منه دليل على أن المصنف لم يحل كتابا في هذا الفن على أحد، وكفى بهذا الكلام من قائله قبحا، ويزيد هذا القبح قبحا إنشاده لنفسه - عقب ذلك - الأبيات التي أولها: يظنّ الغمر أنّ الكتب تجدي... أخا فهم لإدراك العلوم وقوله فيها: إذا رمت العلوم بغير شيخ... ضللت عن الصّراط المستقيم لأن هذا إنما يقال لإنسان جاهل لا قرأ ولا درى ولا اقتبس من أحد شيئا فيأخذ كتابا وينظر فيه ظانّا أنه يدرك معانيه بنظرة من غير توقيف من مرشد، ولا يقال هذا لواحد من الطلبة المتميّزين فضلا أن يقال في معرض التعريض بإمام يشهد له بالفضل أهل المشرق والمغرب من أهل فنه، وقد كان هو - أعني الشيخ - رحمه الله تعالى يقول: «من عرف ما في هذا الكتاب - يعني التسهيل - لا يكون تحت السماء أنحى منه».
ثم لم يقنع الشيخ ما قاله في حق المصنف حتى تعدّاه إلى آخر وهو الذي ذكر أنه من أهل الصعيد الأعلى وأنه تولى قضاء القضاة بديار مصر فقال عنه: إنه لم يقرأ النحو وقرأ منه نزرا يسيرا على مبتدئ في النحو، وهذا الرجل الذي أشار إليه هو الشيخ: تقى الدين الشهير بابن دقيق العيد 621 - رحمه الله تعالى - وهو الرجل الذي يعترف بفضله الحاضر والبادي، والدّاني والقاصي، والصديق والعدو، ولم ينازع في علمه أحد، بل كان في زمن فيه رؤوس العلماء المعتبرين الراسخون في الفنون، والكل خاضعون له، ماثلون بين يديه، يتلقون منه ما يقوله، ومعترفون بأنه أحد أهل وقته، ويدلك على صحة ذلك ما أبرزه من مصنفاته، والناظر إذا وقف على كلامه وتأمله علم أنه فوق ما ذكرنا، وكيف لا يكون كذلك وله استنباطات أحكام من السنة النبوية انفرد بها؟ ولقد استنبط من حديث واحد من الأحاديث التي أوردها في كتابه «الإلمام» أربعمائة وستة وثلاثين حكما، أترى من له هذه القوة والتمكن يقال عنه: إنه لم يقرأ النحو وأنه قرأ منه نزرا يسيرا على مبتدئ؟ -

الجزء: 9 - الصفحة: 4413

................................  وكيف يصل من يستنبط الأحكام الشرعية إلى ما يقصده دون تضلّع بعلم العربية و [علم] الأصول، وغيرها مما يتبعهما، ولا يبعد أن غض الشيخ منه له سبب محرج أوجب له أن يتكلم بذلك، ويحكى أن قضية جرت بين الشيخ تقي الدين وبينه لكنني لم أتحقق أنها وقعت، فما أمكنني تسطيرها.
وبعد فرحمهم الله تعالى أجمعين بمنّه وكرمه.
ثم قال الشيخ 622: «وأما قول المصنف، إن قائل البيت الأول متمكن من أن يقول بدل: كنت منه: أك منه، وقائل الثاني متمكن من كذا، فهذا حديث من لم يفهم معنى قول النحويين: في ضرورة، ففهم أن الضرورة في اصطلاحهم هو الإلجاء إلى الشيء، فقائل بأنهم لا يلتجئون إلى ذلك إذ يمكن أن يقول: كذا، قال: فعلى زعمه لا توجد ضرورة أصلا، لأنه [ما] من ضرورة إلا ويمكن إزالتها ونظم تركيب آخر غير ذلك التركيب، وإنما يعنون بالضرورة أن ذلك من تراكيبهم الواقعة في الشعر المختصة به، ولا يقع في كلامهم النثر».
انتهى.
والحق أن الأمر كما قاله، لكن المصنف سلك في تقرير الضرورة هذه الطريقة.
ثم قال الشيخ 623: «وأما قوله - يعني المصنف - وقد صرح بجوازه الفراء، فقول الغير لا يكون حجة إلا إذا عضده الدليل، قال: وأما جعل الفراء منه الآية الشريفة 624 فالجواب، أنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل نحو: ربّ شاة وسخلتها بدرهم» 625. قال الشيخ 626: «وقول المصنف: ولا يختص نحو: إن تفعل فعلت [بالشعر]، تقصير في العبارة، إذ قد فاته تركيب آخر هو مختص بالشعر وهو أن يكون الأول [5/ 174] مضارعا والثاني منفيّا بلم نحو: إن تفعل لم أفعل، كما اختص إن تفعل فعلت» انتهى.
وقد يقال: لا تقصير في عبارة المصنف لأنه قال: «نحو: إن تفعل فعلت» -

الجزء: 9 - الصفحة: 4414

[حكم الشرط إذا حذف الجواب]

قال ابن مالك: (وإن حذف الجواب لم يكن الشّرط مضارعا غير منفىّ بـ «لم» إلّا قليلا).
ومراده بذلك أن يكون فعل الشرط مضارعا وفعل الجزاء ماضيا، ولا شك أن المضارع المقرون بـ «لم» ماضي المعنى.
فيمكن شمول عبارته له.
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 627: تقدم له أول هذا الفصل قوله: «ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض إلا في الشعر 628 وذلك فرع من كلامه هنا، لأن تلك المسألة معروضة في تقدم شبه الجواب، وأن الجواب محذوف إذ ذاك، والذي هنا شرط فيه حذف الجواب، وحذف الجواب تارة يكون لتقدم دليل الجواب كتلك المسألة، وتارة يكون لغير ذلك نحو القسم إذا تقدّم على الشرط نحو: والله إن جاء زيد لأضربنّه فـ «لأضربنّه» وهو متأخر يدل على حذف جواب الشرط، فحذف الجواب أعم من حذفه لتقديم الدليل عليه، إلا إن ادّعى أن الشرط مؤخر في الرتبة وإن كان متقدما في اللفظ، لأن وضع المقسم عليه أن يكون ملاصقا في التركيب للقسم، فحينئذ يكون لا يحذف جواب الشرط إلا إذا تقدمه ما يدل عليه إما لفظا وإما تقديرا.
قال 629: وقوله: لم يكن مضارعا غير منفىّ بلم، هو معنى قوله: ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض، إلا أنه في تلك المسألة قال: إلا في الشعر، وهنا قال: إلا قليلا، وهذا لا يشعر بالاختصاص بالشعر، بل بجوازه على قلة، والصحيح اختصاص ذلك بالشعر، وقال سيبويه 630: إن أتيتني آتيك أي على التقديم والتأخير، وقال أيضا 631: وأما إن تأتك هند آتيك فقبيح، لأن الجواب لا يحذف مع عمل إن إلا ضرورة، وقد سوّى المبرد 632 بين الموضعين».
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4415

[اختصاص أدوات الشرط بالمستقبل]

قال ابن مالك: (ولا يكون الشّرط غير مستقبل المعنى بلفظ «كان» أو غيرها إلّا مؤوّلا، وقد يكون الجواب ماضي اللّفظ والمعنى مقرونا بالفاء مع «قد» ظاهرة أو مقدّرة، ولا ترد إن بمعنى «إذ» خلافا للكوفيين).
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 633: «إن الشرطية وأخواتها مختصة بالمستقبل، فلا يكون شرطها ولا جزاؤه بمعنى الماضي، ولا بمعنى الحال، وما أوهم ذلك أوّل، فإذا جاء [في موضع الشرط أو الجزاء ما هو حال أو ماض بلفظ «كان» أو غيرها، حمل على أنه متعلق بفعل مستقبل هو] الشرط أو الجزاء في الحقيقة ولكنه حذف اختصارا واستغناء عنه بانصباب الكلام إلى معناه، وذلك قولك: إن أحسنت إلى أمس فقد أحسنت إليك اليوم، والمعنى: إن تبين إحسانك أمس تبيّن إحساني اليوم، وذهب أبو العباس المبرد 634 إلى أنه يجوز بلا تأويل كون الشرط ماضي المعنى بلفظ «كان» دون غيرها، فإنه قال: وما يسأل عنه في هذا الباب قولك: إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم، فقد صار ما بعد «إن» يقع في معنى الماضى، قيل للسائل: ليس ذا من قبل «إن» ولكن لقوة «كان» وأنها أصل الأفعال وعبارتها جاز أن تغلب «إن» فتقول: إن كنت أعطيتني فسوف أكافئك، فلا يكون ذلك إلا ماضيا، وقال تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ 635، والدليل على أنه كما قلت وأن هذا لقوة «كان» أنه ليس من الأفعال ما يقع بعد «إن» غير [كان] إلا ومعناه الاستقبال، لا تقول: إن جئتني أمس أكرمتك اليوم، ولم يصوّب ما ذهب إليه المبرد في هذه المسألة، وقد ردّه عليه ابن السراج فقال 636: وهذا الذي قاله أبو العباس لست أقوله، ولا يجوز أن يكون إن تخلو من الفعل المستقبل لأن هذا نقض الكلام وما وضعت له، قال: والتأويل عندي في قولهم: إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم أي: إن تكن [كنت] ممن زارني أمس أكرمتك اليوم، فدلّت: كنت على: تكن وكذلك قوله تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ -

الجزء: 9 - الصفحة: 4416

................................  أي إن أكن كنت قلته أو إن أقل كنت قلته، أو أقر بهذا الكلام، وقد حكى المازني ما يقارب هذا.
وأشار بقوله: وقد يكون الجواب ماضي اللّفظ والمعنى [مقرونا بالفاء مع قد ظاهرة أو مقدرة، إلى نحو قوله تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ 637 وقوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ 638 تقديره: فقد صدقت، وهو عندي محمول على التأويل المذكور، ولا يستقيم أن يكون على غيره لتقدم الشرط على الجزاء واستحالة تقدم المستقبل على الماضي في الخارج أو في الذهن انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
ولا شك أن قول المصنف «وقد يكون الجواب ماضى اللّفظ والمعنى»] غير مرض، وإنما إذا ورد ما ظاهره ذلك يجب تأويله إذ لو لم يكن [ذلك] مؤولا لزم تقدم ما هو مستقبل على ما هو ماض كما قال الإمام بدر الدين.
قال الشيخ عند ذكر هذه المسألة 639: «ظاهر كلام المصنف والجزولي 640 وغيرهما أن هذا الفعل الماضي المقرون بالفاء وقد ظاهرة أو مقدرة هو جواب الشرط، وذلك مستحيل، فينبغي أن يتأول كلامهم، واستحالة ذلك من حيث إن الشرط بما هو شرط يتوقف عليه مشروطه، فيجب أن يكون الجواب بالنسبة إليه مستقبلا وإلا لزم من ذلك تقدم المستقبل على الماضي في الخارج أو في الذهن وذلك محال، فيتأوّل ما ورد من ذلك في كل مكان بما يناسبه، فيتأوّل قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ 641 على معنى: وإن يكذبوك فتسلّ فقد كذبت رسل، وقوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ على معنى: فتأسّ بمن تقدم فقد سرق أخ له من قبل أو ما أشبه هذا التأويل، ولما كان هذا الجواب استعمل محذوفا، وكثر استعمال هذا الفعل المصحوب بالفاء وبقد ظاهرة أو مقدرة سمّوا ذلك الفعل جوابا لأنه لا يجامع الجواب، بل صار مغنيا عنه، ولا شك أنه ماضي اللفظ والمعنى وقوعا أو مزعوما وقوعه، فالوقوع مثل فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ، والمزعوم وقوعه فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» انتهى.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4417

................................  ولم يظهر تقدير «فتأسّ» جوابا لقوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ 642 والظاهر أن يكون التقدير: فلا عجب أو نحو ذلك.
وأما قوله «إنه لا يجامع الجواب» فإن أراد به أنه قد أغنى عنه فقريب، وإن أراد أنه لا يجمع بينه وبين الجواب في الذكر فغير صحيح، إذ لو قيل في غير القرآن العزيز [5/ 175] وإن يكذبوك فتسلّ فقد كذبت رسل من قبلك لم يكن ممتنعا.
وأما قول المصنف: «ولا ترد إن بمعنى إذ» فأشار به إلى أن «إن» حرف و «إذ» اسم وهو ظرف، وإذا كان كذلك فكيف يتفقان معنى؟ وأجاز الكوفيون ذلك مستدلين بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ 643 قالوا: لأن «إن» للتردد ولا تردد لليهود، والمعنى: وإذ كنتم: في ريب 644، والجواب عن ذلك ما ذكره أصحاب علم «المعاني» فإنهم قالوا: «إنّ» «إن» قد تستعمل في مقام القطع بوقوع الشرط لنكتة وذكروا أمورا: منها: التوبيخ على الشرط كقوله تعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ 645 في من قرأ «إن» بالكسر 646 فإن ذلك سيق لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف، وتصوير أن الإسراف من العاقل في هذا المقام واجب الانتقاء، حقيق أن لا يكون ثبوته إلا على مجرد الفرض.
ومنها: التغليب، أي تغليب غير المتّصف بالشرط على المتصف به، ومثّلوا له بهذه الآية الشريفة أيضا، قالوا: وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا 647 يحتمل أن يكون للتوبيخ على الرّيبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها، ويحتمل أن يكون لتغليب غير المرتابين من المخاطبين على المرتابين منهم، فإنه كان منهم من يعرف الحق وإنما ينكر عنادا، قالوا: وكذا قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ فِي -

الجزء: 9 - الصفحة: 4418

................................  رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ 648» انتهى.
ومما قيل: إنّ «إن» فيه بمعنى «إذ» قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ 649، وما ورد في الحديث: «وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» 650 وكذا حمل على ذلك قوله: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 651. قال الشيخ 652: «وحملها على أنها شرط في هذا كله سائغ، فلا ينبغي العدول عن ذلك إلا بدليل واضح» انتهى.
وأقول: قد قال الزمخشري 653 في قوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ 654: «إنما ساغ دخول إن لكون الموت مجهول الوقت» وهو كلام حسن، فيمكن أن يقال [ذلك] [في] الآية الشريفة وهي: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ وكذا في الحديث الشريف وهو «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» وهو أن مشيئة الله سبحانه تعالى مجهولة الوقت، وأما قوله تعالى: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فيمكن أن يكون المراد بالإيمان فيها: كمال الإيمان، ولا شك أن كمال الإيمان بامتثال جميع الأوامر واجتناب جميع النواهي، ومن تعاطى الرّبا لا يكون كامل الإيمان، فاتجه أن يخاطب بـ «إن كنتم مؤمنين».
ثم إن الشيخ أنشد 655 بيت الفرزدق وهو قوله: 4080 - أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم 656 وقال 657: قد يؤول ذلك على معنى إذ، قال: ومذهب سيبويه والخليل وأبي سعيد أنها في البيت للشرط، والمعنى: أتغضب إن افتخر مفتخر بحزّ أذني قتيبة لأن من شأن المفتخر أن يقول: حززنا أذني قتيبة وفعلنا، فيكون من وقوع السبب موقع المسبب، ولا يمكن أن يكون شرطا على ظاهره من غير تأويل، لأن حز أذني قتيبة -

الحديث: 4080 - الجزء: 9 - الصفحة: 4419

................................  ماض حقيقة، قال السيرافي 658: والعرب تعادل وتفاضل بين الفعلين الماضيين في المواقعة فيستقبل بهما الكلام كقوله تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ 659 ومنه قول الشاعر: 4081 - إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن... عارا عليك وربّ قتل عار 660 وقول الآخر: 4082 - إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم... بعتيبة بن الحارث بن شهاب 661 والمخاطب بهذا مقتولان، والقتل قد وقع بهما.
وإنما تأويل ذلك على فعل غير هذا الظاهر، وكأنهم افتخروا بقتله فقال: إن يفتخروا بقتلك فإن الأمر كذا وزعم المبرد 662 وجماعة أن «أن» في البيت مفتوحة وجعلوها مخففة من الثقيلة كأنه قال: أتغضب لأنه أذنا قتيبة حزّتا، ورد ابن عصفور 663 ذلك بأن «أن» المصدرية لا تقدم فيها الأسماء على الأفعال لا تقول: يعجبني أن زيد قام، وخرّج البيت تخريجا آخر.
قال الشيخ 664: ووهم ابن عصفور في رده لأنه فهم من القائل بذلك أنه يقول: إن أن المصدرية هي التي تنصب الفعل، والقائل بذلك إنما أراد أنها المخففة من المشددة وأنها لما خففت ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر على حد: -

الحديث: 4081 - الجزء: 9 - الصفحة: 4420

................................  4083 - قد علموا... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل 665 انتهى.
ويمكن أن يجاب ابن عصفور بجواب آخر على تقدير أن «أن» في البيت هي التي تنصب الفعل، وهو أن يقال: إن ثمّ فعلا مضمرا مسندا إلى قوله «أذنا قتيبة» التقدير: أتغضب أن حزّ أذنا قتيبة، و «حزّتا» المذكور تفسير ذلك المحذوف، وحاصل الأمر: أن تكون صلة «أن» حذفت وبقى معمولها كما حذفت صلة «ما» الحرفية وبقي معمولها في قولهم: لا أصحب فلانا ما أنّ حراء مكانه، التقدير ما ثبت أنّ حراء مكانه.
وإذ قد انقضى الكلام على هذا الباب فلنذكر حكم أدوات الشرط بالنسبة إلى الإعراب ناقلين في ذلك كلام ابن عصفور قال 666 رحمه الله تعالى: «وما كان من الجوازم حرفا فلا موضع له من الإعراب، وما كان منها اسم مكان أو زمان أو مصدرا - وأعني بذلك «أيّا» المضافة إلى المصدر - كان في موضع نصب على الظرفية أو على المصدرية، وما كان منها اسما لغير ما ذكر فإن دخل عليه حرف خفض كان مخفوضا به، ويكون المجرور متعلقا بفعل الشرط، وإن لم يدخل عليه حرف خفض فإن كان الفعل الذي بعده غير متعدّ كان مبتدأ نحو: من يقم أقم معه، وإن كان متعديا فإن كان فاعل الفعل ضميرا يعود على اسم الشرط كان أيضا مبتدأ نحو قولك: من يضرب زيدا أضربه، وإن لم يكن ضميرا يعود على اسم الشرط فإن كان الفعل لم يأخذ مفعوله كان مفعولا مقدما نحو قولك: من يضرب أضربه، وإن كان قد أخذه فإن كان المفعول ضميرا عائدا على اسم الشرط أو سببا له، جاز فيه الرفع على الابتداء، والنصب بإضمار فعل، والاختيار الرفع نحو قولك: من يضربه زيد أضربه، ومن يضرب غلامه زيد أضربه، وإن كان المفعول أجنبيّا لم يجز فيه إلا الرفع على الابتداء نحو قولك: من يضرب زيدا أضربه، ومن يضرب [5/ 176] غلامه زيدا أضربه، وحكم المضاف إلى اسم الشرط في الإعراب حكم اسم الشرط في جميع ما ذكر» انتهى.
-

الحديث: 4083 - الجزء: 9 - الصفحة: 4421

................................  والذي يتلخص من ذلك أن اسم قد يكون في محل نصب، وقد يكون في محل خفض، وقد يكون في محل رفع، وقد يجوز فيه أن يكون في محل نصب أو رفع، ويستثنى من أسماء الشرط «مهما» فإنها لا تكون إلا مبتدأة أو مفعولة غير مقيدة بحرف جر ولا مضاف إليها، ثم نصب المنصوب إما على الظرف أو المصدرية أو المفعولية، والعامل فيه حينئذ فعل الشرط، وخفض المجرور إما بحرف، أو بإضافة اسم إليه، فإن كان الجار حرفا فهو متعلق بفعل الشرط، وإن كان اسما فيجيء فيه ما ذكر في اسم الشرط من نصب وخفض ورفع، ورفع المرفوع إنما يكون على الابتداء خاصة، وحيث جاز في الاسم المذكور الرفع والنصب فالمسألة من باب «الاشتغال».
واعلم أن الشيخ ذكر هذه المسألة 667 وتضمن إيراده لها تقاسيم منتشرة يحتاج في ضبطها إلى عسر ولخص تلك التقاسيم في «الارتشاف» واقتصرت على ما ذكره فيه، قال رحمه الله تعالى 668: «واسم الشرط إن كان ظرفا أو أريد به المصدر كان في موضع نصب والعامل فيه فعل الشرط، وإن كان غير ذلك وفعل الشرط لازم فمبتدأ نحو: من يقم أقم معه، وخبره الفعل، أو متعد لم يأخذ مفعوله وهو مسند إلى ظاهر نحو: من يضرب زيد أضربه، أو إلى متكلم نحو: من أضرب تضربه، أو إلى مخاطب نحو: من تضرب أضربه فمفعول بفعل الشرط، أو إلى ضمير غائب عائد على اسم الشرط نحو: من يضرب أضربه، فمبتدأ أو على غيره نحو: هند من تكرم أكرمه فمفعول، أو أخذه تقديرا - يعني أو أخذ مفعوله تقديرا - نحو قوله تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ 669 - أي من يشأ الله إضلاله يضلله - أو لفظا والفاعل سببي لاسم الشرط والمفعول أجنبي نحو: من يضرب أخوه زيدا أضربه فمبتدأ فقط، أو ضميره نحو: من يضربه أخوه أضربه، أو سببي نحو: من يضرب أخوه غلامه أضربه فالمسألتان من الاشتغال، أو مضمر يعود على اسم الشرط متصلا فلا يجوز إلا أن يكون مخاطبا نحو: من يضربك أضربه، أو غائبا على غير اسم الشرط نحو: هند من يضربها أضربه فالرفع بالابتداء فقط، أو منفصلا ولاسم الشرط في فعله ضمير أو سببي منصوب أو مجرور فالمسألة من الاشتغال، نحو، من -

الجزء: 9 - الصفحة: 4422

................................  لم يضربه إلا هو أضربه، ومن لم يضرب أخاه إلا هو أضربه، ومن لم يمرر به إلا هو أمرر به، وإن لم يكن فاسم الشرط مبتدأ نحو: من لم يضرب زيدا إلّا هو أضربه» انتهى.
وأقول: إن الذي ذكرته عن ابن عصفور فيه كفاية، ولا شك أن الإنسان إذا علم أن أدوات الشرط لها صدر الكلام، وأنها إذا كانت معمولة لعامل لفظي وجب أن يكون مؤخرا عنها، وكذا إذا كان يعلم أن العامل الجائز العمل فيما قبله إذا نصب ضمير اسم سابق جاز في ذلك الاسم الرفع والنصب، وتكون المسألة من باب «الاشتغال» أهدى إلى ما ذكر.
وبالجملة إذا كان الناظر عالما بالقواعد لا يخفى عليه الحكم في الصور التي ذكرها الشيخ، وكذا ما ذكره ابن عصفور لا يكاد يخفى لأن القواعد تؤدي إليه ولا تقتضي خلافه، ولهذا لم يكن في كلام المصنف تعرّض إلى ذلك وإنما ذكرته قصدا لزيادة تقديره، والتنبيه على ما لعل الخاطر يذهل عنه.
وبعد فلا بد من الإشارة إلى أمور: منها: أن اسم الشرط إذا كان مبتدأ كان خبره فعل الشرط وذهب بعضهم 670 إلى أن الخبر هو الشرط والجزاء معا مستدلّا بأن الكلام لا يتم إلا بالجواب، وردّ 671 هذا الاستدلال بأن الافتقار إلى الجواب إنما أوجبه التعليق، كما أنك إذا قلت: لولا زيد لأكرمتك لا يتم إلا بالجواب وليس داخلا في الخبر، ومما استدل به على أن الخبر هو الشرط وأن الجزاء لا مدخل له في الخبرية أن فعل الشرط هو الذي يتحمل ضمير المبتدأ، وأن الجواب لا يلزم فيه ضمير فيقال: من يقم يقم زيد 672، لكن قال الشيخ 673: «إن الحكم ليس كذلك لأن اسم الشرط إذا كان غير ظرف ولا مصدر لزم أن يكون في جملة الجزاء ضمير يعود على اسم الشرط نحو: من يقم يقم معه، ومن يضرب أضربه، قال: ولا يجوز أن تعرّى جملة الجزاء من الضمير فيكون المتعلق به فعل الجزاء أجنبيّا أصلا، ولا يجوز: من يضرب أقتل خالدا حتى تقول: من أجله، أو تحذفه للعلم به نقل ذلك عن العرب الأخفش، قال: ولذلك تأوّل النحويون قول الشاعر: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4423

................................  4084 - فمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإنّي وقيّار بها لغريب 674 وقول الآخر 675: 4085 - فمن يك سائلا عنّي فإنّي... وجروة لا ترود ولا تعار 676 وقول الآخر: 4086 - فمن تكن الحضارة أعجبته... فأيّ رجال بادية ترانا 677 فإن جمل الجزاء في هذه الأبيات ليس فيها ضمير يربط جملة الجزاء بجملة الشرط، قال 678: وهذا يقوّي قول من يقول: إن جملتي الشرط والجزاء معا هما الخبر، ولكن المختار مذهب الأكثرين».
انتهى.
وما ذكره من أن جملة الجزاء لا بد أن تشتمل على ضمير يعود على اسم الشرط، في التزامه نظر، وكنت أسمع من شيخي برهان الدين إبراهيم الرشيدي 679 جزاه الله تعالى عني أفضل الجزاء، أن الذي يشترط عود ضمير من الجزاء إلى اسم الشرط -

الحديث: 4084 - الجزء: 9 - الصفحة: 4424

................................  هو الأخفش، وكنت أفهم عنه أن المعمول به في هذه المسألة خلاف [5/ 177] ذلك، وها أنت قد رأيت الشيخ أيضا إنما ذكر ذلك عن الأخفش خاصة 680، ويدل على أن الأصح خلاف قول الأخفش الأبيات التي أنشدها، وأما قوله: إنها تؤول، فالخصم لا يسلم ذلك، وقد قال الله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ 681 وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 682 فالجواب في هاتين الآيتين الشريفتين لم يكن فيه ضمير يعود على اسم الشرط، وليس ارتباط الجزاء بالشرط مفتقرا إلى ضمير، لأن الارتباط يحصل بالتعليق وبالعمل أيضا.
ومنها: أن جواب الشرط كخبر المبتدأ فلا بد من تغايرهما لتحصل الفائدة، ولهذا كان المعنى في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» 683: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيّة وقصدا كانت هجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا، وقد يحمل الكلام على معنى يكون ذلك المعنى مسوغا للاتخاذ ظاهرا كقول القائل: إن لم تطعني فقد عصيتني، فإنه أراد بذلك التنبيه على العقوبة كأنه قال: إن لم تعطني فقد وجب عليك ما وجب على العاصي.
ونقل الشيخ 684 عن صاحب كتاب «الإعراب» 685 أنه قال 686 في قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ 687: نبّه تعالى بأنه [ما] بلغ على الوعيد اللاحق، فكأنه قال: فلست تعدم الجزاء على ذلك، قال: وهذا من باب التلطّف في الإخبار بالوعيد لمن كان عند الآمر بمنزلة، قال: ويحتمل أن يريد تعالى: وإن لم تفعل لخوف أحد فلا تسقط عنك المطالبة، بل أنت غير مبلغ ومراده: قطع العذر -

الجزء: 9 - الصفحة: 4425

................................  عنه، ولذلك قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ 688 وقيل: هو على تقدير: إن تبلغ بعضا فكأنك غير مبلّغ، قال: ومن ذلك قولك: إن قلت زيد قائم فهو قائم، تريد: فهو حق أي في نفس الأمر كذلك كقوله: 4087 - إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا... أو قلت زانك ربّي فهو قد فعلا 689 وترتّب هذا على الشرط تقدر فاعلم أو فتبيّن أو نحوه: وكذلك قوله تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ 690، هذا كله كلام صاحب «الإعراب».
ومنها: أن العطف على الشرط إما بـ «الواو» أو بغيرها، فإن كان بـ «الواو» وتكررت أداة الشرط نحو: إن آتك وإن أدخل دارك فعبدي حرّ، عتق بالفعلين كليهما وبواحد منهما، لأن تكرير الأداة يدل على الاستقلال وأنه علّق عتق العبد على وجود كل واحد منهما، فمتى وجد واحد وحده أو مضموما إلى غيره فقد وجد ما علق عليه فيعتق، وإن لم تتكرر الأداة نحو: إن آتك وأدخل دارك فعبدي حرّ، عتق بفعل الفعلين معا ولا يبالى بأيّهما بدأ، وإن كان العطف بـ «الفاء» أو بـ «ثم» نحو: إن آتك فأدخل دارك أو ثمّ أدخل دارك فعبدي حرّ، عتق العبد إذا فعل الفعلين وبدأ بالأول، وسواء أكرر أداة الشرط أم لم يكررها، وإن كان العطف بـ «أو» نحو: إن أدخل دارك أو أزرك فعبدي حرّ فبفعل الفعلين أو أحدهما يعتق العبد، لأنه علق العتق على وجود أحدهما، فمتى وجد أحدهما وحده أو مضموما إلى الآخر صدق عليه أنه وجد أحدهما فيعتق، وسواء أيضا أكررت مع «أو» أداة الشرط أم لم تكررها 691. ومنها: أن الشرط الذي لا يقتضي التكرار لو انفرد كقولك: إن اغتسلت في الحمّام فأنت طالق، إن ربط بالفاء بما يقتضي التكرار وأمكن تكراره فإما أن يكون مناسبا للفعل المكرر أولا: إن كان مناسبا نحو قولك: كلّما أجنبت منك إجنابة فإن اغتسلت في الحمّام فأنت طالق، فإن أجنب ثلاثا واغتسل لكل إجنابة طلقت ثلاثا، -

الحديث: 4087 - الجزء: 9 - الصفحة: 4426

................................  فإن أجنب منها ثلاثا واغتسل واحدة فزعم أبو يوسف 692 أنها تطلق عليه ثلاثا 693، وزعم الفراء أن قول أبي يوسف غلط 694، وإن كان غير مناسب نحو: كلّما دعوتني فإن سقط هذا الحائط فعبد من عبيدي حرّ، فإن دعاه ثلاث دعوات وسقط الحائط فعليه عتق ثلاثة أعبد، ولا يلزم في غير المناسب التكرار، هذا مذهب الفراء، أصول البصريين تقتضي التكرار في المربوط بالفاء على ما يقتضي التكرار إذا كان الفعل قابلا سواء أكان مناسبا أم غير مناسب ولا يجوز أن يكون فعل الشرط إلا مما يمكن فيه التكرار يعني إذا كان بعد ما يقتضي التكرار نحو: كلّما وما أشبهها.
انتهى من شرح الشيخ 695. ودلّ هذا على أن لا يعتق إلا عبد واحد في ما إذا قال: كلّما دعوتني فإن سقط هذا الحائط فعبد من عبيدي حرّ، ودعاه ثلاث دعوات وسقط الحائط، لأن فعل الشرط الذي هو سقوط الحائط «لا يمكن فيه التكرار، وهم قد قالوا: ولا يجوز أن يكون فعل الشرط إلا مما يمكن فيه التكرار».
ثم إن الشيخ تكلّم على إعراب «كلّما» فقال 696: «وكلّما في هذه المسائل منصوبة على الظرف والعامل فيها محذوف يدل عليه جواب الشرط المعطوف بالفاء بعدها، والتقدير: أنت طالق كلما أجنبت منك جنابة فإن اغتسلت في الحمّام فأنت طالق، وكذلك عبد من عبيدي حرّ كلما دعوتني فإن سقط هذا الحائط فعبد من عبيدي حر، وتبيين ذلك أن «ما» المضاف إليها «كل» هي ما المصدرية وفيها معنى العموم فإذا قلت: لا أصحبك ما طلعت الشمس فمعناه لا أصحبك مدّة طلوع الشمس، فحذف «مدة» وأقيم المصدر مقامه ثم جعلت «ما» والفعل قائمة -

الجزء: 9 - الصفحة: 4427

................................  المصدر، ولا يريد بذلك مطلق المصدر فيصدق بالمرة الواحدة، بل العرب لم تستعمل «ما» التوقيتية إلا بمعنى العموم، ثم دخلت عليها «كل» فأكدت معنى العموم الذي فيها فانتصبت على الظرف؛ قال الله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها 697، وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ [5/ 178] لَهُمْ جَعَلُوا 698، وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ 699، ولذلك كثر مجيء الفعل الماضي بعدها، لأن «ما» التوقيتية كذلك، و «ما» التوقيتية شرط من حيث المعنى وإن لم يكن إلا على ما ذهب إليه المصنف فقد ذكر هو الجزم بها عن بعض العرب 700، وقال تعالى: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ 701 لما جرت مجرى الشرط في المعنى جرت مجراه في الجواب فدخلت «الفاء» لما كان الجواب فعل أمر كما تدخل في نحو: إن جاء زيد فاضربه، ولم تدخل في قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ كما لم تدخل في: إن قام زيد قام عمرو، فحكم «كلما» حكم أداة الشرط في اقتضاء جملتين تترتب إحداهما على الأخرى.
قال 702: وإنما تعرضت لإعراب «كلّما» في هذه المسائل وإن كان من واضح الإعراب لأن أبا الحسن بن عصفور زعم أن «كلّما» في هذه المسائل مرفوعة بالابتداء، وقال 703: لا يجوز فيها في هذه المسائل المذكورة غير ذلك، قال: وجملة الشرط والجواب في موضع خبرها، قال: ولا بد من عائد يعود عليها ملفوظ به أو مقدر، ودخلت «الفاء» على جملة الشرط والجواب وهي في موضع خبر المبتدإ لأن «كلّما» اسم عام وبعدها فعل، وكل اسم عام مضاف إلى موصوف بفعل قابل لأداة الشرط أو ظرف أو مجرور والخبر مستحق ذلك الظرف أو المجرور أو الفعل دخلت «الفاء» عليه لعلّة ذكرت في باب «الابتداء» 704 قال: فعلى هذا إذا -

الجزء: 9 - الصفحة: 4428

................................  قلت: كلّما أجنبت منك إجنابة فإن اغتسلت في الحمّام [فعبدي حرّ، فالمعنى: كل وقت أجنبت فيه منك إجنابة فإن اغتسلت في الحمام] بعده فعبدي حرّ، ولا بد من ذلك لترتبط الصفة بالموصوف والخبر بالمخبر عنه، وتكون جملة الشرط والجواب مستحقة بكل إجنابة أجنبها، وكذلك أيضا يلزم وإن لم يكن فعل الشرط مناسبا لفعل «كلّما» نحو قولك: كلّما أجنبت منك إجنابة فإن جاء زيد فعبدي حرّ، كأنه قال: كل وقت أجنبت فيه منك إجنابة فإن جاء زيد فيه فعبدي حرّ، وتكون جملة الشرط والجواب أيضا مستحقة بكل إجنابة أجنبها.
قال الشيخ 705: وهذا الذي ذهب إليه ابن عصفور تبعه عليه الأبّذيّ، وهذا الذي ذهب إليه مدفوع بالسماع والقياس: أما السماع: فالمحفوظ من [لسان] العرب نصب «كلّما» هذه والقرآن العزيز مملوء من ذلك وكذا أشعار العرب، ولم يسمع من العرب الرفع بل النصب، والنصب على ما ذكرناه من الظرف، لأن «كلّا» مضاف إلى «ما» الظرفية، والعامل في هذا الظرف هو الفعل الواقع جوابا فـ «بدّلناهم» عامل في «كلّما» من قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ 706 وكذلك بقية الآيات الشريفة وهي قوله تعالى: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا 707، كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها 708 كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها 709، كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها 710، والفعل بعد «كلّما» في موضع صلة «ما» الظرفية لا في موضع الصفة.
وأما القياس: فإنه لو كانت «ما» نكرة موصوفة للزم من ذلك شيئان: أحدهما: أن النكرة الموصوفة إنما تتقدّر بشيء لأنها مبهمة فلا دلالة فيها على أن ذلك الشيء هو وقت لأن العام لا دلالة له على تعيين بعض أفراده فتقديره أن «ما» بمعنى: وقت ليس بشيء لأن «ما» إذا كانت نكرة لا دلالة لها على تعيين أن ذلك الشيء هو وقت.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4429

................................  والثاني: أنه لو كان الفعل واقعا صفة للزم أن يعود منه ضمير على الموصوف ولا يحذف إلا قليلا ولم يوجد في جميع استعمالات «كلما» ضمير يعود على الموصوف، فدلّ على أن الفعل ليس بصفة، وإنما هو صلة «ما» و «ما» حرف فلا يعود عليها ضمير، قال: وإنما غلّط الأستاذ أبا الحسن في ذلك أنه رأى أن ما بعد «كلّما» هو شرط دخلت عليه «الفاء»، فإذا نصب «كلّما» فما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله فعدل إلى وجوب الرفع في «كلّما» فرارا من عامل النصب فيها وقد ذكرنا أنه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، قال 711: وأيضا قد تقرر عند الجمهور 712 أن الخبر عن الموصول أو الموصوف بشروطه، شرط دخول الفاء عليه أن يكون مستحقّا بالصلة أو الصفة، وهذه الجملة الواقعة خبرا لـ «كلّما» إذا رفعت «كلما» هي شرطية، فليست مستحقة بالصلة ولا الصفة، بل المستحق إنما هو قوله: فأنت طالق أو فعبد من عبيدي حرّ، وهذا جواب للشرط لا خبر عن المبتدأ، إلا أن يقال: ما كان مستحقّا بشيء ومترتبا عليه جعل كأنه مستحق بما قبله، وهذا كله ضعيف.
ثم ذكر 713 عن صاحب «البسيط» أنه قال: كلّما» تأتيني أكرمتك، على رأي سيبويه 714 «ما» مصدرية بمنزلة: ما تدوم لي أدوم لك، ومقصود بها الحين أي: أزمان إتيانك أكرمك، ثم أدخلت «كلا» على المصدر بتأويل الزمان فاكتسب منها الزمان، فانتصب على ذلك، فحينئذ لا تكون شرطية، ومعناها: أزمان دوامك كلها أدوم لك، وقد قيل: إنها شرطية بمنزلة «لما» مع الماضي، وقيل: هي «كل» المتضمنة للشرط وأصلها: كل مضافة إلى اسم موصوف بمعنى: الأزمان كأنه قال: كلّ زمن تأتيني فيه أكرمك، والأول باطل لوجود معنى الكلية فيها فلا تكون بمنزلة «لما»، ويبطل الثاني أنه لزم طريقة الفعلية، ولو كان بمنزلة كلّ رجل يأتيني لجاز كون الجواب فيها بالجملة الاسمية والفاء، ولا تكون ذلك لبقاء «كلما» بلا عامل، وأيضا لجاز رفعها على الابتداء كما في [كلّ] رجل يأتيني له درهم، ولا تدخل «كل» هذه على «ما» الشرطية في قولك: ما تفعل أفعل، لأنها تدل أيضا على -

الجزء: 9 - الصفحة: 4430

................................  العموم فلا تدخل عليه نفسه لأن العموم يعم.
انتهى.
ما ذكره الشيخ بحثا ونقلا في مسألة «كلّما».
وقوله «إن ما المصدرية الظرفية فيها معنى [5/ 179] العموم» لم أتحققه، لأن «ما» المذكورة مؤولة مع الفعل الذي بعدها بالمصدر، والمصدر لا عموم له، ولا شك أن حكم ما هو مؤول بشيء حكم ذلك الشيء الذي أوّل به، وإذا كان كذلك فمن أين يجيء العموم؟ ثم إن قوله في: لا أصحبك ما طلعت الشمس «إن معناه: لا أصحبك مدّة طلوع الشمس فحذفت مدة وأقيم المصدر مقامها ثم جعلت «ما» والفعل قائمين مقام المصدر غير ظاهر، لأن الذي أقيم مقام المضاف المحذوف الذي هو «مدة» إنما هو «ما» والفعل، لا المصدر وإنما «ما» والفعل مؤوّلان بالمصدر، والشيخ عكس الأمر فجعل القائم مقام المضاف هو المصدر، ثم جعل «ما» والفعل قائمين مقامه، والذي يظهر أن عموم الوقت المستفاد من نحو قولنا: لا أصحبك ما طلعت الشمس، ليس مستفادا من كلمة «ما» إنما استفيد ذلك من اسم الزمان المقدر إضافته إلى المصدر المؤول وهو «مدة» لأن هذه الكلمة بإضافتها إلى شيء يستفاد منها عموم وقت ما أضيفت إليه، ويدل على هذا الذي قلته أنك لو لم تأت بـ «ما» والفعل بل أتيت بالمصدر الصريح، وأضفت هذه الكلمة - أعني مدّة - إليه لأفاد ذلك العموم كقولك: لا أصحب زيدا مدّة طلوع الشمس، هذا الذي أدى إليه النظر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأما قوله - أعني الشيخ - «إن ما التوقيتية شرط من حيث المعنى فقد ينازع فيه، وأما أن المصنف ذهب إلى أن لها عملا [فلا] أستحضر الآن أين ذكر المصنف ذلك، نعم ذكر المصنف أن «ما» الشرطية قد تستعمل ظرفا وكذا «مهما» وقد تقدم الكلام على ذلك، فإن كان هذا هو الذي قصده الشيخ لم يثبت ما ذكره لأن «ما» هذه ليست التوقيتية وإنما هي الشرطية نفسها، لكنها مع كونها شرطا قصد منها الظرفية، ثم يقال: إن قوله تعالى: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ 715 من هذا القبيل الذي ذكرته - أعني أن ما في الآية الشريفة شرطية، ومع كونها شرطية -

الجزء: 9 - الصفحة: 4431

................................  هي ظرفية وعلى هذا لا يحتاج إلى قول الشيخ إنها - أعني ما التوقيتية - لما جرت مجرى الشرط في المعنى جرت مجراه في الجواب فدخلت «الفاء» لما كان الجواب فعل أمر.
وبعد فتفسير صاحب «البسيط» لكلمة «كلّما» حيث قال: «ما مصدرية بمنزلة: ما تدوم لي أدوم لك ومقصود بها الحين أي: أزمان إتيانك أكرمك ثم أدخلت «كلا» على المصدر بتأويل الزمان فاكتسب منها الزمان فانتصب على ذلك» أبين وأوضح من تفسير الشيخ، لأنه جعل المصدر المؤول قائما مقام الزمان المحذوف، ثم حكم بأن «كلا» صار مدلولها زمانا لإضافتها إلى ما قام مقام الزمان، ولم يدّع عموما في «ما» فعلمنا أن العموم إنما استفيد من الكلمة الموضوعة [له] وهي «كلّ».
ومنها: مسألتان ذكرهما الشيخ 716: الأولى: إذا كان قبل فعل الشرط وبعده فعل ليس جوابا فإن حملت على الأول رفعت مثاله: تؤجر أمرت بمعروف وتثاب، أو على الثاني جاز الرفع والجزم مثاله: تؤجر إن أمرت بالمعروف وتنهى عن المنكر، فالجزم في «وتنهى» بالعطف على محل «أمرت» والرفع على الاستئناف.
الثانية: إذا أتيت بأفعال بعد فعل الشرط من معناه فإن عطفتها بـ «الواو» نحو: إن تحسن وتكرم أباك وتصل رحمك وتأمر بمعروف وتنه عن منكر فالله يثيبك، فالجواب مستحق بالمجموع إن لم تعطفها فإبدال بداء 717 ليس فيه إبطال، فالظاهر أن الجواب مستحقّ بجميعها إن وقعت، وبواحد منها إن وقع، وإن كانت ليست من معنى فعل الشرط لزم أن ترتفع، فيرفع الأول على الحال وتعطف البواقي عليه 718.

الجزء: 9 - الصفحة: 4432

[لو الشرطية معناها وما تختص به]

قال ابن مالك: (لو حرف شرط يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، واستعماله في المضيّ غالبا، فلذا لم يجزم بها إلّا اضطرارا، وزعم اطّراد ذلك على لغة، وإن وليها اسم فهو معمول فعل [مفسّر] بظاهر بعد الاسم، وربّما وليها اسمان مرفوعان، وإن وليها «أنّ» لم يلزم كون خبرها فعلا خلافا لزاعم ذلك).
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 719: «من حروف المعاني «لو» وهي في الكلام على ضربين: موصولة وشرطية؛ فالموصولة هي التي تأتي مع الفعل في تأويل مصدر كما في قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ 720 وقد تقدم ذكرها.
وأما الشرطية فهي لتعليق ما امتنع لامتناع شرطه فتقتضي جملتين ماضيتين الأولى [منهما] مستلزمة للثانية، لأنها شرط والثانية جوابه، وتقتضي أيضا امتناع الشرط لأنه لو ثبت لثبت جوابه، وكان الإخبار بذلك إعلاما بإيجاب لإيجاب، لا بتعليق ما امتنع لامتناع شرطه فتخرج «لو» عن معناها، ولا تقتضي امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته لأنه لازم، والشرط ملزوم، ولا يلزم من انتفاء الملزوم انتفاء اللازم، بل إن كان مساويا للشرط امتنع بامتناعه كما في نحو: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، وإن كان أعم من الشرط لم يلزم أن يكون ممتنعا في نفس الأمر لامتناع شرطه بجواز كونه لازما لأمر ثابت فيكون هذا نصّا ثابتا لثبوت ملزومه كما في قولك: لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه، فإن تركه السؤال محكوم بكونه مستلزما للعطاء، وبكونه ممتنعا والعطاء محكوم بثبوته على كل حال، والمعنى أن إعطاءه حاصل مع ترك السّؤال فكيف مع السؤال؟ وكما في قول عمر رضي الله عنه: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» 721 فإن عدم الخوف محكوم بكونه مستلزما لعدم المعصية، وبكونه ممتنعا وعدم المعصية [5/ 180] محكوم بثبوته، لأنه إذا كان ثابتا على تقدير ثبوت عدم الخوف فالحكم بثبوته على تقدير الخوف أولى، وكما في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ -

الجزء: 9 - الصفحة: 4433

................................  ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ 722 لأن عدم النفاد ثابت على تقدير كون ما في الأرض من شجرة أقلاما مدادها البحر وسبعة أمثاله وعلى تقدير عدم ذلك، وقد ظهر من هذا أن «لو» حرف شرط في الماضي وأنها تقتضي نفي تاليها واستلزام ثبوته ثبوت تاليه، لأنهما شرط وجواب ولا تقتضي نفي الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته، وقال أكثر النحويين 723: لو حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره أي: على امتناع الثاني لامتناع الأول، وكان شيخنا 724 رحمه الله تعالى يرى أنه تفسير لـ «لو» بأخص من معناها لأنه يقتضي كون جوابها ممتنعا غير ثابت على وجه، وذلك فيها غير ثابت بدليل مجيء جوابها ثابتا في نحو ما تقدم من الأمثلة، ولا شك أن ما قاله الشيخ في تفسير «لو» أحسن وأدلّ على معنى «لو» مما قاله النحويون غير أن ما قالوه عندي تفسير صحيح واف بشرح معنى «لو» وهو الذي قصد سيبويه رحمه الله من قوله: لو لما كان سيقع لوقوع غيره 725، يعني أنها تقتضي فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره، والمتوقّع غير واقع فكأنه قال: لو تقتضي فعلا امتنع لامتناع ما كان يثبت لثبوته، وهو نحو ما قال غيره، ولنرجع إلى بيان صحته فنقول: قولهم: لو تدلّ على امتناع الثاني لامتناع الأول يستقيم على وجهين: الأول: أن يكون المراد أن جواب «لو» ممتنع لامتناع الشرط غير ثابت لثبوت غيره بناء على مفهوم الشرط في عرف اللغة لا في حكم العقل، فإنك إذا قلت: إن قام زيد قام عمرو فهو دالّ في عرفهم على أنه إذا لم يقم زيد لم يقم عمرو، لأن الأصل فيما علّق على شيء أن لا يكون معلقا على غيره، فجرى العرف على هذا الأصل، ولذلك فهموا عدم جواز القصر في السفر عند عدم الخوف 726 من قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ 727 وعلى هذا إذا قلت: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4434

................................  لو جئتني لأكرمتك فقد دلت «لو» على أن المجيء مستلزم للإكرام وعلى أنه ممتنع، ففهم منه أن الإكرام ممتنع أيضا غير ثابت بوجه كما يفهم من نفي شرط إن نفي جوابه. والوجه الثاني: أن يكون المراد أن جواب [لو] ممتنع لامتناع شرطه، وقد يكون ثابتا لثبوت غيره، لأنها إذا كانت تقتضي نفي تاليها واستلزامه لتاليه فقد دلّت على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه متى انتفى شيء انتفى مساويه في اللزوم مع احتمال أن يكون ثابتا لثبوت أمر آخر فيصح إذن أن يقال: لو حرف يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه لا يقتضي كونها تدل على امتناع الجواب على كل تقدير، بل على امتناعه لامتناع الشرط المذكور مع احتمال كونه ثابتا لثبوت أمر آخر، وغير ثابت لأن امتناع الشيء لامتناع علّة لا ينافى ثبوته لثبوت علة أخرى، ولا انتفاءه لانتفاء جميع علله. وعند أكثر المحققين 728 أن «لو» لا تستعمل في غير المضي وذهب قوم إلى أن استعمالها في المضي غالب وليس بلازم لأنها قد تأتي للشرط المستقبل بمنزلة «إن» واحتجوا بنحو قول الشاعر: 4088 - ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا... ومن دون رمسينا من الأرض سبسب لظلّ صدى صوتي ولو كنت رمّة... لصوت صدى ليلى يهشّ ويطرب 729 وقول الآخر 730: 4089 - ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت... عليّ ودوني جندل وصفائح لسلّمت تسليم البشاشة أوزقا... إليها صدى من جانب القبر صائح 731

الحديث: 4088 - الجزء: 9 - الصفحة: 4435

................................  وقال الله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ 732، وليس بحجة 733 لأن غاية ما فيه أن ما جعل شرطا لـ «لو» مستقبل في نفسه، أو مقيد بمستقبل، وذلك لا ينافي امتناعه في مضي لامتناع غيره، ولا يحوج إلى إحراج «لو» عما عهد من معناها إلى غيره.
ولما كانت «لو» للشرط في الماضي كان دخولها على المضارع على خلاف الأصل فلم تجزمه في سعة الكلام كما تجزمه «إن» وإن كانت مثلها في الاختصاص بالفعل، وحكى الشجري 734 أن بعضهم يرى الجزم بها لغة والمعروف أنه لا يجزم بها إلا في ضرورة كقوله: 4090 - تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا (4) وقول الآخر: 4091 - لو يشأ طار به ذو ميعة... لاحق الآطال نهد ذو خصل 735 وذهب الشيخ - رحمه الله تعالى - في شرح الكافية 736 إلى منع الجزم بـ «لو» في السعة والضرورة، وقال عن تسكين «النون» من: يحزنك: «فهذا من تسكين ضمة الإعراب تخفيفا كما قرأ أبو عمرو: وينصركم 737 ويأمركم 738، ويشعركم 739 وقرأ بعض السلف: ورسلنا لديهم يكتبون 740» وعن - - الشرح: الجندل: الحجارة، والصفائح: الحجارة العراض تكون على القبور، وهي جمع: صفيحة، وزقا: صاح، والصدى: هو الذي يجيبك بمثل صوتك... إلخ ما سبق في البيت السابق، والصدى أيضا: ذكر البوم وقيل هو طائر كالبومة كانت العرب تزعم أنه يخرج من رأس القتيل ويصيح: اسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثأره، ولعله المراد هنا.
والشاهد فيه وقوع «لو» للتعليق في المستقبل كما في البيت السابق.
وانظر البيتين في شرح ابن الناظم (ص 711) والتذييل (6/ 938) والمغني (ص 261) والعيني (4/ 453) والبيت الأول في الهمع (2/ 64) والدرر (2/ 80) والأشموني (4/ 38).

الحديث: 4090 - الجزء: 9 - الصفحة: 4436

................................  تسكين الهمزة من لو يشأ: «وهذا لا حجّة فيه لأن من العرب من يقول: جأ يجئ وشأ يشأ فقال: يشأ ثم أبدل الألف همزة كما قيل في: عالم وخاتم: عألم وخأتم، وكما فعل ابن ذكوان في تأكل منسأته 741 [حين قرأ بهمزة ساكنة والأصل: منسأته مفعلة من نسأه: زجره بالعصا، ولذلك سميت: منسأة] فأبدل الهمزة ألفا ثم الألف همزة ساكنة فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشأ». و «لو» مختصة بالأفعال فلا تباشر الجمل الاسمية، ولكن يليها الاسم مرفوعا ومنصوبا، فإن وليها المرفوع فإن كان غير «أن» وصلتها فهو مرفوع بفعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم نحو «لو ذات سوار لطمتني» ولو زيد قائم أبوه قمت، وإن كان «أنّ» وصلتها كما في قولك: لو أنّك جئتني لأكرمتك فهو عند سيبويه 742 في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف، وقد شذّ ابتداء «أنّ» بعد «لو» كما نصبت «غدوة» بعد «لدن»، وعند الأخفش 743 في موضع رفع بـ «ثبت» مضمرا كما هو كذلك بعد «ما» النائبة عن الظرف كقولهم: لا أفعل ما أنّ حراء مكانه، ولا أكلمه ما أنّ في السّماء نجما 744، وإن ولي «لو» اسم منصوب فقد يكون منصوبا بما بعده كما في قولك: لو زيدا ضربت لأكرمتك، وقد يكون منصوبا بفعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم وغير مفسر، فالأول نحو: لو زيدا رأيته أكرمك ولو عمرا [5/ 181] كلمت أخاه أعطاك، والثاني قولهم: اضرب ولو زيدا، وألا شراب ولو ماء 745، وندر المجيء باسمين مرفوعين بعد «لو» في قول الشاعر: 4092 - لو بغير الماء حلقي شرق... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري 746

الحديث: 4092 - الجزء: 9 - الصفحة: 4437

................................  وحمله أبو علي 747 على أن «حلقي» فاعل لفعل مضمر يفسره «شرق» و «شرق» خبر مبتدأ محذوف مدلول عليه بالفاعل والتقدير: لو شرق بغير الماء حلقي هو شرق، وحمله شيخنا 748 - رحمه الله تعالى - على أن «حلقي» مبتدأ و «شرق» خبره و «بغير الماء» متعلق بالخبر، وقد ابتدأ الكلام بعد «لو» لأنها لما لم تعمل لم يسلك بها سبيل «إن» في الاختصاص بالفعل أبدا، فنبّه على ذلك بمباشرتها «أنّ» كثيرا وبماشرتها غيرها قليلا 749. ومحلّه عندي على أن يكون قوله: «حلقي شرق» مبتدأ وخبرا في موضع نصب بـ «كان» الشانية مضمرة تقديره: لو كان الأمر أو الشأن حلقي شرق بغير الماء كنت كالغصّان، وكان بالماء اعتصاري 750. وزعم الزمخشري 751 أن الخبر بعد «لو أنّ» ملتزم مجيئه فعلا ليكون ذلك عوضا عن ظهور الفعل المقدر بين «لو» و «أنّ» ومنع صحة قولك: لو أنّ زيدا [حاضري] لأكرمته، قال الشيخ رحمه الله تعالى 752: وما منعه سائغ في كلام العرب كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ 753 ومنه قول الراجز: 4093 - لو أن حيّا مدرك النّجاح... أدركه ملاعب الرّماح 754

    • غصصت بالماء أغصّ غصصا إذا شرقت به أو وقف في حلقك فلم تكد تسيغه، ورجل غصّان: غاص، وقوله اعتصاري أي نجاتي وملجئي.
      والمعنى: لو شرقت بغير الماء اسغت شرقي بالماء، فإذا غصصت بالماء فبم أسيغه؟ والشاهد فيه المجيء باسمين مرفوعين بعد «لو» وهو نادر لأن «لو» لا يليها إلا الأفعال، وقد اختلف في تخريج ما في البيت كما هو موضح بالنص، والبيت في الكتاب (3/ 121) والمستقصى (2/ 408) وشرح الكافية الشافية (3/ 1636) والتذييل (6/ 943، 944).

الحديث: 4093 - الجزء: 9 - الصفحة: 4438

................................  وقول الشاعر 755: 4094 - ولو أنّ حيّا فائت الموت فاته... أخو الحرب فوق القارح العدوان 756 وقول الآخر: 4095 - ولو أنّ ما أبقيت منّي معلّق... بعود ثمام ما تأوّد عودها 757 وقول الآخر: 4096 - ولو أنّها عصفورة لحسبتها... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما 758 هذا آخر كلام بدر الدين رحمه الله تعالى 759. وقد اختلفت عبارات النحاة في تفسير معنى «لو» فالجاري على ألسنة المعلمين والمعربين 760 أنها حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، أي: امتناع الثاني لامتناع - - والمغني (ص 270) وشرح شواهده (ص 663) والعيني (4/ 466).

الحديث: 4094 - الجزء: 9 - الصفحة: 4439

................................  الأول، وقد عبّر عنها المصنف بما عرفت وقوله في شرح الكافية 761: «لو حرف يدل على انتفاء تال يلزم لثبوته ثبوت تاليه» أخلص وأبين من قوله هنا 762 حرف شرط يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه لأن هذه العبارة تقتضي أن يستلزم نفي ما يلي [لو] نفى الذي يليه وهو الجواب، وليس هذا بمراد، بل المراد أن ثبوت الأول يستلزم ثبوت الثاني.
ثم قال شرح الكافية بعد ذكره الحد المذكور 763: «فقيام زيد من قولك: لو قام زيد لقام عمرو محكوم بانتفائه فيما مضى، وكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام من عمرو، وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له؟ لا تعرض لذلك، بل الأكثر كون الثاني والأول غير واقعين، قال: وعبارة سيبويه عنها أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره 764، يعني أنك إذا قلت: لو قام زيد لقام عمرو فمقتضاه، أن القيام من عمرو كان متوقعا لحصول قيام من زيد على تقدير حصوله، قال: وليس في هذه العبارة تعرض لكون الثاني صالحا للحصول بدون حصول الأول أولا، والحقّ فيه أنه صالح لذلك، وأن الأول محكوم بعدم حصوله لأنه قد يقال: لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه، فـ «ترك» السؤال محكوم بعدم حصوله و «العطاء» محكوم بحصوله على كل حال، والمعنى: إن عطاءه حاصل مع ترك السؤال فكيف مع السؤال؟ ومنه قول عمر رضى الله تعالى عنه: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» انتهى.
والذي قاله النحاة 765: إن الذي ذكره سيبويه في «لو» هو المطرد فيها، وكونها حرف امتناع لامتناع غير مطرد فيها بدليل قولنا: لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا، فإنه لا يلزم من انتفاء الإنسانية انتفاء الحيوانية وإذا جعلنا مدلول «لو» ثبوتيّا اطرد ذلك: لأن ثبوت الإنسانية يلزم منه ثبوت الحيوانية.
وأما قول المصنف: «إنه ليس في عبارة سيبويه تعرّض لكون الثاني صالحا للحصول بدون حصول الأول أولا فالجواب عنه أنه لا يحتاج إلى ذلك، لأن المراد من «لو» إفهام أن الأول لم يقع، وأن الثاني يقع لوقوعه.
أي: يكون وجوده مترتبا -

الجزء: 9 - الصفحة: 4440

................................  على وجوده، فـ «لو» إنما أتي بها لذلك، أما كون الثاني يوجد بدون الأول أو لا يوجد فلا مدخل لـ «لو» فيه.
وبعد فقد قال بدر الدين: وإن قول من قال: لو تدل على امتناع الثاني لامتناع الأول يستقيم على وجهين: أحدهما: أن يكون مرادهم أن جواب «لو» ممتنع لامتناع الشرط في عرف اللغة لا في حكم الفعل إلى آخر ما قرره.
ثانيهما: أن يكون مرادهم أن جواب «لو» ممتنع لامتناع شرطه وقد يكون ثابتا لثبوت غيره، لأنها إذا كانت تقتضي نفي تاليها واستلزامه لتاليه فقد دلّت على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه متى انتفى شيء انتفى مساويه في اللزوم مع احتمال أن يكون ثابتا لثبوت أمر فيصح إذن أن يقال: لو حرف يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه لا يقتضى كونها تدل على امتناع الجواب على كل تقدير، بل على امتناعه لامتناع الشرط المذكور مع احتمال كونه ثابتا لثبوت أمر آخر وغير ثابت، لأن امتناع الشيء لامتناع علة لا ينافي ثبوته لثبوت علّة أخرى، ولا انتفاءه لانتفاء جميع علله» انتهى 766. وأقول: إن الذي ذكره في الوجه الثاني حسن، ولكن لم يتجه لي عليه معنى الآية الشريفة وهي قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ 767 لأن مقتضى ما قرره أن يكون امتناع عدم النفاد يوجد لامتناع كون ما في الأرض من شجرة أقلام، وكون البحر يمده من بعده سبعة أبحر، ويلزم من امتناع عدم النفاد وجود النفاد لأن امتناع عدم الشيء يلزم منه وجود ذلك الشيء والأمر بخلاف ذلك.
وقد ذكر ابن الضائع لقول من قال: إنها للامتناع توجيها حسنا من جهة أنه خاصّ لا عامّ، فقال 768: «ليس قولهم في الامتناع خطأ بل له وجه صحيح وذلك أن «لو» في أصل وضعها كما زعم سيبويه - يعني أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، قال: فلم يقع لأن سببه لم يقع أيضا فلا [5/ 182] خلاف بين كلام سيبويه وكلام من قال بالامتناع، وإجماع النحويين أو أكثرهم على أخذ الامتناع فيها دليل -

الجزء: 9 - الصفحة: 4441

................................  أو كالدليل على صحته، وتبيين صحته أن: لو قام زيد قام عمرو لا بد فيه من عدم قيام زيد، إذ لو كان قام لزمه قيام عمرو فلم يكن لقولك: لو قام زيد قام عمرو فائدة، ومقتضى السببية أنه إذا لم يوجد السبب لا يوجد المسبب وإلا فإن كان المسبب يوجد وإن لم يوجد سببه فما معنى كونه سببا فيه؟ فيكون إذن كلام النحويين وسيبويه في ما هو سبب ومسبب، والمسائل المعارضة ليست سببا ومسببا في الحقيقة، إذ الصدق ليس سببا في عدمه في قوله تعالى حكاية: وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ 769 بل الأمر بالعكس، وكذلك متى كان كثرة الأقلام والمداد سببا في أن لا ينفد الكتاب، بل المظنون أن كثرة الأقلام والمداد سبب في نفاد المكتوب، وكذلك متى كان الخوف سببا في عدم المعصية، بل الأمر في ما يظن بالعكس، فمتى كان جواب «لو» يراد به إثباته أبدا على كل حال، أو نفيه أبدا على كل حال بولغ في ذلك فجيء بما هو سبب في عكس المراد أو يظن أنه سبب، فيصير سببا في المراد، فكأن المعنى: هذا يكون ولا بد» انتهى.
وهو تقرير حسن يتعيّن التعويل عليه، وعلى هذا لا فساد في شيء من التعاريف الثلاثة لـ «لو» وهي قولهم: حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، وحرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وحرف يدل على انتفاء تال يلزم لثبوته ثبوت تاليه، وهذا هو الذي ذكره المصنف، ولا شك أنه أقرب إلى فهم معنى «لو» ثم إنه يشمل صور المسائل كلها، ولا يحتاج معه إلى أن يجاب عما أورد على من قال: إنها حرف يدل على الامتناع، وكذا التعريف الذي ذكره إمام الصناعة سيبويه - رحمه الله تعالى - وهو: أنها لما كان سيقع لوقوع غيره، وقد تقدم الجواب عن اعتراض المصنف عليه بما اعترض به.
واعلم أن من الناس من قال 770: إن «لو» تكون للتعليق وهي التي ذكرت لها هذه التعاريف ووقع البحث والكلام فيها، وقد تكون لمجرد [ارتباط] الثاني بالأول من غير دلالة على امتناع أو غيره 771، وعلى ذلك قول المتنبي 772: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4442

................................  4097 - ولو قلم ألقيت في شقّ رأسه... من السّقم ما غيّرت من خطّ كاتب 773 قال 774: وضابط هذا القسم أن تقوم لنا قرينة تدل على ثبوت الثاني مطلقا، إما من مدلول الكلام وإما من خارج، فالأول كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ 775 فإن الآية الشريفة سيقت لبيان أن بين ثبوت أن كون ما في الأرض من شجرة أقلام وكون البحر يمده من بعده سبعة أبحر، وبين نفي النفاد ارتباطا، ولو فرض امتناع لزم أن يكون نفى النفاد منفيّا فيكون حاصلا وذلك باطل.
والثاني كقول عمر رضي الله عنه «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» فبين نفي الجواب ونفي العصيان ارتباط، ولو فرض امتناع لزم وجود العصيان على تقدير وجود الخوف وهو خلاف المقصود، وخلاف المعقول أيضا، والمقتضي لذلك أنه إذا أريد ثبوت شيء مطلقا، أو نفي شيء مطلقا علّق على أحد النقيضين لوجوده دائما، لكن إنما يذكر النقيض الذي يكون ثبوت ذلك الأمر أو نفيه على تقدير النقيض الآخر لو ذكر من الطريق الأولى كما يفهم من الآية الشريفة ومن الأثر المتقدمي الذكر، ولا شك أن القول بذلك إذا كان سالما من الخدش يتعين المصير إليه فإنه سهل مريح من تكلف أجوبة عن المسائل التي يشكل كون «لو» فيها للتعليق.
وذكر عن الشلوبين 776 أنه كان يرى أن «لو» تقتضي لزوم جوابها لشرطها فقط، وهذا مما يقوي القول بأنها قد تأتي لمجرد الارتباط، لأن الشلوبين يدّعي أن ذلك هو معناها دائما، وإذا كان كذلك فلا أقلّ أن يقال: إن ذلك ثابت لها في بعض الاستعمالات.
ثم ليعلم أن قول بدر الدين مقررا أمر التعريف الذي اختاره والده: «ولا تقتضي -

الحديث: 4097 - الجزء: 9 - الصفحة: 4443

................................  امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته لأنه لازم والشرط ملزوم إلى آخر كلامه «تقرير حسن»، إلا أن ما قاله إنما يتم حيث يعقل سببية ومسببية بين الأول والثاني، أما إذا لم يعقل بينهما سببية ومسببية كما في الآية الشريفة وكما في الأثر، فلا يتم تقريره.
وقد بقيت الإشارة إلى أمور: منها: أن بعض العلماء قال: عبارة سيبويه مقتضية أن الثاني كان بتقدير وقوع الأول، فرتب الوقوع لإتيانه بالسين في قوله «سيقع» وهو كلام عجيب، بل العبارة تقتضي أن الثاني واقع عقيب الأول دون تأخّر، وأما «السين» فإنها إنما أتي بها لأن ما دخلت عليه مستقبل بالنسبة إلى وقت التلفظ بهذه العبارة.
ومنها: أن «اللام» في قول سيبويه «لوقوع غيره» للتوقيت كما هي في قوله تعالى: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ 777 بمعنى أن الثاني يكون ثبوته عند ثبوت الأول، فلا يقال: إن «اللام» للتعليل لأن ذلك يؤدي إلى أن عدم نفاد الكلمات معلل بأن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر وليس الأمر كذلك، قيل: وليس في عبارة سيبويه دلالة على أن الشرط منتف، وأجيب بأن ذلك يفهم من قوله «لما كان سيقع» لأن ذلك يدل على أنه لم يكن واقعا 778. ومنها: أن بعض العلماء قال 779: في عبارة ابن مالك نقص؛ فإنها لا تفيد أن اقتضاءها للامتناع في الماضي، قال: فيتعين أن يقال: لو حرف يقتضي في الماضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، وهو إيراد عجيب فإن ابن مالك قد قال بعد ذلك 780 «واستعماله في المضي غالبا» وإنما لم يأخذ قيد المضي في الحد لأنه يرى أنها تكون للتعليق في المستقبل كما تكون له في الماضي.
ومنها: [5/ 183] «أن الإمام فخر الدين 781 سلب «لو» الدالّة على الامتناع -

الجزء: 9 - الصفحة: 4444

[أحوال جواب لو]

قال ابن مالك: (وجوابها في الغالب فعل مجزوم بـ «لم» أو ماض منفيّ بـ «ما» أو مثبت مقرون غالبا بلام مفتوحة، ولا تحذف غالبا إلّا في صلة، وقد تصحب ما).
مطلقا وجعلها لمجرد الربط واحتج بقوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ 782 قال 783: فلو أفادت «لو» انتفاء الشيء لانتفاء غيره لزم التناقض، لأن قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ يقتضي أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم، وقوله تعالى: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا يفيد أنه تعالى ما أسمعهم ولا تولوا، لكن عدم التولي خير فيلزم أن يكون قد علم فيهم خيرا وما علم فيهم خيرا، قال: فعلمنا أن كلمة «لو» لا تفيد إلا الربط» هذا كلامه.
قيل: وقد يمنع قوله: إن عدم التولي خير، فإن الخير إنما هو عدم التولي بتقدير حصول الإسماع، والغرض أن الإسماع لم يحصل فلا يكون عدم التولي على الإطلاق خيرا، بل عدم التولي المرتب على الإسماع.
وقيل 784: إن قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ على معنى الاستدلال، وقوله تعالى: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ على معنى الذم، فلذلك لا ينتج: لو علم فيهم خيرا لتولوا، وقال الزمخشري 785: ولو علم الله فيهم خيرا وقتا ما لتولّوا بعد ذلك، وقيل غير ذلك 786. قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 787 رحمه الله تعالى: «انفردت لو بلزوم كون جوابها في الغالب فعلا مضارعا مجزوما بـ «لم» نحو: لو قام زيد لم أقم، قال الشاعر: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4445

................................  4098 - فلو كان حمد يخلد النّاس لم تمت... ولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد 788 أو ماضيا مثبتا، أو منفيا بـ «ما»، فإن كان مثبتا فالأكثر أن تصحبه لام مفتوحة نحو وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ 789، وقد يخلو منها كما في قوله تعالى: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ 790 وقوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ 791، وإن كان منفيا بـ «ما» فالأكثر خلوّه من اللام كما في قوله تعالى: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ 792، وقد تصحبه كما في قولك: لو كان كذا لما كان كذا.
وقوله: في الغالب، احتراز من مجيء جواب «لو» جملة اسمية مصدرة باللام كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ 793، وبالفاء كما أنشده الشيخ 794 رحمه الله تعالى من قول الشاعر: 4099 - قالت سلامة لم يكن لك عادة... أن تترك الأصحاب حتّى تعذرا 795 لو كان قتل يا سلام فراحة... لكن فررت مخافة أن أوسرا فحمل ما بعد الفاء على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو راحة، والجملة جواب لـ «لو» وجاز أن يجاب بجملة اسمية مقرونة بالفاء تشبيها بـ «إن»، ويجوز عندي أن يكون ما بعد الفاء معطوفا على فاعل «كان» وجواب «لو» محذوف تقديره: لو كان قتل فراحة لثبتّ 796، كما حذف في مواضع كثيرة كما -

الحديث: 4098 - الجزء: 9 - الصفحة: 4446

................................  في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ 797 وكما حذف هو والشرط في قول الشاعر 798: 4100 - إن يكن طبّك الدّلال فلو في... سالف الدّهر والسّنين الخوالي 799 قال أبو الحسن 800: يريد فلو كان في سالف الدهر لكان كذا وكذا انتهى كلامه رحمه الله تعالى وهو كلام والده في شرح الكافية 801 [إلا] تصدّر جملة الجواب بالفاء والبيتين اللذين أنشدهما فإنه ذكر في غير الشرح المذكور، لأنه ذكر أن البيتين من إنشاداته.
وأما قوله مشيرا إلى اللام «وقد تصحب ما» فمثاله قول الشاعر: 4101 - لو أنّ بالعلم تعطى ما تعيش به... لما ظفرت من الدّنيا بنقرون 802 وأما قوله مشيرا إلى اللام أيضا «ولا تحذف غالبا إلّا في صلة» فمثال ذلك 803 قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ 804، قال الشيخ 805: «ويعني بالصلة أن تكون لو وما دخلت عليه واقعة صلة قال: -

الحديث: 4100 - الجزء: 9 - الصفحة: 4447

................................  وكون المثبت مقرونا غالبا بلام ولا تحذف غالبا إلا في صلة شيء اختاره هذا المصنف وتقييد لما أطلقه النحويون من قولهم: إن المثبت الواقع جوابا للو يجوز دخول اللام عليه وحذفها من غير اعتبار غلبة لا في الدخول ولا في الحذف، وقد نطق القرآن العزيز بهما قال الله تعالى: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً 806 وقال تعالى: أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ 807 وقال تعالى: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ 808، وأما في كلام العرب فخارج حذف اللام عن الحصر».
هذا كلام الشيخ والعجب منه أنه قال قبل ذلك عند شرح قول المصنف: مثبت مقرون غالبا بلام مفتوحة وأكثر ما جاء في القرآن العزيز مقرونا باللام 809، وإذا كان أكثر ما ورد في الكتاب العزيز مقرونا باللام كان ذلك شاهدا لقول المصنف.
ثم قال الشيخ 810: «وقد سقط قوله: ولا تحذف غالبا إلّا في صلة، من نسخة عليها خطه وتصحيحه، ثم قال: وتدخل إذن بين لو وجوابها فتقول: لو جئتني إذن لأكرمتك، قال: وقد جاء دخول اللام على إذن دون الفعل قال الشاعر: 4102 - لو تأتّي لك التّحوّل حتّى... تجعلي خلفك اللّطيف أماما ويكون الأمام ذو الخلقة الجب... لة خلفا مراكنا مستكاما لإذن كنت يا عبيدة خير الن... نّاس خلفا وخيرهم قدّاما 811 قال: ومن غريب ما وقع جوابا للو أفعل في التعجب مصحوبة باللام، قال عبد الله بن الحر 812: -

الحديث: 4102 - الجزء: 9 - الصفحة: 4448

................................  4103 - فلو متّ في يوم ولم آت عجزة... يضعّفني فيها امروء غير عاقل لأكرم بها من ميتة إن لقيتها... أطاعن فيها كلّ خرق منازل 813 انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
وقد عرفت أن المصنف احترز بقوله «في الغالب» - كما قال الإمام بدر الدين - من مجيء [5/ 184] جواب «لو» جملة اسمية مصدرة باللام ومصدرة بالفاء، وأما المصدرة بالفاء فقد عرفت أن بدر الدين لم يجعل المصدر بالفاء جوابا وأنه أجاب عما استدل به والده من قول الشاعر: 4104 - لو كان قتل يا سلام فراحة 814 أن «فراحة» معطوف على فاعل «كان» الذي هو «قتل» وأن الجواب محذوف، ولا شك أن «كان» في البيت تامة، والمعنى على ما يراه المصنف: لو وقع قتل استرحت، فأوقع الشاعر موقع استرحت فهو راحة، والذي قاله بدر الدين هو الظاهر، بل هو الحق، بل يقال: إن جواب «لو» لا يكون جملة اسمية أصلا، وأما قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ 815 فقد أجيب عنه بأن جواب «لو» محذوف لدلالة ما بعده عليه، التقدير: لأثيبوا، والجملة التي هي «لمثوبة من عند الله خير» جواب قسم محذوف أي: والله لمثوبة من عند الله خير، ولا شك أن حذف جواب «لو» لدلالة المعنى عليه كثير في الكتاب العزيز وفي أشعار العرب، قال الله تعالى: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ 816 وقال تعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ 817 وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً الآية 818 التقدير في الأولى: ولو كنا صادقين ما آمنتنا أي ما صدقتنا، وفي الثانية: ولو افتدى به لم يقبل منه، وفي الثالثة: ولو أن قرآنا الآية لكان هذا -

الحديث: 4103 - الجزء: 9 - الصفحة: 4449

الحديث: 4105 - الجزء: 9 - الصفحة: 4450

................................  ظلمهم لأن ظلمهم متقدم على إنذارهم، وإنذارهم متقدم على إهلاكهم، ولأنها تقابل «لو» لأن «لو» في الغالب تدل على امتناع لامتناع و «لما» تدل على وجوب لوجوب، ويحقق تقابلهما أنك تقول: لو قام زيد قام عمرو ولكنه لما لم يقم لم يقم، ويقوى قول أبي علي أنها قد جاءت لمجرد الوقت في قول الراجز: 4106 - إنّي لأرجو محرزا أن ينفعا... إيّاي لمّا صرت شيخا قلّعا 825 والثالث: أن تكون بمعنى «إلا» بعد قسم كقوله: عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطا، وكقول الراجز: 4107 - قالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنين 826 وقد تكون بمعنى «إلا» بعد نفي دون قسم، ومنه قراءة عاصم وحمزة 827 وإن كل لما جميع لدينا محضرون 828، وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا 829 أي: وما كل إلا جميع، وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا.
ومثال وقوع جواب لما جملة ابتدائية قوله تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ 830. ومثال وقوع جوابها مقرونا بإذا المفاجأة قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ -

الحديث: 4106 - الجزء: 9 - الصفحة: 4451

................................  مِنْها يَرْكُضُونَ 831 انتهى.
وأورد ذلك بدر الدين برمّته دون زيادة 832، وأنشد شاهدا لقول المصنف «وربّما كان ماضيا مقرونا بالفاء» قول الشاعر: 4108 - فلمّا رأى الرّحمن أن ليس فيهم... رشيد ولا ناه أخاه عن الغدر فصبّ عليهم تغلب ابنة وائل... فكانوا عليهم مثل راغية البكر 833 وأما قول المصنف «وقد يكون مضارعا» أي: جواب «لما» فشاهده قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا 834 قالوا: التقدير: جادلنا 835. وبعد فلنذكر أمورا: منها: أن الشيخ عند الاستشهاد بقوله تعالى: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا 836، وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ 837. في قراءة من شدد الميم 838. قال 839: «فأما قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ 840 - في قراءة من خفف إن أو ثقّلها وثقّل ميم لما 841 - فقال صاحب كتاب «اللامات» 842: قال محمد -

الحديث: 4108 - الجزء: 9 - الصفحة: 4452

................................  ابن يزيد - يعني المبرد 843 -: هذا لحن لا تقول العرب: إن زيدا لما خارج، ولا إن زيدا لا خارج، وقال المازني 844: لا أدرى ما وجه هذه القراءة؟، وقال الفراء 845: التقدير: لمن ما فلما كثر الميمات حذف منهن واحدة، فعلى هذا القول هي لام توكيد، ونعني بكثرة الميمات أن نون «من» حين أدغمت في ميم «ما» انقلبت ميما بالإدغام فصارت ثلاث ميمات، وقال المازني أيضا: إن بمعنى ما ثم ثقّلت 846، قال صاحب كتاب «اللامات»: فذهب المازني إلى أن «إن» إذا كانت خفيفة كانت بمعنى ما ثم تثقّل، كما أن «إن» المؤكدة تخفف ومعناها الثقيلة.
انتهى كلامه.
قال الشيخ 847: وارتباك النحويين في هذه القراءة، وتلحين بعضهم لقارئها يدل على صعوبة المدرك فيها وتخريجها على القواعد النحوية، فأما التلحين فلا سبيل إليه ألبتة لأنها منقولة نقل التواتر في السبعة، وأما من قال: لا أدري ما وجهها؟ فمعذور لخفاء إدراك ذلك عليه، وأما تأويل «إنّ» المثقّلة بأنها المخففة التي هي نافية ففي غاية من الخطأ، لأنها لو كانت نافية لم ينتصب بعدها «كل» إنما كان يرتفع، وأيضا فإنه لا يحفظ من كلامهم أن تكون المثقلة نافية.
وأما تأويل الفراء المثقلة بأنها المخففة فالآخر في غاية [5/ 185] من الضعف، إذ لا يحفظ من كلامهم «لما» في معنى: لمن ما.
قال 848: وقد كنت من قديم فكّرت في تخريج هذه الآية الشريفة فظهر لي تخريجها على القواعد النحوية من غير شذوذ، وهو أن «لمّا» في قراءة من نصب «كلا» وخففت «إن» أو ثقلها هي الجازمة وحذف الفعل المعمول لها لدلالة معنى الكلام عليه، فيكون نظير قولهم: قاربت المدينة ولمّا، ويريد: ولمّا أدخلها، فيكون معنى الآية: وإن كلّا لمّا يبخس أو ينقص عمله، أو ما كان من هذا المعنى، فحذف -

الجزء: 9 - الصفحة: 4453

................................  الفعل لدلالة قوله تعالى: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ عليه، لأنه تعالى لما أخبر أن كل إنسان لا يبخس شيئا من عمله أكد ذلك بالقسم عليه فقال: ليوفينهم ربك أعمالهم.
قال 849: ولم يهتد أحد من النحويين الذين وقفنا على كلامهم في هذه الآية إليه على وضوحه واتجاهه في علم العربية، والعلوم كنوز تحت مفاتيح الفهوم، ثم إني حين وصلت في تفسير القرآن العزيز في كتابي المسمى بـ «البحر المحيط» وجدت شيخنا أبا عبد الله بن النقيب 850 [قد حكى عن أبي عمرو بن الحاجب أن لمّا هنا هي الجازمة وحذف الفعل بعدها 851، ذكر ذلك] ابن النقيب في تفسيره الذي سمّاه بـ «التجريد» والتحبير لأقوال أهل التفسير» انتهى.
وأقول: أما الشيخ فقدره جليل، ولا يشك أحد في علو طبقته وارتفاع شأنه في علم العربية، وكم له من مشكل حلّه، وعسر خرّجه، وخفىّ أوضحه، وغامض أبرزه، وما أنشأه من المصنفات المختصرات والمطولات لا سيما التفسير يشهد له بأكثر مما ذكرته، ومن هو بهذه الصفات كيف لا يدرك مثل ذلك؟ فأنا واحد من أقل الطلبة الذين أخذوا عنه ولقد يسّر الله تعالى لي الجواب عن هذه الآية الشريفة، وهي وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ 852 بأن قلت: إن «لمّا» هي النافية، وأن الفعل المنفي بها محذوف يدل عليه قوله تعالى: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ وكان السائل عن ذلك بعض الفضلاء فبعد أيام قال لي: إن الجواب الذي ذكرته ذكره أبو شامة 853 في (شرح الشاطبية) نقلا عن -

الجزء: 9 - الصفحة: 4454

................................  الشيخ أبي عمرو بن الحاجب 854 - رحمه الله تعالى - فحصل لي بذلك ابتهاج وشكرت الله تعالى أن هداني إلى ما هدى إليه هذا الرجل العالم العامل.
ومنها: أن الشيخ ذكر مسألة وهي: أقسمت لمّا لم تفعلنّ وقال 855: «قال أبو عمرو بن تقي 856: وقعت لمّا في الكتاب مشددة ومخففة وهو الوجه، ولذلك يقول النحويون في جواب القسم: لما أو لمّا على الشك، فوجه المخففة أنها لام التوكيد دخلت على «ما» وهي للنفي [و] لما كان أصلها أن تنفي الماضي أو الحال وكان هذا الفعل مستقبلا بدليل وجود «النون» معه أدخلوا «لم» في الموضع تحسينا لـ «ما» لأن «لم» تنفي الماضي بلفظ المستقبل ولما اجتمع نفيان انقلبا إيجابا فصلح دخول «النون» لأنها لا تدخل على المنفي، فكأنه قال: أقسمت عليك لتفعلنّ وهو المعني» انتهى.
ولم أتحقق ما ذكره عن هذا الرجل في هذه المسألة.
ومنها: أن الشيخ قال 857: «إن المصنف تسامح في أمرين: أحدهما: قوله: فهي ظرف بمعنى إذ، أو حرف، لأنه أخرج الكلام في «لما» مخرج الترديد، - يعني كأن المصنف خيّر [بين] الأمرين - قال (5): وهذا قول ثالث لم يقل به، لأن سيبويه يحكم بالحرفية والفارسي يحكم بالظرفية، قال: وهذا لا يجيز قول هذا فيها، وهذا لا يجيز قول هذا.
والثاني: قوله إنه حرف يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب، قال 858: لأن القائل بهذا لا يقتصر على هذا، بل يقول ذلك إذا كانا مثبتين، أما إذا كانا منفيين فإنه يقتضي امتناعا لامتناع، وأما إذا كان الأول مثبتا والثاني منفيا فيقتضي امتناعا لوجوب، وأما عكسه فبالعكس».
- = الشاطبية، ونظم المفصل للزمخشري ومقدمة في النحو، وتوفى سنة (665 هـ). انظر ترجمته في طبقات المفسرين (1/ 263 - 265)، وغاية النهاية (1/ 365).

الجزء: 9 - الصفحة: 4455

................................  وأقول: إن قول المصنف «فهي ظرف أو حرف» معناه: فهي ظرف عند من يرى ظرفيتها، وهي حرف عند من يرى حرفيتها، ومراده أنها لا تخرج عند النحاة عن القسمين، وكيف يتصور لقائل باسمية كلمة أن يجيز القول بحرفيتها؟ أو لمن يقول بالحرفية كيف يجيز الاسمية؟ وإذا كان كذلك انتفى الترديد وأما قوله: إنها تقتضي وجوبا لوجوب، فليس المراد بالوجوب ما يقابل الامتناع فيتوجه عليه ما قاله الشيخ بل المراد به: وجود شيء لشيء أو وقوع شيء لشيء، فـ «لمّا» تدل على أن المذكور ثانيا حصل بحصول المذكور أولا، وهذا أعم من أن يتفق الأول والثاني في الإثبات أو النفي أو يختلفا.
ومنها: أن الشيخ قال 859: «ما استدلوا به لمذهب سيبويه: - يعني على حرفية لمّا - من قوله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا 860 لا دليل لهم فيه، لأنهم أخذوا قوله تعالى: لَمَّا ظَلَمُوا على ابتداء الظلم، فجعلوا بين الظلم والإهلاك زمانا غير زمانهما وهو زمان الإنذار، ولا يتعيّن حمل قوله تعالى: لَمَّا ظَلَمُوا لما ابتدأو الظلم، بل يصدق أنهم أهلكوا حين الظلم، لأن حين الظلم متسع لابتدائه ولغير ابتدائه، ألا ترى أنهم كانوا ظالمين وقت الإهلاك لم يخرجوا عن الظلم، فالإهلاك وقع وقت التباسهم بالظلم» انتهى.
ولك أن تقول: لا بد أن يتقدم الظلم منهم على إهلاكهم لأن الله سبحانه لا يؤاخذ بغير ذنب، فلا بد من تقدم وجود الظلم، ثم إذا أهلكوا وهم مستمرون في الظلم فلا بد أن يكون الإهلاك بسبب ظلم متقدم وإن انضم إليه ظلم آخر، ومقتضى ما قرره الشيخ أن الإهلاك إنما بسبب الظلم المتلبّسين هم به وقت إهلاكهم، وهو غير مسلّم.
ثم قال 861: «وقد ذكرت الاستدلال على صحة مذهب سيبويه في كتابنا المسمى [5/ 186] بـ «النكت الحسان في شرح غاية الإحسان» بوجهين 862 -

الجزء: 9 - الصفحة: 4456

................................  وأزيدهما ها هنا بيانا: أحدهما: أنا وجدنا الفعل الذي يكون جوابا لها قد يأتي منفيّا بـ «ما» متأخرا عن الفعل الذي بعدها قال تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ 863 فلو كانت ظرفا لما صح لمعمول الفعل المنفي بـ «ما» أن يتقدم عليه، لا يجوز: حين جئت ما جئت، وقد تقدم، فدل على أنه ليس بظرف.
والثاني: أنا وجدنا جوابها يكون بـ «إذا» الفجائية قال تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ 864، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ 865 وهو كثير في القرآن العزيز وفي أشعار العرب ولا يصح لما بعد «إذا» الفجائية أن يعمل فيما قبلها، فلو كان ظرفا لما صلح أن يتقدم على «إذا» المذكورة قال 866: ومما يستدل به على بطلان [مذهب] أبي على إجماع النحويين على جواز زيادة «أن» بعد «لمّا» ولو كانت ظرفا والجملة بعدها في موضع خفض بالإضافة لما جاز الفصل بـ «أن» الزائدة بين المضاف والمضاف إليه، كما لا يجوز ذلك في الظروف المضافة إلى الجمل.
ثم ذكر 867 قول المصنف 868: ويقوّي قول أبي علي أنها قد جاءت لمجرد الوقت في قول الراجز: 4109 - إنّي لأرجو محرزا أن ينفعا... إيّاي لمّا صرت شيخا قلّعا 869 قال 870: ولا حجة في ذلك إذ يحتمل أن يكون جواب «لمّا» محذوفا لفهم المعنى أي: لمّا صرت شيخا قلعا حصل لي هذا الرجاء، فتكون إذ ذاك حرفا.
ومنها: أن المصنف قد قال 871: إن جواب [لمّا] قد يكون جملة اسمية مع الفاء -

الحديث: 4109 - الجزء: 9 - الصفحة: 4457

................................  وإنه ربما كان ماضيا مقرونا بالفاء، وأنه قد يكون مضارعا، واستدل على المسألة الأولى بقوله تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ 872، وعلى الثانية بقول الشاعر: 4110 - فلما رأي الرحمن........ فصبّ عليهم..... 873 على أنه جواب لقوله: وعلى المسألة الثالثة بقوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا 874 كما عرفت، وقد نوزع في المسائل الثلاث: أما الأولى 875: فقيل: لا دليل له عليها لأنا ندّعي أن الجواب في الآية الشريفة محذوف، والتقدير: فلما نجاهم إلى البر انقسموا قسمين فمنهم مقتصد ومنهم غير مقتصد [فحذف الجواب وحذف المعطوف الذي هو: ومنهم غير مقتصد] لدلالة قوله تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ 876 عليه. وأما الثانية: فقيل: إن الذي استدل به عليها لا دليل فيه، لأنا ندّعي حذف الجواب أيضا لدلالة المعنى عليه التقدير: انتقم منهم فصب عليهم، كما حذف في قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 877 وفي قول امرئ القيس: 4111 - فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى... بنا بطن خبت ذي ركام عقنقل 878

الحديث: 4110 - الجزء: 9 - الصفحة: 4458

................................  وأما الثالثة: فقيل: إن الجواب من قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا 879 محذوف، التقدير: أقبل يجادلنا 880. والظاهر أن الحقّ في هذه المسائل الثلاث خلاف ما ذكره المصنف، وأن الجواب محذوف في الآيتين الشريفتين اللتين استدل بهما، وكذا في البيت الذي ذكره.

  • والخزانة (4/ 413).

الجزء: 9 - الصفحة: 4459

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل