تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب الثامن والأربعون باب النّداء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثامن والأربعون باب النّداء

1 [بعض أحكامه من جر وحذف الحرف]

قال ابن مالك: (المنادى منصوب لفظا أو تقديرا بأنادي، لازم الإضمار، استغناء بظهور معناه مع قصد الانتفاء وكثرة الاستعمال، وجعلهم كعوض منه في القرب همزة، وفي البعد حقيقة أو حكما «يا»، أو «أيا»، أو «هيا»، أو «آ»، أو «أي» أو «آي»، ولا يلزم الحرف إلا مع الله، والضّمير، والمستغاث، والمتعجّب منه، والمندوب، ويقلّ حذفه مع اسم الإشارة واسم الجنس المبنى للنّداء.
وقد يحذف المنادى قبل الأمر والدّعاء فتلزم «يا»، وإن وليها «ليت» أو «ربّ» أو «حبّذا» فهي [للتنبيه]، لا للنّداء.
وقد يعمل عامل المنادى في المصدر والظّرف والحال.
وقد يفصل حرف النّداء بأمر).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: المنادى مفعول في المعنى؛ لأنه مدعو فيستحق النصب لفظا إن كان معربا قابلا لحركة الإعراب كيا عبد الله وتقديرا إن كان مبنيّا أو معربا غير قابل لحركة الإعراب كيا زيد ويارقاش ويافتى ويا أخي.
وناصبة أنادي لازم الإضمار لظهور معناه مع كثرة الاستعمال وقصد الإنشاء ولجعل العرب أحد الحروف المذكورة كالعوض منه.
وكل واحد من هذه الأسباب كاف في إيجاب لزوم الإضمار ولا سيما قصد الإنشاء فإن الاهتمام به في غاية الوكادة؛ لأن إظهار أنادي يوهم أن المتكلم مخبر بأنه سيوقع نداء والغرض علم السامع بأنه منشئ له والإضمار معين على ذلك فكان واجبا مع كون الحرف كالعوض منه، فلم يجمع بينهما كما لم يجمع بين العوض المحض والمعوض منه نحو: ما وكان في: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3525

................................  ما أنت ذا نفر ونحوها، وواو القسم في ها الله.
وكون الهمزة للقريب وما سواها للبعيد هو الصحيح، لأن سيبويه أخبر بذلك رواية عن العرب 3. ومن زعم أن أي كالهمزة [4/ 179] في الاختصاص بالقرب لم يعتمد في ذلك إلّا على رأيه، والرواية لا تعارض بالرأي.
وصاحب هذا الرأي هو المبرد وتبعه كثير من المتأخرين 4. ولم يذكر مع حروف النداء آا وآي بالمد إلا الكوفيون رووهما عن عرب يثقون بعربيتهم ورواية العدل مقبولة.
ولا يجوز حذف حرف النداء إن كان المنادى الله أو ضميرا أو مستغاثا أو متعجبا منه أو مندوبا نحو يا الله، ويا إياك، ويا لزيد، ويا للماء، ويا زيداه، فإن كان غير هذه الخمسة جاز الحذف إلا أن جوازه يقل مع اسم الإشارة واسم الجنس المبني للنداء، ومن شواهد الحذف مع اسم الإشارة قول ذي الرمة: 3376 - إذا هملت عيني لها قال صاحبي... بمثلك هذا لوعة وغرام 5 أراد بمثلك يا هذا، ومنها قول رجل من طيئ: 3377 - إنّ الألى وصفوا قومي لهم فبهم... هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا 6 ومنها قوله: 3378 - ذي دعي اللّوم في العطّاء فإنّ ال... لوم يغري الكريم بالإجزال 7 ومنها قوله: 3379 - لا يغرّنّكم ألاء من القو... م جنوح للسّلم فهو خداع 8 ومن شواهد الحذف مع اسم الجنس المبني للنداء قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اشتدّي أزمة تنفرجي» 9 وقوله صلّى الله عليه وسلّم - مترجما عن موسى عليه السّلام -: «ثوبي حجر، ثوبي -

الحديث: 3376 - الجزء: 7 - الصفحة: 3526

................................  حجر» 10 أراد: يا أزمة ويا حجر فحذف وكلامه من أفصح الكلام.
ومن نداء الضمير ما ذكر أبو عبيدة من أن الأحوض اليربوعي وفد مع أبيه على معاوية 11 رحمه الله تعالى فخطب فوثب أبوه ليخطب فكفّه وقال: يا إيّاك قد كفيتك 12. وأنشد أبو زيد: 3380 - يا أبجر بن أبجر يا أنتا... أنت الّذي طلقت عام جعتا 13 فقول الأحوص: يا إياك جار على القياس؛ لأن المنادى مفعول محذوف العامل وما كان كذلك وجيء به ضميرا وجب أن يكون أحد الضمائر الموضوعة للنصب كقوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ 14 وكقول الشاعر: 3381 - إيّاك خلتك لي ردءا فكنت لهم... علّي في ما أرادوا بي من الضّرر 15 وأما يا أنت فشاذ، لأن الموضع موضع نصب وأنت ضمير رفع فحقه أن لا يجوز كما لا يجوز في إياك والأسد: أنت والأسد لكن العرب قد تجعل بعض الضمائر نائبا بمن غيره كقولهم: رأيتك أنت بمعنى: رأيتك إياك فناب ضمير الرفع عن ضمير النصب وعكسه قراءة الحسن - رضي الله تعالى عنه - (إيّاك يعبد) 16 بنيابة ضمير النصب عن ضمير الرفع؛ فلذلك قالوا: يا أنت والأصل يا إياك لما ذكرت لك ولأن الموضع موضع اطراد في الواقع فيه إذا كان مفردا معرفة كونه على صورة مرفوع فحسن أن يخلفه ضمير الرفع كما حسن أن يكون تابعه مرفوعا.
وكان حق المنادى أن يمنع حذفه لأن عامله قد حذف لزوما فأشبه الأشياء التي حذف عاملها وصارت - - الدرر (1/ 149)، والهمع (1/ 174).

الحديث: 3380 - الجزء: 7 - الصفحة: 3527

................................  هي بدلا من اللفظ به كما قال في التحذير: وكسقيا له في الدعاء، إلا أن العرب أجازت حذف المنادى والتزمت في حذفه بقاء «يا» دليلا عليه، وكون ما بعده أمرا أو دعاء لأن الآمر والداعي يحتاجان إلى توكيد اسم المأمور والمدعو بتقديمه على الأمر والدعاء، فاستعمل النداء قبلهما كثيرا حتى صار الموضع منبها على المنادى إذا حذف وبقيت «يا» فحسن حذفه لذلك.
فمن ثبوته قبل الأمر قوله تعالى: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ 17 ويا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ 18 ويا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ 19 ويا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا 20 ويا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ 21 ومن ثبوته قبل الدعاء يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ 22 ويا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا 23 ويا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ 24 ومنه قول الراجز: 3382 - يا ربّ هب لي من لدّنك مغفرة... تمحو خطاياي وأكفي المعذرة 25 ومن حذفه قبل الأمر قوله تعالى في قراءة الكسائي ألا يا اسجدوا 26 أراد ألا يا هؤلاء اسجدوا، ومن حذفه قبل الدعاء قول الشاعر: 3383 - يا لعنة الله والأقوام كلّهم... والصّالحين على سمعان من جار 27 ومثله: 3384 - ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر 28 ومثله: -

الحديث: 3382 - الجزء: 7 - الصفحة: 3528

................................  3385 - ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني... كريم على حين الكرام قليل وأنّي لأخزى إذا قيل مملّق... سخيّ وأخزى أن يقال بخيل 29 وليس من ذلك قولهم: يا ليت ويا ربّ ويا حبذا؛ لأن قولي يا أحد هذه الثلاثة قد يكون وحده فلا يكون معه منادى ثابت ولا محذوف كقول مريم عليها السّلام: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا 30 ولأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان موضع ادعاء الحذف مستعملا فيه الثبوت، كحذف المنادى قبل الأمر والدعاء، فإنه جاز لكثرة ثبوته بخلاف ما قبل الكلم المذكور، فإن ثبوت المنادى فيه غير معهود فادعاء الحذف فيه مردود ولكن يا فيه لمجرد التنبيه والاستفتاح مثل ألا.
وقد يجمع بينهما توكيدا في نداء وغير نداء.
فاجتماعهما في النداء كقول الشاعر: 3386 - ألا يابن الّذين فنوا وبادوا... أما والله ما ذهبوا لتبقى 31 واجتماعهما في غير النداء كقول الآخر: 3387 - ألا يا ليت أيّاما تولّت... يكون إلى إعادتها سبيل 32 وقد يعمل عمل المنادى في مصدر كقول الشاعر: 3388 - يا هند دعوة صبّ هائم دنف... منّى بوصل وإلّا مات [أو] كربا 33 وفي ظرف كقوله: 3389 - يا دار بين النّقا والجزع ما صنعت... يد النّوى بالألى كانوا أهاليك 34 وفي حال كقوله: 3390 - يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته... كم قد بدلت لمن وافاك أفراحا 35 وقد يفصل بأمر المنادى بينه وبين النداء كقول جذامة بنت خالد [4/ 180] النخعية تخاطب ابنتها لطيفة 36: -

الحديث: 3385 - الجزء: 7 - الصفحة: 3529

................................  3391 - ألا يا فابك شوالا لطيفا... وأجري الدّمع تسكابا وكيفا 37 أرادت يا لطيفة فرخمت وفصلت بفعل الأمر 38. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.
وليعلم أن النداء مصدر نادى والكثير كسر نونه قالوا: ويجوز ضمها لأنه صوت وهمزته منقلبة من حرف العلة، كهمزة رداء وأصلها الواو.
ومن ندوت القوم ندوا: دعوتهم.
والنداء رفع الصوت للمنادى ليقبل عليك، وأورد على ذلك أنهم قد نادوا الديار.
وأجيب بأنهم أرادوا بذلك تنبيه أنفسهم على تذكّر أحوالهم في تلك الديار وجعلوها من الأشياء التي تخاطب فأجروا عليها حكم المخاطبين وعليه جاء: 3392 - [شربت بها والدّيك يدعو صباحه]... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا 39 لما وصفهم بالدنو والتصوب جمعهم جمع من يعقل، فكذا لمّا خاطبوا الديار أجروا عليها حكم من يعقل فنادوها.
وبعد هذا: فأنا أشير إلى أمور: منها: أن المنادى هو المطلوب إقباله بـ «يا» أو ما قام مقامها لفظا أو تقديرا.
واختلف فيه، والذي عليه الجمهور أنه مفعول.
وقال السيرافي: إنه لشبه بالمفعول به، وقرر ذلك بما لا طائل تحته مع اعترافه أن «يا» حرف 40، وردّ قوله بأنه مؤدّ إلى أن يستقل الحرف والاسم كلاما.
ومنها: أنهم اختلفوا في النداء هل خبر أو إنشاء.
والحق أنه ليس بخبر لأنه يحتمل الصدق والكذب.
وقد قيل إنه خبر؛ لأنه يحتمل الصدق والكذب بدليل أنه لو قال رجل لآخر: يا زاني عدّ قاذفا، ولو لم يحتمل الصدق والكذب لما كان خبرا، ولو لم يكن خبرا لما عدّ قاذفا.
وأجيب بأنه إنما عدّ قاذفا لأجل أن النداء بالمشتق وفيه معنى -

الحديث: 3391 - الجزء: 7 - الصفحة: 3530

................................  الصفة ولولا الاشتقاق لما عد قاذفا.
ولا شك أنه إذا كان بغير مشتق لا يحتمل الصدق والكذب، وكذا الفعل المقدر هو إنشاء وليس بخبر لأنه الدال عليه ليس بخبر وهو يا زيد فالنداء والفعل المحذوف متطابقان في عدم الخبرية.
ثم إنك قد علمت من كلام المصنف العلة لوجوب حذف الفعل ما هي.
ومنها: أن بعضهم ذهب إلى أن حرف النداء هو العامل في المنادى النصب لأنه ناب عن الفعل فعمل.
قال: ولذا جازت إمالته وتعلق به حرف الجر في نحو: يا لزيد، وأجيب عن ذلك أما الإمالة فمسلم أنها للنيابة عن الفعل أما في العمل فلا، ومثله إمالة بلى لما جاز حذف الفعل بعدها في الجواب أمالوها وإن لم تكن عاملة بالإجماع.
وأما حرف الجر فلا نسلم تعلقه بيا بل بالفعل المحذوف ولأن المنادى ينصب مع حذف حرف النداء، ولو كان الحرف هو الناصب لم يجز حذفه والنصب يغير عوض؛ لأن الحرف ضعيف فلا يعمل محذوفا من غير عوض بخلاف الفعل وقيل: حرف النداء اسم فعل وليس بشيء لأنه لو كان للزم أن يكون فيه ضمير ولو كان لجاز تأكيده كالضمير في أسماء الأفعال وفي عدم ذلك دليل على عدم كونه اسم فعل 41. ومنها: أن الشيخ قال: «الذي يظهر من استقراء كلام العرب أن «يا» أعم الحروف وأنها تستعمل للقريب والبعيد مطلقا» لكن قد عرفت أن سيبويه يرى خلاف ذلك 42 وقد قال هو - أعني الشيخ - إن سيبويه روى عن العرب أن الهمزة للقريب وما سواها للبعيد.
وشاهد النداء بالهمزة قول الشاعر: 3393 - أزيد أخا ورقاء إن كنت ثائرا... فقد عرضت أحناء حقّ فخاصم 43 وشاهد النداء بأيا قول الشاعر: 3394 - أيا ظبية الوعساء بين جلاجل... وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم 44 وشاهد النداء بهيا قول الآخر: -

الحديث: 3393 - الجزء: 7 - الصفحة: 3531

................................  3395 - هيا أمّ عمرو هل لي اليوم عندكم... بعينه أبصار الوشاة سبيل 45 وشاهد النداء بأي قول الآخر: 3396 - ألم تسمعي أي عبد في رونق الضّحى... بكاء حمامات لهنّ هدير 46 وذكر ابن عصفور أن النداء بما عدا يا، ووا من الحروف المذكورة إنما يجيء في الشعر، ويقل استعمالها في الكلام 47. ومنها: أن كلام المصنف يعطي أن نداء المضمر جائز على الإطلاق.
والجماعة لا يرون ذلك وابن عصفور يشعر كلامه بالمنع أو بأن ذلك لا يجوز إلّا في الضرورة 48 فإنه قال: «الأسماء كلها تنادى إلّا المضمرات.
أما ضمير الغيبة وضمير المتكلم فهما مناقضان لحرف النداء؛ لأن حرف النداء يقتضي الخطاب ولم يجمع بين حرف النداء وضمير الخطاب؛ لأن أحدهما يغني عن الآخر فلم يجمع بينهما إلّا في الشعر كقوله: 3397 - يا أبجر بن أبجر يا أنتا 49 وفيه خلاف.
فمنهم من جعل «يا» تنبيها وجعل أنت مبتدأ وأنت الثاني في قوله: 3398 -........ أنت الذي طلقت عام جعتا توكيدا أو بدلا أو فصلا.
قال الشيخ: يظهر أن استناد من أجاز ذلك إنما هو إلى هذا البيت وإلى الحكاية الأخوصية إذ لم يذكروا غير ذلك 50 قال: وينبغي أن لا يجعل ذلك قاعدة في جواز نداء المضمر لا بصورة ضمير النصب ولا بصورة ضمير الرفع؛ لأن ذلك لا حجة فيه.
أما البيت فالأمر فيه كذا وكذا، وذكر تخريج ابن عصفور 51. قال: وأما إيّاك قد كفيتك فإن يا فيه حرف تنبيه أيضا وإياك مفعول بفعل محذوف يدل عليه الفعل -

الحديث: 3395 - الجزء: 7 - الصفحة: 3532

................................  المذكور، التقدير: إياك قد كفيت قد كفيتك، وذلك كما يقدر في قوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ 52 أي وإياي ارهبوا فارهبون وكذا يقدر في قول الشاعر: 3399 - إيّاك خلتك لي ردءا................. إياك خلت ردءا خلتك لي ردءا 53. قال: وهذا تخريج سهل حسن واضح جار على قواعد الصنعة 54. ومنها: أنك قد عرفت أن المصنف أجاز حذف المنادى بقوله: وقد يحذف المنادى قبل الأمر والدعاء فتلزم يا، وأنه قرر ذلك في الشرح [4/ 181] كما تقدم ذكره، فقال الشيخ: هذه مسألة خلاف.
وهل يجوز حذف المنادى أولا 55 قال: والذي يقتضيه النظر إنه لا يجوز ولم يرد بذلك سماع عن العرب فيقبل، بل كل موضع يدعى فيه الحذف وإبقاء الحرف يسوغ أن يجعل الحرف للتنبيه، ولم يكونوا ليحذفوا فعل النداء ثم يحذفون بعده متعلق النداء، وهو المنادى فيكون ذلك إجحافا كثيرا.
والمنادى (في ذلك) 56 كالمنصوبات التي حذف عاملها وجوبا نحو: إياك والشر، وزيدا ضربته، وكليهما وتمرا، وما شاكل ذلك ولا يجوز حذف شيء منها 57 قال: وما ذكره المصنف من الدليل على الحذف تلفيق هذياني (واستقراء لا يسوغ) 58. ثم ما استشهد به لا حجة فيه على حذف المنادى بل «يا» فيه للتنبيه.
أما في الآية الشريفة فيا توكيد لقوله ألا.
وكذا في قول القائل: ألا يا اسلمي، وأما يا لعنة الله فهي للتنبيه كألا.
قال الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ 59 وكذلك في: يا عمرك كأنه قال: ألا عمرك وهي جملة اعتراض بين «ألم تعلمي» و «أنني» 60 انتهى.
وهذا الذي فعله الشيخ يقتضي أن المصنف وحده هو القائل بجواز حذف المنادى والأمر ليس كذلك فقد قال هو إن المسألة خلافية؛ فالرد إن ثبت لا يكون ردّا على -

الحديث: 3399 - الجزء: 7 - الصفحة: 3533

................................  المصنف وحده بل على القائلين بجواز الحذف أجمعين ثم نسب كلام المصنف إلى الهذيان والتلفيق ولم يبين وجه ذلك.
وغاية ما قال آخرا: إن ما استدل به المصنف يخرج على أن يا فيه للتنبيه وليس ثم نداء.
فيقول المصنف: هذا الاحتمال لا يبطل ما ادعيته.
وقصارى الأمر أن تكون يا في ما ذكرته للتنبيه قول يمكن ثبوته ويمكن دفعه.
فكيف يكون قاطعا ببطلان ما ذكرته.
ثم اعلم أن في تمثيل المصنف لثبوت المنادى قيل الدعاء بقوله تعالى: يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ 61 ويا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا 62 نظرا؛ لأن «ادع» ليس دعاء وإنما هو أمر بالدعاء، وكذا «استغفر» أمر بطلب الاستغفار وليس استغفارا.
ومنها: أنك قد عرفت أن المنادى قد يعمل في المصدر والظرف والحال، وتقدم استشهاد المصنف على الأول بقول القائل: 3400 - يا هند دعوة صبّ هائم وعلى الثاني بقول الآخر: 3401 - يا دار بين النّقا والجزع ما صنعت وعلى الثالث بقول الآخر: 3402 - يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته لكن الشيخ قال: إن الظرف الذي هو بين النقاء والجزع ليس معمولا لفعل النداء، بل هو معمول لمحذوف غير فعل النداء؛ لأن الظرف المذكور في موضع الحال فالعامل فيها محذوف تقديره كائنة بين النقا والجزع 63. والذي ذكره الشيخ حق..؛ لأن الذي بين النقاء والجزع إنما هو الدار لا النداء، وعلى هذا فعامل المنادى إنما عمل في حال لا ظرف وإنما يجيء الحال من المنادى.
وذكر الشيخ أن فيه مذاهب: أحدها: الجواز مطلقا وهو مذهب المبرد، وابن طاهر، وابن طلحة 64. الثاني: المنع وهو مذهب الكوفيين وبعض البصريين.

الحديث: 3400 - الجزء: 7 - الصفحة: 3534

[بناء المنادى وإعرابه]

قال ابن مالك: (يبنى المنادى لفظا أو تقديرا على ما كان يرفع به لو لم يناد [إن] كان ذا تعريف مستدام أو حادث بقصد وإقبال غير مجرور باللام ولا عامل في ما بعده ولا مكمل قبل النّداء بعطف نسق.
ويجوز نصب ما وصف من معرّف بقصد وإقبال، ولا يجوز ضمّ المضاف الصّالح للألف واللّام خلافا لثعلب، وليس المبنيّ للنّداء ممنوع النّعت خلافا للأصمعيّ.
ويجوز فتح ذي الضّمة الظاهرة إتباعا إن كان علما ووصف بابن متّصل مضاف إلى علم، لا إن وصف بغيره خلافا للكوفيّين، وربّما ضمّ الابن إتباعا.
ويلحق بالعلم المذكور نحو: «يا فلان بن فلان» ويا ضلّ بن ضلّ، ويا سيّد ابن سيّد، ومجوّز فتح ذي الضّمّة في النّداء موجب في غيره حذف تنوينه لفظا، وألف ابن في الحالين خطّا، وإن نوّن فللضّرورة وليس مركبا فيكون كمرء في إتباع ما قبل السّاكن ما بعده.
خلافا للفارسي.
والوصف بابنة كالوصف بابن، وفي الوصف ببنت في غير النّداء وجهان).
الثالث: التفصيل بين أن تكون الحال مؤكدة فيجوز أو مبنية فلا يجوز وهو مذهب الأخفش والمازني والفارسي 65. وقال: ولا نص عن سيبويه في إجازة ولا منع 66. انتهى.
والذي يظهر الجواز مطلقا، ويدل عليه ما أنشده المصنف من قول الشاعر: 3403 - يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته 67 قال ناظر الجيش: قال المصنف 68: المنادى على ضربين معرب ومبني.
فالمعرب المجرور بلام الاستغاثة نحو: «بالله للمسلمين» 69، أو بلام التعجب نحو: يا للماء، ويا للدواهي، والنكرة المحضة نحو: -

الحديث: 3403 - الجزء: 7 - الصفحة: 3535

................................  3404 - [أ] يا راكبا إما عرضت فبلّغا... نداماي من نجران أن لا تلاقيا 70 والعامل فيما بعده بإضافة وغير إضافة نحو: يا ذا الجلال والإكرام، ويا رؤوفا بالعباد، ويا عظيما فضله، ويا عشرين رجلا، والمكمل قبل النداء بعطف نحو: يا زيدا وعمرا في المسمى بهما.
والمبني على ضربين مبني بناء بسبب النداء ومبني بناء غير متجدد بسبب النداء.
فالأول مبني على ضمة ملفوظ بها نحو: يا زيد ويا رجل، أو مقدرة نحو: يا مولى ويا هادي ويا ربي، وعلى ألف نحو: يا زيدان، وعلى واو نحو: يا زيدون.
والثاني: مبني في التقدير على ضمة وفي اللفظ على ما كان مبنيّا عليه قبل النداء نحو: يا هؤلاء ويا سيبويه ويا رقاش ويا خمسة عشر ويا برق نحره.
وهذه الأنواع كلها داخلية في قولي: يبني المنادى لفظا أو تقديرا على ما كان يرفع به أما دخول ما تجدد وبناؤه بسبب النداء فظاهر.
وأما دخول ما سبق بناؤه فلأن هؤلاء وسيبويه ورقاش وبرق نحره [4/ 182] قد كانت قبل النداء تقع في موضع الرفع فتنوى ضمة الإعراب في مواضعها، ويجدد لها في النداء تقدير ضمة البناء ويدل على ذلك رفع تابعها نحو: يا هؤلاء الرجال ويا رقاش الحسنة.
ونبهت بقولي: على ما كان يرفع به لو لم يناد على نحو: يا مكرمان مما لا استعمال به في غير النداء.
ثم بينت أن من شرط البناء المستحق بالنداء كون المنادى غير مجرور بلام الجر وكونه غير عامل في ما بعده ولا مكمل قبل النداء بعطف نسق، فخرج باستثناء المجرور باللام المستغاث نحو: يا لله للمسلمين والمتعجب منه نحو: يا للعبر ويا للآيات.
وباستثناء العامل في ما بعده المضاف، نحو: يا ذا الجلال والإكرام والشبيه به نحو: يا عظيما فضله، ويا لطيفا بالعباد، ويا عشرين رجلا، وباستثناء المكمل قبل النداء بعطف نسق نحو: يا زيدا وعمرا في المسمى بهما.
وادعى المبرد أن تعريف نحو: يا زيد متجدد بالنداء بعد إزالة تعريف العلمية لئلّا يجمع بين تعريفين 71 والصحيح أن تعريف العلمية مستدام كاستدامة تعريف الضمير واسم الإشارة والموصول في: يا إياك ويا هذا ويا من حضر ولأن النداء لا يلزم من -

الحديث: 3404 - الجزء: 7 - الصفحة: 3536

................................  وجوده تجدد تعريف ولولا ذاك لم تناد النكرة المحضة.
فعلى هذا لا يلزم من دخوله على معرفة اجتماع تعريفين على أنه لو سلم اجتماع تعريفين لجعل أحدهما مؤكدا للآخر موسوقا لزيادة الوضوح كاتساق الصفة لذلك.
ويكون ذلك نظير اجتماع دليلي المبالغة في علامة ودوّاري 72، ويجوز في المفرد المعرف بالقصد والإقبال إجراؤه مجرى العلم المفرد في البناء وإجراؤه مجرى النكرة في النصب.
قال الفراء: النكرة المقصودة الموصوفة المناداة تؤثر العرب نصبها يقولون: يا رجلا كريما أقبل، فإذا أفردوا رفعوا أكثر مما ينصبون 73. قلت: ويؤيد قول الفراء ما روي من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في سجوده: «يا عظيما يرجى لكلّ عظيم، ادفع عنّي كلّ عظيم» 74. وأجاز ثعلب - رحمه الله تعالى - أن يضم المضاف إذا كان صالحا للألف واللام نحو: يا حسن الوجه لأن إضافته في نية الانفصال 75. وأظنه قاس ذلك على رواية الفراء عن بعض العرب: يا مهتم بأمرنا لا تهتم بضم مهتم مع مشابهته المضاف لتعلق بأمرنا به.
ويخرج هذا عندي بأن يجعل بأمرنا متعلقا بلا تهتم كأنه قال: يا مهتم لا تهتم بأمرنا فقدم وأخر.
ومذهبه في هذه المسألة ضعيف؛ لأن بناء المنادى ناشئ عن شبهه بالضمير والمضاف عادم الشبه بالضمير وإن كان مجازيّ الإضافة.
ومنع الأصمعي نعت المبني للنداء؛ لأنه شبيه بالمضمر والمضمر لا ينعت 76. وما ذهب إليه مردود بالسماع والقياس.
أما السماع فشهرته مغنية عن استشهاد.
وأما القياس فلأن مشابهة المنادى المضمر عارضة.
فمقتضى الدليل أن لا تعتبر مطلقا كما لم يعتبر مشابهة المصدر لفعل الأمر في نحو: ضربا زيدا لكن العرب اعتبرت مشابهة المنادى للضمير في البناء استحسانا فلم تزد على ذلك كما أن فعال العلم لما بني حملا على فعال المأمور به لم يزد على بنائه شيء من أحوال ما حمل عليه.
ونظائر ذلك كثيرة.
ويجوز في المنعوت بابن من نحو: يا زيد بن عمرو -

الجزء: 7 - الصفحة: 3537

................................  الضم استصحابا لحاله قبل النعت، والفتح اتباعا نحو: يا زيد بن عمرو.
فلو فصل ابن من المنعوت تعين الضم نحو: يا زيد الفاضل ابن عمرو وكذا يتعين الضم إن فقدت علميّة المنعوت نحو: يا غلام بن زيد أو علميّة المضاف إليه نحو: يا زيد بن أخينا، أو علميتها نحو: يا غلام بن أخينا فلو لم تكن ضمة المنادى ظاهرة لم ينو تبدلها بفتحة؛ إذ لا فائدة في ذلك.
وقد أجاز الفراء في «عيسى» من قوله تعالى: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ 77 تقدير الضمة والفتحة 78. وأجاز الكوفيون فتح المنعوت بمنصوب غير ابن نحو: يا زيد الكريم واستدلوا على ذلك بقول الشاعر: 3405 - فما كعب بن مامة وابن سعدى... بأجود منك يا عمر الجوادا 79 على أن الرواية بفتح راء عمر.
وخرج ذلك من انتصر للبصريين بأن قال: أراد يا عمرا فحذف الألف لالتقاء الساكنين وبقيت الراء مفتوحة.
وهذا الانتصار لا يثبت على مذهب سيبويه؛ لأنه لم يذكر زيادة الألف في آخر المنادى في غير ندبة أو تعجب أو استغاثة 80 والثلاثة منتفية من هذا البيت.
وأجاز غير سيبويه زيادة الألف في آخر كل منادى لمد الصوت 81 ويجري مجرى يا زيد بن عمرو في جواز فتح المنعوت يا فلان، ويا ضل بن ضل، ويا فاضل بن فاضل.
وزعم بعض العلماء أن المستعمل في يا ضل بن ضل ويا فاضل بن فاضل ونحوهما الفتح لا غير.
قال ابن سعدان: كلام العرب في نحو: يا ضل بن ضل ويا فاضل بن فاضل [و] ما أشبهه من المدح أن يتبع بالفتح، فإن أدخلت الألف واللام في الثاني جاز الوجهان.
وسبب هذا الفتح كثرة الاستعمال فجاز في: يا زيد بن عمرو وامتنع في نحو: يا زيد بن أخينا ولزم في نحو: يا فاضل بن فاضل جعلوا الموصوف والصفة كالشيء الواحد في -

الحديث: 3405 - الجزء: 7 - الصفحة: 3538

................................  ما كثر استعماله فاتبعوا الأول والثاني كما فعلوا في امرئ 82. وقد روى الأخفش عن بعض العرب ضم نون الابن اتباعا لضم المنعوت 83 وهو نظير قراءة من قرأ «الحمد لله» 84 بضم اللام 85. بل ضم النون أسهل بكثير.
ولما كان وقوع ابن في النداء بين علمين على الوجه المذكور سببا للتخفيف بتبدل الضمة فتحة جعل في غير النداء سببا للتخفيف بحذف تنوين المنعوت إلا أن النداء وجه [4/ 183] واحد وغير النداء وجوه كثيرة، فكان غير النداء أحوج إلى التخفيف فجعل تخفيفه واجبا وتخفيف النداء جائز، واستوى النداء في التزام حذف ألف ابن خطأ وقد ينون المنعوت بابن في غير النداء اضطرارا كقول الأغلب العجلي 86: 3406 - جارية من قيس بن ثعلبة... قبّاء ذات سرّة مقعّبه ممكورة الأعلى رداح الحجبة... كأنّها حلية سيف مذهبه 87 وزعم الفارسي أن نحو: زيد بن عمرو عند قصد النعت في غير النداء مركب وأن حركة المنعوت حركة إتباع كحركة ميم مرء على لغة من قال: هذا مرء ورأيت مرءا ومررت بمرء 88. وليس ما رآه في هذا صحيحا للإجماع على فتح المجرور الذي لا ينصرف نحو: صلّى الله على يوسف بن يعقوب.
ذكر هذا ابن برهان 89 رحمه الله تعالى.
وإذا كان المنعوت مؤنثا علما كهند في لغة من صرف ونعت بابنة مضاف إلى علم فحكمه في النداء وغير النداء حكم 90 زيد منعوتا بابن مضافا إلى علم.
وفي غير -

الحديث: 3406 - الجزء: 7 - الصفحة: 3539

................................  المنادى المنعوت يثبت وجهان رواهما سيبويه عن العرب الذين يصرفون هندا ونحوه فيقولون: هذه هند بنت عاصم وهند بنت عاصم.
وكل هذا مشار إليه في الأصل.
هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى 91. وثم أمور يتعين الإشارة إليها: منها: أن للمنادى بالنسبة إلى كونه مبنيّا ومعربا ستة أقسام.
المبني منها قسمان، والمعرب أربعة.
أما المبني فالمعرفة المفرد، والنكرة المقصودة إذا كانت مفردة أيضا وأما المعرب فمجرور باللام وهو المستغاث، ومنصوب وهو النكرة غير المقصودة، والمضاف والمطول وهو المشبه بالمضاف.
وقد صرح المصنف بالأقسام المذكورة في الشرح إلا أنه عبر عن المضاف والمشبه به بعبارة واحدة وهي قوله: والعامل في ما بعده بإضافة وغير إضافة، وهي عبارة مختصرة حسنة.
أما كلامه في المتن فربما فيه إخلال بقسم من هذه الأقسام وهو النكرة غير المقصودة؛ لأنه حكم ببناء المنادى إن كان ذا تعريف مستدام أو حادث بقصد أو إقبال، ثم استثنى ما يعرب بقوله غير مجرور باللام ولا عامل في ما بعده، ولم يتعرض إلى ذكر النكرة المشار إليها.
لا يقال إنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنا قد علمنا أن المنادى له النصب بقوله أول الباب: المنادى منصوب لفظا أو تقديرا فإذا لا يحتاج مع ذلك إلا إلى ذكر ما يبنى منه ليخرجه من الحكم الذي يعم أقسام المنادى وهو النصب؛ لأنا نقول: هذا الذي قيل كلام صحيح لكن كان يلزم منه ألا يتعرض إلى ذكر شيء من أقسام المعرب؛ لأن الإعراب قد ثبت للمنادى بقوله: إنه منصوب وإنما يلزمه التعرض إذ ذاك إلى ذكر ما يبنى منه خاصة.
لكنه قد تعرض إلى ذكر بعض ما يعرب فكان الواجب إما أن يستوفي أقسام المعرب وإما أن لا يذكر شيئا منها.
ومنها: أنهم ذكروا أن المنادى المضاف إلى نكرة نحو: يا أخا رجل ويا رجل سوء ليس بمعرفة، ولكنه جرى في الإعراب كالمضاف إلى معرفة ليكون الباب واحدا.
قالوا: ولا يجوز أن يقصد به واحد بعينه فيتعرف بالنداء لأن إضافته إلى النكرة سبب تنكير لفظي فلا يصح تضمنه للتعريف لأن المحل لا يقبل.
فكان كالوصف للنكرة.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3540

................................  قالوا: ونص عليه سيبويه 92. ومنها: أن المنادى المفرد المعرفة إنما بني؛ لأنه لإفادته الخطاب أشبه الضمير وهو الكاف في أدعوك في إفادته الخطاب وأنه معرفة مفرد.
والأسماء الظاهرة موضوعة على الغيبة بدليل عود الضمير إليها بلفظ الغيبة نحو: زيد قائم ولا يصح أن تكون علة البناء إفادته الخطاب فحسب؛ لأنه يلزم منه بناء المضاف والمشبه به إذا أريد به واحد معين، ولا مع التعريف لأنه يلزم منه بناء المضاف والمشبه به إذا كان معرفة، فثبت أن المجموع وهو إفادته الخطاب وتعريفه وإفراده هو العلة ليكون كالكاف في أدعوك فإنها مقيدة للخطاب وهي معرفة مفردة.
وفي شرح الشيخ: ذهب سيبويه إلى أنه بني إجراء له مجرى الأصوات 93. وكذا قال ابن أبي الربيع أيضا: إن سيبويه علل بناء المنادى بأنه صار بمنزلة الصوت 94. لكن قال ابن عمرون في شرح المفصل عند ذكره سبب بناء المنادى: وقيل بني لشبهه بالأصوات التي يصوت بها للبهائم عند ما يراد منها كعدس وهاب 95، وليس بشيء لأنه لو كان البناء كذلك لبني النكرة؛ لأنه لا فرق في الصوت بين المعرفة والنكرة.
وكان بناؤه على حركة لأن بناءه عارض، وكل اسم يعرب في حال ويبنى في حال إذا بني بني على حركة كقبل وبعد، وكانت الحركة ضمة أو قام مقامها لشبهه بقبل وبعد، ووجه الشبه أنه إذا أضيف أو نكر أعرب وإذا كان معرفة مفردا بني.
وقيل بني على الضم لئلّا يشبه المضاف؛ لأن المضاف إلى غير ياء المتكلم منصوب في النداء والمضاف إلى ياء المتكلم يكون مكسورا والمختار فيه حذف الياء وإبقاء الكسرة فبني على الضم لئلّا يلبس بأحدهما.
وقد ذكر لبناء المنادى أسباب غير ما ذكرنا لكنها غير معتبرة عند التحقيق فتركت إيرادها لذلك.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3541

................................  وقد شذ الكسائي والرياشي 96 في دعواهما أن الحركة في يا زيد حركة إعراب 97، ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي التشاغل به، إذ فيه خرم للقواعد وهدم للأصول، نعم الأخفش يقول إن نحو يا رجل معرب لأنه يقول إنه في نية يا أيها [4/ 184] الرجل ونابت مناب الألف واللام ولهذا سقط التنوين.
وقد رد مذهبه بقول العرب: يا فاسق الخبيث والخبيث، وما ذاك إلّا لأنه غير معرب.
ومنها: أنك قد عرفت أن قول المصنف: ولا عامل في ما بعده يشمل المضاف والمشبه به وهو المعبر عنه بالمطول وبالممطول أيضا من قوله: مطلت الحديدة إذا مددتها، وهو كل اسم موصول بشيء هو كالتمام له عمل الأول في الثاني النصب لفظا، نحو: يا ضاربا زيدا، أو محلّا نحو: يا خيرا من زيد، أو الرفع نحو: يا حسنا وجهه ويا مضروبا غلامه، أو لم يعمل لكن ثم ما يقوم مقام العامل وهو حرف العطف نحو: يا ثلاثة وثلاثين إذا كان اسم رجل واحد فالأول منصوب لأنه مشبه بالمضاف من حيث إن الثاني من تمام الأول؛ لأن التسمية وقعت بالكلمتين مع حرف العطف.
ولما كان حرف العطف يقتضي معطوفا عليه وهو بمنزلة العامل صار كأن بعض الاسم عمل في الآخر فأشبه ضاربا زيدا والثاني منصوب بالعطف على الأول.
ولما لم يعبر المصنف عن المطول بما عبر به غيره وكانت العبارة التي أتى بها إنما يدخل تحتها مع المضاف من المطول ما يكون عاملا في ما بعده احتاج أن يقول بعد ذلك: ولا مكمل قبل النداء بعطف نسق.
وأفاد قوله: قبل النداء فائدة وهي: أن العطف لو حصل حال النداء لم يكن له أثر في نصب المنادى.
ومن ثم قال ابن السراج في قولنا: (يا) ثلاثة وثلاثين إذا كانا اسما واحدا وليس هذا بمنزلة قولك للجماعة: يا ثلاثة وثلاثون، لأنك في هذا يا أيها الثلاثة والثلاثون 98. انتهى.
فقد فرق بين المسألتين كما رأيت.
وليس الفرق إلّا ما أفاده كلام المصنف من أن -

الجزء: 7 - الصفحة: 3542

................................  عطف النسق في المسألة الأولى وجد قبل النداء فكان الثاني من تمام الأول، وأما في الثانية فليس كذلك إنما وجد حال النداء فهو منفصل عنه أي ليس من تمامه ولا بطول المنادى بمعموله إلّا إذا كان المعمول ملفوظا به.
فعلى هذا: إذا ناديت وقلت: يا ذاهب بنيته على الضم ولم تنصبه وإن كان عاملا في ضمير المرفوع.
وكذا إذا قلت: يا ذاهب وزيد تبني الاسمين.
فإن قدرت زيدا معطوفا على الضمير لزم نصب ذاهب؛ لأنه عامل في زيد بوساطة حرف العطف، ولو قلت: يا مشتركا وزيد لم يجز في مشترك إلّا النصب؛ لأن عطف زيد على الضمير متعين إذ لا يجوز عطفه على مشترك لأن مشتركا لا بد أن يسند إلى ما زاد على واحد.
واعلم أنك إذا ناديت جماعة عدتهم ما ذكرت من العدد نحو: يا ثلاثة وثلاثين فإن كانت غير معينة نصبت المعطوف والمعطوف عليه.
أما الأول فلأنه اسم نكرة غير مقصودة، وأما الثاني فلأنه معطوف عليه وإن (كانت) الجماعة معينة فلا بد من بناء ما باشرته «يا» لكونه مفردا معرفة.
وأما المعطوف عليه فيجوز فيه ما يجوز في غيره من العطف على اللفظ فيرفع أو على المحل فينصب.
لكنهم ذكروا أن دخول «أل» في الثاني حينئذ واجب، ولم يظهر لي وجهه.
وذكر عن ابن خروف أنه يجيز دخول «أل» وتركها 99، والذي قاله ابن خروف هو الظاهر.
ويتصل بما ذكر مسألة وهي: أنك إذا ناديت اثني عشر فإنك تقول: يا اثنا عشر.
ولا يتوهم أنه بمنزلة المضاف من أجل حذف النون؛ لأن النون لما حذفت نزلت عشر منزلتها فصار في الحكم بمنزلة قولك: اثنان، ولو ناديت هذه الكلمة لقلت: يا اثنان، وكذا يا اثنتا عشرة ويا ثنتا عشرة.
ونقل عن الكوفيين أنهم يلحظون فيه الإضافة فيجيزون يا اثني عشر.
ومنها: أنك قد عرفت من كلام المصنف أنه يرى تعريف النكرة المقصودة إذا نوديت إنما هو النداء وعبر عنه بقوله: أو حادث بقصد وإقبال، ومن ثم عدّ النداء من جملة المعرفات لما ذكر المعارف في أول الكتاب 100. -

الجزء: 7 - الصفحة: 3543

................................  ولا شك أن في المسألة للنحاة مذهبين. أحدهما: ما اختاره المصنف. والآخر: أن تعريف مثل ذلك بأل وأنها حذفت وناب حرف النداء منابها. قال ابن عصفور: لأن الخطاب لا يعرّف. ألا ترى أنك تقول: أنت رجل قائم فتخاطبه ويبقى الاسم بعد ذلك نكرة. انتهى. ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال؛ لأن النكرة لم يخاطب بها. ومسألة النداء إنما هي النكرة المخاطب بها لأنك إذا قلت: يا رجل، فكأنك قلت: يا أنت. وقد رد ابن الضائع قول من قال إن التعريف بأل بأن تعريف «أل» بالعهد، وإذا قلت: يا أيها الرجل فلا عهد فيه. قال: فإن زعم القائل بذلك أن أل للحضور فالحضور هو المعرف وهو معنى قول من قال إنه تعرف بالخطاب 101. ومنها: أن الكوفيين 102 يخالفون البصريين في جواز نداء النكرة غير المقبل عليها ويزعمون أن النكرة غير المقبل عليها لا تكون في النداء إلّا موصوفة نحو: يا رجلا ذاهبا، أو صفة في الأصل حذف موصوفها وخلفته نحو: يا ذاهبا. فمن مجيء النكرة الموصوفة قول القائل: 3407 - أدارا بحزوى هجت للعين عبرة... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق 103 فالنكرة المناداة موصوفة بحزوي. وقول الآخر: 3408 - ألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام 104 فنخلة موصوفة بقوله «من ذات عرق»، وقول الآخر: 3409 - لعلّك يا تيسا نزا في مريرة... معذب ليلى أن تراني أزورها 105 فالجملة في موضع صفة المنادى. ومن مجيء النكرة التي هي صفة قول القائل: 3410 - أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن... نداماي من نجران أن لا تلاقيا 106

الحديث: 3407 - الجزء: 7 - الصفحة: 3544

................................  فنصب راكبا لأنه صفة لمحذوف، وليست جملة الشرط والجزاء صفة لأنها [4/ 185] لا تحتمل الصدق والكذب لتضمنها الأمر.
وحاصل الأمر أن الذي يشترطه الكوفيون في نداء النكرة غير المقصودة أن تكون موصوفة فقط؛ لأنها إذا كانت صفة خلفا عن موصوف كان المنادي في الحقيقة إنما هو الموصوف والصفة نائبة عنه وحينئذ يكون المنادى نكرة موصوفة.
وعلى هذا لا حاجة إلى أن يجعل قولهم أو صفة في الأصل قسيما لقولهم: نكرة موصوفة؛ إذ ليس إلا قسم واحد.
ولا يجوز عند الكوفيين أن يقال: يا رجلا، ويقولون: إنه لم يسمع شيء من ذلك عن العرب، وإنما لم يجيزوا ذلك لأن انتصاب المنادى من قولنا: يا رجلا ذاهبا عندهم إنما هو لطوله بالصفة وانتصاب ذاهب من يا ذاهبا بسبب أن الأصل فيه يا رجلا ذاهبا فإذا لم توصف النكرة انتفى الطول الموجب للنصب.
وقد ردّ مذهبهم بأن الوصف لو كان يؤثر الطول في المنادى فينصب لكان يجب نصب زيد من قولنا: يا زيد الطويل، ولا قائل بذلك.
قال ابن عصفور: «فإن قيل: الطول بالوصف لا يوجب النصب إلّا إذا كان الوصف لازما والوصف لا يلزم في يا زيد الطويل ويلزم النكرة غير المقبل عليها.
فالجواب: أن الطول بالوصف وإن كان لازما لا يوجب النصب بدليل: يا أيها الرجل، وإذا بطل أن الطول بالوصف لازما كان أو غير لازم غير موجب النصب كان موجب النصب إنما هو التنكير، وإذا كان موجب النصب التنكير لم يمنع مانع من جواز مجيء النكرة غير المقبل عليها، وإن كانت غير موصوفة، وما يقبله القياس لا يقدح فيه عدم السماع».
وقد ادعى ابن الطراوة أن «دارا» من قوله: أدارا بحزوى، «وتيسا» من قوله: لعلّك يا تيسا نزا معرفتان.
قال: وإلا فكيف يقول: هجت للعين عبرة لدار لا يعرفها، وكيف يقول: لعلّك معذّب ليلى لمن يكون مجهولا عنده.
وخرّج البيتين على أن ثم موصولا محذوفا هو الوصف، والمجرور والجملة صلتان.
التقدير أدارا التي بحزوى، ويا تيسا الذي نزا وكذا التقدير عنده في: ألا يا نخلة من ذات عرق أي التي من ذات عرق 107. قال: والدليل على جواز حذف الموصول وإبقاء صلته -

الجزء: 7 - الصفحة: 3545

................................  قوله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى 108، وقال الشاعر: 3411 - عدس ما لعبّاد عليك إمارة... نجوت وهذا تحملين طليق 109 المعنى: وما تلك التي بيمينك يا موسى، وهذا الذي تحملين طليق.
قال: وكذا قول النابغة: 3412 - يا دار ميّة بالعلياء فالسّند... أقوت وطال عليها سالف الأبد 110 المعنى يا دار مية التي بالعلياء، وقول امرئ القيس: 3413 - ترى الفأر في مستنقع القاع لاحبا... على جدد الصّحراء من شدّ ملهب 111 المعنى ترى الفأر الذي في مستنقع القاع لاحبا).
قال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه باطل بدليل أنه لا يحفظ من كلامهم وصف دار وتيس وأمثالها بالمعرفة.
وأما قوله: إنه لا يقال: هجت للعين عبرة لدار لا يعرفها، ولعلك معذب ليلى لمن يجهله، فصحيح إلا أنه لا حجة له في ذلك على ما ادعاه من كون دارا وتيسا معرفتين؛ لأن الاسم لا يكون معرفة إلا إذا قدر المخاطب أن المخاطب قد ساواه في العلم به.
وأما إذا قدر المخاطب أن المخاطب يجهله فإنه لا يكون إلّا نكرة وسواء في ذلك جهل المخاطب به، أو علمه.
ألا ترى أنك إذا قلت: أذنب إلي رجل من أصحابي صفحت عنه كان رجل نكرة لأنك أبهمته على المخاطب فلم يعلم من عنيت به مع أنه معلوم عندك فكذلك دار وتيس ونخلة من الأبيات مجهولة عند غير المتكلم؛ لأنه لم يقبل بندائه على المنادى فيتعين لذلك، وإن كان جميع ذلك معلوما عند المنادى.
وما ذهب إليه من حذف الموصول وإبقاء صلته باطل على ما عرف في باب الموصول، وما استدل به مخرج على خلاف ما ذكره.

الحديث: 3411 - الجزء: 7 - الصفحة: 3546

................................  وأما: يا دار مية بالعلياء؛ فالعلياء في موضع الحال من دار مية عند من يجيز مجيء الحال من المنادى ومن لا يجيز جعله متعلقا بما بعده والتقدير: أقوت وطال عليها سالف الأبد بالعلياء فالسند.
وأما قوله: ترى الفأر في مستنقع القاع فيخرج على أن في مستنقع القاع في موضع الحال من ضمير الفاعل المستتر في ترى فيكون العامل فيه إذ ذاك محذوفا، ولاحبا حال من الفأر، والمعنى ترى الفأر لاحبا على جدد الصحراء وأنت في مستنقع القاع.
يريد أن الفأر إذا سمع حفيف هذا الفرس في جريه ظنه مطرا فخاف من سيله ومرّ على جدد الصحراء طلبا للنجاة منه فإذا بلغ راكب هذا الفرس مستنقع القاع الذي كان فيه الفأر أبصره متعلقا بجدد الصحراء.
فأما قول الشاعر: 3414 - أيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله... جرير ولكن في كليب تواضع 112 فليس من قبيل المنادى المنكور لأنه قصد بذلك شخصا بعينه ولم يرد أن يبهمه على المخاطب، بل بينه بقول جرير: وإنما هو منصوب بناصب مضمر على جهة الإغراء أي: عليكم شاعرا لا شاعر اليوم مثله 113. انتهى كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى.
ولم يظهر لي قوله: إن في مستنقع القاع في موضع الحال من ضمير الفاعل المستتر في ترى مع قوله: فيكون العامل فيه إذ ذاك محذوفا، لأن العامل في الضمير هو ترى، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها.
وأما قوله: إن شاعرا من قول الشاعر: أيا شاعرا منصوب على الإغراء فغير ظاهر، لأن أيا حرف نداء لا حرف تنبيه وليس ثم منادى محذوف فوجب أن يكون شاعرا منادى، وأما نصبه فلا شك أن المنادى المعرفة المبني يجوز أن ينون للضرورة، وإذا نون فلك فيه وجهان.
الضم تشبيها بمرفوع اضطر إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف، والنصب تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين.
وسيأتي ذكر هذه المسألة في آخر الفصل.
فعلى هذا يتوجه نصب شاعرا لا على ما قاله من الإغراء.
-

الحديث: 3414 - الجزء: 7 - الصفحة: 3547

................................  [4/ 186] واعلم أن الذي ادعاه ابن الطراوة في المناديات المتقدمة وهي أنها معارف تنزع إلى ما يزعمه المازني من أن النكرة لا يتصور أن تكون غير مقبل عليها وإن وجد من ذلك شيء فتنوينه لأجل الضرورة كقوله: أدارا بحزوى وكأن العلة عنده أن المجهول لا ينادى 114. ورد ذلك على المازني بأنه يمكن أن يكون الشاعر نادى دارا مبهمة من ديار حزوى لأن هذا الموضع كان به دار محبوبته.. فمن أجل ذلك كل دار به تهيج عبرته إذا رآها، لأنها تذكره محبوبته فيكون كقول متمم بن نويرة 115 في رثاء أخيه مالك: 3415 - وقالوا بكى كل قبر رأيته... لقبر ثوى بين اللّوى فالدكادك فقلت لهم إنّ الأسى يبعث البكا... دعوني فهذا كلّه قبر مالك 116 قالوا: وأما يا تيسا، ويا نخلة فإن قائله كنى عن بعل محبوبته بتيس مبهم وعن محبوبته بنخلة مبهمة.
هذا وقد تقدم من جواب ابن عصفور عن مثل هذا أيضا بأن النظر فيه إنما هو إلى جهل المخاطب وعلمه، فالذي يقدر المتكلم أن المخاطب يجهله هو نكرة مع أن المتكلم يعلمه ولا يحكم بتعريف النكرة إلّا إذا قدر المتكلم أن المخاطب قد ساواه في العلم به.
ومنها: أنك قد عرفت أن الأصمعي يمنع نعت المنادى المبني.
وأن المصنف ذكر أن ما ذهب إليه مردود بالسماع والقياس، ثم مما يبطل مذهبه قول العرب: يا زيد ابن عمرو بفتح دال زيد ولو كان ابن عمرو منصوبا بفعل مقدر لكان جملة مستأنفة ولم يكن للفتح وحذف التنوين منه وجه، فلم يبق إلّا أن يكون ابن عمرو صفة لزيد لتكون فتحة دال زيد فتحة إتباع.
قالوا: ويلزم على مذهبه أن تكون أي في النداء تامة يحسن السكوت عليها، لأن المرفوع عنده خبر مبتدأ محذوف كما أن المنصوب معمول لفعل محذوف، وما ينعت على القطع يلزم استقلاله.
-

الحديث: 3415 - الجزء: 7 - الصفحة: 3548

................................  وأما قول الأصمعي: إن المنادى أشبه الضمير، فالجواب عنه أنه اسم ظاهر ولا يلزم من وقوعه موقع الضمير مشابهته له من كل وجه.
وقد قالت العرب: يا تميم كلهم فراعوا أصله ولو كان بمنزلة الضمير من كل وجه لم يجز كما لم يجز إنكم كلهم.
واتفاقهم على الرفع في: يا أيها الرجل دليل على أنه للإتباع إذ لو كان للقطع لجاز نصبه.
واستدل سيبويه على أنه ليس موضع قطع بوقوع أجمعين فيه نحو: يا تميم أجمعون ولا يكون إلّا تابعا 117. قيل: وهذا لا يلزم لأنه لا يقول: إنه محل للقطع مطلقا لأنه لا يمنع التأكيد؛ لأن المضمر يؤكد ويدل منه.
ومنها: أن المصنف ذكر في شرح الكافية عن المبرد أنه يزعم أن الضم في: يا زيد ابن عمرو أجود من الفتح وأنه أنشد بالفتح قول القائل: 3416 - يا حكم بن المنذر بن الجارود... سرادق المجد عليك ممدود 118 ثم قال: ولو قال: يا حكم بن المنذر كان أجود.
انتهى 119. وزعم ابن كيسان أن الفتح أكثر في كلام العرب وإن كان الضم هو القياس 120. ومما ورد بالفتح قول الشاعر: 3417 - يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت... لك الجنان وروّحت [المها] العينا 121 وإنما جاز إتباع الدال لحركة نون ابن مع الفصل بينهما؛ لأن الفاصل ساكن وهو حاجز غير حصين ومسوغ الإتباع أن ابنا لما كان صفة لما قبله جعلا كالشيء الواحد، واللفظان إذا كثر استعمالهما معا يجعلهما العرب كالشيء الواحد يدل على ذلك أنهم -

الحديث: 3416 - الجزء: 7 - الصفحة: 3549

................................  يقولون في مقلوب لعمري: رعملي، وذلك أن لام الابتداء لما كثر استعمالها مع عمرو جعلوها معه كالشيء الواحد، فلما قلبوا صيروا اللام كأنها من حروف عمرو.
وليعلم أن الأول أعني المنادى إذا كان مضموما جاز في ابن مع كونه نعتا أن يكون بدلا وعطف بيان، وإذا فتح لم يكن ابن إلّا نعتا لما علمت أن الإتباع لا بد أن يكون الكلمتان كالشيء الواحد.
ولا يتصور ذلك إلّا إن كانت الكلمة الثانية نعتا.
ومنها: أن الشيخ ناقش المصنف في أمرين ذكرهما في الشرح.
أحدهما: أنه قال ويجري مجرى: يا زيد بن عمرو في جواز فتح المنعوت يا فلان ابن فلان بن فلان، ويا ضل بن ضل ثم قال: ولزم في يا فاضل بن فاضل 122. قال: وهذا تناقض، ولعله من الناسخ.
ثانيهما: قوله: وما أشبهه من المدح بعد قوله: يا فلان بن فلان، ويا ضل بن ضل، ويا فاضل بن فاضل 123. قال: والذي ذكره أصحابنا أن المسألة مفروضة في ما إذا كان المنادى غير علم ووصف بابن مضاف إلى غير لكنه مما اتفق فيه لفظ المنادى ولفظ ما أضيف إليه ابن نحو: يا كريم ابن الكريم، ويا شريف بن الشريف ويا كلب بن الكلب، ويا وثن بن وثن، ويا وثن ابن الوثن ولم يخصوه بالمدح 124. قال: وذكروا خلافا في ذلك.
فالبصريون يضمون المنادى وينصبون ابنا، والكوفيون وابن كيسان يجرونه مجرى يا زيد بن عمرو في جواز البناء على الضم وجواز الفتح تبعا لفتحة ابن كما أجرت العرب ذلك في غير النداء في حذف التنوين من الموصوف.
قال الكميت: 3418 - تناولها كلب بن كلب فأصبحت... ترائي بها الأطواد لهبا إلى لهب 125 وقال آخر: 3419 - فإنّ أباكم ضلّ بن ضلّ... وأبا من أبائكم برّاء 126 قال: وما ذهب إليه البصريون هو القياس لأن الأعلام أقبل للتغيير من غيرها، -

الحديث: 3418 - الجزء: 7 - الصفحة: 3550

................................  وهو الأكثر في السماع، وإنما أجرى ابن مع المتفقين مجراه مع العلمين للتساوي في كثرة الاستعمال، وأيضا فمدح الأب أو ذمه بما مدح به الابن أو ذم مبالغة في المدح أو الذم.
وكأنك قلت: يا عريقا في الكرم حيث قلت: يا كريم بن كريم، أو في الخبث [4/ 187] حيث قلت: يا خبيث بن خبيث، فلو خالفت بين اللفظين لم يكونا بمنزلة الكلمة الواحدة 127. ومنها: أنك قد عرفت أن تنوين قيس من قول الشاعر: «جارية من قيس ابن ثعلبة» إنما هو للضرورة وعلى أن ذلك ضرورة أنشده سيبويه 128 وأنشد أيضا على أنه ضرورة قول الآخر: 3420 - هي ابنتكم وأختكم زعمتم... لثعلبة بن نوفل بن جسر 129 لكن ابن جني خرّج البيتين على البدل 130. ورد ذلك بأن العرب لم تجعل ابنا في ذلك وأمثاله إلا صفة بدليل أنهم لم ينونوا إلا في الشعر ولو كان ابن بدلا لجاء التنوين في فصيح الكلام.
ثم اعلم أن التنوين قد يحذف من العلم المخبر عنه بابن كما يحذف من المنعوت به ذكر المصنف هذه المسألة في الكافية فقال: وقد يعامل الذي ابن خبره... بمالمنعوت ونظم أكثره وشرح هذا بأن قال 131: نبهت بهذا على أن المخبر عنه بابن قد يعامل معاملة المنعوت به فيسقط تنوينه وأكثر ما يقع ذلك في الشعر كقوله: 3421 - لعمرك ما أدري وإن كنت داريا... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر 132 ومما جاء في نثر قراءة عاصم والكسائي: وقالت اليهود عزير ابن الله 133، -

الحديث: 3420 - الجزء: 7 - الصفحة: 3551

[أحكام المنقوص والمضموم المنون اضطرارا في النداء]

قال ابن مالك: (ويحذف تنوين المنقوص المعيّن بالنّداء.
وتثبت ياؤه عند الخليل، لا عند يونس، فإن كان ذا أصل واحد ثبتت الياء بإجماع.
ويترك مضموما أو ينصب ما نوّن اضطرارا من منادى مضموم).
فإنه مبتدأ وخبر، «وعزير» منصرف فحذف تنوينه لالتقاء الساكنين ولشبهه بتنوين العلم المنعوت بابن، وحذف التنوين هنا أحسن من حذف التنوين في قراءة عبد الوارث 134 قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1 اللَّهُ الصَّمَدُ 135 من ثلاثة أوجه: أحدها: أن اتصال «عزير» بابن لأنهما جزءا جملة واحدة ألزم من اتصال «أحد» بالله لأنهما من جملتين.
ثانيها: أن حذف تنوين «عزير» في الإخبار عنه بابن شبيه بحذفه في النعت به بخلاف حذف تنوين أحد.
ثالثها: أن حذف تنوين «عزير» تخلص من ثقل لا يلزم مثله من ثبوت تنوين أحد، وذلك أن تنوين «عزير» إذا لم يحذف تحرك لالتقاء الساكنين فيلزم من تحريكه وقوع كسرة بين ضمتين أولاهما في حرف تكرار قبله ياء ساكنة، ولا يلزم ذلك، ولا قريب منه إذا لم يحذف تنوين «أحد» فكان حذف تنوين «عزير» أحسن، وأولى.
وإنما حكمت بانصراف عزيز لأن عاصما والكسائي قرآ به فصح كونه منصرفا، إما لأنه عربي الأصل، وإما لأن أصله عازار أو عيزار ثم صغر تصغير الترخيم حين عرّب فصرف لصيرورته ثلاثيّا.
ولا اعتداد بياء التصغير؛ لأن نوحا لو صغر لبقي مصروفا.
ولأن سيبويه حكى في تصغير إبراهيم وإسماعيل بريها سميعا مصروفين 136. قال ناظر الجيش: قال المصنف 137: إذا نودي نحو: قاض وقصد تعيينه حذف تنوينه وأثبتت ياؤه فقيل: يا قاضي ويجوز حذف الياء والتنوين معا فيقال: يا قاض -

الجزء: 7 - الصفحة: 3552

................................  كما قيل مع الألف واللام في غير النداء جاء القاضي وجاء القاض.
والأول مذهب الخليل والثاني مذهب يونس.
وقوّى سيبويه قول يونس 138 وإن كان المنقوص ذا أصل واحد كاسم فاعل أرى ثبتت الياء بإجماع، فيقال: يا مري، ولا يقال: يا مر وإذا اضطر شاعر إلى تنوين المنادى المضموم جاز بقاء الضم وهو الأكثر وجاز نصبه وهو الأقيس لأن البناء استحق لشبه المضمر، وقد ضعف بالتنوين؛ لأن المضمر لا ينون ولكنه عارض للضرورة فجاز أن لا يعتدّ به.
وحكى ابن السراج أن بقاء الضم إذا اضطر إلى التنوين اختيار الخليل وسيبويه وأبو عمرو ويونس وعيسى بن عمر والجرمى يختارون النصب 139 وما حكاه ابن السراج حكاه المبرد أيضا وزاد أن المازني مثل الخليل وسيبويه 140. قلت: وعندي أن بقاء الضمة راجح في العلم والنصب راجح في النكرة المعينة لأن شبهها بالمضمر أضعف، ومن شواهد البقاء على الضم قول الأحوص: 3422 - سلّام الله يا مطر عليها... وليس عليك يا مطر السّلام 141 ومنها: ما أنشد الفراء من قول لبيد: 3423 - قدّموا إذ قيل (قيس) 142 قدّموا... وارفعوا المجد بأطراف الأسل 143 أراد قدموا يا قيس قدموا.
وأنشد غيره لعدي بن ربيعة يرثي أخاه مهلهلا 144: -

الحديث: 3422 - الجزء: 7 - الصفحة: 3553

................................  3424 - ظبية من ظباء وجرة تعطو... ونداها في ناضر الأوراق ضربت صدرها إليّ وقالت... يا عديّا لقد وقتك الأواقي ما ترجّى في العيش بعد ندامى... قد أراهم سقوا بكأس حلاق 145 ومن شواهد النصب والمنادى علم أيضا قول الشاعر: 3425 - فطر خالدا إن كنت تستطيع طيرة... ولا نفعا لا وقلبك طائر 146 ومن شواهده والمنادى نكرة معينة قول عبد يغوث 147: 3426 - أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغا... نداماي من نجران أن لا تلاقيا 148 ومنها قول الآخر: 3427 - أعبدا حلّ في شعبى غريبا... ألؤما لا أبالك واغترابا 149 ومثله: 3428 - يا سيّدا ما أنت من سيّد... موطّأ الأكناف رحب الذّراع قوّال معروف وفعّاله... نحّار أمّات الرّباع الرّتاع 150 ومنها قول الآخر: 3429 - ألا يا قتيلا ما قتيل بني حلس... إذا ابتلّ أطراف الرّماح من الدعس 151 ومنها قول ذي الرمة: 3430 - أدارا بحزوى هجت للعين عبرة... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق 152

الحديث: 3424 - الجزء: 7 - الصفحة: 3554

................................  وسيبويه يسمي هذا النوع نكرة باعتبار حاله قبل النداء 153. ومن شواهد الضم قول كثير: 3431 - ليت التّحيّة كانت لي فأشكرها... مكان يا جمل حيّيت يا رجل 154 هكذا الرواية المشهورة يا جمل بالضم.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 155. وقال في شرح الكافية مشيرا إلى توجيه الضم [4/ 188] والنصب إن المنادى المضموم إذا اضطر إلى تنوينه فيه وجهان: الضم تشبيها بمرفوع اضطر إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف، والنصب تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين 156. ثم إنك قد رأيت في ما تقدم أنه مثّل للنكرة المحضة بهذا البيت الذي هو: 3432 - أيا راكبا إمّا عرضت........... وها هو قد مثّل به هنا للنكرة المعينة.
وقال الشيخ: فأما أعبدا حلّ، وأدارا بحزوى فإنهما من المنادى الموصوف.
وقد ذكر هو - يعني المصنف: أنه يجوز نصب ما وصف من معرّف بقصد وإقبال 157. قال: فإنشاده إياهما على أنهما من المضموم الذي نصب ونون للضرورة مناقض لما قرره.
قال: وأما يا سيّدا ويا راكبا ويا قتيلا، فإنها خلف لموصوف محذوف التقدير يا رجلا سيدا، ويا رجلا راكبا، ويا رجلا قتيلا، وما قاله الشيخ حق.
والذي يسلم له من الخدش ويتم الاستشهاد به على النصب إذا نون ضرورة من الأبيات التي ذكرها إنما هو: فطر خالدا إن كنت، ويا عديّا لقد وقتك الأواقي.
وأما قول المصنف: إن سيبويه يسمي هذا النوع نكرة باعتبار حاله قبل النداء فكأنه إنما احتاج إلى ذكر ذلك من أجل أنه قد ذكر أن المنادى المضموم أعني غير العلم معرفة وإذا كان معرفة فكيف يقال فيه أنه نكرة.
فقال: إن تسميته نكرة إنما هو بالنظر إلى حالة النداء.

الحديث: 3431 - الجزء: 7 - الصفحة: 3555

[من أحكام أسلوب النداء (لا ينادى ما فيه أل)]

قال ابن مالك: فصل: (لا يباشر حرف النّداء في السّعة ذا الألف واللّام غير المصدّر بهما جملة مسمّى بها، أو اسم جنس مشبّه به، خلافا للكوفيين في إجازة ذلك مطلقا، ويوصف بمصحوبهما الجنسيّ مرفوعا، أو بموصول (مصدّر) بهما أو باسم إشارة «أيّ» مضمومة متلوّة بهاء التنبيه.
وتؤنّث لتأنيث صفتها.
وليست موصولة بالمرفوع خبرا لمبتدأ محذوف خلافا للأخفش في أحد قوليه، ولا جائزا نصب صفتها خلافا للمازني، ولا يستغنى عن الصّفة المذكورة ولا يتبعها غيرها.
واسم الإشارة في وصفه بما لا يستغنى عنه كـ «أيّ» وكغيرها في غيره، وقيل: يا الله ويا ألله، والأكثر اللهمّ، وشذّ في الاضطرار يا اللهمّ).
واعلم أن الشيخ ذكر مسألة واضحة وهي أنك إذا نعت المنصوب من هذا النوع لم يجز في النعت إلّا النصب؛ لأن المنادى إذ ذاك معرب منصوب.
فيقال يا زيد العاقل 158. قال: وثمرة الخلاف تظهر في المقصور نحو: يا فتى، فمن اعتقد أنه مضموم جوّز في نعته الرفع والنصب، ومن اعتقد أنه منصوب لم يجوّز في نعته إلّا النصب (2). قال ناظر الجيش: قال المصنف 159: قال سيبويه: إذا قيل يا الرجل، فمعناه كمعنى يا أيها الرجل، فصار معرفة؛ لأنك أشرت إليه وقصدت قصده واكتفيت بهذا عن الألف واللام وصار كالأسماء التي هي للإشارة 160. ثم قال: وصار (هذا) 161 بدلا (في) 162 النداء من الألف واللام، واستغني به عنهما كما استغني بقولك: اضرب عن لتضرب 163 فحاصل كلامه أن رجلا من قولك: يا رجل معرفة بالقصد والإشارة، فاستغني عن الألف واللام كما استغني باسم الإشارة وكما استغني باضرب عن لام الأمر.
وأجاز سيبويه أن يقال: يا الرجل قائم في المسمى بالرجل -

الجزء: 7 - الصفحة: 3556

................................  قائم لأن معناه يا مقولا له: الرجل قائم 164، وقاس عليه المبرد دخول يا على ما سمي به من موصول مصدر بالألف واللام نحو: يا الذي قام لمسمى به وهو قياس صحيح 165، وأجاز محمد بن سعدان يا الأسد شدة، ويا الخليفة جودا، ونحوه مما فيه تشبيه 166، وهو أيضا قياس صحيح لأن تقديره: يا مثل الأسد، ويا مثل الخليفة فحسن لتقدير دخول «يا» على غير الألف واللام.
وأجاز الكوفيون دخول «يا» على الألف واللام مطلقا، وأنشدوا: 3433 - فيا الغلامان اللّذان فرّا... إيّاكما أن تكسبانا شرّا 167 وهذا عند غيرهم من الضرورات.
وأنا لا أراه ضرورة لتمكن قائله من أن يقول: فيا غلامان اللذان فرّا؛ لأن النكرة المعينة بالنداء توصف بذي الألف واللام الموصول وبذي الألف واللام غير الموصول كقول بعض العرب: يا فاسق الخبيث حكاه يونس 168 والذي أراه في: فيا الغلامان أن قائله غير مضطر ولكنه استعمل شذوذا ما حقه ألا يجوز مثله في الشذوذ قول الآخر: 3434 - من أجلك يا الّتي تيّمت قلبي... وأنت بخيلة بالودّ عنّي 169 والكلام الصحيح أن يتوصل إلى نداء ما فيه الألف واللام الجنسيتان بجعله صفة لأي متلوة بهاء التنبية نحو: يا أيها الرجل، ونبهت بجنسية واللام الألف على أنه لا يقال: يا أيها العباس، ولا: يا أيها الصعق؛ لأنهما علمان والألف واللام مع الأول للمح الصفة ومع الثاني للغلبة.
وكذا لا يقال: يا أيها الزيدان ذكر ذلك الأعلم في «الرسالة الرشيدية».
ويقوم مقام ذي الألف واللام الجنسيتين موصول مصدر بالألف واللام نحو: -

الحديث: 3433 - الجزء: 7 - الصفحة: 3557

................................  يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ 170 واسم إشارة عار عن الكاف كقول الشاعر: 3435 - أيّهذان كلا زادكما... ودعاني واغلا في من يغل 171 والأكثر أن يجمع بين اسم الإشارة وذي الألف واللام الجنسيتين كقول الفرزدق: 3436 - ألا يا أيّها ذا السّائلي عن أرومتي... أجدّك لم تعرف فتبصره الفجرا 172 وتؤنث أي لتأنيث صفتها نحو: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ 173، ويا أيتها التي لم تسمع، ويا أيتها ذي.
وأجاز الأخفش أن تكون أي هذه موصولة والمرفوع بعدها خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة أي 174، ولو صح ما قال لجاز ظهور المبتدأ ولكان أولى من حذفه لأن كمال الصلة أولى من اختصارها، ولو صح ما قال لجاز أن يغنى عن المرفوع بعد أي جملة فعلية وظرف كما يجوز ذلك في غير النداء وفي امتناع [4/ 189] ذلك دليل على أن أيا غير موصولة.
وأجاز المازني نصب صفة أي.
قال الزجاج: ولم يجز أحد من النحويين هذا المذهب قبله ولا تابعه أحد بعده.. فهذا مطرح مردود لمخالفة كلام العرب 175. ذكر هذا الزجاج في كتاب المعاني عند كلامه على قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ 176. ويساوي اسم الإشارة أيّا في وجوب رفع صفته واقترانها بالألف واللام الجنسيتين ويخالفها بجواز استغنائه عن الوصف وبجواز أن يتبع بغير وصف، وعلى هذا نبهت بقولي: واسم الإشارة في وصفه بما لا يستغنى عنه كأيّ في وصفها، وكغيرها في غيره.
ولذلك قال الخليل: إذا قلت: يا هذا وأنت تريد أن تقف عليه، ثم تؤكده باسم يكون عطفا عليه، فأنت فيه بالخيار، إن شئت نصبت، وإن شئت رفعت، وذلك: يا هذا زيد، وإن شئت قلت: زيدا كقولك: يا تميم أجمعون وأجمعين وكذلك -

الحديث: 3435 - الجزء: 7 - الصفحة: 3558

................................  يا هذا زيد وعمرو وإن شئت زيدا وعمرا فتجري ما يكون عطفا على الاسم مجرى ما يكون وصفا 177. وقال سيبويه: واعلم أنه لا يجوز لك أن تنادي اسما فيه الألف واللام البتة إلّا أنهم قد قالوا: يا الله اغفر لي وذلك من قبل أن الألف واللام لا يفارقانه وهما فيه خلف عن همزة إله، وليس بمنزلة الذي قال؛ لأن الذي قال وإن كان لا يفارقانه الألف واللام ليس اسما غالبا، كزيد وعمرو لأنك تقول: يا أيها الذي قال كما تقول: يا أيها الرجل فامتنع يا الذي كما امتنع يا الرجل.
ولا يجوز يا الصعق وإن كانت الألف واللام لا تفارقانه لأنهما غير عوض عن شيء هو من (الاسم نفسه) 178 بخلاف اللّذين هما في الله فإنهما خلف عن همزة إله.
هذا حاصل كلامه.
والأكثر في نداء الله أن يقال: اللهم بتعويض الميم من يا.
وقد اجتمعا للضرورة في قول الراجز: 3437 - إنّي إذا ما حدث ألمّا... أقول يا اللهمّ يا اللهمّا 179 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 180. ثم إننا نشير إلى أمور: منها: أن الشيخ قال في قول المصنف: وقاس عليه المبرد دخول يا على ما سمي به من موصول مصدر بالألف واللام نحو: يا الذي قام لمسمّى به، وهو قياس صحيح: هذا خلاف ما نص عليه سيبويه، فإنه قال: ولو سميته الرجل منطلق جاز أن تناديه، فتقول: يا الرجل منطلق؛ لأنك سميت بشيئين كل واحد منهما اسم تام، والذي مع صلته بمنزلة اسم واحد نحو: الحارث، فلا يجوز فيه النداء كما لا يجوز فيه قبل أن يكون اسما، وأما الرجل منطلق فإنه بمنزلة تأبط شرّا؛ لأنه -

الحديث: 3437 - الجزء: 7 - الصفحة: 3559

................................  لا يتغير عن حاله لأنه قد عمل بعضه في بعض انتهى 181. ولكن الشيخ لم يتعرض إلى إجازة ابن سعدان من يا الأسد شدة ويا الخليفة جودا.
وكان مقتضى التعليل الذي ذكره سيبويه أن يمنع ذلك لأنه اسم واحد كما أن الذي مع صلته اسم واحد.
ولا شك أن مقتضى تعليل المصنف جواز المسألتين؛ لأن التقدير في الأولى: يا مقولا له الذي قام، وفي الثانية: يا مثل الأسد.
ومنها: إن المصنف أطلق على تابع أي أنه وصف وكذا فعل سيبويه 182. ومن ثمّ قال ابن عمرون: إنما توصف أي بأسماء الأجناس وإن كان اسم الجنس مشتقّا فعلى حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لكنه قال: وإذا قلت: يا أيها الرجل، فأي منادى معرفة بالإشارة والقصد و «ها» مقحمة بين أي وصفتها، والرجل عطف بيان، ومن ذكر أنه وصف فتسامح.
نص عليه ابن جني وغيره انتهى 183. وكذا قال ابن السيد: الظاهر أنه عطف بيان؛ لأنه ليس مشتقّا وما كان منه مشتقّا فيتأول بغير المشتق، وليست الصفة كذلك.
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في باب النعت 184 واتفقوا على أنه لا يكون بدلا لعدم استقلال أي بالنداء.
ومنها: أن الشيخ قال مشيرا إلى البيت الذي هو: 3438 - أيّهذان كلا زادكما............ وهذا الذي أنشده المصنف وغيره دليلا على أن أيا توصف باسم الإشارة وحده دون وصف بما فيه (ال) قد بنى عليه المصنف وابن عصفور جواز: يا أيهذا دون وصف 185 قال: وهو بيت في غاية الندور وينبغي ألّا تبنى عليه قاعدة، وأن يتأول على حذف الوصف ضرورة تقديره: أيهذان والمسموع من لسان العرب أن أيا إذا وصفت باسم الإشارة جاء بعدهما ذو «أل».
قال الفرزدق 186: -

الحديث: 3438 - الجزء: 7 - الصفحة: 3560

................................  3439 - ألا أيّهذا السّائلي عن أرومتي... أجدّك لم تعرف فتبصره الفجرا 187 وقال آخر: 3440 - ألا أيّهذا المنزل الدّارس الّذي... كأنّك لم يعهد بك الحيّ عاهد 188 قال: وقال شيخنا أبو الحسن ابن الضائع: شرط نعت أي باسم الإشارة أن يكون اسم الإشارة منعوتا بما فيه الألف واللام 189 انتهى.
ويؤيد ما ذكره الشيخ في هذه المسألة أن ابن عمرون قال: وتوصف أي أيضا بأسماء الإشارة كقولك: يا أيهذا الرجل فذا صفة أي مثل الرجل في يا أيها الرجل، ولما كان اسم الإشارة مبهما شارك أيا فجاز جريه عليه صفة.
والمراد صفة اسم الإشارة؛ لأن اسم الإشارة يوصف بما توصف به أي فقولهم: يا أيهذا الرجل كان اسم الإشارة توكيدا لأي.
قال ابن جني: أصحابنا يستضعفون وصف أي في النداء بهذا، لأنها مبهمة ومحتاجة إلى الصفة، وهذا مبهم محتاج إلى موضح فلم يكن في القياس أن ينفي الإبهام بمعرف في الإبهام [4/ 190] لكنه لما كان هذا هنا موصوفا بما فيه الألف واللام صار الاعتماد على الصفة واستهلك هذا بينهما» 190 انتهى كلام ابن عمرون.
وأنت إذا تأملت كلام ابن جني هذا علمت أنه كلام من وفق وسدد وأطلعه الله تعالى على خفايا الحكمة من اللغة العربية.
ومنها: أن ابن عمرون لما تكلم في شرح المفصل على المنادى المبهم قال: الإبهام: الإغلاق، وأمر مبهم: لا مأتى له، وسمي هذا مبهما لاحتياجه إلى ما يفسره فهو كالمغلق والمبهم نوعان، أي اسم الإشارة وغيرهما من المبهمات الموصولات، وهي على ضربين منها ما لا يفتقر إلى أي كمن يقول: يا من لا يزال محسنا أحسن إليّ، وما كان فيه اللام من الموصولات فلا بد قبله من أي كقوله -

الحديث: 3439 - الجزء: 7 - الصفحة: 3561

................................  تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا 191 وإنما اقتصروا من المبهم على أي واسم الإشارة؛ لأنه يقع وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، والدليل على أن «أيا» وصلة لزوم ها وهو حرف تنبيه قبل الرجل، وذلك كاستئناف نداء وإعلام أنه لا يجوز الاقتصار على المنادى قبله وإذا لم يجز ذلك فيه كما جاز في سائر المنادى علم أنه أتى بأي وصلة إلى نداء غيرها.
قال سيبويه: وأما الألف والهاء اللتان لحقتا أيّا توكيدا فكأنك كررت يا مرتين إذا قلت: يا أيها وصار الاسم بينهما 192. انتهى.
وقد وقع القناع عن هذه المسألة بما ذكره، وزاد الجلاء بما ذكره عن إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى.
ثم قال في شرح المفصل أيضا: وأي أشد إبهاما من أسماء الإشارة؛ لأنها لا تثنى ولا تجمع ولشدة إبهامها لزمها النعت بخلاف أسماء الإشارة، فإنها تكون وصلة تارة وأخرى غير وصلة.
فإذا لم تكن وصلة لم يلزمها الوصف، قال: وأي بلفظ واحد مع الاثنين والجميع على المختار، أما مع المؤنثة الواحدة فالمختار يا أيتها المرأة بالتاء، انتهى.
وقال الله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ 193 وقال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ 194، وكلام المصنف يعطي أن تأنيث أيّ لتأنيث صفتها واجب، وكلام ابن عمرون قد أفهم أنه مختار.
ثم قال ابن عمرون: وما روي عن ابن عامر من ضمة الهاء 195 فوجهه أن هذا الحرف قد صار في موضع من المواضع بمنزلة ما هو من ذات الكلمة حتى دخل عليه العامل كقولك: مررت بهذا الرجل، وقالوا: هلم فبنوه مع لم، فلما أجري في أول الكلمة مجرى بعض الكلمة أجري في آخر الكلمة ذلك المجرى فحذفت الألف من أيها كما حذفت من هلم، وأجري الإعراب على الهاء لأنها قد صارت كحرف من الاسم -

الجزء: 7 - الصفحة: 3562

................................  وأما حركة الياء قبلها بالضم في يا أيّه فإنها للإتباع كحركة راء امرئ.
ومنها: أنك قد عرفت أن الأخفش يدعي موصولية أي.
وقد عرفت ما ردّ به المصنف ذلك.
ثم إن الزجاج رد ذلك من وجه آخر، وهو أنها لو كانت موصولة وما بعدها صلة لزم فيها النصب لخبر من زيد.
قال: وإن أراد الأخفش أنه مثل الذي، فالصلة لا تكون بالمفردات في غير اللام، وإن جعله جملة احتاج إلى حذف مبتدأ لم يظهر قط، ولو قيل: يا أيها الرجل لكان عيّا 196 انتهى.
وفي شرح الشيخ أن في الاسم الواقع بعد أي في النداء أربعة أقوال: صفة لأي على قول البصريين، وخبر لمبتدأ مقدر على قول الأخفش، وصفة لخبر مبتدأ محذوف على قول الكوفيين، ونعت لاسم إشارة إما ملفوظ به وإما محذوف نابت «ها» منابه 197. ومنها: أنك قد عرفت أن المازني يجيز نصب صفة أي، وأن الزجاج يقول: إن أحدا من النحويين قبله لم يجز ذلك ولا تابعه أحد بعده، وقد علل امتناع النصب بأمرين: أحدهما: أن النصب إنما هو بالحمل على الموضع ولا يكون إلّا بعد تمام الكلام والنداء لم يتم بيا أيها فلم يجز الحمل على موضعها.
ثانيهما: أن المقصود بالنداء هو الرجل وإنما أتي بأي ليتوصّل بها إلى ندائه فجعلوا لفظه كلفظ المنادى المفرد؛ إذ هو في التقدير المنادى.
وقد نبه ابن الحاجب على هذين الأمرين بأخصر عبارة وألطف إشارة؛ حيث قال بعد يا أيها الرجل ويا هذا الرجل ويا أيهذا الرجل: والتزموا رفع الرجل؛ لأنه المقصود، وتوابعه؛ لأنها توابع معرب 198. وعلى هذا الذي قرره ابن الحاجب ينبني الحكم في الوصف إذا كرّر في هذه المسألة.
فإنك إن جعلته وصفا لوصف، أي فالرفع إن كان الوصف مضافا تقول: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3563

................................  يا أيها الرجل الطويل.
ويا أيها الرجل ذو الجمّة؛ لأن المتبوع الذي هو نعت أيّ معرب وليس له محل يتبع عليه، فوجب إعراب تابعه مفردا كان أو مضافا بإعرابه.
وإن جعلت الوصف الثاني صفة لأي، فإن كان مضافا فالنصب، تقول: يا أيها الرجل ذا الجمّة، والظاهر أن الموجب لذلك ما ذكر في وجوب رفع الأول، وهو أنه المقصود بالنداء، ولا شك أن المنادى المضاف واجب النصب.
لكن قال الشيخ: إن النصب فيه على الموضع، ولم يتجه لي ذلك؛ لأنه لو جاز مراعاة الموضع بالنسبة إلى الثاني لجاز مراعاته بالنسبة إلى الأول.
وإن كان الوصف مفردا فالظاهر وجوب الرفع حملا على لفظ أي.
لكن الشيخ ذكر أن النصب جائز حملا على موضع أي 199 ولم يظهر لي وجه ذلك، وكيف يكون لأيّ موضع بالنسبة إلى الوصف الثاني ولا يكون لها موضع بالنسبة إلى الوصف الأول.
إلّا أن يقال: لما تم الكلام بذكر الوصف الأول أمكن مراعاة الموضع لأن الموضوع إنما يراعى بعد تمام الكلام كما تقدم.
وفي ذلك نظر، لأن أيّا إنما أتي بها وصلة [4/ 191] لنداء ما بعدها فصورتها صورة المنادى، وليست بمناداة، وإذا لم تكن مناداة فكيف يتحقق لها موضع ثم قال الشيخ: وذكر ابن أصبع أن جواز النصب في الصفة المكررة باتفاق من النحويين.
قال: ويعني إذا كانت الصفة محمولة على أي على موضعها، وإذا كانت غير مضافة فإنها إن تنعت الصفة الأولى رفعت وصفا لها، وإن كانت مضافة نصبت 200. ومنها: أن المصنف قال مشيرا إلى أي في نحو: يا أيها الرجل: ولا يستغني عن الصفة المذكورة ولا يتبعها غيرها.
والظاهر أن هذا الذي قاله لا حاجة إليه، بل لا فائدة له، وذلك أن أيا إنما أتى بها وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام الجنسيّتان فهي لا تفرد بالنداء حتى يقال: إنها لا تستغني عن الصفة.
ثم إنها إذا لم تؤنث بهاء إلّا لأجل نداء ما فيه «أل» الجنسية وحينئذ تكون أل ما فيه صفة لها، فكيف يوصف بغيره، وما برحت أعجب من قوله في الألفية: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3564

................................  وأيّها مصحوب «ال» بعد صفة... يلزم ذا الرفع لدى ذي المعرفة وأيّهذا أيّها الّذي ورد... ووصف أي بسوى هذا يرد حيث قال بلزوم الوصف لها وإنها لا توصف بغير ذلك.
ثم قال الشيخ: ويعني المصنف بذلك من الصفات التي لم تتكرر فإن تكررت الصفة فقد ذكرنا أنها يجوز أن تكون مضافة.
قال: ولا يعني المصنف: ولا يتبعها غيرها من التوابع؛ لجواز يا أيها الرجل وزيد أقبلا 201. انتهى.
وقد يقال ما ذكر الشيخ من جواز العطف يشكل بقول المصنف في الشرح مشيرا إلى ما يخالف اسم الإشارة فيه أيّا ويخالفها بجواز استغنائه عن الوصف، ويجوز أن يتبع بغير وصف.
فإن مقتضاه أن أيّا في النداء لا يتبع إلّا بوصف.
وقد تعرض الشيخ بعيد كلامه الأول إلى هذا الذي أشرت إليه، فقال: إن قول المصنف: ويجوز أن يتبع بغير وصف دليل على أن أيّا لا يتبع إلّا بوصف.
قال: فيكون قوله: ولا يتبعها غيرها يعني من التوابع.
فتكون أي لا يعطف عليها عطف نسق ولا بيان ولا يبدل منها ولا تؤكد، ويكون اسم الإشارة يجوز فيه هذا إذا لم يكن وصلة لنداء ما فيه «ال» قال: والذي تقتضيه القواعد وإطلاق النحاة أنه يجوز ذلك في أي، أعني أن يعطف عليها عطف بيان، وعطف نسق، وتؤكد ويبدل منها كاسم الإشارة وذلك بعد وصفها بأحد أوصافها الثلاثة 202. ومنها: أن الشيخ ناقش المصنف في قوله: واسم الإشارة في وصفه بما لا يستغنى عنه كأي.
فيقال: لا يصح هذا الإطلاق، لأن أيّا توصف باسم الجنس ذي «أل» والموصول ذي «ال»، واسم الإشارة، واسم الإشارة يوصف بالأولين لا باسم الإشارة.
والجواب أن اسم الإشارة لا يوصف بمثله، ولما كان ذلك مما لا يخفى استغنى المصنف عن التقييد.
وقد أنشد الشيخ في شرحه شاهدا على جريان اسم الإشارة في النداء مجرى أي قول الشاعر: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3565

................................  3441 - يا ذا المخوّفنا بمقتل شيخه... حجر تمنّي صاحب الأحلام 203 وقول الآخر: 3442 - يا ذا المخوّفنا بقت... لـ أبيه إذلالا وحينا 204 ومنها: أن ابن عمرون قال: تقول يا هذا ذا الجمّة فيعرب التابع بدلا لأن اسم الإشارة لا يوصف بالمضاف.
قال: ومنع بعضهم أن يكون ذا الجمة عطفا.
قال: فإنه يكون بالجوامد وهذا بمعنى المشتق.
قال ابن عمرون: وليس ما شرط بلازم لأن ابن السراج قال في يا هذا الطويل: ليس بنعت ولكنه عطف عليه وهو الذي يسمى عطف البيان؛ لأن هذا وسائر المبهمات إنما يبين بالأجناس 205. ومنها: أنك قد عرفت أن الميم في قولنا: اللهم عوض عن ياء: قال ابن عمرون: والتزموا حذف حرف النداء في اللهم لوقوع الميم خلفا عنه والضمة في الهاء هي ضمة المنادى والدليل على إرادة العرب العوض أنهم لا يجمعون بين الميم وما في غير ضرورة خلافا للكوفيين فإنهم يزعمون أن الميم ليست عوضا وأصله عندهم يا الله أمنا بخير غير أنه كثر على ألسنتهم فخففوه.
قال: ولو كان الأمر كما زعموا لما حسن: اللهم أمنا بخير لأنه تكرار، ولا اللهم العن الكافر لأنه يكون تقديره: اللهم أمنا بخير العن الكافر، وهذا لا يحسن ولو كانت الميم من أمنا لما احتاج الشرط إلى جواب في قوله تعالى: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ 206؛ لأن الفعل حينئذ يكون الجواب وهو أمنا قال: واختلف في وصفه، فمنعه سيبويه 207 وأجازه الفراء والمبرد مستدلّين بقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ 208 والأصح ما ذهب إليه سيبويه لأن المنادى أشبه الضمير، والضمير لا يوصف؛ ولذا قيل: إن وصف المنادى على خلاف الدليل وانضمّ إلى ذلك في اللهم -

الحديث: 3441 - الجزء: 7 - الصفحة: 3566

[تابع المنادى وأحكامه]

قال ابن مالك: فصل (لتابع غير «أيّ» واسم الإشارة من منادى كمرفوع إن كان غير مضاف الرفع والنصب، ما لم يكن بدلا أو منسوقا عاريا من «أل»، فلهما تابعين ما لهما مناديين خلافا للمازني والكوفيين في نحو: يا زيد وعمرا.
ورفع المنسوق المقرون بـ «أل» راجح عند الخليل وسيبويه والمازنيّ ومرجوح عند أبي عمرو ويونس وعيسى والجرمي والمبرد في نحو: الحارث كالخليل، وفي نحو: الرّجل كأبي عمرو.
وإن أضيف تابع المنادى وجب نصبه مطلقا، ما لم يكن كالحسن الوجه، فله ما للحسن.
ويمنع رفع النّعت [4/ 192] في نحو: يا زيد صاحبنا خلافا لابن الأنباري، وتابع المنادى محمول على اللّفظ).
تركبه مع الحرف والحرف لا يوصف.
فلما اجتمع الوصفان في اللهم امتنع وصفه، والآية الشريفة محمولة على أن تقديره - والله أعلم - يا فاطر السموات والأرض.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 209: قد تقدم الكلام على إتباع أي واسم الإشارة فلذلك استثنيتهما الآن.
وقد تقدم أيضا أن نداء المفرد المعرفة يحدث فيه بناء على ضمة ظاهرة أو مقدرة أو على ألف أو على واو.
فهو بذلك كمرفوع؛ فلذلك قلت: الآن من منادى كمرفوع فعممت بالتابع النعت والتوكيد وعطف البيان والبدل والمعطوف عطف النسق، ثم استثنيت البدل كلّه والمنسوق العاري من أل، وبينت أن لهما في التابعية ما لهما في حال الاستقلال بالنداء فيقال فيهما: يا غلام زيد ويا بشر وعمرو.
فتبني زيدا في بدليته وعمرا في عطفه كما كنت تبنيهما لو ناديتهما.
وكذا يفعل بهما بعد المنصوب.
وإنما توخى ذلك لأنه نوى قبل كل واحد منهما حرف نداء معاد فإن العامل قد يعاد مع كل واحد منهما توكيدا دون غيرهما؛ ولذلك لما كان المعطوف المقرون بـ «أل» لا يصلح أن ينوى قبله حرف نداء أجيز فيه ما أجيز في التوكيد والنعت وعطف البيان من الرفع والنصب، فلو كان متبوع شيء منها مضافا لزم التوافق في النصب.
قال سيبويه 210: «قلت - يعني للخليل - أرأيت قول العرب: يا أخانا زيدا.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3567

................................  قال: عطفوه على هذا المنصوب فصار مثله وهو الأصل.
وقد قال قوم: يا أخانا زيد، وهو قول أهل المدينة هذا بمنزلة قولنا: يا زيد كما كان قوله: يا زيد أخانا بمنزلة يا أخانا، ويا أخانا زيدا أكثر في كلام العرب.
وأجاز المازني والكوفيون 211 إجراء المنسوق العاري من «ال» مجرى المقرون بهما فيقولون: يا زيد وعمرو، وعمرا، كما يقال بإجماع يا زيد والحارث (والحارث) وما رواه غير بعيد من الصحة إذا لم تنو إعادة حرف النداء، فإن المتكلم قد يقصد إيقاع نداء واحد على الاسمين كما يقصد تشريكهما في عامل واحد نحو: حسبت زيدا وعمرا حاضرين وكأنّ معدا وخالدا أسدان.
ويجوز عندي أن يعتبر في البدل حالان.
حال يجعل فيها كمستقل وهو الكثير كقولي في ما تقدم: يا غلام زيد، وحال يعطى فيها الرفع والنصب لشبهه فيها بالتوكيد والنعت وعطف البيان وعطف النسق المقرون بـ «ال» في عدم الصلاحية لتقدير حرف نداء قبله نحو: يا تميم الرجال والنساء وصحة هذه المسألة مرتبة على أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، وقد بينت ذلك في باب البدل بأكمل تبيين.
ولغير البدل والمنسوق العاري من «ال» إذا كان مفردا وتبع منادى كمرفوع الرفع حملا على اللفظ والنصب حملا على الموضع فيقال في النعت: يا زيد الظريف والظريف، وفي التوكيد: يا تميم أجمعون وأجمعين، وفي عطف البيان: يا غلام بشر وبشرا، وفي عطف المقرون بـ «ال» يا زيد والنضر والنضر، ورفع المقرون بـ «ال» أجود من نصبه عند الخليل وسيبويه والمازني 212، ونصبه أجود من رفعه عند أبي عمرو ويونس وعيسى بن عمر وأبي عمر الجرمي 213. وفرّق المبرد بين ما أثرت الألف واللام فيه كالرجل وبين ما لم تؤثر فيه كالحارث 214 فيرجح النصب على الرفع في نحو: الرجل لشبهه بالمضاف في تأثيره -

الجزء: 7 - الصفحة: 3568

................................  بما اتصل به، ويرجح الرفع على النصب في نحو: الحارث لشبهه بالمجرد في عدم التأثر ويجب نصب التابع المضاف، منصوبا كان متبوعه أو غير منصوب ما لم تكن إضافته لفظية مع اقترانه بالألف واللام نحو: يا زيد الحسن الوجه فيجوز فيه الرفع والنصب كما يجوز أن فيه لو لم يضف لأن إضافته في نية الانفصال؛ ولذلك لم يمنع من وجود الألف واللام.
وأجاز أبو بكر ابن الأنباري 215 أن يرفع نعت المنادى المضموم إذا كان مضافا نحو: يا زيد صاحبنا 216، وهو غير جائز لاستلزامه تفضيل فرع على أصل، وذلك أن المضاف لو كان منادى لم يكن بدّ من نصبه فلو جوز رفع نعته مضافا لزم إعطاء المضاف في التبعية تفضيلا على المضاف في الاستقلال.
قال سيبويه: قلت - يعني للخليل - أفرأيت قول العرب كلهم: 3443 - أزيد أخا ورقاء [إن كنت ثائرا... فقد عرضت أحناء حقّ فخاصم] 217 لأي شيء لم يجز فيه الرفع كما جاز في الطويل.
قال: لأن المنادى إذا وصف بالمضاف فهو بمنزلة ما إذا كان في موضعه 218، قلت: فقد تضمن قول سيبويه أن أخا ورقاء منصوب عند العرب كلهم وأنه لم يجز فيه الرفع.
وإذا نعت المنادى لم يكن بدّ من الحمل على اللفظ نحو: يا زيد الطويل الجسيم إن جعلت الجسيم نعتا للطويل تعين رفعه ولو كان مضافا، وإن جعلته نعتا لزيد جاز رفعه ونصبه لأن لزيد محلّا من الإعراب يخالف لفظه وليس للطويل محل يخالف لفظه، انتهى كلامه رحمه الله تعالى 219. وهو كلام حسن لطيف مختصر واف بالمراد، ولكن أشكل عليّ ما ذكره عن سيبويه وهو قوله: وقد قال قوم: يا أخانا زيد وهو قول أهل المدينة... ووجه الإشكال أنه قال قبل ذلك في يا أخانا زيدا: عطفوه - يعني زيدا - على هذا -

الحديث: 3443 - الجزء: 7 - الصفحة: 3569

................................  المنصوب.
فقوله بعد هذا: وقد قال قوم: يا أخانا زيد يقتضي كون زيد معطوفا.
ولا شك أن العطف المذكور إنما هو عطف بيان، والمعطوف بيانا ليس فيه إلّا الرفع والنصب إن كان متبوعه مبنيّا وليس فيه إلّا النصب إن كان متبوعه معربا، والذي يظهر في يا أخانا زيد أن زيدا بدل، لكن قد يقال: لو كان بدلا لم يحتج سيبويه إلى أن يقول فيه: وهو قول أهل المدينة؛ لأن البدل [4/ 193] في مثل ذلك جائز لا يختص بلغة قوم دون قوم.
ثم إن الشيخ قال 220: في كلام المصنف تقصير في التابع؛ لأنه قال أولا: إن كان غير مضاف [وثانيا] وإن أضيف... فأهمل ذكر التابع المطول بغير الإضافة.. وكذلك أيضا أهمل حكم تابع المنادى المضاف.
وأقول: أما قوله: إنه أهمل حكم تابع المنادى المضاف فعجيب؛ لأن المنادى المضاف معرب والمصنف إنما يتكلم في توابع المنادى المبني؛ لأن المبنى له محل فيحتاج إلى أن ينبه على أن تابعه قد يراعى في تبعيته المحل كما يراعى فيها اللفظ المعرب لا محل له فلا يخفى أن توابعه إنما تتبع على اللفظ خاصة.
لا يقال: فعلى هذا يرد عليه البدل وعطف النسق؛ لأنهما إذا كانا مفردين كانا مبنيين وإن كان متبوعهما معربا نحو: يا عبد الله بشر ويا عبد الله وبشر؛ لأنا نقول: قد أفهم قوله: فلهما تابعين ما لهما مناديين حيث أطلق التبعية ولم يقيدها بمتبوع دون متبوع؛ لأن لهما حكم الاستقلال سواء أكان متبوعهما مبنيّا أم معربا.
وأما قوله: أنه أهمل ذكر التابع المطول بغير الإضافة فلا شك أنا قد علمنا عند ذكر أقسام المنادى أن المطول حكمه حكم المضاف، وإذا كان كذلك كان في ذكر المضاف غنية عن ذكره.
وبعد أن ذكر الشيخ ما ذكره شرع في ذكر تقسيم يتضمن أقسام التوابع وتبعيتها للمنادى المبني وللمنادى المعرب، وأطال في ذلك 221، وكأنه تبع ابن عصفور في ما ذكره في شرح الإيضاح.
وقد رأيت الاكتفاء بما ذكره المصنف قائلا: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3570

................................  3444 - في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل........... والناظر إذا وقف على كلام كلّ من الرجلين تحقق ما قلته.
لكن ابن عمرون في كلامه الإشارة إلى ثلاثة أمور: الأول: أنه استدرك على النحاة لما ذكروا أن حكم المعطوف نسقا والبدل الاستقلال، فقال: ينبغي أن يزاد عليهما التوكيد اللفظي نحو: يا زيد، فإن التابع مبني كالمتبوع كما يفعل في البدل وعطف النسق إذا كانا مفردين، ثم اعتذر عنهم فقال: إنهم لم يقصدوا بالتوكيد حين ذكروا أنه يتبع لفظا ومحلّا إلا التوكيد المعنوي.
أما اللفظي فقد علم أن حكمه حكم الأول.
قال: ولو استثنى لكان أنفى للبس.
وقيل: لا يجوز التوكيد اللفظي في النداء؛ لأن النداء لا تساهل فيه إنما يجري اللفظي في الإخبار وقال: وهو باطل بقول سيبويه في يا تيم تيم عدي أنه توكيد وهو لفظي 222. الثاني: أنه نبه على العلة المقتضية أن التابع المضاف إذا كان فيه اللام حكمه حكم التابع المفرد في جواز الوجهين نحو: يا زيد الحسن الوجه، فقال: لأن الإضافة فيه كالإفراد لكونها غير محضة، ولأن اللام فيه يمنع إيلاءه حرف النداء فلا يقال فيه ما قيل في غيره من التوابع المضافة فلو حذفت من الحسن وناديت فقلت: يا حسن الوجه لم يكن إلّا منصوبا للطول.
فالطول أوجب نصبه إذا كان منادى ولا يوجب نصبه إذا كان تابعا فمنع ندائه إذا كان باللام أوجب له حكم المفرد في الصفة.
نبه عليه سيبويه 223، انتهى كلامه.
فكأن العلة في جواز الوجهين فيه تابعا مجموع أمرين، وهما: كون إضافته غير محضة مع أنه لا يصح إيلاؤه «يا» فجرى مجرى المفرد بخلاف: يا حسن الوجه، فإنه وإن كانت إضافته غير محضة لكن يحسن إيلاؤه «يا» فلزم نصبه منادى كان أو صفة.
الثالث: أنه ذكر عن المبرد كلاما حسنا وربما يتعلق بالأمر الثاني الذي ذكرناه فقال: ذكر - يعني المبرد - في «المسائل المشروحة» من كتاب سيبويه قوله: يا زيد -

الحديث: 3444 - الجزء: 7 - الصفحة: 3571

................................  الحسن الوجه، ويا ذا الضامر العنس يعني من قول الراجز: 3445 - يا صاح يا ذا الضّامر العنس... والرّحل والأقتاب والحلس 224 قال: فزعم أنه مفرد وإن كان مضافا في اللفظ؛ لأن معناه الحسن وجهه، ولا ينصبه إلّا من جهة ما ينصب الظريف إذا قلت: يا زيد الظريف، وكذلك يا هؤلاء العشرون رجلا وليس هذا كقولك: يا زيد أخا عمرو؛ لأن هذا مضاف قبل، فإذا قلت: يا حسن الوجه فلم نصبته وهو مفرد وقد قال سيبويه: «والدليل أنه مفرد أنك لا تناديه على جهة ما تصف به» 225، ولم يتبع هذا تفسيرا يبيّن قصده.
فقلنا في إيضاح ذلك: إن تفسير قول سيبويه إنما هو أن دعاءك إياه يجعله معرفة بالإشارة ويذهب عنه تعريف الألف واللام كما فعلت في يا رجل، وإنما نصبته ولم تجعله مضموما لطوله، لا لأنه مضاف؛ لأنه معرفة بنفسه، لا بما بعده وإن كان في اللفظ مضافا.
واعلم أن الأئمة ذكروا أن المبني إنما يتبع على محله ولا يتبع على لفظه إلّا في بابين وهما باب لا النافية وباب المنادى لكن بين البابين فرق، وهو أن التابع للمبني في باب لا إذا لم ينون محكوم ببنائه، والتابع للمبني في باب المنادى محكوم بإعرابه.
قال ابن عمرون: وإنما خالف باب لا جميع المواضع؛ لأن النكرة تختص بالصفة ونفي المختص غير نفي غير المختص فلذا جعل فيه الصفة والموصوف شيئا واحدا فصار اكتفى رجل بالنسبة إلى إنسان، وليس كذلك صفة المعرفة لأنها للتوضيح فافترقا.
وأما كون تابع المنادى محكوما بإعرابه، فقد قال ابن عمرون: والحمل على لفظ المنادى من المواضع العجيبة وهي حمل المعرب على المبني في الحركة والمعرب يفتقر إلى عامل، وذا في غاية الإشكال.
قال: وقد تصدى سيبويه لسؤال الخليل - رحمهما الله تعالى - عن هذا الموضع فقال: على أي شيء هو إذا قال [4/ 194] يا زيد الطويل.
قال: هو صفة لمرفوع.
قلت: ألست قد زعمت أن هذا المرفوع في موضع نصب فلم لا يكون كقولك: لقيته أمس الأحدث قال من -

الحديث: 3445 - الجزء: 7 - الصفحة: 3572

................................  قبل أن كل اسم مفرد في النداء يكون مرفوعا أبدا، وليس كل اسم يكون في موضع أمس يكون مجرورا فلما اطرد الرفع في كل موضع في النداء صار عندهم بمنزلة ما يرتفع بالابتداء أو بالفعل فجعلوا وصفه إذا كان مفردا بمنزلته.
قلت: أرأيت قول العرب كلهم: أزيد أخا ورقاء لم يجز فيه إلّا الرفع كما جاز في الطويل.
قال: لأن المنادى إذا وصف بالمضاف فهو بمنزلته إذا كان في موضعه 226 انتهى كلام هذين الإمامين.
ولله در القائل: لأمر ما يسوّد من يسود 227. ثم قال ابن عمرون: ولإشكال هذا الموضع قال أبو الحسن: إن العامل في الصفة كونها صفة؛ لأن حركة المتبوع هنا ليست عن عامل فلو كان العامل في الصفة العامل في الموصوف لبقي إعراب الصفة لا عامل له لكن العامل عنده معنوي، وهو كونها صفة حتى لا يعرّى المعرب عن عامل.
قال ابن عمرون: والجواب عن ذلك ما أشار إليه الخليل إذ ضمة المنادى تشبه حركة الإعراب لاطرادها في كل منادى قال: ولكونها تشبه حركة الإعراب جاز للمضطر في الشعر تنوين ما هي فيه نحو: يا زيد.
ثم قال ابن عمرون: وإذ قد عرفت ما ذكره الخليل من أن المنادى يشبه المعرب فاعلم أنا [نزيد] على ذلك فنقول: ومعه ما يشبه العامل.
قال: وبهذه الزيادة يفارق من المبنيات ما حركته تشبه حركة الإعراب نحو: الماضي فإن حركته تشبه حركة الإعراب بدليل أن هاء السكت لا تلحقه، ولو قلت: إن قام ويقعد زيد أكرمك لم تتبع يقعد حركة ميم قام لما لم يكن معه ما يشبه العامل.
قال: ولشبه حركة المنادى بالرفع جاز إتباعها، وإن لم تكن موجودة في اللفظ وأتبع محلها دون سائر المبنيات.
ألا ترى أنك تقول: يا هذا الطويل فيتبع الطويل لفظ هذا وإن لم تظهر صحته لكنه لما أشبه المعرب جاز تقديرها كما تقدر حركة المعرب.
قال: وأما الإتباع على المحل فلا إشكال فيه؛ لأن كل مبني تابعه يحمل على موضعه من الإعراب.
انتهى.
وأما قول المصنف: وتابع نعت المنادى محمول على اللفظ، فقد تقدم الكلام -

الجزء: 7 - الصفحة: 3573

[الضمير مع تابع المنادى]

قال ابن مالك: (وإن كان مع تابع المنادى ضمير جيء به دالّا على الغيبة باعتبار الأصل، وعلى الحضور باعتبار الحال، والثّاني في نحو: يا زيد زيد، مضموم، أو مرفوع أو منصوب، والأول في نحو: يا تيم تيم عدي مضموم أو منصوب، والثّاني: منصوب لا غير).
عليه، ومثال المضاف قولك: يا زيد الطويل ذو الجمة.
وإنما كان تابع نعت المنادى محمولا على اللفظ؛ لأنه معرب والمعرب لا محل له.
وهذا كما قيل في توابع نعت أي أنها يكثر فيها الرفع؛ لأنها توابع معرب مرفوع.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 228: تقول: يا زيد نفسك ونفسه، ويا تميم كلكم، وكلهم فتجيء بضمير يشعر بالحضور الذي تحدد بالنداء، كأنك قلت: أدعوك نفسك وأناديكم كلكم.
وتجيء بضمير يشعر بالغيبة التي كانت قبل عروض النداء كأنك قلت: أدعو زيدا نفسه وأنادي تميما كلهم.
وإذا كررت منادى مفردا نحو: يا زيد زيد فلك أن تضم الثاني وأن ترفعه وأن تنصبه، فالضم على تقدير: يا زيد يا زيد، ثم حذف حرف النداء وبقي المنادى على ما كان عليه والرفع على أنه عطف بيان على اللفظ، والنصب على أنه عطف بيان على الموضع.
وأن يكون يا زيد زيد على نداءين هو رأي سيبويه، فإنه قال: وتقول: يا زيد زيد الطويل وهو قول أبي عمرو، وزعم يونس أن رؤبة كان يقول: يا زيد زيدا الطويل.
فأما قول أبي عمرو فعلى قولك: يا زيد الطويل 229، فصرح بأنه على نداءين مؤكدا أولهما بثانيهما توكيدا لفظيّا.
وأكثر النحويين يجعلون الثاني في نحو: يا زيد زيد بدلا، وذلك عندي غير صحيح؛ لأن حق البدل أن يغاير المبدل منه بوجه ما؛ إذ لا معنى لإبدال الشيء من نفسه.
ولذلك قال ابن جني بعد ذكر قراءة يعقوب كل أمة تدعى 230 بالنصب بدل -

الجزء: 7 - الصفحة: 3574

................................  من كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً 231 وجاز إبدال الثانية من الأولى لما في الثانية من الإيضاح الذي ليس في الأولى لأن جثوّها ليس فيه شيء من شرح حال الجثوّ، والثانية فيها ذكر السبب الداعي إلى جثوّها وهو دعاؤها إلى ما في كتابها فهي أشرح من الأولى.
فلذلك أفاد إبدالها منها 232. فصرح بما يقتضي أن الثاني من نحو: يا زيد يا زيد لا يكون بدلا إلا بضميم يصير به كالمغاير نحو: أن يقال: يا زيد زيد الطويل.
على أن اختيار سيبويه في يا زيد زيد الطويل مع وجدان الضميم التوكيد لا الإبدال، فإذا لم يوجد ضميم قوي راعى التوكيد ولم يعدل عنه 233 وروى قول رؤبة: 3446 - إنّى وأسطار سطرن سطرا... لقائل يا نصر نصر نصرا 234 بضم الثاني دون تنوين، وبضمه وتنوينه ونصبه 235 فالضم دون تنوين على أنه منادى ثان كما ذكرت، والضم مع التنوين على أنه عطف بيان على اللفظ، والنصب على أنه عطف بيان على الموضع.
وإذا كررت منادى مضافا وكررت المضاف إليه فلا إشكال نحو: يا تيم عدي تيم عديّ فهذا توكيد محض، وإذا كررت المضاف وحده فلك أن تضم الأول على أنه منادى مفرد وتنصب الثاني على أنه منادى مضاف مستأنف أو منصوب بإضمار «أعني».
أو على أنه توكيد، أو عطف بيان، أو بدل، ولك أن تنصب الأول على نية الإضافة إلى مثل ما أضيف [4/ 195] إليه الثاني وتجعل الثاني توكيدا، أو عطفا، أو بدلا، ولك أن تجعل الأول والثاني اسما واحدا بالتركيب كما فعل في نحو: ألا [ماء ماء] باردا وكما فعل بالموصوف والصفة في نحو: يا زيد بن عمرو وفي نحو: لا رجل ظريف فيها.
ولك أن تنوي إضافة الأول إلى [ما] بعد الثاني، وتجعل الثاني مقحما، وهو مذهب سيبويه 236. انتهى كلامه رحمه الله تعالى 237. -

الحديث: 3446 - الجزء: 7 - الصفحة: 3575

................................  ويتعلق به أمور: الأول: المنقول عن الأخفش أنه لا يجوز يا زيد نفسك ويا تميم كلكم على الخطاب معللا ذلك بأن المنادى في المثالين المذكورين اسم ظاهر وليس بموضوع للخطاب قال: فأما قول العرب يا تميم كلكم بالرفع فعلى الابتداء كأنه قال: كلكم مدعو، وإن نصب فهو على تقدير كلكم دعوت 238. ولا يخفى ضعف هذا القول، ولهذا لم يعول عليه ولم يذكره المصنف.
بل قد قال ابن عمرون: قيل رد الضمير بلفظ الخطاب أولى اعتبارا بالمعنى.
قال: فإن قيل يلزم أن يكون أنت الذي فعلت أولى من أنت الذي فعل، والأمر بخلافه.
فالجواب: أن الذي فعل جزء مستقل وأنت جزء مستقل بخلاف التأكيد فهو والمؤكد كجزء واحد.
الثاني: أن المصنف كما عرفت جعل نصرا الثاني في البيت الذي أنشده عطف بيان إذا ضم ونون.
ولا يظهر ذلك، لأن عطف البيان المقصود منه إيضاح متبوعه، ومن ثم اشترط أكثرهم أن يكون المتبوع دونه في الشهرة، ولا شك أن إعادة الأول بلفظه لا إيضاح فيها ولو جعل المصنف نصرا الثاني حال ضمه وتنوينه توكيدا لفظيّا كان أولى، بل يظهر أن جعله توكيدا يتعيّن، والمخالفة بينهما بالتنوين وعدمه لا يمنع كما أن مخالفة الصيغة في قوله تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً 239 لم تمنع كون «أمهل» توكيدا «لمهّل».
الثالث: أن الشيخ ذكر أن على المصنف تعقبات وذلك في قوله في الشرح: وإذا ذكرت منادى مضافا إلى قوله وهو مذهب سيبويه، وذكر أن التعقبات في المتن، والشرح قال: التعقب الأول: أنه مثل في المتن باسمين علمين وهو قوله: يا تيم تيم عدي، فتيم اسم علم لكنه عرض فيه الاشتراك فحسن فيه الإضافة وهو قطعة من بيت للعرب وهو: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3576

................................  3447 - يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم... لا يلفينّكم في سوءة عمر 240 وقال آخر: 3448 - يا زيد زيد اليعملات الذّبّل... تطاول اللّيل عليك فأنزل 241 وقال في الشرح: وإذا كررت المضاف وحده، وقبله: وإذا كررت منادى مضافا فاقتضى ذلك أن يكون المكرر منادى مضافا وهو أعم من أن يكونا علمين وغير علمين.
وهذا إذا لم يكونا علمين فيه خلاف ولا يخلو أن يكونا اسمي جنس، أو صفة.
فإن كانا اسمي جنس نحو: يا رجل رجل القوم، ويا رجل رجلنا فاختلفوا في جواز نصب الأول.
فأجازه البصريون، ومنعه الكوفيون.
ولم يختلف الجميع في جواز ضمه، وإن كانا صفتين نحو: يا صاحب صاحب زيد، ويا صاحب صاحبنا فاختلفوا في كيفية نصب الأول.
فذهب البصريون إلى أنه ينصب بغير تنوين كحاله إذا كانا علمين.
وذهب الكوفيون إلى أنه لا ينصب إلا منونا فتقول: يا صاحبا صاحب زيد، ولم يختلف الجميع في جواز ضمه من غير تنوين.
وفي بعض مسائل العلمين خلاف أيضا وذلك مسطور في مسألة: يا زيد زيدنا، فذهب سيبويه وعامة النحويين إلى جواز رفع الأول وأحال ذلك الكسائي والفراء 242، ولا خلاف في جواز الرفع والنصب في الاسم الأول من قولك: يا زيد زيد عمرو.
التعقب الثاني: أنه لما ذكر أن الأول مضموم أو منصوب لم يذكر أيهما أولى.
قال: والضم هو الوجه، والأكثر في كلامهم.
التعقب الثالث: وهو أنه ذكر في إعراب الاسم الثاني إذا ضم الأول وجوها.
أحدها: التأكيد.
قال: ولم يذكره أصحابنا.
ولا يخلو أن يكون أراد التأكيد -

الحديث: 3447 - الجزء: 7 - الصفحة: 3577

................................  المعنوي أو اللفظي، ولا يجوز أن يكون تأكيدا البتة، لأنه إن أراد المعنوي فليس تكرار الأول مضافا من ألفاظ التأكيد المعنوي؛ لأنه يكون بألفاظ محصورة ليس هذا منها، وإن أراد اللفظي فلا يصح لاختلاف جهتي التعريف؛ لأن الأول معرف إما بالعلمية أو بالنداء، والثاني معرفة بالإضافة، لأنه لم يضف حتى سلب تعريف العلمية وخلفها تعريف الإضافة، فلا يكون إذ ذاك توكيدا لفظيّا.
التعقب الرابع: أنه أورد في نصب الأول وجوها ثلاثة على سبيل التسويغ والتجويز وهي مذاهب للنحويين، فالذي بدأ به أولا هو مذهب المبرد 243 وهو قوله: ولك أن تنصب الأول على نية الإضافة إلى مثل ما أضيف إليه الثاني، وتجعل الثاني توكيدا، أو عطفا أو بدلا 244.. والذي ذكره ثانيا مذهب الأعلم 245 وهو أن فتحة الأول والثاني فتحة بناء لا إعراب جعلا اسما واحدا وأضيف إلى عمرو.
والذي ذكره ثالثا هو مذهب سيبويه 246 كما قال وهو أن تضيف الأول إلى ما بعد الثاني وتجعل الثاني مقحما 247. قال: وتصوير مذهب سيبويه أن المسألة أصلها: يا تيم عدى تيمه فحذف المضاف إليه من الثاني.
وهو الضمير العائد على عدي.. وأقحم تيم بين المضاف والمضاف إليه.
وقدّره بعضهم: يا تيم عدي تيم عدي فحذف عديّا الآخر وأقحم تيما بين تيم وعدي 248. انتهى كلام الشيخ.
والذي ذكره ابن عمرون يقتضي أن تصوير مذهب سيبويه (في المسألة) عند نصب الأول أن الاسم الأول مضاف إلى ما بعد الثاني، والثاني مقحم بين [4/ 196] المضاف والمضاف إليه.
قال سيبويه: لو لم يكرروا الاسم كان الأول منصوبا 249. يعني لأنه -

الجزء: 7 - الصفحة: 3578

................................  مضاف.
قال سيبويه: فلما كرروا الاسم توكيدا تركوا الأول على الذي كان يكون لو لم يكرر 250. قال ابن عمرون: فعلى قول سيبويه يكون المضاف مجرورا بالاسم الأول، والثاني مقحما بينهما وفتح ليطابق المؤكد فحركة الثاني إتباع، وحكى سيبويه عن الخليل أن قولهم: يا طلحة أقبل بفتح التاء من طلحة شبيه بيا تيم تيم عدي 251. ثم لك أن تجيب عن التعقبات التي ذكرها الشيخ.
فتقول: أما التعقب الأول: فقد نقل هو عن البصريين أن مذهبهم أنهم لا يفرقون في جواز نصب الأول بين الاسمين العلمين واسمي الجنس والصفة.
وأما كون الكوفيين يخالفون فلا يلزم المصنف التعرض إلى كل خلاف، بل له أن يذكر، وله ألّا يذكر.
وأما التعقب الثاني: وهو كونه لم يذكر الأول: فلا يرتاب في أن ذلك غير لازم.
والتعقب إنما يكون بسبب شيء ذكر وأطلق وكان حقه أن يقيّد، أو شيء قيّد وكان حقه أن يطلق ونحو ذلك من الأمور التي يظهر فيها أثر المخالفة.
وأما التعقب الثالث: وهو أنه إذا ضم الأول جاز في الثاني أن يكون تأكيدا فقد تعقبه بأن قال: إذا كان توكيدا كان توكيدا لفظيّا.
قال: وهو لا يصح لاختلاف جهتي التعريف؛ لأن الأول معرف إمّا بالعلمية وإما بالنداء، والثاني معرف بالإضافة فيقال في جوابه: لا نسلم لزوم اتحاد جهتي التعريف بين المؤكد والمؤكد.
ولئن سلمنا فالعلم بعد إضافته باق على تعريف العلمية؛ لأن إضافته ليست للتخصيص، إنما هي للتوضيح فلم تختلف الجهة، ولئن سلمنا زوال تعريف العلمية حال الإضافة وحدوث تعريف بها فلا شك أن عديّا المضاف إليه تيم علم والمضاف في رتبة المضاف إليه في التعريف فيكون تيما بعد إضافته حكمه في التعريف حكم العلم.
وحينئذ لم تختلف الجهة أيضا بين المؤكد والمؤكد في التعريف.
وقد تقدم لك أن سيبويه قال في: يا تيم تيم عدي إنه توكيد 252. وكفى بقول سيبويه قولا.
وأما التعقب الرابع: فلا أدري كيف يتوجه على المصنف؛ لأنه لم يكن في كلامه ما يقتضي أن الأوجه التي ذكرها إنما هي على سبيل التجويز منه والتسويغ، وإنما قال: ولك أن تنصب الأول.
وصرح في الوجه الثالث بأنه مذهب سيبويه، -

الجزء: 7 - الصفحة: 3579

................................  فعلم منه أن المذكور قبل مذهب لغيره.
فكيف يقال إنه إنما ذكر الأوجه على سبيل التسويغ، ثم اعلم أنه لا يخفى ضعف القول بالتركيب أعني تركيب الاسم الأول مع الثاني؛ لأن البناء خلاف الأصل، ولا ينبغي أن يدعي ما وجدت عنه مندوحة.
وأما القولان الآخران فالعمل عليهما.
لكن قد رجح مذهب سيبويه على مذهب المبرد بأن مذهب المبرد يلزم منه إيقاع الظاهر موقع المضمر وتكرير كلمتين، وليس في قول سيبويه إلّا زيادة... فكان أولى.
لكن قد يقول المبرد: لمّا لم يذكر الاسم الأول ساغ ما قلته، ولا يلزمني ما قلتم.
وقال ابن عصفور بعد أن ذكر أنّ في نحو: يا زيد زيد عمرو إذا نصب الأول الخلاف 253: «سيبويه» يقدر الأصل يا زيد عمرو زيد عمرو، ثم حذف عمرو الثاني لدلالة الأول عليه فبقي يا زيد عمرو زيد ثم قدم زيد وأقحم بين المضاف والمضاف إليه 254، وأما المبرد فيقدر الأصل: يا زيد عمرو زيد عمرو فحذف عمرو الأول لدلالة الثاني عليه 255. قال المبرد: في كلا المذهبين حذف، وفي مذهب سيبويه تقديم وإقحام فما ذهبت إليه أولى 256. قال ابن عصفور: وهذا الذي قال ليس بصحيح؛ لأن المضاف إليه إذا حذف عاد التنوين تقول: أعطيته بعض الدراهم، فإذا حذفت المضاف إليه قلت بعضا إلّا أن يكون في اللفظ كالمضاف كقوله: 3449 - إلّا علالة أو بدا... هة سابح نهد الجزاره 257 فحذف التنوين من بداهة؛ لأنه في اللفظ كالمضاف وحذف من علالة؛ لأنه المضاف حقيقة.
قال: وأيضا فإن مذهب المبرد على غير طريقة الحذف؛ لأنه لا يحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وإنما يحذف الثاني لدلالة الأول عليه.
قال: والدليل على فساد مذهبه أنه لا يخلو إما أن يقدر إلا علالة سابح، أو بداهة سابح، -

الحديث: 3449 - الجزء: 7 - الصفحة: 3580

[أحكام المنادى المضاف إلى ياء المتكلم]

قال ابن مالك: فصل: (حال المضاف إلى الياء إن أضيف إليه منادى كحاله إن أضيف إليه غيره، إلّا الأمّ والعمّ المضاف إليهما «ابن» فاستعمالهما غالبا بفتح الميم، أو كسرها دون ياء.
وربّما ثبتت أو قلبت ألفا.
وتاء «يا أبت» عوض من ياء المتكلم وكسرها أفصح من فتحها، وجعلها هاء في الخطّ والوقف جائز).
أو يقدر أو بداهته، فإن حذف سابح الأول لم يبق للضمير ما يعود عليه.
وسيبويه رحمه الله تعالى حذف الضمير من بداهة وأقحم أو بداهة بين المضاف والمضاف إليه، ومنه قول الشاعر: 3450 - يا من رأى عارضا يسر به... بين ذراعي وجبهة الأسد 258 انتهى.
ثم الثاني على مذهب المبرد إما بدل، أو عطف بيان، أو توكيد، أو منادى مستأنف.
وأما على مذهب سيبويه فقالوا: نصبه على التوكيد إذ هو مقحم وكان أصله زيده زيده مضافا إلى ضمير عمرو.
قالوا: ولا يجوز فيه البدل؛ لأن الاسم لا يتبدل منه إلّا بعد كماله ولا يكمل زيد الأول إلا بما أضيف إليه.
وكذلك عطف البيان لا يجوز لهذه العلة.
لكن قد تقدم لنا أن حركة الثاني على مذهب سيبويه إذا نصبنا الأول حركة إتباع وإذا كانت إتباعا فلا إعراب، وإذا لم تكن الحركة إعرابا فلا يجوز جعل الاسم المذكور توكيدا ولا بدلا.
وأما على مذهب البناء فمجموع الاسمين في موضع نصب لأنه منادى مضاف.
وقد ذكر ابن عمرون في المسألة مذهبين آخرين، أعني [4/ 197] إذا نصب الأول.
أحدهما: أن الاسم مضافا إلى الموجود والثاني مضاف إلى محذوف.
ثانيهما: أن فتح الأول إتباع للثاني نظير يا زيد بن عمرو، ثم إنه لم يرتضهما.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 259: قد تقدم في باب الإضافة تبيين حال المضاف -

الحديث: 3450 - الجزء: 7 - الصفحة: 3581

................................  إلى الياء إذا كان منادى ببسط واستيفاء، فأغنى ذلك عن التكلم فيه الآن، وتكلم في المنادى المضاف إلى مضاف إلى الياء، فبين أن المضاف إليها مع إضافة منادى إليه كالمضاف إليها مع إضافة غير منادى إليه. واستثنى أم وعم مضافا إليهما فيقال: يا ابن أخي ويا ابن خالي، كما يقال: هذا ابن أخي وذاك ابن خالي. وللياء في الحالين السكون والفتح باستحسان. ومن فتح ما قبلها مبدلة ألفا ومحذوفة بشذوذ ما نسب إليها في باب الإضافة.. وإذا كان المضاف إلى الياء أما أو عما حذفت وأبقى كسر ما قبلها أو فتح وهما لغتان فصيحتان. ومنه قوله تعالى: قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي 260 وقالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي 261 قرأهما بالفتح نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص 262، وقرأهما بالكسر ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي 263. والأصل حذف حرفي اللين، وربما ثبتتا. فمن ثبوت الياء قول الشاعر: 3451 - يا ابن أمّي ولو شهدتك إذ تد... عو تميما وأنت غير مجاب لشددت من ورائك حتّى... تبلغ الرّحب أو تبزّ ثيابي 264 ومثله: 3452 - يا ابن أمّي ويا شقيّق نفسي... أنت خلّيتني لدهر شديد 265 ومن ثبوت الألف قول الآخر: 3453 - كن لي لا عليّ يا ابن عمّا... ندم عزيزين ونكفّ الذّمّا 266

الحديث: 3451 - الجزء: 7 - الصفحة: 3582

................................  وقالوا في يا أبي ويا أمي ويا أبت ويا أمّت، ويا أبت ويا أمت فجعلوا التاء عوضا من الياء ولذلك لم يجتمعا إلّا في الضرورة كقول الشاعر: 3454 - فيا أبتا لا تزل عندنا... فإنّا نخاف بأن تخترم 267 ومثله: 3455 - أيا أبتي لا زلت فينا فإنّما... لنا أمل في العيش ما كنت عائشا 268 قال أبو الفتح في المحتسب: «قرأ أبو جعفر»: «يا حسرتاي»، فجمع بين العوض والمعوض منه؛ لأن الألف عوض من ياء المتكلم، وجعل من ذلك يا أبتا؛ لأن التاء عوض من تاء المتكلم 269 قلت: وقالوا في أبا المقصور يا أبات، ومنه قول الشاعر: 3456 - تقول ابنتي لمّا رأتني شاحبا... كأنّك فينا يا أبات غريب 270 ولو لم يعوض لقال: يا أباي كما يقال: يا فتاي.
وكتابة هذه التاء تاء أولى من كتابتها هاء؛ ولذلك لم تكتب في المصحف الشريف إلا تاء.
وبمراعاة رسم المصحف قرأ نافع وأبو عمرو والكوفيون فوقفوا عليها تاء 271، ووقف ابن كثير وابن عامر بإبدالها هاء 272، وكلا الوجهين صحيح فصيح.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 273. وقوله: وللياء في الحالين كأنه يريد بالحالين حال النداء وحال غير النداء.
ويعني بالياء يا خالي ويا أخي فإنه ذكر ذلك بعد تمثيله بقوله: يا ابن أخي ويا ابن خالي.. ولا شك في جواز السكون والفتح، إلا أنني لم يتجه لي قوله بعد ذلك، ومن فتح ما قبلها مبدلة ألفا ومحذوفة بشذوذ ما نسب إليها في باب الإضافة.
فإن هذين الأمرين إنما هما جائزان في المضاف إلى الياء إذا كان هو المنادى، أما إذا كان -

الحديث: 3454 - الجزء: 7 - الصفحة: 3583

................................  المضاف إلى الياء ليس منادى وإنما المنادى مضاف إليه فلا يجوز فيه ذلك.
وقد قال هو إن المضاف إلى الياء مع إضافة منادى إليه كالمضاف إليها مع إضافة غير منادى إليه ولا شك أنه إذا كان المضاف إلى المضاف إلى الياء غير منادى يتعين ثبوت الياء، إما ساكنة أو مفتوحة؛ ولا يجوز فيها غير ذلك.
على أنني مغالط خاطري في هذا الذي فهمته من كلام المصنف.
وأقول: قد يكون مراده غير ما فهمته.
وحاصل الأمر أن المناقشة التي ذكرتها إنما هي مبنية على ما تصورت أن عبارته تعطيه.
وقد يكون الأمر بخلاف ما فهمت.
وقد قال ابن عمرون: وقيل إن بعض النحاة جوز حذف الياء من يا ابن أخي وليس بمعروف، وصرح ابن عصفور فقال: يا ابن أخي ويا صاحب غلامي هذا هو الحكم في هذا، ولم يخرج عنه إلّا لفظان وهما: يا ابن أم، ويا ابن عم 274. انتهى.
ثم إن الأم والعم المضاف إليهما مستثنيان من هذا الأصل، أعني إثبات الياء المضاف هما إليها.
ففي يا ابن أم ويا ابن عم تحذف ويبقى كسر ما قبلها أو بفتح وهما لغتان فصيحتان كما قال المصنف، وقرئ بهما في القراءات المتواترة.
والأصل: يا ابن أمي ويا ابن أما بإبدال الياء ألفا، لكن التزم غالبا لكثرة الاستعمال حذف الياء والألف وربما تثبتان.
وقد تقدم الاستشهاد على ذلك.
قال ابن عمرون: وقالوا: يا ابن أمي ويا ابن عمي بإثبات الياء؛ لأنها لم تحل محل التنوين من المنادى؛ لأن الذي اتصلت به الياء ليس بمنادى.
قال: وقالوا يا ابن أم ويا ابن عم ووجهه أنه حذف الياء تخفيفا وحذف الياء مختص بيا ابن أم وي ابن عم؛ لأنهما كثر استعمالهما فتنزلا منزلة الكلمة الواحدة فجاز حذف الياء تشبيها بيا غلام.
وقد قالوا: يا ابن أم ويا ابن عم جعلوا المضاف والمضاف إليه اسما واحدا بمنزلة خمسة عشر فبنوهما على الفتح.
أما الأول فلأنه تنزل صدر الكلمة من عجزها، والثاني لأنه تتضمن معنى لام الإضافة.. وقيل إن فتح الثاني [4/ 198] للإتباع كقولهم: يا زيد بن عمرو.
انتهى.
وقول المصنف: إن الأصل في يا ابن أم ويا ابن عم بالفتح يا ابن أما ويا ابن عما -

الجزء: 7 - الصفحة: 3584

................................  بإبدال الياء ألفا ثم حذفت الألف وبقيت الفتحة أحسن من قول ابن عمرون أنهما بنيا على الفتح فيتعين الوقوف عنده.
لكن كلام ابن عصفور يوافق كلام ابن عمرون.
فإنه قال: تقول: يا ابن أمّ - يعني بالكسر - كما تقول: يا غلام ويا ابن أمّ يعني بالفتح كما تقول: بعل بك 275 قال: وهذا لما كثر في كلامهم وصار يا ابن أم شيئا يعرف به هذا المسمى صار كالشيء الواحد حذفوا ياءه تارة وخففوه أخرى بقلبها ألفا وبقلب الكسرة فتحة، فجعلوا الاسمين بمنزلة بعل بك وسلبوا كل واحد منهما معناه فبنوه على الفتح وفتحوا آخر الاسم الأول.
قال: وهذا وجه يا ابن أم، لا ما يقول الأخفش في يا غلام من حذف الألف فإنا لا نجيزه 276. ثم قال: وإذا قلت: يا ابن أمّ - يعني بالكسر - فتحتمل هذه الإضافة معنيين.
أحدهما: أنك أردت إضافة الأم إليك لا إضافة الابن، والثاني: أن تريد إضافة الابن إليك فأضفت الأم لأنها صارت آخر الاسم، فإذا قلت: يا ابن أم على هذا المعنى فكأنك قلت: يا ابن الأم الذي هو لي كما تقول: هذا حب رماني أي حب (الأصول التي هي لي.
فهما معنيان متباينان فتفهّمهما) 277. انتهى.
وقد قيل: إن التركيب في يا ابن أم والبناء على الفتح هو قول سيبويه 278. وينبغي أن يعلم أنهم ذكروا أن ابنة وبنتا حكمهما في ما ذكر حكم ابن فيقال: يا ابنة عمّ ويا بنت عمّ بالكسر، والفتح.
ولم يذكروا شاهدا على ذلك.
ولكن قد قال أبو النجم: 3457 - يا ابنة عمّا لا تلومي واهجعي 279... [وانمي كما ينمي خضاب الأشجع] فقد يستأنس به لما ذكروه ثم لا يتوهم من قول المصنف: وقد قالوا في يا أبي ويا أمي: يا أبت ويا أمت، ويا أبت ويا أمت، فجعلوا التاء عوضا من الياء - أن -

الحديث: 3457 - الجزء: 7 - الصفحة: 3585

................................  نداء هاتين الكلمتين إنما يكون بحذف الياء والتعويض عنها بالتاء، بل يا أبي ويا أمي يجوز فيهما من الأوجه ما جاز في يا غلامي من الأوجه المتقدم ذكرها في باب الإضافة 280 ومع جواز الأوجه المذكورة يجوز فيها ما أشار إليه، وهو التعويض عن الياء بتاء مكسورة أو مفتوحة.
وفي شرح المفصل لابن عمرون: ويجوز يا أبت ويا أمت بضم التاء على التشبيه بتاء طلحة غير مرخم.
وقد ذكر المصنف أن التاء قد تجامع الألف والياء في الضرورة مستشهدا على ذلك بما تقدم.
فعلى هذا يكون في الياء يا أبي ويا أمي أربعة أوجه غير الأوجه التي تقدمت الإشارة إليها في باب الإضافة وهي ستة.
إذا عرف هذا فاعلم أن ابن عمرون قال: قولهم (يا أبت) التاء للمبالغة في معنى الأبوة و (يا أمت) الأم مؤنثة، والتاء فيهما تاء تأنيث عوضت عن الياء الياء كونها للتأنيث فلأنهم يبدلونها هاء في الوقف، وأما كونها عوضا عن الياء.
فلأنه لا يجمع بينهما، وقال الكوفيون: ليست عوضا من الياء.
ولو كان كما زعموا لكانت التاء حشوا، وإذا كانت تاء التأنيث حشوا لا تقلب في الوقف هاء.
قال سيبويه: إنما يلتزمون هذه الهاء في النداء إذا أضفت إلى نفسك خاصة كأنهم جعلوها عوضا من حذف الياء.
وأرادوا أن لا يخلّوا بالاسم حين اجتمع فيه حذف الياء وأنهم لا يكادوا يقولون: يا أباه ويا أماه، وهي قليلة فكأن [أبت] اسم لمؤنث يقع على المذكر لأنهما والدان كما تقع العين للمؤنث والمذكر لأنهما شخصان.
وكأنهم إنما قالوا أبوان لأنهم جمعوا بين أب وأبت إلا أن أبت لا يكون مستعملا إلا في النداء إذا عنيت المذكر واستغنوا بالأم 281. ولا يجوز دخول الهاء في عم لأن له مؤنثا من لفظه، فإذا وصلت يا أبت بما بعده جاز كسر التاء وهو المختار؛ لأن الكسرة من الياء فبينها وبين الياء المحذوفة مناسبة فكانت أولى.
وقيل: الكسرة التي قبل الياء تقلب إلى التاء؛ لأن ما قبلها لا يكون إلّا مفتوحا فحوّلوا الكسرة إلى التاء ويا أبتا ويا أمتا بألف بعد التاء فيه جمع بين عوضين وهو أسهل من الجمع بين العوض والمعوض منه.
وجاز أيضا فتح التاء وفيه وجهان.
أحدهما: أنه حذف الألف تخفيفا من يا أبتا، -

الجزء: 7 - الصفحة: 3586

[المنادى غير المصرح باسمه]

قال ابن مالك: فصل (يقال للمنادى غير المصرّح باسمه في التّذكير يا «هن» ويا «هنان» ويا «هنون»، وفي التأنيث يا هنت ويا هنتان ويا هنات.
وقد يلي أواخرهن ما يلي آخر المندوب، ومنه يا هناه بالكسر والضمّ، وليست الهاء من اللّام خلافا لأكثر البصريين).
ثانيهما: أن يكون شبّه هذه الهاء بهاء طلحة فحذفها للترخيم، ثم ردها، وحركها بالفتح كما فعل في يا طلحة إذا فتحت [تاؤها] وقيل: فتحت لأن ياء الإضافة تفتح في [إحدى] اللغتين ولما كانت عوضا منها أعطيت حركتها.
وقالوا: يا أم شبه التاء كما ذكرنا بتاء طلحة لما رآها متحركة فحذفها للترخيم وإن كانت عوضا من المضاف إليه، وهي في موضع خفض والمضاف لا يرخم ولا يجوز في غير الأم.
نصّ عليه سيبويه 282. وجوز السيرافي ذلك في ياء أب كالأم وهو خلاف نص سيبويه 283. انتهى كلام ابن عمرون رحمه الله تعالى.
قال الشيخ: واقتصار المصنف على يا أبت ليس بجيد؛ إذ يا أمت مثله 284 [ولم يذكره]، وهذا عجب من الشيخ: فإن المصنف قد قال في الشرح، وقالوا في يا أبي ويا أمي: يا أبت ويا أمت وغاية الأمر أنه لم يذكر إحدى الكلمتين في المتن اكتفاء بذكره لها في الشرح.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 285: قال أبو حاتم 286: تقول في نداء المذكر: يا هن، ويا هنان، ويا هنون، وفي نداء المؤنث: يا هنت، ويا هنتان بسكون ما قبل التاء ويا هنات.
ومن العرب من يقول: يا هناه ويا هنانيه ويا هنوناه ويا هنتاه ويا هنتانيه، ويا هنانوه، وفي المضاف إلى الياء: يا هن ويا هني ويا هنت [4/ 199] ويا هنتي.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3587

................................  هذا حاصل كلام أبي حاتم الذي عزاه له أبو علي القالي في الأمالي 287 وإلى قول بعض العرب: يا هناه إلى هنانوه أشرت بقولي: وقد يلي أواخرهن ما يلي آخر المندوب، ثم قلت: ومنه يا هناه بالكسر والضم، والأصل السكون لأنها هاء السكت لكنها أجري بالوصل بها وبأشباهها مجرى الوقف في الثبوت، فحركت لسكونها في الأصل وسكون ما قبلها.
فمن حرّكها بالضم شبّهها بهاء الضمير، ومن حركها بالكسر فعلى أصل الساكنين.
وفي كسرها حجة بينة على أنها هاء سكت لا بدل من لام الكلمة.
واستدل ابن السراج على زعم أنها بدل من اللّام بأن العرب لم تقل في تثنيته إلا يا هنان، ولو كانت بدلا لقيل: يا هنا هان 288 وفي هذا الاستدلال ضعف لأن العرب قد تستغني في ما فيه لغتان بتثنية أخصر اللفظين كقولهم في تثنية سواء سيان.
وإنما الاستدلال القويّ على أن الهاء ليست بدلا من اللام بل هاء سكت بأن جوز كسرها كما جوز الكسر في غيرها من هاءات السكت المسبوقة بألف كقول الراجز: 3458 - يا ربّ يا ربّاه إيّاك أسل... غفرا يا ربّاه من قبل الأجل 289 روي بكسر الهاء وضمها.
وقال الفراء: يقال: يا حسرتاه بكسر الهاء وضمها، والكسر أكثر 290 انتهى.
قال الشيخ في قوله 291: وليست الهاء بدلا من اللام خلافا لأكثر البصريين: المذاهب في هذه الهاء خمسة.
أحدها: أنها أصل وأن مادة الكلمة (هـ ن هـ) فتكون الكلمة مما اتفقت فيه الفاء واللام فيكون من باب سلس قال: وهذا مذهب أبي زيد.
ثانيها: أن الهاء بدل من واو إذ معنى يا هن ويا هناه واحد ومادة (هـ ن و) موجودة ومادة (هـ ن هـ) بهذا المعنى مفقودة، فتكون اللام على هذا مما تعاور عليها الهاء والواو كسنة؛ قالوا في التصغير سنيّة وسنيهة، وقالوا: سانيت وسانهت.
وثالثها: أن الهاء بدل من همزة، والهمزة بدل من واو.
فالهاء بدل بدل، فلام الكلمة واو لقولهم: هنوات فبنوه على فعال فصار هناوا فجاءت واو متطرفة بعد ألف -

الحديث: 3458 - الجزء: 7 - الصفحة: 3588

................................  زائدة فأبدلت همزة ثم أبدلت هاء، لأنها من مخرجها، ولأنها كثيرا ما تبدل منها، وهذا مذهب أبي الفتح 292. رابعها: أن الألف والهاء زائدتان لكن في نفس البناء على حد زيادة الهمزة في أحمر فوزنه فعلاه إذ أصله هنوات تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فحذفت لالتقاء الساكنين، أو حذفت لام الكلمة أولا وزيد في بناء الكلمة الألف والهاء.
خامسها: أن تكون الهاء هاء السكت والألف قبلها الألف التي تلحق مثل يا زيدا إذا ندبت وضموا الهاء في الوصل تشبيها لها بالهاء الأصلية.
وهذا مذهب الفراء.
وهو اختيار المصنف وابن عصفور 293 وقد رد مذهب من ادعى أنها أصلية بأنه ادعى مادة لم توجد بهذا المعنى وبأنه تكون المادة من باب سلس، وهو قليل، وبأنهم حين نادوه ضموا الهاء وكسروها ولو كانت أصلا لكان الاسم مبنيّا على الضم ولم يكن فيه الكسر.
وردّ مذهب من ادعى أنها بدل من أصل وهو الواو بأنه لم يوجد إبدال الهاء من الواو، وبأنه لو كانت بدلا من واو لوجب فيها الضم ولم يجيء فيها الكسر والصحيح مذهب الفراء، وهو مذهب الأكثرين 294. ولا يقال: لو كانت هاء سكت لم تثبت في الأصل؛ لأنا نقول: الإجماع على ثبوتها وصلا في قوله تعالى: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ 28 هَلَكَ 295، ومما يقوي كون الألف شبيهة بألف الندبة، والهاء للسكت أن الذين قالوا: يا هناه قالوا في التثنية يا هنانيه، وفي الجمع: يا هنوناه، وفي المؤنث: يا هنتاه، ويا هنتانيه، ويا هنانوه فألحقوه الألف في المفتوح والياء في المكسور والواو في المضموم على حد لحاقها في الندبة وألحقوها هاء السكت، فدلت التثنية والجمع على ذلك.
وأما الضم والكسر فهو مسموع في هاء السكت مثبتة في الوصل في ما لا خلاف فيه.
فمن الجائي في الوصل قول الراجز: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3589

................................  3459 - يا مرحباه بحمار ناجيه... إذا دنا قرّبته للسانيه 296 ومن الجائي مكسورا في الوصل أيضا قول الآخر: 3459 م - يا ربّ يا ربّاه إيّاك أسل... غفرا يا ربّاه من قبل الأجل 297 روي بضم الهاء، وكسرها.
وقال الفراء: يقال: يا حسرتاه بكسر الهاء، وضمها، والكسر أكثر 298. وأما من زعم أن الهاء أصلية، أو بدل من أصل، أو بدل بدل من أصل، أو زائدة في البنية فإنه يقول في التثنية: يا هناهان، ويا هنتاهان، ويا هناهون، ويا هنتاهات.
وهذا شيء لم يسمع من العرب وإنما المسموع ما حكاه أبو حاتم 299.

الحديث: 3459 - الجزء: 7 - الصفحة: 3590

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل