تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب الحادي والأربعون باب الإضافة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الحادي والأربعون باب الإضافة

1 [تعريفها - أثرها]

[4/ 65] قال ابن مالك: (المضاف هو الاسم المجعول كجزء لما يليه خافضا له بمعنى «في» إن حسن تقديرها وحدها، وبمعنى «من» إن حسن تقديرها مع صحّة الإخبار عن الأوّل بالثّاني، وبمعنى اللّام تحقيقا أو تقديرا فيما سوى ذينك، ويزال ما في المضاف من تنوين أو نون تشبهه، وقد يزال منه تاء التّأنيث أن أمن اللّبس).
قال ناظر الجيش: قال المصنف: الاسم المجعول كجزء لما يليه يعم الموصول، والمركب تركيب مزج، والموصوف بصفة لازمة ويخرج الثلاثة تقييد المجعول بكونه خافضا فيختص المضاف بالحد، وقلت: كجزء لما يليه، ولم أقل: كجزء اسم؛ لأن ثاني جزأي الإضافة قد يكون جملة وحرفا مصدريّا، وما يلي (يعم) الاسم وإياهما فكان بالذكر أولى، ثم بنيت أن الإضافة على ثلاثة أقسام: إضافة بمعنى «في»، وإضافة بمعنى «من»، وإضافة بمعنى اللام، وقد أغفل أكثر النحويين التي بمعنى «في» وهي ثابتة في الكلام الفصيح بالنقل الصحيح كقوله تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ 2، وكقوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ 3، وكقوله تعالى: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ 4، وقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ 5، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فلا تجدون أعلم من عالم المدينة» 6، وقول العرب: شهيد الدار -

الجزء: 7 - الصفحة: 3155

................................  وقتيل كربلاء، ومنه قول الشاعر: 2863 - لهم سلف شمّ طوال رماحهم... يسيرون لا ميل الركوب ولا عزلا 7 ومثله: 2864 - مهادي النهار لجاراتهم... وباللّيل هنّ عليهم حرم 8 ومثله: 2865 - وغيث تبطّأت قريانه... بأجرد ذي ميعة منهمر مسيح الفضاء كسيد الإباء... جمّ الجراء شديد الحضر 9 ومثله: 2866 - من الحور ميسان الضّحى بختريّة... ثقال متى تنهض إلى الشر تفتر 10 ومثله: 2867 - طفلة باردة الصّيف إذا... معمعان القيظ أضحى يتقد سخنة المشتى لحاف للفتى... تحت ليل حين يغشاه الصّرد 11 ومثله: 2868 - تسائل عن قوم هجان سميدع... لدى البأس مغوار الصّباح جسور 12 ومثله: 2869 - وما كنّا عشيّة ذي طليح... لئام الروع إذا زمت إزام 13

الحديث: 2863 - الجزء: 7 - الصفحة: 3156

................................  فلا يخفى أن معنى «في» في هذه الشواهد كلها صحيح ظاهر لا غنى عن اعتباره وأن اعتبار معنى غيره ممتنع أو متوصل إليه بتكليف لا مزيد عليه فصح ما أردناه، والحمد لله، وأما الإضافة بمعنى «من» فمضبوطة، بكون المضاف بعض المضاف إليه مع صحة إطلاق اسمه عليه والإخبار به عنه كـ: ثوب خز، وخاتم فضة؛ فالثوب بعض الخز، ويصح إطلاق اسمه عليه والإخبار به عنه وكذا الخاتم بالنسبة إلى الفضة.
ومن هذا النوع إضافة الأعداد إلى المعدودات والمقادير إلى المقدرات فأما نحو: يد زيد؛ فالإضافة فيه بمعنى اللام وبمعنى «من» لامتناع الإخبار فيها بالثاني عن الأول، وإن كان الأول بعضا للثاني.
وكذا الإضافة في نحو: يوم الخميس؛ هي أيضا بمعنى اللام لا بمعنى «من» لكون الأول ليس بعضا للثاني، وإن كان الإخبار فيها بالثاني عن الأول غير ممتنع، وهذا معنى قول ابن السراج 14 رحمه الله تعالى، وهو الصحيح لا قول ابن كيسان 15 والسيرافي 16؛ فإنهما جعلا إضافة كل بعض بمعنى «من» على الإطلاق، وإذ قد انضبطت مواضع الإضافة التي بمعنى «في» ومواضع الإضافة التي بمعنى «من» فليعلم أن كل إضافة سواهما فهي بمعنى اللام، وإن لم يحسن تقدير لفظها نحو: زيد عند عمرو، وعمرو مع خالد؛ فلا يخفى أن لفظ اللام لا يحسن تقديره هنا، ومع ذلك نحكم بأن معناها مراد كما حكم بأن معنى «من» في التمييز مراد، وإن لم يحسن تقدير لفظها وأن معنى «في» في الظرف مراد، وإن لم يحسن تقدير لفظها، وقد يحسن تقدير «من» وتقدير اللام معا ويجعل الحكم للام؛ لأنها الأصل؛ فلذلك اختصت بجواز إقحامها بين المضاف والمضاف إليه في نحو: 2870 - يا بؤس للحرب الّتي... وضعت أراهط فاستراحوا 17 أراد: يا بؤس الحرب، ودخل في قولي: (ويزال ما في المضاف من تنوين) المنون لفظا كـ «غلام» والمنون تقديرا كـ «أساور» فإنك إذا قلت: أساور فضة، -

الحديث: 2870 - الجزء: 7 - الصفحة: 3157

................................  بالنصب؛ فالتنوين مقدر الثبوت وإذا قلت: أساور فضة؛ بالجر فإن التنوين الذي كان ثبوته مقدرا صار حذفه مقدرا ولذلك لا ينون في الاضطرار بخلاف الذي تنوينه مقدر الثبوت، فإنه ينون في الاضطرار، ودخل في قولي: (أو نون تشبهه) نونا المثنى والمجموع كـ «صاحبين»، و «مكرمين» ونونا الجاريين مجراهما في الإعراب كاثنين، وعشرين فإن نونيهما تحذفان للإضافة؛ لجريانهما مجرى المثنى والمجموع على حده، فيقال: أقبض اثنيك، وعشريك كما يقال: اذكر صاحبيك، ومكرميك ولا خلاف في إضافتهما إلى غير مميزهما وإنما يمتنع إضافتهما إلى مميزهما إلا في الاضطرار كقول الراجز: 2871 - كأنّ خصييه من التّدلدل... ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل 18 أو في ندور كرواية الكسائي إن بعض العرب يقول: عشرو درهم. وقد يحذف من المضاف تاء التأنيث إن لم يوقع حذفها في إلباس مذكر [4/ 66] بمؤنث كحذف تاء «ابنة»، أو مفرد بجمع كحذف تاء «تمرة» ومن شواهد ذلك قراءة بعض القراء «ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عده» 19 ومنها قول الشاعر: 2872 - إنّك أنت الحزين في أثر ال... قوم فإن تنوينهم تقم 20 ومثله: 2873 - إنّ الخليط أجدّوا البين وانجردوا... وأخلفوك عد الأمر الّذي وعدوا 21 ومثله: 2874 - ونار قبيل الصبح بادرت قدحها... حيا النار قد أو قدتها للمسافر 22 ومثله: 2875 - ألا ليت شعري هل يفطن خالد... عيادي على الهجران أم هو آيس 23

الحديث: 2871 - الجزء: 7 - الصفحة: 3158

................................  ومثله: 2876 - وأحلى من التمر الجنيّ وفيهم... بسالة نفس إن أريد بسالها 24 ومثل قول رؤبة: 2877 - هاتكته حتى انجلت أكراؤه... وانحسرت عن معرفي نكراؤه 25 فسهّل حذف التاء من هذه الأسماء أن حذفها لا يوقع في إلباس، لأنه لا يقال في العدّة: عدّ، ولا في النيّة: نيّ، ولا في العدة: عد، ولا في الحياة: حيا، ولا في العيادة: عياد، ولا في البسالة: بسال، ولا في المعرفة: معرف.
وجعل الفراء من هذا القبيل وَأَقامَ الصَّلاةَ 26، ووَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ 27 بناء على أنه لا يقال دون الإضافة في الإقامة: إقام، ولا في الغلبة: غلب 28. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
ويتعلق به أبحاث: الأول: أن التبويب إنما هو للإضافة ولم يجدها إنما ذكر حد المضاف، وقد ذكر الخضراوي لها حدّا فقال: الإضافة: ضم اسم غير موصول إلى غيره من اسم أو جملة للتعريف أو التخصيص ضمّا لا يجوز الفصل بينهما قياسا إلا بالظرف في ضرورة الشعر، قال: فـ «غير موصول» تحرز من الموصلات؛ لأنها تضم إلى صلاتها من الجمل ولا يفصل بينهما وتتعرف بها في قول الأكثر.
قال: و «للتعريف أو التخصيص» تحرز من ضم التركيب نحو: خمسة عشر، وبعلبك، وحضرموت، وما أشبهها.
قال: و «ضمّا لا يجوز الفصل بينهما» تحرز من أنا قد نضم الصفة إلى الموصوف فيتخصص الأول بها نحو: رجل عالم أو الرجل العالم، لكن قد نقول: قام زيد عند عمرو العاقل في الكلام، وجاء زيد راكبا العالم.
هذا ملخص كلام الخضراوي.
-

الحديث: 2876 - الجزء: 7 - الصفحة: 3159

................................  ولا يخفى ما في الحد الذي ذكره من القلق والطول.
وفي شرح الشيخ أن بعضهم حد الإضافة بأنها: نسبة بين اسمين تقييدية توجب لثانيهما الجر أبدا.
فـ «بين اسمين» احتراز من: قام زيد و «تقييدية» من: زيد قائم، و «توجب لثانيهما الجر» احتراز من: زيد الخياط من قولنا: زيد الخياط منطلق، و «أبدا»: احتراز من: مررت بزيد الخياط، ولا ترد الإضافة إلى الجملة؛ لأن الجملة المضاف إليها في تقدير اسم 29. ولا شك أن هذا أحسن من الحد الذي ذكره الخضراوي.
ولو قيل: الإضافة نسبة تقييدية بين شيئين: الأول منهما جار للثاني لفظا أو محلّا لكان أقرب وأخصر.
الثاني: أن الأول من المركب تركيب مزج ليس هو كالجزء مما يليه؛ إنما هو أحد جزءي المركب، فهو جزء حقيقة؛ لأنه مسلوب الدلالة حال التركيب كما أن الجزء الثاني كذلك.
والدال على المعنى المراد إنما هو المجموع.
وأما الموصوف بصفة لازمة فلا يتحقق فيه ما ذكره؛ لأنه إن أراد به أن الصفة لا تنفرد عن الموصوف وذلك نحو قولهم: أبيض يقق وأحمر قان وأسود حالك، وكقولهم: حسن يسن؛ فالذي هو كالجزء في هذا إنما هو الصفة لا الموصوف؛ لأن الصفة في مثله هي التي لا تنفك عن موصوفها، وأما الموصوف فانفكا كه عن الصفة ظاهر، وإن أراد به أن الموصوف لا ينفرد عن الصفة كان متجها، وقد مثل لذلك في باب التابع بقولهم: الشعرى العبور، لكن إن كان المعتمد في إثبات الموصوف بصفة لازمة هذا المثال، فقد نوقش فيه فقيل: إن الشعرى لا يلزمها الوصف ويدل على ذلك قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى 30، وأما الموصول، وإن كان الجزء مما يليه فليس نظير المضاف؛ لأن الموصول لم يكن له حالة ليس هو فيها كالجزء فجعل جزءا إنما هو كالجزء دائما؛ لأنه وضع كذلك والمضاف إنما يصير كالجزء حال إضافته، فإذا انفصل عن الإضافة زال عنه هذا الوصف.
وإذا كان الأمر كما قلناه فلم تدخل هذه الثلاثة تحت قوله: (كالجزء) حتى يكون قوله خافضا له مخرجا لها.
وأما قوله: أنه عدل عن أن يقول: كجزء اسم -

الجزء: 7 - الصفحة: 3160

................................  إلى قوله: كجزء لما يليه؛ لأن ثاني جزأي الإضافة قد يكون جملة وحرفا مصدريّا ففيه كلام؛ لأن الجملة المضاف إليها إنما هي في تأويل الاسم وكذا الحرف المصدري مع صلته أيضا فالإضافة في الحقيقة إنما هي إلى اسم.
فلو قال: كجزء اسم؛ لكان كافيا سديدا أيضا.
ثم إن في قوله: إن ثاني جزأي الإضافة يكون حرفا مصدريّا - مناقشة لفظية؛ لأن الحرف ليس مضافا إليه، فيقال: إنه ثاني جزأي الإضافة.
الثالث: قد علم من قول المصنف: (المضاف هو الاسم المجعول) إلى آخره أن المضاف هو الأول والمضاف إليه هو الثاني، وهذا لا شبهة فيه؛ لكن ذكر الشيخ أنهم اختلفوا في إطلاق لفظ المضاف والمضاف إليه، كما اختلفوا في المسند والمسند إليه فقيل: المضاف هو الأول والمضاف إليه الثاني، وقيل عكسه 31، قال: وجوز بعضهم أن يطلق الأمران على كلّ منهما 32. وأقول: هذا شيء لا ينبغي التشاغل به، ولا أعرف [4/ 67] كيف يعقل في نحو: زيد قائم أن زيدا هو المسند ولا في نحو: غلام زيدان: غلاما هو المضاف إليه.
ثم عرف من قول المصنف: (خافضا له) أن المضاف هو العامل في المضاف إليه الجر، وذهب الزجاج إلى أن العامل فيه معنى اللام.
قال: لأن الاسم لا يخفض، هكذا نقلوا عن الزجاج كما ذكره ابن عصفور وغيره 33. ولم أتحقق مذهبه هل العامل الحرف الذي الإضافة بمعناه؟ أو معنى الإضافة أو غير ذلك؟ لكن صرح ابن عصفور في شرح الجمل دون نسبة إلى الزجاج أو غيره بأن منهم من زعم أن الجر بالحرف المحذوف 34. والأصح أن الاسم المضاف هو العامل؛ بدليل اتصال الضمائر به، ولا تتصل الضمائر إلا بعواملها.
قيل: والقياس أن لا يعمل الاسم الجر؛ لأن الاسم إنما يعمل لشبه الفعل، والفعل لا حظ له في عمل الجر إنما يعمل رفعا ونصبا.
وأجيب عن -

الجزء: 7 - الصفحة: 3161

................................  ذلك بأن عمل الجر في الأصل إنما هو للحرف، ولكن العرب تحذف حروف الجر في مواضع 35، وفي هذا الباب لما حذف الحرف ناب الاسم المضاف منابه فعمل عمله 36. أشار إلى ذلك ابن عصفور في شرح الإيضاح.
وأقول: لا يخفى ضعف هذا الجواب.
وأما السؤال فمدفوع من أصله؛ وذلك أن العمل الذي يكون الاسم فيه محمولا على الفعل إنما هو العمل الذي يستحقه الفعل وهو الرفع والنصب؛ ففي عمل هذين يقال: الاسم إنما يعمل لشبه الفعل، وأما الجر فليس من مستحقات الفعل.
ولا شك أن الجر أحد أنواع الإعراب الثلاثة التي تكون في الاسم، فلا بد له من عامل، والفعل لا مدخل له في عمل الجر؛ فوجب أن يكون عمل الجر ناشئا إما عن حرف وإما عن اسم، فكان العمل للحرف في نحو: نظرت إلى زيد، ومررت بعمرو، ورغبت في الخير، وللاسم في نحو: غلام زيد، وضارب عمرو، وذلك أن موجب العمل الاقتضاء، فإذا اقتضى شيء شيئا وجب أن يعمل فيه؛ فالحرف اقتضى اسما يباشره ليوصل إليه معنى الفعل الذي تعلق به، والاسم الذي هو المضاف اقتضى اسما يضاف هو إليه ليتخصص به، فوجب أن يكون كل منهما عاملا في ما اقتضاه وكان العمل الجر؛ لأن الرفع والنصب اللذين هما النوعان الآخران إنما يسبقهما الفعل وما أشبهه من الأسماء والحروف.
الرابع: قد علم من كلام المصنف أن الإضافة ثلاثة أقسام: إضافة بمعنى «في».
وإضافة بمعنى «من»، وإضافة بمعنى اللام.
فليعلم أن الإضافة التي بمعنى أحد هذه الأحرف الثلاثة هي الإضافة المحضة التي هي المعنوية.
وأما الإضافة اللفظية فليست بمعنى حرف؛ لأن المقصود بها إنما هو تخفيف اللفظ، ومعنى الإضافة فيها مفقود؛ فمن أين يجيء معنى حرفها؟ وكلام المصنف في هذا الكتاب وفي بقية كتبه يوهم أن الإضافة معنوية كانت أو لفظية تقدر بحرف، وليس كذلك؛ فكان الأولى أن يقول أولا: الإضافة لفظية ومعنوية، والمعنوية إما بمعنى «في» أو «من» أو اللام؛ ليعلم -

الجزء: 7 - الصفحة: 3162

................................  منه أن اللفظية لا مدخل لها في ذلك.
الخامس: لم يذكر الجماعة الإضافة بمعنى «في»، وقد أثبتها المصنف واستدل بما تقدم ذكره بعد أن قال: قد أغفل ذلك أكثر النحويين.
قال الشيخ: لا أعلم أحدا ذهب إلى أن الإضافة بمعنى «في» غيره - يعني غير المصنف - قال: وهذه الشواهد التي ذكرها لا دليل فيها، إذ كثير مما استدل به هو من باب الصفة المشبهة فإضافته غير محضة لأنه قصد بها التخفيف وما ليس من باب الصفة قدر فيه اللام كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ 37 فإن الحذاق يقولون: إن هذا من إسناد الشيء إلى ما وقع فيه على سبيل التوسع وارتكاب المجاز 38. انتهى.
أما قوله: إنه لا يعلم أحدا ذهب إلى ذلك غير المصنف؛ فيعطي أن المصنف هو المنفرد بهذا القول، ولكن قول المصنف: قد أغفل ذلك أكثر النحويين؛ يفهم منه أن أقلهم لم يغفله بل ذكره، ثم إن ابن الحاجب ذكر المسألة في مقدمته 39 وربما اتبع في ذلك الزمخشري 40. وأما قوله: إن أكثر ما استدل به المصنف من باب الصفة المشبهة فإضافته غير محضة؛ فكلام صحيح لما عرفت من أن الإضافة اللفظية لا تقدر بحرف.
وأما قوله: وما ليس من باب الصفة قدر فيه اللام كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وأن هذا من باب إسناد الشيء إلى ما وقع فيه على سبيل التوسع وارتكاب المجاز؛ فكلام صحيح أيضا.
وقد تقدم قول المصنف في باب الظرف: (ويتوسع في الظرف المتصرف) 41، ولكن لا يلزم من هذا أنه يمنع الإضافة إلى الظرف.
بل له أن يقول: قد يتوسع في الظرف، وقد لا يتوسع بل يبقى على حاله ظرفا، فإن أضيف إليه وقد يتوسع فيه فالإضافة بمعنى اللام، وإن كان باقيا على ظرفيته دون توسع فالإضافة بمعنى «في» حينئذ.
وعلى هذا لا منافاة بين قوله هنا: إن إضافة الشيء إلى ظرفه تكون بمعنى «في» وقوله في باب الظرف: إنه قد يتوسع فيه -

الجزء: 7 - الصفحة: 3163

................................  فينتصب مفعولا به ويسند إليه ونحو ذلك. لكن من منع كون الإضافة تكون بمعنى «في» قال: إن الإضافة إلى الظرف وهو باق على الظرفية يلزم منها محذور وهو أن المنصوب [4/ 68] على الظرفية لا بد فيه من تقدير «في» فلو أضيف إليه مع بقائه على الظرفية لزم أن تكون «في» مقدرة؛ لأن الظرف شأنه ذلك، ومتى كانت «في» مقدرة لزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه بذلك الحرف المقدر، وإذا ثبت هذا انتفى أن يكون ثم إضافة بمعنى «في». انتهى ما استدلوا به. وهو كلام مقبول ظاهرا إلا أن لك أن تقول: إن «في» إنما تقدر حال كون الكلمة منصوبة على الظرف؛ لأن الظرف الصناعي هو المنصوب على تقدير «في»، ومتى لفظ بـ «في» خرجت الكلمة المجرورة بها عن أن تكون ظرفا صناعيّا، فكذا يقال: إذا جر الظرف بإضافة شيء إليه وجب لزوال نصبه خروجه عن الظرفية؛ ومتى خرج عن الظرفية امتنع تقدير «في»، وحينئذ لا يكون بين المضاف والمضاف إليه فاصل. فيبطل الاستدلال المذكور. وقال الإمام بدر الدين ابن المصنف رحمهما الله تعالى: أكثر المحققين 42 على أن الإضافة لا تعدو أن تكون بمعنى اللام أو بمعنى «من». وموهم الإضافة بمعنى «في» محمول على أنها فيه بمعنى اللام على المجاز ويدل على ذلك أمور: أحدها: أن دعوى كون الإضافة بمعنى «في» يستلزم دعوى كثرة الاشتراك في معناها وهو على خلاف الأصل فيجب اجتنابها. الثاني: أن كلّ ما ادّعي فيه أن إضافته بمعنى «في» حقيقة يصح فيه أن يكون بمعنى اللام مجازا فيجب حمله عليه لوجهين: أحدهما: أن المصير إلى المجاز خير من المصير إلى الاشتراك. والثاني: أن الإضافة لمجاز الملك والاختصاص ثابتة باتفاق كما في قوله: 2878 - إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة... [سهيل أضاعت غزلها في القرائب] 43

الحديث: 2878 - الجزء: 7 - الصفحة: 3164

................................  وقوله: 2879 - [إذا قال قدني قال بالله حلفة]... لتغني عنّي ذا إنائك أجمعا 44 والإضافة بمعنى «في» مختلف فيها والحمل على المتفق عليه أولى من الحمل على المختلف فيه.
الثالث: أن الإضافة في نحو: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ 45 إما بمعنى اللام على جعل الظرف مفعولا به على السعة، وإما بمعنى «في» على بقاء الظرفية؛ لكن الاتفاق على جعل الظرف مفعولا به على السعة كما في: صيد عليه يومان، وولد له ستون عاما، والاختلاف في جواز الإضافة بمعنى «في» فرجح الحمل على الأول دون الثاني 46. انتهى كلام بدر الدين.
وقد كان رحمه الله تعالى أجلّ وأكبر من أن يستدل على مدعاه بما ذكر.
السادس: ما ذكره المصنف ضابطا للإضافة بمعنى «في» فيه قلق.
ولو جعل الضابط لذلك كون المضاف إليه جنسا للمضاف كما جعله غيره.
وقد قال ابن الحاجب بعد ذكر الإضافة المعنوية: وهي بمعنى اللام فيما عدا جنس المضاف وظرفه أو بمعنى «من» في جنس المضاف، أو بمعنى «في» في ظرفه وهو قليل مثل: غلام زيد، وخاتم فضة، وضرب اليوم فأشار إلى المقصود بعبارة لطيفة وطريقة سهلة.
ثم قد عرفت أن المصنف جعل من التي بمعنى «من» إضافة الأعداد إلى المعدودات والمقادير إلى المقدرات؛ فقال الشيخ: هذا مذهب ابن السراج 47، قال: وذهب الفارسي إلى أنها بمعنى اللام 48. انتهى.
والظاهر ما قاله ابن السراج؛ فإن الإضافة في نحو: ثلاثة أثواب، ومائة درهم، وذراع حرير؛ إنما هي إضافة الشيء إلى جنسه؛ لأن الثلاثة والمائة والذراع يحتمل - - (3/ 359)، والمقرب (1/ 213)، والمحتسب (2/ 228).

الحديث: 2879 - الجزء: 7 - الصفحة: 3165

................................  كل منها أن يكون من جنس ما أضيف له ويحتمل أن يكون من غيره.
ثم قال الشيخ: فإن أضفت العدد إلى عدد آخر كانت الإضافة عندهما على معنى «من» نحو: ثلاثة مائة؛ لأن «مائة» بمعنى: مئين، والثلاث من المئين مئون 49، ثم قال: ومن الإضافة بمعنى اللام إضافة «كل» إلى ما بعده لا بمعنى «من» 50. قال: لأن «من» تعطي التبعيض (و) 51 كل الشيء لا يتصور أن يكون بعضا له و «كل» اسم لأجزاء الشيء 52. وقد ثبت أن إضافة الجزء إلى المتجزئ بمعنى اللام كـ: يد زيد؛ فوجب أن يكون ما هو اسم للأجزاء نحو «كل» بمعنى اللام.
السابع: ذهب ابن الصائغ إلى أن الإضافة بمعنى اللام خاصة، وتكلف في تقدير جعل الخز مستحقّا للثوب بما أنه أصله في قولنا: ثوب خز، حتى قال: إن الإضافة بمعنى اللام على كل حال، ومعنى اللام الاستحقاق على كل حال، والملك من أنواع الاستحقاق كما أن الجنسية معنى من معانيه 53. انتهى.
ولا يخفى بعد ما ادعاه مع ما فيه من تكلف التقدير ومخالفة الجمهور.
قال الشيخ: والذي أذهب إليه أن الإضافة تفيد الاختصاص، وأنها ليست على تقدير حرف مما ذكروه ولا على نيته، وأن جهات الاختصاص متعددة يبين كل جهة منها الاستعمال؛ فالإضافة في «غلام زبد» و «دار عمرو» للملك، وفي «سرج الدابة» و «حصير المسجد» للاستحقاق، وفي «شبح أخيك» لمطلق الاختصاص.
انتهى.
ولا أعلم ما الذي أوجب له مخالفة النجاة في ما قالوه مع أنه لم يستدل على ذلك بشيء على أن هذا الذي ذهب إليه من أن الإضافة ليست على تقدير حرف هو مذهب ابن درستويه نقله هو عنه 54. ومستند ابن درستويه أنه يلزم من التقدير بحرف أن يكون المضاف - في قولنا: ثوب الخز، وغلام زيد - نكرة؛ لأنهم يقدرون: ثوب من خز، وغلام لزيد، والغرض أن المضاف في هذين المثالين معرفة، -

الجزء: 7 - الصفحة: 3166

................................  فدل ذلك على أن الإضافة ليست على معناهما أي: بمعنى الحرفين اللذين هما من اللام 55. والجواب عن ذلك: أن المراد بالتقدير أن المعنى في الإضافة على ذلك إلا أن لنا حرفا مقدرا؛ إذ لو كان الحرف مقدرا مرادا كان في حكم الثابت.
وقد قلنا: إن العامل [4/ 69] في المضاف إليه هو المضاف؛ فكيف كان يصح للمضاف العمل والحرف فاصل بينه وبين ما يعمل فيه؟! وحاصل الأمر: أن المراد بقولهم: الإضافة تكون بمعنى اللام أو «من» أو «في» تفسير المعنى المقصود من الإضافة، وتفسير المعنى لا يلزم التصريح به نطقا كما في غالب المسائل.
وأما قول الكوفيين: إن الإضافة تكون بمعنى «عند» فشيء لا يعول عليه، وأما استدلالهم بقول العرب: هذه ناقة رقود الحلب، أي: عند الحلب كما قالوا؛ فالجواب عنده واضح وهو أن المراد: أنها رقود للحلب؛ فالإضافة بمعنى اللام.
وقال ابن عصفور: إن «رقود الحلب» مثل «حسن الوجه» فيكون في اللفظ للأول وفي المعنى للثاني والأصل: ناقة رقود حلبها؛ فهو من باب الصفة المشبهة، وإنما وصفت الحلب بأنه رقود لما كان الرقاد عنده فجعل رقودا مبالغة 56. الثامن: الموجب لحذف التنوين والنون من المضاف أن تمام الاسم الأول إنما حصل بتمام نسبة التقييدية بذكر الثاني؛ فصار آخر الاسم وسطا، والتنوين إنما يلحق منتهى الاسم.
واعلم أن الشيخ قال في قول المصنف: (وقد يزال منه تاء التأنيث): وهذا الذي ذكره هو قول الفراء 57، ولا يذهب أصحابنا إلى ذلك، بل حذف هذه التاء لم يكن لأجل الإضافة؛ وإنما ذلك على سبيل الترخيم الواقع في غير النداء ضرورة 58. انتهى.
وأقول: إنما يتم ما ذكره الشيخ عن المغاربة في هذه المسألة إن استعمل حذف التاء من نحو: إقامة وعدة وحياة وبسالة مثلا دون إضافة بأن يقال: إقام الصلاة واجبة، وعد الأمر حاصل، وبسال زيد معروفة، أما إن لم يرد حذف التاء إلا مع الإضافة فالظاهر بل المتعين ما قاله المصنف من أن الحذف للإضافة.

الجزء: 7 - الصفحة: 3167

[الأثر المعنوي للإضافة ومواقعه]

قال ابن مالك: (ويتخصّص بالثّاني إن كان نكرة.
ويتعرّف به إن كان معرفة ما لم يوجب تأوّله بنكرة وقوعه موقع ما لا يكون معه معرفة أو عدم قبوله تعريفا لشدّة إبهامه كـ «غير» و «مثل» و «حسب»، أو تكن إضافته غير محضة ولا شبيهة بمحضة؛ لكونه صفة مجرورها مرفوع بها في المعنى أو منصوب، وليس من هذا المصدر المضاف إلى مرفوعه أو منصوبه خلافا لابن برهان 59 ولا أفعل التّفضيل، ولا الاسم المضاف إلى الصّفة خلافا للفارسيّ 60 بل إضافة المصدر وأفعل التّفضيل محضة، وإضافة الاسم إلى الصّفة شبيهة بمحضة لا محضة، وكذا إضافة المسمّى إلى الاسم، أو الصّفة إلى الموصوف، والموصوف إلى القائم مقام الوصف، والمؤكّد إلى المؤكّد، والملغى إلى المعتبر، والمعتبر إلى الملغى).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 61: كل جزء من جزأي الإضافة مؤثر في الآخر.
فالأول مؤثر في الثاني الجر بأحد المعاني الثلاثة والثاني مؤثر في الأول نزع دليل الانفصال مع التخصيص إن كان الثاني نكرة، ومع التعريف إن كان معرفة؛ هذا إذا لم يكن المضاف إلى المعرفة واقعا موقع ما لا يكون معرفة فيجب تقدير انفصاله؛ ليكون في المعنى نكرة كقول الشاعر: 2880 - أبالموت الّذي لا بدّ أنّي... ملاق لا أباك تخوّفيني 62 وكقول العرب: رب رجل وأخيه، وكم ناقة وفصيلها، وفعل ذلك جهده وطاقته.
وقد تقدم بيان كيفية التأويل في هذه الأمثلة وأمثالها.
فصورها صور المعارف وتقدير تنكيرها واجب لوقوع كل واحد منها موقع ما لا يكون معرفة، وكذا بحكم تنكير ما أضيف إلى معرفة وهو غير قابل للتعريف للزوم إبهامه كـ «غير» -

الحديث: 2880 - الجزء: 7 - الصفحة: 3168

................................  و «مثل» و «حسب» فإنه لا فرق بين قولك: رأيته ورجلا غيره، وقولك: رأيته ورجلا آخر، وكذا لا فرق بين قولك: رأيته ورجلا مثله، وبين قولك: رأيته ورجلا آخر؛ لأن كل ما صدق وصفه بالمغايرة صدق وصفة بالمماثلة إذا كان الجنس واحدا، وكذا لا فرق بين قولك: رأيت رجلا حسبك من رجل، وبين قولك: رأيت رجلا كافيا فيما يراد من الرجال فلا يزول بإضافة هذه وأمثالها إلى المعارف من الإبهام إلا ما لا يعتد بزواله. وقد يعني بـ «غير» ومثل مغايرة خاصة ومماثلة خاصة؛ فيحكم بتعريفها وأكثر ما يكون ذلك في غير إذا وقع بين ضدين كقولك: 2881 - فليكن المغلوب غير الغالب... وليكن المسلوب غير السّالب 63 وأجاز بعض العلماء - منهم السيرافي 64 - أن يحمل على هذا قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ 65، لوقوع غَيْرِ فيه بين متضادين وليس ذلك بلازم؛ لقوله تعالى: نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ 66 فـ غَيْرَ الَّذِي مضاف إلى معرفة، وقد نعت به نكرة مع وقوعه بين ضدين فيجوز كون غَيْرِ الْمَغْضُوبِ نكرة بدلا أو نعتا ويجوز كونه نعتا مع الحكم بتنكيره؛ لأن الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لم يقصد به تعيين فهو في المعنى نكرة وإن كان لفظه لفظ معرفة كما جاز أن ينعت اللَّيْلُ ب نَسْلَخُ في قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ 67؛ لأن الليل وإن كان في صورة معرفة فهو في المعنى نكرة؛ إذ لم يقصد به ليل معين فلذلك نعت بجملة والجمل لا ينعت بها إلا النكرات. وإلى هذا الوجه أشار الفراء والزجاج ورجحه أبو علي الشلوبين 68، وزعم المبرد أن غيرا لا يتعرف أبدا 69، ومن نعت ذي الألف واللام الجنسية بالجملة قول الأعشى: 2882 - وتبرد برد رداء العرو... س رقرقت في الصّيف منه العبيرا 70

الحديث: 2881 - الجزء: 7 - الصفحة: 3169

................................  [4/ 70] لأن «رداء العروس» بمنزلة «رداء عروس».
قال سيبويه في الباب المترجم بـ «هذا باب [إجراء] الصفة فيه على الاسم في بعض المواضع أحسن): وأما «رب رجل وأخيه منطلقين» ففيها قبح حتى تقول: وأخ له، والمنطلقان مجرور؛ لأن قوله: و «أخيه» نكرة؛ لأن المعنى: وأخ له.
فإن قيل: أمضافة إلى معرفة أو نكرة؟ فإنك قائل: إلى معرفة ولكنها أجريت مجرى النكرة كما أن «مثلك» مضافة إلى معرفة وهي توصف بها النكرة وتقع مواقعها 71. هذا نص سيبويه رحمه الله تعالى.
وكذا نحكم بتنكير ما يضاف إلى معرفة إضافة غير محضة ولا شبيهة بمحضة وذلك بأن يكون المضاف صفة مجرورها مرفوع بها في المعنى نحو: رأيت رجلا حسن الخلق محمود الخلق، أو منصوب نصبا حقيقيّا نحو: رأيت رجلا مكرم زيد.
فالإضافة في هذه الأمثلة وأشباهها غير محضة ولا شبيهة بمحضة؛ لأن المضاف فيها صفة أضيفت في الأول إلى ما هو مرفوع بها في المعنى؛ فإن الأصل: رأيت رجلا حسنا خلقه محمودا خلقه، وأضيفت في الثاني إلى ما هو منصوب بها في المعنى نصبا حقيقيّا؛ فإن الأصل: رأيت رجلا مكرما زيدا أي يكرم زيدا، والنية الانفصال، فإن الموضع موضع فعل وخرج بذكر الصفة إضافة المصدر وإضافة المميز وخرج بنسبة الرفع والنصب إلى مجرورها نحو: سحق عمامة، وكرام الناس؛ فإن إضافتهما محضة؛ لأنهما لم يقعا موقع فعل ولا المجرور بهما مرفوع المحل ولا منصوبه.
ثم نبهت على أن الصحيح كون إضافة المصدر محضة، وزعم ابن برهان أن إضافته غير محضة 72؛ لأن المجرور به مرفوع المحل أو منصوبه كـ: قيام زيد وأكل الطعام؛ فالأول كـ: حسن الخلق، والثاني كـ: ضارب زيد الغد.
قلت: والذي ذهب إليه ابن برهان ضعيف من أربعة أوجه: أحدها: أن المصدر المضاف أكثر استعمالا من غير المضاف، فلو جعلت إضافته في نية الانفصال لزم جعل ما هو أقل استعمالا أصلا لما هو أكثر استعمالا وهو خلاف المعتاد.
الثاني: أن إضافة الصفة إلى مرفوعها أو منصوبها منوية الانفصال بالضمير المستتر فيها فجاز أن ينوى انفصالها باعتبار آخر والمصدر بخلاف ذلك، فتقدير انفصاله مما -

الجزء: 7 - الصفحة: 3170

................................  هو مضاف إليه لا محوج إليه ولا دليل عليه.
الثالث: أن الصفة المضافة إلى مرفوعها أو منصوبها واقعة موقع الفعل المفرد والمصدر المضاف واقع موقع حرف مصدري موصول بالفعل والموصول المشار إليه محكوم بتعريفه فليكن الواقع موقعه كذلك.
الرابع: أن المصدر المضاف إلى معرفة، ولذلك لا ينعت إلا بمعرفة فلو.
كانت غير محضة لحكم بتنكيره ونعت بنكرة، ولجاز دخول «رب» عليه وأن يجمع فيه بين الألف واللام والإضافة كما فعل في الصفة المضافة إلى معرفة نحو: يا ربّ غابطنا ورأيت الحسن الوجه.
ونبهت أيضا على أن الصحيح في إضافة «أفعل» التفضيل كونها محضة، نص على ذلك على سيبويه 73 رحمه الله تعالى.
ويدل على أن ذلك هو الصحيح أن الحامل على اعتقاد عدم التمحيض في إضافة الصفة إلى مرفوعها أو منصوبها: وقوع الأول فيها موقع الفعل ووقوع الثاني موقع مرفوع ذلك الفعل أو منصوبه، و «أفعل» التفضيل بخلاف ذلك؛ فلم يجز اعتقاد كون إضافته غير محضة، وأيضا فإن المضاف إليه «أفعل» التفضيل لا يليه مع بقاء المعنى المفاد بالإضافة إلا بالإضافة، فكان كـ: «غلام زيد» ولا خلاف في تمحض إضافة «غلام زيد»؛ فكذا إضافة «أفضل القوم» وشبهه، ولأن «أفعل» التفضيل إذا أضيف إلى معرفة لا ينعت إلا بمعرفة ولا ينعت به إلا معرفة ولا تدخل عليه «رب» ولا يجمع فيه بين الإضافة والألف واللام، ولا ينتصب على الحال إلا في نادر من القول.
ولو كانت إضافته غير محضة لكان نكرة ولم يمتنع وقوعه نعتا لنكرة ولا منعوتا بها ولا مجرورا بـ «رب» مجموعا فيه بين الألف واللام والإضافة ولا منصوبا على الحال دون استندار.
واحترزت بقولي: (دون استندار) من قول المرأة الصحابية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وما لنا أكثر أهل النّار؟» 74 وهو معرفة مؤول بنكرة من المعارف الواقعة أحوالا وقد تقدم الكلام عليها.
ونبهت أيضا على أن إضافة الاسم إلى ما هو في الأصل صفة له كـ: «مسجد الجامع» واسطة بين المحضة وغير المحضة على أصح القولين؛ لأنها إضافة يتصل ما هي فيه بما يليه إما تتميما نحو: وَلَدارُ الْآخِرَةِ 75 وإما بجعلهما منعوتا ونعتا -

الجزء: 7 - الصفحة: 3171

................................  نحو: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ 76 وكلا الاستعمالين صحيح فصيح؛ فوجب أن يكون لنوعه اعتباران: اتصال من وجه وانفصال من وجه؛ فالاتصال من قبل أن الأول غير مفصول بضمير منوي كما هو في إضافة الصفة إلى مرفوعها أو منصوبها، ولأن موقعه لا يصلح للفعل فيقدر تنكيره ولأن الذي حكم بعدم تمحض إضافته جعل سبب ذلك أن الأصل [4/ 71] إضافة الأول إلى موصوف الثاني فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وهذا إذا سلم لا يمتنع به تمحض الإضافة؛ لأن الحكم لا يتغير بحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه وقبل حذف الموصوف كان محض الإضافة ثابتا فلا يزول بعد الحذف كما لا يزول غيره من أحكام المحذوف الذي أقيم غيره مقامه.
وأما الانفصال في هذا النوع فمعتبر من قبل أن المعنى يصح به دون تكلف ما يخرج به عن الظاهر ألا ترى أن نحو: الجانب الغربي، والصلاة الأولى، والدار الآخرة، والحبة الحمقاء، مكتفى بلفظه في صحة معناه، وأن نحو: جانب الغربي، وصلاة الأولى، ودار الآخرة، وحبة الحمقاء؛ غير مكتفى بلفظه في صحة معناه، بل يحتاج فيه إلى تكلف تقدير.
بأن يقال: جانب المكان الغربي، وصلاة الساعة الأولى، ودار الحياة الآخرة، وحبة البقلة الحمقاء، مع أن بعض هذا النوع لا يحسن فيه تقدير موصوف نحو: دين القيمة؛ فإن أصله: الدين القيمة، والتاء للمبالغة فإذا قدر محذوف لزم أن يقال: دين الملة أو الشريعة؛ فيلزم تقدير ما لا يغني تقديره؛ لأن المهروب منه كان إضافة الشيء إلى نفسه وهو لازم بتقدير الملة أو الشريعة، وأيضا جعل الأول من هذا النوع منعوتا والثاني نعتا مطرد كقولهم للحنطة: الحبة السمراء، وللشونيز: الحبة السوداء، وللبطم 77: الحبة الخضراء، والإضافة غير مطردة؛ لأنها مقصورة على السماع، واعتبار المطرد أولى من اعتبار غير المطرد؛ ولذلك يجوز الإتباع في ما جازت فيه الإضافة، ولا تجوز الإضافة في ما لم تضفه العرب كالحبة السمراء والحبة السوداء والحبة الخضراء.
والحاصل: أن إضافة هذا النوع منوية الانفصال، لأصالتها بالاطراد والإغناء عن ترك الظاهر مع ذلك لا يحكم بتنكير مضافها لشبهه بما لا ينوى انفصاله في كونه غير واقع موقع فعل وكون تاليه غير مرفوع المحل ولا منصوبه.
ثم نبهت على -

الجزء: 7 - الصفحة: 3172

................................  المضافات الجارية مجرى هذا النوع في اعتبار الاتصال والانفصال.
فمنها: إضافة المسمى إلى الاسم كـ: شهر رمضان، ويوم الخميس، وذات اليمين، وذي صباح، وقوله: 2883 - إليكم ذوى آل النّبيّ تطلّعت... نوازع من قلبي ظماء وألبب 78 ومثله: 2884 - عزمت على إقامة ذي صباح... لأمر ما يسوّد من يسود 79 ومثله: 2885 - على كلّ ذي منعة سانح... يقطع ذو الهرية الخزاما 80 ومن إضافة المسمى إلى الاسم قولهم: سعيد كرز؛ فإن «سعيدا» علم و «كرز» اللقب والشخص المدلول عليه بهما واحد لكن الاسم مقدم على اللقب في الوضع فقدم عليه في اللفظ وقصد بالمقدم المسمى لتعرضه إلى ما يليق بمجرد اللفظ من نداء وإسناد فلزم أن يقصد بالثاني مجرد اللفظ لتثبت بذلك مغايرة ما حتى كأن قائل: جاء قد قال: جاء مسمى كرز، وكذا قائل: صمت شهر رمضان واعتكفت يوم الخميس، وهكذا العمل في أشباهها.
ومنها: إضافة الصفة إلى الموصوف كقول الشاعر: 2886 - إنّا محيّوك يا سلمى فحيّينا... وإن سقيت كرام النّاس فاسقينا 81 فالأصل: وإن سقيت الناس الكرام، ثم قدم الصفة وجعلها نوعا مضافا إلى الجنس، ومن هذا القبيل قولهم: سحق عمامة، وجرد قطيفة، وسمل سربال، والأصل: عمامة سحق، وقطيفة جرد، وسربال سمل ثم فعل بها ما فعل بـ «كرام الناس».
ومنها: إضافة الموصوف إلى مضاف إليه الوصف كقوله الشاعر: -

الحديث: 2883 - الجزء: 7 - الصفحة: 3173

................................  2887 - علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم... بأبيض ماضي الشّفرتين يمان 82 أي علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم؛ فحذف الصفتين المضافتين إلى ضميري المتكلم والمخاطب وجعل الموصوف خلفا عن الصفة في الإضافة ومثله: 2888 - فإنّ قريش الحقّ لم تتبع الهوى... ولن يقبلوا في الله لومة لائم 83 أراد: فإن قريشا أصحاب الحق ثم فعل كفعل الأول ومثله: 2889 - لعمري لئن كانت بخيلة زانها... جرير لقد أخزى كليبا جريرها 84 ومثله قول الأسد الطائي: 2890 - قتلت مجاشعا وأسرت عمرا... وعنترة الفوارس قد قتلت 85 ومثله قول الحطيئة 86: 2891 - إليك سعيد الخير جبت مهامها... يقابلني آل بها وتنوف 87 ومثله قول رؤبة: 2892 - يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر 88 ومثله: 2893 - يا زيد زيد اليعملات الذّبّل... تطاول اللّيل عليك فانزل 89 وكذا قولهم في «زيد» الذي سماه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «زيد الخير»: زيد الخيل 90؛ -

الحديث: 2887 - الجزء: 7 - الصفحة: 3174

................................  لأنه كان صاحب خيل كريمة.
وعلى هذه الأمثلة وشبهها نبهت بقولي: والموصوف إلى القائم مقام الصفة، ثم أشرت إلى إضافة المؤكد إلى المؤكد وأكثر ما يكون ذلك أسماء الزمان المبهمة كـ: «حينئذ ويومئذ» وقد تكون في غير أسماء الزمان كقول الشاعر: 2894 - فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنّه... سير ضيكما منها سنام وغاربه 91 أراد: كشطا عنها الجلد؛ لأن النجا هو الجلد فأضاف المؤكد إلى المؤكد كما أضيف الموصوف إلى الوصف في «المسجد الجامع» وشبهه.
ومن إضافة المؤكد إلى المؤكد في غير الزمان قول الشاعر: 2895 - لم يبق من زغب طار الشّتاء به... على قرا ظهره إلّا شماليل 92 [4/ 72] فأضاف القر إلى الظهر وهما بمعنى واحد كما فعل في «نجا الجلد».
ومثله قول الآخر: 2896 - كخشرم دبر له أزمل... أو الجمر خش بصلب جزال 93 فأضاف الخشرم إلى الدبر وكلاهما اسم للنجل.
وذكر الفارسي في التذكرة أن قولهم: لقيته يوم يوم وليلة ليلة؛ أضيف فيه الشيء إلى مثله لفظا ومعنى 94. ومن إضافة الملغى إلى المعتبر قول الشاعر: 2897 - إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر 95 ومثله: 2898 - يا عجبا لعمان الأزد إذ هلكوا... وقد رأوا عبرا في سالف الأمم 96 ومثله: -

الحديث: 2894 - الجزء: 7 - الصفحة: 3175

................................  2899 - قالت أتصرمني فقلت لقيلها... شلّت بنان يدي إذا لا أفعل 97 ومثله: 2900 - ألا ليت أيّام الصّفاء جديد... ودهرا تولّى يا بثين يعود 98 ومثله: 2901 - وتيه خبطنا غولها وارتمى بنا... أبو البعد من أرجائها المتطاوح 99 أراد: وارتمى بنا البعد، ومثله قول أمية 100 في ناقة صالح عليه الصلاة والسّلام: 2902 - فأتاها أحيمر كأخي السّه... م يزجّ فقال كوني عقيرا 101 أراد: كالسهم؛ فألغى الأخ.
ومن إلغاء المضاف والاعتداد بالمضاف إليه ما حكي من قول العرب: هذا حي زيد، وأتيتك حي فلان قائم وحي فلانة شاهد.
وسمع الأخفش أعرابيّا يقول: قالهنّ حيّ رياح 102 يعني أبياتا، ومثله قول الشاعر: 2903 - يا قرّ إنّ أباك حيّ خويلد... قد كنت خائفه على الإحماق 103 والمعنى: هذا زيد، و: إن أباك خويلد، و: قالهن رياح، ومن هذا القبيل قول الشاعر: 2904 - وحي بني كلاب قد شجرنا... بأرماح كأشطان القليب 104 قال الفارسي: من إلغاء المضاف: كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ 105 أي: كمن هو في الظلمات و: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ 106 أي: الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار.
ومن إضافة المعتبر إلى ما لا يعتبر ولا يعتد به إلا كالاعتداد -

الحديث: 2899 - الجزء: 7 - الصفحة: 3176

................................  بالحرف الزائد للتوكيد قول الشاعر، وهو ابن أبي ربيعة: 2905 - حملها حبّا لو أمسى مثله... تبيرا وبحرا به لتضعضعا 107 ومثله قول الحطيئة: 2906 - فلو بلغت عوّاء السّماء قبيلة... لزادت عليها نهشل وتعلّت 108 وله أيضا: 2907 - [لعمر] الرّاقصات بكلّ فجّ... من الرّكبان موعدها مناها 2908 - لقد شدّت حبائل آل لأي... حبالي بعد ما ضعفت قواها 109 ومثله قول الفرزدق: 2909 - وثقت إذ لاقت بلالا مطيّتي... لها بالغنى إن لم تصبها شعوبها 110 ومثله قول بعض الطائيين: 2910 - أقام ببغداد العراق وشوقه... لأهل دمشق الشّام شوق مبرّح 111 ومثله قول دبيّة السلمي وكان سادن العزى: 2911 - أعزّاي شدّي شدّة لا تكذبي... على خالد ألقي الحمار وشمّري فإنّك إن لا تقتلي اليوم خالدا... تنوئي بذلّ عاجل وتحسّر 112 ومن هذا القبيل: مررت برجل حسن وجهه، وحسن وجه، و: اضرب أيهم أساء؛ لأن «أيّا» الموصولة معرفة بصلتها كغيرها من الأسماء الموصولة فلو كان ما يضاف إليه معتدّا به لزم اجتماع معرفين على معرف واحد وهو ممنوع، وما أفضى إلى الممنوع -

الحديث: 2905 - الجزء: 7 - الصفحة: 3177

................................  ممنوع.
هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى 113، وقد تضمن الإشارة إلى أمور: أولها: تخصيص المضاف إليه أو تعريفه.
ثانيها: أن بعض المضافات إلى معرفة لا يتعرف بإضافته إليها.
ثالثها: جعله من أقسام الإضافة قسما ثالثا وهو التشبيه بالمحضة 114. رابعها: أن المضاف قد يكون ملغى فيكون المقصود المضاف إليه فقط، وقد يكون ذلك بالعكس فيكون الملغى هو المضاف إليه فقط، والمضاف هو المقصود.
وحاصل الأمر: أن يكون الذي ليس بمقصود وهو الذي لا يعتبر منهما المعبر عنه بالملغى حكمه حكم الزائد في الكلام.
أما الأول من هذه الأمور وهو أن المضاف يتخصص بالمضاف إليه أو يتعرف؛ فقال الشيخ فيه: هذا التقسيم قسمه غيره من النحويين وتقسيمهم الإضافة إلى التخصيص والتعريف ليس بصحيح؛ لأنه من جعل القسم قسيما؛ وذلك أن التعريف تخصيص فهو قسم من التخصيص لا قسيم له، والإضافة إنما تفيد التخصيص فقط لكن أقوى مراتبه التعريف 115. انتهى.
وهو كلام صحيح غير أن اللفظ المفيد لمعنيين إذا ذكر مع لفظ آخر مفيد لأحد المعنيين وجب قصر اللفظ المفيد للمعنيين على أحدهما؛ لكونه جعل قسيما يفيد معنى الآخر.
وهذا شيء كثير الاستعمال في اللغة العربية.
وليعلم أن الإضافة إنما وضعت لتخصيص أو تعريف ما شياعه أصلي، وأما ما شياعه عارض؛ فلا يزال شياعه إلا بالتابع،.
ومن ثم امتنعت إضافة المعارف؛ لأن المعرفة شياعها إنما يكون بأمر عارض فيها.
وإن اتفق إضافة شيء من الأعلام؛ فلا يضاف حتى ينكر ويوضع وضعا آخر، فإذا قيل: زيد بني فلان؛ فكأن «زيدا» وضع بإزاء رجل سمي بـ «زيد» ثم أضيف إلى «بني فلان» ليتخصص أو يتعرف؛ فعلى هذا كل اسم لا يمكن تنكيره لا يمكن إضافته نحو الأسماء المبهمة والمضمرات وما جرى مجراها.
وأما الأمر الثاني وهو أن بعض المضافات إلى معرفة لا يتعرف بإضافته إليها؛ فقد -

الجزء: 7 - الصفحة: 3178

................................  عرفت أن المصنف ذكر أن موجب ذلك ثلاثة أمور: أحدها: وقوع المضاف موقعا لا يكون للمعرفة.
ثانيها: عدم قبول المضاف التعريف لشدة إبهامه.
ثالثها: أن تكون إضافته لفظية.
ثم بأنه مثّل للأول بقولهم: 2912 - لا أباك تخوفيني وبقولهم: رب رجل وأخيه، وبقولهم: كم ناقة وفصيلها، وليس هذا منه [4/ 73] على سبيل الحصر؛ فإن ذلك يجيء في بابين آخرين غير هذه الثلاثة وهما: كل شاة وسخلتها بدرهم؛ لأن «كل» إذا دخلت على المفرد فلا بد أن يكون نكرة، فالأصل: كل شاة وسخلة لها بدرهم.
وكذا: أي فتى هيجا أنت وجارها الأصل: أي فتى هيجا أنت وجار لها؛ لأنه معطوف على «فتى» فيجب أن يكون نكرة؛ لأن «أيّا» في مثل هذا لا يضاف إلا إلى نكرة، فليس المقصود بالإضافة في هذه الأبواب الخمسة تخصيصا ولا تعريفا إنما جيء بها للتخفيف، فالنية بها الانفصال؛ لأن التقدير: لا أب لك، ورب رجل وأخ له، وكم ناقة وفصيل لها، وكل شاة وسخلة لها، وأي فتى هيجاء وجار لها.
أما إدراج المصنف في ما نحن فيه «جهده وطاقته» من قولهم: فعل ذلك جهده وطاقته؛ فغير ظاهر؛ لأن نحو «جهده وطاقته» محكوم فيه بتعريف المضاف بالإضافة إلى الضمير، وإنما قدر بنحو: جاهد ومطيق من حيث إنه حال والحال لا يكون معرفة؛ فالمضاف والمضاف إليه معا قدّرا بكلمة مفردة هي الحال فلا يتصور انفصال بين المتضايقين بخلاف «لا أباك» فإن التقدير كما تقدم: لا أب لك، وكذا «رب رجل وأخيه» التقدير: وأخ له، فالمقدر بالنكرة هو المضاف وحده؛ لوقوعه بعد «لا» في المثال الأول وبعد «رب» في المثال الثاني والمعرفة لا تقع بعدهما.
وقد قال هو في باب الحال: الحال واجب التنكير وقد يجيء معرفا بالأداة أو الإضافة 116، ومثل للإضافة بـ: فعل جهده وطاقته، وإذا كان كذلك فكيف يحكم هنا بأنه نكرة؟! ومثل للثاني - وهو عدم قبول المضاف التعريف لشدة إبهامه كما قال -

الحديث: 2912 - الجزء: 7 - الصفحة: 3179

................................  في المتن، أو لزوم إبهامه كما قال في الشرح - بـ «غير» و «مثل» و «حسب».
وعرف من كلامه أن المانع من تعريف مثل هذه الكلمات إنما هو لزوم إبهامها وبيان لزوم الإبهام في هذه الكلمات أن نحو «مثل» مثلا لم يكن واقعا على أمر معلوم الحقيقة بل هو واقع على أشياء مختلفة، فإذا قيل: مثل زيد؛ احتمل أن يكون مثله في العقل أو في الشجاعة أو في غيرهما، فمدلوله غير معلوم الحقيقة، وكذا إذا قلت: غير زيد؛ فكل شيء إلا زيدا غيره وهذا بخلاف «غلام» و «فرس» فإن كلّا منهما معلوم المدلول؛ لوقوعه على أمر معلوم ولكن فيهما شياع، فإذا أريد إزالته أزيل بالإضافة، وأما الإبهام الذي في «مثل» و «غير» وأخواتهما فليس للإضافة في إزالته أثر.
وهو الذي ذكره المصنف من أن المانع من تعريف هذه الكلمات هو لزوم إبهامها ذكر الجماعة 117 أنه مذهب ابن السراج 118 والسيرافي 119 وأن سيبويه 120 والمبرد 121 ذهبا إلى خلاف ذلك.
قال ابن أبي الربيع اختلف الناس في سبب عدم التعريف يعني في هذه الكلمات التي هي التي «غير» و «مثل» و «شبه» ما جرى مجراها.
فذهب سيبويه إلى أنها أجريت مجرى اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال فمعنى مثلك: مماثلك، ومعنى شبهك: مشبهك 122. وذهب أبو علي 123 وجماعة من أهل هذه الصناعة إلى أن سبب ذلك الإبهام الذي فيها؛ قال: وما ذهب إليه سيبويه رجع الجميع إليه في مثل قول امرئ القيس: 2913 - [وقد أغتدي والطّير في وكناتها]... بمنجرد قيد الأوابد [هيكل] 124 فإن قيل: «الأوابد» لم يتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى: مقيد، ثم قال: -

الحديث: 2913 - الجزء: 7 - الصفحة: 3180

................................  وكلاهما عندي وجه ومأخذ صحيح.
125 انتهى.
وما ذكره من أن «قيد الأوابد» بمعنى: مقيد الأوابد؛ صحيح لكن «قيد الأوابد» ليس من باب «غيرك» و «مثلك» و «شبهك»؛ لأنه ليس فيه إبهام كما في هذه.
فالمانع لتعريف «قيد الأوابد» كونه بمعنى: مقيد قطعا، وإذا كان كذلك فلم يشارك «مثلا» ولا «غيرا» في الإبهام حتى يلزم الجميع الرجوع إليه.
وأما ابن عصفور فإنه قال: وأما «غيرك» و «شبهك» و «مثلك» وأخواتها ففيه خلاف؛ زعم الأخفش أن الذي أوجب لها أن لا تتعرف أن الأسماء في أول أحوالها نكرات ثم يدخلها بعد ذلك التعريف باللام أو بالإضافة أو بالعلمية 126، و «غيرك» وأخواتها استعملت في أول أحوالها مضافات فكانت لذلك نكرات، والدليل على أنها استعملت في أول أحوالها مضافات أنه لا يجوز: مثل لك، ولا: غير لك، ولا: شبه لك وكذلك سائرها.
فأما شبهك فمعرفة وحده؛ لأنه لم يستعمل في أول أحواله مضافا بدليل أنهم يقولون: شبيه بك.
وهذا حسن جدّا.
وزعم المبرد أن الذي منع من تعريفها بالإضافة إلى المعرفة أنها بمعنى اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال 127؛ ألا ترى أن «غيرك» بمعنى: مغايرك، و «مثلك» بمعنى: مماثلك، و «شبهك» بمعنى: مشابهك؛ فكان حكمها حكمه في عدم التعرف بالإضافة؛ وأما «شبيهك» فتعرف عنده بالإضافة؛ لأن فعيلا للمبالغة فدخله لذلك معنى الذي عرف بـ «شبهك»؛ لأنه إذا كثر شبه شخص بآخر صار معروفا بذلك، فلما دخله معنى المضي تعرف بالإضافة، وهذا التعليل أيضا حسن جدّا 128. انتهى.
وتحصل من كلام المصنف وابن أبي الربيع وابن عصفور أن المذاهب في كون هذه الكلمات لم تتعرف بالإضافة ثلاثة: وهي إما لزومها الإبهام، وإما جريانها مجرى اسم الفاعل، وإما استعمالها في أول أحوالها مضافات.
ثم الكلمات المحكوم لها بهذا الحكم هي «غيرك»، و «مثلك»، و «شبهك»، و «خدنك»، و «تربك»، و «هدك»، و «حسبك»، و «شرعك»، و «كفيك» بكسر -

الجزء: 7 - الصفحة: 3181

................................  الكاف وفتحها وضمها، و «كفائك» و «ناهيك من رجل»، و «عبر الهواجر»، و «قيد الأوابد»، «وواحد أمه»، و «عبد بطنه».
وهذه التي ذكرها ابن عصفور في المقرب 129. و «خدنك وتربك» معناهما: المقارن لك في السن؛ و «ناهيك من رجل» معناه: ننهاك عن غيره لقيامه بكل ما تختاره منه، و «عبر الهواجر» من صفة الناقة التي يقطع بها، و «قيد الأوابد» من صفة الفرس وأول من قاله امرؤ القيس، ومعناه أنه لشدة جريه يصاد به الوحش كالقيد لها، وبعض هذه الكلمات في إيراده هنا [4/ 74] نظر؛ فإنه يظهر فيه أنه مؤول باسم الفاعل كـ: «قيد الأوابد»، و «عبر الهواجر»، و «ناهيك من رجل» و «واحد أمه»، و «عبد بطنه» والكلام الآن ليس في ما هو مؤول باسم الفاعل إنما هو في الكلمات الموضوعة على الإبهام.
ثم إن الشيخ ذكر كلمات أخر مضمومة إلى هذه الكلمات المذكورة وهي: «ضربك» و «نحوك» و «ندك» وجارن تسكل النحار ومجربك الكف وهمك 130، قال: ولم يستعمل من هذه الثلاث التي هي «همك وهدك وشرعك» افعل، ثم الثلاث المذكورة معناها معنى «حسبك» 131. قال: وجميعها مصادر في الأصل، ولذلك لا تثنى بتثنية الموصوف، ولا تجمع (بجمعه) 132. انتهى.
وأما «واحد أمه» و «عبد بطنه» فقال أبو علي: وقد زعموا أن بعض العرب يجعل «واحد أمه» و «عبد بطنه» نكرتين وإن كان الأكثر أن يكونا معرفتين 133. ومثل المصنف للثالث - وهو الذي إضافته لفظية أي: غير محضة - فقال: وكذا يحكم بتنكير ما يضاف إلى معرفة إضافة غير محضة ولا شبيهة بمحضة، وذلك أن يكون المضاف صفة مجرورها مرفوع بها في المعنى نحو: رأيت رجلا حسن الخلق محمود الخلق، أو منصوب نصبا حقيقيّا نحو: رأيت رجلا مكرم زيد... إلى آخر ما تقدم لنا ذكره عنه.
وحاصله: أنه يريد بذلك إضافة الصفة إلى معمولها وهي إضافة اسم الفاعل والمفعول بمعنى الحال والاستقبال والصفة المشبهة.
وإنما قيدت إضافة الصفة بكونها -

الجزء: 7 - الصفحة: 3182

................................  إلى معمولها تحرزا من الصفة المضافة إلى غير معمولها نحو: «ضارب الأمير» مريدا به: الذي يضرب للأمير، لا الذي يضرب الأمير، ومنه قول الشاعر: 2914 - ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة... فاغفر عليك سلام الله يا عمر 134 المراد: ألقيت الذي يكسب لهم، لا الذي يكسبهم.
ومن أجل هذا قيد المصنف الصفة بكون مجرورها مرفوعا بها في المعنى أو منصوبا.
فأما بهذا القيد أن الصفة التي لا تتعرف بالإضافة لا بد أن تكون مضافة إلى ما هو معمول لها.
واعلم أن غير المصنف يجعل الصفة العاملة المضافة اسم فاعل كانت أو اسم مفعول أو صفة مشبهة مضافة إلى منصوب؛ لأن اسم المفعول لا يضاف إلى معمول حتى يحول الإسناد فيجعل اسم المفعول مسندا إلى ضمير الاسم السابق وهو منعوت اسم المفعول وينصب ذلك المعمول على التشبيه بالمفعول به، ثم يضاف إليه، وكذا الأمر في الصفة المشبهة.
وهذا لا نزاع فيه، إلا أن المصنف لما لم يصرح بذكر اسم الفاعل ولا اسم المفعول ولا الصفة المشبهة، بل ذكر الصفة وأطلق قصد أن ينظم كلامه ثلاثة الأقسام فدخل تحت قوله: (مجرورها مرفوع بها في المعنى) اسم المفعول والصفة المشبة؛ لأن مجرورهما وإن كان قبل جره بها منصوبا لفظا فهو المسند إليه في الحقيقة وما كان في الحقيقة مسندا إليه كان متصور الرفع فيصدق عليه أنه مرفوع معنى، وخلص قوله بعد ذلك: (أو منصوب) لدخول اسم الفاعل، وفي الظن أنه إنما قيد نصبا بقوله: (حقيقيّا) تحرزا من اسم المفعول والصفة المشبهة؛ فإنه يصدق على مجرورهما أنه منصوب ولكنه نصب غير حقيقي.
على أنه غير محتاج للتقييد بالحقيقي؛ لأن تقدم قوله: (مرفوع بها في المعنى) يوجب أن يكون قوله بعد ذلك: (أو منصوب) مرادا به اسم الفاعل، ولكن كأنه إنما ذكر القيد المذكور تنبيها على أن النصب في البابين - أعني باب اسم المفعول وباب الصفة المشبهة - ليس بحقيقي.
وإذا اعتبرت ما فعله المصنف علمت أنه سلك مسلكا حسنا وأنه موفق معان رحمه الله تعالى، والنية في هذه الإضافة الانفصال فإن الموضع موضع فعل كما قال -

الحديث: 2914 - الجزء: 7 - الصفحة: 3183

................................  المصنف، ومن أجل هذا كانت غير محضة.
وكما أنها لا تفيد تعريفا لا تفيد تخصيصا أيضا؛ لأن التخصيص كان حاصلا قبلها بالعمل، فهو باق لم يزل، ولكن الذي تفيده أحد أمرين: إما تخفيف اللفظ، وإما رفع القبح.
والتخفيف قد يكون بحذف التنوين الظاهر من الاسم المنصرف والمقدر من غير المنصرف كـ: حواج بيت الله، وبحذف نوني التثنية والجمع.
وأما رفع القبح ففي بعض صور مسائل الصفة المشبهة وهو ما كانت الصفة ومعمولها فيه معرفتين باللام نحو: مررت بالرجل الحسن الوجه، فإن في جر معمول الصفة بإضافتها إليه خلوصا من ارتكاب أمرين ضعيفين يعبر عن ضعفهما بالقبح وهما رفعه ونصبه؛ لأن رفعه يؤدي إلى خلو الصفة من ضمير يرجع إلى الموصوف ونصبه يؤدي إلى إجراء ما هو قاصر مجرى ما هو متعد، ويتحقق لك هذا امتناع الإضافة عند خلو المعمول من اللام مضافا كان أو غير مضاف نحو الحسن وجهه والحسن وجه؛ لأن الرفع في المثال الأول لا يقبح لوجود الضمير العائد، وكذا النصب في المثال الثاني؛ لأن النصب فيه يكون على التمييز ولا قبح فيه أيضا.
ثم إنك تفهم من تقييد المصنف الإضافة غير المحضة بكونها صفة مجرورها مرفوع بها في المعنى أو منصوب خروج المصدر وأفعل التفضيل المضافين إلى معرفة عن كونهما غير محضين وأن إضافتهما داخلة في الإضافة المحضة.
أما المصدر فلكونه غير صفة، وأما «أفعل» التفضيل فإنه وإن كان صفة فليس ما يضاف هو إليه مرفوعا به في المعنى ولا منصوبا، ولهذا قال بعد ذلك: وليس من هذا المصدر المضاف إلى مرفوعه أو منصوبه ولا «أفعل» التفضيل.
وقد أشار إلى الخلاف في ذلك.
فالمخالف في المصدر ابن برهان 135، والمخالف في «أفعل» التفضيل الفارسي 136 كما أشار إلى ذلك في متن الكتاب.
وقد بحث المصنف في ذلك وأبطل القول بأن إضافتهما غير محضة وذكر أن سيبويه نص على أن إضافة «أفعل» التفضيل محضة 137، ولا شك أن الأكثر على ذلك 138. وقد تبع -

الجزء: 7 - الصفحة: 3184

................................  الفارسيّ ابن عصفور والجزوليّ وابن أبي الربيع 139. وذكر ابن أبي الربيع وابن هشام عن الفارسي استدلالا على ذلك وهو طويل لا طائل [4/ 75] تحته فتركته خوف الإطالة.
ولا شك أن في ما ذكره المصنف غنية عن غيره.
وينبغي أن يعلم أن قول ابن برهان في المصدر أقرب من قول الفارسي في «أفعل» التفضيل؛ لأن المصدر مضاف إلى معموله في الجملة بخلاف «أفعل» التفضيل، ولأن المضاف إليه «أفعل» التفضيل لا يليه مع بقاء المعنى المفاد بالإضافة إلا بإضافة؛ فكان كـ «غلام زيد» كما قال المصنف.
ولا شك أن المصدر إذا أضيف إلى مرفوعه أو منصوبه بخلاف ذلك.
وليعلم أن إضافة اسم الفاعل واسم المفعول إلى معمولهما يجوز أن تجعل محضة؛ وذلك بأن يقطع النظر عن أن يكون المضاف إليه معمولا للمضاف فكأنهم جوزوا أن يعتقد أن هذا المضاف إليه غير مفعول.
أما الصفة المشبهة فلم يجوزوا فيها ذلك أي أن يعتقد أن إضافتها يجوز أن تكون محضة.
وقد علل ذلك بأن الصفة إنما تضاف إلى ما هو فاعلها في المعنى فلا يجوز أن يعتقد أنه غير فاعل كما جاز أن يعتقد في المفعول أنه غير مفعول لجواز خلو الفعل من مفعول وعدم جواز خلوه من فاعل.
وأقول: إن في هذا التعليل نظرا من وجهين: أحدهما: أن معمول الصفة وإن كان فاعلا في الأصل فهو قد عاد مفعولا، ولو لم يعد مفعولا ما جازت الإضافة إليه ثم إن الفاعل قد خلفه غيره وهو المستتر في الصفة فلم يحصل في الكلام خلو منه.
ثانيهما: أنه ينتقض باسم المفعول فإنه يلزم من إضافته الخلو من النائب عن الفاعل بغير ما قالوه، ولا يجوز الخلو من النائب عن الفاعل كما لا يجوز الخلو عن الفاعل، وقال ابن أبي الربيع: جميع ما ذكرته من أنه يضاف إلى المعرفة ولا يتعرف يجوز أن يقصد إلى التعريف ويتعرف إلا «الحسن الوجه» فإنه لا يتعرف بالإضافة أبدا؛ لأن الإضافة فيه إنما تكون من نصب على التشبيه بالمفعول به، وكل ما إضافته عن ذلك فلا يكون معرفة أبدا 140. انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 3185

................................  ولم يظهر لي ما قاله.
بل قد يقال: إذا كان المضاف إلى المنصوب على المفعولية يجوز أن يعتقد فيه إضافته محضة فالمضاف إلى المنصوب على التشبيه أولى بالجواز؛ لأنكم قد أخرتموه في المضاف إلى ما هو منصوب نصبا أقوى؛ فكيف تمنعونه في ما هو منصوب نصبا أضعف؟ وبعد: فالكلام إنما هو في صحة التعليل بذلك، أما الحكم بأن الصفة المشبهة لا تتعرف بإضافتها إلى معرفة كالمجمع عليه.
وقد حكى سيبويه عن يونس أن العرب قد تعرف اسم فاعل بالإضافة فتصف به المعرفة 141. فإنه لا أحد من العرب يعرف «حسنا» بإضافته إلى «الوجه» وأشباهه.
ثم ينبغي أن يعلم أن هذا الأمر، وهو جواز جعل الإضافة محضة يقتضي كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى أنه غير مخصوص باسم الفاعل والمفعول؛ فإنه لما تعرض إليه إلى إيراد ما إضافته غير محضة، وذكر: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة باسم الفاعل، والأمثلة التي تعمل عمله، و «أفعل» التي للمفاضلة، وأردف ذلك بذكر الكلمات التي تقدم ذكرها وهي «غيرك» و «مثلك».. إلى «واحد أمه» و «عبد بطنه» 142؛ قال: وقد يجعل إضافة جميع ما ذكر محضة إلا الصفة المشبهة؛ فإنها لا تتعرف بالإضافة أبدا 143. قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في تعليقه لما تكلم على هذا الموضع: فلو انحصرت الجهة في الغيرية وفي المثلية وكذا في الجميع؛ لصارت الإضافة محضة وتعرف بها المضاف كقولهم: الحركة غير السكون؛ فـ «غير» هنا معرفة بالإضافة وهي إضافة محضة لما علمت جهة الغيرية.. إلى آخر كلامه.
وهذا يقتضي تقرير ما ذكره ابن عصفور، وكذا يقتضي كلام ابن أبي الربيع.
فإن الكلام الذي نقلناه عنه آنفا وهو قوله: جميع ما ذكرته من أنه يضاف إلى المعرفة ولا يتعرف يجوز أن يقصد فيه إلى التعريف؛ إنما ذكره في آخر الباب وذلك بعد ذكره جميع الأقسام التي لا تتعرف بالإضافة حتى الاسم المضاف إلى الصفة كـ «صلاة الأولى» 144. وأما الأمر الثالث وهو أن من أقسام الإضافة قسما ثالثا وهو الشبيه بالمحضة فهو شيء -

الجزء: 7 - الصفحة: 3186

................................  أثبته المصنف ولم يعرف ذلك لغيره من النحاة؛ لأن الإضافة عندهم إما محضة وإما غير محضة والذي جعل المصنف إضافته شبيهة بالمحضة هو عندهم من قبيل المحضة إلا شيئا واحدا وهو الاسم المضاف إلى الصفة فإنه عند الفارسي من قبيل غير المحضة كما أشار إليه في متن الكتاب حيث قال: (ولا «أفعل» التفضيل ولا الاسم المضاف إلى الصفة خلافا للفارسي).
ثم إن الإضافة الشبيهة بالمحضة عنده ذكر أنها سبعة أقسام: إضافة الاسم إلى الصفة، وإضافة المسمى إلى الاسم، وإضافة الصفة إلى الموصوف، وإضافة الموصوف إلى القائم مقام الوصف، وإضافة المؤكّد إلى المؤكّد، وإضافة الملغى إلى المعتبر، وإضافة المعتبر إلى الملغى.
أما إضافة الاسم إلى الصفة: فقد عرفت أن المصنف ذكر أن لنوعيه اعتبارين: اتصالا من وجه وانفصالا من وجه.
وقرر كلّا من الاعتبارين ثم ختم كلامه في ذلك بأن قال: والحاصل أن إضافة هذا النوع منوية الانفصال؛ لأصالتها بالاطراد والإغناء عن ترك الظاهر، ومع ذلك لا يحكم بتنكير مضافها لشبهه بما لا ينوى انفصاله في كونه غير واقع موقع فعل، وكون تاليه غير مرفوع المحل ولا منصوبه.
ولا شك أن هذا [4/ 76] الذي اعتدّ به المصنف حسن لا بعد فيه ولا إشكال وهو أن الثاني من المتضايفين إن لم يكن له تعلق بالأول من غير جهة الإضافة، فالإضافة محضة وإن كان له تعلق به؛ فإما أن يكون الأول يتحمل ضمير والثاني معمول له قبل الإضافة فالإضافة غير محضة، وإما أن لا يكون كذلك فالإضافة مشبهة بالمحضة.
لكن حكمها في كون الأول يتعرف بالثاني إن كان معرفة حكم المحضة؛ وسبب جعلها شبيهة بالمحضة أنها روعي فيها أمران متقابلان: أحدهما: يرجعها إلى الاتصال.
والآخر: يرجعها إلى الانفصال.
وهذا الذي ذكر لا يختص بهذه الإضافة - أعني إضافة الاسم إلى الصفة - بل هو شامل للأقسام الستة الباقية؛ ولهذا لما ذكر المصنف إضافة الاسم إلى الصفة وأشار إلى خلاف الفارسي فيها وقال: بل هي شبيهة بمحضة لا محضة، قال: وكذا إضافة المسمى إلى الاسم وكذا وكذا إلى آخر الفصل، وصرح في الشرح بأن هذه الأقسام -

الجزء: 7 - الصفحة: 3187

................................  أعني الستة - جارية مجرى القسم الذي ذكره في اعتبار الاتصال والانفصال.
واعلم أن ابن أبي الربيع - رحمه الله تعالى - لما ذكر هذه المسألة - أعني إضافة الاسم إلى الصفة - قال: وهذا لا يجري في كل الصفات؛ ألا ترى أنك لا تقول: عندي كتاب الصحيح، تريد: الكتاب الصحيح، وإن كنت تقول: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وهما في معنى: الصلاة الأولى، والمسجد الجامع؛ وإنما يجري في كل اسم موصوف بصفة تلك الصفة توجد لما تلازمه.
ألا ترى أن الصلاة إذا كانت أولى إنما تكون أولى بساعتها، وكذلك «مسجد الجامع» إنما هو جامع في وقت مخصوص وهو عند الزوال من يوم الجمعة؛ فكذلك أيضا يصح أن يوصف بأنه جامع، وكذلك «الدار الآخرة» ساعتها أيضا آخرة، وكذلك «الجانب الشرقي» مكانه أيضا يوصف بالشرقي.
ففي هذه المواضع تصح الإضافة، ووجودها في هذه المواضع، وعدم اطرادها في جميع الصفات دليل على أنه على تأويل.
ووجهه أنه جعل الصفة صفة اللازم وقد تكون الإضافة على أصلها فكأنه قال: صلاة الساعة الأولى، ومسجد الوقت الجامع، وجانب المكان الشرقي، ولما لم يكن في الرجل العاقل ذلك لم تمكن الإضافة 145. انتهى.
وهو كلام حسن، ودل قوله: إن الإضافة في مثل «صلاة الأولى» على تأويل وإن وجه التأويل أنه جعل الصفة صفة اللازم أن الأصل في صلاة الأولى ومسجد الجامع ودار الآخرة وبقلة الحمقاء وحبة الخضراء وليلة القمراء ويوم الأول وساعة الأولى وليلة الأولى وباب الحديد: صلاة الساعة الأولى ومسجد الوقت الجامع أو اليوم الجامع ودار الحياة الآخرة أو الساعة الآخرة وبقلة الحبة الحمقاء وحبة النبتة الخضراء وليلة الساعة القمراء ويوم الوقت الأول وساعة الأولى وباب البناء الجديد.
وكلام المصنف ظاهر موافق لهذا، وإليه ذهب الأخفش 146 وابن السراج 147 والفارسي 148 وجمهور البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن الصفة ذهب فيها مذهب الجنس فجعلت الخضراء جنسا لكل أنثى موصوفة بالخضرة، وكذلك يقولون في -

الجزء: 7 - الصفحة: 3188

................................  باقي الأمثلة المذكورة؛ فإضافة الموصوف إلى الصفة إضافة بعض الجنس إليه كما في نحو خاتم حديد وحبة وشيء، ورد مذهبهم بأن فيه إخراج هذه الصفات عما وضعت له، لأن العرب لم تجعلها أجناسا في غير هذا الموضع فيحمل هذا عليه.
وذهب بعضهم إلى أن هذا من قبيل ما أضيف فيه المسمى إلى الاسم فيكون من باب «سعيد كرز» ولا يخفى ضعف هذا القول بل بطلانه، فإن إضافة المسمى إلى الاسم إنما ادعيت في اسمين مسماهما واحد، ولا يتصور ذلك في نحو: صلاة الأولى، لاختلاف مدلول المضاف والمضاف إليه.
قال الشيخ: والذي أذهب إليه أن هذا من إضافة الموصوف إلى صفته وهو مقصور على السماع 149، قال: وإضافته محضة ولذلك لا يجمع بينها وبين «ال» ولا تدخل «رب» عليه ولا ينعت بنكرة 150 قال: ولا يعلم أن هذا النوع جاء نكرة؛ إنما جاء معرفة 151. انتهى.
وأما إضافة المسمى إلى الاسم: فمثاله: شهر رمضان، ويوم الخميس، وذات اليمين، وذو صباح، وقول الشاعر: 2915 - إليكم ذوي آل النّبيّ تطلّعت و «سعيد كرز» كأنه قال: جاء مسمى «كرز» وكذا قائل: صمت شهر رمضان، واعتكفت يوم الخميس، كما ذكر المصنف، وذلك واضح.
وأما إضافة الصفة إلى الموصوف: فقد تقدم تمثيل المصنف له بقول الشاعر: 2916 - وإن سقيت كرام النّاس فاسقينا وقوله: إن الأصل: وإن سقيت الناس الكرام، ثم قدم الصفة وجعلها نوعا مضافا إلى الجنس وإن من هذا القبيل «سحق عمامة» و «جرد قطيفة» و «شمل سربال» والأصل: عمامة سحق، وقطيفة جرد، وسربال شمل، ثم فعل بها ما فعل بـ «كرام الناس».
وأقول: إن قوله: إن قائل: كرام الناس جعل الكرام نوعا مضافا إلى الجنس يدفع قوله: إن الأصل: الناس الكرام فقدم الصفة؛ لأنا إنما كنا نحكم بأن الصفة قدمت -

الحديث: 2915 - الجزء: 7 - الصفحة: 3189

................................  وأضيفت إلى الموصوف أن لو كان معنى الكلام مع التقديم والإضافة [4/ 77] كمعناه مع التأخير والتبعية.
وليس الأمر كذلك فإن قول القائل: 2917 - وإن سقيت كرام النّاس فاسقينا أبلغ في التمدح من أن يقال: وإن سقيت الناس الكرام فاسقينا.
وأما تقرير إضافة النوع إلى جنسه في نحو: سحق عمامة، وجرد قطيفة فبأن يقدر موصوف وتجري الصفة عليه على أنها نوع مضاف إلى جنسه؛ الأصل: سحق عمامة، وشيء جرد قطيفة أي: سحق من جنس العمامة، وجرد من جنس القطيفة.
وأما إضافة الموصوف إلى القائم مقام الوصف: فقد مثل له المصنف كما عرفت بقول الشاعر: 2918 - علا زيدنا يوم اللّقا رأس زيدكم وقال: التقدير: علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم؛ فحذف الصفتين المضافتين إلى ضميري المتكلم والمخاطب وجعل الموصوف خلفا عن الصفة في الإضافة ثم قال: وكذا قولهم في زيد الذي سماه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيد الخير: زيد الخيل؛ لأنه كان صاحب خيل كريمة يعني فالتقدير: زيد صاحب الخيل.
وأما إضافة المؤكّد إلى المؤكّد: فقد عرفت أن المصنف قال: وأكثر ما يكون ذلك في أسماء الزمان المبهمة كـ «حينئذ ويومئذ» قال: وقد يكون في غير أسماء الزمان كقول الشاعر: 2919 - فقلت انجوا عنها نجا الجلد... إنه... البيت أراد: اكشطا عنها الجلد؛ لأن النجا هو الجلد فأضاف المؤكّد إلى المؤكّد كما أضيف الموصوف إلى الوصف في «مسجد الجامع» وشبهه.
ثم ذكر عن الفارسي أنه قال في قولهم: لقيته يوم يوم، وليلة ليلة؛ أضيف فيه الشيء إلى مثله لفظا ومعنى.
ولا شك أن ما ذكره المصنف من إضافة الاسم إلى الصفة إلى آخر الفصل مقصور على السماع، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى قول الشيخ: وهذا الذي ذكره - يعني المصنف - من إضافة المؤكّد إلى المؤكّد في غاية الندور فيقتصر فيه -

الحديث: 2917 - الجزء: 7 - الصفحة: 3190

................................  على مورد السماع 152. وقال الخضراوي: والفراء يجيز إضافة الشيء إلى نفسه توكيدا وذلك إذا اختلف اللفظان 153 يعني أن ذلك مطرد عنده وعلى ذلك حمل «يوم الخميس» وشَهْرُ رَمَضانَ 154 ووَعْدَ الصِّدْقِ 155 وحَقُّ الْيَقِينِ 156. قال الخضراوي: وهذا لا يجوز؛ لأن الشيء لا يخصص نفسه.
فأما «يوم الخميس» و «يوم» مبهم لا يعرف منه أنه الخميس، وكذلك سائر أيام الأسبوع، وكذلك شَهْرُ رَمَضانَ؛ لأنك تقول: شهر صفر وشهر المحرم؛ لأن الشهر في الإبهام كاليوم فإضافته تفيد تعريفا وكذلك وَعْدَ الصِّدْقِ فإن الوعد قد يكون كذبا فكما يوصف بالصدق ليتخصص من الذي هو كذب كذلك يضاف لهذا المعنى، وكذلك حَقُّ الْيَقِينِ فإنه قد يوصف الشيء بأنه حق على وهم الواصف وليس بيقين، وقد يكون الشيء حقّا في نفسه ولا يتيقن كالأشياء المعضلة الفهم في كل صناعة.
وقد قالوا في الفقهيات: المصيب واحد، أي: الحق في جانب واحد يصيبه بعض الناس وليس كل مجتهد مصيبا، ومنه: ضربتهم ثلاثتهم إلى عشرتهم.
قال أبو علي: ولم يقولوا واحدة واثناهما؛ لأن الضمير يفهم منه الواحد هنا والاثنينية 157، وليس كذلك هم؛ لأنه يقع لصفوف من الجمع، فكأنه أضاف لضمير كثرة وكذلك «الكرى» من الأسماء المشتركة يقع على طائر ولذلك قال الشاعر: 2920 - إذا خاط عينيه كرى النّوم لم يزل... به كالئ من قلب شيحان فاتك 158 قال: ورأيت لابن السيد 159 أن «النوم» هنا جمع «نائم» كـ «ركب وسفر» فرارا من إضافة الشيء إلى نفسه وليس فعل في فاعل بقياس، ولعله سمعه وإنما حمله -

الحديث: 2920 - الجزء: 7 - الصفحة: 3191

................................  الناس على ما ذكرت.
قال وكذلك النجا قد يكون مشتركا فأضيف إلى الجلد كما أضيف الكرى إلى النوم، وهذا كما يقول: عين السحاب، وعين المطر، وعين الذهب، ومنه: حَبْلِ الْوَرِيدِ 160؛ لأن الحبل من الأسماء المشتركة، وكذلك: وَحَبَّ الْحَصِيدِ 161؛ لأن الحب من الأسماء المشتركة فيكون لما لا يوصف بالحصاد.
قال: ومنه: يا نساء المؤمنات؛ أضافهن للمؤمنات على جهة التفضيل والتخصيص كما يقال: يا رجل بني تميم، وقالوا: نفس زيد وعينه، والمضاف هو المضاف إليه في مقصود المتكلم إلا أن «النفس» و «العين» و «الذات» لا يفهم منها «زيد» ولا «عمرو»؛ فيضاف إليهما على جهة التخصيص.
قال أبو العباس: عين الشيء ونفسه بمنزلة حقيقته؛ تقول: لزيد نفس، ولزيد حقيقة، ولا تقول: للأسد ليث 162 انتهى كلام الخضراوي.
وأما إضافة الملغى إلى المعتبر: فقد تقدم تمثيل المصنف بقوله: 2921 - ثمّ اسم السّلام عليكما وبكلمات أخر تضمنتها الأبيات التي أنشدها وبقول العرب: حي زيد، إلى آخر ما ذكره.
ولما أنهى الخضراوي كلامه الذي ذكرناه عنه آنفا قال: وقد جاء عنهم ما هو أشد من هذا فقالوا: حي زيد، فـ «حي» يقع على كل ذي روح، فهو كحيوان زيد أي: الحي الذي هو زيد قال: وقد قيل: حي هنا زائد، وقيل: هو بمعنى الشخص، وهو عند أبي علي وابن جني من إضافة المسمى لاسمه 163. انتهى.
وجعل المصنف ذلك من باب إضافة الملغى إلى المعتبر يدل على أنه يجعله زائدا؛ لأن الزائد لا اعتبار له من حيث المعنى، وإذا كان كذلك صدق عليه أنه ملغى، أما جعل الفارسي كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ 164 ومَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ 165 [4/ 78] من قبيل ما ألغي فيه المضاف؛ فغير مسلم؛ لأن المثل يستعمل مرادا به الصفة والحال إذا كان لكل منهما شأن، وفيه غرابة وذلك على سبيل الإستعارة كما قرر ذلك أصحاب البيان.

الحديث: 2921 - الجزء: 7 - الصفحة: 3192

................................  وأما إضافة المعتبر إلى الملغى - يعني إلى ما لا يعتبر ولا يعتد به إلا كالاعتداد بالحرف الزائد للتوكيد كما ذكر في شرحه لذلك -: فقد أنشد عليه أبياتا منها: 2922 - حملتها حبّا لو أمسى مثله...... البيت وقول الآخر: 2923 - فلو بلغت عوّاء السّماء قبيلة وجعل من ذلك: مررت برجل حسن وجهه، وحسن وجه، و: اضرب أيهم أساء؛ لأن أيّا الموصولة معرفة بصلتها كغيرها من الموصولات.
فلو اعتد بما تضاف هي إليه لزم اجتماع معرفين على معرف واحد وهو ممنوع؛ فالمفضى إليه ممنوع، ولك أن تمنع كون إضافة الصفة المشبهة إلى معمولها وإضافة أي من قبيل ما ذكره.
أما «حسن وجهه» فإنما حصلت الإضافة فيه بعد إسناد الصفة إلى ضمير الموصوف وتصيير ما كانت الصفة مسندة إليه أولا معمولا لها.
ولا شك أن الحسن للوجه حقيقة لكنه جعل لصاحب الوجه مجازا؛ لأن من صح إسناد الحسن إلى وجهه صح إسناد الحسن إليه نفسه بطريق المجاز، وإذا كان الحسن مسندا إلى ضمير الموصوف به خرج الوجه عن وصفه به، فالموصوف بالحسن حينئذ صاحب الوجه لا الوجه، وإن كان الحسن في المعنى إنما هو للوجه، وإذا كان كذلك فلم يكن في قولنا: مررت برجل حسن وجهه - إضافة شيء إلى نفسه حتى يحتاج أن نخرجه عن ذلك بقولنا: إن المضاف إليه ملغى غير معتبر وكذلك الكلام في: حسن وجهه.
وأما «اضرب أيهم أساء» فقد يقال فيه: إن تعريف «أي» إنما هو بالإضافة، وإنما قلنا تعريف غيرها من الموصولات بالصلة؛ لأن الموصولات غيرها لا تضاف.
أما «أي» فيدعى أن تعريفها بالإضافة لا بالصلة ولا تضر مخالفتها لبقية الموصولات في ذلك.
ويقوي ما ذكرته: أن الموجب لإعراب «أي» إنما هو لزوم إضافتها فالمعارض لشبه الحرف إنما هو الإضافة التي هي من خواص الاسم، فلو لم تكن الإضافة معتبرة ومعتدّا بها؛ ما صح كونها معارضة لهذا السبب القوي الذي هو شبه الحرف، ولا تكون معتبرة ومعتدّا بها إلا إذا كان المضاف إليه معتبرا ومعتدّا به.
واعلم أنه قد اندرج الكلام على الأمر الرابع - أعني رابع الأمور التي تضمن كلام المصنف الإشارة إليها - وهو أن المضاف قد يكون ملغى فيكون المقصود المضاف إليه، -

الحديث: 2922 - الجزء: 7 - الصفحة: 3193

[تقدم معمول المضاف إليه على المضاف وما يكتسبه الاسم بالإضافة]

قال ابن مالك: (فصل لا يتقدّم على مضاف معمول مضاف إليه إلّا على «غير» مرادا به نفي خلافا للكسائيّ في جواز: «أنت أخانا أوّل ضارب» ويؤنّث المضاف لتأنيث المضاف إليه إن صحّ الاستغناء به وكان المضاف بعضه أو كبعضه، وقد يرد مثل ذلك في التّذكير ويضاف الشّيء بأدنى ملابسة).
وقد يكون بالعكس فيكون الملغى هو المضاف إليه والمضاف هو المقصود في الكلام على الأمر الثالث الذي فرغنا منه لاشتماله على الأمر الرابع وانتظام أقسامه فيه.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 166: المضاف إليه كصلة للمضاف فلا يتقدم على المضاف معمول المضاف إليه، كما لا يتقدم على الموصول معمول الصلة فلا يقال في: أنت أول قاصد خيرا: أنت خيرا أول قاصد، ولا في: أنا مثل مكرم عمرا: أنا عمرا مثل مكرم؛ فإن كان المضاف «غيرا» مرادا بها النفي جاز أن يتقدم عليها معمول ما أضيفت إليه كما يتقدم معمول النفي بـ «لم» و «أن» و «لا».
ومن شواهد ذلك قول الشاعر: 2924 - فتى هو حقّا غير ملغ تولّه... ولا تتّخذ يوما سواه خليلا 167 ومثله: 2925 - إنّ امرأ خصّني عمدا مودّته... على التّنائي لعندي غير مكفور 168 والأصل: غير ملغ حقّا، وغير مكفور عندي، وجاز التقديم؛ لأن النفي مراد، كأن الأول قد قال: هو حقّا لا يلغى، وكأن الثاني قال: على التنائي لا يكفر عندي، فلو لم يرد بغير النفي لم يجز تقديم معمول ما أضيفت إليه كقولك: أكرم القوم غير شاتم زيدا، فلو قيل: أكرم زيدا غير شاتم، لم يجز؛ لأن النفي غير مراد، وحكى ثعلب 169 أن الكسائي أجاز أن يقال: أنت أخانا أول ضارب؛ بمعنى: أنت -

الحديث: 2924 - الجزء: 7 - الصفحة: 3194

................................  أول ضارب أخانا، وغير الكسائي 170 يمنع ذلك وهو الصحيح، ويكتسب المذكر المضاف إلى مؤنث تأنيثا؛ بشرط صحة الاستغناء بالمضاف إليه وكون الأول بعضا أو كبعض وكذلك يكتسب المؤنث المضاف إليه مذكر تذكيرا بالشرط المذكور فمن الأول قول الشاعر: 2926 - إذا بعض السّنين تعرّقتنا... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم 171 ومثله: 2927 - مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت... أعاليها مرّ الرياح النّواسم 172 ومثله: 2928 - لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت... سور المدينة والجبال الخشّع 173 ومثله: 2929 - أبا عرو لا تبعد فكلّ ابن حرّة... سيدعوه داعي ميتة فيجيب 174 ومثله: 2930 - مويهة داعي المنيّة بالوري... فمنهم مقدّم ومنهم مؤخّر 175 ومثله: 2931 - قد صرّح السّير عن كتمان وابتذلت... وقع المحاجن بالمهريّة الذّقن 176

الحديث: 2926 - الجزء: 7 - الصفحة: 3195

................................  ومن قراءة أبي العالية 177: [4/ 79] لا تنفع نفسا إيمانها 178، ومن الثاني قول الله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 179، ويمكن أن يكون منه: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 180، ومنه قول الشاعر: 2932 - إساءة من يبغي على النّاس موقع... بحوبائه الهلكاء من حيث لا يدري 181 ومنه: 2933 - نعجة الحسن فاتن فاغضض الطّر... فـ ليلقى صيد الظباء الأسودا 182 ومثله: 2934 - إنارة العقل مكسوف بطوع هوى... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا 183 ومثله: 2935 - رؤية الفكر ما يؤول له الأم... ر معين على اجتناب التّواني 184 فـ «أنت» في النوع الأول المضاف وهو مذكر لتأنيث المضاف إليه، وذكر في النوع الثاني المضاف وهو مؤنث لتذكير المضاف إليه؛ لصحة الاستغناء فيهما عن المضاف بالمضاف إليه مع كون المضاف بعض المضاف إليه أو كبعضه، واحترزت بهذا من المضافات الصالحة للحذف وليست بعض المضاف إليه معمولا ولا كبعضه كـ: يوم الخميس، وذي صباح، فلو لم يصح الاستغناء بالمضاف إليه لم يؤنث مذكر ولم يذكر مؤنث نحو حسن غلام هند، وكرمت أم زيد، ويضاف الشيء إلى الشيء بأدنى ملابسة بينهما كقول صاحب الخشبة لحامليها خذا طرفيكما، وكقول الشاعر: 2936 - إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة... سهيل أضاعت غزلها في القرائب 185

الحديث: 2932 - الجزء: 7 - الصفحة: 3196

................................  وكقول الآخر: 2937 - إذا قال قدني قال بالله حلفة... لتغني عنّي ذا إنائك أجمعا 186 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 187. وأقول: أما التعليل الذي ذكره لكون معمول المضاف إليه لا يتقدم على المضاف؛ فقد ذكر الجماعة تعليلا أحسن منه وهو أن المتضايفين شديدا الاتصال لحلول الثاني من الأول محل ما به تمامه من تنوين أو نون إن كانا فيه، ومعمول المضاف إليه من تمامه فلا يتقدم على المضاف كما لا يتقدم المضاف إليه على المضاف وأما أن معمول المضاف إليه «غير» فإنه يجوز تقديمه على «غير» الذي هو المضاف إذا كان المراد بـ «غير» النفي. فقال الشيخ: قد سبقه إلى ذلك الزمخشري، وحكاه أصحابنا عن بعضهم وردوه وصححوا أن ذلك لا يجوز 188، ثم إنه خرج ما استدل به المصنف فقال: إن «حقّا» يكون معمولا لعامل مضمر كأنه قال: فتى لا يلغي 189 حقّا. ولا يخفى إذا قدرنا ذلك ما يؤول إليه الكلام من الركة والسماجة. وأما «لعندي غير مكفور» فقال فيه: سهل ذلك كون المعمول ظرفا والظروف يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها مع أنه محتمل للتأويل كتأويل «هو حقّا غير ملغ» 190. ولا شك أن الذي ذكره المصنف لا يبعد عن الصواب؛ فكم من كلام يجوز فيه ما كان ممتنعا لكونه في معنى كلام يجوز فيه ذلك، ومنه ما قيل في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى 191: إن الباء الزائدة جعلت في خبر «إن» لما كان معنى الكلام: أليس الله بقادر. ولذلك نظائر كثيرة. ثم قال الشيخ: وأجاز بعض النحويين أن يتقدم معمول ما أضيف إليه «حق» مستدلّا بقول الشاعر: 2938 - فإلّا أكن كلّ الشّجاع فإنّني... بضرب الكلى والهام حقّ عليهم 192

الحديث: 2937 - الجزء: 7 - الصفحة: 3197

[ما لازم الإضافة لفظا ومعنى وأحكامه]

قال ابن مالك: (فصل: لازمت الإضافة لفظا ومعنى أسماء منها: ما مرّ في الظّروف والمصادر والقسم.
ومنها: «حمادى» و «قصارى» و «وحد» لازم النّصب والإفراد والتّذكير وإيلاء ضمير، وقد يجرّ بـ «على» وبإضافة «نسيج» و «جحيش» و «عيير»، وربّما ثنّي مضافا إلى ضمير مثنّى.
ومنها «كلا» و «كلتا» ولا يضافان إلّا إلى معرفة مثنّاة لفظا ومعنى أو معنى دون لفظ، وقد تفرّق بالعطف اضطرارا.
ومنها: «ذو» وفروعه ولا يضفن إلّا إلى اسم جنس ظاهر وكذا «أولو» و «أولات» وقد يضاف «ذو» إلى علم وجوبا إن قرنا وضعا وإلّا فجوازا، وكلاهما مسموع.
والغالب في ذي الجواز الإلغاء، وربّما أضيف جمعه إلى ضمير غائب أو مخاطب).
يريد: حق عليهم بضرب الكلى والهام 193. قال: والصحيح المنع لندور هذا البيت وإمكان تأويله 194. انتهى.
واعلم أنهم ذكروا من إضافة الشيء بأدنى ملابسة قوله تعالى: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها 195؛ لما كانت العشية والضحى طرفي النهار صح إضافة إحداهما إلى الأخرى.
قال ناظر الجيش: الأسماء بالنسبة إلى جواز الإضافة وامتناعها ووجوبها ثلاثة أقسام: قسم لا يلزمه الإضافة بل يجوز أن يضاف وأن لا يضاف، وأكثر الأسماء من هذا القسم.
وقسم يمتنع فيه الإضافة وذلك كالأسماء المضمرات وأسماء الإشارة وكالموصولات وأسماء الشرط وأسماء الاستفهام إلا «أيّا» فإنها من القسم الملازم للإضافة موصولة كانت أو شرطية أو استفهامية.
وقسم تجب إضافته.
ثم هذا الواجب الإضافة قسمان: قسم يجب إضافته إلى الجملة وقسم يجب إضافته إلى المفرد وكل منهما ضربان: ضرب لا يفارق الإضافة فهو يلازمها لفظا.
وضرب يفارقها فيقطع عنها لفظا وهي مرادة معنى.
ولا شك أن قسم ما يجوز فيه -

الجزء: 7 - الصفحة: 3198

................................  الأمران لا يحتاج إلى ذكره، وكذا قسم ما تمتنع فيه الإضافة؛ لأن امتناع ذلك يعلم من قواعد الفن ومن الكلام على الأسماء المذكورة في تفاصيل الأبواب، وإنما يحتاج إلى ذكر ما يجب إضافته.
وقد قلنا: إن منه ما تجب إضافته إلى الجملة ومنه ما تجب إضافته إلى المفرد.
أما ما يجب إضافته إلى الجملة فهو ثلاث كلمات وهي «إذ» و «إذا» و «حيث» وهذه قد تقدم ذكر المصنف لها في باب المفعول فيه، وذكر هناك أيضا [4/ 80] ما يقطع منها عن الإضافة وما لا يقطع 196؛ فاستغنى عن إيراد ذلك في هذا الباب، وقد نبه على ذكر ذلك متقدما وذكر غيره بقوله هنا: (منها ما مر في الظروف) وأما ما يجب إضافته إلى المفرد فقد تقدم له ذكر ما ذكر منه في الأبواب الثلاثة التي أشار إليها في باب الاستثناء أيضا.
وها هو قد ضمن هذا الفصل ما بقي منه وبدأ فيه بذكر الضرب الأول وهو الذي لا يفارق الإضافة وإليه أشار بقوله: (لازمت الإضافة لفظا ومعنى أسماء) ثم ثنى بذكر الضرب الثاني وهو الذي يفارقها فتقطع عنها لفظا وهي مرادة معنى، وإليه أشار بقوله: (ولازمتها معنى لا لفظا أسماء).
وينبغي أن يعلم أن المصنف لم يتضمن كلامه حصر الأسماء التي يجب إضافتها ولهذا قال: منها كذا ومنها كذا، ولم يقل: وهي كذا وكذا.
والظاهر أنه قصد التعرض إلى ذكر الكلمات التي يتعلق بها أحكام أخر غير لزوم الإضافة ليفيد أحكامها.
وإذ قد تقرر هذا فلنذكر كلام المصنف.
قال رحمه الله تعالى 197: قد يقتضي الاستعمال لزوم الإضافة لفظا ما يفهم معناه بمجرد لفظه كـ «حمادي» الشيء، فإنه بمعنى: غايته، فلو استعمل استعمال غاية لصلح لذلك من جهة المعنى لكن الاستعمال منع من ذلك، والأكثر لزوم له لإضافة ما لا يفهم معناه إلا بها، فإذا كان معنى الاسم لا يفهم بمجرد لفظه استحق متمما بصلة أو بصفة لازمة أو إضافة: فالمتمم بصلة نحو هذا الذي عندي والمتمم بصفة لازمة نحو قوله: 2939 - لما نافع يسعى اللّبيب فلا تكن... بشيء بعيد نفعه الدّهر ساعيا 198 والمتمم بإضافة كـ «عند» و «لدى» و «إذا».
ثم المتمم بالإضافة منه ما -

الحديث: 2939 - الجزء: 7 - الصفحة: 3199

................................  استعمل ملازما لها لفظا ومعنى كـ «كلا» ومنه ما استعمل غير ملازم لها في اللفظ كـ «كل». فمن الملازمة للإضافة لفظا ومعنى ما ذكر في الظروف كـ «عند» و «لدى» وفي المصادر كـ «سبحان» وبله المعرب وفي الاستثناء كـ «سوى» و «بيد» وفي القسم كـ «عمرك الله» و «قعدك الله»، ومنها حمادى الشيء وقصاراه بمعنى: غايته، وقد يقال: قصاره وقصره، ومنه قول الشاعر: 2940 - قصر الجديد إلى بلى... والعيش في الدّنيا انقطاعه 199 ومن الملازمة للإضافة لفظا ومعنى «وحد» ولا يضاف إلا إلى ضمير، ولا يكون إلا منصوبا على الحال وهو في الأصل مصدر؛ فلذلك لم يؤنث ولم يثن ولم يجمع فيقال: جئت وحدك، وجئت وحدك، وجئتما وحدكما، وجئتم وحدكم، وجئتن وحدكن، وجئتنا وحدنا. قال الشاعر: 2941 - أعاذل هل يأتي القبائل حظّها... من الموت أم أحلي لنا الموت وحدنا 200 وقد يجر بـ «على» وبإضافة «نسيج» في المدح، وفي الذم بإضافة «جحيش» و «عيير» فيقال: هو نسيج وحده 201؛ إذا قصد قلة نظيره في الخير، وهو جحيش وحده وعيير وحده؛ إذا قصد قلة نظيره في الشر وحكى ابن سيده 202 أنه يقال: جلس على وحده، وجلسا على وحديهما وعلى وحدهما، وقلنا ذلك وحدينا. ومن الملازمة للإضافة لفظا ومعنى «كلا» و «كلتا» وقد ذكرا في باب الإعراب وسيذكران إن شاء الله تعالى في باب التوكيد. ولا يضافان إلا إلى معرفة مثناة لفظا ومعنى نحو: مررت بكلا الرجلين أو معنى دون لفظ كقول الشاعر: 2942 - إنّ للخير وللشّرّ مدى... وكلا ذلك وجه وقبل 203

الحديث: 2940 - الجزء: 7 - الصفحة: 3200

................................  فأضاف «كلا» إلى «ذلك» وهو مفرد في اللفظ؛ لأن المراد به اثنان وهو شبيه بقوله تعالى: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ 204 ولا يضافان إلى نكرة؛ فلا يقال: مررت بكلا رجلين، ولا: بكلتا امرأتين، ولا يضافان أيضا إلى مفترقين؛ فلا يقال: مررت بكلا زيد وعمرو، وربما جاء مثل ذلك في الشعر كقول الفرزدق: 2943 - كلا السّيف والسّاق الّذي ضربت به... على دهش ألقاه باثنين صاحبه 205 ومثله: 2944 - كلا الضّيفن المشنوء والضيف نائل... لديّ المنى والأمن في اليسر والعسر 206 ومثله: 2945 - كلا أخي وخليلي واجدي عضدا... وساعدا عند إلمام الملمّات 207 ومن الملازمة للإضافة لفظا ومعنى «ذو»، ومؤنثه ومثناهما وجمعهما ومرادفا جمعهما ولا يضفن إلا إلى اسم جنس ظاهر نحو: هذا رجل ذو فضل، وهذه امرأة ذات حسب، وهذان ذوا فضل، وهاتان ذواتا حسب، وهم ذوو فضل، وهن ذوات حسب، وأولو فضل، وأولات حسب، وقولي: (وقد يضاف «ذو» إلى علم وجوبا إن قرنا وضعا) نبهت به على نحو «ذي يزن» و «ذي زعين» و «ذي الكلاع» و «ذي سلم» من الأعلام التي أولها «ذو» ثم قلت: (وإلا فجوازا) فنبهت به على نحو قولهم في «تبوك وقطرى»: «ذو تبوك» و «ذو قطري» و «ذو عمرو» ومنه قول جرير: 2946 - تمنّى شبيب منية سفلت به... وذو قطريّ لفّه منك وابل 208 وكلا النوعين مقصور على السماع.
والأكثر في النوع الثاني أن يكون «ذو» فيه مثل «الذي» في قولهم: لقيته ذا صباح، أعني كونه غير معتد به إلا بجعله من إضافة المسمى إلى الاسم.
وأما أن يكون مضافا إلى علم ويعتد به كالاعتداد في نحو: هو ذو -

الحديث: 2943 - الجزء: 7 - الصفحة: 3201

................................  مال؛ فقليل، ومنه: «أنا ذو بكة» وجد مكتوبا في حجر من أحجار الكعبة قبل الإسلام، وقد يضاف «ذو» إلى ضمير غائب ومخاطب.
فمن إضافته إلى ضمير الغائب قول عمر رضي الله تعالى عنه: اللهم صلّ على محمد وذويه، ومنه قول الشاعر: 2947 - صبحنا الخزرجيّة مرهفات... أباد ذوي أرومتها ذووها 209 ومنه ما أنشده الأصمعي من قول الآخر: 2948 - إنّما يصطنع المع... روف في النّاس ذووه 210 ومن إضافته إلى ضمير المخاطب قول الأحوص 211: 2949 - وإنّا لنرجو منك عاجلا مثل ما... رجوناه قدما من ذويك الأفاضل 212 انتهى ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى 213. وقد تضمن أن من الكلمات [4/ 81] التي تلازم الإضافة لفظا ومعنى ما ذكره في باب المستثنى وهذا زيادة على ما تضمنه متن الكتاب من المذكور في ثلاثة الأبواب وهي باب الظروف، وباب المصادر، وباب القسم، ثم ما ذكره في هذا الباب أيضا.
والمذكور منها في هذا الفصل سبع عشرة كلمة؛ فالذي لازم منها الإضافة لفظا ومعنى ثلاث عشرة وهي: «حمادى وقصارى ووحد وكلا وكلتا وذو» وفروعه من مؤنث ومثنى وجمع تذكيرا وتأنيثا واسم جمع.
وكان يتعين أن يضيف اليمين «كلّا» إذا استعملت توكيدا ونعتا.
-

الحديث: 2947 - الجزء: 7 - الصفحة: 3202

................................  ثم هذه الكلمات التي هي لازمة الإضافة لفظا ومعنى: منها ما يضاف إلى الظاهر والمضمر: وهو «حمادى وقصارى وعند ولدى وسوى وكلا وكلتا».
ومنها ما يختص بالظاهر: وهو «ذو» وفروعه.
ومنها ما يختص بالمضمر.
فقد يكون ضمير المخاطب خاصة نحو: «لبيك وسعديك وحنانيك ودواليك»، وقد يكون كل ضمير نحو: «وحدك ووحده ووحدي» والذي لازم منها الإضافة معنى لا لفظا أربع كلمات، وهي «قبل» و «بعد» و «آل» بمعنى: أهل، و «كل» إذا لم يكن توكيدا ولا نعتا.
نعم قد ذكر أن كلمتي قبل وبعد قد يقطعان عن الإضافة لفظا ومعنى كما ستعرف.
ثم قد بقى التنبيه على أمور: منها: أن الشيخ تكلم هنا على «وحد» من قولك: جاء زيد وحده، هل هو منصوب على الظرف كما هو مذهب يونس 214؟ أو على اسم موضوع المصدر الموضوع موضع الحال؛ فوجد موضع اتحاد، واتحاد موضع موحد وموحد هو الحال كما هو مذهب سيبويه 215؟ أو على أنه مصدر على توهم حذف الزيادة؛ فمعنى «وحد»: اتحاد كما هو مذهب بعض النحويين 216؟ أو على أنه مصدر لم يلفظ له بالفعل كالأبوة والخؤولة كما هو مذهب بعض آخرين منهم 217؟ وأقول: إن الكلام على هذه الكلمة قد تقدم في باب الحال؛ فلا حاجة إلى إعادته، ثم قال: والصحيح أنه مصدر لفعل ملفوظ به.
حكى الأصمعي: وحد الرجل يحد إذا انفرد فيكون وحده ووحده مصدرين لـ «وحد» كما تقول: وعد وعدا وعده 218. ومنها: أن الشيخ ناقش المصنف في قوله: (إن «وحد» لازم النصب)؛ لأنه نقض ذلك بقوله بعد: وقد يجر بـ «على» أو بإضافة.
والجواب: أن لزوم النصب إنما هو في اللغة الكثرى أو في أكثر الكلام وفي لغة أو في قليل من الكلام قد يجر، وأيضا فإن الجر لم يثبت له على الإطلاق؛ إنما حصل له الجر -

الجزء: 7 - الصفحة: 3203

................................  بحرف واحد وبإضافة ثلاثة ألفاظ مخصوصة فكأنه قال: هو لازم النصب إلّا في هاتين الحالتين.
ولذا ناقش المصنف في قوله مشيرا إلى «ذو» وفروعه: (ولا يضفن إلا إلى اسم جنس) فقال: قد نقض هذا الحصر المصنف بقوله بعد: (وقد يضاف إلى علم) 219. والجواب عن ذلك هو كالجواب عن مسألة «وحد».
ومنها: أن الشيخ ذكر لفظا آخر يضاف إلى «وحد» وهو «فريع» يقال: هو فريع وحده 220، وهو للمدح كما أن «نسيج وحده» لذلك و «عيير» تصغير «عير» وهو ولد الحمار، يذم بذلك الرجل الذي ينفرد بما يؤدي إليه رأيه ولا يخالط أحدا في رأي ولا يدخل معه في معونة.
ومعنى «نسيج وحده» أنه منفرد بالفضل، وأصله أن الثوب إذا كان رفيعا لا ينسج على منواله معه غيره.
وفي شرح الشيخ: ويجوز التثنية والجمع والتأنيث في هذه الألفاظ فيقال: هما نسيجا وحدهما، وهم نسجاء وحدهم، وهي نسيجة وحدها، وهما نسيجتا وحدهما، وهن نسائج وحدهن، كذا قاله الخليل 221. ويجري «فريع» و «عيير» و «جحيش» على هذا القياس.
وحكى بعضهم أن «نسيجا» يترك موحدا في التثنية والجمع ومذكرا في التأنيث؛ فيقال: هما نسيج وحدهما، وهم نسيج وحدهم... إلى آخر الكلمات.
والقياس فيه ما ذكره الخليل 222. ومنها: أن المصنف لما ذكر أن «كلا وكلتا» قد يضافان إلى ما هو مثنى معنى دون لفظ كقول الشاعر: 2950 - وكلا ذلك وجه وقبل قال الشيخ: أهمل المصنف مسألة ذكرها ابن الأنباري 223، وهي أن «كلا» يضاف إلى مفرد بشرط أن يتكرر؛ وذلك قولك: كلاني وكلاك محسنان، أي: كلانا.
وكذا: كلا زيد وكلاك محسنان، وكلاي وكلا عمرو منصفان 224. قال: وأوردها ابن الأنباري على أنها من كلام العرب وجعلها مثل «أي» من قول الشاعر: -

الحديث: 2950 - الجزء: 7 - الصفحة: 3204

[ما لازم الإضافة معنى فقط وأحكامه]

قال ابن مالك: (ولازمتها معنى لا لفظا أسماء كـ «قبل» و «بعد» وك «آل» بمعنى أهل ولا يضاف غالبا إلّا إلى علم من يعقل وك «كلّ» غير واقع توكيدا أو نعتا، وهو عند التّجرّد منويّ الإضافة فلا يدخل عليه «ال» وشذّ تنكيره وانتصابه حالا، ويتعيّن اعتبار المعنى فيما له من ضمير وغيره إن أضيف إلى نكرة، وإن أضيف إلى معرفة فوجهان.
وإفراد ما لـ «كلا» و «كلتا» أجود من تثنيته، ويتعيّن في نحو: كلانا كفيل صاحبه).
2951 - فأيّي ما وأيّك كان شرّا... فقيد إلى المقامة لا يراها 225 ومثل قولهم: المال بين زيد وبين عمرو، كما قال أعشى همدان: 2952 - بين الأشجّ وبين قيس باذخ... بخ بخ لوالده وللمولود 226 ثم المنقول عن الكوفيين أنهم أجازوا إضافة «كلا وكلتا» إلى نكرة، ولا معول على مذهبهم في ذلك 227. قال ناظر الجيش: قال المصنف 228: «قبل» و «بعد» اسمان متقابلان يلزمهما الظرفية ما لم ينجرّا بـ «من» وتلزمهما الإضافة معنى ولفظا في أكثر الاستعمال ويقطعان عن الإضافة لفظا وينوى معناهما إذا علم المضاف إليه ولم يقصد إيهام كقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ 229 أي: لله الأمر من قبل الحوادث ومن بعدها، وقد يقطعان عن الإضافة لفظا ومعنى فينكران؛ وذلك لقصد الإيهام أو لعدم دليل على المضاف إليه.
ويستوجبان البناء على الضم إذا قطعا لفظا لا معنى؛ وذلك أن لهما مناسبة للحرف معنوية ولفظية.
أما المعنوية فمن قبل أنهما لا يفهم تمام ما يراد بهما إلا بما يصحبهما، وأما اللفظية فمن قبل جمودهما وكونهما لا يثنيان ولا يجمعان ولا ينعتان ولا يخبر عنهما ولا ينسب إليهما ولا يضاف.
ومقتضى هاتين المناسبتين أن يبنيا على الإطلاق لكنهما أشبها الأسماء -

الحديث: 2951 - الجزء: 7 - الصفحة: 3205

................................  المتمكنة بقبول التصغير والتعريف والتنكير؛ فاستحقا إعرابا في حال وبناء في حال.
والأحوال ثلاث: حال التصريح بترك الإضافة عند قصد التنكير، وحال ترك الإضافة لفظا وإرادتها معنى فكان البناء مع هذه الحال أليق؛ لأنهما على خلاف الأصل، وبناء الاسم على خلاف الأصل فجمع بينهما التناسب، وتعين الإعراب مع الحالتين الأخريين؛ لأنهما على وفق الأصل وإعراب الاسم على وفق الأصل وكان بناؤهما على حركة؛ لأن لهما أصلا في التمكن ولولاه لم يفارقهما البناء وكانت الحركة ضمة؛ لئلا يلتبس الإعراب بالبناء، وذلك أنهما إذا كانا معربين فلا تدخلهما ضمة وإنما تدخلهما فتحة أو كسرة كنحو: جئت قبلك ومن قبلك، ومن الملازمة للإضافة معنى لا لفظا «آل» بمعنى أهل 230 وأصله فأبدلت هاؤه همزة وأبدلت الهمزة ألفا بدلا لازما؛ لسكونها بعد همزة مفتوحة في كلمة واحدة ويدل على أن أصلها «أهل» قول العرب في تصغيره: أهيل وقالوا أيضا: أويل ح فاعتبروا فيه اللفظ متناسين الأصل ويقل استعماله غير مضاف لفظا ومضافا إلى ضمير ومضافا إلى اسم جنس ومضافا إلى علم ما لا يعقل فمن ترك اضافته لفظا قول الشاعر: 2953 - نحن آل الله في بلدتنا... لم نزل آلا على عهد إرم 231 ومن استعماله مضافا إلى ضمير قول الشاعر: 2954 - أنا الفارس الحامي حقيقة والدي... وآلي فما تحمي حقيقة آلكا 232 ومن استعماله مضافا إلى اسم جنس قول عبد المطلب 233: 2955 - لا يغلبنّ صليبهم... ومحالهم عدوا محالك وانصر على آل الصّليـ... ـب وعابديه اليوم آلك 234 ومن إضافته إلى علم ما لا يعقل قول الشاعر: -

الحديث: 2953 - الجزء: 7 - الصفحة: 3206

................................  2956 - من الجرد من آل الوجيه ولا حق... تذكّرنا أوتارنا حين تصهل 235 ومن الملازمة للإضافة معنى لا لفظا «كل» غير الواقع توكيدا ولا نعتا.
فإن رفع توكيدا أو نعتا كان مثل «كل» في ملازمة الإضافة لفظا ومعنى فالتوكيد كقولك: مررت بهم كلهم، والنعت نحو: زيد الرجل كل الرجل، أي: الكامل الرجولية؛ فلا يجوز إفراد «كل» في هذين الموضعين.
وقد أجاز الفراء 236 والزمخشري 237 الإفراد في التوكيد وحمل على ذلك قراءة بعض القراء إنا كلا فيها إن الله قد حكم بين العباد 238، ولا خلاف في منع إفراد المنعوت به.
والصحيح عندي منع إفراد المؤكد به؛ لأن ألفاظ التوكيد على ضربين: مضاف ومفرد؛ فالمفرد 239 كـ: أجمع وجمعاء لا يجوز أن يضاف بإجماع والمضاف غير «كل» كالنفس والعين و «كلا» لا يجوز إفراده بإجماع فإجازة إفراد «كل» تستلزم مخالفة النظائر في الضربين فوجب اجتنابها.
وأما النصب في إنا كلا فيها فيخرج على أن (كلا) حال والعامل فيه (فيهآ) كما عمل «فيهم» في قول النابغة: 2957 - رهط ابن كوز محقبي أدراعهم... (فيهم ورهط ربيعة بن حذار) 240 في «محقبي» وقد بسطت القول على هذه المسألة في باب الحال.
وأما «كل» غير الواقع توكيدا ولا نعتا فإنه ملازم الإضافة معنى لا لفظا لكنه لا يجرد عن الإضافة لفظا إلا وهو مضاف معنى؛ فلذلك لا تدخل عليه «ال» وقد أدخلها عليه أبو القاسم الزجاجي في جمله ثم اعتذر عن ذلك 241. وشذ تنكيره وانتصابه حالا فيما حكاه أبو الحسن الأخفش 242؛ فعلى هذا لا يمتنع أن تدخل عليه «ال» -

الحديث: 2956 - الجزء: 7 - الصفحة: 3207

................................  فإن أضيف إلى نكرة تعين اعتبار المعنى في ما له من ضمير وإخبار وغير ذلك فتقول: كل رجلين أتياك فأكرمهما، وكل رجال أتوك فأكرمهم، وكل امرأة أتتك فأكرمها، ومنه قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ 243. وإذا أضيف إلى معرفة لفظا أو نية جاز اعتبار المعنى واعتبار اللفظ؛ فمن اعتبار المعنى قوله تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ 244، ومن اعتبار اللفظ قوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً 245 وإفراد ما لـ «كلا» و «كلتا» أجود من تثنيته ولذلك جاء القرآن العزيز بالإفراد قال الله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها 246. فقال آتَتْ ولم يقل: آتتا، وقد اجتمع الوجهان في قول الشاعر: 2958 - كلاهما حين جدّ الجري بينهما... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي 247 ويتعين إفراد الخبر في نحو: كلانا كفيل صاحبه؛ لإضافته إلى «صاحبه» إذ لو ثني الخبر فقيل: كلانا كفيلا صاحبه؛ لزم الجمع بين تثنية وإفراد في خبر واحد وفي الإفراد السلامة من ذلك فكان متعينا، ولأن إضافة «كفيل» إلى «صاحب» وهو مضاف إلى ضمير «كلا» بمنزلة تثنيته، فلو ثني لكان ذلك بمنزلة تثنيته مرتين فلم يجز ذلك.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 248. ويتعلق به أبحاث: أولها: قوله في «قبل» و «بعد» أنهما يلزمهما الظرفية ما لم ينجرّا بـ «من» ظاهر، ولكن الجماعة كأنهم لا يحكمون لهما بذلك.
ولهذا قال الشيخ: إنهما صفتان للظرف وليسا بظرفين، وأن الأصل في نحو: جاء زيد قبل عمرو: جاء زيد زمنا قبل زمن مجيء عمرو، وكذا «بعد» التقدير فيها: زمنا بعد زمن مجيء عمرو 249. ولا يخفى بعد هذا التقدير، ثم إن الموصوف الذي قدروه لم ينطق به أصلا والذي يظهر أنهما أنفسهما ظرفان، فـ «قبل» في قولنا: جاء زيد قبل عمرو؛ اسم زمن -

الحديث: 2958 - الجزء: 7 - الصفحة: 3208

................................  سابق، أي: متقدم على زمن مجيء عمرو.
ثانيها: أن هذا الفصل إنما هو [4/ 82] معقود لذكر أسماء لازمت الإضافة، وأن منها ما لا يقطع عنها فهو ملازم لها لفظا، ومنها ما يقطع عنها لفظا فهو ملازم لها معنى.
أما كون ما يقطع منها يعرب بعد القطع أو مبني فليس الفصل معقودا له؛ لأن المصنف أورد الكلام في ذلك مستوفى في الفصل الذي يلي هذا الفصل لكنه مع هذا تعرض هنا إلى الكلام على حكم هاتين الكلمتين - أعني قبلا وبعدا - بالنسبة إلى الإعراب والبناء حال قطعهما عن الإضافة.
ثم إن الشيخ لم يقتصر على ذكر هاتين الكلمتين كما فعل المصنف بل ذكر الكلمات المشاركة لهما في هذا الحكم 250 ورأيت تأخير ذلك إلى أن يحصل الكلام في الفصل الآتي؛ فإنه أمسّ بذلك.
ثالثها: أن المصنف قد قال مشيرا إلى «آل»: (ولا يضاف غالبا إلا إلى علم من يعقل) فقال الشيخ: لو قال: إلا إلى علم من يعلم كان أجود؛ لأنهم أضافوه إلى الله تعالى.
رابعها: قد عرفت قول المصنف في متن الكتاب مشيرا إلى «كل»: (وهو عند التجرد منوي الإضافة، فلا يدخل عليه «ال» وشذ تنكيره وانتصابه حالا).
وقد استشكلت كلامه هذا من حيث إنه غير محتاج إليه؛ لأن الكلام الآن إنما هو في الكلمات اللازمة للإضافة في المعنى دون اللفظ وإذا كان الكلام في ما هو كذلك؛ فأي فائدة في قوله: (وهو عند التجرد منوي الإضافة)؟ لا يقال: إنما ذكر ذلك؛ لأنه قد قال في «قبل» و «بعد» إنهما قد يقطعان عن الإضافة لفظا ومعنى، فينكران؛ فخشي أن يتوهم أن كلمة «كل» كذلك؛ لأنا نقول: الأصل أن جميع الكلمات التي ذكرها وإن قطعت عن الإضافة لفظا أن إضافتها معنى مرادة لقوله: (ولازمتها معنى لا لفظا أسماء)؛ فمن أين يعلم أنهما ينكران؟ ولو لم ينبه في الشرح على أن هاتين الكلمتين يفعل بهما -

الجزء: 7 - الصفحة: 3209

................................  ذلك ما علمناه، وإذا كان كذلك فهو مستغن عن قوله في «كل»: إنه (عند التجرد منوي الإضافة)، وقد يقال: إنما ذكر المصنف ذلك؛ لأن من الناس من يزعم أن «كلّا» نكرة إذا قطعت عما تضاف إليه.
قال الشيخ: اختلف النحويون في «كل» و «بعض» هل هما معرفتان أو نكرتان؟ فذهب سيبويه 251 والجمهور إلى أنهما معرفتان تعرفا بنية الإضافة؛ لأنهما لا يكونان أبدا إلا مضافين.. وقالوا: مررت بكل قائما وببعض جالسا.
وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان، وألزم من قال بتعريفهما بنية الإضافة القول بأن نصفا وثلثا وسدسا معارف؛ لأنها في المعنى مضافات 252، وبإجماع منا أن هذه نكرات؛ فكذلك «كل» و «بعض» فلا تكون الإضافة من طريق المعنى توجب التعريف، ورد بأن العرب تحذف المضاف إليه وتريده نحو قوله: 2959 - أقبّ من تحت عريض من عل 253 وقد لا تريده كقوله: 2960 - [مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا]... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل 254 ووجدناهم يجيئون بآحاد منها في كثير من الكلام فدل على أن العرب لحظت المضاف إليه فيما ذكر واستدل أيضا على تنكير «كل» بقولهم: مررت بهم كلّا؛ فنصبوها حالا، وأجيب بأنه شاذ 255. انتهى.
ولقائل أن يقول: قد يكون المضاف إليه «كل» و «بعض» نكرة ويقطعان عن الإضافة إلى تلك النكرة وينوى إضافتهما إليها ولا يمكن الحكم بتعريفهما بنية الإضافة؛ لأن الإضافة هذه لو صرح بها ما تعرف المضاف فكيف وهي منوية؟! وإذا كان كذلك فكان ينبغي التقييد فيقال: إنهما معرفتان بنية الإضافة إذ كان -

الحديث: 2959 - الجزء: 7 - الصفحة: 3210

................................  المضاف إليه المحذوف معرفة.
أما أن يقال: إنهما معرفتان على الإطلاق فغير ظاهر إلا أن يدعى أن المضاف إليه «كل» و «بعض» لا يحذف إلا إذا كان معرفة، وأما إذا كان نكرة، فلا يجوز حذفه وذلك بعيد؛ إذ لا يمتنع أن يقال في كل أحد يموت: كل يموت، ولا في كل إنسان يبعث ويحاسب: كل يبعث ويحاسب.
خامسها: أن المصنف قد قال في «كل»: (وإن أضيفت إلى معرفة فوجهان) أي: يجوز أن يعتبر في الضمير والإخبار وغيرهما بالمعنى كما في قوله تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ 256 وأن يعتبر اللفظ كما في قوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً 257 فقال الشيخ: سوى بين ما أضيف إلى معرفة لفظا وبين ما أضيف إليها نية لا لفظا 258. قال: والذي دل عليه الاستقراء أنهما ليسا سواء، بل إذا كان مضافا إلى معرفة نية فالحكم ما ذكر يعني من جواز اعتبار المعنى واعتبار اللفظ؛ فمن مراعاة المعنى قوله تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ 259، وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ 260، ومن مراعاة اللفظ قوله تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ 261، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ 262، وقال الشاعر: 2961 - فكيف وكلّ ليس يعد وحمامه... وما لامرئ عمّا قضى الله مرحل 263 وإن كان مضافا إلى معرفة لفظا فالسماع مراعاة اللفظ وهو الإفراد قال الله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً 93 لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا 94 وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً 264، وقال الشاعر: 2962 - وكلّهم حاشاك إلّا وجدته 265 ولا يكاد يوجد في لسان العرب: كلهم يقومون، ولا: كلهن قائمات، وإن كان موجودا ذلك في تمثيل كثير من النحاة 266. -

الحديث: 2961 - الجزء: 7 - الصفحة: 3211

[من أحكام ما لازم الإضافة]

قال ابن مالك: (ما أفرد لفظا من اللّازم الإضافة معنى، إن نوي تنكيره أو لفظ المضاف إليه أو عوّض منه تنوين أو عطف على المضاف اسم عامل في مثل المحذوف لم يغيّر الحكم، وكذا لو عكس هذا الآخر، وإن لم ينو التّنكير ولا لفظ المضاف إليه، ولم يثبت التّنوين ولا العطف بني على الضّم إن لم يشابه ما لا تلزمه الإضافة معنى).
سادسها: ذكر الشيخ في شرحه تعليلا حسنا لتعين الإفراد في قولنا: كلانا كفيل صاحبه؛ فقال: إنما لم يجز التثنية؛ لأنه لزم من ذلك ألا يكون أحدهما كفيلا للآخر، بل كلاهما معا يكونان كفيلي صاحبهما، والمقصود الإخبار عن أن كل واحد منهما كفيل للآخر 267. قال: وضابطه أنه متى كان كل واحد منهما محكوما عليه بحكم الآخر بالنسبة إليه لا إلى ثالث تعين الإفراد كما قال الشاعر: 2963 - كلانا غنيّ عن أخيه حياته... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا 268 وكذلك يتعين الإفراد أيضا في قولك: كلاهما محب للآخر [4/ 83] وكلتاهما مكرمة للأخرى 269. انتهى.
وهذا التعليل أحسن من التعليل الذي ذكره المصنف بكثير؛ لأنه يرجع إلى أمر معنوي والذي ذكره المصنف يرجع إلى أمر لفظي.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 270: اللازم الإضافة معنى يعم ما اجتمع فيه جمود اللفظ والافتقار إلى غيره في بيان معناه كـ «قبل وبعد وغير وحسب وأول وأمام وخلف» وأخواتهما، وما وجد فيه الافتقار دون الجمود كأسماء العدد، وك «أهل وصاحب وجزء وجملة وجهة وجانب ومثل»، ونحوها مما يصغر ويثنى ويجمع ويشتق منه، فهذه أشبهت بقبولها لهذه الأحوال الأسماء التامة الدلالة فساوتها في -

الحديث: 2963 - الجزء: 7 - الصفحة: 3212

................................  الإعراب مضافة وغير مضافة بخلاف القسم الأول، فإنه أشبه الحرف لفظا؛ لعدم قبوله للأحوال المذكورة، ومعنى؛ لافتقارها إلى غيرها في بيان معناها.
فكان مقتضى هذا أن تبنى أبدا، إلا أنها أشبهت الأسماء التامة الدلالة بأن أضيفت إضافة صريحة وإضافة في حكم الصريحة وبأن جردت تجريدا صريحا قصدا للتنكير فوافقتها في الإعراب فإذا قطعت عن الإضافة ونوي معنى الثاني دون لفظه أشبهت حروف الجواب في الاستغناء بها عن لفظ ما بعدها؛ فانضم ذلك إلى الشبهين المذكورين فبنيت.
والمراد بكون الإضافة صريحة أن تكون في اللفظ والمعنى نحو: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ 271، والمراد بكونها في حكم الصريحة أن يحذف المضاف (إليه) 272 ويبقى المضاف بحاله التي كان عليها قبل الحذف كقول الراجز: 2964 - قبل وبعد كلّ قول يغتنم... حمدا لإله البرّ وهّاب النّعم 273 أراد: قبل كل قول؛ فحذف المضاف إليه وترك المضاف على حاله قبل الحذف - أعني النصب وترك التنوين - والمراد بالتجريد الصريح أن يقطع عن الإضافة لفظا ومعنى كقول الشاعر: 2965 - فساغ لي الشّراب وكنت قبلا... أكاد أغصّ بالماء الحميم 274 وإياه عنيت بقولي: (إن نوي تنكيره).
ولو كان في موضع جر لكسر كقراءة بعضهم: (لله الأمر من قبل ومن بعد) 275 أي: أولا وآخرا.
وجعل بعض العلماء «قبلا» معرفة.
والتنوين عوضا عن المضاف إليه فبقي الإعراب مع العوض كما كان مع المعوض عنه، ثم قلت: (أو لفظ المضاف إليه) فأشرت بذلك إلى أنه إذا حذف المضاف إليه لظهور معناه ونوي لفظه لقوة الدلالة عليه ترك المضاف بإعرابه وهيئته -

الحديث: 2964 - الجزء: 7 - الصفحة: 3213

................................  التي يستحقها مع بقاء المضاف إليه كقول الشاعر: 2966 - أمام وخلف المرء من لطف ربّه... كوالئ تزوي عنه ما هو يحذر 276 فأبقى «أمام» منصوبا غير منون كما لو نطق بما هو مضاف إليه من لفظ «المرء» المحذوف وبقاء المضاف مع المحذوف على هيئته أكثر ما يكون إذا عطف على المضاف عامل في ما يماثل المحذوف لفظا ومعنى، وقد يكون بخلاف ذلك كقول سويد بن كراع: 2967 - أكالئها حتّى أعرّس بعد ما... يكون سحيرا أو بعيد فأهجعا 277 أراد: أو بعيده، ومثله: 2968 - ومن قبل نادى كلّ مولى قرابة... فما عطفت مولى عليه العواطف 278 كذا رواه الثقات بكسر اللام، ومن ذلك قراءة ابن محيصن 279: فلا خوف عليهم 280 بالنصب دون تنوين على تقدير فلا خوف شيء ومثله قول بعض العرب: سلام عليكم بلا تنوين 281 يريد: سلام الله، وحكى أبو عليّ: ابدأ بذا من أوّل 282، بالفتح على منع الصرف، وبالضم على نية الإضافة دون قصد إلى لفظ المضاف إليه، وبالجر على قصد المضاف إليه، وحكى الكسائي أن بعض العرب قال: أفوق تنام أم أسفل 283، بالنصب على تقدير: أفوق هذا تنام أسفل منه، ومثله -

الحديث: 2966 - الجزء: 7 - الصفحة: 3214

................................  على أجود الوجهين قول الشاعر: 2969 - أقول لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر 284 أراد: سبحان الله؛ فحذف المضاف إليه، وأبقى المضاف على الهيئة التي يستحقها قبل الحذف. ومثل قول الآخر: 2970 - سبحان من فعلك يا قطام... بالرّكب تحت غسق الظّلام 285 والاستعمال المذكور في الأسماء الناقصة الدلالة قليل وهو في الأسماء التامة الدلالة كثير، فمن شواهده في النثر قول بعض العرب: قطع الله الغداة يد ورجل من قالها 286، ومن شواهده في النظم قول الأعشى: 2971 - إلّا علالة أو بدا... هة سابح نهد الجزاره 287 ومنها قول الآخر: 2972 - سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها... فنيطت عرى الآمال بالزّرع والضرع 288 ومنها قول الآخر: 2973 - بنو وبناتنا كرام فمن نوى... مصاهرة فلينأ إن لم يكن كفوا 289 ومنها قول الآخر: 2974 - يا من رأى عارضا أكفكفه... بين ذراعي وجبهة الأسد 290 ومنها قول الآخر: 2975 - نعيم وبؤس العيش للمرء منهما... نصيب ولا بسط يدوم ولا قبض 291

الحديث: 2969 - الجزء: 7 - الصفحة: 3215

................................  ولقلته في الناقص الدلالة جعلته فرعا وجعلت الآخر أصلا، وكل هذه الأمثلة قد عطف فيها على المضاف مضاف إلى مثل المحذوف؛ فتقدير الأول: قطع الله يد من قالها ورجل من قالها، وتقدير الثاني: إلا بداهة سابح أو علالة سابح، وتقدير الثالث: سهلها وحزنها، وتقدير الرابع: بنونا وبناتنا، وتقدير الخامس: بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد.
وتقدير السادس: نعيم العيش وبؤس العيش.
وأحق هذه الأمثلة بالاطراد الثالث والرابع؛ لأن المحذوف فيهما مدلول عليه بما قبله وبما بعده [4/ 84] وعبر عن المحذوف بعامل لا بمضاف ليدخل فيه ما المعطوف فيه غير مضاف نحو: «إنّ أحدكم ليفتن في قبره مثل أو قريبا من فتنة الدّجّال» 292 أراد: مثل فتنة الدجال أو قريبا من فتنة الدجال، ومثله قول الراجز: 2976 - بمثل أو أنفع من وبل الدّيم... علّقت آمالي فعمّت النّعم 293 أراد: بمثل وبل الديم أو أنفع من وبل الديم.
ونبهت بقولي: (وكذا لو عكس هذا الآخر) على أنه قد يحذف المضاف إليه بعد العاطف متروكا ما قبله على ما كان عليه قبل الحذف كما فعل به قبل العطف في نحو: قطع الله يد ورجل من قالها، لكن هذا فيه استدلال بالآخر على ما حذف من الأول وفي عكسه استدلال بالأول على حذف من الآخر.
ومن شواهده قول أبي برزة الأسلمي 294 رضي الله تعالى عنه: غزوت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبع غزوات أو ثماني، هكذا ضبطه الحفاظ في صحيح البخاري 296 بفتح الياء دون تنوين والأصل: أو ثماني غزوات؛ فحذف المضاف إليه وترك المضاف على هيئته التي كان عليها قبل الحذف ومثله قول الشاعر: -295

الحديث: 2976 - الجزء: 7 - الصفحة: 3216

................................  2977 - خمس ذود أو ستّ عوّضت... منها مائة غير أبكر وأفال 297 ويختص الناقص الدلالة بتعويض التنوين التنوين مما كان مضافا إليه فيبقى مع العوض على الحال الذي كان عليه مع المعوض منه من إعراب أو بناء، فالباقي على الإعراب كـ «كل» و «أي» في قوله تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ 298 وأَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 299، والباقي على البناء نحو: يومئذ، وحينئذ، والأصل: يوم إذ كان أو يكون، وحين إذ كان أو يكون؛ فحذفت الجملة للعلم بها وعوض منها التنوين فبقي بناء «إذ» مع العوض كما كان مع الجملة، والتقى الساكنان: الذال والتنوين، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين.
وزعم الأخفش أن كسرة الذال كسرة إعراب نظرا إلى أن البناء كان من أجل الإضافة إلى الجملة فلما حذفت عاد الإعراب إلى إذ، لأنه الأصل 300. ويبطل ما ذهب إليه ثلاثة أوجه: أحدها: أن من العرب من يفتح الذال فيقول: يومئذا ولو كانت الكسرة إعرابية لم تغن عنها الفتحة.
الثاني: أن المضاف إلى «إذ» قد يفتح في موضع الجر والرفع ففتحه في موضع الجر كقراءة نافع: ومن خزى يومئذ 301، ومن فزع يومئذ 302 ومن عذاب يومئذ 303؛ بالفتح كقول الشاعر: 2978 - رددنا لشعثاء الرّسول ولا أرى... كيومئذ شيئا تردّ رسائله 304 وفتحه في موضع الرفع كقول العرب من رواية الفراء: مضى يومئذ بما فيه، فلو كانت كسرة «إذ» إعرابية لم يبن ما أضيف إليه؛ لأن سبب بنائه إنما كان الإضافة إلى ما ليس معربا فبطل ما أفضى إلى القول بإعراب «إذ».
-

الحديث: 2977 - الجزء: 7 - الصفحة: 3217

................................  الثالث: أن العرب تقول: كان ذلك إذ؛ بالكسر دون إضافة «إذ» كقول الشاعر: 2979 - نهيتك عن طلابك أمّ عمرو... بعافية وأنت إذ صحيح 305 فلو كانت الكسرة إعرابية في «يومئذ» لم تثبت عند عدم ما اقتضاها وهو الإضافة.
وقد أورد الأخفش هذا البيت في كتاب المعاني 306، وزعم أنه مما حذف فيه المضاف وترك عمله ولو جاز هذا لجاز في مثل: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 307 الجر وكان فيه أجوز؛ لأن المضاف - أعني «أهل» - مراد اللفظ والمعنى ومع هذا لم يجز فيه الجر بإجماع حين حذف المضاف، فقدم الجواز في «حينئذ» لكون المضاف فيه مستغنى عنه من جهة المعنى أحق وأولى.
وبهذا يرد قول الأخفش: [أصل لات أوان: حين أوان، وإنما الأصل: ولات أوان ذلك؛ فحذف ذلك ونويت الإضافة وبني على الكسر ونون للضرورة ويجوز أن يكون الأصل: ولات من أوان؛ فحذف «من» وبقي عملها كقراءة بعضهم: ولات حين مناص 308 بكسر النون] 309. وقولي: (وإن لم ينو التنكير) إلى (بني المضاف على الضم) أشرت به إلى سبب بناء ما يقطع عن الإضافة وقد تقدم شرحه مستقصى.
ونبهت بقولي: (إن لم يشابه ما لا تلزمه الإضافة معنى) على أن بعض ما تلزمه الإضافة معنى يشبه الأسماء التامة الدلالة بقبول التصغير والتثنية والجمع والاشتقاق وكثرة 310 استعماله غير مضاف كـ «ثلث وربع ومثل وشبه» فلا يتأثر بالقطع عن الإضافة نويت أو لم تنو.
انتهى كلام المصنف.
وهو كما قيل: كالماء إلا أنه زلال، والسحر إلا أنه حلال، فرحمه الله تعالى -

الحديث: 2979 - الجزء: 7 - الصفحة: 3218

................................  ورضي عنه وأرضاه بمنه وكرمه.
ثم يتعلق بكلامه أبحاث: الأول: ذكر أن المضاف اللازم للإضافة معنى إذا أفرد أي: قطع عن الإضافة وذلك بأن يحذف المضاف إليه له حالات خمس؛ منها حالة يشترك فيها الاسم المعرب والمبني، وأربع حالات يختص بها المعرب: الأولى: أن يقطع عن الإضافة معنى كما قطع عنها لفظا وهي الحالة المعبر فيها عن المضاف بأنه نوي تنكيره.
الثانية: أن ينوى لفظ المضاف إليه فيكون المضاف في حكم ما هو مضاف لفظا وكأنه في التقدير لم يقطع عن الإضافة.
الثالثة: أن يعوض من المحذوف تنوين وهذه هي الحالة التي يشترك فيها المعرب والمبني، فالمعرب نحو: «كل» و «أي» المبني نحو: «يومئذ» و «حينئذ».
الرابعة: أن يعطف على المضاف اسم عامل في مثل المحذوف.
الخامسة: أن لا يكون شيء من هذه الأمور الأربعة لا نية تنكير المضاف، ولا نية تنكير لفظ المضاف إليه، ولا تنوين هو عوض، ولا عطف؛ وإنما ينوى معنى المضاف إليه لا غير.
ففي الحالات الأربع الأول يكون حكم المضاف كحاله مع ذكر المضاف إليه إن كان مع ذكر المضاف إليه معربا بقي بعد الحذف على إعرابه، وإن كان مبنيّا بقي على بنائه، وإلى هذا أشار بعد ذكر الحالات الأربع بقوله: لم يتغير الحكم.
ثم المعرب مع بقائه بعد الحذف على إعرابه باق على حذف تنوينه أيضا إلا في حالة التنكير فإنه ينون.
وحاصل الأمر: أن صورة المضاف بعد حذف المضاف إليه تستقر على ما كانت عليه حال ذكر المضاف إليه إلا إذا نكر فإنه ينون إن لم يمنع منه مانع كما إذا كان ذلك الاسم الذي هو المضاف لا ينصرف [4/ 85] وأما في الحالة الخامسة وهي أن ينوى معنى المضاف إليه فإن المضاف يبنى على الضم.
وهذه الحالات الخمس مصرح بها في متن الكتاب.
وفي الحقيقة إنما هي أربع فإن الحالة الرابعة وهي المشتملة على العطف داخلة في الحالة الثانية وهي التي ينوى فيها لفظا المضاف إليه، وذلك أنه إذا نوي لفظ -

الجزء: 7 - الصفحة: 3219

................................  المضاف إليه فقد يكون ذلك مع العطف وقد لا يكون فهو قسم واحد تحته صورتان، وكلامه في الشرح يقتضي هذا؛ فإنه بعد أن ذكر المضاف إليه إذا حذف ونوي لفظه ترك المضاف بإعرابه وهيئته التي يستحقها مع بقاء المضاف إليه وأنشد: 2980 - أمام وخلف المرء من لطف ربّه...... البيت قال: وبقاء المضاف على هيئته أكثر ما يكون إذا عطف على المضاف عامل في ما يماثل المحذوف لفظا ومعنى ثم قال: وقد يكون بخلاف ذلك وأنشد: 2981 - أكالئها... البيت المتضمن: «أو بعيد فأهجعا».
وقول الآخر: 2982 - ومن قبل نادى......... البيت إلى آخر ما استدل به على ذلك.
البحث الثاني: أطلق المصنف القول ببناء الاسم الناقص الدلالة عند حذف المضاف إليه مع إرادته؛ فلم يقيد شيئا منهما.
وابن عصفور قيد البناء بكون المضاف اسم زمان وبكون المحذوف 311 معرفة، لكنه إنما ذكر ذلك فيما يجوز فيه حذف المضاف إليه بقياس 312؛ فلا يلزم أن يمتنع ذلك على الإطلاق فقد يكون ذلك على غير قياس في غير أسماء الزمان وفي ما المضاف إليه المحذوف نكرة.
والمصنف إنما ذكر المسألة من الرأي دون تعرض منه لقياس ولا غير قياس.
على أن في اشتراط كون المضاف إليه المحذوف معرفة حال بناء المضاف بحثا وذلك أنهم قالوا في قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ 313: إن التقدير: من قبل ذلك ومن بعد ذلك، فيقول القائل: لم لا يجوز أن يكون التقدير: من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء؟ وما المانع من ذلك؟ بل يظهر أن هذا التقدير أبلغ في التعظيم من التقدير الذي ذكروه ويقوي أن المعنى على التقدير الذي ذكرته قول الإمام مالك 314 رضي الله تعالى عنه حين حضرته الوفاة: لله -

الحديث: 2980 - الجزء: 7 - الصفحة: 3220

................................  الأمر من قبل ومن بعد، ويقال: إنها آخر كلمة تكلم بها رضي الله تعالى عنه وأرضاه بمنه وكرمه.
فلا يرتاب أن مراده بذلك الاعتراف بأن الأمر لله من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء، أي: لله الأمر على الإطلاق.
لكن نقل الشيخ عن البسيط قال: إذا بنيت فهي معارف؛ لأنك لا تذكرها حتى يتقدمها كلام أو شيء واقع.
وقال بعضهم: هي نكرات وإنما تريد: قبل شيء، وعزاه إلى سيبويه 315. انتهى كلام صاحب البسيط، وقوله: لأنك لا تذكرها حتى يتقدمها كلام أو شيء واقع؛ قد يمنع، ثم يكفي في عدم ثبوت ذلك أنها نكرات في قول من خالف.
البحث الثالث: اختلف القول في موجب بناء هذه الأسماء المنقطعة عن الإضافة.
فأما المصنف؛ فقد عرفت ما ذكره من جمود لفظها وافتقارها إلى الغير في بيان معناها.
قال: فأشبهت الحرف لفظا؛ للجمود، ومعنى؛ للافتقار، إلى آخر كلامه المتقدم إلى أن قال: إنها لما قطعت عن الإضافة ونوي معنى الثاني أشبهت حروف الجواب في الاستغناء بها عن لفظ ما بعدها؛ فانضم ذلك إلى الشبهين المذكورين فبنيت.
وأما غير المصنف؛ فمنهم من قال: الموجب للبناء أن المضاف إليه لما حذف وأريد افتقر إلى ما يدل عليه فأشبه المضاف الحرف؛ لافتقاره إلى غيره.
ومنهم من قال: إن المضاف إليه لما حذف وأريد بقي المضاف كبعض كلمة، وبعض الكلمة لا يستحق الإعراب.
ومنهم من ذكر أن الموجب للبناء الإبهام ولذلك بنيت «غير» لما قطعت عن الإضافة إذا قلت: ليس غير ولا غير.
وإذا قسمت ما ذكروه بما ذكره المصنف علمت ما بينهما كما علمت ما بين السماء والأرض.
ثم إن الذي ذكره المصنف تعليل عام يشمل الكلمات التي يعرض لها البناء عند حذف ما هي مضافة إليه ظرفا كانت أو غير ظرف.
والكلمات التي أوردها في الشرح هي «قبل»، و «بعد»، و «غير»، و «حسب»، و «أول»، و «أمام وخلف» وأخواتهما.
- - صلبا في دينه ويقول: «العلم يؤتي إليه».
له الموطأ وغيره، (ت: 179 هـ). الأعلام (6/ 128)، والوفيات (1/ 439).

الجزء: 7 - الصفحة: 3221

................................  يعني بذلك بقية أسماء الجهات، وفي الألفية «دون»، و «عل» 316. ولا شك أن كلّا من هذه المذكورات ينسب إليه الجمود والافتقار، وأما ما ذكره غيره فربما لا يشمل الكلمات كلها.
البحث الرابع: لا شك أن هذا الفصل إنما هو معقود لبيان حكم الأسماء الملازمة للإضافة معنى إذا قطعت عنها لفظا؛ هل تبقى على إعرابها الذي كان لها قبل أن تقطع أو تبنى؟ ولكن لما كان القطع عن الإضافة عبارة عن حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف؛ لزم من ذلك أن يكون الكلام على قطع المضاف عما بعده مستلزما للقول بجواز حذف المضاف إليه، لكن المضاف إليه قد يحذف وإن لم يكن المضاف من الأسماء الملازمة للإضافة وهذا من هذا الباب، ثم إنه لم يكن في كلامه في المتن - أعني متن هذا الفصل - ما يقتضي التنبيه على ذلك أيضا، لكنه قد أورده في الشرح؛ فإنه لما ذكر مسألة الحذف إذا عطف على المضاف اسم عامل في مثل المحذوف وأنشد: 2983 - أمام وخلف المرء من لطف ربّه... كوالئ تزوي عنه ما هو يحذر قال: والاستعمال المذكور في الأسماء الناقصة الدلالة قليل، وهو في الأسماء التامة الدلالة كثير كقولهم: قطع الله يد ورجل من قالها، وكقول الشاعر: 2984 - إلّا علالة أو بدا... هة سابح نهد الجزاره [4/ 86] إلى آخر ما ذكره.
ولما أشار إلى حكم حذف المضاف إليه هذا استغنى عن ذكره عند ما ذكر حذف المضاف في فصل سيأتي.
فإنه كان الأصل أن يقرن بين الأمرين في الذكر كما فعل غيره، وكما فعل هو في الألفية.
ثم لننبّه بعد ما تقدم على أمور: منها: أننا فهمنا من كلام المصنف أن المحذوف في قولهم: قطع الله يد ورجل من قالها؛ هو المضاف إليه «يد»، والتقدير: قطع الله يد من قالها؛ فحذف من -

الحديث: 2983 - الجزء: 7 - الصفحة: 3222

................................  الأول لدلالة الثاني.
وابن عصفور ذكر في كتبه أن «يدا» مضافة إلى «من قالها» المنطق به والتقدير: قطع الله يد من قالها ورجله؛ فحذف الضمير وأقحم المعطوف بين المضاف والمضاف إليه وحذف التنوين من «يد» لإضافته إلى «من» وحذف من «رجل» لأنه مضاف إلى «من» في المعنى وبمنزلة المضاف إليه في اللفظ 317. وإنما قال: إنه بمنزلة المضاف إليه في اللفظ؛ لأنه قال: إذا حذف المضاف إليه وكان المضاف غير ظرف فلا بد من التنوين إلا أن يكون المضاف بعد الحذف على هيئته قبل الحذف نحو قولهم: قطع الله يد ورجل من قالها؛ قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى شارحا لكلام ابن عصفور: أجمعوا على أن هنا مضافا محذوفا من أحدهما.
واختلفوا من أيهما حذف.
فمذهب سيبويه كما قاله المصنف وهو أسهل؛ لأنه ليس فيه وضع ظاهر موضع مضمر وليس فيه أكثر من الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف 318. قال شيخنا ابن عمرون رحمه الله تعالى: لما شارك الفاصل ما قبله في النسبة إلى المضاف إليه حسن وشجعه كون الدليل يكون مقدما على المدلول عليه ومذهب أبي العباس المبرد أن «رجل» مضافة إلى «من» المذكورة و «يد» مضافة إلى «من قالها» أخرى محذوفة 319، ويلزمه أن يكون قد وضع الظاهر موضع المضمر؛ إذ الأصل: يد من قالها ورجل من قالها، وحسّن ذلك عنده كون الأول معدوما في اللفظ فلم يستكره لذلك.
انتهى.
والظاهر أن المذهبين متعادلان.
فإن أرجحية كل من القولين تعادل مرجوحية الآخر.
ولقائل أن يقول: الدليل على صحة مذهب المبرد ما أنشده المصنف من قول القائل: 2985 - سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها وقول الآخر: 2986 - بنو وبناتنا كرام فإن الضمير إنما يتصل بعامله وإذا ثبت في هذين البيتين أن المحذوف هو ما أضيف -

الحديث: 2985 - الجزء: 7 - الصفحة: 3223

................................  إليه الأول وجب القول بذلك في نحو: قطع الله يد ورجل من قالها.
ومنها: أن من جملة الكلمات المذكورة «عل» كما ذكرها المصنف في الألفية، وقد ذكرها ابن عصفور 320 وأنشد قول امرئ القيس: 2987 - كجلمود صخر حطّه السّيل من عل لكن قال الشيخ بهاء الدين: كلامه - يعني ابن عصفور - يدل على أن ثم مضافا إليه محذوفا.
وكلام النحاة كلهم في البيت يدل على أنه ليس هنا مضاف إليه محذوف؛ بل المحذوف إنما هو موصوف على التقدير من موضع عال، ومعناه: فوق 321. ويدل على صحة ما قاله الشيخ بهاء الدين أن ابن أبي الربيع ذكر أن هذه الكلمة لا تضاف، وذكروا أن من أحكامها أيضا: أنها لا تستعمل دون «من»، فعلى هذا تكون «عل» مخالفة لأخواتها المذكورة في هذين الحكمين وموافقة لها في بقية الأحكام وهي الإعراب إذا قصد التنكير، والبناء على الضم إذا قصد التعريف.
ثم إن معناها معنى «فوق» 322، وفيها ثماني لغات ذكرها الشيخ بهاء الدين وهي: علو وعلو وعلو ومن عل ومن علا ومن عال ومن معال، قال: وقال ابن عمرون: يقال: جئته من عل كـ «شج» وفي معناه من عال كـ «قاض» ومن معال ومن علا كـ «عصا» نكرات فلذا نونت، ولم تبن على الضم، ومن عل؛ مبنية على الضم لا غير معرفة، ويقال: جئته من علو وعلو وعلو فالضم كـ «قبل»، والفتح طلبا للخفة، والكسر على أصل التقاء الساكنين وهربا من ثقل الضمة والواو 323. ومن جملة الكلمات المذكورة أيضا «غير».
ولا شك أنها ليست ظرفا وإنما هي كلمة يراد بها الدلالة على مغايرة ما بعدها لما قبلها ولهذا اختلف في الضمة من قولهم: ليس غير ولا غير؛ فقيل: إنها حركة إعراب؛ لأنها ليست بظرف فحكمها حكم «أي» و «كل» إذا قطعتا عن الإضافة وهو رأي الأخفش 324، وقيل: إنها حركة بناء؛ لأنها وإن لم تكن ظرفا فهي تشبه «قبلا» و «بعدا» في -

الحديث: 2987 - الجزء: 7 - الصفحة: 3224

................................  الإبهام، فحملت عليهما وقد تقدم الكلام على «غير» مشبعا في باب المستثنى.
ومن جملة الكلمات أيضا: «حسب» فهي منقطعة عن الإضافة ومبنية على الضم، وذكروا أنها إذا أريد بها هذا المعنى تضمن معنى «لا غير» وتستعمل وصفا وحالا وتكون مبتدأة أيضا فيقال: قبضت عشرة حسب، ورأيت عشرة الرجال حسب، وقبضت ألفا فحسب.
ولا شك أن إضافتها مقدرة، ولهذا بنيت على الضم لقطعها عن الإضافة لفظا وإرادتها معنى قالوا: والتقدير في المثالين الأولين اللّذين «حسب» فيهما صفة وحال: حسبي.
ولم يظهر لي مع هذا التقدير معنى الوصفية ولا الحالية ثم إذا كان حسب مقدر الإضافة كان معرفة، والمعرفة لا يوصف بها النكرة ولا تقع حالا.
يقال: إن الكلمة بمعنى «كاف» واسم الفاعل لا يتعرف بالإضافة؛ لأن الكلمة المذكورة لو لم تقدر معرفة لم تبن على الضم ولو قدر تنكيرها لوجب الإعراب كما في «قبل» و «بعد» وأخواتها.
والذي يظهر أن يقال: إن «حسب» لما قطعت عن الإضافة ونوي معنى المضاف إليه وبنيت الكلمة على الضم قطع النظر بعد هذا عن كونها كانت مضافة وأفردت عن المضاف إليه ثم جعلت في حكم [4/ 87] كلمة مستقلة أتي بها ابتداء دون إضافة وحينئذ يتوجه القول فيها بأنها نكرة فتنعت بها النكرة ويصح وقوعها حالا.
وأما كونها مضمنة معنى «لا غير»؛ فقد ينازع فيه، ويقال: لا يلزم من كونها تفيد من المعنى ما يفيده «لا غير» أن تكون مضمنة معناها، وإنما استفيد هذا المعنى من جهة أخرى.
وبيانه أن الأصل في حسب المضافة لفظا أن معناها معنى «كاف» فحكمها على هذا حكم اسم الفاعل العامل الذي لا يتعرف بالإضافة؛ وعلى هذا ينعت بها النكرة وتقع حالا كقولك: رأيت رجلا حسبك من رجل، أي: كافيا لك عن غيره وقائل: زيد حسبك من رجل، أي: كافيا عن غيره، وتقع معمولة للابتداء ونواسخه.
والحاصل أن: حركات الإعراب تجري عليها رفعا ونصبا وجرّا قال الله تعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ 325، وقال تعالى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ 326، وإذا كان كذلك فلا شك أننا نفهم من قول القائل: رأيت رجلا حسبك من رجل، إذا كان معنى -

الجزء: 7 - الصفحة: 3225

................................  «حسبك»: كافيا - أن ذلك الرجل الذي هو متعلق الرؤية مقتصرا عليه في الكفاية؛ بمعنى أنه يستغنى به فلا يحتاج معه إلى الغير. وعلى هذا نقول: «حسب» المقطوعة عن الإضافة التي تقدم القول فيها تفسر بالمعنى المذكور أو بما يقرب منه. فمعنى «قبضت عشرة حسب»: قبضت عشرة مقصورا عليها قبض لم يتعدّ إلى غيرها كأنها كفته في المقبوض، وحسب هي التي أفادت ذلك، وكذا «رأيت زيدا حسب» رأيت زيدا مقصورا رؤيتي عليه كأنه لكماله كاف فلا يحتاج مع رؤيته إلى غيره. وكذا إذا قيل: قبضت ألفا فحسب؛ التقدير: فهو حسب، أي: فالألف المقبوض حسب، أي: كاف لي لا أحتاج إلى قبض غيره، وعلى هذا يكون معنى «حسب» في الحالين - أعني مضافة ومقطوعة عن الإضافة - واحدا، ولا يحتاج إلى القول بأن الكلمة ضمت معنى «لا غير». وفي جعل «فحسب» - من: قبضت ألفا فحسب؛ مبتدأ، وأن التقدير: فحسبي ذلك - نظر؛ فإن التقدير إذا كان كذلك لا يكون معنى «حسب» في هذا التركيب معنى «لا غير»؛ لأنه إنما حصل الإخبار بأن الألف تكفيه، أما أنه اقتصر عليه ولم يقبض غيره؛ ففهمه من التركيب المذكور فيه بعد. ثم إن «حسب» عندهم نكرة وإذا كانت نكرة فما المسوغ للابتداء بها. وبعد: فليعلم أن من الشواهد التي ذكروها دالة على بناء ما قطع عن الإضافة من الكلمات المذكورة قول الشاعر: 2988 - أقبّ من تحت عريض من عل 327 وقول الآخر: 2989 - ولقد شددت عليك كلّ ثنيّة... وأتيت نحو بني كليب من عل 328 وقول الآخر: 2990 - إذا أنا لم أو من عليك ولم يكن... لقاؤك إلّا من وراء وراء 329

الحديث: 2988 - الجزء: 7 - الصفحة: 3226

................................  ومن الأمور التي ينبّه عليها أيضا.
أنهم ذكروا أن من أحكام «قبل» و «بعد» إذا بنيا على الضم لم يجز أن يقعا خبرين للمبتدأ ولا وصفين ولا حالين تقول: القيام قبل قعود زيد، ولا يقال: القيام قبل، وكذا حكم دون، وقدام، وأمام، ووراء، وخلف، وفوق، وتحت، ويمين، وشمال؛ فلا تقع أخبارا ولا صفات، ولا أحوالا، إذا قطعت عن الإضافة لفظا وبنيت على الضم، والحاصل أنها مساوية لـ «قبل» و «بعد» في جميع أحكامها إضافة وقطعا عنها وإعرابا وبناء.
وما ذكروه في «من قبل» و «من بعد» أنهما لا يقعان أحوالا قد يورد عليه قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ 330؛ فإن الظاهر أن «من قبل» و «من بعد» حالان من الضمير المستكن في خبر المبتدأ.
ومنها: أن الفراء قال: لا يجوز حذف المضاف إليه في مثل: قطع الله يد ورجل من قالها إلا في المصطحبين كـ «اليد» و «الرجل» و «النصف» و «الربع» و «قبل» و «بعد»، وأما نحو: دار وغلام زيد؛ فلا يجوز 331. ومنها: أن المصنف لم يتعرض في حذف المضاف إليه إلى ما هو قياس وما هو ليس بقياس.
وأما ابن عصفور؛ فإنه أشار إلى ذلك فقال: ويجوز حذف المضاف إليه بقياس إذا كان مفردا وكان المضاف اسم زمان.
فإن كان المحذوف معرفة بنيت اسم الزمان على الضم قال الله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي: من قبل الغلب ومن بعده، وإن كان نكرة لم تبنه نحو قوله: 2991 - كجلمود صخر حطّه السّيل من عل فإن كان المضاف إليه جملة لم يجز حذفه إلا فيما سمع من ذلك نحو قولهم: يومئذ وحينئذ؛ قال الله تعالى: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ 332، أي: حين إذ بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ 333 فحذفت الجملة وعوض منها التنوين، فإن كان المضاف غير ظرف لم يجز حذف المضاف إليه إلا فيما سمع من ذلك نحو: «كل» و «بعض» و «أي» و «غير» ولا بد من التنوين إلا أن يكون المضاف بعد الحذف على هيئته - - والشاهد في «وراء» الأول بني على الضم لقطعه لفظا ومعنى و «وراء» الثاني تأكيد له.

الحديث: 2991 - الجزء: 7 - الصفحة: 3227

................................  قبل الحذف نحو قولهم: قطع الله يد ورجل من قاله، التقدير: قطع الله يد من قاله ورجله؛ فحذف الضمير وأقحم المعطوف بين المضاف والمضاف إليه وحذف التنوين من «يد» لإضافته إلى «من» وحذف من «رجل»؛ لأنه مضاف إلى «من» في المعنى وبمنزلة المضاف إليه في اللفظ 334. انتهى.
وهو كلام جيد وتفصيل حسن.
ولكن فيه أمران: أحدهما: أن تقييده المضاف بكونه اسم زمان فيه قصور، ولو أطلق فقال: إن كان - يعني المضاف إليه - مفردا وكان المضاف ظرفا ليشمل الزمان والمكان كان أولى، بل هو المتعين.
ويدل على أن هذا الحكم الذي ذكره شامل للظرفين - استدلاله بقول امرئ القيس: 2992 - كجلمود صخر حطّه السّيل من عل ولا شك أن «عل» من ظروف المكان.
وحين وقفت على كلام هذا الرجل حصل لي هذا الاستدراك ثم بعد ذلك رأيت الشيخ بهاء الدين رحمه الله تعالى لما تكلم على هذا الموضع قال: إلا أن في تمثيله [4/ 88] بـ «عل» هنا وهو أنه: إنما ترجم على أسماء الزمان ومثل بـ «عل» وهو اسم مكان لا زمان.
قال: فكان ينبغي أن يقول: وكان المضاف اسم زمان أو مكان فإن حكم «فوق» و «تحت» وغيرهما من أسماء الجهات حكم «قبل» و «بعد» في الإعراب والبناء 335. الثاني: إدراجه كلمة «غير» مع «كل» و «بعض» و «أي» وقوله بعد ذلك: ولا بدّ من التنوين؛ فإن بناء «غير» في نحو: ليس غير، ولا غير؛ جائز بخلاف الكلم الثلاث المذكورة كما عرفت.
ولا شك أنها إذا بنيت لا تنون، فلم يكن حكم «غير» حكم المذكورات معها.
والظاهر أن هذا جنوح منه إلى مذهب الأخفش.
وهو أن «غيرا» باقية على الإعراب عنده وكأن حذف التنوين منها حينئذ يكون للتخفيف، ولكن المنقول أن نصب «غير» جائز في «ليس غير» مع التنوين ودونه، والحركة حركة إعراب اتفاقا فقد جاز حذف التنوين مع القول بأنها معربة؛ وعلى -

الحديث: 2992 - الجزء: 7 - الصفحة: 3228

[من أحكام إضافة أسماء الزمان المبهمة]

قال ابن مالك: (فصل: تضاف أسماء الزّمان المبهمة غير المحدودة إلى الجمل فتبنى وجوبا إن لزمت الإضافة وجوازا راجحا إن لم تلزم وصدّرت الجملة بفعل مبنيّ، فإن صدّرت باسم أو فعل معرب جاز الإعراب باتفاق والبناء خلافا للبصريين.
وإن صدّرت بـ «لا» التبرئة بقي اسمها على ما كان وقد يجرّ ويرفع.
وإن كانت المّحمولة على «ليس»، أو «ما» أختها لم يختلف حكمهما.
ولا يضاف اسم زمان إلى جملة اسمية غير ماضية المعنى إلّا قليلا.
وقد تضاف «آية» بمعنى: علامة إلى الفعل المتصرّف مجردا أو مقرونا بـ «ما» المصدرية أو النّافية ويشاركها في الإضافة إلى المتصرّف المثبت «لدن» و «ريث» وقد تفصل «لدن» و «الحين» بـ «أن» و «ريث» بـ «ما».
وقالوا: اذهب بذي تسلم أي: بذي سلامتك، ولا بذي تسلم ما كان كذا.
ويختلف فاعلا «اذهب» و «تسلم» بحسب المخاطب، وعود ضمير من الجملة إلى اسم الزّمان المضاف إليها نادر؛ ويجوز في رأي الأكثر بناء ما أضيف إلى مبنيّ من اسم ناقص الدّلالة ما لم يشبه تامّ الدّلالة).
هذا يشكل قوله: ولا بد من التنوين.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 336: أسماء الزمان المبهمة تعم ما لم يختص بوجه ما كـ «حين ومدّة ووقت وزمان»، وما يختص بوجه دون وجه كنهار وصباح ومساء وغداة وعشيّة.
فأخرجت بـ (غير المحدودة) ما يدل على عدد دلالة صريحة كـ: «يومين وأسبوع وشهر».
واحترزت بـ (صريحة) من دلالة النهار على اثنتي عشرة ساعة؛ فإن ذلك لا يستحضر بذكر النهار كاستحضار عدد أيام الأسبوع بذكر أسبوع وكاستحضار عدد أيام الشهر بذكر شهر فلا يضاف إلى الجمل من أسماء الزمان إلا العاري من دلالة صريحة على عدد فيضاف إليها زمن أو زمان، -

الجزء: 7 - الصفحة: 3229

................................  ويوم وأيام، وليلة وليال، وغداة وعشية وعصر وأشباهها، ومن شواهد ذلك: 2993 - زمن العاذلي على الحبّ معذو... لـ عصيت الهوى فكنت مطيعا 337 ومنها: 2994 - أزمان قومي والجماعة كالّذي... لزم الرحالة أن تميل مميلا 338 ومنها: 2995 - أيّام لو تحتلّ وسط مفازة... فاضت معاطشها بشرب سابح 339 ومنها: 2996 - في ليال منهنّ ليلة باتت... ناقتي والها تجرّ الزماما 340 ومنها: 2997 - غداة أحلّت لابن أصرم طعنة... حصين عبيطات السّدائف والخمر 341 ومنها: 2998 - عشيّة سعدى لو تراءت لراهب... بدومة تجر حوله وحجيج قلى دينه واهتاج للشّوق إنّها... على الشّوق إخوان العزاء هيوج 342 ومنها: 2999 - طحابك قلب في الحسان طروب... بعيد الشّباب عصر حان مشيب 343

الحديث: 2993 - الجزء: 7 - الصفحة: 3230

................................  ولا يضاف إليها «يومان» ولا «ليلتان» ولا «أسبوع» ولا «شهر»؛ لأن أصل المضافات إلى الجمل «إذ» و «إذا» فأجري مجراهما من أسماء الزمان ما ساواهما في الإبهام، أو قاربهما لا ما باينهما من أسماء الزمان كـ «يومين» ولا ما ليس اسم كـ «آية».
وأجاز ابن كيسان إضافة يومين إلى الجملة 344. والصحيح منع ذلك؛ لعدم السماع ولمخالفة «إذ» و «إذا» بالدلالة على العدد صريحا ونبهت بقولي: (وجوبا) على إضافة «إذ» و «إذا» مع أن الكلام على ذلك قد تقدم في باب الظروف ثم قلت: (وجوازا راجحا إن لم يلزم وصدرت الجملة بفعل مبني) فنبهت على جواز الإعراب وترجيح البناء في نحو قوله: 3000 - على حين عاتبت المشيب على الصّبا... وقلت ألمّا أصح والشّيب وازع 345 وفي نحو قول الآخر: 3001 - لأجتذبن منهنّ قلبي تحلّما... على حين يستصبين كلّ حليم 346 فإن كانت الجملة اسمية أو فعلية مصدرة بمضارع معرب جاز الإعراب باتفاق والبناء عند الكوفيين دون البصريين والصحيح في هذه المسألة قول الكوفيين؛ لصحة الدلالة على ذلك نقلا وعقلا.
فمن الدلائل النقلية قراءة نافع: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم 347 بنصب اليوم 348 مع أن المشار إليه هو اليوم؛ لاتفاق الستة على الرفع فلو جعلت الفتحة فتحة إعراب لا متنع أن يكون المشار إليه اليوم؛ لاستلزام ذلك اتحاد الظرف والمظروف وكان يجب أن يكون التقدير مباينا للتقدير في القراءاة الأخرى مع كون الوقت واحدا والمعنى واحدا؛ لأن المراد حكاية القول في ذلك اليوم فلا بد من كونها كذا مما يقتضي اتحاد المعنى دون تعدده وكفتحة يَوْمُ يَنْفَعُ 349 فتحة يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ 350 في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، ومسمى يوم لا تملك في -

الحديث: 3000 - الجزء: 7 - الصفحة: 3231

................................  قراءتهما هو «يوم الدّين» فلا يكون غيره في قراءة غيرهما.
فيلزم من ذلك كون الفتحة بنائية وكون ما هي فيه مرفوع المحل ولا يقدر: «أغنى»؛ لأن تقدير «أغنى» لا يصلح إلا بعد ما يدل على المسمى دلالة تعيين و «يوم الدّين» دالّ على مسماه دلالة تعيين فتقدير «أغنى» بعده غير صالح ومن شواهد البناء قبل فعل معرب قول الشاعر [4/ 89]: 3002 - إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني... نسيم الصّبا من حيث يطّلع الفجر 351 ومن شواهد البناء قبل الجملة الاسمية قول أسيد بن عنقاء الفزاري: 3003 - دعاني فأنساني ولو ضنّ لم ألم... على حين لا بدو يرجّى ولا حضر 352 ومثله: 3004 - على حين خلّاني من القوم خلّة... كهول وولّى ربقتي وشبابي 353 ومثله: 3005 - تذكّر ما تذكّر من سليمى... على حين التّراجع غير دان 354 ومثله: 3006 - ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني... كريم على حين الكرام قليل وإنّي لا أخرى إذا قيل مملق... سخيّ وأخزى أن يقال بخيل 355 ومثله: 3007 - أعليّ أحين ما الحرب جاءت... صلت بغيّا وكنت قبل ذليلا 356

    • راجع البحر المحيط (8/ 437)، وحجة ابن زنجلة (753، 754).

الحديث: 3002 - الجزء: 7 - الصفحة: 3232

................................  هكذا نقلت هذه الأبيات بالفتح بناء، مع أن الإضافة فيها إلى جمل مصدرة بمعرب إعرابا أصليّا فلأن يثبت بناء ما أضيف إلى جملة مصدرة بمعرب أصله البناء أحق وأولى، وهذه دلالة عقلية تقتضي بناء المضاف إلى الجملة المصدرة بفعل معرب. وأقوى منها أن يقال: سبب بناء المضاف إلى جملة مصدرة بفعل مبني إما قصد المشاكلة وإما غير ذلك. فلا يجوز أن يكون قصد المشاكلة؛ لأمرين: أحدهما: أن البناء قد ثبت مع تصدير الجملة المضاف إليها اسم معرب ولا مشاكلة فامتنع أن يكون البناء لقصدها. الثاني: أن بناء المضاف إلى جملة مصدرة بفعل مبني لو كان سببه قصد المشاكلة لكان بناء ما أضيف إلى اسم مبني أولى؛ لأن إضافة ما أضيف إلى اسم مفرد إضافة في اللفظ والمعنى وإضافة ما أضيف إلى جملة إضافة إليها في اللفظ وإلى مصدر في التقدير، وتأثير ما يخالف لفظه معناه أضعف من تأثير ما لا تخالف فيه أعني إضافة اسم الزمان إلى مفرد من الأسماء مبني، ولا خلاف في انتفاء سببه الأقوى؛ فانتفاء سببه الأضعف أولى. فثبت بهذا كون بناء المضاف إلى الجملة مسببا عن أمر آخر وهو شبه المضاف إليها بحرف الشرط في جعل الجملة التي تليه مفتقرة إليه وإلى غيره. فإن «قمت» من قولك: حين قمت قمت، وإن قمت قمت؛ كان كلاما تامّا قبل دخول «حين» و «إن» عليه وبدخولهما عليه حدث له افتقار إليهما وإلى ما بعدهما فشبه «حين» وأمثاله بـ «أن» وجعل ذلك سببا للبناء المشار إليه على وجه لا يخالف القاعدة العامة وهي ترتيب بناء الأسماء على مناسبة الحرف بوجه. وقد يضاف اسم الزمان إلى جملة مصدرة بـ «لا» التبرئة فيبقى اسمها على ما كان عليه من بناء، أو نصب، وقد يجر، وقد يرفع. فمن ذلك ما حكى أبو الحسن من قول بعض العرب: جئتك يوم لا حرّ ولا برد، ويوم لا حرّ ولا برد، ويوم لا حرّ ولا برد 357، وأنشد: 3008 - تركتني حين لا مال أعيش به... وحين جنّ زمان النّاس أو كلبا 358

الحديث: 3008 - الجزء: 7 - الصفحة: 3233

................................  وقد تكون «لا» المصدرية العاملة عمل «ليس» فيتعين بقاء عملها، وكذلك حكم «ما» أختها، ومن شواهد ذلك قول سواد بن قارب رضي الله عنه 359: 3009 - وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب 360 ومنها قول الآخر: 3010 - تبدّت لقلبي فانصرفت بودّها... على حين ما هذا بحين تصابي 361 وإذا أضيف اسم زمان إلى جملة اسمية امتنع عند سيبويه أن تكون مستقبلة المعنى والذي حمله على ذلك أن الأصل في ما يضاف إلى الجمل من أسماء الزمان «إذ» في الماضي و «إذا» في المستقبل وغيرهما تبع لهما.
فللجاري مجرى «إذ» أن يضاف إلى جملة اسمية وإلى جملة فعلية؛ لصحة إضافة «إذ» إليهما، وليس لما جرى مجرى «إذ» في قصد الاستقبال أن يضاف إلا إلى جملة فعلية فيقال: آتيك حين يذهب زيد، وحين زيد يذهب؛ كما يقال: آتيك إذ يذهب زيد، وإذ زيد يذهب، ولا يقال: آتيك حين زيد ذاهب؛ كما لا يقال: آتيك إذا زيد ذاهب 362. هذا مقتضى مذهب سيبويه - رحمه الله تعالى - أعني منع جواز دخول «إذا» على جملة اسمية، ومنع جواز دخول ما جرى مجراها على جملة اسمية، والصحيح جواز الأمرين لكن على قلة.
وقد أشرت إلى جواز ذلك في باب الظروف، وذكرت دلائل صحته نثرا ونظما، فأغنى ذلك عن قول ثان.
وقيدت الفعل الذي يضاف إليه «آية» بكونه متصرفا؛ ليعلم أنها لا تضاف إلى غير متصرف كـ «عسى» و «ليس»، ومن إضافتها إلى الفعل المجرد قول الشاعر: -

الحديث: 3009 - الجزء: 7 - الصفحة: 3234

................................  3011 - ألكني إلى سلمى بآية أو مأت... بكفّ خضيب تحت كفّ مدرع 363 وإلى مقرون بـ «ما» المصدرية قول الآخر: 3012 - ألا من مبلغ عنّي تميما... بآية ما يحبّون الطّعاما 364 وإلى مقرون بـ «ما» النافية قول الآخر 365: 3013 - ألكني إلى قومي السّلام رسالة... بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا 366 وفي هذا البيت دلالة على أنه لا حاجة إلى تقدير حرف مصدري بين «آية» والفعل المجرد كما زعم ابن جني في قول الشاعر: 3014 - بآية يقدمون الخيل شعثا... كأنّ على سنابكها مداما 367 فزعم أنه أراد: بآية ما يقدمون 368، وهو خلاف قول سيبويه 369. وكذا زعم ابن جني أن «ما» في قول الآخر: 3015 - بآية ما يحبّون الطّعاما مصدرية 370، وجعلها سيبويه زائدة ذكر ذلك في باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء 371. ووجه الاستدلال بقول القائل: 3016 - آية ما كانوا ضعافا ولا عزلا أن «آية» فيه مضافة إلى فعل منفي بـ «ما» وتقدير «ما» المصدرية قبل «ما» النافية ممتنع؛ فصحت إضافة «آية» إلى فعل مستغن عن «ما» المصدرية ويشارك «آية» -

الحديث: 3011 - الجزء: 7 - الصفحة: 3235

................................  في الإضافة إلى فعل متصرف مثبت «لدن» و «ريث» وهما أحق بذلك من «آية».
أما «لدن»؛ فلأنها تدل على مبدأ الغاية زمانا أو مكانا، فإذا دلت على المبدأ الزماني فجريها مجرى أسمائه المبهمة ليس ببدع.
فمن ذلك قول [4/ 90] الشاعر: 3017 - لزمنا لدن سألتمونا وفاقكم... فلا يك منكم للخلاف جنوح 372 وقد تتوسط «أن» بينها وبين الفعل زائدة أو مصدرية كقول الشاعر: 3018 - وليت فلم تقطع لدن أن وليتنا... قرابة ذي قربي ولا حقّ مسلم 373 وأما «ريث» فهو مصدر «راث - يرث» إذا أبطأ؛ فعومل في الإضافة إلى الجمل معاملة أسماء الزمان كما عوملت المصادر معاملة أسماء الزمان في التوقيت.
ومن إضافة «ريث» إلى الجملة قول الشاعر: 3019 - خليليّ رفقا ريث أقضي لبانة... من العرصات المذكرات عهودا 374 وقد يتوسط بينه وبين الفعل «ما» زائدة أو مصدرية كقول الشاعر: 3020 - بمحيّاه حين يلقى ينال الس... سؤل راجيه ريثما يتسنّى 375 وعلى كل حال ففي إضافة الثلاثة إلى الجمل شذوذ؛ لتساويها في استبدادها بالإضافة إلى الجمل دون النظائر كاستبداد «آية» دون «علامة» و «سمة»، وكاستبداد «لدن» دون «لدى» و «عند» وكاستبداد «ريث» دون «بطء» و «لبث».
وقد تتوسط «أن» بين «حين» والجملة كقول أوس بن حجر 376: 3021 - وحالت على وحشيّها أمّ جابر... على حين أن نالوا الرّبيع وأمرعوا 377 وأشد من إضافة الثلاثة إضافة «ذي» بمعنى «صاحب» إلى مضارع «سلم» مسندا إلى المخاطب بعد «اذهب» في قولهم: اذهب بذي تسلم، وفي التأنيث: -

الحديث: 3017 - الجزء: 7 - الصفحة: 3236

................................  اذهبي بذي تسلمين، وفي التثنية: اذهبا بذي تسلمان، وفي الجمع: اذهبوا بذي تسلمون، واذهبن بذي تسلمن.
وقالوا أيضا في القسم: لا بذي تسلم ما كان كذا؛ حكاه ابن السكيت 378 رحمه الله تعالى.
وقد اتفقت هنا الإضافة إلى الفعل لفظا وإلى المصدر تقديرا على أن كل مضاف إلى جملة مقدر الإضافة إلى المصدر من معناها، ومن أجل ذلك لا يعود منها ضمير إلى المضاف إليها.
كما لا يعود من المصدر.
فإن سمع ذلك عد نادرا كقول الأعشى: 3022 - وتبرد برد رداء العرو... س في الصّيّف رقرقت فيه العبيرا وتسخن ليلة لا يستطيع... نباحا بها الكلب إلّا هريرا 379 ومثله: 3023 - مضت سنة لعام ولدت فيه... وعشر بعد ذلك وحجّتان 380 وهذا مما خفي على أكثر النحويين.
ولذلك قال ابن السراج: فإن قلت: أعجبني يوم قمت فيه؛ امتنعت الإضافة؛ لأن الجملة حينئذ صفة ولا يضاف موصوف إلى صفة 381. ونبهت بقولي: (ويجوز في رأي الأكثر بناء ما أضيف إلى مبني من اسم ناقص الدلالة) على جواز بناء «غير» و «دون» و «بين» وشبهها من الأسماء التي لا تتم دلالتها على ما يراد بها إلا بما تضاف إليه مع مناسبتها الحروف بعدم قبولها للنعت والتعريف بالألف واللام والتثنية والجمع وبعدم اشتقاقها والاشتقاق منها؛ فإن ما فيها من مناسبة الحروف صالح لجعله سبب بناء على الإطلاق، لكنه ألغي في الإضافة إلى معرب واعتبر في الإضافة إلى مبني قصدا للمشاكلة.
وبعضها أحق بالبناء من بعض لكونه أزيد مناسبة كما ترى في «غير» من وقوعها موقع «إلا» وموقع «لا» نحو: قاموا غير زيد وزيد غير بخيل ولا جبان.
وحكى الفراء أن بعض بني أسد وقضاعة يبنون «غيرا» على الفتح إذا وقعت موقع «إلا» تمّ الكلام -

الحديث: 3022 - الجزء: 7 - الصفحة: 3237

................................  قبلها أم لم يتم، نحو: ما قام أحد غيرك وما قام غيرك 382. وأنشد عن الكسائي: 3024 - لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت... حمامة في غصون ذات أو قال 383 ومن شواهد بناء «دون» قوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ 384 ففتح نونه وهو موضع رفع بالابتداء، ومن بناء «بين» قوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ 385 ففتح النون وهو في موضع رفع؛ لقيامه مقام الفاعل ومثله قول الشاعر: 3025 - ولم يترك النّبل المخالف بينها... أخا لأخ يرجى ومأثورة الهند 386 هكذا ضبطه من يوثق بضبطه بفتح النون من «بينها» أجرى قوم منهم الزمخشري 387 وابن عصفور 388 «مثلا» مجرى «غير» في جواز البناء عند الإضافة إلى مبني واستشهدوا بقراءة الحرميين، والصريحين، وحفص 389: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ 390 بفتح اللام 391 وهو في موضع رفع صفة لـ (حقّ) 392 وبقراءة بعض السلف: أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح 393، وبقول الشاعر: 3026 - [فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم]... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 394

الحديث: 3024 - الجزء: 7 - الصفحة: 3238

................................  على أن «مثلهم» مبتدأ، ولا ينبغي لـ «مثل» أن يجري مجرى «غير»؛ لأنه وإن وافقه في أن دلالته على معناه لا تتم إلا بما يضاف إليه فقد خالفه بمشابهة التام الدلالة في قبول التصغير والتثنية والجمع والاشتقاق منه.
وكل ما استشهدوا به على البناء فخرج على الإعراب أحسن تخريج؛ فيجعل (حق) اسم فاعل من «حق - يحق» ثم قصر كما فعل بـ «بار، وسار» حين قيل فيهما: بر وسر، وبقي فيه الضمير الذي كان فيه قبل القصر وجعل مِثْلَ ما حالا منه.
وأما قراءة من قرأ: أن يصيبكم مثل ما أصاب 395؛ بالنصب فوجهه أنه منصوب على المصدرية وفاعل (يصيبكم) ضمير عائد على (الله) من: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ 396؛ كأنه قيل: ولا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم الله مثل ما أصاب قوم نوح، وإنما يحتاج إلى هذا إذا سلم بناء «غير» وما بعدها في المواضع المذكورة.
وهو وإن كان أشهر من بناء «مثل» ضعيف عندي؛ لأن الإضافة فيها قياسية، فلا ينبغي أن تكون سبب بناء؛ لأنها من خصائص الأسماء، فحقها أن تكف سبب البناء وتقلبه؛ لأنها تقتضي الرجوع إلى الأصل والسبب الكائن معها يقتضي الخروج عن الأصل وما يدعو إلى مراجعة الأصل راجع على ما يدعو إلى مفارقته.
ولذلك رجح شبه «أي» بـ «كل» و «بعض» على شبهها [4/ 91] بحرفي الشرط والاستفهام في المعنى وبالحرف المصدري في لزوم الافتقار.
وإذا ثبت هذا وجب توجيه ما أوهم بناء «غير» وشبهه للإضافة إلى مبني بما لا يخالف الأصول ولا يعسر القبول؛ فيخرج قول بني أسد وقضاعة: ما جاء غيرك؛ بفتح الراء على أن يكون المراد: ما جاء جاء غيرك؛ فنصب «غيرك» على أنه حال أو منصوب على الاستثناء، وساغ حذف «جاء» وهو فاعل؛ لأنه بعد نفي والعموم فيه مقصود وحذف مثل هذا بعد النفي والنهي كثير.
فمن بعد النفي قوله عليه الصلاة والسّلام: «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» 397 أي: ولا يشرب الشارب.
ومثله قول الراجز: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3239

................................  3027 - ما سار في سبل المعالي سيره... ولا كفى في النّائبات غيره 398 أراد: ما سار سائر غيره، ولا كفى كاف غيره.
ومثله قول الشاعر: 3028 - فإن كان لا يرضيك حتّى تردّني... إلى قطريّ لا إخالك راضيا 399 أراد: فإن كان لا يرضيك مرض، ومن وقوعه بعد النهي قراءة هشام 400: ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا 401، أي: ولا يحسبن حاسب، وعلى هذا يحمل قول الشاعر: 3029 - لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت كأنه قال لم يمنع الشرب منها مانع غير أن نطقت، والنصب على الحالية أو على الاستثناء.
وأما قوله تعالى: مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ 402 فعلى تقدير: ومنا صنف دون ذلك؛ فحذف الموصوف وقامت صفته مقامه كما قال الشاعر: 3030 - لكم مسجد الله المزوران والحصى... لكم قبصة من بين أثرى وأقترا 403 أراد: من بين من أثرى ومن أقتر؛ فحذف «من» وهي نكرة موصوفة وأبقى صفتها وبمثل هذا يوجه قوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ 404؛ فحذف «حول» مصدر (حيل) وأقيمت صفته مقامه ومثله قول الشاعر: 3031 - ولم يترك النّبل المخالف بينها... أخ لأخ يرجى ومأثورة الهند 405 أراد: المخالف خلاف بينها؛ فحذف الموصوف وهو مفعول ما لم يسم فاعله -

الحديث: 3027 - الجزء: 7 - الصفحة: 3240

................................  وأقام صفته مقامه.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 406. ويتعلق به أبحاث: الأول: ظاهر ما ذكره أن الإضافة إلى الجمل مقصورة على ما ذكره وهو أسماء الزمان المبهمة وأربع الكلمات التي تضمنها الفصل وهي «آية» بمعنى: علامة، و «لدن»، و «ريث»، و «ذو» من قولهم: اذهب بذي تسلم، وليس كذلك؛ فإن «حيث» تضاف إلى الجملة وليست ظرف زمان ولا هي من الكلمات التي ذكرها؛ بل هي ظرف مكان.
ثم ما يضاف إلى الجمل من أسماء الزمان وغيرها منه ما إضافته إليها واجبة، ومنه ما إضافته جائزة كما عرف ذلك من تفاصيل الأبواب.
وأفهم قوله: (أسماء الزمان) أن اسم الزمان يضاف إلى الجملة على الإطلاق سواء كان ظرفا أم غير ظرف.
قال الشيخ 407: وقوله: (غير المحدودة) تأكيد؛ لأن (المبهمة) كان يغني عن الوصف بـ (غير المحدودة).
ولقائل أن يقول: إن المختص من أسماء الزمان هو المتعين الزمان منها، كأسماء الأيام والشهور فإنها تعين مسماها، وما لا يتعين مسماه فهو المبهم.
ثم المبهم منه معدود وغير معدود؛ فـ «يومان» مثلا مبهم معدود و «وقت» و «زمن» و «حين» مثلا مبهم غير معدود.
ولا شك أن المعدود محدود، وإذا كان الأمر كذلك والفرض أن المحدود لا يجوز فيه الإضافة المذكورة تعين أن يقيد قوله: (المبهمة) بقوله: (غير المحدودة).
وقد تقدم في باب المفعول المطلق أن المعدود من قبيل المختص؛ فيكون قسيما للمبهم.
والآن قد ذكرنا أن المعدود من قبيل المبهم فيكون قسما منه.
والذي يظهر أن كونه قسما أولى من كونه قسيما.
الثاني: ذكر المصنف في شرح باب «لا» العاملة عمل «إن» عن المبرد أنه قال: العرب -

الجزء: 7 - الصفحة: 3241

................................  تقول: أعجبني يوم زرتني؛ فتبني، وأعجبني يوما زرتني؛ فتعرب 408. وهذا صريح في جواز إضافة أسماء الزمان المحدودة إلى الجملة.
وجرى ذكر هذه المسألة مرة في مجلس فيه المعتبرون من أهل الفن فذكرت لهم ما ذكره المصنف عن المبرد فقال بعض الجماعة: هذا منقوض بقوله في باب الإضافة: (تضاف أسماء الزمان المبهمة غير المحدودة إلى الجمل) فأجبت بأن لا مناقضة؛ وذلك أنه إنما قيد الأسماء المذكورة بعدم التحديد ليرتب على ذلك بناءها ومن ثم قال: فيبنى وجوبا إن كان كذا وجوازا إن كان كذا، وإذا كان كذلك فلا يمتنع إضافة أسماء الزمان المحدودة إلى الجمل، لكنها إذا أضيفت تكون معربة، ولا يجيء فيها البناء كما كان في غير المحدودة.
فاستحسنه الجماعة وكنت جازما بذلك.
لكن لما وقفت على قوله في الشرح هنا: ولا يضاف إليها يوما ولا ليلتان ولا أسبوع ولا شهر أشكل الأمر؛ لأنه صرح بأن المحدودة لا تضاف وأطلق وحينئذ يعود السؤال وهو أن يقال: كيف قال هنا: إن المحدودة من أسماء الزمان لا تضاف وقال في باب «لا»: إن العرب تقول: أعجبني يوما زرتني؛ فتعرب، ولا شك أن اليومين مضافان إلى «زرتني» مع أنهما معربان حال إضافتهما.
والذي ذكره المصنف هنا قد صرح به ابن عصفور حيث قال: ولا يضاف إلى جملة أسماء الزمان غير المثناة.
وكلام الشيخ 409 موافق لذلك.
وذكر السهيلي العلة في امتناع إضافة المبني إلى الجمل.
فقال: لأن الحدث إنما يقع مضافا للظرف الذي هو وقت له فلا معنى لذكر وقت آخر 410. قال: ووجه آخر وهو أن الجملة المضاف إليها هي نعت للظرف في المعنى فقولك: يوم قدم زيد؛ كقولك: يوم قدم زيد فيه، في المعنى.
والفعل لا تدخله التثنية فلا يصح [4/ 92] أن يضاف إليه الاثنان كما لا يصح أن ينعت الاثنان بواحد.
ووجه ثالث وهو أن قولك: قام زيد؛ لا يصح إلا أن يكون جوابا لـ «متى»، واليومان جواب لـ «كم» وما هو جواب لـ «كم» لا يكون جوابا لـ «متى» أصلا؛ فإن -

الجزء: 7 - الصفحة: 3242

................................  أضفت اليومين كنت مناقضا لجمعك بين الكمية وبين ما لا يكون إلا لـ «متى» 411. هذا ما نقلته من شرح الشيخ. ولم أفهم شيئا من الوجه الأول، ولا الثاني، ولا الثالث. ثم إني لم أعلم الموجب لاقتصار ابن عصفور على إخراج المثناة. ولا شك أن قول المصنف: (غير المحدودة) يشمل المثنى وغيره مما هو محدود؛ ولهذا قال: فأخرجت بـ (غير المحدودة) ما يدل على عدد دلالة صريحة كـ: «يومين» و «أسبوع» و «شهر». ولكن قال الشيخ: وأما ما كان من الظروف غير مثنى ودل على استحضار ما تحته من العدد استحضارا أوليّا كـ: «أسبوع» و «شهر» و «عام» فنص بعض أصحابنا على جواز إضافته إلى الجمل. ومنع المصنف ذلك في كل ما دل على عدد دلالة صريحة كـ: «أسبوع» و «شهر» 412. وأقول: إن الذي ذكره المصنف هو الظاهر بل الحق. ويدل على صحته أن الشيخ بعد ذكره ما تقدم نقل عن صاحب البديع 413 أنه قال: الأوقات التي تضاف إلى الجمل هي ما كانت حينا وزمانا لا يختص به شيء دون شيء ويقبح في الموقت نحو: «شهر»، و «سنة» حتى قالوا: لا يضاف شيء له عدد نحو: «يومين» 414. انتهى. وهذا موافق لما ذكره المصنف. ومما ينبه عليه أن الجمع ليس حكمه حكم المثنى؛ لأنه غير محدود وإنما حكمه حكم المفرد. وقد تقدم ما أنشده المصنف من قول الشاعر: 3032 - أزمان قومي والجماعة...... البيت وقول الآخر: 3033 - أيّام لو تحتلّ وسط مفازة ومنه قول الآخر: 3034 - ليالي أفناد الهوى ويقودني... تحول بنا ريحانه وتحاوله 415

الحديث: 3032 - الجزء: 7 - الصفحة: 3243

................................  البحث الثالث: ذكر الشيخ عن صاحب البسيط 416 أن هذه الإضافة - أعني إلى الجمل - هل تفيد تعريفا، أو لا؟ قال: فقد يقال: لا تفيد تعريفا؛ لأن الجمل نكرات، وقد يقال: إن الجمل تقدر بالمصادر والمصدر يضاف في التقدير إلى الفاعل أو المفعول، فكان معرفة إن كان المضاف إليه كذلك؛ لأن إضافة المصدر محضة، قال: وفيه نظر؛ لأن تقدير الجملة تقدير المصنف ليس على جهة أن الظرف سابك، وإنما هو تقدير المعنى كما في همزة التسوية، وإذا كان كذلك فلا التفات إلى هذه الإضافة بالنسبة إلى التعريف كما لا يتعرف قولك: غلام رجل، وأنت تريد واحدا بعينه، وأيضا فإنه لا يلزم في المصدر أن يضاف؛ بل قد يقدر منونا عاملا 417. انتهى.
وهو كلام حسن إلا أنه قال: وحصر النحويين الإضافة التي لا تفيد تعريفا في ما حصروه يدل على أن هذه الإضافة تفيد التعريف 418. وأقول: إن حصر النحويين الإضافة التي لا تفيد تعريفا في ما حصروه إلى آخره ليس فيه دليل على أن هذه الإضافة تفيد التعريف؛ لأن الإضافة إلى الجمل إنما هي على خلاف الأصل إذ الأصل الإضافة إلى المفرد، فالتقسيم الذي ذكروه - وهو أن الإضافة تفيد تعريفا ولا تفيده - إنما هو راجع إلى ما هو الأصل وهو الإضافة إلى المفرد، أما المضاف إلى الجملة من أسماء الزمان وغيرها فله حكم نفسه؛ إن كان معلوما قبل أن يضاف فمعلوم بعد الإضافة، أو غير معلوم فغير معلوم، ولا مدخل للإضافة في إفادة ذلك.
البحث الرابع: قد عرفت أن المصنف اختار مذهب الكوفيين وهو جواز بناء اسم الزمان المضاف إلى جملة مصدرة باسم أو فعل معرب، وقد استدل على ذلك بما تقدم ذكره.
- - وشرح المفصل (4/ 35)، والعيني (3/ 7)، (4/ 311)، والنقائض (632)، والهمع (2/ 111).

الجزء: 7 - الصفحة: 3244

................................  فقال الشيخ فيه: تأول البصريون قوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ 419 على أن هذا ليس إشارة إلى اليوم في قراءة النصب بل هو إشارة إلى الوعد وهذا مبتدأ، ويَوْمُ يَنْفَعُ خبره كأنه قيل: هذا الوعد يوم ينفع، وكذلك تأولوا يَوْمَ لا تَمْلِكُ 420 على أنه منتصب بإضمار فعل؛ أي: اذكر يوم لا تملك، وكذلك يحتمل قوله: 3035 - إذا قلت هذا حين أسلو أن يكون التقدير: هذا حالي حين أسلو؛ فيكون خبر «هذا» محذوفا لفهم المعنى 421. ثم قال: وما ذكره - يعني المصنف - لا يلزم؛ لأنه بناه على أن هذا إشارة إلى اليوم كهو في قراءة من رفع 422، وقد ذكرنا أن البصريين تأولوا ذلك.
قال: وأما مباينة التقدير باعتبار القرائن فلا تضر؛ لأن القراءتين تتنزلان في الآية الواحدة منزلة الآيتين، وأما كون الوقت واحدا فيمكن أن يقع فيه أقوال متباينة.
وأما أن المعنى واحد فغير مسلم؛ وقد تتعدد المقولات المحكية والزمان واحد وأما يَوْمَ لا تَمْلِكُ؛ فقد ذكرنا أن نصبه على تقدير: «اذكر» 423. انتهى.
والناظر الحاذق إذا قابل ما ذكره وما أشار إليه من تأويل البصريين بما ذكره المصنف علم ما بينهما من التفاوت وأن كلام المصنف في النقاع والكلام الذي قوبل به في الحضيض.
وفي شرح الشيخ: ومما يجوز فيه الإعراب والبناء هذه الظروف إذا أضيفت إلى «إذ» التي لحقها تنوين العوض نحو: «حينئذ» و «ساعتئذ» و «ليلتئذ» و «يومئذ» أو التي لم يلحقها نحو: جئت يومئذ قام زيد 424، وقال في قول المصنف: (فإن صدرت باسم أو فعل معرب جاز الإعراب باتفاق والبناء خلافا للبصريين): إن ذكر جواز الإعراب في هذه المسألة ليس جيدا؛ لأن الإعراب في المسألتين متحتم عند البصريين وجائز عند الكوفيين؛ إذ يخيرون في المسألتين بين الإعراب والبناء.
قال: فقد اختلف مدرك المذهبين؛ فلا يمكن [4/ 93] أن يقال في ذلك: جاز -

الحديث: 3035 - الجزء: 7 - الصفحة: 3245

................................  الإعراب باتفاق 425. انتهى. والجواب: أننا نعرف تحتّم الإعراب عند البصريين من قوله: (والبناء خلافا للبصريين) فكلامه سديد، لا مؤاخذة فيه. البحث الخامس: قد عرفت أن المصنف فسر قولهم: بذي تسلم: بذي سلامتك، ففهم من كلامه أن «ذي» بمعنى «صاحب» كما هي في قولهم: بذي سلامة، قالوا: والمعنى: اذهب في وقت ذي سلامة، وقد ذكروا في معناه غير ذلك والظاهر ما أشرنا إليه. وقد عرفت ما ذكره المصنف عن ابن السكيت أنه حكاه عن العرب وهو أنهم قالوا في القسم: لا بذي تسلم ما كان كذا. وفي شرح الشيخ: وقالوا: لا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، (ولا أفعل بذي تسلمون) 426، وفي الأبيات أيضا يعني أنهم يقولون: افعل بذي تسلم 427، وفي شرح الشيخ أيضا: أن بعضهم ذهب إلى أن «ذي» من قولهم: بذي تسلم - بمعنى «الذي» فهي موصولة و «تسلم» صلة لها وذلك على لغة طيئ وأعربت على لغة بعضهم، والمعنى اذهب في الوقت الذي تسلم فيه ثم اتسع فحذف الجار وأوصل الفعل فصار تسلمه ثم حذف الضمير. قال: فعلى هذا القول لا إضافة ولا شذوذ. قال: وإلى نحو هذا ذهب ابن الطراوة 428. البحث السادس: قد عرفت أن الجملة المضاف إليها اسم الزمان لا يعود منها ضمير عليه، وأنه إن ورد ذلك عدّ نادرا كقوله: 3036 - وتسخن ليلة لا يستطيع... نباحا بها الكلب إلّا هريرا 429

الحديث: 3036 - الجزء: 7 - الصفحة: 3246

................................  وكقول الآخر: 3037 - مضت سنة لعام ولدت فيه... وعشر بعد ذلك وحجّتان 430 هذا رأي المصنف كما تقدم له ذكره.
وأما ابن عصفور فإنه منع ذلك جملة؛ لأنه لما ذكر أن ذلك لا يجوز.
قال: فإن كان ضمير عائد عليه فصلته عن الإضافة وكانت الجملة صفة: فأما قوله: مضت سنة................ البيت فيتخرج على أن يكون «فيه» متعلقا بفعل مضمر التقدير: أعني فيه، ويكون «أعني» مع معمولها جملة اعتراض 431. وغير ابن عصفور قدّر «ولدت» أخرى وجعلها العاملة التقدير لعام ولدت ولدت فيه.
وأما البيت الآخر فقد خرج على حذف التنوين من ليلة كما حذف من قول الآخر: 3038 - شلّت يدا وحشيّ من قاتل 432 وأما المصنف فلم يعرج على تخريج، وإنما جعل الضمير عائدا من الجملة المضاف إليها على اسم الزمان على سبيل الندور.
المبحث السابع: قد يفهم قول المصنف: (ويجوز في رأي الأكثر بناء ما أضيف إلى مبني من اسم ناقص الدلالة) أنه لا يرى ذلك.
ويدل على أن هذا مراده أنه خرج جميع ما استشهد به على البناء أحسن تخريج كما عرفت.
ولم يطعن الشيخ في شيء من ذلك غير أنه بعد أن أورد كلامه قال: وما ذهب إليه من حذف الفاعل والمفعول الذي لم يسم فاعله هو منزع كوفي وليس مذهب البصريين 433. ولم يزد الشيخ على ذلك.
وهذا عجب؛ فإن المصنف استدل على حذف الفاعل بعد النهي بالآية الشريفة، وبعد النفي بالحديث الشريف؛ فكان الواجب أن يجيب عن الاستدلال المذكور.
ولا شك أن ما استدل به ظاهر الدلالة في المراد لا دافع له؛ فوجب القبول.

الحديث: 3037 - الجزء: 7 - الصفحة: 3247

[حذف أحد المتضايفات، والجر بالمضاف المحذوف]

قال ابن مالك: (فصل: يجوز حذف المضاف للعلم به ملتفتا إليه ومطّرحا ويعرب بإعرابه المضاف إليه قياسا إن امتنع استبداده به وإلّا فسماعا.
وفي قيامه مقامه في التّذكير والتّأنيث وجهان.
وقد يخلفه في التّنكير إن كان المضاف مثلا، وقد يحذف مضاف ومضاف إليه، ويقام ما أضيف إليه الثّاني أو ما أضيف إليه صفة للثّاني محذوفة مقام ما حذف، وقد يقام مقام مضاف محذوف مضاف إلى محذوف قائم مقامه رابع.
وقد يستغنى بمضاف إلى مضاف إلى مضاف إلى رابع عن الثّاني والثّالث، ويجوز الجرّ بالمضاف محذوفا إثر عاطف متّصل أو منفصل بـ «لا» مسبوق بمضاف مثل المحذوف لفظا ومعنى.
وربّما جرّ المضاف المحذوف دون عطف، ومع عاطف مفصول بغير «لا»).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 434: إذا كان المضاف لا يجهل معناه بحذف لفظه جاز أن يحذف ويجعل المضاف إليه معربا بإعرابه ونائبا عنه في ما جيء بالإعراب لأجله، وإن قدر لفظ المحذوف والتفت إليه رتب على وفقه ما بعد القائم مقامه كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ 435 فإن الأصل: أو كذي ظلمات؛ فحذف «ذو» وأقيمت ظلمات مقامه لفظا والتفت إليه معنى؛ فذكر الضمير.
ولولا الالتفات إلى المعنى لأنث كما أنث في قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها 436 ولو التفت هنا لقيل: الذين كنا فيها.
ومن الالتفات إلى المحذوف قراءة الحسن: (فجعلناها حصيدا كأن لّم يغن بالأمس) 437 بالياء؛ لأن الأصل: فجعلنا زرعها حصيدا، ومن الالتفات إلى المحذوف قولهم: قرأت هودا؛ بالتنوين يريدون: سورة هود، ولو جعل المضاف مطرحا لفظا ونية لقيل: قرأت هود؛ بلا -

الجزء: 7 - الصفحة: 3248

................................  تنوين لأنه على هذا القصد اسم للسورة فلا ينصرف للتعريف والتأنيث، ومن الالتفات إلى المحذوف قوله: 3039 - يسقون من ورد البريص عليهم... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل 438 أراد: ماء بردى فحذف ملتفتا إلى الماء فذكر، ولولا ذلك لقال: تصفق؛ لأن «بردى» اسم مؤنث، ثم إن القائم مقام المضاف إن امتنع استبداده به فهو قياسي وإن صح استبداده به فهو سماعي والمراد باستبداده به أن يكون المضاف إليه صالحا للفاعلية إن كان المضاف فاعلا، ولغير فاعلية إن كان غير فاعل؛ فالحذف في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 439 قياسي؛ لعدم استبداد [4/ 94] القرية بوقوع السؤال عليها حقيقة.
وكذا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ 440 أي: حب العجل هو أيضا قياسي لعدم صلاحية العجل لأن يكون مشربا في قلوبهم، وكذا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ 441 أي: ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، ومنه قول الأعشى: 3040 - فارقنا قبل أن نفارقه... لمّا قضى من جماعنا وطرا 442 أي: قبل إرادة أن تفارقه لا بد من هذا التقدير؛ لأن الفراق لا يكون من أحد المتفرقين قبل الآخر.
وأجاز ابن جني: جلست زيدا؛ على تقدير: جلست جلوس زيد 443، ولا أرى ذلك؛ لأن المعنى لا يتعين لاحتمال أن يراد: جلست إلى زيد؛ فحذفت «إلى» وانتصب ما كان مجرورا بها بخلاف الأمثلة التي مرت؛ فنوعها قد أمن فيه اللبس وجعل قياسا بخلاف ما يوجد فيه الجزآن صالحين لعمل العامل حقيقة نحو: ضربت غلام زيد؛ فإنه لو قيل فيه: ضربت زيدا، لم يفهم المراد؛ لأن «زيدا» يصح استبداده بمفعولية «ضرب» فيمتنع الحذف من هذا النوع ما لم -

الحديث: 3039 - الجزء: 7 - الصفحة: 3249

................................  توجد قرينة تدل على المراد كقولك: مررت بالقرية فأكرمتني؛ فإنه جائز وإن كان أهل القرية والقرية صالحين لتعدية المرور إليهما حقيقة لكن ذكر الإكرام بيّن أن المراد الأهل؛ فجاز الحذف، وكذلك لو فهم المراد بغير قرينة لفظية لم يمتنع الحذف أيضا، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة رحمه الله تعالى: 3041 - لا تلمني عتيق حسبي الّذي بي... إنّ بي يا عتيق ما قد كفاني 444 أراد بـ «عتيق» ابن أبي عتيق، كذا قال من عني بشعر ابن أبي ربيعة.
ومن هذا النوع قول الشاعر: 3042 - فمن كان يرجو الصّلح فيه فإنّه... كأحمر عاد أو كليب لوائل 445 أراد: كأحمر أمثال عاد؛ لأن المراد عاقر الناقة، وهو من ثمود لا من عاد؛ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه مع صلاحيته للاستبداد بعمل العامل، ومثله: 3043 - وماديا تخيره سليم يكا... د شعاعه يغشّي العيونا 446 أراد: تخيره أبو سليمان؛ فرخم «سليمان» مضطرّا وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه مع صلاحيته للاستبداد بفاعلية «تخيره»، ومن مستحسن هذا النوع قول الشاعر: 3044 - فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت... فلو جنّ النّاس من الحسن جنّت 447 أراد: فدقّ خصرها وجلت عجيزتها واسبكرت قامتها وأكملت محاسنها؛ فحذف مع صلاحية المضاف إليه لفاعلية كل واحد من هذه الأفعال؛ لأن عطف بعضها على بعض بين المعنى فحسن الحذف.
ونبهت بقولي: (ونائبا عنه في ما جيء بالإعراب لأجله) على وقوع المضاف إليه خلفا عن المضاف في ما كان له من فاعلية نحو: بنو فلان يطؤهم الطريق، ومن مفعولية نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 448، ومن ظرفية نحو: آتيك طلوع الشمس، ومن مصدرية كقول الأعشى: -

الحديث: 3041 - الجزء: 7 - الصفحة: 3250

................................  3045 - ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا... [وعادك ما عاد السّليم المسهّدا] 449 أراد: اغتماض ليلة أرمدا؛ فحذف المصدر وجعل «ليلة» قائما مقامه في المصدرية كما قام المصدر مقام الظرف في طلوع الشمس وشبهه. وجعل ابن جني من هذا رواية بعض رواة أبي عمرو عنه وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا 450 بضم النون وتخفيف الزاي على تقدير: ونزل نزول الملائكة تنزيلا 451، وفيه عندي نظر. وإن كان المضاف المحذوف «مثلا» جاز الحكم على المضاف إليه بالتنكير فينعت به نكرة نحو: مررت برجل زهير شعرا، وهذا زيد زهير شعرا؛ لأن الأصل: مررت برجل مثل زهير، وهذا زيد مثل زهير؛ فحذف لفظ «مثل» ونوي معناه فجرى مجراه ما نوي فيه معناه وإن كان لفظه لفظ المعرفة. ومن هذا النوع قولهم: تفرّقوا أيادي سبا 452 فجعلوه حالا وهو في اللفظ معرفة؛ لأنهم أرادوا: مثل «أيادي سبأ» فحذف «مثل» وأقيم ما كان مضافا إليه مقامه في التنكير والإعراب. وروى الثقات: يا أيادي سبا؛ بالسكون مع أن الموضع موضع نصب، لكن خفف للتركيب فألزم السكون كما ألزم السكون يا معديكرب. وقد يحملهم العلم بالمحذوف على حذف مضاف ومضاف إليه مضاف هو إلى ثالث مستغنى به عن الأول والثاني؛ فمن ذلك قوله تعالى: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ 453 أي: دورانا كدوران أعين الذي يغشى عليه من الموت. وقد تكون أربعة أسماء مضاف أولها إلى موصوف بثالث مضاف إلى رابع؛ فتحذف الثلاثة ويكتفى بالرابع كقول الشاعر: 3046 - طليق الله لم يمنن عليه... أبو داود وابن أبي كثير ولا الحجّاج عيني بنت ماء... تقلّب طرفها حذر الصّقور 454

الحديث: 3045 - الجزء: 7 - الصفحة: 3251

................................  أراد: ولا الحجاج صاحب عين مثل عيني بنت ماء؛ فحذف الأول والثاني والثالث الموصوف به الثاني وأقام مقام الثلاثة الرابع. وقد تكون أسماء مضاف أولها إلى ثانيها، وثانيها إلى ثالثها، وثالثها إلى رابعها، فيحذف الأول والثالث، ويبقى الثاني والرابع قائمين مقامهما فيما كان لهما من الإعراب كقول الشاعر: 3047 - أبيتنّ إلّا اصطياد القلوب... بأعين وجرة حينا فحينا 455 أراد: بمثل أعين ظباء وجرة؛ فحذف الأول والثالث وأقام مقامها الثاني والرابع، ومثله قول أبي ذؤيب 456: 3048 - فإنّك منها والتّعذّر بعد ما... لججت وشطّت من فطيمة دارها كمثل الّتي قامت تسبّع سؤرها... وقالت حرام أن يرحّل جارها 457 أراد: تسبع ذا سؤر كلبها؛ ففعل مثل ما فعل قائل البيت الأول. وإلى هذا النوع أشرت بقولي: (وقد يقام مقام مضاف محذوف مضاف إلى محذوف قائم مقامه رابع) [4/ 95] وأشرت إلى أن أصل مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ 458: من أثر حافر فرس الرسول؛ بقولي: (وقد يستغنى بمضاف إلى مضاف إلى مضاف إلى رابع). ثم أشرت إلى حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجرورا وأنه مقيس وغير مقيس. فأما المقيس فما حذف منه مضاف مذكور قبله مثله لفظا ومعنى بشرط كون المحذوف بعد عاطف منفصل بـ «لا» وغير منفصل كقولهم: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة 459، وما مثل أبيك وأخيك يقولان ذلك، وكقوله: 3049 - أكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد باللّيل نارا 460

الحديث: 3047 - الجزء: 7 - الصفحة: 3252

................................  وكقوله: 3050 - ولم أر مثل الخير يتركه الفتى... ولا الشّرّ يأتيه امرؤ وهو طائع 461 وكقوله: 3051 - لو انّ طبيب الإنس والجنّ داويا ال... لذي بي من عفراء ما شفياني 462 وكقوله: 3052 - لو أنّ عصم عمايتين ويذبل... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا 463 وكقوله: 3053 - ألم يحزنك أنّ جبال قيس... وتغلب قد تباينتا انقطاعا 464 والأصل: ما كل سوداء ولا كل بيضاء، وما مثل أبيك ومثل أخيك يقولان، وأكل امرئ تحسبين امرأ، وكل نار، ولم أر مثل الخير ولا مثل الشر، ولو أنّ طبيب الإنس وطبيب الجن، ولو أن عصم عمايتين وعصم يذبل، وأن جبال قيس وجبال تغلب.
وظن بعضهم أن الحذف في هذا النوع مشروط بتقدم نفي أو استفهام، وليس ذلك مشروطا، بل يجوز مع عدمهما كقول الشاعر: 3054 - لغير معتبط مغرى بطوع هوى... ونادم مولع بالحزم والرّشد 465 ومثله: 3055 - كلّ مثر في رهطه طاهر العز... ز وذي غربة وفقر مهين 466 أي: وغير نادم وكل ذي غربة.
وأما غير المقيس مما خالف المقيس بخلوه مما قيد به كقراءة ابن جماز 467: (تريدون عرض الدّنيا والله يريد الآخرة)؛ بالجر 468 على -

الحديث: 3050 - الجزء: 7 - الصفحة: 3253

................................  تقدير: يريد عرض الآخرة، وكقول بعض العرب: رأيت التيمى تيم فلان؛ على تقدير: أحد تيم فلان، حكاه الفارسي 469. وكقول الشاعر: 3056 - رحم الله أعظما دفنوها... بسجستان طلحة الطّلحات 470 على تقدير: أعظم طلحة الطلحات، وكقول الراجز: 3057 - الآكل مال اليتيم بطرا... يأكل نارا وسيصلى سقرا 471 على تقدير: الآكل المال مال اليتيم، ومثله: 3058 - المال ذي كرم ينمي محامده... ما دام يبذله في السّرّ والعلن 472 على تقدير: المال مال ذي كرم؛ فحذف البدل ونوي لفظه فبقي عمله.
وعلى هذا يوجه على الأجود ما في حديث الدجال من قول بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: قلنا يا رسول الله: ما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعين يوما».
أي: لبث أربعين يوما 473، ومثله: «خير الخيل الأدهم الأرثم المحجّل ثلاث» 474 أي المحجل: محجل ثلاث؛ فحذف البدل وأبقى عمله كمثل ما فعل في البيتين المتقدمين، وقد يكون على حذف «في» قبل «ثلاث» والأول أجود؛ لتقدم مثل المحذوف.
وفي صحيح البخاري: «فلمّا قدم جاءه بالألف دينار» 475، أي: بالألف ألف دينار؛ فحذف البدل وأبقى عمله، وهذا في البدل نظير ما جاء في العطف من: نار توقّد، وأمثاله.
وبهذا يوجّه ما رواه الكوفيون من قول العرب: الخمسة الأثواب، أي: الخمسة -

الحديث: 3056 - الجزء: 7 - الصفحة: 3254

................................  خمسة الأثواب؛ فحذفوا البدل وأبقوا عمله.
وعلى هذه الشواهد وأمثالها نبهت بقولي: (وربما جر المضاف المحذوف دون عطف ومع عاطف مفصول بغير «لا».
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 476. ولكن لا بد من الإشارة إلى أمور: منها: أن كون المضاف لا يحذف إلا أن يكون معلوما كالمجمع عليه ويقتضي النظر ذلك؛ لأن حذف الشيء مقصود دون دليل ممتنع.
وظاهر كلام ابن عصفور ربما يوهم خلاف ذلك فإنه لا يجوز حذف المضاف إلا إذا كان الكلام مشعرا بحذفه فإن لم يشعر الكلام بذلك لم يجز إلا في الضرورة كقوله: 3059 - عشيّة مرّ الحارثيّون بعد ما... قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر 477 يريد: ابن هوبر 478. والذي يفهم من كلام المصنف أن ما في هذا البيت إنما يحكم بضرورته من أجل إقامة المضاف إليه مقام المضاف في الإعراب؛ لأنه قال: إن القائم مقام المضاف في الإعراب إن امتنع استبداده به فهو قياسي، وإن صح استبداده به فهو سماعي.. إلى آخر كلامه المتقدم.
ومنها: أن كلام المصنف يقتضي أن قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها 479 من قبل ما اطرح فيه النظر إلى المضاف المحذوف؛ لأنه قال: ولو التفت هنا لقيل: الذين كنا فيها، وما قاله لا يظهر؛ لأن المقصود بالوصف هو القرية لا أهل القرية.
ويجوز أن يقال في غير القرآن العزيز: اسأل أهل القرية التي كنا فيها؛ فيجري الوصف على القرية مع كون المضاف إليها مذكورا، ولو كان المضاف هو المقصود بالوصف لم يجز بعد التصريح به إجراؤه على القرية التي هي المضاف إليه بل كان يتعين إجراؤه على المضاف.
والحق أن لا يمثل لهذا الحكم بهذه الآية الشريفة، وإنما يمثل له بقوله تعالى: -

الحديث: 3059 - الجزء: 7 - الصفحة: 3255

................................  فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ 480 في القراءة المشهورة؛ لأن الأصل فجعلنا زرعها حصيدا، وكذا يمثل له أيضا بقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ 481؛ فقوله تعالى: أَهْلَكْناها فَجاءَها إنما هو بالنظر إلى اطراح المحذوف، وكما كان هذا بالنظر إلى اطراح المحذوف كأن قوله تعالى: أَوْ هُمْ قائِلُونَ بالنظر إلى الالتفات إليه فقد اشتملت الآية الشريفة على الأمرين.
ومنها: أن المصنف ذكر كما عرفت [4/ 96] أن المضاف إليه يخلف المضاف في التنكير بعد الحذف إن كان المضاف «مثلا» نحو: مررت برجل زهير شعرا، وهذا زيد زهير شعرا.
فقال الشيخ: قد ردوا على الخليل قوله في نحو: له صوت صوت الحمار؛ أن «صوت الحمار» صفة لـ «صوت» وإن كان بصورة المعرفة 482؛ لأنه على تقدير: مثل صوت الحمار فاكتسى التنكير من المضاف المحذوف 483. قال: وقد ضعفه سيبويه وقبحه.
وقال في مسألة: له صوت صوت حمار، وله خوار خوار ثور: إن كان معرفة لم يجز أن يكون صفة لنكرة كما لا يكون حالا 484. قال الشيخ: فعلى هذا لا تجوز المسألة التي قررها المصنف واتبع فيها الخليل؛ إذ ردّها سيبويه ومنعها 485. انتهى.
وللمصنف أن يقول: إني أرى جواز هذه المسألة كما رآه الخليل ولا يلزمني موافقة سيبويه في ما رآه فيها.
وكان الواجب أن يبطل الشيخ هذا الرأي بالدليل، لا أن يبطل قولا بقول.
ثم قال الشيخ: وإذا كان المضاف مؤنثا مضافا إلى مذكر أو مذكرا مضافا إلى مؤنث جاز اعتبار التذكير والتأنيث فيقال: فقئ زيد وفقئت زيدا، على مراعاة: فقئت عين زيد، وجدعت هند وجدع هند على مراعاة: جدع أنف هند 486. -

الجزء: 7 - الصفحة: 3256

................................  ومنها: أنه قد يحذف مع المضاف غيره من مضاف آخر.
والذي ذكره المصنف من ذلك أربع مسائل: الأولى: حذف فيها مضاف ثم المضاف إليه ذلك المضاف، وأقيم الثالث كما في قوله تعالى: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ 487 أي: كدوران أعين الذي يغشى عليه من الموت.
الثانية: حذف فيها ثلاثة متضايفات كالأولى وصفة وأقيم الرابع وهو ما كانت الصفة مضافة إليه كما في قول القائل: 3060 - ولا الحجّاج عيني بنت ماء التقدير: ولا الحجاج صاحب عين مثل عيني بنت ماء.
الثالثة: حذف فيها مضاف أول وبقي ما أضيف إليه وهو الثاني، ثم حذف مضاف آخر وهو الثالث وبقي ما أضيف إليه وهو الرابع كما في البيت المتقدم: بأعين وجرة التقدير: بمثل أعين ظباء وجرة.
الرابعة: أن يكون في الكلام متضايفات أربع فيحذف ثان وثالث ويبقى أول ورابع كما في قوله تعالى: مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ 488 أي: من أثر حافر فرس الرسول.
ومنها: أن ابن عصفور قال في المقرب: وقد لا يعرب المضاف إليه بعد الحذف بإعراب المضاف، وذلك إذا تقدم في اللفظ ذكر المحذوف نحو قولهم: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة 489. فقال الشيخ: ظاهر كلامه - يعني -

الحديث: 3060 - الجزء: 7 - الصفحة: 3257

................................  ابن عصفور - أنه لا يشترط العطف لا متصلا ولا منفصلا بـ «لا» بخلاف كلام المصنف... فيكون من ذلك «طلحة الطّلحات» 490. انتهى.
ولقائل أن يقول: لا شك أن الجار عامل ضعيف؛ لافتقاره إلى ذكر شيء معه لعدم استقلاله.
ولا يليق بما هو ضعيف أن يعمل محذوفا، ولهذا يعرب المضاف إليه بإعراب المضاف بعد حذفه وإنما بقي الجر بعد الحذف في مثل: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة؛ لموجب وهو الفرار من العطف على عاملين فجعل لذلك المضاف المحذوف في حكم المذكور مع تقدم ذكر مضاف مثل المحذوف.
وأما بقاء الجر بعد حذف المضاف دون عطف إذا تقدم ذكر مثل المضاف المحذوف فلا شك في ثبوته.
وقد ذكر المصنف - كما عرفت عليه - شواهد ولكنه غير مقيس؛ إذ لا موجب للقول به بخلاف ما إذا وجد العطف؛ فإن للقول به موجبا وهو الفرار من العطف على عاملين، ولهذا كان مقيسا.
وعلى هذا فالذي ينبغي الاستمساك بكلام المصنف والوقوف عنده.
على أن ابن عصفور لم يمثل المسألة إلا بالعطف وربما تمثيله بذلك يصرف كلامه عن ظاهره.
ثم إن الشيخ لما ذكر ما قاله المصنف عن الفارسي وهو أن بعض العرب يقول: رأيت التيمي تيم فلان؛ على تقدير: أحد تيم فلان 491. قال: وهذه المسألة إحدى المسائل التي سأل عنها أبو بكر الشيباني 492 أنفدها من طبرية إلى أبي القاسم الزجاجي بدمشق وهي: هذا زيد السعدي سعد بكر؛ كيف يعرب «سعد»؟ وما الاختيار فيه؟ فقال: يختار فيه الكوفيون الخفض على معنى «زيد» من «سعد» ثم يقول: سعد بكر؛ على الترجمة لأنا نريد بهذا الكلام الإضافة وليس يمتنعون من إجازة نصبه.
فأما أصحابنا البصريون فلا يجيزون خفض هذا ألبتة.
وإنما يجيزون النصب بتقدير: أعني، والرفع بتقدير: هو 493. انتهى.
ولا شك أن هذا النقل عن البصريين يمنع أن يكون ابن عصفور لا يشترط العطف في هذه المسألة - أعني بقاء جر المضاف إليه بعد حذف المضاف إذا كان مسبوقا بمضاف مثل المحذوف - لأنه لا يخرج عن مذهب البصريين.

الجزء: 7 - الصفحة: 3258

الفصل بين المتضايفين، وأحكامه

قال ابن مالك (فصل: يجوز في الشّعر فصل المضاف بالظّرف والجار والمجرور بقوّة إن تعلّقا به، وإلّا فبضعف ومثله في الضّعف الفصل بمفعول به متعلّق بغير المضاف وبفاعل مطلقا وبنداء ونعت وفعل ملغى.
وإن كان المضاف مصدرا جاز أن يضاف نظما ونثرا إلى فاعله مفصولا بمفعوله، وربّما فصل في اختيار اسم الفاعل المضاف إلى المفعول بمفعول آخر أو جار ومجرور).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 494: من أمثلة فصل المضاف بالظرف قول الشاعر: 3061 - فرشني بخير لا أكونن ومدحتى... كناحت يوما صخرة بعسيل 495 [4/ 97] ومن أمثلة فصله بالجار والمجرور قول الآخر: 3062 - لأنت معتاد في الهيجا مصابرة... يصلى بها كلّ من عاداك نيرانا 496 فتقدير الأول: كناحت صخرة يوما، وتقدير الثاني: لأنت معتاد مصابرة في الهيجا؛ فهذا النوع من أحسن الفصل؛ لأنه فصل بمعمول المضاف فكان فيه قوة وهو جدير بأن يجوز في الاختيار ولا يخص بالاضطرار، وبذلك أقول؛ لوروده في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» 497 ففصل بالجار والمجرور؛ لأنه متعلق بالمضاف، وهو أفصح الناس؛ فدل ذلك على ضعف قول من خصه بالضرورة.
وفي كلام بعض من يوثق بعربيته: ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها 498. ففصل في الاختيار بالظرف فعلم أن مثله لا حجر على المتكلم به ناظما وناثرا وإنما يحجر على من فصل بما لا يتعلق بالمضاف كقول الشاعر: -

الحديث: 3061 - الجزء: 7 - الصفحة: 3259

................................  3063 - كما خطّ الكتاب بكفّ يوما... يهوديّ يقارب أو يزيل 499 ففصل بين «كف» و «يهودي» بـ «يوما» وهو متعلق بـ «خط»، فمثل هذا ضعيف حقيق بأن لا يجوز إلا في الضرورة لما فيه من الفصل بأجنبي. ومثله في الضعف والاختصاص بالضرورة الفصل بمفعول به متعلق بغير المضاف كقول جرير: 3064 - تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها... كما تضمّن ماء المزنة الرّصف 500 أراد: تسقي ندى ريقتها المسواك. ومثله في الضعف الفصل بالفاعل مطلقا، أي: سواء في ذلك ما تعلق بالمضاف وما تعلق بغير المضاف؛ فالمتعلق به كقول الشاعر: 3065 - نرى أسهما للموت تصمي ولا تنمي... ولا ترعوي عن نقض أهواؤنا العزم 501 أراد: ولا ترعوي عن أن تنقض أهواؤنا العزم؛ ففصل بـ «أهواؤنا» وهو فاعل النقض بينه وبين المفعول المضاف إليه وهو «العزم»، والمتعلق بغيره كقول الشاعر: 3066 - أنجب أيّام والداه به... إذ نجلاه فنعم ما نجلا 502 أراد: أنجب والداه به أيام إذ نجلاه؛ ففصل بين «أيام» و «إذ» بفاعل «أنجب» ولا عمل لـ «أيام» فيه كما كان للنقض في الأهواء. ومن الفصل بفاعل مرتفع بالمضاف قول الراجز: 3067 - ما إن عرفنا للهوى من طبّ... ولا جهلنا قهر وجد صبّ 503 وزعم السيرافي أن قول الشاعر: 3068 - تمرّ على ما يستمرّ وقد شفت... غلائل عبد القيس منها صدورها 504

الحديث: 3063 - الجزء: 7 - الصفحة: 3260

................................  قد فصل فيه «عبد القيس» وهو فاعل «شفت» بين «غلائل» و «صدورها» وهما مضاف ومضاف إليه 505، والذي قاله غير متعين؛ لإمكان جعل «غلائل» غير مضاف، وجعله ساقط التنوين لمنعه الصرف، وانجرار «صدورها» على أنه بدل من الضمير في قوله: «منها».
وهذا التوجيه راجح على ما ذهب إليه السيرافي لكثرة نظائره وعدم أمر لا يستباح إلا في الضرورة أو على سبيل الندور.
ومثله في الضعف والندور الفصل بالنداء كقول الشاعر: 3069 - وفاق كعب بجير منقذ لك من... تعجيل تهلكة والخلد في سقرا 506 أراد: وفاق بجير يا كعب، والمراد: بجير 507 وكعب ابنا زهير رضي الله عن بجير ورحم كعبا وكقول الآخر: 3070 - كأنّ برذون أبا عصام... زيد حمار دقّ باللّجام 508 أراد: كأن برذون زيد، ومثله قول الفرزدق: 3071 - إذا ما أبا حفص أتتك رأيتها... على شعراء النّاس يعلو قصيدها 509 أراد: إذا ما أتتك يا أبا حفص.
ومثله في الضعف الفصل بالنعت كقول الشاعر يخاطب معاوية رضي الله تعالى عنه: 3072 - نجوت وقد بلّ المراديّ سيفه... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب 510 أراد: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، ومثله قول الفرزدق: 3073 - ولئن حلفت على يديك لأحلفن... بيمين أصدق من يمينك مقسم 511 أراد: فصل بين «أبي» و «طالب» بـ «شيخ الأباطح»، ومثله قول سويد بن -

الحديث: 3069 - الجزء: 7 - الصفحة: 3261

................................  الصامت 512 يخاطب قومه: 3074 - أدين وما ديني عليك بمغرم... ولكن على الشّمّ الجلاد القراوح على كلّ خوّار كأنّ عماده... طلين بقار أو بحمأة مائح لها حائل أوعى بووّه كلّما... تناول كفّاه اليسار الجوانح 513 أراد: أوعى الجوانح؛ ففصل بنعت وهو جملة؛ لأنها في حكم نعت مفرد.
ومثال الفصل بفعل ملغى ما أنشد ابن السكيت من قول الشاعر: 3075 - ألا يا صاحبيّ قفا المهارا... وسائل حيّ بثنة أين سارا بأيّ تراهم الأرضين حلّوا... ألدّبران أم عسفوا الكفارا 514 أراد: بأي الأرضين تراهم حلوا؛ ففصل بـ «تراهم» وهو فعل ملغى بين «أي» و «الأرضين» وهما مضاف ومضاف إليه كما فصل بنعت وهو جملة وقد تقدم ذكره.
وتقدم أيضا أن الفصل بمعمول المضاف إذا لم يكن مرفوعا جدير بأن يكون جائزا في الاختيار ولا يخص بالاضطرار.
واستدللت على ذلك بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟»، وبقول بعض العرب: ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها وأقوى الأدلة على ذلك قراءة ابن عامر 515 رضي الله تعالى عنه: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم 516؛ لأنها ثابتة بالتواتر -

الحديث: 3074 - الجزء: 7 - الصفحة: 3262

................................  ومعزوة إلى موثق بعربيته قبل التعلم، فإنه من كبار التابعين ومن الذين يقتدى بهم في الفصاحة كما يقتدى بمن في عصره من أمثاله الذين لم يعلم منهم مجاورة للعجم يحدث بها اللحن ويكفيه شاهدا على ما وصفته به أن أحد شيوخه الذين عول عليهم في قراءة القرآن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وتوجيه ما قرأ به في قياس النحو قوي؛ وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل بفضلة بين عاملها المضاف [4/ 98] إلى ما هو فاعل.
فحسن ذلك ثلاثة أمور: أحدها: كون الفاصل فضلة، فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به.
الثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف.
الثالث: كونه مقدر التأخير من أجل أن المضاف إليه مقدر التقديم بمقتضى الفاعلية المعنوية ولو لم يستعمل العرب الفصل المشار إليه لاقتضى القياس استعماله؛ لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرا ما استحق الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزية فيحكم بجوازه مطلقا.
وأيضا فقد فصل في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» بالجار والمجرور والمضاف فيه اسم فاعل مع أنه مفصول بما فيه من الضمير المنوي ففصل المصدر مع خلوه من ضمير أسهل وأحق بالجواز.
ولذلك قلت نظائر: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» وكثرت نظائر «قتل أولادهم شركائهم» فمنها قول الطرماح 517: 3076 - يطفن بحوزيّ المراتع لم ترع... بواديه من قرع القسيّ الكنائن 518 ومنها: 3077 - عتوا إذ أجبناهم إلى السّلم رأفة... فسقناهم سوق البغاث الأجادل ومن يلغ أعقاب الأمور فإنّه... جدير بهلك آجل أو معاجل 519 ومنها: -

الحديث: 3076 - الجزء: 7 - الصفحة: 3263

................................  3078 - يفركن حبّ السّنبل الكنافج... في القاع فرك القطن المحالج 520 وأنشد أبو عبيدة 521: 3079 - وحلق الماذيّ والقوانس... فداسهم دوس الحصاد الدّائس 522 وأنشد الأخفش: 3080 - فزججتها بمزجّة... زجّ القلوص أبي مزاده 523 وأنشد ثعلب بجر «مطر» من قول الشاعر: 3081 - لئن كان النّكاح أحلّ شيء... فإنّ نكاحها مطر حرام 524 و «مطر» اسم رجل ومما يؤيد «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» قراءة بعض السلف رضي الله تعالى عنهم: فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله 525 ففصل فيها اسم الفاعل المضاف إلى مفعول بمفعول آخر.
انتهى 526 كلام المصنف رحمه الله تعالى.
وتلخص منه أن صور المسائل التي يكون فيها الفصل تسع: وذلك أن الفصل بين المتضايفين: إما بالظرف وفي حكمه الجار والمجرور، أو بالمفعول به، أو بالفاعل، أو بالنداء، أو بالنعت، أو بفعل ملغى.
ثم الفصل بالظرف قسمان: غير متعلق بالمضاف، ومتعلق به؛ حيث يصح فيه أن يكون عاملا بأن يكون مصدرا أو اسم فاعل؛ فهاتان صورتان.
والفصل بالمفعول به قسمان أيضا: معمول لغير المضاف، ومعمول للمضاف الذي المفعول معمول له: إما مصدر مضاف إلى فاعله، أو اسم فاعل مضاف إلى -

الحديث: 3078 - الجزء: 7 - الصفحة: 3264

................................  مفعول له آخر، وهذه ثلاث صور، والفصل بالفاعل، ولا فرق فيه بين أن يكون متعلقا بالمضاف أو غير متعلق، والفصل بالنداء، والفصل بالنعت، والفصل بالفعل الملغى، وهذه أربع صور.
ثم الجائز في الاختيار من هذه التسع ثلاث، وهي: أن يكون الفصل بظرف متعلق بالمضاف وفي حكمه الجار والمجرور كما عرفت.
وأن يكون بمفعول به معمول لمصدر مضاف إلى فاعله.
وأن يكون بمفعول به أيضا معمول لاسم فاعل مضاف إلى مفعول له آخر.
وست الصور الباقية مخصوصة بالاضطرار فلا تكون إلا في الشعر، وهي: أن يكون الفصل بظرف لا يتعلق بالمضاف وفي حكمه الجار والمجرور.
وأن يكون بمفعول به معمول لغير المضاف.
وأن يكون بالفاعل، أو بالنداء، أو بالنعت، أو بالفعل الملغى.
وذكر المصنف في الألفية الفصل بالقسم 527، قال: روى أبو عبيدة عن بعض العرب: إن الشاة لتجتر فتسمع صوت والله ربّها 528، وحكى الكسائي: هذا غلام والله زيد، وجعل هذه الصورة مما يجوز في الاختيار؛ فعلى هذا تتكمل الصور عشرا.
الجائز منها في الاختيار أربع، والمخصوص منها بالاضطرار ست، والله تعالى أعلم.
ثم قد بقي الكلام على أمرين: أحدهما: تخريج المصنف قول الشاعر: 3082 -... غلائل عبد القيس منها صدورها على أن «غلائل» غير مضاف وأن انجرار «صدورها» على أنه بدل من الضمير في قوله: «منها»؛ فإن معنى البيت الذي قصده الشاعر أن عبد القيس شفت غلائل -

الحديث: 3082 - الجزء: 7 - الصفحة: 3265

................................  صدورها من الغير؛ فالشافي هم «عبد القيس» والمشفى «غلائل صدورهم» والمشفى منه من عاد عليه الضمير المجرور بـ «من» فالصدور على هذا: صدور عبد القيس.
ومقتضى تخريج المصنف أن الصدور صدور المشفى منه وهو العائد عليه الضمير في «منها» فيصير المعنى على هذا غير المعنى الذي ذكرناه.
ثانيهما: أن الشيخ قال: وما اختاره المصنف - من جواز مثل قراءة ابن عامر - هو الصحيح، وإن كان أكثر النحويين لا يجيزونه في الكلام، وذكروا أنه مختص بالشعر.
قال: وأما من صرح بأنها غلط فهو قدح في التواتر، وإنما أضيفت هذه القراءة إلى ابن عامر على سبيل الاشتهار، وكذلك القراءاة المضافة إلى ابن كثير، وليست على سبيل الانفراد بها فيكون من نقل الآحاد، بل جميع القراءات السبع متواترة؛ فعلى كل قراءة منها جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، ومنكر التواتر فيها يكون في إسلامه دخل 529 انتهى.
وهو كلام حسن صادر عن حسن الاعتقاد صحيح الاستمساك حافظ لنظام الشريعة المطهرة، ولقد كان رحمه الله تعالى متصفا بهذه الصفات؛ معظما لمن له نسبة إلى السنة النبوية، قائما بلوازمها، لا يشك في صحة اعتقاده وكثرة أدبه عند سماع شيء من الكتاب والسنة، ووقوفه عند حدودها وعدم مجاوزة ما تقتضيه الشريعة المطهرة، فرحمه الله تعالى ورضي عنه بمنه وكرمه.
ثم إنه خرج الحديث الشريف وهو «هل أنتم [4/ 99] تاركوا لي صاحبي؟» على أن لا إضافة وأن الأصل: هل أنتم تاركون؟ فحذفت النون و «صاحبي» مفعول منصوب، وأصله: تاركون 530. وأقول: إن القول بالإضافة والفصل؛ لثبوته في الجملة في القراءة المتواترة وفي كثير من الأشعار العربية أولى من القول بحذف النون؛ لأن ذلك إنما ورد في ضرورة أو في قراءة شاذة نحو: (وما هم بضارّي به من أحد) 531 ونحو: (إنّكم لذآئقوا العذاب الأليم) بالنصب 532.

الجزء: 7 - الصفحة: 3266

[الإضافة إلى ياء المتكلم وأحكامها]

قال ابن مالك: (فصل: الأصحّ بقاء إعراب المعرب إذا أضيف إلى ياء المتكلّم ظاهرا في المثنّى مطلقا، وفي المجموع على حدّه غير مرفوع، وفيما سواهما مجرورا، ومقدّرا فيما سوى ذلك، ويكسر متلوّها إن لم يكن حرف لين يلي حركة، وتفتح الياء أو تسكّن، وإن نودي المضاف إليها إضافة تخصيص جاز أيضا حذفها وقلبها ألفا، والاستغناء عنها بالفتحة، وربّما وردت الثّلاثة دون نداء، وقد يضمّ فيه ما قبل الياء المحذوفة وتنوى الإضافة، ويفتح في الحالين بعد حرف اللّين التّالي حركة، ويدغم فيها إن كان ياء أو واوا، وإن كان ألفا لغير تثنية جاز في لغة هذيل القلب والإدغام، وربّما كسرت مدغما فيها أو بعد ألف ويجوز في «أبي وأخي»: «أبيّ وأخيّ» وفاقا لأبي العبّاس، وحذف ميم الفم مضافا أكثر من ثبوته، و «فيّ» مع حذف الميم واجب).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 533: من المضاف إلى ياء المتكلم ما كان مبنيّا قبل الإضافة كـ «لدن» و «أحد عشر» وما كان معربا قبلها - وهو الكثير - فما كان مبنيّا لا يزال مبنيّا، وما كان معربا يعرض له تقدير الإعراب بعد أن كان ظاهرا ما لم يكن مثنى؛ فيظهر إعرابه في الأحوال الثلاثة، وكذا المجموع على حد التثنية في حالي الجر والنصب، وأما في حال الرفع فيقدر إعرابه كقول الشاعر: 3083 - أودى بنيّ وأودعوني حسرة... عند الرّقاد وعبرة لا تقلع 534 وزعم الجرجاني 535، ووافقه ابن الخشاب 536، والمطرزي 537، وهو الظاهر من -

الحديث: 3083 - الجزء: 7 - الصفحة: 3267

................................  قول الزمخشري 538: إن المضاف إلى ياء المتكلم مبني.
وفي كلام ابن السراج احتمال 539، وسأبين مراده إن شاء الله تعالى.
والصحيح أن المكسور الآخر للإضافة معرب تقديرا في الرفع والنصب؛ لأن حرف الإعراب منه في الحالين قد شغل بالكسرة المجلوبة توطئة للياء، فتعذر اللفظ بغيرها؛ فيحكم بالتقدير كما فعل في المقصور.
وأما حال الجر فالإعراب ظاهر للاستغناء عن التقدير، هذا عندي هو الصحيح، ومن قدر كسرة أخرى فقد ارتكب تكلفا لا مزيد عليه ولا حاجة إليه.
ولم أوافق الجرجاني في بناء المضاف إلى الياء وإن كان في تقدير إعرابه تكلف يخالف الظاهر؛ لأن لبناء الأسماء أسبابا كلها منتفية منه فيلزم من الحكم ببنائه مخالفة النظائر، فلذلك أتبعته ردّا ولم أر من خلافه بدّا.
فإن زعم أن سبب بنائه إضافته إلى غير متمكن رد ذلك بثلاثة أمور: أحدها: استلزامه بناء المضاف إلى سائر المضمرات، بل إلى سائر الأسماء التي لا تمكن لها وذلك باطل وما استلزم باطلا فهو باطل.
الثاني: أن ذلك يستلزم بناء المثنى المضاف إلى ياء المتكلم، وبناؤه باطل، وما استلزم باطلا فهو باطل.
الثالث: أن المضاف إلى غير متمكن لا يبنى لمجرد الإضافة؛ بل للإضافة مع كونه قبلها مناسبا للحرف في الإبهام والجمود كـ «غير»، والمضاف إلى ياء المتكلم لا يشترط ذلك في كسر آخره؛ فدل ذلك على أنه غير مستحق للبناء.
وقد ينتصر للجرجاني بأن يقال: لا أسلم انحصار ما يوجب بناء الأسماء في مناسبة الحرف بل يضاف إليها كون آخر الكلمة لا يتأتى فيه تأثر بعامل في تصغير وتكبير وتكسير وتأنيث وتذكير؛ فلزم من ذلك بناء المضاف المذكور وثبوت الفرق بينه وبين المقصور، فإن إعرابه يظهر في تصغيره كـ «فتيّ» وفي تكسيره كـ «فتية» وفي تأنيثه كـ «فتاة» والمضاف إلى ياء المتكلم لا يظهر له إعراب في الأحوال الخمسة.
فمن ادعى فيه إعرابا مقدرا فقد ادعى ما لا دليل عليه بخلاف المقصور فإن ظهور إعرابه - - المصباح، والمقدمة (ت: 610 هـ). إشارة التعيين لوحة (56)، والأعلام (8/ 289)، وانظر في رأي هؤلاء: التذييل (7/ 272).

الجزء: 7 - الصفحة: 3268

................................  في الأحوال الثلاثة يدل على صحة تقديره في غيرها.
وقد ينتصر له أيضا بأن يقال: لا أسلم خلو المضاف إلى ياء المتكلم من مناسبة الحرف؛ لأنه شبيه بالذي في أن آخره ياء كالذي في كونها بعد كسرة لازمة وصالحة للحذف وغير حرف إعراب وفي أنه يتغير في التثنية تغيرا متيقنا وفي الجمع تغيرا محتملا والذي مناسب للحرف، ومناسب المناسب مناسب؛ فاستحقاق بناء المضاف إلى الياء بمناسبة الذي شبيه باستحقاق بناء «رقاش» بمناسبة «نزال».
وهذا التوجيه والذي قبله من المعاني التي انفردت بالعثور عليها دون سبق إليها.
وقولي: (ويكسر متلوها) أي: متلو الياء كقولك في «قلم»: قلمي، وتجري هذه الكسرة مجرى كسرة الإعراب في أنها تظهر في الحرف الصحيح كظهورها في ميم «قلم» وفي حرف العلة الجاري مجرى الصحيح كـ «ظبي» و «صبي» و «دلوي» و «فلوي».
وتقدر في الحرف المعتل الذي لا يجري مجرى الصحيح ويتبعها ما قبلها كما يتبع ما قبل كسرة الإعراب فتقول: هذا ابنمي؛ بكسر النون كما تقول في الجر: مررت بابنم، ومن اتبع في الفم فقال: نظرت إلى فمه قال هنا: نظر إلى فمي، وتقول فيما آخره حرف علة بعد حركة: هذا داعيّ ومولاي، ويا ابنيّ ويا بني، ورأيت مصطفيّ، وجاء بنيّ ومصطفيّ [4/ 100] والأصل: جاء بنوي ومصطفوي؛ ففعل بهما من القلب والإدغام ما فعل بجمع الوي ومصدر «طويت» حين قيل فيهما: لي وطيّ بالقلب والإدغام.
وفي تحويل «بنوي» إلى «بنيّ» زيادة تبديل ضمة النون كسرة فأشبه شيء به «مرميّ» في أن أصله: «مرموي» فأبدلت الضمة كسرة والواو ياء وأدغمت، وكذا فعل بـ «بنوي» حين قيل فيه: «بنيّ» ومن قال: «غير ماضي» فأجرى المنقوص مجرى الصحيح في ظهور كسرة الإعراب لا يقول: «هذا ماضي»؛ لأن كسرة الإعراب عارضة متعرضة لأن تخلفها الفتحة والضمة، وهذه الكسرة لازمة لا تخلفها مع الإضافة إلى الياء وغيرها فكانت أثقل؛ ولذلك لم تظهر في اختيار ولا اضطرار، بخلاف كسرة «ماضي» ونحوه، وقد دخل في حرف اللين الذي يلي حركة علامتا التثنية نحو: جاء غلاماي، وعلامتا الجمع نحو: جاء مكرميّ ومصطفيّ.
ثم قلت: (وتفتح الياء أو تسكن) فعلم من الإطلاق جواز الأمرين في نداء وغيره.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3269

................................  ثم قلت: (وإن نودي المضاف إليها إضافة تخصيص جاز أيضا حذفها وقلبها ألفا والاستغناء عنها بالفتحة).
فعلم بهذا أن في الياء التي يضاف إليها غير المنادى وجهين وهما مشهوران، وفي التي يضاف إليها المنادى خمسة أوجه؛ فيقال في غير النداء: جاء غلامي وغلامي، ويقال في النداء: يا غلامي ويا غلامي ويا غلام ويا غلاما ويا غلام بحذف الألف مع خفتها؛ لأنها بدل من الياء فجرت مجراها في الاستغناء عنها بحركة.
ثم قلت: (وربما وردت الثلاثة في غير نداء) فأشرت إلى نحو قوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبادِ 17 الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ 540 بحذف الياء خطّا ووقفا، وإلى نحو قول الشاعر: 3084 - أطوّف ما أطوّف ثمّ آوي... إلى أمّا ويرويني النّقيع 541 وإلى نحو قول الآخر: 3085 - فليس براجع ما فات منّي... بلهف ولا بليت ولا لو انّي 542 أراد أن يقول: لهفا، والأصل: لهفي؛ فأبدل الياء ألفا دون نداء، ثم حذفها واستغنى بالفتحة؛ كما حذفت الياء واستغني بالكسرة.
وقيدت الإضافة بأن تكون إضافة تخصيص؛ احترازا من نحو: يا مكرمي، وأنت تريد الحال أو الاستقبال؛ فإن إضافته إضافة تخفيف والياء في نية الاتصال كما تكون في نية الانفصال إذا قلت: يا مكرم زيد الآن أو غدا، وإذا كانت في نية الانفصال لم تمازج ما اتصلت به فتشبه بياء قاض فتشاركها في جواز الحذف.
والحاصل: أن ياء المتكلم المضاف إليها منادى هو اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال لا تحذف ولا تقلب ألفا، وإذا لم تقلب ألفا فلا يفتح ما قبلها.
فليس لها حظ في غير الفتح والسكون، وقد يستغنى بنية إضافة المنادى إلى الياء فيجيء كأنه غير مضاف كما يفعل ذلك في غير النداء، أعني كون الاسم مضافا في المعنى مفردا في اللفظ.
-

الحديث: 3084 - الجزء: 7 - الصفحة: 3270

................................  ومن ورود المنادى المضاف إلى الياء مكتفيا بالنية قراءة بعض القراء: (ربّ السجن أحبّ إليّ) 543، وأصله: يا رب بكسر الباء؛ ولذلك حسن حذف حرف النداء؛ لأنه لو حذف حرف النداء والإضافة غير منوية لكان مثل قولهم: افتد مخنوق 544، وهو قليل بخلاف الاستغناء بنية الإضافة عن المضاف إليه؛ فإنه كثير، والحمل على ما كثرت نظائره أولى من الحمل على ما قلت نظائره، وأيضا لو كان غير منوي الإضافة لكان في الأصل صفة لـ «أي» كما أن «مخنوق» في الأصل صفة لـ «أي» وأسماء الله تعالى لا يوصف بها «أي» فيتعين كون الأصل: يا رب.
وقولي: (ويفتح في الحالين بعد حرف اللين التالي حركة ويدغم فيها إن كان ياء أو واوا) نبهت به على أنه يقال في «القاضي، واثنين، وابنين، ومصطفين، وبنين، وعشرين»: قاضيّ واثنيّ وابنيّ ومصطفيّ وبنيّ وعشريّ.
وكذا: «بنون وعشرون ومصطفون»؛ لأنه تلتقي فيهن الياء والواو فتقلب الواو ياء ويفعل بها من الإدغام وفتح الياء ما فعل مع الياءين اللتين لم تكن إحداهما واوا.
وقصدت بـ (الحالين) حال النداء وحال غير النداء.
وسكت عن التالية ألفا عند ذكر الإدغام فعلم أن حكمها التخفيف والفتح مطلقا نحو: غلاماي، وفتاي.
ثم نبهت على أن هذيلا يقلبون ألف المقصور ياء، ويدغمون ومنه قراءة الحسن: (يا بشريّ هذا غلام) 545، وقول الشاعر: 3086 - سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع 546 وفي دعاء بعض العرب: يا سيديّ وموليّ.
وقولي: (وربما كسرت مدغما فيها أو بعد ألف) أشرت به إلى قراءة حمزة 547: وما أنتم بمصرخي 548 -

الحديث: 3086 - الجزء: 7 - الصفحة: 3271

................................  (بالكسر) 549، وإلى قول بعض العرب (في) 550 عصاي: عصاي، وقرأ بها الحسن وأبو عمرو في شاذه، وهي لغة قليلة أقل من كسر المدغم فيها 551. وممن روى كسر المدغم فيها أبو عمرو بن العلاء 552، والفراء 553، وقطرب 554، ومن شواهدها قول الراجز: 3087 - قال لها هل لك يا تافيّ... قالت له ما أنت بالمرضيّ 555 ومنها قول الشاعر: 3088 - عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة... لوالده ليست بذات عقارب 556 كذا روي بكسر الياء من عليّ واللغة الجيدة أن يقال في إضافة «أب وأخ» مضافين إلى الياء: أبي وأخي من غير رد اللام كما جاء في القرآن العزيز، ويجوز عند أبي العباس أن يقال أبيّ وأخيّ برد اللام وإدغامها في ياء المتكلم 557، والذي رآه مسموع في «الأب» مقيس في «الأخ» ومن شواهد «أبيّ» قول الراجز: 3089 - كأنّ أبيّ كرما وسودا... يلقي على ذي اللّبد الجديدا 558 والاستشهاد [4/ 101] هذا أقوى من الاستشهاد بقول الآخر: 3090 - [قدر أحلّك ذا المجاز وقد أرى]... وأبيّ مالك ذو المجاز بدار 559

الحديث: 3087 - الجزء: 7 - الصفحة: 3272

................................  لاحتمال أن يريد قائل هذا الجمع، والذي قبله يتعين فيه الإفراد بـ «يلقي» إذ لو قصد قائله الجمع لقال: يلقون، ولم أجد شاهدا على «أخي» لكن أجيزه قياسا على «أبي» كما فعل أبو العباس المبرد. وإذا أضيف «الفم» إلى ظاهر أو ضمير جاز أن يضاف بالميم ثابتة فيقال: كلمته من فمي إلى فمه، وجاز أن يضاف عاريا من الميم فيقال: كلمته من في إلى فيه، والأصل: فيّ؛ بياءين: أولاهما عين الكلمة، والثانية ياء المتكلم؛ فأدغمت الأولى في الثانية، ولا يجوز التخفيف كما جاز مع «الأب، والأخ»؛ لأن «الأب، والأخ» إذا وليتهما الياء مخففة كانا على حرفين: أحدهما فاء الكلمة، والآخر عينها، ولو فعل ذلك بـ «في» بقي على حرف واحد مع أنه اسم متمكن وليس في الأسماء المتمكنة ما هو على حرف واحد؛ فاجتنب ما يلزم منه عدم النظير. ويجوز أن يقال: كلمته من فمي إلى فمه، وفم زيد أحسن من فم عمرو، وفي حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك» 560، ولم يقل: لخلوف في الصائم، وهذا يدل على قلة علم من زعم أن ثبوت الميم مع الإضافة لا يجوز إلا في ضرورة شعر كقول الشاعر: 3091 - صفحنا عن بني دهل... وقلنا القوم إخوان عسى الأيّام أن ترجع... ن قوما كالّذي كانوا فلمّا صرّح الشّرّ... فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوا... ن دنّاهم كما دانوا بضرب فيه توهين... وتخضيع وإقران وطعن كفم الزّقّ... غدا والزّقّ ملآن 561

الحديث: 3091 - الجزء: 7 - الصفحة: 3273

................................  وعاب بعض أصحاب هذا الرأي على الحريري 562 قوله: أدخله في فمه، وقرنه بتوأمه 563، ولا عيب فيه؛ لما قد ذكرته.
والله أعلم.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 564. وقد عرفت ما أبطل به مذهب الجرجاني من القول ببناء المضاف إلى الياء، ثم ما انتصر به له من التوجيهين اللذين ذكر أنهما من المعاني التي انفرد بالعثور عليها دون سبق إليها.
وهو كلام تميل النفوس إليه ويشفي غليل الواقف عليه.
ولكن ما ذهب إليه من أن حركة آخر المضاف إلى الياء في نحو: مررت بصاحبي، ورأيت ابن غلامي - حركة إعراب، وأن - إعراب جمع المذكر الذي هو على حد المثنى إذا كان مرفوعا مقدر غير ملفوظ به غير مسلم.
أما الأمر الأول: فلأن حركة الإعراب هي التي يجتلبها العامل، ولا شك أن هذه الحركة موجودة مع عاملي الرفع والنصب، وإذا كان كذلك فالعامل لم يحدث شيئا، ثم الحركة التي هي إعراب لا بد أن تكون ناشئة عن عامل؛ فهي إنما تكون بعد التركيب، ومعلوم أن الحركة المذكورة كانت قبله؛ فكيف ينسب حدوثها إلى العامل؟! والحق أن ما اختاره المصنف في هذه المسألة ضعيف؛ لقيام الدليل على خلافه وكأنه قول لبعض النحاة لكن لا معول عليه.
وقد قال الشيخ: إن هذا الذي قاله المصنف مخالف لمذاهب الناس في المسألة 565. وأما الأمر الثاني: فلأن الواو التي كانت علامة الإعراب في الجمع باقية لم تزل وإنما تغيرت صفتها؛ فهي موجودة، والمقدر لا يكون موجودا.
ورأي ابن الحاجب 566 في المسألة كرأي المصنف فيها.
وقد استدرك المنتقدون ذلك على ابن الحاجب رحمه الله تعالى.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3274

................................  والحق أنه لا فرق في المجموع المذكور بين المرفوع وغيره؛ فالإعراب ملفوظ به في حالة الرفع كما هو ملفوظ به في حالتي النصب والجر.
وقد انتقد الشيخ على المصنف ما ذكره وأوضح وجه الانتقاد إيضاحا حسنا 567. ثم إننا نشير إلى أمور: منها: أن ابن جني ذهب إلى أن المضاف إلى الياء لا يتصف بإعراب ولا بناء 568 فأثبت قسما من الأسماء لا معربا ولا مبنيّا ولا يخفى ضعف هذا الرأي وأنه لا ينبغي التشاغل بمثله.
ومنها: أن الذي قاله المصنف من أن الإعراب ظاهر في مثل: مررت بغلامي وبابن غلامي؛ شبيه بما ذهب إليه بعض الناس في المحكي بـ «من» إذا كان المحكي مرفوعا كقولك لمن قال: قام زيد: من زيد؟ وقد عرفت ما رد به القول في المضاف، فليرد بذلك القول في المحكي أيضا.
ومنها: أن تقييد المنادى المضاف إلى الياء بكون إضافته إضافة تخصيص من خصائص المصنف، وأما غيره من النحاة فلم يقيد ذلك.
ومن ثم قال الشيخ عند ذكر هذه المسألة: وقد أطلق النحويون غيره في جواز الأوجه الخمسة في المنادى المضاف إلى الياء 569. ومنها: أن اللغة التي نسبها المصنف إلى هذيل لم ينسبها سيبويه إليهم بل قال: وناس من العرب يفعلون كذا 570. وكذا ذكر الشيخ في شرحه 571. وهو كلام عجيب؛ فإن عدم نسبتها إلى هذيل في كلام سيبويه لا ينافي نسبتها إليهم في كلام المصنف.
غاية ما في الباب أن سيبويه لم يعين أهل اللغة المذكورة والمصنف عيّنهم.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3275

................................  نعم لو عيّن سيبويه قوما آخرين 572 غير هذيل كان بين النقلين تعارض.
ومنها: أن الشيخ قال: كان ينبغي للمصنف أن يستثني «لدى» و «على» الظرفية؛ فإن ألفيهما يقلبان ياء مع ياء المتكلم فيقال: لديّ وعليّ، في أشهر اللغات 573. قال: فهذه ألف ليست للتثنية وتقلب ياء وبعض العرب يقول: لداي وعلاي، وليس قلب (ألف «لدى») 574 ياء مخصوصا بياء المتكلم؛ بل الضمائر كلها نحو: لديك، ولديه، وعليك، وعليه 575. انتهى.
والعجب من الشيخ كيف توهم أن ذلك وارد على المصنف حتى إنه يلزمه أن يستثنيه فإن المصنف لما ذكر «لدى» باب المفعول المسمّى ظرفا قال: وتعامل ألفها معاملة ألف [4/ 102] «إلى» و «على» فتسلم مع الظاهر وتقلب ياء مع المضمر غالبا 576. فعرفنا حكم ألف «لدى» فيما تقدم.
ثم إن قلب ألفها ياء لم يكن مختصّا بضمير بل هو عام بالنسبة إلى الضمائر كلها وهي ظرف.
فكان الواجب ذكرها في باب الظروف دون هذا الباب.
وأما على الظرفية فلا شك أن حكم ألفها مع الضمير حكم ألف «على» التي هي حرف فلم يحتج إلى ذكرها.
هذا إذا قلنا: إن هاتين الكلمتين - أعني «لدى»، و «على» الظرفية - معربتان.
أما إن كانا مبنيين فالإيراد مدفوع من أصله؛ لأن الفصل إنما هو معقود للمضاف - الذي هو معرب - إلى الياء؛ لقول المصنف في أوله: الأصح بقاء إعراب المعرب.
فكلامه في بقية الفصل إنما يرجع إلى المعرب.

الجزء: 7 - الصفحة: 3276

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل