الباب السادس والسبعون باب التّصريف
[تعريف التصريف]
قال ابن مالك: (التّصريف علم يتعلّق ببنية الكلمة، وما لحروفها من أصالة وزيادة وصحّة وإعلال وشبه ذلك).
قال ناظر الجيش: التصريف في اللغة 1: التقليب من حال إلى حال، وهو مصدر صرفه، أي: جعله يتقلب في أنحاء كثيرة، قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا 2 أي: لم يكن ضربا واحدا، بل جعلناه على أنحاء وجهات متعددة.
وأما في الاصطلاح: فقد عرفه المصنف في شرح الكافية بأنه: تحويل الكلمة من بنية إلى غيرها لغرض لفظي أو معنوي 3، فاللفظي كتغيير: قول، وبيع، ورمي، وأأيمة إلى: قال، وباع، ورمى، وأئمّة، والمعنوي كتغيير المفرد إلى المثنى والمجموع، وتغيير المصدر إلى بناء الفعل واسمي الفاعل والمفعول، وهذا التعريف يوافق التفسير اللغوي، إلا أن ذلك عام، وهذا تغيير خاص بالكلمة وعرّفه هنا - أعني في التسهيل -: بأنه علم يتعلق ببنية الكلمة... إلى آخره، وكذا عرّفه به في إيجاز التعريف له، ولا اختلاف بين التعريفين؛ لأن ذلك تعريف له باعتبار العمل، وهذا التعريف له باعتبار العلم، فلم يتواردا على محل واحد، واعلم أن المصنف قصر هذا الباب على ذكر الأمور الراجعة إلى الغرض اللفظي؛ وذلك لأنه أورد الكلام فيما يتعلق بما يرجع إلى الغرض المعنوي في أبواب متفرقة في الكتاب، وقد فعل الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور كما فعل المصنف معتذرا بأن هذا النّحو من التصريف جرت -
الجزء: 10 - الصفحة: 4875
................................
عادة النحويين أن يذكروه مع ما ليس بتصريف 4، يعني أنهم يدرجون أبوابه مع أبواب علم الإعراب، بقي أن يقال: فهل التعريف الذي ذكره هنا شامل للأمرين الراجعين إلى الغرضين، أو هو مقصور على الأمر الراجع إلى الغرض اللفظي فقط، كما أن الباب مقصور عليه والجواب الذي يقتضيه التبويب والترتيب ظاهر أن التعريف يكون مقصورا على ما قصر عليه الباب، وهو الأمر الذي يرجع إلى الغرض اللفظي، ولم يكن قصره إياه على ذلك؛ ليخرج القسم الآخر - أعني المتعلق بالغرض المعنوي من التصريف - كيف وقد صرح بأنه منه؛ بل لأنه قد أورد ذلك في أبواب أخر كما تقدم فصار الكلام حينئذ موجها إلى قصد ذكر ما يرجع إلى الغرض اللفظي، ويمكن
أن يقال: إن التعريف المذكور يكون شاملا للأمرين؛ لأن معرفة المثنى والمجموع وأبنية الأفعال ومصادرها، والصفات والمصغر والمنسوب والإمالة، يمكن دخولها تحت قوله: علم يتعلق ببنية الكلمة، ولا يضر شمول التعريف للأمرين مع قصر الباب على ذكر أحدهما إذا عرف ذلك فلنرجع إلى الكلام على مفردات التعريف، فقوله: علم جنس يدخل تحته علم التصريف وغيره من العلوم، وقوله:
ببنية الكلمة فصل أخرج به ما عدا علم التصريف حتى علم الإعراب؛ لأن علم الإعراب علم بحال الكلمة حال التركيب بالنسبة إلى ما لها من الأحكام، لا علم ببنية، إن كان العلمان داخلين تحت علم النحو.
ويدخل في قوله: ببنية الكلمة ما تقدمت الإشارة إليه من الصيغ المختلفة لاختلاف المعاني وما تغير من الأبنية؛ لا لاختلاف المعاني بل للتخفيف، وهو الراجع إلى الغرض اللفظي، كقال، وباع، ورمى وأئمّة ورسائل وأواصل، ونحو ذلك ويدخل فيه - أيضا - أوزان الأبنية فإن معرفة الأوزان من علم التصريف، وكذا يدخل ما لا يضطر إليه في الكلام مما يستعمله التصريفي على سبيل التدرب والامتحان، كما إذا بنيت من كلمة مثل أخرى، كضربت من دحرج 5، وقوله: وما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال وشبه ذلك، قيل: أشار بقوله: وشبه ذلك إلى الحذف، والنقل، والإدغام، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4876
[ما يدخله التصريف]
قال ابن مالك: (ومتعلّقه من الكلم: الأسماء المتمكّنة والأفعال المتصرّفة ولها الأصالة فيه).
والقلب، ثم قال الشيخ: هذا يعني قوله: وما لحروفها... إلى آخره كأنه شرح لقوله: علم يتعلق ببنية الكلمة؛ إذ العلم الذي يتعلق بالبنية هو النظر فيها من حرف أصلي أو زائد، وصحيح أو عليل 6. انتهى.
ولقائل أن يقول: عطفه على ما قبله يأبى أن يكون كالشرح له، ولو أراد ذلك لقال: علم يتعلق ببنية الكلمة مما لحروفها من أصالة... إلى آخره، ولا شك أن حمل هذا الكلام على إفادة معنى زائد أولى من جعله تفسيرا لما تقدمه؛ وذلك بأن يقال: إنه لا يتوصل إلى معرفة الأصلي من الزائد في الأبنية، إلا بعد معرفة الحروف الزوائد ومعرفة أدلة الزيادة، ومعرفة
الأماكن التي هي محل لاطراد زيادتها فيها، وكذا لا يتوصل إلى معرفة التصحيح والإعلال، إلا بعد معرفة ما يوجبها، وكذا لا يتوصل إلى معرفة النقل، والحذف، والإدغام، والقلب إلا بعد معرفة ما يوجبها أو يجوزها أو يمنعها، وذلك متوقف على معرفة القواعد المؤدية إلى ذلك؛ فإذن معرفة الحروف الزوائد، ومعرفة أدلة زيادتها، ومعرفة الأماكن التي تطرد زيادتها فيها ومعرفة ما يوجب التصحيح، والإعلال، ومعرفة ما يوجب الحذف والنقل والإدغام والقلب أو يجوّزها أو يمنعها، كل ذلك من علم التصريف، بل هو معظمه وغالبه، فكأن المصنف قصد بقوله: وما لحروفها من أصالة... إلى آخره، الإشارة إلى ذلك جميعه، ومما يوضح ذلك أن قوله:
وما لحروفها معطوف على بنية الكلمة، فيكون التقدير: علم يتعلق ببنية الكلمة وبما لحروفها من أصالة وكذا وكذا، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بمعرفة ما أشير إليه، وعلى هذا فيكون المصنف قد أوقع المسبب موقع السبب فتبين أن قوله: وما لحروفها...
إلى آخره ليس كالشرح لما قبله؛ بل هو مفيد فائدة مقصودة، لا بد من التعرض لها.
قال ناظر الجيش: أفاد هذا الكلام أنه لا حظّ للحروف في التصريف، وكذا الأسماء غير المتمكنة، والأفعال الجامدة 7 نحو: ليس، وعسى، ونعم.
وقد قال -
الجزء: 10 - الصفحة: 4877
................................
ابن عصفور: ولا يدخل التصريف في أربعة أشياء وهي: الأسماء الأعجمية التي عجمتها شخصية، كإسماعيل ونحوه؛ لأنها نقلت من لغة قوم ليس حكمها كحكم هذه اللغة، والأصوات، كغاق ونحوه؛ لأنها حكاية أصوات، وليس لها أصل معلوم، والحروف وما شبه بها من الأسماء المتوغلة في البناء نحو: من وما؛ لأنها لافتقارها بمنزلة جزء من الكلمة التي تدخل عليها فكما أن جزء الكلمة الذي هو حرف الهجاء لا يدخله تصريف فكذلك ما هو بمنزلته 8. انتهى.
أما الأصوات والحروف وما شبّه بها من الأسماء، فقد [6/ 104] تعرّض لها المصنف؛ لأنه أخرج الحروف بقوله: الأسماء وأخرج الأخيرين بقوله: المتمكنة، وأما الأسماء الأعجمية فقد اعترض بها الشيخ عليه، قال: لأنها متمكنة غير مبنية 9، ويدفع هذا الاعتراض أن الكلام في التصريف إنما هو بالنسبة إلى اللغة العربية لا بالنسبة إلى غيرها من اللغات فلا حاجة إلى إخراج الأعجمية؛ لأنها غير مرادة، قال ابن عصفور: ومما يدل على أن الحرف لا يدخله تصريف وجود: ما ولا ونحوهما من الحروف يعني بالألف؛ لأنها لا يصح أن تكون منقلبة كألف: عصا
ورحى؛ إذ لو كانتا ياء أو واوا لظهر تا لسكونهما كما ظهرتا في نحو: كي وأي ولو، ولا يجوز أن يقال: إن حرف العلة تحرك فقلب ألفا لانفتاح ما قبله؛ لأن الحروف مبنية وهي لا تبنى إلا على السكون، ولا تبنى على حركة إلا إذا كانت حرفا واحدا، كواو العطف، وأيضا لا يمكن الحكم على ألف ما وأمثالها بالزيادة؛ لأن ذلك إنما يعرف بالاشتقاق أو بدليل من الأدلة التي ستذكر، ولا يوجد شيء من ذلك في الحروف 10.
انتهى.
وقد علم مما ذكر أن تصغير المبهمات على غير قياس، وأهمله المصنف هنا؛ لقلته ولأنه نبه عليه في باب التصغير 11، قال ابن عصفور: وقد جاء بعض المبنية مشتقّا نحو: قط؛ لأنها من قططت، أي: قطعت؛ لأن قولك: ما فعلته قطّ، معناه: فيما انقطع من عمري 12، ورد ابن هشام الخضراوي أن الحروف وما أشبهها - - تفصيل ذلك في: المقرب (2/ 145)، والأشموني (4/ 237).
الجزء: 10 - الصفحة: 4878
................................
من الأسماء لا يدخلها تصريف - بأن سيبويه ذكر أنك إذا سميت بعلى قلت في التثنية: علوان؛ لأنه من علوت 13، وجاء الحذف في سوف وإن، والقلب، والإبدال في على ولعن، وأجيب عن ذلك بأن سيبويه إنما حكم بذلك بعد انتقال:
على إلى الاسمية 14 وجعلها اسما متمكنا، وحكم على الألف بأنها عن واو لما فيها من معنى العلو، وبأن الحذف والإبدال شاذ، ويمكن أن يدّعى أن لا حذف ولا إبدال في الحروف، وأن هذه الكلمات الواردة ليس فيها حذف ولا إبدال، وإنما هي لغات في ذلك الحرف، وأما قوله: ولها الأصالة فيه فقد علل ذلك الشيخ بأن قال:
إنما كان لها الأصالة فيه؛ لظهور ذلك فيها، ألا ترى أن ضرب وضارب وضرب وتضارب واضطرب، كيف تبين بغير فكر؟ ورجوع هذه الألفاظ إلى معنى الضرب وكذلك الصفات الجارية عليها، واسما الزمان والمكان والمصادر والآلات؛ لظهور التصرف فيها 15. انتهى.
ولم أتحقق هذا التعليل الذي ذكره، وقد يقال: إنه إنما كانت الأصالة للأفعال في التصريف؛ لأنه عبارة عن تغيير الكلم وتقليبها وتحويلها من حالة إلى حالة، وهذا لا يتأتى في
الأسماء الجامدة؛ إنما يأتي في الأفعال وفي الأسماء الجارية عليها، ولأمر آخر؛ وهو أنهم بالاستقراء وجدوا الاسم يصح بصحة الفعل كاستحواذ؛ لقولهم: استحوذ، ويعل بإعلاله كاستقامة؛ لقولهم: استقام فدلهم تبعية الاسم للفعل في الإعلال على فرعية الاسم وأصلية الفعل فيه؛ ولكن على هذا إنما يتجه أن يحكم بأصالة الأفعال في التصريف بالنسبة إلى أحد قسميه، وهو الأمر الراجع إلى الغرض اللفظي، وأما ما يرجع إلى الغرض المعنوي، كالتغيير بسبب التثنية، والجمع، والتصغير، والنسب ونحو ذلك، فلا شك أنه من خصائص الأسماء.
الجزء: 10 - الصفحة: 4879
[عدد حروف المجرد]
قال ابن مالك: (وما ليس بعضه زائدا يسمّى مجرّدا، ولا يتجاوز خمسة أحرف إن كان اسما، ولا أربعة إن كان فعلا، ولا ينقصان عن ثلاثة).
قال ناظر الجيش: أشار بهذا الكلام إلى ثلاثة أمور واضحة:
أحدها: أن ما ليس بعضه زائدا يسمى مجردا، يعني لكونه جرّد عن أحرف الزيادة فحروفه كلّها أصول.
ثانيها: أن الاسم المجرد من الزيادة، يكون ثلاثيّا ورباعيّا وخماسيّا، ولا يتجاوز الخمسة، والفعل المجرّد منها يكون ثلاثيّا ورباعيّا.
ولا يتجاوز الأربعة ودليل ذلك الاستقراء، وذكر الأئمة أن البناء الثلاثي في الكلام أكثر من البناء الرباعي، وأن البناء الرباعي أكثر من البناء الخماسي.
ثالثها: أن الاسم المتمكن المجرد والفعل المجرد لا ينقصان عن ثلاثة أحرف، وقد قيد المصنف في غير هذا الكتاب البعض بكونه في الوضع يعني أنهما لا ينقصان في الوضع عن الثلاثة؛ وذلك لأن الاسم في الاستعمال قد ينقص عن الثلاثة كيد ودم وفم 16، وليس بالكثير وما يلحقه هاء التأنيث من ذلك عوضا عن المحذوف أكثر مما يلحقه نحو: شية وثبة وشفة وسنة ولثة وعضة، والمحذوف قد يكون الفاء وقد يكون العين وقد يكون اللام ولا ينتهي
الاسم بالحذف منه إلى حرف واحد أبدا، وقولهم:
م الله، حرف قسم جاء على حرف واحد كالباء وليس أصله أيمن، وأما ما حكي من قولهم: شربت ما، يريدون ماء؛ فنادر لا يعتد به، هذا في الاسم، وأما الفعل فقد يبقى منه بعد الحذف حرفان نحو: بع وقل وكل، وقد يبقى منه حرف واحد نحو: عه وقه، أمرين من: وعى ووقى، وذلك لمقتضيات أوجبت ذلك، على ما أحكم في التصريف، قال المصنف في غير هذا الكتاب: إن الاسم والفعل لا ينقصان في الوضع عن ثلاثة أحرف، حرف مبدوء به وحرف موقوف عليه، وحرف مفصول به بينهما 17، وكأن هذا الكلام إشارة إلى ما يذكر من التعليل، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4880
[مبلغ الاسم والفعل بالزيادة]
قال ابن مالك: (والمزيد فيه إن كان اسما لم يتجاوز سبعة إلّا بهاء التّأنيث أو زيادتي التّثنية أو الجمع أو النّسب، وإن كان فعلا لم يتجاوز ستّة إلّا بحرف التّنفيس أو تاء التأنيث أو نون التّوكيد).
وهو أن الحرف المبدوء به واجب الحركة، والحرف الموقوف عليه واجب السكون، فكرهوا الانتقال من وجوب إلى وجوب، فجعلوا بين الوجوبين فاصلا يجوز فيه الأمران أو أن بعض الكلم يحتاج إلى ثالث في بعض الأحكام كالتصغير مثلا؛ فإن ياءه إنما تقع ثالثة وحرف الإعراب بعدها، وهذا هو مذهب البصريين وذكر بعضهم أن مذهب الكوفيين أن أقل ما يكون عليه الاسم حرفان 18.
قال ناظر الجيش: ذكر أن أقصى ما ينتهي الاسم إليه بالزيادة سبعة أحرف، وهذا كالمطبق عليه عند النحاة؛ لما اشتملت عليه نصوصهم من ذلك 19، قال الشيخ:
وقد [6/ 105] بلغ الاسم بالزيادة ثمانية أحرف، ولم يذكر في هذا الموضع شيئا، غير أنه لما ذكر بعد ذلك أن الزوائد في الثلاثي قد تكون واحدة واثنين وثلاثا وأربعا، قال: وقد تكون خمسا نحو: كذّبذبان 20 بتشديد الذال ووزنه فعّلعلان، وقال:
إن غير هذا الوزن لا يحفظ 21. انتهى.
ولا يخفى أن بمثل هذا لا ينقض الإجماع، وينبغي أن يعلم أن البالغ من الأسماء بالزيادة سبعة إنما هو الثلاثي منها والرباعي، وأما الخماسي فإنما ينتهي إلى ستة؛ لأنه لا يلحقه إلا زيادة
واحدة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فمثال المنتهي إلى سبعة من الثلاثي: اشهيباب واحميرار في المصادر وعاشوراء وكذبذبان ومعيوراء في غيرها، ومثال الرباعي: اعزيزام -
الجزء: 10 - الصفحة: 4881
[أبنية الثلاثي المجرد
22] قال ابن مالك: (فصل: الاسم الثّلاثي المجرّد مفتوح الأوّل ساكن الثّاني أو مفتوحه أو مكسوره أو مضمومه ومكسور الأوّل ساكن الثّاني أو مفتوحه أو مكسوره، ومضموم الأوّل ساكن الثّاني أو مفتوحه أو مضمومه وندر مكسوره).
- واحرنجام في المصادر وعريقصان وعبوثران وبرناساء في غيرها، قال الشيخ: وذكر أبو القاسم السعدي 23 في مزيد الخماسي فعلا ليلا وهو مغناطيس لغة في مغنطيس، قال: فهذا خماسي قد زيد فيه زيادتان 24. انتهى.
قلت: وفي نقض ما قررته الأئمة بكلمة واحدة، نادرة مع أنها نائبة عن غيرها نظر لا يخفى، ثم أشار المصنف بالاستثناء الذي ذكره إلى أن الاسم لا يتجاوز سبعة أحرف إلا بهاء التأنيث نحو: قرعبلانة، وهي دويبة عظيمة البطن عريضة وأصله: قرعبل زيد فيه ثلاثة أحرف، وكذلك: اصطفلينة أو زيادتي التثنية والجمع نحو: عرطليلان تثنية عرطليل هو (الطويل) 25 وكذا: عرطليلون وعرطليلات إذا سمي به مذكر أو مؤنث ثم جمع، أو ياءي النسب نحو: خنفساوي وعندليبي، في النسب إلى خنفساء وعندليب، قال الشيخ: وهذا الاستثناء الذي ذكره ليس بشيء؛ لأنه لم يرد شيء مما ذكر في بنية الاسم، وكأن الشيخ يريد بذلك أن الاسم إنما تعتبر بنيته إذا لم يتصل به شيء من هذه الأمور الأربعة، وكأنه بهذه الأمور يخرج عن الأبنية المعتد بها، وما ذكره غير ظاهر فإن الإفراد صادق على المؤنث بهاء التأنيث والملحق به علامتا التثنية والجمع وعلامة النسب، وكما لا يتجاوز الاسم سبعة أحرف إلا بما ذكر، لا يتجاوز الفعل ستة أحرف إلا بحرف التنفيس أو تاء التأنيث أو نون التوكيد نحو: سيستخرج واستخرجت ولا يستخرجن وقد رد الشيخ هذا الاستثناء كما رد الأول والجواب ما تقدم 26. قال ناظر الجيش: هذا الفصل معقود لذكر أوزان الاسم المجرد، أعني الذي تكون -
الجزء: 10 - الصفحة: 4882
................................ حروفه كلها أصولا وقد عرفت أن المجرد ثلاثي، ورباعي، وخماسي، فبدأ بالثلاثي وذكر أنّه على عشرة أوزان؛ وذلك أنه: إما مفتوح الأول، أو مكسوره، أو مضمومه، والمفتوح الأول: إما ساكن الثاني نحو: كعب وصعب، وإما مفتوح الثاني نحو: حسن ورسن، وإما مكسور الثاني نحو: نمر وحذر، وإما مضموم الثاني نحو: سبع وطمع، والمكسور الأول إما ساكن الثاني نحو: ظلف وجلف، وإما مفتوح الثاني نحو: زيم 27، وإما مكسور الثاني نحو: إبل وبلز 28، والمضموم الأول: إما ساكن الثاني نحو: برّ، ومرّ، وإما مفتوح الثاني نحو: نعز وغدر، وإما مضموم الثاني، نحو: طنب وجنب، وقد بقي من أوزان الثلاثي التي تقتضيها القسمة العقلية 29 وزنان وهما: ما اجتمع فيهما الضم والكسر، فأما مكسور الأول مضموم الثاني فمهمل 30؛ لأن الكسرة ثقيلة، والضمة أثقل منها؛ فكرهوا الانتقال من مستثقل إلى أثقل منه، وأما مضموم الأول مكسور الثاني فلم يهملوه 31 أصلا؛ لأن الانتقال من ضمة إلى كسرة فيه تخلص من زيادة الثقل، ولكنهم خصوه بالفعل الذي لم يسم فاعله، ثم نبهوا على أن إخراجه في الأسماء ليس لمانع فيه؛ لقولهم: دئل 32 لدويبة، ووعل 33 في الوعل -
الجزء: 10 - الصفحة: 4883
................................
ورئم للسّه 34، وإلى هذه الأمثلة الثلاثة أشار المصنف بقوله: ونذر مكسوره، أي ونذر مكسور الثاني من مضموم الأول، قال المصنف: لأن أكثر النحويين لم يعتدّوا بهذا البناء في الأسماء؛ لعلمهم أنه في الأصل مقصود به اختصاص الفعل الذي لم يسم فاعله، بقي هاهنا التنبيه على شيئين:
أحدهما: أن فعلا لم يأت صفة إلا في كلمة واحدة وهي عدى قال الشاعر:
4283 - إذا كنت في قوم عدى لست منهم... فكل ما علفت من خبيث وطيّب 35
قال سيبويه: ولم نعلمه جاء صفة إلا في حرف معتل يوصف به الجمع وهو:
قوم عدى 36، وقد استدرك على سيبويه قراءة من قرأ: دينا قيما 37 أي:
قيّما، ومكان سوى قال الله تعالى: لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً 38 وأجيب بأن قيما مصدر في الأصل مقصور من قيام، ولولا ذلك لقيل: قوما؛ لأنه من ذوات الواو ولا تقلب الواو ياء إذا كانت متحركة عينا في مفرد؛ لانكسار ما قبلها إلا بشرط أن يكون بعدها ألف، وتكون في مصدر لفعل قد اعتلت عينه، نحو: قام قياما وعاذ عياذا، فدل انقلاب الواو ياء في قيم على أنه مصدر في الأصل وصف به، كما وصف بعدل وزور وبأن سوى اسم في الأصل
للشيء المستوي وصف به؛ بدليل أنه كان صفة أصلية ليمكن في الوصفية فكان يذكر مع المذكر ويؤنث مع المؤنث، وهم يقولون: بقعة سوى كما يقولون: مكان سوى 39، - - أوله وكسر ثانيه، والثالثة: ضم أوله وكسر ثانيه والأخيرة نادرة، والوعل: تيس الجبل.
انظر: اللسان «وعل» والمصباح (ص 666)، ونزهة الطرف (ص 81)، وتوضيح المقاصد (5/ 215 - 216).
الحديث: 4283 - الجزء: 10 - الصفحة: 4884
................................
وأما زيم 40: وهو المثال الذي مثل به المصنف وشاهده قول النابغة:
4284 - باتت ثلاث ليال ثمّ واحدة... بذي المجاز تراعي منزلا زيما 41
أي: متفرق النبات.
الثاني 42: أن سيبويه لم يحفظ في فعل غير: إبل 43، وحكى غيره: أتان إبد للوحشية، فأما إطل، وهو الخصر فلا حجة فيه؛ لأن المشهور فيه: إطل بسكون الطاء، فإطل يمكن أن يكون مما اتبعت فيه الطاء الهمزة للضرورة؛ لأنه لا يحفظ إلا في الشعر كقوله:
4285 - له إطلا ظبي وساقا نعامة 44
وأما حبرة، وهي الصفرة التي على الأسنان، فالأصح المشهور فيها إنما هو حبرة بفتح الحاء وسكون الباء 45،
وأما: بلز - وهي الضّخمة [6/ 106] السمينة - فالأشهر فيه: بلزّ بالتشديد 46، فيمكن أن يكون: بلز مخففا منه، وقد ذكرت - - والكسر والضم مع القصر عربيّا وقد قرئ بهما.
وقال الأخفش (سوى) إذا كان بمعنى غير أو بمعنى العدل يكون فيه ثلاث لغات: إن ضممت السين أو كسرت قصرت، وإذا فتحت مددت تقول: مكانا سوى وسوى وسواء».
انظر معاني القرآن (2/ 181 - 182)، واللسان «سوا»، والمصنف (1/ 17 - 19).
الحديث: 4284 - الجزء: 10 - الصفحة: 4885
[أبنية الرباعي المجرد
47] قال ابن مالك: (والرّباعي المجرّد مفتوح الأوّل والثّالث أو مكسورهما أو مضمومهما، ومكسور الأوّل مفتوح الثّاني أو الثّالث، وتفريع فعلل على فعلل أظهر من أصالته، وفرّع فعلل على فعنلل وفعلل، على فعالل وفعلل وفعلل على فعليل لا على فعالل وفاقا للفرّاء وأبي عليّ).
- ألفاظ غير هذه ويمكن أن تكون المنازعة في كونها أصلا بنفسها، ويمكن كونها أصلا 48، ولما ذكر المصنف
مجيء دئل ووعل، وأنهم لم يهملوا هذا الوزن بل خصوه بالفعل قال: إلا أن أكثر النحويين لم يعتدّوا بهذا البناء في الأسماء؛ لعلمهم أنه في الأصل مقصود به اختصاص الفعل الذي لم يسم فاعله، واعتدّوا بموازن فعل على قلّته؛ لأنه لم يوجد في غير الأسماء، ولأنه لا مانع له من نفسه، إذ الكسرتان أقل ثقلا من الضمتين، وذو الضمتين في الكلام كثير، فذو الكسرتين حقيق بكثرة النظائر، إلا أنه قلّت نظائره اتفاقا؛ فلم يسع إلا التسليم.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على الثلاثي المجرد شرع في الرباعي 49، وذكر أنه على خمسة أوزان؛ وذلك: إما أنه مفتوح الأول والثالث: كجعفر 50 وقرهب - وهو الثور المسن - هذا مثال هذا الوزن اسما، وأما مثاله صفة فنحو: شجعم وسلهب، ومعنى كل منهما طويل، وقيل: إن الميم في المثال الأول، والهاء في -
الجزء: 10 - الصفحة: 4886
................................ المثال الثاني زائدان 51 ومن أمثلة الصفة: شهربة وشهبرة للعجوز الكبيرة، و (بهكنة) 52 للضخمة، وأما مكسور الأول والثالث؛ فالاسم: زبرج 53 وزئبر 54 وهجرس 55، والصفة: زهلق 56، وعنفص 57 وخرمل، والخرمل: الحمقاء من النساء، وأما مضموم الأول والثالث؛ فالاسم: برثن 58 وفلفل، والصفة: جرشع 59 وكندر 60، وأما مكسور الأول مفتوح الثاني؛ فالاسم: فطحل 61 وقمطر 62، والصفة: هزبر وسبطر وهو الطويل، وهبلع للأكول، ثم أشار المصنف بقوله: وتفريع فعلل على فعلل أظهر من أصالته، إلى أن من النحاة من أثبت للرباعي وزنا سادسا؛ وهو مضموم الأول مفتوح الثالث 63 كبرقع وجرشع، قال المصنف: لم يروه سيبويه لكن رواه الأخفش من أئمة البصرة والفراء من أئمة الكوفة، وزيادة الثقة مقبولة، قال: ومما يؤيّد رواية هذين الإمامين قول العرب: ما لي من ذلك عندد أي 64 بدّ، فجاؤوا به مفكوكا غير مدغم، ولا يفعلون ذلك بذي مثلين متحركين، لا يوازن فعلا نحو: كلبب، ولا فعلا نحو: كلل، ولا فعلا كذلل، ولا فعلا كصفف، إلا إذا كان أحدهما مزيدا للإلحاق نحو: ألندد بمعنى -
الجزء: 10 - الصفحة: 4887
................................ الألدّ، ومعلوم أن عنددا ليس موازيا لفعل وأخواته، فيتعين كونه ملحقا بفعلل؛ إما بزيادة أحد الدالين فيكون من العنود، وإما بزيادة النون من الأعداد، ثم قال: وأيضا إذا ثبت فعلل كان للضمة ثلاثة مواقع في الرباعي وللكسرة أربعة وللفتحة خمسة فثبتت المزية للفتحة بموضع خامس؛ فلو لم يكن فعلل مثبتا كان للفتحة أربعة مواضع: فاء فعلل، ولامه الأولى، وعين فعل، ولام فعلل الأولى، على عدد مواقع الكسرة وهن: فاء فعلل، ولامه الأولى، وفاء فعلل وفعلّ، فكان يفوت التنبيه على كون الفتحة أخف في الاستعمال وأحق بسعة المجال، ثم قال: وقد ينتصر لسيبويه - رحمه الله تعالى - فعللا بأن يقال: سلّمنا صحة نقله عن العرب، إلا أنه فرع على فعلل؛ لأن كل ما نقل فيه الفتح نقل فيه الضم، ولا ينعكس؛ فلو كان فعلل أصلا كغيره من الرباعي، لجاز أن ينفرد عن فعلل؛ فعلم بذلك أن فتح ما فتح لم يكن إلا فرارا من توالي ضمتين ليس بينهما إلا ساكن، وهو حاجز غير منيع؛ فكان عدولهم عن فعلل إلى فعلل شبيها بعدولهم في جمع جديد ونحوه من فعل إلى فعل، ومخلصا من توالي الضمتين، وكان مقتضى الدليل أن يفروا إلى السكون إلا أنه منع في فعلل خوف التقاء الساكنين، وفي جدد ونحوه؛ خوف إدغام اسم لا يشبه الفعل فلجئ إلى شبيه السكون في الخفة، وهو الفتح، وذكر ابن عصفور ثلاثة أوزان أخر، إلا أنه حكم بندرة اثنين منها ولم يثبت الآخر، فالنادران: فعلل، قال: ولم يجئ منه إلا طحربة 65، وفعلل والمحكي منه: زئبر وضئبل، قال: وذلك شاذ لا يلتفت إليه، والذي لم يثبته فعلّ فإنه قال: وأما الفتكرين 66 بضم الفاء على ما حكاه يعقوب وكأنه فتكر ثم جمع فلا حجة فيه على إثبات فعلّ، إلا أن يحفظ بالواو والنون رفعا والياء والنون نصبا وجرّا ولكن المسموع من هذا إنما هو بالياء، وإذا كان كذلك فيمكن أن يكون فتكرين اسما مفردا كقذعميل 67، ثم ذكر المصنف ثلاثة أوزان غير ما تقدم له ذكره وهي فعلل وفعلل وفعلل، ونبّه على أنها ليست أصولا في نفسها فتعد من أصول الرباعي المجرد، بل هي فروع من غيرها، فمثال -
الجزء: 10 - الصفحة: 4888
[أبنية الخماسيّ المجرّد
68] قال ابن مالك: (والخماسي المجرّد مفتوح الأوّل والثّاني والرّابع، أو مفتوح الأوّل والثّالث مكسور الرّابع، أو مكسور الأوّل مفتوح الثّالث، أو مضموم الأوّل مفتوح الثّاني مكسور الرّابع).
- الأول: عرتن 69 وليس فيه دليل على إثبات فعلل في الرباعي؛ لأنه لم يجئ منه إلا هذا وقد قالوا فيه: عرنتن، فكان عرنتن هو الأصل كقرنفل، وكان عرتن فرعا عنه 70. ومثال الثاني: علبط وهو الضخم، وعجلط، وعكلط؛ وهما اللبن الشديد الانعقاد، فأصلها علابط وعجالط وعكالط؛ لأنّه لم يرد من هذا النوع شيء دون ألف إلا وروي
مستعملا بألف 71، فعلم أن ما فيه الألف أصل وأن ما ليس هي فيه فرع عن ذلك الأصل.
ومثال الثالث: جندل (لمكان الحجارة، وخنثر للشيء الخسيس من متاع القوم، والأصل فيهما: إما جنادل وخناثر؛ فيكون جمعا، وهو قول البصريين، وإما جنديل وخنثير؛ فيكون مفردا، وهو قول الكوفيين، ووافقهم أبو علي 72، وقد اختار ذلك المصنف.
وإذا ثبت أن الأصل أحد هذين الوزنين ثبتت فرعية جندل وخنثر عليه) 73. قال ناظر الجيش: شرع في ذكر الخماسي المجرد وذكر أن له أربعة أوزان؛ وذلك لأنه [6/ 107]: إما مفتوح الأول والثاني والرابع كسفرجل اسما وشمردل صفة، وإما مفتوح الأول والثالث مكسور الرابع، قالوا: ولم يجئ إلا صفة نحو: جحمرش 74 -
الجزء: 10 - الصفحة: 4889
.............................. وقهبلس 75، وإما مكسور الأول مفتوح الثالث، كقرطعب 76 اسما وجردحل 77 صفة، وإما مضموم الأول مفتوح الثاني مكسور الرابع نحو: خبعثن 78 اسما وقذعمل 79 صفة، واعلم أنه قد ذكر للخماسي وزنان آخران أحدهما فعللل نحو: الهندلع اسم بقلة، وزعم ابن السراج أن نونه أصلية وأن وزنه فعللل 80، قال المصنف: فجعل للخماسي وزنا خامسا، قال: وهذا مردود؛ لأنه يلزم على قوله أن يكون نون كنهبل أصلا؛ لأن زيادتها لم تثبت إلّا لأن الحكم بأصالتها موقع في وزن لا نظير له، وذلك لازم من أصالة نون: هندلع، مع أن نون: هندلع ساكنة ثانية فأشبهت نون: عنبس وحنظل وسنبل وقنفخر، والنون في هذه زوائد بدليل الاشتقاق، ولا يكاد يوجد نظير كنهبل في زيادة نون ثانية متحركة، وقد حكم مع ذلك عليها بالزيادة؛ فالحكم على نون: هندلع بالزيادة أولى 81، الوزن الثاني: فعلّل نحو: صنبّر، قالوا: ولم يجئ إلا في قوله: 4286 - حين هاج الصنبّر 82 قال ابن عصفور: وهذا لجواز أن يكون لما سكن الراء للوقف كسر الباء لالتقاء الساكنين 83.
الحديث: 4286 - الجزء: 10 - الصفحة: 4890
[أبنية الاسم المجرد الثلاثي والرباعي والخماسي الشاذة]
قال ابن مالك: (وما خرج عن هذه المثل، فشاذّ أو مزيد فيه أو محذوف منه أو شبه الحرف أو مركّب أو أعجميّ).
قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على أوزان المجرد من الأسماء، وجملتها على ما هو المعتبر تسعة عشر بناء منها للثلاثي عشرة، وللرباعي خمسة، وللخماسي أربعة، وكان من الأبنية ما يخالف الأبنية المذكورة، أراد أن ينبه
على المقتضي لعدم ذكرها معها، وجعل المقتضي لذلك ستة أشياء، وهي: الشذوذ، والزيادة، والحذف، وشبه الحرف، والتركيب، والعجمة؛ فالشاذ نحو: دئل في الثلاثي وطحربة وزئبر في الرباعي، وصنبّر، إن ثبت في الخماسي، والمزيد منه يشمل ما فيه زيادة من الثلاثي والرباعي والخماسي، والمحذوف منه نحو: شية وسه ودم، ويدخل فيه نحو: علبط أيضا، وشبه الحرف نحو: من وكم، والمركب نحو: بعلبك وحضرموت، والأعجمي كالأسماء الأعجمية، وإدخاله شبه الحرف والأعجمي مع هذه الأقسام لا حاجة إليه؛ لأنهما لا يدخلهما تصريف، ولأنه قد قال بعد ذكر حدّ التصريف: ومتعلقه من الكلم الأسماء المتمكنة، وما أشبه الحرف ليس بمتمكّن، وقد تقدم لنا أن الكلام في علم التصريف إنما هو بالنسبة إلى اللغة العربية؛ فإذا لا مدخل للكلمة الأعجمية في ذلك، واعلم أن الشيخ لما انقضى الكلام في شرحه على هذا الموضع شرع في ذكر أبنية الأسماء والأفعال المجرد منها والمزيد فيه وقرن ذلك بالأمثلة فكتب أوراقا عدّة، ولا شك أن أبنية الأفعال قد تقدم ذكرها؛ فلا حاجة لإيرادها هنا، وأما أبنية الأسماء فذكرها على التفصيل 84، وربما يضجر الناظر ويملّ الخاطر، ومراجعة كتاب سيبويه وغيره من الكتب في هذا الفن مغنية، والذي ذكره الزبيدي أن جملة أبنية الأسماء المجردة والمزيدة ثلاثمائة بناء وثمانية أبنية 85، منها للثلاثي مائتان وثمانية وثلاثون بناء، للمجرد منها عشرة أبنية أو أحد - - ضعف، وذلك أن الساكنين إذا التقيا من كلمة واحدة حرّك الآخر منهما، نحو: أمس، وجير... وإنما يحرّك الأول منهما إذا كانا من كلمتين، نحو: قد انقطع، وقم اللّيل، وأيضا فإن الساكنين لا ينكر اجتماعهما في الوقف».
الجزء: 10 - الصفحة: 4891
[المضاعف من الثلاثي
ّ 86]
قال ابن مالك: (فصل: استثقل تماثل أصلين في كلمة وسهّلة كونهما عينا ولاما، وقلّ ذلك فيهما حرفي لين، أو حلقيّين وأهمل كونهما همزتين وعزّ كونهما هاءين.
ونحو: قلق قليل، وقلّ كون الفاء واللّام حلقيّين وأقلّ منه نحو: كوكب، وأقلّ منه نحو: ببر وأقلّ منه نحو: ببّ، والأظهر كون الياء والواو نظيرتيه في التّأليف من ثلاثة أمثال).
- عشرة بناء إن ثبت نحو: دئل والبقية للمزيد فيه منه، وللرباعي واحد وستون بناء، للمجرد منها خمسة أبنية
والبقية للمزيد فيه منه 87، وللخماسي تسعة أبنية للمجرد منها أربعة أبنية والبقية للمزيد فيه منه، ولم يجئ من مزيد الخماسي غير خمسة أبنية وهي:
فعلليل كسلسبيل ودردبيس، وفعلّيل كخزعبيل وقذعميل وفعللول كعضرفوط ويستعور، وفعلّلى كقبعثرى، وفعللول كقرطبوس 88، وحاصله: أنه لم يزد في الخماسي سوى حرف مدّ إما قبل آخر الكلمة أو بعده، وسيذكر المصنف ذلك بعد قليل.
قال ناظر الجيش: اعلم أنه قد تجتمع ثلاثة أمثال أصول في كلمة كما سيأتي، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4892
................................
وقد تشتمل الكلمة على مثلين أصليين وذلك على ثلاثة أقسام: ما تماثلت فيه الفاء والعين، وما تماثلت فيه الفاء واللام، وما تماثلث فيه العين واللام.
فالأول: إما بغير فاصل بين المتماثلين نحو: ببر 89 وببّ 90 وددن 91، وإما بفاصل بينهما نحو: كوكب وقوقل.
والثاني: لا يمكن أن يكون إلا بفاصل وهو العين نحو: سلس وقلق، ويدخل فيه نحو: سندس 92 - أيضا -.
والثالث: إما بغير فاصل نحو: طلل ولبب، وإما بفاصل نحو: حدرد، وقد عرف مما ذكرناه أنه ليس من شرط وجود الأصلين المتماثلين في الكلمة اجتماعهما وأن ذلك لا يتقيد بكون الكلمة ثلاثية، إذا تقرر ذلك فليعلم أن تماثل أصلين في كلمة مستثقل كما أشار إليه المصنف، وقد علل ذلك: بأن مخرج المتماثلين واحد فربّما يحتبس اللسان عند النطق بهما 93، وكذلك يفرّون إلى الإدغام؛ حيث يتفق اجتماعهما في كلمة إلا ما استثني كما عرف في باب الإدغام، وهذا إنما يتجه التعليل به حيث لا فاصل بين المثلين، أما مع وجود فاصل فهو غير متّجه، ثم اعلم أن باب نحو: طلل، وهو ما تماثلت عينه ولامه، أكثر من باب نحو: سلس، وهو ما تماثلت فاؤه ولامه، وباب نحو: سلس أكثر من باب نحو: كوكب، وهو ما تماثلت فاؤه وعينه بفاصل بينهما، وباب نحو: كوكب أكثر من باب نحو: ببر، وهو: ما تماثلت فاؤه وعينه دون فاصل، ودلّ على كون باب نحو: طلل أكثر؛ قول المصنف: (وسهّله كونهما عينا ولاما)، ويدخل فيه نحو حدرد - أيضا - وأما كون باب نحو: سلس أكثر من باب نحو: كوكب، فلم يصرح به المصنف، بل لو لم يكن في كلامه نصّ على أن الفاء واللام يتماثلان، ولكن ذلك يؤخذ من كلامه حيث قال: وقلّ كون الفاء واللام [6/ 108] حلقيين، فإنه يفهم من هذا الكلام: أن الفاء واللام يتماثلان، وأفاد قوله: أنه يقلّ كونهما حلقيين - أنه لا يقل -
الجزء: 10 - الصفحة: 4893
................................ كونهما غير حلقيين، فكأنه قال: يجوز تماثل الفاء واللام، ولكن يقل ذلك إذا كانا حلقيين، ودلّ قوله قبل: وسهّله كونهما عينا ولاما أن باب نحو: طلل أكثر؛ لذكره مقدّما، ولنسبته التسهيل إليه؛ فيكون باب نحو: سلس أقلّ منه؛ لذكره إياه بعد، وعلى هذا فالضمير في قوله: وأقلّ منه نحو: كوكب يرجع إلى ما تماثلت فيه الفاء واللام غير حلقيّتين وهو: سلس، فيكون مراده وتماثل الفاء والعين إذا كان بينهما فاصل، وأما كون باب كوكب أكثر من باب نحو: ببر؛ فقد عرف من قوله بعد ذكر كوكب: وأقلّ منه نحو: ببر، ثم إن المصنف نبّه بقوله: وقلّ ذلك فيهما حرفي لين... إلى آخره على أن تماثل اللام والعين يكثر على غيره من المذكورات بعده على الإطلاق، بل بقيد كون الحرفين المتماثلين صحيحين غير حلقيين ولا همزتين، أما كونهما همزتين فغير وارد في كلام العرب، ولذلك قال: وأهمل كونهما همزتين، وأما كونهما حرفي لين أو حلقيين فقليل، وذلك نحو: قوّة وعيّ وغيّ وحيّ وصحّ وشحّ ولححت عينه 94 وشعاع وبخ 95 ومهه 96، وأما قوله: وقلّ كون الفاء واللام حلقيين فقد تقدم الكلام عليه، ومثاله: أجاء وخباح وآء، وهو شجر، والواحدة آءة 97، ولا يظن أن باب نحو: سلس أقلّ من باب نحو: قوّ بل إنما هو أقلّ من باب نحو: طلل كما تقدم، وهو أكثر من باب نحو: قوّ ومهه، وقد نصّوا على ذلك 98. وسبب سهولة تماثل العين واللام أن اللام معرضة لتغيّر حركات الإعراب ولسكونها في الوقف؛ فتخالف حينئذ حركة العين فيسهل النطق بها، هكذا ذكروا، ثم لما أنهى المصنف الكلام على ما اشتمل من المتماثل على أصلين؛ أخذ في -
الجزء: 10 - الصفحة: 4894
................................ الكلام على ما اشتمل على ثلاثة أمثال أصول، وأشار إليه بعد قوله: وأقل منه نحو: ببر الذي هو أقلّ من نحو: كوكب، الذي هو أقلّ من نحو: سلس، الذي هو أقلّ من نحو: طلل؛ فهو حينئذ في الرتبة الخامسة، فنحو: ببّ تماثلت فيه الفاء والعين واللام، وقد ذكروا أن التأليف من ثلاثة أمثال قليل، وأن الذي جاء منه في الصحيح خمسة تآليف وهي: ببّ الصبي فهو ببّه أي: سمين، وههّ يههّ ههّا وههّة أي: لثغ واحتبس لسانه، وززّه يززّه ززّا أي: صفعه، وقعد الصبي على صصّه وققّه أي حدثه، وفعلهما صصّ يصصّ صصّا، وققّ يققّ ققّا، وأما الذي جاء منه في المعتل فكلمتان لا غير وهما ياء وواو، ودلّ كلام المصنف على أن في ذلك خلافا؛ حيث قال بعد ذكر بب: والأظهر كون الواو والياء نظيرتيه في التأليف من ثلاثة أمثال، لكن قال الإمام بدر الدين ولده: إن الياء من ثلاثة أمثال اتفاقا والدليل عليه قولهم: ييّيت الياء وأصلها: ييّ فقلبت العين واللام ألفين؛ لتحرك كل منهما وانفتاح ما قبله، فالتقى ألفان؛ فقلبت الثانية همزة لتطرفها بعد ألف فصار: ياء 99، وفي هذا العمل الذي ذكره نظر، فإن القاعدة المعروفة: أنه لا يتوالى إعلالان في كلمة، وأن القياس أنه إذا وجد في كلمتين عين ولام يستحقان هذا الإعلال إنما تعلّ اللام وتصحح العين نحو: الحيا، والهوى والحوى مصدر: أحوى إذا اسودّ، والأصل: حيي وهوي، وحوو، وقد يعكس هذا العمل شذوذا نحو: غاية وطاية وثاية، وأيضا فإن حرف العلّة الواقع بعد ألف إنما يبدل همزة إذا كانت الألف زائدة، أما إذا كانت الألف أصلية، فإن حرف العلة يبقى بحاله نحو: آية وراية، والأولى في التعليل أن يقال: تحركت الياء المتوسطة التي هي العين، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وقلبت الياء الأخيرة همزة، لوقوعها طرفا تشبيها للألف المنقلبة عن الأصل بالألف الزائدة، ثم قال الإمام بدر الدين: وأما الواو فقيل: هو من باب 100: سلس وقلق، وعينه ياء؛ لأن باب: سلس في كلامهم أكثر من باب: ببّ، فالحمل عليه أولى، وقال الأخفش هو من باب: ببّ وعينه واو، وهو قول صحيح 101، ويدل على صحته أمور ثلاثة: أحدها: قولهم في التصغير: أويّة بقلب فائه همزة؛ لكونها أوّل -
الجزء: 10 - الصفحة: 4895
[اجتماع حرفي علّة في كلمة]
قال ابن مالك: (وإن تضمّنت كلمة ياء وواوا أصليّين لم تتقدّم الياء إلّا في: يوح ويوم وتصاريفه، وواو حيوان ونحوه بدل من ياء على رأي الأكثرين، وقلّ باب: ويح، وكثر باب: طويت).
واوين مصدّرتين ولو كانت عينه ياء لقيل في التصغير: وييّة 102. والثاني: أن كون العين واوا كما في نحو: حال، وجال أكثر من كونها ياء كما في: باع ومال ونحوه، والحمل على الأكثر عند التردد أولى (2). الثالث: أن كون الواو من باب:
ببّ يستلزم شذوذا واحدا ارتكب مثله في ستة تآليف، يعني في الخمسة الصحيحة وفي الياء، وكونه من باب: سلس
يستلزم شذوذين: أحدهما: ارتكب مثله في أربعة تآليف لا غير، وهو كون الواو فاء والياء عينا والأربعة: ويح وويب وويس وويل.
والآخر: لم يرتكب مثله في شيء وهو كون الياء عينا، والواو لاما، وما يستلزم الشذوذ من وجه واحد أولى بالمصيّر إليه مما يستلزم الشذوذ من وجهين، لا سيما على الوجه المذكور.
انتهى.
هو كلام جيد، واعلم أن أصل واو على هذا: ووو 103، كما أن أصل ياء: ييي 104 تحركت الواو المتوسطة وما قبلها مفتوح فانقلبت ألفا وصحت الواو آخرا فلم تعتل بإبدالها همزة، وهذا بخلاف ما فعلوا في ياء؛ حيث أبدلوا الياء همزة، وكأنهم جروا في واو على القياس، فلم يبدلوا الواو همزة؛ لوقوعها بعد ألف أصلية، كما كان قياس: ياء:
أن يقولوا فيها: ياي.
قال ناظر الجيش: لما ذكر اجتماع الياء مع مثلها، واجتماع الواو مع مثلها في الكلمة الثلاثية شرع الآن ذكر اجتماع إحداهما مع الأخرى في الكلمة الثلاثية - أيضا - فذكر أنهما إذا اجتمعتا لا تتقدم الياء على الواو إلا في: يوح ويوم، ويوح: اسم الشمس وسواء أكانت الياء فاء أم عينا؛ فالحاصل أن الياء -
الجزء: 10 - الصفحة: 4896
................................
لا تكون فاء والواو عينا إلا في ما استثناه 105، [6/ 109] وكذا لا تكون الواو لاما والياء عينا، وأورد على ذلك: حيوان، وأجيب عنه بأن واوه بدل من ياء على رأي الأكثرين وأصله: حييان، ولذلك قالوا في حيوة: إن أصله: حيّة ولا شك أن البدل المذكور فيهما شاذ قالوا: وهذا مذهب سيبويه 106، ووجهه: أنهم كرهوا إظهار الياءين فأبدلوا من الثانية واوا كما فعلوا في النسب حيث قالوا: غنويّ، وزعم المازني ومن وافقه أن باب: حيّ مما عينه ياء ولامه واو، واستدل على ذلك بقول العرب: حيوة وحيوان، وقد ردّ ذلك بأنه قد ثبت إبدالهم الياء واوا شذوذا، ولم يثبت من كلامهم ما عينه ياء ولامه واو، ولأجل خلاف المازني في هذه المسألة قيد المصنف كلامه بقوله: على رأي الأكثرين.
واعلم أن القياس الأصلي أن يقال في حيوان: حايان؛ لأن الياء الأولى تحركت وانفتح ما قبلها فقياسها أن تقلب ألفا، ولكنهم من أصلهم - أيضا - إذا كان اسم لمعنى يدل على تحرك واضطراب؛ صححوا حرف العلة فيه ليكون مطابقا لمدلوله في المتحرك، وكذلك قالوا: جولان وميلان؛ إجراء له مجرى الصحيح، حيث كان كذلك كالخفقان، وأورد على هذا التعليل: موتان، وأجيب بأنه من هذا الباب؛ لأنهم يحملون الشيء على نقيضه، ولما
قالوا: حيوان حملوا عليه نقيضه في الصحة فقالوا: موتان فلما وجب بهذا السبب بقاؤها متحركة كرهوا اجتماع الياءين فقلبوا الثانية واوا كما تقدم، وأراد المصنف بالتصاريف في قوله: ويوم وتصاريفه، صيغة الجمع نحو: أيام أصله أيوام ونحو: قولهم:
يوم أيوم، وياومه مياومة ويواما، وقد كان الاقتصار على ذكر يوم كافيا، فإن الفروع تابعة للأصول، ثم اعلم: أن الواو تقدمت فاء على الياء عينا، وتقدمت - أيضا - عينا على الياء لاما، لكن الثاني كثير والأول قليل، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: وقلّ -
الجزء: 10 - الصفحة: 4897
بناء فعل من باب قوّ
قال ابن مالك: (واستغنوا في باب قوّ بفعل عن فعل وفعل، فإن اقتضى ذلك قياس رفض).
باب: ويح، وكثر باب: طويت، وهما عكس المسألتين المتقدمتين؛ لأن ويحا عكس يوحا، وطويت عكس حيوان، إن لم يكن واوه مبدلا عن ياء، قيل: ولم يحفظ من الأوّل إلا: ويل وويح وويس وويب 107، كما أنه لم يحفظ من عكسه إلا: يوح ويوم، وأما باب: طويت، فالمحفوظ منه كثير، منه: شوي وكوي ولوي 108 ونوي وحوي وغوي وعوي وثوي، وقد ثبت في بعض النسخ، قال الشيخ: في نسخة البهاء الرّقي زيادة بعد قوله: وكثر باب طويت وهي قوله: وأنيت 109، فالحمل عليهما أولى من بابي: قوّ وأجإ؛ فباب: قوّة راجع إلى طويت يعني أن تكون العين واوا واللام ياء أولى من كونهما واوين 110، وقوله: وأجإ؛ راجع إلى أنيت، يعني أن تكون فاء الكلمة همزة ولامها ياء؛ أولى من كونهما همزتين 111.
قال ناظر الجيش: يريد أنه إذا كانت العين واللام واوين نحو: باب حوّة 112 وقوّة، فإن الفعل منه إنما تبنيه العرب على فعل بكسر العين، فيقولون: قوي، وأصله: قوو، فقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، ولزم مجيء مضارعه على يفعل، فقيل: يقوى، وأصله: يقوو، ولم يبنوه على فعل ولا على فعل لما يلزم منه من مجيء مضارعه على يفعل
فقيل: يقوى؛ لأن مضارع فعل إنما يأتي كذلك، ومضارع فعل الواويّ العين كذلك - أيضا -، فكان يجيء على: يقوو، فاستثقلوا مجيء واوين في آخر الفعل، فرفض ما أدى إليه وكذا كان يجتمع في آخر الماضي واون 113 إذا قلت: قووت -
الجزء: 10 - الصفحة: 4898
[المضارع من الرباعي]
قال ابن مالك: (ويماثل كثيرا ثالث الرّباعيّ أوّله، ورابعه ثانيه، وأهمل ذلك مع الهمزة فاء، وقلّ مع الياء مطلقا، ومع الواو عينا، فإن كانت في فعل لم تقلب ألفا، وما أوهم ذلك فأصله الياء كحاحيت خلافا للمازنيّ).
أو قووت، فإن اقتضى ذلك قياس رفض وذلك أن يقال لك: ابن من قوّة مثل سبعان، فيقول في أحد المذاهب التي سيأتي ذكرها: قويان، أصله: قووان، لكنك رفضت هذا الأصل، وصيرته على وزن فعلان، وقلبت الواو الآخرة ياء؛ لكسر ما قبلها فقلت: قويان.
قال ناظر الجيش: قد ذكر المصنف هذه المسألة - أعني التي حصل فيها التماثل - في فصل يأتي بعد ذكر فصول أربعة من هذا الفصل 114، وذلك الفصل أمر بذكرها فيه، وإنما تعرض لذكرها هنا لأمرين:
أحدهما: أنه لما تكلم على تماثل الأصول في الكلمة الثلاثية أردف ذلك بالكلام على تماثلها في الكلمة الرباعية.
ثانيهما: التنبيه على أن هذا التماثل مهمل بالنسبة إلى بعض الحروف، وقليل بالنسبة إلى بعض آخر، ومراده أن
مماثلة الثالث للأوّل والرابع للثاني يكون في كلمة واحدة، لا أن كل تماثل في كلمة؛ وذلك نحو: سحسح وسمسم وجمجم وبربر وربرب وزلزل وقلقل وصلصل، ثم هذا التماثل قد يكون مهملا، وقد يكون قليلا؛ فأما كونه مهملا ففي الهمزة إذا كانت فاء؛ فلم يسمع من كلام مثل: أجأج ولا أزأز، ولم يهمل ذلك فيها إذا كانت عينا فقد سمع من كلامهم: بأبأ 115 وزأزأ 116 وضئضئ 117، وأما كونه قليلا فمع الياء مطلقا أي: فاء كانت أو عينا، ومع الواو إذا كانت عينا فالياء نحو: يؤيؤ 118 وصيصية 119 والواو نحو: ضوضى -
الجزء: 10 - الصفحة: 4899
................................
وقوقى؛ فهما من باب: صلصل وقلقل ولم يحكم بزيادة الواو في: ضوضى فيقال: إن وزنه فوعل كجوهر؛ لأن ذلك يدخل الكلمة في باب: ددن، وهو قليل، والحكم بأنها أصل يدخل الكلمة في المضعف الرباعي وهو كثير، ويقيد القلة بكون الواو عينا يفهم منه أن الواو إذا كانت فاء لا يقل التماثل معها، وذلك نحو:
وسوس، ووعوع.
قوله: فإن كانت في فعل، أي: فإن كانت الواو عينا في فعل لم تقلب ألفا، مثال ذلك: قوقى وضوضى، وما أوهم كون العين واوا قلبت ألفا، فأصل الألف الياء لا الواو وكحاحيت، ومثله هاهيت وعاعيت 120؛ فإن الأخفش لم يأت في هذا الباب - في ما علمناه - غير هذه الثلاثة 121، وأصل الألف فيها الياء، وإنما ذهبنا إلى أنه فعللت لا فاعلت؛ لقولهم في المصدر: الحيحاء والعيعاء 122، ولو كان فاعل لكان مصدره فعالا، وإنما قيل: إن أصل الألف ياء في هذه الكلمات الثلاث؛ لأنه لم تجئ كلمة منها على الأصل الذي لها قط؛ فلو كان أصلها واوا لجاء كما قالوا: قوقيت، قالوا: وإنما لم تبدل الواو ألفا في قوقيت ونحوه، ليفرّقوا بين ذوات الواو وذوات الياء، وكان الإبدال في ذوات الياء أولى لقرب الألف من الياء ولما في ذلك من اجتماع الأمثال ويدل على أنهم يبدلون؛ كراهة اجتماع الأمثال قولهم: وهديت، والأصل فيه: وهدهت، وخالف المازني في ذلك وجعل الألف في حاحيت ونحوه منقلبة عن واو، واحتج على ذلك بأن الألف لمّا لم ينطق بها بأصل لا ياء ولا واو كان حملها على ما نطق له بأصل
وهو: قوقيت أولى 123، قال الشيخ: وكونها منقلبة عن ياء أحسن للعلّتين المتقدمتين 124.
الجزء: 10 - الصفحة: 4900
[الميزان الصرفي
125]
قال ابن مالك: (ويسمّى أوّل الأصول فاء، وثانيها عينا، وثالثها ورابعها وخامسها لامات؛ لمقابلتها في الوزن بهذه الأحرف مسوّى بينهما في الحال، والمحلّ ومصاحبة زائد سابق أو لاحق).
قال ناظر الجيش: لما راموا وزن الكلمة قابلوا أوّل أصولها بفاء وثانيها بعين وثالثها ورابعها وخامسها بلامات فلهذه المقابلة يسمى أول الأصول فاء، وثانيها عينا، وثالثها لاما، وكذا رابعها وخامسها إن كانا، وأشار بقوله: مسوّى بينهما، إلى أنه يسوي بين الوزون والزنة في الحال والمحل ومصاحبة زائد.
أما الحال: فالمراد به الحركة والسكون فيعطى المقابل به ما للمقابل منهما فيوزن عصر من قول الشاعر:
4287 - لو عصر منه البان والمسك انعصر 126
بفعل بسكون العين، وإن كان أصله: عصر بكسرها؛ لأن حالها عند الوزن السكون، وكذا يوزن جلد من قول الشاعر:
قول الشاعر:
4288 - ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا 127
بفعل بكسر العين، وإن كان أصله الجلد بسكونها؛ لأن حالها عند الوزن الحركة، والمعتبر من مشكلات الحروف
ما استحق قبل طروء التغيير الحادث بإعلال حالها؛ -
الحديث: 4287 - الجزء: 10 - الصفحة: 4901
................................
فلذا يقال في وزن معدّ: مفعل؛ لأن أصله معدد، ويقال في وزن بيع: فعل؛ لأن أصله بيع.
وأما المحل: فالمراد به أنه إذا حصل في الموزون تقديم بعض حروفه على بعض فعل مثل ذلك في الزنة فيوزن: آرام: أعفال، وحادي: بعالف، وكذا ما أشبههما من المقلوب، وأما مصاحبة المزيد: فالمراد به أن الموزون إذا كان فيه زائد أتي بنظيره في الزنة فيوزن جوهر: بفوعل، وقسور: بفوعل، وعثير: بفعيل، ومراد المصنف أن الزائد يصاحب الزنة كما يصاحب الموزون؛ أما مقابلته في الوزن بلفظه أو بغير لفظه فيذكره، وأما قوله: سابق أو لاحق - فأبدى الشيخ في المراد به احتمالين:
أحدهما: أن الزائد السابق ما كان في بنية الكلمة من أول وضعها كياء يرمع؛ وتاء تنضب والزائد اللاحق ما لحق الكلمة لمعنى عرض كألف ضارب، وياء التصغير، وألف الجمع 128 وهم الأدلة.
الثاني: أن السابق ما كان سابقا على ماهية الكلمة كالسين من: سيضرب، والتاء الساكنة من: ضربت، والألف واللام من الضارب، واللاحق 129 ما كان لاحقا للماهية كالتنوين من: زيد مثلا لو قيل: ما وزنه؟ فتقول: فعلن 130. انتهى.
ولا شك في بعد الاحتمال الثاني، وكان المصنف في غنى عن تقييد الزائد بكونه سابقا أو لاحقا؛ إذ لا فائدة في
ذلك، واعلم أن الفائدة في وزن الكلمة بالفعل هي الإعلام بمعرفة الزائد من الأصل على طريق الاختصار؛ لأن قولك في وزن أحمر:
إنه أفعل؛ أخصر من قولك: الهمزة منه زائدة.
وإنما كنّوا عن الأصول بالفاء والعين واللام؛ لأن حروف الفعل أصول 131، فجعلوها لذلك في مقابلة الأصول، ولم -132
الجزء: 10 - الصفحة: 4902
[حروف الزيادة ودليلها وأنواعها]
قال ابن مالك: (وما لم تبن زيادته بدليل فهو أصل، والزّائد بعض سألتمونيها، أو تكرير عين أو لام أو عين ولام مع مباينة الفاء، أو فاء وعين مع مباينة اللّام، وإذا كان الزّائد من سألتمونيها قوبل بمثله في الوزن، وإلّا فبما يقابل الأصل من فاء وعين ولام، خلافا لمن يقابل بالمثل مطلقا).
يكنوا عن الأصول بغير هذه الحروف؛ لأنهم إنما كنوا بما عادة العرب أن تكني به وهو الفعل، ألا ترى أن القائل يقول: هل ضربت زيدا، فتقول: فعلت، وتكني بقولك:
فعلت عن الضرب، وللكوفيين في كيفية الوزن بالنسبة إلى مقابلة ما زاد من الكلم على ثلاثة، بما إذا تقابل تفصيل وبينهم اختلاف في ذلك، والظاهر أنه مبني على غير أصل، تم الكلام في ذلك، وإيراد تقاسيمهم لا يفيد شيئا فتركته خوف الإطالة (134).
قال ناظر الجيش: دعوى الزيادة لا تقبل إلا بدليل يدل على أن ذلك الحرف مزيد في تلك الكلمة؛ لأن الأصل عدم
الزيادة، فمن ثم قال المصنف: وما لم تبن زيادته بدليل فهو أصل، وسيأتي ذكر الأدلة التي تدل على الزيادة، ثم الزيادة إما بتكرير أو بغير تكرير، أما زيادة التكرير: فغير مختصة بشيء من الحروف، وأما الزيادة بغير تكرير: فلا يخرج عن شيء من هذه الحروف العشرة وهي: الألف، والياء، والواو، -133 - 2 - «الفعل» هو الذي يكثر فيه التغيير دون سائر الكلمات فأوثرت مادته المشتملة على الفاء، والعين واللام لوزن جميع الكلمات.
الجزء: 10 - الصفحة: 4903
................................
والهمزة، والميم، والنون، والتاء، والسين، والهاء، واللام، ويجمعها قولك:
سألتمونيها، يقال: إن بعض النحاة سئل عن أحرف الزيادة، فقال: سألتمونيها، قالوا:
نعم، قال: قد أجبتكم 135. وقد جمعها المصنف في بيت واحد أربع مرات، وهو:
هناء وتسليم تلا يوم أنسه... نهاية مسؤول أمان (وتسهيل) 136
والمراد من كونها أحرف الزيادة أنه إذا وجد حرف زائد لغير الإلحاق والتضعيف فلا يكون إلا منها، لا أن المعنى أنها لا تقع إلا زوائد، وأما المزيد للإلحاق والتضعيف، فقد يكون من غيرها كما يكون منها، وهذا الذي قلناه هو مراد المصنف بقوله:
والزائد بعض سألتمونيها، أو [6/ 110] تكرير عين... إلى آخره، ولكنه يجوز في قوله: أو تكرير؛ لأن التكرير زيادة
والزائد إنما هو المكرر، ثم ذكر المصنف: أن التكرير أربعة أقسام: تكرير عين فقط نحو: سلّم وقطّع، وتكرير لام فقط نحو:
مهدد وجلبب، وتكرير عين ولام مع مباينة الفاء لهما ووزنهما، نحو: دمكمك وصمحمح 137 فالميم والكاف في الأول.
والميم والحاء في الثاني، وقد تكررتا مع مباينة الفاء لهما، ووزنهما: فعلعل، فأصول كل من الكلمتين ثلاثة أحرف لا غير، والدليل على ذلك أنهم أجمعوا على أنهم يقولون في جمعها: دمامك وصمامح 138، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4904
................................ والعرب لا تجمع الخماسي إلا على: استكراه؛ وإنما يجمعونه بحذف الآخر، فيقولون في سفرجل: سفارج، فلو كان: دمكمك، وصمحمح خماسيين، لكانوا يحذفون الآخر فيقولون: دماكم، وصماحم، قلت: الذي حذف من قولهم: دمامك، وصماحم، إنما هو لام الكلمة، وهي الكاف من الأول، والحاء من الثاني، وقد يستشكل حذف الحرف الأصلي، ويقال: حذف أحد الزائدين المكررين أولى وهو من دمكمك: إما الميم وإما الكاف فكان يقال: دماكك ودماكم، ومن صمحمح، إما الميم، وإما الحاء، فكان يقال: صماحح أو صماحم، قيل: لكنهم لم يقولوا: صماحم لفقد فعالع، ولم يقولوا: صماحح للاستثقال 139، قلت: وفي التعليل بفقد فعالع نظر؛ فإنه قد يقال: الغرض أن الميم والحاء الآخرتين مزيدتان تكريرا للعين واللام فحذفت إحداهما توصلا إلى الإتيان بصيغة الجمع، وبقيت الأخرى وهي مكررة عن عين الكلمة، فقوبلت في الوزن مما يقابل به العين، ولا يضرّ كون الحرف الذي تقابل به العين آخرا؛ لأن الحرف مزيد لا أصل؛ ولأن المزيد الآخر المحذوف الذي يقابل اللام في حكم الموجود، فالواقع آخرا إنما هو الحرف الذي يقابل اللام، والقسم الرابع: تكرير فاء وعين مع مباينة اللام نحو: مرمريت وهو العصر، ومرمريس وهو الداهية 140، والدليل على ذلك الاشتقاق فإنهما من المرت، والمراس فالميم، والراء الأخريان مزيدتان، وزنة الكلمتين: فعفعيل، ولم تتكرر الفاء والعين إلا في هذين الاسمين، قال المصنف في شرح الكافية بعد ذكر مرمريس ومرمريت: وزنهما فعفعيل، وهو وزن غريب 141. ثم لمّا ذكر المصنف أن الزيادة في الكلمة بأحد طريقين إما بالتكرير، وإما ببعض الأحرف العشرة، قال: وإذا كان الزائد من سألتمونيها قوبل... إلى آخره، يعني أن الزائد إذا كان من سألتمونيها - ويريد بذلك أن زيادته لم يقصد بها التكرير - قوبل في الوزن بمثله وهذا ظاهر كقولك: وزن ضارب ومضروب: فاعل ومفعول، وقد تقدم ذلك، قال في شرح الكافية: إلا أن يعرض له في الموزون سبب تغيير، يعني فيؤتى به في -
الجزء: 10 - الصفحة: 4905
................................
الوزن على أصله من غير تغيير، وذلك كما تقول: وزن مصطبر، ومزدجر: مفتعل فتأتي بالتاء في الزنة؛ لأن الموجب لقلبها طاء ودالا في الموزونين مفقود في الزنة 142، قوله: وإلا فيما يقابل الأصل، يعني وإن لا يكن الزائد من سألتمونيها، ويريد بذلك أنه قصد بزيادتها التكرير قوبل في الوزن بما يقابل به الأصل من فاء، وعين، ولام، فتقول: وزن سلّم فعّل، وجلبب: فعلل، ودمكمك: فعلعل، ومرمريس:
فعفعيل، ويقول: وزن اغدودن: افعوعل 143. والحاصل: أن المزيد المكرر لا يوزن بلفظه، وإنما يوزن بالحرف الأصلي الذي قبله، فصل بينه وبينه زيادة أو لم يفصل، كان التكرير من غير حروف الزيادة أو منها، وسواء كان زيادة التكرير للإلحاق 144 أم لغير الإلحاق، أما المقابلة إنما يقابل به الأصل في الإلحاق، فلأن غرضهم بالزيادة جعل الكلمة على مثال ما موزونها فيه أصل 145، فأرادوا في الزنة أن ينبهوا على ذلك وأما في غير الإلحاق، فأرادوا أن ينبهوا على أن هذه الزيادة قصدوا بها تكرير ما قبلها، وما قبلها أصل؛ فقصدوا بوزنها بما قبلها التنبيه على هذا الغرض، بخلاف الزيادة التي ليست للإلحاق، والتي لقصد التكرير، ثم أشار المصنف بقوله: خلافا لمن يقابل
بالمثل مطلقا 146، يعني يقابل بمثل الزائد في التكرير كما يقابل به في غير التكرير، إلى أن من الناس من يقابل في التكرير الزائد بمثله إذا نطق بوزنه فيقول في اغدودن: افعودن فيقابل بالمثل، كما تقول في وزن: جوهر: فوعل، وكذا يقول:
وزن جلبب: فعلب 147 إن كان المزيد عنده هو الثاني، وإن كان المزيد عنده الأول، قال: وزنه: فعبل هكذا قال الشيخ، وفي ذلك نظر؛ فإن جلبب ملحق بدحرج.
والحرف الذي حصل به الإلحاق إنما هو الثاني، فالظاهر أنه هو المزيد فلا يتأتى في -
الجزء: 10 - الصفحة: 4906
[الزيادة قبل فاء الفعل والاسم]
قال ابن مالك: (فصل: لأصالة الفعل في التّصريف، زيد قبل فاء ثلاثيّه إلى ثلاثة، وقبل فاء رباعيّه إلى اثنين، ومنع الاسم من ذلك ما لم يشاركه لمناسبة.
أو يكن ثلاثيّا والمزيد واحد وشذّ: إنقحل وإنزهو، وينجلب، وإستبرق.
ومنتهى الزّيادة في الثّلاثيّ من الأفعال ثلاثة، ومن الأسماء أربعة، وفي الرّباعيّ من الأفعال اثنان، ومن الأسماء ثلاثة، وقد يجتمع في آخر الاسم الثّلاثيّ ثلاثة وأربعة.
وفي آخر الرّباعي ثلاثة ولم يزد في الخماسيّ غير حرف مدّ قبل الآخر أو بعده مجرّدا أو مشفوعا بهاء التّأنيث، وندر: قرعبلانة، وإصطفلينة، وإصفعند).
نحو: جلبب الخلاف 148 الذي في نحو: كرّم، قال المصنف: ويلزم من المقابلة بالمثل في المكرر أمران مكروهان: أحدهما: تكثير الأوزان مع إمكان الاستغناء بواحد في نحو صبّر وقتّر وكثّر، فإن وزنها وما شاكلها على القول
المشهور: فعّل، ووزنها على القول الآخر المرغوب عنه: فعبل وفعتل 149، وهكذا إلى آخر الحروف، وكفى هذا الاستثقال منفّرا.
والثاني: التباس ما يشاكل مصدره تفعيلا بما يشاكل مصدره فعللة، وذلك أن الثلاثي المعتل العين قد تضعّف عينه؛ للإلحاق، ولغير الإلحاق، ويتحد اللفظ به كبيّن مقصودا به الإلحاق، ومقصودا به التعدية؛ فعلى القصد الأوّل مصدره: بيّنة، مثل دحرجة، وعلى القصد الثاني تبيين، ولا يعلم امتياز المصدرين إلا بعد العلم باختلاف وزني الفعلين، واختلاف وزني الفعلين على ما نحن بصدده ليس إلا على المذهب المشهور فتعيّن رجحانه 150.
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن للأفعال الأصالة في التصريف، وتقدم تعليل ذلك؛ فلا حاجة إلى إعادته، وقد رتب المصنف على كون الفعل أصيلا في التصريف الحكم الذي ذكره وهو تعدد الزيادة في أوله، واختصاصه بذلك دون الاسم، ودلّ ذلك على أن تعدد الزيادة في أول الكلمة فيه دلالة على تمكن تلك الكلمة في باب -
الجزء: 10 - الصفحة: 4907
................................
التصريف بخلاف الزيادة في آخرها، وحاصل ما تضمنه هذا الفصل: الإشارة إلى محل وقوع الزيادة في الفعل والاسم، وقد اشترك الفعل والاسم في تعدد المزيد 151، وانتهاء الزيادة إلى أقصى ما يزاد في كل منهما؛ لكونهما افترقا في أن تعدد المزيد وانتهاءه إلى أقصى ما يزاد، إذا كان في الفعل إنما يكون في أوله، وإذا كان في الاسم إنما يكون في آخره، وأنه مع ذلك لم يكثر فيه كثرته في الفعل، ويدلّ على عدم الكثرة قوله: وقد يجتمع في آخر الاسم.
فأتى بـ «قد» المفيدة للتقليل، وقد علمت أن الفعل ثلاثي ورباعي، فأما الثلاثي فزيد قبل فائه زيادة، وزيادتان، وثلاث.
الأول: نحو: أكرم، والثاني: نحو: انطلق، والثالث: نحو: استخرج.
وهذه نهاية زيادة الثلاثي؛ وأما الرباعي فزيد قبل فائه زيادة نحو: تدحرج، وزيادتان نحو: يتدحرج، وهذه نهاية زيادة الرباعي، وأما الاسم فمنع من ذلك أي: من مثل هذه الزيادة على النهج الذي ذكره، وهو أن يزاد قبل فاء ثلاثيّه إلى ثلاثة، وقبل فاء رباعيّه إلى اثنين إلا أن يشرك الاسم الفعل لمناسبة؛ فإنّه يوافقه في تلك الزيادة نحو:
منطلق، ومستخرج، ومتدحرج، والاشتراك بينهما هو رجوعهما إلى أصل واحد في الاشتقاق، وإلا أن يكون الاسم ثلاثيّا، والمزيد حرف واحد فإنّه لم يمنع الاسم من ذلك نحو: أفكل 152، ويرمع 153 وهو كثير، وعلم من
اقتصاره والاستثناء على ما ذكره - أنّه لا يزاد قبل فاء الاسم الثلاثيّ، إذا لم يكن مشاركا للفعل زيادتان فصاعدا فمن ثمّ قال المصنف بعد ذلك: وشذّ: إنقحل، وإنزهو، وينجلب، وإستبرق؛ أما إنقحل وإنزهو، فمن القحل 154 والزّهو 155، فالهمزة والنون فيها زائدتان، وليس إنقحل وإنزهو مشاركين للفعل لمناسبة فكانا شاذين 156. قال الشيخ:
وقد جاء غير هاتين الكلمتين قالوا: انقلس وانقلس لضرب من السمك يشبه الحيات، وأمّا ينجلب 157؛ فإنّه قد زيد قبل فائه زيادتان: وهما الياء والنون؛ فشذوا فيه شذوذهم -
الجزء: 10 - الصفحة: 4908
................................
في: إنقحل وإنزهو، وما قاله المصنف غير ظاهر، فإن: ينجلب منقول من الفعل 158.
وقد ناقشه الشيخ في ذلك وقال: إنما غرّه فيه كونه من أسماء الأجناس لا الأعلام، فاعتقد أنه ليس بمنقول من الفعل، قال: وقد ذكر النحويون أن النقل يكون في أسماء الأجناس وفي الأعلام.
ونصوا على أن ينجلبا منقول من الفعل، وإن كان اسم جنس، وكذلك قالوا في تنوّط - اسم طائر -: إنه منقول من الفعل وهو اسم جنس؛ وأما دخول تاء التأنيث [6/ 111] على: ينجلب، وقولهم:
الينجلبة فإنما ساغ؛ لنقله من الفعلية إلى الاسمية، وأما إستبرق فهو مأخوذ من البريق، وقد زيد قبل فائه ثلاثة حروف وليس من الأسماء المستثناة فيكون شاذّا.
والإستبرق غليظ الديباج 159، ثم لما انقضى الكلام على الفعل بالنسبة إلى الزيادة التي ذكرها شرع في الكلام على الاسم بالنسبة إلى هذه الزيادة فقال: وقد يجتمع في آخر الاسم الثلاثي ثلاثة وأربعة، وفي آخر الرباعي ثلاثة، مثال زيادة الثلاثة في آخر الثلاثي: عنفوان، فالواو والألف والنون زوائد، ومثله: أربعاوى، فالألف والواو والألف
زوائد، وكذا الهمزة في أوله أيضا، ومثال زيادة الأربعة فيه: سلمانين اسم موضع، ومثال زيادة الثلاثة في آخر الرباعي: قردمانى: لدواء معروف 160، فالألف والنون والألف في آخره زوائد، قال الشيخ: وكذا عقربّان لدخّال الأذن؛ 161 إذا قلنا بأن الحرف الأخير من المضعف هو الزائد، وأما قول 162 المصنف: ومنتهى الزيادة في الثلاثي إلى قوله: ومن الأسماء ثلاثة - فغير محتاج إليه، بل هو تكرار منه؛ لأن هذا قد عرف من قوله قبل: والمزيد فيه إن كان اسما لم يتجاوز سبعة.
بقي الكلام على قوله: ولم يزد في الخماسي... إلى آخره، فنقول: قد تقدّم لنا أن الذي ينتهي من الأسماء بالزيادة إلى سبعة إنما هو الثلاثي منها والرباعي، أما الخماسي فإنما ينتهي إلى ستة؛ لأنه لا يلحقه إلا زيادة واحدة، ولم تبيّن تلك الزيادة ما هي؛ فذكر المصنف ما ذكره غيره وهو أن الخماسيّ لم يزد فيه إلا حرف مدّ قبل الآخر أو بعده مجردا من هاء التأنيث، أو مشفوعا بها، فمثال المجرد من الهاء: -
الجزء: 10 - الصفحة: 4909
................................
عضرفوط وقبعثرى، ومثال المشفوع بها عندليبة وقبعثراة، وانتقد الشيخ على المصنف كلامه من وجهين: أحدهما: أنه قد زيد في الخماسي حرفان، قالوا: مغناطيس، والألف والياء زائدتان.
الثاني: أنه قال: قبل الآخر، وقد وجدنا المزيد فيه قبل الحرف الذي يلي الآخر نحو قولهم: مغنيطس 163، وأجاب عن هذا الثاني بأنه يصدق على الياء أنها قبل الآخر إن لم تل الآخر 164. انتهى.
قلت: وأما مغناطيس، فبعد ثبوته يدعى شذوذه أو أنه غير عربي، ثم ذكر المصنف أنه قد ندر ثلاث كلمات، وهي:
قرعبلانة 165، وإصطفلينة 166، وإصفعند 167، أما قرعبلانة فلأنه قد زيد بعد لام الكلمة زيادتان وهما: الألف والنون، وقد ذكر أنه لا يزاد إلا حرف مدّ.
قال الشيخ: فإن كان قصد الجنس فالندور في الكلمة لأجل النون؛ لأنها ليست من حروف المدّ، وإن كان قصد الوحدة؛ فالندور لأجل كون المزيد حرفين، وأما إصطفلينة؛ فلأنه قد زيد بعد أصولها الياء والنون فالندور فيها على الوجهين المذكورين في: قرعبلانة 168، وقد جعلها الشيخ من الرباعيّ
الذي زيد فيه ثلاثة أحرف وهي الهمزة، والياء، والنون، قال: ووزنها: إفعلّينة، ووزنها على قول المصنف: فعللينة، وأصله فعللّ نحو: جردحل ثم زيد في [6/ 112] آخره ياء ونون، وأما: إصفعند؛ فندوره لأنه زيد قبل آخره غير حرف مدّ وهو النون، وأما الهمزة فأصلية 169.
الجزء: 10 - الصفحة: 4910
[الأوزان المهملة من المزيد فيه]
قال ابن مالك: (فصل: أهمل من المزيد فيه فعويل وفعولى، إلا:
عدولى وقهوباة، وفعلال، غير مضعّف، إلّا الخزعال، وفيعال غير مصدر، إلّا ناقة ميلاعا، وفعلال مضعّف الأوّل، والثّاني غير مصدر إلّا الدّيداء، وفوعال وإفعلة وفعلى أوصافا، إلّا ما ندر كضيزى وعزهى، وفيعل في المعتلّ دون ألف ونون، وفيعل في الصّحيح مطلقا إلا ما ندر كعيّن، وبيئس، وطيلسان في لغة، وندر فعيل وفعيل، وكثر فعيل).
قال ناظر الجيش: ذكر المصنف في هذا الفصل من المزيد فيه من الثلاثي، وغيره ثلاثة عشر وزنا منها عشرة أوزان مهملة لم توجد إلا فيما استثناه، وزنان نادران، ووزن لم يندر، وإنما تعرض لذكر هذه الأوزان المهملة دون غيرها من المهملات؛ لأنها لم تهمل على الإطلاق؛ بل وجد منها بعض ألفاظ، وإن كانت في غاية القلة فاقتضى وجود
هذه الألفاظ التعرض لذكر الأوزان المذكورة ليحصل التنبيه على الموجود منها وأنه قليل، ولو لم توجد هذه الألفاظ لم يكن لذكر الأوزان المذكورة فائدة؛ إذ المهملات تشذ عن الحصر فلا فائدة إذا في التعرض إلى ذكرها، ولكنّ المصنف افتتح ذكر الأوزان بـ: فعويل ولم يتعرض (لذكر) 170 مجيء شيء على هذا الوزن بخلاف ما فعل في بقية الأوزان وقد كان ينبغي له ألا يذكره لما قررناه من أنه لا فائدة في ذكر الأوزان المهملة؛ لعدم دخولها تحت الحصر، ثم إن الشيخ استدرك هذا على المصنف وقال: قد وجد هذا الوزن قال: ومنه سرويل 171، والثاني من الأوزان التي ذكرها: فعولى، واستثنى منه عدولى 172، وقهوباة 173، وعدولى:
اسم واد بالبحرين، وقهوباة: النّصل، وبعضهم لم يثبت هذا الوزن مطلقا، وقال: -
الجزء: 10 - الصفحة: 4911
................................
إن وزن الكلمتين المذكورتين فعولل: كفروكس 174. قال الشيخ: فيكون الألف - يعني في عدولى وقهوباة - منقلبة عن واو دون الحكم أصلا في بنات الأربعة 175.
انتهى.
ولم أعلم الموجب لحكمه بأن الألف منقلبة عن واو، دون الحكم بأنها تكون عن ياء، ومستند المنكر لهذا الوزن قول سيبويه: ليس في الكلام فعولى 176، والظاهر في هاتين الكلمتين ما قاله المصنف، وذكر الشيخ كلمة ثالثة وهي: حبونا، قال: ويحتمل أن يكون المكان سمي بجملة 177. والثالث من الأوزان: فعلال غير مضعف واستثنى منه: الخزعال، تقول العرب: ناقة بها خزعال أي: ظلع، حكاه الفراء 178، قال الشيخ: وأكثر النحويين لا يثبتونه قال: وزاد بعضهم قسطالا للغبار، وقشعاما للعنكبوت 179، وقد قيد المصنف ذلك بكونه غير مضعف؛ لأن هذا الوزن في المضعف كثير نحو: الزلزال، والقلقال، والوسواس، والصلصال.
والرابع من الأوزان المهملة: فيعال غير مصدر، واستثنى منه: ناقة ميلاعا 180 وهي السريعة، وقيد ذلك بكونه غير مصدر؛ لأن هذا الوزن يوجد في المصادر نحو:
قتيال.
والخامس من الأوزان المهملة: فعلال مضعف الأول والثاني، غير مصدر، واستثنى منه الديداء وهو آخر
الشهر، وفيه لغة أخرى وهي: الدّاداء، وقيده بكونه غير مصدر 181؛ لأن فعلال مضعف الأول والثاني يوجد في المصادر نحو: الزّلزال.
-
الجزء: 10 - الصفحة: 4912
................................
والسادس والسابع والثامن من الأوزان المهملة: فوعال، وإفعلة، وفعلى أوصافا، إلا ما ندر كضئزى وعزهى، وحاصل الأمر: أن هذه الأوزان الثلاثة لم تهمل مطلقا؛ إنّما أهملت صفات وجاءت أسماء فمثال: فوعال: توراب 182، ومثال إفعلة:
إنفحة في لغة من لا يشدد الحاء 183، ومثال فعلى: ذكرى وسيمى، وقد استثنى من فعلى: ضئزى وعزهى.
وتعقب الشيخ على المصنف ثلاثة تعقبات:
الأول: أن بعضهم حكى مجيء فوعال صفة قالوا: رجل هوهاءة للأحمق، نقله ابن القطاع 184، قال الشيخ: ويحتمل عندي أن يكون وزنه فعلالا، ويكون من المضاعف نحو: الوسواس، وتكون الهمزة فيه مبدلة من واو كما في: ضوضاء وغوغاء فلا تعقب إذا.
الثاني: نفي الوصفية عن إفعلة؛ لأن ظاهره التخصيص بما فيه تاء التأنيث، وليس الحكم كذلك بل إفعل وإفعلة فيه سواء نحو: إصبع وإثّرة، وإنفحة، قال: وقد ذكرنا إمّعة 185 وكونه وصفا.
الثالث: أنه لم يستثن من فعلى غير ضئزى 186 وعزهى.
وقد نقل: رجل كيصى للنازل وحده، ورجل عزهاة 187، وامرأة سعلاة 188. ولا يخفى ضعف هذه التعقبات، ولقد كان ترك التعرض لها أجمل.
-
الجزء: 10 - الصفحة: 4913
................................
والتاسع من الأوزان المهملة: فيعل في المعتل دون ألف ونون، يعني أنه لا يوجد فيعل في المعتل، وأراد المعتل العين، وسيذكر أنه لم يأت منه إلا كلمة واحدة، وهذا بخلاف الصحيح العين، فإنه يأتي على فيعل كثيرا نحو: ضيغم وصيرف وسواء في المعتل العين اعتلاله بواو أو بياء، فلو قيل: ابن من البيع والقول مثل فيعل، لوجب التنكب عنه إلى فيعل فكنّا نقول: بيّع كليّن، وقيل: كسيّد، وقيّد ذلك بكونه دون ألف ونون فعلم أنه إذا وجدت الألف والنون في بناء جاز كونه على فيعل وذلك نحو: تيّحان وهو الكثير الكلام العجول 189، وهيّبان وهو الجبان 190.
والعاشر من الأوزان المهملة: فيعل في الصحيح مطلقا، يعني أن فيعلا مهمل في الصحيح 191 كما أن فيعلا مهمل
في المعتل، إلا أن فيعلا إنما أهمل في المعتل العين، إذا لم تقترن بالكلمة ألف ونون، أما مع الاقتران بهما فهو غير مهمل، وأما فيعل في الصحيح فإنّه أهمل مطلقا سواء كان آخر الكلمة ألف ونون أو لم يكن، يستثنى منه كلمتين جاءتا، فعلى هذا لا يوجد في كلامهم مثل: ضيغم ولا ضيغمان بكسر الغين، وقوله: إلا ما ندر كعيّن وبيئس وطيلسان 192، أما عيّن فراجع إلى قوله:
وفيعل في المعتل دون ألف ونون، ولا يحفظ غيره، فانحصر فيه النادر من هذا الوزن 193. قال الشيخ: وإنما دخلت عليه الكاف [6/ 113] وإن كان لا يوجد غيره باعتبار ما عطف عليه، فكأنه قال: إلا ما ندر ككذا وكذا، فالتشبيه دخل باعتبار المجموع لا باعتبار عيّن وحده، فإنه أراد أن يستثني ما ندر من المجموع، وأما بيئس 194 فراجع إلى قوله: وفيعل في الصحيح.
وهي إحدى القراءات في قوله تعالى: بِعَذابٍ بَئِيسٍ 195، قال الشيخ: وفيها اثنتان وعشرون قراءة، وقد قالت العرب: صيقل في اسم امرأة علم لها 196، وأما طيلسان فراجع إلى مفهوم -
الجزء: 10 - الصفحة: 4914
[أدلة الزيادة]
قال ابن مالك: (فصل: يحكم بزيادة ما صحب أكثر من أصلين من ألف أو ياء أو واو غير مصدّرة أو همزة مصدّرة أو مؤخّرة هي أو نون بعد ألف زائدة، أو ميم مصدّرة إن لم يعارض دليل الأصالة كملازمة ميم معدّ في الاشتقاق، وكالتّقدّم على أربعة أصول في غير فعل أو اسم يشبهه، فإن لم تثبت زيادة الألف فهي بدل لا أصل إلّا في حرف أو
شبهه).
قوله: مطلقا.
ونبّه المصنف بقوله: في لغة على أن كسر اللام فيه يقل بالنسبة إلى فتحها، والوزنان النادران: فعيل وفعيل.
مثال فعيل: ضهيد اسم موضع، ومثال فعيل قولهم: عليب لاسم واد باليمن 197، والوزن الذي لم يندر فعيل، ومثاله: عثير، وحمير، وحثيل وطريم، وعريف 198، ولا حاجة بالمصنف إلى ذكر هذا الوزن - أعني فعيلا -؛ لأنّه بصدد أن يذكر الوزن المهمل والنادر، وكأنه إنما ذكر ذلك لذكره ما يقارب وزنه وهو فعيل وفعيل، أو لأنه لما ذكر المفتوح الأول والمضمومه أراد أن يكمل بذكر المكسوره.
قال الشيخ: وثبت في بعض النسخ المقروءة على المصنف وعليها خطه عوض - قوله: وندر فعيل وفعيل، وكثر فعيل 199 قوله: وأهمل فعيل دون فعيل وفعيل فقوله: أهمل يدل على أنه لم يوجد في كلامهم قال ابن جني: أما ضهيد (وعتيد) 200 فمصنوعان فلا يجعلان دليلا على إثبات فعيل وفعيل.
يعني أن هذين الوزنين ليسا مهملين؛ بل هما موجودان، وإن اختلفا بالكثرة ففعيل كثير 201، وفعيل قليل جدّا.
قال ناظر الجيش: قد تقدم ما يدل على أن الزيادة في الكلمة نوعان: نوع يكون ببعض حروف سألتمونيها، ونوع يكون بتكرير بعض أصول الكلمة؛ فعقد المصنف -
الجزء: 10 - الصفحة: 4915
................................ هذا الفصل للنوع الأول، وعقد الفصل الذي يليه للنوع الثاني، وقبل الخوض في شرح كلام المصنف؛ يتعين التعرض لذكر أمور ينبني عليها ما سيأتي؛ فمنها: أن شرط الحرف الذي يعدّ زائدا من هذه الحروف العشرة أن يكون ممتزجا بالكلمة التي هو فيها ليصير جزءا منها كما يكون الحرف الأصلي جزءا ممّا هو فيه؛ لأن الحرف إذا لم يكن أصلا وامتزج بالكلمة احتيج إلى إقامة الدليل على زيادته لكونه أشبه الأصل في الامتزاج 202، أما إذا لم يمتزج فزيادته ظاهرة، وإذا كان هذا شرطا اتجه أن لا تعدّ اللام المصاحبة لأسماء الإشارة ولا هاء السكت من الحروف المذكورة في هذا الباب؛ لأن كلّا منها مستقل بالدلالة على المعنى المقصود به، ولازم الامتزاج أن لا يكون لذلك الحرف وحده دلالة، بل يكون مجموع الكلمة هو الدال على معناها، وقد أدخل المصنف وابن عصفور الحرفين المذكورين - أعني اللام التي مع أسماء الإشارة وهاء السكت - في حروف الزيادة وليس 203 بجيد، وأما تاء التأنيث في نحو: قائمة فقد اعتذر ابن عصفور عن ذكرها في الحروف الزوائد مع أنها ليست كالجزء مما هي فيه، بأنها صارت حرف إعراب، ولم يذكرها المصنف، والوجه ما فعله ابن عصفور 204. ومنها: أن ابن عصفور أورد أن قولهم: هند كيّ في معنى هنديّ يدل على أن الكاف من حروف الزيادة؛ لأنها صارت من نفس بناء الكلمة، ثم أجاب عن ذلك بأن هنديّا وهندكيّا من باب سبط وسبطر، يعني مما تقارب فيه اللفظ والأصل -
الجزء: 10 - الصفحة: 4916
................................
مختلف 205، قلت: وفي كون هندكي أصلا بعد، والذي يظهر أن الكاف زائدة 206، ولا يلزم أن تعد من جملة حروف الزيادة؛ لأن مقتضى الامتزاج على ما تقدم تقريره أن يختل معنى الكلمة، وتفوت دلالتها على معناها، عند سقوط ذلك الحرف الممتزج الزائد، فلا شك أن: هندكيّا إذا سقطت الكاف منه لا تفوت دلالته على معناها، فلا يتأتى إدارج الكاف في جملة هذه الحروف ولا يلزم من عدم اندراجها في حروف الزيادة هذه ألا تكون هي زائدة في
نفسها على ماهية الكلمة؛ بمعنى أنها لا فائدة لها، وأن وجودها في الكلمة وعدمها سواء.
ومنها: أنهم ذكروا علّة لكون هذه الأحرف كانت هي التي تزاد دون غيرها فقالوا: إنما خصّت هذه الحروف بالزيادة دون بقية حروف المعجم؛ لأن أمهات الزوائد الواو والياء والألف؛ لكثرة دورها في الكلام، ولذلك كانت هذه الثلاثة أكثر الحروف زيادة، وأما الهمزة والنون والميم والتاء؛ فلشبهها بحروف العلة، ولذلك كانت هذه الأحرف الأربعة تلي حروف العلة في كثرة الزيادة؛ وأما السين، والهاء، واللام فإنما زيدت لشبهها بالحروف المشبهة لحروف العلة، أما اللام فمشبهة للنون من حيث الاستطالة في المخرج، وأما السين فمشبهة للهاء في همسها وتقارب مخرجيهما، وأما الهاء فمشبهة للهمزة من جهة تقارب المخرج؛ لأنهما من حروف الحلق 207، ولما كانت هذه الأحرف لا تشبه أحرف العلة، بل أشبهت المشبهة بها، لم تجئ مزيدة إلا في ألفاظ محفوظة وأماكن مخصوصة لا يتعداها فهي أقل الحروف زيادة لذلك، وقال المصنف: أحقّ الحروف بالزيادة أحرف اللين، وهي الألف، والياء، والواو؛ لسهولة الإتيان بها عند إشباع الحركات، ولأن كل كلمة لا تخلو مما أخذ منها، وهي الحركات الثلاث، والألف أخفها، فهي أحق بالزيادة من أختيها؛ لكن منع من زيادتها أولا تعذر الابتداء بها لملازمتها السكون، فزادوا الهمزة أولا كالعوض منها؛ لاتحاد مخرجيهما، ومنع من زيادة الواو أوّلا استثقالها وتعرضها للإبدال الجائز إن لم [6/ 114] تلها واو أخرى، والإبدال اللازم إن وليها واو أخرى، كما فعل بالأصلية نحو: أقّتت وأواق، والأصل: وقّتت، ووواق جمع -
الجزء: 10 - الصفحة: 4917
................................
واقية، فلما امتنع زيادتها أولى - مع كونها من أمهات الزوائد - زيدت الميم أوّلا كالعوض منها، ولذلك لم تزد الميم أولا إلا شذوذا؛ لعدم الحاجة إلى التعويض.
انتهى وهو كلام لطيف بديع ولا يبعد أنه من استخراجاته - رحمه الله تعالى - واستفيد من اقتصاره على ذكر أحرف العلة، والهمزة والميم: أن هذه الأحرف الخمسة هي التي يكثر زيادتها وتطّرد دون الأحرف الخمسة الأخر وهي: النون، والتاء، والسين، واللام، والهاء؛ فإنها لم تكثر زيادتها ولم تطّرد ومع كون زيادتها غير مطّردة لا
يشتبه كونها مزيدة، ولا تخفى زيادتها على من له أدنى نظر، بخلاف الأحرف الخمسة المتقدمة، فإنها قد تشبّه بالأصلية في بعض المواضع، وسيتضح هذا عند الكلام على زيادة كل منها - إن شاء الله تعالى - ومن الأمور التي يتعين التعرض لذكرها أن ابن عصفور ذكر أن الحروف العشرة المذكورة، لا تزاد إلا لأسباب سبعة، وهي: الإلحاق نحو: واو كوثر، أو الدلالة على معنى نحو: حروف المضارعة، أو الإمكان - يعني إمكان النطق - نحو: همزة الوصل، ونحو الهاء في نحو: قه وعه، أو بيان الحركة نحو: سُلْطانِيَهْ 208، والمد نحو: كتاب وقضيب وعجوز، أو العوض نحو: التأنيث في زنادقة، أو التكثير - يعني تكثير الكلمة - نحو: ألف قبعثرى، ونون كهبل؛ لأنه لا يمكن فيها الإلحاق؛ إذ ليس لهما من الأصول نظير يلحقان به 209، ثم قد عرفت أن الواجب أن لا تعد هاء السكت في حروف الزيادة، وأما همزة الوصل فينبغي أن لا تعد فيها أيضا؛ لأن معنى الكلمة لا يختل بسقوط الهمزة المذكورة، ومن شرط الزائد في هذا الباب أن يكون كذلك، فعلى هذا يسقط من الأسباب التي ذكرها سببان وهما: الإمكان، وبيان الحركة 210؛ وحينئذ تصير الأسباب خمسة لا غير، وهي: الإلحاق، والدلالة على معنى، والمدّ، والعوض، والتكثير.
إذا تقررت هذه الأمور رجعنا إلى شرح كلام المصنف، فنقول: إنه أشار -
الجزء: 10 - الصفحة: 4918
................................ أولا إلى ذكر الأحرف التي تكثر زيادتها وتطّرد وهي الألف، والياء، والواو، والهمزة، والميم، وإنما ذكر النون مع هذه الخمسة، وكان يجب ذكرها مع الأحرف الأخر التي سنذكرها ثانيا؛ لأنها في بعض المواضع التي تزاد فيها شاركت الهمزة في ما أثبته لها من الزيادة آخرا بعد ألف، فأدرج النون معها لمشاركتها لها في هذا الحكم المذكور؛ كيلا يعيد ذكر ذلك ثانيا طلبا للاختصار، وقد أشرك المصنف بين الخمسة - أعني الألف والياء والواو والهمزة والميم - في شيء وهو الحكم على كل منها بالزيادة متى صحب أكثر من أصلين، يعني ثلاثة فصاعدا، لكنه قيّد الواو بكونها غير مصدرة، وقيد الهمزة والميم بكونها مصدرتين، فعلم من ذلك أن الواو لا تزاد مصدّرة، وأن الياء كما تزاد غير مصدّرة تزاد مصدّرة إلا في ما استثني، وأن الميم لا تزاد مؤخرة عن الصّدر وكذا الهمزة - أيضا - إلا في ما ذكره وهو كونها بعد ألف زائدة، وأما الألف فلا تزاد أولا لسكونها وتعذر الابتداء بالساكن فيتعين أن تكون زيادتها غير أول، وينبغي أن يعلم أنه ليس المراد من قولنا: إن الميم تزاد مصدّرة وأن الهمزة لا تزاد غير مصدرة إلا بالقيد الذي ذكره، أنهما لا يحكم بزيادتهما إلا عند تصدّرهما، أو عند تأخّر الهمزة بعد ألف زائدة، كيف والميم محكوم بزيادتها في: دلامص 211 وقمارص 212، وترامز 213 وهرماس 214، وزرقم 215، والنون محكوم -
الجزء: 10 - الصفحة: 4919
................................ بزيادتها في: رعشن 216، وفرسن 217، وقنعاس 218، بل المراد أنهما لا تطرد زيادتهما إلا إذا كانتا مصدّرتين، أو كانت الهمزة آخرا بشرط كونها بعد ألف زائدة وأنه يحكم بزيادتهما إذا وجدتا بهذه الصفة من غير نظر إلى اشتقاق أو غيره ما لم يعارض الزيادة دليل أصالة كما سينبّه عليه، وأما إذا كانتا غير مصدرتين، ولم تكن الهمزة آخرا بعد ألف زائدة فإنه لا يحكم بزيادتهما إلا بدليل يدل على الزيادة كالاشتقاق، وعدم النظير لو حكم بالأصالة، واعلم أن الموجب للحكم على هذه الأحرف المذكورة بالزيادة حيث وجدت بالصفة التي ذكرت أن زيادتها في ما علم اشتقاقه ثابتة بالقيود التي أشير إليها، فوجب الحكم بذلك في ما لم يعلم اشتقاقه حملا لما لم يعلم بالاشتقاق على ما علم به، فأما الألف فقد عرفت أنها لا تزاد أوّلا وإنما تزاد ثانية نحو: ضارب، وثالثة نحو: كتاب، ورابعة نحو: علقى، وخامسة نحو: حبنطى، وسادسة نحو: يهيرّى 219، ولا توجد سابعة إلا أن تكون ألف تأنيث وتقع بعد ألف زائدة فتصير همزة نحو: معلوجاء، هذا في بنات الثلاثة، وأما في بنات الأربعة فلا تزاد الألف فيها ثانية وإنما تزاد ثالثة نحو: جخادب 220، ورابعة نحو: حملاق 221، وخامسة نحو: حبركى 222، وسادسة نحو: حبوكرى 223، وتجيء سابعة للتأنيث؛ إلا أنها تنقلب همزة نحو: جخادباء 224، وأما في بنات -
الجزء: 10 - الصفحة: 4920
................................ الخمسة فلا تلحق إلا سادسة نحو: قبعثرى 225؛ ولا توجد في السداسي إلا في هذا البناء خاصة، وأما الياء فقد علمت أنها تزاد أوّلا وغير أوّل، فتزاد في بنات الثلاثة أولا نحو: يعمل 226، وثانية نحو: زينب 227، وضيغم 228، وثالثة نحو: قفيز 229 ونضيب وسعيد وشريف وعثير وعليب، ورابعة نحو: حذرية 230 وزبنية 231، وأما بنات الأربعة فتزاد الياء فيها ثالثة نحو: سميدع 232، ورابعة نحو: قنديل وشنظير 233، وخامسة نحو: سلحفية 234، وأما بنات الخمسة فتزاد الياء فيها خامسة، ويكون قبل الآخر نحو: سلسبيل ودردبيس وخزعبيل وقذعميل 235، وشرط زيادة الياء أوّلا أن تكون بعدها ثلاثة أصول فقط كيرمع 236 ويعمل ويعسوب، فإن كان بعدها أربعة أصول حكم لها بالأصالة كما سيأتي، فالواو لا تلحق زائدة ثانية إلا في الثلاثي أيضا إلا فيعلولا وهو: عيطموس 237، وأما الواو فقد علمت أنها لا تزاد أوّلا بل غير أول، فتزاد [6/ 115] في بنات الثلاثة ثانية نحو: كوكب وعوسج وحومل، وثالثة نحو: عتود وخروف وصدوق وجدول وجهور، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4921
................................
ورابعة نحو: ترقوة وقرنوة وجنذرة وعنصوة وجندوة 238، قالوا: ولا تفارق الياء هذه الأبنية كما لا تفارق: حذرية وأخواتها، وأما بنات الأربعة فتزاد فيها ثالثة نحو: حبوكر وفدوكس وسرومط وعشوزن 239، ورابعة نحو: كنهور ووزنه فعلول، وهو قليل في الكلام 240، ونحو: عنقود وزنبور وقرقوس 241، وخامسة نحو:
قمحدوة ووزنها فعلّوة وهو وزن قليل في الكلام، والهاء لازمة له 242 ونحو:
خيتعور 243 وعنكبوت 244 ومنجنون 245، وأما بنات الخمسة فإن الواو تلحقها خامسة وتأتي على وزنين، فعللول نحو: عضرفوط 246، وفعللول نحو: قرطبوس 247 وهو قليل، وقد علم من هذا كلّه أن الواو مع كونها لا تزاد أولا؛ لا تزاد ثانية في الرباعي؛ ولا تزاد في بنات الخمسة إلا خامسة، وإذا علم أن الواو لا تزاد أوّلا وجب الحكم بأصالتها في: ورنتل وهو الشر، ونقل المصنف عن بعضهم أنها زائدة على سبيل الندور؛ لأن الواو لا تكون أصلا في بنات الأربعة قال: والصحيح أنها أصل، واللام زائدة مثلها في نحو: فحجل بمعنى: أفحج؛ لأن لزيادة اللام
آخرا نظائر، بخلاف الواو أوّلا 248. انتهى.
والموجب لدعوى زيادة اللام في: ورنتل الفرار من الحكم بكون الواو أصلا في بنات الأربعة 249، والشيخ لما ذكر أصالة الواو في ورنتل قال: واللام -
الجزء: 10 - الصفحة: 4922
................................
فيه أصلية مثلها في: حجنفل؛ ثم قال: وذهب أبو علي إلى أنها زائدة 250. انتهى.
وكأن المصنف اتّبع رأي أبي علي في ذلك، والقول بذلك بعيد، والحق أن اللام أصلية؛ إذ لا موجب للقول بزيادتها كما تقدم، قال ابن أبي الربيع 251: فإن قلت: كما أن الواو لا تزاد أوّلا في بنات الأربعة، فكذلك الواو - أيضا - لا تكون أصلا في بنات الأربعة.
قلت: الواو لم تأت زائدة أوّلا في شيء من الكلام، ولا على وجه، والواو تكون أصلا في بنات الأربعة بالتضعيف؛ نحو: قوقيت، وضوضيت، فقد جاءت أصلا في بنات الأربعة بالتضعيف؛ إذ قد وجدت أصلا في بنات الأربعة بالتضعيف، أيسر من زيادة الواو أوّلا؛ إذ ذلك لا يوجد على حال من الأحوال 252. انتهى كلام ابن أبي الربيع.
وهذا آخر الكلام على زيادة الأحرف الثلاثة أعني: الألف والياء والواو.
ولكن بقي التنبيه هاهنا على أمر:
وهو أنّه قد علمت مما تقدم عند الكلام على قوله: وتماثل كثيرا ثالثا الرباعي أوله ورابعه ثانيه، حيث قال: وقلّ ذلك مع الياء مطلقا ومع الواو عينا: أن الياء والواو يحكم بأصالة كل منهما في الثنائيّ المكرر نحو: يؤيؤ وصيصة وضوضى ووعوعة، ولا شك أن هذا النوع يحكم بأصالة حروفه كلّها كما يحكم بأصالة حروف:
سمسم 253 وسحسح وربرب، وقد قال المصنف في الألفية:
فألف أكثر من أصلين... صاحب زائد بغير مين
واليا كذا والواو إن لم يقعا... كما هما في يؤيؤ ووعوعا 254
وإنما لم يستثن المصنف ذلك في التسهيل هنا؛ لأنه اكتفى بالتنبيه عليه فيما تقدم، وأما الهمزة فقد عرفت أن زيادتها مقيّدة بكونها مصدّرة يعني أن تكون أوّلا، وعرفت أن الميم مشاركة لها في ذلك، وأنها لا تفارقها إلا في شيء واحد وهو أن -
الجزء: 10 - الصفحة: 4923
................................ الهمزة تزاد مؤخّرة بعد ألف زائدة بخلاف الميم، وإذا كانت الميم مشاركة للهمزة في الزيادة أوّلا، وجب أن يكون الكلام في الحرفين معا فنقول: ذكروا أن الهمزة تزاد أوّلا وثانيا وثالثا ورابعا، وأن الميم تزاد كذلك، قالوا: ولم يذكر سيبويه زيادتها ثانية ولا ثالثة وإنما ذكر زيادتها أوّلا ورابعة 255، والذي يظهر أنه لا حاجة إلى التنبيه على مواضع زيادة هذين الحرفين غير أول؛ لأن المطرد الكثير إنما هو زيادتهما أوّلا بخلاف زيادتهما غير أول، وهم إنما نبهوا على ذلك في الألف والياء والواو لكثرة زيادتها واطّرادها، ولأن الألف والواو لا يزادان أولا، وزيادة الياء أوّلا في غاية القلة، فلما كانت زيادة الألف والواو إنما تكون غير أول وكانت زيادة الياء أولا في غاية القلّة؛ كان التعرض لذكر مواطن زيادة الثلاثة متعينا، وأما الهمزة والميم فلا يحكم بزيادتها غير أوّل إلا إذا دلّ دليل من اشتقاق أو غيره على ذلك، على أنه إنما ورد في كلمات قليلة منها شأمل وشمأل 256 وضهيأ 257 وحطائط 258 وقمارص وهرماس ودلامص وزرقم وستهم 259، وإنما الذي يذكر هنا أن يقال: متى تقدمت الهمزة أو الميم على أربعة أصول حكم على كل منها بالأصالة كما سيأتي، وإن كان التقدم على ثلاثة أصول حكم بالزيادة، وإن لم يعلم الاشتقاق؛ لأنهما قد كثرت زيادتهما واطردت فيما علم اشتقاقه كأحمد وأحمر وأصفر ومكرم ومعلم ومؤمن؛ فوجب الحكم عليهما بالزيادة في ما لم يعلم اشتقاقه كأصبع 260 ومخلب 261، ولو كان أحد الثلاثة الواقعة بعد الهمزة أو الميم حرف لين، أو مكررا؛ فإنه يحكم بأصالة ذلك الحرف، ويكون الهمزة والميم محكوما بزيادتهما كما حكم بزيادتهما لو لم يكن أحد الثلاثة لينا أو مكرّرا، وذلك نحو: أورق وأيدع 262 وموئل 263 وميسر وأشدّ ومجنّ 264، فإن -
الجزء: 10 - الصفحة: 4924
................................ انفك المثلان كمهدد 265؛ فأحدهما زائد إلا أن يوجب تقدير زيادته استعمال ما أهمل كمحبب فإنه مفعل، فإن تقدير زيادة أحد ياءيه يوجب أن يكون الأصل «محبّ» وهو تركيب أهملت العرب جميع وجوهه 266، وكذا لو كان مع الثلاثة التي هي أصول الكلمة الواقعة بعد الهمزة والميم حرف لين، فهو - أيضا - زائد كإسكاف 267 وإبريق وأسلوب، ذكر المصنف ذلك في إيجاز التعريف له، ولا شك أن التنبيه على أن حرف اللين زائد في هذه الأبنية الثلاثة مستغنى عنه، فإنّه من المعلوم الحكم على كل من الألف والياء والواو بالزيادة متى صحب أكثر من أصلين وإذا كانت الأحرف الثلاثة مقطوعا بزيادتها لما ذكر، فلا حاجة إلى التنبيه على زيادتها، هنا بقي الكلام على زيادة [6/ 116] الهمزة مؤخرة بعد ألف زائدة، كما قيّده المصنف، ويذكر معها النون لإشراك المصنف إياها مع الهمزة في هذا الحكم بعد ذكر الهمزة مصدرة بقوله: أو مؤخرة أو نون بعد ألف زائدة، فنقول: ذكر المصنف في إيجاز التعريف له: أن الهمزة المتأخرة يحكم بزيادتها بعد ألف زائدة قبلها ثلاثة أصول أو أكثر كعلباء وقرفصاء، ثم قال: ويشارك الهمزة في مثالها متأخرة النون نحو: سرحان وزعفران، وهكذا ذكر في بقية كتبه أن الهمزة في نحو: علباء وقرفصاء زائدة 268، والأصح: أن همزة قرفصاء بدل من ألف مزيدة للتأنيث وكذلك همزة علباء بدل من ياء هي حرف إلحاق، وإذا كان كذلك لم -
الجزء: 10 - الصفحة: 4925
................................
يثبت أن الهمزة تزاد مؤخرة بعد ألف زائدة 269، وإنما يثبت هذا الحكم للنون فقط، فلو كان قبل الألف الزائدة حرفان وجب الحكم بأصالة النون (نحو: سنان وعنان وبنان 270 وكذا لو كانت الكلمة من باب جنجان) 271 يحكم بأصالة النون؛ إذ لو كانت زائدة لكانت الكلمة من باب سلس وهو قليل فينبغي أن تكون الكلمة من باب الرباعي المضاعف نحو: صلصلت 272، واعلم أنّا نفهم من قول المصنف:
يحكم بزيادة ما صحب أكثر من أصلين من كذا أو كذا - أمرين: أحدهما: أن كلّا من هذه الأحرف الخمسة متى صحب أصلين فقط لا يحكم بزيادته، بل يجب الحكم بأصالته إن كان غير ألف، ويكون بدل أصل إن كان ألفا، وإنما كان كذلك لأنّه لا بد من تكملة أقل الأصول وهو ثلاثة، فمن ثمّ حكم بأصالة الياء في: يوم وبيع ورمي، وبأصالة الواو في: قول وغزو، وبأصالة الهمزة في: أخذ وأكل وأمر، وبأصالة الميم في: ملك ومسخ وأشباههما، وحكم بكون الألف بدلا من أصيل في: مال وباب وناب وعصا ورحا، ولو انضم إلى الأصلين حرف محكوم بزيادته كان الحكم بأصالة الحروف المذكورة باقيا كما في نحو: ياوم وبايع ورامى وقاول وغازى وآخذ وآكل وآمر ومالك وماسخ، وهذا واضح.
ثاني الأمرين: أن كلّا من هذه الأحرف الخمسة، إذا وجد بالقيد الذي قيدت به زيادته ووجد معه ثلاثة أحرف حكمنا بزيادته، ولو كان أحد تلك الثلاثة حرفا يمكن أن يكون هو الزائد بأن يكون حرف لين أو مكرّرا مدغما.
والظاهر: أن الأمر كذلك إلا إذا دلّ دليل على أن الزائد هو حرف لين أو المكرر -
الجزء: 10 - الصفحة: 4926
................................ المدغم؛ فحينئذ يحكم عليه بالزيادة، ويتعين إذ ذاك الحكم بالأصالة لذلك الحرف الذي من شأنه أننا كنا نحكم بزيادته، لو لم يكن ذلك اللين أو المكرر، وقد تقدم أنه لو كان أحد الثلاثة الواقعة بعد الهمزة أو الميم حرف لين أو حرفا مكررا حكم بزيادة الهمزة والميم نحو: أورق وأبدع وموئل وميسر وأشدّ ومجنّ، ولفصل القول في ذلك بالنسبة إلى كل حرف من الخمسة متعرضين إلى ذكر الدليل الدال على كون المزيد أحد الثلاثة من حرف لين أو حرف مكرر في بعض الكلم، فنقول: الهمزة يحكم بزيادتها إذا كان أحد الثلاثة التي بعدها ياء أو واوا أو ألفا، نحو: أيدع وأبين وأورق وأشفى 273 وأفعى، ولو لم يكن معنا دليل يدل على زيادة الهمزة؛ لأن جميع ما ورد من ذلك مما عرف اشتقاقه، الهمزة فيه زائدة نحو: أغوى وأنوأ 274، فحمل ما ليس له اشتقاق على ما عرف اشتقاقه إلا إذا دلّ دليل على أصالة الهمزة، فيجب حينئذ الحكم بزيادة الحرف الذي هو أحد الثلاثة الواقعة بعد الهمزة، وذكروا أن ذلك في أربع كلمات وهي: أولق وأيصر وأرطى وإمّعة 275، أما أيصر، فلقولهم في جمعه: إصار بإثبات الهمزة وحذف الياء، وأما: إمّعة؛ فلأنه يلزم من القول بزيادة الهمزة أن يكون وزنه إفعلة، وإفعلة لا يكون صفة أصلا، إنما يكون اسما نحو: إشفى (وإنفحة) 276 فيجب أن يكون وزنه فعّلة؛ لأن فعّلة في الصفات موجود نحو: رجل دنّبة 277، وأما: أولق وأرطى، فلسقوط الواو والألف في قولهم: ألق الرجل ألقا فهو مألوق أي جنّ 278، وبعير أرط وأديم مأروط، نعم من قال: ولق ولقا فهو مولوق 279 بمعنى جنّ - أيضا - وبعير راط وأديم مرطي، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4927
................................
انعكس الحكم عنده فيحكم بأصالة الواو في أولق، والألف في أرطى، وبزيادة الهمزة فيهما، ولك أن تقول: الموجب للحكم بأصالة الهمزة أولا في هاتين الكلمتين وهما أولق وأرطى، وبزيادتهما فيهما ثانيا إنما هو الاشتقاق ولا شك أنه مقدّم على غيره من أدلة الزيادة، وإذا ثبت الاشتقاق، حكمنا بزيادة الحرف في موطن ليس من شأنه أن يزاد فيه، وبأصالته في مكان شأنه أن يزاد فيه، ولا ينظر إلى شيء آخر، وإذا كان كذلك لا يحسن التمثيل بأولق وأرطى في ما نحن بصدده؛ لأن الاشتقاق هو الحاكم فيها، وإنما يحسن التمثيل بما لا اشتقاق له؛ لأنا قررنا أولا أنا نحكم بزيادة الهمزة ولو لم نعلم الاشتقاق، وإذا كان كذلك سقط الاستدلال على هذا المقصود بهاتين الكلمتين، وأما: أيصر وقولهم في جمعه: إصار فلا يتم الاستدلال به؛ لأن كلام الجوهري في الصّحاح يدل على أن إصار مرادف لأيصر لأنه قال: الإصار والأيصر حبل قصير يشدّ به في أسفل الخباء إلى وتد، وجمع الإصار أصر، وجمع الأيصر أياصر 280، وإذا كان كذلك لم تكن الياء في أيصر الزائدة، ويكون وزنه أفعل، فالهمزة هي الزائدة؛ فلم يبق من الكلمات الأربع المستدل بها إلا كلمة واحدة هي إمّعة لا غير.
الميم: يحكم بزيادتها إذا كان أحد الثلاثة التي بعدها ياء أو واوا أو ألفا نحو: ميسر وموئل ومسرى كما تقدم في - الهمزة سواء، والعلة في ذلك ما تقدم إلا إذا دلّ دليل على أصالة الميم فيجب حينئذ الحكم بزيادة الحرف الذي هو أحد الثلاثة الواقعة بعد الهمزة، وذلك في ستة ألفاظ كما ذكروا وهي: معزى ومأجج ومهدد ومعدّ ومنجنيق ومنجنون، أما أصالتها في معزى فلقولهم [6/ 117]: معز بحذف الألف، ولو كانت الميم هي الزائدة لقالوا:
عزي 281، وأما أصالتها في معدّ فلقولهم: تمعدد الرجل إذا تكلم بكلام معد، فلو لم نقل بأصالة الميم لكان وزنه تمفعل، وهو وزن مهمل لم يوجد منه إلا: تمسكن وتمدرع، وهما نادران، والأجود أن يقال: تسكّن وتدرّع 282، وأما أصالتها في:
مأجج ومهدد؛ فلأنها لو كانت زائدة لوجب الإدغام كما قالوا: مفرّ ومكرّ ومردّ، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4928
................................
فدلّ الفك على أن الميم أصل، وأن الحرف المكرر زائد لإلحاق الكلمتين بجعفر، كما ألحق به قردد فلم يدغم، لا
يقال: (احكم بزيادة الميم، واجعل الفكّ شاذّا، كما جاء الفكّ في: لححت عينه، وألل السّقاء، وضبب البلد) 283 لأنا نقول:
لمّا كان كل من الأمرين أعني الزيادة والنقصان يفضيان إلى قليل، كانت الأصالة أولى، وأمّا أصالتها في منجنيق؛ فلأن النون 284 ثابتة الزيادة لقولهم: مجانيق، ولو كانت أصلية لقالوا: مناجيق، ومتى ثبتت زيادة النون وجب الحكم بأصالة الميم؛ إذ لو قيل بزيادتها مع أن النون زائدة؛ لأدى ذلك إلى اجتماع زيادتين أوّل الكلمتين، وذلك لا يوجد إلا في الأفعال أو الأسماء الجارية عليها، نحو: انطلق ومنطلق، ومنجنيق ليس باسم جار على الفعل، وإذا ثبتت أصالة الميم وزيادة النون الأولى وجب أن يقضى على النون الثانية بالأصالة؛ لأنه لو قضي عليها بالزيادة لكان وزن الكلمة (فنعنيلا) 285 وهو بناء غير موجود، أما إذا كانت أصلية فتصير الكلمة نظير: عنتريس ووزنه فنعليل.
قال ابن عصفور: فهلا استدل على زيادة الميم بما حكي عن أبي عبيدة 286، بأنه سأل أعرابيّا عن حروب كانت بينهم فقال:
كانت (بيننا) 287 حروب عون تفقأ فيها العيون مرة نجنق، ومرة نرشق.
فقال:
نجنق ولو كانت الميم أصلية لقال: نمجنق 288 ثم ذكر الجواب عنه، وقد أورد ابن الحاجب الكلام على منجنيق أحسن إيراد وأنهى (البحث) 289 فيه، فليقف عليه الناظر إذا أراد 290، وأما أصالتها في منجنون فالذي يدل عليها أنه إما أن يقدر الميم والنون زائدتين ولا يجوز لما تقدم في منجنيق، وإما أن يقدر أن أحدهما أصل والآخر زائد، فإن كانت الميم هي الزائدة كان وزن الكلمة مفعلولا، وهو بناء غير موجود، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4929
................................ وإن كانت النون هي الزائدة كان باطلا؛ لقولهم: مناجين في الجمع بإثبات النون الأولى فلزم من ذلك القول بأصالة كلّ منهما - أعني الميم والنون - ويكون وزن الكلمة فعللولا نحو: حندقوق، هذا كلام ابن عصفور 291، وفيه نظر لا يخفى، وقد حقق ابن الحاجب البحث في الكلمة الأخرى - أيضا - 292، ثم لك أن تقول: الموجب للحكم بأصالة الميم في معزى ومعدّ ومنجنيق ومنجنون إنّما هو الاشتقاق، أو ما يرجع إليه، وقد تقدم أن الاشتقاق هو الفاضل، والدليل المقدّم على غيره من الأدلة، وأنه إنما يحسن التمثيل في هذا الموطن بما لا اشتقاق له؛ لما تقرر أولا من أننا نحكم بزيادة الميم ولو لم نعلم الاشتقاق، وأما: مأجج ومهدد فهما غير مقصودين؛ لأنهما خارجان عن الضابط الذي ذكر أوّلا، وهو أنا نحكم بزيادة الميم إذا كانت أوّلا وبعدها ثلاثة أحرف، أحدها مكرر إذا كان المكرر مدغما، أما إذا كان مفكوكا فإنّا نحكم إذ ذاك بزيادته وبأصالة الميم المتقدمة أوّلا في مثل: محبب، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى استثناء هاتين الكلمتين؛ لأنهما خرجا أوّلا بالقيد الذي ذكر لأصالة الألف والواو والياء، أما الألف والواو فقد علمت أنهما لا يزادان أوّلا، وإنما يزادان غير أوّلين، فإذا اشتملت الكلمة على ألف محتملة للزيادة وللأصالة أعني لأن تكون منقلبة عن أصل، وكانت تلك الكلمة مصدّرة بهمزة أو ميم يحتمل كل منها الأصالة والزيادة، ولم يكن معنا دليل يدلنا على أحد الأمرين، حكمنا بزيادة الهمزة أو الميم أو بأصالة الألف أو الواو، وهذا قد علم عند الكلام على الهمزة والميم، وتقدمت أمثلة ذلك فلا حاجة إلى إعادته، وكذا حكم الياء إذا وجدت غير أول، وهي محتملة للأمرين، وصدّرت كلمتها بهمزة أو ميم، وإن صدرت تلك الكلمة بياء - أيضا - فينبغي الحكم بزيادتها - أيضا - وأصالة الياء أعني التي هي غير أول؛ لأن الياء الواقعة كالهمزة إذا وقعت أوّلا، وإذا وقعت الهمزة أوّلا وبعدها الياء حكمت على الهمزة بالزيادة ولم يحكم على الياء بالزيادة، فكذلك الياء الأولى -
الجزء: 10 - الصفحة: 4930
................................
يحكم عليها بالزيادة، وعلى الثانية بالأصالة، ولا يعكس الحكم؛ لأن زيادة الياء أوّلا أكثر من زيادتها غير أول، وإذا حقق الأمر فيما ذكر، علم أن ذكر الهمزة والميم والياء المصدرة مغن عن ذكر الألف والواو والياء إذا كانت غير مصدّرة، ولهذا اقتصر المصنف على ذكرها حين قال في أثناء الفصل الذي بعد الفصل التالي لهذا الفصل الذي نحن فيه: وتترجح زيادة ما صدّر من ياء أو همزة أو ميم على زيادة ما بعده من حرف لين أو تضعيف 293، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
واعلم أن المصنف لما قرّر مواضع زيادة الأحرف الخمسة أعني الألف والياء والواو والهمزة والميم، وحكم بزيادة كل منهم متى صحب أكثر من أصلين بالقيود التي ذكرها، وكان الحكم بالزيادة موقوفا على شرط، شرع في الإشارة إليه فقال: إن لم يعارض دليل الأصالة، يعني أنّا لا نحكم بزيادة حرف من هذه الحروف، وإن كان في محل من شأنه أن يحكم بزيادته فيه، إلا إذا انتفى ما يدل على أصالته، أما إذا وجد دليل يدل على الأصالة فإنّه يجب الرجوع إليه، ثم إنه أشار إلى أن الذي يدل على الأصالة أمران: أحدهما: الاشتقاق 294 ولا شك أنه أقوى الأدلّة؛ ولهذا يقول -
الجزء: 10 - الصفحة: 4931
................................
النحاة: الاشتقاق مقدّم على سائر الأدلّة، وقال المصنف في شرح الكافية:
والاشتقاق إذا ظفر به فهو راجح على غيره من الأدلّة 295، عنى بالرجحان التقدّم ولم يرد به الأولوية فلولا الاشتقاق لحكم بزيادة ميم معدّ؛ لأنها ميم مصدّرة [6/ 118] على ثلاثة أصول كالميم في مردّ ومقرّ ونحوهما، لكنهم لما اشتقوا الفعل من هذه الكلمة قالوا: تمعدد 296 فلزوم الميم في تصاريف الكلمة دلّ على أصالتها، فكان هذا الدليل معارضا لتصدّرها على ثلاثة أصول بعدها ونظير الميم في: معدّ الهمزة في:
أولق وأرطى، في لغة من قال: ألق فهو مألوق وآرط ومأروط، فثبوت الهمزة في التصاريف دلّ على أصالتها فقد عارض دليل الأصالة تصدر الهمزة على ثلاثة بعدها فكان مانعا من الحكم بزيادتها.
الأمر الثاني: التقدم على أربعة أصول، يعني تقدم الحرف الذي من شأنه أن يحكم بزيادته، إذا تقدم على ثلاثة أصول، ويريد به أحد الثلاثة التي هي الهمزة، والميم، والياء، لا الألف والواو لما علمت من أنهما لا يزادان أوّلا.
وحاصل الأمر: أن تقدم الأحرف الثلاثة - أعني: الهمزة والميم والياء - على أكثر من ثلاثة أصول دالّ على أصالتها، فصار التقدم على الأربعة التي هي أصول دليلا معارضا للحكم بالزيادة، فيجب حينئذ الحكم بالأصالة لتلك الأحرف المتقدمة وذلك نحو: إصطبل 297، ومرزجوش 298، ويستعور 299، فالهمزة والميم والياء في هذه الكلم محكوم بأصالتها ولذلك يوزن الأول بفعلل كجردحل، والثاني والثالث بفعللول كعضرفوط، والسبب في ذلك: أن الزيادة لا تحلق بنات -
الجزء: 10 - الصفحة: 4932
[زيادة النون والتاء والسين والهاء واللام]
قال ابن مالك: (وزيدت النّون - أيضا - باطّراد في الانفعال والافعنلال وفروعهما، وفي التّثنية والجمع وغيرهما ممّا سبق ذكره، وساكنة مفكوكة بين حرفين قبلها وحرفين بعدها، والتّاء في المضارع والتّفعّل والتّفاعل والتّفعلل والافتعال وفروعهنّ، وفي التّفعيل التّفعال، ومع السّين في الاستفعال وفروعه، والهاء وقفا في مواضع يأتي ذكرها واللّام في الإشارة كما سبق).
الأربعة من أولها إلا في الأفعال والأسماء الجارية عليها، وقد نبّه المصنف على ذلك بقوله: في غير فعل أو اسم يشبهه فالفعل نحو: تدحرج وادّحرج، والاسم نحو:
مكرم ومدحرج، ونحو 300 ذلك، ثم أشار المصنف بقوله: فإن لم تثبت زيادة الألف فهي بدل لا أصل، إلا في حرف أو شبهه، إلى أن الألف إما أن يحكم عليها بالزيادة حيث يقوم الدليل على زيادتها، وإما أن لا يحكم عليها بالزيادة، فيحكم عليها بأنها بدل من ياء أو واو أصليّين كما هي في رحى وعصا 301، ولا يحكم بالأصالة إلا في الحروف أو الأسماء التي تشبه الحروف يعني المبنية كألف: ما، ولا، وحتّى، وإذا، وما الاسمية وذا ونحوها، وقد استدرك على أصالة الألف في ما ذكر أنه لو كان أصل الألف في: ما - ياء؛ لقلت: مي نحو: كي، أو واوا لقلت: مو، نحو: لو؛ لأن حرف العلّة إنما كان يقلب لو كان متحركا وقبله مفتوح، ولا يمكن تقدير الحركة في الحروف ولا في ما يشبهها من الأسماء؛ لأن المبنيات إنما تبنى على السكون؛ ولا تبنى على حركة إلا لعارض، كالتقاء الساكنين نحو: ثمّ، وإذا كانت الكلمة على حرف واحد كواو العطف 302.
قال ناظر الجيش: لما انقضى كلامه في الأحرف الخمسة التي هي: الألف، والياء، والواو، والهمزة، والميم - شرع في الكلام على الخمسة الأخرى وهي النون، والتاء، والسين، والهاء، واللام، وبدأ بالنون وذكر أنها تزاد في ستة مواضع، وقد كان ذكر أنها تشارك الهمزة في زيادتها آخرا بعد ألف زائدة قبيلها ثلاثة أحرف فما فوقها، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4933
................................
فتكون المواضع سبعة ولذكره لها قبل قال هنا: وزيادة النون أيضا، وإنما قال:
باطّراد؛ لأنها قد تزاد في غير المواضع التي ذكرها، ولكن ذلك لا يطرد بل هو موقوف على السماع كما هي في: نرجس 303، وقنعاس 304، وقنفخر 305 ورعشن 306، وفرسن 307. والمصنف إنما يتعرض لذكر المطرد دون غيره بالنسبة إلى هذا الحرف - أعني النون - وإلى غيره من حروف الزيادة، وأما غير المطرد فلم يذكره؛ لأنه إنما يدعى زيادته إذا دلّ دليل عليها من اشتقاق أو عدم نظير؛ فالأصل أن يحكم بزيادته وهو في مقام التعليم والتنبيه على ما يعلم به الزائد من الأصلي بقاعدة كليّة، وما لا يدخل تحت ضابط كلّي، وإنما يعلم بالتعداد له فلم يكن لازم الذكر، نعم يلزمه أن ينبّه على ما يعرف به الزائد من حيث هو زائد من الأدلّة، كالاشتقاق وعدم النظير مثلا، وقد نبّه على ذلك.
إذا تقرر هذا فنقول: الموضع الأوّل والثاني من المواضع الستة التي تزاد فيها النون: الانفعال، والافعنلال كالانطلاق، والانصراف والانجلاء، والاحرنجام مصدر احرنجم مطاوع حرجم الإبل، أي ردّ بعضها على بعض، وأراد بفروعها الأفعال الثلاثة أعني الماضي، والأمر، والمضارع، واسمي الفاعل، والمفعول.
الموضع الثالث والرابع: التثنية والجمع.
الموضع الخامس: ما أراده بقوله: وغيرهما مما سبق ذكره، بعد أن ذكر التثنية والجمع، وكأنه يريد به ما ألحق في الإعراب بالمثنى وما ألحق فيه بالجمع الذي على حده، كالنون في: اثنين وستين، أو نون: تفعلان وتفعلون وتفعلين، أو كلا النونين.
الموضع السادس: أن تكون ساكنة غير مدغمة قد توسطت في كلمة مشتملة على أربعة أصول، حرفين قبلها وحرفين بعدها، وحاصله أن تكون نونا ساكنة غير مدغمة قد توسطت في كلمة مشتملة على أربعة أصول حرفين قبلها وحرفين بعدها، وحاصله أن تكون نونا ساكنة مفردة ثالثة في كلمة خماسية كنوني -
الجزء: 10 - الصفحة: 4934
................................
غضنفر 308 وعفنقس 309، قال المصنف: وإنما حكم بزيادتها في مثل ذلك لسقوطها في اشتقاق أكثر النظائر
كعقنقل وهو الرمل المتراكم المتعقد، واشتقاقه من العقل:
وهو الإمساك، وكالدّلنظى وهو الدافع، من: الدلظ وهو: الدفع، وكالألندد وهو الشّديد الخصومة من اللّدد، وكالعفنجج وهو: الأحمق، من العفج: وهو كثرة الاضطراب في العمل، وأيضا: الضرب بالعصا، وما لا اشتقاق له من هذا النوع قليل، فيحمل على الكثير 310. انتهى.
واستدل سيبويه على أن مثل هذه النون يحكم بزيادته في ما لم يعرف له اشتقاق، بأن بنات الخمسة قليلة، وما كان على خمسة أحرف وفيه النون الساكنه ثالثة كثير لكثرة ما جاء فيه حرف اللين ثالثا نحو: غدافر [6/ 119]، وسميدع، وفدوكس، والأربعة التي مع النون أصول كشرنبث، وجرنفس، وعرنتن 311. وهو استدلال حسن؛ لأن النون لو كانت أصلية في مثل هذا لكان مثل سفرجل كثيرا وليس كذلك، فكون هذا المثل لم يكثر إلا مع النون ومع حروف اللين دليل على زيادة النون، واحترزنا بقولنا: غير مدغمة من نحو: عجنّس 312، وسفنّج 313، وهجنّف 314، فإنه يصدق على النون الأولى أنها ثالثة ساكنة وبعدها حرفان، ومع ذلك لا يحكم عليها بالزيادة؛ لأنه لم يكثر زيادتها في ما عرف له اشتقاق أو تصريف إلا إذا كانت مدغمة فنحو: عجنّس تعارضت فيه زيادة النون مع زيادة التضعيف فغلب التضعيف؛ لأنه الأكثر وكان وزنه فعلّلا لا فعنللا 315، واختار الشيخ: أن الكلمة ثلاثية، وأن كلا النونين مزيد -
الجزء: 10 - الصفحة: 4935
................................
قال: لأنهما وجدتا مزيدتين في ما عرف اشتقاقه نحو: ضفنّط 316، وزونّك 317؛ لأنهما من الضّفاط والزّوك، فيحمل ما لا يعرف اشتقاقه على ما عرف اشتقاقه 318.
وعبر المصنف عن عدم إدغام النون بقوله: مفكوكة.
قال الشيخ: ولو قال: غير مدغمة كان أولى؛ لأن المفكوك إنما يصدق على ما يمكن فيه الإدغام ولم يدغم نحو: طلل ولبب، وأما إذا كان الحرف مباينا (بالكليّة لما بعده) 319 بحيث لا يمكن فيه الإدغام فلا يطلق عليه أنه مفكوك 320. هذا آخر الكلام على مواضع زيادة النون، واعلم أن في بعض ما ذكره المصنف نظرا؛ لأن الاشتقاق هو الذي يدل على زيادة النون في نحو: نضرب، وفي الجمع والتثنية مثلا، وما دلّ عليه الاشتقاق خارج عن مقصوده؛ لأن الكلام في أول الفصل إنما هو معقود في ما يستدل على زيادته بغلبة زيادته في ذلك المحل، لا في ما يستدل على زيادته بالاشتقاق، وقد ذكر ابن عصفور نوني التوكيد الشديدة والخفيفة اللاحقتين للأفعال، ونون الوقاية، ونون التنوين، والنون اللاحقة جمع التكسير في ما كان على وزن: فعلان أو فعلان نحو: قضبان أو غربان، قال: إذ لا يتصور جعلها أصلية؛ إذ ليس في أبنية الجموع ما هو على وزن فعلال أو فعلال 321 نحو: قضبان؛ فوجب كون النون فيه زائدة، وحكم على هذه النونات بالزيادة، وفي ما ذكره نظر، أما نون التوكيد شديدة كانت أو خفيفة فإنها حرف معنى، فهي كلمة انضمت إلى كلمة أخرى وركّبتا؛ ولذلك بني الفعل معها بعلّة التركيب، وحروف الزيادة التي يتكلم فيها في هذا الباب إنما هي حروف هجاء ولذلك شرط في عدّ الأحرف زائدة في كلمة أن تكون ممتزجة بتلك الكلمة كما تقدم، ونون الوقاية كنون التوكيد، ويدل على ذلك أنها خارجة عن ماهية الكلمة، وأما نون التنوين فكذلك؛ لأن التنوين إنما جيء به للدلالة على التمكين فهو حرف جاء لمعنى، وأما النون اللاحقة جمع التكسير فعروّ مفرد ذلك الجمع عنها يدل على زيادتها في الجمع؛ فدليل زيادتها يرجع إلى -
الجزء: 10 - الصفحة: 4936
................................
الاشتقاق، وما دل على زيادته الاشتقاق لا يناسب ذكره مع دليل علّيّة الزّيادة في محلّ خاص، ثم ثنّى المصنف بالتاء وذكر أنها تزاد في ثمانية مواضع وهي: الفعل المضارع كتضرب، والتّفعّل كالتّعلّم، والتفاعل كالتقارب والتّفعلل كالتّدحرج، ولا شك أن التاء تكون زائدة في فروع الأربعة من الأفعال والصفات كما هي في أصولها، والموضع السابع والثامن التّفعيل والتّفعال كالتّقديس، والتّجوال، ولم يقل هنا: وفروعهما؛ لأن فروع التقديس قدّس ويقدّس وقدّس ومقدّس ومقدّس ولا تاء فيها، وفروع التّفعال هي فروع التفعيل وإنما عدل عن التفعيل إلى التفعال لقصد التكثير، وإذا كان كذلك فلا تاء فيها أيضا.
وأما الموضع الثامن فإنما زيدت فيه مع زيادة غيرها وهو السين، فاستفيد من ذلك ذكر موضع زيادة السين - أيضا - وهو الحرف الثالث من الحروف الخمسة، والذي تزاد فيه التاء مع السين هو الاستفعال: كالاستخراج، والاستنقاد، والاستنباط، وسكت عن الفروع؛ لأنه قد علم مما قبله أن الفروع تابعة للأصل، ولكنه في إيجاز التعريف أشار إلى الفروع دون الأصل، فإنه قال: ويحكم بزيادتها يعني التاء وزيادة سين قبلها بعد همزة وصل، أو حرف مضارعة، أو ميم زائدة نحو: استخرج ويستخرج، ومستخرج، والأمر في ذلك قريب؛ فإنه لا خفاء في زيادة التاء والسين في مثل ذلك، واعلم أنه ذكر في هذا الكتاب - أعني إيجاز التعريف - لزيادة التاء موضعا تاسعا، فإنه قال: ويحكم بزيادتها إذا قلبت في الوقف هاء وأن يكمل للكلمة بها ثلاثة أحرف كلثة، وظبة 322. انتهى.
وحاصل ما ذكر: أن التاء في مسلمة، وقائمة محكوم بزيادتها، حتى ولو كانت الكلمة مشتملة على حرفين فقط دون التاء، فإنّه يحكم عليها بالزيادة، فاقتصاره على التمثيل بظبة ولثة، مؤذن بأن الحكم بزيادتها في مثل مسلمة وقائمة بطريق الأولى، وفي تقييد المصنف التاء بكونها تقلب في الوقف هاء نظر، فإنهم نصّوا على زيادتها في قامت وخرجت، ولا يرد عليه: ربّت وثمّت؛ لأنهما حرفان والكلام إنما هو ما يدخله التصريف وهو الأسماء المتمكنة والأفعال المتصرفة، بقيت الإشارة هنا إلى أمور ثلاثة: أحدها: أن الاشتقاق هو الذي دلّ على زيادة التاء في هذه -
الجزء: 10 - الصفحة: 4937
................................
المواضع التي ذكرها، أو في أكثرها، وقد تقدم لنا أن الذي يدل على زيادته بالاشتقاق ليس هذا موضع ذكره؛ إنما يذكر هنا ما يحكم بزيادته بغلبة وقوع ذلك الحرف الذي هو زائد في ذلك المحل، ومما يؤيد ما ذكرته أنه لم يذكر عند إيراد الهمزة والياء زيادتهما في الفعل المضارع؛ فكان الواجب أن لا يذكر النون والتاء أيضا.
الثاني: أن ابن عصفور حكم بزيادة التاء في أنت وفروعه، وعد هذا الموضع من جملة مواضع زيادة التاء 323، وتبعه الشيخ في 324 ذلك واستدرك على المصنف، وفي ما ذكراه نظر، فإن التاء في [6/ 120] أنت دالة على الخطاب، فهي حرف جاء لمعنى لا حرف هجاء، والدليل على ذلك أنّا لو سمّينا إنسانا بأنت لحكيناه؛ لأنه مركب من اسم وحرف، وإذا كان كذلك امتنع الحكم بزيادة التاء فيه.
الثالث: قد يسأل فيقال: كيف اقتصر المصنف في زيادة السين على الاستفعال فقط ولم يذكر زيادتها في: أسطاع، ولا في قدموس؟ والجواب: أن المصنف إنما يذكر في هذا الموضع ما تطّرد زيادته دون ما لا تطرد، وكذا إنما يذكر هنا ما يوجب الحكم بزيادته غلبة وقوعه في ذلك المحل، والزيادة في أسطاع، وقدموس لم يكن دليلها الغلبة، إنما الدّالّ عليها الاشتقاق 325؛ فوجب ذكرهما عند ذكر ما يوجب الحكم بزيادة الاشتقاق، أو عدم النظير، وهذا مما يؤيد ما تقدم من أن كلام المصنف في هذا الموضع بزيادة الاشتقاق أو عدم النظير، وهذا إنما هو في الزائد الذي يدل على زيادته غلبة وقوعه في ذلك المحل الذي هو فيه، وأما الزائد الذي يدل عليه بالاشتقاق أو بعدم النظير لو قيل بأصالته فسيذكره المصنف، ثم لما انقضى الكلام -
الجزء: 10 - الصفحة: 4938
[الزيادة غير المطردة]
قال ابن مالك: (وتقلّ زيادة ما قيّد إن خلا من القيد، ولا تقبل زيادته إلّا بدليل جليّ كلزوم كون الثّاني من نحو: كنثأ وأحد سألتمونيها وكسقوط همزة شمأل وشأمل، واحبنطأ في الشمول والحبط، وميم دلامص وزرقم في الدّلاصة والزّرقة، ونون رعشن وبلغن، في الرّعش والبلوغ وهاء أمّهات وهبلع وأهراق في الأمومة والبلع والإراقة، ولام فحجل وهدمل في الفحج والهدم، وسين قدموس وأسطاع في القدم والطّاعة، وكلزوم عدم النّظير بتقدير أصالة نون: نرجس وعرند، وكنهبل، وإصفعند، وخبعثنة، وهندلع، ولام: ورنتل وعقرطل، وتاء: تنضب، وتدرأ وتجيب وعزويت).
على النون، والتاء، والسين، شرع في ذكر الحرفين الأخيرين وهما الهاء واللام، فأما الهاء فذكر أنها تزاد في الوقف في مواضع يأتي ذكرها يعني في باب الوقف إن شاء الله تعالى، وسيذكر بعد زيادتها في كلمات في غير الوقف، وإنما اقتصرنا على زيادتها وقفا؛ لأنّه إنما يذكر في هذا الموضع ما اطّردت زيادته دون ما لا يطرد كما تقدم التنبيه عليه، واعلم أنا قدّمنا عند الكلام على الحروف الزوائد أن هاء السكت ينبغي ألا تعد منها، لعدم امتزاجها بالكلمة التي هي فيها ولاستقلالها بالدلالة على معناها فهي حرف جاء لمعنى فيكون كلمة، والحرف الذي يحكم بزيادته في كلمة إنما هو حرف الهجاء وذكر أن اللام تزاد في الإشارة، وإنما اقتصر على ذلك مع أنها قد تزاد في غير الإشارة للعلة التي ذكرناها في الهاء، ثم الكلام معه في اللام المصاحبة لأسماء الإشارة، كالكلام معه في هاء السكت سواء، والحق أن هاء السكت واللام المصاحبة لأسماء الإشارة لا يحكم بزيادتهما، وإن كانت الهاء واللام من حروف الزيادة لا أنهما لا يعدان في هذين المكانين زائدين، بل زيادتهما تثبت في مواضع أخر كما سيأتي.
قال ناظر الجيش: أفاد قوله هنا: وتقلّ أن كلامه من أول الفصل إلى قوله:
واللام في الإشارة كما سبق، إنما هو في الزائد الذي تطرد زيادته وتكثر، وأنه من هنا شرع في ما لم تكن زيادته مطّردة وقد علمت مما تقدم القيود التي قيّد بها زيادة كل من الأحرف الخمسة، التي هي: الألف، والياء، والواو، والهمزة، والميم، ومن -
الجزء: 10 - الصفحة: 4939
................................
النون إذا كانت متأخرة، فالواو مقيّدة بكونها غير مصدرة، والميم بكونها مصدّرة والهمزة بكونها مصدّرة - أيضا - أو متأخرة بعد ألف زائدة، وكذا النون مقيدة زيادتها آخرا بما قيدته زيادة الهمزة آخرا، وهو كونها بعد ألف زائدة، ومن قيود زيادة الهمزة والميم المصدرتين: أن لا تكون الأصول التي بعدها أكثر من ثلاثة أحرف، وكذا الياء إذا كانت مصدّرة - أيضا - لا يحكم بزيادتها إذا كان بعدها أصول أكثر من ثلاثة، وقيّد النون إذا كانت
زيادتها غير آخر وبقية الأحرف وهي:
التاء والسين والهاء واللام - بمواضع مخصوصة، ولا شك أن القيد الذي ذكره أوّل الفصل وهو مصاحبة ذلك الحرف المحكوم بزيادته لأكثر من أصلين - شامل للأحرف العشرة فلا بد منه في كلّ منها، وإن كانت عبارته لا تعطي أنه قيد في النون إذا كانت غير آخر، وفي الأحرف الأربعة المذكورة بعدها؛ إذا تقرر ذلك فنقول قوله: وتقلّ زيادة ما قيد إن خلا من القيد لا يعني به القيد العام - أعني الشامل للعشرة - وهو المصاحبة أكثر من أصلين؛ لأن هذا القيد إذا انتفى يكون ذلك الحرف أصلا لا زائدا، وإنما يعني به القيد الخاص، فنقول: إذا انتفى القيد الذي قيد به زيادة ذلك الحرف لا يقع زائدا إلا قليلا، ولا يحكم إذ ذاك، إلا إذا دلّ عليها دليل، وإلى ذلك أشار بقوله: ولا تقبل زيادته إلا بدليل جليّ.
قال المصنف في شرح الكافية: إذا رأيت في كلمة حرفا جرت العادة أن يزاد بقيد فامنع زيادته إن عدم قيد زيادته، كنون ساكنة ثانية، أو همزة أو ميم في حشو الكلمة، أو في آخرها دون تقدم ألف، أو كهاء في غير وقف، أو لام في غير إشارة فإن كان مدّعي الزيادة ذا حجة ظاهرة فمسلّم دعواه 326، وقال في إيجاز التعريف: ومن ادعى زيادة الهمزة، أو الميم، أو النون، أو الياء، أو الهاء، أو اللام، مع خلوهن من القيود التي شرطت في زيادتهن فهو محجوج، إلا أن يسقط ما ادعى زيادته منهن في اشتقاق واضح، إلى آخر ما ذكره، أما كلامه في شرح الكافية؛ فإنه لا يقتضي قصر الحكم على الأحرف التي ذكرها؛ لأنه أورد ذلك في معرض التمثيل، وأما كلامه في إيجاز التعريف فإن ظاهره يقتضي قصر الحكم على الذي ذكره، وهو ستة أحرف، وليس كذلك فإن السين تجري هذا المجرى وهي أنها إذا خلت من القيد الذي قيّد به -
الجزء: 10 - الصفحة: 4940
................................
زيادتها لا تقبل دعوى زيادتها إلا بدليل، وعبارة التسهيل لا تقتضي الاقتصار [6/ 121] على شيء دون شيء فهي شاملة، فهي أحسن من غيرها، فإن قلت: إذا كانت شاملة، فهل تشمل الحروف العشرة أو تشمل السبعة التي ذكرت دون الألف والواو والياء؟ قلت: إنما تشمل السبعة خاصة؛ لأن كلّا من الأحرف الثلاثة المذكورة متى صحب أكثر من أصلين، وكانت الواو غير مصدرة، ولم يكن بعد الياء إذا تصدرت أكثر من ثلاثة أصول، حكم بزيادتها من غير نظر إلى دليل، وكأنه أراد بجلي من قوله: إلا بدليل جلي - ما أراد بواضح من قوله في إيجاز التعريف: إلا أن يسقط ما ادعي زيادته منهن في اشتقاق واضح، وسيتبين الواضح من غير الواضح بعد.
واعلم أنّ المصنف ذكر أن الذي يدل عليه زيادة ما خلا من القيد ثلاثة أمور:
الأمر الأول: لزوم التاء من حروف الزيادة، وأشار إليه بقوله: كلزوم كون الثاني من نحو: كنثأو أحد سألتمونيها، ومعنى هذا الكلام أن حرف الزيادة إذا لزم مكانا واحدا من بناء الكلمة ولم يتبدل بغيره من حروف الزيادة ولا غيرها، كان ذلك دليلا على زيادته، ومثال ذلك: كنثأو، وحنطأو، وسندأو، وقندأو، وكندأو، وخنصأو، وجنثأو 327، قالوا: والمحفوظ من هذا الوزن هذه الأسماء السبعة لا غير 328. قال ابن أبي الربيع: فإن قلت: ولم حكم على هذه النون بالزيادة وهي ثانية، والنون متى وقعت ثانية ساكنة كانت أو متحركة فإنها يحكم عليها بالأصالة حتى يقوم دليل؟ قلت: لزوم هذا البناء النون دليل على الزيادة، وأنها إنما جيء بها لمكان البناء، ولو كانت أصلا لم يلزم، ولكانت تارة نونا، وتارة لاما، وتارة كافا، وتارة تاء، إلى غير ذلك من الحروف، ألا ترى أن الأول لم يلزم ولا الثالث، يعني في سبعة الأمثلة المتقدمة فلا بد من الحكم بأصالتها، واللازم يحكم عليه بالزيادة، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4941
................................
ولا تجد لازما في هذا البناء إلا النون والواو، فيحكم عليهما بالزيادة، وأما الهمزة فهي تلزم في الأكثر، وقد يكون غير ذلك كما قالوا عنزهو فوجدت هاء فلا تجد ما يلزم - ولا بد - إلا النون والواو، فقد ثبتت زيادتهما 329. انتهى.
والظاهر أن هذا دليل خاص، أعني لزوم حرف الزيادة البناء؛ فإنّه إنما يستدل به على زيادة النون في: كنثأو، ونظيره من الأوزان المذكورة خاصة، فلا يتعداها، ومن ثمّ قال الشيخ: إن قول المصنف: أحد سألتمونيها، فيه إبهام؛ لأنه لم يلزم أحد سألتمونيها على طريقة البدل إنما لزم منها حرفا واحدا معينا وهو النون 330.
الأمر الثاني: الاشتقاق وإياه أراد بقوله: وكسقوط همزة: شمأل إلى قوله:
وأسطاع في القدم والطاعة، وقد اختلفت العبارات في حدّه، والأقرب أن يقال فيه:
إنه إحداث لفظ يشارك لفظا آخر في معناه وحروفه الأصلية لإفادة معنى زائد.
واعلم أن الاشتقاق مقدّم على سائر الأدلّة؛ ولذلك يحكم بزيادة حرف في محل ليس من شأن ذلك الحرف أن يزاد في ذلك المحل لدلالة الاشتقاق على زيادته فيه، ويحكم بزيادة حرف في محل ليس من شأن ذلك الحرف أن يكون أصلا في ذلك المحل؛ لدلالة الاشتقاق على أصالته فيه، ومن ثم حكم بزيادة الهمزة، والنون، والميم.
والثاني: شمأل، ودلامص، ورعشن، وترنموت وليس من شأنها أن تزاد في هذا المحل، وحكم بأصالة الميم، والياء، والنون في: معدّ، ومراجل ومعزى؛ وضهيأ، على أحد القولين 331 وقنيان وليس من شأنها أن يكون أصلا في هذا المحل، وقد قال المصنف في الكافية: والاشتقاق دليل فاضل، فإن عدم فكثرة النظير قدم في الكلم 332، يعني: أن الاشتقاق دليل فاضل إذا ظفر به كان مقدّما على غيره من الأدلّة، قال: وإن خفي الاشتقاق وحكم بمقتضى دليل غيره عذر من حكم بذلك، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4942
................................
وعلى من اطلع على الاشتقاق ألا يحكم إلا بمقتضاه، وإن لزم من ذلك مخالفة الأفضل، فلذلك قلت: إن نون رمّان أصلية؛ لثبوتها في قولهم: مرمنة للبقعة الكثير الرّمّان، وإن كان سيبويه ذهب إلى أن نونها زائدة 333، ولو كان الأمر كما قال لقيل: مرمّة لا: مرمنة 334، وفي التسهيل في أول هذا الفصل حين حكم بزيادة ما حكم بزيادته شرط في الحكم بالزيادة شرطا، فقال: إن لم يعارض دليل الأصالة كملازمة ميم: معدّ في الاشتقاق 335، ثم قال في شرح الكافية: قد يحل الحرف محل أصل وهو زائد لسقوطه في الاشتقاق والتصريف كميم مدحرج؛ فإنّها بالنظر إلى تقدّمها على أربعة أصول حقيقة بالأصالة، لكن زوالها في التصريف يدل على زيادتها، وكذلك همزة أيطل بالنظر إلى لفظ ما هي فيه يقتضي زيادتها ليكون وزنه أفعل؛ لأنه أكثر من فيعل، لكنهم قالوا فيه: إطل، فأسقطوا الياء، واكتفوا بالهمزة، فدل ذلك على أصالتها وزيادة الياء 336. انتهى.
وهذا كلّه يدلّ على ما قرر من أن الاشتقاق
مقدّم على غيره في الحكم بالزيادة، والحكم بالأصالة، وقد استدل المصنف بالاشتقاق هاهنا على زيادة ستة أحرف وهي: الهمزة، والميم، والنون، والهاء، واللام، والسين.
فأمّا الهمزة ففي: شمأل واحبنطأ، وكذا شأمل - أيضا - وذلك لسقوطها في الشمول والحبط، قالوا: شملت الريح فهى شمأل، وشمال، وشامل.
والهمزة في: شمأل وشأمل للإلحاق بجعفر، وكذا الهمزة في احبنطأ للإلحاق باجرنجم 337، وذكر الشيخ: أن منهم من حكى بأن وزنه: افعنلى كاعرندى واسرندى، وجعل الهمزة فيه بدلا من الألف كما قالوا: لبّا بالحج، وأصله: لبّى، قال: لأن افعنلأ بناء مفقود في الأفعال 338، وممّا دلّ الاشتقاق فيه على زيادة الهمزة جرائض بدليل قولهم: جرواض وهو في معناه، والجرائض: الجمل العظيم 339، وحطائط؛ لأنه الصغير المحطوط عن قدره المعتاد 340، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4943
................................ وقدائم؛ لأنه في معنى قديم 341، والنّئدلان؛ لأنهم يقولون في معناه: النّيدلان، والنيدلان هو الذي يسمى الكابوس 342، وأما ضهيأ فزعم غير الزجاج أن همزته زائدة؛ لأنهم يقولون: ضهياء في معناه، وحروف ضهياء الأصول [6/ 122] إنما هي: الضاد، والهاء، والياء؛ فلذلك ضهيا المقصور أيضا، فإن الضهياء المرأة التي لا تحيض 343، وقيل: التي لا ثدي لها، فهو على هذا مشتق من ضاهيت أي: شابهت، قال الله تعالى: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ 344، وأمّا الزجاج فجوّز أصالة الهمزة، وزيادة الياء، ويكون مشتقّا من ضاهأت أي: شابهت؛ لأنه يقال: ضاهيت وضاهأت، وهذا أولى؛ لأن (أصالة) 345 الهمزة غير أول أكثر من زيادتها، قال ابن عصفور: فيكون ضهياء الممدود عنده من ضاهيت، وضهيا المقصور عنده من: ضاهأت، وهذا الذي ذهب إليه الزجاج حسن من طريق الاشتقاق، إلا أنه يلزم منه إثبات بناء لم يستقر في كلامهم؛ لأنه يلزم من أصالة الهمزة أن يكون وزنه فعيلا، وهو بناء غير موجود؛ إلا أن يكون مكسور الفاء نحو: طريم 346، وحذيم 347، وإذا كان كذلك كان مذهب غير الزجاج في هذا الوزن هو الصحيح 348، وأما الميم ففي: دلامص وزرقم لسقوطها في الدّلاصة والزرقة، والميم فيهما للإلحاق بغدافر وبرثن، ودلامص بمعنى: برّاق، ويقال: دمالص أيضا بمعنى دلامص قال الأعشى: 4289 - إذا جرّدت يوما حسبت خميصة... عليها وجربال النّضار الدّلامصا 349
الحديث: 4289 - الجزء: 10 - الصفحة: 4944
................................
أي: البرّاق 350، وقد يحذف الألف تخفيفا كما يحذف من: علابط، فيقال:
دلمص، ودملص والدّليص: البريق، ومما دلّ الاشتقاق فيه على زيادة الميم قمارص؛ لأنه يقال: لبن قمارص بمعنى: قارص، وستهم 351، وفسحم 352؛ لأنهما من الاست، والفسحة، وضرزم، ودردم، ودلقم، ودقعم، وحلكم،
وخضرم؛ لأن:
درما من الأدرد، وهو الذي تكسرت أسنانه، والحلكم الشديد السّواد فهو من الحلكة وهي السّواد، والدّقعم التراب فهو من الدّقعاء، والدّلقم: الناقة التي تكسّرت أسنانها، وسال لعابها، وكذلك قالوا: سيف دلوق؛ إذا كان لا يثبت في غمده، والضّرزم بمعنى: الضّرز وهو الشديد البخل، وخدلم، وشدقم، وشجعم؛ لأن خدلما بمعنى خدله، والشّدقم بمنزلة الأشدق، وهو العظيم الشدق، وأما:
جشعم فلتأكيدهم به الشجاع في مثل قوله:
4290 - الأفعوان والشّجاع الشّجعما 353
فهو من لفظه وفي معناه، وزيدت من الأفعال في تمسكن، وتمدرع من لفظ المدرعة، والميم في المدرعة - أيضا - زائدة، وأيضا أكثر كلام العرب تسكّن وتدرّع 354؛ وأما تمندل فمن لفظ المنديل، والميم في المنديل زائدة، وتمنطق من - - غراب -: الجوهر الخالص من التّبر والجربال - بكسر الجيم -: صبغ أحمر وحمرة الذهب، والشاهد في البيت قوله: «الدّلامصا»، ومثله دلمص بوزن: علبط ومعناهما: البرّاق.
انظره في: المنصف (3/ 25)، وابن يعيش (9/ 153)، والممتع (1/ 239)، وديوانه (108).
الحديث: 4290 - الجزء: 10 - الصفحة: 4945
................................ النطاق، وتمسلم أي: صار يدعى مسلما بعد أن كان يدعى بخلاف ذلك فهو من لفظ مسلم، والميم في مسلم زائدة 355، وأما تمولي علينا، فمعناه: تعاظم فهو من لفظ المولى، والميم في المولى زائدة 356، قال أبو الحسن بن عصفور: وزعم بعض النحويين أن الميم في: هرماس، وضبارم، وحلقوم، وبلعوم، وسرطم، (وصلقم) 357، ودخشم وجلهمة زائدة؛ لأن هرماسا من أسماء الأسد، وهو يوصف بأنه هرّاس؛ لأنه يهرس فريسته، وضبارم: الأسد الوثيق، فهو من الضّبر وهو شدّة الخلق، وحلقوم من الحلق، والبلعوم: مجرى الطعام في الحلق فهو راجع لمعنى (البلع) 358، والسّرطم الواسع الحلق السريع الابتلاع، فهو من السّرط، وهو الابتلاع، والصّلقم: الشديد الصّراخ فهو من الصّلق؛ لأن الصّلق الصياح، ودخشم، وجلهمة اسمان علمان، فأما: دخشم فمشتق من: دخش يدخش إذا امتلأ (لحما) 359، وأما جلهمة فمن جلهة الوادي 360، وهو ما استقبلك منه، ثم قال: وعندي أن الميم في هذا كلّه أصلية؛ لأن زيادة الميم غير أول قليلة فلا يذهب إلى ذلك إلا بدليل قاطع، وليست هذه الألفاظ كذلك 361، ثم بيّن ذلك بما يوقف عليه في كلامه، ثم قال: وزعم أبو الحسن وأبو عثمان المازني أن: دلامصا من بنات الأربعة 362، وأن معناه كمعنى دليص، وليس بمشتق منه، فجعلاه من باب سبط وسبطر، والموجب لقولهما بأصالة ميم دلامص، مع قولهما بزيادة ميم زرقم وستهم - قلّة مجيء الميم زائدة حشوا، بل إذا جاءت زائدة غير أول، إنما تزاد طرفا، قال: وكذلك ينبغي أن تكون: قمارص عندهما ثم قال: وبالجملة ليس دلامص، مع دليص، كسبط مع سبطر؛ لأن الذي قاد إلى ادعاء أن سبطا وسبطرا أصلان مختلفان - أن الرّاء لا تحفظ زائدة في موضع، وأما الميم فقد جاءت (زائدة) 363 -
الجزء: 10 - الصفحة: 4946
................................
طرفا غير أوّل فيما ذكرنا، وحشوا في تمسكن وأخواته 364، وأما النون في رعشن 365، وبلغن 366 لسقوطها في الرعش والبلوغ، ورعشن ملحق بجعفر، وبلغن ملحق بقمطر وذكر في إيجاز التعريف سحفنية أيضا - وحكم بزيادة النون، قال:
لأنه من السّحف وهو الحلق، والسّحفنية: المحلوق الرأس 367. انتهى.
ومما دلّ الاشتقاق فيه على زيادة النون: قنعاس وقنفخر، وعنبس، وعنسل، وعنتريس، وخنفقيق، فأما قنعاس فإنّه من القعس، وأما قنفخر، فلقولهم في معناه: قفاخرى، وعنبس من العبوس، وعنسل من العسلان، وعنتريس من العترسة وهي الشدة، والخنفقيق من الخفق وهو الاضطراب 368، وذكر المصنف في شرح الكافية:
العنظوان وهو شجر، وحكم بزيادة نونيه لقولهم: عظى البعير عظا فهو عظ إذا تأذى من أكل 369 العنظوان، وذكر الأقحوان وحكم فيه بزيادة الهمزة والنون لقولهم:
قحوت الدّواء، إذا جعلت فيه أقحوانا، وعلى هذا فالواو أصلية ووزنه أفعلان، قال:
وأما أسطوان فوزنه أفعوال لقولهم: أساطين مسطّنة، ثم قال: وقالوا: عنيت الكتاب عنّا وعنوته عنوا، وعنونته عنونة، فمن قال: عنيته عنّا جعله مما عينه ولامه نونان، فعنوان عنده فعوال كعضواد، وهو ما التوى بعضه على بعض، ومن قال: عنوته عنوا جعله معتل اللام من بنات الواو، وجعل نونه الآخرة زائدة، فوزنه عنده فعلان، ومن قال: عنونته فوزنه عنده إما فعول كجهور، وإما فعلن كقطرن البعير إذا طلاه بالقطران 370. انتهى.
وأما كنثأو، وكنهبل فلا يوردان هنا، فإن كانت النون فيهما زائدة؛ لأنه إنما يورد هنا ما دلّ على زيادته الاشتقاق، والذي دلّ على [6/ 123] زيادة النون في كنثأو، إنما هو لزوم البناء ذلك الحرف الذي هو من حروف الزيادة دون غيره كما تقدم، والذي دل على زيادتها في كنهبل إنما هو لزوم عدم النظير بتقدير الأصالة كما سيأتي، وأما الهاء ففي أمّهات، وهبلع، وأهراق؛ لسقوطها من الأمومة والبلع والإراقة، واعلم أن أبا العباس المبرد لم يعد الهاء في حروف الزيادة 371 والأصح -
الجزء: 10 - الصفحة: 4947
................................ خلاف ما ذهب إليه؛ لأنه قد ثبتت زيادتها إلا أنّ ذلك قليل، وكأنه لقلّة ما ورد منه لم يثبتها المبرد في الزوائد، والكلمات التي ذكر أن الهاء فيها مزيدة، أمّهة، وهجرع، وهركولة، وهبلع، وأهراق، وأهراح الماشية، وفي كلّها الخلاف، فأمّا أمّهة فالدليل على زيادة الهاء 372 فيها أنها في معنى الأم قال: 4291 - أمّهتي خندف والياس أبي 373 أي: أمّي، وأمّ فعل بدليل الأمومة، ومنهم من جعل الهاء أصلية مستدلّا بقولهم: تأمّهت أمّا، فتأمّهت تفعّلت بمنزلة تنبّهت 374 فتكون أمّهة فعّلة كأبّهة، ثم حذفت الهاء، قال ابن الحاجب، أو هما أصلان كدمث، ودمثر، وثرّة، وثرثار، ولؤلؤ، ولآل 375، قال ابن عصفور: والصحيح أنها زائدة؛ لأن الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأما تأمّهت فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به؛ لكثرة اضطرابه وخلله 376، وأما هبلع فدل على زيادة الهاء فيه وضوح اشتقاقه من البلع، وزيدت للإلحاق بدرهم 377، وأما أهراق ومثله أهراح الماشية، فزيادة الهاء فيه ظاهرة؛ لسقوطها في الإراقة والإراحة، ولأنهما بمعنى أراق وأراح - - المبرد، وفي المقتضب (4/ 223) (فهارس) ما يعارضها، وانظر: (1/ 194) (هامش)، والممتع (1/ 204، 217)، والمبدع (ص 35)، والهمع (2/ 215)، وابن يعيش (9/ 143)، والأشموني (4/ 269).
الحديث: 4291 - الجزء: 10 - الصفحة: 4948
................................
سواء 378، وأما هجرع، فزعم أبو الحسن الأخفش أن الهاء فيه زائدة، والهجرع الطويل، فكأنه مأخوذ من الجرع وهو المكان السهل المنقاد 379، وأما هركولة فقال الخليل 380: هي الضخمة ووزنها هفعولة؛ لأنها تركل في مشيها، ولا يخفى بعد ما بين الاشتقاقين؛ ولذلك لم يذكر المصنف هاتين الكلمتين أعني هجرعا، وهركولة، وأما هاء السكت فقد ذكرها المصنف قبل في القسم الذي تطرد زيادته، وقد علمت مما تقدم أن الواجب أنها لا تعد في جملة الزوائد للعلة التي تقدم ذكرها، ويعضّد ذلك قول ابن الحاجب في تصريفه: وأما الهاء فكان المبرد لا يعدها ولا يلزمه نحو: اخشه؛ لأنها حرف معنى كالتنوين وباء الجر ولامه 381، وأما اللام ففي فحجل 382، وهدمل؛ لسقوطها في الفحج، والهدم 383، وزيادة اللام فيهما للإلحاق بجعفر وزبرج، وفي اقتصار المصنف على هذين المثالين دليل على أنه لا يعدها زائدة، وفي زيدل، وعبدل، ولا في فيشلة، وهيقلة، وطيسل؛ أما اللام في زيدل، وعبدل 384، فهي وإن كانت زائدة فلا تعد مع الحروف الزوائد لفوات الشرط الذي تقدم وهو الامتزاج بالكلمة، وإذا كان كذلك فزيادتها بمعنى أن وجودها في الكلمة وعدمها سواء بالنسبة إلى الدلالة كما قلنا في الكاف من هندكيّ.
وأما
الكلمات الثلاث الأخر فقال ابن الحاجب: وأما اللام فقليل حتى قال بعضهم في فيشلة: فيعلة مع فيشة، وفي هيقل مع هيق، وفي طيسل مع طيس للكثير 385، وقال ابن عصفور: فأما فيشلة وهيقل وطيسل فيمكن أن تجعل اللام فيها -
الجزء: 10 - الصفحة: 4949
................................
زائدة؛ لأنه يقال: فيشة وهيق في معنى فيشلة، وهيقل وطيس في معنى طيسل، يمكن - أيضا - أن تجعل اللام أصلية، والياء زائدة؛ لأن زيادة الياء أوسع من زيادة اللام فتكون هذه الألفاظ متقاربة، وأصولها مختلفة نحو: ضيّاط وضيطار 386 وسبط وسبطر 387 وأما السين ففي قدموس وأسطاع؛ لسقوطها في القدم والطّاعة، وزيادتها في: قدموس للإلحاق بعصفور وهو بمعنى قديم، وأسطاع هو أطاع، فزيدت السين فيه، وعلى هذا أتى مضارعه مضموم الأول، فقالوا: يسطيع، كما يقولون: يطيع، هذا مذهب سيبويه 388. وقال الفراء: أسطاع أصله: استطاع فحذفت التاء وفتحت الهمزة شذوذا، وعلى هذا فمضارعه مفتوح الأول كمضارع استطاع.
وحاصل الأمر: أن أسطاع، روي فيها عن العرب الوصل والقطع، فأما الوصل فظاهر؛ لأن أصله: استطاع فحذفت التاء لكونها مجانسة للطاء، كما يحذف أحد المثلين مثل: ظلت وأحست، ومضارعه يسطيع بالفتح مثل يستطيع كما تقدم، وأما القطع فعلى أن أصله: أطاع وهو رأي البصريين وهو مذهب سيبويه، وذهب الكوفيون إلى أن أصله: استطاع
كما تقدم 389، وينبني على المذهبين أمر المضارع، فيضم أوله على قول سيبويه، ويفتح على رأي الكوفيين، وإذا كان كذلك فالسين وحدها على مذهب سيبويه زائدة.
قال سيبويه: وأمّا الذين قالوا: أهرقت فإنما جعلوها عوضا من حذفهم العين، وإسكانهم إيّاها كما جعلوا ياء: أينق، وألف: ثمان عوضا، وجعلوا الهاء العوض؛ لأن الهاء تزاد ونظير هذا قولهم: أسطاع يسطيع، جعلوا العوض السين؛ لأنه فعل، فلمّا كانت السين تزاد في الفعل زيدت في العوض؛ لأنها من حروف الزوائد التي تزاد في الفعل 390.
انتهى.
وإنما نظّر سيبويه أسطاع بأهراق؛ لأن كلّا منهما وزنه أفعل، ولكنه معتلّ العين فزادوا الهاء في أهراق عوضا من حذفهم العين - يعني من حذفهم حركة العين -
الجزء: 10 - الصفحة: 4950
................................ من العين - وأما تشبيهه أهراق بثمان في جعل الألف عوضا، فظاهر؛ إذ الألف عوض من إحدى ياءي النسب، وأما تشبيهه إياه بأينق، فقد قرر بأن أينقا 391 جمع ناقة، وأصل ناقة نوقة، تحركت الواو وقبلها فتحة فقلبت ألفا، وعين الكلمة واو، والدليل على ذلك قولهم: نوق، وأنوق، واستنوق الجمل 392، ثم جمع نوق على أنوق فكانت الواو متحركة بالضم ثم قلبت فكان القياس في القلب أن يقال: أونق، فلم يقولوه، وقالوا: أينق بإبدال الواو ياء حالة القلب 393، فقد صارت الياء عوضا من ذهاب الحركة من الواو التي كانت عينا؛ إذ قد نقلت الحركة إلى النون التي هي فاء الكلمة 394. انتهى هذا التقرير وفيه نظر؛ لأنه كيف يقال: إن الياء عوض من ذهاب حركة الواو، والياء هي الواو نفسها؛ فكيف يكون [6/ 124] الشيء عوضا من حركة نفسه؟ وشأن العوض أن يكون أمرا زائدا جيء به لقصد العوضيّة، ولا شك أن الياء إنما هي نفس الواو التي هي عين، غاية ما تم أنها قدمت على الفاء وقلبت، فكيف يكون قبلها عوضا؟ أو المقلوب نفسه عوضا على أن ظاهر كلام سيبويه يفهم منه أن الياء زائدة؛ لأن تشبيه أينق وثمان بأهراق يقتضي أن تكون الياء في أينق، والألف في ثمان زائدتين، وكذلك يقتضي تنظيره أسطاع بذلك، فلو ادعى قائل أن الواو من أنوق حذفت وأن الياء زائدة في أينق عوضا عنها؛ لساعده على ذلك ما اقتضاه ظاهر كلام سيبويه إلا أن فيه دعوى الحذف، ولكن المقتضي لذلك ما أفهمه تنظير سيبويه من زيادة الياء، وقد تعقب المبرد على سيبويه فقال: إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب فأما إذا كان موجودا في اللفظ فلا 395، وحركة العين التي كانت في الواو موجودة في الطاء 396، وقد انتصر لسيبويه فقيل: إن العين لما سكنت توهنت لسكونها، وتهيأت للحذف عند سكون اللام، وذلك في نحو: لم يطع، وأطع، وأطعت، فقد حذفت العين لالتقاء الساكنين، ولو كانت العين -
الجزء: 10 - الصفحة: 4951
................................
متحركة لما حذفت بل كنت تقول: لم يطوع، وأطوع، وأطوعت، فزيدت السين لتكون عوضا من العين متى حذفت، وأما قبل حذف العين فليست بعوض؛ بل هي زائدة؛ فلذلك ينبغي أن تجعل أسطاع من قبيل ما زيدت فيه السين، بالنظر إليه قبل الحذف ومن جعل أسطاع من قبل ما لسين فيه عوض فبالنظر إلى الحذف 397، وكذلك الأمر في أهراق، وأهراح، يعني أنهما يسوغ إيرادهما في العوض بالنظر إليهما بعد الحذف، وفي الزيادة بالنظر إليها قبل الحذف، قال ابن عصفور: فإن قيل: إن سيبويه جعل السين عوضا من ذهاب حركة العين - لا كما قرر من أنها عوض متى حذفت العين - فالجواب عنه شيئان: أحدهما: أنه يمكن أن يكون أراد بقوله: من ذهاب حركة العين، أي: زادوا من أجل ذهاب حركة العين؛ لأن زيادة السين لتكون معدّة للعوضيّة إنما كان من أجل ذهاب حركة العين؛ لأن ذهاب حركة العين هو الذي أوجب حذف العين عند سكون اللام، والآخر: أن يكون جعل السين عوضا من
ذهاب حركة العين، وإن كانت إنما هي عوض من العين في بعض المواضع؛ لأن السبب في حذف العين إنما هو ذهاب الحركة، فأقام السبب مقام المسبب، ثم قال: وقال الفراء: شبّهوا أسطعت: بأفعلت، فهذا يدلّ من كلامه على أن أصله عنده: استطعت فلما حذفت التاء بقي على وزن أفعلت ففتحت الهمزة وقطعت، وهذا الذي ذهب إليه غير مرض؛ لأنه لو كان بقاؤه على وزن أفعلت بعد حذف التّاء يوجب قطع همزته لما قالوا: إسطاع بكسر الهمزة وجعلها للوصل واطراد ذلك وكثرته عندهم يدل على فساد مذهبه.
انتهى 398.
والفراء لم يدّع وجوب قطع الهمزة فيلزمه ذلك، غاية ما فعل أنهم شبهوا أسطعت بأفعلت ولم يدّع أنهم التزموا التشبيه ليلزم عنه القطع.
قال الشيخ 399: ومما كتب عن أستاذنا أبي جعفر بن الزبير 400 ما نصه: اعترض على سيبويه باعتراضين: -
الجزء: 10 - الصفحة: 4952
................................
أحدهما: ما قاله المبرد: كيف يقال: السين عوض من حركة العين بعد ذهابها، وهي لم تذهب وإنما نقلت من العين إلى الفاء فلم تذهب من اللفظ؟ وانفصل ابن ولّاد، والسّيرافي وغيرهما من المتقدمين عن ذلك بأن قالوا: عنى سيبويه بالذهاب: الانتقال؛ فالسين عوض عن الانتقال، ويبين ذلك أنه نص في آخر الكتاب على أن ما كان مثل هذا لا تذهب منه الحركة، إنما ينتقل عنها إلى الفاء، وما ردّوا به على المبرد صحيح، لكن أخذهم كلام سيبويه على ظاهره لم يسلّمه الأستاذ أبو علي ولا ارتضاه من حيث إن الانتقال حكم وليست الأحكام يعوض منها الحروف إنما تعوض من الحركات أو من حروف مثلها وهو كما قال، وخرّج كلام سيبويه على حذف مضاف أي من أجل ذهاب حركة العين، وأراد أن السين عوض من العين؛ لأنها عند حذف حركتها وبقائها ساكنة توهنت، وتعرضت للحذف، حتى لو أسندت الفعل إلى غير غائب فقلت: أطعت وأطعت؛ لا تحذف رأسا، فكأن العرب توهمت حالها مع
غير الغائب، حاصلا مع الغائب وعاملت ذلك كلّه معاملة واحدة فابتدرت بالعوض، قال: وإلى هذه العلّة أشار سيبويه بقوله: على ما قرر من أجل ذهاب حركتها، قال: ولا ينكر الحذف الكثير في كلام هذا الإمام.
الاعتراض الثاني: جعل سيبويه أطاع وأسطاع شيئا واحدا؛ لقوله: إنما هي، وليس كذلك؛ لأن المعنيين فيهما متباينان، فمعنى أسطاع: قدر، ومعنى أطاع: انقاد وتذلّل، ولم ينقل عن أحد من أهل اللغة عن العرب أن أسطاع بمعنى أطاع؛ بل ذكروا أن العرب تقول: استطاع، وأسطاع، وأستاع بقطع الهمزة ووصلها، وكل ذلك بمعنى قدر 401، ومن العجب سكوت المبرّد عنه في هذا على كثرة ولوعه بالنقد عليه، وقد انفصل عنه ابن عصفور وسبق إليه بأن قال: يمكن أن يكون سيبويه ناقلا عن العرب ما ذكره من أن أطاع بمعنى أسطاع فيتلقى بالقبول 402، وهذا لا يدفع الاعتراض؛ لأنه ليس في كلام سيبويه ما يقطع بأن ذلك نقل منه عن العرب، ولو كان فيه نقل بالسماع لارتفع النزاع، وأجود من هذا التمسك ما ذهب إليه ابن الطراوة من أنه: قد ثبت -
الجزء: 10 - الصفحة: 4953
................................
طاع الرجل بمعنى: انقاد وتذلّل، فلا يبعد أن يكون من كلامهم أطاع غيره بمعنى صيّره منقادا نقلا من أطاع؛ لا أنه الذي بمعناه؛ إذ لا يمنع القياس نقل هذا الضرب من الفعل وإذا كان كذلك فقد آل معنى أطاع إلى معنى استطاع؛ لأن معنى الاستقرار قد دخله من حيث إن القائل: أطعت بمعنى صيّرت غيري منقادا إليّ - كأنه قال: قدرت وأسطعت، فيكون سيبويه إنما جعل أسطاع من أطاع للالتقاء الذي بينهما في المعنى؛ لأن كل لفظة منهما عين [6/ 125] الأخرى، وهذا لا بأس به وقد ارتضاه ابن الضائع، وأما الأستاذ أبو علي فتوقف وقال: إن ثبت عن العرب نقل ذلك فلا ينبغي أن ينكر هذا الوجه، وإن لم يثبت فالأمر مشكل؛ لأن ما ثبت من قولهم: أطاع بالهمز إنما هو بمعنى: انقاد مثل طاع من غير فرق، ولم يكن لينكر قياس النقل في ذلك، وإنما توقف لعزة وجود السماع وهذا الموضع من مشكلات الكتاب 403. انتهى.
والذي يظهر في الجواب عن الاعتراض الثاني أن يقال: لا نسلم أن معنى أسطاع: قدر، بل معناه معنى أطاع وهو: انقاد؛ لأن أسطاع إنما هو أطاع، وزيدت فيه السين، وأما أسطاع الذي بمعنى قدر؛ فإنما هو استطاع الذي حذفت
منه التاء ثم فتحت الهمزة كما قال الفراء، ولعل هذا هو معنى الجواب الذي ذكره ابن عصفور 404، وإذا كان كذلك فلا إشكال إلا أن يمنع ما ذكره الفراء من فتح الهمزة وثبت عن العرب أن أسطاع بالفتح بمعنى قدر 405، فلا يتم حينئذ هذا الجواب، واعلم أن المصنف قد ذكر في إيجاز التعريف كلمة أخرى يمكن القول بزيادة السين فيها، فقال: ولمدّع أن يدعي زيادتها في: ضغبوس، وهو الصغير من القثّاء 406، ويستدل بقول العرب: ضغبت المرأة، إذا اشتهت الضغابيس 407؛ فأسقطوا السين في الاشتقاق.
-
الجزء: 10 - الصفحة: 4954
..............................
الأمر الثالث: لزوم عدم النظير بتقدير أصالة ذلك الحرف الذي يلزم بتقدير أصالته، ذلك بأن يقال: هو الذي يلزم بتقدير أصالته وزن مهمل، والعبارتان تلتقيان على معنى واحد، وقد مثّل المصنف ذلك باثني عشرة كلمة وهي: نرجس، وعرند، وكنهبل، وإصفعند، وخبعثنة، وهندلع، وورنتل، وعقرطل، وتنضب، وتدرأ، وتجيب، وعزويت، منها ما الزائد فيه نون وهو الست الأول، ومنها ما الزائد فيه لام وهما السابعة والثامنة، ومنها ما الزائد فيه تاء وهو الأربع الباقية المذكورة آخرا، فأما نرجس 408، فإنه يلزم من القول بأصالة نونه أن يكون وزنه فعللا، وهو وزن مهمل؛ إذ قد تقدّم أن الرباعي المجرد إذا كان مفتوح الأول لا يأتي إلا على مثال: جعفر 409، وأما: عرند 410، فإنه يلزم من القول بأصالة نونه أن يكون وزنه فعللا، وهو وزن مهمل أيضا.
وأما كنهبل 411 فإنه يلزم من أصالة نونه أن يكون وزنه فعلّلا وهو وزن مهمل أيضا.
وأما: إصفعند 412، والمثالان بعده فلما ذكر من أن القول بأصالة نوناتها يؤدّي إلى القول بثبوت أبنية مهملة، قال المصنف في شرح الكافية: وزعم ابن السراج أن النون في الهندلع وهو اسم بقلة أصل وأن وزنه فعللل، فجعل للخماسي وزنا خامسا 413، ثم رد المصنف ذلك؛ لأنه يلزم على قوله أن يكون نون كنهبل أصلا؛ لأن زيادتها لم تثبت إلا لأن الحكم بأصالتها موقع في وزن لا نظير له، وذلك لازم من
أصالة نون هندلع مع أن نون هندلع ساكنة ثانية، فأشبهت نون عنبسى، وحنظل، وسنبل، وقنفخر، والنون في هذه زوائد بدليل الاشتقاق، ولا يكاد يوجد نظير كنهبل في زيادة نون ثانية متحركة، وقد حكم مع ذلك عليها بالزيادة؛ فالحكم على نون هندلع بالزيادة أولى 414. وأمّا -
الجزء: 10 - الصفحة: 4955
................................ ورنتل، وعقرطل فقد حكم المصنف بزيادة اللام فيهما، ومستنده في القول بالزيادة على ما عليه مبنى كلامه أن القول بالأصالة مؤدّ إلى إثبات بناء مهمل أي: ليس له نظير، وقد تقدم الكلام على ورنتل، وأن المصنف يرى زيادة اللام وتقدم البحث في ذلك وأن الصحيح أن اللام أصلية؛ لأن القول بأصالتها لا يؤدي إلى عدم النظير فورنتل كجحنفل 415، والظاهر أن المصنف تبع أبا علي الفارسي في ذلك - أعني القول بزيادة اللام - وموجب قول أبي علي بزيادتها على ما يظهر الفرار من الحكم بكون الواو أصلا في بنات الأربعة، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك، وأما عقرطل وهي أنثى الفيل 416، فظاهر زيادة اللام فيه إذ القول بأصالتها يؤدي إلى أن وزنه فعلّل وهو بناء مهمل، وأما تنضب، وتدرأ، وتجيب، وعزويت، فالتاء فيها كلها زائدة؛ لأنها لو كانت أصلية لكان وزن تنضب 417 فعللا، وتدرأ 418 فعللا، وتجيب 419 إما فعيلا وإما فعّلا وعزويت 420 فعويلا وهي أوزان مهملة، أي: لا نظير لها، واعلم أنه كما استدل بعدم النظير أن لو قيل بالأصالة على زيادة حروف ليس من شأنها أن تكون زائدة في ذلك المحل الذي هي فيه، كالنون، واللام، والتاء المشار إليها، كذلك يستدل بعدم النظير أن لو قيل بالزيادة على أصالة حرف واقع في محل من شأن ذلك الحرف أن يزاد في ذلك المحل، وذلك نحو: ملوظّ وإمّعة، أما الملوظ وهو ما يضرب به من عصا ونحوها فكان حق ميمه أن تكون زائدة لتصدرها؛ لكن الحكم بزيادتها يلزم منه ثبوت مفعلّ بتشديد اللام وهو وزن مهمل، أما إذا جعلت أصليّة فإن وزن الكلمة إذ ذاك فعولّ وهو وزن مستعمل 421 كسعودّ للحيّة، وعثولّ للكثير الشعر، وأما الإمّعة من الرجال من لا يستقل بأمر، بل يقول لكل فاعل فعل: -
الجزء: 10 - الصفحة: 4956
[ما ثبتت زيادته لعدم النظير]
قال ابن مالك: ([6/ 126] وما ثبتت زيادته بعدم النّظير فهو زائد.
وإن وجد النّظير على لغة والزّيادة أولى إن عدم النّظير مع تقديرها وتقدير الأصالة).
إنه معه، فكان حق الهمزة منه أن تكون زائدة لتقدمها على ثلاثة أحرف، لكن الحكم بزيادتها يوجب أن يكون وزن الكلمة إفعلة فيلزم منه ثبوت إفعلة، وهو وزن مخصوص بالأسماء كإنفحة مهمل في الصفات، فوجب الحكم بأصالتها ليكون وزنها فعّلة؛ لأنها صفة وفعّلة في الصفات موجود كدنّبة وهو الرجل القصير 422 والفرق بين الاستدلالين، أن الأول يستدل به على زيادة الحرف متى لم يوجد للكلمة نظير لو قدر ذلك الحرف أصلا فيحكم على الحرف بالزيادة، وإن لم يوجد للكلمة إذ ذاك نظير كما تقدم أن سعودا، نظير ملوظ، فإن لم يوجد للكلمة أيضا نظير بتقدير ذلك الحرف أصلا؛ فإنه يحكم على ذلك الحرف بالزيادة كما سيأتي آنفا.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان واضحتان:
الأولى:
أن الكلمة المحكوم بزيادة حرف فيها لعدم النظير بتقدير الأصالة إذا كان فيها لغة أخرى ولها نظير إذ ذاك، ولو حكمنا بأصالة ذلك الحرف، فإنّا لا نحكم بأصالته في اللغة الأخرى التي وافقت النظير، بل نحكم بالزيادة كما
حكمنا به في تلك اللغة، وذلك نحو: ترتب 423 وتتفل 424، فإن التاء محكوم بزيادتها فيهما؛ لأن القول -
الجزء: 10 - الصفحة: 4957
................................
بأصالتها مؤدّ إلى عدم النظير كما تقدم، وكذلك نحكم بزيادتها على لغة من ضم التاء، وإن وجد النظير على لغة الضّم وهو برثن مثلا، والموجب لذلك أن مدلول الكلمة في اللغتين واحد، وقد ثبتت زيادة الحرف في إحدى اللغتين فوجب الحكم بزيادتها في اللغة الأخرى، ولهذا جعل ابن الحاجب الدليل على الزيادة في تتفل وترتب بالضم عدم النظير، كما جعله في تتفل وترتب بالفتح، فإنه قال: فإن فقد الاشتقاق فبخروجها عن الأصول كتاء تتفل، وترتب، ثم قال: أو بخروج: زنة أخرى لها كتاء تتفل وترتب مع تتفل وترتب 425، ليتنبّه هاهنا لأمر؛ وهو أنه قد علم أن الزيادة تكون لأسباب خمسة كما تقدم وهي: الإلحاق، والدلالة على معنى والمدّ، والعوض، والتكثير، وإن لم تكن التاء في ترتب، وتتفل بالفتح داخلة في شيء من الخمسة المذكورة؛ لكن يمكن أن يقال: التاء قد ثبتت زيادتها في لغة الضم، فتكون حينئذ لإلحاق ما هي فيه نحو: برثن، وجرشع، ودلّنا على أن هذه التاء زائدة وأنها ليست أصلية ورود الكلمة بفتح التاء، وكأن لغة الفتح مع لغة الضم لا يعقل بينهما ترتب فلا إشكال في قولنا: ودلّنا على زيادتها في لغة الضم ورود الكلمة بالفتح في قولهم: إنه لما ثبت زيادة التاء في لغة الفتح وجب القول بزيادتها في لغة الضم، وحاصل الأمر: أن القول بزيادتها في إحدى اللغتين لازم للقول بزيادتها في اللغة الأخرى.
المسألة الثانية:
أن الكلمة إذا عدمت النظير على كل من التقديرين - أعني تقدير الأصالة وتقدير الزيادة - وجب القول بالزيادة، وإن كان النظير مفقودا، قال المصنف في شرح الكافية: إذا كان في الكلمة حرف لا نظير لما هو فيه لا بتقدير أصالته
ولا بتقدير زيادته، حكم بزيادته؛ لأن باب الزيادة أوسع من باب التجرد، فيغتفر عدم النظير مع الزيادة لا مع التجرد؛ لأن ذا الزيادة إذا عدم نظيره الموازن له، فلا يعدم نظيره الموافق له في الانفراد بوزن لا اشتراك فيه، وليس المجرد كذلك فإنه إذا عدم نظيره عدم مطلقا.
انتهى.
ومثال ذلك: كنهبل؛ لأنه على التقديرين لا نظير له إذ ليس -
الجزء: 10 - الصفحة: 4958
[الزائد بالتضعيف]
قال ابن مالك: (فصل: إن تضمّنت كلمة متباينين ومتماثلين ولم تثبت زيادة أحد المتباينين فأحد المتماثلين زائد، إن لم يماثل الفاء ولا العين المفصولة بأصل كحدرد).
في لسانهم فعلّل ولا فنعلل، ومثله تهبّط اسم طائر 426 فإنه إن حكم فيه بأصالة التاء كان وزنه فعلّلا، ولا نظير له وإن حكم بزيادتها كان وزنه تفعّلا ولا نظير له أيضا.
قال في إيجاز التعريف: فإن قيل: ما تجنبتموه من عدم النظير بتقدير أصالة نوني:
كنهبل، وهندلع لازم بتقدير زيادتهما؛ فلم أوثر الحكم بالزيادة على الحكم بالأصالة؟ فالجواب: أن باب ذوات الزيادة أوسع مجالا من باب ذوات التجريد فهو أجمل لنادر يستعمل، وأيضا فإن كنهبلا، وإن لم يوجد في الرباعي المزيد ما يوافقه في موازنة فنعلل، فقد وجد ما يوافقه في زنة مستندرة كخنضرف: وهي العجوز التي خضرف جلدها أي: استرخى 427، وشفنترى: اسم رجل من اشفترّ الشيء أي: تفرق 428، وسلحفاء، وشمنصير 429: وهو مكان.
فهذه على وزن فنعلل، وفعنللى، وفعللّاء، وفعنليل، ولا نظير لواحد منهن فلكنهبل، وهندلع بهن أسوة.
قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام في الزائد الذي هو بعض سألتمونيها في الفصل الذي فرغ منه شرع في ذكر الزائد الذي يكون بتكرير بعض أصول الكلمة في هذا الفصل، وهذا التكرير هو الذي يعبّر عنه بالتضعيف، وقد علمت أن الزيادة بغير تضعيف منحصرة في عشرة الأحرف التي تقدم ذكرها، وأما الزيادة بالتضعيف فتكون في الحروف كلها إلا الألف فإنها لا يمكن تضعيفها لعدم قبولها الحركة، واعلم أن شأن المكرر في الحكم بزيادته شأن أحرف العلة مثلا، بمعنى أنه يحكم -
الجزء: 10 - الصفحة: 4959
................................
بزيادة المكرر متى وجد إن لم يعارض دليل أصالة بشرط أن تكون مصاحبة المكرر؛ لأكثر من أصلين، ثم المضعف في الكلمة قد يكون حرفا واحدا نحو: جلباب، وقد يكون حرفين نحو: صمحمح لكن الفاء لا تضاعف وحدها، ولم تضاعف قط إلا مع العين 430، ولم يأت من ذلك إلا مرمريس، ومرمريت، وهما نادران كما تقدم التنبيه على ذلك، وأما العين فتضاعف وحدها كضرّاب، وعقنقل، وتضاعف مع الفاء كما قلنا في: مرمريس، وتضاعف مع اللام نحو: صمحمح، هذا في الثلاثي، وأما الرباعي فلم تأت الفاء فيه مضاعفة لا وحدها ولا مع غيرها، وأما العين فضوعفت وحدها نحو: علّكد 431، وهلّقس 432، وأما اللام فضوعفت وحدها، فقد تضاعف الأولى نحو: شفلّح 433، وعدبّس 434، وقد تضاعف الثانية نحو: سبهلل 435. وعربدّ 436، وأما الخماسي فلا يكون فيه تضعيف البتّة، إذا تقرر ما ذكرناه رجعنا إلى لفظ الكتاب، فقول المصنف: إن تضمنت كلمة متباينين ومتماثلين، ولم تثبت زيادة أحد المتباينين فأحد المتماثلين زائد - يستفاد منه أمران:
أحدهما: أن المكرر يحكم بزيادته لدلالة التكرير نفسه على الزيادة دون احتياج إلى دليل غيره.
الثاني: أنه لا يحكم بزيادة المكرر، إلا إذا كان معه أكثر من أصلين، وإلى هذا أشار بقوله: ولم تثبت زيادة أحد المتباينين؛ لأنه متى ثبتت زيادة أحد المتباينين وجب الحكم بأصالة المكرر لوجوب [6/ 127] تكميل أقل الأصول، ومثال ما يحكم فيه بزيادة المكرر لعدم ثبوت زيادة أحد المتباينين: قردد، وجلبب، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4960
................................
ومثال ما يحكم فيه بأصالة المكرر لثبوت زيادة أحد المتباينين: مفرّ ومقرّ، وكذا:
محبب لما تقدم، وبيّن بقوله: إن لم يماثل الفاء أن الفاء لا تكرر كما قدمنا الإشارة إلى ذلك؛ لأن الضمير الذي هو فاعل «يماثل» راجع إلى أحد المتماثلين فيحكم بأصالة القاف في قرقف، والسين في سندس، والكاف في كركم، والدال في دردح.
قال المصنف في إيجاز التعريف: فإن كان المتماثل الفاء وحدها فمماثلها أصل كقرقف؛ لانتفاء دليل الزيادة باشتقاق وغيره؛ ولأن استعمال مثل الأصل مزيدا متأخر في المرتبة عن استعماله أصلا، أهملت أصالة مثله، فلا يصلح أن تستعمل زيادته، ومعلوم أن وقوع مثل الفاء أصلا مهمل إلا ما ندر من نحو ددن 437، فإهمال وقوعه زائدا حق واقتصاره على الفاء يفيد أن الممتنع إنما هو تكرير الفاء وحدها، وقد تقدم أن الفاء تضاعف مع العين ولكنه قليل 438، وكذا بيّن بقوله:
ولا العين المفصولة بأصل كحدرد أنّ العين إذا ضوعفت، يحكم على المكرر بالزيادة إن لم يحصل بين المتماثلين فصل، كعلّم، أو كان بينهما فصل بحرف زائد نحو:
عقنقل، أما إذا كان الفصل بحرف أصل كحدرد وهو القصير، فإنه يحكم بأصالة مثل العين حينئذ والذي يدل على أصالة مثل الفاء نحو: قرقف، ومثل العين في نحو: حدرد، أن الاشتقاق لم يدل في شيء من نحو ذلك على الزيادة، وفهم من اقتصار المصنف في نفي الزيادة على المكرر من الفاء وحدها، أو من العين المفصولة بحرف أصلي، أنه يحكم بزيادة المكرر إن كان مثل اللام: كقردد وجلباب، أو مثل العين وليس مفصولا بأصل نحو: علّم وعقنقل، أو مثل العين واللام كصمحمح وهو الشديد، أو مثل الفاء والعين كمرمريس وهو الداهية، ووزنه فعفعيل؛ لأنه مأخوذ من المراسة وهي القوة، وقد عرفت أنه وزن نادر، هذا إذا كان مع الفاء والعين المكررتين أصل ثالث كما مثل، فإن تكرر مثل الفاء والعين بدون أصل ثالث كسمسم، وزلزل، فإلى ذلك وإلى ما قبله أشار بقوله:
الجزء: 10 - الصفحة: 4961
[حكم ما تماثل فيه كل حرفين من الرباعي]
قال ابن مالك: (فإن تماثلت أربعة، ولا أصل للكلمة غيرها عمّتها الأصالة مطلقا خلافا للكوفيّين والزّجّاج في نحو: كبكبة ممّا يفهم المعنى بسقوط ثالثه، فإن كان للكلمة أصل غير الأربعة حكم بزيادة ثاني المتماثلات وثالثها في نحو: صمحمح وثالثها في نحو: مرمريس).
قال ناظر الجيش: اعلم أنه إذا حصل تماثل في كلمة فإمّا بين حرفين فقط، وإمّا بين حرفين منها وحرفين، فالكلمة التي تماثل فيها حرفان إما ثلاثية أو رباعيّة، فالمتماثلان أصلان في الثلاثيّة، وأما في الرباعيّة فإن ثبتت زيادة أحد الحرفين اللذين ليسا بمتماثلين، فالمتماثلان أصلان أيضا نحو: كوكب، وإن لم تثبت زيادة أحد الحرفين المذكورين، فأحد المتماثلين زائد إن لم يماثل الفاء ولا العين المفصولة بأصل كما تقدم، والكلمة التي حصل التماثل فيها بين حرفين وبين حرفين آخرين منها: إما أن لا يكون مع تلك الأحرف الأربعة أصل آخر، أو معها أصل غير الأربعة فهي قسمان:
الأول: أن لا يكون معها غيرها، وحينئذ يجب الحكم بأصالة المكررين، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: فإن تماثلت أربعة ولا أصل للكلمة غيرها عمّتها الأصالة وذلك نحو: سمسم، وسحسح، وقمقم، وفلفل، وزلزل، وصلصل، وإنما وجب الحكم بأصالة المكررين؛ لأن أصالة أحدهما واجبة تكميلا لأقل الأصول، وليس أصالة أحدهما أولى من أصالة الآخر، فحكم بأصالتهما معا، قال المصنف في شرح الكافية: لأن أصالة اثنين متيقّنة ولا بد من مكمّل لأقل الأصول، وليس أحد الباقيين بأولى من الآخر؛ فحكم بأصالتهما معا 439. ثم قال المصنف في الكتاب المذكور أيضا: فإن كان الثالث صالحا للسقوط مع سلامة المعنى نحو: كبّه وكبكبه، وكفّه عن الشيء وكفكفه فهو أيضا أصل عند البصريين إلا أبا إسحاق الزّجّاج 440، وليست إحدى الكلمتين من الأخرى في شيء، بل هما من المترادفات -
الجزء: 10 - الصفحة: 4962
..............................
التي توافقت في معظم اللفظ، وعند أبي إسحاق أن الصالح للسقوط زائد وهو عند الكوفيين بدل من تضعيف العين، فأصل كفكف على هذا الرأي كفّف 441 فاستثقل توالي ثلاثة أمثال، فأبدل من أحدها حرف مماثل للفاء 442. وقال في إيجاز التعريف:
فإن فهم المعنى بسقوط أحدها فهو زائد نحو: كفكفت الشيء بمعنى كففته، كان في الأصل كفّفت بثلاث فاءات، الأولى عين، والثانية زائدة، والثالثة لام؛ فاستثقل توالي الأمثال فرد إلى باب سمسم، بزيادة مثل الفاء بدل مثل العين تخفيفا، وقد خففوا هذا النوع بإبدال أحد الأمثال يعني ثالثها ياء نحو: تظننت؛ لأنه من الظنّ، وكلا التخفيفين مطرد في أصل الكوفيين، والبصريون فيهما مع السماع، ويرون أن كفكف وأمثاله بناء مرتجل رباعي كل حروفه أصول 443، وليس من مادة الثلاثي في شيء، ثم قال: وهذا مكلّف والمختار فيه ما قاله الكوفيون، وأما تظننت فالمختار فيه الاقتصار على السماع، فلو كانت الأمثال أربعة تعين إبدال الرابع ياء إن لم يكنها نحو: رددّية وهو مثال خبعثنة من الردّ، ومن قال: أميّيّ فجمع في النسب أربع ياءات، قال في هذا المثال رددّدة كذا قال أبو الحسن في تصريفه هذا آخر كلامه 444. واعلم أن حكم نحو:
يلملم في الحكم بأصالة المكررين منه حكم سمسم، وإن كان مع الأحرف الأربعة غيرها وهو الياء؛ لأن الياء مقطوع بزيادتها، وهذا يعلم من التقييد بالأصالة فيما تقدم من قولنا: أن لا يكون مع تلك الأحرف الأربعة أصل آخر، بقي هاهنا أمران:
أحدهما: أن الشيخ ناقش المصنف في قوله: فإن تماثلت أربعة، قال: لأن الأربعة لم تتماثل، وإنما التماثل بين حرفين من الأربعة وحرفين آخرين منها 445.
والجواب عن هذه المناقشة: [6/ 128] أن المصنف كأنه بنى كلامه هذا على كلامه قبل؛ حيث قال: إن تضمنت كلمة متباينين ومتماثلين فكأنه قال: إن خلف المتباينين اللذين صحبا المتماثلين متماثلان، وإذا كان كذلك جاز أن يقال: تماثلت أربعة بمعنى أن التماثل شملها؛ لأنه إذا تماثل حرفان وحرفان صدق التماثل على الأربعة؛ لأن كلّا منها مماثل لآخر منها، ولا يلزم أن كلّا منها يماثل الثلاثة الباقية.
الأمر الثاني: قوله: خلافا للكوفيين والزّجّاج إنما أراد به اتفاق الكوفيين والزجاج -
الجزء: 10 - الصفحة: 4963
[تعيين الزائد من حرفي التضعيف]
قال ابن مالك: (وثاني المثلين أولى بالزّيادة في نحو: اقعنسس؛ لوقوعه موقع ألف احربنى، وأوّلهما أولى في مثل: علّم؛ لوقوعه موقع ألف فاعل، وياء فيعل، وواو فوعل).
على مخالفة البصريين في القول بأصالة الأحرف، يعني أنهم متفقون على زيادة الحرف الذي قال البصريون بأصالته، وإن كان الزجاج يقول بأنه زائد أتي به ابتداء، والكوفيون يقولون بأنه بدل من تضعيف العين، كما تقدم.
القسم الثاني: أن يكون مع الأحرف الأربعة أصل غيرها، وذلك: صمحمح، ودمكمك 446، ومرمريس، ومرمريت، فيجب الحكم بزيادة المكررين، وإلى ذلك الإشارة بقوله: فإن كان للكلمة أصل غير الأربعة... إلى آخره، وثاني المتماثلات في: صمحمح هو الحاء الثانية، وثالثها هو الميم الثانية، وثالثها في: مرمريس هو الميم الثانية، ورابعها هو الراء الثانية، وإنما كان الثاني والثالث في: صمحمح (والثالث والرابع في: مرمريس؛ لأن الحرف الأصل الذي هو غير الأربعة في صمحمح) 447 هو الفاء، وفي: مرمريس هو اللام، قالوا: إنما حكم بزيادة المكررين في مثل ذلك؛ لأن ما له اشتقاق وجد فيه كل واحد من المكررين زائدا فحمل ما ليس له اشتقاق على ذلك نحو: مرمريس فإنه من المراسة 448.
قال ناظر الجيش: اختلف النّحاة في الزائد بالتضعيف ما هو؟ هل هو الأول من المضاعفين أو الثاني منهما، فقيل: الزائد هو الثاني، وقيل: الزائد هو الأول، وقيل: يجوز الأمران، والأول مذكور عن يونس، والثاني مذكور عن الخليل، والثالث سيبويه 449. -
الجزء: 10 - الصفحة: 4964
................................
قال ابن عصفور: وذهب الخليل إلى أن اللام الأولى من: سلّم هي الزائدة، وكذلك الزاي الأولى من بلزّ، وحجّته أن الأول قد وقع موقعا تكثر فيه أمهات الزوائد، وهي: الياء والألف والواو، ألا ترى الحكم عليها حين وقعت ثانية بالزيادة في نحو: صيقل، وحومل، وكاهل، وكذلك - أيضا - لمّا وقعت هذه الحروف زائدة ثالثة نحو: قضيب، وعجوز، وكتاب، فالزّاي الأولى من بلزّ واقعة موقع هذه الزوائد، وكانت اللام في سلّم، والزاي في بلزّ ساكنتين كسكون حروف العلة الثلاثة التي ذكرت، ومذهب يونس أن الثاني هو الزائد، واستدل على ذلك بأن الياء والواو قد يقعان زائدتين ثالثتين متحركتين نحو: جهور وعثير، فاللّام الثانية من سلّم في الزيادة والحركة نظير الياء والواو في عثير وجهور فإنهما زائدتان متحركتان وكذلك - أيضا - تكثر زيادتهما رابعتين متحركتين نحو: كنهور وعفرية، فإذا جعلنا الزّاي الثانية من بلزّ زائدة كانت واقعة موقع الواو من كنهور، والياء من عفرية ومتحركة مثلهما.
قال سيبويه: وكلا القولين صحيح ومذهب، قال ابن عصفور:
وهذا القدر الذي احتج به الخليل ويونس لا حجة لهما فيه؛ لأنه ليس أكثر من التأنيس بالإتيان بالنظير وليس فيه دليل قاطع، قال وزعم الفارسي أن الصحيح ما ذهب إليه يونس من زيادة الثاني من المثلين، واستدل على ذلك بوجود اسحنكك، واقعنسس، وأشباههما في كلامهم، وذلك أن النون من افعنلل من الرباعي لم توجد قط إلا بين أصلين؛ نحو: احرنجم، فينبغي أن يكون ما ألحق به من الثلاثة بين أصلين لئلا يخالف الملحق ما ألحق به، ولا يمكن جعل النون في اسحنكك، واقعنسس وأشباههما أصليين، إلا أن يكون الأوّل من المثلين هو الأصل والثاني هو الزائد، وإذا ثبت في هذا الموضع أن الزائد من المثلين هو الثاني حملت سائر المواضع عليه، وهذا الذي استدل به لا حجة فيه؛ لأنه لا يلزم أن يوافق الملحق ما ألحق به في أكثر من موافقته له في الحركات والسكنات وعدد الحروف، ألا ترى أن النون في افعنلل من الرباعي بعدها حرفان أصلان وليس بعدها فيما ألحق به من الثلاثي - = اقعنسس وعلّم أيّهما الزائد؟ فذهب الخليل إلى أن الزائد هو الأول، وذهب يونس إلى أن الثاني هو الزائد، وأما سيبويه فإنه حكم بأن الثاني هو الزائد، ثم قال بعد ذلك: وكلا الوجهين صواب ومذهب، وصحّح الفارسي مذهب سيبويه وصحح ابن عصفور مذهب الخليل... واختار ابن مالك في التسهيل أن الثاني أولى بالزيادة في باب اقعنسس والأوّل أولى في باب علّم».
الجزء: 10 - الصفحة: 4965
................................
الآخر؛ فإن أحدهما أصلي والآخر زائد، فكما خالف الملحق ما ألحق به في هذا القدر، فكذلك يجوز أن يخالفه في كون النون في الملحق به واقعة بين أصلين، وفي الملحق واقعة بين أصل وزائد 450. ثم قال ابن عصفور: والصحيح عندي قول الخليل بدليلين: أحدهما: أنهم لما صغّروا صمحمحا قالوا: صميمح، فحذفوا الحاء الأولى، ولو كانت الأصلية لم تحذف.
والآخر: أن العين إذا ضعّفت وفصل بينهما حرف فإن ذلك الفاصل لا يكون إلا زائدا نحو: عثوثل وعقنقل، فحينئذ يكون الزائد من صمحمح هو الحاء الأولى؛ لأنها فاصلة بين العينين، فلا يكون أصلا؛ لأن ذلك فيه كسر لما استقر في كلامهم، وإذا ثبت أن الزائد في هذا الموضع هو الأول ثبت في بقية المواضع، وقال ابن أبي الربيع وبعد أن ذكر القولين - أعني كون الزائد هو الأول أو الزائد هو الثاني -: وإذا نظرت إلى القولين وجدتهما ممكنين لوجود الزائد ثانيا كجوهر، وثالثا كجهور، ثم قال: والظاهر أن العرب تجعل الأولى زائدة تارة والثانية تارة، وذلك يختلف بحسب المواضع ألا ترى أنك إذا صغّرت صمحمحا قلت: صميمح فحذفت الحاء الأولى حين كانت هي الزائدة؛ لأنه لا يحذف الأصلي ويبقى الزائد، وكذلك كل ما كان من هذا النوع، وقالوا:
اقعنسس فهذا ملحق باحرنجم، والنون في احرنجم، وقعت بين أصلين، فيجب أن تقع في اقعنسس بين أصلين فيجب على هذا أن تكون السين الأولى أصلية والثانية زائدة، فقد جئتك بمثالين أحدهما يقتضي أن تكون الثانية هي الزائدة، والثاني يقتضي أن تكون الزائدة هي الأولى، فمثل: سلّم، يمكن أن يكون [6/ 129] مثل:
صمحمح فيكون الزائد هو اللام الأولى، ويمكن أن تكون مثل: مقعنسس فيكون الزائد هو الثانية، فقد تبين أن العرب تزيد الأولى في موضع، ويعلم ذلك بدليل، وتزيد الثانية في موضع ويعلم ذلك بدليل، ويأتي موضع ثالث يكون الأمران فيه ممكنين إذا لم يدل دليل، وقال سيبويه لمّا ذكر القولين: وكلا الوجهين صواب ومذهب 451. انتهى وهو كلام حسن.
واعلم أن ابن الضائع خطّأ ابن عصفور في الدليلين المتقدمين، أما الدليل الأول وهو حذف الحاء الأولى من صمحمح إذا صغّر فلم (يفهم) 452 عن الخليل ولا عن يونس ولا عن سيبويه مرادهم من ذلك، فإنهم -
الجزء: 10 - الصفحة: 4966
................................
متّفقون على أن الحاء الأولى من صمحمح هي الزائدة، لم يختلفوا في ذلك، فكيف يقول يونس: الثانية هي الزائدة - ولا بد - ويخالف كلام العرب؟ وقد زعموا أن ما فعلت العرب في تصغير صمحمح وجمعه هو القياس، وذلك نص من كلامهم في التصغير والتكسير 453، وإنما مراد هؤلاء أن الكلمة التي لم يثبت فيها سماع من العرب ولا نص أيهما الزائد، واحتمل الوجهين ما الحكم فيها؟ هل القضاء بزيادة الأوّل؟ أو القضاء بزيادة الثاني؟ فاختار الخليل الأوّل، واختار غيره الثاني، وأما الدليل الثاني وهو الفصل بين العينين المضاعفين فيقال له: كما لا يفصل بين العينين إلا بزائد كذلك لا يفصل بين اللامين المضاعفين إلا بزائد، وعلى هذا يلزم أن تكون الميم الثانية من صمحمح هي الزائدة 454. انتهى.
والمراد بهذا الكلام أن ابن عصفور يدعي أن المزيد من المثلين هو الأول، كما قال في أن المزيد من صمحمح هو الحاء الأولى، وذلك يقتضي أن الزائد هو الميم الأولى منه أيضا، فألزم بقوله: أن لا يفصل بين المتضاعفين إلا بزائد أن يكون الميم الثانية هي الزائدة، ومن ثم قال أبو جعفر بن الزبير: فإن قيل: إنما قال: من العينين والحاء لام.
فلا يلزمه ما ذكر؛ إذ لم يقل بين اللامين، فالجواب: أن التقييد هنا بالعين أو اللام غير ملتفت إليه، ولا مراعى؛ فإن الفاصل بين المتضايفين أبدا، يحكم بزيادته كانا عينين أو لامين، فلا يجدي تقييده بقوله: العين إذا تضاعفت 455، إذا عرف هذا فلنرجع إلى لفظ الكتاب، فقوله: وثاني المثلين أولى بالزيادة في نحو: اقعنسس... إلى آخره، يريد بذلك أنّ احربنى، ملحق باحرنجم، واحربنى من بنات الثلاثة فلما ألحق باحرنجم لم يأتوا بالزائد الذي للإلحاق إلا آخرا، وهي الألف، ثم إن اقعنسس ملحق باحرنجم أيضا فينبغي أن يكون الزائد الذي حصل به الإلحاق في: اقعنسس مقابلا للألف في: احربنى، والمقابل لها في اقعنسس إنما هو السين الثانية، وحينئذ يجري باب الثلاثي في الإلحاق بالرباعي مجرى واحدا، وإنما قلنا: إنهما من الثلاثي؛ لأنهما مشتقان من الحرب والقعس، وقوله: وأوّلهما أولى في مثل: علّم... إلى آخره، يريد به أنهم لما ألحقوا باب الثلاثي بالرباعي زادوا حرف الإلحاق، ثانيا نحو: -
الجزء: 10 - الصفحة: 4967
................................
بيطر، وجوهر، وثالثا نحو: جهور، وقلنس، ورابعا نحو: قلسى، وحين بنوا في غير المضاعف رباعيّا من الثلاثي إنما كانت الزيادة فيه ثانية نحو: ضارب وقاتل، ولم تجئ ثالثة في هذا، فقد صارت الزيادة ثانية أوسع إذا جاءت في الملحق، وغير الملحق، وصارت ثالثة أضيق إذا جاءت في الملحق فقط، فراعى المصنف الحمل على الباب الأوسع هذا ما ذكره الشيخ 456، والظاهر أن العلّة في ذلك هي: ما تقدم ذكره عن الخليل أن الأول قد وقع موقعا تكثر فيه أمهات الزوائد، وهي: الألف والياء، والواو كما في كاهل وصيقل وحومل، ولعل في ذكر المصنف الألف والياء والواو إشعارا بذلك.
واعلم أن الأولويّة في كلام المصنف تحتمل أن يراد بها الوجوب وحينئذ تتعين زيادة ثاني المثلين في نحو: اقعنسس وزيادة أوّلهما في نحو:
علّم، ويحتمل أن يراد بها الرجحان والاختيار، والذي تلخص من كلام المصنف بالنسبة إلى الذي يحكم بزيادته من المكرر أن الكلمة التي تماثل فيها حرفان وحرفان، ومع تلك الأربعة حرف محكوم بأصالته يحكم فيها بزيادة الحرف الثالث منها والرابع، سواء أكان ذلك الحرف المباين فاء الكلمة نحو: صمحمح، أم لام الكلمة نحو: مرمريس، فإن المحكوم بزيادته في صمحمح: الحاء الأولى والميم الثانية، والمحكوم بزيادته في مرمريس: الميم الثانية والرّاء الثانية، والكلمة التي تماثل فيها حرفان فقط، فإن لم يكن أحدهما مدغما في الآخر نحو: اقعنسس 457، فالزائد الثاني إما وجوبا وإما اختيارا، وإن كان ثم إدغام، فالزائد الأول إما وجوبا وإمّا اختيارا، هذا في نحو: علّم وكرّم، وأما نحو: بلزّ فلا أعلم ما الذى يحكم المصنف بأنّه زائد فيه، هل هو الأول؟ أو الثاني؟ وذلك لأنه علل الحكم بزيادة الأول في: علّم بوقوعه موقع أحرف العلّة في كاهل، وصيقل، وحومل، وقد عرف من هذا أن المصنف وافق ما عليه النّحاة من القول بزيادة الحاء الأولى والميم الثانية من صمحمح، ووافق في القول بزيادة الثاني في قول: اقعنسس، قول من يقول بأن الزائد من المكررين هو الأول للعلّة التي ذكرها، وقال الشيخ: لم يتعرض المصنف هنا لتحرير مذهبه في أحد المضاعفين على الإطلاق أيهما زائد، إنما حكم بزيادة الثاني والثالث من: صمحمح ونحوه، والثالث والرابع في: مرمريس، وأن -
الجزء: 10 - الصفحة: 4968
................................
الثاني في نحو: اقعنسس، والأول في نحو: علّم أولى بالزيادة، قال: وهذا التفصيل الذي ذكره ليس مذهبا لأحد، وإنما هو إحداث قول ثالث جريا على عادته 458. انتهى.
وقد تبين أن كلام المصنف يوافق كلام الناس ولا مخالفة، أما في: صمحمح فقد تقدم أن النّحاة متفقون على أن الحاء الأولى من صمحمح هي الزائدة، لقول العرب في الجمع: صمامح، وفي التصغير: صميمح، فلو لم تكن الحاء زائدة لم تحذف، وأمّا نحو: اقعنسس وعلّم فقد تقدم ذكر الخلاف في الزائد، أي حرف هو؟ وتقدم أن سيبويه جوّز أن يكون الأول وأن يكون الثاني، فالمصنف غاية ما فعل أنه جوّز الأمرين، كما هو رأي سيبويه ولكنّه جعل الأولى في بعض المواضع الأوّل، وجعله في بعضها الثاني [6/ 130]، وإذا كان كذلك فكيف يقال: إنه أحدث قولا ثالثا؟ وقد فعل ابن أبي الربيع كما قال المصنف؛ فإنه جزم بزيادة الحاء الأولى في صمحمح، وبزيادة السين الثانية في اقعنسس للدليل الذي تقدم ذكره، وجوّز في نحو: سلّم الوجهين، وإذا حملنا الأولويّة في كلام المصنف على الرجحان وهو الظاهر، أفاد ذلك أنه يجوّز الوجهين، ثم إنه رجّح أحدهما لما ذكره، وقد تبيّن لك أن الحاء الأولى في صمحمح هي الزائدة للدليل الذي ذكروه 459، وقد علمت أن الميم الواقعة بعدها محكوم بزيادتها - أيضا - إذ لو لم يحكم بزيادتها لزم الفصل بين المكررين بحرف أصلي، وإنما يفصل بينهما بحرف زائد كما تقدم 460، وأمّا مرمريس فإنما حكم فيه بزيادة الميم الثانية لقولهم: مرمريس ومراريس فحذفوها في التصغير والتكسير، وأما الرّاء الثانية فإنما حكم بزيادتها؛ لأنه قد علم مما تقدم أن الفاء لا تكرر وحدها، وإنما تكرّر مع العين؛ فلزم من أجل ذلك الحكم بزيادة الرّاء تبعا للحكم بزيادة الميم، وأما اقعنسس فإنما حكم بزيادة السين الثانية فيه وجوبا أو اختيارا على رأي المصنف لوقوعها موقع ألف: احربنى كما تقدم تقريره، وأما على رأي ابن أبي الربيع فلأنه ملحق باحرنجم والنون من احرنجم واقعة بين أصلين - أيضا - وإذا كانت السين الأولى هي الأصلية تعين أن الزائد هو الثانية، وأمّا علّم فقد حكم المصنف فيه بزيادة الأول؛ لوقوعه موقع أحرف العلّة في فاعل وفيعل وفوعل كما تقدم، ولكن هذا الذي علّل به المصنف -
الجزء: 10 - الصفحة: 4969
[اجتماع حرف من سألتمونيها والتضعيف في الكلمة]
قال ابن مالك: (وإن أمكن جعل الزّائد تكريرا أو من سألتمونيها رجح ما عضّد بكثرة النّظير إن لم يمنع اشتقاق أو ما يجري مجراه).
معارض بأن يقال: الزائد هو الثاني؛ لوقوعه موقع واو: جهور، وياء عثير 461، وقد علمت أن ابن أبي الربيع أجاز الأمرين على السواء من غير ترجيح، وهذا هو الظاهر.
قال ناظر الجيش: قال الشيخ: إذا كان الزائد يمكن أن يكون من قبيل زيادة التضعيف، ويحتمل أن يكون من قبيل زيادة الحروف العشرة التي يعبر عنها بحروف الزيادة، فإن الترجيح في إلحاقه بزيادة التضعيف، أو بزيادة إحدى الحروف العشرة يقوى بكثرة النظير، ومثال ذلك قولهم: مهدد علم لامرأة، قال النابغة:
4292 - حان الرّحيل ولم تودّع مهددا... والصّبح والإمساء منها موعدي 462
فهذا يمكن أن يكون مفعلا من الهدّ، وفعللا من المهد ولكن فعللا يجيء كثيرا نحو: قردد، ومفعل لا يجيء مفكوكا إلا قليلا شاذّا، فلذلك حكمنا على مهدد أنه من باب فعلل لا من باب مفعل ويكون أصله الميم والهاء وأحد الدالين ويكون أحد الدّالين زائدا، فهذا مما عضد ورجّح بأن الزائد أحد المتضاعفين 463، ومثال ما قوي بكثرة النظير من أنه من باب الزيادة أحد الحروف العشرة، هذا (4) آخر كلام الشيخ، ولم يذكر لهذا القسم الثاني الذي ذكره مثالا مع أن تمثيله للقسم الأول بمهدد فيه نظر وذلك أن الفك في الكلمة دليل على زيادة أحد المثلين، وقد قال المصنف في إيجاز التعريف: فإن انفك المثلان كمهدد فأحدهما زائد 464، وقال في الكافية: -
الحديث: 4292 - الجزء: 10 - الصفحة: 4970
................................ ومأجج كجعفر لا مفعل... إذ لا يفك مفعل بل فعلل 465 فثبت أن أحد المثلين في مهدد مقطوع بزيادته بدليل الفك، ومسألة الكتاب إنما هي في الذي يمكن أن يكون المكرر فيه هو الزائد لأنه قال: إن أمكن جعل الزائد تكريرا أو من سألتمونيها فما كان مقطوعا فيه بزيادة أحدهما مما لا يدخل تحت كلامه، وإذا لم يدخل تحت كلامه؛ فلا يحسن التمثيل به، ثم إن هذا التقرير الذي قرره يقتضي أن تكون الكلمة مشتملة على حرفين، أحدهما إذا قيل بزيادته كان من زيادة التكرير، والآخر إذا قيل بزيادته لم يكن من زيادة التكرير بل من سألتمونيها دون تكرير كالميم والدّال من: مهدد وعبارته لا تقتضي أن الحرف المحكوم بزيادته محتمل أن يكون من قبيل زيادة التضعيف وأن يكون من قبيل زيادة الحروف العشرة، وبين المقتضيين منافاة، والذي يعطيه كلام المصنف هو هذا الثاني وهو أن الحرف المحكوم بزيادته هو من حروف سألتمونيها، وهو مماثل لحرف آخر في الكلمة، فيحتمل أنهم قصدوا بزيادته التضعيف، ويحتمل أنهم لم يقصدوا التضعيف، بل زادوا حرفا فوافق أنه مماثل لما قبله من غير قصد إلى التكرير، وقد تعرض ابن الحاجب في أول مقدّمته في التصريف إلى كلمات يمكن أن تورد أمثلة في هذا المحل بالنسبة إلى المعنى الذي قرّرناه، وهو حلتيت 466، وسحنون 467، وعثنون 468، وسمنان 469، وبطنان 470، وحكم بأن الزيادة في حلتيت للتكرير، وكذا في سحنون، وعثنون المضموم أولهما 471، وحكم بأنها في سحنون بفتح أوله، وفي سمنان، وبطنان لغير التكرير 472، أما حكمه بأنها في هذه الثلاثة لغير التكرير فلأنّ المقرر في -
الجزء: 10 - الصفحة: 4971
................................
اللغة العربية أن الزيادة لا تكون للتكرير إلا إذا كان لذلك الوزن الذي فيه التكرير نظير في الأصول؛ لأن التكرير إذا كان للإلحاق فظاهر، وإن كان لغير الإلحاق.
وإذا كان كذلك يلزم وجود نظير سحنون وسمنان، وبطنان في الأصول وقد وجد لكنه في غاية القلّة والندور، فنظير سحنون وسمنان، خرنوب 473، ونظير سمنان خزعال 474، ونظير بطنان قرطاس 475، ولندرة هذه الأوزان لم يعتد بها وإذا لم يعتد بها امتنع الحكم على الحرف الواقع في نظيرها من الأوزان بأنه مزيد للتكرير وإذا لم يكن مزيدا للتكرير، والفرض أنه في نفسه مزيد، تعيّن أنه مزيد لغير التكرير، وكيف ولزيادة النون آخرا دون تكرير في هذه الأوزان الثلاثة نظائر كثيرة؟ فنظير سحنون، حمدون، وزيدون، وعبدون، قالوا: وهارون مختص بالعلم، ونظير سمنان سكران وريّان وغرثان، ونظير بطنان شكران وغفران فهذه الأمثلة الثلاثة التي هي: سحنون، وسمنان، وبطنان بتقدير أن تكون النون المزيدة فيها للتكرير، يوجد لذلك الوزن نظير في الأصول، وبتقدير أن تكون الزيادة لغير التكرير يوجد لها نظير في الزيادة، ولكن نظيرها إذا كانت الزيادة لغير التكرير أكثر من النظير إذا كانت الزيادة للتكرير، فرجح الحكم بزيادتها لغير التكرير على الحكم بزيادتها للتكرير، فقد رجح ما عضد بكثرة النظير وهو [6/ 131] كون الزائد من سألتمونيها لا تكريرا على ما لم يعضد بكثرة النظير وهو كون الزائد للتكرير، وأما ترجيح كون الزائد للتكرير على كونه لغير التكرير فقد يمثل له بالثلاث الأول التي هي: حلتيت، وسحنون، وعثنون بضم أولهما، من حيث إن إحدى التاءين في الكلمة الأولى محكوم بزيادتها للتضعيف لا لغير التضعيف، وكذا حكم إحدى النونين في الكلمتين الأخريين وهما سحنون وعثنون إلا أن التعليل الذي علّل به المصنف وهو الاعتضاد بكثرة النظير، قد لا يتمشى هنا أما سحنون وعثنون فليس لهما نظير إذا جعلنا النون
فيهما زائدة لغير التضعيف، وأما إذا جعلت زائدة للتكرير فالنظير موجود في الأصول كعصفور، فلم يوجد النظير في الطرفين مع كثرة في طرف، وقلة في -
الجزء: 10 - الصفحة: 4972
................................ طرف حتى يحصل الترجيح بالكثرة على القلة إلا أن يريد المصنف بقوله: بكثرة النظير - وجود النظير في الجملة فيتم المراد ويصحّ التعليل، وأما حلتيت فقد وجد له النظير في الأصول، بتقدير جعل التاء المزيدة للتكرير كقطمير، ووجد له نظير بتقدير جعلها لغير التكرير كعفريت، والفرض أن الزيادة فيه للتكرير، فإذا مثّلنا به لما قصده المصنف، لزم أن يكون وجود النظير له في الأصول أكثر من وجود نظيره في المزيد، ولكن الذي يفهم من كلام ابن الحاجب أنه: حيث وجد تكرير في الكلمة، فالأصل أن يجعل ذلك الحرف مزيدا للتكرير، وإن كان من الحروف العشرة التي سألتمونيها، إلا أن يدلّ دليل على أنهم لم يقصدوا التكرير، والدليل هو فقد نظير ذلك الوزن من الأصول، وإذا دلّ الدليل على أنهم لم يقصدوا التكرير حكم على ذلك الحرف بأنه مزيد لغير التكرير 476، وإذا كان الأمر كذلك لا يتجه التمثيل له لما قصده المصنف إلا بتأويل، وقد قال الشيخ في ارتشاف الضرب: وإن دار حرف بين أن يكون زائدا أو من المضعف رجّح إلحاقه بأحدهما بكثرة النظير كشملل، جاز أن تكون اللام زائدة كهي في: زيدل، وجاز أن تكون من المضعف كدال: قردد فيحمل على التضعيف لكثرة النظير في: قردد، وشملل، وقلّة زيادة اللام، وهجنّف جاز كونه من المضعف كباء عدبّس وجازت الزيادة كهي في زونّك، فيحمل على الزيادة لكثرة النظير في نحو: سفنّج 477، وعجنّس 478، فما النون فيه مشددة زائدة، وقلّة فعلّل المضاعف 479، وأما قول المصنف: إن لم يمنع اشتقاق أو ما يجري مجراه، فمعناه أن الاشتقاق وما يجري مجراه يمنعان الترجيح بما ذكره ويجب الرجوع إلى ما يوجبانه، ومثّل الشيخ للاشتقاق المانع بزونّك، قال: فالاشتقاق دلّ على الزيادة فإنهم، قالوا: زاك يزوك، وللتضعيف بعتلّ، قال: فإنّهم قالوا: عتلّ، ومثّل لما يجري مجرى الاشتقاق بإمّعة فإن الزائد أحد المضاعفين؛ لفقدان إفعلة في الصفات ووجود فعّلة 480.
الجزء: 10 - الصفحة: 4973
[زيادة الهمزة والنون آخرا]
قال ابن مالك: (فصل: ما آخره همزة أو نون بعد ألف بينهما وبين الفاء حرف مشدّد أو حرفان أحدهما لين فمحتمل لأصالة الآخر وزيادة أحد المثلين أو اللّين وللعكس، ما لم يهمل أحد البناءين أو الوزنين أو يقلّ نظير أحد المثالين).
قال ناظر الجيش: قد تقدم الإعلام بأن الهمزة أو النون الواقعتين بعد ألف زائدة، محكوم بزيادة كلّ منهما بشرط أن يتقدم على الألف ثلاثة أصول، ولكن إذا كانت الثلاثة المتقدمة على الألف مقطوعا بأصالتها، فأما إذا كان أحد الثلاثة المتقدمة على الألف محتملا للأصالة والزيادة، بأن يكون أحدها مضعفا ولينا، فإنه لا يقطع بزيادة الهمزة ولا النون إذ ذاك، وإلى ذلك يشير المصنف بقوله: ما آخره همزة إلى قوله: فمحتمل لأصالة الآخر وزيادة أحد المثلين أو اللين وللعكس يعني أنه مع وجود التضعيف أو اللين قبل الألف يحتمل أصالة الآخر وهو الهمزة أو النون وزيادة أحد المثلين أو اللين ويحتمل العكس وهو زيادة الآخر الذي هو الهمزة أو النون وأصالة أحد المثلين أو اللين، والذي تضمنه كلام المصنف أربع صور: ما آخره همزة مع التشديد نحو: سلّاء وتقّاء 481 وهو الخردل، أو مع اللين نحو: زيزاء 482 وقوباء 483، وما آخره نون مع التشديد نحو: رمّان 484، أو مع اللين نحو: -
الجزء: 10 - الصفحة: 4974
................................
عقيان 485، وعلوان، فوزن سلّاء: فعلاء؛ إن حكمت بزيادة الهمزة وفعّالا إن حكمت بأصالتها، ووزن زيزاء، وقوباء: فعلاء وفعلاء؛ إن حكمت بأن الهمزة زائدة، وفيعال وفوعال؛ إن حكمت بأنها أصل، ووزن: رمّان فعلان؛ إن كانت النون محكوما بزيادتها، وفعّال؛ إن كانت محكوما بأصالتها، ووزن عقيان، وعلوان: فعلان، وفعلان؛ إن قيل بزيادة النون، وفيعال؛ إن قيل بأصالتها.
وقد تعرض المصنف - في إيجاز التعريف له - إلى قسم المشدد مع الهمزة أو النون دون قسم اللين معهما، فقال: إن كان قبل الألف المتقدمة على الهمزة المتأخرة حرفان أحدهما مضاعف كحمّاء، وقبّان؛ فجائز أن يكون الزائد ما بعد الألف، ويكون ذو الهمزة فعلاء من الحمّة وهي السواد 486، وذو النون فعلان من القبب وهو الضمور 487، وجائز أن يكون الزائد أحد المثلين، فيكون ذو الهمزة فعّالا من الحمء وهو تنقية البئر من الحمأة 488، ويكون الآخر فعّالا من القبون وهو الذهاب في الأرض 489. انتهى.
واعلم أن احتمال الأمرين فيما تقدم ذكره مشروط بأن يكون كل من نظير الكلمتين موجودا، إما مادة وإما وزنا، وأن لا يقل نظير أحدهما، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: ما لم يهمل أحد البناءين أو الوزنين، أو يقلّ نظير أحد المثالين، وثبت في بعض النسخ بدل قوله: أحد التأليفين 490، وهو أحسن وأدل على المراد؛ لأن المعنيّ بالبناء المادة، ودلالة التأليف على المادة أظهر وأبين، أمّا ما يؤدي إلى إهمال البناء - أعني المادة - في القول بأصالة أحد الحرفين دون الآخر في تلك الكلمة، فمثال ذلك القول بأصالة الهمزة في: مزّاء وهي الخمر؛ لأن مادة (م ز أ) - - رمّان فقال: لا أصرفه وأحمله على الأكثر - وهو زيادة الألف والنون - إذا لم يكن له معنى يعرف»، واختار ابن مالك في شرح الكافية أصالة النون لثبوتها في قولهم: مرمنة للبقعة الكثيرة الرّمّان وتبعه المرادي.
وانظر تفصيل ذلك في: ابن يعيش (1/ 67)، وشرح الكافية (4/ 2045)، وتوضيح المقاصد (5/ 255)، والرضي (2/ 388)، والممتع (1/ 259، 260).
الجزء: 10 - الصفحة: 4975
................................
مهملة ومادة (م ز ز) موجودة بدليل: مزّ، وعلى هذا يكون وزن: مزّاء فعلاء، وعكسه القول 491 بأصالة الحرف الذي حصل به التشديد في (سقّاء) 492 على وزن حسّان؛ لأن مادة سقق 493 [6/ 132] مهملة ومادة (س ق ي) موجودة، وعلى هذا يكون وزن سقّاء فعّالا، فقد حكم على مزّاء بأنه فعلاء، وإن كان فعّال موجودا وعلى سقّاء بأنه فعّال، وإن كان فعلاء موجودا.
والحاصل: أن كلّا من مزّاء وسقّاء يحتمل الوزنين أعني فعّالا وفعلاء؛ لأن كلا الوزنين موجود في اللغة العربية، ولكن وجب الوقوف على كل من الكلمتين مع وزن واحد؛ لأن القول فيها بالوزن الآخر يؤدي إلى استعمال مادة مهملة في لسان العرب، ومثال ذلك - أيضا - القول بأصالة النون في لوذان؛ لأن مادة (لـ ذ ن) 494 مهملة، ومادة (لـ وذ) 495 موجودة بدليل لواذ؛ وعلى هذا يكون وزن لوذان: فعلان، لا فوعالا فحكم بأصالة اللين ذي النون، وعكسه القول بأصالة النون دون اللين في: فينان؛ لأن مادة:
(فـ ي ن) مهملة، ومادة (فـ ن ن) موجودة بدليل فنن وأفنان، وعلى هذا يكون وزن فينان: فيعالا 496 لا فعلانا.
والحاصل كما تقدم: أن كلّا من لوذان، وفينان يحتمل الوزنين، ولكن منع من فوعال في لوذان، ومن فعلان في فينان إهمال -
الجزء: 10 - الصفحة: 4976
................................
المادة، فتعين فعلان في الأول وفيعال في الثاني، واعلم أنه لم يمثل مع الهمزة إلا بما فيه تضعيف دون ما فيه حرف لين، ولم يمثل مع النون إلا بما فيه حرف لين دون ما فيه تضعيف، ولم أدر هل الموجب للاقتصار على ذلك عدم وجدان ما لم يذكر في اللغة العربية، أو أمر آخر، وأما ما يؤدّي إلى إهمال الوزن فهو أن تكون الكلمة تحتمل مادتها أصالة الهمزة وزيادة أحد المثلين، أو أصالة النون وزيادة أحد المثلين، أو أصالة الهمزة وزيادة اللين، أو أصالة النون وزيادة اللين، أو عكس هذه الأربعة، لكن يمنع من بعض ذلك كون هذا الوزن مهملا، ومثال ذلك في الهمزة: حوّاء للذي يعاني الحيات فيحكم على أحد المثلين بالزيادة، وعلى الهمزة بالأصالة وإن كانت الكلمة تحتمل مادتها الأصالة لأحد المثلين والزيادة؛ لأن مادة: (ح وو) موجودة ومادة: (ح وي) 497 موجودة - أيضا - لكن حملناه على زيادة أحد المثلين، وجعل وزنه فعّالا، ولم يحمل على زيادة الهمزة فيجعل وزنه فعلاء؛ لأن فعلاء مصروفا مهمل، ومثال عكس ذلك.
ومثال ذلك في الوزن بعد الألف التي بينها وبين الألف حرف مشدّد لا يوجد أي إهماله يعني أنه لا يهمل شيء مما آخره نون قبلها ألف بينها وبين الفاء حرف مشدّد؛ لأنّا إن جعلنا النون أصلية وأحد المثلين زائد كان على وزن فعّال كحسّان من الحسن، وفعّال كحسّان من الحسن - أيضا - أو فعّال كحنّان وهو الحنّاء 498، وإن جعلناها زائدة وأحد المثلين أصل كان على وزن فعلان كحسّان من الحس، أو على
وزن فعلان كقرّان 499، أو على وزن فعلان كحنّان فهذه الأوزان التي هي: فعّال، وفعّال، وفعّال، وفعلان، وفعلان، وفعلان؛ أوزان غير مهملة، فقول المصنف: أو أحد الوزنين لا يمكن أن يعود إلى ما آخره نون بعد ألف بينها وبين الفاء حرف مشدد؛ إذ جميع ما يتصور فيه من الأوزان موجودة غير مهملة؛ لكنه يرجع إلى ما آخره همزة بعد ألف قبلها وقبل الألف حرف مشدد وقد تقدم ذلك، ومثال إهمال أحد الوزنين فيما آخره نون بعد ألف قبلها وقبل الألف حرفان أحدهما لين؛ لا يوجد - أيضا - يعني أنه لا يهمل شيء منه؛ لأنّا -
الجزء: 10 - الصفحة: 4977
................................ إن جعلنا النون أصلية وحرف اللين زائدا كان على وزن فيعال كخيتام 500، أو فيعال كميلاع 501، أو فوعال كتوراب 502، أو فوعال كطومار 503، أو فعيال كجريال 504، أو فعيال كقنيان 505، أو فعوال كجحوان اسم رجل من الجحن وهو سوء الغذاء 506، أو فعوال كقرواش 507، أو فعوال: كعصواد 508، وإن جعلنا النون زائدة، واللين أصلا كان على وزن فعلان أو فعلان أو فعلان فجميع هذه الأوزان مما النون فيه زائدة أو أصل موضوعة غير مهملة إلا وزنا واحدا، فإنه موضوع، إن جعلنا النون زائدة وحرف اللين أصلا ومهمل إن جعلنا حرف اللين زائدا والنون أصلية، ومثال ذلك: خزيان، فمادة: (خ ز ن) موجودة، ومادة (خ ز ي) موجودة - أيضا - لكن إن جعلنا وزن: خزيان فعلانا كان هذا الوزن موضوعا، وإن جعلنا وزنه (فعيالا) (10) كان مهملا، فقد انحصر قوله: أو أحد الوزنين بالنسبة إلى ما آخره نون بعد ألف، وقبل الألف حرفان أحدهما لين في هذا الوزن وهو (فعيال) 509 إذ جميع الأوزان الممكنة فيه كلها موضوعة كما تقدم، وأما ما يؤدّي إلى قلة النظير أي: قلة نظير أحد المثلين؛ يعني إذا قلّ النظير لم يلتحق به وألحق بما كثر نظيره، فلا يتساوى إذ ذاك الحمل على أصالة الهمزة أو النون أو زيادتهما، فإن منع اشتقاق من الحمل على الأكثر حكم بالأقل كفينان وهو فيعال؛ لأنه مشتق من الفين 510، وشيطان وهو فيعال؛ -
الجزء: 10 - الصفحة: 4978
[حكم نظير أحد المثالين]
قال ابن مالك: (ويتعيّن اغتفار قلّة النّظير إن سلّم به من ترتيب حكم على غير سبب).
لقولهم: تشطن 511، فيحملان على القليل وإن كان فعلان أكثر.
ويحتاج إلى مثل ستة: مثالان يرجعان إلى ما آخره همزة بعد ألف بينها وبين الفاء حرف مشدّد قلّة وكثرة، ومثالان يرجعان إلى ما آخره نون كذلك، ومثالان يرجعان إلى ما آخره نون بعد ألف بينها وبين الفاء حرفان أحدهما لين، قلّة وكثرة فمثال الأول: قثّاء، إن جعلنا وزنه فعّالا كان كثيرا وإن جعلنا وزنه فعلاء كان قليلا، فيحمل على أن أحد الحرفين مزيد والهمزة منقلبة عن أصل، ومثال الثاني: رمّان إن جعلت نونه أصلية كان على مثال فعّال، وهو قليل وإن جعلت زائدة كان وزنه فعلانا، وفعلان كثير ولذلك: دكّان يحتمل الأمرين ولكن حمله على زيادة النون أولى؛ لأنه الأكثر وقد ذهب الأخفش إلى أن النون في: رمّان أصلية لكثرة فعّال في النبات 512، وذكر المصنف في شرح الكافية أن الاشتقاق دلّ على أصالة نون: رمّان، لقولهم: أرض مرمنة، للبقعة الكثيرة الرّمّان 513.
قال ناظر الجيش: كما تقدّم له أنه إذا قلّ نظير أحد المثالين فلا تحكم للنون باحتمال الأمرين أعني الأصالة
والزيادة، بل إن قلّ نظير الأصالة وكثر نظير الزيادة حكمنا بالزيادة، وإن قلّ نظير الزيادة وكثر [6/ 133] نظير الأصالة حكمنا بالأصالة فجعل قلة النظير مانعة من الحكم أصالة وزيادة، ذكر: الآن أنّه يتعين القول (بقلّة) 514 - - المعرفة.
اللسان «فين»، وانظر: الكتاب (3/ 216)، والتذييل (6/ 128 ب).
الجزء: 10 - الصفحة: 4979
[الحكم بزيادة الياء والهمزة والميم أولا]
قال ابن مالك: (وتترجّح زيادة ما صدّر من ياء أو همزة أو ميم على زيادة ما بعده من حرف لين أو تضعيف، فإن أدّى ذلك إلى شذوذ فك أو إعلال أو عدم نظير حكم بأصالة ما صدّر ما لم يؤدّ ذلك إلى استعمال ما أهمل من تأليف أو وزن كمحبب ويأجج).
النظير، إذا كان الحمل عليها يؤدي إلى السلامة من أن يترتّب حكم على غير سبب، ومثال ذلك قول العرب: غوغاء غير متصرف، فهمزته زائدة ووزنه فعلاء، وإن كان يلزم فيه أن يكون من باب: سلس وهو قليل - أعني ما تماثل فاؤه ولامه - فيحمل على هذا، وإن كان قليلا، ولا يقال: إنه فوعال ولا فعلان كصلصال وزلزال؛ لئلا يترتّب منع الصرف على غير سبب، فتعين أن يكون فعلاء، وإن أدّى القول به إلى قلّة النظير بأن يكون من باب: سلس.
قال سيبويه: وأما الغوغاء، فمن قال: غوغاء، فأنّث ولم يصرف؛ فهي عنده مثل عوراء، ومن قال: غوغاء، فصرف وذكّر؛ فهي عنده بمنزلة القمقام 515.
قال ناظر الجيش: لما تكلم المصنف في إيجاز التعريف على زيادة الهمزة والميم، وحكم بزيادة ما صدّر منهما على ثلاثة أصول كأصبع ومخلب، قال: فإن كان أحد الثلاثة التي بعدها حرف لين أو مكررا فهو أصل، والهمزة أو
الميم زائدة نحو:
أورق، وأيدع، وموئل، وميسر، وأشدّ، ومجنّ، ثم قال: فإن انفك المثلان كمهدد علم امرأة، فأحدهما زائد؛ إلا أن يوجب تقدير زيادته استعمال ما أهمل كمحبب، فإنّه مفعل، فإنّ تقدير زيادة إحدى بائيه يوجب أن يكون الأصل:
(م ح ب) وهو تركيب أهملت العرب جميع وجوهه 516. انتهى.
فقد انحل بهذا الكلام بعض هذا الموضع، وأما ما صدر بياء بعدها ثلاثة أحرف أحدها حرف لين، فقد مثّلوا له بيحيى اسم النبي عليه الصلاة والسّلام، وهو اسم أعجمي لكن قال ابن الباذش - وقد ذكر: يحيى وموسى وعيسى -: هذه الأسماء -
الجزء: 10 - الصفحة: 4980
................................ أعجمية وكل اسم أعجمي استعملته العرب، فالنحويون يتكلمون على أحكامه في التصريف على الحد الذي يتكلمون في العربي 517، وقال ابنه أبو جعفر: فأما يحيى فوزنه يفعل ولا يكون فعلا؛ لأن الياء أولا يقضى عليها بالزيادة، للكثرة عند سيبويه 518، ونقل عن الكسائي أن وزنه: فعلى، كذا عن غيره، قال: ولا يصح 519، وأما ما صدّر من ياء - أيضا - وبعدها تضعيف قولهم: يلندد ويلنجج، وقد تقدم التمثيل لشذوذ الفك بمهدد، وإنما وجب القول بزيادة أحد المثلين دون الميم المصدّرة، وإن كان الحكم بزيادة كلّ منهما يمكن رجوعه إلى دليل اشتقاق؛ إذ يجوز أن يكون مفعلا من الهدّ، وفعللا من المهد؛ لأنه لو جعلت الميم هي الزائدة لوجب الإدغام كما في نظيره من: مكرّ ومفرّ، فوجب القول بأصالتها وزيادة أحد المثلين للإلحاق بجعفر الملحق لا يدغم؛ فلا شذوذ في الفك حينئذ، بل الفك واجب كما وجب في قردد حين ألحقوه بجعفر، فهذا هو الموجب للحكم بأصالة الميم وزيادة أحد الدّالين؛ لأنه لا شذوذ فيه، ولو عكس الأمر لكان فيه الشذوذ، وقول المصنف: أو إعلال ظاهره يعطي أنه معطوف على ذلك، فيكون المراد أن الوزن يؤدّي إلى شذوذ إعلال لو قيل بزيادة ما يصدّر من الحروف الثلاثة - أعني الياء، والهمزة، والميم - وحينئذ يقال بزيادة حرف اللين أو التضعيف، ومثال ذلك: (مدين) 520، لكن تقرير الشيخ وتمثيله يقتضي أن يكون: «أو إعلال» معطوفا على «شذوذ»، فإنّه قال: ومثال ما أدّى إلى الإعلال قولهم: مدين، قال: فهذا يحتمل أن يكون مفعلا، وأن تكون الميم زائدة والياء أصلية، ويحتمل أن يكون فعيلا كضهيأ، عند من جعل وزنه فعيلا، وكان ينبغي أن يكون مفعلا، لترجيح زيادة الميم المصدرة على حرف اللين؛ إلا أنه عارضه؛ إذ لو كان على هذا الوزن لوجب أن يقل فكنت تقول: مدّان كما تقول: منّان ومجّان؛ لأن الواو والياء في مفعل يعلّان، فكذلك حكم بأصالة الميم وزيادة الياء؛ لأن عكسه يؤدّي -
الجزء: 10 - الصفحة: 4981
................................
إلى الإعلال وهو لم يعل 521. انتهى.
ولا يخفى عدم اختلال هذا الكلام، وأن هذا التفسير مناف لما يعطيه كلام المصنف، وأما ما يؤدّي إلى عدم النظير، فقد مثّل له بإمّعة 522؛ فإنه كان ينبغي أن يكون وزنه إفعلة لترجيح زيادة الهمزة المصدّرة على التضعيف، لكن عارض ذلك أن إفعلة لا يوجد في الصفات؛ فحكم بزيادة أحد المضعفين، وأصالة الهمزة وعلى هذا فوزنه فعّلة 523؛ لأن هذا الوزن له نظير في كلامهم، وأما قول المصنف: ما لم يؤدّ ذلك إلى استعمال ما أهمل من تأليف أو وزن، فأراد بذلك أنّه يرتكب شذوذ الفك أو الإعلال أو عدم النظير، ويحكم بزيادة ما صدّر وأصالة المضعف أو اللين إذا أدّى جعل المصدر أصلا وأحد المذكورين زائد إلى استعمال ما أهمل من وصف أو وزن؛ فمثال الأول: محبب فإن أصله مفعل، فالميم زائدة والفكّ فيه شاذّ 524، وكان قياسه أن يقال فيه: محبّ كمكرّ ومفرّ 525، ولو حكم بأصالة الميم وزيادة التضعيف لكان وزنه فعللا، ويؤدّي إذ ذاك إلى استعمال تأليف مهمل في اللغة العربية؛ لأنه ليس فيها مادة (م ح ب) وفيها (م ح ب ب) فكان احتمال شذوذ الفك أيسر من احتمال مادة مفقودة، ومثال الثاني قولهم: يأجج، هو بكسر الجيم 526، فيحكم بأن وزنه يفعل؛ لأنه وزن موجود في لسانهم، فتكون الياء زائدة والجيمان أصلان ولا نقول: إن وزنه فعلل؛ لأنه وزن مهمل، ولا فأعل بزيادة الهمزة؛ لأنه وزن مهمل - أيضا - فلذلك حكم بزيادة الياء وأصالة ما سواها من الهمزة والجيمين.
قال الشيخ: وحكى سيبويه في: يأجج فتح الجيم، وقال: الياء فيه من نفس الحروف 527. قال الأستاذ أبو علي: يعني أن الياء لو كانت في: يأجج زائدة؛ لكان المضعفان أصليين نحو:
ردّ ويردّ ومردّ، فإظهارهم التضعيف دليل على أصالة الياء وزيادة أحد المضاعفين للإلحاق كما في مهدد، فوزن
يأجج على هذا فعلل كجعفر، وحكى غير سيبويه -
الجزء: 10 - الصفحة: 4982
[المزيد للإلحاق]
قال ابن مالك: (فصل: الزّائد إمّا للإلحاق وإمّا لغيره، فالّذي للإلحاق ما قصد به جعل ثلاثيّ أو رباعيّ موازنا لما فوقه ومساويا له مطلقا في تجرّده من غير ما يحصل به الإلحاق، وفي تضمّن زيادته إن كان مزيدا فيه، وفي حكمه ووزن مصدره الشّائع إن كان فعلا).
يأجج بكسر الجيم 528، وهذه الحكاية توجب زيادة الياء، وأن يكون الإظهار شاذّا؛ لأنه ليس في الكلام نحو: جعفر بكسر ما قبل الأخير 529. انتهى كلام أبو علي.
واعلم أني لم أكن [6/ 134] على وثوق ببعض ما كتبته في شرح هذا الفصل، وبعض الأمثلة إنما أوردته تقليدا، ويظهر لي أن ما أشار إليه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب - رحمة الله تعالى عليه - في آخر باب ذي الزيادة من تصريفه يستعان به في حل أكثر صور هذا الفصل، والنّاظر إذا نظر في ذلك لا يخفى عليه أن ينزّل ما ذكره ابن الحاجب 530 من الأمثلة على أكثر هذه المسائل.
قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام في ما تقدم على المزيد لغير الإلحاق، شرع الآن في ذكر المزيد للإلحاق، وقد علم مما تقدّم أن الزائد لإلحاق أو تضعيف، لا يتعين كونه من أحرف الزيادة؛ بل قد تكون زيادة الإلحاق منها وقد تكون من غيرها وكذا زيادة التضعيف - أيضا - وتقدم التنبيه على أن أحرف الزيادة، إنما تزاد لأسباب وأن النحاة ذكروا أنها سبعة، وتقدم ذكر المناقشة في بعضها وأن الظاهر أنها خمسة أسباب لا غير، أحدها الإلحاق، وكأنه إذا انتفى كون الزائد من الحروف العشرة دالّا على معنى أو كونه للمدّ أو العوض أو التكثير تعين أن يكون للإلحاق،
أما إذا كان الزائد للإلحاق من غيرها؛ فمعلوم أنه للإلحاق قطعا، ولا جائز أن يكون لغير الإلحاق؛ لما علم من أن الزيادة لغير إلحاق أو تضعيف لا تكون إلا من الأحرف العشرة - أعني أحرف الزيادة - إذا تقرر هذا فقول المصنف: الزائد إما للإلحاق وإما -
الجزء: 10 - الصفحة: 4983
................................
لغيره - فيه إشارة إلى ما قلناه من أن الزيادة تكون لأسباب غير الإلحاق، لكنه لم يتعرض لتبيين ما يقصد بالمزيد لغير الإلحاق، وهي الأمور الأربعة التي ذكرناها متقدمة ثم آنفا - أعني الدلالة على معنى، والمد، والعوض، والتكثير - وإنما تقدم له الكلام على الزائد لغير الإلحاق دون ذكر ما يقصد به من الأمور الأربعة، ثم أشار إلى المقصود بالإلحاق، وما هو بقوله: فالذي للإلحاق ما قصد به... إلى آخره.
والحاصل: أن الإلحاق يقصد به: جعل الناقص مساويا للزائد؛ ليعامل معاملته، والطريق فيه أن يعمد إلى ثلاثي أو رباعي فيجعل موازنا لما فوقه ومساويا له مطلقا في تجرده من زيادة ليست في الملحق به، وفي تضمن زيادة هي في الملحق به، وكذا يجعل مساويا له - أيضا - في حكمه، هذا إن كان الملحق به اسما، وإن كان الملحق به فعلا اشترط مع ما ذكر أمر آخر، وهو مساواة الملحق بالملحق به، في وزن مصدره الشائع، وقوله: موازنا لما فوقه أي: لما فوق أحد المذكورين؛ وذلك بأن يجعل الثلاثي موازنا للرباعيّ كرعشن مثلا؛ فإنّه ملحق بزيادة النون بجعفر 531 أو بخماسيّ كانقحل فإنه ملحق بزيادة الهمزة والنون بجردحل، أو الرباعي موازنا لخماسي كفردوس؛ فإنه ملحق بزيادة الواو بجردحل - أيضا - وقوله: ومساويا له مطلقا كأنّه يعني بذلك المساواة في: تثنية، وجمع، وتصغير، ونسب، وضم حرف المضارعة في تجلبب كما يضم في تدحرج ونحو ذلك.
وقال الشيخ:
«مطلقا»، يعني سواء أكان اسما أو فعلا 532، وفيه بعد؛ لأن قول المصنف بعد ذلك: ووزن مصدره الشائع إن كان فعلا - يعطي أن المذكور قبله غير مخصوص بالفعل، وإذا كان غير مخصوص اشترك فيه الاسم والفعل، وهذا معنى الإطلاق، فعلى هذا قوله: مطلقا لا فائدة فيه حينئذ، وقوله: في تجرده، يعني به أن الملحق به إذا لم يكن فيه شيء من حروف الزيادة وكان في الملحق شيء منها وجب تجرده منه ليوافق الملحق به في التجرد من ذلك الزائد،
ولما أوجب التجرد المذكور، وكان الحرف الذي يحصل به الإلحاق زائدا، ولا بد منه؛ إذ لا يتم الإلحاق ولا يتصور إلا به، أخرجه بقوله: من غير ما يحصل به الإلحاق، يعني أن الملحق تجرد من كل زائد ليس في الملحق به إلا من الحرف الذي حصل به الإلحاق، فإنه لا يجرد منه، مع أنه -
الجزء: 10 - الصفحة: 4984
................................ ليس في الملحق به وعلى هذا من غير متعلقه بتجرده، وكأن الشيخ علّقها بقوله: مساويا؛ فإنه قال في شرح الكافية: من غير ما (يحصل) 533 به الإلحاق فإنه لا يساويه في ذلك إذ هو في المقابل أصل، وفي الملحق زائد فلا يتساويان في ذلك 534، ولا يخفى بعد هذا الذي ذكره عن مراد المصنف مع أنه لا فائدة فيه حينئذ؛ لأن من المعلوم أن الحرف الذي في المقابل أصل وفي الملحق زائد، ويدل عليه قوله: الزائد إما للإلحاق وإما لغيره، وقوله بعد ذلك جعل ثلاثي أو رباعي موازنا لما فوقه؛ لأن المراد بالثلاثي والرباعي المذكورين ما حروفه كلها أصول؛ فيتعين أن المراد بما فوق كل منهما ما هو كذلك، وقوله: في تضمن زيادته يعني أنه إذا كان في الملحق به زيادة وجب أن يضمّن الملحق تلك الزيادة، ومثال ذلك: أن يبنى من سحك مثل: احرنجم، فإنك تقول: اسحنكك 535 فإحدى الكافين للإلحاق والنون في احرنجم زائدة فأتي بها في الملحق، وكذا لو بني من: دحرج مثل قبعثرى لقيل: دحرجحى 536؛ فزيد حرف خامس يقابل راء قبعثرى، وزيد ألف في آخره مقابل ألفه فضمّن الملحق الزيادة التي في الملحق به وقد يجب تجريد الملحق من الزائد وتضمينه زائدا هو في الملحق به في كلمة واحدة وذلك كأن يبنى من مقعنسس مثل: سميدع فتجرد مقعنسسا مما ليس في سميدع وهو الميم والنون وثبتت فيه ياء بإزاء الياء، ويغتفر بقاء السين الثانية؛ إذ لا يكمل الإلحاق بدونها فتقول: قعيسس قابلت السين بالقاف، والميم بالعين، والياء بالياء، والدال بالدال، والعين بالسينين، وقوله: وفي حكمه يريد به أن الملحق يجعل - أيضا - مساويا للملحق به في حكمه، فما يثبت للملحق به من أحكام الصحة والإعلال وغيرهما يثبت للملحق؛ فلو بني من الضّرب مثل: جعفر؛ لقيل: ضربب أو مثل: برثن؛ لقيل: ضربب، ولو بني من البيع مثل: ضيون؛ لقيل: بيوع بالتصحيح ولا يعل، ولو بني من القول مثل: طيّال؛ لقيل: قيّال -
الجزء: 10 - الصفحة: 4985
................................
بالإعلال 537، وكأن الأمر إنما كان كذلك؛ لأن المقصود من الإلحاق التقابل، وهو إنما يحصل إذا قوبل الصحيح بمثله، والمعلّ بمثله، ومن هنا امتنع الإدغام في الملحق بتضعيف كقردد الملحق بجعفر، فإن الفك فيه واجب؛ وذلك لأنه لو حصل الإدغام لحصل بالتقابل، والتقابل مقصود، نعم لو كان أول المثلين في الملحق المذكور ساكنا تعين الإدغام نحو: خدبّ 538؛ فإنه ملحق بقمطر 539 بتضعيف الياء، وقال المصنف في شرح الكافية: وإنما اغتفرت هذه المخالفة يعني في: خدبّ لما في الفك من الصعوبة والثقل 540. انتهى.
ولا يخفى أن هذا التعليل ليس بجيد، والحق أن يقال في التعليل [6/ 135]: إن هذا الإدغام في مثله ليس فيه إخلال بالتقابل، واعلم أن النّحاة ذكروا أنه لو بني مثل: جعفر من قرأ؛ لقيل: قرأا والأصل: قرأأ: فاجتمع همزتان مؤخرتان، والقاعدة في الهمزتين المتحركتين إذا كانتا مؤخرتين أن تبدل الثانية ياء، سواء كانت الأولى مفتوحة أم مضمومة أم مكسورة، فلما أبدلت الثانية ياء، قيل: قرأي، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ولو بني من قرأ مثل: برثن أو زبرج لقيل: قرأي وقرإي، على ما هو معروف في باب تخفيف الهمز، وعلى هذا لم يساو الملحق الملحق به في الصحة، فإما أن يستثنى مثل هذا من المساواة في الحكم، ويعلّل استثناؤه بأن اجتماع همزتين متحركتين مرفوض في كلامهم، وإما أن يقال: لا حاجة إلى الاستثناء؛ لأن المراد بالمساواة في الحكم أن يكون الملحق به يستحق شيئا ويكون على خلافه كضيون، فإنه يستحق الإعلال، فصحح، وكطيّال فإنه يستحق التصحيح؛ لعدم إعلال الواو في مفرده الذي هو طويل، وأعلّ، فالملحق بكل من هذين يعامل معاملته، أي: إذا كان الملحق يستحق الإعلال كما يستحقه الملحق به، ولكن الملحق به صحّح، وجب التصحيح في الملحق، وهكذا العكس، أما إذا كان الملحق به صحيحا كجعفر مثلا، والملحق يستحق إعلالا في نفسه كقرأأ؛ فإنّ الملحق يوفّى حقه من -
الجزء: 10 - الصفحة: 4986
................................
الإعلال، والظاهر أن يعول على هذا الثاني، وإنما احتجت إلى إيراد ما ذكرت؛ لأن الشيخ قال: إنه قد وجد في بعض النسخ - يعني نسخ التسهيل - لفظ: غالبا 541، بعد ذكر المساواة في الحكم قال: ففي قوله: غالبا، ما يدل على أن الملحق قد لا يحكم له بحكم مقابله، وإن كان الغالب عليه أن يحكم عليه بحكمه، قال:
ومثال ما خرج عن بعض الأحكام، عن مقابله أن تبني من: قرأ، مثل: درهم فنقول: قرأى وأصله: قرأأ، بهمزتين، فسهّلت الأخرى بإبدالها ألفا؛ إذ لا يوجد في لسانهم ذلك، فهذا قد خالف مقابله في بعض أحكامه 542. انتهى، وفي كون هذا مخالف لمقابله نظر وبعد، فإن ثبتت المخالفة كما قال؛ فتكون هذه المسألة مستثناة كما تقدم، وإن لم تثبت المخالفة استغني عن ذكر هذه المسألة رأسا، وهذا هو الظاهر كما تقدمت الإشارة إليه، وقول المصنف: ووزن مصدره الشائع إن كان فعلا قد سبقت الإشارة إلى أن هذا الشرط مختص بالفعل؛ فالفعل يشارك الاسم فيما تقدّم ويزيد عليه بأن يوافق الملحق الملحق به في وزن مصدره، وهذا الشرط قد كان يستغنى عن ذكره بما ذكره أوّلا، وهو مساواة الملحق الملحق به مطلقا، فإن من جملة المساواة مطلقا موازنة المصدر المصدر، لكن إنما احتاج إلى ذكره نصّا؛ لأجل تقييده بالشائع كما ستعرفه.
والحاصل: أنه متى ألحق فعل بفعل أزيد منه، وجب أن يوازن مصدره مصدره، فيقال في مصدر: بيطر، وجهور: بيطرة وجهورة؛ لأنهما ملحقان بدحرج، ومصدره دحرجة 543، وقد يأتي مصدر فعلل على فعلال، قالوا: سرهف سرهافا مع قولهم: سرهفة، لكن سرهفة شائع، وسرهافا ليس بشائع، وبيطر لا يقال في مصدره: بيطار 544؛ فقد وافق الملحق الملحق به في مصدره الشائع، أي: الكثير المقيس دون القليل، وعرف من هذا أنه وافق في وزن المصدر الشائع فكفى، ولا يضر عدم موافقته في وزن المصدر الذي ليس بشائع.
بقي هاهنا بحث: وهو أن الشيخ ناقش المصنف في أمرين:
أما أولا: ففي قوله: فالذي للإلحاق ما قصد به جعل ثلاثي أو رباعي موازنا لما -
الجزء: 10 - الصفحة: 4987
................................
فوقه، فقال في قوله: قصد نظر؛ لأن الواضع الذي نطق بجوهر لا يقول: إنه قصد به الإلحاق بجعفر مثلا، وإنما هذا اعتبار النحوي لا اعتبار الواضع، فلما نظر النحوي إلى مادة: جوهر، رأى أن الحروف الأصلية إنما هي: الجيم، والهاء، والراء؛ فحكم على الواو بأنها ليست حرفا أصليّا، ثم نظر في زيادتها لأي معنى يكون فرأى انتفاء الأشياء الستة التي ذكرها قبل عن هذه الواو، فتخيل أن هذه الواو جعلت مقابلة للعين في جعفر فسماها زيادة للإلحاق، أي: لإلحاق بنات الثلاثة ببنات الأربعة، وكذلك فيما أشبهها ولو استفهمت الواضع للفظة جوهر - أي العربي القح الناطق على سليقته - عن الواو في جوهر؛ لما فهم أنها زائدة للإلحاق، وأنها مقابلة للعين في جعفر؛ فلا حاجة لقول المصنف: ما قصد به كذا 545. انتهى.
ويلزم مما ذكره أن الواضع كما لا يقصد بذلك المزيد للإلحاق، لا يقصد بالمزيد لغير الإلحاق ما أريد بزيادته؛ فحينئذ لا يقصد الدلالة على معنى، ولا المدّ، ولا العوض، ولا التكثير، وهذا في غاية من البعد؛ لأنه يفضي إلى أنّ الواضع يضع الكلمة من غير اعتبار شيء، وكيف يكون ذلك والواضع قد قال: ضرب، ويضرب، وضارب، ومضروب، وهو يقصد بكل صيغة معنى، ولولا ذلك الحرف المزيد على المادة الأصلية لم يجز له قصد ذلك المعنى، فالظاهر أنه يقصد بالحرف المزيد المعنى الذي زيد الحرف لأجله، ولا شك أن إلحاق الكلمة بأخرى ليعامل معاملتها أمر يمكن قصده؛ فالواضع قصد الموازنة والمقابلة لا بد من هذا، نعم النحوي سمّى هذا - يعني موازنة كلمة لما فوقها بزيادة حرف أو حرفين - إلحاقا.
وأما ثانيا: ففي قوله: موازنا لما فوقه، قال: فإنّ معناه أن يجعل على وزنه، وليس بجيد؛ لأنه ليس على وزنه؛ لأن وزن: جعفر فعلل، ووزن: رعشن فعلن؛ فإذا ليس على وزنه، إنما هو موافق في الحركات والسكنات وعدد الحروف 546.
انتهى.
أما قوله: إن نحو: رعشن ليس على وزن جعفر، فغير مسلّم، بل هو على وزنه، لكنه لا يوزن بما يوزن به جعفر، ولا شك أن اللفظ إذا وافق لفظا آخر في الحركات والسكنات وعدّة الحروف كان موازنا له فهو على وزنه، أما كونه يوزن بما يوزن به الآخر، أو لا يوزن؛ فهو حكم غير الأول، وأما كون راء جعفر في الزنة -
الجزء: 10 - الصفحة: 4988
[إلحاق الألف والهمزة]
قال ابن مالك: (ولا تلحق الألف إلّا آخرة مبدلة من ياء، ولا الهمزة أوّلا إلّا مع مساعد كنون ألندد وواو ادرون، ولا إلحاق في غير تدرّب وامتحان إلّا بسماع).
تقابل باللام، ونون رعشن تقابل بمثلها، فهذا قد عرف من كلام المصنف في ما تقدم، وعلى هذا فلا يتوجه على المصنف مؤاخذة.
قال ناظر الجيش: اعلم أن الحروف كلها صالحة لأن تقع للإلحاق، ولم يستثن منها سوى حرفين هما: الألف، والهمزة؛ لكن الهمزة مستثناة في حالة دون حالة، وأما الألف فمستثناة مطلقا، وإلى الألف أشار بقوله: ولا تلحق الألف إلا آخرة [6/ 136] مبدلة من ياء.
قال في شرح الكافية: وأما الألف فإنها لمّا لم يكن لها حظّ في الأصالة؛ لم يقابل بها أصل، وقد جرت عادة النحويين أن ينسبوا الإلحاق إلى ألف: حبنطى وشبهه، وإنما يريدون بذلك أنها بدل الإلحاق، فنسبوا الإلحاق إليها، كما نسبوا التأنيث إلى همزة صحراء وشبهه، وإنما الهمزة بدل ألف التأنيث 547. انتهى.
وحبنطى ملحق بسفرجل 548، وكذا علقى في لغة من نوّن ملحق بجعفر 549، وذفرى في من نوّن - أيضا - ملحق بدرهم 550 وكذا اسلنقى ملحق باحرنجم 551، وقد علّل 552 عدم وقوع الألف للإلحاق، أما حشوا؛ فلأنها إذ ذاك لا تكون إلا منقلبة، كما أن الألف في الأصل لا تكون إلا منقلبة، فإن قابلت ساكنا لم يصح؛ لأن الألف لا تكون منقلبة عن ساكن؛ إذ لا موجب لإعلاله، فإن قابلت متحركا لزم تخالف الملحق والملحق به؛ إذ الحرف في الملحق به متحرك.
وقد صار مقابله في الملحق ساكنا، وأورد على هذا أن ما عللتم به لازم في وقوعها للإلحاق آخرا، وأجيب بأن حركة الآخر لا تكون من البناء؛ فلم يعتد بها 553، ولقائل أن يقول: لا يلزم من وقوع الألف للإلحاق حشوا أن تكون منقلبة، ولا يلزم -
الجزء: 10 - الصفحة: 4989
................................
من كون الألف في الكلمة الملحق بها منقلبة أن تكون في الملحق كذلك؛ لأن المقصود المقابلة في الجملة، وقد قوبل ألف صورة بألف وهذا كاف، والأقرب في التعليل ما ذكره ابن الحاجب، وهو أن يقال: لما قصدوا في الإلحاق إلى وقوع الحرف الزائد موقع الأصل، كرهوا أن يجعلوه في الحشو ألفا؛ فيؤدي إلى تحريك ألف في حكم الأصلية، فرفضوه لذلك، ولم يوقعوها للإلحاق إلا آخرا لإمكان بقائها غير متحركة؛ لأنها لو كانت متحركة لقلبت ألفا، قال: وإنما لزم تحريكها حشوا؛ لأنها إن كانت ثانية وجب تحريكها في التصغير، وإن كانت ثالثة وجب تحريكها بعد ياء التصغير، وإن كانت رابعة وجب وقوعها آخرا في التصغير والجمع؛ لأنها إذا كانت رابعة حشوا وهي للإلحاق فلا تكون إلا للإلحاق بالخماسيّ فيجب حذف الآخر ليمكن جمعه وتصغيره 554. انتهى.
وأما عدم وقوعها للإلحاق آخرا فقد قال ابن الحاجب: وقد يقال: إن الألف لا تقع للإلحاق آخرا - أيضا - وذلك لأن الآخر يكون محرّكا أبدا وإن كانت حركته عارضة وإذا كان كذلك فلا تتأتى الألف؛ لسكونها، وإذا وجد في آخر كلمة ألف للإلحاق قدرت ياء تحركت وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفا 555. انتهى.
فانظر إلى هذا الرجل كيف ذكر شيئا على وجه البحث والاحتمال من أن الألف لا تقع للإلحاق آخرا فأصاب الشاكلة، وعرف من هذا أن الألف لا تقع للإلحاق أصلا، وهذا مذهب المحققين وهو الصحيح 556، وقد منع ابن هشام الخضراوي ذلك وقال: إنه لم يقل أحد في ألف الإلحاق: إنها منقلبة، قال: ولو انقلبت كان الإلحاق بالمنقلب عنه 557، ويقال عنه: نعم الإلحاق بالمنقلب عنه لا بألف، فما المانع من ذلك؟ وإنما قال المصنف: منقلبة عن ياء؛ لأنها إنما تكون رابعة أو خامسة، فإن كان ذلك الحرف ياء في الأصل فالألف عنه، وإن كانت واوا وجب قلبها ياء.
كما تقلب في نحو: أغزيت واستغزيت 558، ثم تصير ألفا.
ثم اعلم أن ابن الحاجب -
الجزء: 10 - الصفحة: 4990
................................
إنما منع وقوع الألف للإلحاق حشوا في الاسم؛ لأنه يرى وقوعها للإلحاق حشوا في الفعل، وذلك أنه يدعي أن نحو: تغافل ملحق وتبع في ذلك الزمخشري 559، وقال بهذه المقابلة ابن عصفور أيضا 560.
والحق أن نحو: تغافل ليس ملحقا، وأما الهمزة فلها حالتان كما تقدم حالة يجوز فيها وقوعها للإلحاق وهي إذا كانت غير مصدّرة بأن تكون حشوا أو طرفا، وحالة لا يجوز فيها ذلك وهي إذا كانت الهمزة مصدّرة؛ ولهذا لم يقولوا في أفكل: إنه ملحق بجعفر، نعم إذا كان مع الهمزة حرف آخر للإلحاق؛ جاز وقوعها صدرا، فيكون الإلحاق قد حصل بالحرفين - أعني الهمزة المصدّرة وذلك الحرف - وإلى هذا أشار المصنف بقوله: ولا الهمزة أوّلا إلا مع مساعد كنون: ألندد، وواو:
إدرون 561، فأفاد قوله: أولا أنها تقع حشوا وطرفا، مثال الأول: شأمل فإنه ملحق بجعفر، وقد يكون معها حرف زائد نحو: حطائط؛ فإنّه ملحق بغدافر.
ومثال الثاني: غرقئ 562 فإنه ملحق بزبرج، وقد يكون معها حرف زائد نحو: علباء فإنّه ملحق: بقرطاس.
وأفاد قوله: إلا مع مساعد أن الهمزة إذا وقعت أوّلا، وليس معها حرف آخر لا تكون الهمزة للإلحاق، وذلك نحو: أفكل كما تقدم.
وأفاد قوله:
كنون ألندد، وواو إدرون، أن الحرف الذي يقع مع الهمزة للإلحاق: إما نون وإما واو، والظاهر أن المساعد لا يكون غيرهما أما ألندد فملحق بسفرجل، وهو مشتق من: اللّدد؛ فالهمزة فيه والنون زائدان للإلحاق، وإظهار التضعيف يدل على ذلك، وإدرون بمعنى: الدرن 563؛ فالهمزة والواو فيه زائدان للإلحاق، بجردحل، ثم إن المصنف أشار بقوله: ولا إلحاق في غير تدرّب وامتحان إلا بسماع إلى أن الإلحاق لا يجوز في غير ما سمع عن العرب إلا في موضعين:
أحدهما: أن يتدرب الطالب بإعمال فكره فيبني من كلمة مثال كلمة أخرى.
والآخر: أن يمتحن الطالب ليعلم صحة نظره فيقال له: ابن من كذا مثل كذا، -
الجزء: 10 - الصفحة: 4991
................................ وإذا بنيت من كذا كيف ينطق به؟ 564 ومعنى هذا الكلام: أن إلحاق كلمة بأخرى إنما هو الواضع أما إلحاق غير الواضع فلا يكون حكمه حكم إلحاق الواضع في أن تعدّ تلك الكلمة من كلام العرب، وهذا هو الظاهر، بل الحق؛ لأن من شرط الكلمة الوضع، فإذا لم يكن الإلحاق من الواضع؛ لم تكن الكلمة موضوعة، لكن إذا استعمل غير الواضع الإلحاق؛ لقصد تدرب أو امتحان كان ذلك جائزا، ولا تلحق تلك الكلمة بكلام العرب، ونقل ابن عصفور في أن يبنى من كلمة مثل أخرى، وهل يجوز أو لا ثلاثة مذاهب للنحويين: أحدها: أنه لا يجوز شيء من ذلك، وإنما يقصد بذلك بيان أنه لو كان من كلام العرب، كيف يكون حكمه في النطق 565 به؟ والثاني: أنه جائز على كل حال 566. والثالث: التفصيل 567، وهو أنه إن كانت العرب قد فعلت مثل ذلك فعلا مطردا جاز، وإلا فلا؛ فعلى هذا إذا بنيت من الضرب مثل جعفر فقلت: ضربب كان عربيّا، وجاز التكلم به نظما ونثرا؛ لأن العرب ألحقت الثلاثي بالرباعي 568 بالتضعيف كثيرا نحو: قردد، ومهدد، وعبدد، ورمدد، ولا فرق [6/ 137] بين قياس الألفاظ على الألفاظ والأحكام على الأحكام، وأنت إذا قلت: طاب الخشكنان 569 ترفعه (إذا كان فاعلا) 570، وإن لم تكن العرب رفعته بل لم يتكلم به لكن لمّا رفعت نظائره من الفاعلين، هذا كلام ابن عصفور 571. قال الشيخ: والذين قالوا بالقياس في هذه الأشياء - يعني بجواز البناء مطلقا - اختلفوا في المعتل والصحيح أنهما باب واحد، فما سمع من أحدهما قيس عليه -
الجزء: 10 - الصفحة: 4992
[الإلحاق بالتضعيف]
قال ابن مالك: (ويقارب الاطّراد الإلحاق بتضعيف ما ضعّفت العرب مثله؛ فلا يلحق بتضعيف الهمزة، ولا بتضعيفين متّصلين لإهمال العرب لذلك فإن قصد التّدرّب؛ فلا بأس به، ولو كان إلحاقا بأعجمي أو بناء مثل منقوص وفاقا لأبي الحسن بشرط اجتناب ما اجتنبت العرب من تأليف أو هيئة).
الآخر، وهما بابان متباينان يجري في أحدهما ما لا يجري في الآخر.
ذهب سيبويه وجماعة إلى أنهما باب واحد، وذهب الجرمي 572 إلى أنهما بابان وهو قول أبي العباس.
قال سيبويه: إذا أردت أن تبني من قال وباع مثل: إبل قلت: قول وبيع 573، قال أبو العباس: وأرى بناء ذلك خطأ؛ لأن العرب لم تبن من المعتل على مثال فعل، والصحيح جنس والمعتل جنس، ولا أبني فيعلا نحو: سيّد من الصحيح لاختصاصه بالمعتل، ولا أبني من المعتل مثالا على افعوعل ويبنى منه على أفعالات، وسيبويه والخليل يبنيانه من الأول 574.
قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الإلحاق في غير تدرّب وامتحان لا يكون إلا بسماع، وعرف من كلامه أن إلحاق الكلمة بأخرى دون تنوين الأمرين لا يجوز، وكان هذا الكلام مطلقا شاملا لكل صورة تفرض من صور الإلحاق، أشار الآن بهذا الذي ذكره إلى ما هو كالاستثناء مما تقدم، وكأنه قال: لا يجوز الإلحاق دون الأمرين المذكورين، إلا إذا كان الإلحاق بتضعيف؛ فإنه يجوز كثيرا كثرة تقارب الاطراد، ولكنه لا يلحق رتبة الاطراد، يعني أنه لا يقاس، وعلم من ذلك أن الإلحاق بغير تضعيف باق على الحكم المذكور أوّلا، وهو عدم جوازه، فالذي يقارب الاطراد إنما هو الإلحاق بالتضعيف، كما إذا ألحقنا بجعفر من: قرد أو: ضرب أو: خرج، فنقول: قردد وضربب 575 وخرجج،
وإنما جاز هذا دون -
الجزء: 10 - الصفحة: 4993
................................ غيره؛ لكثرة ما جاء عن العرب من الإلحاق بالتضعيف، ويشعر كلام الشيخ بعض إشعار بأن يكون التضعيف في لام الكلمة، ولا تقييد في كلام المصنف لمّا كان تضعيف الهمزة مهملا في كلام العرب، وكذا توالي تضعيفين في كلمة دون فاصل بينهما قيّد كلامه بأن قال: بتضعيف ما ضعفت العرب مثله... إلى آخره، فعلم من هذا أن تضعيف الهمزة غير جائز، وذلك لثقلها ومن ثم جاز تحققها مفردة وإذا انضم إلى الهمزة همزة أخرى في كلمة، وجب التخفيف بإبدال إحدى الهمزتين كما تقول في أأممة: أئمّة؛ ولأجل هذا لو بني من قرأ مثل جعفر لقيل: قرأي، وكذا لا يجوز توالي تضعيفين وهو المراد بقوله: ولا بتضعيفين متصلين، ومثال ذلك أن يقال: ابن من كم مثل: جردحل؛ فلا يتصور ذلك إلا بتضعيف الميم مرتين فيقال: كمّم، وقد علل امتناع الأمرين بقوله: لإهمال العرب 576 لذلك على أن ذلك قد يفهم من قوله: ما ضعّفت العرب مثله، وإردافه ذلك بقوله: فلا تلحق بكذا ولا بكذا؛ لأن هذا الكلام يعطي أن العرب لم تفعله، فالظاهر أن قوله: لإهمال العرب لذلك تأكيد لزيادة البيان، واحترز بقوله: متصلين من أن يكون التضعيفان منفصلين، فإن العرب لم تهمل ذلك ومثاله: صمحمح، ودمكمك، وجلعلع، وهذا إنما يمتنع إذا لم يقصد التّدرّب، أما إذا قصد فيجوز الإلحاق بتضعيف الهمزة وبتضعيفين متصلين، وإلى ذلك الإشارة بقوله: فإن قصد التّدرب فلا بأس به، وذلك أن يقال: إذا بني من قرأ مثل جعفر أو زبرج أو برثن كيف تنطق به؟ فيقال: قرأى وقرئي وقرؤو، على ما هو المعروف في باب تخفيف الهمزة، ثم أشار المصنف بقوله: ولو كان إلحاقا بأعجمي... إلى آخره، إلى أن الإلحاق بالأعجمي جائز عند قصد التدرب، وكذا الإلحاق ببناء مثل منقوص، ولكن إنما يجوز ذلك عند أبي الحسن 577 في المسألتين بالشرط الذي ذكره، وقد نبّه على ذلك بقوله: وفاقا لأبي الحسن، وهو اجتناب ما اجتنبه العرب كما سيبين، ومثال - - (2/ 732، 733).
الجزء: 10 - الصفحة: 4994
................................
الإلحاق بالأعجمي: أن يبنى من ضرب اسم على وزن: صحقن وهو القار باللسان التركي 578، فيقال: ضربب، والتأليف الذي تضمنته الكلمة موجود في لسان العرب، والهيئة موجودة أيضا وهي الزنة؛ لأن فعللا موجود كدرهم، ومثال الإلحاق ببناء منقوص: أن يقال: ابن من ابن مثل يد فيقال: بن، ومثل فل فتقول:
بن، هكذا مثّل الشيخ 579، ولم يطابق هذا التمثيل لفظ الكتاب، فإنّ هذا الذي ذكره إلحاق ببناء منقوص؛ لأن يدا كلمة منقوصة، ولفظ الكتاب إنما هو ببناء مثل منقوص، ثم إنه لا إشكال في أن يقال في يد من ابن: بن، وكيف يتجه أن يمنع جواز ذلك ولا يقول بجوازه إلا أبو الحسن وحده 580؟ ولم أتحقق كيف يقرأ هذا اللفظ؟
هل بتنوين بناء وإجراء مثل صفة له، أو بإضافة بناء إلى مثل المضاف إلى المنقوص.
والمعنى المستفاد بالإضافة غير المعنى المستفاد بغيرها، وقوله: بشرط اجتناب ما اجتنبت العرب من تأليف أو هيئة، يريد به أن المجيز لذلك للمتمرّن إنما يجيزه بهذا الشرط، وأراد بالتأليف: المادة، وبالهيئة: الوزن، ومثال ما اجتنبه العرب من التأليف مادة كلمة مشتملة على نون ولام تليها، فمتى أدّى إلحاق كلمة بأخرى إلى أن يحصل ذلك - امتنع الإلحاق، وذلك بأن تبني من الجلوس اسما على وزن جنلق، وهي: الشّختورة بلسان الترك، ويقول: (جنلس) 581؛ فهذا ممتنع 582، ومثال الهيئة أن تبني من الضرب اسما على وزن دبكج، وهو: المهماز بلسان الترك، ونقول: ضربب؛ فهذا لا يجوز؛ لأن هذه الهيئة - أعني الوزن - مفقودة في اللسان العربي 583، وكذا لا يجوز أن تبنى من: الرّمي اسما على وزن مفعل فيقال:
مرم؛ لأن مفعلا في المنقوص مجتنب عند العرب إلا ما شذ من مأوى الإبل 584.
الجزء: 10 - الصفحة: 4995
[أمثلة الملحق بالخماسي]
قال ابن مالك: (وسلوك سبيل صمحمح وحبنطى في إلحاق ثلاثيّ بخماسيّ أولى من سلوك سبيل غدودن، وعفنجج، وعقنقل، وخفيدد وخفيفد واعثوجج وهبيّخ وقنوّر وضربّب ويختار إبدال ياء من آخر نحو:
ضربّب من الرّدّ ونحوه).
قال ناظر الجيش: اعلم أن المصنف أورد هنا إحدى عشرة كلمة وهي:
صمحمح، وحبنطى، وغدودن، وعفنجج، وعقنقل [6/ 138]، وخفيدد، وخفيفد، وعثوجج، وهبيّخ، وقنوّر، وضربّب، وكل منها ثلاثي الأصل وقد ألحق بالخماسي، والإلحاق لجميعها إنما هو بسفرجل، فأما صمحمح فإن الإلحاق حصل فيها بتكرير العين واللام بعد كمال أصولها؛ لأن وزنها على الأصح فعلعل 585، وأما حبنطى؛ فإن الإلحاق حصل فيها بحرفين مختلفين منفصلين دون تكرير لشيء من أصول الكلمة وأحد الملحقين، قبل كمال أصول الكلمة 586، وأما غدودن فإن الإلحاق حصل فيها بحرفين: أحدهما: غير مماثل لشيء من أصولها وهو الواو.
والآخر: مماثل للعين منها وهو الدّال، ولم يفصل بينهما مع أن أحدهما وجد قبل كمال الأصول أيضا؛ لأن النون أصل وهي متأخرة 587، وأما عفنجج فإن الإلحاق حصل فيها بالنون والجيم، وهما متصلان عند من يرى أن الزائد في التضعيف هو الأول.
وأحد الحرفين مماثل لأصل من أصول الكلمة وهو اللام 588، وأما عقنقل وخفيدد وخفيفد 589، ففيها ما في عفنجج من الإلحاق بزائدين متصلين، أحدهما مماثل لأصل من أصول الكلمة؛ إلا أن كلّا من هذه الكلم الأربع يفارق الآخر في شيء، فالإلحاق في عفنجج بزائدين: أحدهما مثل اللام، والآخر حرف تطرد -
الجزء: 10 - الصفحة: 4996
................................ زيادته، وهو النون؛ لكونها ثالثة ساكنة مفكوكة، والإلحاق في عقنقل كما هو في عفنجج، إلا أن المكرر في عقنقل مثل العين، والإلحاق في خفيدد بزائدين: أحدهما حرف يماثل أصلا من أصول الكلمة أيضا وهو اللام كما في عفنجج، لكن الحرف الآخر الذي هو غير مماثل لأصل، وهو الياء، لا تطرد زيادته، والإلحاق في خفيفد كما هو خفيدد، في أن الحرف الذي ليس بتكرير وهو الياء لا تطرد زيادته، لكن المكرر فيه مماثل للعين، فقد شابه عقنقلا في شيء وخالفه في شيء 590، والإلحاق في عثوجج كما هو في خفيدد ومن جميع الوجوه المذكورة إلا أن الحرف الذي لا تطرد زيادته في تلك الكلمة ياء، وفي هذه واو أما هبيّخ وقنور فإن الإلحاق حصل فيهما بزيادة حرفين من حروف العلة، أدغم أحدهما في الآخر، وأما ضربّب فإن الإلحاق حصل فيها بتكرير اللام، إذا عرفت هذا، فاعلم أن المصنف إنما جعل سلوك سبيل صمحمح وحبنطى في إلحاق ثلاثي بخماسي أولى من سلوك بقيّة الكلمات المذكورة؛ لثقل نحو: هبيّخ وقنوّر، من أجل تضعيف حرف العلة وثقل نحو: ضربّب لما فيه من التكرير مع توالي الأفعال، ولقلّة نحو الكلمات الباقية وهي: غدودن، وعفنجج، وعقنقل، وخفيدد، وخفيفد، وعثوجج بالنسبة إلى نحو: صمحمح، وحبنطى فإن سلوك سبيل البناءين المذكورين أولى من سلوك غيرهما من المذكورات فعلى هذا إذا قيل: ابن من ضرب مثل سفرجل، كان الأولى أن يقال: ضربرب؛ لأنه في التكرير كصمحمح أو ضربنى؛ لأنه نظير حبنطى، وغير الأولى أن يقال: ضروبب كغدودن، وضرنبب كعفنجج، وضربرب كعقنقل، وضرببب كخفيدد، وضربرب كخفيفد، وضروبب كعثوجج، وضربّب كهبيّخ، وضروّب كقنوّر، وضربّب فيأتي بحرف مضعّف من جنس لام الكلمة وأشار بقوله: ويختار إبدال الياء... إلى آخره إلى مسألة تبنى على أصل وهو أنه: إذا اجتمع في كلمة ثلاثة أمثال كما إذا أتيت بنحو: تفعّلت من الظن فقلت: تظننت جاز التخفيف في هذه الكلمة بإبدال ثالث الأمثال ياء فيقال: تظنيت وهو أمر موقوف على السماع 591، فلو كانت الأمثال أربعة وجب إبدال الرابع ياء نحو أن تبني مثل: -
الجزء: 10 - الصفحة: 4997
[ما يعرف به الزائد]
قال ابن مالك: (وجملة ما يتميّز به الزّائد تسعة أشياء: دلالته على معنى وسقوطه لغير علّة، من أصل أو فرع أو نظير، وكونه مع عدم الاشتقاق في موضع تلزم فيه زيادته أو تكثر، مع وجود الاشتقاق واختصاصه ببنية لا يقع موقعه منها، ما لا يصلح للزّيادة، ولزوم عدم النّظير بتقدير أصالته فيما هو منه أو في نظير ما هو منه).
خبعثنة من الرّدّ فيقول: رددّية (1)، ثم إن المصنف ذكر هذه المسألة بمثال آخر وهو أن تأتي بمثل: ضربّب من الرّدّ، ولا شك أن في: ضربّب ثلاثة أمثال، أحدها لام الكلمة، والآخران الحرفان اللذان حصل بهما الإلحاق بسفرجل، فإذا بني مثل ذلك مما عينه ولامه من جنس واحد في كلمة ثلاثية، ثم جاء الحرفان المماثلان للعين واللام من أجل الإلحاق، لزم اجتماع أربعة أمثال في آخر الكلمة، وذلك في غاية الثّقل فصار إبدال آخر الأمثال ياء واجبا في مثل ذلك، إن كان جائزا في ما اجتمع فيه ثلاثة أمثال نحو: تظنّيت كما تقدمت الإشارة إليه، وعلى هذا يكون وزان:
ضربّب من الرّدّ: رددّد، فإذا حصل
الإبدال
قيل: رددّى الأصل: رددّي قلبت الياء ألفا؛ لوجود العلّة المقتضية لذلك (2)، ولما تكلّم المصنف على هذه المسألة في إيجاز التعريف وذكر أنه يقال في مثل خبعثنة من الردّ: رددّية؛ أردف ذلك بقوله: ومن قال: أميّيّ فجمع في النسب أربع ياءات، قال في هذا المثال: رددّدة 593، كذا قال أبو الحسن في تصريفه 594. انتهى.
فقوله في التسهيل: ويختار إبدال ياء ظاهره يقتضي أنه يوافق رأي أبي الحسن في إجازة الجمع في نحو المثال المذكور بين أربعة أمثال 595، ولكنه يرى أن مذهب غيره - وهو الإبدال - أولى، وهو خلاف ما يعطيه ظاهر كلامه في إيجاز التعريف ويحتمل أن يحمل قوله: ويختار على أنه اختار مذهب غير أبي الحسن، وهو وجوب الإبدال على مذهب أبي الحسن، فلا يكون الاختيار متعلقا بالإبدال لكنّه خلاف الظاهر.
قال ناظر الجيش: ذكر رحمه الله أن جملة ما يتميز به الحرف الزائد من الحرف الأصلي -592
الجزء: 10 - الصفحة: 4998
................................
(تسعة) 596 أشياء 597: الأول: دلالته على معنى، كحروف المضارعة، وألف فاعل، وتاء اقتدر، وميم اسم الفاعل، والمفعول، وياء التصغير.
الثاني: سقوطه من أصل كسقوط همزة أحمر من الحمرة فإن الحمرة أصل لأحمر؛ لكونها مصدر، وقد سقطت الهمزة منها 598. الثالث: سقوطه من فرع كسقوط الياء من: أيصر في إصار الذي هو جمعه 599. الرابع: سقوطه من نظير، ومثاله: أيطل وإطل، استدل على زيادة الياء في: أيطل بسقوطها في: إطل 600، وقول المصنف: لغير علّة، قيد في الأنواع الثلاثة فلو كان سقوطه من أصل أو فرع، أو نظير لعلّة لم يكن ذلك دليلا على زيادته، فمثال سقوطه من أصل لعلّة سقوط الواو في: عدة، فلا يكون ذلك دليلا على زيادتها في: وعد؛ لأنها إنما سقطت من الأصل لعلّة 601 ستعرفها إن شاء الله تعالى.
ومثال سقوطها من فرع لعلّة: يعد فإن أصله: يوعد، وسقطت الواو للعلة المعروفة 602، ومثال سقوطها من نظير [6/ 139] لعلّة عدة فإنها نظير الوعد؛ إذ هما مصدران، ولكن سقوط الواو من عدة لعلّة كما عرفت، فلا يحكم بزيادتها في النظير الذي هو الوعد.
الخامس: كونه مع عدم الاشتقاق في موضع يلزم فيه زيادته مع وجود الاشتقاق، يعني أنه إذا وجد حرف من حروف الزيادة في كلمة لا يعلم لها اشتقاق وكان ذلك الحرف في موضع يلزم فيه زيادته في ما علم اشتقاقه؛ حكم على الحرف المذكور بالزيادة ومثال ذلك النون من غضنفر، فإنّه يحكم بزيادتها 603 مع كونها في كلمة لا يعرف لها اشتقاق؛ وذلك لأن كل -
الجزء: 10 - الصفحة: 4999
................................
ما وجد من هذا النوع - أعني ما ثالثه نون ساكنة وبعدها حرفان - وعلم اشتقاقه؛ كانت زائدة نحو: جحنفل للعظيم الجحفلة، وحبنطى من حبط بطنه، ودلنظى من دلظه أي: رفعه 604. السادس: كونه مع عدم الاشتقاق في موضع يكثر فيه زيادته في ما علم الاشتقاق، يعني أنه إذا وجد حرف من حروف الزيادة في كلمة لا يعلم لها اشتقاق وكان ذلك الحرف في موضع يكثر فيه زيادته في ما علم اشتقاقه، حكم على الحرف المذكور بالزيادة حملا على الأكثر، ومثال ذلك: الهمزة إذا وقعت أوّلا قبل ثلاثة أحرف؛ فإنها يحكم عليها بالزيادة، وإن لم يعلم الاشتقاق للكثرة، ما وجدت فيه زائدة في ما عرف اشتقاقه، ومثال ذلك الهمزة في أفكل فإنّها يحكم عليها بالزيادة 605 وإن لم يعرف للكلمة اشتقاق؛ لأن الهمزة قد علمت زيادتها بالاشتقاق في نحو: أحمر، وقد علمت من هذا أن تقدير كلام المصنف وكونه مع عدم الاشتقاق في موضع يلزم فيه زيادته مع وجود الاشتقاق، أو يكثر مع وجود الاشتقاق؛ فاختصر بحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه.
السابع: اختصاصه ببنية لا يقع موقعه منها ما لا يصلح للزيادة؛ يعني أن اختصاص الحرف ببنية لا تقع موقع الحرف من تلك البنية حرف لا يصلح للزيادة أي: ليس من حروف سألتمونيها، دليل على زيادته، ومثال ذلك: النون في حنطأو، وكنثأو، وأخواتهما المتقدمة الذكر، فإنّ وزن كل واحد منهما فنعلو، والنون فيها زائدة؛ لأنها اختصت بموضع لا يقع فيه حرف أصلي، فدلّ ذلك على زيادتها.
الثامن: لزوم عدم النظير بتقدير أصالته في ما هو منه، ومثال ذلك: الواو في ملوظ 606؛ فإنه يحكم عليها بالزيادة وعلى الميم بالأصالة فوزنه: فعول، وهو بناء موجود كعتود للحيّة، وعثول للكثير الشعر، ولو حكم على الواو بالأصالة لزم الحكم على الميم بالزيادة، فيكون وزنه:
مفعلا وهو بناء مفقود، هكذا مثّلوا لذلك، وفيه نظر؛ لأنهم قالوا: إنه مشتق من الملظ، وإذا كان مشتقّا فالاشتقاق هو الذي دلّ على زيادة الواو، والأولى أن يمثل -
الجزء: 10 - الصفحة: 5000
................................
لذلك بنحو: غزويت 607؛ فإن التاء فيه يحكم عليها بالزيادة، إذ لو حكم عليها بالأصالة لكان وزنه فعويلا، وهو بناء مفقود في لسانهم، فوجب الحكم عليها بالزيادة؛ ليكون وزنه فعليتا وهو بناء موجود كعفريت.
التاسع: لزوم عدم النظير بتقدير أصالته في نظير ما هو منه، ومثال ذلك: التاء الأولى المضمومة في: تتفل؛ فإنّه محكوم بزيادتها، مع أنه لا يلزم من تقدير أصالتها عدم النظير؛ لأن فعللا موجود كبرثن؛ ولكنّها حكم بزيادتها؛ لأنه يلزم من تقدير أصالتها عدم النظير في لغة من قال: تتفل بفتح التاء؛ لأنّه يؤدّي إلى أنه وزنه: فعلل، وهو بناء مفقود 608، وكذلك: نرجس بكسر النون؛ فإنّه يحكم على نونه بالزيادة وإن كان له نظير في اللغة لو حكم عليها بالأصالة، وهو: زبرج، ولكن يلزم من القول بأصالتها عدم النظير في لغة من قال: نرجس بفتح النون؛ لأن الحكم فيه بزيادة النون واجب؛ لأن الحكم بأصالتها يقتضي أن يكون وزنه فعللا، وهو بناء مفقود 609، فالقول بأصالة التاء في: تتفل بالضم، وبأصالة النون في: نرجس بالكسر يؤدي إلى عدم النظير، في نظير ما هو منه، وهو تتفل بفتح التاء، ونرجس بفتح النون.
انتهى شرح كلام المصنف.
واعلم أن هذه الأمور التي ذكرها قد يرجع بعضها إلى بعض، ويدخل أحدها في آخر مع أنه لم يدخل الاشتقاق صريحا، وهو أقوى الأدلّة، ومقدّم على سائرها في الاستدلال به على الزيادة، والحق انحصار الأدلة التي يتميز بها الزائد في ثلاثة أمور، وهي: الاشتقاق، وعدم النظير، وغلبة الزيادة في الحرف، وما ذكر زائدا على هذه الثلاثة يمكن ردّه إليها، أما كون الحرف دالّا على معنى كحروف المضارعة مثلا، فلا شك أن هذا يرجع إلى دليل الاشتقاق، على أن حرف المضارعة لا دلالة له وحده، ولكنه جزء من الدال فله مدخل في الدلالة، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5001
................................
أما أنه دالّ بنفسه خاصة على المعنى المقصود؛ فلا يتحقق ذلك فيه، وأما سقوطه من أصل؛ فواضح كون الاشتقاق هو الذي دلّ على الزيادة، وأما سقوطه في فرع، والتمثيل لذلك بأيصر وإصار فلا يتم؛ لأن الجوهري يدل كلامه على أن إصارا مرادف لأيصر، لأنه قال: الأيصر والإصار: حبل قصير يشدّ به أسفل الخباء إلى وتد، وجمع الإصار: أصر وجمع الأيصر: أياصر 610. انتهى.
وإذا كان كذلك لم تكن الياء في: أيصر زائدة؛ بل تكون أصلا، ويكون وزنه: أفعل، وأما سقوطه من نظير، والتمثيل له بأيطل وإطل فلا يظهر؛ لأنه يمكن أن يدعي أن كلّا منهما أصل، وأن اللفظ له مادتان إحداهما الفاء فيها همزة، والأخرى الفاء فيها ياء، وأما كونه مع عدم الاشتقاق في موضع يلزم فيه زيادته مع وجود الاشتقاق والتمثيل له بغضنفر، وكذا كونه مع عدم الاشتقاق في موضع يكثر فيه زيادته مع وجود الاشتقاق، والتمثيل له بأفكل، فهذان القسمان يشملهما دليل غلبة الزيادة في الحروف وهو ظاهر، وأما اختصاصه ببنية لا يقع موقعه منها، ما لا يصلح للزيادة والتمثيل له بنحو: حنطأو؛ فيشمله دليل عدم النظير، وأما لزوم عدم النظير بتقدير الأصالة، والتمثيل له بعزويت، وكذا لزوم عدم النظير بتقدير أصالته في نظير ما هو منه، والتمثيل له بنحو: تتفل بضم التاء، فهذان القسمان يشملهما دليل عدم النظير؛ فالحاصل: أن التسعة التي ذكرها المصنف منها أمران يرجعان إلى دليل الاشتقاق؛ وهما: دلالة الحرف على معنى، وسقوطه من أصل، ومنها ثلاثة أمور ترجع إلى دليل عدم النظير؛ وهي: اختصاصه ببنية لا تقع موقعه منها ما لا يصلح للزيادة كحنطأو، ولزوم عدم النظير بتقدير الأصالة فيما هو منه، ولزوم عدم النظير بتقدير أصالته في نظير ما هو منه، ومنها أمران يرجعان إلى دليل غلبة الزيادة في الحرف، وهما كونه مع عدم الاشتقاق في موضع يلزم فيه زيادته مع وجود الاشتقاق وكذا كونه مع عدم الاشتقاق في موضع يكثر فيه [6/ 140] زيادته مع وجود الاشتقاق، ومنها فرعان لا يتحققان؛ وهما: سقوط الحرف من الفرع كأيصر وإصار، وسقوطه من نظير كأيطل وإطل، كما تقدمت الإشارة إليهما.
الجزء: 10 - الصفحة: 5002
[الإبدال
611]
قال ابن مالك: (فصل: يجمع حروف البدل الشّائع في غير إدغام قولك: لجدّ صرف شكس آمن طيّ ثوب عزّته، والضّروريّ في التّصريف هجاء: طويت دائما، وعلامة صحّة البدليّة الرّجوع في بعض التّصاريف إلى المبدل منه لزوما أو غلبة، فإن لم يثبت ذلك في ذي استعمالين فهو من أصلين).
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن علم التصريف علم يتعلق ببنية الكلمة وما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال وشبه ذلك، فكان علم التصريف نوعان: نوع يتعلق ببنية الكلمة وما لحروفها من أصالة وزيادة، ونوع يتعلق بالصحة والإعلال، وقد انقضى كلام المصنف على النوع الأول، ومن هاهنا ابتدأ الشروع في النوع الثاني، ولا يخفى أن هذا - أعني الإعلال - هو المقصود الأعظم من علم التصريف، ومن هنا قيل: التصريف تحويل الكلمة من بنية إلى غيرها؛ لغرض لفظي أو معنوي، وقد تقدم لنا أن هذا الباب قصره المصنف على ذكر التحويل الراجع إلى الغرض اللفظي فقط، ولا شك أن هذا هو الإعلال، والإعلال إبدال، وحذف وقلب، أعني تقديم حرف وتأخير حرف، لكن جلّ الأمر إنما هو الإبدال، وأما الحذف والقلب فالأمر فيهما سهل، وقد أوردهما المصنف في فصلين بعد أن أنهى الكلام على الإبدال 612، ثم اعلم أن أكثر المصنفين يجعلون الإعلال، والإبدال بابا، ويخصون الإعلال بتغير حروف العلة وهي: الياء، والواو، والألف، ثم إنهم في باب الإبدال يذكرون إبدال بعض أحرف العلة من بعض - أيضا - فيعيدون ذكر ما ذكروه في (باب) 613 الإعلال، ثم إنهم لا يقتصرون في ذكر الإبدال على ذكر البدل القياسي، بل يدرجون معه ذكر البدل الشاذ، وأما المصنف -
الجزء: 10 - الصفحة: 5003
................................
فإنّه جعل البابين واحدا وعبّر عنه بالإبدال، ولكنّه قصر الباب على البدل الضروري في التصريف، وهو اللازم الذي لا بدّ منه، على أنه تعرّض لغير الضروري بعد ذلك في فصل مفرد 614، ويظهر أن الذي فعله المصنف أولى وأقرب إلى الضبط، وأجمع لخاطر الناظر في هذا الفن، فرحمه الله تعالى، وجزاه عن صنيعه أفضل الجزاء بمنه وكرمه، وإذا تقرر هذا فاعلم أن المصنف ذكر أوّلا الحروف التي تبدل من غيرها بدلا شائعا جامعا لها في الكلم التي
تضمنها متن الكتاب، وهي اثنان وعشرون 615 حرفا: اللّام، والجيم، والدّال، والصّاد، والرّاء، والفاء، والشّين، والكاف، والسّين، والهمزة، والألف، والميم، والنون، والطّاء، والياء، والثّاء، والواو، والباء، والعين، والزّاي، والتّاء، والهاء.
وبسكوته عن باقي حروف المعجم علم أن غير المذكورات لا تبدل عن غيره، وهي: الحاء، والخاء، والذّال، والضّاد، والظّاء، والغين، والقاف.
واحترز بقوله: الشائع من إبدال الذّال من الدّال، قرأ الأعمش 616 (فشرّذ بهم مّن خلفهم) 617 بذال معجمة 618 قال ابن جني: لم يمرّ بنا في اللغة تركيب: (ش ر ذ)، وأوجه ما يصرف إليه ذلك أن تكون الذال بدلا من الدال كما قالوا: لحم خرادل وخراذل، والمعنى الجامع لهما أنهما مجهوران ومتقاربان 619، وخرّج الزمخشري قراءة الأعمش على أنه من باب ما قلبت فيه لام -
الجزء: 10 - الصفحة: 5004
................................ الكلمة فجعلت مكان العين، والعين مكان اللام من قولهم: شذر مذر أي: فرّق بهم من خلفهم 620، ولما كان البدل لأجل الإدغام لا يختص بهذه الحروف؛ بل يكون في حروف المعجم كلها إلا الألف أخرجه بقوله: في غير إدغام ثم أشار إلى الضروري في التصريف من هذه الحروف يعني الذي يكون فيه البدل لازما لا محيد عنه، لعلّة موجبة تبين في علم التصريف، ثمانية أحرف: الطّاء، والواو، والياء، والتّاء، والدّال، والألف، والهمزة، والميم، وهي التي تضمنها هجاء (طويت دائما) ولم يذكر المصنف الهاء في هذا الكتاب مع هذه الأحرف، مع أنه ذكرها في بقية كتبه معها 621، فجعل الأحرف التي تبدل تسعة، ويظهر أن الاقتصار على ثمانية الأحرف أولى؛ فإن الهاء إنما تبدل سماعا من الهمزة في هرقت، وهرحت 622، وهيّاك 623 ولهنّك 624، وهن فعلت في طيئ 625، وهذا الذي في: إذا الذي وشذوذا من الألف في: أنه، وحيّهله ومه مستفهما 626، والبدل المتكلم فيه الآن؛ إنما هو الذي يطّرد ويكون مقيسا، وأما بدل الهاء من التاء في الوقف على مثل: رحمة، وإن كان مطردا فلا يعد من البدل المقصود في الإعلال؛ لأنه إنما صار لعارض وهو الوقف، لا لأمر يرجع إلى الكلمة في ذاتها، وإذا كان بدل الهاء من غيرها إما مسموعا، أو شاذّا أو لعارض فلا ينبغي أن يذكر مع الحروف التي تبدل من غيرها -
الجزء: 10 - الصفحة: 5005
................................
قياسا مطّردا لأمور ذاتية.
وأما قول المصنف: وعلامة صحة البدليّة إلى آخره، فأشار به إلى أمر وهو أنه إذا وجدنا كلمة يختلف بعض حروفها في الاستعمال، فيكون لها استعمالان بحرفين مختلفين، ومدلولها في الحالين لا يتغير، فقد يكون أحد الحرفين بدلا من الآخر؛ فيحكم إذ ذاك بأن إحدى الكلمتين أصل والأخرى فرع، وقد لا يكون ثم بدل أصلا فيحكم حينئذ بأن الكلمتين من أصلين، فقال: إن علامة صحة البدليّة الرجوع في بعض التصاريف إلى المبدل لزوما، أو غلبة، فمثال الرجوع لزوما قولهم: جدث وجدف، الفاء بدل من الثاء، لأنهم لما جمعوه قالوا:
أجداث على جهة اللزوم 627، ومثال الرجوع غلبة: وحد وأحد، وأفلت وأفلط، فالهمزة بدل من الواو، والطاء بدل من التاء، فإن الغالب في الاستعمال أفلت بالتاء ووحد بالواو هكذا مثله الشيخ 628، وفيه نظر؛ فإنّ أفلت بالتاء ليس بعض تصاريف الكلمة؛ بل هو نفس الكلمة، وكذا وحد - أيضا - على أن الغالب إنما هو استعمال أحد، ولو قال الشيخ: إنما قيل: الطاء بدل من التاء؛ لأنهم قالوا: في المصدر: إفلات ولم يقولوا: إفلاط، وإنما قيل: إن الهمزة بدل من الواو؛ لأنهم قالوا: وحد وتوحد، ووحدة، فكان أقرب، هذا إن ثبت أنهم لم يقولوا في المصدر: إفلاط بالطاء.
ثم قال المصنف: فإن لم يثبت ذلك أي: الرجوع إلى المبدل في بعض التصاريف لزوما أو غلبة في ذي استعمالين أي: في لفظ ذي استعمالين فهو من أصلين أي:
يحكم بأن ذلك اللفظ من أصلين، ومثال ذلك: وكّد، وأكّد، وورّخ، وأرّخ؛ لأنهم قالوا: أكّد ووكّد ويؤكّد وتؤكّد وأكّد ووكّد، وأرّخ وورّخ ويؤرّخ ويورّخ وورّخ وأرّخ.
فلم يغلب أحد الاستعمالين الآخر؛ فحكم بأن الواو أصل [6/ 141]، والهمزة أصل 629.
الجزء: 10 - الصفحة: 5006
[إبدال الهمزة من حروف اللين
630]
قال ابن مالك: (فصل تبدل الهمزة وجوبا من كلّ حرف لين يلي ألفا زائدة متطرّفا.
أو متّصلا بهاء تأنيث عارضة، وربّما صحّح مع العارضة، وأبدل مع اللّازمة).
قال ناظر الجيش: قد علم أن البدل الضروري في التصريف إنما هو لثمانية الأحرف المتقدمة الذكر 631 وينبغي أن
يعلم بعد هذا أن أربعة منها أقلّ الأحرف بدلا وهي: التّاء، والطّاء، والدّال، والميم، فإن التاء إنّما تبدل من الياء والواو إذا وقعا فاءين في الافتعال وحروفه كاتّسر واتّعد 632، والطاء إنّما تبدل من تاء الافتعال وفروعه إذا وقعت التاء بعد أحد أحرف الإطباق 633 كاصطبر واضطرب، واطّعنوا، واظطلموا، والدّال إنّما تبدل من تاء الافتعال وفروعه إذا وقعت التّاء بعد الدّال أو الزّاي أو الذّال 634، كادّان، وازداد، وادّكر 635، وهي افتعل من دان، وزاد، وذكر، والميم إنما تبدل من النون الساكنة الواقعة قبل ياء نحو: من يعد، ولا يبدل شيء من هذه الأربعة المذكورة في غير ما ذكر، وقد ذكر المصنف الثلاثة الأول في فصل، وذكر الرابع ضمن فصل آخر 636. ولا شك أن شيئا من هذه الأربعة لا يحتاج في إبداله من غيره إلى عمل فوجب أن يكون جلّ الأمر ومعظمه إنما هو في إبدال الأحرف الأربعة الأخر وهي: الهمزة وأحرف العلة - أعني الياء والواو والألف - ثم إن الهمزة إنما تبدل من أحرف العلة الثلاثة خاصة ولم تبدل من غيرها أعني في البدل التصريفي وهو الذي نحن بصدده، وأما أحرف العلّة فإن كلّا منها تبدل من الهمزة، ويبدل كل منها من الآخر، فالتكافؤ واقع بينها في الإبدال، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5007
................................ وكذا هو واقع بينها وبين الهمزة، وسترى ذلك مفصلا بعون الله تعالى وتوفيقه، وقد ابتدأ المصنف بذكر إبدال الهمزة من غيرها، ولا شك أن الهمزة تبدل من الياء، والواو، والألف في مواضع، فتبدل من الواو والياء الواقعين طرفا لفظا أو حكما بعد ألف زائدة، فالواقع طرفا لفظا نحو: كساء، ورداء، ودعاء، وبناء، وجراء، وظباء؛ الأصل: كساو، ورداي، ودعاو، وبناي، وجراو، وظباي جمعا: جرو، وظبي، والمراد بالواقع طرفا حكما ما ختم بتاء التأنيث غير لازمة، وهي التي لم تبن الكلمة عليها وذلك نحو: قولهم في عظاء: عظاءة 637، وفي بناء: بناءة، وفي دعاء: دعاءة، أما إذا اختتمت الكلمة بتاء تأنيث لازمة وهي التي بنيت الكلمة عليها؛ فإنه يجب تصحيح الياء والواو، وذلك نحو: هداية، وحماية، وسعاية، وعلاوة، وإداوة، وهراوة 638؛ إذ لم يقع حرف العلة طرفا لا لفظا ولا حكما، بل لتحصّنه بتاء التأنيث اللازمة صار وسطا، وإلى ذلك كلّه أشار المصنف بقوله: تبدل الهمزة وجوبا من كل حرف لين يلي ألفا زائدة متطرفا أو متصلا بهاء تأنيث عارضة، فحرف اللين يشمل: الياء والواو، واحترز بالألف الزائدة عن الأصلية، فلا يبدل ما يليها نحو: زاي وواو؛ لئلا يتوالى إعلالان؛ لأن الألف منقلبة عن أصل هو عين الكلمة؛ فلا يجوز إعلال اللام مع إعلال العين، لما يلزم من توالي إعلالين، هكذا عللوا، وقد يقال: إنما يمتنع توالي إعلالين إذا كانا من نوع واحد، أما إذا اختلف الإعلالان فجائز كما في: ماء، فإن أصله: موه 639 فقد أعلت العين واللام، وكان الواجب أن يقال: ياي، ولكنهم قالوا: ياء بالإبدال، وقد تقدم الكلام على هذه -
الجزء: 10 - الصفحة: 5008
................................
الكلمة، وأن الكلام فيها على خلاف القياس.
واحترز بالتطرف من: تعاون وتباين، فإن الواو والياء فيهما ليسا بمتطرفين، ثم أشار إلى التطرف الحكمي بقوله:
أو متصلا بهاء تأنيث عارضة، وإنما قال: وجوبا؛ لأنه سيذكر أن الواو والياء قد تبدل منهما همزة على سبيل الجواز، لا على سبيل الوجوب، وذلك في موضع خاص؛ فإن قيل: قد تقدّم أن المصنف قصر هذا الباب على البدل الضروري في التصريف، وهو اللازم الذي لا بد منه، فكيف يذكر البدل الجائز؟ فالجواب: أنه إنما يذكر البدل اللازم، لكنّه إذا ذكر إبدال حرف من حرف وكان ذلك الحرف بعينه يبدل جوازا في مكان آخر، يذكره على سبيل
الاستطراد، واستيفاء الكلام على إبدال ذلك الحرف من غيره وجوبا وجوازا، وهذا منه في غاية الحسن، أما أنه يذكر شيئا من الإبدال الجائز ابتكارا فلا، والمشهور في تعليل إبدال الهمزة من الحرفين المذكورين في مثل: كساء، ورداء، ونحوهما: أن حرف اللين تحرّك وقبله فتحة مفصولة بحاجز غير حصين، وهو الألف الزائدة، وانضم إلى ذلك أنه في مظنّة التغيير وهو الطرف، فقلب ألفا، كما إذا تحرك وانفتح ما وليه نحو: دعا، ورمى، فالتقى ساكنان لا يمكن حذف أحدهما للإخلال، فقلبت الثانية همزة؛ لأنها من مخرج الألف، فظهرت الحركة التي كانت لها 640، وقد صرّح المصنف بهذا التعليل في إيجاز التعريف، مع قوله أوّلا: إن الهمزة في مثل ذلك تبدل من الياء والواو بالقيد الذي ذكر.
لكن مقتضى هذا التعليل أن يكون في الكلمة عملان، وهما:
إبدال الألف من واو وياء ثم إبدال الهمزة من الألف، وعبارة المصنف لا تعطي ذلك؛ بل ظاهره أن الهمزة أبدلت من الواو والياء ابتداء.
وكذا عبارة الشيخ أبي علي في الإيضاح 641، تقتضي أن الهمزة أبدلت من الواو والياء، وهذا أقرب عملا، وتكون العلّة في الإبدال: أن حرف العلّة لا يقوى على الحركة إذا كان قبله ألف لا أصل لها في الحركة، فلذلك أبدلت همزة - لما فيها - بين الهمزتين، وحروف العلّة من التكافؤ في الإبدال، وقد أورد الشيخ على عبارة المصنف إيرادا، وهو أنه قد -
الجزء: 10 - الصفحة: 5009
................................
يوجد حرف لين يلي ألفا زائدة وقد تطرف، ومع ذلك لا تبدل همزة، ومثال ذلك قولهم: غاويّ في النسب إذا سمّينا به ورخّمناه على لغة من لا ينتظر الحرف؛ فإنك تقول: يا غاو بضم الواو، ويصدق عليه أنه حرف لين، يلي ألفا زائدة؛ لأنها فاعل وقد تطرفت ومع ذلك لا تبدل همزة 642. انتهى.
ولا يرد ذلك على المصنف؛ لأن الحرف الذي هو الواو في يا غاو، وإن كان متطرفا صورة ليس بمتطرف في الأصل؛ لأن الواو عين الكلمة، واللام محذوفة؛ حذفت لأجل ياء النسب، ثم استمر الحذف بعد التسمية والترخيم، والمصنف إنما يريد بالمتطرف ما هو طرف في الأصل لاما وقع طرفا في الصّورة، وهو حشو في الأصل، ثم إن المصنف لما قرّر أن الإبدال المذكور في الكلمة المختتمة بتاء التأنيث إنما يكون مع التاء العارضة، ولا يكون مع اللازمة نبّه على أنه قد يكون الأمر فيهما على العكس بقوله: وربّما صحح مع العارضة وأبدل من اللازمة، فمثال الأول التصحيح مع العارضة شقاوة وصلاية،
وأما الإبدال مع اللازمة فقد مثل الشيخ له بما ورد [6/ 142] في المثل وهو قولهم:
«اسق رقاش فإنها سقّاية» 643، قال: فصححوا الياء؛ لأن المثل لا يغير فأمن سقوط التاء منه فأشبه ما وضع على التاء بدأة فجرى مجراه 644. ولا يظهر لي مناسبة هذا المثال لهذا الحكم؛ فإنّه لا إبدال في سقّاية؛ وإنما ينبغي أن يمثل بسقّاية في القسم الأول، وهو الذي صحح فيه الحرف مع التاء العارضة، ثم يعلل التصحيح بما تقدم من أنه مثل، والمثل لا يغيّر، فأمن سقوط التاء منه، والواجب أن يمثل لذلك بنحو:
حمأة وهراة، لو ورد مثلا.
ثم قال الشيخ: لا اختصاص لهاء التأنيث بالنسبة إلى العروض واللزوم بما ذكره، بل زيادتا التثنية تجري مجرى هاء التأنيث، فإن لم تبن الكلمة عليهما جاز الوجهان يعني التصحيح والإبدال، وإن بنيت عليهما فلا إبدال بل يبقى حرف اللين بحاله كثنايين 645. انتهى.
وإنما لم يذكر المصنف ذلك هنا؛ -
الجزء: 10 - الصفحة: 5010
[إبدال الهمزة وجوبا]
قال ابن مالك: (وتبدل الهمزة - أيضا - وجوبا من كلّ ياء أو واو وقعت عينا لما يوازن فاعلا أو فاعلة من اسم معتز إلى فعل معتلّ العين، أو اسم لا فعل له، ومن أوّل واوين صدّرتا وليست الثّانية مدّة غير أصليّة، ولا مبدلة من همزة، فإن عرض اتّصالهما بحذف همزة فاصلة فوجهان).
لأنه قد تقدّم له ذكره في باب كيفية التثنية وجمعي التصحيح 646، وأما تاء التأنيث فلم يتقدم لها ذكر فاحتاج إلى أن نذكرها.
قال ناظر الجيش: هذان موضعان آخران تبدل الهمزة - أيضا - فيهما وجوبا من ياء أو واو، الموضع الأول: كل اسم فاعل أعلت عين فعله، إذا كان موازنا فاعلا أو فاعلة كبائع وبائعة، وطائع وطائعة أصلها: بايع وبايعة، وطاوع
وطاوعة؛ فتحركت الياء والواو مع ضعفها بمجاورة الطرف، وتقدم إعلالهما في الفعل، وكان قبل كل واحدة منهما فتحة مفصولة بألف زائدة فنوي سقوطها واتصال الفتحة فانقلبت الفاء، فالتقت ألفان في اللفظ، فتحركت الثانية وانقلبت همزة وكان ذلك أولى من حذف إحدى الألفين؛ لأن الحذف يوقع في الإلباس 647، قال المصنف:
وربما أوثر حذف إحدى الألفين نحو قولهم في شائك: شاك، فلو صحّت العين في الفعل كحيي وقوي - صحّت في اسم الفاعل كحاي وقاو وكذا عين فهو: عاين، وعور فهو عاور، وظاهر كلام المصنف في متن التسهيل أن الهمزة أبدلت من الياء والواو، ولكنه ذكر في إيجاز التعريف ما ذكرته آنفا.
وإذ قد عرفت هذا فقول المصنف: وقعت عينا قيد للمسألة؛ لأن الياء والواو إذا وقعت فاء أو لاما كان لها حكم غير هذا.
وقوله: لما يوزان فاعلا أو فاعلة عبارة حسنة؛ لأن اسم الفاعل إذا لم يكن على هذا الوزن لا يعل هذا الإعلال وإن أعلّت عينه في الفعل، وذلك - - لم يهمز؛ لأنه لفظ جاء مثنى لا يفرد واحده فيقال: «ثناء».
اللسان «ثنى»، وانظر: الممتع (1/ 327)، والمنصف (2/ 132).
الجزء: 10 - الصفحة: 5011
................................
نحو: مطيل ومنيل، فإنهما من: أطال وأنال ولما قال: لما يوزان فاعلا أو فاعلة، احتاج إلى أن يقول: من اسم معتز إلى فعل؛ فليس ذلك احترازا من شيء خيف دخوله، ولا من شيء خيف خروجه.
وقوله: معتل العين، قد عرفت أن ذلك شرط لإعلال اسم الفاعل المذكور، ولو قال: معلّ العين كان أولى، فإن نحو: عين، وقوي، وعور وصيد، وشوي، يصدق عليه أنه معتل العين؛ لأن عينه حرف علّة، ومع هذا فاسم الفاعل منها لا إبدال فيه، بل يجب فيه التصحيح وقوله: أو اسم لا فعل له قد ثّلوا له بحائز وحائزة، قالوا: فإنهما اسمان لا فعل لهما، والحائز:
البستان، قال الشاعر:
4293 - صعدة نابتة في حائز... أينما الرّيح تميّلها تمل 648
والحائزة: خشبة تعمل في وسط السقف.
الموضع الثاني: كل كلمة صدّرت بواوين فإنه يجب إبدال الهمزة من أول الواوين ولكنّ ذلك مقيد بقيد؛ وهو أن لا تكون الثانية مدّة زائدة ولا مدّة مبدلة من همزة، أما إذا كانت الثانية غير مدّة كأواصل جمع: واصلة، وأويصل تصغير واصل 649، أو مدّة غير زائدة كالأولى، أصله الوولى؛ لأنه مؤنث، فإن الإبدال - أعني إبدال الهمزة من الواو
الأولى - واجب، ومثال ما لا يجب فيه الإبدال المذكور مما الثانية فيه مدّة مزيدة: ووفي وووري: الأصل: وافي وواري، مبنيّا للمفعول، ومما الثانية فيه مبدلة من همزة: الوولى مخفف: الوؤلي أنثى: الأوأل أفعل تفضيل من: وأل إذا لجأ 650، وإلى هذين الأمرين أشار المصنف بقوله: -
الحديث: 4293 - الجزء: 10 - الصفحة: 5012
................................
وليست الثانية مدّة غير أصلية ولا مبدلة من همزة فاشترط لوجوب إبدال الهمزة من الواو الأولى أن ينتفي عن الواو الثانية كونها مدّة غير أصلية، وكونها من همزة ففي مثل: أواصل وأويصل وأول انتفى كونها مدّة، وفي الأولى انتفى كونها غير أصلية مع كونها مدّة فكان الإبدال فيهما واجبا في مثل: ووفي وووري، لم ينتف كون الثانية مدّة زائدة؛ بل ثبت كونها مدة زائدة، وفي مثل: الوولى أنثى الأوأل، لم ينتف كونها مبدلة من همزة؛ بل ثبت كونها مبدلة منها، فكان الإبدال فيها غير واجب، وقد أورد المصنف هذه المسألة في إيجاز التعريف إيرادا حسنا فقال: تبدل الهمزة - أيضا - من أول واوين وقعتا أول الكلمة، وليست الثانية مدة مزيدة أو مبدلة، والمراد بالمدة كونها ساكنة بعد ضمة كأويصل تصغير واصل، أصله:
وويصل؛ الواو الأولى فاء الكلمة، والثانية بدل من ألف فاعل؛ فاستثقل تصدير واوين فأبدل من أولاهما همزة؛ لأن الهمزة وإن لم تؤاخ الواو فهي مؤاخية لأختها وهي الألف، من حيث إنها من مخرجها ونائبة عنها في الزيادة أوّلا كما سبق ذكره.
وكانت الأولى أحق بالإبدال؛ لأن الهمزة لا تغيّر إذا كانت أوّلا، بخلافها إذا كانت غير أول، فلو كانت الثانية مدّة مزيدة أو مبدلة أو من زائد لم يجب إبدال الأولى همزة؛ لأن الثانية عارضة لضم ما قبلها أو شبيهة بما
هو كذلك؛ فالعارضة في بناء فعيل من: ويس، وفاعل وفيعل من: وعد لما لم يسمّ فاعله، وذلك وويس، وووعد فالثانية في وويس بدل من أصل 651، وفي ووعد بدل من ألف فاعل وياء فيعل، فهي واو في اللفظ غير واو في التقدير، فلم يستثقل اجتماعهما، والشبيه بالعارضة كثانية فوعل من: الوعد مبنيّا لما لم يسمّ فاعله، فإنك تقول فيه أيضا: ووعد دون إبدال؛ لأن الثانية وإن كانت واوا في الحالين لكنّها أشبهت المنقلبة من ألف فاعل بزيادتهما وعروض مدّها، وكذلك لو كان مدّها غير عارض مع زيادتها، كبناء مثل: طومار من الوعد، فإنك تقول فيه أيضا: ووعاد 652 دون [6/ 143] إبدال؛ لأن الواو الثانية وإن كان مدّها غير متجدد لكنها على كل حال مدة زائدة؛ فلم تخل من التشبه بالمنقلبة عن ألف فاعل، بخلاف ما لو كانت غير -
الجزء: 10 - الصفحة: 5013
................................
زائدة كالعين من أولى، وأصلها: وولى على وزن فعلى، فأبدلت الواو الأولى همزة؛ لأن الثانية غير عارضة ولا شبيهة بالعارضة 653. انتهى.
وعلم منه أن الواو الثانية متى كانت مبدلة من غيرها سواء أكان ذلك همزة أم غير همزة؛ لا يجب إبدال الأولى، وعلى هذا فقد كان يكفي أن يقول: ولا مبدلة ويقتصر على ذلك، ولا حاجة إلى قوله: من همزة؛ فإن في ذلك قصورا عن المراد.
والذي يظهر لي أن الواجب لهذا العمل من المصنف وتحرير القيود لهذه المسألة:
إنما هو وجوب البدل في نحو: الأولى مع كون الثانية مبدلة، لكنها غير مزيدة ولا مبدلة من شيء؛ فاحتاج إلى ذلك ليدخل في الواجبة الإبدال نحو: الأولى، ويخرج ما عداها، والذي فعله ابن الحاجب أسهل من هذا، وهو أنه قال: يجب إبدال أوّل الواوين المصدرتين إذا تحركت الثانية، ثم قال: والتزموه في الأولى حملا على الأول 654، وليس فيه إلا أن يقال: كيف يحمل الأصل الذي هو المفرد على الفرع الذي هو الجمع، لكن ذكر الإمام بدر الدين ولد المصنف: أنك لو بنيت من الوعد مثل كوثر لقلت: أوعد، والظاهر أن عبارة المصنف يدخل تحتها مثل ذلك، فإن كان الإبدال في مثل: كوثر من الوعد واجبا تعيّن العدول عما ذكره ابن الحاجب، والوقوف على ما قاله المصنف فرحمهم الله أجمعين بمنّه وكرمه.
وقد أورد الشيخ على قول المصنف: ومن أوّل واوين صدّرتا، أنّا قد وجدنا كلمة اجتمع في
أولها واوان ولم تبدل الأولى همزة بل أبدلت تاء، وذلك نحو: تولج وهو بيت الوحشي، والمكان الذي يلج فيه، ويقال له أيضا: دولج، فإن بعضهم ذهب إلى أن وزنه: تفعل، ولكن ذهب الخليل وسيبويه إلى أن وزنه: فوعل 655 وأصله: وولج قال: فعلى هذا كان ينبغي للمصنف أن يقول: ما لم يكن قد أبدل منها تاء، أو يقول: إلا في: تولج، على مذهب الخليل وسيبويه 656. انتهى.
ولا يظهر ما قاله؛ فإن: تولج لم تجتمع فيه واوان قط، وكلام المصنف إنما هو حيث يؤدي الحال بالمتكلم إلى اجتماع واوين في تصغير أو تكسير أو تصريف غير ذلك، أما إذا كانت العرب نطقت بكلمة مبدل منها حرف بحرف ابتداء، فأيّ عمل في ذلك -
الجزء: 10 - الصفحة: 5014
[إبدال الواو همزة جوازا]
قال ابن مالك: (وكذا كلّ واو مضمومة ضمّة لازمة غير مشدّدة ولا موصوفة بموجب الإبدال السّابق).
لصاحب الصناعة أو غيره؟ والعجب من الشيخ كيف يرتضي مثل ذلك؟ ثم أشار المصنف بقوله: فإن عوض اتصالهما بحذف همزة فاصلة فوجهان إلى مسألة قال فيها الشيخ: هذه المسألة مما تعبت في استخراج مثالها، وهو أن تقول في البناء من وأيت على وزن افعوعل: إيأوأى أصله: إوأوأى، قلبت الواو التي هي فاء الكلمة ياء لسكونها بعد كسرة، وتحركت الياء آخرا وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، فإذا سهّلت الهمزة الأولى بنقل حركتها إلى الياء الساكنة قبلها، انحذفت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها، وإذا زالت همزة الوصل عادت الياء إلى أصلها من الواو؛ لأن الموجب لقلبها ياء هو الكسرة التي كانت قبلها، فتصير الكلمة إلى: ووأى، فقد حصل ما قاله المصنف وهو عروض اتصال الواوين بحذف همزة فاصلة بينهما، ويعني بالوجهين إقرار الأولى واوا وإبدالها همزة، ووجه الإقرار إنه لم يلتق واوان في الأصل، ولا اعتداد لعروض الالتقاء، ووجه الإبدال أنه اعتدّ بالعارض، وهو اجتماع الواوين صورة وإن كان ثم فاصل في الأصل 657.
ثم قال الشيخ: واندرج تحت قول المصنف: فإن عرض اتصالهما هذه المسألة وهي: أن يتصلا والواو الثانية
ساكنة، ومسألة أخرى، وهي: أن يتصلا والواو الثانية متحركة وهو أن يسهّل الهمزتين بحذفهما ويلقي حركتهما على الواوين معا، فإنه يصير: ووى فيجوز إبدال الأولى همزة اعتدادا بالعارض، ويجوز الإقرار لعدم الاعتداد بالعارض 658.
ثم قال الشيخ: وما ذهب إليه المصنف من جواز الوجهين في هذه المسألة هو قول الفارسي 659، قال: وذهب غيره من النحويين إلى أن هذا لا يجوز فيه إلا وجه واحد، وهو إبدال الأولى همزة على جهة اللزوم، وذلك في الصورتين معا 660.
قال ناظر الجيش: هذه المسألة والتي قبلها وكذا الذي يأتي بعدها إنما ذكرها -
الجزء: 10 - الصفحة: 5015
................................
المصنف استطرادا وذلك أنه لما ذكر أن الواو تبدل همزة وجوبا أراد أن يستوعب ما أبدلت فيه الواو همزة، فعدّى كلامه إلى الإبدال الجائز، وقد تقدم الاعتذار له عن ذلك من حيث إن الباب الذي هو فيه - أعني باب الإبدال - إنما هو مقصور على ذكر الإبدال اللازم، ومقصود المصنف الآن: الإشارة إلى أن الواو قد تبدل همزة جوازا في غير ما تقدم ذكره، لكن الواو إما مضمومة، أو مفتوحة، أو مكسورة، أمّا المفتوحة فلم يتعرض المصنف لذكرها في هذا الفصل؛ لأن إبدالها همزة قليل موقوف على السماع، كما قالوا: أحد في وحد 661، وأناة في وناة 662، وأسماء في وسماء 663؛ فالبدل في هذه الكلمات على خلاف القياس وذلك لخفّة الفتحة، وأما المكسورة سيذكرها بعد، وأن إبدالها همزة يطرد على لغة، وأما المضمومة فهي التي يطرد إبدالها همزة وينقاس، وسواء أكانت مصدرة نحو:
أجوه، وأقّتت في وجوه ووقّتت، وأعد في وعد، وأدّ في ودّ، حتى أنه يقال في ووري وووعد: أوري وأوعد، فالهمزة في هاتين الكلمتين وما شاكلهما؛ لأجل الضمة، لا لأجل اجتماع الواوين فإن الإبدال في مثله غير لازم كما عرفت - أم متوسطة نحو: تهاون وتعاون ونحوهما، وكذا: أدؤر وأثؤب، في: أدور وأثوب، وفؤوج 664، وقول،
قال المصنف في إيجاز التعريف: والغوور بذلك أحق؛ لأن التصحيح فيه أشق 665. انتهى.
وقد علّل إبدال الواو المضمومة همزة في مثل ما ذكرنا بأن الضمة على الواو تشبه اجتماع واوين، واجتماع الواوين مستثقل فكذلك ما يشبههما، وقد قيّد المصنف جواز البدل المذكور بثلاثة قيود: هي أن تكون الضمة التي على الواو لازمة كما تقدّم في التمثيل، فلو كانت الضمة غير لازمة لم يجز الإبدال كما في نحو: قوله تعالى: -
الجزء: 10 - الصفحة: 5016
................................
اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ 666، و: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ 667، و: لَتُبْلَوُنَّ 668، و: قُلِ الْعَفْوَ 669؛ وذلك لعدم الثّقل لعروض الضّمّة.
وأن تكون الواو غير مشدّدة نحو: تعوّر، وتسوّق، وتسوّر، وذلك لتحصين التضعيف، يعني أن التضعيف حصّن الواو عن الإعلال، ويظهر أنه لو علّل بأن الإدغام في مثل هذه الكلمات مطلوب للخفة؛ ولأن المصادر تابعة للأفعال في الصحة والإعلال، ولا شك أن [6/ 144] الإبدال يمنع الإدغام؛ فكان أولى.
والقيد الثالث: هو أن لا تكون الواو موصوفة بموجب الإبدال السابق، يعني أن لا تكون كالواو في أويصل تصغير واصل، فإنّه يصدق عليها أنها واو مضمومة ضمّة لازمة، وهي غير مشددة؛ ومع ذلك الإبدال فيها واجب كما تقدم.
فلما خشي من ورود ذلك عليه لو اقتصر على ما ذكر احتاج أن يقول:
ولا موصوفة بواجب الإبدال السابق، والظاهر أن المصنف كان مستغنيا عن ذكر هذا القيد؛ لأن القيود التي ذكرها في الإبدال الواجب معلومة الانتفاء فيما ذكر أن الإبدال فيه جائز، وإذا كانت قيود الوجوب منتفية امتنع القول به.
واعلم أن ابن عصفور ذكر في الممتع له شرطا زائدا لجواز إبدال الواو المضمومة ضمة لازمة إذا وقعت وسطا وهو
أن لا يمكن تخفيفها بالإسكان كأدؤر، وأثؤب؛ لأن الواو لو سكنت لزم اجتماع الساكنين، فإن أمكن تخفيف الواو المضمومة بالإسكان لم تبدل همزة، وذلك نحو قولهم: سور في جمع سوار 670.
ثم قال الشيخ: وقد نقص المصنف شرطا في جواز إبدال هذه الواو همزة، وذكر المثال المذكور وزاد ابن جني شرطا آخر وهو: أن لا تكون الواو زائدة فلا يجوز عنده في: التّرهوك مصدر ترهوك إبدال الواو همزة، بخلاف الأصلية كالأمثلة المتقدمة وفرّق بينهما بأن الأصلية يدل تصريفها واشتقاقها على أن الهمزة بدل من الواو، وأما الزائدة فقد لا يعلم أن الهمزة أبدلت منها، بل يتوهم أن الهمزة كانت أوّلا دون -
الجزء: 10 - الصفحة: 5017
................................
بدل 671 وقد قوّى ذلك بعضهم بأن قال: لا يحفظ همزة مبدلة من واو زائدة 672 وقد عرفت ما دخل من المسائل تحت قول المصنف: وكذا كل واو مضمومة إلى آخره - أعني ما تبدل الواو فيه همزة جوازا من مصدّرة أو متوسطة مفردة أو منضمّا إليها واو أخرى، نحو: وعد، وأثوب، وووري، وفووح، غير أن مسألة من المسائل فيها خلاف، وهي: ما كان فيها واوان مصدّرتان، والثانية مدّة بدل من همزة نحو: الوولى مؤنث الأوأل، ذهب المازني إلى أن البدل في الواو الأولى جائز، قال: إذا بنيت من الوأي اسما على فعل، قلت: وءي، ثم إذا خفّفت الهمزة قلت: ووي، كما تقول في بؤس: بوس، فتتصدر الواوان والثانية مدّة وهي بدل من الهمزة، فتهمز الأولى جوازا كما همزت في: ووري لعروض الواو فيهما إذ هي في: ووي بدل من همزة، وفي: ووري بدل من ألف 673، وإنما كان البدل في: ووري جائزا لا لازما؛ لأن التخفيف عارض فكأن الواو الثانية همزة.
والدليل على أنهم اعتبروا العروض أنهم لم يدغموا الواو في الياء مع اجتماعهما وسبق إحداهما بالسكون؛ فلم يقولوا: ويّ، كما قالوا: طيّ في طوي، وذهب أبو العباس 674 إلى أن البدل لا يجوز من قبل أن الذين خففوا غرضهم أن يفروا من الهمزة إلى الواو، والواو
أخف، والإبدال يؤدّي إلى الفرار من همزة ساكنة إلى همزة متحركة، وإذا كانوا قد فرّوا من الهمزة الساكنة إلى الواو اقتضى ذلك أن لا يفروا من الواو المتحركة إلى الهمزة، وذهب الخليل وسيبويه إلى أن البدل لازم 675 فكأنهما حكما للواو العارضة في نحو: ووي بما حكما به في الواو الأصلية، كالأولى مؤنث -
الجزء: 10 - الصفحة: 5018
[إبدال الهمزة جوازا]
قال ابن مالك: (وكذا كلّ ياء مكسورة بين ألف وياء مشدّدة، وهمز الواو المكسورة المصدّرة مطّرد على لغة، وربّما همزت الواو لضمّة عارضة).
الأوّل، وكالأول جمع الأولى، وقد ذكر الشيخ هذه المسألة في شرحه، وذكر المباحث بين المذاهب المذكورة فتركتها خوف الإطالة، إلا أنه قال بعد ذلك: تلخص من هذا الذي ذكرناه اختلافهم في العارض ما هو، وجاء في المسألة ثلاثة أقوال:
لا يجوز إبدال الواو همزة وهو رأي المبرد، يجوز وهو رأي المازني، يجب وهو رأي الخليل وسيبويه، ثم قال: والمصنف وافق المازني 676. انتهى.
ويحتاج إثبات كون مذهب سيبويه وجوب إبدال الواو الأولى همزة في مثل الوولى تأنيث الأوأل إلى تحرير، وقد تقدم استثناء مثل هذه المسألة من وجوب الإبدال بقول المصنف:
ولا مبدلة من همزة، وشرحه الشيخ وقرره بمسألة: الوولى تأنيث الأوأل.
وقال:
فلا يجب إبدال الواو الأولى همزة؛ لأن الثانية بدل من الهمزة فكأنها موجودة 677؛ فلم يجتمع واوان، ثم إن الشيخ هناك عند إيراد هذه المسألة لم يذكر أن سيبويه ولا غيره يوجب الإبدال 678. وبعد فلا شك أن البدل في مثله جائز على كل قول من حيث إن كلّ واو مضمومة ضمة لازمة، يجوز إبدالها همزة كما في ووعد، وووري، فإن البدل فيه لأجل الضمة، لا لأجل اجتماع الواوين.
قال ناظر الجيش: هذا الكلام مشتمل على مسائل ثلاث:
أما الأولى: فذكرها إنما هو على سبيل الاستطراد - أيضا - كما تقدمت الإشارة إليه، وذلك أنه لما ذكر أن الهمزة تبدل وجوبا من الواو تارة، ومن الياء تارة، وكانت - أعني الهمزة - تبدل (جوازا) 679 تارة من الواو وتارة من الياء، والباب إنما هو معقود للإبدال الواجب استطرد فذكر الإبدال من الحرفين المذكورين على سبيل الجواز، وبدأ بذكر البدل من الواو، ثم ها هو يذكر الإبدال من الياء، وخصّ ذلك بمسألة واحدة وهي ما تقع فيها الياء بين ألف وياء مشدّدة، ومثال ذلك المنسوب إلى نحو: راية -
الجزء: 10 - الصفحة: 5019
................................
وغاية، فإنّهم جوّزوا في النسب إليه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن تبدل الياء همزة.
والثاني:
إقرار الياء بحالها.
والثالث إبدالها واوا، وهذه المسألة مذكورة في النسب 680.
وأما الثانية: فهي أن الواو المصدّرة المكسورة قد تهمز، ومثال ذلك: إشاح، وإسادة، وإعاء في: وشاح، ووسادة، ووعاء، وقد جعل المصنف هذا الإبدال مطردا على لغة، ومنهم من ذكر أن المجيز لذلك قياسا هو المازني 681. وقال ابن عصفور: إن المازني لا يجيز همز الواو المكسورة بقياس بل يتبع في ذلك السماع 682.
وحاصل الأمر: أنّ النّقل عن المازني مختلف فيه، وذكر الشيخ أن مذهب الجمهور أن هذا الإبدال مطّرد منقاس.
قال سيبويه: وليس هذا مطّرد في المفتوحة يعني قلبها أوّلا همزة، قال: ولكنّ ناسا كثيرا يجرون الواو إذا كانت
مكسورة مجرى (المضمومة) 683 فيهمزون الواو المكسورة 684، فقال الأستاذ أبو علي: لا يريد سيبويه الاطراد، بل يريد أن همز الواو المكسورة أكثر من همز المفتوحة 685، وقال ابن عصفور: والصحيح اطّراد ذلك؛ لأنه قد جاء منه جملة صالحة للقياس عليه، وقال ابن الضائع: وردت منه ألفاظ كثيرة بالنظر إلى المفتوحة، قليلة بالنظر إلى المضمومة، فيقوى عندي الوقوف على ما سمع من ذلك 686.
وأمّا الثالثة [6/ 145]: فهي أن الواو المضمومة منه عارضة قد تبدل همزة، ولكنّ ذلك في غاية القلّة ولهذا أتى بربّما، ومثال الضمة العارضة ضمّة الإعراب، أو ضمّة لالتقاء الساكنين نحو: هذا دلوك، وفَلا تَخْشَوُا النَّاسَ 687، ومن ذلك قراءة من قرأ شاذّا: (وإن منهم لفريقا يلؤن) 688 وكذا: (وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ) 689؛ فإن الضّمّة عارضة، ومستند من أبدل تشبيه العارضة باللّازمة وهو -
الجزء: 10 - الصفحة: 5020
[إبدال حرف اللين الثاني في مثل: عيايل همزة]
قال ابن مالك: (فصل: إذا اكتنف طرفا اسم حرفي لين بينهما ألف، وجب في غير ندور إبدال الهمزة من ثانيهما، إن لم يكن بدلا من همزة ولا مفصولا من الطّرف لفظا أو تقديرا، ولا يختصّ هذا الإعلال بواوين في جمع خلافا
للأخفش).
غير مرضيّ؛ لأن العارض لا اعتداد به.
ومن فروع هذه المسألة أنك إذا سمّيت رجلا بورقا ثم جمعته تصحيحا فإنك تقول فيه: ورقاوون 690 بالواو، كما تقدم ذلك أول الكتاب؛ فهل يجوز بدل مثل هذه الواو؟ مذهب الجمهور: لا يجوز؛ لأن الضمة عارضة كضمة الإعراب لزوالها في حالتي النصب والجر.
قيل: وقد أجاز بعضهم ذلك؛ لأن الضمة ليست ضمة الإعراب 691، واعلم أن هذا الفصل الذي فرغ منه قد اشتمل على ذكر إبدال الهمزة من حروف العلّة وجوبا في ثلاثة مواضع وهي باب: كساء ورداء، وباب:
قائم وبائع، وباب: أواصل وأويصل ونحوهما.
قال ناظر الجيش: هذا موضع رابع من المواضع التي يجب فيها إبدال حرف العلّة همزة، والمراد بما ذكره كل جمع لرباعي اكتنف ألفه لينان، فإن حرف اللين الثاني الواقع بعد ألف الجمع تبدل همزة، كما لو سميت بنيف ثم كسّرته، فإنك تقول فيه: نيائف 692، وكذا: أوّل حيث تقول فيه: أوائل 693، فقد اكتنف طرفا نيائف -
الجزء: 10 - الصفحة: 5021
................................
قبل البدل وهما النون والفاء، وطرفا أوائل وهما الهمزة واللام حرفي لين، وهما الياءان في الأولى، والواوان في الثانية، وبين حرفي اللين ألف، والموجب لإبدال ثاني حرفي اللين همزة الاستثقال لتوالي ثلاث (لينات) 694
متصلة بالطرف، وكذا إذا انفصل هذا اللين الثاني من الطرف بمدة امتنع الإبدال كطواويس 695. كما ستعرف ذلك، واعلم أن المصنف أورد هذه المسألة في إيجاز التعريف أحسن إيراد، فأنا أورد كلامه بنصّه لحسنه ولاشتماله على شرح كلامه في هذا الفصل.
قال رحمه الله تعالى: إذا وقعت ألف التكسير بين حرفي علّة وجب إبدال الهمزة من ثانيهما إن اتصل بالطرف نحو: أوائل جمع أوّل وبيائن جمع بينّ، وسيائد جمع سيّد، وصوائد جمع صايدة، فالأول: مثال لذي واوين، والثاني: مثال لذي يائين، والثالث: مثال لذي ياء بعدها واو، والرّابع: مثال لذي واو بعدها ياء، فإن كان ثاني حرفي العلّة مبدلا كالياء الثانية في جيايا سلم، وجيايا جمع جيّئ مثال عيّل من حيث أصله: جيايئ ثم عومل معاملة عيايل، ثم معاملة خطايا، فاستسهل أمر الياء في الحالة الثانية من جيايا؛ لأنها مفتوحة وبدل من همزة، فكان تصحيحها كتصحيح واو بويع 696، ولم يستسهل أمرها في الحالة الأولى؛ لأنها حينئذ مكسورة، وياء غير مبدلة من شيء؛ فلو انفصل ثانيهما من الطرف دون اضطرار، وجب التصحيح نحو: عواوير جمع عوّار: وهو الرمد والخفاش والجبان - أيضا - 697. فلو كان - - على الأصل، وشبهته أن الإبدال في الواوين؛ إنما كان لثقلها، ولأن لذلك نظيرا وهو اجتماع الواوين أوّل كلمة، وأما إذا اجتمعت الياءان أو الياء والواو فلا إبدال؛ لأنه إذا التقت الياءان أو الياء والواو أول كلمة؛ فلا همز نحو: يين ويوم اسم موضع، واحتج - أيضا - بقول العرب في جمع ضيون وهو ذكر السنانير: ضياون، من غير همز، والصحيح ما ذهب إليه الأولان - أي الخليل وسيبويه - للقياس والسماع؛ أمّا القياس: فلأن الإبدال في نحو: أوائل إنما هو بالحمل على كساء ورداء لشبهه به من جهة قربه من الطرف... وأما السماع: فحكى أبو زيد في سيّقة سيائق بالهمز وهو فعيلة من ساق يسوق».
الجزء: 10 - الصفحة: 5022
................................
الانفصال للضرورة لم تمنع من الإبدال كما لو اضطر شاعر إلى أن يقول في أوائل:
أوائيل 698، وكذلك لو اضطر إلى أن يقول في عواوير: عواور بغير فصل، فلا سبيل إلى الإبدال؛ لأن العارض لا
يعتد به 699، ولو وقع في واحد حرفا علّة بينهما ألف كما وقعا في أوائل وإخوانه عومل معاملتهن لشبهه بهن، وذلك نحو: بناء مثل عوارض 700 من قول فإنك تقول فيه: قوائل 701، والأصل: قواول بواوين أولاهما زائدة في مقابلة واو عوارض، والثانية عين بمنزلة ثانية واوي أواول، فعمل بها ما عمل بها هناك لتساويهما، والأخفش يخص هذا الإعلال بجمع يكتنف ألفه واوان كأواول، ويقول في جمع بينّ، وسيّد، وصائدة: بياين، وسياود، وصوايد، وفي مثل عوارض من القول: قواول، فلا يهمز 702. هذا آخر كلامه في هذا الفصل وقد ظهر منه بيان أكثر ما ذكره هنا.
واحترز بقوله: في غير ندور في: ضياون فإن قياسه الهمز، ووجه الشذوذ فيه، أنهم شذّوا في مفرده فقالوا: ضيون 703، فلم يدغموه فشذوا فيه في جمعه، وقيل: إنما صحّ في الجمع؛ لأنه صحّ في المفرد، وردّ هذا بأن صحّة المفرد لا يلزم منها صحة الجمع، بل يلزم في الجمع الإعلال، ويدلّ على ذلك أنك لو بنيت مثل: ضيغم من القول، وصححت لقلت: قيول، فلو جمعته، لقلت: قيائل بالهمز 704. وقد قال سيبويه: لو جمعت ألببا لقلت: ألابّ يعني بالإدغام، وإن كان قد شذّ مفرده بالفك 705، وأما قوله: إن لم يكن بدلا من -
الجزء: 10 - الصفحة: 5023
................................
همزة، فقد عرفت أنه احترز به من جيايا جمع جيّئ، ويدخل - أيضا - تحت قوله: إن لم يكن بدلا من همزة نحو:
جوايا جمع جويّة، أو جاوية أو جاويا، وزوايا جمع زاوية، وجنايا جمع جنيّة والعلة لعدم إبدال الحرف المذكور همزة، أنه كان همزة ثم أبدل منها كما سيأتي بيانه في مسألة خطايا ونحوه، إن شاء الله تعالى.
فلو أبدلوه همزة لكانوا قد عادوا إلى ما استثقلوه من اجتماع ألفين وهمزة مفتوحة بينهما 706، وأما قوله: ولا مفصولا من الطرف لفظا أو تقديرا فقد عرفته، والمفصول لفظا نحو: طواويس وعواوير، والمفصول تقديرا نحو: عواور، فإذا اضطر شاعر فلا يبدل؛ لأن الأصل: عواوير والحذف عارض فلا يعتد به، كما لا يعتد بالبعد من الطرف إذا اضطر شاعر فزاد ياء نحو قوله:
4294 - فيها عيائيل أسود ونمر 707
لأن هذا المدّ عارض للضرورة، فلا اعتداد به، وما أحسن قول ابن الحاجب:
وصحّ عواور وأعل عيائيل؛ لأن الأصل: عواوير فحذف، وعيائيل فأشبع 708، واستحسن الشيخ قول المصنف في إيجاز التعريف إذا وقعت ألف التكسير بين حرفي علّة (4)، واستجوده على عبارته في التسهيل؛ لأنه قال: إذا اكتنفنا طرفا اسم حرفي لين بينهما ألف.
قال الشيخ: ومثل عواوير وطواويس لم يل الواو الآخرة فيهما الطرف، وإنما وليها ياء بعدها الطرف 709. انتهى.
ولا شك أن عبارته في إيجاز التعريف أخصر وأبين وأحسن.
وأما قوله: ولا يختص هذا الإعلال بواوين في جمع، خلافا للأخفش فقد تقدم تقريره وإلى ما ذهب إليه الأخفش في ذلك ذهب أبو إسحاق الزجاج قالوا: -
الحديث: 4294 - الجزء: 10 - الصفحة: 5024
[قلب المدّة الثالثة في الجمع على مفاعل همزة]
قال ابن مالك: (فصل: يجب أيضا إبدال الهمزة ممّا يلي ألف جمع يشاكل مفاعل من مدّة زيدت في الواحد، فإن كانت
المدّة عينا لم تبدل إلّا سماعا).
والسماع يرد هذا الذي ذهب إليه، حكى أبو زيد في سيّقة: سيائق 710، وهو فعيلة في ساق يسوق، وحكى الجوهري في تاج اللغة: جيد وجيائد 711، وحكى أبو عثمان [6/ 146] عن الأصمعي في جمع عيّل: عيائل بالهمز 712، وهذه الكلمات لم يكتنف ألف بعد الجمع فيها واوان؛ فدلّ على أن العرب إنما استثقلت اكتناف ألف الجمع حرفا علّة، والمفرد إذا شاكل الجمع في هذا الاكتناف كان حكمه حكمه.
قال ناظر الجيش: هذا - أيضا - موضع خامس من المواضع التي يجب فيها إبدال حرف العلّة همزة والمراد بذلك كل جمع، لما فيه مدّة ثالثة، إذا كان الجمع على مثال مفاعل، فتبدل الهمزة من المدّة الواقعة بعد ألف الجمع نحو: قلادة وقلائد، وصحيفة وصحائف، وعجوز وعجائز، فقول المصنف: يشاكل مفاعل عبارة حسنة، ويريد بها: أنه يشاكله في الحركات، والسكنات، وعدد الحروف 713. وقوله: من مدّة زيدت في الواحد يخرج ما كان زائدا، لكنّه غير مدّة كقسور؛ فإن جمعه: قساور، وجدول وطريم؛ فإن جمعهما: جداول، وطرايم دون بدل، وما كان مدّة لكنه غير زائد كمفازة؛ فإنها منقلبة عن أصل، ومعيشة، ومعونة؛ فإن جمعها: مفاوز، ومعايش، ومعاون، وقد شمل قوله: مدة: الألف، والياء، والواو، وقد ذكرت أمثلتها، ونحو: مفازة، ومعيشة، ومعونة أخرجه المصنف بقوله: فإن كانت المدة عينا لم تبدل، وعلى هذا يقال في جمع مسيل:
مسايل، قال (الأخطل) 714: -
الجزء: 10 - الصفحة: 5025
................................ 4295 - وإنّي لقوّام مقاوم لم يكن... جرير ولا مولى جرير يقومها 715 وإنما فعلوا ذلك ليفرّقوا بين الياء، والواو الزائدتين، وبين الياء والواو الأصليتين وقال في إيجاز التعريف: أما إبدال الألف فلأنّها التقت مع ألف التكسير، وهي مثلها في الزيادة والإتيان لمجرد المدّ فلم يكن بدّ من حذف إحداهما، أو تحريكها فامتنع الحذف؛ لإيجابه اللبس بالمفرد، فتعين تحريك أقربهما إلى الطرف؛ فانقلبت همزة، وحملت الواو والياء على الألف لتساويهن في الزيادة والإتيان لمجرد المدّ، وقول المصنف: إلا سماعا يعني أن سماع الإبدال فيما هو عين الكلمة قيل دون قياس عليه والذي سمع (معائش) 716، وهو ضعيف لم يثبت في السبع 717، ومصائب وقياسه: مصاوب لكنه التزم فيه السمع قبل، وإنما التزم فيه الهمز تنبيها على أنه جمع مفعلة، لا مفعلة، ولا مفعلة؛ لأن قياس جمع اسم الفاعل في مثله أن يجمع مصحّحا، فلما كسر أبدلت الواو فيه - مع كونها عينا - همزة تنبيها على مخالفه، وما ألطف قول ابن جني: وأمّا همز مصائب فمن المصايب 718 ومن المسموع أيضا: مسائل جمع: مسيل 719، -
الحديث: 4295 - الجزء: 10 - الصفحة: 5026
[إبدال أحرف العلة من الهمزة]
قال ابن مالك: (وتفتح في غير شذوذ الهمزة العارضة في الجمع المشاكل مفاعل، مجعولة واوا فيما لامه واو سلمت في الواحد بعد ألف، ومجعولة ياء في غير ذلك ممّا لامه حرف علّة أو همزة، وربّما عوملت الهمزة الأصليّة
معاملة العارضة للجمع ونحو هديّة وهداوى شاذّ ولا يقاس عليه خلافا للأخفش).
ومنائر 720 جمع: منارة، هذا آخر كلام المصنف في إبدال الهمزة من حروف العلة، وقد عرفت أنه ذكر في هذا الفصل والذي قبله إبدال الهمزة من ألف أو ياء أو واو في خمسة مواضع لا غير؛ ولكنه ذكر في شرح الكافية موضعا سادسا وهو: كل ذي ألف تأنيث ممدوة كصحراء؛ فإن الهمزة فيه بدل من ألف مجتلبة للتأنيث كاجتلاب ألف سكرى، لكن ألف سكرى غير مسبوقة بألف؛ فسلمت، وألف:
صحراء مسبوقة بألف؛ فحرّكت فرارا من التقاء الساكنين فانقلبت همزة؛ لأنها من مخرجها، وكانت الثانية بالتحرك أولى؛ لأنها آخرة والأواخر بالتغيير أولى، ولأنها حرف إعراب والحركة فيه مقدّرة، والأولى لمجرد المدّ كألف أرطاة فلا حظّ لها في حركة 721، هذا كلامه في شرح الكافية، وقد ناقض ذلك في هذا الكتاب وفي إيجاز التعريف؛ فحكم بأن الهمزة نفسها زائدة دون بدل وهذا إنما هو مذهب الكوفيين، والحق ما ذكره في شرح الكافية، وقد استدل هو في باب منع الصرف من شرح الكافية - على أن الهمزة في صحراء بدل من ألف بقولهم في الجمع:
صحار، كما قالوا في حبلى: حبال، قال: فلو كانت الهمزة في صحراء غير مبدلة لسلمت 722.
قال ناظر الجيش: قد تقدم لنا أن الهمزة إنما تبدل البدل اللازم في التصريف من - - قال الأعلم: المسايل، حيث يسيل الماء إلى الرياض، والقياس أن لا يهمز؛ لأن ياءه أصلية، وقيل: هو جمع مسيل وهو: ماء المطر، ويجمع - أيضا - على: أمسلة، ومسل: نحو: كثيب وأكثبة... وحينئذ لا يكون همزة شاذّا.
انظر: التذييل (6/ 145 أ)، والمساعد (4/ 98).
الجزء: 10 - الصفحة: 5027
................................
أحرف العلّة وهي: الياء، والواو، والألف، وأن أحرف العلّة يبدل كل منها من الهمزة، ويبدل كل منها من الآخر - أيضا - فالأقسام ثلاثة، وقد أنهى الكلام على القسم الأول وهو إبدال الهمزة من أحرف العلّة الثلاثة، ثم إنه شرع الآن في القسم الثاني وهو إبدال أحرف العلّة من الهمزة، فبدأ بذكر ما تبدل فيه الهمزة ياء تارة، وواوا تارة أخرى، وذلك في بعض صور المسألة التي ذكرت في الفصل الذي قبيل هذا، وفي بعض صور المسألة التي افتتح بها هذا
الفصل، ولهذا لمّا كان هذا الحكم الذي سيذكره متعلّقا بالمسألتين المذكورتين قبله، لم يفرده بفصل، وذكره في هذا الفصل إشعارا بأنّه ملتحق بما قبله، والذي يقال الآن: إن الحكم المتقدم الذكر وهو إبدال الهمزة الواقعة بعد الألف فيما يشاكل مفاعل من ثاني اللينين اللذين توسطت الألف بينهما، أو من المدّة الزائدة في الواحد لا بدّ منه سواء أكان لام تلك الكلمة المشتملة على المدّة المزيدة حرفا صحيحا غير همزة أم حرف علّة - وأعني به الياء أو الواو أم الهمزة - لكنه إن كانت اللام حرفا صحيحا، اقتصر على العمل المتقدم وهو إبدال المدّة بعد ألف الجمع همزة كرسائل وصحائف وركائب 723، وإن كانت اللام حرف علّة أو همزة فلا بدّ مع ذلك العمل المتقدم من عملين آخرين، وهما:
فتح الهمزة المكسورة الواقعة بعد ألف الجمع المبدلة؛ إما من ثاني اللينين المكتنفي ألف الجمع، وإما من المدّة المزيدة، وإبدال هذه الهمزة التي فتحت ياء أو واوا على ما يفصّل، وذلك أن لام الكلمة إما حرف علّة أو همزة، فإن كانت حرف علّة وهو واو سلمت في الواحد بعد ألف؛ أبدلت الهمزة واوا، وإن كان واوا ولم يسلم في الواحد أو ياء مطلقا - أعني سلمت في الواحد أو أعلّت - أو همزة؛ أبدلت الهمزة المذكورة ياء، هذا كلّه تقسيم يتضمن تقرير الحكم وسيأتي أمثلة ذلك.
واعلم أنني الآن أورد كلام المصنف في إيجاز التعريف؛ لاشتماله على التعليل والتمثيل، ثم أرجع إلى لفظ الكتاب.
قال رحمه الله تعالى: تفتح الهمزة العارضة في الجمع المشاكل مفاعل مجعولة واوا فيما لامه واو سلمت في الواحد بعد ألف مجعولة ياء في غير ذلك من المعتل -
الجزء: 10 - الصفحة: 5028
................................ اللّام ويتعين جعل آخر الجميع ألفا كهراوة 724. وهراوى 725، وقضية وقضايا، وزاوية وزوايا الأصل: الهرائي كالرسائل، والقضائي كالصحائف، والزوائي كالدواعي، لكن استثقل هذا الجمع؛ لكونه منتهى الجموع فخففوه في الصحيح بمنع الصرف، فإن اعتل آخره كان أثقل فزيد تخفيفا بفتح ما قبل آخره جوازا فيما سمع كمهارى ومدارى، فإن انضم إلى اعتلال الآخر اعتلال ما قبله كما هو فيما ذكر من ذي الهمزة العارضة في الجمع؛ تضاعف الثقل فقوي داعي التخفيف، فالتزم في مطايا 726 وبابه ما جاز في مدارى وأخواته، لكن بوجه يكمل التخفيف فالتزم؛ لأن المفتوح هنا يقع بين ألفين سلمت الهمزة عند فتحها كانت كألف ثالثة، فوجب التخفيف بإبدالها ياء أو واوا، فأوثرت الياء لكونها تجانس حركة الهمزة في الأصل يعني الكسر، وكان للواو في ذلك حق فجاؤوا بها في جمع ما لامه واو ساكنة؛ ليشاكل الجمع الواحد في سلامة (الواو) 727 رابعة بعد ألف، وإن كانتا متغايرتين؛ فقالوا: هراوى وعلاوى كذلك، وربّما فعل ذلك بما لم تسلم الواو في واحده نحو: مطاوى وهداوى، وعاملوا ما لامه همزة مما ذكر معاملة نظيره مما لامه -
الجزء: 10 - الصفحة: 5029
................................
حرف لين فقالوا: خطايا؛ وذلك أن أصله: خطائئ 728 بهمزتين، فصارت الثانية ياء لامتناع تحقيق همزة في كلمة وقبلها همزة عارضة في جمع، فصار اللفظ بها كاللفظ بالقضائي فجرت على طريقته، وقد شذّ قول بعضهم: خطائئي 729 بالتحقيق شذوذ قولهم في منيّة: منائي على الأصل المتروك، قال عبيدة بن الحارث 730 رضي الله تعالى عنه:
4296 - فما برحت أقدامنا في مقامنا... ثلاثتنا حتّى أزيروا المنائيا 731
وكذلك شذّ مرايا في جمع مرآة 732 بإبدال الهمزة وهي غير عارضة في جمع.
انتهى.
وهو كما قال أبو تمام: -
الحديث: 4296 - الجزء: 10 - الصفحة: 5030
................................
4297 - يستنبط الرّوح اللّطيف نسيمها... أرجا وتؤكل بالضّمير وتشرب 733
فسبحان من الفضل بيده يؤتيه من يشاء.
أما لفظ الكتاب فقوله: في غير شذوذ احترز به عن قول من قال في منيّة: منائي، وفي خطيّة: خطائي.
وقوله: سلمت في الواحد احترز به من نحو: مطيّة؛ فإن لامها واو ولم تسلم في الواحد، وقوله:
ومجعولة ياء في غير ذلك مما لامه حرف علة أو همزة أي في غير ما لامه واو سلمت في الواحد وذلك بأن تكون لامه واوا اعتلت في الواحد، نحو: مطيّة، أو ياء سلمت في الواحد نحو: زاوية، أو اعتلت نحو: هديّة، ولهذا يقال: مطايا، وزوايا، وهدايا 734. وقوله: أو همزة مثاله: خطيئة كما عرفت.
وقوله: وربما عوملت الهمزة الأصلية معاملة العارضة للجمع أشار به إلى ما تقدم نقله عنه من إيجاز التعريف من قولهم: مرايا في جمع: مرآة، فإن الهمزة في مرآة أصلية؛ لأنها مشتقة من الرؤية، ووزنها مفعلة، والألف بدل من أفعلة: مرأية تحركت الياء وانفتح ما قبلها ألفا وهي اسم آلة للرؤية نحو: مطرقة ومكسحة، فجمعها: مراء على وزن مفاعل ولكنه منقوص، وقالوا في جمعه: مرايا، فعاملوا الهمزة الأصلية معاملة العارضة للجمع في إبدالها ياء بعد ألف الجمع وقوله: ونحو: هديّة [6/ 147] وهداوى شاذ، إنما كان شاذّا؛ لأن حق ما لامه ياء أن تقلب الهمزة التي بعد ألف الجمع فيه ياء، وقد قاس الأخفش 735 عليه، وضعف مذهبه بأنه لم تنقل بالواو فيما لامه ياء إلا هذه الكلمة، ولا فيما لامه واو لم تسلم في الواحد إلا مطاوى 736، -
الحديث: 4297 - الجزء: 10 - الصفحة: 5031
[إبدال الهمزة من الهاء والعين]
قال ابن مالك: (وتبدل الهمزة قليلا من الهاء والعين وهما كثيرا منها).
والكثير الياء نحو: منيّة، ومنايا، وحنيّة، وحنايا 737، قال الشيخ: ولو ذهب ذاهب إلى أن هذا الوزن كله هو فعالى، وأن علاوى وبابه صحّت الواو فيه، لما صحت في مفرده، واعتلت في مطايا لمّا اعتلت في: مطيّة مفرد مطايا، وأن حنايا جاء على الأصل من ظهور الياء فيه، وأن خطيّة جاء على تقدير إبدال همزة خطيّة وإدغام ياء المدّ فيها فصارت كحنيّة، لكان مذهبا حسنا بعيدا عن التكليف.
قال: وإنما دعا النحويين إلى تلك التقديرات حملهم جمع المعتل على الصحيح؛ فأجروا ذلك مجرى رسالة وصحيفة، وقد تكون أحكام للمعتل لا تكون للصحيح، وأحكام الصحيح لا تكون للمعتل 738. انتهى.
وما قاله يشكل من وجهين: أحدهما: أنّ هذا الوزن - أعني فعالى - ليس قياسا لجمع نحو: علاوة، ومطيّة، وحنيّة، وخطيّة.
الثاني: أن بدل الهمزة في خطيّة ياء إنما الموجب له طلب التخفيف فأبدلت لتدغم فيها الياء التي قبلها.
وأما في خطاأا فلا موجب لإبدالها ياء أصلا، وكذا بدل الواو ياء في مطية، إنما كان لأجل الياء الساكنة المجتمعة معها، ولا موجب لذلك في مطايا فكان الواجب على ما قرره أن يقال: مطاوى وإذا كان في المفرد علّة جامعة وهي في الجمع منتفية لا يتعدى الحكم من المفرد إلى الجمع بدليل: ميقات وميزان، ومواقيت وموازين.
والذي فعله النحويون في ذلك وقدّروه هو المتعين، ولا يجوز العدول عنه، ولقد هدوا إلى طريق الرشد في ذلك فرحمهم الله تعالى أجمعين بمنّه وكرمه، ثم إن الذي اختاره الشيخ في هذه المسألة المذكورة قد ذكر هو أنه قول لبعض الكوفيين، وأن بعضهم نسبه إلى الفراء 739، وسيأتي التعرض لذلك في فصل القلب عن الكوفيين إنما هو في مسألة خطايا، والظاهر أنه لا فرق بين خطايا ومطايا في القول بذلك.
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن هذا الباب إنما هو معقود للإبدال القياسي اللازم، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5032
................................
وأنه إن ذكر فيه شيء من الإبدال الجائز كان ذلك على سبيل الاستطراد، ولما ذكر المصنف في الفصول المتقدمة إبدال الهمزة الإبدال اللازم، ذكر فيها أنها قد تبدل في غير ذلك جوازا ثم استطرد استطرادا ثانيا، فذكر ما
تبدل من الهمزة جوازا أيضا.
ومثال إبدال الهمزة من الهاء قولهم: ماء، أصله: موه بدليل مياه، وهو إبدال شاذّ لكنّه مع شذوذه لازم 740، ومنه أيضا قولهم: أل في: هل، يقولون: أل فعلت كذا؟ 741 يريدون: هل فعلت كذا؟ ومنه أيضا: آل، أصله أهل؛ فأبدلت الهاء همزة فقيل: أأل ثم أبدلت الهمزة ألفا فقيل: آل، ولم يجعل الألف بدلا من الهاء ابتداء؛ لأنه لم يثبت إبدال الألف من الهاء في غير هذا الموضع فيحمل هذا عليه، ويثبت إبدال الهمزة من الهاء في ماء، وليس أصل: آل أوّل، كما قال بعضهم 742؛ لأنهم قالوا في تصغيره: أهيل لا أويل.
ومثال إبدالها من العين قولهم: أباب بحر في عباب بحر 743 والأصل: العين؛ لأن عبابا أكثر استعمالا من [6/ 148] أباب، قيل: ولم يجئ بدل الهمزة من العين في غير ذلك، ومن الناس من زعم أن الهمزة أصل وليست بدلا من شيء 744، وأما إبدال الهاء والعين من الهمزة فكثير، ولكنّه موقوف على السماع فمثال إبدال الهاء من الهمزة قولهم: هرحت، وهنرت، وهثرت، وهردت، وهرقت، في: أرحت، وأنرت وأثرت، وأردت، وأرقت 745، وقد قالوا في المضارع: يهريق، واسمي الفاعل والمفعول مهريق ومهراق، وكذلك باقيها وقالوا -
الجزء: 10 - الصفحة: 5033
[إبدال حروف العلة من الهمزة]
قال ابن مالك: (فصل: تبدل الهمزة السّاكنة بعد همزة متحرّكة متّصلة مدّة تجانس الحركة، فإن تحرّكتا والأولى لغير المضارعة أبدلت الثّانية ياء، إن كسرت مطلقا، أو فتحت بعد مكسور أو كانت موضع اللّام مطلقا، وواوا إن
فتحت بعد مفتوحة، أو مضمومة أو ضمّت مطلقا).
وهن فعلت في طيئ، وهذا الذي، في: إياك، ولأنك، وإن فعلت فعلت، وأذا الذي؟ مستفهما 746، ومثال إبدال العين من الهمزة قولهم في أن: عن 747، وفي مؤتل: معتل 748، وفي أمّا: عمّا، واعلم أن سيبويه لم يذكر إبدال العين من الهمزة؛ لأنه قليل 749، ولهذا ناقش الشيخ المصنف في زعمه أنه كثير 750.
قال ناظر الجيش: هذا الفصل والذي بعده يتضمنان إبدال أحرف العلة من الهمزة أيضا، ويعبّر النحاة عن المذكور في هذين الفصلين: بتخفيف الهمزة ولا شك أن هذا الإبدال قسمان: واجب وجائز، فالواجب منه إنما يكون عند اجتماع همزتين في كلمة، والجائز هو الذي يكون في الهمزة إذا كانت مفردة أو مجتمعة مع أخرى لكن في كلمتين.
وقد كان حق المصنف أن يقتصر على ذكر الواجب لما تقدّم، ولكن قد سبق لنا أنه إذا ذكر إبدالا واجبا من حرف، وكان ثم بدل جائز من ذلك الحرف ذكر ذلك الإبدال الجائز أيضا على سبيل الاستطراد وقصدا لاستيفاء الكلام على الإبدال من ذلك الحرف وجوبا وجوازا، واعلم أن المصنف قدم الكلام على -
الجزء: 10 - الصفحة: 5034
................................
الإبدال الواجب؛ لأنه الأصل، ولنذكر قبل الخوض في كلامه تقسيما تضبط به مسائل الفصل؛ فنقول: الهمزة إذا اجتمعت مع أخرى في كلمة: فإما أن تكون الهمزتان متحركتين، وإما أن تكون الأولى متحركة والثانية ساكنة،
وإما أن تكون الأولى ساكنة والثانية متحركة، فهذه ثلاثة أقسام، ثم المتحركتان: إما مصدّرتان أو مؤخرتان، والهمزتان اللتان الأولى منهما ساكنة والثانية متحركة: إما في موضع العين وإما في موضع اللام؛ فآلت الأقسام إلى خمسة: ما الأولى فيه متحركة والثانية ساكنة.
وما الأولى فيه ساكنة والثانية متحركة وهما في موضع العين.
وما هو كذلك أيضا وهما في موضع اللام، وما الأولى والثانية فيه متحركتان وهما مؤخرتان، وما هو كذلك أيضا وهما مصدّرتان، ثم هذا القسم - أعني ما الهمزتان فيه (مصدّرتان) 751 مع تحركهما - له تسع صور؛ لأن كلّا من الأولى والثانية لا بدّ أن يكون متحركا بإحدى الحركات الثلاث، والمرتفع من ضرب ثلاثة في ثلاثة تسعة، ثم الهمزة في هذه الأقسام كلّها إما أن تبدل ألفا أو واوا أو ياء أو لا تبدل بل تبقى بحالها كما سنبيّن ذلك مفصلا بعون الله تعالى وتوفيقه إن شاء الله تعالى.
وقد قدم المصنف الكلام على ما الهمزة الثانية فيه ساكنة، وثنّى بذكر ما الهمزتان فيه متحركتان مصدّرتان، واستوفى الكلام على الصور التسع وأدرج في أثناء ذلك المؤخرتين من هذا القسم - أعني المتحركتين - وثلّث بذكر ما الأولى فيه ساكنة وهما في موضع اللام، ثم أردف ذلك بذكرهما إذا كانت في موضع العين.
فقوله: تبدل الهمزة الساكنة إلى آخره إشارة إلى القسم الأوّل وهو ما الهمزة الأولى فيه (متحركة) 752، والثانية ساكنة وحكمه: أن تبدل الثانية الساكنة مدّة تجانس حركة الأولى، نحو قولك: آثرت أوثر إيثارا، وأصله: أأثرت أؤثر إئثارا؛ اجتمعت همزتان ثانيهما ساكنة، فوجب تخفيفهما بإبدالها مدّة من جنس حركة ما قبلها؛ لأن الثقل إنما يحصل بها، وهذا حكم واجب في كل ما سكن ثاني همزتيه، وإنما قيّد الهمزة بكونها متّصلة؛ لأن الإبدال إنما يجب إذا اتصلت الثانية بالأولى، ولا يستفاد الاتصال بقوله: الساكنة بعد همزة متحركة؛ -
الجزء: 10 - الصفحة: 5035
................................
لأن (البعدية) 753 لا يلزم منها الملاصقة، وقد مثل لذلك أي: للساكنة المنفصلة عن المتحركة بقوله: بأن تبني من الهمزة مثل «قمطر» فإنك تقول فيه: إيأي 754، فالهمزة الثانية ساكنة بعد متحركة، وليست متصلة بها، وقد ثبت بعد قوله: تبدل الهمزة الثانية الساكنة في بعض نسخ التسهيل قوله: دون ندور - والإشارة بالندور إلى قراءة بعضهم 755 (إئلافهم رحلة الشّتاء) - وأما نحو قولك مستفهما: أأتمن زيد عمرا؟ فلا يجب فيه الإبدال؛ لأن الهمزتين لم
تجتمعا في كلمة؛ لأن همزة الاستفهام كلمة، والفعل الذي الهمزة الثانية فاؤه كلمة أخرى وقوله: فإن تحركتا والأولى لغير المضارعة شروع في القسم الثاني وهو ما الهمزتان فيه متحركتان مصدّرتان، وقيّد الأولى بأن تكون لغير المضارعة، ليحترز بذلك من نحو: أأكرم فإنّ الثانية حكمها الحذف لا البدل 756، ويذكر في مكانها.
وقد عرفت أن هذا القسم له تسع صور، فمنها أربع صور تبدل الهمزة ياء، وفي خمس الصور الأخرى تبدل الهمزة واوا، فأمّا الأربع فأشار إليها بقوله: أبدلت الثانية ياء إن كسرت مطلقا، أو فتحت بعد مكسور يعني إن كسرت بعد مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، واستفيد هذا من قوله: مطلقا، أو فتحت بعد مكسور؛ فمثال المكسورة بعد المفتوحة: أئمّة؛ أصله: أأممة فنقلت الحركة التي على الميم الأولى إلى الهمزة فصارا: أئمّة فالتقى همزتان فوجب التخفيف فأبدلت الثانية ياء 757، ومثال المكسورة بعد المكسورة قولك: إيمّ؛ أصله: إئم وهو مثال إصبع من أمّ 758، ومثال المكسورة بعد المضمومة قولك: أينّ، أصله: أؤين؛ لأنه مضارع أننته، أي: جعلته يئن، فدخله النقل والإدغام، ثم خفف بالإبدال 759، ومثال المفتوحة بعد المكسورة قولك: إيمّ، وأصله: إئمم، وهو مثال إصبع من أمّ، نقلت -
الجزء: 10 - الصفحة: 5036
................................
الحركة فصار: إأمّ، ثم خفف فقيل: إيمّ 760. قال المصنف في شرح الكافية بعد ذكر هذه الصور: فنقلت فتحة الميم الأولى إلى الهمزة توصّلا إلى الإدغام، ثم أبدلت الهمزة ياء، وهذا أولى من أن يقال: أبدلت الثانية ياء ثمّ نقلت إليها حركة الميم المقصود إدغامها؛ لأنه لو كانت العناية بالإعلال مقدمة على العناية بالإدغام لقيل في جمع إمام: آمّة [6/ 149]؛ لأن الأصل: أأممة فتقلب الهمزة ألفا لسكونها بعد همزة مفتوحة، ثم تدغم الميم في الميم فتصير: آمّة،
لكنهم لم يقولوا ذلك، بل قالوا: أيمّة فنقلوا ثم أبدلوا، وربّما لم يبدلوا؛ فعلم أن عنايتهم بالإدغام متقدمة 761.
انتهى كلامه.
وحاصله: أن إبدال الهمزة ياء في نحو: إيمّ لا بد منه، لكن هل البدل قبل نقل الحركة إليها فيكون إبدالها؛ لكونها ساكنة بعد مكسور، أو بعد النقل فيكون إبدالها؛ لكونها مفتوحة بعد مكسور، ولا شك أن كلّا من الأمرين يمكن دعواه.
فقول المصنف على أن الإبدال بعد النقل وجعل ذلك ذريعة إلى الإدغام يعني أنه إذا نقلت الحركة من الميم الأولى إلى الهمزة قبلها سكنت، فيجب حينئذ إدغامها في الميم التي بعدها، واستنتج من ذلك أن العناية بالإدغام متقدمة على العناية بالإعلال، لكن في كلام أبي عمرو ابن الحاجب ما يناقض هذا، فإنه قال: أعلوا قوو، فقالوا:
قوي، ولم يدغموا؛ لأن الإعلال قبل الإدغام 762. وظاهر كلام ابن مالك أن الإدغام قبل الإعلال، وهذا الموضع ما زلت أستشكله وبحثته مع الجماعة المتوغلين في الفن، فوافقوا على إشكاله ولم يصححوا شيئا، ثم ظهر لي بعد ذلك أن الظاهر ما قاله ابن الحاجب؛ بدليل قولهم في قوو: قوي، دون قوّ 763 كما ذكر.
وأما قول المصنف: إنهم نقلوا توصلا إلى الإدغام، فغير ظاهر؛ لأن الإدغام بتقدير عدم النقل واجب؛ لأنه متى التقى مثلان متحركان وجب الإدغام إلا في كلمات استثنيت، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5037
................................
ليست المذكورة منها، وإذا كان كذلك اتجه أن يقال: إن الإبدال في: إيم إنما هو عن همزة ساكنة، والأصل: إئمم كإصبع، فأبدلت الهمزة ياء لسكونها بعد مكسور، فقيل: إئمّ، ثم الإدغام واجب؛ لالتقاء المثلين، فيجب نقل حركة الميم المقصود إدغامها إلى الساكن قبلها وهو الياء، فيعود بعد ذلك إلى: إيمّ، وعلى هذا لا يتم 764 قول المصنف: إن العناية بالإدغام متقدمة على العناية بالإعلال.
وأما استدلاله على ما ذكره بأنهم قالوا: أيمّة، ولم يقولوا: آمة، فهو ظاهر في مقصوده، ولكن قد يقال: إنهم إنما احتاجوا في هذا المثال - أعني: أيمّة - إلى أن ينقلوا، ثم يدغموا 765، من أجل أنهم لو لم ينقلوا، وأبدلوا الهمزة وهي ساكنة ألفا، فقالوا:
آمّة إلى أن ينقلوا ثم يدغموا؛ حصل لبس الكلمة بغيرها؛ لأن آمة ممكن أن يقال فيه: إنه مؤنث آمّ لا جمع إمام، فلما كان الإبدال قبل النقل في هذه الكلمة يؤدي إلى الإلباس؛ نقل أولا، ثم أدغم بعد ذلك، وأما خمس الصور التي تبدل الهمزة الثانية فيها واوا، فأشار إليها بقوله: وواوا، إن فتحت بعد مفتوحة أو مضمومة، أو ضمت مطلقا، لكن لمّا كانت الهمزة الثانية من الهمزتين المتحركتين المؤخرتين تبدل ياء قرن ذلك بذكر الصور التي تبدل الثانية من الهمزتين المتحركتين فيهما ياء للمناسبة فذكر القسم المقابل للقسم الذي هو فيه قبل إتمام صوره لموافقته في الحكم، وهو إبدال الهمزة ياء لما ذكره، وهو الصور الأربع، وإلى ذلك أشار بقوله:
أو كانت موضع اللام مطلقا يعني أو كانت الثانية موضع اللام، فإنّها تبدل ياء؛ لأنه عطف ذلك على ما تبدل الثانية فيه ياء، وحاصله: أن الهمزتين المتحركتين إذا كانت الثانية منهما موضع اللام أبدلت ياء، سواء أكانت الأولى مفتوحة أم مكسورة أم مضمومة، وإلى ذلك أشار بقوله: مطلقا، ولا تبدل واوا؛ لأن الواو لا تقع متطرفة في ما زاد على ثلاثة أحرف، ثم ما قبل هذه الهمزة المبدلة ياء إن كان مفتوحا قلبت الياء ألفا، وإن كان مضموما كسر، وإن كان مكسورا بقي على حاله، فيقال في مثل جعفر، وبرثن، وزبرج من قرأ: قرأأ، وقرؤؤ، وقرئئ، فيصير قرأيا من باب المقصور وقرؤيا وقرئيا من باب المنقوص، وهذا الحكم ثابت عند اجتماع الهمزتين المتحركتين -
الجزء: 10 - الصفحة: 5038
[خلاف الأخفش والمازني في إبدال الواو]
قال ابن مالك: (خلافا للأخفش في إبدال الواو من المكسورة بعد المضمومة والياء من المضمومة بعد المكسورة، وللمازني في استصحاب الياء المبدلة منها لكسرة أزالها التّصغير أو التّكسير، وفي إبدال الياء منها فاء لأفعل).
في آخر الفعل أيضا من غير فرق 766.
ولنرجع إلى ذكر الصور الخمس التي تبدل فيها ثانية المتحركتين المصدرتين واوا، فنقول: هي إذا فتحت بعد مفتوحة أو مضمومة، مثال الأولى: أوادم في جمع آدم، أصله أأادم 767 بهمزتين، الأولى همزة أفاعل، والثانية فاء الكلمة، مثال الثانية:
أويدم تصغير آدم، أصله: أأيدم، الأولى همزة أفعل والثانية فاء الكلمة 768، وكذا إذا ضمت بعد مفتوحة أو
مكسورة أو مضمومة، وإلى ذلك أشار بقوله: أو ضمت مطلقا فمثال المضمومة بعد مفتوحة: أوبّ جمع أبّ، وهو المرعى، أصله أأبب نقلت حركة عينه لفائه توصّلا للإدغام، فعاد إلى: أأبّ، ثم أبدلت الثانية واوا، فعاد إلى: أوبّ، ومن ذلك: أؤمّ مضارع أمّ لكن بعض العرب يحقق هذا فيقول:
أأم 769؛ لشبه الهمزة بهمزة الاستفهام لمعاقبتها النون، والياء، والتاء، ومثال المضمومة - أيضا - بعد مكسورة مثال: إصبع من أمّ، تقول فيه: إوم، أصله:
إأمم، نقلت حركة العين إلى الفاء فعاد إلى إأمّ، ثم أبدل فقيل: إوم، ومثال المضمومة - أيضا - بعد مضمومة مثال: أبلم من: أمّ، تقول فيه: أومّ، أصله:
أأمم، نقلت الحركة فعاد إلى: أؤمّ، ثم أبدل فقيل: أومّ 770.
قال ناظر الجيش: لما قدم أن الهمزة الثانية المكسورة من الهمزتين المصدّرتين -
الجزء: 10 - الصفحة: 5039
................................ المتحركتين تبدل ياء ولو بعد الهمزة المضمومة، وأن الثانية المضمومة منهما تبدل واوا ولو بعد الهمزة المكسورة - أراد أن ينبّه على أن الأخفش يخالف في المسألتين 771، فيبدل من المكسورة بعد المضمومة واوا ومن المضمومة بعد المكسورة ياء، فإذا قال الجماعة في: أأين مضارع أينته: أينّ، قال الأخفش: أونّ، وإذا قالوا في مثل: إصبع من أمّ: إومّ، قال الأخفش: إيمّ، وحاصله: أن الجماعة راعوا حركة الهمزة نفسها، فأبدلوا الهمزة من جنس حركتها، والأخفش راعى حركة ما قبل الهمزة المخففة، والعمل إنما هو على مذهب الجماعة، وسيذكر بعد ضعف مذهب الأخفش في ذلك، وأمّا قوله: وللمازني في استصحاب الياء... إلى آخره، فأشار به إلى مسألة، وهي أن الهمزة الثانية فيما نحن فيه إذا أبدلت ياء لكونها مكسورة، ثم تغيرت تلك الكسرة بفتحة عارضة لتصغير أو تكسير، فإن الجماعة ينظرون إلى ما آل إليه أمر الهمزة من الفتح فيبدلونها واوا لكونها مفتوحة بعد مضمومة في التصغير، ومفتوحة في التكسير؛ فيقولون في تصغير أئمة: أويمّة، وفي تكسير إيدم وهو مثال إصبع 772 من الأدمة: إودم، والمازني لم يعتبر ذلك، بل استصحب الياء التي [6/ 150] استحق إبدالها من الهمزة 773 أوّلا وكأنه يرى أن التكسير والتصغير عارضان، فلا يراعي ما حدث بسببها، ورجّح مذهب غير المازني بأن الواو أحق بأن تبدل من هذه الهمزة؛ لأن الياء إنما صيّر إليها؛ لأجل الكسرة وقد ذهبت، وأشار بقوله: وفي إبدال الياء منها فاء لأفعل إلى أن المازني خالف الجماعة - أيضا - في مسألة أخرى، وهي أن تبدل الهمزة الثانية المتحركة إذا وقعت فاء لأفعل ياء، فتقول في مثال أفعل من أمّ: أيمّ 774، أصله: أأمم فنقلت الفتحة التي على الميم إلى الهمزة، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5040
[تكملة اجتماع الهمزتين]
قال ابن مالك: (فإن سكنت الأولى أبدلت الثّانية ياء إن كانت موضع اللّام، وإلّا صحّحت).
فبقي: أأمّ، ثم أبدلت الثانية ياء فقيل: أيم، وأما غير المازني فإنه يقول فيه: أومّ وهو القياس؛ لأنها مفتوحة بعد مفتوحة، وقوله في المسألة السابقة أسهل من قوله في هذه المسألة، وقد علّل قول المازني بشيء وهو أن الفتحة أخت الكسرة، فالأقيس أن يكون حكم الهمزة (المفتوحة) 775 حكم المكسورة في الإبدال، لا كالمضمومة في إبدالها واوا، فصار إبدال المفتوحة عنده ياء في: أيمّ كإبدال المكسورة ياء في أئمة قال المصنف في إيجاز التعريف: وكفى بقول العرب:
ذوايب، دون ذيايب فيصلا.
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن اجتماع الهمزتين في كلمة ينظمه خمسة أقسام، وتقدم الكلام على ثلاثة منها ولم
يبق إلا قسمان، وهما: ما الهمزة الأولى فيه ساكنة وهما في موضع العين، وما الهمزة الأولى فيه كذلك وهي في موضع اللام وها هو قد أشار إليهما، وحاصل الأمر: أن الهمزتين المذكورتين إما في موضع العين، فلا إبدال البتة، بل تدغم الأولى في الثانية، وذلك نحو: سآل 776، ولآل 777، وإما موضع اللام فيجب إبدال الثانية ياء، فتقول في قمطر من قرأ:
قرأي، والأصل: قرأأ، فالتقى في الطرف همزتان فوجب إبدال الثانية ياء 778، وإن كانت الأولى ساكنة يمكن إدغامها، بحيث تصير مع التي بعدها كالشيء الواحد؛ لأن الطرف محل التغيير، فلم يغتفر فيه ذلك كما اغتفر في مثل: سآل، ولآل؛ ولأن العرب قد أجمعت على ترك الإدغام في الهمزتين من كلمة إلا إذا كانا عينين، وإنما أبدلت ياء حملا على ما يقع منها رابعا في المتحركتين، فإنه يبدل ياء كما عرفت، ولا (خفاء) 779 في إعطاء كلام المصنف معنى ما ذكرته.
الجزء: 10 - الصفحة: 5041
[اجتماع همزتين بينهما فاصل]
قال ابن مالك: (ولا تأثير لاجتماع همزتين بفصل، ولا يقاس على ذوائب، إلّا مثله جمعا وإفرادا خلافا للأخفش وتحقيق غير السّاكنة مع الاتّصال لغة).
قال ناظر الجيش: المراد أنه إذا اجتمع (همزتان) 780 في كلمة بينهما فاصل جاز تحقيقهما، ولا يجوز التخفيف، ومثال ذلك: آء، وهو شجر، وكذا: آءة 781، وهو واحده، فالفاصل قد نفى وجوب التخفيف؛ لزوال الثقل بالفصل بين الهمزتين، فعبّر المصنف عن ذلك بنفي تأثير اجتماع الهمزتين بفصل، وإذا لم يكن لاجتماعهما مع فاصل تأثيره انتفى وجوب التخفيف وإذا انتفى وجوب التخفيف جاز التحقيق، ثم لمّا كان نحو: ذوائب اجتمع فيه همزتان بفاصل، ومع ذلك كان لاجتماعهما تأثير؛ لأن الهمزة الأولى خففت بإبدالها واوا، صار ذلك كأنه نقض لما قرره
فنبّه على ذلك بقوله: ولا يقاس على ذوائب إلا مثله وكأنه استثنى هذه الكلمة من هذا الأصل فكأنه قال: ولا تأثير لاجتماع همزتين بفاصل إلا في ذوائب، فإن الهمزتين فيهما بينهما فاصل وقد أثر الاجتماع من حيث أبدلت الأولى واوا، وذلك أن الفاصل ذآئب الأولى عين الكلمة والثانية بدل من المدّة الزائدة في المفرد الواقعة بعد ألف الجمع، لكن ليس في عبارة المصنف ما يقتضي أن الإبدال في ذوائب واجب، وقد نصّوا على وجوبه.
قال ابن عصفور في باب إبدال الواو من الهمزة: وتبدل - أيضا - باطراد إذا كانت قبل الألف في الجمع الذي لا نظير له في الآحاد بشرط أن يكتنف ألف الجمع همزتان نحو: ذوائب في جمع ذؤابة، أصله:
ذآئب، فأبدلت الهمزة واوا هروبا من ثقل البناء مع ثقل الهمزتين والألف، لأن الألف قريبة من الهمزة؛ لأنها من الحلق.
كما أن الهمزة كذلك، فكأنه قد اجتمع في الكلمة ثلاث همزات، فالتزموا لذلك إبدال الهمزة واوا 782. انتهى.
ثم إن المصنف لما أثبت هذا الحكم - أعني إبدال الهمزة الأولى واوا كنحو: ذوائب - -
الجزء: 10 - الصفحة: 5042
[حكم توالي أكثر من همزتين]
قال ابن مالك: (ولو توالى أكثر من همزتين حقّقت الأولى، والثّالثة، والخامسة، وأبدلت الثّانية والرّابعة).
قال: ولا يقاس على ذوائب إلا مثله جمعا وإفرادا وأراد بمثله جمعا أن يكون على فعائل، وبمثله إفرادا أن يكون على وزن مفرده، وصحّت فيه الهمزة نحو: ذؤابة، وقد خالف الأخفش في ذلك فقاس على ذوائب ما ليس مثله لا في الجمعية ولا في الإفراد، وذلك نحو أن تبني من السؤال مثل فعالل، فتقول على مذهبه:
سوائل 783، بالواو وإن كان مفردا قياسا على ذوائب في كونها همزة بعدها همزة، ومثال ما هو جمع وهو مخالف في الإفراد: سآيم جمع سآمة، مسمى بها على حد سحابة وسحائب، فيقول فيه الأخفش: سوايم، قياسا على ذوايب 784، وإن كان مفرده مخالفا لمفرده في الوزن، وأشار المصنف بقوله: وتحقيق غير الساكنة... إلى آخره: أن تحقيق الهمزة المتحركة مع اتصالها بهمزة أخرى لغة، فيقال في أيمة: أئمة، وفي أومّ من: فلان أأمّ من فلان، وقد قرئ أئمة 785 بالتحقيق في السبع 786.
واعلم أن المصنف قال في إيجاز التعريف: اجتماع الهمزتين في كلمة موجب لإبدال الثانية حرف لين ما لم يشذ التحقيق 787. قال الشيخ: فقوله: ما لم يشذ التحقيق مناف لقوله هناك: إن ذلك لغة.
قال: إلا إن كان يعني بالشذوذ القياس، فنعم، كقولهم: أعمال الحجاز بين أول شاذ.
يعنون في القياس 788.
قال ناظر الجيش: هذا كلام واضح، قال المصنف في إيجاز التعريف: ولو اتفق توالي أكثر من همزتين أبدلت الثانية والرابعة، وحقّق ما سواهما، وذلك أن تبني مثل قمطر من همزات فتقول إيأي، والأصل: إ أأ أفأبدلت الثانية؛ لأنها بعد همزة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5043
[تخفيف الهمزة المتحركة]
قال ابن مالك: (فصل: إذا كان في الكلمة همزة غير متّصلة بأخرى من كلمتها، جاز أن تخفّف متحرّكة، متحرّكا ما قبلها بإبدالها مفتوحة بواو بعد ضمّة، وبياء بعد كسرة، وأن تخفّف مفتوحة بعد فتحة ومكسورة أو مضمومة بعد فتحة، أو كسرة أو ضمّة بجعلها كمجانس حركتها خلافا للأخفش في إبدال المضمومة بعد كسرة ياء والمكسورة بعد ضمّة واوا).
محققة، وهكذا قياس ما لم يذكر 789. انتهى.
والمثال المطابق للفظ الكتاب هو أن تقول في أترجة إذا بنيته من الهمزة: أوأوأة والأصل: (أأ أأ أة) 790 فاجتمعت خمس همزات، فقلبت الثانية واوا؛ لسكونها وانضمام ما قبلها فحجزت بين الأولى والثالثة، وقلبت [6/ 151] الرابعة واوا؛ لسكونها وانضمام ما قبلها فحجزت بين الثالثة والخامسة، قال: خففت الهمزة الثالثة قلت: أووءة ألقيت حركتها على الساكن قبلها وحذفتها 791، يعني ابن عصفور بهذا التخفيف:
التخفيف الجائز، ثم قال ابن عصفور: فإن قيل: فهلا أبدلت الهمزتين واوين، وأدغمت الواوين اللتين قبلهما فيهما كما تقول في مقروءة: مقروّة فكنت تقول منها: أوّوّة؟ فالجواب: أن الواو في مقروءة إنما زيدت للمدّ، وليست منقلبة عن حرف أصلي ولا غير أصلي.
فلا يمكن تحريكها؛ لئلا يخرج من المدّ الذي جيء بها من أجله، والواوان في: أوءوءة لم تزادا للمدّ بل هما بدل من حرفين أصليين، وهما الهمزتان، فاحتملتا الحركة لذلك 792. انتهى.
ولم يكن هذا من الأمور الغامضة فيحتاج أن ينبّه عليه، بل هو من الواضحات إن شاء الله تعالى.
قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على الهمزتين المجتمعتين في كلمة بالنسبة إلى التخفيف، شرع في الكلام على الهمزة المفردة والملاقية لأخرى، لكن في كلمتين، وقد تقدمت الإشارة إلى أن المذكور في هذا الفصل من تخفيف الهمزة إنما هو -
الجزء: 10 - الصفحة: 5044
................................
مذكور على سبيل الاستطراد والتبعية لغيره، وقد فهم من كلام المصنف إذا كان في الكلمة همزة غير متصلة بأخرى من كلمتها جاز أن يخفف.
إنّ الكلام الآن إنما هو في التخفيف الجائز، وأنه إنما يكون جائزا إذا كانت الهمزة مفردة أو مجتمعة مع أخرى لكن كل منهما من كلمة، واعلم أنّ التخفيف المذكور في الفصل المتقدم - أعني التخفيف الواجب - منحصر في الإبدال أعني إبدال الهمزة حرفا من حروف العلّة - أعني الياء، والواو، والألف - وأما التخفيف المذكور في هذا الفصل وهو التخفيف الجائز فإنه يكون بأحد ثلاثة أشياء وهي: الإبدال، والحذف، وجعل الهمزة بين بين أي تلينّ بأن تجعل بينها وبين حرف حركتها.
إذا تقرر هذا؛ فاعلم أن الهمزة المشار إليها في هذا الفصل إما متحركة متحرك ما قبلها، وإما ساكنة بعد حركة، وإما متحركة بعد ساكن، فهذه ثلاثة أقسام ولكلّ حكم، وعلم من هذا التقسيم أن الهمزة المفردة التي يقصد تخفيفها شرطها أن لا تكون مبتدأ بها.
أما القسم الأوّل: وهو ما الهمزة فيه متحركة متحرك ما قبلها فللهمزة فيه تسع صور؛ لأن الهمزة لا بد أن تكون متحركة بإحدى الحركات الثلاث وما قبلها كذلك والمرتفع من ضرب ثلاث في ثلاث تسع، فالهمزة إما مفتوحة
وقبلها الثلاث نحو:
سأل، ومائة، ومؤجّل، وإما مكسورة وقبلها الثلاث نحو: سئم، ومستهزئين، وسئل، وإما مضمومة وقبلها الثلاث نحو: رؤوف، ومستهزئون، ورؤوس، ففي صورتين من هذه التسع يكون الإبدال، وفي سبع الصور الباقية يكون التسهيل؛ وذلك بأن تجعل الهمزة بين بين كما سيأتي أما الصورتان اللتان فيهما الإبدال فهما أن تكون الهمزة مفتوحة بعد ضمة نحو: مؤجّل، وجؤن جمع جونة 793، أو مفتوحة بعد كسرة نحو: مائة، ومئر جمع مئرة 794، وكذا: أريد أن أقرئك، فالواقعة بعد ضمّة تبدل واوا.
والواقعة بعد كسرة تبدل ياء، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: جاز أن تخفف متحركة متحركا ما قبلها بإبدالها مفتوحة بواو بعد ضمة، وبياء بعد كسرة.
وأما الصور السبع التي فيها التسهيل: فهي أن تكون الهمزة مفتوحة بعد فتحة، أو مكسورة بعد الثلاث - أعني: الفتحة، والكسرة، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5045
................................
والضمة - أو مضمومة بعد الثلاث نحو: سأل، وسئم، ومستهزئين، وسئل ورؤوف، ومستهزئون ورؤوس.
وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: وإن تخفف مفتوحة بعد فتحة ومكسورة أو مضمومة بعد فتحة أو كسرة أو ضمة بجعلها كمجانس حركتها ومراده: أن يجعل الهمزة بينها وبين الحرف الذي منه حركتها.
وهذا هو المراد بقوله: يجعل بين بين.
وكان قياس تسهيل الهمزة المذكورة - أعني المفردة المتحركة المتحرك ما قبلها - أن تكون بين بين في الأحوال كلها، فإنهم اعتذروا عن عدم جعلها بين بين في نحو: مؤجل، ومائة بأن قالوا: لو جعلت بين بين في نحو هذين لكانت تجعل بين الهمزة والألف، ولا يجوز ذلك؛ لأنها إذ ذاك تقرب من الألف، فكما أن الألف لا يكون ما قبلها مضموما، ولا مكسورا فكذلك ما يقرب منها، فلما تعذر تسهيلها على هذا الوجه أبدل منها واوا إذا انضم ما قبلها، وياء إذا انكسر كما يفعل بالألف إذا انضم ما قبلها أو انكسر، ثم أشار المصنف بقوله:
خلافا للأخفش إلى أن الأخفش خالف في صورتين من السبع وهما ما اشتملا على ضم وكسر معا، فخفّف بالإبدال، فأبدل المضمومة بعد كسرة ياء، والمكسورة بعد ضمة واوا 795، وذلك نحو: يستهزئون، وسئل، فالأخفش إذا خفف يقول:
يستهزيون وسول، وحاصل فعله: أنّه أجرى المضمومة بعد الكسرة، والمكسورة بعد الضمة مجرى المفتوحة بعد الضمة والكسرة.
فكما أبدلت المفتوحة بعد الضمة واوا وبعد الكسرة ياء (هكذا أبدل هو المضمومة من بعد الكسرة ياء) 796 والمكسورة بعد الضمة واوا وحجّته في ذلك أنك إذا سهّلت المضمومة قربتها من الواو الساكنة، فكما أن الواو الساكنة لا تقع بعد كسرة، كذلك ما يقرب منها، وإذا سهّلت المكسورة كان ذلك تقريبا لها من الياء الساكنة، فكما أن الياء الساكنة لا تقع بعد ضمة كذلك ما يقرب منها، وإنما تكون الواو الساكنة بعد الكسرة ياء نحو: ميزان، والياء الساكنة بعد الضمة واوا نحو: موقن، وقد رد مذهب الأخفش بأنه لم يسمع الإبدال في مثل يستهزئون وسئل 797، قالوا: والقياس جعلها بين بين كسائر أخواتها -
الجزء: 10 - الصفحة: 5046
................................
وهو مذهب سيبويه 798، ولولا ما ورد به السماع في جون 799، ومير من الإبدال لما أبدلت، بل كانت في ذلك تحمل على نظائرها مما هو متحرّك ما قبله في جعلها بين بين.
وقد علم من هذا أن الأخفش يوافق الجمهور في تسهيل الهمزة بينها وبين حرف حركتها في الصور الخمس الباقية، وهي: المفتوحة بعد كسرة، والمكسورة بعد فتحة أو كسرة، والمضمومة بعد فتحة أو ضمة نحو: سأل، وسئم، ومستهزئين، ورؤوف، ورؤوس.
واعلم أن في الهمزة المضمومة بعد [6/ 152] كسرة، والمكسورة بعد ضمة (مذهبا) 800 آخر لم يذكره المصنف، وهو أن يجعل الهمزة بينها وبين حرف حركة، فيكون تخفيف: مستهزئون بين الهمزة والياء، وتخفيف: سئل بين الهمزة والواو، وكأن هذا المذهب فرع عن مذهب الأخفش.
على أن ابن الحاجب إنما ذكره، ولم يذكر 801 مذهب الأخفش، وهو الإبدال واوا أو ياء، عكس ما فعله المصنف.
وقد نقل الشيخ هذا المذهب ونسبه إلى أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح 802، ثم قال: وقد أولع به جماعة من القراء.
وآثروه على مذهب سيبويه، يعني وهو التسهيل بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها، وعلى مذهب الأخفش وهو الإبدال واوا أو ياء، ثم إنه استضعف ذلك بما توقف عليه من كلامه 803، ولما ذكر ابن الحاجب
الصور التسع في الهمزة المتحركة المتحرك ما قبلها وذكر أمثلتها؛ قال: فنحو: مؤجّل واو، ونحو: مائة ياء، ونحو: مستهزئون، وسئل بين بين المشهور، وقيل: البعيد، والباقي بين بين المشهور 804، وأراد بالمشهور: أنه يكون بينها وبين حرف حركتها، وبالبعيد أن - - «أتعجب من قوله: لم يسمع مع أنه جاء منه عن همزة وقف في نحو: مستهزئون وسئل فلا تغفل».
ينظر في ذلك: الإتحاف (ص 129 - 130).
الجزء: 10 - الصفحة: 5047
[تخفيف الهمزة الساكنة]
قال ابن مالك: (وأن تخفّف ساكنة بعد حركة بإبدالها مدّة تجانسها، وإن تحرّكت بعد ساكن فبحذفها ونقل حركتها إليه ما لم يكن ألفا أو واوا مزيدة للمدّ، أو ياء مثلها أو للتصغير أو نون الانفعال عند الأكثر وتسهّل بعد الألف إن أوثر التّخفيف، وتجعل مثل ما قبلها من الواو والياء المذكورتين ويتعيّن الإدغام، وربّما حمل في ذلك الأصليّ على الزّائد، والمنفصل على المتّصل، ونحو قولهم في كمأة: كمأة، لا يقاس عليه خلافا للكوفيّين).
يكون بينها وبين حركة ما قبلها، والباقي الذي أشار إليه هو الصور الخمس التي قدّمنا ذكرها آنفا، والعلّة في أن لم تجئ هذه بين بين البعيد أما في: سال، ومستهزيين، ورووس 805؛ فإنّه لا فرق بينها وبين المشهور والبعيد؛ لمجانسة حركتها حركة ما قبلها، والحمل على المشهور أولى، وأما سئم ورؤوف فلأنّهم كرهوا أن يجعلوا الهمزة فيها بين بين البعيد فتقرب من الألف وعليها كسرة في: سئم، وضمة في: رؤوف.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على الهمزة المتحركة المتحرك ما قبلها، وهو القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي ذكرناها أول الفصل؛ شرع في الفصلين الأخيرين، وقدم الكلام على الهمزة الساكنة الواقعة بعد حركة، وذكر أن حكمها في التخفيف الإبدال وهو: أن تبدل مدّة تجانس الحركة التي قبلها؛ إن فتحة فألف، وإن كسرة فياء، وإن ضمة فواو.
وقال ابن الحاجب: فالساكنة تبدل بحرف حركة ما قبلها 806، والعبارتان متقاربتان، ويظهر أن عبارة المصنف أخصر وأبين، ومثال ذلك: رأس، وبئر 807، وسؤق، هذا في كلمة، ومثاله في كلمتين قوله تعالى: إِلَى الْهُدَى ائْتِنا 808 والَّذِي اؤْتُمِنَ 809 و (يقولون) -
الجزء: 10 - الصفحة: 5048
................................
(لى) 810 ثم ذكر الهمزة المتحركة الواقعة بعد ساكن، وتخفيف هذه الهمزة: إما بالإبدال والإدغام معا، وإما بجعلها بين بين، وإما بنقل حركتها إلى الساكن قبلها وحذفها، وذلك أن الساكن الذي قبل الهمزة: إما حرف صحيح أو معتل، والمعتل: إما ألف أو ياء أو واو، والياء والواو: إما زائدان أو أصليان، والزائدان:
إما للإلحاق أو لغير الإلحاق؛ فهذه خمسة أقسام، ثلاثة أقسام منها نقل الحركة إلى الساكن وحذف الهمزة، وهي ما إذا كان الساكن حرفا صحيحا أو ياء فيها، أو واوا أصليين أو زائدين للإلحاق، وقسم منها يجعل بين بين، وهو ما إذا كان الساكن الذي قبل الهمزة ألفا، وقسم - وهو الخامس - تبدل فيه الهمزة من جنس ما قبلها ويدغم بعد ذلك الحرف الأول في الثاني، وهو ما إذا كان الساكن ياء أو واوا زائدين لغير الإلحاق فقول المصنف: وإن تحركت بعد ساكن فبحذفها ونقل حركتها إليه ما لم يكن ألفا أو واوا مزيدة للمدّ، أو ياء مثلها، إشارة إلى ما تخفيفه بالنقل والحذف، فأفاد أن هذا الحكم ثابت للهمزة التي قبلها ساكن صحيح، نحو: هذا خبّك في خبئك، ورأيت خبّك، ونظرت إلى خبّك 811، وكذا التي قبلها واو أو ياء أصليان نحو: شيّ، سوّ، في شيء وسوء 812، وكذا التي قبلها واو أو ياء مزيدان للإلحاق سواء أكانا حرفي لين نحو: جيل وحوب 813، في جيأل وحوأب 814، أم حرفي مدّ، وذلك نحو: أن
تبني من السؤال مثل طومار - - قياسا على اتسر في الافتعال من اليسر، وليس بصحيح؛ لأن الياء منقلبة عن الهمزة فهى في حكم الهمزة، وقرأ حمزة وحفص وعاصم - في رواية - بهمزة ورفع أي إسقاطها، والإشارة إلى الهمزة بالضم وهذا لا يجوز لغة، وقرأ الباقون «الذى أؤتمن»، ساكنة الهمزة.
راجع: السبعة لابن مجاهد (ص 194)، والكشاف (1/ 252)، والنشر (1/ 390)، (2/ 237).
الجزء: 10 - الصفحة: 5049
................................
وديماس، فتقول: سوآل وسيآل، ثم تخفف إذا قصدت التخفيف، فتقول: سوال وسيال 815؛ لأن حرف الإلحاق حكمه حكم الأصلي، وإنما قلنا: إن كلام المصنف أفهم أن الحكم المذكور وهو النقل والحذف، ثابت لما ذكرنا؛ لأنه بعد إخراج الألف إنما أخرج الواو والياء المزيدتين للمدّ، فبانتفاء كل من هذه القيود الثلاثة يثبت الحكم، فلا جرم أنه ثبت إذا كان الحرف صحيحا، بأن لم يكن ألفا ولا واوا ولا ياء، وكذا ثبت إذا كان الحرف واوا أو ياء أصليين، وكذا ثبت إذا كان الحرف مزيدا للإلحاق؛ لأنه إذا كان مزيدا للمدّ لا يكون للإلحاق؛ لأن زيادة الإلحاق إنما يقصد بها الإلحاق لا غير، ولا يضر كونها حرف مدّ، وأما الزيادة للمدّ، فإنما زيدت مد، كما في كتاب وقضيب وعمود؛ لأنهم قصدوا أن تخفّ الكلمة على اللسان بعدم توالي الحركات، فخللوا بينها بما هو ساكن، ولا شك أن هذا أمر مقصود لنفسه، فظهر أن بقوله: مزيدة للمدّ، تخرج المزيدة للإلحاق وإن كانت حرف مد، وعلم من هذا أن الساكن الذي قبل الهمزة إذا كان ألفا حكم الهمزة التي تليه في التخفيف غير ما ذكر كهباءة وعباءة 816، وكذا إذا
كان واوا مزيدة للمدّ أو ياء مثلها نحو: خطيئة وشنوءة، فإن للهمزة حينئذ حكما آخر كما سيذكرهما.
وأما قول المصنف بعد ذكر الياء المزيدة للمدّ: أو للتصغير أو نون الانفعال عند الأكثر - فإشارة منه إلى مسألتين:
إحداهما: أن ياء التصغير حرف مزيد، وهو ليس حرف مدّ، إنما هو حرف لين، ومع هذا لا ينقل إليه حركة الهمزة، يعني لا تخفف الهمزة بعد ياء التصغير بالنقل والحذف.
الثانية: أن نون الانفعال حرف صحيح، ومع ذلك لا تنقل إليه حركة همزة واقعة بعده.
وحاصل الأمر: أن هاتين المسألتين كالمستثنيين مما تقدّم؛ لأنا قد أسلفنا أن الياء إذا لم تكن مزيدة للمدّ وقصد تخفيف همزة بعدها، نقلت حركتها إليها، وياء التصغير ليست مزيدة للمدّ، ومع ذلك لا تنقل إليها وذلك نحو: أفؤس إذا صغرته فإنك تقول: أفيئس، ولا يجوز أن يخفف بالنقل والحذف، وعلّلوا ذلك بأنّ ياء التصغير -
الجزء: 10 - الصفحة: 5050
................................
تجري مجرى حرف المدّ لشبهها بألف التكسير من حيث إنها تقع من الاسم ثالثة وبعدها كسرة 817، وعلى هذا فيكون تخفيف أفيئس إذا قصد تخفيفه بالإبدال [6/ 153] والإدغام كما في خطيّة وسيأتي 818، وأسلفنا - أيضا - أن الساكن الذي قبل الهمزة إذا كان صحيحا تنقل إليه حركتها عند قصد التخفيف، ونون الانفعال حرف صحيح، ولا ينقل إليها عند الأكثرين، وذلك نحو: انآد، وانأطر 819. قال الشيخ: مذهب الأكثرين أنه لا يجوز النقل، قال: وسبب ذلك ما يؤدّي إليه من الإلباس؛ لأنك إذا نقلت حذفت الهمزة وألقيت حركتها على النون وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها بحركة النون فيصير اللفظ بالكلمتين بعد النقل: نأد ونطر، فيلتبس بالثلاثي المجرد، فاعتبر الأكثرون هذا الالتباس العارض، قال: ومن لم يبال بالعارض أجاز ذلك 820. ثم قال الشيخ: وينبغي عندي أن يقرّ همزة الوصل، قيقال: انآد وانطر 821؛ لأن هذا النقل عارض 822. انتهى.
والذي قاله الشيخ حق، وقد كان خطر لي ذلك لكن لمّا رأيت الشيخ قد ذكره أبيت أن أنسبه إليّ.
وقد انتهى الكلام على الأقسام الثلاثة التي قياس الهمزة فيها إذا خفّفت أن تنقل حركتها إلى ما قبلها وتحذف.
وقول المصنف: وتسهل بعد الألف إن أوثر التخفيف إشارة إلى ما تخفيف الهمزة فيه بجعلها بين بين، وهو القسم الرابع، وعبّر بالتسهيل عن جعلها بين بين حركتها، قالوا: وإنما جاز ذلك والألف ساكنة وهمزة بين بين بمنزلة الساكن؛ لأن الألف فيها فضل مدّ، والهمزة الملينة فيها فضل
حركة، فسهل لذلك اجتماعهما، وإنما قال المصنف: إن أوثر التخفيف لينبّه على أن هذا التخفيف جائز، لا واجب وإنما لم يكفف عن ذلك بقوله أول الفصل: جاز أن يخفف؛ لأن قوله:
وتسهل بعد الألف أتى به كلاما مستأنفا لم يعطفه على متعلقات جاز المتقدم الذكر، ثم إنه أشار إلى ما تخفيف الهمزة فيه بالإبدال والإدغام معا وهو القسم الخامس -
الجزء: 10 - الصفحة: 5051
................................
بقوله: وتجعل مثل ما قبلها من الواو والياء المذكورتين، ويتعين الإدغام.
وحاصله:
أنك إذا خففت خطيئة ومقروءة، قلت: خطيّة ومقروّة 823؛ لأنك لما أبدلت صار بدل الهمزة من جنس الحرف الذي قبله فالتقى مثلان، أولهما ساكن؛ فوجب الإدغام، وإنما تعين ذلك؛ لأنه لا يمكن بين بين؛ لأن بين بين قريب من الساكن، فيلزم التقاء الساكنين؛ لأن ما قبل الهمزة ساكن ولا الحذف ينقل حركتها إلى ما قبلها لكراهتهم تحريك حرف لا أصل له في الحركة مع الاستغناء عن تحريكه بما ذكر، وقد أفاد كلام المصنف أن نحو: أفيئس إذا خفّف يقال فيه: أفيّس؛ لأن ذكر ياء التصغير قد تقدم ذكرها له مع الياء المزيدة للمدّ والواو المزيدة له - أيضا - في إخراجها عن حكم النقل والحذف عند قصد التخفيف، ثم قوله الآن: وتجعل مثل ما قبلها من الواو والياء المذكورتين مفيد أن حكم: أفيئس في تخفيف همزته حكم: خطيّة في ذلك.
بقي هاهنا أن ننبّه على أمرين:
أحدهما: أن قول المصنف: أو نون الانفعال معطوف على ما قبله مما لا يجوز فيه نقل حركة الهمزة إلى ساكن قبلها وحذفها، وهو ما الساكن فيه ألف أو واو مزيدة للمدّ أو ياء مثلها، أو ياء التصغير، وقد عرفت أن حكم الهمزة فيما ذكر مختلف، فإنها مع الألف تسهّل بين بين، ومع الياء والواو المزيدتين للمدّ ومع ياء التصغير تقلب وتدغم، وأما
نون الانفعال فإنها تحقق؛ لأنه إنما نفى عن المذكورات النقل إلى الساكن وحذف الهمزة، ثم ذكر الهمزة مع الألف، ثم مع الواو والياء سواء أكانت الياء للمدّ أو للتصغير فتبقى الهمزة مع نون الانفعال على التحقيق؛ لأنه لا طريق لتخفيفها إلا النقل والحذف، وقد منعه، فوجب بقاؤها على حالها وهو التحقيق.
الأمر الثاني: أن نقل حركة الهمزة إلى الساكن الذي قبلها ليس مختصّا بكونهما معا في كلمة واحدة، بل يجري ذلك، وإن كان الساكن آخر كلمة والهمزة أوّل كلمة أخرى كقولك في من أبوك؟، ومن أمّك؟، وكم إبلك؟: من بوك؟، ومن مّك؟، وكم بلك 824؟ وكذا لو كان هذا الساكن حرف مدّ، فإنه ينقل إليه - أيضا - نحو قولك: أبو يّوب، وذو مرهم، واتّبعي مره، وقاضو بيك، وهؤلاء -
الجزء: 10 - الصفحة: 5052
................................
مكرمو خيك، ومكرمو خوتك، ورأيت ضاربي مّ فلان.
هكذا أطلق بعض المصنفين 825، وفي شرح الشيخ ما يقتضي أن يكون حرف العلة دالّا على معنى، ولا يظهر ذلك 826، فإن الظاهر أن التخفيف في نحو: قاضي ابيك، لا يمنع مع أن الياء في قاضي ليست دالة على معنى فإن قال قائل: الشرط إما الدلالة على معنى، وإما كون الحرف أصليّا لا زائدا وحينئذ يستقيم الضابط، قيل: ما تقول في نحو: عرقوة إذا سمي به، ثم نودي ورخّم على لغة من لا ينتظر المحذوف، وقلت: يا عرقيّ، ثم أمرت المنادي بأمر فقلت: يا عرقيّ أكرم زيدا، وقصدت التخفيف بالنقل هل يجوز؟
فإن منعه فلا كلام، وإن أجازه ثبت أن حرف اللين إذا كان آخر كلمة جاز أن ينقل إليه حركة الهمزة التي في أول كلمة أخرى، دون اشتراط أن يكون الحرف المذكور دالّا على معنى وأصليّا.
ثم لما أنهى المصنف الكلام على الأقسام كلها أشار إلى مسألتين:
إحداهما: التي أشار إليها بقوله: وربّما حمل في ذلك الأصلي على الزائد يعني أنهم يبدلون ويدغمون في نحو: شيء فيقولون: شيّ وسوّ فهاتان الكلمتان قياسهما في التخفيف والنقل والحذف لأصالة حرف العلّة فيهما، فعوملا معاملة خطيئة ومقروءة إذا خففا إجراء للحرف الأصلي مجرى الحرف الزائد.
والثانية: العلّة التي أشار إليها بقوله: والمنفصل على المتصل وذلك أنه قد تقدم أن حرف المدّ إذا كان في كلمة
والهمزة في كلمة أخرى فإن التخفيف بالنقل إليه بخلاف ما إذا كان الحرف المذكور والهمزة في كلمة واحدة، فإن تخفيف الهمزة حينئذ إنما هو بالإبدال والإدغام، فقال المصنف: وربما حمل المنفصل على المتصل يعني أنهم يبدلون ويدغمون في المنفصل كما يفعلون في المتصل فيقولون: أبو يّوب، وفيّ براهيم، في: أبو أيوب، وفي إبراهيم 827، إجراء للحرف المنفصل مجرى الحرف المتصل، ثم أشار بقوله ونحو: قولهم في كمأة: كماة ولا يقاس عليه خلافا للكوفيين إلى أنك (إذ) 828 قد عرفت أن قياس تخفيف كمأة النقل والحذف فيرجع -
الجزء: 10 - الصفحة: 5053
[حكم المنقول إليه حركة الهمزة]
قال ابن مالك: (وإن كان المنقول إليه حرف التّعريف رتّب الحكم على سكونه الأصليّ كمن الآن، أو على حركته العارضة كمن لآن، وربّما استغني بحذف الهمزة عن النّقل إلى الياء والواو المتحرّك ما قبلها ما لم تكن الحركة فتحة وقد لا تستثنى، والتزم غالبا النّقل في [6/ 154] ما شاع من فروع الرّؤية والرّأي والرّؤيا، إلّا: مرأى ومرئيّا ومرآة، وأرأى منه، وما أرآه، وأرء به).
إلى كمة، أما نقل حركتها إلى الساكن قبلها وإبدال الهمزة ألفا فشاذّ، وقاس عليه الكوفيون 829؛ جريا على مذهبهم في بناء القواعد على ما قلّ وندر.
قال سيبويه:
وقد قالوا: المراة والكماة، ومثله قليل 830.
قال ناظر الجيش: هذا الكلام يشتمل على مسائل ثلاث:
الأولى:
أن الحركة التي تنقل إلى ساكن قبلها عن همزة قد حققت عارضة غير أصلية، فإمّا أن لا يعتد بالعارض وهو الأكثر، فيكون حكم المتحرك المذكور حكم الساكن وإمّا أن يعتد بالعارض وهو الأقل فيكون حكم المتحرك المذكور حكم المتحرك بحركة أصلية، وعن العرب اعتبار الأمرين، وينبني على الاعتبارين نحو: الأحمر مثلا إذا خفّف،
فيقال على الأكثر: الحمر، وعلى الأقل: لحمر 831.
فإذا قيل: كيف اعتد بالعارض هنا على هذه اللغة، ولم يعتد به 832 في نحو:
قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا 833؟ أجيب بأن اللّام صارت مع المعرف بها كالجزء لفظا ومعنى؛ فلكونها على حرف واحد، وأما المعنى؛ فلكونها تغيّر مدلول الاسم عن كونه كان لواحد لا بعينه إلى واحد معين فجرت مجرى الجزء.
-
الجزء: 10 - الصفحة: 5054
................................ فإن قيل: كيف لم يعتد بالعارض في نحو: سل، فكأنّه يقال فيه: إسل 834 كما أنهم لم يعتدّوا به في الحمر، ولا شك أن عدم الاعتداد في اللغة الكبرى؟ قلت: قال الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب في تصريفه: ولم يقولوا: إسل؛ لاتحاد الكلمة 835، وقال في شرح ذلك: يعني أنه لمّا كثر الأمر من اسئل نقلوا الهمزة إلى السين غالبا فصار من حكم الملتزم ومن حيث كانت كلمة واحدة فاستغني عن همزة الوصل لذلك أو لأنهم لما استثقلوا الهمزتين في: اسل في الابتداء مع كسرها آثروا في الأفصح نقل الهمزة إلى السين فلو أبقوا همزة الوصل والهمزة التي بقيت حركتها في حكم الموجودة - لكانوا كأنهم جمعوا بين همزتين، وقد أورد على هذا الأمر من: جأر، ورؤوف 836؛ لأنك تقول: اجأر، وارؤف، فإذا نقلت حركة الهمزة وحذفتها جاز إبقاء همزة الوصل نحو: إجر وإرف، وحذفها نحو: جر، ورف وأجيب بأن كثرة الاستعمال فيهما منتفية والكثرة هي العلة في ما مرّ، إذا عرفت هذا فعلى اللغة الكبرى يقال: من لحمر بفتح النون لالتقاء الساكنين، وفلحمر بحذف الياء؛ لأن اللّام في حكم السكون فالتقي ساكنان فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وعلى اللغة القليلة يقال: من لحمر بإسكان النون فيدغم في اللام، وفي لحمر بإثبات 837 الياء، وقراءة أبي عمرو ونافع 838 (عاد لولى) 839 هي على الأقل؛ لأن قياس اللغة الكثيرة إذا نقلت الهمزة في الأولى فاتصلت بـ (عادا) أن يقال: (عادن لولى)؛ لأن التنوين ساكن ولام التعريف ساكنة في الحكم فيجب كسر التنوين لالتقاء الساكنين، وقياس اللغة القليلة أن يقال: (عادن لولى)؛ لأن اللام في حكم -
الجزء: 10 - الصفحة: 5055
................................
المتحرك فيبقى التنوين ساكنا على حاله ويدغم في اللام على القياس، وقد عرف من هذا الذي ذكرناه ما أراده المصنف بقوله: وإن كان المنقول إليه حرف التعريف رتّب الحكم على سكونه الأصلي كمن الآن، أو على حركته العارضة كمن لان، على أن عبارة المصنف تقتضي تساوي الأمرين، إلا أن يقال: إن بدأ به مما قلنا: إنه اللغة الكبرى، وتقديمه ذلك في الذكر يدل على أنه الأولى.
المسألة الثانية:
قد تقدّم أن تخفيف الهمزة المتحركة إذا كان قبلها ياء أو واو تكون بنقل حركتها إلى الياء أو الواو وحذفها بالشرط المعروف وهذا هو القياس، فأشار الآن بقوله:
وربّما استغني بحذف الهمزة عن النقل إلى الياء والواو المتحرك ما قبلهما إلى أن الهمزة تحذف مع حركتها ولا يكون نقل؛ وعلى هذا إما أن يكون ما بعد الهمزة متحركا أو ساكنا، فإن كان متحركا حذفت الهمزة مع حركتها، ولا
يفعل شيء آخر فيقال: في يغزو أدد 840، ويرمي أدد: يغزو دد ويرمي دد، وإن 841 كان ما بعد الهمزة ساكنا وجب حذف الياء والواو لالتقاء الساكنين نحو: يغزو إخوتك، ويرمي إخوتك فيقال: يغز خوتك، ويرم خوتك 842، ونبّه المصنف على أن ذلك قليل بقوله: وربّما، وأما تقييده الياء والواو بالمتحرك ما قبلهما فظاهر، وأفاد المصنف بذكر الياء والواو أن الألف لا يكون معها هذا الحكم - أعني حذف الهمزة مع حركتها - نحو: هذا ابراهيم، وهذا احمد، وقد يسأل فيقال: أيّ فرق بين الألف وأختيها، وهلا قيل: هذ برهيم، وهذ حمد، بحذف ألف هذا، بعد حذف الهمزة كما قيل: يغز خوتك، والذي ظهر لي أن تخفيف نحو: هذه الهمزة - أعني المتحركة التي قبلها ياء أو واو - إنما هو بالنقل والحذف ثم إنه قد يقتصر على أحد الأمرين وهو الحذف دون نقل، أما الهمزة التي قبلها ألف فقياسها التسهيل بين بين كما تقدم، وليس قياسها النقل والحذف معا، ولا شك أن الحذف دون نقل فرع عن النقل والحذف، وقد عرف أن لا نقل إلى الألف فينبغي أن لا يجيء -
الجزء: 10 - الصفحة: 5056
................................
الحذف دون نقل؛ لأن الحذف دون نقل فرع عن النقل والحذف وإذا كان الأصل ممتنعا وجب امتناع الفرع.
وأشار بقوله: ما لم تكن الحركة فتحة إلى أنه إذا كانت الحركة فتحة فلا يستغنى بحذف الهمزة عن النقل إلى الحرفين المذكورين نحو: يغزو أحمد، ويرمي أحمد، بل بنقل الحركة إلى الياء والواو وبحذف الهمزة، ثم منهم من يحذف الهمزة مع الحركة التي هي فتحة ولا ينقل فيقول: يغز حمد، ويرم حمد 843، كما يفعل مع الياء والواو، وإلى ذلك أشار بقوله: وقد لا يستغنى.
المسألة الثالثة:
هذا التخفيف الذي هو بالنقل والحذف جائز كما عرفت ولكنه التزم في باب:
يرى، وأرى، ويرى لكثرة دور هذه الألفاظ من هذه المادة فقصد التخفيف، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: والتزم غالبا النقل في ما شاع من فروع الرّؤية، والرّأي والرّؤيا فهذه الثلاثة مصادر، فالرؤية بمعنى الإبصار في اليقظة، والرأي في معنى الاعتقاد، والرؤيا بمعنى الإبصار المنامي 844.
قال الله تعالى: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا 845 وفروع هذه هي المضارع والأمر نحو: أرى، ونرى، وترى، ويرى، وره وكذا الداخل عليه همزة النقل فإنه فرع - أيضا - ويلزم التخفيف في ماضيه كما يلزم في مضارعه فيقال: أرى، ويرى، وترى، ونرى، وأري، ويقال في الأمر: أر زيدا عمرا، والأصل أرإي حذفت الياء للبناء ثم حصل النقل وحذفت الهمزة فقيل: أر، ويقال في اسم الفاعل والمصدر من أرى: أنا مر زيدا عمرا إراءة، والأصل: مرء، وإرآأة كاستخراجة فالهمزة الأولى عين الكلمة وهي التي حذفت بعد نقل حركتها، والهمزة الثانية هي لام الكلمة قلبت همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة وهي الباقية في: إراءة، واعلم أن لغة تيم اللّات عدم [6/ 155] النقل في ما ذكر فيقولون:
يرأي وأرأى 846، وعن هذه اللغة احترز المصنف بقوله: غالبا، قيل: وإنما قال: في -
الجزء: 10 - الصفحة: 5057
................................
ما شاع احترازا من نحو: استرأى؛ لقلّة ذلك 847، ثم إن المصنف استثنى من الفروع كلمات لم يحصل فيها نقل، وأشار إليها بقوله: إلا مرأى... إلى آخره: أما مرو، فهو مفعل.
قال الشيخ: وقد جاء مخففا، قال الشاعر:
4298 - محمرّة عقب (الصّبوح) 848 عيونهم... بمرى هناك من الحياة ومسمع 849
وأما مرئيّ فهو: اسم مفعول، وأما مرآة فهو: اسم للآلة، وأما أرأى منه فهو:
صيغة التفضيل، ومنه هذه هي التي تقع بعد أفعل التفضيل، وأما ما أرآه، وأرء به فهما: صيغتا تعجب 850. قال الشيخ: وأفهم كلام المصنف: إلا مرأى أنه لا يلزم فيه وفي ما بعده النقل، وتحت هذا قسمان: أحدهما: منع النقل، والآخر:
جوازه 851. انتهى.
والظاهر أن النقل لا يمتنع فعلى هذا الاستثناء إنما هو من التزام النقل، والمعنى أن النقل ملتزم إلا في هذه الكلمات، فإنه لا يلتزم فيبقى أصل الجواز.
وقال الشيخ: قال صاحب كتاب الأمر والنهي: إذا أردت الأمر من رأيت الصيد، إذا أصبت رؤيته قلت: إرأه، ولا ترأه، وأرأياه، ولا ترأياه؛ لقلة هذا الحرف في كلامهم، وإنما
يحذفون الكلمة إذا كثر استعمالهم إياها لتخف عليهم.
انتهى.
ومن هنا قال الشيخ: أطلق المصنف في قوله: من فروع الرؤية والرأي والرؤيا؛ لأن الرأي لا يكون مصدرا - أيضا - لرأى التي بمعنى أصاب الرئة، وجميع فروعه مهموز، وإنما جاء الحذف في فروع ما يكون بمعنى الإبصار والعلم والاعتقاد.
انتهى.
وكأنه يريد بقوله: وإنما جاء الحذف لزوم الحذف، وكذا يريد بقوله: وجميع فروعه مهموز، أنه لا يجب ترك همزة ولا يريد أنه لا يجوز ترك الهمز؛ لأن تخفيف الهمز لا يمكن منعه.
الحديث: 4298 - الجزء: 10 - الصفحة: 5058
[إبدال أحرف العلة من بعض: إبدال الياء من الواو]
قال ابن مالك: (فصل: تبدل الياء بعد كسرة من واو هي عين مصدر لفعل معتلّ العين، أو عين جمع لواحد معتل العين مطلقا أو ساكنها إن وليها في الجمع ألف وصحّت اللّام وقد يصحّح ما حقّه الإعلال من فعل مصدرا أو جمعا، وفعال مصدرا، وقد يعلّ ما حقّه التّصحيح من فعال جمعا أو مفردا غير مصدر، ومن فعلة جمعا وليس مقصورا من فعالة خلافا للمبرّد).
قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام على إبدال الهمزة من أحرف العلّة، ثم على إبدال أحرف العلّة من الهمزة، شرع في الكلام على إبدال أحرف العلّة بعضها من بعض، وقد ذكرنا قبل أن التكافؤ في الإبدال واقع بين أحرف العلّة الثلاثة، أي أن كلّا منها يبدل من أخويه، وقد بدأ المصنف بذكر إبدال الياء من الواو، واعلم أن الياء تبدل من الواو ومن الألف، أما إبدالها من الواو فقد يكون في مصدر أو جمع، وقد يكون في غيرهما أما إبدالها في مصدر أو جمع فقد قصر هذا الفصل على ما ذكره، وأما إبدالها في غير هذين فسيذكره في الفصل الآتي بعد هذا لو نظم إبدال الياء من الواو في جميع المواضع في فصل واحد لكان أولى.
إذا تقرر هذا فالذي اشتمل عليه هذا الفصل أن الياء تبدل من
الواو بشرطين: أن تقع بعد كسرة، فلو وقعت بعد فتحة نحو: روح، أو ضمة نحو: عوار فالتصحيح 852 وأن تكون واقعة عينا إما لمصدر، وإما لجمع، فنحو: سواك وخوان وصوان وتصحح؛ لأنها مفردات وليست بمصادر، وأما المصدر فشرطه أن يكون مصدر فعل معتل العين نحو: قام قياما وصام صياما، وعاد عيادا، فلو صحت عين الفعل لم تعل عين المصدر نحو: لاوذ لواذا 853 وجاور جوارا.
ولو قال المصنف: لفعل معتل العين كان أحسن؛ لأن المعتل ما فيه حرف العلّة، وإن لم يلحقه إعلال.
واعلم أن ثم شرطا آخر لإعلال عين المصدر هذا الإعلال لم يذكره المصنف في هذا الكتاب، ولا في إيجاز التعريف، ولكن ذكره في الكافية وشرحها.
وهو أن يوجد بعد عين المصدر -
الجزء: 10 - الصفحة: 5059
................................
ألف كقيام وصيام، فإن لم يكن ألف وجب التصحيح؛ كالحول مصدر حال، والعود مصدر عاد المريض، والعوج مصدر عاج 854 وقد علّل قلب الواو ياء في ما ذكر، بأن الواو لمّا أعلّت في الفعل استثقل إبقاؤها في المصدر بعد الكسرة وقبل حرف يشبه الياء وهو الألف، فأعلّت حملا للمصدر على فعله، فقلبت ياء ليصير العمل في اللفظ من وجه واحد وهو الكسر والياء والألف التي تشبه الياء، وأما الجمع فشرطه أن يكون واحده إما معتل العين، أو ساكنها، فإن كان معتلّ العين أي: معلّها أبدلت الواو ياء في الجمع سواء أوجد بعدها فيه ألف أم لا نحو: ديار جمع دار، ورياح جمع ريح، وتير وقيم، جمعي تارة وقامة 855، وإلى عموم الحكم في القسمين المذكورين أشار المصنف بقوله: «مطلقا»، وإن كان واحد الجمع ساكن العين أبدلت الواو ياء في الجمع إن وليها فيه ألف نحو: حوض وحياض، وثوب وثياب، وسوط وسياط، فلو لم يلها ألف فالتصحيح نحو: عودة جمع عود وكوزة جمع كوز 856 ودول جمع دولة، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: أو ساكنها إن وليها في الجمع ألف، فعلم أنه إذا لم يلها ألف لا يكون إعلال، بل يتعين التصحيح كما مثل.
وأما قوله في الكتاب: وصحت اللّام فهو شرط ثان لإعلال جمع ما سكنت عينه هذا الإعلال، والمراد أن الواو لا تقلب ياء في الجمع مع سكونها في الواحد إلا أن ينضم إلى وجود ألف بعدها في الجمع صحة اللام، كما تقدم من نحو: حياض وثياب وسياط، أما إن اعتلت اللام فالتصحيح، وذلك نحو: رواء فإنّه جمع ريّان فقد وجد في الجمع ألف بعد العين الساكنة في المفرد ومع -
الجزء: 10 - الصفحة: 5060
................................
ذلك لم يعل لأجل إعلال اللام 857، قال المصنف في إيجاز التعريف: يجب إبدال الواو ياء إذا كانت عين فعال جمعا لواحد صحت لامه وأعلت عينه كدار وديار، أو سكنت كثوب وثياب، أو اجتمع فيها الأمران كريح ورياح فلو كانت اللام واوا أو ياء، وجب تصحيح العين في الجمع؛ لئلا يتوالى إعلالان، وذلك أن اللام في هذا الجمع تتطرف بعد ألف زائدة، فيجب إبدالها همزة لما تقدم ذكره، فلو أعلّت العين - أيضا - بإبدالها ياء، فقل في جمع جو: جياء، وفي جمع ريان: رياء، لزم توالي إعلالين، وذلك إجحاف بالأصل، فلجئ إلى تصحيح العين فقيل: جواء ورواء، وكذلك حكم ما أشبههما 858. انتهى.
وهكذا علل غيره الصحة في نحو:
رواء بأن الإعلال يلزم منه توالي [6/ 156] إعلالين.
قال ابن الحاجب: وصحّ رواء جمع ريّان كراهة إعلالين 859، وهو تعليل ظاهر، غير أن المصنف قال في شرح الكافية: توالي إعلالين إجحاف، فينبغي أن يجتنب على الإطلاق، فاستمرّ اجتنابه إذا كان الإعلال متفقا كما يكون في الهوى.
واغتفر تواليهما إذا اختلفا نحو: ماء أصله: موه فأبدلت الواو ألفا والهاء همزة، وهذا لا يطّرد، واغتفر تواليهما باطّراد في نحو: شاء اسم فاعل من شاء وأصله: شاوئ.
فأعلت عينه بإبدالها همزة كما فعل بقائم، ثم أبدلت الهمزة الثانية ياء، لوقوعها طرفا بعد همزة مكسورة، واغتفر تواليهما - أيضا - للاختلاف في نحو: ترى؛ لأن أصله: ترأى، فحذفت الهمزة وقلبت الياء ألفا، وأمثال ذلك كثيرة 860، هذا كلامه، ولا شك أن الإعلالين في نحو: رواء، لو أعلّت عينه يختلفان والغرض أنه عند الاختلاف يجوز
تواليهما، فكيف يعتذر عن عدم الإعلال بما يؤدي الإعلال إليه من توالي الإعلالين، مع أن الإعلالين مختلفان، والتوالي عند الاختلاف جائز، كما تضمنه كلامه المذكور آنفا، ولمّا قرر المصنف ما قرّره، وعلم منه ما حقه أن يصحّح وما حقّه أن يعلّ، وكان قد خرج من القاعدة في كل من البابين شيء، فعومل بخلاف ما يستحقه، نبّه على ذلك بقوله: وقد يصحّح ما حقّه الإعلال... إلى آخر الفصل، فذكر -
الجزء: 10 - الصفحة: 5061
................................
ما صحّح وحقّه الإعلال، أولا، ثم ذكر ما أعلّ وحقّه التّصحيح ثانيا، واعلم أنه قد تقدّم أن الواو الواقعة بعد كسرة إذا كانت عين مصدر فعل معتل العين، تبدل ياء كصيام وقيام، وتقدّم أنه لم يشترط في التسهيل لإبدالها ياء شرط آخر، فعلى هذا مثّل لقوله: وقد يصحّح ما حقّه الإعلال من فعل مصدرا، بقولنا: حال حولا وهو تمثيل صحيح؛ لأنه لم يشترط لذلك وجود ألف بعد العين.
ولكن قد تقدم لنا أنه اشترط ذلك في شرح الكافية، وكلامه فيه يقتضي تحتم التصحيح في نحو: حول وعود وعوج، لعدم الألف بعد العين، وكلامه في متن الكافية يقتضي أن التصحيح أغلب من الإعلال، فإنّه ذكر هذا الحكم أعني إبدال هذه الواو ياء، ثم قال المصنف:
في مصدر المعتلّ عينا والفعل... منه صحيح غالبا نحو الحول 861
فقوله في التسهيل: وقد يصحح ما حقه الإعلال من فعل مصدرا، ينافي ما ذكره في متن الكافية وشرحها؛ لأنه إذا جعل حق الكلمة الإعلال، كان التصحيح مرجوحا، وربّما يعد شاذّا، وكلامه في الكافية وشرحها يقتضي أنه إما واجب أو راجح 862، وكلام ابن الحاجب 863 يوافق ما ذكره المصنف في التسهيل فإنه أوجب إعلاله، وجعل تصحيحه في بابه شاذّا لتصحيح، العود في بابه، وتقدّم أن الواو المكسور ما قبلها في جمع واحد معتلّ العين تبدل ياء، وجدت الألف بعد العين، في العين كديار، أو لم توجد كقيم، فعلى هذا قولهم: حوج في جمع حاجة شاذ 864، فهذا مثال لقوله: أو جمعا، بعد قوله: من فعل مصدرا.
قال في إيجاز التعريف: وشذ التّصحيح في نظير: قيم فقالوا:
حاجة وحوج وأما فعال مصدرا - يعني بالألف - فلا شك في استحقاقه الإعلال فتصحيحه شاذّ وذلك قولهم: نارت نوارا، أي نفرت، وكان حقّه: نيارا كقيام وهذا مثال لقوله:
وجمعا، وقوله: وفعال مصدرا، ولو قال المصنف: من فعال مصدرا أو فعل مصدرا أو جمعا، كان أحسن ترتيبا؛ لأن: فعالا المصدر مستحق الإعلال قطعا بخلاف -
الجزء: 10 - الصفحة: 5062
................................
فعل المصدر فإن فيه ما عرفت.
ولكن العذر له أنه ساوى في التسهيل بين فعل وفعال، في استحقاق الإعلال، وأن فعلا إذا كان جمعا، فتصحيحه شاذ لا محالة، إذا كانت عين مفرده معتلّة، وهو قد قرن الجمع الذي على فعل بالمصدر الذي هو على هذه الصيغة؛ فلهذا قدم ذكر فعل على ذكر فعال ثم قد عرفت أن هذا الإعلال لا يكون في جمع إلا إذا كانت عين واحده معتلة أو ساكنة، وأنه لا يكون في مفرد إلا إذا كان ذلك المفرد مصدرا، أما إذا لم تكن عين واحده معتلة أو ساكنة بأن تكون متحركة، فإنها لا تعلّ في الجمع، فإن أعلّت كان ذلك شاذّا، وكذا إذا كانت العين التي هي واو متحركة وقبلها كسرة لكنه في مفرد غير المصدر، فإن حكمها التصحيح، فإن أعلت كان ذلك شاذّا، وهذا الذي قلناه هو المراد من قول المصنف: وقد يعلّ ما حقّه التصحيح من فعال جمعا أو مفردا غير مصدر، فمثال الجمع قولهم في جمع طويل: طيال.
قال الشاعر:
4299 - تبيّن لي أنّ القماءة ذلّة... وأنّ أعزّاء الرّجال طيالها 865
وروي في البيت: «طوالها» قيل: وهو أشهر، ومثل طيال في الشذوذ: جياد في جمع جواد، ومثال المفرد غير المصدر قولهم: صيان وصيار، في صوان وصوار، ثم قد عرفت - أيضا - أنّ الواو المكسور ما قبلها في الجمع، إن سكنت في واحده، إنما تبدل ياء في الجمع إذا وجد بعدها ألف كحياض وثياب، أما إذا لم توجد الألف فالتصحيح نحو: عودة جمع عود وكوزة جمع كوز 866 ودول جمع دولة، فعلى هذا الإعلال شاذ.
فلهذا قال: ومن فعلة جمعا، بعد قوله: وقد يعل ما حقه التصحيح وذلك نحو: ثور وثيرة 867 وكان قياسه: ثورة، كما قالوا: عود، يقول في
إيجاز التعريف: وشذّ الإعلال في نظير دول فقالوا: عود وعيد، والعود: البعير -
الحديث: 4299 - الجزء: 10 - الصفحة: 5063
[إبدال الألف والواو ياء]
قال ابن مالك: (فصل: تبدل الألف ياء لوقوعها إثر كسرة، أو ياء التّصغير، وكذا الواو الواقعة إثر كسرة متطرّفة.
أو قبل علم تأنيث أو زيادتي فعلان، أو ساكنة مفردة لفظا أو تقديرا، وكذلك الواقعة إثر فتحة رابعة فصاعدا طرفا أو قبل هاء التأنيث ونحو: مقاتوة وسواسوة وأقروة، وديوان واجليواذ شاذّ، لا يقاس عليه، وتبدل الألف واوا لوقوعها إثر ضمّة).
المسن 868، وأشار بقوله: وليس مقصورا من فعالة: إلى أن أبا العباس المبرد يرى أن ثيرة أصله: ثيارة، كحجارة 869 فقلبت الواو ياء لأجل الألف التي بعدها، كما قلبت في سياط، فلما قصره منه بقيت الياء منبّهة على أن أصله فعالة، وأن هذا مقصور منه.
ثم إن المصنف لم ير رأي المبرد في ذلك؛ لأن ما رآه دعوى لا دليل عليها.
قال ناظر الجيش: قد أسلفنا أن الياء تبدل من الواو في مواقع، وأنه ذكر في الفصل الذي فرغ منه إبدالها في المصدر والجمع، وأنه سيذكر إبدالها منها في غير هذين، وها هو قد ذكر ذلك في هذا الفصل، لكنه قدّم عليه الكلام في إبدال الياء من [6/ 157] الألف ولا أعلم السبب الموجب لكون المصنف قدّم أول الفصل ذكر إبدال الياء من الألف، ثم ذكر ثانيا إبدال الياء من الواو، ثم ذكر ثالثا إبدال الواو من الألف، وقد كان ينبغي له أن يقدّم الكلام في إبدال الياء من الواو ليستوفي الكلام في إبدال الياء من الواو ثم يذكر إبدال الياء من الألف ثانيا، ثم يجيء ذكره لإبدال الواو من الألف ثالثا، فيصير الكلام في إبدال الياء من الواو في جميع المواضع -
الجزء: 10 - الصفحة: 5064
................................
متواليا، والكلام في إبدال الياء والواو من الألف متواليا أيضا.
وإذ قد عرفت ذلك، فأنا أبدأ بالكلام على إبدال الياء من الواو، ثم أذكر إبدال الياء من الألف، وإبدال الواو منها - أيضا - فأقول: إن الياء تبدل من الواو في مواضع؛ وقد تقدّم منها في الفصل السابق موضعان.
الثالث: ما وقعت فيه الواو متطرفة وقبلها كسرة نحو: رضي وقوي وغزي، أصلها: رضو وقوو وغزو؛ لأنها من الرضوان والقوة والغزو، ولكن لمّا كسر ما قبل الواو وكانت بتطرفها معرضة لسكون الوقف عليها عوملت بما يقتضيه السكون من وجوب إبدالها ياء توصّلا للخفة وتناسب اللفظ، ومن ثم لم تتأثر الواو بالكسرة وهي غير متطرفة كعوج وعوض.
الرابع: ما وقعت فيه الواو بعد كسرة وقد وليها علم تأنيث نحو: سجيّة وعريقية وتريقية، تصغير عرقوة وترقوة، ومنه أكسية جمع كساء، الأصل: أكسوة 870.
الخامس: ما وقعت فيه الواو بعد كسرة وقد وليها زيادتا فعلان نحو: شجيان، ولهذا يقال في مثل: ظربان من الغزو: غزيان، وإنما وجب الإبدال في هذين القسمين؛ لأن التاء في حكم الانفصال، وكذا الألف والنون، فلا تخرج الواو بذلك عن حكم المتطرف.
السادس: ما وقعت فيه الواو بعد كسرة وكانت ساكنة وذلك نحو: إيعاد مصدر أوعد، وكذا ميقات وميزان وميراث، فإنهن من الوقت والوزن والوراثة، وكذا: ديمة 871 وريح، الأصل: دومة 872 وروح، وقيّد المصنف الواو الساكنة المذكورة بكونها مفردة لفظا أو تقديرا، وعنى بالمفردة أن لا تكون مدغمة في مثلها صرح بذلك في إيجاز التعريف فلو كانت الواو مدغمة في مثلها وجب التصحيح نحو: إوّاب مصدر: أوّب إذا استوعب النهار سيرا،
وغيره من الأعمال 873 فبعد كسرة الهمزة من: إوّاب واو ساكنة لكن حصنها الإدغام فلم تتأثر للكسرة، وإنما -
الجزء: 10 - الصفحة: 5065
................................
يجب الإعلال للواو المفردة إما لفظا كما مرّ من إيعاد وميقات وريح، وإما تقديرا ومثّله الشيخ بقولنا: حيّاء، وهو مصدر إحووى على لغة من قال في مصدر اقتتل:
قتّالا 874، وذلك لأن أصله: جوّاء، فتقلب الواو الأولى الساكنة ياء؛ لانكسار ما قبلها، فيجتمع مع الواو التي هي إحدى لامي الكلمة فتقلب الواو ياء وتدغم الياء في الياء فتصير: حيّاء (2). قال الشيخ: فهذه واو مفردة لم توضع أولا على الإدغام يعني كما في إوّاب؛ لأن أصل مصدر إحووى أن يقال فيه: احووّاء، وإنما صار إلى حيّاء على لغة من قال في مصدر اقتتل إذا أدغم قتّالا 875، انتهى.
وقد يقال: إنما يتم هذا لو ثبت لنا أن الذي يقول: قتّالا بالإدغام هو الذي يقول: اقتتالا.
أما إن كان هذا لغة لقوم وذلك لغة لقوم فلا يتجه أن يقال: إن أصل مصدر احووى احوواء، وفي تصريف ابن الحاجب ومن أدغم اقتتالا قال: حوّاء 876 على أن الشيخ قال بعد ذكره ما تقدم: وزعم أبو الحسن أنك تقول في مصدر احووى على قياس مصدر اقتتل قتّالا: حوّاء ثم قال بعض أصحابنا: وهو الصحيح؛ لأن الواو بالإدغام قد زال عنها المدّ فصارت بمنزلة الحروف الصحيحة 877. انتهى.
وعلى هذا الذي ذكرناه ونقله الشيخ عن أبي الحسن لا يثبت حيّاء فلا يتم التمثيل به لما فيه الهمزة المفردة تقديرا ولكن ذكر الشيخ حكما لمسألة، فعلى الناظر أن ينظر: هل يمكن أن يكون مثالا لذلك والمسألة هي أنك لو بنيت من القوة مثل جردحل قلت على رأي أبي إسحاق الزجاج: قوّيّ أصله قوووو أدغمت الأولى في الثانية ولم تقلب؛ لأن الواو زال عنها المد بالإدغام وقلبت الثالثة ياء؛ لئلا تجتمع ثلاث واوات، وقلبت الرابعة ياء؛ لأنه قد اجتمع ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت وأدغمت الياء في الياء، وخالف أبو بكر محمد بن أحمد الخياط 878 في ذلك فذهب إلى أنه يقال: قيّوّ أصله: قوووو كما تقدم قلبت الواو الأولى ياء؛ لأنها ساكنة قبلها -
الجزء: 10 - الصفحة: 5066
................................
كسرة، ثم تقلب الواو التي بعد الياء ياء لاجتماعهما مع ياء ساكنة قبلها، وأما الواو الثالثة فتدغم في الرابعة؛ إذ لا موجب لقلبها لعدم الواوين قبلها 879. قال: ولو بنيت من القوّة مثل: عثول قلت: قيّو أصله: قووو قلبت الأولى - لكسرة ما قبلها - ياء، وأقرت الثانية؛ لأنها زائدة للإلحاق، واتفق الزجاج والخياط على هذه المسألة، وأنك تقول فيها: قيوو، كما ذكرنا، انتهى.
السابع: ما وقعت فيه الواو رابعة فصاعدا طرفا، وكانت إثر فتحة، وسواء أكان ذلك في فعل أم في اسم فمثال الفعل: أغزيت وأعطيت واستعليت، ومثال الاسم مغزى ومعطى ومستعلى، فالألف منقلبة عن ياء هي بدل من واو، والدليل على أن الألف منقلبة عن الياء أنك تقول في التثنية: معطيان ومستعليان 880، وقد علّل هذا القلب بأن همزة النقل لمّا دخلت على الفعل صارت الواو رابعة فقلبت ياء حملا للماضي على مضارعه، يعني أن الواو تقلب ياء في يعطي؛ لانكسار ما قبلها، فحمل الماضي في ذلك عليه، قالوا: وهذا الحمل كما حمل اسم المفعول من نحو:
معطى على اسم الفاعل نحو: معطي، كما حمل مرضيان في قلب واوه ياء حملا على يرضيان، فالحاصل أن الماضي حمل على المضارع واسم المفعول على اسم الفاعل، والمضارع المبني للمفعول على المضارع المبني للفاعل 881.
الثامن: ما وقعت فيه الواو كذلك غير أنها ليست طرفا، إنما وقعت قبل هاء التأنيث وذلك نحو: معطاة ومستعلاة؛ لأن هاء التأنيث في حكم الانفصال، فكأن الواو واقعة طرفا 882، وإلى هذه المواضع الستة التي ذكرناها الإشارة بقوله: وكذا الواو الواقعة إثر كسرة متطرفة إلى قوله: أو قبل هاء التأنيث وقد تقدم في الفصل [6/ 158] السابق موضعان فهذه ثمانية مواضع، وقد بقي من المواضع التي تبدل فيها الواو ياء -
الجزء: 10 - الصفحة: 5067
................................ موضعان. موضع فيه البدل خاصة، كما هو في المواضع المتقدمة وهو ما وقعت فيه الواو لاما لفعلى الوصف كالدّنيا والعليا، وموضع فيه مع البدل إدغام وهو ما وقعت فيه الواو مجاورة لياء في كلمة، وقد سكن السابق منهما، وقد ذكرهما المصنف، وأفرد لكل منهما فصلا سيأتي من بعد إن شاء الله تعالى، وعلى هذا يكون إبدال الواو ياء في عشرة مواضع، ثم ذكر المصنف كلمات خمس شذّات، وأنها لا يقاس عليها، وذلك أن منها ما يستحق إبدال الواو فيه ياء ولم تبدل وهو: مقاتوة وسواسوة وأقروة، ومنها ما يستحق تصحيح الواو فيه فأبدلت وهو: ديوان واجليواذ، أما: مقاتوة فهي جمع مقتو، اسم فاعل من القتوى، أي: خدم وساس. قال عمرو بن كلثوم: 4300 - متى كنّا لأمّك مقتوينا 883 وقال يزيد بن الحكم: 4301 - تبدّل خليلا بي كشكلك شكله... فإنّي خليلا صالحا بك مقتوي 884 فمقتر مفتعل من القتو، وهو الخدمة 885 قال الشاعر: 4302 - إنّي امرؤ من بني خزيمة لا... أحسن قتو الملوك والحفدا 886
الحديث: 4300 - الجزء: 10 - الصفحة: 5068
................................
والقياس في مقاتوة أن يقال: مقاتية، وأما سواسوة فالقياس فيها: سواسية 887، وقد سمع على الأصل.
قال الشاعر:
4303 - أنّى لكليب أن تسامي معشرا من... النّاس أن ليسوا بفرع ولا أصل 888
سواسية سود الوجوه كأنّهم... ظرابيّ غربان بمجرودة محل 889
والسواسوة: هم المستوون في الشر، وأما أقروة: وهي جمع قرو، وهي ميلغة الكلب فكان قياسه: أقرية كأكسية 890. وأما ديوان، فأصله دوّان؛ لقولهم في جمعه: دواوين وكان حقّ واوه التصحيح؛ لكونها غير مفردة، أي: مدغمة في غيرها، وقد تقدّم.
إنما كان كذلك حقّه أن يصحح فإعلاله شاذ، وأما: اجليواذ فأصله: اجلوّاذ مصدر اجلوّذ فكان حقّ واوه أن تصحّح؛ لأنها مدغمة في الأصل، فهي غير مفردة وقياسها أن لا تبدل، فالإعلال في هذه الكلمة شاذ كما في ديوان 891. هذا آخر الكلام على إبدال الياء من الواو.
وأما إبدال الياء من الألف ففي مكانين، وأما إبدال الواو منها ففي مكان واحد.
وقد أشار إلى إبدال الياء منها بقوله أوّل الفصل: تبدل الألف ياء لوقوعها إثر كسرة، أو ياء التصغير، فمثال وقوعها إثر كسرة: مصابيح في مصباح، وكذلك: مفاتيح ومفيتيح في مفتاح، ومثاقيل ومثيقيل
في مثقال، ومثال وقوعها إثر ياء التصغير: غزيّل وكتيّب مصغّري غزال وكتاب.
وأشار إلى إبدال الواو منها بقوله آخرا: وتبدل الألف واوا لوقوعها إثر ضمة، ومثال ذلك: ضويرب في تصغير ضارب، وضوعف، وبويع في ضاعف وبايع، إذا بنيتهما للمفعول، والتعليل في البابين واضح وهو تعذر النطق بغير ذلك.
الحديث: 4303 - الجزء: 10 - الصفحة: 5069
[إبدال الياء واوا]
قال ابن مالك: (وكذلك الياء السّاكنة المفردة في غير جمع والواقعة آخر فعل أو قبل زيادتي فعلان أو قبل علامة تأنيث بنيت الكلمة عليها).
قال ناظر الجيش: هو معطوف على ما قبله، أي، وكما أبدلت الألف واوا لكذا، وكذلك تبدل الياء واوا لكذا ولكذا ولكذا.
واعلم أنه لما أنهى الكلام على إبدال الواو ياء وعلى إبدال الألف ياء وكذا إبدالها واوا شرع في الكلام على إبدال الياء واوا 892 وهو القسم المقابل لإبدال الواو ياء، فذكر أن الياء تبدل واوا في مواضع، ولكن إبدالها في المواضع كلها مشروط بأن تكون واقعة إثر ضمة، وهذا مفهوم من إحالته الحكم في الياء على الحكم في الألف، فإن حكم إبدال الألف واوا مقيد بكونها واقعة إثر ضمة، فوجب أن يكون ذلك قيدا في المسائل المحالة عليها.
الموضع الأول: ما وقعت فيه الياء ساكنة في غير جمع يعني في مفرد، كموقن وموسر أصلهما ميقن وميسر 893؛ لأنهما من أيقن وأيسر، وكذلك: يوسر أصله ييسر، مضارع: يسر ثم بني لما لم يسم فاعله، فلو تحركت الياء قويت على الصحة ولم تعلّ وذلك نحو: عينة وهيام، ولذلك قيدت بالسكون، ولو وقعت ساكنة إثر ضمة في جمع فإن الياء لا تبدل واوا بل تحول الضمة كسرة فتسلم الياء وذلك نحو: هيم وبيض جمعي هيماء وبيضاء؛ لأنهما
نظير حمر جمع حمراء 894، وقيد المصنف الياء بكونها مفردة وأراد بذلك أنها لا تكون مدغمة واحترز بذلك من بيّاع وهو فعّال من البيع.
قال الشيخ: للكثير البيع فإنه يقال فيه بياع، ولا تبدل فيه الياء واوا لضمة ما قبلها وإن كانت ساكنة؛ لأنها تحصنت بالإدغام 895 وهذا المزيد الذي قيد به الياء قد عرفت فيما تقدم أنه قيد به الواو أيضا.
وقد نظم الكلام على الواو -
الجزء: 10 - الصفحة: 5070
................................
والياء بالنسبة إلى تقييدهما بهذا القيد، وتكلم عليهما معا في إيجاز التعريف، فقال بعد تقرير إبدال الواو ياء كميقات، وإبدال الياء واوا كموقن: فلو لم تكن الواو ولا الياء مفردة، بل مدغمة في مثلها وجب التصحيح نحو: إوّاب مصدر أوّب إذا استوعب النهار بسير أو غيره من الأعمال، ونحوه: بيّاع جمع بائع، فبعد كسرة الهمزة من أوّاب واو ساكنة، وبعد ضمة الياء من بياع ياء ساكنة لكن حصّنها بالإدغام؛ فلم تتأثر للكسرة والضمة، وذلك أن المدغم والمدغم فيه يتلفظ بهما دفعة واحدة فيصير كل واحد منهما وقاية لصاحبه ما كان يناله مفردا من الإعلال، أما كون الثاني وقاية للأول فيظهر في نحو: إوّاب، فإن واوه الأولى ساكنة بعد كسرة، وبإدغامها في الثانية والتلفظ بهما دفعة واحدة أشبهت واو سواك ونحوه فاستحقت التصحيح، وأما كون الأولى وقاية للثاني فيظهر بنحو: صبيّ، وعفوّ، فإن الياء الثانية من صبي بإدغام الأولى فيها أشبهت ياء ظبي، فلم تستقل فيها الكسرة كما استقلت في ياء قاض ونحوه، ولو خلت من إدغام فيها باشرتها الكسرة فجرت في الإعلال مجرى نظيرتها، وكذلك الواو الثانية من عفوّ، لو خلت من إدغام فيها وجب لها ما وجب لواو: أدل 896 جمع دلو من إبدال الضمة قبلها كسرة وانقلابها ياء وتقدير الرفع والجر فيها لاستثقال ظهوره، لكن بإدغام الأولى فيها أشبهت واو عفو وشبهه فجرت مجراها 897. انتهى، وهو كلام يصلح أن يصدر من مثل هذا الرجل - رحمه الله تعالى - غير أن تمثيله بكلمة بيّاع مع جعله إياها جمع لا يناسب؛ لأنه إذا كان بيّاع جمعا جاز أن يقال فيه: إن امتناع إبدال الياء واوا إنما هو من أجل كونه جمعا، لا من
أجل إدغام الياء في الياء، والأولى - بل المتعين - أن يحكم على بيّاع بالإفراد، وذلك بأن يجعل فعّالا من البيع كما تقدم، واعلم أن المصنف قيد الياء المذكورة في إيجاز التعريف بقيد آخر وهو [6/ 159] أن لا تكون متصلة بالآخر كما تقدم تمثيله من: موقن وموسر، فإن اتصلت بالآخر أو ما هو في حكم الآخر أبدلت الضمة كسرة فسلمت الياء نحو: عيسة، من قولهم: جمل أعيس أي: أبيض بيّن العيسة والعيس، وأصلها: عيسة؛ لأنها اسم للون الوصف منه على أفعل وفعلاء فيجب كونه على فعلة كالحمرة.
-
الجزء: 10 - الصفحة: 5071
................................
الموضع الثاني: ما وقعت فيه الواو آخر فعل وذلك نحو: قضو الرجل ورمو، وهو مختص بفعل التعجب 898. قال في إيجاز التعريف: يجوز بناء الفعل المتعجب على فعل فإن كانت لامه ياء صارت واوا لتطرفها بعد ضمة نحو: قضو الرجل بمعنى ما أقضاه، ولم يجئ مثل ذلك في متصرف إلا ما ندر من نحو قولهم: نهو الرجل فهو نهيّ إذا كان كامل النهية أي: العقل 899.
الموضع الثالث: ما وقعت فيه الياء لام اسم مزيد آخره ألف ونون، وذلك نحو أن تبني مثل: سبعان، من الرمى فتقول: رموان أصله رميان، فقلبت الياء واوا وسلمت الضمة.
الموضع الرابع: ما وقعت فيه الياء لام اسم مختوم بتاء التأنيث كما إذا بنيت مثل: مقدرة من الرمي، فإنك تقول: مرموة، وإلى هذين الموضعين أشار المصنف بقوله: أو قبل زيادتي فعلان، أو قبل علامة تأنيث.
وقيّد التاء بقوله: بنيت الكلمة عليها والمراد بذلك أن تكون الكلمة مبنية على التأنيث بالتاء.
قال في إيجاز التعريف: وكذلك تقلب الياء بعد الضمة واوا في بناء مثل مقدرة، مما لامه ياء إن قدر بناء الكلمة على التأنيث، وذلك نحو: مرموة فتقلب الواو ياء بعد الضمة؛ لكونها لاما واللام ضعيفة على كل حال، ولم تبدل الضمة كسرة، فتسلم الياء؛ لأنها ليست طرفا، ولأن لحاق التاء غير عارض، فلو قدر بناء مرموة على التذكير ثم عرض لحاق التاء وجب إبدال الضمة كسرة وتصحيح الياء، كما يجب ذلك مع التجرد من التاء؛ لأن لحاقها عارض، فلا يعتد به، فإن بني مثل: سبعان مما لامه ياء فعل بالياء بعد الضمة مع الألف والنون ما فعل بها مع التاء المقدر لزومها، فيقال:
رموان، وهو مثل: سبعان 900 من الرمي.
انتهى.
فهذه أربعة مواضع تبدل فيها الياء واوا وقد عرفت أن من جملتها ما وقعت فيه الياء ساكنة في غير جمع نحو: موقن وموسر كما تقدم، ولا شك أنه يدخل تحت هذا الضابط ما هو على وزن فعلى مما عينه ياء سواء أكان اسما نحو: طوبى فإنه من -
الجزء: 10 - الصفحة: 5072
[حكم إبدال الضمّة كسرة في فعلى وغيرها]
قال ابن مالك: (وتبدل الضمة في الجمع كسرة فيتعين التّصحيح، ويفعل ذلك بالفعلى صفة كثيرا وبمفرد غيرها قليلا وربّما قررت الضّمّة في جمع فيتعيّن الإبدال).
الطيب، أم صفة نحو: الكوسى أنثى الأكيس 901، والضوقى أنثى الأضيق، لكن سيذكر أن إبدال الضمة كسرة وتصحيح الياء في الصفة أولى، وأكثر من بقاء وإبدال الياء واوا، وقد بقي موضع خامس تبدل فيه الواو ياء: وهو ما وقعت فيه الياء لاما لفعلى 902 الاسم فإنها تقلب واوا فرقا بينها وبين الصفة كتقوى أصله تقيا؛ لأنه من تقيت، فقلبوا الياء واوا ليفرقوا بينه وبين نحو: صديا وخزيا من الصفات وخصّوا الاسم بقلب الياء واوا؛ لأنه أخف من الصفة فكان أحمل للثقل، ومثل تقوى السّروى بمعنى: المثل، والفتوى والبقوى والثّنوى بمعنى الفتيا، والبقيا والثّنيا، وقد ذكر المصنف هذا القسم في الفصل الذي ذكر فيه إبدال الواو ياء في فعلى صفة، لكنه جعل إبدال الواو من الياء فيه شاذّا وهو خلاف المعروف في المسألة وستقف على ذلك عند ذكر المصنف له إن شاء الله تعالى 903.
قال ناظر الجيش: قد علم من كلام المصنف ومما تقدم أن الياء الساكنة الواقعة بعد ضمة إنما تبدل واوا في غير جمع، وأنها في الجمع لا تبدل، ولا شك أن الإتيان بياء ساكنة بعد ضمة فيه عسر وقد امتنعوا من قلب الياء واوا فوجب أن تبدل الضمة التي قبل الياء كسرة لتخف الكلمة، فيسهل النطق بها، فأشار إلى هذا الحكم بقوله: وتبدل الضمة في الجمع كسرة فيتعين التصحيح وذلك نحو قولنا: بيض وهيم في 904 جمع: أبيض وبيضاء، وأهيم
وهيماء، وكذا عين في جمع عيناء، والأصل ضم الفاء في الجميع كما تضم في نحو: حمر وخضر جمعي أحمر وحمراء وأخضر -
الجزء: 10 - الصفحة: 5073
................................
وخضراء والعلّة في أن غيرت الحركة في الجمع ولم يغير الحرف أن الجمع أثقل من المفرد؛ فكان أحق بمزيد التخفيف، ومقتضى كلام المصنف في إيجاز التعريف: أن العلة في ذلك اتصال الياء الساكنة بالآخر ولكونه جعل العلّة ذلك؛ عدّى الحكم أعني إبدال الضمة كسرة وتصحيح الياء في المفرد الذي الياء فيه متصلة بالآخر أو في حكم المتصلة به، وأنا أورد كلامه برمته.
قال: إذا انضم ما قبل الياء الساكنة المفردة واتصلت بالآخر أو ما هو في حكم الآخر أبدلت الضمة كسرة، فسلمت الياء جمعا كان ما هي فيه كبيض أو مفردا كعيسة من قولهم: جمل أعيس أي:
أبيض بين العيسة والعيس 905، فالأصل منهما: بيض وعيسة، ثم فعل بهما ما ذكر، والدليل على ضم هذه الياء العين في الأصل أن بيضا جمع لصفة على أفعل مذكر فعلاء فيجب كونه على فعل كأحمر وحمر وأخضر وخضر، وأن العيسة اسم للون الذي منه على أفعل فعلاء فيجب كونه على فعلة كالحمرة والخضرة، فلو انفصلت الياء أقرت الضمة التي قبلها، وقلبت الياء واوا كموسر، اسم فاعل من أيسر إذا استغنى وعوطط بمعنى عيط، وهي النوق التي لم تحمل، يقال: عاطت الناقة تعيط إذا ضربها الفحل ولم تحمل، والعوطط أيضا مصدر عاطت الناقة 906، وإنما لم تقرّ الضمة قبل الياء المتصلة بالآخر فتنقلب واوا، وأقرت قبل الياء المنفصلة من الطرف؛ لأن أحد الأمرين لازم، إمّا إبدال الضمة كسرة، وإمّا إبدال الياء واوا.
وأخفهما إبدال الضمة فاستعمل في أحق المحلين بالتخفيف وهو ما اتصل بالآخر، واستعمل الآخر في ما انفصل عنه؛ لأن الواو مستثقلة واستثقالها متزايد بتأخرها وإن كان الموضع لها بالأصالة فكيف إذا كان لغيرها، وقد
يعترض على هذا بأن يقال:
إن التغيير بتبدل الحرف أشد من التغيير بتبدل الحركة، فكان القريب من الآخر أحق به من البعيد، والأولى أن يقال: لمّا كان تبدّل الحركة يلزم منه زوال الوزن الأصلي كان أمكن في الإعلال، وأبعد من التصحيح فخصّ به ما قرب من الآخر الذي هو بالإعلال أولى بخلاف تبدّل الياء واوا مع بقاء الضمة فإن كلّا تغيير لبقاء الوزن الأصلي، وأيضا فإن تبديل الضمة بكسرة عمل محض؛ لأنه اختياري وتبدل الياء بعد الضمة واوا عمل اضطراري فأشبه التصحيح، فخص بما بعد من الطرف 907. -
الجزء: 10 - الصفحة: 5074
................................
انتهى كلامه.
وعرف منه أن [6/ 160] كلامه في التسهيل فيه إخلال لعدم وفائه بما ذكره في إيجاز التعريف؛ لأنه قال أولا في إبدال الياء واوا: وكذلك الياء الساكنة المفردة في غير جمع 908. ومقتضى هذا أن الياء الساكنة المضموم ما قبلها متى كانت في غير جمع تقلب واوا، وقد تبين أن ذلك إنما يكون في الياء التي ليست متصلة بالآخر أما إذا كانت متصلة بالآخر فإن حكمها حكم الياء الواقعة كذلك في جمع سواء، وهو إبقاء الياء وإبدال الضمة كسرة وإن كانت في مفرد.
وقال ثانيا: وتبدل الضمة في الجمع كسرة فيتعين التصحيح، فإن مفهومه أن الضمة لا تبدل كسرة في غير الجمع، وقد تبين أن قسما من المفرد وهو ما الياء فيه متصلة بالآخر تشارك الجمع في حكمه المذكور.
واعلم أن إلحاق المفرد الموصوف بما تقدم بالجمع في هذا الحكم الذي هو إبدال الضمة كسرة هو مذهب الخليل وسيبويه.
وأما أبو الحسن فإنه لم يلحق المفرد المذكور بالجمع في ما ذكر، بل خص إبدال الضمة كسرة لتسلم الياء بالجمع؛ لأن فيه ثقلا ليس في المفرد، فأوثر بأخف الإعلالين 909. قال في إيجاز التعريف بعد ذكر مذهب أبي الحسن: ولو كان الأمر كما ادعى لقيل في عيسة: عوسة؛ لأنه مفرد، وممكن الاعتذار لأبي الحسن عن عيسة؛ فإن فيه ثقلا للزوم تأنيثه، فأشبه الجمع، وقد حكى الأزهري 910 أن من العرب من يقول: معوشة في معيشة 911، وهذا مما يقوّي قول أبي الحسن؛ لأن المعوشة مفعلة من العيش وهو مفرد، ولكن الاستدلال به لا يساوي الاستدلال بعيشة ولا يقاربه؛
لأن جميع العرب يقولون: عيشة، وجمهورهم يقولون: معيشة لا معوشة، فثبت أن إبدال الضمة كسرة في المفرد لتسلم الياء حكم مبني على ما استعمله جميع العرب، وإبدال الياء فيه واوا حكم مبني على قول شاذ، والشاذ لا -
الجزء: 10 - الصفحة: 5075
................................
يعول عليه.
انتهى.
ومما استدل به لسيبويه أنه لا يوجد في كلامهم اسم على وزن فعل مفرد 912 مما عينه ياء، وإنما كان كذلك؛ لأن العين حكم لها بحكم اللام فقلبت الضمة لأجلها كما قلبت لأجل اللام.
واستدل الأخفش بما تقدم من أن الجمع فيه ثقل ليس في المفرد، وأن بعض العرب يقول: معوشة وتقول العرب:
مضوفة لما يحذر منه، وإنما هو من ضاف يضيف إذا أشفق وحذر.
قال الشاعر:
4304 - وكنت إذا جاري دعا لمضوفة... أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري 913
وأجيب عن ذلك بأن الخفّة في المفرد عارضها قرب الياء من الطرف، وأما مضوفة فشاذ ومعوشة قليل - أيضا -. قال الشيخ: والذي صحّحه النّاس مذهب الخليل وسيبويه 914. انتهى.
وإذ قد عرف هذا فاعلم أن المصنف جعل مدار كلامه في إيجاز التعريف في هذه المسألة على أن الياء الساكنة المضموم ما قبلها إما متصلة بالآخر، أو بما هو في حكم الآخر، أو منفصلة عن ذلك، وخلص له من ذلك المسائل الثلاث أعني نحو: بيض وعيسة، وموقن وابن الحاجب له طريق آخر في إيراد هذه المسألة، ويظهر لي أنه أحسن، وهو أنه قال ما معناه: الياء الساكنة المضموم ما قبلها إما فاء، وإما عين.
فإن كانت فاء قلبت الياء واوا كموقن وموقظ، إن كانت عينا فتقلب في باب: طوبى، أي في فعلى اسما ولا تقلب في الصفة ولكن يكسر ما قبلها فتسلم الياء نحو: مشية حيكى، وقسمة ضيزي، وكذلك -
الحديث: 4304 - الجزء: 10 - الصفحة: 5076
................................
باب بيض يعني بذلك ما هو جمع، ثم قال: واختلف في غير ذلك؛ فقال سيبويه:
القياس الثاني، يعني بذلك إبدال الضمة كسرة وتصحيح الياء فنحو: مضوفة شاذ عنده، ونحو: معيشة يجوز أن يكون مفعلة مفعلة.
وقال الأخفش: القياس الأول، يعني قلب الياء واوا، فمضوفة قياس عنده ومعيشة مفعلة، وإلا لزام معوشة، وعليهما لو بني من البيع مثل: ترتب لقيل: تبيع.
يعني على مذهب سيبويه.
وتبوع يعني على مذهب الأخفش 915. انتهى.
وليس في كلامهم سوى أنه جذم في الصفة بالإبدال أعني إبدال الضمة كسرة لتسلم الياء، ولا شك أن الإبدال أكثر، ولكن قلب الياء واوا جائز مع كونه مرجوحا.
وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ويفعل ذلك بالفعلى صفة كثيرا والإشارة بذلك إلى ما تقدم من إبدال الضمة كسرة، وذلك نحو: امرأة حيكى وقِسْمَةٌ ضِيزى 916 والأصل فيهما: فعلى بالضم؛ لأنه لا يحفظ في الصفات فعلي بكسر الفاء بل بضمها نحو: حبلى.
قال في إيجاز التعريف: وأما الصفة التي على وزن فعلى كالكيسى والخيرى، مؤنّثي الأكيس والأخير 917، فالأجود فيهما إبدال الضمة وتسلم الياء تشبيها لألف التأنيث بهائه في تقدير تمام الكلمة بدونهما وإيثارا بأخف الإعلالين أثقل المثالين وهو الصفة، فلو كان اسما كطوبى تعين أثقل الإعلالين، وهو إبدال الياء واوا؛ لأن الاسم أخف من الصفة، فكان أحمل لمزيد الثقل، كما حرّكوا عين فعلة اسما حين جمعوه ولم يحركوه من الصفة نحو: جفنات وضخمات، وقد روي عن العرب الكوسى والخورى 918 فعوملا معاملة عوطط تشبيها للألف للزومها وعدم تقدير انفصالها بالحرف الثاني من عوطط، وكذلك روي: الضّوقى، في أنثى الأضيق.
انتهى.
واعلم أن الشيخ ناقش المصنف فقال: ظاهر كلامه أن الصفة كثير في الفعلى التي عينها ياء.
قال: ولم يذكر منه إلا
امرأة حيكى وقسمة ضيزى لكنه - والله أعلم - -
الجزء: 10 - الصفحة: 5077
................................
جعل الفعلى التي هي للتفضيل من باب الصفة ولكن أفعل ومؤنثه كالكوسى والخورى والطوبى مؤنثات الأكيس والأخير والأطيب عند سيبويه حكمها حكم الأسماء 919، ولذلك جمعت جمع الأسماء.
قال: ولذلك ذكرهما أصحابنا التصريفيون في باب الأسماء لا في باب الصفات.
قال: وظاهر كلام المصنف جواز الوجهين في الفعلى للتفضيل وقد مثل بالوجهين في بعض كتبه - يعني في إيجاز التعريف - ونص على أن الوجهين مسموعان من العرب، وظاهر كلام سيبويه أنه لا يجوز فيهما إلا إقرار الضمة وإبدال (الياء واوا) 920. انتهى.
وفي كون أفعل من، ومؤنثه عند سيبويه حكمها حكم الأسماء نظر، ولا يلزم من الحكم لها بحكم الأسماء مطلقا، ويحتاج إلى التثبت في ذلك والوقوف على ما قاله شراح الكتاب في هذا الموضع وأشار المصنف بقوله: وبمفرد غيرها قليلا، إلى أن إبدال الضمة كسرة وتصحيح الياء في مفرده غير صفة مما الياء فيه عين ساكنة بعد ضمة قليل، وذلك نحو: الطّيبى في الطّوبى الذي هو مصدر طاب، تقول: طاب طوبي، ومنه قوله تعالى: طُوبى لَهُمْ [6/ 161] وَحُسْنُ مَآبٍ 921 وقرأ بعض القراء: (طيبى لهم) 922.
واعلم أن لقائل أن يعترض على المصنف فيما قرره من أن الخفة في المفرد عارضها قرب الياء من الطرف، ولذلك سلمت الياء في عيشة نحو: طوبى، فإن الياء قلبت فيه واوا مع أنها في حكم ما هو متصل بالآخر وألف التأنيث فيها نظير التاء في عيشة وعلى هذا لا يتم ما قاله المصنف من أن الياء الساكنة المفردة إذا انضم ما قبلها واتصلت بالآخر أو ما هو في حكم الآخر أبدلت الضمة كسرة، فسلمت الياء جمعا كان أو مفردا.
ولا شك أن ذلك اعتراض ظاهر.
وقد يجاب عنه بأن يقال: نعم كانت الياء في طوبى تستحق أن لا تبدل، وإنما حصل الإبدال فيها وفيما شابهها للفرق بين الاسم والصفة 923؛ لأن المقصود تمييز أحدهما من الآخر.
وأما قول -
الجزء: 10 - الصفحة: 5078
[مواضع أخرى لقلب الضمة كسرة والياء واوا]
قال ابن مالك: (وتبدل كسرة - أيضا - كلّ ضمّة تليها ياء أو واو وهي آخر اسم متمكّن لا يتقيّد بالإضافة أو مدغمة في ياء هي آخر اسم لفظا أو تقديرا، وكلّ ضمّة في واو قبل واو متحرّكة أو قبل ياء تليها زيادتا فعلان، أو علامة تأنيث).
المصنف: وربما قررت الضمة في جمع فتعين الإبدال.
قال الشيخ في شرح هذا الموضع: نقل أبو عبيدة أن عائطا تجمع على عيط وهو القياس كبيض وعين وعلى عوط بإقرار الضمة وإبدال الياء واوا لأجلها 924. انتهى.
وقد تقدم من كلام المصنف في إيجاز التعريف أنه قال: عاطت الناقة تعيط إذا ضربها الفحل ولم تحمل، فعلى هذا العائط هي الناقة التي وجدت بهذا الوصف، ومعنى قول المصنف: وربما قررت الضمة في جمع، أنها لم تبدل كسرة، فلمّا لم تبدل كسرة عسر الإتيان بالياء الساكنة بعدها فتعين إبدالها واوا.
قال ناظر الجيش: هذا الفصل إنما هو مقصود لإبدال بعض أحرف العلّة من بعض؛ لأنه من جملة الفصول المعقودة للإبدال، وإنما أشار الآن إلى أن الضمة تبدل كسرة فيما يذكره؛ لأنه إنما تكلم على إبدال الياء الساكنة المفردة الواقعة بعد ضمة واوا، خرج عن ذلك ما كان جمعا احتاج أن يذكر حكم الجمع ليعلم ما هو، فذكر أن الضمة تبدل فيه كسرة، فلما ذكر ذلك استطرد منه فذكر ما تبدل فيه الضمة كسرة في غير الجمع - أيضا - فبين أن الكسرة تبدل من الضمة، وفيه مسائل:
الأولى: أن الكسرة تبدل من كل ضمة تليها ياء أو واو بالقيود التي ذكرها، وذلك نحو قولك في جمع ظبي ودلو: أظب وأدل 925، فالأصل أظبي وأدلو، فأما أظبي فاستثقلت فيه الضمة قبل الياء، فأبدلت كسرة وعوملت الكلمة حينئذ معاملة المنقوص.
وأما أدلو فقد جوز الفارسي فيه وفي نحوه وهو ما وقع في آخره من الأسماء المعربة واو تلي ضمة نحو: أيدي جمع يد وقمحدوة وعرقوة وثمود إذا -
الجزء: 10 - الصفحة: 5079
................................
رخّمت على لغة من لا ينتظر المحذوف، أن تقلب الضمة فيه كسرة فتنقلب الواو ياء لانكسار ما قبلها كأكسية وأقرية، نزلوا الكسرة المنقلبة عن الضمة منزلة الكسرة التي هي من نفس الوضع، وأن الواو قلبت ياء فانقلبت الضمة التي قبلها كسرة؛ ليخف النطق بالكلمة، ووجّه أبو الفتح تسويغ أبي علي كلّا من الوجهين، فوجه الابتداء بالأول بأنك إنما تغير لينطق بما تصير الصيغة إليه وإنما نبتدئ بالحرف من أوله لا من آخره، ووجّه الابتداء بالثاني بأنك لمّا أردت التغيير ابتدأت به من أمثل المواضع له وهو الآخر 926 قلت: وظاهر ما يعطيه كلام المصنف أن الضمة قلبت كسرة، فانقلبت الواو ياء؛ لأنه قال: وتبدل كسرة كل ضمة، نعم إنما يقول المصنف بإبدال الواو ياء ابتداء حيث تكون الكسرة أصلية كالغازي والعادي والساطي ونحوها، وقد تقدّم له الكلام على هذا أول هذا الفصل والموجب لتغيير نحو: أظبي إلى أظب، ونحو: أدلو إلى أدل - أن حرف العلة يستثقل عليه الحركة الثقيلة؛ كالضمة والكسرة إذا كان قبله حرف متحرك، فإذا كان ياء قدّروا الحركة في الياء ثم إن كان قبلها كسرة أبقوها للمناسبة، وإن كان ضمة قلبوها كسرة ليخف النطق وصار اللفظ بالمرفوع والمجرور واحدا وإذا كان واوا، فلا شك أن الواو أثقل، ولذلك لم يوجد في الأسماء المعربة ما آخره واو قبلها ضمة بالموضع، لكن قد يؤدي التصرف في الكلمة بجمع أو ترخيم إلى وجود ذلك فيفعل فيه ما تقدم ذكره من إبدال الضمة كسرة، وقلب الواو ياء وإن وجد قبلها كسرة قلبت الواو ياء للخفة نحو: أكسية 927 وأقرية أصله: أكسوة وأقروة فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها، ولم يبقوا الواو مع الكسرة فيقولوا: أكسوة أبقاها مع الياء لعدم المناسبة وأما الفعل فإنه يقع فيه الواو بعد الضمة كيدعو ويغزو لعدم المحذور الذي يحصل لو وقع ذلك في الاسم.
قال المصنف في إيجاز التعريف: يجب إبدال الضمة كسرة إن وليها في آخر الاسم ياء أو واو كأظب جمع ظبي.
وأجر جمع جرو وأصلهما: أظبي وأجرو كأفلس 928 وأضرس، فكسرت عيناهما وجريا مجرى قاض وغاز؛ لأنه ليس في -
الجزء: 10 - الصفحة: 5080
................................
الأسماء المتمكنة ما آخره حرف علة إنما يكون في الأفعال نحو: يدعو ويغزو، فإن قيل: لم خص الفعل وهو أثقل من الاسم بهذا الذي رفض من الاسم.
فالجواب:
أن ذلك سهل عليهم في الفعل لتعرضه بحذف آخره في الجزم.
والمستثقل إذا كان بصدد الزوال هان أمره والاسم ليس كذلك، وأيضا فإن آخر الاسم معرّض لما تتعذر الواو معه، أو يكثر استثقالها كالجرّ، وياء المتكلم دون وقاية ويائي النسب، وآخر الفعل ليس كذلك ولذلك لم يبال بهو، وذو بمعنى الذي لأنهما لا يلحقهما ما ذكرته.
انتهى.
وقال ابن عصفور في تقسيم ذكره: وإن كانت الحركة ضمة، وكان حرف العلّة متطرفا قلبتها كسرة وقلبت حرف العلّة إن كان واوا ياء ثم يصير حكمه في الإعراب حكم الاسم الذي في آخره ياء قبلها كسرة، وذلك نحو: أظب جمع ظبي وأحق جمع حقو.. أصلهما أظبي وأحقو، فأمّا أظب فاستثقلت الضمة فيه قبل الياء كما تستثقل الواو قبل الياء في مثل طيّ أصله طوي فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.
وأما أحق فاستثقلوا فيه الواو المتطرفة المضموم ما قبلها، وإن لم تستثقل في الفعل؛ لأن الاسم تلحقه ياء النسب، ويضاف إلى ياء المتكلم فلو أقرت فيه الواو، لكان ذلك داعيا إلى اجتماع ضمة وواو قبلها مع ياء النسب أو ياء المتكلم، والكسرة التي قبلها وذلك ثقيل، فقلبت الواو ياء والضمة [6/ 162] كسرة، وإن كان حرف العلّة غير متطرف فإن الواو تثبت وذلك نحو: أفعوان، وذلك أن الموجب لقلبها قد زال وهو كونها معرضة للحاق ياء النسب أو ياء المتكلم، وأما الياء فإنها تقلب واوا لأجل الضمة التي قبلها كما فعل ذلك في الفعل نحو:
لقضو الرجل فتقول في جمع كلية على قياس من قال ركبات: كلوات، إلا أن العرب التزمت التسكين أو الفتح في لام كلية؛ لئلا يخرجوا من الأخف، وهو الياء إلى الأثقل وهو الواو، وإنما قلبت هنا ولم تقلب في عيبة؛ لأنها في عيبة عين، والعين أقوى من اللام 929. انتهى.
واقتضى كلامه أن الياء تقلب واوا لأجل الضمة قبلها لكن استدلاله يدفع ما ذكره.
فإنه يقال: إن قياس ذلك أن يقال في جمع كلية على قياس من اتبع: كلوات، ثم قال: إلا أن العرب التزمت التسكين أو الفتح في اللام يعني في عين الكلمة، وإذا كانوا قد التزموا ذلك فمن أين يثبت أنهم يقلبون -
الجزء: 10 - الصفحة: 5081
................................ الياء لأجل الضمة واوا؟ ثم إنه قد مرّ لك أن الياء المتطرفة لا تبدل واوا لضمة قبلها في غير فعل إلا إن ختمت الكلمة بتاء تأنيث بنيت الكلمة عليها كمرموة وهو مثال: مقدرة من الرمي، أو بزيادتي فعلان كرموان وهو مثال سبعان من الرمي وتقدم أنه لو قدّر بناء مرموة على التذكير ثم عرض لحاق التاء، وجب إبدال الضمة كسرة وتصحيح الياء كما يجب مع التجرد من التاء، وهذا ينافي ما ذكره ابن عصفور من أن الياء المتطرفة تقلب واوا لأجل الضمة قبلها كما كان ذلك في الفعل وإذ قد تقرر هذا فاعلم أن الشيخ اعتمد في شرح هذا الموضع - أعني قول المصنف: وتبدل كسرة أيضا كل ضمة تليها ياء أو واو على كلام ابن عصفور المذكور أيضا فذكره بعينه، ولم أفهم منه ما يحقق لي مراد المصنف، بل ظاهره عدم المطابقة كما قدمت من بيان مخالفة كلام ابن عصفور في هذا الموضع لما تقدم من كلام المصنف في إبدال الياء واوا 930، وبعد فكلام المصنف هاهنا يحتاج في تقريره إلى تكلف، وذلك أن في قوله: هي آخر اسم متمكن لا يتقيّد بالإضافة - قيودا أربعة، وقد ذكرت بعد قوله: ياء أو واو فوجب أن يكون القيود الأربعة لكلّ من الياء والواو؛ فأما قوله: آخرا، فإنه يدخل تحته الياء من نحو: أظب والواو من نحو: أدل، واحترز بذلك من ياء لا تكون آخرا نحو: عيبة وهيام، وواو لا تكون آخرا أيضا نحو: أفعوان، وأما القيود الثلاثة الباقية فالظاهر أنها مختصة بالواو؛ إذ لا يتصور أن يكون شيء منها قيدا في الياء؛ لأن قيد الاسم احترز به عن كون الحرف آخر فعل نحو: يدعو ويغزو، فإنّه لا يغير عن حاله وليس لنا فعل في آخره ياء قبلها ضمة فتبقى الياء ولا تغير الضمة قبلها، وقيد التمكن، احترز به من نحو: هو في لغة من سكّن الواو 931، وذو الموصولة في لغة من بنى وهي اللغة الشهيرة 932. قال الشيخ: ومن نحو: منهو وعنهو، يعني في: منه وعنه 933، وعنهمو ومنهمو يعني في: منهم، وعنهم، وليس لنا فعل يوصف بأنه غير متمكن في آخره ياء قبلها ضمة، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5082
................................
وقيد عدم التقيد بالإضافة احترز به من ذو بمعنى صاحب فإنه متمكن، ولكن تتقيد بالإضافة وليس لنا فعل يوصف بأنه يتقيد بالإضافة في آخر ياء قبلها ضمة.
والظاهر أن القيود المذكورة ترجع إلى الواو خاصة، لا القيد الأول وهو الآخر، ولا يخفى أن المراد إذا كان كذلك ما في عبارة الكتاب من القلق.
ولو قال المصنف: وتبدل كسرة - أيضا - كل ضمة يليها ياء طرفا أو واو هي آخر اسم متمكن لا يتقيد بالإضافة لكان أخلص تغييرا، وأوفى بتأدية المقصود، ثم إن في تمثيل الشيخ بنحو:
منهو وعنهو، نظرا، فإن هذه الواو إنما هي ناشئة عن إشباع حركة الهاء والكلام إنما هو في واو تكون أحد حروف هجاء تلك الكلمة التي تكون هي فيها، وكذا في التمثيل المتمكن الذي لا يتقيّد بالإضافة بذو نظر - أيضا - فإن ضمّة الذال إنما هي ضمة عارضة جيء بها اتباعا لما بعدها، وأصل الذال الفتح، وإذا كان كذلك فالضمة - أيضا - جيء بها قصدا، وإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى الاحتراز عن ذو؛ لأن الذال لم تكن مضمومة، وإنما ضمّت ضمّا عارضا لسبب، وما كانوا ليأتوا بالضم لقصد، ثم إنهم يعدلون عنه إلى غيره؛ لما في ذلك من التدافع وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى الاحتراز عن شيء بهذه الصفة؛ لأنه لا يتصور فيه فعل ما وجب لغيره فيحترز عنه، واعلم أنه قد عرف مما تقدم أنك لو سميت أحدا بنحو:
يغزو نقلا من الفعل الخالي من الضمير - أنك تقول فيه: يغز رفعا وجرّا، ويغزي نصبا، فتقلب ضمته كسرة وواوه ياء، كما تقول: أجر رفعا وجرّا في جمع جرو، وأجريا نصبا، هذا مذهب البصريين وهو على هذه القاعدة التي قرروها، وأما الكوفيون فإنهم يبقونه على ما كان عليه قبل التسمية ويفتحونه في حال النصب والجر، واحتجوا لذلك بأن العرب لما أسمت بيزيد أبقته على إعلاله، ولم يحكم له بحكم الاسم؛ إذ لو حكمت له بحكمه لصحت عينه؛ لأن الاسم إذا كان على وزن الفعل وزيادته زيادة الفعل صحت عينه نحو: أسود وأبيض 934 فكما أبقيت العين من يزيد على ما كانت عليه في حال كونه فعلا، لذلك تبقى اللام من يغزو على ما كانت عليه في حال كونه فعلا، وقد عرفت العلّة الموجبة لإبدال الضمة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5083
................................
كسرة والواو ياء في: أدل ونحوه وهو كون الاسم معرضا لمباشرة ياء النسب وياء المتكلم نحوهما مما يتعذر الواو معه أو تستثقل الكلمة بسببه، ولأجلها يعل غزو إذا سمي به، ولا شك أن هذه العلّة منتفية من نحو: يزيد
فيظهر الفرق.
وذكر الشيخ أن الاسم الأعجمي الذي آخره واو قبلها ضمة نحو: سمندو إذا نقلته العرب إلى كلامها أبقته على ما كان عليه ولا تغيره، ولا يخفى أن نحو: سوء المرفوع إذا خففت، وقيل فيه: سوء بالنقل والحذف لا تقلب فيه الضمة كسرة، ولا الواو ياء؛ لأن تطرف الواو عارض بسبب التخفيف والمتطرف في التقدير هو الهمزة ولا اعتداد بالعارض، وأن جمع المذكر السالم في الرفع ليست الواو فيه متطرفة؛ لأن النون بعدها أو ما عاقب النون وهو المضاف إليه، وأيضا فإن الواو لا تسلم إذ تخلفها الياء فلا يثبت لها الحكم الذي تقدم.
المسألة الثانية: أن الكسرة تبدل أيضا من كل ضمة يليها واو مدغمة في ياء وإلى ذلك الإشارة بقوله: أو مدغمة في ياء، وهو معطوف على قوله: هي آخر اسم التقدير: ياء أو واو [6/ 163] هي آخر اسم صفته كذا، أو واو مدغمة في ياء، أي وتبدل كسرة كل ضمة يليها واو مدغمة في ياء وذلك نحو: مرمي ومقضي، في المفرد وعصى ودلي وجثي في الجمع، أما مرمي ومقضي فاسما مفعول من رمى وقضى، أصلهما مرموي ومقضوي، فسلك بهما قياس مثلهما في الإبدال والإدغام كما سيأتي ذلك بعد فصلين من هذا الفصل في كلام المصنف 935 - إن شاء الله تعالى - فبعد الإبدال والإدغام بقيت الضمة قبل واو مدغمة في ياء؛ الواو واو مفعول، والياء لام الكلمة؛ فأبدلت الكسرة منها ليخف النطق بالكلمة فقيل:
مرمي 936 ومقضي، وأما: عصي ودلي وجثي، فإنها جمع: عصا ودلو وجاث جمعت على فعول، ولام كل منها واو فقلبت ياء لتطرفها، ثم قلبت الواو الزائدة ياء - أيضا - لتدغم في ما بعدها على القاعدة في مثله وبعد القلب والإدغام بقيت الضمة قبل واو مدغمة في ياء؛ فأبدلت الكسرة منها للعلّة التي تقدمت، ثم إن المصنف قيّد الياء المدغم فيها؛ بكونها آخر الاسم، فاحترز بالآخر من نحو ياء: ضيّم فإنها ياء مدغم فيها ولا يجب كسر الضمة؛ لأن الياء ليست آخرا، واحترز بالاسم من أن -
الجزء: 10 - الصفحة: 5084
................................
تكون الياء المدغم فيها آخر فعل نحو: حيّ إذا بنيته للمفعول فإنك تقول فيه: حيّ، ولا يجب فيه إبدال الضمة كسرة، لكنه يجوز كما سيأتي، واعلم أن تاء التأنيث إذا ختمت بها الكلمة بعد الياء المدغم فيها المضموم ما قبلها لا يخرج الياء المذكورة عن أن تكون آخرا وذلك نحو: مرميّة ومقضيّة، فيجب لها من إبدال الضمة كسرة ما وجب
لنحو مرميّ ومقضيّ، ولذلك قال المصنف: لفظا أو تقديرا بعد قوله: هي آخر اسم.
المسألة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة: أن الكسرة تبدل - أيضا - من كل ضمّة في واو قبل واو متحركة تليها زيادتا فعلان أو علامة تأنيث، وإلى ذلك الإشارة بقوله: وكل ضمة في واو... إلى آخره، وهو معطوف على قوله: كل ضمة من قوله: وتبدل كسرة كل ضمة، فمثال الضمة في الواو قبل الواو المتحركة التي تليها زيادتا فعلان أن تبني من القوة اسما على وزن السّبعان - وهو موضع - فتقول: قويان، أصله: قووان، فأبدلت الكسرة من الضمة فوقعت الواو التي هي لام بعد كسرة فأبدلت ياء، وأنا أذكر ما ذكره ابن عصفور في هذا المثال من المذاهب، ثم أرجع إلى كلام المصنف.
قال - رحمه الله تعالى -: ونقول في فعلان منها - أي القوة -: قووان وإن شئت أسكنت الواو الأولى تخفيفا وأدغمت، فقلت: قوّان هذا مذهب سيبويه 937. وقال أبو العباس: ينبغي لمن لم يدغم أن يقول: قويان، فيقلب الواو الثانية ياء والضمة التي قبلها كسرة؛ لئلا تجتمع واوان في إحداهما كسرة، والأخرى متحركة قال: وهذا قول أبي (عمر) 938 وجميع أهل العلم 939. وقال أبو الفتح: الوجه عندي إدغامه ليسلم من ظهور الواوين مضمومة إحداهما، ولأنه إذا قال: قويان التبس بفعلان فمن هنا قوي الإدغام 940، ثم اعترض على نفسه بأن قال: فإن قيل: إذا أدغم، لم يعلم أفعلان هو أم فعلان بكسر العين، قيل: هذا مذهب محال؛ لأنك لو أردت فعلان لقلبت الواو الآخرة: ياء لانكسار ما قبلها، فيختلف الحرفان فتقول: قويان، فلا تدغم 941، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، أما ما ذهب إليه ابن جني من أن قلب الضمة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5085
................................
كسرة والواو ياء يؤدي إلى إلباس، فالإلباس غير محفول به، ألا ترى أن كلامهم يوجد فيه البناء المحتمل لوزنين كثيرا مثل مختار، فإنه متردد بين مفتعل ومفتعل، وأيضا، فإنه إذا أدغم لم يدر هل البناء فعلان في الأصل أو فعلان بسكون العين، وأما ما ذهب إليه أبو العباس من أن اجتماع واوين الأولى منهما مضمومة والثانية متحركة لا
يجوز لثقله، فباطل؛ لأنه قد وجد في كلامهم نظيره.
ألا ترى أنك إذا نسبت إلى صوى بعد التسمية به قلت: صووي لا خلاف في ذلك، مع أنه قد اجتمع له واوان الثانية متحركة وقبل الأولى ضمة، والحركة بعد الحرف في التقدير، فكأنها في الواو، فكذلك قووان، فهذا الذي ذهب إليه سيبويه هو الصحيح؛ لأن مثل: قووان لم يجئ في كلامهم مصححا ولا معللا فإذا بنيته فالقياس أن تحمله على أشبه الأشياء به، وأشبه الأشياء صووي 942. انتهى.
وقد ظهر أن المصنف ماش في ذلك على مذهب المبرد ومن وافقه، لكنه لم يتعرض هنا لإبدال الواو الثانية ياء، ولا بد منه إذا أبدلت الضمة التي على الواو الأولى كسرة؛ لأن المذهب المنسوب إلى سيبويه لا تغيير فيه لا للحرف ولا للحركة، والمذهب المنسوب إلى المبرد فيه تغييرهما، أما تغيير الحركة دون الحرف فلا قائل به، والمصنف قد حكم بتغيير الحركة - أعني الضمة -، فوجب أن يقال بتغيير الحرف - أيضا - وذلك بأن يقال: إنه لمّا حكم بتغيير الضمة إلى الكسرة وقعت بعد الكسرة واو وهي لام وجب قلبها ياء، لما تقدم له من أن الواو الواقعة قبل زيادتي فعلان إذا كانت إثر كسرة تقلب ياء، ومثّل لذلك بغزيان وهو فعلان من الغزو، وهذه هي المسألة الأولى من الأربع التي ذكرت، ومثال الضمة في الواو قبل الواو المتحركة التي قبلها علامة تأنيث قووة وهو مثال سمرة من القوة، فتقول: قوية تبدل من الضمة كسرة فتصير:
قووة، وقد تقدّم في أول الفصل أن الواو الواقعة قبل علم تأنيث إذا كانت إثر كسرة تبدل ياء ومثل بعريقية تصغير عرقوة، فعلى هذا يقال فيها: قوية، وقد ذكر المصنف هذه المسألة في إيجاز التعريف وصوّرها بأن تبني مثل: عرقوة من غزو فتقول:
غزوية، والأصل: غزووة، ثم حصل الكسر والإبدال 943، وقال ابن عصفور:
وتقول في مثل ترقوة من الغزو: غزوية سواء أبنيت على التذكير أم على التأنيث، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5086
................................
وأصلها: غزووة، فاجتمع واوان في الطرف وضمة، فصار ذلك كثلاث واوات فقلبت المتطرفة ياء والضمة قبلها كسرة لتصح، فصار غزوية، وإنما استوى البناء على التذكير والتأنيث لوجود الاستقلال في الحالتين 944 وفي شرح الشيخ: (وأما قياس قووان على غزوة فقياس فاسد؛ لأنه ليس موجب القلب في غزويّة اجتماع واوين الأولى
منهما مضمومة والثانية متحركة كما هما في: قووان بل موجبه أن الهاء يجوز فيها أن لا يبنى عليها الكلمة فالتزم سيبويه في غزوية 945 أحد الجائزين لزيادة [6/ 164] الثقل وهو قياس كلام العرب، ألا تراهم قالوا: مرضي، وإن كان شاذّا والتزموا مقوي لأجل اجتماع الواوات إذ الأصل: مقوو فلو أدغموا لكان ثقيلا) 946.
وهذه هي المسألة الثانية فيها، ومثال الضمة في الواو قبل الياء المتحركة التي تليها زيادتا فعلان، أن نبني من شوى اسما على وزن فعلان، فتقول: شويان، ثم تبدل الكسرة من الضمة، فتقول: شويان والموجب للإبدال المذكور طلب الخفة وزاد الشيخ العمل فقال: الأصل شويان، فتقلب الياء واوا لضمة ما قبلها فتصير: شووان مثل: قووان، ويظهر أن يجيء فيه المذاهب الثلاثة، ولكن لا أثقلها في هذا بخصوصه، فإن قلبت الضمة لا توجب قلب الياء المتحركة، بدليل قولهم: عيبة، فصححوا الياء، قلت: الياء في عيبة عين الكلمة فلا تقلب لقوتها، وأما في مثل:
شويان فتقلب، ألا تراهم قلبوا في: يقضو الرجل 947؟ انتهى.
ولا أعرف ما الموجب لدعوى قلب الياء واوا ثم بعد إبدال الكسرة من الضمة تقلبها ياء، أما قوله: إن الضمة هي التي أوجبت القلب كما أوجبته في يقضو الرجل؛ فالفرق أن الضمة في يقضو مستمرة لازمة لهذا البناء بخلاف الضمة في: شويان فإنها زائلة بإبدالها كسرة.
ثم يقال له: إذا أبدلت وصارت الكلمة مثل: قووان، كان الواجب أن لا تعل الكلمة بعد ذلك على مذهب سيبويه؛ لما تقدم من أن سيبويه يصحح نحو هذا المثال، وأن غيره هو الذي يبدل الواو ياء والضمة كسرة.
وهذه هي المسألة الثالثة منها أيضا، ومثال الضمة في الياء قبل الواو المتحركة التي تليها -
الجزء: 10 - الصفحة: 5087
[منع إبدال الضمة كسرة]
قال ابن مالك: (فإن كانت في غير واو قبل واو قبل هاء التّأنيث لم تبدل إلّا إن قدّر طرآن التّأنيث).
علامة تأنيث أن تبني من شوى مثل: سمرة، فتقول: شوية، فتبدل الكسرة من الضمة فتقول: شوية، وهذه هي المسألة الرابعة التي بها يكمل ست مسائل، وقد ادعى الشيخ في شوية ما ادعاه في: شويان وهو أن الياء أبدلت
واوا، فصار شووة فاجتمع في آخره واوان فثقل بذلك ووجب قلب الثانية ياء وكسر ما قبلها فصار شوية، هذا كلامه وقد عرفت ما فيه قبل 948.
قال ناظر الجيش: الضمير المستتر في: كانت، يرجع إلى الضمة لتقدم ذكرها، أي: فإن كانت الضمة في حرف غير واو ويكون ذلك الحرف المضموم قبل واو تلك الواو قبل هاء التأنيث لم تبدل - يعني الضمة كسرة - إلا إن قدّر طرآن التأنيث فإنه إذا قدّر كان آخر الاسم واو قبلها ضمة فيجب القلب حينئذ، ومثال ذلك أن تبني مثل سمرة من الغزو فتقول: غزوة، فقد وقعت الضمة في غير واو قبل واو قبل هاء التأنيث وهي مقدرة الطرآن، فتقول: غزية، أبدلت الكسرة من الضمة فانقلبت الواو التي بعدها ياء على القاعدة المعروفة 949 المتقدمة الذكر.
قال سيبويه: في فعلة من الرمي رموة إذا بنيت على التاء، ورمية إذا لم تبن 950، وقال المصنف في إيجاز التعريف: لا تعتبر الضمة الكائنة في غير واو بعدها هاء التأنيث إن بنيت الكلمة عليها كعرقوة فلو قدر عروضها، أبدلت الضمة كسرة والواو ياء مثل أن يجاء للعرقي والقلنسي بواحد، مبني عليها بناء عباية على عباء 951، فإن الواجب أن يقال فيه من العرقي: عرقية ومن القلنسي: قلنسية، والأصل عرقوة وقلنسوة، فلم يستعمل الأصل مع الهاء العارضة كما لم يستعمل قبل عروضها.
انتهى والذي فهمته من هذا الكلام أن الحكم بكون هاء التأنيث غير عارضة يرجع إلى قصد -
الجزء: 10 - الصفحة: 5088
................................
المتكلم، فإن قدر أن الكلمة مبنية عليها فلا تعتبر الضمة التي قبل الواو، بل تستمر الضمة والواو بعدها على حالهما، وإن قدّر عروض الهاء حكم بأن الواو وقعت آخر الاسم وقبلها ضمة، فوجب إبدال الضمة كسرة ويتعين حينئذ إبدال الواو ياء، ويدل على هذا قول سيبويه: تقول في فعلة من الرمي: رموة إذا بنيت على التاء.
ورمية إذا لم تبن، فجعل الأمر في ذلك راجعا إلى تقدير المتكلم وقصده، وكان ظني - وهو الذي كنت أفهمه أولا - أن الحكم بعدم عزو الهاء وحروفها أمر يضطر إليه ولا تعلق له بالقصد، وذلك أن الكلمة المشتملة على هاء التأنيث إذا فرض أن لها نظيرا مستعملا بعد فرض حذف هاء التأنيث منها حكم على الهاء بالعروض وذلك كثير،
والغالب ما يؤنث بالتاء مما لامه واو واقعة بعد كسرة، وإن لم يكن للكلمة بعد فرض حذف الهاء منها نظيره - أعني في الوزن - حكم بأن الكلمة مبنية على الهاء، وأنها عارضة، ويدل على ذلك ما تقدم في هذا الفصل من أن الياء الواقعة آخر الكلمة قبل علامة تأنيث بنيت الكلمة عليها، تقلب واوا بعد ضمة، ومثال ذلك بأن تبني من الرمي مثل: مقدرة، وتقدر أنك تقول فيه: مرموة 952 فكان المثال لما بني على الهاء التي للتأنيث بمفعلة، وإنما حكم للتاء في مفعلة بذلك؛ أن مفعلا لا يوجد في كلامهم، وإذ قد عرفت هذا الحكم، فاعلم أن المصنف قال في إيجاز التعريف بعد كلامه المذكور آنفا: فلو كانت الضمة في واو قبل الواو التي بعدها هاء التأنيث تضاعف الاستثقال فيتعين الإعلال مطلقا يعني، سواء أبنيت الكلمة على هاء التأنيث أم لم تبن، نحو أن تبني مثل: عرقوة من غزو، فإنك تقول فيه: غزوية، والأصل غزووة 953 ثم فعل به ما ذكر من الكسر والإبدال، وكذلك لو كانت الواوان أصليين كبناء مثل: مقدرة من قوة، فإنك تقول فيه: مقوية، والأصل مقووة، ثم فعل به ما ذكر هذا آخر كلام.
واعلم أن الشيخ ذكر ما ظاهره يقتضي مناقشة المصنف في العبارة، فقال: قول المصنف: إلا إن قدّر طرآن التأنيث، يقتضي أن تبدل إلا إن كان قد وجد هذا الشرط، وهو تقدير طرآن التأنيث، وأما ما لا يقدر فيه طرآن التأنيث، وذلك نحو أن تبني من الرّمي مثل: مفعلة أو فعلوة، فإنك تقول فيه: مرموة، ورميوة، وهذا لا يمكن أن يقدر فيه طرآن التأنيث فيقال -
الجزء: 10 - الصفحة: 5089
................................
فيه: مرمية ورمية؛ لأنه ليس في الكلام مفعل 954 ولا فعلوة دون تاء، قال: فهاتان كلمتان [6/ 165] لا يجوز البناء فيهما على حذف التاء، ثم قال فإن قلت: أما مفعل فصحيح عند البصرية وأما فعلوة فقد جاء العرقي في جمع العرقوة قلت: لما كان لم يجئ إلا محذوفا منه التاء، ولا بد، ولم يجئ في غير جمع فعلوة صار كأنه ليس في الكلام، وصار كأنه محذوف من فعلوة، فكيف يجوز أن يجعل أصلا للتاء، ولم يقل: عظاءة حتى جعلنا عظاء 955 هو الأصل، والتاء داخلة عليه، فلو كان فعلوّ أو فعليّ أصل بناء لجاز غير محذوف منه التاء ولهذا لم يذكرهما سيبويه في أصول الأبنية، أعني فعلو وفعلى وكذا فعنلو 956، وهم قد قالوا: قلنس في قلنسوة 957.
انتهى.
والمصنف لم يفوض تقدير طرآن التأنيث وعدم تقديره إلى نظر الناظر حتّى إن شاء قدّر وإن شاء لم يقدر، بل علق الأمر الذي هو إبدال الضمة كسرة لتنقلب الواو التي بعدها ياء على شيء، وهو أن يقدر طرآن التأنيث
في تلك الكلمة، ولا شك أنه إذا كان لنا ما لا يجوز تقدير طرآن التأنيث فيه لا يقدر؛ فكلام المصنف محمول على ما يجوز فيه أن يختم بالتاء وأن لا يختم، فإذا ختم جاز لك أن لا تقدر طرآن التأنيث، وحينئذ تصير الكلمة كأنها مبنيّة على التاء فتستمر الضمة على حالها وتسلم الواو التي بعدها؛ لأنها لم تقع طرفا وأن تقدره وحينئذ فالكلمة ليست كالمبنية على التاء فتصير الواو في حكم المتطرفة، فتبدل الضمة كذلك كسرة وتقلب الواو ياء وتحقق، هذا قول سيبويه، تقول في فعلة من الرمي: رموة، إذا بنيت على التاء ورمية إذا لم تبن 958، ويدل على أن مراد المصنف ما قلته ما تقدم ذكرنا له آنفا، وهو قوله في إيجاز التعريف: لا تغيّر الضمة الكائنة في غير واو قبل واو بعدها هاء التأنيث إن بنيت الكلمة كعرقوة، فلو قدّر عروضها أبدلت الضمة كسرة والواو ياء مثل أن يجاء للعرقي والقلنسي بواحد مبني عليهما بناء عباءة على عباء 959، فإن الواجب أن يقال فيه من العرقي عرقية ومن القلنسي قلنسية، والأصل عرقوة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5090
................................ وقلنسوة، فلم يستعمل الأصل مع الهاء العارضة، كما تستعمل قبل عروضها، فانظر كيف حكم على عرقوة بأنها لا تغير لبناء الكلمة على التاء فلو كان يجيز في مثل ذلك تقدير الطرآن لأجاز التغيير فيه وجعل التاء عارضة في عرقوة وقلنسوة حيث جعلهما مبنيتين على العرقي والقلنسي، يعني أنا إذا أدخلنا التاء على هاتين الكلمتين ويدل على أنه قصد هذا قوله: بناء عباءة على عباء وقوله: فلم يستعمل الأصل مع الهاء العارضة كما لم يستعمل قبل عروضها، ولا شك أن تقرير هذه المسألة لا يخلو من قلق، ولم أصل فيها إلى ما يثبت عندي تحققها، ولم يشف الغليل في فهمها على ما ينبغي، ويشبه هذه المسألة في عدم التحقق مسألة أذكرها الآن، وهي أنهم قالوا: إن الواو المتطرفة بعد كسرة يجب قلبها واوا كرضي في رضو، وقوي في قوو وعلّة ذلك أنه كسر ما قبل الواو، وكانت متطرفة معرضة لسكون الوقف عوملت بما يقتضيه السكون من وجوب إبدالها؛ توصّلا للخفة، وتوصّلا لتناسب 960 اللفظ، قالوا: ويستمر هذا الحكم ولو فتحت الكلمة بتاء التأنيث كشجية في شجوّة فيفعل بالواو قبل التاء ما يفعل بها متطرفة؛ لأن التاء في حكم الانفصال، وحكموا للألف والنون أيضا بما حكموا به للتاء فجعلوا لها حكم الانفصال، قالوا: فيقال في ظربان من الغزو: غزيان 961، وقد تقدّم تقرير حكم هذه المسألة في هذا الفصل، ثم إنهم قالوا: إذا كانت الياء لام فعل وهي متحركة بعد ضمة وجب إبدالها واوا نحو: يقضو الرجل، أي: ما أقضاه، وليس في من شيء ثم عدوا هذا الحكم إلى الاسم فقالوا: وكذا إذا كانت الياء المتحركة المضموم ما قبلها لام اسم مبني على التأنيث بالتاء كما إذا بنيت من الرمي بمثال مقدرة، فإنك تقول فيه: مرموة فلو كانت التاء عارضة أبدلت الضمة كسرة وسلمت الياء، كما يجب ذلك مع التجريد نحو: توانية، والأصل توانية؛ لأنه مصدر توانى، وقياس مصدر تفاعل التفاعل، فأبدلت الضمة كسرة من أجل الياء التي بعدها من حيث حكم لها بحكم المتطرفة، ولم يعتد بتاء التأنيث لعروضها، وحكموا للألف والنون - أيضا - بما حكموا به للتاء - - وعظاءة، فقال: إنما جاؤوا بالواحد على قولهم: صلاء وعظاء وعباء، كما قالوا: مسنيّة ومرضيّة حيث جاءتا على مرضي ومسنيّ).
الجزء: 10 - الصفحة: 5091
[مواضع قلب الضمة كسرة جوازا]
قال ابن مالك: (وفي ضمّة مصدّرة قبل ياء مشدّدة أو متلوّة بأخرى مغيّرة لياء مشدّدة أو منقولة إلى واو من همزة قبل واو وجهان).
التي بنيت الكلمة عليها؛ فجعلوا لها حكم الاتصال، قالوا: فإذا بني من رمى مثل سبعان يقال: رموان، أصله: رميان فقلبت الياء واوا؛ لأجل الضمة قبلها وعلّلوا ذلك بأن الألف والنون لا يكونان أضعف حالا من التاء اللازمة في التحصين من التطرف وتقدم حكم تقرير هذه المسألة أيضا في هذا الفصل، إذا عرف هذا فلقائل أن يقول: إن التاء قد اختلف حكمها، وكذا الألف والنون، وذلك أنها جعل لها حكم الانفصال في مثل شجيّة وغزيان فلم يمنع من الحكم على الواو بالتطرف ولذا قلبت ياء وجعل لها حكم الاتصال في مثل: مرموة ورموان، فقلبت الواو ياء كما
قلبت في: يقضو الرجال، ولو جرينا على القاعدة في ما أوجب القلب في شجية وغزيان لوجب بقاء الياء في مرموة ورموان، وقلب الضمة كسرة لتسلم الياء، وهذا الموضع كلما أتيت عليه أستشكله، وأتطلب الفرق بين البابين والذي يظهر من كلامهم في الفرق بين البابين أن نحو: شجية التاء فيه عارضة لم تبن الكلمة عليها، فحكم عليها بالانفصال، وحيث حكم لها بالانفصال كانت الواو الواقعة قبلها في حكم المتطرفة، فقلبت ياء لكسر ما قبلها، وحكم للألف والنون في: غزيان من الانفصال بما حكم به للتاء؛ لاتفاق الكلمتين - أعني شجية وغزيانا - في إعلال واحد 962، وأما نحو: رموة، فإن التاء فيه لازمة بنيت الكلمة عليها، فحكم لها بالاتصال، وحيث حكم لها بالاتصال لم تكن الياء الواقعة قبلها متطرفة ولا في حكم المتطرفة ووجد قبلها ضمة والياء إذا لم تكن طرفا وضم ما قبلها قلبت واوا وحكم للألف والنون في نحو: رموان بما حكموا به للتاء لاتفاق الكلمتين في إعلال واحد أيضا ولكن يعكر على هذا الفرق البحت الذي تقدم في تقرير عروض تاء التأنيث وعدم عروضها.
قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الضمة تبدل كسرة وجوبا في المواضع التي تقدمت أراد أن يذكر ما تبدل فيه الضمة كسرة جوازا، فذكر أن ذلك يكون في ثلاثة مواضع: -
الجزء: 10 - الصفحة: 5092
................................
الأول: ضمة مصدّرة قبل ياء [6/ 166] مشددة.
الثاني: ضمة مصدّرة أيضا متلوّة ياء أخرى، أي بضمة أخرى، لكنها غيرت لياء مشددة.
الثالث: ضمة منقولة إلى واو من همزة قبل واو منقولة، أو منقولة: معطوف على قوله: مصدّرة فمثال الضمة المصدّرة قبل ياء مشددة ضمة لام: ليّ جمع ألوى 963، وضمة صاد: صيّم جمع صائم، فيجوز إبقاؤها، ويجوز إبدالها كسرة 964، ومثال الضمة المصدّرة الممتلوّة لضمة أخرى قد غيرت تلك الضمة - أعني التالية لياء مشددة - ضمّة عين: عصيّ جمع عصا فإنّ الصاد كانت مضمومة وكسرت لأجل الياء المشددة التي بعدها 965، وكذا ضمّة الدال في: دليّ 966، وضمّة الجيم في جثيّ 967 فيجوز بقاء ضمة العين والدال والجيم، ويجوز إبدالها كسرة، ومثال الضمة المنقولة إلى واو من همزة قبل واو أن تبني من لفظ سواء اسما على وزن عرقوة، فإنك تقول فيه: سوؤوة ثم إذا نقلت حركة الهمزة إلى الواو وحذفتها صارت الكلمة سوّوة، فضمة الواو حركة منقولة من همزة قبل واو 968، وإنما كان في ما ذكر الوجهان: أما إقرار الضمة؛ فلأنها الأصل في ليّ 969 وصيّم 970 وعصي 971،
ومنقولة بما هي فيه أصل في سّووة وأما الكسر فالمسوغ له في: لي حمله على بيض إجراء لذوات الواو مجرى ذوات الياء ولمناسبة التي تليها، والمسوغ له في صيّم مناسبة الياء أيضا والمسوغ له في عصي الاتساع وسهولة اللفظ؛ لأن الخروج من ضم إلى كسر أثقل من توالي كسرتين، وأما المسوغ له في سوّوة فسيذكره، واعلم أن المصنف لو أخر الكلام على هذه المسألة أعني إبدال الضمة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5093
[تسكين ذي الكسرة والضمة المؤثّرتين إعلال اللام]
قال ابن مالك: (وقد يسكّن ذو الكسرة والضّمّة المؤثّرتين إعلال اللّام فيبقى أثرهما وقد يؤثران إعلالها محجوزة بساكن، وربّما أثّرت الكسرة محجوزة بفتحة؛ وربّما جعلت الياء واوا لإزالة الخفاء والواو ياء لرفع لبس وتقليل ثقل).
كسرة جوازا فيما ذكره الآن، وكذا الكلام على إبدال الضمة كسرة وجوبا فيما تقدم له ذكره قبيل هذا وهي الضمة الواقعة على عين نحو: ولي وعصي ومرمي، فكان يذكر ذلك عند الكلام على إبدال الواو ياء، وإدغام إحدى اليائين في الأخرى لكان أولى فإن إبدال الضمة كسرة وجوبا أو جوازا في القسمين اللذين ذكرهما إنما جاء تبعا لإبدال الواو ياء والإدغام إذا كان الشيء تبعا لشيء وجب أن يذكر مع متبوعه؛ لأن إفراده بالذكر موهم أن الكلام فيه مقصود بالذات مع ما يؤدي إليه من كثرة الصور وانتشارها على المحصل.
بقي علينا ذكر المسوغ لإبدال
الضمة كسرة في سوّوة.
اعلم أن الشيخ لمّا ذكر هذه المسألة قال: وأما سوّوة فضمّة الواو حركة منقولة من الهمزة كما قررناه فصار في اللفظ نحو: قوّوة ولكن الضمة في قوّوة غير عارضة فاعتد بها وكان فيها القلب قولا واحدا، وهي في سوّوة عارضة، فإن لم يعتد بها فلا قلب، وكأنك نطقت بسوؤوة فكما صحت في عرقوة فكذلك في هذا، وإن اعتددت بها صارت مثل: قوّوة مما آخره واوان فتقلب فيقول: سوية 972.
انتهى.
يعني أنك تبدل الضمة كسرة جوازا، فتقول: سوّوة وحينئذ تقلب الواو ياء؛ لأن الواو الواقعة قبل علم تأنيث إذا كانت إثر كسرة تقلب ياء كما تقدم قبل هذا.
قال ناظر الجيش: قصد المصنف بهذا الكلام الإشارة إلى فروع تنشأ أحكامها عما سيذكر، فمنها: أن الكسرة مؤثرة قلب الواو ياء في نحو: غزيان، والضمة مؤثرة قلب الواو ياء في نحو: رموان كما قد عرفته قال: فقد يسكن ما قبل الياء في غزيان وما قبل الواو في: رموان لقصد التخفيف، ويبقى إعلال اللام على ما كان عليه قبل التسكين وإلى ذلك الإشارة بقوله: فيبقى أثرهما أي فيبقى أثر الكسرة وإن زالت؛ -
الجزء: 10 - الصفحة: 5094
................................
وهو قلب الواو ياء، وأثر الضمة وإن زالت؛ وهو قلب الياء واوا، والموجب لذلك أن السكون عارض ولا اعتداد بالعارض في الأغلب، ومما بقي فيه أثر الكسرة والضمة بعد زوالهما بالسكون قولهم، غزي مخفف: غزى ولقضو مخفف قضو، والعلّة فيه ما تقدم، وقد أنشدوا:
4305 - تهزأ منّي أخت آل طيسله... قالت أراه والفا قد دني له 973
وأصله: دني له فأسكن النون، واعتبر كسرتها الزائل فأبقى الياء المنقلبة بسببها عن الواو.
ومنها: أن الكسرة والضمة قد يؤثران إعلال اللام وقد حجز بينهما ساكن، وأن الكسرة تؤثر ذلك وقد حجزت بفتحة؛ فمثال الكسرة المحجوزة عن اللام بساكن قولهم: هو ابن عمّي دنيا، أي قريبا، أصله دنوا؛ لأنه من الدنو فقلبت الواو ياء لكسرة الدال، وإن كان قد حجز بينهما ساكن، وذلك أن الساكن عندهم حاجز غير حصين، فكأن الكسرة جاوزت الواو، وهذا تعليل للنذور، والأكثر الشائع عدم الاعتداد بالكسرة المحجوزة بالساكن نحو: حنو وقنو وصنو وجرو وغير ذلك، ومثل دني في النذور والشذوذ: الفتية والصيبة والعلية، أصلها الواو فأعلت لما أعل له دني 974، ومثال الضمة المحجوزة عن اللام بساكن - أيضا - قولهم للعريان: عرو أصله عري، وقد نطق به
أيضا فقلبت واوا لضمة العين ولم يعتد بالساكن الذي هو الراء، فكأن الضمة جاوزت الياء، والأكثر في كلامهم صحة الياء نحو: مدي وظبي وعمي 975، ومثال الكسرة المحجوزة عن اللام بفتحة قولهم في نحو رضا: رضيان بالياء، وأصله الواو؛ لأنه من: الرضوان، وكأن الفتحة عندهم أخت السكون في الخفة فكما لم يعتد بالسكون حاجزا حصينا لم يعتد بالفتحة أيضا ومع ذلك فهو -
الحديث: 4305 - الجزء: 10 - الصفحة: 5095
................................ نادر لا يقاس عليه، وقد ذكر المصنف في باب كيفية التثنية أن الكسائي يراه قياسا 976. ومنها: أن الياء تجعل واوا ومثل ذلك قولهم: أوفع الغلام، في أيفع الغلام. وعلّل المصنف ذلك بأن القصد به إزالة الخفاء 977. ومنها: أن الواو تجعل ياء إما لرفع لبس أو تقليل ثقل، فمثال ذلك لرفع اللبس قولهم في جمع عيد: أعياد وهو من ذوات الواو، ولم يقولوا: أعواد؛ لئلا يلتبس بجمع عود، فإنهم قالوا فيه: أعواد، وكذلك أرياح في جمع ريح، والقياس أرواح وهو أفصح وأشهر وأكثر من أرياح، والعلّة لقولهم: أرياح مع قلته أن أرواحا يلتبس بجمع روح؛ فإن جمعه أرواح 978، وكذا قولهم: خيائن جمع خيانة، وإن كان أصلها الواو فجعلت الواو ياء خوف التباسه بجمع خائنة [6/ 167]، ومثال ذلك لتقليل الثقل قولهم في صوّم: صيّم، واعلم أنه سيأتي أن الواو إذا كانت عين فعّل جمعا ولم تكن الكلمة معتلة اللام جاز فيها وجهان: التصحيح وهو الأكثر؛ لأنه الأصل، والإعلال، وذلك أن تقلب الواو الآخرة ياء ثم تقلب الواو الأولى ياء، ثم تدغم الياء في الياء، حملا للعين على اللام ولقربها من الطرف، ولهذا حكم بالشذوذ في قول الشاعر: 4306 - ألا طرقتنا ميّة ابنة منذر... فما أرّق النّيّام إلّا سلامها 979
الحديث: 4306 - الجزء: 10 - الصفحة: 5096
[مواضع إبدال الياء المدغمة في مثلها واوا]
قال ابن مالك: (فصل: تحذف الياء المدغمة في مثلها قبل مدغمة في مثلها إن كانت ثالثة زائدة لغير معنى متجدد أو ثالثة عينا، ويفتح ما قبلها إن كان مكسورا، وإن كانت ثانية فتحت وردّت واوا إن كانت بدلا منها، وتبدل الثّانية واوا ولا تمتنع سلامتها إن كانت الثّالثة والرّابعة لغير النّسب خلافا للمازنيّ).
ومن الشاذ - أيضا - قولهم: صيّابة، قالوا: فلان في صيّابة قومه، يريدون في صوّابة أي: صميمهم وخالصهم 980 وشاهد نحو: صيّم قول الشاعر:
4307 - ومعرّض تغلي المراجل تحته... عجّلت طبخته لرهط جيّع 981
أي: جوّع جمع جائع.
وإنما قيد فعّلا بكونه جمعا؛ لأنه إذا كان مفردا لم يعل نحو: حوّل، وكذا إذا كان جمعا معتل اللام، وذلك نحو قولهم: شاو وشوّى وذلك لكراهة اجتماع إعلالين، وسيأتي ذكر هذين القيدين عند تعرض المصنف لذكر هذه المسألة في مكانها - إن شاء الله تعالى - وإنما قلت في صوّم ونحوه:
لتقليل الثقل؛ لأن صوّما فيه اجتماع واوين وضمة، فكأنه اجتمع ثلاث واوات فثقل بذلك فقلبوا الواوين يائين لنقل الثقل؛ لأن اليائين أخف من الواوين.
قال ناظر الجيش: لا يخرج هذا الفصل عن الفصول التي تقدّمته في اشتماله على ذكر إبدال بعض أحرف العلّة من بعض ولكن لمّا كان الإبدال الذي سيذكره إنما يتأتى بعد حذف شيء من الكلمة التي فيها الإبدال لزم التعرض إلى الحذف أولا لابتناء الإبدال عليه فليس ذكر الحذف مقصودا هناك بالذات لا يقال الكلام في هذه الفصول، إنما هو في الإعلال، والحذف إعلال أيضا فجاز أن يقصده لذاته؛ لأنا نقول: الكلام في الإبدال لم ينته وما كان المصنف ليذكر شيئا قبل إنهائه الكلام في -
الحديث: 4307 - الجزء: 10 - الصفحة: 5097
................................
شيء آخر، وأيضا فإن الحذف الذي هو إعلال حذف محض لا يشاركه إبدال ثم إن قول المصنف في فصل يأتي بعد فصول من هذا الفصل: «من وجوه الإعلال الحذف» 982 يبين لك أنه من هناك ابتدأ الكلام في الحذف.
إذا عرف هذا فأنا أورد أولا ما ذكره المصنف في إيجاز التعريف لما اشتمل عليه من الفائدة ثم أعود إلى حل ألفاظ الكتاب.
قال - رحمه الله تعالى -: يحذف الياءان المدغم إحداهما في الأخرى إن كانتا زائدتين ووليهما مثلاهما كقولك: كرسيّ 983 في النسب إلى:
كرسيّ والأصل كرسيّيّ فاستثقل توالي إدغامين في أربع ياءات زوائد، وكانت الأوليان في حكم زيادة واحدة، فحذفتا معا، كما حذفتا معا في الترخيم، ويدل على إلحاق يائيه غير الكائنين قبل ياء النسب أن بخاتي اسم رجل لا ينصرف، فإذا نسبت إليه انصرف 984، فقيل: هذا بخاتيّ فلو كانت الياءان بما اللتين كانتا قبل، لما تغير حكمه، فإن كانت الأولى مخصصة بالزيادة سابقة في الوجود للثالثة والرابعة حذفت، وقلبت الثانية واوا وانفتح ما قبلها إن لم يكن مفتوحا كعلوي في النسب إلى علي والأصل: عليّيّ 985، فاستثقل في الأول، ولم تكن الأولتان زائدتين فاقتصر
على حذف الزائد، فقيل: علييي، ثم كمل التخفيف بإبدال الكسرة فتحة والياء واوا فرارا من توالي الأمثال فلو كان ما قبل الياء المفتوحة مفتوحا اقتصر على الحذف والقلب، كقولك في النسب إلى قصي: قصويّ، فلو كانت الأولى متأخرة في الوجود لم تحذف؛ كالياء الأولى في عدي تصغير عدوي والأصل فيه عديوي، فعمل فيه ما يعمل بغزوة في التصغير حين يقال: غزيّة؛ لأن الواو فيهما لام ولا سبيل إلى تصحيح اللام مع وجود سبب الإعلال، وإنما يوجد ذلك في الواو النائبة عينا كأسيود والأجود مع ذلك أسيّد بالإعلال، واغتفر توالي يائين مشددتين؛ لأن التخلص منه لا يمكن إلا بتفويت الدلالة على التصغير لو قيل: عدوي، أو تصحيح ما لا يصح لو قيل: عديوي، فكان توالي اليائين المشددتين أهون من -
الجزء: 10 - الصفحة: 5098
................................
ذلك مع أن من العرب من يرتكبه ولو لم يلزم من تركه ما ذكر، كقول بعضهم في النسبة إلى أمية: أميّيّ 986، فلأن يغتفر في تصغير عدويّ ونحوه، أحق وأولى فلو كانت الأولى والثانية أصلية وقبلهما زائدا عوملتا معاملة يائي: عليّ وقصيّ، وذلك كقولك في النسب إلى تحية: تحويّ، وإن فصل الأصلين المسبوقين بزائد حرف لين حذف وعوملا المعاملة المذكورة، كقولك في النسبة إلى: محيّ اسم فاعل من حي:
محويّ 987 فإن لم يكن قبلهما زائد كحي، قلبت الثانية واوا وفتحت الأولى، فتقول في النسب إلى حيّ: حيويّ فلو كانت الأولى منقلبة عن واو، ردت إلى أصلها كطووي في النسب إلى طيّ 988، أصله: طوي لأنه مصدر: طويت فقلبت الواو ياء؛ إذ كانت ساكنة تليها ياء فلما حركت ووليتها واو عادت إلى أصلها، ولم تقلب الياء والواو هنا ألفين حين حركتا وانفتح ما قبلهما؛ لئلا يتوالى إعلالان؛ إذ لا بد من انقلاب الثانية واوا - أيضا - فإن يائي النسب زيادتان مخصوصتان بالأسماء فصححتا معهما كما صححتا مع ألف التأنيث والألف والنون في الصّورى والحيرى والحولان وأهيمان، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
ويقال في مثال: جردحل من حي على ما تقرر آنفا: حيّوي، والأصل فيه حيّيّ بأربع ياءات مقابلة للراء ومقابلة للراء ومقابلة للحاء ومقابلة للام فعمل به ما عمل في النسب إلى حي وشبهه، ويقال في مثال: عصفور من شوي شووي، والأصل شويوي ثم شيّيّ ثم شووي يخالف المنسوب إلى شوي بضم الشين.
انتهى ما ذكره من أحكام هذا الفصل في إيجاز التعريف، وملخص ما تضمنه كلامه أن الياءين المدغم إحداهما في الأخرى إذا وليهما مثلاهما، فإما أن يكونا معا زائدين أو أصليين، أو الأولى زائدة والثانية أصلية، فالزائدان يحذفان نحو: كرسي في النسب إليه، وإن كانت الزائدة الأولى فقط حذفت الزائدة وقلبت الأصلية التي هي الثانية واوا مع فتح ما قبلها، فإن كان ما [6/ 168] قبلها مفتوحا فذاك كقصوي في النسب إلى: قصي، وإن كان مكسورا فتح نحو: علوي، وغنوي، في النسب إلى: علي وغني؛ هذا إذا كانت الياء الزائدة التي هي الأولى، قد وجدت قبل -
الجزء: 10 - الصفحة: 5099
................................
وجود اليائين اللتين حصل الحذف لأجلهما وهما الثالثة والرابعة كما في قصي وعلي بالنسبة إلى قصوي وعلوي، أما إذا كانت الياء المذكورة متأخرة في الوجود عن اليائين المذكورتين فإنها لا تحذف، بل تبقى وذلك نحو: عدوي إذا صغر، فإنه يقال فيه: عديّي كما قررنا.
والظاهر أنه لا احتياج إلى الاحتراز عن ذلك فإن الشيء إنما يحذف لطرآن شيء آخر عليه، إذا حصل بذلك الطارئ مع ما طرأ عليه ثقل كالحذف من نحو: كرسيّ وعليّ إذا طرأت عليهما ياء النسب، ولا شك أن الياء الزائدة للتصغير في عدوي إذا صغّر، هي الطارئة على غيرها وما كانوا ليأتوا بشيء ثم يحذفوه لطرآنه على شيء موجود قبله؛ إذ لو كانوا يحذفونه ما أتوا به، لا سيما شيء يؤتى به لمعنى مقصود.
وإن كان الياءان أصليين فإما أن يكون قبلهما زائدة أو لا يكون، فإن كان عوملت الكلمة معاملة قصي وعلي فتحذف الياء الأولى مع كونها أصلا وتقلب الثانية واوا ويفتح ما قبلها كقولك: تحويّ في المنسوب إلى تحية.
وإن اتفق أن يفصل بين الأصليين المسبوقين بزائد حرف لين حذف ذلك الحرف أيضا أعني حرف اللين مع ما ذكر متقدما وهو حذف الياء الأولى الأصلية وفتح ما قبلها كقولك: محوي في النسب إلى: محي، وإن لم يكن قبلها زائد قلبت الثانية واوا وفتحت الأولى، فإن كانت ياء بقيت بحالها كقولك: حيوي في النسب إلى حي، وقد ظهر
من هذا أن كلام المصنف هنا إنما هو مسوق لذكر إبدال الياء واوا، ولكن لمّا كان هذا الإبدال موقوفا على حذف شيء لزم التعرض إلى الحذف، ليرتب عليه ما هو المقصود بالذكر، وإنما أفرد هذا الإبدال وأورده في هذا الفصل ولم يذكره مع ما تقدم من إبدال الياء واوا؛ لأنه إبدال لعارض وهو اجتماع ياءات أربع، وإنما ذكر حذف الياء المشددة من نحو: كرسيّ في النسب إليه، مع أنه حذف لا إبدال معه تمهيدا لما ذكره بعد حذف اليائين، وكأنّه قصد أن يتكلم في الياء المشددة رابعة أولا نحو: كرسي، ثم فيها ثالثة ثانيا نحو: عليّ وتحية ومحيّ، ثم فيها ثانية ثالثا نحو: حي وطي ليصير الكلام في ذلك مرتبا منتظما، وإذا قد تقرر هذا فلنرجع إلى لفظ الكتاب، فقوله: تحذف الياء المدغمة في مثلها قبل مدغمة في مثلها إن كانت ثالثة زائدة يشير به إلى حذف الياء الأولى من نحو: عليّ وغنيّ وقصيّ إذا نسبت إليها فقلت: علويّ وغنويّ وقصوىّ؛ لأن الياء الأولى من كل -
الجزء: 10 - الصفحة: 5100
................................
هذه الكلمات مدغمة في مثلها قبل مدغمة في مثلها وهي ثالث حرف في الكلمة وهي زائدة 989، وإنما قيدها بالثالثة لتخرج الياء الأولى من نحو: كرسي إذا نسبت إليه فإنه لا يقتصر على حذفها بل يحذف مع الياء التي هي مدغمة فيها، ولتخرج الياء الأولى من نحو: حيّ إذا نسبت إليها فإنها لا تحذف كما عرفت، وإنما قيدها بالزائدة تحرّزا من الياء الأولى في نحو: تحيّة، فإنها أصلية، واحترازه؛ لأنها لا تحذف، إذا نسبت إلى الكلمة؛ لأنها تحذف - أيضا -، بل لأنه ميّزها عن الزائدة بذكرها وحدها واحترز بقوله: لغير معنى متجدد، من نحو الياء في:
عديّ (2) تصغير عدويّ؛ لأنها لا تحذف كما تقدم تقريره، وقد تقدم البحث في أنه قد لا يحتاج إلى هذا الاحتراز.
ولم يتعرض في التسهيل هنا لحذف اليائين من نحو:
كرسيّ إذا نسب إليه، لما عرفت أن كلامه هنا ليس في الحذف المحض، بل في الحذف الذي يترتب عليه إبدال الياء واوا وقوله: أو ثالثة عينا يشير به إلى الياء الأولى من نحو: تحيّة إذا نسب إليها فإنها عين الكلمة؛ لأن وزن تحية تفعلة وهو مصدر حيّا، وعطف: أو ثالثة عينا، على ما حكم عليه بالحذف، وهي الياء الثالثة الزائدة، فعلم أن حكم الياء التي هي عين في نحو: تحيّة الحذف أيضا، وقوله: ويفتح ما قبلها إن كان مكسورا، يشير به إلى أن الفتح لازم في المسألتين - أعني التي الياء فيهما زائدة - نحو: علويّ وغنويّ، والتي الياء فيها أصليّة نحو: تحويّ إنما لزم الفتح؛ لأن الكلمة بعد الحذف تصير على زنة فعل كنمر، وحكم فعل إذا نسب إليه أن تحول كسرته فتحة لاستثقالهم أن يؤتى بحركة تليها كسرتان، ثم ياءان لو قيل: نمريّ بكسر الميم، وهذا الحكم معروف في باب النسب 990، وقد يكون ما قبل الياء المحذوفة مفتوحا فيبقى على فتحه نحو: قصويّ، ولذلك قيد الفتح بقوله: إن كان مكسورا،
وقوله: وإن كانت ثانية فتحت وردت واوا إن كانت بدلا منها، وتبدل الثانية واوا يشير به إلى الياء الأولى من نحو: حيّ وطيّ إذا نسب إليهما، ومعلوم أنها لا تحذف، ولكنها تفتح، فإن كانت غير بدل من واو بقيت بحالها -
الجزء: 10 - الصفحة: 5101
................................
نحو: حيويّ، إذا نسبت إلى حييّ، وإن كانت بدلا من واو ردّت واوا نحو:
طوويّ إذا نسبت إلى: طيّ، أما الثانية فتبدل واوا جزما كما رأيت في المثالين المذكورين، وعلّة ذلك واضحة، وأما قوله: ولا تمتنع سلامتها إن كانت الثالثة والرابعة لغير النسب خلافا للمازني، فقد شرحه الشيخ بأن قال: وذلك أن تبني من حي اسما على وزن: جردحل، فإنك تقول فيه: حيويّ، والأصل حيّيّ بأربع ياءات فعمل به ما عمل في النسب إلى حيّ وشبهه 991، قلت: والمصنف قد ذكر المسألة في إيجاز التعريف كما تقدّم لنا نقل ذلك عنه، لكنه حكم فيه بالإعلال جزما، وهاهنا قد جعل الجزم بالإعلال هو قول المازني وأجاز هو السلامة من الإعلال، وأنك تقول فيه: حيّيّ، فإن كان مراده هو ما مثل به الشيخ فقد اتضح مخالفة ما في التسهيل لما في إيجاز التعريف؛ لأنه أجاز في التسهيل الصحة وأوجب هناك الإعلال البتّة، ولكن المصنف قد ذكر في إيجاز التعريف مسألة تشبه هذه المسألة لا من كل الوجوه وذكر فيها خلاف المازني، وهي أنك إذا بنيت من فتى مثل حمصيص وهو بقلة، فال: تقول فيه: فتويّ وأصله فتييّ، الياء الأولى بإزاء الصاد الأولى منه، والثانية بإزاء يائه، والثالثة بإزاء الصاد الثانية، فأدغمت الثانية في الثالثة فصارت: فتييّا 992 ثم قلبت الأولى واوا كما فعل في النسب فرارا من توالي [6/ 169] الأمثال؛ لأن كسرة الياء المتحرك ما قبلها بمنزلة ياء أخرى، كما أن ضمة الواو المتحرك ما قبلها بمنزلة واو أخرى ولذلك فرّ من مقووة إلى مقوية على كل حال، وقد تسلم الياء الأولى في مثال: حمصيص المذكور خلافا للمازني 993، وإن كانت لا تسلم في المنسوب؛ لأنها فيه تقدر طرفا؛ لأن ياء النسب كهاء التأنيث فتنقلب ألفا لتحركها وفتح ما قبلها وتدعو الحاجة إلى تحريكها لملاقاتها الساكن بعدها، فتقلب واوا ولا تحذف؛ لئلا يلتبس بفعيل ولا تثبت كثبوتها في: دابّة؛ لأن مثل الياء في بنات الياء والواو مرفوض، وأما مثال: حمصيص المذكور فلا تقدر ياؤه الأولى طرفا للزوم ما بعدها، فمن قلبها شبّهها بلام المنسوب، ومن لم يقلبها شبّهها بعين حييّ وعييّ.
انتهى.
فقد يقول قائل: هذه المسألة - أعني مثال: -
الجزء: 10 - الصفحة: 5102
................................
حمصيص من فتى - هي المرادة بقوله في التسهيل: ولا تمتنع سلامتها... إلى آخره، فيكون الخلاف الذي أشار إليه في التسهيل بقوله: خلافا للمازني، هو الخلاف الذي ذكره في إيجاز التعريف، وأشار إليه بقوله: «وقد تسلم الياء الأولى في مثال حمصيص المذكور خلافا للمازني، وعلى هذا لا يكون: بين كلاميه في الكتابين مخالفة، وحينئذ لا ينبغي أن يمثل لقوله: ولا تمتنع سلامتها... إلى آخره بما ذكره الشيخ، وهو أن تبني من حي مثل: جردحل، بل يمثل بمثال: حمصيص من فتى، فيقال في جواب هذا القائل: الذي قلته حسن، لكن لا يمكن حمل كلامه في التسهيل عليه؛ لأن الضمير في قوله: ولا تمتنع يعود على الياء المتقدمة الذكر، والمتقدمة مقيدة بكونها ثانية، والياء في مثال حمصيص من فتى هو: فتييّ ثالثة وإذا لم يمكن حمل كلامه على ذلك تعيّن صحة تمثيل الشيخ لقوله: ولا تمتنع سلامتها... إلى آخره بمثال: جردحل من حيّ، فإن قيل: فكيف حكم بوجوب الإعلال في إيجاز التعريف في مثال: جردحل من حي، وأجاز السلامة في التسهيل؟ فالجواب: أن الإعلال لا شك أنه أكثر والسلامة في مثل ذلك جائزة على قلّة، فترك التعرض لذكرها في ذلك الكتاب وذكرها هنا ولا يضر ذلك؛ لأنه لم ينف جواز السلامة في ذلك الكتاب فيصادم ذلك إجازته لها هنا.
وحاصل الأمر:
أن الإعلال في المسألتين مجمع عليه، وأما السلامة فيهما فغير المازني يجيزها، والمازني يمنع 994، وتلخّص من مجموع كلامه هنا وهناك: أن غير المازني يجوّز السلامة في نحو: حيّيّ مثال جردحل من: حي، وأن المازني لا يجيزها بل يعمل حتما، وهذه مستفادة من التسهيل، وأن غير المازني يجوز السلامة - أيضا - في فتييّ مثال حمصيص من فتى، وأن المازني لا يجوزها - أيضا - بل يعلّ حتما، وهذه مستفادة من إيجاز التعريف، فالمسألتان عند المازني لا فرق بينهما بالنسبة إلى جواز السلامة وعند المازني لا فرق بينهما بالنسبة إلى وجوب الإعلال، ولولا قوله في التسهيل: ولا تمتنع سلامتها وكونه يتعين أن يريد بذلك مثال: جردحل من: حيّ، فكان يمكن أن يكون ذلك مقصودا به مثال: حمصيص من فتى، فيقال: إن السلامة في مثال حمصيص من فتى وهو فتييّ - جائزة، دون مثال: جردحل من حي؛ فإنه -
الجزء: 10 - الصفحة: 5103
[إبدال الياء واوا]
قال ابن مالك: (وتبدل واوا - أيضا - بعد فتح ما وليته إن كان مكسورا، الياء الواقعة بعد متحرّك، وقبل ياء أدغمت في أخرى وتحذف رابعة فصاعدا، وكذا ما وقع هذا الموقع من ألف أو واو تلت ضمّة، فإن كانت ألفا لغير تأنيث اختير قلبها واوا، وقد تقلب رابعة للتّأنيث فيما سكّن ثانيه).
يتعين فيه الإعلال، فيقال فيه: حيويّ دون: حيّيّ، ويفرق بينهما بأن مثال: جردحل هو حيّيّ قبل الياء المشددة فيه ياء مشددة بعد كسرة، ولا شك في ثقله، ومثال حمصيص من فتى وهو: فتييّ ليس فيه قبل الياء المشددة سوى ياء واحدة تلي فتحة، ولا شك أن هذا أخفّ من الأول، وإذا كان كذلك فلا يلزم من إجازة السلامة في الأخف تجويزها في الأثقل، لكن لم يساعد على ذلك كلام المصنف؛ بل دلّ كلامه على أن السلامة جائزة في مثال: جردحل من حي كما تقدم تقديره، فوجب الوقوف عنده.
قال ناظر الجيش: لمّا ذكر قبل أن الياء تبدل واوا عطف عليه هذا الكلام، ولذلك أتبعه بقوله: أيضا، واعلم أن الياء إما تقع ثالثة أو رابعة أو خامسة فصاعدا، وحكم هذه الياء - إذا وليتها ياء مشدّدة - إن كانت ثالثة: البدل حتما، وإن كانت خامسة فما فوقها: الحذف حتما، وإن كانت رابعة: الحذف والبدل، والحذف أفصح، وحيث كان البدل يجب فتح ما قبل المبدل، وقد أشار إلى حكم الثالثة بقوله: وتبدل واوا - أيضا - بعد فتح ما وليته إلى قوله: أدغمت في أخرى، وعلم كون كلامه هذا في الثالثة بقوله بعده: وتحذف رابعة فصاعدا على أنه قد وجد في نسخة 995: «الواقعة ثالثة بعد متحرك» ولكن لا يحتاج إليه؛ لأنّا قد علمنا أن كلامه لا يكون إلا في الثالثة لذكر الرابعة فما فوقها بعده، واحترز بقوله: الواقعة بعد متحرك من الواقعة بعد ساكن نحو: ظبي، فإن الياء فيه لا تغيّر لأجل الياء المدغمة في مثلها بعده، ومثال ذلك: شج وعم وصد، فيقال: شجويّ وعمويّ وصدويّ 996، والعلّة في العدول عن الكسرة والياء قبل اليائين إلى الفتحة والواو فيما ذكر طلب الخفة، ولهذا لما سكن ما قبل الياء لم يغيّر وإنما قال: إن كان مكسورا؛ -
الجزء: 10 - الصفحة: 5104
................................
لأنه إذا كان مفتوحا بقي على فتحه، هكذا قال الشيخ 997، ولم يذكر له مثالا، إلا أنّ المصنف قال في إيجاز التعريف: تبدل الواو من الياء الواقعة ثالثة بعد متحرك إن وليها ياء مدغمة في أخرى كفتويّ في النسب إلى: فتى، فحكم بأن آخر فتى ياء ولا شك أن الياء إذا كان قبلها فتحة تقلب ألفا وذلك نحو: فتى وحي وكمثل هذا لا يصدق عليه أن آخره ياء إلا إن أراد أن ذلك الحرف كان ياء في الأصل وهو غير ظاهر، فالأولى أن يذكر نحو: فتى وحي فيما آخره ألف، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى قوله: إن كان مكسورا؛ لأن ما قبل الياء لا يكون إلا مكسورا، وإنما قال: وقبل ياء مدغمة في أخرى لتكون العبارة شاملة لياء النسب ولغيرها فياء النسب كشجويّ وعمويّ، وياء غير النسب كما إذا بنيت مثل: جردحل من حي، فإنك تقول فيه: حيويّ كما تقدم، فقد حصل البدل في الياء ثالثة.
وهي ليست قبل ياء النسب، لكنها قبل ياء مدغمة [6/ 170] في أخرى، ثم أشار إلى حكم الياء الرابعة فما فوقها بقوله: وتحذف رابعة فصاعدا، وليست هذه العبارة بمرضية، وقد وجد في نسخة البهاء الرقي: «وتحذف جوازا رابعة، ووجوبا خامسة فصاعدا» 998 وهذه العبارة هي الصواب، قال في إيجاز التعريف بعد أن ذكر الياء الثالثة وحكمها: فإن كانت هي رابعة حذفت، وقد تقلب ويفتح ما قبلها كقارضيّ وقاضويّ 999 في النسب إلى قاض ويتعين الحذف فيما زاد على ذلك كمشتريّ ومستدعيّ في النسب إلى: مشتر ومستدع 1000. واعلم أنه إنما ذكر الحذف في الرابعة ليعرفنا أن البدل معه وجه آخر وإنما ذكر ذلك في الخامسة فصاعدا استطرادا لما عرفت قبل أن الكلام في هذه الفصول إنما هو في الإبدال، ثم إنه لمّا أنهى الكلام على الياء التي تقع قبل ياء أدغمت في أخرى، شرع في الكلام على الألف والواو الواقعتين قبل ياء كذلك، وإليه الإشارة بقوله: وكذا ما وقع هذا الموقع من ألف أو واو تلت ضمّة... إلى -
الجزء: 10 - الصفحة: 5105
................................ آخره، وحاصل الأمر: أن الألف إما ثالثة أو رابعة أو خامسة، وحكم الثالثة قبل الياء المذكورة أن تقلب واوا نحو: فتويّ ورحويّ وعصويّ 1001 في: فتى ورحى وعصى، وأما الرابعة فإما أصلية أو زائدة للتأنيث، ففي الأصلية وجهان: الحذف والقلب واوا وهو أولى، وذلك نحو: ملهويّ ومرمويّ وملهيّ ومرميّ، في ملهيّ ومرميّ 1002 وأما الزائدة لتأنيث فتحذف سواء تحرك ثاني الكلمة نحو: جمزيّ ومرطيّ، أم سكن نحو: حبلى وسكرى إلا أن ما سكن ثانيه يجوز فيه القلب - أيضا - فيقال: حبليّ وحبلويّ 1003، وأما الخامسة فما فوقها فليس فيها إلا الحذف نحو: مراميّ وقبعثريّ في النسب إلى مرامي وقبعثرى 1004، وكلام المصنف ظاهر التطبيق على ما قلته، ولم يتعرض الشيخ في شرحه إلا إلى ذكر الألف الرابعة 1005، ولم يحتج إلى ذكر الخامسة؛ لأنه إذا حكم على الرابعة بالحذف كان الحكم به على الخامسة من طريق الأولى، وأهمل المصنف ذكر الثالثة، وكأنه جعل قول المصنف: وكذا ما وقع هذا الموقع راجعا إلى قوله: وتحذف - أي: الياء - رابعة فصاعدا، ولا شك أنه إذا حمل كلام المصنف على ذلك تكون الألف الثالثة مسكوتا عنها، ولا يخفى أن ذلك إخلال، والظاهر أنه لا يمتنع أن تكون الإشارة بقوله: هذا الموقع، إلى ما تقدم من موقع الياء، والذي تقدم ذكر موقعها ثالثة ورابعة وما فوقها فيفيد قوله: وكذا كل ما وقع هذا الموقع من ألف الإحالة على ما تقدم من حكم الياء، فتبدل ثالثة واوا كما تبدل الياء وتحذف رابعة فصاعدا كما تحذف الياء، وحينئذ لا يكون المصنف أهمل ذكر الألف الثالثة، وكما قيل في الألف يقال في الواو التي تلت ضمة، فإن كانت ثالثة لا تحذف وذلك نحو مثال سمرة من الغزو فيقال: غزوة، وإذا نسب إليه يقال: غزويّ، وإن كانت رابعة حذفت وذلك نحو الواو في عرقوة، فإذا نسب إليها قيل: عرقيّ بالحذف؛ لأن الألف الرابعة والياء الرابعة تحذفان لأجل الياء المشددة الواقعة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5106
[حذف الياء المتطرفة]
قال ابن مالك: (وتحذف أيضا كلّ ياء تطرّفت لفظا أو تقديرا بعد ياء مكسورة مدغم فيها أخرى ما لم يكن ذلك في فعل أو جار عليه، ولا يمنع هذا الحذف لعدم زيادة المكسور خلافا لأبي عمرو، فإن تحركت الأولى والثّانية حذفت الثّالثة أو قلبت الوسطى واوا أو ألفا وسلمت الثّالثة).
بعدهما، فالواو الرابعة أحق بالحذف منهما، والكلام هنا في حذف الواو الرابعة التالية ضمة إنما هو على سبيل الاستطراد - أيضا - لما عرفت.
قال ناظر الجيش: لمّا ذكر حكم الكلمة التي تجتمع فيها من الياءات أربع أتبع ذلك بذكر حكم ما تجتمع فيه من الياءات ثلاث، وحكم ذلك في غير الفعل والجاري عليه أن تحذف الثالثة بالشرط الذي ذكره لكن في صورة يتحتم الحذف وفي صورة يتحتم - أيضا - لكن منهم من لا يحذف، وفي صورة التخيير بين الحذف وبين إبدال الوسطى من الياءات واوا وألفا - كما ستعرف - ثم لا تظن أن هذا الكلام بخصوصه في الحذف، بل هو منعطف على ما تقدم ذكره من الإبدال فهو متشبث ومرتبط بما قبله، وذلك أنه قد تقدم لنا أن الألف الواقعة بعد ياء التصغير تبدل ياء كغزيّل.
وكتيّب في غزال وكتاب، لكن يقتصر على هذا الإبدال إذا كان لام الكلمة حرفا صحيحا كما مثّل به، وأما إذا كان حرفا معتلّا، فإنه ينضم إلى الإبدال أمر آخر وهو الحذف، فكأنه يقول: إبدال الألف ياء بعد ياء التصغير لا بد منه، فإن كان لام الكلمة صحيحا فلا كلام، وإن كان لام الكلمة معتلّا لزم اجتماع ثلاث ياءات، وهو لم يذكر فيما تقدم فاحتاج إلى ذكره الآن، ثم استطرد من ذكره إلى ذكر اجتماع ثلاث ياءات دون تصغير.
ولنذكر كلام المصنف في إيجاز التعريف؛ لأنه كالشرح لما ذكره في التسهيل، ثم نعود إلى لفظ الكتاب، قال - رحمه الله تعالى - تحذف كل ياء تطرفت لفظا أو تقديرا بعد ياء مكسورة مدغم فيها أخرى في غير فعل واسم جار عليه كقولك في تصغير عطاء: عطيّ، وفي تصغير أداوة: أديّة، الأصل فيه عطيّي وأدييية بثلاث ياءات: الأولى للتصغير والثانية بدل من الألف، والثالثة بدل من لام الكلمة؛ فاستثقل ثلاث ياءات مع كسر المتوسطة منهن، فحذفت الأخيرة تخفيفا، وكانت -
الجزء: 10 - الصفحة: 5107
................................
بالحذف أولى لتطرفها لفظا في: عطيّ وتقديرا في: أديّة، واشترط كسر المتوسطة؛ لأنها لو فتحت انقلبت الثالثة ألفا، ولو سكنت جرت الثالثة مجرى الصحيح 1006، ولا فرق عند سيبويه بين زيادة الثانية كما هي في تصغير عطاء، وعدم زيادتها كما هي في تصغير: أحوى 1007 لاستواء اللفظين في الثقل لو جاء تائين فتقول في تصغير أحوى: أحيّ غير مصروف، والأصل: أحيوي، فقلبت الواو وأدغم في ياء التصغير فصار: أحيّي، فاجتمع فيه ما اجتمع في
عطيّ قبل أن يخفف بالحذف فألحق به، وأبو عمرو 1008 يفرّق فيحذف في عطيّ ونحوه مما الياء الأولى والثانية فيه زائدان، ولا يحذف في أحيّ ونحوه 1009؛ لأن الياء الثانية موضع العين مع الاجتماع على اغتفار ذلك في الفعل كأحيّي مضارع حيّيت، وفي الاسم الجاري عليه كالمحيي والتّزيّي مصدر تزيّا بالشيء، وإنما اغتفر ذلك في الفعل من أجل أنه عرضته لحذف آخره بالجزم 1010، ثم حمل عليه اسم الفاعل والمصدر.
انتهى.
وقد انحلّ بهذا الذي أورده في إيجاز التعريف قوله في التسهيل: وتحذف - أيضا - كل ياء إلى [6/ 171] قوله: خلافا لأبي عمرو، وعرف منه تحتم الحذف عند الجميع في الصورة الأولى وتحتمه - أيضا - إلا عند أبي عمرو في الصورة الثانية من الصور الثلاث التي تقدمت الإشارة إليها، وأما الصورة الثالثة فستذكر، وقال المصنف أيضا في شرح الكافية: إذا وقع بعد ياء التصغير ياءان حذفت الثانية منهما استثقالا لتوالي ثلاث ياءات، كقولك في أتى: أتيّ، والأصل: أتيّي بثلاث ياءات، أولاهن ياء -
الجزء: 10 - الصفحة: 5108
................................
التصغير، والثانية والثالثة الموجودتان قبل التصغير، فحذفت الثالثة لتطرفها وأدغمت الأولى في الثانية، ولا فرق بين ما كانت الياءان فيه قبل التصغير كأتى وبين ما تجدد فيه اجتماع اليائين في حال التصغير ككساء، فإن تصغيره كسيّ وأصله كسيّي الياء الأولى للتصغير والثانية منقلبة عن الألف والثالثة منقلبة عن واو، فحذفت الثالثة وصارت كسيّا كقصيّ، وهذا الحذف مجمع عليه إن كان أوّل اليائين الواقعتين بعد ياء التصغير زائدا فإن لم يكن زائدا كالمنقلب عن واو أحوى فإن أبا عمرو يرى فيه تكرير الياءات الثلاث، فيقول: هذا أحيّي ورأيت أحيّي
وغيره لا يرى ذلك، إلا أن سيبويه يحذف ويستصحب منع الصرف وعيسى بن عمر يحذف ويصرف 1011. ومن قال في جدول: جديول.
قال في أحوى: هذا أحيو، ورأيت أحيوي 1012. انتهى.
وتقرير هذه المذاهب والاستدلال عليها مذكور في باب التصغير؛ لأن ذلك الباب أمسّ بذلك 1013. واعلم أن المصنف ذكر فرعا في «إيجاز التعريف» عقب كلامه المتقدم، وهو أنه لو بني مثل جيّد من قوة وجب على قول سيبويه أن يكون:
قيّي، وعلى قول أبي عمرو أن يكون: قيّيا وأصله: قيوي، فقلبت الواو وأدغم فيها الياء فصار قيّيا، فيحذف الثالثة سيبويه؛ لأنها كالمحذوفة من عطيّ، في كونها ثالثة تالية مكسورة مدغما فيها أخرى ولا يحذفها أبو عمرو 1014؛ لأن التي وليتها غير زائدة فأشبهت آخر محيّي وتزيي.
انتهى.
وذكر الشيخ عن بعض مشايخه بحثا في مثل هذا مقتضاه أن أبا عمرو يوافق سيبويه في هذه المسألة.
قال: وكلام المصنف يقتضي المخالفة 1015، وأما الصورة الثالثة التي تقدم الوعد بذكرها وهي التي فيها التخيير، فهي التي أشار إليها المصنف بقوله: فإن تحركت الأولى إلى آخر كلامه.
ومثال ذلك أن تبني من الرّمي مثل: جحمرش، فإنك تقول فيه: رمييي فقد اجتمع ثلاث ياءات، الأولى والثانية متحركتان، فإما أن تحذف الثالثة وإما أن تقلب الوسطى واوا، وإما أن تقلبها ألفا، فوجه الحذف أنه لمّا اجتمع مثلان متحركان في -
الجزء: 10 - الصفحة: 5109
[حكم ما اجتمع فيه ثلاث أو أربع واوات]
قال ابن مالك: (فصل: اجتنبوا ضمّة غير عارضة في واو قبل واو؛ لأنّ الضّمة كالواو، فاجتناب ثلاث واوات أحقّ، فإن عرض اجتماعها قلبت الثّالثة أو الثّانية ياء وقد يعرض اجتماع أربع فتعلّ الثّالثة والرّابعة نحو: قوّيّ مثل
جحمرش من قوّة وقد تعلّ معهما الثانية نحو: اقويّا مثل: اغدودن منها، وذا أولى من قوّو واقووّا وفاقا لأبي الحسن، وحيّو أو حيّا في مثال جحمرش من حييت أولى من حيّاي).
كلمة وهما الياءان الأوليان وجب إدغام الأولى بعد نقل حركتها إلى ما قبلها في الثانية فيؤول إلى: رمييّ فيفعل فيه ما يفعل بعطيّ من الحذف فيؤول إلى رميّ، ووجه إبدال المتوسطة واوا مع سلامة الثالثة كراهة اجتماع الأمثال، وعلى هذا يقول: رميو، ويصير من المنقوص، ووجه إبدالها ألفا مع سلامة الثالثة - أيضا - أنها ياء تحركت وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا وعلى هذا يقال: رمياي 1016.
قال ناظر الجيش: لما كان الفصل المفروغ منه متضمنا لذكر حكم ما اجتمع فيه من الكلمة أربع ياءات وثلاث - أيضا - ضمن هذا الفصل حكم ما اجتمع فيه من الواوات ثلاث، وكذا ما اجتمع فيه منها أربع - أيضا - ثم إنه استفتح الفصل بشيء يقصد به التمهيد لما يذكره ويتضمن الاستدلال على إثبات مراده وهو أنهم اجتنبوا ضمة في واو واقعة قبل واو أخرى ولذلك عدلوا عن: مقوول، إلى: مقول، وإنما اجتنبوا ذلك؛ لأن الضمة كالواو، فلو لم يجتنبوا ذلك لكانوا كأنهم أتوا بثلاث واوات في كلمة، ولا شك في أن ذلك يثقل، قال: فإذا كانوا قد اجتنبوا أن يأتوا بضمة في واو تليها واو أخرى فاجتناب ثلاث واوات أحق؛ لأنهم إذا اجتمعوا مع الواوين ما يقرب من الواو فإن يجتنبوا الواو نفسها معهما أحق وأولى وهو استدلال لطيف، وإنما قال: غير عارضة؛ ليحترز من الضمة العارضة، فإن ذلك جائز فيها؛ لأنهم لم يستثقلوها لعروضها، ومثال ذلك أن تأتي بمضارع هوى مسندا إلى ضمير الجماعة المذكرين فتقول، يهوون، والأصل يهويون فالضمة التي على -
الجزء: 10 - الصفحة: 5110
................................
الواو عارضة؛ لأن أصلها الكسر، فلما مهّد هذا الأصل ذكر ما يفعل إذا اتفق اجتماعها، فقال: إن الثالثة أو الثانية تقلب ياء، وقد مثّل لذلك بأن تبني من القول فعلا على وزن: افعوعل، فتقول: اقووّل، ثم تقلب الثالثة أو الثانية ياء، وأيّا ما قلبت منهما لزم من ذلك قلب الأخرى ياء، وإدغام الياء في الياء، فتصير:
اقويّل؛ لأن الياء والواو إذا اجتمعا وسبق (إحداها) 1017 بالسكون وجب قلب الواو ياء والإدغام على ما عرف في موضعه.
واعلم أن ابن عصفور ذكر هذا المثال فقال:
وتقول في مثل افعوعل من القول: اقووّل، هذا مذهب سيبويه 1018، وأما أبو الحسن فيقول: اقويّل؛ لأنه يستثقل
اجتماع ثلاث واوات وإلى ذلك ذهب أبو بكر 1019، واحتج بأنهم إذا كانوا يستثقلون الواوين والضمة في مثل: مصوغ، فلا يكملون البناء إلا فيما شذّ، فالأحرى فيما اجتمع فيه ثلاث واوات، وهذا الذي احتجّ به لا يلزم؛ لأن مصوغا وأمثاله إنما استثقل فيه الواوان والضمة لجريانه على الفعل المعتل وإلا فإنهم يتمّون في مثل: قووّل في فصيح الكلام؛ لأنه غير جار على معتلّ، فإن قيل: فإنكم تقولون في مثل عرقوة من الغزو: غزوية، وقد تقدم استثقالا للواوين والضمة مع أنه ليس بجار.
فالجواب: أن الطرف يستثقل فيه ما لا يستثقل في الوسط؛ لأنه محل التغيير، ألا ترى أنهم يقلبون في مثل: عصيّ، ولا يلزم ذلك في مثل: صوّم.
فإن قيل: فإن وجدتم ثلاث واوات محتملة في كلام العرب.
فالجواب: أنه لا يعلم من كلامهم ما اجتمع فيه ثلاث واوات حشوا البتة [6/ 172] لا مصححا ولا معتلّا، فيحمل هذا عليه، والتصحيح هو الأصل فالتزم هذا مع أن ما يقرب منه موجود في كلامهم وهو مثل: قوول، ألا ترى أن فيه واوين وضمة والضمة مثل الواو ولم يغير شيء من ذلك، وأما ما ذهب إليه ابن جني من أن لقائل أن يفرق بين: غزوية واقووّل، بأن يقول: قد يستثقل في الاسم ما يصح في الفعل واستدلاله بصحة يغزو 1020 وأمثاله وإعلال أدل وأمثاله - ففي نهاية الفساد؛ لأن -
الجزء: 10 - الصفحة: 5111
................................ الفعل أثقل من الاسم بلا خلاف، وأكثر إعلالا، فكيف يصح فيه ما يعتل في الاسم الذي هو أخف، وأما صحة: يغزو وإعلال أدل، فلأمر عرض قد بيّن في موضعه، فالصحيح عندي ما ذهب إليه سيبويه، فإن بنيته للمفعول قلت: أقووول على القولين جميعا، فلا تدغم، ولا يستثقل اجتماع الواوات؛ لأن الواو المتوسطة مدة محكوم لها بحكم الألف، فكأنه ليس في الكلمة إلا واوان بينهما ألف، وقد حكي عن الأخفش أنه قلب الأخيرة ياء فقال: اقوويل، والأوّل أشهر عنه، وهو الصحيح 1021، انتهى كلام ابن عصفور، وهو موافق لما ذكره المصنف، غير أنه ذكر أن مذهب سيبويه في المثال المذكور التصحيح، والمصنف ساكت عن ذكر مذهب سيبويه، فعدم تعرضه لذلك: إما لأنه لا يرى أن مذهب سيبويه هو الذي ذكره، وإما لأنه خالفه عن علم به، وإما لأنه لم يحط علما بمذهبه، ولكن تبيّن أن أبا الحسن وابن السراج وابن جني على القول الذي قاله المصنف، والعلة التي أشار إليها هي بعينها التي احتج بها ابن السراج، وهي أنهم يقولون: مصوغ ولا يكملون البناء فيقولون: مصووغ إلا ما شذ؛ وذلك لاجتماع واوين وضمة، فكيف باجتماع ثلاث واوات، وأما قول ابن عصفور: إن ذلك إنما كان في نحو: مصوغ لجريانه على الفعل المعتل واستدلاله بنحو: قوول، فإنه يتم؛ لأنه غير جار على معتل 1022، فلم أفهم كون: قوول غير جار على معتل؛ لأن الذي يفهم من قولهم هذا جار على الفعل أن ينتظم هو والفعل في اشتقاقهما من المصدر، وأن يكون دالّا على ذات ومعنى، ولا شك أن قوولا كذلك، غاية ما فيه أن الجاري الحقيقة هو قائل، وقوول محوّل عنه للمبالغة إلا أن يقال: إن قوولا لا يلاقي المعتل إنما يلاقي: قول الدال على الكثرة في القول، وقول ليس فعلا معلّا، إنما هو فعل صحيح، وهذا فيه بعد؛ لأنه لو كان الأمر كذلك وهو أن قوولا إنما يلاقي قول فكان كلاهما مشتقّا من المصدر الذي هو قياس: قول وهو: التقويل، ويلزم من ذلك أن لا تكون الصيغة المذكورة محوّلة عن فاعل، وهم قد نصوا على أنها وأخواتها محوّلة، واعلم أن الأخفش إنما أجاز: اقوويل في أحد قوليه؛ لأنه فرع عن: اقووّل، وقد أعلّه وهو مبني للفاعل فقال فيه: اقويّل، فلما بني للمفعول استصحب الحالة التي كانت له -
الجزء: 10 - الصفحة: 5112
................................
قبل، ثم لما ذكر المصنف حكم ما اجتمع فيه ثلاث واوات شرع في ذكر حكم ما اجتمع فيه أربع واوات، وأشار إلى ذلك بقوله: وقد يعرض اجتماع أربع، وذكر في الكتاب مثالين: أحدهما يعلّ فيه اثنان، والآخر يعلّ فيه ثلاثة، فأما الأوّل فأشار إليه بقوله: فتعلّ الثالثة والرابعة نحو: قوّيّ مثل جحمرش من قوة، وذلك أن أصله قوووو، فتدغم الواو الأولى لسكونها في الثانية، وتبدل الواو الثالثة ياء لاستثقال اجتماع الواوات، وتقلب الرابعة بالكسر ما قبلها فيقال: قويّ؛ لأنه صار منقوصا 1023، وأما الثاني فأشار إليه بقوله: وقد تعلّ معها الثانية أي: مع الثالثة والرابعة نحو: اقويّا مثل: اغدودن منها أي: من قوة وذلك أن الأصل: اقووو فأعلت الآخرة بقلبها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأعلت ما قبلها لاجتماع ثلاث واوات وأعلّت الثانية؛ لأن الثالثة لمّا قلبت ياء التقت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار: اقويّا 1024، وأما قوله: وذا أولى من قوّو واقووّا فإن
المراد منه بقوله: وذا، الإشارة إلى ما تقدم ذكره من المثالين يعني أن ما ذكره من: قوّيّ مثال جحمرش من: قوّة أولى من: قوّو ومن: اقويّا، مثال: اغدودن منها أولى من اقووّا، والمراد أن إعلال الواو الثالثة بقلبها ياء أولى من تصحيحها في البناءين أعني بناء جحمرش من قوة، وبناء اغدودن منها، وإنما كان أولى لاستثقال اجتماع ثلاث واوات، وقوله: وفاقا لأبي الحسن، يعني أن أبا الحسن هو الذي يعل الثالثة، وغيره يصحح، وأما إعلال الرابعة فمتفق عليه 1025 قاله الشيخ، وقال أيضا: قد تقدم أن مذهب أبي الحسن وأبي بكر في: افعوعل من القول الإعلال، فيحتمل أن يكون قوله: وذا أولى، راجعا إلى المسألتين وهما عروض اجتماع ثلاث واوات، وعروض اجتماع أربع واوات 1026، انتهى.
وأقول: لو لم يقل المصنف: من قوّو واقووّا، بعد قوله: وذا أولى، لأمكن رجوعه إلى المسألتين، لكن قوله: ذلك يمنع الرجوع إليهما.
وأما قوله: وحيّو أو حيّا في مثال جحمرش من حييت أولى من حيّاي، فإنه أراد به أن يبين حكم الكلمة إذا اجتمع فيها أربع ياءات كما بين حكمها إذا اجتمع فيها أربع -
الجزء: 10 - الصفحة: 5113
[من مواضع قلب الواو ياء]
قال ابن مالك: (فصل: تبدل ياء الواو الملاقية ياء في كلمة إن سكّن سابقهما سكونا أصليّا ولم يكن بدلا غير لازم ويتعين الإدغام، ونحو: عوية وضيون وعوّة وريّة شاذّ وبعضهم يقيس على ريّة، فيقول في قوي مخفّف [6/ 173] قويّ: قيّ).
واوات، لا يقال قد تقدم له في الفصل المتقدم على هذا الكلام على حكم أربع الياءات فيكون هذا المذكور الآن تكريرا؛ لأن الكلام في الفصل السابق إنما هو في الياء المشددة إذا التقت مع مثلها في كلمة، وليست الياءات التي نذكرها الآن بهذه الصفة، فإذا أتي بمثال جحمرش من حييت، فالأصل: حيييّ فتدغم الأولى في الثانية لسكونها، وتبدل الثالثة واوا كراهة اجتماع الأمثال فيقال: حيّو، ويصير منقوصا، فهذا وجه، والوجه الآخر أن مثال الكلمة بعد
الإدغام حيّيّ فيجتمع فيه ما يجتمع في تصغير عطاء، فتحذف الآخرة فتبقى الياء التي قبل المحذوفة متحركة وقبلها فتحة فتنقلب ألفا فيقال: حيّا ووجه من قال: حيّاي - أن الثالثة ياء تحركت وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وسلمت بذلك الياء الآخرة من الحذف وفهم من كلامه أن ثلاثة الأوجه جائزة، لكن الوجهان الأوّلان أولى من الثالث 1027.
قال ناظر الجيش: قد تقدم الإعلام بأن من المواضع التي تبدل فيها الواو ياء الموضع الذي افتتح به هذا الفصل، وأن المصنف إنما أفرده عن المواضع التي تناسبه وذلك الأمر هو اختصاصه عنها بأمر زائد على الإبدال وهو الإدغام.
والحاصل: أن الواو تبدل ياء إذا لاقت ياء، وذلك بشروط:
الأول: أن يكون التقاؤهما في كلمة، فلو كان أحد الحرفين في كلمة، والآخر في كلمة أخرى؛ انتفى هذا الحكم نحو: يعطي واقد، ويغزو ياسر 1028.
الثاني: أن يسكن السابق منهما، فلو سكن المسبوق؛ انتفى هذا الحكم أيضا نحو: طويل وغيور 1029. -
الجزء: 10 - الصفحة: 5114
................................ الثالث: أن يكون السكون أصليّا، فلو كان السكون عارضا لم يؤثر نحو: قوي مخفف قويّ 1030. الرابع: أن لا يكون الحرف السابق بدلا من غيره بدلا جائزا، وعبر عن ذلك المصنف بقوله: ولم يكن بدلا غير لازم فلو كان مبدلا من غيره بدلا جائزا لا يثبت الحكم المذكور، وذلك نحو: روية مخفف رؤية 1031 وقوله: ولم يكن بدلا غير لازم يدخل تحت هذا النفي أمران، ما لم يكن بدلا، بل هو أصل بنفسه، وما كان بدلا لازما كما سيأتي، وقد تضمن كلام المصنف أربعة شروط وكلامه في إيجاز التعريف يتضمن شرطا خامسا وهو ألا يكون الحرف السابق عارضا فإن كان عارضا بانقلابه عن غيره كانقلاب الواو في: بويع من ألف بايع امتنع هذا الإعلال، وقد جعل الشيخ ذلك مستفادا من قوله: ولم يكن بدلا غير لازم، فبهذا الكلام أخرج نحو: سوير وبويع، كما أخرج به نحو: روية المخفف 1032، وحاصله: أنه جعل البدل فيه غير لازم وفي ذلك نظر؛ فإن سائر وبائع إذا بنيا للمفعول كان إبدال الواو من الألف لازما، وإذا كان كذلك لم يكن البدل المذكور غير لازم، بل هو لازم مع أنه يمتنع فيه الإعلال المذكور كما قلنا، إذا حصل الإبدال المذكور اجتمع مثلان فيدغم أحدهما بالآخر، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ويتعين الإدغام، إذا عرف هذا فالذي يجب فيه الإعلال لاجتماع الشروط المذكورة فيه نحو: سيّد وطيّ، أصلهما: سيود 1033 وطوي؛ لأنهما من ساد يسود، وطوى يطوي فالواو في سيود وكذا في طوي قد لاقت ياء، وهما في كلمة والسابق ساكن سكونا أصليّا ليس مبدلا من غيره لا بدلا جائزا ولا بدلا لازما، والواو عين في الكلمتين، وقد يكون لاما نحو: دليّة تصغير 1034 دلو، وقد تكون زائدة نحو: مرمي، وقد تكون حرف -
الجزء: 10 - الصفحة: 5115
................................
الإعراب نحو: مسلميّ رفعا، ومثال ما البدل فيه لازم قوله: إيّية، وهو مثال إنفحة من أوب: إأوبة ثم: إيوبة، ثم: إيّبة 1035. قال المصنف في إيجاز التعريف: فإن كان السابق مبدلا بدلا لازما في اسم لا يناسب الفعل فحكمه حكم الأصل؛ كمثال:
إنفحة من أوب أصله: إوّبة ثم: إيوبة، ثم: إيّبة، ولا يفعل ذلك بمثل: احمرّ منه وأصله: إأوب، ثم تبدل الهمزة الساكنة ياء لسكونها بعد مكسورة، فيقال: إيوبّ ولا يعمل به ما عمل: بإيوبة حين قيل فيه: إيّبة؛ لأنه اسم جامد لا يلزم نقله إلى صيغة تصح فيه الهمزة بخلاف مثال: احمرّ، فإنه لا يستغنى فيه عن المضارع واسم الفاعل فيقال فيه: يأوبّ فهو: مؤوب، فكان التقاء الياء والواو في: إيّوب شبيها بالتقائهما في إيواء وبويع فلم يختلفا في الحكم.
انتهى.
وليس في كلامه في التسهيل إشعار بهذا القيد الذي ذكره في إيجاز التعريف، وقد خولف هذا الأصل الذي تقدم تقريره، أعني إبدال الواو الملاقية للياء ياء وإدغامها فيها في نحو: جدول إذا صغر فإنه يجوز فيه وجهان، الإعلال
وهو كثير نحو: جديّل، والتصحيح وهو قليل، فيقال: جديول 1036. قال في إيجاز التعريف: ومن العرب من يحمل التصغير على التكسير فيقول: جديول في تصغير جدول، واللغة الجيدة: جديّل، وكذلك ما أشبهه مما صحت الواو في جمعه على مثال مفاعل، هذا كلامه وفيه إشارة إلى أن شرط التصحيح في ذلك أن يكون ذلك المفرد يصح جمعه على مفاعل، وهذا الذي شرطه هو المعروف في هذه المسألة ولهذا جعل الضابط لجواز التصحيح: أن الواو تحرك في الواحد والجمع، فقيل: إن الواو إذا التقت مع ياء التصغير تقلب ياء إن تطرفت نحو: غزو، وغزيّ، أو كان بعدها حرف واحد ولم تحرك الواو في الواحد والجمع كقولك: عجوز وعجيّز 1037: وأسود وأسيد، لضد الأبيض؛ لأن أسود الصفة يجمع على سود فلم تحرك واوه في الجمع، وإن هي تحركت في الواحد، فلو تحركت الواو في الواحد والجمع جاز الوجهان، تقول في جدول وأسود للحية:
جديّل وأسيّد، وهو الكثير، وجديول وأسيود لقولهم: جداول وأساود، ثم قال -
الجزء: 10 - الصفحة: 5116
................................
المصنف في إيجاز التعريف - بعد تقرير الإعلال في نحو: سيد وطي -: فإن استحق هذا الحكم، وكان المدغم فيه لام الكلمة وقبل المدغم ضمة وجب إبدالها كسرة كمرمي وثدي وبغي وأمنية هن في الأصل مرموي وثدوي، وبغوي، وأمنوية؛ لأن الأول اسم مفعول من فعل ثلاثي فوجب موازنته النظائر كمنسوب ومكتوب، والثاني جمع ثدي فيجب كونه على فعول كفلوس، والثالث فعول؛ لأنه إذا كان فعولا كان خلوه من هاء التأنيث باستحقاق، وإذا كان فعيلا يكون خلوه من هاء التأنيث شذوذا، ولا يصار إلى الشذوذ مع إمكان العدول عنه والرابع أفعولة من التمني؛ لأنه لو لم يكن أفعولة لكان إفعيلة وهو وزن مرفوض.
انتهى.
ولم يذكر ذلك في التسهيل في هذا الفصل، بل ذكره في الفصل الذي قبل هذا الفصل بفصلين، وقد قدمنا أنه لو أخر ذلك وذكره في هذا الموضع لكان أولى؛ لأنه حكم تابع لغيره، وليس مقصودا لذاته، وقد شذ عن هذا الأصل، وهو قلب الواو ياء عند اجتماعهما وإدغام إحداهما في الأخرى ما أشار إليه المصنف بقوله: ونحو: عوية وضيون، وعوّة، وريّة شاذ.
والشاذ منه ثلاثة أضرب:
أحدها: شذ فيه الإبدال لكونه لم يستوف شروطه، وذلك نحو: ريّة في رؤية حكاها الفراء وسمع الكسائي 1038 قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) 1039 والمقتضى لذلك الاعتداد بالعارض.
الثاني: ما شذ فيه التصحيح كقولهم للسنور: ضيون، و: عوى الكلب عوية، ويوم أيوم 1040 وحيوة.
الثالث: ما شذ فيه إبدال الياء واوا وإدغام الواو في الواو، كقولهم: عوى الكلب عوّة (4)، وفلان نهوّ عن المنكر، والقياس نهيّ، كما قالوا: بغي، وهما فعول من ذوات الياء؛ لأنهما مشتقان من النهي والبغي، ومنه العوّى للنجم، قالوا:
وكأنه في الأصل: عويا [6/ 174] قالوا: واشتقاقه من: عويت يده إذا لويتها؛ -
الجزء: 10 - الصفحة: 5117
[إبدال الواو المتطرفة بعد واوين ياء وكذلك الكائنة لام فعول جمعا]
قال ابن مالك: (وتبدل ياء - أيضا - الواو المتطرفة لفظا أو تقديرا بعد واوين سكّنت ثانيتهما، والكائنة لام فعول جمعا ويعطى متلوّهما ما تقرّر لمثله من إبدال وإدغام).
لأنها كواكب ملتوية 1041، وإذا عرف شذوذ ما ذكر عرف أنه لا يجوز القياس على شيء منه لكن بعضهم قد قاس على قولهم: ريّة، فأجاز أن يقال: قيّ، في: قوي مخفف قويّ وهذا من الاعتداد بالعارض، ويدل على أن العرب لم تعتد بالعارض في تخفيف قوي قولهم في شقي ودني: شقي ودني بسكون العين، ولم تعد لام الكلمة إلى أصلها من الواو؛ لأن السكون عارض، فالكسرة في تقدير الثبوت، ولا شك أن الأكثر في كلام العرب عدم الاعتداد بالعارض 1042، وقد اعتد به قليلا وكثيرا ما يعتد به القراء رضي الله تعالى عنهم.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان، كل منهما فيها عملان لكن أحد العملين يلزم عن الآخر فهو تابع له وناشئ عنه، ولنقدم قبل الشروع في ذكرهما أصلا، وهو أنه قد علم أن الاسم المعرب لا يختم بواو تلي ضمة، وإن أدى إلى ذلك تصريف قلبت الواو ياء والضمة كسرة كما في: أدل وأجر وكما في نحو: يغزو إذا سميت به، وكذا إذا استعملت قلنسوة على باب: نمرة ونمر، ويقال: قلنس، وكذا مصدر:
تعازيت وتعزيت، يقال فيه: التعازي والتعزّي، وذلك أنه لما وجب قلب الواو ياء وجب قلب الضمة كسرة، كما أن الضمة قلبت كسرة في نحو: الترامي، والتجاري، وأصلهما: الترامي والتجاري مصدر ترامينا وتجارينا، فإن فصل بين الواو المتطرفة وبين الضمة واو ساكنة، فإن كانت الكلمة جمعا لم يعتد بالفاصل وجعلت الواو وكأنها وليت الضمة فيكون حكمها مع الفاصل المذكور كحكمها دونه فتعلّ وقد تصحح شذوذا وإن كانت الكلمة غير جمع فالأكثر الاعتداد بالفاصل فيصحح، وقد لا يعتد به، وقد يرجح إعلاله في بعض الصور، وسيأتي ذكر ذلك مفصلا إن -
الجزء: 10 - الصفحة: 5118
................................
شاء الله تعالى، وحاصل ما يذكر هنا: أنه إذا وقع قبل لام الكلمة واو ساكنة فيما كان جمعا مما لامه واو فبابه الإعلال نحو: عتي وجثي 1043، في جمع عات وجاث، والتصحيح فيه نادر كقولهم نحو ونحو 1044، وأب وأبو، وما كان غير جمع مما لامه واو أيضا، فإن كان مصدرا ففيه وجهان: التصحيح والإعلال، والتصحيح أكثر، وذلك نحو: بدا الشيء يبدو بدوّا: ظهر 1045، وحنا عليه يحنو حنوّا: عطف 1046، وخبت النار تخبو خبوّا: سكن لهبها 1047، وسلاه يسلوه سلوّا:
تركه 1048، وعتا يعتو عتوّا: تجبّر 1049، وأما الإعلال فنحو: ضحا يضحو ضحيّا: برز للشمس 1050، وعتا الشيخ يعتو عتيّا: بلغ غاية الكبر، وعسا الشيخ يعسو عسيّا وعسوّا: كبر وولى، والعود: يبس وصلب 1051. وإن كان اسم مفعول فإما أن يكون من فعل أو فعل، فإن كان من فعل فقياسه التصحيح وهو الغالب في الاستعمال نحو: دررت الشيء فهو مدروّ ورجوت زيدا فهو مرجوّ وغزوته فهو مغزوّ، وعدوت عليه فهو معدوّ عليه، ويجيء فيه الإعلال ومجيئه فيه أكثر من مجيئه في المصدر نحو: مغزيّ ومعديّ عليه، وإن كان من فعل فقياسه والمعروف في استعماله الاستثقال حملا على الماضي وذلك نحو: ضري الكلب بالصيد فهو مضريّ به، وغبي عن الأمر غباوة
فهو مغبيّ عنه، وشهيت الشيء شهوة فهو مشهيّ، ورضيت بالشيء فهو مرضيّ.
- قال الله تعالى: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً 1052، وقد قيل: مرضوّة ولكنهم حكموا بندوره 1053، وإذا تقرر هذا فاعلم أن المصنف سيذكر فعولا غير الجمع بعد، وأما فعول الجمع فقد أشار إليه بقوله:
والكائنة لام فعول جمعا، فإنه عطفه على ما يبدل فيه الواو المتطرفة ياء، وهذه إحدى المسألتين اللتين تضمنهما كلامه الآن فكأنه قال: وتبدل ياء - أيضا - الواو المتطرفة الكائنة لام فعول جمعا، ومثال ذلك ما تقدم من: عتي وجثي جمعي عات -
الجزء: 10 - الصفحة: 5119
................................
وجاث، وكذا: دلي وعصي جمع دلو وعصا، أصلهما: دلوّ وعصوّ، واحترز بقوله: جمعا، عما ليس جمعا كعتو وعلو مصدري عتا وعلا ولم يكتف بقوله:
جمعا، بل قيده بـ: فعول؛ لأن ما لامه واو قد يجمع على غير فعول، فلا يكون له هذا الحكم، فيحصل في الواو المتطرفة في نحو: جثي ودلي الإبدال ياء كما أشار إليه بقوله: وتبدل ياء - أيضا - الواو إلى أن قال: والكائنة لام فعول جمعا وفي الواو التي قبلها الإبدال والإدغام أي: إبدالها ياء - أيضا - وإدغامها في الياء التي بعدها، وإلى ذلك يشير
قاصدا هذه المسألة وما قبلها بقوله: ويعطى متلوهما ما تقرر لمثله من إبدال وإدغام، وأما إبدال الضمة التي قبل الواو المبدلة كسرة فقد ذكره المصنف في الفصل الذي قبل هذا الفصل بفصلين وقلنا هناك: إنه لو أخر الكلام في ذلك إلى أن يقرنه بمسألته في هذا الفصل كان أولى.
وأما المسألة الأخرى من المسألتين اللتين تضمنهما كلامه، فهي التي قيد الواو المتطرفة فيها بكونها بعد واوين سكنت ثانيتهما وقد مثل لذلك بأن تأتي باسم مفعول من قوي، قال المصنف في إيجاز التعريف - بعد أن تكلم على نحو: مرميّ وذكر أن إعلاله يؤثر على تصحيحه -:
فإن كانت - يعني الواو المتطرفة الواقعة بعد واو زائدة - في مفعول مما عينه واو تعين الإعلال المذكور، يعني إبدال الواو المتطرفة ياء، ثم إبدال التي قبلها كذلك، وإدغام الأولى في الثانية، ثم إبدال الضمة التي قبل كسرة نحو: قوي على زيد، فهو مقويّ عليه، أصله: مقووو فاستثقل توالي ثلاث واوات بعد ضمة فلجئ إلى التخفيف بالإعلال 1054. قال: وأيضا فإذا كان إعلال: معدوّ جائزا مع أن تصحيحه لا يوقع في بعض ما يوقع تصحيح: مقويّ فإعلال مقوي لإيقاعه فيما ذكر متعين لا محيص عنه.
انتهى.
وأفاد المصنف بذكر هذه المسألة أن هذا الإعلال يكون واجبا في مفرد وهو اسم المفعول مما عينه ولامه واوان، كما أنه واجب في فعول جمعا، بل ربما يصحح فعول الجمع شذوذا وأما مقوي فلا يصح أصلا، وعلى هذا يكون هذا الإعلال واجبا في شيئين مفرد مقيد بالقيد المذكور وفعول الجمع، ومثل: مقوي من قوي أن تبني من: الغزو مثال: عصفور فإنه يقال فيه: غزووو، ثم يقال:
غزويّ بالعمل السابق، وهذا الذي ذكر كلمة الواو فيه [6/ 175] متطرفة لفظا، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5120
[ما يجوز فيه الإعلال والتصحيح]
قال ابن مالك: (فإن كانت لام مفعول ليست عينه واوا، ولا هو من فعل، أو لام أفعول أو أفعولة أو فعول مصدرا أو عين فعّل جمعا، فوجهان، والتّصحيح أكثر، فإن كان مفعول من فعل ترجّح الإعلال).
وأما المتطرفة تقديرا فمثاله ما تقدم، غير أن الكلمة تكون مختومة بهاء التأنيث، فحكم مقوووة وغزوووة حكم مقوو وغزووو، فيقال فيهما، مقويّة وغزويّة.
قال المصنف في إيجاز التعريف لما ذكر إعلال مقوي: وهذا الإعلال متعين أيضا لكل ما آخره كآخر مفعول مبنيّا مما عينه ولامه واو وإن لحقته التاء فكذلك، لا فرق بين تقدير لزومها وتقدير عروضها.
قال الشيخ: وهذا الذي ذكره المصنف من الإبدال والإدغام في مثل: عصفور من: الغزو،
وأنه يقال فيه: غزويّ هو مذهب سيبويه 1055، وذهب الفراء إلى أنه لا يعلّ، وتدغم الواو الثانية في الأخيرة، فيقال:
غزووّ.
قال: ولا حجة في مقويّ، وإن كان سمع لأنه محمول على الفعل، فكما اعتلت في قوي لموجب اعتلت في مقوي، وإن لم يوجد الموجب حملا على الفعل 1056 كما أعلوا مرضيا حملا على رضي، وإن كانت علّة الإبدال موجودة في رضي، مفقودة في مرضي، وأما: عصفور فاسم ليس جاريا على الفعل فصار نظير عدد.
انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن الفرّاء يعل في اسم المفعول نحو: مقوي، وإن كان لا يعل في: غزووة؛ لأن تعليله يرشد إلى ذلك.
قال ناظر الجيش: لمّا ذكر ما يجب فيه الإعلال، وهو اسم المفعول الذي لامه واو وعينه واو - أيضا - والذي هو من فعل، وفعول الذي لامه واو وهو جمع، شرع في ذكر ما فيه الإعلال والتصحيح وقد ذكر خمس مسائل منها مسألتان تقدمت الإشارة إليهما في التقسيم، هما ما لامه واو من اسم مفعول ليست عينه واوا، وليس هو من فعل ومن فعول مصدرا والثلاث الأخر منها إما الواو فيه لام وهو اثنتان، ومنها ما الواو فيه عين من فعّل جمعا وهو واحده فمثال اسم المفعول المقيد بما -
الجزء: 10 - الصفحة: 5121
................................
ذكر: مغزوّ ومعدوّ: ومغزي ومعدي، ومثال ما لامه واو من فعول المصدر: عتا عتوّا وعتيّا.
ومثال أفعول وأفعولة مما لامه واو أدحوّ وهو بيض النعام وأدحيّ، وأدعوّة وأدعيّة، ومثال ما الواو فيه عين من فعّل جمعا صوّم ولوّم وصيّم وليّم جمعي صائم ولائم، واحترز بقوله: جمعا من فعّل غير جمع نحو: حوّل، فإنه مفرد صفة لاسم مفرد يقال فيه: رجل حوّل إذا كان كثير التحوّل 1057، وقد ذكر المصنف أن في نحو هذه المسائل وجهين، وأن التصحيح أكثر يعني أكثر من الإعلال، وتوجيه الإعلال على قلته كون الواو متطرفة لم يفصل بينها وبين الضمة إلا حاجز غير حصين، وهو الواو الساكنة الزائدة الخفية بالإدغام فكما تقلب الواو ياء إذا تطرفت وقبلها الضمة وتقلب الضمة التي قبلها كسرة فكذلك تقلب هنا، ومن شواهد الإعلال قول الشاعر:
4308 - وقد علمت عرسي مليكة، أنّني... أنا اللّيث معديّا وعاديا 1058
قال الشيخ بعد شرح كلام المصنف: ليس الأمر في ذلك كما ذكر، بل الإعلال شاذ في جمع ما مرّ مما لامه واو ولا يطرد إلا في الجمع على فعّل؛ إذ لا يطرد الإعلال في المفرد والقياس التصحيح، وأما فعّل الجمع فإنه يجوز فيه قلب
الواو الأخيرة ياء، ثم تقلب الواو الأولى ياء وتدغم الياء في الياء حملا للعين على اللام، وذلك نحو: صائم وصوّم، وجائع وجيّع قال الشاعر:
4309 - ومعرّض تغلي المراجل تحته... عجّلت طبخته لرهط جيّع 1059
يريد: جوّعا، وقد قيدوا ذلك بقيد لم يتعرض له المصنف وهو أن تكون الكلمة صحيحة اللام أما إذا كانت معتلة اللام فإنه لا يجوز قلب الواو ياء كراهة توالي -
الحديث: 4308 - الجزء: 10 - الصفحة: 5122
[تصحيح الواو وهي لام فعول جمعا]
قال ابن مالك: (وقد يعلّ بذا الإعلال ولامه همزة وقد تصحّح الواو وهي لام فعول جمعا ولا يقاس عليه خلافا للفرّاء، وربّما أعلّت وهي عين فعّال جمعا).
إعلالين من جهة واحدة وذلك نحو شاو وشوّى 1060 ذكر ذلك الإمام أبو الحسن ابن عصفور 1061، ومنه أخذ الشيخ فقال: إن للإعلال شرطا أهمله المصنف وذكر ما تقدم 1062، ثم إن المصنف لما قيّد اسم المفعول الذي يجوز فيه الوجهان بأمرين، وهما أن عينه لا تكون واوا وأنه لا يكون من فعل تعين أن حكم ما عينه واو من ذلك وما هو من فعل مخالف لما ذكر، وكان قد ذكر حكم ما عينه واو مقرونا بحكم فعول جمعا وجب أن يذكر حكم ما هو من فعل، ولا شك أن فيه الوجهين، لكن الإعلال أكثر من التصحيح، بل التصحيح في غاية القلّة.
قال الشيخ: والذي ذكره أصحابنا أن الإعلال شاذ وأن التصحيح هو القياس 1063. انتهى.
وهذا الذي ذكره قاله عن المغاربة 1064، مصادم للمسموع، وكفى بالقرآن العزيز شاهدا لما قال المصنف، فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ 1065، ثم إن المصنف لما تكم في إيجاز التعريف على فعول المصدر ومفعول قال: والتزم تصحيح فعول كعدوّ وعفوّ؛ لأنه لو أعل بالإعلال
المذكور التبس بفعيل كجليّ وزكيّ بخلاف فعول ومفعول؛ فإن التباسهما بغير بنائهما مأمون؛ إذ ليس في الكلام فعّيل ولا مفعيل، إلا ما ندر كسكين، فإذا ظفر بما يوازيهما علم أنه مغير عن أصله كبكيّ وبكي.
قال ناظر الجيش: تضمن هذا الكلام ثلاث مسائل، حكم كل منها مخالف لما تقدم تقريره ولهذا نبّه عليها: -
الجزء: 10 - الصفحة: 5123
................................
الأولى:
أن لام فعول أو مفعول إذا كانت همزة نحو: قروء ومقروء وقصد تخفيف الهمزة فلا شك أن قياسها في التخفيف الإبدال واوا وإدغام ما قبلها فيها، فيقال:
قروّ ومقروّ، فالواو الواقعة آخرا عارضة؛ لأنها بدل عن همزة وإذا كانت عارضة امتنع أن تعامل معاملة الواو الأصلية في جثيّ ومعدوّ، ولكن قد جاء مشنيّ.
قال الشاعر:
4310 - كورهاء مشنيّ إليها حليلها 1066
ولا شك أن الأصل شنأه يشنؤه فهو مشنوء، فلما خفف قيل: مشنوّ على القياس فوقعت الواو طرفا وقبلها واو تالية لضمة، لكنها - أعني المتطرفة - عارضة، فإذا لم يعتد بالعارض وهو الأكثر بقي الأمر على ما هو عليه؛ وإن اعتد بالعارض جاز أن يجري مجرى مغزيّ ومعديّ، فيقال: مشنيّ أشار المصنف بقوله: وقد يعلّ بذا الإعلال ولامه همزة، وأشار بذي الإعلال إلى ما ذكره من الإبدال والإدغام وإبدال الضمة كسرة وهذا الذي [6/ 176] قررته المقتضي لإعلال مشنوّ هو الظاهر، ولكن المصنف لما أنشد في إيجاز التعريف شطر البيت المتقدم قال: فبناه على شنيّ بإبدال الهمزة ياء؛ لأنها مفتوحة بعد كسرة وقد حكي أن من العرب من يقول: كليته بمعنى: كلأته ومكليّ
بمعنى: مكلوء أي: محفوظ، فمشنيّ أولى بذلك 1067 لكسر عينه.
قال: ولو جعل هذا مطردا - أعني إبدال الهمزة ياء إذا كانت لام مفعول من فعل على فعل كشني - كان صوابا وكذلك إذا بني على فعل، وإن كان أصله فعل بفتح العين 1068، فليس هذا بأبعد من قول من قال:
مشيب ومهوب، جعلا على شيب وهوب، وهما من الشوب والهيبة، قال وهذا منبه على أن إعلال: معدوّ ونحوه حمل على: عدي وعاد مع تقدير طرح المدّة الزائدة فيشبه أدلوا فيعامل معاملته حين قيل فيه: أدل.
-
الحديث: 4310 - الجزء: 10 - الصفحة: 5124
................................
المسألة الثانية:
أن الواو قد تصح وهي لام فعول جمعا، وقد قدّمنا الإشارة إلى ذلك في التقسيم السابق، لكن لمّا لم يكن في كلام المصنف حين ذكر فعولا الجمع إشعار بذلك صرّح به هنا، ومثال التصحيح قولهم: أبو وأخو وبنو ونحو، وهو جمع: أب وأخ وابن ونحو، وقال المصنف في إيجاز التعريف: وقد يجيء هذا الجمع مصححا كأبوّ ونحو، في جمع: أب ونحو إن لم تكن عينه واوا كلامه؛ كجوّ لو جمع على فعول وهذا القيد لم يذكره في التسهيل ولا بد منه، ثم قال: وشذ تغليب الواو في قولهم: فتى وفتو حكاه الفراء، وممكن أن يكون فتو على لغة من قال في التثنية:
فتوان 1069، حكاه يعقوب 1070، فلام فتى على هذه اللغة واو لا أعرف كونها ياء لاجتماع العرب على فتية وفتيان.
انتهى.
ثم قد عرفت أن تصحيح فعول الجمع شاذ لقلة ما جاء منه، وإذا كان كذلك فالقياس عليها لا يسوغ، ولهذا كان مذهب الفراء على ذلك مرجوحا في القياس 1071.
المسألة الثالثة:
أنه قد تعل الواو بإبدالها ياء، وهي عين فعال جمعا كصوّام فيقال فيه: صوم، وقد تقدم تعليل ذلك، فأما إذا كان الجمع على فعال فإن التصحيح واجب كصوّام ونوّام؛ لأن العين تباعدت بالألف عن الطرف، وقد جاء نيّام فحكموا عليه بالشذوذ.
قال الشاعر:
4311 - ألا طرقتنا ميّة ابنة منذر... فما أرّق النّيّام إلّا سلامها 1072
فإلى ذلك الإشارة بقوله: وربما أعلت وهي عين فعّال جمعا.
وذكر ابن عصفور في الممتع أن حرفا قد شذ وهو قولهم: فلان في صيّابة قومه، يريدون صوّابة قومه أي: صميمهم وخالصهم، وهو من صاب يصوب إذا نزل كأن عرقه فيهم قد شاع -
الحديث: 4311 - الجزء: 10 - الصفحة: 5125
[قلب الواو ياء لاما لفعلى]
قال ابن مالك: (فصل: تبدل الياء من الواو لاما لفعلى صفة محضة أو جارية مجرى الأسماء إلّا ما شذّ كالحلوى بإجماع، والقصوى عند غير تميم 1073، وشذّ إبدال الواو من الياء لاما لفعلى اسما، وربّما فعل ذلك بفعلاء اسما وصفة).
- وتمكّن 1074. ومن ثمّ قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: وقد جاء حرفان شاذّان وهما قولهم: فلان في صيّابة قومه، وقولهم: نيّام 1075، قال: وعلى هذا لا فائدة لقول المصنف: «جمعا»؛ لأن المفرد والجمع فيه سواء، وذلك أن: نيّاما جمع وصيّابة مفرد 1076.
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الفصل على مسألتين؛ إحداهما تبدل فيه الياء من الواو، والثانية تبدل فيها الواو من الياء، وقد تقدمت الإشارة إلى الأولى والوعد بذكرها عند ما ذكر الأقسام التي تبدل الياء فيها من الواو، والإشارة إلى الثانية والوعد بذكرها أيضا عند ما ذكر إبدال الواو من الياء:
أما المسألة الأولى 1077: فاعلم أن كلام المصنف فيها مخالف لكلام الجماعة، فأنا أورد أولا كلام غيره ثم أثنّي بكلامه في إيجاز التعريف ثم أعود إلى لفظ الكتاب.
قال ابن عصفور عند ما ذكر الأقسام التي تبدل فيها الواو ياء ما نصه: أو يكون الاسم على وزن فعلى وتكون لامه واوا، فإن العرب تبدل من الواو ياء في الاسم وذلك نحو: العليا والدّنيا والقصيا، والأصل فيها الدّنوى والعلوى والقصوى، فقلبت الواو ياء، ألا ترى أن الدنيا من: الدنو، والعليا من: علوت، وأنهم قد قالوا في القصيا: القصوى فأظهروا الواو، فإن قيل: إن هذه الثلاث صفات، فالجواب: أنها قد -
الجزء: 10 - الصفحة: 5126
................................
استعملت استعمال الأسماء في ولايتها العوامل وترك أجزائها تابعة، فلذلك قلبت فيه الواو ياء فإن كانت صفة بقيت على لفظها، ولم تقلب الواو ياء نحو: خذ الحلوى، وأعطه المرّى، وقد شذ من فعلى الاسم شيء فلم تقلب فيه الواو ياء وذلك القصوى وحزوى اسم موضع، وكأن القصوى - والله أعلم - إنما صحّت فيه الواو تنبيها على أنه قد كان في الأصل صفة وإنما قلبت الواو ياء في الاسم دون الصفة فرقا بين الاسم والصفة، وكان التغيير هنا في الاسم دون الوصف كما كان التغيير في:
فعلى من الياء في الاسم دون الوصف ليكون قلب الواو هنا ياء كالعوض من قلب الياء هنالك واوا وهذا أحسن - أعني قلب الواو إلى الياء - لأن في ذلك تخفيفا للثقل؛ لأن الياء أخف من الواو وهو مع ذلك على غير قياس؛ لأنه قلب لغير موجب، ولولا ورود السماع بذلك لما قيل، فأما فعلى من الياء اسما كانت أو صفة فإنها لا تغير عما تكون عليه؛ لأنهم إذا كانوا يفرون فيها من الواو إلى الياء فإذا وجدوا الياء فينبغي ألا يجاوزوها، كما أن فعلى من الواو لا تغير عما تكون عليه اسما أو صفة، لكونهم يفرون فيها من الياء إلى الواو، فإذا وجدوا الواو فينبغي ألا يعدل عنها 1078. انتهى.
وقال الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب: وتقلب الواو ياء في فعلى اسما كالدنيا والعليا، وشذ القصوى وحزوى بخلاف الصفة كالغزوى، ولم يفرّق في فعلى من الواو نحو: دعوى وشهوى، ولا في فعلى من الياء نحو:
الفتيا والقصيا 1079. انتهى.
وقد طابق كلامه كلام ابن عصفور في أن الواو تقلب ياء في فعلى اسما كالدنيا والعليا بخلاف الصفة، أما المصنف فقال في إيجاز التعريف:
تبدل الياء من الواو الكائنة لام فعلى صفة محضة كالعليا، أو جارية مجرى الأسماء كالدنيا، والأصل فيهما العلوى والدنوى؛ لأنهما من العلو والدنو ولكنهما مؤنثا الأعلى والأدنى، والواو في المذكر قد أبدلت ياء لتطرفها ووقوعها رابعة؛ فقلبت في المؤنث حملا على المذكر، ولأن هذا الإعلال تخفيف فكان به [6/ 177] المؤنث أولى؛ لما فيه من مزيد الثقل بالوصفية والتأنيث بعلامة لازمة غير مغيرة في مثال مضموم الأول ملازم للتأنيث، وإذا كانوا يفرون من تصحيح الواو لمجرد ضم الأول وكون التأنيث بعلامة ليس أصلها أن تلزم فقالوا في الرّغاوة: رغاية، فأبدلوا الواو ياء -
الجزء: 10 - الصفحة: 5127
................................
مع الضمة، ولم يبدلوها مع الكسرة حين قالوا: رغاوة لنقصان الثقل، ففرارهم من تصحيحها مع اجتماع المستثقلات المذكورة أحق وأولى، وما جاء بخلاف ذلك فنادر كالقصوى أنثى الأقصى فإن كان فعلى اسما محضا كحزوى لم يغير لعدم مزيد الثقل وعدم ما يحمل عليه كحمل العليا على الأعلى وهذا الذي ذكرته وإن كان خلاف المشهور عند التصريفين فهو مؤيد بالدليل وهو موافق لقول أئمة اللغة، فمن قولهم ما حكاه الأزهري عن ابن السكيت وعن الفراء أنهما قالا:
ما كان من النعوت مثل: الدنيا والعليا فإنه بالياء؛ لأنهم يستثقلون الياء مع ضمة أوله، وليس فيه اختلاف؛ لأن أهل الحجاز قالوا: القصوى، فأظهروا الواو وهو نادر، وبنو تميم يقولون: القصيا هذا قول ابن السكيت وقول الفراء 1080 والواقع على وفقه، قال الله تعالى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا 1081، وقال تعالى:
وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا 1082 وهاتان صفتان محضتان، والنحويون يقولون:
إن هذا الإعلال مخصوص بالاسم، ثم لا يمثلون إلا بصفة محضة، أو بالدّنيا والاسمية فيها عارضة ويزعمون أن حزوى تصحيحه شاذ كتصحيح 1083 حيوة، وهذا قول لا دليل على صحته فلا مبالاة باجتنابه 1084. انتهى.
وقال الشيخ بدر الدين محمد ابن المصنف في كلامه على تصريف الشيخ أبي عمرو ابن الحاجب رحمه الله تعالى: قال
شيخنا - يعني أباه رحمه الله تعالى -: زعم أكثر النحويين أن الياء تبدل من الواو لاما لفعلى اسما ثم لا يمثلون إلا بصفة محضة كالعليا، أو جارية مجرى الأسماء كالدّنيا، والصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه أبو علي وأئمة اللغة، وهو أن الياء تبدل من الواو لاما لفعلى صفة محضة كالعليا والقصيا والدّنيا 1085، أنثى الأدنى، أو جارية مجرى الأسماء كالدنيا لهذه الدار إلا فيما شذ كالحلوى، بإجماع والقصوى عند غير تميم 1086 فإن كان فعلى اسما فلا إبدال كحزوى اسم مكان؛ لأن الاسم أخف فكان أحمل للثقل بخلاف الصفة.
قال: وأما قول -
الجزء: 10 - الصفحة: 5128
................................
ابن الحاجب: بخلاف الصفة كالغزوى يعني أنثى الأغزى، أفعل تفضيل من غزا يغزو؛ فهو تمثيل من عنده وليس معه ثقل، والقياس أن يقال: الغزيا كما يقال:
العليا 1087. انتهى.
ولا يخفى على المتأمل ترجيح كلام المصنف في هذه المسألة وبحثه وتعليله على كلام ابن عصفور فيها، والدليل الذي ذكره المصنف ظاهر في المراد، وقد اعترف ابن عصفور بأن هذه الكلمات - أعني العليا والدنيا والقصيا - صفات، ويكفي ذلك وقد اعترف بأن قلب الواو ياء، إنما هو للفرق بين الاسم والصفة، وإذا كان كذلك فالصفة أثقل من الاسم فهي أحوج منه إلى التخفيف، وقد ذكر الشيخ أن الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن النحاس الحلبي 1088 - رحمه الله تعالى - ناهيك به من نحوي حاذق ومحقق، كان يختار ما ذهب إليه المصنف 1089، وإذ قد عرف هذا اتضح المراد بقول المصنف في متن التسهيل: تبدل الياء من الواو لاما لفعلى صفة محضة أو جارية مجرى الأسماء إلا ما شذ كالحلوى بإجماع والقصوى عند غير تميم إذ قد مرّ ما يتضمن شرح ذلك، إلا أن قوله: والقصوى عند غير تميم يقتضي بظاهره أن بني تميم ينطقون بالقصوى، وأن ذلك شاذ في
القياس، ولكنه قال في شرح الكافية: وشذ ما سلمت واوه كالقصوى، وبنو تميم يقولون: القصيا فيجرونه على القياس 1090 وقد تقدم ما نقلناه عنه في إيجاز التعريف وهو قوله نقلا عن ابن السكيت والفراء: إلا أن أهل الحجاز قالوا: القصوى، فأظهروا الواو، وهو نادر، وبنو تميم يقولون: القصيا 1091 وأقر هو ذلك ولم ينكره.
وأما المسألة الثانية 1092: وهي قوله: وشذ إبدال الواو من الياء لاما لفعلى اسما، فاعلم أن المشهور المعروف أن الواو تبدل من الياء لاما لفعلى اسما، وأن ذلك مطرد -
الجزء: 10 - الصفحة: 5129
................................ نحو: تقوى وبقوى ورعوى وسروى بخلاف فعلى الصفة فإنها لا تبدل نحو: خزيا وصديا وريا؛ وذلك للفرق بين الاسم والصفة، وخصوا الاسم بالقلب المذكور؛ لأنه أخص من الصفة فكان أحمل للثقل، وقد قال المصنف في شرح الكافية: إذا كان لام فعلى ياء وكان صفة صحّ نحو: صديا، فإن كان اسما غير صفة أعلّ - غالبا - بإبدال الياء واوا كالتقوى والبقوى 1093، وقال في الألفية: من لام فعلى اسما أتى الواو بدل... ياء كتقوى غالبا جا ذا البدل 1094 لكنه حكم بالشذوذ هنا أعني في التسهيل، وكذا في إيجاز التعريف، فإنه قال: من شواذ الإعلال إبدال الواو من الياء في فعلى اسما كالثنوى والبغوى والتقوى والفتوى 1095 والأصل فيهن الياء؛ لأنها من: الثنى والبقى والتقى مصدر: تقيت بمعنى: اتقيت والفتيا، وأكثر النحويين يجعلون هذا مطردا، ويزعمون أن ذلك فعل فرقا بين الاسم والصفة، وأوثر الاسم بهذا الإعلال؛ لأنه مستثقل فكأن الاسم أحمل له لخفته وثقل الصفة كما أنهم حين قصدوا التفرقة بين الاسم والصفة في جمع فعله حركوا عين الاسم وأبقوا عين الصفة على أصلها وألحقوا بالأربعة المذكورة: الشروى والطغوى والعوى والرعوى، زاعمين أن أصلها من الياء، والأولى عندي جعل هذه الأواخر من الواو سدّا لباب التكثير من الشذوذ حين أمكن سدّه وذلك أن الشروى معناه المثل، ولا دليل على أن واوه منقلبة عن ياء إلا ادعاء من قال: إنه من شريت، وذلك ممنوع؛ إذ هي دعوى مجردة عن دليل مع أن الشروى إذا كان غير مشتق وافق كثيرا من نظائره كالتّد والبد والحتن، والتن والشبع والضرع، معنى كل واحدة من هذه كمعنى الشروى 1096 ولا اشتقاق لها، فالأولى -
الجزء: 10 - الصفحة: 5130
................................
بالشروى أن يكون غير مشتق، وأما الطغوى فإنه قد روي في فعله: طغيت طغيانا، وطغوت طغوانا، فرد الطغوى إلى طغوت، أولى من ردّه إلى طغيت تجنبا للشذوذ.
وأما العوّى فهو من عويت الشيء إذا لويته، وقد روي منه عوّة بتغليب الواو على الياء كما فعل في: العتوة، فليس ذلك لأنه على: فعلى، ويحتمل أن يكون: عوّى مقصورا من: عوّاء فعال من: عويت فيكون واوه عينا مضعّفة كالواو في: شوّاء، إذا قصر فقيل فيه: شوا ومنع الصرف لتأنيثه باعتبار كون [6/ 178] مسماه منزله ويحتمل أن يكون منقولا من: عوّى فعّل من: عويت، فسموا المنزلة بهذا الوزن من الفعل كما سمى بشصّر: فرس، وببذّر: ماء، وبعثّر: موضع، ويعتذر عن دخول الألف واللام بما يعتذر عن دخولها في أليس، وأما: الرّعوى فهو: ارعويت، لا من:
رعيت، وهذا قول أبي علي 1097 رحمه الله وهو أولى من شذوذ يؤدي إلى قول من قال: أبدلت الواو من الياء في فعلى اسما مقاصة منها، إذا كانت هي المغلّبة عليها في معظم الكلام 1098، وحسب هذا القول ضعفا أنه يوجب أن يكون ما فعل، من الإعلال المطرد الذي اقتضته الحكمة ظلما وتعديا؛ إذ المقاصة لا تكون في غير تعدّ، وقولهم: فعل هذا الإعلال فرقا بين الاسم والصفة كما فرق بينهما في جمع فعله.
ليس بجيد - أيضا - لأن الالتباس هناك واقع كجلدات وندبات وعدلات وحثرات، فبتسكين عيناتها يعلم أنهن جمع جلدة بمعنى شديدة، وندبة بمعنى نشيطة، وعدلة بمعنى: ذات عدالة، وحثرة بمعنى: رقيقة، وبفتحها يعلم أنهن جمع مرة من: جلد وندب وعدل وحثر، فظهرت فائدة الفرق هناك، وأما: ثنوى وأخواتها فألفاظ قليلة يكتفى في بيان أمرها بأدنى قرينة لو خيف التباس، فكيف والالتباس مأمون؛ إذ لا توجد صفات توافق ثنوى وأخواتها لفظا، ومما يبين أن إبدال يائها واوا شاذ، تصحيح ياء الريّا وهي الرائحة، والطغيا وهو ولد البقرة الوحشية بفتح طائه وضمها 1099، وسعيا اسم موضع فهذه الثلاثة الجائية على الأصل والتجنب للشذوذ أولى بالقياس عليها 1100. انتهى.
والذي يظهر أن الذي ذكره في الكافية -
الجزء: 10 - الصفحة: 5131
................................
والألفية هو ما عليه جمهور الناس، ثم إن اجتهاده ونظره أداه إلى خلاف ذلك، وقام عنده الدليل على صحته فرجع عن ذلك إلى ما ذكره في التسهيل وإيجاز التعريف من الحكم بشذوذ الإبدال.
وقال الشيخ: ما ذهب إليه المصنف من أن إبدال الواو من الياء في فعلى شاذ، إن عنى به شذوذ القياس فهو صحيح، وإن عنى به أنه لا يطرد فليس بصحيح بل ذلك مطرد في فعلى إذا كانت اسما ولامها ياء فإنها تبدل واوا قياسا مطّردا، ذهب سيبويه إلى أنهم فرّقوا في ذلك بين الاسم والصفة؛ لأنهم لا يبدلون في الصفة بل يقولون: خزيا، وصديا 1101، وعلّله - أيضا - بتعليل ثان، فقال: أبدلوا الياء واوا عوضا من كثرة دخول الياء عليها، كما أبدلوا الواو في الدنيا والعليا فرقا بين الاسم والصفة - أيضا - ومما يدل على اطراد ذلك قول سيبويه وقد ذكر ريّا في الصفات مع صديا وخزيا: ولو كانت ريّا لقلت:
روّى؛ لأنك كنت تبدل واوا موضع اللام 1102. انتهى.
يعني أن الأصل: رويا، فتبدل الياء واوا كما فعلت في تقوى ثم تدغم الواو في الواو، قال الشيخ: فهذا نص من سيبويه على اطراد إبدال الياء واوا في الاسم 1103، ثم إن الشيخ نقل عن المصنف ما ذكره في إيجاز التعريف، وهو الذي ذكرناه عنه آنفا، ثم قال: وفيه تعقبات:
الأول: قوله: إن هذا الإبدال في فعلى اسما من شواذ الإعلال، وقد خالف في ذلك سيبويه فإنه يرى أن ذلك ليس بشاذ، وقد عقد له بابا فقال: هذا باب ما تقلب فيه الياء واوا ليفصل بين الصفة والاسم، وذلك فعلى إذا كانت اسما أبدلوا مكانها الواو نحو: الشّروى والتّقوى والرّعوة والفتوى، وإذا كانت صفة تركوها على الأصل، وذلك نحو: صديا وخزيا وريّا، ولو كانت: ريّا اسما لقلت: روّى؛ لأنك تبدل واوا موضع اللام وتثبت الواو التي هي عين 1104. انتهى كلام سيبويه، قال 1105: ويدل على الاطراد والقياس.
الثاني: قوله: وألحقوا بالأربعة المذكورة الشّروى والطّغوى والعوّى والرّعوى -
الجزء: 10 - الصفحة: 5132
................................
زاعمين أن أصلها الياء.
والأولى عندي جعل هذه الأواخر من الواو، أما سيبويه فذكر من هذه الأربعة الشروى والرعوى، وذكرهما فيما أصله الياء؛ وذلك لظهور الاشتقاق، ودعوى المصنف عدم الاشتقاق في شروى؛ لأن له نظائر غير مشتقة - غير سديد؛ لأنه لا يلزم من عدم الاشتقاق في النظير عدمه في نظيره.
وكذلك دعواه في دعوى أنه من ذوات الواو وفاقا لأبي علي - بعيد؛ لأن سيبويه ما حكم على الرعوى بأن واوه منقلبة عن ياء إلا بعد تبيينه أن ذلك من: رعيت رعيا، وهو بمعنى الحفظ 1106.
الثالث: قوله: ومما يبين أن إبدال يائها واوا شاذ تصحيح ياء: ريّا وهي الرائحة ذهب المصنف في: الريّا إلى أنها اسم، وقد ذكرها سيبويه في الصفات، قال سيبويه:
ولو كانت ريا اسما لقلت: روّى، قال بعض أصحابنا - يعني به ابن عصفور فإنه ذكر ذلك في الممتع 1107 -: وأما ريا التي يراد بها الرائحة من قول الشاعر:
4312 - نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل 1108
فصفة من معنى: رويت، وكان الأصل فيه رائحة ريّا، أي: ممتلئة طيبا، ولو كانت اسما لكانت روّى؛ لأن أصلها: رويا، ثم تبدل الياء واوا كما فعل في:
عوّى، ثم تدغم الواو في الواو، فلما لم يقولوا ذلك، علمنا أنها صفة أصلها رويا، فقلبت الواو ياء وحصل الإدغام 1109، والتعقبات التي ذكرها الشيخ عشرة 1110 اقتصرت منها على ذكر هذه الثلاثة واعلم أن ابن عصفور لما تكلم على فعلى وفعلى المتقدمي الذكر ذكر فعلى فقال: وأما فعلى فينبغي أن يبقى على الأصل ولا يغير من -
الحديث: 4312 - الجزء: 10 - الصفحة: 5133
[إبدال الألف من الواو والياء]
قال ابن مالك: (فصل: تبدل الألف بعد فتحة متّصلة اتّصالا أصليّا من كلّ واو أو ياء تحرّكت في الأصل، وهي لام، بإزاء لام غير متلوّة بألف، ولا ياء مدغمة في مثلها، فإن كانت مضمومة أو مكسورة وتلتها مدّة مجانسة لحركتها قلبت ثمّ حذفت ولا تصحّح لكون ما هي فيه واحدا خلافا لبعضهم).
الياء أو من الواو؛ لأن التغيير في فعلى وفعلى على غير قياس، ولولا السماع لما قيل به، ولم يرد سماع بتغيير
في فعلى فينبغي أن يبقى على الأصل، وأيضا فإن التغيير إنما وقع في هذا الباب فرقا بين الاسم والصفة وفعلى لا يكون صفة، فلا ينبغي أن يغيّر؛ لأنه لا يحصل بتغيرها فرق بين شيئين 1111. انتهى.
وتلخص أن فعلى تبدل لامها إذا كانت واوا ياء فالمصنف يقول ذلك في فعلى صفة، وإذا كانت اسما لا تغير، وغيره يقول ذلك في فعلى اسما وإذا كانت صفة لا تغير، وأن لامها، إذا كانت ياء لا تغير اسما كان أو صفة نحو: الفتيا والقصيا.
وأما فعلى فتبدل لامها إذا كانت ياء واوا، إذا كانت اسما كتقوى، وإذا كانت صفة لا تغير كصديا، وإذا كانت لامها واوا لا تغير اسما كان أو صفة نحو: دعوى وشهوى، ولهذا لما ذكر ابن الحاجب التفرقة بين فعلى اسما وصفة، إذا كانت لامها ياء وبين فعلى اسما وصفة - أيضا - إذا كانت لامها واوا، قال بعد ذلك: ولم يفرق في فعلى من الواو، ولا في فعلى من الياء 1112 وأما فعلى فقد عرفت أنها لا تغير سواء كانت لامها واوا أو ياء.
بقي الكلام على قول المصنف: وربما فعل ذلك بفعلاء اسما وصفة فتقول: ذلك [6/ 179] إشارة إلى إبدال الواو من الياء، ومثال ذلك في الاسم:
العوّاء للنجم؛ لأنها من: عويت فقياسها: عيّا، وقد أجازوا وجها آخر، وهو أن يكون فعّالا الأصل: عوّاي، ثم قلبت الياء همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة 1113، وأما الصفة فقيل: يمكن تمثيله بالعواء - أيضا - لأنه صفة في الأصل، وليس بجيد، وإنما مثاله قولهم: داهية ودهواء ودهياء.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على إبدال الواو من الألف، وإبدال الياء منها -
الجزء: 10 - الصفحة: 5134
................................
أيضا وإبدال الواو من الياء، وإبدال الياء من الواو - شرع في الكلام على إبدال الألف من الواو والياء فضمّن هذا الفصل: إبدال الواو والياء ألفا ثم كل من الواو والياء إما لام الكلمة أو عين.
وقد بدأ المصنف بالكلام عليها لامين، وثنّى بالكلام عليهما عينين، وقبل الشروع في الشرح، أذكر ما يوجب الإبدال في هذا الفصل وما يمنعه ذكرا إجماليّا، ثم أذكر ما أورده المصنف في إيجاز التعريف لاشتماله على الأمثلة المقصورة وتعليل المسائل، ولتكون توطئة لشرح كلامه في التسهيل، فأقول:
لوجوب الإبدال المذكور - أعني إبدال الياء والواو ألفا 1114 - شروط خمسة: حركة كل من الياء والواو وفتح ما قبلهما، وكون الفتحة أصلية، لا عارضة، وكون الحرف المفتوح قبلهما في كلمتيهما، ويعبر عن ذلك بأن يكون الفتح متصلا بهما، لا أن يكون الفتح منفصلا عنهما بأن يكون في كلمة وهما في كلمة أخرى، وأن لا يسكن ما بعدهما، فإن سكن وهما عينان امتنع الإبدال ووجب التصحيح، وإن سكن وهما لامان، فإن كان الساكن ألفا أو ياء مشددة فالحكم في امتناع الإبدال ووجوب التصحيح كذلك، وإن كان الساكن غير الألف أو الياء المشددة فالإبدال واجب.
فالحاصل: أن الشرط الخامس المذكور فيه تفصيل 1115، فليس شرطا على الإطلاق، ثم هذا الحكم الذي هو الإبدال قد يتخلف مع وجدان شروطه لمانع، وهذا إنما اتفق في العين - أعني عين الكلمة لا في لامها - فتوجد العلّة الموجبة لإبدالها من كونها متحركة بعد فتحة، أصلية متصلة، ويتخلف الحكم الذي هو الإبدال المانع، والموانع خمسة: أن تكون الكلمة قد استحق فيها إعلال اللام وإعلال العين، والقاعدة أن إعلال اللام هو المبدوء به، فإذا أعلّت اللام كان إعلالها مانعا من إعلال العين، وأن تكون الياء والواو عينا للفعل الذي الوصف منه على أفعل، وأن تكون الياء والواو عينا لمصدر هذا الفعل كهيف وحول، وأن تكون الواو عينا من افتعل ودلّ على معنى التفاعل كاجتوروا واشتوروا بمعنى: تجاوروا وتشاوروا 1116، بخلاف -
الجزء: 10 - الصفحة: 5135
................................ اعتاد لعدم دلالته على معنى التفاعل، أما إذا كان من ذوات الياء فإنه يعل كابتاعوا، واستافوا، إذا تضاربوا بالسيوف 1117، وأن تكون الياء والواو عينا لكلمة في آخرها زيادة تخص الأسماء كجولان وهيمان وصورى وحيدى، وإذا قد ذكر هذا فلنذكر ما ذكره في إيجاز التعريف، قال - رحمه الله تعالى -: فصل: إذا وقع بعد فتحة ياء أو واو متحركة أبدلت الياء والواو ألفا نحو: ناب وباب وعصى وحصى وباع وراع وسمى وصبا، أصلهن: نيب وبوب وعصو وحصي وبيع وروع وسبي وصبوة، بدلالة قولهم: أنياب وأبواب وحصيات وعصوان وبيع وروع وسبي وصبوة فلما انفتح ما قبل الياء والواو وتحركتا في الأصل قلبتا ألفين، ولو سكنتا في الأصل لصحتا، كما صحتا في سيف وجوف وربما قلبت لعد الفتحة وإن سكنتا في الأصل كقولهم في دويبة: دوابّة وفي صومة: صامة، أنشد ابن برهان - رحمه الله تعالى -: 4313 - تبت إليك فتقبّل تابتي... وصمت ربّي فتقبّل صامتي 1118 فلو كانت الفتحة في كلمة والياء والواو في أخرى لم يكن إلى هذا الإعلال سبيل نحو: إن ولدك يقظ، وكذلك لو كانت الحركة عارضة كقول من قال في جيأل: جيل، فإن سكن ما بعدهما فكذلك نحو: بيان وعوان وجوير وغيور، فإنهما لو أبدلا عند سكون ما بعدهما لالتقى ساكنان، وعند التقائهما يلزم أحد الأمرين، أما حذف أحدهما فيلتبس مثال بمثال؛ لأن بيانا وعوانا يصيران لو أعلّا: بانا وعانا، وأما تحريك أحدهما وذلك رجوع إلى ما ترك من التصحيح فتعين استصحابه، فلو كانت الواو والياء لاما مضمومة أو مكسورة قبل واو أو ياء ساكنة مفردة حذفت بعد قلبها ألفا نحو: جاءني الأعلون ورأيت الأعلين، والأصل: الأعليون، والأعليين ولم يمنع إعلال هذه الياء نحوها سكون ما بعدها؛ لأنها لام وحذف اللام لساكن منفصل كثير، فإذا حذفت لساكن متصل كما هو في الجمع المذكور فليس بمنكور أيضا؛ فإن اللام أقبل لتأثير أسباب الإعلال من العين؛ ولذلك صحت واو عوض -
الحديث: 4313 - الجزء: 10 - الصفحة: 5136
................................ وياء: عيبة، وأعلت واو: شجية وياء: نهو، وهما من: الشجو والنّهية بل قد تتأثر اللام لضعفها بالكسرة المنفصلة نحو: ابن عمي دنيا 1119، وهو من: الدنو، وأيضا فإن إعلال لام الأعلين لا يوقع في لبس بخلاف إعلال عين غيور وأمثاله، فلو كانت اللام مفتوحة بعدها ألف صححت؛ لخفة الفتحة والألف، ولأن هذا النوع إما مثنى نحو: فتيان، أو غير مثنى كضميان، فلو أعلت في المثنى التبس بالمفرد حين يضاف، ولو أعلت في غير المثنى التبس بفعال، فإنه كثير، وكلا الأمرين منتف في الجمع المذكور، إذا أعل وكذلك ما أشبه هذا الجمع في كون لامه ياء أو واوا، غير مفتوحة بعد فتحة وقبل واو ساكنة كبناء مثل: عنكبوت من: رمي فإن أصله: رمييوت 1120 مثل: أعليون، فتقلب الياء الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم تحذف لملاقاة الواو بعدها فتصير: رميوتا وسهّل ذلك أمن اللبس؛ إذ ليس في الكلام: فعليوت ولا فعلوت 1121، فلو كان بعد اللام المذكورة واوان أو ياءان، أو واو وياء جعلتا كيائي النسب وكسرت اللام مطلقا وقلبت واوا إن لم تكنها، كبناء مثل: عضرفوط من غزو أو رمي، فإنك تقول فيه من غزو 1122: غزووي، والأصل غزوووو ثم عمل ما عمل باسم مفعول من: قوي وتقول فيه من رمي: رميوي والأصل: رمييوي، فقلبت الواو ياء [6/ 180] وأدغمت كما فعل باسم مفعول من رمي ثم استثقل توالي الياءات فأبدلت المكسورة واوا ابتداء، أو بعد قلبها ألفا، وكذلك يفعل بكل ما قبل ياء مشددة من ألف رابع مزيد للإلحاق، فإن كان -
الجزء: 10 - الصفحة: 5137
................................ زائدا محضا أو خامسا فصاعدا حذف، وقد تقلب واوا ألف التأنيث إن سكن ثاني ما هي فيه رابعة كحبلويّ والحذف أجود، وربما قيل: حبلاوي، ثم أتبع هذا الكلام بأن قال: فصل: ويمنع من قلب الواو والياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها خوف توالي إعلالين؛ لأنه إجحاف ومآله - أيضا - إلى التقاء الساكنين، وذلك نحو: هوى، أصله هوى، فكل واحد من الواو والياء متحرك مفتوح ما قبله، فلو أعلّا لزم المحذور الذي ذكر، ولزم بقاء الاسم على حرف واحد، وبقاء الفعل على حرفين ثانيهما ألف، ولو صححا أهمل مقتضى كل من السببين فتعين تصحيح إحداهما وإعلال الآخر، وكان إعلال الآخر أولى؛ لأنه لو صح عرّض لحركات الإعراب الثلاث والكسر عند الإضافة إلى ياء المتكلم وللإدغام إن وليه مثله والإدغام إعلال، فيلزم حينئذ توالي إعلالين، وليس الأول معرضا لشيء مما ذكر فكان التصحيح أولى، وإن كان الإعلالان مختلفين اغتفر اجتماعهما إن كان مخلصا من كثرة الثقل ولم يوقع في محذور آخر كالتباس مثال بمثال ونحو ذلك، ولذلك قيل في مصدر احواوى: احويواء واحويّاء والإعلال قول سيبويه، والتصحيح قول المبرد 1123، ويمنع من الإعلال المذكور أيضا كون حرف اللين عين فعل الذي يلزم صوغ الوصف منه على: أفعل وفعلاء، أو عين مصدره نحو: عور اعور فهو أعور، وغيد الغلام غيدا فهو أغيد، وإنما لم تعل عين هذا النوع مع تحركها وانفتاح ما قبلها حملا على الفعل كاعورّ، فإنهما مستويان في أن لا يستغنى عنهما أو عن أحدهما أفعل الذي مؤنثه فعلاء، فأرادت العرب أن يوافقا لفظا كما يتوافقا معنى، وذلك بحمل أحدهما على الآخر، فكان حمل: فعل على: أفعل فيما يستحقه من التصحيح أولى من حمل: أفعل على: فعل فيما يستحقه من الإعلال؛ لأن التصحيح أصل والإعلال فرع، وأيضا فإن فعل لا يلزم باب أفعل، وفعلاء، وأفعل يلزمه غالبا، فكان الذي يلزم المعنى الجامع بينهما أولى بأن يجعل أصلا ويحمل الآخر عليه، وأيضا فإن إعلال أعور ونظائره موقع في التباس 1124؛ لأنه متعذر إلا أن تنقل حركة عينه إلى فائه -
الجزء: 10 - الصفحة: 5138
................................
وتحذف همزة الوصل للاستغناء عنها بحركة الفاء، فيصير: اعورّ حينئذ عار مماثلا لفاعل من العر، وتصحيح عور ونظائره لا يوقع في شيء من ذلك فكان متعينا، وأما العور ونحوه من مصادر فعل المذكور فصحح حملا على فعله، كما أعل الغار بمعنى الغيرة حملا على فعله، ومن العرب من يقول في عور: عار فمقتضى الدليل أن يكون المصدر عار، ولو قيل: إنما صحح العور حملا على الأعور لكان صوابا، ومما كف سبب الإعلال فيه بالحمل على غيره في التصحيح افتعل حملا على تفاعل نحو: اجتور القوم، فإنه بمعنى تجاوروا؛ فعوملا معاملة عور واعورّ وهذان أولى بتلك المعاملة؛ لأن تفاعل - بالدلالة على معنى لا يستغني بفاعل واحد كالتجاور - أحق من افتعل
فيجب أن يتبعه في لفظه كما يتبعه في معناه، ويدل على أصالة تفاعل في المعنى المذكور وأوّليّته به أنه لا يوجد افتعل دالّا عليه دون مشاركة تفاعل، ويوجد تفاعل دالّا عليه دون مشاركة افتعل نحو: تناظر القوم وتجادلوا وتنازعوا، وتكالموا وتبايعوا وتساءلوا وتقابلوا وتمالؤوا وتدانوا وأمثال ذلك كثير.
ويمنع أيضا من الإعلال المذكور كون حرف اللين عين فعلان كالجولان والسيلان أو عين: فعلى كالصّورى 1125 والحيدى، وإنما صحح هذان المثالان حركة عينيهما لا تكون غير فتحة إلا في الصحيح على قلة كظربان وسبعان، والفتحة لخفتها لا تعلّ ما هي فيه، وليس بلازم إلا فيما يوازن مكسورا أو مضموما كفعل فإنه يوازن فعل وفعل فأعلّ حملا عليهما، وليس لنا في المعتل العين فعلان ولا فعلان فيحمل عليه فعلان، ولا لنا فعلى ولا فعلى فيحمل عليه فعلى فوجب تصحيحهما كذلك 1126، وأيضا فإن آخر كل واحد منهما زيادة توجب مباينة أمثلة الفعل فصححا تنبيها على أصالة الفعل في الإعلال، وإن الاسم إذا باينه استوجب التصحيح، وإنما كان الفعل أصلا في الإعلال؛ لأنه فرع، والإعلال حكم فرعي فهو به أحق، ولأن الفعل مستثقل والإعلال تخفيف، فاستدعاؤه له أشد، وأيضا فإن جولانا ونحوه لو أعل لالتبس بفاعال كساباط وخاتام فصحح فرارا من اللبس، وقد شذ إعلال فعلان علما -
الجزء: 10 - الصفحة: 5139
................................
كماهان 1127، وإن باين الفعل كشذوذ التصحيح في ما وازن الفعل كمبين، ومباينة فعلول ونحوه: أشد من مباينة فعلان وفعلى فتصحيح عينه أيضا متعين نحو: قولول وهو مثال قربوس من القول، وقد صححوا العين المفتوحة مع انتفاء المواقع المذكورة كقود وعين وخونة وحوكة تنبيها على الأصل المتروك فيما جرى على القياس كمال وماء، وإشعارا بأن الفتحة إنما أعل ما هي فيه حملا على المكسور والمضموم وربما جاء ذلك في المكسور حملا على المفتوح كشول وهو الخفيف في قضاء الحاجة 1128، وأندر من هذا كله قولهم: عفوة في جمع عفو وهو الجحش، و: أوو في جمع أوّة وهو الداهية من الرجال حكاهما الأزهري، الأول عن أبي زيد الأنصاري والثاني عن أبي عمرو الشيباني 1129، هذا آخر كلامه في إيجاز التعريف وهو كما قال أبو تمام:
4314 - يستنبط الرّوح اللّطيف نسيمه... أرجا ويوكل بالضّمير ويشرب 1130
فسبحان من الفضل بيده يؤتيه من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولنرجع إلى ألفاظ الكتاب - أعني التسهيل -، وقد
عرفت أنه ابتدأ بالكلام على اللام فقوله: تبدل الألف إشارة إلى الذي يؤول إليه حال الواو والياء المقيدين بما ذكر بعد الإبدال وهو الألف وقوله: بعد فتحة احترازا من أن تكون الواو والياء بعد غير فتحة وذلك الغير إما سكون نحو: غزو ورمي، وإما كسر، وحكم الياء والواو الواقعتين بعد كسرة قد علم مما تقدم، وكذا حكمها بعد ضمة، وقوله: متصلة احترازا من نحو: أن ولدك [6/ 181] يقظ، وكذا من نحو: حضر ياسر، ويذهب واقد، والمثال المتقدم للمصنف كما عرفت فدل على أن المراد بقوله: متصلة، أن تكون الفتحة في الكلمة التي فيها الحرف الذي يقصد إبداله وهو الواو والياء.
وقد قال الشيخ: إن الاحتراز -
الحديث: 4314 - الجزء: 10 - الصفحة: 5140
................................
بقوله: متصلة، من مثل أي وواو قال: فإنهما لم يتصلا بالفتحة؛ إذ حجز بينهما الألف 1131، وأما قوله: اتصالا أصليّا؛ فقال الشيخ: إنه احتراز من أن يكون اتصال الفتحة اتصالا عارضا، قال: وذلك أن تبني مثل (عكمسي) 1132 من: الغزو والرمي، فتقول: غزو، ورمي، والأصل: غزوو و: رميي.
قال: فهذه لام تحركت في الأصل بعد فتحة متصلة لكن هذا الاتصال عارض ليس باتصال أصلي؛ لأن أصله: غزاوو ورمايي؛ لأن عكمسا أصله: عكامس.
هذا كلام الشيخ 1133، فإن صحّ التمثيل بذلك لهذه المسألة وكان الحكم فيما ذكره كما أشار إليه، فيكون هذا القيد - أعني قوله: اتصالا أصليّا - قيدا زائدا على القيود التي تقدم لنا ذكرها، على أنه لم يتعرض إلى ذلك في شيء من كتبه، وأما قوله: إنه احترز بقوله: متصلة من مثل: آي وواو - فقد عرفت ما فيه، وهو أنه حمل كلام المصنف على غير مراده، على أنه قد يقال: إنه مثل: آي وواو، خرج بقوله: بعد فتحة، فإن الظاهر أن المراد بالتعدية هناك: أن تكون الفتحة متلوة بالحرف، لا أنه يكون مذكورا بعد الفتحة في الجملة، وقوله: من كل واو أو ياء تحركت، احتراز
من نحو: غزوت ورميت وغزونا ورمينا ويخشين، ومثل الشيخ لذلك بأن تبني من غزو ورمي مثال:
قمطر، فيقال: غزوّ ورميّ من غير إبدال.
وقوله: في الأصل؛ قال الشيخ: هو احتراز من أن تكون ساكنة في الأصل نحو: يرعوي ويرميي فهذه ياء وواو متحركتان، لكن حركتهما عارضة إذ أصلهما السكون؛ لأن مثالهما من الصحيح:
يحمرّ، مضارع: احمرّ ووزنه: افعلّ، وإنما لم يأت مدغما وجاء مفكوكا، فأعلت واوه الثانية لعلة ذكرها النحويون في غير هذا المكان 1134. انتهى.
يعني أن: ارعوى أصله: ارعوو وكذا يرميي.
والظاهر أن الموجب لعدم إعلال الواو في يرعوي، إنما هو صحتها في: ارعوى، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5141
................................
والموجب لصحتها في: ارعوى أنها لو أعلت فيه لزم توالي إعلالين متفقين في كلمة وكذا القول في: يرم سواء، وإذا كان كذلك لا يحسن التمثيل به لما مثله الشيخ، والظاهر أن قول المصنف: في الأصل بمفرده وليس احترازا من شيء بل هو تتمة قوله: تحركت أي: تحركت في الأصل يعني أن تكون الواو والياء متحركة في الأصل أي: قبل قلبها ألفا، وقد تقدم ما نقلناه عنه من إيجاز التعريف، وهو قوله:
انفتح ما قبل الواو والياء وتحركتا في الأصل قلبتا ألفين ولو سكنتا في الأصل لصحتا كما صحتا في سيف وجوف فمثّل لما سكن في الأصل بسيف وجوف؛ فدلّ على أن قوله: في الأصل بمفرده ليس احترازا، وأنه من تتمة قوله: تحركت، وقوله:
وهي لام أي: والواو والياء لام الكلمة، وقد عرفت أن كلامه الآن إنما هو في إعلال اللام وذلك نحو: رمى وغزا ورحى وعصا، وقوله: بإزاء لام، مثاله أن تبني من الرمي والغزو مثل: درهم؛ فإنك تقول فيه: رميي وغزوو، فتبدل من الياء والواو ألفا؛ لأنهما بإزاء لام الكلمة وزيدا للإلحاق وفيهما الشروط كلها 1135 وهما بإزاء لام الكلمة؛ لأن
الياء والواو اللتين قبلهما هما لام الكلمة، فعلى هذا يقال فيهما بعد الإبدال: رميا وغزوا، وأصلهما: رميي وغزوو، وقوله: غير متلوة بألف ولا ياء مدغمة في مثلها يشير به إلى أن من شرط الإعلال أن لا يليها ساكن نحو: رمى وغزا ورحى وعصا، أو يليها ساكن غير ألف وغير ياء مدغمة في مثلها نحو:
اخشوا واخشون، واخشي واخشين، فإن وليها ساكن هو ألف أو ياء مدغمة في مثلها وجب التصحيح كغزوا ورميا وعصوان ورحيان وعصوي ومقتوي وهو الخادم، منسوب إلى مقتي، وهو مفعل من القتو وهو خدمة الملوك.
وقد تبين أنه زاد على الشروط التي ذكرها في إيجاز التعريف شرطين، وهما كون الاتصال أصليّا - أعني اتصال الياء والواو بالفتحة التي قبله - وكون تحريك الياء أو الواو في الأصل، لكن قد علمت ما في هذا الثاني، فإن صح فالزائد شرطان، وإلا فشرط واحد، وأما قوله: فإن كانت مضمومة أو مكسورة وتلتها مدة مجانسة لحركتها قلبت ثم حذفت، فاعلم أنه لما علم في اشتراطه في إعلال الواو والياء التي هي لام كونها غير -
الجزء: 10 - الصفحة: 5142
................................
متلوة بألف ولا ياء مدغمة - أن اللام التي هي ياء أو واو قبلها فتحة تعل الإعلال المذكور إن لم يلها ألف ولا ياء مدغمة؛ وذلك بأن لا يليها ساكن أصلا نحو: رمى وغزا في رمي وغزو ورحى وعصا في رحي وعصو أو يليها ساكن غير ألف وغير ياء مدغمة في مثلها نحو: اخشوا واخشون، واخشي واخشين، ولا شك أن القسمين فيهما الإبدال - أعني إبدال حرف العلة ألفا لكن أحد القسمين وهو الذي بعد لامه ساكن فيه حذف بعد الإبدال فلما فهم الإبدال خاصة من قوله: غير متلوة بألف ولا ياء مدغمة أراد أن ينبّه على الحذف، لكن لو اقتصر على ذكره لتوهم أن اللام تحذف ابتداء من غير قلب فاحتاج أن يذكرهما، ولهذا قال: قلبت ثم حذفت وهذا الحكم هو الذي (عبر عنه في إيجاز التعريف) 1136 بما تقدم نقلنا له وهو قوله: فلو كانت الواو والياء لاما مضمومة أو مكسورة قبل واو أو ياء ساكنة مفردة حذفت بعد قلبها ألفا، وعبارة التسهيل أحسن وأرشد ولا أدري لأي شيء عدل عن أن يقول:
فإن كانت متلوة بواو ساكنة أو ياء كذلك قلبت ثم حذفت، وكانت هذه العبارة أخصر مما قاله.
ثم إن هذا الكلام ينتظم مع ما قبله؛ لأنه يكون قد قابل قوله: غير متلوة، بقوله: متلوة.
وبعد فالأمر في ذلك قريب ثم إنك قد عرفت أن المصنف مثل لذلك في إيجاز التعريف بقوله: جاءني الأعلون ورأيت الأعلين، وتقدم التمثيل منا لذلك أيضا بنحو: اخشوا واخشون واخشي، واخشين، ومثّل الشيخ لذلك بنحو فتى [6/ 182] وعصا مسمى بهما.
قال: فيقول: قام
فتون، ورأيت فتين، وقام عصون ورأيت عصين 1137. وأما قوله: ولا تصحح لكون ما هي فيه واحدا خلافا لبعضهم، هو إشارة إلى المسألة التي تقدم نقلها عنه من إيجاز التعريف وهي قوله بعد ذكر الأعلون والأعلين: وكذلك ما أشبه هذا الجمع في كون لامه ياء أو واوا غير مفتوحة بعد فتحة وقبل واو ساكنة كبناء مثل: عنكبوت من رمي، فإن أصله:
رمييوت مثل أعليون، فتقلب الياء الثانية ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم تحذف لملاقاة الواو بعدها فتصير: رميوتا إلى آخر كلامه، ولكنه لم يتعرض هناك إلى ذكر خلاف في المسألة، وقد قال هنا: خلافا لبعضهم.
الجزء: 10 - الصفحة: 5143
[إبدال الواو والياء ألفا وهما عينان]
قال ابن مالك: (وتعلّ العين بعد الفتحة بالإعلال المذكور إن لم يسكّن ما بعدها، أو يعلّ أو تكن هي بدلا من حرف لا يعلّ أو يكن ما هي فيه فعلا واويّا على افتعل بمعنى تفاعل أو فعل بمعنى افعلّ مطلقا أو متصرّفا منهما، أو اسما ختم بزيادة تخرجه عن صورة فعل خال من علامة تثنية أو موصول بها وقد يعلّ فعل المذكور).
قال ناظر الجيش: تقدم لنا أن العين إذا كانت واوا أو ياء تستحق هذا الإعلال أعني الإبدال ألفا، وأن ذلك مشروط بأمور خمسة: حركة كل من الواو والياء وفتح ما قبلهما في كلمتيهما، وكون الفتحة أصلية لا عارضة، وكون الحرف المفتوح قبلهما في كلمتيهما، وأن لا يسكن ما بعدهما، وتقدم أيضا أن هذه الأمور المشروطة قد توجد ويتخلف الحكم الذي هو الإبدال لمانع، وأن الموانع خمسة: أن تكون الكلمة قد استحق فيها إعلال اللام كما استحق إعلال العين، والقاعدة أن اللام التي تعل إذ ذاك، وأن تكون الياء أو الواو عينا لفعل الذي الوصف منه على أفعل، وأن تكون الياء أو الواو عينا لمصدر هذا الفعل، وأن تكون الواو عينا من افتعل الدال على معنى التفاعل وأن تكون الياء أو الواو عينا لكلمة في آخرها زيادة تخص الأسماء، فأما الأمور المشروطة فقد تضمن كلام المصنف ثلاثة منها، وهي فتح ما قبل الحرف الذي يقصد إبداله واتصال الفتحة بما يليها؛ لأن اللام في قوله:
بعد الفتحة للعهد، والفتحة المعهود إليها مقيدة بكونها متصلة، فصار الاتصال مذكورا - أيضا - وأما الأمر الثالث فأشار إليه بقوله: إن لم يسكن ما بعدها.
والأمران الآخران لم يذكرهما وهما تحرك حرف العلة المستحق للإبدال، ولا بد منه لأن مثل: سيف وجوف لا يعل وكون الحركة التي تحرك بها الحرف المذكور أصلية لا عارضة ولا بد من ذلك؛ لأن مثل: جيل وتوم مخففي جيأل 1138 وتؤم - لا يعل.
وأما الأمور المانعة فقد ذكرها خمسة لكنه نقص من الذي ذكرناه أمرا، وذكر هو -
الجزء: 10 - الصفحة: 5144
................................ أمرا آخر لم نذكره نحن وسنبين ذلك عند شرح كلامه، رجعنا إلى ألفاظ الكتاب وتطبيقها تفصيلا على ما ذكرناه مجملا، قوله: وتعل العين ظاهر؛ لأن كلامه الذي قبل هذا إنما هو في إعلال اللام وكان الواجب أن يقول: المتحركة بحركة أصلية لما عرفت وقوله: بعد الفتحة أي: المتصلة بما يليها لما عرفت أن اللام فيها للعهد، والمتقدمة مقيدة بذلك. وقوله: بالإعلال المذكور أي: بإبدال الألف منها واوا كانت أو ياء. وقوله: إن لم يسكن ما بعدها قد عرفت أنه من جملة الأمور المشترطة لهذا الإعلال، ولا يخفى أمثلة ذلك مع أنه قد تقدم ذكرها، أعني ذكر ما اجتمعت فيه الأمور المشروطة؛ فاستحق الإعلال، وذكر ما لم يجتمع فيه؛ فاستحق التصحيح، ثم شرع في ذكر الموانع من قوله: أو يعل، ولكنه أتى بها معطوفة على قوله: إن لم يسكن ما بعدها وقد عرفت أن ذلك شرط، وحاصله: أنه جعل انتفاء الموانع مشروطا وهو الصحيح، ولكن الأولى إفراد الموانع عن الشروط وقد عرفت من كلامه الذي نقلناه عنه من إيجاز التعريف أنه أورد الشروط في فصل، وأورد الموانع في فصل، فكان ذلك أحسن من كلامه في التسهيل فقوله: أو يعل هذا المانع الأول ومعناه أو يعل ما بعدها أي: ما بعد العين وهو اللام، وقد تقدم أن إعلال العين واللام إذا استحق كل منهما وجب إعلال اللام وكان مانعا من إعلال العين وتقدم تمثيل ذلك بنحو: الهواء والحياء، وتقدم ذكر الموجب لإعلال اللام وتصحيح العين فلا حاجة إلى إعادته وقوله: أو تكن هي بدلا من حرف لا يعل هذا مانع ثان وهو المانع الذي قلنا: إنه ذكره في التسهيل، وذكره في شرح الكافية أيضا، ومثل لذلك بقولهم: شيرة في شجرة فلا تعلّ هذه الياء؛ لأنها بدل من حرف لا يعلّ 1139، وأنشدوا: 4315 - إذا لم يكن فيكنّ ظلّ ولا ندى... فأبعدكنّ الله من شيرات 1140
الحديث: 4315 - الجزء: 10 - الصفحة: 5145
................................
والظاهر أن الاحتراز عن ذلك غير محتاج إليه، فإن القصد إنما هو إلى إبدال الياء من الجيم لغرض ما، ولا بدّ من بقاء الحرف المبدل ليكون دليلا على الإبدال وعلى الحرف الذي أبدل منه، وإذا كان كذلك امتنع من ذلك أن تبدل للحرف المبدل حرفا آخر، لا سيما والبدل غير لازم في هذه الكلمة - أعني إبدال الياء من الجيم - فكأن الجيم موجودة، قوله: أو يكن ما هي فيه فعلا واويّا على افتعل بمعنى تفاعل، هذا المانع الثالث وقد تقدّم تمثيله باجتور القوم بمعنى: تجاوروا، وتقدم تعليله، واحترز بالواوي من اليائي، فإن اليائي العين يعل نحو: امتازوا وابتاعوا واستافوا، أي: تضاربوا بالسيوف، وإنما أعل ذلك؛ لأن الياء أشبه بالألف من الواو فناسب إعلالها دونها، ومثل: اجتوروا ازدوجوا 1141 واعتونوا واعتوروا فإنها في معنى تزاوجوا وتعاونوا وتعاوروا، فلو لم يكن افتعل بمعنى تفاعل وهو من ذوات الواو نحو: اختان بمعنى خان، واختار بمعنى خار، وكذا اعتاد وارتاب، وقوله: أو فعل بمعنى افعل مطلقا هذا المانع الرابع، وقد تقدم الكلام عليه أيضا.
وإنما قال: مطلقا؛ ليشمل الواوي نحو: عور وحول وسود، واليائي نحو: صيد وبيض، وصحت العين في هذه الأمثلة لصحتها في اعور واحول واسود واصيد وابيض، ولو لم يقل:
مطلقا لتوهم أن المراد فعل الواوي؛ لأن المعطوف عليه مقيد بكونه واويّا، وقوله:
أو متصرفا منهما، أراد به التصرف من افتعل وفعل المذكورين نحو: مجتور وعور ونحوهما 1142، وهذا ليس مانعا أصلا بنفسه بل هو فرع حكم له بحكم أصله، والحق أن ذلك لا يحتاج إليه؛ لأن القاعدة التصريفية أن المتصرف من الصحيح صحيح، ومن المعتل معتل، فقوله: أو متصرفا [6/ 183] منهما مستغنى عنه؛ لما قلناه وقد تقدم القول بأن المصنف نقص في هذا الكتاب مانعا من الموانع المذكورة هنا - - الكلمة بدلا من حرف لا يعل هو الجيم فلا تعل الياء مع أنها استوفت شروط الإعلال.
وانظر: أمالي القالي (2/ 214) شرح شواهد شروح الألفية للعيني (4/ 589) والمزهر (ص 146) والتذييل (6/ 174 أ) والمساعد (4/ 164).
الجزء: 10 - الصفحة: 5146
................................
فلم يذكره، وهو مصدر فعل بمعنى افعلّ الذي ذكر آنفا كعور وحول وهيف وعين، فالواجب أنه كان يقول: أو فعل بمعنى افعلّ أو مصدره، ويكون هو المانع الخامس على عده ما ذكره ثانيا مانعا وهو الرابع على ما عددناه نحن.
وقوله: واسما ختم بزيادة تخرجه عن صورة فعل خال من علامة تثنية أو موصول بها، هذا والمانع الخامس، وقد تقدمت الإشارة إليه ونحن نعيد الكلام فيه فنقول: الأصل المعروف أن الكلمة إذا كان في آخرها زيادة تخص الأسماء وكانت عينها حرف علّة يلي فتحة فإن عينها لا تعل؛ لأن الكلمة بتلك الزيادة يبعد شبهها بما هو الأصل في الإعلال وهو الفعل، وحينئذ يجب التصحيح، وذلك نحو: جولان وهيمان وصورى وحيدى.
قال المصنف في شرح الكافية: لما كان الإعلال فرعا، والفعل فرع، كان به أحق من الاسم، فلهذا إذا كان في آخر الاسم زيادة تختص بالاسم صحّحت فيه الواو والياء المتحركان المنفتح ما قبلهما كالجولان والهيمان؛ لأن هذه الزيادة مزيلة لشبه الاسم بالفعل فما جاء من هذا النوع معلّا عدّ شاذّا: كهامان وداران 1143، وأما الحوكة وشبهه فتصحيحه شاذّ باتفاق؛ لأن تاء التأنيث تلحق الفعل الماضي لفظا كما تلحق الاسم، فلا يثبت بلحاقها مباينة، ثم قال: وتصحيح واو: صوري عند المازني قياسيّ؛ لأن آخره ألف تأنيث، وهي مختصة بالأسماء، فلو بني مثلها من قول قيل على رأيه: قولى، والأخفش يرى أن تصحيحها شاذ 1144؛ لأن ألفها في اللفظ كألف فعلى إذا جعل علامة تثنية، فلو بني مثلها من: قول على رأيه لقيل: قالا جريا على القياس كما أن: قائلا لو حذي به في الجمع حذو حوكة وزنا لقيل: قالا باتفاق؛ لأن ما شذ لا يتبع في شذوذه 1145، وتقدم لنا أنه قال في إيجاز التعريف أيضا: ويمنع أيضا من الإعلال المذكور كون حرف اللين عين فعلان كالجولان والسيلان، أو عين فعلى كالصّورى والحيدى، وإنما صحح هذان
المثالان؛ -
الجزء: 10 - الصفحة: 5147
................................
لأن حركة عينهما لا تكون غير فتحة إلا في الصحيح على قلة كظربان وسبعان، والفتحة لخفتها لا يعلّ ما هي فيه وليس بلازم إلا فيما يوازن مكسورا أو مضموما كفعل فإنه يوازن فعل وفعل فأعلّ حملا عليهما، وليس لنا في المعتل العين فعلان ولا فعلان، فيحمل عليه فعلان ولا لنا فعلى ولا فعلى فيحمل عليه فعلى فوجب تصحيحهما لذلك.
وأيضا فإن آخر كل واحد منهما زيادة توجب مباينة أمثلة الفعل فصححا تنبيها على أصالة الفعل في الإعلال، وأن الاسم إذا باينه استوجب التصحيح، وإنما كان الفعل أصلا في الإعلال؛ لأنه فرع والإعلال حكم فرعي فهو به أحق إلى آخر ما ذكره مما تقدم لنا إيراده عنده وظهر من كلامه هذا أن التصحيح فيما ذكره يمكن أن يعلل بأحد الأمرين، وهي إما أن الفتحة لخفتها لا يعل ما هي فيه إلا إذا كان للكلمة موازن بكسر أو ضم بخلف الفتحة على عين الكلمة فإنهما يعلان، فيعل المفتوح العين حملا عليهما، ولم يوجد نحو الفعلان والفعلى مما هو معتل العين إلا وحركة عينه فتحة، والإعلال إنما يستحق لمثل ذلك بالحمل على نظيره وزنا مما حركة عينه كسرة أو ضمة، وليس ثم نظير فيحمل عليه، فلذلك وجب التصحيح، وهذا تعليل حسن لطيف بديع، وأما أن الاسم بهذه الزيادة باين الفعل فصحح تنبيها على أصالة الفعل في الإعلال، فإذا باينه الاسم استوجب التصحيح، وهذا هو التعليل المشهور عند أهل التحصيل إذا عرفت هذا، فقول المصنف: أو اسما ختم بزيادة تخرجه عن صورة فعل يدخل تحته نحو: الجولان والسيلان والصورى والحيدى، وأما قوله: قال: من علامة تثنية أو موصول بها - فلم يظهر لي المراد منه صريحا وأشكل عليّ فهم هذا الكلام، ووقع في ذهني أن يكون مراده بقوله: خال من علامة تثنية أن يعرفنا أن الفعل الذي يخرج الاسم بالزيادة عن صورته هو الفعل الخالي من علامة التأنيث؛ لأن الفعل إذا اتصلت به ألف اثنين نحو: يضربان لا يخرج الاسم بزيادة الألف والنون عن صورته، فلو لم يقيّد الفعل بقوله: خال من علامة تثنية لقيل: إن نحو الجولان والهيمان لم يخرجا بالزيادة عن صورة فعل، لكن يدفع كون هذا مراده قوله: أو موصول بها فإنه سوّى بين الخالي منها والموصول بها، وقال الشيخ في شرح هذا الموضع: قوله: أو اسما ختم
بزيادة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5148
................................
تخرجه عن صورة فعل خال من علامة تثنية أو موصول بها مثال ذلك: جولان وسيلان، فهذان قد ختما بزيادة وهي الألف والنون وأخرجتهما عن صورة فعل موصوف بما ذكر، ومثال ما ختم بزيادة ولم تخرجه عن صورة فعل إلى آخره: قالة وحاكة ونحوهما.
فهذه ختمت بتاء التأنيث وهي زيادة لم يخرج بها الاسم عن صورة فعل خال من علامة تثنية؛ لأن تاء التأنيث لحقت الاسم كما لحقت الفعل في:
باعت وقالت، والألف والنون لا تلحقان الفعل بحال فافترقا ومثال ما ختم بزيادة ولم تخرجه عن صورة فعل موصول بعلامة تثنية، أن تبني من القول والبيع اسما على وزن فعلى فتقول: قالى وباعى، فتعل ولا تصحح حملا على: صورى وحيدى؛ لأن هذا التصحيح عند المصنف شاذ، وإنما يجري على المقيس لا على الشاذ، وإنما أعل لأن الألف في آخره في اللفظ كألف: فعلا إذا جعلت الألف علامة تثنية، كما لو قيل:
ابن من النوس اسما جمعا على مثل: حوكة وزنا لقلت: ناسة باتفاق، ولا تقول:
نوسة؛ لأن: حوكة شاذ ولا يتبع في شذوذه 1146. انتهى.
وقوله: لأن الألف في آخره في اللفظ كألف فعلا إلى آخره هو كلام المصنف بعينه في شرح الكافية وقد ذكرناه قبل.
وقد اضطرب عليّ كلام المصنف في هذا الموضع ولم يتضح لي من كلام الشيخ ما أعتمد عليه، وهذا إما لقصور مني عن إدراكه، وإما لخلل.
فسبحان من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ولا شك أن المسألة في نفسها واضحة وقد تقرر حكمها وتبين فيما تقدم.
وقال سيبويه: هذه العين أقوى من اللام، ولذلك قد يعتل لاما ما لا يعتل عينا كالواو المشددة المخففة بعد الضمة، ولما كانت اللام تصح في: النزوان والعليان كانت العين أولى بالتصحيح 1147. قال الشيخ: وزعم أبو العباس: أن القياس الإعلال، وعلى [6/ 184] الإعلال جاء داران وهامان، وزعم سيبويه أن الإعلال ليس بمطرد، ونقله المصنف عن المازني 1148، ومذهب سيبويه والمازني هو الصحيح؛ لأنه الأكثر في كلام العرب 1149، أعني صحة الواو والياء -
الجزء: 10 - الصفحة: 5149
[حكم إعلال صورى وروح وحول]
قال ابن مالك: (وتصحيح نحو: صورى شاذّ لا يقاس عليه وفاقا لأبي الحسن، وشذّ نحو: روح وغيب وحول وهيؤ وعفوة وأوو كما شذّ إعلال ما ولي فتحة ممّا لا حظّ له في حركة كآية في أسهل الوجوه).
لا إعلالهما، ألا ترى أن مجيء ذلك في المصادر كثيرا، وذلك أن هذه الأسماء خرجت بالألف والنون عن بناء الفعل 1150. انتهى.
والذي نقله المصنف عن المازني إنما هو تصحيح ما ختم بألف التأنيث نحو: صورى لا ما ختم بالألف والنون، ومقتضى كلام الشيخ أن الذي نقله المصنف عن المازني، إنما هو تصحيح ما ختم بالألف والنون، وليس كذلك فإن المصنف صرح بقوله: وتصحيح واو صورى عن المازني قياسي.
ثم إنه قابل قوله: يقول الأخفش: إنه يرى التصحيح شاذّا، والأخفش لا يرى التصحيح في نحو: الجولان والهيمان شاذّا إنما يراه في نحو:
الصورى 1151. وأما قول المصنف: وقد يعل فعل المذكور فإشارة منه إلى أن فعل بمعنى أفعل الذي قدم أن حكمه التصحيح أن يعل فيقال: عارت عينه تعار في عورت، وعلته قول الشاعر:
4316 - تسائل بابن أحمر من رآه... أعارت عينه أم لم تعارا 1152
ولو أتيت بأفعل من عار هذه لقلت: أعار الله عين زيد.
قال ناظر الجيش: أما قوله: وتصحيح نحو: صورى شاذ لا يقاس عليه فهو -
الحديث: 4316 - الجزء: 10 - الصفحة: 5150
................................
مخالف لما ذكره في إيجاز التعريف؛ لأنه هناك جزم بأن حكم الصورى والحيدى التصحيح كالجولان والهيمان، وقد ذكر في شرح الكافية كما عرفت أن الأخفش غالب في ذلك ولم يختر فيه شيئا 1153 ولكنه هنا - أعني في التسهيل - اختار مذهب الأخفش، فحكم بأن التصحيح شاذ، وقد اعتل هو لمذهب الأخفش بما سبق نقله من شرح الكافية، وهو أن ألفها في اللفظ كألف فعلا إذا جعل علامة تثنية، وأما قوله: وشذ نحو: روح وغيب، فظاهر فيهما وجه الشذوذ؛ لأن شروط الإعلال موجودة، والموانع منتفية ومع ذلك صححا، ونظيرهما في شذوذ التصحيح: الخونة والحوكة 1154 وقياسهما: الخانة والحاكة، كالشاذة والقادة 1155، وأما قوله: وحول، فهو أيضا شاذ لما ذكرنا والقياس فيه: حال، ونظيره في الشذوذ: شول في قولهم:
رجل شول - وهو الخفيف في قضاء الحاجة - أجري حرف العلة المكسور كالمفتوح فصحح شذوذا كما صحح روحا، قال الشيخ: وقد جاء من ذلك أفعال على وزن فعل شذ تصحيحها، قالوا: صوف الكبش، و: سوقت المرأة و: خوف الرجل وفوق السهم، وأما قولهم: وهيوء فإشارة إلى أن التصحيح كما شذ في الأسماء التي ذكرها شذ في الفعل فهيوء، مثل: طال، أصله: طول بدليل قولهم: طويل، كما قالوا: قصر فهو قصير، فكان قياس: هيوء أن يقال فيه: هاء كما قالوا:
طال، ولكنهم شذوا فيه فصححوا عينه 1156، وأما قوله: وعفوة وأوو فإشارة إلى أن التصحيح فيها شاذ، ولكن الواو التي صحت فيهما هي لام الكلمة لا عينها، فلو قدم ذكرهما على روح وما بعده لكان أولى؛ لأنه إنما بدأ في الفصل بذكر إعلال اللام، ثم ثني بإعلال العين فينبغي أن يذكر الشاذ منهما على ترتيبهما.
والعفوة جمع عفو - وهو الجحش - وقد كان قياسه أن يقال: عفاة، كما قالوا: قناة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5151
................................
والأووة جمع أوّة 1157 وهي الداهية وكان قياسه أوى كعرى في جمع: عروة، وأما قوله: كما شذ إعلال ما ولي فتحة مما لا حظّ له في حركة كآية فتنظير لما صحح وكان حقه أن يعل، بما أعل وكان حقه أن يصحح، وقوله: كآية يفيد أن لآية في الإعلال نظائر وهي: صامة وتابة، وقد تقدم البيت الذي أنشده ابن برهان كما ذكر المصنف في إيجاز التعريف:
4317 - تبت إليك فتقبّل تابتي... وصمت ربّي فتقبّل صامتي 1158
وقالوا أيضا في دويبّة: دوابّة 1159 وأفاد المصنف بقوله: في أسهل الوجوه، أن في آية وجوها وحينئذ يتعين ذكرها ليتبين أن الذي ذكره أسهلها، والوجوه التي فيها أقوال للنحاة، والمشهور منها ثلاثة أقوال: قول الفراء، وقول الخليل، وقول الكسائي 1160.
فأما الفراء فيقول: وزنها فعلة بسكون العين، فقلبت الياء ألفا تخفيفا، قال: وإذا كانوا يفعلون ذلك بالياء وحدها في نحو: عيب وعاب وديم ودام، فالأحرى أن يفعلوا ذلك إذا انضاف إلى الياء ياء أخرى، وهذا الذي ذهب إليه الفراء هو الذي اختاره المصنف، وأشار إليه بأنه أسهل الوجوه، ومن ثم أورد آية في هذا الفصل من حيث إن عينها حرف علّة ساكن وقع بعد فتحة وأعل مع ذلك شذوذا، وكان القياس تصحيحه وإنما كان أسهل الوجوه؛ لأنه ليس فيه إلّا إبدال الألف من حرف علّة ساكن، وقد وجد ذلك في غير هذه الكلمة كما سيذكر.
قال الشيخ: ويظهر أن هذا القول حسن، قال: وقد ذكر سيبويه هذا المذهب بعد ذكره مذهب الخليل، فقال: وقال غيره - يعني غير الخليل -: أصله: أيّة فعلة، فقلبت الياء ألفا كراهة التضعيف.
وأما الخليل فيقول: إن وزنها فعلة بتحريك العين 1161، والأصل أيية فكل من العين واللام قد وجد فيه سبب الإعلال، والقاعدة فيما كان كذلك أن تعلّ اللام ولا تعل -
الحديث: 4317 - الجزء: 10 - الصفحة: 5152
................................
العين؛ فكان القياس في إعلالها أن يقال: أياة بصحة العين وإعلال اللام، فعكس العمل بأن أعلوا العين وصحّحوا اللام شذوذا 1162، ومن ثم تورد هذه الكلمة في هذا الفصل أيضا، لكن مع: غاية وطاية وثاية وراية من حيث إن العينات فيها أعلّت دون اللامات منها مع استحقاقها الإعلال، ورجح هذا القول - أعني قول الخليل - من جهة أن ليس فيه إلا تغيير مكان الإعلال مع أن الإعلال الذي حصل جاء على القياس.
وأما الكسائي فيقول: إن وزنها فاعلة.
وأصل الكلمة آيية فحذفت عين الكلمة استثقالا لليائين والكسرة في الأولى منهما، وقد حذفوها وحدها في: بالة وأصلها:
بالية 1163، قلت: وعلى قول الكسائي: لا إيراد لهذه الكلمة في هذا الفصل، بل ولا في فصل من فصول الإبدال، إنما تورد في فصول الحذف، وكأن الكسائي رأي أنّ الحذف أسهل من الإبدال بغير سبب كما يقول الفراء، ومن القول بحصول إعلال في غير موضعه؛ لأنه غير مستحق كما يقول الخليل وقد ذكر الشيخ أن في آية ثلاثة أقوال أخر، فقيل: إن وزنها فعلة بضم العين على وزت سمرة، وأصلها:
أيية، تحركت الياء الأولى وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وصحت الياء التي هي لام [6/ 185] لعدم الموجب لإعلالها.
ورد هذا القول بأن كل اسم آخره ياء قبلها ضمة تقلب تلك الضمة كسرة نحو: تقصّ وترام، وقيل: إن وزنها: فعلة بكسر العين كنبقة تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا.
ورد هذا القول بأن هذا إنما جاء فيه الإدغام والإظهار كالفعل نحو: رجل حيّ وحييّ، وغيّ وغييّ، وقيل: إن أصلها: أياة كحياة ونواة، فقلبت بأن جعلت اللام موضع العين، والقلب كثير في لسانهم 1164. وهذه الأقوال الثلاثة إنما قيلت؛ فرارا من الذي يلزم على كل من الأقوال الثلاثة السابقة.
وقد ردّ ابن عصفور قول الفراء بما لا يظهر، ونازعه ابن الضائع فيما ردّ به، وكذلك رد قول الكسائي أيضا ونازعه ابن الضائع أيضا، ذكر ابن عصفور ذلك في الممتع له، وجعل ابن الضائع معه ذكره الشيخ في شرحه 1165.
الجزء: 10 - الصفحة: 5153
[حكم إبدال الواو الساكنة والياء الساكنة بعد فتحة]
قال ابن مالك: (واطّرد ذلك في نحو: يوتعد وييتسر عند بعض الحجازيّين وفي نحو: أولاد من جمع ما فاؤه واو عند تميم، وفتح ما قبل الياء الكائنة لاما مكسورا ما قبلها وجعلها ألفا لغة طائيّة).
قال ناظر الجيش: الإشارة بذلك إلى إبدال الواو الساكنة، والياء الساكنة بعد فتحة ألفا كما فعل في آية على مختاره فيها، وذكر أن ذلك يطرد عند بعض الحجازيين في موضع، ويطرد عند تميم في موضع، أما الذي يطرد عند بعض الحجازيين، فاعلم أن القاعدة أن فاء الافتعال وفروعه من الأفعال وأسماء الفاعلين والمفعولين إذا كانت واوا أو ياء تبدل تاء نحو: اتعد يتعد فهو متعد اتعادا، واتّسر يتّسر فهو متّسر اتسارا، هذا هو المشهور وعليه أكثر اللغات 1166، ومنهم من لا يبدل التاء منهما، ثم يعاملهما بما يستحقانه، فإن وليهما ضمة أقرت الواو بحالها وأبدلت الياء واوا نحو: موتعد وموتسر، وإن وليا كسرة أقرت بحالها وأبدلت الواو ياء نحو: ايتسر وايتعد، وإن وليا فتحة وجب قلبها ألفا نحو: ياتعد وياتسر 1167، وذلك كما أن فاء الكلمة تكون على حساب الضمة واوا، وعلى حسب الكسرة ياء، كذلك كانت على حسب الفتحة ألفا إجراء للفتحة مجرى الضمة والكسرة، ويقال: إن هذه لغة الشافعي رضي الله عنه 1168، وأما الذي يطّرد في لغة تميم فهو ما كان جمعا على أفعال مما فاؤه واو فيقولون في أولاد: آلاد، وفي أوثان: آثان، وفي أوقات:
آقات، وفي، أوغاد: آغاد 1169، ثم ذكر المصنف مسألة ثالثة ختم بها الفصل، وهي أن ما كان لامه ياء مكسورا ما قبلها، فإن لغة طيئ تصيّر تلك الكسرة فتحة، ولا بد أن تكون الياء متحركة لأنها لام، ولام الكلمة لا بد من حركتها، ويلزم من ذلك -
الجزء: 10 - الصفحة: 5154
................................ قلب الياء التي هي لام الكلمة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ويدخل تحت هذا الضابط صورتان: إحداهما: ما كان على وزن فاعلة نحو: جارية وناصية، فيقال فيهما: جاراة وناصاة 1170، وسواء أكانت اللام أصلها الياء، أم تكون واوا فانقلبت ياء لكسر ما قبلها، وسمع من كلامهم: أنا امرأة من أهل الباداة 1171، وقال الشاعر: 4318 - وما الدّنيا بباقاة لحيّ... ولا حيّ على الدّنيا بباق 1172 وقالوا في أودية جمع واد: الأوداة. وقال الشيخ: وهل يقاس عليه الأكسية والأرسية؟ فيه نظر 1173. الصورة الثانية. الفعل الماضي يقولون في بقي: بقى، وفي فني: فنى، وفي رضي: رضا وفي زهي: زها. قال الشاعر: 4319 - أفي كلّ عام مأتم تبعثونه... على محمر شوّبتموه وما رضا 1174 وقال آخر: 4320 - زها الشّوق حتّى ظلّ إنسان عينه... يفيض بمغمور من الماء متآق 1175 وقال آخر: 4321 - نعى لي أبو المقدام فاسودّ منظري... من الأرض واستكّت عليّ المسامع 1176
الحديث: 4318 - الجزء: 10 - الصفحة: 5155
................................
يريد نعي.
وحكم هذه الألف في الماضي المبني للمفعول حكم الماضي المبني للفاعل في الحذف والعود إلى الأصل، قال الشاعر:
4322 - نستوقد النّبل بالحضيض ونص... طاد نفوسا بنت على الكرم 1177
وتقول المنزلان بنا.
قال الشيخ: ولا يحفظ هذا من الأفعال إلا في الثلاثي المجرد، وطيئ لا يفعلون ذلك على سبيل الوجوب بل إنما يجوزون ذلك (وغيرهم من العرب) 1178 لا يجيزه إلا فيما كان المجموع على مثال مفاعل، كقولك في جمع مدار: مداري؛ وذلك لثقل الكسرة قبل الياء وثقل البناء مع أمنهم اللبس إذا خففوا، تقلب الكسرة فتحة والياء ألفا؛ لأنه لا يكون شيء من المجموع التي هي على مثال مفاعل أصل بنائه فتح ما قبل آخره، وليس كذلك: رام وغاز؛ لأنهما إذا فعل ذلك بهما اشتبها في اللفظ برامى وغازى 1179. واعلم أن المصنف أطلق هذه المسألة، ولم يقيد حركة الياء بأن تكون غير إعرابية؛ فيقتضي هذا أن لا فرق بينهما عنده، ويؤيد أن هذا مراده قوله في الكافية الشافية:
بنحو راضى وبنت في راضي... وبنيت لطيّئ تراضي 1180
قال الشيخ بعد أن ذكر عنه هذا البيت: وذلك خطأ لا يوجد في كلام طيئ راضى في: راضي، ولا تغاضا في تغاض 1181 واقتضى كلامه أن حركة الياء التي تقع قبلها كسرة بدلا أن تكون فتحة، وأن تكون الفتحة غير إعرابية، وعلى هذا فلا يتأتى هذا الحكم في نحو: لن يرمي ولن يستدني، ولا في نحو: رأيت القاضي والرامي، ولا شك أن هذا أمر موقوف على نقل لغة هؤلاء.
وقد قال الشيخ: إن ذلك لا يوجد في كلامهم.
ولا يبعد أن الأمر كما ذكره.
الحديث: 4322 - الجزء: 10 - الصفحة: 5156
[قلب الواو والياء ألفا إذا وقعتا عينين
1182]
قال ابن مالك: (فصل: إن كانت الياء أو الواو عين فعل، لا لتعجّب ولا موافق لفعل الّذي بمعنى افعلّ ولا مصرّف منهما، أو عين اسم يوافق المضارع في وزنه الشّائع دون زيادته غير جار على فعل مصحّح أو يوافقه في زيادته، وعدد حروفه وحركاته دون وزنه أو عين مصدر على إفعال أو استفعال، ممّا اعتلّت عينه نقلت حركتها إلى السّاكن قبلها إن لم يكن حرف لين ولا همزة، ولم تعتلّ اللّام أو تضاعف، وأبدل من العين مجانس الحركة إن لم تجانسها وتحذف واو مفعول مما اعتلّت عينه، ويفعل بعينه ما ذكر، وإن كانت ياء وقيت الإبدال بجعل الضّمّة المنقولة كسرة، وتصحيحها لغة تميمية.
وربّما صحّحت الواو كمصوون، ولا يقاس على ما حفظ منه خلافا للمبرّد).
قال ناظر الجيش: اعلم أن مقصود هذا الفصل أن يذكر فيه نقل حركة الحرف المعتل الواقع عينا إلى ما قبله من ساكن وقد جعل المصنف ذلك حكما مستقلّا بنفسه؛ لذلك استأنف ذكره في فصل، وأما ابن الحاجب - رحمه الله تعالى - فإنّه وصل الكلام في ذلك بالكلام على أحكام الفصل الذي فرغ منه، وهو أنه قال: إن الواو والياء إذا كانتا عينين يقلبان ألفا إذا تحركتا ومفتوحا ما قبلهما، أو في حكمه في اسم ثلاثي أو فعل ثلاثي أو محمول عليه [6/ 186]، أو اسم محمول عليهما، فالاسم الثلاثي باب وناب والفعل الثلاثي: قام وبان 1183. وقد فتح ما قبلهما، وما في حكم المفتوح ما قبله، أقام وأبان، والمحمول على الثلاثي: مقام، والمحمول على المحمول على الثلاثي: إقامة واستقامة، ولمّا سلك هذه الطريقة احتاج أن يعتذر عن نحو: تقوم وتبيع 1184، وكونهما لم يعلّا بقلب حرف العلة فيهما ألفا، وتكلف لذلك ولا شك أن فيما سلكه قلقا، والذي فعله المصنف أولى، وإنما جعل المصنف هذا الفصل من جملة فصول الإبدال؛ لأن الإبدال لا بد منه في شيء من صور مسائله، كما في: يقيم ويخاف ويهاب، كما سيبين - إن شاء الله تعالى - -
الجزء: 10 - الصفحة: 5157
................................
وحاصل ما سيق هذا الفصل لأجله: أن عين الكلمة التي هي واو متحركة وياء متحركة تنقل حركتها إلى ما قبلها من ساكن إلا في الكلمات التي تستثنى، وإلا أن يمنع من النقل مانع، بأن يكون الساكن قبلها حرف لين أو همزة، أو تكون لام الكلمة قد أعلت أو تكون اللام مضاعفة، واعلم أنه إذا حصل النقل فتارة يبقى الحرف الذي نقلت حركته عنه بحاله، وتارة يبدل الحرف بحرف من جنس الحركة المنقولة.
قال المصنف في إيجاز التعريف: من الإعلال الواجب تحريك الفاء الساكنة بحركة العين التي هي ياء أو واو، نحو: يبيع ويقول، أصلهما: يبيع ويقول، فإن جانست الحركة العين كما اتفق في يبيع ويقول، فلا يزاد على ما فعل بهما من تحريك ما كان ساكنا وإسكان ما كان متحركا، وهو المسمى نقلا، فإن لم تكن الحركة مجانسة نقلت ووليها مجانسها بدل العين نحو: يهاب ويخاف ويقيم، أصله: يهيب ويخوف ويقوم، ففعل بهن ما ذكر، فإن كانت الحركة ضمة والعين ياء في غير مفعول أبدلت الضمة كسرة وسلمت الياء في قول الأخفش.
انتهى.
والإشارة بقوله: فإن كانت الحركة ضمة والعين ياء في غير مفعول إلى نحو: مفعلة إذا بنيت مما عينه ياء كمبيعة، فإن القياس عند سيبويه: مبيعة، وعند الأخفش:
مبوعة، ومن ثم كان مضوفة شاذّا عند سيبويه 1185 قياسا عند الأخفش 1186، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في هذا الباب، فلا حاجة إلى إعادته.
وقال في شرح الكافية الشافية: إذا كان عين فعل واوا أو ياء وقبلهما ساكن صحيح فانقل حركتها إليه، واجعلها تابعة للحركة، أي إن كانت الحركة فتحة فاقلب العين ألفا، وإن كانت كسرة والعين واو فاقلبها ياء، وإن كانت ضمة والعين واو أو كسرة والعين ياء فلا تغيرهما بأكثر من التسكين نحو: أقام وأبان و: يقيم ويبين 1187. انتهى.
وبقي من الأقسام أن تكون الحركة ضمة والعين ياء، وهو الذي ذكر في إيجاز التعريف أن فيه خلاف الأخفش مع سيبويه، وقد تقدم تمثيله؛ فإن قيل: الذي ذكره في شرح الكافية مقيّد بكونه غير فعل ولا يتصور في الفعل صيغة فعل بضم العين مما عينه ياء -
الجزء: 10 - الصفحة: 5158
................................
فيجيء له مضارع ساكن الفاء مضموم العين مع كونها ياء، والذي ذكره في إيجاز التعريف لم يقيده بفعل؛ فلهذا استوفى الأقسام كلها.
فالجواب: أن ذلك يجيء في الأفعال أيضا، لكنه إنما جاء في كلمة واحدة، وذلك أنه قد أتى في الأفعال فعل فيما عينه ياء، وهو: هيؤ، قالوا: ولم يأت على هذه الصيغة فعل متصرف غير هذا الفعل 1188، وعلى هذا فإذا أتي بمضارع الفعل المذكور فالأصل فيه أن يقال: يهيؤ، فإما أن تبدل الضمة كسرة مع نقلها إلى الساكن قبلها، فتسلم الياء، فيقال: يهيي كيبيع، وإما أن تبقى الضمة وتبدل الياء واوا فيقال: يهيو كيقوم فقد تصور في الفعل والعين فيه ياء وحركتها ضمة، وإذ قد تقرر هذا فاعلم أن هذا العمل الذي هو نقل حركة المعتل إلى ما قبله من ساكن يكون في أربعة أشياء: فعل وثلاثة أسماء؛ وهي اسم يوافق المضارع في ما سيذكر، واسم هو مصدر، واسم على صيغة مفعول، وقد أورد المصنف ذلك في هذا الكتاب بهذا الترتيب، فأشار إلى الفعل بقوله: إن كانت الياء والواو عين فعل، وعطف عليه الاسم الموافق للمضارع، والاسم الذي هو مصدر، فقال: أو عين اسم يوافق المضارع ثم قال: أو عين مصدر الاسم على إفعال أو استفعال مما اعتلت عينه، ثم أتى بجواب الشرط، فقال: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، أي: إن كانت الياء والواو عينا نقلت حركتها إلى الساكن قبلها في الثلاثة المذكورة إذا انتفت الموانع التي ستذكر، ثم إنه شرع في ذكر الموانع، فذكر هنا مانعين: الأول: أن يكون الفعل فعل تعجب نحو:
ما أطوله، وأطول به، وما أبينه، وأبين به.
والعلّة في تصحيحه حمله على نظيره من الأسماء في الوزن والدلالة على المزية، وهو أفعل التفضيل، ولأنه لا يتصرف ولا مصدر له فأشبه بجموده الاسم.
الثاني: أن يكون الفعل ما أشار إليه بقوله:
ولا موافق لفعل الذي بمعنى افعلّ، ومثّل الشيخ لذلك بعور وصيد قال: لأنهما بمعنى -
الجزء: 10 - الصفحة: 5159
................................
ما يصحح نحو: اعور واصيدّ 1189، والتمثيل مطابق لما تعطيه عبارة المصنف، لكنني لم يتضح لي كلامه، فإن العين من: عور وصيد لم يكن قبلهما ساكن فينقل حركتها إليه، ولم تكن هذه العبارة مطابقة لما سبق الكلام له من نقل حركة العين إذا كانت ياء أو واوا إلى ساكن قبلهما، والظاهر أن مراده أن يستثنى من نحو: أعوره ويعوره فإن نحو ذلك لا تقلّ فيه، ولكن هذا لا يعرف من العبارة التي ذكرها، وعلى ما قلناه كان ينبغي أن يقول: ولا المنقول بهمزة من فعل الذي بمعنى افعلّ، ويمثّل لذلك حينئذ بأعوره، فيطابق العبارة والتمثيل ما هو المقصود من هذا الفصل، وكلام المصنف في الكافية يرشد إلى ما قررته، فإنه لمّا ذكر الموانع التي تمنع هذا الإعلال الذي هو النقل قال: أو يك ممّا صححوه من فعل، وقال في شرح ذلك:
فلو كان ما فيه سبب الإعلال المذكور من تصاريف فعل المستحق للتصحيح وجب تصحيحه أيضا كيعور وأعوره الله 1190. هذا كلامه وهو مطابق للمقصود بخلاف عبارة التسهيل ولا يمكن أن يقال: إن أعور يوافق عور حتى يقول: إنه هو المراد من قوله: ولا موافق لفعل لأن أعور لا يوافق عور بحال، على أن لقائل أن يقول:
لا حاجة بالمصنف إلى استثناء ذلك؛ لأن القاعدة التصريفية أن ما يصرف مما صح صحيح، ولا شك أن اعورّ متفرع من عور، وعور يجب تصحيحه لما مرّ، فاعور واجب التصحيح - أيضا - لتصحيح أصله، وحينئذ لا يستثنى من الأفعال من هذا الإعلال إلا فعل التعجب؛ لأنه كان يستحق [6/ 187] الإعلال لإعلال ما هو متفرع عنه، وقد صحح ذلك.
أما اعورّ فغير مستحق لذلك لتصحيح أصله الذي هو: عور، وأما بقية الموانع - هذا الثقل - فقد ذكرها المصنف بعد أن أتى بجواب الشرط وهو قوله: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، وأوردها على سبيل الشروط وهي المشار إليها بقوله: إن لم يكن حرف لين ولا همزة ولم تعتل اللام أو تضاعف، وأنا أقدم الكلام عليها لتكون الموانع بجملتها قد نظمت في الذكر فأقول: الموانع التي ذكرها أربعة: الأول: أن يكون الساكن حرف لين، وذلك نحو: بايع وطاوع وقوّم وبيّن 1191، فعلم من هذا أن الساكن الذي ينقل إليه لا بد أن يكون صحيحا، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5160
................................
وإلى ذلك أشار بقوله: إن لم يكن حرف لين أي: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، إن لم يكن الساكن حرف لين، وإنما امتنع النقل في ذلك أما في نحو: بايع وطاوع فلتعذر قبول الألف الحركة، وأما في نحو: قوّم وبيّن، فلأنه لو نقلت الحركة فيه لقلبت الواو أو الياء ألفا فيلتقي ساكنان، فيلزم حذف أحدهما، وإذا حذف أدى ذلك إلى الإلباس.
الثاني: أن يكون الساكن همزة.
ومثل لذلك بقولهم: يأيس مضارع أيس 1192، وإلى ذلك أشار بقوله: ولا همزة.
قال الشيخ: فهذا لا يجوز فيه النقل والحذف بل يصح حرف العلة فيه؛ لأن قبله همزة وهي معرضة للإعلال بأن تبدل ألفا فكأنها ألف، فكما لا يجوز إعلال مثل: بايع لا يجوز إعلال ذلك 1193.
انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التعليل، ثم إن في المسألة من أصلها نظرا، وذلك أن: يأيس لا يستحق إعلالا؛ لأن المضارع تابع للماضي في الصحة والإعلال، وإذا كان الماضي الذي هو: صحيحا وجب كون المضارع صحيحا - أيضا - وعلى هذا فقد يقال: إن امتناع النقل في أيس ليس لأن الساكن الذي قبل حرف العلة همزة؛ لأن الفعل يستحق التصحيح من حيث إن الماضي قد صحح، وإذا كان كذلك لا يثبت كون الساكن همزة من جملة الموانع، ويدل على أن كون الساكن همزة لا يكون مانعا أن النقل قد حصل في يؤوب ويؤول مضارعي آب وآل.
الثالث: أن تعتل لام الكلمة وذلك نحو: أعيا وأهوى واستحى واستغوى، فلا يجوز النقل في شيء من ذلك؛ لئلا يلزم توالي إعلالين، فعلم بهذا أن شرط إعلال عين الفعل هذا الإعلال الخاص أن تكون اللام صحيحة، وإلى ذلك أشار بقوله: ولم تعتل اللام، هكذا ذكر المصنف هذه المسألة في جميع كتبه والأمر كما قال غير أن لقائل أن يقول: إنما صحت هذه الأمثلة المذكورة لصحة الثلاثي منها، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى أن يجعل إعلال اللام مانعا من إعلال العين؛ لأن الموجب لصحة العين إنما هو صحتها في الثلاثي.
الرابع: أن يضاعف لام الكلمة، وذلك نحو: اسودّ وابيضّ، واسوادّ وابياضّ 1194، وسنذكر علّة ذلك، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: -
الجزء: 10 - الصفحة: 5161
................................
أو تضاعف عطفا على تعتل في قوله: ولم تعتل اللام.
قال المصنف في إيجاز التعريف: ومن موانع هذا الإعلال اعتلال اللام وتضعيفها نحو: يقوى ويزورّ فلا بد من تصحيح هذين النوعين؛ لأن إعلال الأول يلزم منه توالي
اعتلالين على الوجه الذي لا يغتفر ولا سبيل إليه وإعلال الثاني يلزم منه التباس مثال بمثال، فإنه لو نقلت حركة العين من: ازورّ إلى فائه لانقلبت هي ألفا، فاستغني عن همزة الوصل لتحرك الزاي فقيل: زارّ، فيتوهم أنه فاعل من الزّرّ فاجتنب لذلك.
انتهى.
والعلة التي ذكرها لامتناع إعلال: اسودّ وازورّ هي بعينها العلة في امتناع إعلال: اسوادّ وابياضّ؛ لأن النقل لو حصل لانقلب حرف العلة ألفا لانفتاح ما قبله، ويجتمع حينئذ ألفان فيجتمع حذف أحدهما فيؤول وزن الكلمة إلى: ساد وباض - أيضا - فيتوهم أنه فاعل 1195 وقد أفاد كلام المصنف أولا وآخرا أن الموانع التي تمنع هذا الإعلال الذي هو النقل ستة، وفي بعضها البحث الذي تقدم ولا أعلم الموجب لتفرقة المصنف بينها في الذكر، وقد أوردها في الكافية الشافية منتظمة فقال:
لساكن صحّ انقل التّحريك من... زي لين آت عين فعل كأبن
إن لم تضاعف لامه أو تعتلل... أو تك ممّا صحّحوه من فعل
أو ما تعجّبا أفاد نحو ما... أجود كفّيه، وأجود بهما 1196
وقال في الألفية:
لساكن صحّ انقل التحريك من... ذي لين آت عين فعل كأبن
ما لم يكن فعل تعجّب ولا... كابيضّ أو أهوى بلام علّلا 1197
وأما قول المصنف: ولا مصرف منهما؛ فقال الشيخ: مثال ما صرف من فعل التعجب: أطول بزيد وأعجب به ومثال ما صرف من عور وصيد: يعور ويصيد وأعوره الله 1198. انتهى ولا نرتضي من الشيخ هذا بل ولا من المصنف، فإن فعل التعجب لا يتصرف منه شيء ولا شك أن قوله: لا لتعجب شامل لصيغتي -
الجزء: 10 - الصفحة: 5162
................................
التعجب وهما: ما أفعله وأفعل به فكيف يقال: إن أفعل به مصرف مما أفعله؟ وأما قوله: إن أعوره مصرّف من
عور فهو كلام مبني على كلامه الأول، وتمثيله بنحو:
عور وصيد لقول المصنف: ولا موافق لفعل الذي بمعنى افعل، وقد عرفت ما فيه، والحق أن لا حاجة إلى قول المصنف: ولا موافق لفعل الذي بمعنى افعلّ ولا مصرف منهما هذا آخر الكلام على الفعل، وأما الأسماء التي تعل هذا الإعلال فثلاثة كما عرفت: الأول: الاسم الذي يوافق المضارع وقد أشار إلى ذلك بقوله: أو عين اسم يوافق المضارع في وزنه الشائع دون زيادته غير جار على فعل مصحح أو يوافقه في زيادته وعدد حروفه وحركاته دون وزنه، واعلم أن الأصل المقرر في هذا الموضع أن الاسم الذي يعلّ هذا الإعلال - أعني نقل حركة عينه المعتلة إلى فائه شرط إعلاله أن يوافق ذلك الاسم الفعل المضارع في شيء ويخالفه في شيء والشيئان اللذان يعتبر فيهما الموافقة والمخالفة، هما الوزن والزيادة، أعني وزن الفعل وزيادته، فإن كانت الموافقة في الوزن وجبت المخالفة في الزيادة، وإن كانت الموافقة في الزيادة وجبت المخالفة في الوزن الأول نحو: مقام أصله مقوم وهو كيعلم في الوزن، لكن الحرف المزيد جيم، وهو لا يزاد في المضارع، واليائي نحو: تبيع وهو مثال: تحلئ من البيع 1199، وافق الفعل المضارع في الزيادة التي هي التاء، وخالفه في الوزن الذي هو:
تفعل بكسر الأول، أما إذا وافقه في الزيادة والوزن معا نحو: ابيضّ واسودّ، وخالف فيهما معا نحو: سواك ومخياط يجب التصحيح 1200 وقبل الخوض في شرح ألفاظ الكتاب أورد [6/ 188] كلام المصنف في شرح إيجاز التعريف ليستعان على حل كلامه بكلامه.
قال رحمه الله تعالى مشيرا إلى الإعلال الذي الكلام فيه الآن:
ويستحق هذا الإعلال أيضا كل اسم غير جار على فعل مصحح إن وافق الفعل في وزنه وخالفه بزيادته أو بالعكس.
فالأول نحو: مقام ومقيم ومقام أصلهن: مقوم، ومقوم، ومقوم، فهن على وزن يعلم ويعلم ويعلم، وإنما حصلت المخالفة بالمزيد قبل الفاء، وأما عكس ذلك وهو أن يوافقه في الزيادة ويخالفه في الوزن نحو أن تبني من -
الجزء: 10 - الصفحة: 5163
................................
بيع وقول مثال تحلئ، فيقال: تبيع وتقيل، وأصلهما: تبيع وتقول، ثم فعل بهما ما ذكر؛ لأنهما وافقا الفعل في الزيادة؛ لأن التاء زيادة مشتركة، وخالفاه في الوزن لأن تفعلا مفقود في الأفعال ولو بني من بيع مثال: تفعل لقيل
على مذهب سيبويه:
تبيع، وعلى مذهب الأخفش: تبوع 1201 فلو كان الاسم موافقا للفعل في زيادته ووزنه معا وجب أن يصحح ليمتاز من الفعل، فإن اسودّ - مثال - لو أعل فقيل فيه:
أساد، ظنّ أنه فعل، وذلك مأمون في نحو: مقام وتبيع فإنهما قد امتازا من الفعل بالزيادة التي لا تكون فيه وهي الميم، وبالوزن الذي لا يكون فيه وهو تفعل، فلا حاجة إلى الإخلال بالإعلال، فإن في استعماله إجراء النظائر على طريقة واحدة، فلا يعدل عنه إلا لمانع من خوف لبس أو غيره، فلو كان الاسم منقولا من فعل نحو: يزيد لم يغير عما كان عليه من الإعلال إذا كان فعلا.
انتهى.
وقد تضمن هذا الكلام شرح كلامه في التسهيل غير كلمة واحدة وهي الشائع في قوله: في وزنه الشائع يعني أن الوزن المشترط موافقة الاسم المضارع فيه شرطه أن يكون وزنا شائعا للمضارع، فإن كان ذلك الوزن غير شائع، فلا أثر لموافقة الاسم له فيه، وقد شرح الشيخ ذلك بأن قال: وقوله: في وزنه الشائع احتراز من أن يوافقه لكن لا في الوزن الشائع وذلك نحو: مغيل من أغيل، فقياس مضارع أفعل مما عينه ياء أو واو أن يعلّ، فلا يعل مغيل؛ لأنه لم يوافق وزن المضارع الشائع 1202. هذا كلامه، وهو غير واضح؛ لأن معناه أن مغيلا إنما لم يعل؛ لأنه لم يوافق المضارع في وزنه الشائع وعنى بالوزن الشائع: ما يستحقه ذلك المضارع بالقياس وإن لم يعط ما يستحقه، فالذي يستحقه المضارع من الإعلال مثلا هو الوزن الشائع، والذي أعطيه من غير استحقاق من التصحيح هو غير الشائع، وهذا الذي ذكره عجيب بعيد عن أن يكون مراد المصنف، على أن فعيلا إنما صح لصحة الفعل الجاري هو عليه والمصنف قد شرط في إعلال الاسم أن يكون غير جار على فعل مصحح، فمغيل إنما صحّ لصحة: أغيل، وكذا يغيل إنما صح لصحة ماضيه، وإذا كان المضارع تابعا الماضي في الصحة فلا يقال: إن إعلاله هو الشائع؛ بل الشائع صحته، والذي يظهر لي أن -
الجزء: 10 - الصفحة: 5164
................................
المصنف احترز بقوله: الشائع من أن يدعي مدع في تبيع وتقيل وهما مثال: تحلئ من البيع والقول أنهما يصححان ولا يعلان؛ لأنهما يوافقان المضارع في الزيادة ولا يخالفانه في الوزن.
وذلك أنهما يوافقان في الوزن: تحسب على لغة من يكسر حرف المضارعة فيقال: قد وافق الاسم المضارع في الزيادة والوزن والقاعدة أنه إذا
وافق فيهما لا يعلّ، بل لا بد من المخالفة في أحدهما، فأخرج المصنف الموافقة لنحو:
تحسب بكسر التاء بقوله: الشائع؛ لأن تفعل، وإن جاء المضارع عليه ليس وزنا شائعا له؛ لأن حرف المضارعة إنما يكسره بعض العرب بالشرط المقرر المعروف في موضعه 1203، ولكن يعكر على هذا الذي قررته شيء، وهو أن المصنف يعتذر من تصحيح نحو: مخيط، بأنه لما أشبه مخياطا لفظا ومعنى حمل عليه، ومقتضى هذا أن مخيطا عنده يستحق الإعلال، ولا شك أنه مخالف للفعل في الزيادة، وأما في الوزن فقال الإمام بدر الدين ولد المصنف: إنه يوافق تعلم في الوزن 1204. فكان يستحق الإعلال لوجود المخالفة والموافقة، وهو إنما يوافق في الوزن غير الشائع، ومع هذا اعتبر، ولو غير المصنف اعتذر عن تصحيح مخيط بهذا الاعتذار لسهل الأمر؛ فإن غير المصنف وابنه لا يقول: إن مخيطا يستحق الإعلال بل يقول مخيط لا يستحق الإعلال كما لا يستحقه مخياط، وبعد فعلى الناظر أن يحقق ما قصد المصنف الاحتراز عنه بقوله: الشائع، وأما قوله: غير جار على فعل مصحح فهو احتراز من نحو: مقاول ومبايع، فإن حرف العلة لا يعل في هذا الاسم؛ لجريانه على: قاول وبايع 1205، وأما قوله: أو يوافقه في زيادته وعدد حروفه وحركاته دون وزنه فظاهر وهو قسيم لقوله: يوافق المضارع في وزنه الشائع دون زيادته، والمراد به الحركات نوع الحركات لا جنسها كما عرفت من بناء مثل: تحلئ من البيع والقول؛ فإنك لا بد أن تقابل كسرة التاء واللام من تحلئ بكسرتين من المثال الذي يبنيه، لكن قال الشيخ: إنهم يعنون بالموافقة في الحركات جنس الحركات لا خصوصية الحركة من ضمة أو فتحة أو كسرة، وفيه نظر.
-
الجزء: 10 - الصفحة: 5165
................................
وبعد تقرير كلام المصنف في هذه المسألة فلنورد كلام غيره فيها، قال الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب رحمه الله تعالى 1206: وشرط إعلال العين في الاسم غير الثلاثي والجاري على الفعل مما لم تذكر حركة الفعل موافقا وسكونا مع مخالفة بزيادة أبنية مخصوصين به فلذلك لو بنيت من البيع مثل مضرب وتحلئ قلت: مبيع وتبيع معتلّا، ومثل تضرب قلت تبيع مصححا.
انتهى.
واحترز بغير الثلاثي من نحو ناب وباب، فإنه يعل قطعا، وإن لم يكن مشتملا على الشرط المذكور، وكذا احترز
بغير الجاري على الفعل من الجاري على الفعل فإنه يعل لجريانه على الفعل المعتل، وإن لم يكن مشتملا على الشرط المذكور أيضا.
وبقية كلامه واضح موافق لما قاله غيره.
وإنما احتاج ابن الحاجب إلى استثناء ناب وباب؛ لأنه لم يعتمد ما اعتمده المصنف من إفراد الكلام على هذه المسألة المتضمنة لنقل حركة العين المعتلة إلى ما قبلها من ساكن صحيح بل جعل القياس واحدا وهو أنه جعل الحكم الذي هو إبدال العين ألفا نحو: باع وقام - منسحبا على إبدالها في نحو: أباع وأقام، وجعل القاعدة في البابين واحدة وهي أن يكون ما قبل حرف العلة مفتوحا أو في حكمه أو محمولا على ما هو كذلك كما تقدم.
وأما المصنف فقد عرفت كيف فعل، وما قصده من التمييز بين البابين، وقال ابن عصفور 1207: وإن كان الاسم على أزيد من ثلاثة أحرف؛ فلا يخلو: إما أن يكون موافقا للفعل في وزنه، أو لا يكون؛ فإن كان موافقا للفعل في وزنه وأعني بذلك أن يكون عدد حروفه موافقا لعدد حروف الفعل، وحركاته كحركاته، وسكناته كسكناته؛ فلا يخلو من أن يكون موافقا للفعل في وزنه جنس الزيادة، أو تكون زيادته مخالفة لزيادة الفعل فإن كان موافقا للفعل في جنس الزيادة لم يعل؛ لئلا يلتبس الاسم بالفعل، وذلك نحو قولك: هذا أطول منك، ألا ترى أنك لو أعللت فقلت: أطال بلفظ الفعل، وكذا لو بنيت مثل تفعل أو تفعل من القول والبيع -
الجزء: 10 - الصفحة: 5166
................................
لقلت: تقول وتبيع، وتقول وتبيع، وكذلك أيضا لو ألحقت التاء لم يعتد بها وصححت الاسم، فكنت تقول: يقولة ويبيعة، وتقولة وتبيعة وكذلك حكم ما هو على وزن الفعل وزيادته كزيادته.
قال الشاعر:
4323 - جاؤوا بتدورة يضيء وجوهنا... دسم السّليط على فتيل ذبال 1208
فأما يزيد اسم رجل فإنما اعتل من قبل أنه كان فعلا فأعلّ لزوما، ثم نقل من الفعل فسمي به وإن كان مخالفا في جنس الزيادة، [6/ 189] فإنه يعل إعلال الفعل الذي يكون على وفقه في الحركات وعدد الحروف؛ لأنه قد أمن التباسه بالفعل، فتقول في مفعل من القول والقيام: مقال ومقام والأصل: مقول ومقوم، فأعللتهما كما أعللت: يخاف وكذلك: مفعلة من البيع تقول فيها: مبيعة، فتنقل الكسرة من حرف العلة إلى الساكن قبله، كما فعلت ذلك في
نظيره من الفعل وهو يبيع، وكذلك تقول في مفعلة من البيع على مذهب سيبويه 1209؛ لأنك إذا نقلت الضمة من الياء إلى الساكن قبلها صارت الياء الساكنة بعد ضمة قريبة من الطرف، فعلى مذهب سيبويه تقلب الضمة كسرة، لتصح الياء وعلى مذهب الأخفش تقلب الياء واوا؛ لأنه مفرد ولا تقلب الضمة عنده كسرة لتصح الياء إلا في الجمع، فتقول على مذهبه: مبوعة 1210، وتقول في مفعلة من القول: مقولة فتعلها كما تعل: يقول، وكذا تفعل بما خالفت زيادته زيادة الفعل إلا مفعلا فإنك لا تعلّه وذلك نحو: مقول ومتيح؛ وذلك لأنه مقصور من مفعال، فلم يعل كما لم يعل مفعال نحو: مقوال، كما لم يعل عور؛ لأنه في معنى اعورّ، ومما يبين أن مفعلا يمكن أن يكون مقصورا من مفعال كونهما في معنى واحد من المبالغة، تقول: رجل مطعن ومطعان إذا وصفته بكثرة الطعن، وكونهما قد يتعاقبان على معنى واحد، نحو: مفتح ومفتاح، وقد شذت ألفاظ فجاءت صحيحة وبابها أن تعتل وهي: مزيد ومريم ومكوزة -
الحديث: 4323 - الجزء: 10 - الصفحة: 5167
................................
ومقورة، حكى أبو زيد: وقع الصيد في مصيدتنا، وشراب مبولة: يبال به، وهي مطيبة للنفس، وقرأ بعض القراء 1211: (لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) 1212 وذهب أبو العباس 1213 إلى أن نحو: مقام ومباع إنما اعتل؛ لأنه مصدر لفعل أو اسم مكان، لا لأنه على وزن الفعل، وجعل مزيد ومريم ومكوزة على القياس؛ لأنها ليس لها أفعال فتحمل في الإعلال عليها إنما هي أسماء أعلام.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنه إن زعم أن الذي يعل ما هو جار على الفعل، أعني مشتقّا منه، بقياس مطرد فباطل؛ لأنهم قد أعلوا مثل معيشة وليس مفعلة مما عينه ياء مما يقال فيه باطراد، وإن زعم أن الذي يعلّ ما هو بالجملة مأخوذ من الفعل، فهذه الأسماء وإن كانت أعلاما فإنها منقولة في الأصل مما أخذ من الفعل؛ فمزيد في الأصل مصدر قد شذّ في تصحيحه وحينئذ سمي به، وكذلك مريم ومكوزة وهذا هو المذهب الصحيح في الأعلام، أعني أنها كلها منقولة سواء أعلم لها أصل نقلت منه أم لم يعلم؛ لأن الأعلام
كلها يحفظ لها في النكرات أصول نقلت منها، وما لا يحفظ له أصل منها يحمل على الأكثر فيقضى بأن له أصلا، وإن لم يحفظ.
قال أبو علي:
ومما يبين أن الإعلال قد يكون في الاسم بمجرد كونه على وزن الفعل إعلالهم نحو:
باب ودار ولا مناسبة بينه وبين الفعل أكثر من الوزن، فإذا تبين أن الوزن يوجب الإعلال وجب أن يحمل مزيد وأخواته على الشذوذ لكونها لم تعل وهي على وزن الفعل 1214. انتهى كلام ابن عصفور.
وكلامه مطابق في المعنى لكلام المصنف وكذا كلام ابن الحاجب - أيضا - ثم في كلامهم أمر ينبغي التنبيه عليه، وهو أن ابن عصفور استثنى مفعلا كما عرفت حيث قال: وكذلك يفعل بما خالفت زيادته زيادة الفعل إلا مفعلا، فإنك لا تعله، وذلك نحو: مقول؛ وذلك لأنه مقصور من مفعال؛ فلم يعل كما لم يعل مفعال كمقوال.
وقال ابن الحاجب: وصحّ مقوال ومخياط للّبس، ومقول ومخيط محذوفان منهما أو بمعناهما 1215. وقال المصنف في شرح الكافية: مفعال مستحق للتصحيح -
الجزء: 10 - الصفحة: 5168
................................
كمسواك؛ لأنّه غير موازن للفعل لأجل الألف التي قبل لامه، ومفعل شبيه به لفظا ومعنى فصحّح حملا عليه 1216. قلت: ولا شك أن مفعلا، وإن كان مخالفا للفعل في الزيادة؛ لم يوافقه في الوزن فإن أوّله مكسور، فهو مخالف للفعل في الأمرين، أعني الزيادة والوزن، وإذا كان مخالفا له فيهما استحق التصحيح، وإذا كان مستحقّا للتصحيح لم يحتج إلى أن يعتذر عن تصحيحه بأنه إنما صحّ؛ لأنه مقصور من مفعال؛ لأن مفعالا كما يستحق التصحيح لمخالفته الفعل في الزيادة والوزن يستحقه مفعل أيضا لذلك، لكن قال الإمام بدر الدين في شرح قول والده - رحمهما الله تعالى - في الألفية:
ومفعل صحّح كالمفعال
المفعال كمسواك ومخياط، ولا حظّ له في الإعلال لمخالفته الفعل في الوزن والزيادة، وحق مفعل أن يعل؛ لأنه على وزن: تعلم - يعني في لغة من يكسر حرف المضارعة - وزيادته خاصة بالأسماء، لكنه حمل على: مفعال لشبهه به لفظا ومعنى في التصحيح 1217. انتهى.
فبقول الإمام بدر الدين: لأنه على وزن تعلم، سهل الأمر، وافهم أن مخيطا لا يوافق الفعل في الوزن على الإطلاق، إنما يوافق وزنه في مكان خاص بقيد خاص، وأنه لو لم يتفق وجود هذه اللغة أعني لغة كسر أوله نحو: تعلم لم يكن نحو: مفعل مستحقّا للإعلال.
وقد نوقش بدر الدين بأنه لو صحّ ما قاله للزم ألا يعل مثال: تحلئ؛ لأنه لا يكون مشبها لتحسب في وزنه وزيادته 1218، فإن صحت هذه المناقشة وثبت هذا الإلزام (اندفع) 1219 التعليل الذي علل به، وهو قوله: وحق مفعل أن يعلّ؛ لأنه على وزن تعلم، وإذا اندفع التعليل الذي علل به تم البحث الذي تقدّم، وهو أن نحو: مخيط يستحق التصحيح لمخالفته -
الجزء: 10 - الصفحة: 5169
................................
الفعل في الزيادة والوزن، ولا يحتاج إلى الاعتذار [6/ 190] عن تصحيحه؛ لأنه لم يكن مستحقّا للإعلال، وعلى هذا يتم ما قررناه قبل: أن الشائع في قول المصنف:
أو عين اسم يوافق المضارع في وزنه الشائع، إنما يحترز به من الموافقة في الوزن غير الشائع كموافقة تحلئ لتحسب في لغة من يكسر حرف المضارعة، فإنه يعلّ مع أنه وافق الفعل في الزيادة والوزن، لكنه إنما وافق في الوزن غير الشائع، والموافقة إنما تعتبر إذا كانت في الوزن الشائع، فإذا لم يوافق في الشائع عدّ مخالفا، مع أنه موافق في الزيادة، فيكون تحلئ قد وافق في الزيادة وخالف في الوزن فاجتمع فيه الأمران، وحينئذ يستحق الإعلال كما هو مقرر في علم التصريف، هذا آخر الكلام على القسم الأول من الأسماء التي تعلّ هذا الإعلال.
وأما
الثاني، وهو الاسم الذي هو مصدر فإليه أشار بقوله - عطفا على ما تقدم -: أو عين مصدر على إفعال أو استفعال مما أعلّت عينه.
قال المصنف في إيجاز التعريف بعد أن ذكر إعلال مفعول مما أعلت عينه: يجب الإعلال المذكور أيضا لما اعتلت عينه من مصدر على إفعال أو استفعال؛ حملا على فعله فتسكن العين حين تنقل حركتها، وتنقلب ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها فتلتقي مع الألف الزائدة قبل اللام فتعاملان معاملة الواوين من مفعول الذي عينه واو ولامه صحيحة، ويعوض من المحذوف هاء التأنيث كإقامة واستقامة، وهما في الأصل: إقوام واستقوام، ثم فعل بهما من النقل والقلب والحذف والتعويض ما ذكر.
وإنما ترك التعويض في مفعول؛ لأنه صفة معرضة لأن يقصد بها مذكر ومؤنث، فلو لحقته الهاء تعويضا أوهمت قصد التأنيث عند إرادة التذكير، وذلك منتف من المصدرين المذكورين لانتفاء الوصف بهما، انتهى.
واعلم أن المصدر يتبع في الصحة والإعلال فعله، ولا شك أن: إقامة واستقامة يتبعان في الإعلال أقام واستقام، فقد يقال: الاستغناء بذكر إعلال فعليهما عن ذكر إعلالهما حاصل فلأي معنى نص عليهما؟ والجواب: أن الفعل إنما يعل بالنقل والقلب خاصة، وأما المصدر فيعل بذلك، وتحذف الألف أيضا، فلما كان في إعلاله زيادة على إعلال فعله تعين ذكره ليعلم ذلك، وقد أخر المصنف الكلام على حذف الألف من هذين المصدرين والتعويض عنها، فذكره بعد ذكر اسم المفعول، واحترز بقوله: مما اعتلت عينه مما صحت عينه نحو: أغيال واستحواذ، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5170
................................
وهو ظاهر، وأما قول المصنف: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها إلى قوله: إن لم تجانسها فهو جواب الشرط المذكور أول الفصل، وهو قوله: إن كانت الياء أو الواو عين فعل وقد تقدم الكلام على ذلك كله، فلا حاجة إلى إعادته.
وأما الثالث وهو الاسم الذي على صيغة مفعول فإليه الإشارة بقوله: وتحذف واو مفعول ما اعتلت عينه... إلى آخر كلامه، وحاصله: أن اسم المفعول من الفعل الذي اعتلت عينه يعلّ، وإعلاله بالنقل أي بنقل حركة عينه إلى فائه الساكنة، وتحذف الواو منه، كما أن إعلال: إفعال واستفعال بالنقل والحذف أيضا.
فأشار إلى الحذف بقوله:
وتحذف واو مفعول ما اعتلت عينه وأشار إلى النقل بقوله: ويفعل بعينه ما ذكر يعني من النقل الذي تضمنه قوله: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، ثم العين إما أن تكون واوا، فلا يكون ثمّ عمل آخر، كقولك: مقول ومصون ومعود.
وعلم هذا من قوله: وإن كانت ياء؛ لأنه قسيم لما قبله، فإن كانت ياء كسرت الضمة المنقولة من العين إلى الفاء لتسلم الياء من إبدالها واوا، وهذا معنى قوله: وقيت الإبدال بجعل الضمة المنقولة كسرة أي: وقيت إبدالها واوا بجعل الضمة التي قبلها كسرة كمبيع، قال المصنف في إيجاز التعريف: يجب الإعلال المذكور أيضا لما اعتلت عينه
من مفعول حملا على فعله فتسكن عينه، وبعده الواو ساكنة فتحذف هي في قول سيبويه؛ لزيادتها، وقربها من الطرف، وتحقق الاستثقال معها، ومذهب الأخفش 1220 عكس ذلك؛ فإن كان مفعول من ذوات الواو فلا مزيد على ما ذكرته من النقل والحذف، وإن كان من ذوات الياء ضم إلى ذلك إبدال الضمة كسرة لتسلم الياء كمبيع.
انتهى.
ولما ذكر ابن الحاجب النقل والحذف في صيغة مفعول ومثل بمقول ومبيع، قال: والمحذوف عند سيبويه واو مفعول، وعند الأخفش العين وانقلبت واو مفعول عنده ياء للكسرة مخالفا أصليهما 1221. وقال في شرح ذلك: إنه لما حصل نقل حركة العين إلى ما قبلها اجتمع ساكنان: العين وواو مفعول فسيبويه -
الجزء: 10 - الصفحة: 5171
................................
يحذف واو مفعول فيبقى: مقول على لفظه، وتقلب الضمة في مبيع كسرة لتصح العين التي هي ياء على أصله وعند الأخفش المحذوف منها العين، ويبقى: مقول على حاله وتكسر الفاء من ذوات الياء فتنقلب واو مفعول ياء للكسرة قبلها قصدا إلى الفرق بين ذوات الياء وذوات الواو وعلى هذا فإن خالفا - يعني سيبويه والأخفش - أصليهما، أما مخالفة سيبويه؛ فلأنه إذا اجتمع ساكنان، والأول منهما حرف لين حذف الأول، وخالف أصله هنا فحذف الثاني 1222، وأما مخالفة الأخفش أصله، فلأن الفاء إذا وقعت مضمومة وبعدها ياء أصلية باقية قبلها واو لانضمام ما قبلها، محافظة على الضمة.
وقد تقلب الضمة - ها هنا - كسرة مراعاة للعين التي هي ياء مع حذفها، ومراعاتها موجودة أجدر وكأن كل واحد منهما حافظ على أصله من وجه آخر فراعى سيبويه أصله في أن الياء التي هي عين إذا انضم ما قبلها قلبت الضمة كسرة، فلما رأى الفاء في مبيع كسرت غلب على ظنه أن الكسرة لأجل الياء، فرأى أن المحذوف واو مفعول وراعى الأخفش أصله في أن الياء الأصلية لو بقيت لانقلبت واوا لانضمام ما قبلها على أصله، فرأى أن الكسر للفرق بين ذوات الواو وذوات الياء، ورأى أن حذف الياء الأصلية أولى؛ لأنه قياس لالتقاء الساكنين 1223. انتهى.
قال الإمام بدر الدين - فيما كتبه على تصريف ابن الحاجب -: اختلف في المحذوف من نحو: مقول ومبيع ما هو؟ فذهب سيبويه إلى أن المحذوف واو مفعول والباقي عين الكلمة.
وذهب الأخفش إلى أن المحذوف هو العين، والباقي واو مفعول، ولكن قلبت في نحو: مبيع ياء؛ لأنهم لما نقلوا حركة العين [6/ 191]
جاءت ساكنة بعد ضمة، فقلبت الضمة كسرة، ثم حذفت؛ لالتقاء الساكنين، فجاءت واو مفعول بعد كسرة فقلبت ياء، والصحيح من ذلك ما ذهب إليه سيبويه، والدليل عليه من وجوه: أحدها: أن دعوى حذف الزائد أسهل من دعوى حذف الأصل؛ لأنه أكثر، فالمصير إليه أقرب.
الثاني: أن واو مفعول أقرب إلى الطرف فهي أولى بالحذف من العين؛ لأن الطرف محل التغيير غالبا، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5172
................................ فالأقرب إليه أشبه به. الثالث: أن الساكن (اللذين) 1224 من نوع ما يصح تحريكه إذا اجتمعا في كلمة تحرك الثاني منهما دون الأول، فكذلك الساكنان إذا اجتمعا في كلمة ينبغي أن يحذف الثاني منهما دون الأول قياسا على التحريك. الرابع: أنهم قالوا من الشوب، وهو الخلط: مشوب ومشيب، ومن النول وهو الإعطاء منول ومنيل 1225: فالمحذوف من مشيب ومنيل إن كان العين لزم عدم النظير في قلب الضمة كسرة، وقلب واو مفعول ياء؛ إذ لم يثبت مثل ذلك في واو مفعول إلا في باب نحو: مرمي ومعدي، وإن كان المحذوف واو مفعول لم يلزم عدم النظير في قلب الضمة كسرة وقلب العين ياء لثبوت مثله للإتباع في قوله: 4324 - عيناء حوراء من العين الحير 1226 وما لا يلزم منه عدم النظير راجح على ما يلزم منه ذلك فإن قيل: حذف الزائد أسهل من حذف الأصل - وحذف الأقرب من الطرف أولى من حذف الأبعد منه، إن أردتم به أن حذف الزائد والأقرب إلى الطرف أولى من حذف الأصل، والأبعد من الطرف مطلقا فممنوع، وإن أردتم أنه أولى بشرط كون الزائد، والأقرب إلى الطرف غير مزيد لمعنى فمسلم، ولكن لماذا يلزم منه أن يكون المحذوف من مقول ومبيع واو مفعول فإنها زائدة لمعنى، فالمحافظة عليها وإن كانت أقرب إلى الطرف أولى من المحافظة على الأصل والأبعد من الطرف بدليل قولهم: تقي يتقي في اتّقى يتّقي، قال عبد الله بن همّام: 4325 - زيادتنا نعمان لا تنسينّها... تق الله فينا والكتاب الّذي تتلو 1227
الحديث: 4324 - الجزء: 10 - الصفحة: 5173
................................
فحذفوا فاء العمل وأبقوا الزائد بعدها لدلالته على معنى وقولكم: إنه ينبغي أن تحذف ثاني الساكنين في كلمة إذا كانا من نوع ما يصح حذفه، قياسا على تحريك ثاني (الساكنين في كلمة) إذا كانا من نوع ما يصح تحريكه (فإذا ليس القياس على تحريك ثاني الساكنين في كلمة إذا كانا من نوع ما يصح تحريكه) بأولى من القياس على حذف أوّل الساكنين في كلمتين إذا كانا من نوع ما يصحّ حذفه.
كقولهم ياهذوجل دون يا هذا جل 1228، بل هو أولى؛ لأن قياس الحذف على الحذف أولى من قياس الحذف على التحريك.
وقولكم: إن كان المحذوف في نحو: مشيب ومنيل واو مفعول لم يلزم عدم النظير في قلب الضمة كسرة، وقلب العين ياء ممنوع؛ لأنه لم يجئ مثل ذلك إلا للإتباع كما ذكرتم، ولا إتباع في مشيب ومنيل ثم ما ذكرتم من الأدلة إن دلت على ما زعمتم فمعه ما يأباه من وجوه: أحدها: أن كون المعل بالحذف في نحو: مقول ومبيع العين أولى من كونه الزائد قياسا على إعلال العين في الماضي بقلبها ألفا، وفي المضارع بنقل حركتها، وفي الأمر بحذفها، وفي اسم الفاعل بقلبها همزة وبحذفها أيضا في نحو: هذا شاكي السلاح.
والثاني: أن المحذوف لالتقاء الساكنين في كلمة من نحو: خف وبع، وقل، هو الأول، فكذلك ينبغي أن يكون في نحو: مقول ومبيع.
الثالث: أن المحذوف من نحو: مبيع ولو كان واو مفعول لالتبس اسم الفاعل بالمصدر الذي على مفعل نحو:
مقيل ومحيص.
فالجواب: أما قوله: إن المحافظة على الزائد لمعنى وإن كان أقرب إلى الطرف أولى من المحافظة
على الأصل، فلا يخلو: إما أن يريد المحافظة على ذلك أولى مطلقا، أو بشرط كون الزائد مستقلّا بالدلالة على معنى؛ لأن حذفه مفوّت للدلالة، والأول ممنوع والثاني مسلّم، ولكن لماذا يلزم عليه أن يكون المحذوف من نحو: مقول هو العين؟ فإن واو مفعول غير مستقلة بالدلالة على معنى؛ لأنها والميم - - وأدغمت وأبدلت في الثانية تاء وأدغمت ولم تحذف لعدم انكسار ما بعدها فلما كثر الاستعمال كذا حذفوا التاء الساكنة منها وهي فاء الفعل فصارا: تقي يتقي بتخفيف التاء المفتوحة وحذفت الهمزة من الماضي لعدم الحاجة إليها فصار: تقي بزنة تعل محذوف الفاء، فأخذ الأمر وهو تق من يتق بدون همزة وصل؛ لأن ما بعدها حرف مضارعة محرك.
راجع نوادر أبي زيد (ص 4، 27) والخصائص (2/ 286، 3/ 89) والمحتسب (2/ 372) وشرح شواهد الشافية للبغدادي (ص 496).
الجزء: 10 - الصفحة: 5174
................................
مشتركان فيه، بل الميم أقعد بالدلالة عليه من الواو لاستبداد الميم به في الرباعي والمزيد فيه، وإذا كان كذلك لم يكن حذف الواو مفوّتا للدلالة؛ لأن في الميم إشعارا به، وليس كذلك تاء افتعل؛ لأنها مستقلة بالمعنى فحذفها مفوت للدلالة عليه، فلذلك حوفظ عليها في: تقي يتقي، وإن لم يحافظ على واو مفعول في:
مقول ونحوه.
وأما قوله: إن قياس الحذف على الحذف فيما ذكر أولى من قياس الحذف على التحريك فممنوع، بل ينبغي أن يكون الأمر بالعكس لاستلزام قياس الحذف على الحذف خلاف مقتضى الأصل من ثلاثة أوجه: أحدها: قياس الأبعد من الطرف على المتطرف.
والثاني: حمل الالتقاء اللازم على الالتقاء العارض.
والثالث: إجراء المتصل مجرى المنفصل.
وقياس الحذف على التحريك فيما ذكرنا سالم من ذلك كله فوجب المصير إليه.
وأما قوله: إن ما ذكرنا في نحو: مشيب ومنيل لازم لعدم النظير؛ لأنه لم يجئ مثله إلا للإتباع في نحو: العين الحير 1229، فإن أراد بذلك لازم لعدم النظير من كل الوجوه، فمسلم ولكن أي شيء يلزم، وإن أراد لازم لعدم النظير مطلقا فممنوع؛ لأن ما ذكرنا من نحو: مشيب ومنيل شبيه بما فعلوه في: الحير من جهة أن نحو: مشيب قلبت فيه الضمة كسرة والعين ياء، بمعنى مناسب وهو الإتباع للعين.
وأما قوله: إن ما ذكرنا من الأدلة وإن دلت على أن المحذوف من نحو: مقول ومبيع فمعه ما يأباه من وجوه: فالجواب عن الأول منها:
أن مقتضى قياس اسم المفعول على الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل في الإعلال أن لا تسلم عينه من الإعلال، وقد عمل به فأعلت عينه بالنقل كما أعلّ المضارع ولم تعل عينه بأمر آخر كما أعلت في الأمر واسم
الفاعل؛ لانتفاء المقتضي له.
وعن الثاني: أن قضية الدليل أنه متى احتيج إلى الحذف لالتقاء الساكنين أن يحذف الثاني منهما، لكن منع منه في باب: خف وبع أن الثاني حرف صحيح، والأول حرف معتل ولا يمكن حذف الصحيح وإبقاء المعتل؛ لأنه كالحركة، فالإقدام على حذفه أسهل، فتعين العكس وليس كذلك باب: مقول ومبيع.
والجواب عن الثالث من وجهين: الأول: أن الالتباس قدر مشترك بين المذهبين فلا حجة فيه؛ [6/ 192] وهذا لأنه لا فرق في كون مبيع الذي هو اسم مفعول مفعلا، أو مقيلا؛ لأنه شبيه -
الجزء: 10 - الصفحة: 5175
................................
في اللفظ بمبيع الذي هو مصدر.
الثاني: أن التباس اسم المفعول بالمصدر مغتفر فيما زاد على الثلاثة؛ تقول: أخوك المكرم، ومالك المستخرج، وعدلك المدحرج، وأكرمت زيدا مكرما، واستخرجت المال مستخرجا، ودحرجت العدل مدحرجا، فكما اغتفر الالتباس في مثل هذا؛ للاعتماد على القرائن، فليغتفر مثله في المعتل من الثلاثي.
انتهى كلام الإمام بدر الدين، ولا يخفى ما تضمنه من المباحث الحسنة اللطيفة.
وفي الممتع لابن عصفور 1230 ما يتضمن الإشارة إلى بعضها؛ وإنما تركت إيراده خوف الإطالة.
ثم قال الإمام بدر الدين: واعلم أن قول ابن الحاجب: مخالفا أصليهما في معرض استشكال كل من المذهبين ليس عندي بمرضي؛ لأنه يعني أن الأصل عند سيبويه في الساكنين إذا اجتمعا وأوّلهما حرف لين أن يحذف الأول منهما، وهو هنا قد حذف الثاني فخالف أصله، ولقائل أن يقول: يمنع الأصل سيبويه في الساكنين إذا اجتمعا وأوّلهما حرف لين، أن يحذف الأوّل منهما مطلقا، بل بشرط أن يكون الثاني صحيحا كما في خف وبع، أو من كلمة منفصلة كما في [يا هذوجل] 1231، أو حذفه مفوت للدلالة على معناه كما في: المصطفون، فإن لم يكن الثاني شيئا من ذلك؛ فأصل سيبويه أن يحذفه بدليل قوله به في باب:
مقول ومبيع مع أنه لم يقل بخلافه في نظير هذا الباب كالإقامة والاستقامة 1232، وأما أن أصل الأخفش: أن الفاء إذا كانت مضمومة وبعدها ياء ساكنة، أن تقلبها واوا محافظة على بقاء الضمة فلا إشكال فيه، ولكن لا يستقيم معه أن يقال: إن الأخفش خالف أصله في نحو: مبيع لوجهين: أحدهما: أنه ليس له أن يسمع أن العرب قالوا: مبيع ومهيب ومعيب، فيخالفهم ويقول: مبوع ومهوب ومعوب؛ رعاية لأصله حتى يكون هو قد عدل عن الاستعمال على وفق أصله إلى الاستعمال على خلافه فلا ينبغي أن يقال: خالف الأخفش أصله في نحو: مبيع، بل جاء على خلاف
أصل الأخفش 1233. الثاني: قول ابن الحاجب: إن الأخفش خالف أصله ليس إلا في معرض الانتقاد عليه في أنه خالف سيبويه، وقال: المحذوف في نحو: -
الجزء: 10 - الصفحة: 5176
................................
مقول ومبيع هو العين، لا واو مفعول، وقد لزم عليه في ذلك مخالفته لأصله.
وهذا كما ترى فاسد؛ لأن مبيع جاء على خلاف أصل الأخفش في ما فاؤه مضمومة وبعدها ياء ساكنة على تقدير مخالفته لسيبويه وعلى تقدير موافقته، فليس تحت ما قاله في ذلك طائل.
انتهى.
قال أبو الحسن بن عصفور: ومما يدل على صحة مذهب سيبويه والخليل، وفساد مذهب الأخفش أنك نقلت الضمة من العين الضمة من العين إلى الفاء من مفعول من ذوات الياء اجتمع لك ساكنان، واو مفعول والياء فتحذف واو مفعول فتجيء الياء ساكنة بعد ضمة قريبة من الطرف؛ فتقلب الضمة كسرة على مذهب سيبويه في الياء الساكنة بعد الضمة إذا كانت تلي الطرف، فإنه تقلب الضمة كسرة مفردا كان الاسم أو جمعا نحو: بيض جمع أبيض، وكذا لو بنيت من البياض اسما على فعل لقلت: بيض 1234، فالأصل في: مبيع على أصله مبيوع، ثم مبيوع ثم مبيع وأما أبو الحسن الأخفش فلزم على مذهبه أن يقول:
مبوع، وذلك أن الأصل مبيوع، فإذا نقلت الضمة اجتمع له ساكنان فتحذف الياء، فيلزمه أن يقول: مبوع، فإن قال: لا أحذف إلا بعد قلب الضمة كسرة، فالجواب: أن يقال له: لم تقلب الضمة كسرة وأنت تزعم أن الياء إذا جاءت ساكنة بعد ضمة في مفرد فإن الياء هي التي تقلب واوا بشرط القرب من الطرف، فأما مع البعد فلا يجوز قلب الضمة كسرة في مذهب أحد من النحويين، فإن قلت: إنما قلبت الضمة كسرة لتصح الياء لأني لو لم أفعل ذلك وقلت: مبوع لالتبست ذوات الياء بذوات الواو.
فالجواب: أن هذا القدر لو كان لازما لوجب أن يقول في موقن: ميقن؛ لئلا يلتبس بذوات الواو، فكما أن العرب لم تفعل وذلك في موقن، فكذلك لا تفعله في: مبيع وأمثاله 1235. انتهى.
واعلم أن ثمرة الخلاف بين سيبويه وأبي الحسن تظهر في تخفيف مسوء وأمثاله.
قال ابن جني: سألني أبو علي عن تخفيف
مسوء، فقلت: أما على قول أبي الحسن فأقول: رأيت مسوّا، كما أقول في مقروء: مقروّ؛ لأنها عنده واو مفعول.
وأما على مذهب سيبويه فأقول: رأيت مسوا 1236 كما أقول في خب: خب، فتحرك الواو؛ لأنها في مذهبه العين: فقال لي -
الجزء: 10 - الصفحة: 5177
................................ أبو علي: كذلك هو: ثم إنّ بني تميم يصححون مفعولا من ذوات الياء، فيقولون: مبيوع، قال بعضهم: 4326 - وكأنّها تفّاحة مطيوبة 1237 قال آخر: 4327 - يوم رذاذ عليه الدّجن مغيوم 1238 قال آخر: 4328 - قد كان قومك يحسبونك سيّدا... وأخال أنّك سيّد معيون 1239 وإلى ذلك أشار المصنف بقوله - بعد ذكر ما عينه ياء -: وتصحيحها لغة تميمية 1240، وأما تصحيح مفعول من ذوات الواو فقليل، ولا يجوز الإتمام فيه إلا ما سمع 1241، نحو -
الحديث: 4326 - الجزء: 10 - الصفحة: 5178
................................
قولهم: مسك مدووف، وقال الراجز:
4329 - والمسك في عنبره المدووف 1242
والأشهر: مدوف.
وقالوا: رجل مقوود، وفرس مقوود، وثوب مصووف، وقول مقوول، وإنما لم يجز الإتمام في مفعول من ذوات الواو إلا فيما شذ؛ لأن الواو أثقل من الياء، وإلى قلّة ذلك أشار المصنف بقوله: وربما صححت الواو كمصوون ثم قال: ولا يقاس على ما حفظ منه خلافا للمبرد 1243. قال ابن عصفور: خالف المبرد كافة النحويين فأجاز الإتمام في ذوات الواو قياسا على ما ورد منه وقال: ليس بأثقل من سرت سوورا وغارت عينه غوورا؛ لأن في: سوور وغوور واوين وضمتين وليس في مصوون مع الواوين إلا ضمة واحدة، قال: وهذا الذي ذهب إليه باطل؛ لأن ما ورد من الإتمام في ذوات الواو من القلّة بحيث لا يقاس عليه، وأما احتجاجه بسوور وغوور فباطل؛ لأن مثل: سوور شاذ، ولو لم يسمع لما قيل، وأيضا، فإن الضرورة دعت إلى ذلك في مثل: صوور؛ لأنهم لو أعلوا فأسكنوا الواو الأولى وبعدها واو ساكنة لوجب حذف إحداها فيصير لفظ فعول واحدا فيقع اللبس، وكذلك أيضا لو أعلوا الواو في مثل: قوول فقلبوها ألفا لالتقى ساكنان، الألف والواو فيجب حذف أحد الساكنين، فيصير فعول وفعل في اللفظ واحدا فيقع اللبس، ولا يلزم شيء من ذلك في إعلال مفعول 1244. انتهى.
وقال سيبويه:
ولا نعلمهم أتمّوا في الواو؛ لأنها أثقل 1245، وقال الفراء: لم يأت من الواو [6/ 193]- - والمنصف (1/ 283 - 287) والرضي (3/ 149).
الحديث: 4329 - الجزء: 10 - الصفحة: 5179
[الحذف والتصحيح في الإفعال والاستفعال]
قال ابن مالك: (وتحذف ألف إفعال واستفعال، ويعوّض منها في غير ندور هاء التّأنيث، وربّما صحّح الإفعال والاستفعال وفروعهما ولا يقاس على ذلك مطلقا، خلافا لأبي زيد إذا أهمل الثّلاثي كاستنواق).
إلا حرفان: مسك مدووف، وثوب مصوون 1246، وكفى بكلام هذين الإمامين شاهدا بالقلة المقتضية لعدم القياس.
قال ناظر الجيش: قد تقدمت الإشارة إلى أن المصنف أخّر الكلام على حذف الألف من هذين المصدرين والتعويض عنها فها هو قد شرع في ذكر ذلك واستغنى المصنف هنا عن تقييد المصدرين بكونهما معتلّي العين؛ لأن كلامه إنما هو في إفعال واستفعال المتقدمي الذكر في هذا الفصل، وقد ذكر في إعلال العين منهما وعلم من كلام المصنف أن المحذوف الألف الزائدة التي تضمنها صيغة المصدر لا الألف التي هي بدل من عين الكلمة، والذي قاله المصنف هو مذهب الخليل وسيبويه، ومذهب الأخفش أن المحذوف الأصلية 1247، فالخلاف هنا كالخلاف في صيغة مفعول المعتل العين، وقد تقدم ترجيح مذهب سيبويه في كلام مفعول فيما رجح به مذهب سيبويه هناك ترجح به مذهبه هنا؛ إذ الأمر فيهما واحد، وأما تعويض هاء التأنيث عن المحذوف 1248 فقد تقدمت الإشارة إليه أيضا، ثم إن هذه المسألة قد سبق للمصنف ذكرها في آخر باب مصادر غير الثلاثي 1249 ومثال الحذف قوله تعالى:
وَإِقامَ الصَّلاةِ 1250. وأشار بقوله: وربما صحح الإفعال والاستفعال وفروعهما -
الجزء: 10 - الصفحة: 5180
................................
يعني الأفعال والصفات إلّا أنه قد ورد عن العرب أفعال من هذه المصادر غير معلّة وقد ذكروا من ذلك ألفاظا وهي 1251: أجود إجوادا، وأعول إعوالا، وأغيمت السماء إغياما وأغيلت المرأة إغيالا وأطيب وأطول.
قال:
4330 - صددت فأطولت الصّدود وقلّما... وصال على طول الصّدود يدوم 1252
وأخيلت، واستغيل الصبي، واستروح الريح، واستحوذ عليهم، أي: غلب، واستنوق استنواقا واستصوبت رأيه.
واستتيست الشاة.
قال ابن الضائع: وقد ذكر منها أغيل وأجود وأطول وأغيم وأغيا، وأخيل واستغيل واستروح واستحوذ، قال:
جميعها شاذ، وقد جاء الإعلال في جميعها إلا استحوذ واستروح، ولم يحفظ سيبويه أغالت المرأة ورواها يعقوب وغيره 1253. انتهى.
وقال ابن عصفور: وأما أغيل فلا يحفظ جميع النحويين فيه إلا التصحيح، إلا أبا زيد فإنّه حكى فيه الإعلال أيضا 1254، وبعد فهذه الألفاظ الواردة غير معلّة شاذة عند الجمهور، فلا يقاس عليها، وسوغ أبو زيد القياس على ما سمع من ذلك.
وحكى الجوهري: أن تصحيح هذه الأشياء لغة صحيحة والصحيح المنع من القياس لقلة الوارد من ذلك 1255، قال الشيخ: وقول المصنف: بل إذا أهمل الثلاثي كاستنوق قول بالتفصيل، وهو قول ثالث خارق لمقالة المتقدمين؛ لأن منهم من قاس وهو أبو زيد، ومنهم من قصر الأمر على السماع وهم سائر النحويين 1256، وحاصل ما قال المصنف: أن استفعال إذا لم يكن له ثلاثي يعني فعلا ثلاثيّا كاستنوق فإنه ليس كاستقام الذي
له ثلاثي وهو -
الحديث: 4330 - الجزء: 10 - الصفحة: 5181
[مسألتان في فروع ما تقدم]
قال ابن مالك: (وربّما أعلّ ما وافق المضارع في الزّيادة والوزن، ولا يشترط في إعلال نحو: مقام مناسبة الفعل في المعنى فيكون تصحيح مدين ونحوه مقيسا خلافا لبعضهم).
قام كان تصحيحه عنده مطردا كاستحوذ واستنوق واستتيس، لم يأت من ذلك فعل ثلاثي، فلم يقولوا: حاذ وناق وتاس، فتصحيح هذا عنده مقيس.
قال الشيخ:
وكون إعلال هذا منوطا بوجود فعل ثلاثيّ لا معنى له، وكان المصنف يقول:
استقرأنا ما ورد من هذا مصححا فوجدناه ليس له فعل ثلاثي؛ فعرفنا أن ذلك علّة لتصحيحه فطرناده فيه 1257. وقال المصنف في إيجاز التعريف: لمّا كان الباعث على إعلال ما أعل طلب التخفيف وكان الثقل الحاصل بترك هذا الإعلال أهون من غيره لسكون ما قبل حرف العلة ترك في كثير مما يستحقه تنبيها على ذلك، وأكثر ما ترك في الإفعال مصدرا والاستفعال وفروعهما كالإغيال والاستحواذ حتى رآه أبو زيد الأنصاري مقيسا 1258، وشذ العمل به مع وجود مانع كقولهم في جمع: فواق أفيقة، واللائق به: أفوقة حتى يصح كما صحت نظائره كأحوية وأسورة؛ لأنه موافق الفعل في وزنه وزيادته لكن السماع لا يرد 1259.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان هما من فروع ما تقدّم في هذا الفصل:
أما الأولى: فقد عرفت مما تقدم أن إعلال الاسم المشبه للمضارع شرطه أن يوافقه في الوزن ويخالفه في الزيادة أو يوافقه في الزيادة ويخالفه في الوزن، وأما أنه إذا وافقه في الأمرين لا يعل؛ فأشار هنا إلى أنه قد يعل ما وافق المضارع في الوزن والزيادة معا.
ومثال ذلك قولهم في جمع فواق: أفيقة، فيكون شرح هذه المسألة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5182
[إبدال التاء من فاء الافتعال وحروفه]
قال ابن مالك: (فصل: تبدل في اللّغة الفصحى التّاء من فاء الافتعال وفروعه إن كانت واوا أو ياء غير مبدلة من همزة، وقد تبدل وهي بدل منها، وتبدل تاء الافتعال وفروعه ثاء بعد الثّاء أو تدغم فيها، ودالا بعد الدّال أو الذّال أو الزّاي، وطاء بعد الطّاء أو الظّاء أو الصّاد أو الضّاد.
وتدغم [6/ 194] في بدلها الظّاء والذّال ويظهران.
وقد تجعل مثل ما قبلها من ظاء أو ذال أو حرف صفير، وقد تبدل دالا بعد الجيم).
ما نقلناه عنه آنفا من إيجاز التعريف، وهو قوله مشيرا إلى هذا الإعلال الذي هو النقل والإبدال وشذ العمل به مع وجود مانع؛ كقولهم في جمع: فواق أفيقة، واللائق به: أفوقة حتى يصحّ كما صحت نظائره 1260، إلى آخر كلامه.
أما المسألة الثانية: فقد تقدمت الإشارة إليها في كلام ابن عصفور الذي نقلناه 1261 حيث قال: وذهب أبو العباس إلى أن نحو: مقام ومباع إنما أعل؛ لأنه مصدر لفعل أو اسم مكان، لا لأنه على وزن الفعل، وجعل مزيدا ومريم ومكوزة على القياس؛ لأنها ليس لها أفعال فتحمل في الإعلال عليها، إنما هي أسماء أعلام وتقدم من كلام ابن عصفور إفساد قوله وتقدّم استدلال أبي علي بأن الإعلال قد يكون في الاسم بمجرد كونه على وزن الفعل، بدليل إعلالهم نحو دار وناب ولا مناسبة بينه وبين الفعل أكثر من الوزن، فقول المصنف: ولا يشترط في إعلال نحو:
مقام مناسبة الفعل في المعنى هو هذا الذي يدعيه المبرد بعينه، يعني أن مقاما إنما أعل؛ لأنه مصدر أو مكان فبينه وبين الفعل مناسبة بخلاف مدين ومكوزة ونحوهما؛ فإنهما ليستا مصدرا ولا مكانا، وبعضهم الذي نسب الخلاف إليه 1262 هو المبرد.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على إبدال أربعة الأحرف - أعني الهمزة والياء والواو والألف، وهي التي يكثر إبدالها، ولهذا كان جل الكلام ومعظمه في الإبدال إنما هو فيها كما قدمنا - شرع في ذكر أربعة الأحرف الباقية التي هي أقل الأحرف -
الجزء: 10 - الصفحة: 5183
................................
إبدالا، وهي التاء والطاء والدال والميم.
وقد تقدم لنا أن المصنف ذكر الثلاثة الأول في فصل، وهذا هو الفصل الذي ذكرها فيه، وأما الميم فسيذكرها في الفصل الذي قلنا: إنه ذكرها ضمنه، وحاصل الأمر: أن التاء تبدل من فاء الافتعال 1263 إذا كانت واوا أو ياء، وأن الدال والطاء تبدل كل منهما من تاء الافتعال، فالدال تبدل منها بعد الدال والذال والزاي، والطاء تبدل منها بعد الطاء والظاء والصاد والضاد.
وقد ذكر أن الثاء تبدل منها أيضا بعد الثاء، وقد أورد المصنف هذه المسائل في إيجاز التعريف إيرادا حسنا مشتملا على فوائد وتعاليل، أعتقد أنها مستخرجة من خاطره - رحمه الله تعالى وجزاه أحسن الجزاء بمنّه وكرمه - فأنا أورد كلامه فيه أوّلا ثم أعود إلى ألفاظ الكتاب.
قال - رحمه الله تعالى -: يجب في اللغة الفصيحة إبدال التاء من فاء الافتعال وفروعه إن كانت واوا نحو: اتّصل اتصالا فهو متّصل، أو ياء نحو: اتّسر اتّسارا فهو متّسر 1264. أما إبدالها من الواو، فلأنهم استثقلوا الواو أولا دون تاء تليها لتعرضها؛ لأن تبدل همزة، كما فعل بأحد وإحدى، وأقتت مع استثقال الهمزة وبعدها منها مخرجا ووصفا، فحاولوا إبدال الواو حرفا صحيحا يقاربها وصفا ومخرجا، وذلك إما: من حروف الشفة، أو حروف الثنايا، فلم يكن ياء ولا فاء ولا تاء ولا دالا ولا ظاء؛ لأنهن لسن من حروف البدل المجموعة في قولي: وجدا من طيبه.
ولم يكن ميما؛ لأنها تكثر زيادتها أولا فخيف توهما مزيدة غير مبدلة، ولم تكن طاء ولا دالا؛ لأن فيهما قلقلة يستثقلان بها، فتعينت التاء، فقالوا: تراث وتجاه وتكأة وتقوى وتوراة وتالله ولحمه وتولج وغير ذلك، فلما ثبت
إبدال التاء من الواو في هذه المواضع وأشباهها مع انتفاء تعذر التصحيح وتطرق التغيير قبل الإبدال واجتماعها مع ما يضاد وصفه وصفها، واستلزام مخالفة بعض الفروع الأصل، تعين إبدالها منها في الافتعال الذي فاؤه واو لثبوت هذه الأمور كلها فيها، أما تعذر التصحيح فبين؛ لأن الواو ساكنة وقبلها كسرة.
وأما تطرق التعيين فبين أيضا؛ لأن فعل أصل لافتعل، فلو لم يكن فيه تغيير إلا تسكين، فإنه يكفي في تطرق التغيير وأما اجتماع الواو مع -
الجزء: 10 - الصفحة: 5184
................................
ما يضاد وصفه وصفها فبين أيضا؛ لأن الواو مجهورة والتاء مهموسة.
وأما استلزام مخالفة بعض الفروع الأصول فبين أيضا؛ لأن المصدر أصل للفعل، ولاسم الفاعل ولاسم المفعول، فلو لم تبدل فاء الاتصال تاء لقيل فيه: ايتصال بقلب الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وكان يوافقه في ذلك الفعل الماضي والأمر؛ لوجدان الكسرة، فيقال: ايتصل وايتصل، ويخالفه المضارع واسم الفاعل والمفعول لعدم الكسرة، فيقال: يوتصل أو موتصل وموتصل إليه، فكرهوا المخالفة حين أمكن التخلص منها ولم يبالوا بها في نحو: أوجد إيجادا؛ إذ ليس بعد الواو هنا ما يضاد وصفه وصفها، ومع هذا فقد حملتهم النفرة عن هذه المخالفة على أن أبدلوا في:
أثلجه وأتكأه بمعنى: أولجه وأوكأه 1265. وأما إبدال التاء من الياء إذا كانت فاء في الافتعال وفروعه؛ فحمل على الافتعال الذي فاؤه واو، فإن كانت الواو والياء التي قبل تاء الافتعال بدلا من همزة لم يجز إبدالها تاء إلا على لغة رديئة نحو: اتّمن في أوتمن، واتّزر في: ايتزر 1266، هذا ما أورده في فصل، ثم افتتح الكلام في فصل يليه، فقال: الثاء حرف رخو والتاء حرف شديد وهما مشتركان في الهمس، ومخرجاهما متقاربان، فإذا اجتمعا في الافتعال وفروعه وتقدمت التاء ثقل تلاقيهما؛ لأنهما مثلان من وجه وضدان من وجه فخففا بجعل التاء ثاء والثاء تاء وإدغام أحدهما في الآخر كالاثّراد، والاتّراد وهو اتخاذ الثريد، وأصله: اثتراد، غلب جانب الثاء لأصالتها 1267 وتقدمها.
ومن قال: اتّراد غلب جانب التاء لشدتها ولكونها مزيدة لمعنى.
فلو كان فاء الافتعال دالا كالافتعال من الذكر ثقل أيضا اجتماعهما سالمين؛ لأن الدال حرف مجهور، والذال حرف مهموس، فعدل أمرهما بأن أبدل من التاء شريكتها في المخرج وعدم الاستعلاء وهو الدال، فخف النطق لزوال بعض التنافي، ولكن بقي بعضه؛ لأن
الذال رخوة والدال شديدة فكمل التخفيف بجعلهما ذالين إن روعيت الأصالة والسبق ودالين إن روعيت القوة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5185
................................
والدلالة على معنى، فقيل: اذّكار وادّكار، ويجوز فك الذال من الدال فيقال:
إذدكار.
ولو كانت فاء الافتعال دالا كالافتعال من الدّلجة كان استقلال سلامة التاء أشد؛ لأن اجتماع متضادين في الوصف يهون عند تباعد المخرجين، ويصعب عند تقاربهما، ويكاد يعجز عند اتحاد المخرج؛ كالدال والتاء ويظهر ذلك بتكلف النطق بادّلاج على أصله، وهو الادتلاج، فوجب التخلص من هذا الثقل بإبدال التاء دالا وتعين الإدغام فقيل: ادّلاج.
ولو كانت فاء الافتعال زايا كالافتعال من الزجر كان استقلال سلامة التاء أشدّ؛ لأن اجتماع متضادين في الوصف يهون عند تباعد المخرجين ويصعب عند تقاربهما أبدلت التاء - أيضا - دالا فقيل: ازدجار؛ لأن التّاء مهموسة والزّاي مجهورة والدّال مجهور واجتماع مجهورين أخفّ من اجتماع مجهور ومهموس، ويتبين ذلك بتكليف أصل ازدجار وهو ازتجار.
فلو كانت فاء الافتعال جيما: كالاجتماع؛ فمن العرب من يستثقل سلامة التاء فيجعلها دالا كالاجدماع.
وعلى ذلك قول الشاعر:
4331 - فقلت لصاحبي لا تحبسانا... بنزع أصوله واجدزّ شيحا 1268
أراد: واجتز، فلو كانت الفاء سينا لم تحتج إلى الإبدال لمساواتها التاء في الهمس وعدم الاستعلاء والإطباق، ولكن بينهما بعض منافاة، فإن السين رخوة والتاء شديدة، إلا أن في السين صفير يقاوم الشدة ويفضل عليها، ولذلك أدغمت التاء في السين، نحو: بت سالما، وجاز أن تبدل التاء سينا في استمع ونحوه مع التزام الإدغام [6/ 195] وامتنع العكس نحو: احتبس تلك؛ لأن الصفير يشبه المدّ فساواه في جعله مانعا من الإدغام إلا في صفيريّ 1269، فلو كانت فاء الافتعال طاء كالافتعال من الطلوع كانت سلامة التاء بعدها أشق من سلامتها بعد الدال؛ لاتحاد -
الحديث: 4331 - الجزء: 10 - الصفحة: 5186
................................
المخرج وزيادة التضاد، وذلك أن الدال أن الدال إنما باينت التاء بالجهارة والطاء تباينها بها وبالاستعلاء والإطباق فإبدالها بعد الطاء أكثر، فقيل: اطلاع، وأصله: اطتلاع، وكذلك تفعل بها إذا كانت الفاء ظاء كالافتعال من الظلم، وإذا كانت الفاء ضادا كالافتعال من الضرب، لكن إذا أبدلت طاء بعد الظاء جاز الفك والإدغام على أن تجعل الطاء ظاء أو بالعكس، فيقال: اظّلام واطّلام واضطلام، وإذا أبدلت طاء بعد الضاد جاز الفك والإدغام على أن تجعل الطاء ضادا فيقال: اضطراب وشذّ العكس، فيقال في اضطجع: اطّجع، ولو كانت فاء الافتعال صادا استثقلت سلامة الفاء أيضا؛ لأن الصاد وإن ساوتها في الهمس، فإن الصاد تضادها بالإطباق والاستعلاء مع تقارب المخرجين، فالتزموا التخفيف بإبدال التاء طاء كالاصطبار، أو بجعل التاء صادا كالاصّلاح لغة في الاصطلاح، وامتنع إبدال الصاد تاء لأجل صفيرها وترجحها بالاستعلاء والإطباق.
هذا آخر كلامه - رحمه الله تعالى - ولنرجع إلى لفظ الكتاب فنقول: قوله: في اللغة الفصحى احتراز من اللغة غير الفصحى، وهي الإقرار وعدم الإبدال، وتنسب هذه اللغة إلى بعض الحجازيين 1270 فيقرون الياء والواو، ولكنهم يبدلونها حرفا من جنس حركة ما قبلها عند مخالفة الحرف لجنس الحركة التي قبله، فيقولون: ايتصل ياتصل فهو موتصل، وايتسر ياتسر، فهو موتسر، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه اللغة عند الكلام على قول المصنف: واطرد ذلك في نحو: يوتعد وييتسر عند بعض الحجازيين.
قوله: وفروعه أراد به فروع الافتعال، وهي الإفعال واسم الفاعل واسم المفعول؛ لأنها مشتقة من المصدر على الأصح، فهي فروع عنه وقوله: غير مبدلة من همزة احتراز من نحو: بناء افتعل من الأكل، فيقال: ايتكل من غير إبدال؛ لأن الياء بدل من همزة.
وقوله:
وقد تبدل وهي بدل منها.
مثاله قولهم: اتّزر في: ايتزر إذا لبس إزارا، وقد تقدم قول المصنف: إنها لغة رديئة لكن قال في الإفصاح: والبغداديون يبدلونها من الهمزة، ويقولون: اتزر من الإزار، ومنه عندهم اتخذ من الأخذ 1271،
وفي حديث عائشة - -
الجزء: 10 - الصفحة: 5187
................................
رضي الله تعالى عنها - كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمرني إذا حضت أن أتّزر 1272 كذا بالإدغام، وحكوا: اتّمر من الأمر، واتّمنه من الأمانة، واتّهل الرجل من الأهل.
قال أبو علي: وهذا على قياس أصحابنا خطأ، وعلل ذلك بأن الياء ليست بلازمة، قال: إن صحت رواية هذه الألفاظ، يعني: اتمر واتمن واتهل، فإنها سمعت من قوم غير فصحاء، لا ينبغي أن يؤخذ بلغتهم.
وقال ابن طاهر 1273: يجوز إجراء العارض مجرى اللازم، ويدل عليه أن بعض العرب في: رويا المخفف 1274، يقلب ويدغم، وقوله: وتبدل تاء الافتعال وفروعه.
شروع في إبدال التاء ثاء أو دالا أو طاء، فذكر أنها مع الثاء تبدل ثاء، فيقال في افتعل من الثريد: اثّرد؛ لأن إبدال التاء ثاء توجب اجتماع المثلين والأول ساكن فيجب الإدغام، وأشار بقوله:
أو تدغم فيها إلى أن الثاء تدغم في تاء الافتعال، وحينئذ تقلب الثاء تاء لتماثل ما بعدها، فيقال: اثرد، وهذان الوجهان هما اللذان ذكرهما في إيجاز التعريف كما عرفت، وقد ذكروا وجها ثالثا هو الإظهار فيقال: اثترد.
قال سيبويه: والبيان عربي جيد 1275. عنى بالبيان الإظهار، وقوله: ودالا بعد الدال أو الذال أو الزاي - واضح، وتقدم ذكر أمثلة ذلك، وقوله: وطاء بعد الطاء أو الظاء أو الصاد أو الضاد - واضح.
وتقدم ذكر أمثلته.
وقوله: وتدغم في بدلها الظاء والذال، ويظهران، وقد يجعل مثل ما قبلها من ظاء أو ذال أو (حرف) 1276 صغير، وقد تقدم ما يستفاد منه شرح ذلك بأمثلته.
قال الشيخ في شرحه: والذي تلخص من هذا كله: أن في مثل.
اثترد ثلاثة أوجه: البيان والإدغام بوجهيه وفي مثل: ادّان الإدغام فقط؛ لاجتماع المثلين، وفي مثل: اذ ذكر ثلاثة أوجه: البيان والإدغام بوجهيه، وفي مثل: ازدجر وجهان: البيان والإدغام -
الجزء: 10 - الصفحة: 5188
................................
بقلب الثاني إلى الأول، ولا يجوز العكس، وفي مثل: اطّلع الإدغام فقط للمثلين وفي مثل: اظطلم ثلاثة أوجه: البيان والإدغام بوجهيه، وينشد بيت زهير وهو:
4332 - هو الجواد الّذي يعطيك نائله... عفوا ويظلم أحيانا فيظّلم 1277
بالأوجه، وفي مثل: اصطبر وجهان: البيان والإدغام، بقلب الثاني إلى الأول، وفي مثل: اضطرب ثلاثة أوجه: البيان والإدغام بوجهين.
انتهى.
وقد تقدم من كلام المصنف في إيجاز التعريف أن الإدغام في نحو: اضطرب إنما هو بجعل الطاء ضادا، فيقال: اضّراب في: اضطراب، وأن العكس شاذ.
قالوا في اضطجع: اطّجع، وعلى هذا فوجها الإدغام في مثل اضطراب ليسا على السواء، بل الوجه الواحد وهو قلب الثاني إلى الأول هو المعول عليه والمعمول به.
وأما الوجه الآخر فشاذ محكوم بمنعه، إلا فيما سمع ومن ثم قال ابن الحاجب لما ذكر اصطبر واضطراب، وأن الإدغام فيهما جائز: إنه يقال: اصّبر و: اضّرب، لامتناع: اطّبر و: اطّرب 1278، وقال ابن هشام الخضراوي: لا يقولون: اطرب، يعني في:
اضطراب؛ لئلا تذهب الاستطالة التي في الضاد.
ثم ذكر: اطجع، وقال: إنه شاذ، وكلام هذين الإمامين واضح 1279، موافق لكلام المصنف - رحمهم الله تعالى أجمعين - وأما قوله: وقد تبدل دالا بعد الجيم فمثاله قولهم: اجدمعوا في اجتمعوا وقولهم في اجتزّ: اجدزّ، وقد تقدم ذكر المسألة فيما نقلناه عنه من إيجاز التعريف.
الحديث: 4332 - الجزء: 10 - الصفحة: 5189
[الإعلال بالحذف]
قال ابن مالك: (فصل: من وجوه الإعلال الحذف، ويقلّ في غير لام وغير حرف لين أو همزة أو هاء أو حرف متّصل بمثله).
قال ناظر الجيش: اعلم أن الحذف قسمان: إعلالي، وغير إعلالي.
ثم إن من المصنفين من (أفرد) غير الإعلالي بباب وجعله قسيما لباب الإعلال، والمصنف لم يعتمد ذلك، بل جعل الحذف كله إعلالا فأدرجه في باب الإعلال، ومن ثم قال:
من وجوه الإعلال [6/ 196] الحذف، وأشار إلى المقيس منه والشاذ، وبدأ بالمقيس فذكره في هذا الفصل، وأول الفصل الذي يليه، ثم ختم الفصل الثاني بالشاذ، ثم إنه قدّم على ذلك ما هو كالأصل فقال: إنه يقل الحذف في غير لام وأنه يقل في اللام إذا كانت غير حرف لين، وكذا يقل فيها - أيضا - حيث هي همزة أو هاء أو حرف متصل بمثله فقوله: أو همزة أو هاء أو حرف متصل بمثله معطوف على قوله: وغير حرف لين لا على المجرور بغير، قال الشيخ في تقرير هذا الموضع ما نصّه:
لما قرر يعني المصنف أن الحذف يقل في غير لام، أشعر أن اللام يكثر فيها الحذف، ثم قرر أن الحذف أيضا يقل في اللام إذا كانت غير حرف لين، فأشعر أنه يكثر حذف حرف اللين إذا كان لاما، ثم عطفت، أو همزة على غير لا على حرف لين؛ لأنه لو كان معطوفا على ما بعد غير للزم أن يقلّ الحذف إذا كانت اللام غير همزة، وغير هاء وغير حرف متصل، وأشعر أنه يكثر الحذف إذا كانت اللام همزة أو هاء أو حرفا متصلا بمثله، ولا تساعد الأحكام على ذلك؛ لأن ذلك لم يكثر، وكان إذ ذاك يناقض قوله في آخر الفصل الذي يلي هذا الفصل: وشذ في الأسماء حذف اللام... إلى آخره، وفيه وبقلة إن كان هاء أو همزة فلذلك يقال: إن هذه الثلاثة معطوفة على غير لا على ما أضيف إليه غير، فيصير التقسيم إلى معنى قولنا:
حذف الفاء والعين قليل، وحذف اللام كثير، ثم اللام إن كانت حرف لين فهو فيها كثير، وإن كانت غيره فهو قليل،
ثم عطف على هذا العام خاصّا وهو الهمزة والهاء والحرف المتصل بمثله ولو أسقط لفظة (أو) فكان يقول: في غير حرف لين همزة أو هاء، أو حرف متصل بمثله لكان أحسن؛ إذ كان لم يترك من المحذوف -
الجزء: 10 - الصفحة: 5190
[حذف الواو من المثال في المضارع كيعد]
قال ابن مالك: (فمن مطّرده حذف الواو، من مضارع ثلاثي فاؤه واو استثقالا ولوقوعها في فعل بين ياء مفتوحة وكسرة ظاهرة كيعد أو مقدرة كيقع ويسع، وحمل على ذي الياء أخواته والأمر والمصدر الكائن على فعل محرّك العين بحركة الفاء معوّضا منها هاء تأنيث وربّما فتحت عينه لفتحها في المضارع).
اللام غير حرف اللين شيئا من الحروف (إلا الحاء) 1280. انتهى.
ومثال حذف الفاء: ناس في أناس على أحد القولين فيه 1281، ومثال حذف العين سه في سته، وأما مثال اللام فكثير نحو: أب وأخ ودم، ومثال حذف غير حرف اللين: حرفي حرج 1282، وأما حذف الهمزة والهاء والحرف المتصل بمثله فسيأتي الكلام عليه في آخر الفصل الذي يلي هذا الفصل، حيث ذكره المصنف 1283.
قال ناظر الجيش: يشير بهذا الكلام إلى حذف الواو من نحو: يعد ويلد، وهو مضارع كل فعل ثلاثي فاؤه واو فاحترز بقوله: ثلاثي من مضارع رباعي نحو:
يوعد من أوعد، فإن الواو لا تحذف لوجهين: أحدهما: أنها وليت حركة تجانسها.
والثاني: أنها لم تقع بين ياء وكسرة؛ لأن الهمزة المحذوفة فاصلة بينهما؛ إذ الأصل يأوعد، وناقش الشيخ المصنف في قوله: فاؤه واو يعني أنه لا حاجة إلى ذلك؛ لأن قوله: قبل حذف الواو، مغن عنه 1284، واحترز بقوله: في فعل من وقوعها في اسم فإنها لا تحذف كما سنذكره؛ لأن الاستثقال الذي في الفعل ليس في الاسم، وقوله: بين ياء مفتوحة احتراز من أن تكون الياء مضمومة، ولو وجدت الكسرة بعد -
الجزء: 10 - الصفحة: 5191
................................
الواو نحو: يوعد، وقد ذكرت العلة في ذلك، ومن أن تكون الياء مضمومة وبعد الواو فتحة نحو: يوعد 1285 لانتفاء الأمرين معا، وهما فتحة الياء والكسرة بعد الواو، وكذا لو وجدت الياء المفتوحة قبل الواو لم توجد الكسرة بعدها بل وجدت ضمة، فإن الواو لا تحذف نحو: وسم يوسم، ووقح يوقح، ووضؤ يوضؤ، ووطؤ يوطؤ 1286. وأما قولهم: وجد يجد بضم الجيم وحذف الواو فشاذ كما سينبه عليه المصنف 1287، ثم إن الكسرة إما ظاهرة كما مثلها المصنف بنحو: يعد، وإما مقدّرة كما في المثالين اللذين ذكرهما وهما يقع ويسع، وبيان أن الكسرة فيهما مقدرة:
أما وقع، فقياسه أن يكون مضارعه على يفعل بكسر العين نحو: وعد، فعدل به عما اقتضاه القياس لعلة أخرى، وهي أن ما كانت لامه أو عينه حرف حلق فقياسه أن يكون مضارعه على يفعل بفتح العين، ففتح العين إنما جاء من جهة كون اللام حرف حلق، ولولا حرف الحلق لكانت العين مكسورة؛ لأن قياس كل مضارع للفعل المعتل الفاء بالواو أن يكون على يفعل بكسر العين، وإنما فتحت لأمر آخر فأجري المفتوح العين مجرى المكسور العين في حذف الواو، وأما يسع فإنه على القياس؛ لأن ماضيه فعل وقياس فعل أن يأتي مضارعه على يفعل نحو: وجل يوجل ووجل لكنهم شذوا في أفعال قليلة، فأتوا بمضارعها على يفعل بكسر العين نحو:
ومق يمق ووثق يثق 1288. ودلّ حذف الواو من يسع على أن وسع حكمه حكم ومق في أنهم أتوا بمضارعه على يفعل غير أنهم فتحوا العين لأجل حرف الحلق.
فصار حكم الفتحة في يسع حكم الفتحة في يقع، فمن ثم حكم فيهما بأن الكسرة في العين مقدرة بمعنى أن العين تستحقها، أما في نحو: يقع فبحق الأصالة، وأما في يسع، فلأن حذف الواو منه دلّ على أنهم أجروه مجرى: يمق ويثق، وما أحسن قول ابن الحاجب عند ذكر حذف الواو من يعد ويلد: وحملت فتحة يسع ويضع على العروض ويوجل على الأصل وشبهتا بالتجاري والتجارب 1289، يعني أن أصل -
الجزء: 10 - الصفحة: 5192
................................
يسع ويوسع فتحت العين بحرف الحلق، وأما يوجل مضارع وجل فإن الفتحة فيه مثلها في يوجل على أصل البناء، والفتحة في يسع عارضة مجتلبة لحرف الحلق، وشبهت الفتحة في يسع بالكسر في التجاري حيث كانت عارضة؛ لأن أصله تجاري فقلبت الضمة كسرة؛ لأنها متطرفة وشبهت الفتحة في يوجل بالكسرة في التجاري حيث كانت الكسرة أصلية؛ لأنه جمع تجربة فقياس جمعه تفاعل بكسر العين وقول المصنف: وحمل على ذي الياء أخواته ظاهر، والمقتضي لذلك أن تجري الباب مجرى واحدا، ونظير هذا الحمل حملهم تكرم وتكرم ويكرم في حذف الهمزة على أكرم، وقوله: في الأمر والمصدر الكائن على فعل محرك العين بحركة الفاء ظاهر أيضا ومثال الأمر عد وزن وزد، مثال المصدر الكائن على فعل محرك العين [6/ 197] بحركة الفاء معوضا منها هاء التأنيث: عدة وزنة وهبة، وسيأتي بسط ذلك، وأما قوله: وربما فتحت العين لفتحها في المضارع، فأشار به إلى نحو:
ضعة ودعة وسعة وزنة 1290 والمضارع من هذه الكلمات: يضع ويدع ويسع ويزن، وأنا أورد الآن كلام المصنف الذي أورده في إيجاز التعريف فإنه يفيد شرح مسائل هذا الفصل، وفيه إشارة إلى تعليل الأحكام التي يذكرها.
قال رحمه الله من وجوه الإعلال الحذف، وهو مطرد وغير مطرد؛ فالمطرد كحذف الواو الكائنة فاء في يصف ويعد ونحوهما؛ لاستثقالهما بين ياء مفتوحة وكسرة لازمة فلو كانت الياء مضمومة لثبتت الواو لتقويمها بأن وليت ما يجانسها من الحركات نحو: يوعد، فلو كان بدل الكسرة ضمة أو فتحة أيضا نحو: يوضؤ ويوجل؛ لأنها في يوضؤ من أجنبي ومجانس، وفي يوجل مستثقل، وبنو عامر رهط جميل بن معمر يقولون في مضارع وجد: يجد 1291، فلو وليتها فتحة في موضع كسرة حذفت الواو أيضا -
الجزء: 10 - الصفحة: 5193
................................
نحو: يضع، وأصله يوضع 1292 فحذفت الواو؛ ولا بد لحذفها من سبب؛ فإما أن تكون الياء وحدها أو مع الفتحة الموجودة أو مع ضمة منوية، أو مع كسرة منوية، منع من الأول والثاني ثبوت الواو في يوجل ونحوه، ومنع من الثالث ثبوتها مع الضمة الموجودة في يوضؤ ونحوه؛ لأن الموجود أقوى من المنوي، فتعين الرابع وهو أن يكون سبب حذف الواو والياء والكسرة المنوية، فكان وضع يضع في الأصل من باب: أضرب يضرب، ففتحت عين مضارعه لأجل حرف الحلق كما صنع بمضارع يقع وشبهه، وأما وسع يسع فكان في الأصل من باب: حسب يحسب، ففتحت عينه أيضا ونوي كسرها؛ فلذلك حذفت واوها، ولولا ذلك لقيل: يوسع كما قيل: يوجع، ثم افتتح فصلا ثانيا فقال: لما وجب حذف الواو المذكورة من المضارع في الياء حمل عليه ذو الهمزة وذو النون وذو التاء، فقيل: أعد ونعد وتعد كما قيل: يعد إجراء لبعضهن على حكم بعض، ولأن ذي الياء كالأصل لسائرها إذ يعبر به عما يعبر عنه بكل منهما نحو أن يقول: ما يفعل إلا أنا وإلا نحن وإلا أنت؛ فوجب أن تكون أخواته ملحقة به فيما وجب له.
ولما كان مواقع ذي الياء الأمر نحو قولك: ليعد فلان فلانا، حمل عليه الموضوع للأمر لتوافقهما معنى ووزنا نحو قولك: عد فلانا، ولولا الحمل على المضارع لقيل: أيعد، ولما أعل المضارع والأمر بالإعلال المذكور حمل المصدر المكسور الفاء الساكن العين، فحذفت فاؤه وحركت العين بحركتها، ولزم آخره هاء للتأنيث عوضا من الفاء المحذوفة وذلك نحو: زنة وعدة وكانا في الأصل وزنا ووعدا، ثم فعل بهما ما ذكر؛ لأن المصدر يصح لصحة فعله ويعتل لاعتلاله، وربما فعل ذلك بالمفتوح الفاء نحو: سعة ودعة، وقد ألحق الياء بالواو في هذا الإعلال من قال في يئس: يئس 1293 فلو توسطت الواو - - لو شئت قد تقع الفؤاد بشربة... تدع الصّوادي لا يجدن غليلا وانظر: الأشموني (4/ 341)، والتصريح (2/ 396)، وتوضيح المقاصد (6/ 96).
الجزء: 10 - الصفحة: 5194
[حذف الواو المذكورة من الأسماء كلدة]
قال ابن مالك: (وربّما فعل هذا بمصدر فعل، وشذّ في الصّلة صلة، وربّما أعلّ بذا الإعلال أسماء كرقة، وصفات كلدة، ولا حظّ للياء في الإعلال إلّا ما شذّ من قول بعضهم: يئس، ولا ليفعل إلّا ما شذّ من يجد ولا ليفعل إلّا ما شذّ من يذر ويدع في لغة، ولا لاسم تقع فيه الواو موقعها من: يعد، بل يقال في مثال يقطين من وعد: يوعيد).
المذكورة بين الياء والكسرة في اسم مرتجل لم يحذف؛ كيوعد وهو مثال يقطين من الوعد 1294. انتهى.
ولا يخفى أن كلامه هذا يستفاد منه شرح ما ذكره في التسهيل مع فوائد غير ذلك.
قال ناظر الجيش: الإشارة بقوله هذا إلى الحكم الذي تقدم ذكره في نحو: عدة، من حذف الواو وكسر العين أعني عين الكلمة، والتعويض عن المحذوف بهاء التأنيث، ومثال ذلك قولهم: وضع الرجل ضعة ووقح قحة حكى ذلك أبو الحسن 1295. وقوله: وشذ في الصلة صلة يعني بضم الصاد التي هي عين الكلمة، ولا شك أن ضم الصاد يدل على أن المصدر بني على فعلة بضم الفاء فكان القياس يقتضي أن يقال فيه: وصلة، لكنه لما كان قد حذف منه الواو حين بنوه على: فعلة فقالوا: صلة، أجروا فعلة مجرى فعلة شذوذا، وأشار بقوله: وربما أعل بذا الإعلال أسماء كرقة، وصفات كلدة إلى أن غير ما هو مصدر قد يعل هذا الإعلال، وهو إما اسم أو صفة فمن الأسماء: رقة وجهة 1296، أما رقة فكان القياس فيه أن لا يحذف الواو منها، وأن يقال: ورقة كما قالوا: وجهة إذا لم يجعلها مصدرا؛ لأن رقة ليس لها فعل حذف منه الواو؛ فالعلة الموجبة لحذف الواو في عدة مفقودة في رقة.
ومثل رقة في الشذوذ من الأسماء جهة إذا قيل فيه: إنه ظرف بمعنى المكان المتوجه إليه.
وأما الصفات فقد مثل لها المصنف بقوله: لدة.
قال الشيخ: فلدة عنده صفة -
الجزء: 10 - الصفحة: 5195
................................
لا مصدر 1297، فكان قياسها ألا تحذف الواو فكان يقال: ولدة، والدليل على الوصفية منها أنك تقول: مررت برجل
لدتك إذا كان قد ولد معك في زمان واحد، ويحتمل أن تكون لدة مصدرا في الأصل ووصف به، فلا يكون حذف الواو منه شاذّا كما زعم المصنف، ويقوّي هذا الاحتمال أن سيبويه نفى أن يكون شيء من الثلاثي الذي حذف منه حرف وأنث بالتاء صفة.
قال سيبويه: وما لحقته الهاء من الحرفين أقل مما فيه الهاء من الثلاثة؛ لأن ما جاء على حرفين ليس بشيء مع ما جاء على ثلاثة، وذلك قلة وثبة ولثة وشية ورقة وعدة، وما أشبه ذلك، وما يبنى على حرفين صفة حيث قلّ في الاسم، وهو الأول الأمكن 1298. انتهى.
قال: فهذا نص على أن مثل لدة لا يكون صفة، وإذا لم يكن صفة فكيف يصح قول المصنف: وصفات كلدة، وقد قال سيبويه: وقالوا: لدة كما حذفوا عدة 1299.
وقال الشلوبين: وقالوا: لدة بحذف الواو على أن جعلوها مصدرا 1300 مخبرا بها عن الاسم إرادة للمبالغة بمنزلة: سير في قولهم: ما أنت إلا سير، وأصله: ذو زمان لدة، فحذف الواو وأنيب زمان منابها.
ثم حذف زمان، وأنيب لدة منابه فيكون حذف الواو منه على هذا القول غير شاذ، وعلى أن يكون اسما غير مصدر شاذ 1301. انتهى.
وأما قول المصنف [6/ 198]: ولا حظ للياء إلى قوله: إلا ما شذ من يجد، فقد تقدم ذكر ذلك فيما نقلناه عنه من إيجاز التعريف، وقوله: ولا ليفعل إلا ما شذ من يذر ويدع 1302 في لغة، يريد به أن اللغة القياسية أن يقال: يوذر ويودع؛ لأن الواو لم تقع بين ياء وكسرة وقد وجه الشذوذ في هاتين الكلمتين؛ لأنهم لم يعتدوا -
الجزء: 10 - الصفحة: 5196
[حذف همزة أفعل من مضارعه واسمي فاعله ومفعوله]
قال ابن مالك: (فصل: ومما اطّرد حذف همزة أفعل من مضارعه واسمي فاعله ومفعوله، ولا تثبت إلّا في ضرورة أو كلمة مستندرة). بالعارض، وهو كونه بني لما لم يسم فاعله، فحمل يذر ويدع على: يذر ويدع، قالوا: وحسن ذلك أيضا كون هذه الواو المحذوفة لم تظهر في شيء من تصاريف هذين الفعلين إلا على جهة الشذوذ، وذلك أنهما لم ينطق لهما بفعل ماض فتظهر فيهما الواو، وذلك أنهم استغنوا عنه: بترك، كما استغنوا عن اسم الفاعل بتارك، وعن اسم المفعول بمتروك، وعن المصدر بالترك، فلما لم يظهروا الواو في الكلمات المذكورة لفقدانها أجري المضارع المبني للمفعول مجراها في ترك الواو في هذه اللغة، واللغة الفصيحة القياسية أن يقال: يوذر ويودع بالواو لفقد العلة لحذفها. قال الشيخ: ويكون ذلك اعتدادا بالعارض 1303. انتهى. وفي إطلاق العارض على مثل هذا نظر، فإن الضم الواقع قبل الواو، والفتح الواقع بعدها كل منهما لازم حين يقصد بناء الفعل لما لم يسم فاعله، فلا يصدق العروض عليه إنما يصدق العروض على شيء يمكن أن يؤتى به، وأن لا يؤتى به. وأما قوله: ولا لاسم تقع فيه الواو موقعها من يعد... إلى آخره، فواضح وقد تقدم ذكر المسألة فيما نقل عنه من إيجاز التعريف، وإنما لم تحذف الواو من نحو: توعيد؛ لأن الحذف في الفعل إنما كان للاستثقال في ثقيل وهو الفعل. وأما الاسم فلا ثقل فيه. قال ناظر الجيش: قال المصنف في إيجاز التعريف: من الحذف المطرد حذف همزة أفعل من المضارع واسم الفاعل واسم المفعول كقولك: أكرم، يكرم، فهو مكرم، ومكرم، والأصل فيه أن يقال: يؤكرم ومؤكرم ومؤكرم لكن حذفت الهمزة من: أأكرم استثقالا لتوالي همزتين في صدر الكلمة، ثم حمل على ذي الهمزة أخواته والمفعل والمفعل، لتجري النظائر على سنن واحدة، ولم يستعمل الأصل إلا في الضرورة كقول الشاعر: 4333 - فإنّه أهل لأن يؤكرما 1304
الحديث: 4333 - الجزء: 10 - الصفحة: 5197
[حذف فاءات خذ وكل ومر]
قال ابن مالك: (ومن اللّازم حذف فاءات خذ وكل ومر، وإن ولي مر واوا أو فاء فالإثبات أجود، وخذ وكل
بالعكس ولا يقاس على هذه الأمثلة غيرها إلّا في الضّرورة).
وشذ قولهم في السعة: أرض مؤرنبة أي: كثيرة الأرانب، وكذلك قولهم: كساء مؤرنب إذا خلط صوفه بوبر الأرنب 1305، فلو غيرت همزة أفعل بقلبها هاء أو عينا لم تحذف إلا من التقاء همزتين، ومن ذلك قولهم: هراق الماء يهريقه فهو مهريق، والماء مهراق 1306 وعبهل الإبل يعبهلها فهو معبهل، والإبل معبهلة، أي: مهملة 1307.
انتهى.
وإلى نحو: مؤرنبة الإشارة في التسهيل بقوله: أو كلمة مستندرة.
قال ناظر الجيش: قد تقدمت الإشارة إلى أن الحذف المقصود بالذكر في هذين الفصلين مقيس وشاذ وقد ذكر المقيس، وكأنه من هنا شرع في ذكر الشاذ، ثم الشاذ منه ما هو لازم مع كونه شاذّا وما هو غير لازم، وعلى هذا فالحذف: مطرد وهو المقيس، وغير مطرد وهو الشاذ، وغير المطرد: لازم وغير لازم، وهذا التقسيم هو الذي يقتضيه كلامه في إيجاز التعريف إذا عرف هذا، وقد قلنا: إنه شرع في ذكر الشاذ - فاعلم أنه قد ذكر اللازم منه على غير اللازم، وأشار إلى ذلك بقوله:
ومن اللازم حذف فاءات خذ... إلى آخره.
قال في إيجاز التعريف: ومن الحذف اللازم غير المقيس عليه حذف فاءات: خذ وكل ومر، والأصل: اؤخذ واؤكل واؤمر 1308؛ لأنهن من الأخذ والأكل والأمر، ولكنها خففت لكثرة الاستعمال - - الأصل في مضارع الرباعي، والمستعمل: يكرما بحذف الهمزة.
انظر المقتضب (2/ 98)، والمنصف (1/ 37، 2/ 184)، والخصائص (1/ 144)، والمخصص (16/ 108)، والإنصاف (1/ 11، 239، 375)، وخزانة الأدب للبغدادي (1/ 368)، والتصريح (2/ 396)، والهمع (2/ 218)، والأشموني (4/ 343)، وتوضيح المقاصد (6/ 98).
الجزء: 10 - الصفحة: 5198
................................
ولا يقاس عليها غيرها كالأمر من أجر الأجير وأسر الأسير؛ لانتفاء الاستعمال، وقد استعمل: مر، على الأصل دون أخويه لأنه أقلّ استعمالا منهما.
قال الله تعالى:
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ 1309. انتهى.
ولم يجعل سيبويه لهذا الحذف علة سوى السماع المحض 1310، وقد حكى أبو علي
وابن جني: اؤخذ واؤكل على الأصل، إلا أن ذلك في غاية الشذوذ استعمالا 1311. قال الشيخ: ونصّ سيبويه في باب عدة ما يكون عليه الكلم على أن بعض العرب يتم فيقول: أوكل.
قال: كما أن بعضهم يقول في غد غدو 1312، وقال في باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف: ولا يحملهم إذ كانوا يثبتون، فيقولون في مر: أومر، أن يقولوا في خذ:
أوخذ، وفي كل: أوكل 1313، يعني كثيرا فصيحا في لغتهم أجمعين.
أو أكثرهم أو مساويا هو وخذ بخلاف مر، فإن الإظهار كثير فصيح 1314. انتهى.
وقد عرف من كلام المصنف أنّ: وأمر، أو: فأمر بالإثبات أجود من: ومر وفمر بالحذف، وأنّ:
وخذ وكل، أو: فخذ فكل بالحذف أجود من وأخذ وأكل وفأخذ فأكل بالإثبات 1315، وأما قوله: ولا يقاس على هذه الأمثلة غيرها إلا في الضرورة، فالمراد به ما أراده في إيجاز التعريف بقوله: وقد شبه بعض العرب بخذ وبابه الأمر من أتى فقال:
4334 - ت لي آل زيد، واندهم لي جماعة... وسل آل زيد أيّ شيء يضيرها 1316
انتهى.
والأصل: ائت، فحذفت فاء الكلمة، ثم انحذفت همزة الوصل للاستغناء -
الحديث: 4334 - الجزء: 10 - الصفحة: 5199
[حذف عين فيعلولة]
قال ابن مالك: (ومن اللّازم حذف عين فيعلولة كبيّنونة.
وليس أصله فعلولة، ففتحت فاؤه لتسلم الياء خلافا للكوفيّين، ويحفظ هذا الحذف في عين فيعلان وفيعل وفيعلة، وفاعل وربّما حذف ألف فاعل مضاعفا، والرّدّ إلى أصلين أولى من ادّعاء شذوذ حذف أو إبدال).
عنها، ولا شك أن هذا مختص بالضرورة كما ذكر، ثم إن المصنف أردف كلامه في إيجاز التعريف على: خذ وكل ومر بأن قال: ومن هذا القبيل حذف همزة أفعل التفضيل في قولهم: هو خير من هذا أو شر من ذاك.
والأصل: أخير وأشر 1317، وربما استعملا كذلك.
وقال أيضا بعض العرب في التعجب: ما خير هذا!
قال ناظر الجيش: يقتضي إيراد المصنف هذه المسألة أعني مسألة فيعلولة عقيب مسألة خذ وكل ومر - أن يكون الحذف من فيعلولة على غير قياس، وإن كان لازما، وربما يعطي ظاهر كلام ابن عصفور خلاف ذلك.
ثم اعلم أن عين فيعلولة قد تكون ياء وقد تكون واوا، وعلى [6/ 199] التقديرين يلزم اجتماع يائين؛ لأنها إن كانت ياء أدغمت الياء الأولى فيها، وإن كانت واوا وجب قلبها ياء فيجيء الإدغام، وعند ذلك يحصل الثقل فتحذف الياء التي هي عين سواء أكانت أصلا بنفسها أم منقلبة عن واو، وهذا الحذف لازم في هذا الوزن.
قال ابن عصفور: وإنما لزم الحذف فيما كان على هذا الوزن؛ لأن الكلمة بلغت الغاية في العدد إلا حرفا واحدا؛ لأنها على ستة أحرف.
قال: ولما كان الحذف في فيعل نحو: سيد جائزا كان في هذا الذي ازداد ثقلا بالطول واجبا.
ومن أمثلة ذلك بينونة وطيرورة، وكينونة وقيدودة.
وقد استدل على أن أصل هذه الكلمات فيعلولة لا فعلولة بدليلين:
أحدهما: أن كينونة وقيدودة في ذوات الواو، فلولا أن الأصل فيعلولة لقيل:
كونونة وقودودة؛ إذ لا موجب لقلب الواو ياء.
الثاني: أنه ليس في كلام العرب فعلولة.
قال ابن عصفور: فإن قيل: فإنهما مصدران وليس في المصادر ما هو على وزن فيعلولة.
فالجواب: أن فيعلولة قد تثبت في غير المصادر نحو: خيسفوجة، ولم -
الجزء: 10 - الصفحة: 5200
................................
يثبت فعلولة في موضع من المواضع، فحمله على ما يثبت في بعض المواضع أحسن إن أمكن وإلا فقد يجيء
المعتل على بناء لا يكون للصحيح وممّا يدل على أن الأصل في هذا الوزن فيعلولة مجيء كيّنونة على الأصل.
أنشد المبرد 1318:
4335 - قد فارقت قرينها القرينه... وشحطت عن دارها الظّعينه
يا ليت أنّا ضمّنا سفينه... حتّى يعود الوصل كيّنونه 1319
انتهى.
وهذا قول البصريين وهو مذهب سيبويه 1320 ثم أشار المصنف إلى القول الآخر في هذا الوزن بقوله: وليس أصله فعلولة، ففتحت فاؤه لتسلم الياء خلافا للكوفيين فنسب هذا القول إلى الكوفيين.
لكن ابن عصفور لم يعزه إلا إلى الفراء خاصة، فقال بعد ذكر كينونة، وقيدودة: وزعم الفراء 1321 أنها في الأصل: كونونة وقودودة بضم الفاء، وكذلك في صيرورة وطيرورة، مصدري: صار وطار، ثم قلبت الضمة فتحة في صيرورة وطيرورة لتصح الياء، ثم حملت ذوات الواو على ذوات الياء ففتحوا الفاء وقلبوا الواو ياء؛ لأن مجيء المصادر على فعلولة أكثر ما يكون في ذوات الياء، نحو: صيرورة وسيرورة وطيرورة وبينونة 1322. قال ابن عصفور: وهذا -
الحديث: 4335 - الجزء: 10 - الصفحة: 5201
................................
الذي ذهب إليه فاسد من جهات: منها: أن ادعاءه قلب الضمة فتحة لتصحّ الياء مخالف لكلام العرب.
بل الذي اطرد في كلامهم أنه إذا جاءت الياء ساكنة بعد ضمة قلبت واوا نحو قولهم: موقن وعوطط، وهما من اليقين والتعيّط.
ومنها: أن الضمة إذا قلبت لتصح الياء فإنما تقلب كسرة كما فعلوا في بيض، لا فتحة.
ومنها: أن حمله ذوات الواو على ذوات الياء ليس بقياس مطرد.
ومنها: أن ما ادعاه من أن فعلولة من ذوات الياء قد كثر غير مسلّم.
بل هذا الوزن في المصادر قليل في ذوات الياء 1323.
ثم أشار المصنف إلى أن هذا الحذف - أعني حذف العين إذا جاورها حرف علّة - يحفظ في أربع كلمات، وهي فيعلان وفيعل وفيعلة وفاعل، أما فيعلان فنحو: ريحان أصله: ريوحان؛ لأن أصله: روح 1324، فقلبت الواو ياء على القاعدة المعروفة.
وقد حصل الإدغام فصار ريحان، ثم حذفت عين الكلمة، ووزن الكلمة بعد الحذف: فيلان 1325، وإنما جعل المصنف هذا من باب المحفوظ؛ لأنه لا يطرد فيه الحذف، ولهذا لم يحذف من: تيّحان 1326 وهو الكثير الكلام العجول، ولا من هيّبان 1327 وهو الجبان، وأما فيعل وفيعلة فنحو: سيّد وسيّدة وليّن وليّنة.
الأصل سيود وسيودة، فحصل الإبدال والإدغام، ثم خفّفت الكلمة بحذف العين، وقد جعل المصنف الحذف في ذلك محفوظا، يعني أنه لا ينقاس.
ويقتضي كلام ابن عصفور أن الحذف مقيس، وقد أطال الكلام في هذه المسألة، فأنا أذكر كلامه قال رحمه الله تعالى: فيعل نحو: سيّد وميّت.
إن كان من ذوات الياء أدغمت الياء في الياء من غير تغيير، وإن كان من ذوات الواو قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء فمن ذوات الياء: لين، ومن ذوات الواو: سيّد وميّت وإن شئت حذفت الياء المتحركة تخفيفا، فقلت: سيد وميت ولين؛ لاستثقال يائين وكسرة، والفارسي لا يجيز التخفيف في ذوات الياء قياسا فلا يقول في بيّن: بين، قياسا على لين، ويقيس ذلك في ذوات الواو وحجته أن ذوات الواو قد كانت الواو فيها قد قلبت ياء فخففت بحذف إحدى اليائين منها؛ لأن التغيير يأنس بالتغيير، ألا ترى أنهم -
الجزء: 10 - الصفحة: 5202
................................
يقولون في النسب إلى فعيل: فعيلي فلا يحذفون الياء، ويقولون في النسب إلى فعيلة: فعلي، فيحذفون الياء لحذفهم التاء، وزعم البغداديون 1328 أن سيّدا وميّتا وأمثالهما في الأصل على وزن فيعل بفتح العين، والأصل: سيد وميت ثم غير على غير قياس، كما قالوا في النسب إلى بصرة: بصري بكسر الباء والذي حملهم على ذلك أنه لم
يوجد فيعل في الصحيح مكسور العين، بل يكون مفتوحها نحو:
صيرف وصيقل.
وهذا الذي ذهبوا إليه فاسد؛ لأنه لا ينبغي أن يحمل على الشذوذ ما أمكن، وأيضا فإنّه لو كان كتغيير بصري لم يطرد اطراده في مثل سيّد وميّت وليّن وهيّن وهذا دليل على بطلان ما ذهبوا إليه، فأما مجيئه على فيعل مع أن الصحيح لم يجئ على ذلك؛ فليس بموجب لادعاء أنه في الأصل مفتوح العين؛ لأن المعتل قد ينفرد في كلامهم ببناء لا يوجد في الصحيح 1329، وذلك نحو: قرية، قالوا في جمعها: قرى ولا يجمع فعل من الصحيح على فعل أصلا، وكذلك نحو:
قاض وغاز، قالوا في جمعهما: قضاة وغزاة، فجمعوها على: فعلة بضم الفاء ولا يجمع الصحيح اللام إلا بفتح الفاء نحو: ظالم وظلمة، وكافر وكفرة وذهب الفراء إلى أن الأصل في سيد: سويد على وزن فعيل ثم قلب، وكذلك ما كان نحوه، وحمله على ذلك عدم: فيعل بكسر العين في الصحيح.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأن القلب ليس بقياس.
وأيضا فإنه لم يجئ على الأصل في موضع، ولو كان الأمر كما ذكر لسمع سويد ومويت 1330. انتهى كلام ابن عصفور غير ما حذفته منه فلم أذكره وأما فاعل فنحو: هار وشاك، أصلهما: هاير وشايك 1331.
قال المصنف في إيجاز التعريف في فصل ثالث من الفصول التي ذكر الحذف فيها:
ومن الحذف ما لا يطرد ولا يلزم كحذف عين فاعل المعتل مثل قولهم في هاير وشايك: هار وشاك ويمكن أن يكون المحذوف [6/ 200] من هذين ونحوهما إنما هو الألف الزائدة كما حذفت في فاعل المضاعف.
كقولهم في رابّ وبارّ وسارّ -
الجزء: 10 - الصفحة: 5203
................................
وفارّ: ربّ وبرّ وسرّ وفرّ.
وقد استعمل في فاعل المعتل العين التحويل كثيرا، فقالوا:
هار وشاك، فجعلوا العين موضع اللام، واللام موضع العين ليكون الإعلال في الآخر؛ إذ هو به أولى، وقد يحملهم الاعتناء بظهور الإعراب على عكس هذا التحويل، كقولهم في تراق جمع ترقوة: ترائق 1332. انتهى وهو كلام واضح،
ينبغي أن يعلم أن العين في هار وشاك واو، فلما حولا صارت الكلمة: هارو وشاكو.
فلما وقعت الواو طرفا وقبلها كسرة انقلبت ياء كما في غازي وراعي، فصارت الكلمة: هاري وشاكي، فعمل فيهما ما يعمل في قاض.
ووزن هار:
فالع، وكذا شاك لما عرفت من أن الزنة تقلب لقلب الموزون، وثبت أن في: هاير وشايك لغتين القلب والحذف ولكن الحذف أكثر.
قال سيبويه: وأكثر العرب تقول: شاك ولاث 1333، يعني بحذف العين.
قال الشيخ: ولو ذهب ذاهب في مثل: شاك ولاث وهار إذا أعرب إعراب غير المنقوص إلى أن الألف التي فيه ليست ألف فاعل، بل هي عين الكلمة وأنها منقلبة عن واو، وأصله: شوك وهور ثم قلبوا كما قلبوا في: رجل قال أي: قول، لكان وجها.
ولكنّي لم أر أحدا ذهب إليه، وهو أسهل من ادعاء الحذف (3). انتهى.
قلت: وكون الألف الموجودة في نحو:
هار إذا لم تعرب إعراب المنقوص هي عين الكلمة، هو الذي ذكره المصنف حين قال: ويمكن أن يكون المحذوف من هذين ونحوهما، يعني: هارا أو شاكا، إنما هو الألف الزائدة كما حذفت في فاعل المضاعف، كقولهم في رابّ وبارّ: ربّ وبرّ 1334، لكن المصنف ذكر أن أصل الوزن: فاعل، وأن الألف الزائدة حذفت، وهذا هو الظاهر وأما الشيخ فإنه ذكر أن أصل الوزن: فعل دون ألف، ولا يخفى أن دعوى -
الجزء: 10 - الصفحة: 5204
[حذف عين الفعل الماضي]
قال ابن مالك: (ويجوز في لغة سليم حذف عين الفعل الماضي المضاعف المتّصل بتاء الضّمير أو نونه مجعولة حركتها على الفاء وجوبا إن سكنت، وجوازا إن تحرّكت، ولم تكن حركة العين فتحة، وربّما فعل ذلك بالأمر
والمضارع).
المصنف تقتضي أن اسم الفاعل جاء على أصله، ثم حذفت منه الألف الزائدة، ودعوى الشيخ تقتضي أنه جاء على غير ما حقه أن يجيء عليه؛ لأن فعلا من أوزان الصفة المشبهة، لا من أوزان اسم الفاعل وقوله: وربما حذف ألف فاعل مضاعفا يشير به إلى نحو: ربّ وبرّ وسرّ وفرّ، في: رابّ وبارّ وسارّ وفارّ، وقد تقدم ذكر ذلك، وأما قوله: والرد إلى أصلين أولى من ادعاء شذوذ حذف أو إبدال فيشير به إلى نحو: دمث ودمثر، وإلى نحو: مدح ومده، فقال: إن الرد إلى أصلين أولى من ادعاء شذوذ حذف في الأول، ومن ادعاء شذوذ إبدال في الثاني أما دمث ودمثر فيحتمل كونهما أصلين، فيكون تركيب: دمث (د م ث)، وتركيب دمثر:
(د م ث ر) 1335، ولا شك أن معنى: دمث ودمثر واحد فتكون إحدى الكلمتين مرادفة للأخرى.
ويحتمل أن تكون دمثرا هو الأصل، وأن نحو: دمث حذفت منه الراء شذوذا.
ولا شك أن الراء ليست من حروف الزيادة، فيكون حذفها شاذّا وحينئذ فادعاء، الأصالة في كل من الكلمتين.
أولى من ادعاء أن الأصل واحد لما يلزم في ذلك من شذوذ الحذف، ونحو: دمث ودمثر وسبط وسبطر.
قال الشيخ:
وهندكي، وفيما قال نظر، وقد تقدم الكلام على هذه الكلمة بما فيه غنية، وأما:
مدح ومده فيحتمل كونهما أصلين كما تقدم في دمث ودمثر، وأن يقال: إن الهاء بدل من الحاء لكن إبدال الحاء من الهاء لم يثبت.
فالقول بالإبدال فيه شذوذ، وإن كان كذلك فالرد إلى أصلين أولى من ادعاء شذوذ الإبدال المذكور، والظاهر أن مراد المصنف بقوله: والرد إلى أصلين أولى - أن الرد إلى أصلين واجب إن أدى ترك القول به إلى دعوى حذف شاذ، أي: لا يعرف أو إبدال كذلك.
قال ناظر الجيش: أما ما ذكره من حذف عين الفعل الماضي المقيد باتصاله بما ذكر، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5205
................................
فيشير به إلى قولهم: مست وظلت وأحست 1336 وأحبت في: مسست وظللت وأحسست وأحببت.
والمراد منه: كل فعل ماض مضاعف العين مسند إلى تاء الضمير أو نونه.
وحاصل الأمر فيما ذكره من ذلك منسوبا إلى لغة سليم: أن أصحاب هذه اللغة يجوز عندهم حذف عين الفعل الماضي المضاعف إذا أسند إلى تاء الضمير أو نونه كمست ومسن، وأحست وأحسن فقوله: الماضي يشمل الثلاثي نحو: ظل ومس، وما زاد على الثلاثة نحو: أحسّ وانحط، ثم الثلاثي إما أن توافق حركة عينه حركة فائه أو تخالفها، فإن وافقت اقتصر على الحذف؛ فيقال في هممت:
همت، وفي هززت: هزت، وكذا إذا كان الفعل زائدا على الثلاثة، وفاؤه متحركة، كقولك: انحطن في: انحططن، وإن خالفت حركة عين الثلاثي حركة فائه ففيه على هذه اللغة استعمالان: أحدهما: هذا، وهو الاقتصار على حذف العين دون نقل حركتها إلى الفاء.
والآخر: حذف العين مع نقل حركتها إلى الفاء فيقال في مس إذا أسند إلى التاء أو النون: مست ومسن بفتح الميم، و: مست ومسن بكسرها، هذا كله إذا كانت فاء الكلمة - أعني التي هي الفعل الماضي - متحركة، وذلك في الثلاثي وفيما زاد على الثلاثة إذا كانت فاؤه متحركة كما تقدم تمثيله.
فإن كانت الفاء من الماضي ساكنة كان نقل حركة العين إليها عند حذف العين واجبا؛ فرارا من التقائها ساكنة مع اللام، وهي ساكنة أيضا؛ لكون الفعل مسندا إلى التاء والنون، وذلك نحو قولك: أحست وأحبت في: أحسست وأحببت، وهذا الذي أوردته هو معنى ما أورده المصنف وإن اختلفت العبارة، فقوله: ويجوز في لغة سليم إشارة إلى أن الحذف الذي ذكره مخصوص بلغة هؤلاء.
قال الشيخ: وقوله: يجوز يدل على أن ذلك ليس على جهة الوجوب 1337، يعني: أن -
الجزء: 10 - الصفحة: 5206
................................
ذلك عندهم إنما هو على سبيل الجواز.
قال: إلا أن قوله في باب التقاء الساكنين مشيرا إلى حكم هذه المسألة: إن ذلك لغة سليم - يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم لا يجيزون غيره.
والآخر: أنهم يجيزون معه غيره 1338، وقوله 1339: عين الفعل الماضي يشمل الثلاثي نحو: ظلّ ومسّ وهمّ، وما زاد على الثلاثة نحو: أحسّ وأحبّ وانحط، وقوله: وجوبا إن سكنت؛ قد عرفت أن مثاله [6/ 201]:
حست في أحسست.
وقوله: وجوازا إن تحركت - يفهم منه أن نحو: مست، من مسست فيه الأمران؛ لأنه إذا كان جعل حركة العين على الفاء غير واجب، بل جائزا؛ علم منه جواز أن لا يجعل الحركة المذكورة على الفاء أيضا وقوله: ولم تكن فتحة قد عرفت أن حركة العين إذا كانت فتحة فيقتصر على الحذف دون نقل كما في: همت؛ إذ لا
فائدة في النقل حينئذ؛ لأن ما قبل الفتحة المذكورة لا يكون إلا مفتوحا، وإذا تقرر ما قلناه علم أن في نحو: ظل إذا أسند إلى التاء أو النون ثلاثة أوجه.
هي ظللت تامّا، وظلت بحذف العين دون نقل حركة العين إلى الفاء و (ظلت) 1340 بالحذف مع النقل، وكذا إذا أسند إلى النون وأن في نحو كل من:
هم وأحس إذا أسند إلى واحد من الضميرين المذكورين؛ وجهين وهما هممت وهممن، وأحسست وأحسسن بالتمام، وهمت وهمن، وأحست وأحسن بالحذف، وقد ذكروا العلة المقتضية لحذف العين فقالوا: إنما حذفت تشبيها لها بحرف العلّة فكما حذفت العين في أظلت وأظلن، وخفت وخفن و: انقدت وانقدن، حذفوا هنا، وذلك أن الإدغام إعلال للكلمة؛ لأن حركة العين أذهبها الإدغام كما ذهبت حركة حرف العلة لأجل القلب في: أطال وأخاف، فشبهت عين الكلمة في المضعف بعينها في المعتل، وكان ذلك في نوع من المضعف، وإن كان الحذف في المعتل لا يختص بنوع من الأفعال؛ إذ هو يكون في ماضيه وأمره -
الجزء: 10 - الصفحة: 5207
................................
ومضارعه، نحو: خفت وخفن ولا تخفن؛ لأن المشبه بالشيء لا يقوى قوته، وقد جاء الحذف قليلا في الأمر والمضارع؛ لأنهما جاريان على الماضي في الاعتلال والصحة فكأنه هو الأصل في ذلك، واسم الإشارة في قول المصنف: وربما فعل ذلك بالأمر والمضارع، مشار به إلى ما تقدم من حذف عين الكلمة ونقل حركتها إلى الفاء إذا أسند أحد الفعلين المذكورين إلى نون الإناث.
وقد عرفت أن نقل الحركة المذكورة إلى الفاء إنما يكون عند المخالفة، أعني مخالفة حركة العين لحركة الفاء؛ فعلى هذا إنما يكون ذلك إذا كان المضارع على يفعل بكسر العين وحينئذ تكون العين مكسورة في الأمر - أيضا - من ذلك الفعل، وإذا أسند كل منهما إلى النون سكن آخره، فيقال في يقررن مضارع قر: يقرن، وفي الأمر منه: قرن، وأصله: اقررن، أما إذا كان المضارع على يفعل بفتح العين، فلا يخفف هذا التخفيف، إلا أنه قد قرأ نافع 1341 وعاصم 1342: وقرن فى بيوتكن 1343 وأصله:
اقررن من: قرّ بالمكان يقر بمعنى يقر ثم خفف بالحذف وهو قليل؛ لأن هذا التخفيف إنما هو للمكسور العين، قال المصنف في شرح الكافية - لما ذكر أنه يقال في يقررن واقررن: يقرن وقرن -: وإن كانت العين مفتوحة فالحذف قليل، حكاه الفراء ولا يقاس عليه ما ورد منه، ولا يحمل عليه إن وجد عنه مندوحة، وقد حمل بعض العلماء على ذلك قراءة نافع وعاصم: وقرن فى بيوتكن زاعما أنه يقال:
قررت بالمكان، أقرّ به، كما يقال: قررت به أقر ذكر ذلك ابن القطاع 1344، وقيل:
إنه من قار يقار على زنة خاف يخاف، ومعناه: الاجتماع، أي: اجتمعن في -
الجزء: 10 - الصفحة: 5208
[حذوف أخرى مختلفة]
قال ابن مالك: (وبعض العرب يحذف همزة يجيء ويسوء وإحدى ياءي يستحيي ويجريهنّ مجرى يفي ويستبي في الإعراب والبناء والإفراد وغيره).
بيوتكن، وكونه من المضاعف أولى 1345.
قال ناظر الجيش: اعلم أنه لا مقتضى لحذف لام يجيء ويسوء التي هي الهمزة؛ ولهذا أطبقت العرب على عدم الحذف إلا قليلا منهم؛ فإنهم قد يحذفون، ومن ثم نسب المصنف الحذف إلى بعضهم وكذا حذف الياء من (يستحيي) 1346 وقول المصنف: وإحدى يائي يستحيي يفهم منه أن المحذوف يجوز أن يكون لام الكلمة، ويجوز أن يكون عينها، أما كونه اللام فوجهه أن المحذوف من يجيء ويسوء إنما هو اللام، ولا شك أن الأطراف محل التغيير، ثم بعد الحذف تنقل حركة الياء التي هي عين إلى الحاء التي هي فاء الكلمة، وتسكن الياء، وأما إذا كان
المحذوف العين فالحركة التي عليها تنقل إلى الحاء التي هي فاء الكلمة، فيلتقي حينئذ ساكنان الياء التي هي عين، والياء التي هي لام فتحذف الأولى لالتقاء الساكنين، والنطق بالكلمة بعد الحذف واحد وهو يستحي، سواء أكان المحذوف اللام أم العين، لكنها وزنها على التقدير الأول: يستفع، وعلى التقدير الثاني: يستفل.
قال الشيخ:
ونصوص الأئمة على أن الذي حذف هو العين 1347. انتهى.
واعلم أن مقتضى ما ذكره المصنف أن الحذف من هذه الكلمة إنما حصل ابتداء في صيغة المضارع وهو -
الجزء: 10 - الصفحة: 5209
................................
يستحيي ولا شك أن ماضي: يستحيي إنما هو: استحيا وإذا كان كذلك، فلم يحذف في الماضي شيء، وإنما حذف في المضارع، ولكنهم قد ذكروا أن العرب قد يحذفون في صيغة الماضي شذوذا، فيقولون: استحى، والأصل: استحيا ولكنهم شذوا فيه فأجروه مجرى استبان فنقلوا حركة الياء التي هي عين إلى الساكن قبلها، ثم أدى الحال إلى حذف أحد الحرفين، أعني العين واللام، فحذف على خلاف ذكره ابن عصفور بين الخليل والمازني 1348 حيث يزعم أحدهما وهو المازني أن الياء بعد نقل حركتها إلى ما قبلها قلبت ألفا ثم حذفت الألف تخفيفا، وزعم الخليل أن الألف حذفت لالتقاء الساكنين، وعلى كلا القولين آل: استحيا إلى استحى، وإذا كان كذلك فإذا ورد يستحي بياء واحدة يقال فيه: إنه مضارع استحى المحذوف منه لا مضارع استحيا، فيصير نظير قولنا: استبى يستبي.
واشترى يشتري، ولا يدعى أن الحذف من المضارع، نعم إن سمع: يستحي بالحذف ممن يقول: استحيى
اتجه كلامه المصنف حينئذ، وليعلم أن من حذف في المضارع وهو يستحي حذف في سائر التصرفات كاسم الفاعل واسم المفعول.
نحو: مستح ومستحى منه 1349، ثم هؤلاء القوم من العرب الذين يقولون: يجيء ويسوء ويستحي بالحذف يجرون هذه الكلمات الثلاث مجرى: يفي ويستبي في الأمور التي ذكرها.
أما الإعراب فنحو أن يقال: زيد يجي بسكون الياء رفعا، وأن يجي نصبا ولم يج جزما، وكذا:
تسوء 1350 ويستحي، كما يقال: يفي ويستبي رفعا، ولن يفي ويستبي نصبا، ولم يف ولم يستب جزما، وأما البناء فنعني به البناء الذي يعرض للمضارع باتصاله بنون توكيد نحو لا يجين ولا يسون ولا يستحين.
أو نون إناث، نحو: يجين ويسون ويستحين.
وأما الإفراد وغيره؛ فنعني بالإفراد: أن لا يلحقه ضمير [6/ 202] تثنية ولا جمع وبغير الإفراد أن يلحقه ضمير التثنية والجمع، فيقال: يجيان، ويجون، ويجين، كما يقال: يفيان ويفون ويفين ويستحيان ويستحون، ويستحين، كما -
الجزء: 10 - الصفحة: 5210
[حذف ألف ما الاستفهامية]
قال ابن مالك: (والتزم في غير ندور حذف ألف ما الاستفهاميّة المفردة المجرورة، وقد تسكّن ميمها اضطرارا إن جرّت بحرف، وزعم المبرّد أنّ حذف ألف ما الموصولة بشئت لغة).
يقال: يستبيان ويستبون ويستبين، وأما: يسو؛ فيقال فيه: يسوان ويسون كما يقال: يغزوان ويغزون فالنطق بنحو يغزون لا يختلف، سواء أكان لمذكر أم لمؤنث؛ إلا أن الضمير المسند إليه في الرجال يسون، وهو الواو، والنون علامة الرفع، والضمير في النساء: يسون النون، والواو عين الكلمة في الأصل التي هي الآن لام في الصورة، وهذا كله يؤخذ من قول المصنف: ويجريهن مجرى يفي ويستبي؛ إلا أنه قد يقال: إن يسو لم يجر مجرى يفي؛ لأنه لو أجراه مجراه لقيل فيه: يفين.
قال الشيخ: وقد أفهم كلام المصنف أن بعض العرب هم الذين يقولون: يستحي والمنقول أن ذلك لغة بني تميم،
يقولون: استحيت، وأما أهل الحجاز فيأتون به على الأصل، فيقولون: استحييت، وقد ذكر ابن عصفور في الممتع كلمة: استحيى وتقرير الخليل فيها، وأن المازني يخالفه في ذلك، وعلى الناظر تطلبه إن أراد الوقوف عليه 1351.
قال ناظر الجيش: اعلم أن المقصود من حذف ألف ما إنما هو التخفيف ولما كانت ما الموصولة لا استقلال لها لافتقارها في تمام معناها إلى الصلة، وكذا ما الشرطية لتعلقها بما بعدها لم تحذف الألف منها؛ إذ صارت ما الموصولة مع الصلة، وما الشرطية مع الشرط في حكم اسم واحد، وكان الحذف من ما الاستفهامية خاصة؛ لأن لها استقلالا واستبدادا بنفسها وإنما كان الحذف من المجرورة دون غيرها؛ لأن الثقل يحصل بانضمام ما جرّت به من حرف جر أو اسم إليها فناسب التخفيف بحذف الألف منها، والحذف المذكور متعين، وإليه الإشارة بقول المصنف: والتزم حذف ألف ما الاستفهامية المفردة المجرورة، ومثال ذلك قولك: مجيء م جئت، فهذا جر بالإضافة، ومثال الجر بالحرف قول الله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ 1352، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5211
................................ وقوله تعالى: يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي 1353، وقوله تعالى: فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ 1354، وقوله تعالى: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها 1355، وقول الشاعر: 4336 - علام يقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت 1356 وإنما قيدها المصنف بالمفردة؛ احترازا من أن تركب مع ذا فتلغى ذا وتصير ماذا بكماله استفهاما، كقولك: على ماذا يلومني؟ فإن ألف ما لا تحذف حينئذ وإن كانت استفهاما وقد جرت، قال الأخفش: فإن وصلت ذا بما أثبت الألف فعلم من هذا الذي قاله المصنف أننا لا نحذف إلا ألف ما الاستفهامية وأن لحذفها منها شرطين: أن تكون مجرورة وأن تكون مفردة، أي: غير مركبة واحترز بقوله: في غير ندور من ثبوت الألف إن ثبتت مع كون ما مجرورة، قال أبو الحسن 1357: ومن العرب من يثبت الألف في الاستفهام أيضا، وذلك قبيح قليل، وفي بعض النسخ 1358: واضطرار بعد قوله: في غير ندور واحترز بذلك من مثل قول الشاعر: 4337 - على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في رماد 1359 وأشار المصنف بقوله: وقد تسكن ميمها اضطرارا إن جرّت بحرف إلى قول الشاعر: -
الحديث: 4336 - الجزء: 10 - الصفحة: 5212
[حذف اللام شذوذا]
قال ابن مالك: (وشذّ في الأسماء حذف اللّام لفظا ونيّة بكثرة إن كانت واوا، وبقلّة إن كانت ياء أو هاء أو همزة أو نونا أو حاء أو مثل العين، وربّما حذفت العين وهي نون أو واو أو تاء أو همزة، والفاء وهي واو أو همزة.
وكثر في أب بعد لا ويا، وندر بعد غيرهما، وشذّ في الفعل: لا أدر، ولا أبال، وعم صباحا، ونحو: خافوا ولو تر ما الصّبيان).
4338 - يا أسديّ لم أكلته لمه... لو خافك الله عليه حرّمه 1360
وأفهم قوله: إن جرّت بحرف أنها إن كانت مجرورة بالإضافة لم يجز التسكين لا في الضرورة ولا في غيرها، وإنما امتنعوا عن حذف الحركة في السعة؛ لئلا ينهكها الحذف؛ لأن حذف الحركة بعد حذف الألف إجحاف بالكلمة، وأما قوله: وزعم المبرد إلى آخره فأشار به إلى أن كثيرا من العرب يقولون: سل عم شئت؛ ولهذا زعم المبرد أنه
لغة، والذي سوغ الحذف منها إذا وصلت بشئت كأنه كثرة استعمال هذه الكلمة مقرونة بما بعدها 1361.
قال ناظر الجيش: الشاذ الذي ذكره هنا إما في الاسم، وإما في الفعل، والذي في الاسم منه ما هو بكثرة، ومنه ما هو بقلة؛ فالذي هو بكثرة هو حذف اللام منه إن كانت واوا، والذي هو بقلة هو حذف غير اللام من عين أو فاء وحذف اللام وهي غير واو، وقيد الحذف في الاسم بقوله: لفظا ونيّة؛ للاحتراز عن الحذف لفظا فقط نحو الحذف للتنوين، أو لالتقاء الساكنين نحو: فتى وعصى، وفتى القوم، وعصا الرجل؛ فإن الألف التي هي لام الاسم حذفت لالتقاء الساكنين في اللفظ، -
الحديث: 4338 - الجزء: 10 - الصفحة: 5213
................................
وأما في النية فهو كالملفوظ بها؛ والدليل على ذلك تقدير الإعراب فيها فهي مع كونها محذوفة مرادة وإلا لزم من ذلك أن لا يكون في الاسم إعراب، وهذا بخلاف ما حذف لفظا ونية؛ فإن الإعراب ينتقل إلى الحرف الذي يليه الحرف المحذوف نحو: أخ وأب.
إذا عرف هذا فمثال الاسم الذي حذفت لامه وهي واو أب وأخ وحم وهن، وكذا ذو مال على مذهب الخليل 1362، ومن ذلك ابن واسم على مذهب البصريين 1363 وعدة وكرة وقلة؛ لقولهم: كروت بالكرة، و: قلوت بالقلة، وكذا عزة؛ لقولهم: عزوت، وعضة؛ قال الله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ 1364 أي: أجزاء متفرقة، فهو من العضو، وكذا ثبة وهي اسم الجماعة، وظبة وهي طرف السيف، وبره، وكذا سنة في لغة من يقول: سنوات، وأما حذف اللام من الاسم وهي غير واو فإليه الإشارة بقوله: وبقلّة إن كانت ياء أو هاء أو همزة أو نونا أو حاء أو مثل العين أي: وشذ في الأسماء حذف اللام لفظا ونيّة بقلّة إن كانت ياء إلى آخره فمثال الياء يد ومائة ودم على لغة من يقول فيه:
دميان، ومثال الهاء شفة وعضة وفم وشاة وسنة؛ لقولهم: شفاه وعضاه وأفواه، وسانهت مسانهة.
وكذا شاة
لقولهم: شييهة [6/ 203] في التصغير و: أشياة في الجمع، ومثال الهمزة قولهم حكاه أبو زيد: سؤته سواية، الأصل فيه: سوائية كطواعية ورفاهية 1365، فحذفت الهمزة، وهي لام وحذفت أيضا من براء، والأصل: برأاء على وزن ظرفاء.
قال زهير:
4339 - وإمّا أن يقول بنو مصاد... إليكم إنّنا قوم براء 1366
ومثال النون: دد وفل.
قال الشيخ: هذا مثّل به بعض أصحابنا، فقال: وأصل دد على قوله: ددن وأصل فل: فلان 1367. قال الشيخ: أما: دد فله أصول ثلاثة -
الحديث: 4339 - الجزء: 10 - الصفحة: 5214
..............................
ددد، ددا - كعصا - ددن 1368، فإذا جاء محذوفا احتمل أن يكون المحذوف النون، وأن يكون المحذوف الدال، وأما فل، وقوله: إن أصله: فلان، ففل لفظ استعمل خاصّا بالنداء واستعمل في الشعر محذوفا من فلان، فأما الذي في النداء فذكروا أن أصله ثلاثي، وأن المحذوف منه ياء.
قالوا ولذلك قالوا في المؤنث: يا فله، وحين صغروا قالوا: يا فلى، ولو كان مرخما من فلان كما ذهب إليه بعض الناس لم يقولوا إلا: يا فلا، ويا فلان، ويا فله، كما تقول: يا عل، ولكان معناه وليس كذلك بل معنى يا فل: يا رجل، ويا فلان كناية عن العلم؛ فقد اختلفا تركيبا ومدلولا.
وأما الذي استعمل في الشعر محذوفا من فلان كما قال أبو النجم:
4340 - في لجّة أمسك فلانا عن فل 1369
فذلك حذفت منه النون، ثم حذفت منه الألف ترخيما بعد ترخيم في غير النداء في ضرورة الشعر، وقد بين ذلك سيبويه - رحمه الله تعالى - في أبواب الترخيم وفي أبواب التصغير وبين اختلاف تركيبهما ومدلوليهما في أبواب ابن عصفور، في المقرب 1370 ومثال الحاء: حر أصله حرح 1371، لقولهم في تصغيره: حريح، وفي التكسير: أحراح،
قال الشيخ: وحذف الحاء قليل لا يحفظ منه غير هذا ومثال -
الحديث: 4340 - الجزء: 10 - الصفحة: 5215
................................
ما هو مثل العين: بخ، والأصل: بخّ بالتشديد، فحذفوا، وبعد الحذف قالوا: بخ بخ بالتسكين، وبخ بخ بالكسر، وهي كلمة تقال عند استعظام الشيء، فأما من كسر؛ فلأنه لما حذف التقى ساكنان: الخاء الأولى والتنوين؛ فكسر الخاء لالتقاء الساكنين، وأما من سكن؛ فلأنه لما حذف لام الكلمة حذف معها التنوين فبقي على سكون الوسط، ولا أعرف لم عدل المصنف عن أن يقول: أو خاء عطفا على قوله: أو حاء إلى قوله: أو مثل العين، والظاهر أنه أراد أنّ اللام المحذوفة قد تماثل العين، وليس في ذلك كبير فائدة.
ثم أشار المصنف إلى حذف العين، وأنه قليل بقوله: وربما حذفت العين وهي نون أو واو أو تاء أو همزة، فمثال النون: مذ في منذ، ومثال الواو: فم أصله: فوه، فحذفوا الهاء ثم حذفوا الواو وعوضوا منها الميم.
ومثال التاء: سه بدليل أستاه، وفي الحديث: «العينان وكاء السّه» 1372. ومثال الهمزة: يرى مضارع رأى في لغة غير
تيم اللات ثم أشار إلى حذف التاء، وعطف ذلك على ما قبله ليندرج في حكم القلّة ومثال حذف الفاء وهي واو: رقة ولدة، والأصل: ورقة وولدة.
ومثال حذفها وهي همزة الحذف من لفظ الجلالة المعظمة، فإن أصل التلفظ بالجلالة الشريفة: ألالاه، على أحد القولين 1373 قالوا: حذفت الهمزة وصارت (أل) عوضا، ولهذا لزمت.
والقول الآخر أنه لا حذف، وهو الذي اختاره المصنف كما تقدمت الإشارة إليه في باب المعرف بالأداة وعلى هذا فلا يوافق التمثيل به هنا للحذف؛ لأن المصنف يرى أنه لم يحذف منه شيء، وقد يمثل لحذف الفاء بلفظ ناس فإن أصله أناس، ولكن المصنف يرى أن كلّا منهما من مادة فهما أصلان إلا أن المصنف أراد أن الحذف في الجلالة المعظمة وناس يجيء على قول القائل بالحذف لا على قول الآخر.
ثم أشار المصنف بقوله: وكثر في أب بعد «لا» و «يا» وندر بعد غيرهما إلى أن حذف فاء أب كثر في المكانين المذكورين، والمقتضي لذلك كثرة الاستعمال، وندر -
الجزء: 10 - الصفحة: 5216
................................
بعد غيرهما، فمثال الحذف بعد «لا» قول العرب: لا با لك يريدون: لا أبا لك 1374، ومثاله بعد «يا» قول الشاعر:
4341 - يا با المغيرة ربّ أمر معضل... فرّجته بالمكر منّي والرّها 1375
ومثال الحذف دون «لا» و «يا» قول الشاعر:
4342 - تعلّمت با جاد، وآل مرامر... وسوّدت أثوابي ولست بكاتب 1376
ولما أنهى الكلام على الحذف من الاسم شرع في الكلام على الحذف من الفعل فأشار إليه بقوله: وشذ في الفعل... إلى آخره، وذكر خمس كلمات منها قولهم:
لا أدر، ولا أبال، وإنما حذفت الياء منهما، لكثرة الاستعمال فقصدوا التخفيف على اللسان، ولكثرة ما حذفت الياء في: لا أبال إذا أدخلوا الجازم؛ توهموا أن اللام هي آخر الكلمة في الأصل فسكنوها للجزم، فلما سكنت حذفت الألف لالتقاء الساكنين.
فقالوا: لم أبل والفصيح الجاري على القياس: لم أبال.
ومنها قولهم: عم صباحا، والأصل: انعم صباحا، فحذفت النون التي هي فاء الكلمة، فحصل الاستغناء عن همزة الوصل، قال الشيخ: وهذه مناقضة من المصنف، فإنه يرى أن: عم صباحا لا تتصرف كما ذكره فيما تقدم وهنا جعل أصله: انعم، وانعم يتصرف 1377. انتهى.
وقد يجاب عن المصنف بأن انعم كان متصرفا قبل الحذف، ثم إنه بعد الحذف منع التصرف، ثم قال الشيخ: وقد تقدم لنا أن العرب تقول: وعم يعم بمعنى: نعم ينعم، فلا يكون على هذا عم صباحا مما حذفت منه النون، بل مما حذفت منه الواو نحو: عد وزن، وهو قياس مطرد 1378.
انتهى.
ومنها قوله: ولو تر ما الصبيان، أصله: ترا بالألف، فحذفت الألف على -
الحديث: 4341 - الجزء: 10 - الصفحة: 5217
................................
جهة الشذوذ وما زائدة، وشبهت لو بأن، فحذفت ألف ترى، كما أنها لو وقعت بعد أن لحذفت ولا يقال: إن لو جزمت؛ لأن القول بأنها تجزم غير معول عليه.
وأما قوله: ونحو خافوا فلم أدر ما أراد بما يحذف منه.
والظاهر أنه يريد أن الواو التي هي ضمير الفاعل قد تحذف في نحو: خافوا وطابوا وجاؤوا اكتفاء بالضمة.
وقد عرف من كلام المصنف هنا أن الحروف التي عرض لها الحذف ثمانية أحرف، وهي الواو والياء والهاء والهمزة والنون والحاء والخاء والتاء.
وقد عرف أن هذا الحذف كله شاذ، وأنه مع شذوذه منه ما يكثر، ومنه ما يقل.
وقال ابن عصفور: الحذف على غير قياس يكون في أحد عشر حرفا، وهي الهمزة والألف والواو والياء والهاء [6/ 204] والنون والباء والحاء والخاء والفاء والطاء.
قال: فجاء الحذف في الهمزة في الله، وفي ناس، وفي خذ
وكل ومر وفي أب، قالوا: يا با فلان، وأنشد البيت المتقدم 1379، وفي يرى وترى وأرى ونرى، في لغة من لا ينقل الهمزة في مثله وفي سواية والأصل: سوائية 1380، وفي براء والأصل برآء.
وجاء في الألف واللام وفي أما قالوا: أم والله.
والأصل: أما، وفي الوقف في الضرورة نحو قوله: رهط مرحوم ورهط ابن المعل، يريد المعلّى، وفي: لهفي نحو:
4343 - ولست براجع ما فات منّي... بلهف، ولا بليت، ولا لو انّي 1381
وجاء في الواو في غد وأب وأخ وهن، واسم وكرة وقلة، لقولهم: كروت بالكرة وقلوت بالقلة، وفي ثبة وظبة حملا لهما على الأكثر 1382. وجاء في الياء في:
يد ومائة وفي دم وجاء في الهاء في شفة؛ لقولهم: شفاه، وفي عضة؛ لقولهم: -
الحديث: 4343 - الجزء: 10 - الصفحة: 5218
[الإعلال بالقلب]
قال ابن مالك: (فصل: من وجوه الإعلال القلب.
وأكثر ما يكون في المعتلّ والمهموز.
وذو الواو أمكن فيه من ذي الياء، وهو بتقديم الآخر على متلوّه أكثر منه بتقديم متلوّ الآخر على العين، أو بتقديم العين على الفاء، وربّما ورد بتقديم اللّام على الفاء وبتأخير الفاء عن العين واللّام، وكثر نحو:
راء في: رأى، وآبار في: أبار وعلامة صحة القلب كون أحد التأليفين فائقا للآخر ببعض وجوه التّصريف، فإن لم يثبت ذلك فهما أصلان وليس جاء وخطايا مقلوبين خلافا للخليل).
عضيهة، وفي: فم لقولهم: أفواه، وجاء في النون من: مذ وفي: دد، الأصل:
ددن.
وفي: فل، والأصل: فلان، وجاء في الباء في: رب.
وجاء في الحاء من: حر وفي الخاء من: بخ، والأصل: بخّ بالتشديد، وجاء في الفاء في أف؛ لأن الأصل أفّ بالتشديد، و: سو في: سوف، وجاء في الطاء في قطّ؛ لأنه من قططت، أي:
قطعت تقول: ما فعلته قط، أي: فيما انقطع من عمري.
هذا كلام ابن عصفور 1383.
قال ناظر الجيش: القلب عبارة عن جعل حرف من الكلمة مكان غيره منها، وجعل ذلك الغير مكان ذلك الحرف، فلا بد من تقديم وتأخير.
والقلب المذكور واقع في كلام العرب كثيرا.
وقد وضع بعض الأئمة فيه كتابا 1384، ولا يقاس عليه مع كثرته، بل هو موقوف على السماع.
وقول المصنف: وأكثر ما يكون في المعتل والمهموز سيأتي أمثلة ذلك وهي الكلمات التي جرى فيها القلب.
ومثاله في غير المعتل والمهموز قولهم في لعمري: رعملي 1385. ولا شك أن القلب في غيرهما قليل.
ولهذا ناقش الشيخ المصنف في قوله: وأكثر ما يكون في المعتل والمهموز وقال:
فإنه يقتضي أنه قد جاء في غيرهما كثيرا وليس كذلك بل هو قليل 1386. انتهى.
وأما -
الجزء: 10 - الصفحة: 5219
................................
كون ذي الواو أمكن فيه من ذي الياء، فدليله الاستقراء؛ لأن أكثر ما جاء القلب في ذوات الواو، نحو: شاك، ولاث، وهار، وأينق، ثم إن القلب لما كان إنما يتصور بتقديم بعض الحروف وتأخير بعض، وكان ذلك متفاوتا كثرة وقلة، أشار المصنف إلى ما يكثر منه وما يقل بقوله: وهو بتقديم الآخر على متلوه، أكثر منه بتقديم متلو الآخر على العين، أو بتقديم العين على الفاء يعني أن تقديم الآخر على متلوه أكثر من الأمرين الآخرين، وهما: تقديم متلو الآخر على العين، وتقديم العين على الفاء.
على أن قوله: أو بتقديم العين على الفاء معطوف على قوله: بتقديم متلو الآخر على العين والشيخ جعله معطوفا على قوله: بتقديم الآخر على (متلوه) 1387 وهو غير ظاهر ولو كان هذا مراد المصنف لكان يقول: وهو بتقديم الآخر على متلوه، أو بتقديم العين على الفاء أكثر منه بتقديم متلو الآخر
على العين.
فمثال تقديم متلو الآخر على متلوه أي: على ما قبله قولهم: راء في رأى، وكذلك هار وشاك.
الأصل: هاور وشاوك، وكذلك الأوالي في الأوائل.
الأصل: أواول.
قال:
4344 - تكاد أوليها تفرّى جلودها... ويكتحل التّالي بمور وحاصب 1388
وكذا شواع في شوائع.
قال:
4345 - وكأنّ أولاها كعاب مقامر... ضربت على شزن فهنّ شواعي 1389
وكذلك: أيامى جمع: أيم.
الأصل: أيايم على وزن فياعل، وقدمت لام الكلمة التي هي الميم على ما قبلها وهي الياء، فقالوا: أيامى.
وكذلك قولهم: ترائق في جمع ترقوة.
الأصل: التراقي فالقلب في هذه الكلمة حصل بتقديم الحرف الزائد -
الحديث: 4344 - الجزء: 10 - الصفحة: 5220
................................
على لام الكلمة، وذلك داخل تحت قوله: تقديم الآخر على متلوه.
قال الشاعر:
4346 - لقد زوّدتني يوم قوّ حزازة... مكان الشّجا تجول حول التّرائق 1390
ومثال تقديم متلو الآخر على العين، قولهم: الحوباء 1391 وهي النفس.
وزنها فلعاء؛ لأن الأصل: حبواء، فقدمت لام الكلمة التي هي الواو، وهي متلوة الآخر على الياء التي هي عين الكلمة.
والدليل على أنه مقلوب أنهم قالوا: حابيت الرجل إذا أظهرت له خلاف ما في حوبائك.
وكذلك أيضا: ميدان إذا جعلته مأخوذا من المدي 1392، يكون مقلوبا ويكون الأصل: مديان، فقلبت الكلمة بتقديم لامها وهو الياء وهو متلو الآخر على عين الكلمة التي هي الدال، وأما
من جعله مأخوذا من ماد يميد، فلا يكون مقلوبا على قوله، ومثال تقديم العين على الفاء قولهم: أيس في يئس 1393، و: أينق في أنوق جمع ناقة، ففيه قلب وإبدال؛ إذ لو لم يبدلوا لقالوا:
أونق.
وآرام في أرآم جمع ريم، وكذلك جاه أصله: وجه، ووزنه عفل، وكذلك قاه وهي الطاعة أصله يقه فقلبت، والفعل منه أيقه أي: أطاع وأجاب.
ومثال تقديم اللام على الفاء قولهم: أشياء في القول الأصح في وزن هذه الكلمة، ووزنها: لفعاء، والأصل شيئاء كطرفاء وحلفاء، فحصل القلب بتقديم اللام على الفاء.
ومثال تأخير الفاء عن العين واللام: حادي في العدد أصله: واحد فأخرت الواو التي هي فاء الكلمة وجاءت بعد اللام، وقلبت ياء لانكسار ما قبلها ووزنه: عالف، وأشار المصنف بقوله: وكثر نحو: راء في رأى، وآبار في أبآر إلى أن القلب في نحو هذين الوزنين كثير فنحو راء: ناء ونحو آبار: آرام، ولا نريد بالكثرة الاطراد لما عرفت أن القلب موقوف على السماع، وإن كثر.
ثم ذكر المصنف ما يستدل به على أن إحدى الكلمتين موقوفة على الأخرى فقال: وعلامة صحة ذلك القلب كون أحد التأليفين فائقا للآخر ببعض وجوه التصريف، ولم أعلم ما أراد ببعض وجوه التصريف.
وقد قال ابن الحاجب: ويعرف -
الحديث: 4346 - الجزء: 10 - الصفحة: 5221
................................
القلب بأصله كنأى ينأى مع النّأي، وبأمثلة اشتقاقه؛ كالجاه والحادي والقسي وبصحته كأيس، وبقلة كآرام، وبأداء تركه إلى اجتماع همزتين عند الخليل، أو إلى منع الصرف بغير علة.
فقال عليه الإمام بدر الدين: قد أكثر مما يعرف به القلب من غير فائدة؛ لأن الاستدلال بأمثلة الاشتقاق راجع إلى الاستدلال بثبوت الأصل والاستدلال بالصحة وبقلة الاستعمال مستغنى عنه؛ لأن ما عرف قلبه بذلك يعرف قلبه بثبوت أصله ثم ذكر عبارة والده - رحمه الله تعالى - فقال: إن أصل ما يعرف به القلب كون أحد التأليفين فائقا للآخر ببعض وجوه التصريف.
وذكر ابن عصفور في المقرب أن الذي يعرف به القلب أربعة أشياء 1394: أن يكون أحد اللفظين أكثر استعمالا من الآخر فيكون الأصل، ويكون الآخر مقلوبا عنه نحو: رعملي فإنه قال: أقل استعمالا من لعمري.
وأن يكون أحد
اللفظين يكثر تصريف الكلمة عليه فيكون الأصل، ويكون الآخر مقلوبا عنه نحو: شوائع فإنه يقال فيه: شاع يشيع فهو شائع ولا يقال فيه: شعى يشعى فهو شاع، وأن يكون أحد اللفظين مجردا من الزوائد فيكون الأصل ويكون الآخر مقلوبا عنه نحو: اطمأنّ فإنه مقلوب من طأمن، وأن يكون لأحد الكلمتين من حكم هو للآخر في الأصل، فيدل وجوده فيه على أنه مقلوب مما ذلك الحكم له في الأصل، نحو: أيس فإنه مقلوب من يئس، ولذلك صحّ كما صحّ في يئس 1395 انتهى.
والذي ذكره قريب مما ذكره ابن الحاجب، ولا شك أن كلّا منهما فيه توضيح وإفصاح عن المقصود بخلاف كلام المصنف، وقوله: فإن لم يثبت ذلك فهما أصلان، يريد به فإن لم يثبت كون أحد التأليفين فائقا للآخر ببعض وجوه التصريف، والآخر مفوقا فكلا التأليفين أصل، ومثال ذلك: جذب وجبذ، فإن جميع تصاريفهما جاء عليهما كالمصدر واسم الفاعل واسم المفعول كجبذ وجذب وجابذ وجاذب ومجذوب ومجبوذ.
أما قوله: وليس جاء وخطايا مقلوبين خلافا للخليل فأشار به إلى ما سأذكره.
اعلم أن الخليل رحمه الله يدعي القلب في كل كلمة يؤدي العمل بمقتضى التصريف فيها إلى أن يجتمع فيها همزتان 1396، وقد تقدم أن من جملة ما يعرف به القلب أن يؤدي -
الجزء: 10 - الصفحة: 5222
................................
ترك القول به إلى اجتماع همزتين، وأن ذلك عند الخليل ومن وافقه، ولا شك أن نحو: جاء وخطايا، إذا لم يقل فيهما بالقلب يلزم اجتماع همزتين فيهما، والخليل لا يرى ذلك، فلزم أن يدعي القلب في نحو: هاتين الكلمتين، وبيانه: أن اسم الفاعل من كل فعل ثلاثي معتل العين يجب إبدال العين فيه همزة؛ لوقوع حرف العلة فيه بعد ألف زائدة، وقد أعل ذلك الحرف في الفعل كما تقرر في موضعه وذلك نحو: بائع وقائم، فإذا كان لام الكلمة همزة كما في نحو: جاء والأصل فيه جائي، فيقول الخليل: لا تقلب الياء في نحو هذا همزة؛ لأن ذلك يؤدي إلى اجتماع همزتين، وذلك غير جائز عنده، ويدعي رد الهمزة التي هي لام إلى موضع العين فتصير العين موضع اللام فيصير جائي، ثم يعل إعلال قاض فيصير: جاء، فصورة اللفظ عند من قلب ومن لم يقلب واحدة، ولكن وزنه عند من قلب:
فالع، وعند [6/ 205] من لم يقلب فاعل.
والمخالف للخليل يقول: إذا اجتمعت الهمزتان عمل فيهما ما تقتضيه،
فيقال: إذا اجتمعت الهمزتان في نحو جائي قلبت الثانية ياء على قياس مثلها، ثم تعل إعلال قاض، وإذا ورد عليهم أن الياء المقلوبة عن الهمزة قياسها أن تصح.
ألا ترى إلى مثل قولك: داري، ومستهزئون إذا خففت الهمزة أثبتت الياء على الأفصح ولم يعلوها إعلال قاض 1397؛ ولذلك يوقف عليها بالياء الثانية، وكذلك رئيا إذا خففت همزتها؛ فالأفصح ألا تدغم، فلو كان جائي كذلك لكانت الياء الآخرة مخففة عن همزة، فكان الأفصح أن يقال:
جائي، ولما أجمع على جاء دل على أن أصلها ياء، ولا يكون ذلك إلا على مذهب الخليل.
أجابوا بأن ذلك إنما يكون في الهمزة التي يجوز تخفيفها وإبقاؤها، وأما الهمزة التي يجب جعلها حرف لين فحكمها حكم حرف اللين، كأنهم جعلوا ذلك الذي لا يلزم كالعارض فلم يعتدوا به، وجعلوا اللازم كأنه أصل.
وهذا فرق واضح، وقد أورد على هذا الجواب أن الذي وجب قلبه من الهمزات كغيره؛ بدليل - - مقلوبة، وقال: الزموا ذلك هذا، واطرد فيه، إذ كانوا يقلبون كراهية الهمزة الواحدة» وقد رجح الفارسي رأي الخليل حيث قال في التكملة: «ويذهب الخليل إلى أن هذه الهمزة التي في: جاء ونحوه هي اللام قدمت فقلبت إذ كانوا قلبوا الهمزة الواحدة ألزموا القلب لاجتماع الهمزتين، وهذا القول أقيس من الأول؛ لأن الأول يلزم فيه توالي إعلالين، وليس يلزم ذلك الخليل».
التكملة (ص 264).
الجزء: 10 - الصفحة: 5223
................................ قولهم: أئمة فإنهم قلبوا الهمزة ياء قلبا واجبا، وجعلوا لها حكم الهمزة؛ لأنها متحركة مفتوح ما قبلها، وبقيت صحيحة، فلو كان كما زعمتم لوجب أن يقال: أأمّة، والجواب عن هذا الإيراد: أن أصل أئمة: أأممة، فلما أدغموا وجب نقل حركة الحرف الأول إلى ما قبله فصارت الحركة عارضة، والحركة العارضة على مثلها لا يعتد بها، بدليل صحة: أخشى الله، ولو انهم. فإن قيل: فقد قال المخففون للهمز: خطيّة فأدغموا الياء في الياء المبدلة عن الهمزة، وليس إبدالها بلازم، ومقتضى ما ذكر أن يقال: خطيئة من غير إدغام؛ لأن قلبها عارض كما ذكر في: رئيا إذا خففت همزته. قيل في الجواب عن ذلك: ليس القياس أن تقلب الهمزة في نحو: خطيئة ومقروءة ياء، وواوا مقطوعة عن الإدغام، بل تخفيفها إنما هو بالقلب مع الإدغام، فهي إنما قلبت ياء أو واوا للإدغام فيها، بخلاف رئيا فإن تحققت همزته بالقلب خاصة؛ لأنها ساكنة بعد كسرة. وقياس الهمزة في نحو: خطيئة أن لا تقلب ياء إلا أن يكون ما قبلها ياء زائدة فتقلب للإدغام فإدغامها من جملة شروط تخفيف مثلها؛ إذ لا يجوز تخفيف مثلها من غير إدغام. قيل: وإنما فرّ الخليل إلى القول بالقلب في نحو: جاء من أجل كثرة العمل على قول سيبويه كما عرفت. قال: وقد جاء القلب فيما ليس آخره همزة نحو: شاك ولاث؛ إذ أصلهما شائك ولائث، فالتزموه في نحو: جاء وشاء؛ لثقل اجتماع الهمزتين. قال سيبويه رحمه الله: وكلا القولين حسن. يعني قوله وقول الخليل. وقد رجح الفارسي 1398 قول الخليل بأنه يلزم من مذهب سيبويه توالي إعلالين على الكلمة من جهة واحدة، وهو قلب العين همزة، وقلب الهمزة التي هي لام ياء، ولا يوجد توالي إعلالين من جهة واحدة إلا نادرا أو ضرورة نحو قول القائل: 4347 - وإنّي لأستحيي من العين مستحى 1399
الحديث: 4347 - الجزء: 10 - الصفحة: 5224
................................
فأعلوا اللام، ثم أعلوا العين.
قال: ولا يلزم في مذهب الخليل إلا القلب، والقلب في كلامهم (أكثر) من هذا الإعلال وقد رد بعضهم كلام الفارسي بأن سيبويه قال: إذا بنينا فيعلا من حويت فإنا نقول: حيّا 1400. قال: فقد توالى إعلالان على الكلمة من جهة واحدة، ألا ترى أن أصله حيوي؟ وقال أبو سعيد 1401:
الممنوع من جمع إعلالين هو أن تسكن اللام والعين جميعا من جهة واحدة في الإعلال مثل سوى إن سكنت اللام فلا تسكن العين، وإن سكنت العين فلا تسكن اللام كآية ونحوه.
وأما إذا كانت العين تعتل اعتلالا مطردا، واللام تعتل اعتلالا ليس من جنس ذلك الإعلال فلا يمتنع ذلك.
وأما نحو خطايا؛ فأنت قد عرفت فيما تقدم أن الأصل في خطايا: خطائئ ثم خطائي، ثم خطايا، وتقدم تقرير ذلك فقد اجتمع همزتان وعمل في أحدهما ما يقتضي قياس تخفيف الهمز.
وهذا مذهب سيبويه وأكثر البصريين 1402، وذهب الخليل ومن وافقه إلى القول بالقلب فرارا من اجتماع همزتين كما تقدم في جاء ونحوه فهو لا يبدل المدة الواقعة بعد ألف الجمع همزة بل يقلب، فيقدم الهمزة التي هي لام الكلمة على الياء الواقعة قبلها، فيعود اللفظ إلى: خطائي كاللفظ فذلك بعد التخفيف عند من لا يقلب، لكن يكون وزن الكلمة عند الخليل: فعالي، وعند سيبويه: فعايل، ولا شك في أرجحية مذهب سيبويه على غيره.
وقد أطال
الناس الكلام في ترجيح مذهبه على غيره في هذه المسألة فتركته خوف الإطالة.
واعلم أنه قد تقدم لنا عند الكلام على إبدال حرف اللين الواقع بعد ألف الجمع همزة، والكلام على مطايا وخطايا أن الشيخ قال: ولو ذهب ذاهب إلى أن هذا الوزن كله يعني به مطايا وهراوى وخطايا هو فعالى، وأن علاوى وبابه صحت الواو فيه لما صحت في مفرده، واعتلت في مطية، وأن خطايا جاء على تقدير إبدال همزة خطية وإدغام ياء المد فيها فصارت كخبية - لكان مذهبا حسنا بعيدا من التكلف، قال: وإنما دعا النحويين إلى ذلك التقديرات وحملهم جمع المعتل على الصحيح؛ فأجروا ذلك مجرى رسالة وصحيفة، وقد -
الجزء: 10 - الصفحة: 5225
................................
تكون أحكام للمعتل لا تكون للصحيح وأحكام للصحيح ولا تكون للمعتل.
هذا كلام الشيخ، وكنت ظننت أن هذا بحث مستخرج من عنده ولا يكثر عليه ذلك؛ لأنه الإمام المعتبر المشار إليه، لكنه لما ذكر هنا مسألة خطايا بالنسبة إلى كون الكلمة فيها قلب أو لا، وذكر المذهبين منها - ذكر مذهبا ثالثا.
قال: وهو مذهب بعض الكوفيين ونسبه بعضهم إلى الفراء، وهو أنه جمع على وزن فعالى 1403 ولو قلب فيه، ولا هو على وزن فعائل، وذلك أن خطيئة كثر ترك الهمزة فيها والإدغام فقالوا:
خطية.
فصارت بمنزلة فعيلة من ذوات الواو والياء، وكل فعيلة من ذوات الياء والواو يجمع على فعالى وذلك نحو: مطيّة ومطايا، وخبية وخبايا، وسرية وسرايا، وشبه ذلك كثير ولا يجمع على: فعائل؛ لأنه لو جمع على فعائل لنقصت الكلمة في الجمع وقلّت واختلت، ولذلك جمعته على فعالى دون فعائل، وتساوت فيها ذوات الواو وذوات الياء التي هي لام الكلمة.
وقد انقلبت ياء في المفرد واعتلت، فأجري عليها في الجمع الاعتلال الذي حصل لها في المفرد [6/ 206]؛ فلذلك قالوا في ذوات الواو: مطايا، وإن كان أصلها الواو، ويدل على ذلك: مطوت، وكذلك حشايا يدل على ذلك حشوت، فلما كانت خطيئة تترك فيها الهمزة كثيرا جمعت على ترك الهمز فقالوا: خطايا، فوزنها فعالى من غير قلب ولا هي على فعائل.
قال:
وهذا مذهب سهل قليل التكليف 1404. انتهى.
وقد تقدم البحث معه رحمه الله في ذلك، وختم الشيخ الكلام على هذا الفصل بمسألة فقال: قالت العرب في جمع ناقة:
أينق 1405، وناقة أصلها نوقة؛ فالألف منها منقلبة عن واو؛ ودليل ذلك قولهم: استنوق الجمل، وقولهم في جمع ناقة أيضا: نوق؛ إذ لو كان فعلا من ذوات الياء لقالوا فيه:
نيق كما قالوا: بيض، واختلف النحويون في تخريج أينق على ثلاثة مذاهب:
الأول: أن الياء فيه زائدة وأنها عوض من عين الكلمة المحذوفة وأن قياسه أن -
الجزء: 10 - الصفحة: 5226
[الإبدال من ثالث الأمثال]
قال ابن مالك: (فصل: أبدلت الياء سماعا من ثالث الأمثال كتظنّيت، وثانيها كائتميت وأوّلها كأيما، ومن هاء كدهديت ومن نون كأناسي، ومن عين ضفادع، وباء أرانب، وسين سادس وثاء ثالث).
يكون: أنوقا فحذفت الواو وعوضت منها الياء؛ فعلى هذا وزنه: أيفل 1406.
الثاني: أنه فيه قلب وبدل، فأصله: أنوق، ثم قدمت العين على الفاء، فقالوا:
أونق، ثم أبدلوا من الواو ياء فقالوا: أينق، ووزنه على هذا: أعفل 1407.
الثالث: أنه فيه قلب ثم إبدال ثم قلب، فأصله: أنوق ثم قلب بأن قدمت اللام على العين فقالوا: أينق، ثم عمل به ما عمل بأدلو من إبدال الواو ياء والضمة كسرة، فصار: الأنقي، ثم قدمت الياء التي كانت عينا وتأخرت عن اللام على فاء الكلمة، فقالوا: أينق.
قال ناظر الجيش: اعلم أنه قد تقدم في أول فصول البدل أن حروف البدل في غير إدغام اثنان وعشرون حرفا يجمعها قولك: لجدّ صرف شكس آمن طيّ ثوب عزّته، وأن الضروري منه في التصريف ثمانية أحرف يجمعها هجاء، طويت دائما، وتقدم أن الهمزة إنما تبدل من أحرف العلة الثلاثة خاصة ولم تبدل من غيرها، وأن أحرف -
الجزء: 10 - الصفحة: 5227
................................
العلة كل منها يبدل من الهمزة ويبدل كل منها من الآخر، ولزم من هذا أن التكافؤ واقع بينها في الإبدال وأنه واقع بينها وبين الهمزة، وأن التاء إنما تبدل من الياء والواو وإذا وقعتا فائين في الافتعال وفروعه، وأن الطاء إنما تبدل من تاء الافتعال وفروعه إذا وقعت التاء بعد أحرف الإطباق، وأن التاء إنما تبدل من تاء الافتعال وفروعه إذا وقعت التاء بعد الدال أو الزاي أو الذال.
وأن الميم إنما تبدل من: النون الساكنة الواقعة قبل ياء، وقد انقضى الكلام على هذا كله، ولم يبق منه سوى إبدال الميم من النون الساكنة الواقعة قبل ياء وقد ذكره الآن، أعني في هذا الفصل وقد كان ذكره مع ما تقدم أولى وأنسب؛ ليكون الكلام قد كمل في الإبدال الضروري في التصريف، يعني الإبدال اللازم، ثم لما انقضى الكلام على الإبدال الضروري وهو اللازم - شرع الآن في الإبدال الذي ليس بلازم، والكلام في ذلك انتظم ثلاثة أمور وهي: إبدال بعض أحرف العلة من حرف صحيح، وإبدال بعض الحروف الثمانية التي تقدمت من مثنى لم يتقدم له ذكر إبداله منه بإبدال ما بقي من الاثنين وعشرين حرفا من [6/ 207] غيرهما، والباقي منها أربعة عشر حرفا وهي: اللام، والجيم، والصاد، والضاد، والراء، والفاء، والشين، والكاف، والسين، والنون، والياء، والعين، والزاي، والتاء، والهاء، وقد تقدم لنا أيضا أن المصنفين يفرّقون في الذكر بين الإعلال والإبدال ويعقدون لكل منهما بابا، ولكنهم في باب الإبدال يتعرضون لذكر الإبدال الذي هو إعلال أيضا، فيتكرر في كلامهم ذكر الإبدال الذي هو إعلال.
والمصنف استغنى عن ذكر الإعلال بالإبدال.
وحاصل الأمر: أنه نظم الكلام كله في الإبدال، وجعل الكلام في الإبدال اللازم قسما برأسه، والكلام في الإبدال الجائز قسما برأسه.
إذا تقرر هذا؛
فاعلم أن المصنف استفتح الفصل بذكر إبدال بعض أحرف العلة من حرف صحيح.
فذكر أن الياء تبدل من أحرف وهي الهاء، والنون، والعين، والتاء، والسين، والباء.
ومن أحد الأمثال وهو آخرها أو المثلين إما الثاني وإما الأول، لكن أحد المثلين أو الأمثال لا ينحصر في حرف، وإذا لم ينحصر في حرف فقد يكون نونا أو ميما أو ياء أو راء أو لاما أو صادا أو ضادا أو دالا، لكن المصنف تعرض إلى ذكر النون والميم والياء فبقي من هذه الثمانية خمسة وهي: الراء واللام والصاد والضاد والدال، وقد نصّ على: الهاء -
الجزء: 10 - الصفحة: 5228
................................
والنون والعين والباء والسين والتاء، وتضمّن تمثيله لأحد المثلين بأيما وأتميت الميم فصارت سبعة تضم إلى الخمسة فيكون مجموع الحروف التي تبدل منها الياء اثني عشر حرفا وهي: النون، والميم، والهاء، والعين، والباء، والسين، والتاء، والراء، واللام، والصاد، والضاد، والدال، وقد بقي مما ذكره غير ثلاثة أحرف تبدل الياء منها أيضا وهي: الكاف، والجيم، والتاء؛ فيكون الذي تبدل الياء منه على هذا خمسة عشر حرفا، فأما إبدالها من النون ففي مواضع، وهي: تظنيت وتسنى وأناسي وظرابي ودينار وإيسان.
أما تظنيت 1408: فالأصل فيها: تظننت، وهو تفعلت من الظن والموجب لذلك الفرار من اجتماع الأمثال، وأما: تسنّى، فالأصل فيه: تسنن، أي تغير ومن ذلك قوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ 1409 بحذف الألف المبدلة من الياء للجزم، والأصل يتسنن، فحصل الإبدال والموجب له الفرار من اجتماع الأمثال أيضا، وقد استدل على أن الأصل تسنن، لا تسنى بقوله تعالى:
مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ 1410 أي متغير؛ فمسنون دلّ على أن الكلام فيه من قبيل المضعف، لا من قبيل المعتل، وأما أناسي: جمع إنسان، وظرابي: جمع ظربان؛ فالأصل: أناسين وظرابين؛ فأبدلت الياء من النون فيهما.
قال ابن عصفور: فعاملوا النون معاملة همزة التأنيث لشبهها بها، فكما يبدلونها من همزة التأنيث ياء فيقولون في صحراء: صحاري كذلك فعلوا بنون إنسان وظربان في الجمع 1411. وأما دينار:
فالأصل فيه دنّار؛ فأبدلت الياء من النون الأولى لثقل التضعيف، ويدل على أن الأصل دنّار قولهم في التصغير: دنينير، وفي الجمع: دنانير 1412. وأما إيسان فإن الياء فيه بدل من النون الأولى من إنسان.
قال الشاعر: -
الجزء: 10 - الصفحة: 5229
................................
4348 - فياليتني بعد ما طاف أهلها... هلكت ولم أسمع بها صوت إيسان 1413
وقالوا في الجمع: إياسي بالياء أيضا.
بقي هاهنا التنبيه على شيء: وهو أن من البدل المذكور ما هو على جهة اللزوم، وهو البدل في تسنى وأناسي وظرابي ودينار صرح باللزوم فيه أبو الحسن ابن عصفور في الممتع 1414، فإن قلت: الكلام الآن إنما هو في البدل الجائز لا في البدل اللازم؛ لأنه قد تقدمت الإشارة إلى أن المصنف لما أنهى الكلام في البدل اللازم شرع في البدل غير اللازم.
قلت: المراد بالبدل اللازم البدل الضروري الذي لا بد منه، وهو المطرد المقيس.
وغير اللازم ما ليس بضروري، ولا شك أن البدل المذكور هنا غير مطرد وقد نصّ ابن جني على 1415 أنه لا يقاس عليه لقلته.
وإذا كان كذلك فلا يضر أن يكون بعض البدل الذي ليس بمقيس لازما بمعنى أنه شذ لخروجه عن القياس، ولزم مع شذوذه.
فاللزوم الذي حصل في البدل الجائز غير اللزوم الذي حصل في البدل الواجب.
وقد انتقد الشيخ على ابن عصفور دعوى لزوم البدل في: أناسي قال: لأن العرب قالوا فيه:
أناسين 1416 على الأصل وهو القياس، كما قالوا في سرحان: سراحين.
قال الشاعر:
4349 - أهلا بأهل وبيتا مثل بيتكم... وبالأناسين أبدال الأناسين 1417
وأما: إيسان بإبدال الياء من النون الأولى، ففي غاية الشذوذ، وأنشدوا:
فياليتني من بعد ما طاف أهلها... هلكت ولم أسمع بها صوت إيسان 1418
حتى إنهم قالوا في الجمع: إياسي أيضا.
وأما إبدالها من الميم ففي مواضع أيضا وهي: ائتميت ويأتمي وتكمّوا وأيما وديماس 1419. وأما ائتميت فأصله ائتممت؛ لأنه -
الحديث: 4348 - الجزء: 10 - الصفحة: 5230
................................
من الإتمام، وأما يأتمي فأصله يأتم، قال الشاعر:
4350 - تزور امرءا أمّا الإله فيتقي... وأمّا بفعل الصّالحين فيأتمي 1420
أي: يأتم، وأما تكمّوا، فإنه تفعلوا من كممت الشيء إذا سترته فأصله تكمموا فأبدلوا من الميم الآخرة ياء فقالوا: تكميوا، استثقلت الضمة في الياء فحذفت فبقيت الياء ساكنة فحذفت لالتقائها مع واو الضمير الساكنة فصار تكموا، وأما أيما فالأصل فيه: أما، قال ابن أبي ربيعة:
4351 - رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت... فيضحى، وأيما بالعشيّ فيخصر 1421
وأما ديماس؛ فالأصل فيه: دماس؛ بدليل قولهم في الجمع: دماميس، والمقتضي للإبدال في هذه الكلمات الخمس الفرار من التضعيف، وأما إبدالها من الهاء ففي دهديت، وصهصيت، أما دهديت؛ فأصله: دهدهت، يقال: دهدهت الحجر أي: دحرجته، قالوا: والدليل على أن الأصل دهدهت قولهم: دهدوهة.
وأما صهصيت؛ فأصله: صهصهت بالرجل 1422 إذا قلت له: صه صه، وأما إبدالها من العين ففي ضفادي وتلعيت، أما ضفادي فلقول الشاعر - أنشده سيبويه -:
4352 - ومنهل ليس له حوازق... ولضفادي جمّه نقانق 1423
أي: ولضفادع، فكره الشاعر أن يسكن العين في موضع الحركة؛ فأبدل منها ما يكون ساكنا في حال الجر وهو الياء، وأما تلعيت: فهو من اللعاعة، والأصل فيه: تلععت 1424 فأبدلت العين الآخرة ياء فرارا من اجتماع الأمثال، وأما إبدالها من الباء ففي: الثعالي والأراني جمع: ثعلب وأرنب وفي ديباج 1425، وأما الثعالي -
الحديث: 4350 - الجزء: 10 - الصفحة: 5231
................................ والأراني فقد أنشد سيبويه رحمه الله: 4353 - لها أشارير من لحم تتمّره... من الثّعالي ووخز من أرانيها 1426 أراد الثعالب وأرانب، فلم يمكنه أن يسكن الباء فأبدل منها الياء. وأما ديباج فأصله: دبّاج بدليل قولهم: في الجمع [6/ 208] دبابيج، فإنهم ردوا الباء لما فرقت ألف الجمع بين المثلين 1427، وأما إبدالها من السين ففي: سادي وخامي. الأصل سادس وخامس. قال الشاعر: 4354 - إذا ما عدّ أربعة فسال... فزوجك خامس وحموك سادي 1428 وقال آخر: 4355 - مضت ثلاث سنين منذ حلّ بها... وعام جلّت وهذا التّابع الخامي 1429 أي: الخامس. وقالوا: في قوله تعالى: دَسَّاها 1430 الأصل: دسسها 1431، فأبدل من السين الثالثة ياء فرارا من اجتماع الأمثال، ثم انقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأما إبدالها من الثاء ففي الثالي أي الثالث. قال الشاعر: 4356 - يفديك يا زرع أبي وخالي... قد مرّ يومان، وهذا الثالي وأنت بالهجران لا تبالي 1432
الحديث: 4353 - الجزء: 10 - الصفحة: 5232
................................
أي: وهذا الثالث.
وأما إبدالها من الراء ففي: قيراط، وشيراز وتسريت، أما قيراط وشيراز فالأصل فيهما إقراط وشرّاز فأبدلوا الياء من الراء الأولى فرارا من التضعيف، والدليل على أن الأصل فيهما ذلك قولهم: قراريط وشراريز، وأما:
تسرّيت فأصله: تسرّرت، لأنه تفعّلت من السّرّية، والسرية فعلية من السرور؛ لأن صاحبها يسرّ بها، أو من السر؛ لأن صاحبها يسرّ أمرها عن حرمه وربة منزله 1433.
قال ابن عصفور: ومن جعل سرّيّة فعّيلة من سراة الشيء وهو أعلاه كانت اللام من تسريت واوا أبدلت ياء لوقوعها خامسة؛ لأن السراة من الواو بدليل قولهم في جمعه: سروات.
قال: والذي ينبغي أن يحمل عليه سرية أنه فعليّة من السّر أو من السرور 1434، انتهى.
واعلم أن الإبدال المذكور في هاتين الكلمتين أعني نحو: قيراط وتسريت إبدال لازم، والأمر فيه كما تقدم في دينار، وأما إبدالها من اللام ففي:
أمليت الكتاب 1435، الأصل: أمللت الكتاب، فأبدلت اللام الثانية ياء فرارا من التضعيف، وقد جاء القرآن العزيز باللغتين.
قال تعالى: فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا 1436 وقال عزّ وجلّ: (وليملل الذى عليه الحق) 1437 وإنما جعلت اللام هي الأصل لأن: أمللت أكثر من أمليت 1438، وأما إبدالها من الصاد ففي قصيت أظفاري، الأصل: قصصت أظفاري، فأبدلوا من الصاد الثانية ياء فرارا من اجتماع الأمثال 1439. وأما إبدالها من الضاد فكما في قول العجاج:
4357 - تقضّى البازي إذا البازي كسر 1440
-
- وضرائر الشعر (ص 227)، والمساعد (4/ 221)، والهمع (2/ 157)، وابن يعيش (10/ 24، 28)، والممتع (1/ 378)، والمقرب (1/ 315)، واللسان «ثلث».
الحديث: 4357 - الجزء: 10 - الصفحة: 5233
................................
الأصل: تقضض؛ لأنه تفعّل من الانقضاض.
وأما إبدالها من الدال فكما في قوله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً 1441 والتصدية:
التصفيق والصوت، والأصل: تصددة؛ لأن الفعل منه: صددت أصد.
ومنه قوله تعالى: إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ 1442 أي: يضحكون ويعجبون، فحولت إحدى الدّالين ياء فرارا من اجتماع المثلين، قالوا: وليس قوله من قال: إن الياء غير مبدلة من دال، جعله من الصّدى الذي هو الصوت بشيء؛ لأن الصدى لم يستعمل منه فعل، وأما إبدالها من الكاف ففي مكاكي، أصله: مكاكيك؛ لأن مفرده، مكّوك، فأبدلوا الياء من الكاف من أجل ثقل التضعيف، وأما إبدالها من الجيم ففي: الدياجي، أصله: الدياجيج؛ لأنه جمع: ديجوج، فأبدلت الجيم الآخرة ياء، وحذفت الياء قبلها تخفيفا.
وأما إبدالها من التاء ففي: ايتصلت، قال الشاعر:
4358 - قامت بها تنشد كلّ منشد... فايتصلت بمثل ضوء الفرقد 1443
يريد: فاتّصلت، فأبدل من التاء الأولى ياء كراهة التشديد.
وأما إبدال الياء من الهمزة والألف والواو فهو من الإبدال المطرد المقيس كما عرفته فيما تقدم.
وإذا ضممت هذه الثلاثة إلى ما تقدم ذكره من الحروف صار مجموع ما يبدل منه الياء ثمانية عشر حرفا.
وإذ قد انتهى الكلام على الحروف التي أبدلت الياء منها، فيشير إلى أمور؛ منها: أن الياء قد تبدل من غير الحروف الخمسة عشر التي ذكرت كما أن ذلك الحرف قد يبدل منها وهو الموضع الذي تكافأ الحرفان فيه الإبدال، وسيذكر ذلك في الفصل الآتي 1444. ومنها: أن قول المصنف: ثالث الأمثال قد شمل النون والراء والصاد والميم والعين والكاف والسين والدال.
وقد مرت أمثلة ذلك، فهي عبارة حسنة جامعة.
ومنها: أن قوله: وثانيها كأتميت، وأولها كأيما فيه تجوز ما.
- - (1/ 157)، والمخصص (11/ 120، 13/ 289)، وابن يعيش (10/ 75)، والمقرب (2/ 170)، والهمع (2/ 157)، والأشموني (4/ 336)، وديوانه (ص 17)، والممتع (1/ 374).
الحديث: 4358 - الجزء: 10 - الصفحة: 5234
................................ ولو قال: وثانيهما وأولهما لكان أولى. ومنها: أن الشيخ لما ذكر أناسي قال: ولو ذهب إلى أن الياء في أناسي ليست بدلا، وأن أناسي جمع إنسي، وأناسين جمع إنسان؛ لكان قد ذهب إلى قول حسن، واستراح من دعوى البدل؛ إذ العرب تقول: إنسي في معنى إنسان. وأنشد البيت المشهور: 4359 - فلست لإنسيّ ولكن لملأك... تنزّل من جوّ السّماء يصوب 1445 قال: فكما قالوا: بختي وبخاتي، وقمري وقماري، كذلك قالوا: إنسي وأناسي، قال: وقد يحذفون الياء من أناسي فيعوضون منها التاء. قالوا: أناسية كما قالوا: زنادقة 1446، وما قاله الشيخ من أن أناسي يكون جمعا لإنسي غير مرض؛ لأن الياء في إنسي ياء نسب، وما فيه ياء النسب لا يجمع على فعالي، وهذا هو الذي أحوجهم إلى أن يجعلوا أناسي جمع إنسان وأن الأصل فيه: أناسين. وقد ذكر المصنف في باب جمع التكسير، وفعالي الثلاثي ساكن العين تزاد في آخره ياء مشددة، لا لتجديد نسبه. ومنها: أن الياء أبدلت من الهمزة دون اطراد في قرأت وتوضأت، فقالوا: قريت وتوضيت. وقال ابن عصفور بعد ذكر هذه المسألة: وقالوا في واجئ 1447: واج، فأبدلوا الهمزة ياء، وأجراها مجرى الياء الأصلية؛ لأنه جعلها وصلا لحركة الجيم، ولو كانت الهمزة منوية عنده لم يجز ذلك، كما لا يجوز في الهمزة، ونحو من ذلك قول ابن هرمة: 4360 - إنّ السّباع لتهدى في مرابضها... والنّاس ليس بهاد شرّهم أبدا 1448
الحديث: 4359 - الجزء: 10 - الصفحة: 5235
[إبدال حرف اللين بتضعيف ما قبله، وتاء الضمير طاء ودالا]
قال ابن مالك: (وربّما أبدل من حرف اللّين تضعيف ما قبله، وقد تبدل تاء الضّمير طاء بعد الطّاء والصّاد، ودالا بعد الدّال والزّاي.
وشذّ إبدال التّاء من واو كتراث، ومن ياء كأسنتوا، ومن سين كستّ، ومن صاد كلصت.
وربّما أبدلت من هاء كما أبدلت الهاء منها).
فأبدل الهمزة من هاد ياء للضرورة، وجميع ذلك لا يقاس عليه إلا في ضرورة، وأبدلت أيضا من الهمزة في: أعصر اسم رجل، فقالوا: يعصر 1449. انتهى.
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على ثلاث مسائل:
الأولى:
إبدال حرف نظير حرف قبله من حرف لين، وعن ذلك عبّر المصنف بقوله:
تضعيف ما قبله يعني أن حرف اللين يبدل منه حرف نظير الحرف الذي قبله، وهو [6/ 209] الذي كان قبل حرف اللين.
وقد مثل لذلك 1450 في قولهم في: أب وأخ وحم ودم بالتشديد.
والأصل: أبو وأخو ودمي، وفي التمثيل بذلك نظر، فإن لقائل أن يدعي أن التشديد في هذه الكلمات لغة فيها، والتضعيف أصل بنفسه، ولا إبدال أصلا.
وكلام المصنف في أول هذا الكتاب يشعر إشعارا صريحا بأن: أبّا وأخّا وحمّا ودمّا بالتضعيف لغة 1451، وعلى هذا فلا إبدال.
المسألة الثانية:
إبدال الطاء والدال من تاء الضمير، وقد ذكر أن تاء الضمير تبدل طاء بعد الطاء والصاد، ودالا بعد الدال والزاي، أما الأول: فنحو قولهم: في خبطت وفحصت:
خبطّ وفحصط.
وأما الثاني: فنحو قولهم في جلدت وفزت: جلدّ وفزد.
وتاء -
الجزء: 10 - الصفحة: 5236
................................
الضمير تشمل تاء المتكلم وتاء المخاطب.
قال الشيخ: ولا فائدة في تخصيص هذين الحرفين؛ إذ الحكم كذلك بعد الظاء والضاد عند من يبدل بعد الظاء والضاد، فيقولون: حفظط و: حفضط في حفظت؛ لأن سبب هذا الإبدال هو تقريب الحرف مما قبله، والأربعة حروف إطباق، فهي سواء لاستعلائها واستعمال التاء؛ فأبدلت التاء طاء؛ لأنها أختها في المخرج؛ إذ لو لم تبدل لثقل النطق بالكلمة للتنافر، ومن الإبدال بيت علقمة:
4361 - وفي كلّ حيّ قد خبطّ بنعمة... فحقّ لشأس من نداك ذنوب 1452
ثم إن الشيخ ناقش المصنف في قوله: وقد تبدل تاء الضمير قال: لأنه يشعر بالقلة.
قال: وكذا قال بعض أصحابنا 1453، وأبدل بغير اطراد من تاء الضمير بعد الطاء والصاد.
قال: وليس ذلك بشيء؛ لأن الإبدال لغة قوم من بني تميم، فكيف يقال في ذلك: إنه إبدال بغير اطراد 1454. انتهى.
وما قاله لا يتوجه على المصنف؛ لأن كونه لغة قوم من بني تميم لا ينافي قلته؛ لأن لغة هؤلاء القوم قليلة بالنسبة إلى بقية اللغات.
المسألة الثالثة:
إبدال الياء شذوذا من خمسة أحرف، وهي: الواو والياء والسين والصاد والهاء.
أما إبدالها من الواو؛ ففي كلمات وهي: تراث، وتجاه، وتقية، والتقوى، وتقاة، وتخمة، وتهمة، وتكأة، وتيقور وتكلة والتّليد والتالد والتلاد وتترى وأتلجه وأتكأه.
أوردها ابن عصفور في الممتع، ونصّ أن ذلك على غير القياس، أما: تراث فإنه من ورث، وتجاه من الوجه، وتقيّة فعيلة من وقيت، والتّقوى فعلى منه، وتقاة -
الحديث: 4361 - الجزء: 10 - الصفحة: 5237
................................
فعلة منه، وتخمة من الوخامة، وتهمة من الوهم.
وتكأة من توكأت.
وتيقور فيعول من الوقار 1455، أصله: ويقور 1456، وتقول: ورجل تكلة من وكل يكل، والتليد والتالد والتلاد من الولادة، وتترى فعلى من المواترة.
وأصلها: وترى.
وأتلجه أي: أولجه.
وأتكأه من وكأت.
وذكروا أيضا ثلاث كلمات أخر، وهي:
توراة وتولج وتودم.
ذكروا أن فيها خلافا؛ أما: توراة فهي عندنا فوعلة من: وري الزند يري.
والأصل: ووراة، فأبدلوا الواو الأولى تاء؛ لأنهم لو لم يفعلوا ذلك لأبدلوا منها همزة هروبا من اجتماع الواوين في أول الكلمة 1457. وقال في تولج:
هو فوعل من الولوج، أصله: وولج وهو عند بعضهم تفعل والتاء زائدة.
قال:
وحمله على فوعل أولى؛ لقلة: تفعل في الكلام، وكثرة فوعل، وأما تودم، فذكر عن الخليل أن وزنه فوعل 1458، والتاء بدل من الواو، فالأصل: وودم، وغيره جعله من تركيب: ت د م هكذا ذكروا، ولا يخفى أن توراة لا نتكلم فيها إلا إن ثبت أنها عربية.
وذكر ابن عصفور أنها أبدلت من واو القسم 1459. والظاهر أن التاء حرف من حروف القسم
أتي بها ابتداء فلا تكون بدلا من الواو.
قال ابن عصفور:
ومما أبدلت التاء فيه عن الواو وهي لام الكلمة أخت وبنت، وهنت، وكلتى؛ لأن أصلها كلوى، والألف بعد التاء للتأنيث 1460، يعني على مذهب سيبويه في كلتا، ودعوى أن التاء في أخت وبنت وهنت بدل من لام الكلمة فيه نظر، والظاهر أن اللام حذفت اعتباطا، كما حذفت في مذكرات هذه الكلمات، ثم لما قصد بالكلمة مؤنث ألحقت التاء لتدل على ذلك، وعلى هذا لا تكون التاء بدلا من الواو، وكيف بدلا من شيء لا يجوز النطق به.
وأما إبدال التاء من الياء ففي كلمات أربع وهي: أسنتوا التي ذكرها المصنف، واثنتان وكيت وذيت، ذكرها ابن عصفور 1461، وأما: أسنتوا ومعناه: أنهم في سنة جدبة، فإن أصله قبل الإسناد إلى -
الجزء: 10 - الصفحة: 5238
................................
الواو: أسنت وأصله: أسنى؛ فأبدلت التاء من الياء 1462 وليست الياء أصلا، بل الياء منقلبة عن الياء، والياء تنقلب ياء إذا كانت رابعة كأغريت وأعطيت، فالتاء في أسنت بدل من الياء والياء بدل من الواو، ويقال: رجل مسنت أيضا، كما يقال:
أسنت الرجل، قال الشاعر:
4362 - عمرو الّذي هشم الثّريد لقومه... ورجال مكّة مسنتون عجاف 1463
وقد أجاز سيبويه في أسنت وجهين: أحدهما: هذا 1464، والثاني: أن تكون التاء بدلا من الواو 1465 مقدرا الإبدال قبل قلبها ياء، وكأنه - رحمه الله تعالى - يقول:
لما صارت رابعة وتعين قلبها ياء قلبت حينئذ تاء؛ لأنهم لما عزموا على إبدالها تاء كانوا في غنى عن أن يبدلوها
أولا ياء، ثم يبدلوها ثانية ياء.
وأما ثنتان فقال ابن عصفور: يدل على أن التاء بدل من الياء أنها من تثنيت؛ لأن الاثنين قد ثنى أحدهما صاحبه، وأصله: ثنى يدل على ذلك جمعهم إياه على: أثناء، بمنزلة أبناء؛ فنقلوه من فعل إلى فعل كما فعلوا في بنت 1466. أعني: ذوات الواو.
هذا كلامه، وفيه نظر؛ لأن التاء في ثنتين إنما جيء بها للتأنيث، والكلمة محذوفة اللام قبل مجيء التاء بدليل قولهم: اثنان.
وهذا كلام ابن عصفور نظير ما تقدم له في تاء أخت وبنت وهنت - أنها بدل من لام الكلمة، والظاهر أن الأمر هناك وهنا بخلاف ذلك.
وأما كيت وزيت فقال ابن عصفور: أصلها كيّة وذيّة ثم إنهم حذفوا الهاء وأبدلوا من الياء التي هي لام تاء 1467. قال الشيخ: وقد نطقوا بالأصل فقالوا:
كيّة وذيّة 1468. انتهى.
وهذا يدل على أن التاء ليست بدلا إلا أن يقال: إنهم جمعوا المبدل والمبدل منه شذوذا.
وأما إبدال من السين ففي كلمات، وهي:
ست - كما ذكر المصنف - والناس والأكياس وطسّ، وذكرها ابن عصفور 1469، أما ست فأصله: سدس بدليل قولهم في الجمع: أسداس وفي التصغير: سديس، -
الحديث: 4362 - الجزء: 10 - الصفحة: 5239
................................ فقلبوا السين تاء، ثم أدغموا 1470، وسيأتي الكلام عليه في الإدغام إن شاء الله تعالى، إلا أن الإبدال في الكلمة المذكورة إبدال على جهة اللزوم، وفي بقية [6/ 210] الكلمات على جهة الشذوذ، وشاهد الإبدال في الناس والأكياس ما أنشد أحمد ابن يحيى: 4363 - يا قاتل الله بني السّعلاة... عمرو بن يربوع شرار النّات غير أعفّاء ولا أكيات 1471 وأما: طسّ فقالوا فيه: طست، والدليل على أن التاء بدل من السين أن: طسّا أكثر استعمالا من: طست 1472 وإنما أبدلت التاء من السين لموافقتها إياها في الهمس وتجاور المخرج، وأما إبدالها (من الصاد) 1473 ففي ما ذكره المصنف: هو لصت. الأصل فيه: لصّ، وقالوا في الجمع: لصوت بالإبدال أيضا. والأصل: لصوص، وإنما جعل لص أصلا لكثرة استعماله وقلّة لصت 1474، ولم يمثلوا لإبدال التاء من الصاد بغير هذه الكلمة. وأما إبدال التاء من هاء، وإبدال الهاء منها فقال الشيخ في الأول: مثال ذلك ما تأوله بعضهم في قول الشاعر: 4364 - العاطفون تحين ما من عاطف 1475
الحديث: 4363 - الجزء: 10 - الصفحة: 5240
[إبدال الميم من النون الساكنة قبل ياء وغيرها]
قال ابن مالك: (وأبدلت الميم من النّون السّاكنة قبل باء، وقد تبدل منها ساكنة ومتحرّكة دون باء، وقد تبدل هي من الميم).
أنه أراد العاطفونه بهاء السكت إجراء له مجرى الوقف، ثم أبدل منها تاء وحركها للضرورة.
ومثل الثاني بإبدال تاء طلحة، وفاطمة هاء في الوقف.
قال: وحكى محمد بن المستنير أن طيئا تبدل من تاء جمع المؤنث السالم هاء في الوقف، فيقولون: كيف الإخوه والأخواه؟ وكيف البنون والبناه 1476؟ هذا تمثيل الشيخ الأول والثاني.
ولا أجد في النفس قبولا لذلك.
واعلم أن ابن عصفور ذكر أن التاء تبدل من حرفين آخرين لم يذكرهما المصنف وهما الطاء والدال.
أما الأول: فنحو قول بعضهم في فسطاط: فستاط، ويدل على أن الأصل الطاء قولهم: فساطيط.
ولا يقولون: فساتيط.
وقالوا أيضا في اسطاع: استاع، وفي المضارع: يستيع.
والأصل: يسطيع.
وأما الثاني: فنحو قولهم: ناقة تربوت، والأصل: دربوت، أي: مذللة؛ لأنه من الدربة 1477.
قال ناظر الجيش: أما إبدال الميم من النون الساكنة قبل باء فهو من الإبدال اللازم، وقد تقدم التنبيه عليه في أول الفصل المتضمن لذكر حروف الإبدال، والإعلام بأن المصنف ذكر هذه المسألة في أول فصل يتضمن الكلام على الإبدال غير اللازم، وتقدمت الإشارة إلى أن هذه المسألة لو ذكرت مع المسائل المتضمنة للإبدال اللازم لكان أولى، بل هو الواجب لكن هذا اتفق.
وإطلاق المصنف يفيد أن النون الساكنة قبل باء تبدل ميما سواء أكان اجتماعهما في كلمة نحو: عنبر - - والمانعون من الهضيمة جارهم... والحاصلون إذا العشيرة تعزم واللاحقون جنانهم قمع الذرى... والمطعمون زمان أين المطعم والاستشهاد بالبيت: في قوله: «العاطفون تحين» وللعلماء في هذه العبارة رأيان: أحدهما - وهو الذي ذكره ابن الأنباري، وأصله لأبي زيد، وقال به الجوهري -: أن هذه التاء زائدة في أول كلمة حين.
والرأي الثاني: أن هذه التاء زائدة في قوله: العاطفون وأصلها هاء الوقف، فأجرى الكلمة في حال الوصل مجراها في حال الوقف، ثم قلب الهاء تاء... وعليه أبو حيان.
انظر التذييل (6/ 203 أ).
الجزء: 10 - الصفحة: 5241
................................
وشنباء 1478، أم في كلمتين نحو: أن بورك.
قال ابن عصفور: وذلك لأن النون أخت الميم، وقد أدغمت في الميم، فأرادوا إعلالها أيضا مع الباء كما أعلوها مع الميم بالإدغام.
ثم أشار المصنف إلى الإبدال الجائز وإلى قلته بقوله: وقد تبدل منها ساكنة ومتحركة دون باء فمثال الإبدال في الساكنة قولهم في حنظل: حمظل.
ومثال الإبدال من المتحركة قولهم في البنان: البنام.
قال الشاعر:
4365 - يا هال ذات المنطق التّمتام... وكفّك المخضّب البنام 1479
أنشده في الممتع.
وأما قوله: وقد تبدل هي من الميم فقد مثل له الشيخ بما نقله الأصمعي من قولهم للحيّة: أيم وأين.
والأصل: أيّم فخفف نحو: هين في هيّن 1480، ولم يذكر ابن عصفور إبدال النون من الميم، ولكنه ذكر أن الميم تبدل من أحرف أخر غير النون وهي: الواو، والياء، واللام.
فأما إبدالها من الواو ففي قولهم: فم.
الأصل: فوه حذفت الهاء تخفيفا، ثم أبدلوا من الواو ميما لقرب الميم من الواو.
وقد ذكر المصنف هذه المسألة في الفصل الذي بعد هذا كما سنقف عليه 1481. وأما إبدالها من الباء ففي قولهم: بنات مخر في: بنات بخر، وهي سحائب يأتين قبل الصيف بيض منتصبات 1482، وإنما جعلت الباء أصلا؛ لأن البخر مشتق من البخار، والسحاب يقال: إنه ينشأ عن بخار البحر، وكذا قولهم - حكاه أبو عمرو الشيباني -: ما زال راتما في كذا، أي راتبا، ومعناه: مقيما، من الرتبة 1483، وكذا قولهم: رأيته من كثم، أي: من كثب، أي: من قرب 1484. وقالوا في نغب جمع نغبة: نغما 1485. وأما إبدالها من اللام فأراد بذلك لام التعريف، وفي ذلك نظر:
فإنه قد ثبت أن إرادة التعريف عند المتكلمين بهذه اللغة هي الميم موصولة بهمزة -
الحديث: 4365 - الجزء: 10 - الصفحة: 5242
[إبدال الصاد والسين من بعض الحروف]
قال ابن مالك: (وتبدل الصّاد من السّين جوازا على لغة: إن وقع بعدها غين أو خاء أو قاف، أو طاء، وإن فصل حرف أو حرفان فالجواز باق، وإن سكنت السّين قبل دال، جاز إبدالها زايا، وإن تحرّكت قبل قاف فكذلك.
وربّما أبدلت بعد جيم أو راء، ويحسّن مضارعة الزّاي ما سكّن قبل دال من صاد أو جيم أو شين، ولا يمتنع الإخلاص في الصّاد المذكورة، فإن تحرّكت قبل دال أو طاء جازت المضارعة، وشذّ الإبدال).
الوصل والميم بمنزلة اللام في لغة بقية العرب، وعلى هذا لا يقال: إن الميم أبدلت من اللام، وأما إبدال الميم من الواو فقد ذكره المصنف في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
وكذا إبدالها من الباء ذكره فيه أيضا، لأن التكافؤ في الإبدال وقع بينها وبين الباء فوجب أن يذكر ذلك عند التكافؤ 1486.
قال ناظر الجيش: هذا الكلام يشتمل على ذكر أحكام أربعة:
الأول: أن الصاد تبدل من السين بشرط وهو أن يقع بعد السين أحد الأحرف الأربعة وهي: الغين، والخاء، والقاف، والطاء، سواء اتصلت هذه الأحرف بالسين أم انفصلت بحرف أو حرفين، ولكن هذا الإبدال لا يكون عند جميع العرب بل عند بعضهم؛ ولهذا قال: على لغة، وذكر سيبويه أنها لغة بني العنبر 1487، ويظهر من قول المصنف: جوازا على لغة أن أصحاب هذه اللغة لا يوجبون هذا الإبدال، وأنه عندهم جائز لا غير، وأفاد قوله: إن وقع بعدها أن شيئا من الأحرف الأربعة إذا وقع قبل السين لا تأثير له في إبدالها صادا.
إذا تقرر هذا، فمثال ما بعد السين فيه غين: سغب، ومثال ما بعدها فيه خاء: سخر، ومثال ما بعدها فيه قاف: سقر، ومثال ما بعدها فيه طاء: سطع.
فيجوز أن يقال في ذلك: صغب -
الجزء: 10 - الصفحة: 5243
................................
وصخر وصقر وصطع، هذه أمثلة ما اتصلت فيه الأحرف المذكورة بالسين، ومثال ما انفصلت فيه بحرف: أسبغ، وبحرفين: سراط، فيجوز فيهما: أصبغ وصراط، ونقل الشيخ: أن الإبدال في صراط لغة الحجاز 1488. وعلى هذا فلا يكون هذا الإبدال مخصوصا بلغة بني العنبر.
ثم قال الشيخ: وكذا لو كان الفصل 1489 بثلاثة أحرف، نحو: مساليخ فإنه يجوز أن يقال فيه: مصاليخ 1490، واعلم أن الأحرف [6/ 211] الأربعة المتقدمة الذكر من حروف الاستعلاء، وهذا هو المقتضي لإبدال السين قبلها صادا؛ لأن الصاد مستعلية - أيضا - فقصدوا بالإبدال: تجانس الحرفين ولو أقروا السين دون إبدال لكان في ذلك خروج من تسفل إلى تصعد، لأن السين حرف مستعل، أما إذا وقع أحد الأحرف المذكورة قبل السين فلا تبدل السين صادا؛ إذ التقدم لا تأثير له.
وذلك حق نحو: قست، وطست؛ لأن الخروج من تصعد إلى تسفل أسهل من الخروج من تسفل إلى تصعد.
الحكم الثاني: أن السين إذا سكنت قبل دال أو تحركت قبل قاف جاز إبدالها زايا، أما سكونها قبل دال فنحو: أسد يقال فيه: أزد، وأما تحركها قبل قاف فنحو: سفر يقال فيه: زفر.
وأشار بقوله: وربما أبدلت بعد جيم أو راء إلى أن السين ربما أبدلت زايا بعد هذين الحرفين، فمثال إبدالها بعد الجيم: جست خلال الديار، يقال فيه: جزت خلال الديار 1491، وأما إبدالها بعد الراء فمثاله: رسب الشيء، يقال فيه: رزب الشيء.
الحكم الثالث: أن ما سكن قبل دال من أحرف ثلاثة وهي: الصاد، والجيم والشين يجوز مضارعته الزاي، ومثال ذلك: يصدر وأجدر 1492 وأشدق 1493، -
الجزء: 10 - الصفحة: 5244
[التكافؤ في الإبدال بين الطاء والدال والتاء]
قال ابن مالك: (فصل: وقع التّكافؤ في الإبدال بين الطّاء والدّال والتّاء).
أما مضارعة الصاد الساكنة الواقعة قبل دال الزاي نحو: يصدر فظاهر، وأما مضارعة الجيم، والسين الزاي فلم أتحققه، والشيخ ذكر هذا الحكم ومثل بما تقدم مقتصرا على ذلك، ووعد بأن الكلام يأتي على هذه المسألة مبسوطا.
وأما قوله: ولا يمتنع الإخلاص في الصاد المذكورة.
فأراد به أنه لا يمتنع إخلاص الزاي في الصاد الساكنة قبل ذاك فيقال في اصدقني: ازدقني 1494، وفي يصدر: يزدر بالزاي الخالصة، وهذه لغة كلب 1495، قال سيبويه: وسمعنا العرب الفصحاء يجعلونها زايا خالصة، وذلك نحو قولهم في التصدير: التزدير، والقصد: القزد، وفي أصدرت: أزدرت 1496، والأفصح ألا تبدل الصاد زايا محضة؛ بل حرفا متوسطا بينهما.
الحكم الرابع: أن الصاد إذا تحركت قبل دال أو طاء جازت المضارعة، أي:
مضارعة الزاي في الصاد وهي أن تشاب الصاد بالزاي، قال سيبويه: وربما ضارعوا بها وهي بعيدة، نحو مصادر والصراط 1497 وأما الإبدال فشاذ، وإليه الإشارة بقوله: وشذّ الإبدال أي إبدال الصاد زايا محضة، قال سيبويه: فإن تحركت الصاد لم تبدل - يعني زايا 1498 - وحاصل الأمر: أنه لا يجوز الإبدال إلا فيما سمع.
قال ناظر الجيش: استفتح الشيخ شرحه هذا الفصل بأن قال: عقد المصنف هذا الفصل للحرف الذي أبدل من حرف وأبدل ذلك الحرف منه، وقد تقدم من هذا الفصل مسألتان ذكرهما في الفصل الذي قبله؛ وكان ينبغي أن يكونا في هذا الفصل، إحداهما قوله: وربما أبدلت من هاء كما أبدلت الهاء منها.
والثانية قوله:
وقد تبدل منها ساكنة ومتحركة دون باء، وقد تبدل هي من الميم.
انتهى.
واعلم أنه - - خالطت أعلى الثنيتين، وهي في الهمس، والرخاوة كالصاد والسين، وإذا أجريت فيها الصوت وجدت ذلك بين طرف لسانك، وانفراج أعلى الشفتين، وذلك قولك: أشدق، فتضارع بها الزاي، والبيان أكثر وأعرف، وهذا عربي كثير».
الجزء: 10 - الصفحة: 5245
................................
لما حصل التكافؤ في الإبدال بين ثلاثة الأحرف المذكورة لزم أن تكون صور المسائل ستّا؛ لأن كل حرف يبدل من الآخر، فالطاء تبدل من الدال والتاء، والدال تبدل من الطاء، والتاء تبدل من الطاء والدال.
فمثال إبدال الطاء من الدال قولهم: مط الحرف ومده بمعنى 1499، حكاه يعقوب عن الأصمعي، وحكى أبو عبيدة: الميطاء والميداء.
قال: حولوا الدال طاء.
ومثال إبدال الطاء من التاء إما باطراد مع أنه لازم، ففي افتعل إذا كانت الفاء ضادا أو صادا أو طاء أو ظاء كما عرفت، وإما بغير اطراد.
فمن تاء الضمير بعد هذه الأحرف كما سبق... ومثال إبدال الدال من الطاء قولهم: المريداء والمراداء في: المريطاء والمراطاء، وهو حيث يمرط الشعر حول السرة 1500.
ومثال إبدال الدال من الياء: إما باطراد مع أنه لازم ففي افتعل إذا كانت الفاء زايا أو دالا كما عرفت، وإما بغير اطراد إذا كانت الفاء جيما نحو: اجدمعوا في اجتمعوا 1501، وفي تولج قالوا: دولج، لا يقال: إن الدال بدل من الواو إذ أصله:
وولج، بل هي بدل؛ لأنه لم يثبت إبدال الواو دالا، وثبت إبدال التاء دالا.
ومثال إبدال التاء من الطاء قولهم: فستاط.
والأصل: فسطاط بدليل قولهم: فساطيط ولا يقولون: فساتيط.
وكذا قولهم: استاع في استطاع.
قال الشيخ: ويحتمل أن يكون أصل استاع: استطاع فحذفوا فاء الكلمة فقط.
قال: وعلى ما قالوه يكون في الكلمة حذف وإبدال، يعني أنهم حذفوا التاء ثم أبدلوا الطاء تاء، والحق أن الكلمة محتملة للأمرين، ووزن استاع على ما قالوه:
اسفال، وعلى ما قال الشيخ: استال.
ومثال التاء من الدال قولهم: ناقة تربوت، والأصل: دربوت، أي: مذللة؛ لأنه من الدربة.
وعند سيبويه: أن تربوت التاء فيه أصل؛ لأنه من التراب عنده؛ لأنه الذلول، والذلة تناسب التراب 1502.
الجزء: 10 - الصفحة: 5246
[التكافؤ بين الحروف]
قال ابن مالك: (وبين الميم والباء، وبين الثّاء والفاء، وبين الكّاف والقاف، وبين الّلام والرّاء، وبين النّون واللّام، وبين العين والحاء).
قال ناظر الجيش: المذكور هنا اثنا عشر حرفا بين كل اثنين منهما تكافؤ في الإبدال:
الحرفان الأولان: الميم، والباء، فمثال إبدال الميم من الباء قولهم: ما زال راتما على كذا، أو راتبا أي: مقيما من الرتبة، وقولهم: بنات بخر، وهن سحائب يأتين قبل الصيف.
وقد أجاز أبو الفتح أن يكون كل من الميم والباء أصلا، وجعل ميم المخر في قوله تعالى: وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ 1503 وقولهم: رأيته من كثم، أي:
من كثب، وقولهم: قيد في بيد، بمعنى غير.
ومثال إبدال الباء من الميم قولهم:
با اسمك؟ يريدون: ما اسمك؟ وهي لغة مازنية 1504، وقد خاطب بها الواثق المازني حين دخل عليه، وليس في قراءة أبي عمرو: مريم بهتنا 1505 وبِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ 1506 ولِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً 1507 إبدال وإدغام، بل ما ذكر عنه محمول على الإخفاء؛ لأن الميم من الحروف التي لا تدغم في مقاربها.
والحرفان الثانيان:
الثاء والفاء، فمثال إبدال الثاء من الفاء قولهم: في ثم التي هي حرف عطف: فم، وقالوا: حدف في حدث، وقالوا: فوم بمعنى ثوم، ومثال إبدال الثاء من الفاء قولهم في مغفور: مغثور 1508، ودليل على أن الفاء أصل أنهم قالوا: ذهبوا يتمغفرون بالميم، أي: يجنون المغفور، ولم يقولوا: يتمغثرون.
الحرفان الثالثان: الكاف والقاف.
وقد نص النضر بن شميل عن الخليل أن إبدال القاف من الكاف والفاء من الكاف قليل، فمثال إبدال الكاف من القاف قولهم: عربي كح، وعربية كحة، يريدون: قحّا وقحة، والقح: الخالص من اللوم.
وقالوا: كاتحة في فاتحة [6/ 212]. والكتال في القتال، والكصير في القصير.
ومثال إبدال القاف من الكاف قولهم: وقنة في وكنة، وهي مأوى الطائر من الجبل، حكاه الخليل، وهو أقل من العكس.
والحرفان -
الجزء: 10 - الصفحة: 5247
[التكافؤ في إبدال حروف أخرى]
قال ابن مالك: (وربّما وقع بين الغين والخاء، وبين الضّاد واللّام، وبين الذّال والثّاء، وبين الفاء والباء، وبين الجيم والياء).
الرابعان: اللام والراء، فمثال إبدال اللام من الراء قولهم: الشلح في الشرح، وهي النطفة يكون منها الولد.
ومثال إبدال الراء من اللام قولهم في الدرع: نثره، والأصل: نثله.
والدليل على أن اللام أصل قولهم في الفعل: نثلها دون نثرها، وكذا قولهم في لعل: رعلّ، وقولهم: رجل، وجر وأوجر 1509 في وجل وأوجل، وامرأة وجرة في وجلة، وهي لغة قيس، قال الفراء: أنشد أبو الليث:
4366 - فإنّي بالجار الخفاجيّ واثق... وقلبي من الجار العباديّ أوجر
إذا ما عقيليان قاما بذمه... شريكين فيها فالعبادي أعذر 1510
الحرفان الخامسان: النون واللام، فمثال إبدال النون من اللام، قولهم في لعل:
لعن 1511، وإنما جعل لعل الأصل؛ لأنه أكثر استعمالا، وقولهم: ناسيما في لا سيما 1512. ومثال إبدال اللام من النون قولهم: في أصيلان تصغير أصلان:
أصيلال، فاللام بدل من النون 1513، ولذلك إذا سميت به منعته من الصرف للعلمية، وزيادة الألف واللام التي هي قائمة مقام النون وبدل عنها.
الحرفان السادسان: العين والحاء.
فمثال إبدال العين من الحاء قولهم: ضبع بمعنى: ضبح 1514، ومثال إبدال الحاء من العين قولهم: ريح في ريع، وقولهم: سرح في سرع.
قال ناظر الجيش: يشير إلى أن التكافؤ في الإبدال وقع قليلا بين ما ذكره، ودل -
الحديث: 4366 - الجزء: 10 - الصفحة: 5248
................................ هذا على ما ذكره قبل وقع كثيرا، ومثال إبدال الغين من الخاء قولهم: غطر بيديه يغطر، أي: خطر بيديه 1515، قال ابن جني: فالغين بدل من الخاء لكثرة الخاء. ومثال إبدال الخاء من الغين قولهم: الأخن يريدون الأغن 1516 وهو: السمع الغنة، ومثال إبدال الضاد من اللام ما حكاه الجوهري من قولهم: رجل جضد أي: جلد، ومثال إبدال اللام من الضاد قولهم: الطجع في: اضطجع 1517، ولم يعد سيبويه اللام من حروف البدل لقلتها وشذوذها وإن كان قد ذكرها في قولهم: أصيلال 1518، ومثال إبدال الثاء من الذال قولهم: الجثوة من النار، يريدون: الجذوة. ومثال إبدال الذال من الثاء قولهم: تلعذم الرجل أي: تلعثم إذا أبطأ في الجواب 1519. ومثال إبدال الباء من الفاء قولهم: البشكل في الفشكل، ومثال إبدال الجيم من الياء قولهم: لا أفعل ذلك جدا الدهر، أي: يد 1520 الدهر أي: آخره، وعن أبي زيد يقول الكلابيون: هي الصهاريج، والواحد: صهريج 1521، وبنو تميم يقولون: صهاري وصهري، قال الأصمعي: كل ياء مشددة للنسبة وغيرها، فبعض العرب يبدلها جيما 1522، وزعم الفراء أنها لغة طيئ 1523، وعن أبي عمرو: وهم يقلبون الياء الخفيفة أيضا إلى الجيم، يقولون: هذا غلامج، وهذه دارج، يريدون: غلامي، وداري 1524. وقد أنشدوا: 4367 - خالي عويف وأبو علجّ... المطعمان اللّحم بالعشجّ وبالغداة قطع البرنجّ 1525
الحديث: 4367 - الجزء: 10 - الصفحة: 5249
قال ابن مالك: (والأكثر كون الياء المبدل منها الجيم مشدّدة موقوفا عليها أو مسبوقة بعين وهي جعجعة قضاعة).
قال في الممتع: وأما الجيم فأبدلت من الياء لا غير مشددة ومخففة، فيبدلون من الياء المشددة 1526 - فقد تقدم الاستشهاد عليها - وأما المخففة فشاهدها ما أنشده الفراء من قول الشاعر:
4368 - لا همّ إن كنت قبلت حجّتج... فلا يزال شاحج يأتيك بج 1527
ويشعر كلام ابن عصفور أن ذلك مطرد في المشددة، غير مطرد في المخففة، ومثال إبدال الياء من الجيم قولهم: في الدياجي جمع ديجوج: والأصل فيه:
الدياجيج، وقد تقدم ذكر هذه المسألة في ذكر الحروف التي تتبدل الياء منها، وقالوا أيضا في شجرة: شيرة بكسر الشين 1528، ولم يجعل ابن جني ذلك إبدالا؛ لأنهم حين صغروا: شيرة أقروا الياء، ولو كان بدلا لردوا الجيم؛ ولأن البدل لا يغيّر شيئا من الكلمة، وهم قد كسروا الشين.
على أنه أجاز أن يكون بدلا؛ لأن البدل قد يجيء بتغيير بعض الحركات.
انتهى.
ولقائل أن يدعي أنهم كسروا الشين فرارا من وقوع الياء متحركة بعد فتحة لما يلزم من قلبها ألفا.
قال ناظر الجيش: فقال أبو عمرو بن العلاء 1529: إنه قابل أعرابيّا من بني حنظلة، فقال له: ممن أنت؟ فقال: فقيمج.
فقال: من أيّهم؟ فقال: مرج، أي: فقيمي، - - والغداة: الصحوة، والفلق: جمع فلقة وهي القطعة، والبرني: نوع من أجود التمر، والشاهد: في قوله: أبو علج يريد: أبو علي، وبالعشج يريد: العشي، والبرنج يريد: البرني.
وانظره في: المقرب (2/ 29، 164)، وسر الصناعة (1/ 182)، والممتع (1/ 353)، والرضي (2/ 287)، وشرح شواهد الشافية (ص 212 - 215)، والعيني (4/ 585).
الحديث: 4368 - الجزء: 10 - الصفحة: 5250
[إبدال الميم والشين من بعض الحروف]
قال ابن مالك: (وربّما أبدلت الميم من الواو.
وقد تبدل من الهاء الحاء بعد حاء أو عين إن أوثر الإدغام وربّما أبدلت الشّين من الجيم.
وإذا سكّنت الجيم قبل دال جاز جعلها كشين).
مري، فهذا مثال المشدودة الموقوف عليها، ومثال المشدودة المسبوقة بعين: علج، والعشج كما هما في الرجز المتقدم إنشاده.
وأما قوله: وهي جعجعة قضاعة، فقال الشيخ: ثبت في نسخة البهاء الرقي وغيره: وهي عجعجة قضاعة بتقديم العينين على الجيمين، قال الجوهري: العجعجة في قضاعة يحولون الياء جيما مع العين، يقولون: هذا راعج خرج معج، يريدون: هذا راع خرج معي.
قال ناظر الجيش: أشار بهذا الكلام إلى أمور أربعة كلها قليل:
الأول: أن الميم تبدل من الواو، ومثال ذلك قولهم: فم، الأصل: فوه حذفوا اللام أولا، ثم أبدلوا من الواو ميما لقربها منها في المخرج 1530، وموجب الإبدال المذكور أن الميم حرف صحيح تجري عليه حركات الإعراب دون الواو.
الثاني: أن الحاء تبدل من الهاء بعد حاء أو عين.
مثال الأول: امدح حلالا، ومثال الثاني: ذهب معحم، والأصل: امدح هلالا، وذهب معهم 1531. وقيد الإبدال المذكور بقوله: إن أوثر الإدغام؛ لأنه إذا لم يدغم فلا إبدال؛ بل يقال:
امدح هلالا، وذهب معهم دون إبدال.
والظاهر أن هذه المسألة محل ذكرها باب الإدغام ولا محل في باب الإبدال؛ لأن إبدال الإدغام إبدال بعارض، وذلك أنه إذا قصد إلى الإدغام والحرفان متقاربان لا مثلان، وجب إبدال أحد الحرفين إلى مثل الآخر ليصح الإدغام، وإذا كان كذلك فليس الإبدال مقصورا لذاته بل لأمر آخر.
-
الجزء: 10 - الصفحة: 5251
[إبدالات أخرى مختلفة]
قال ابن مالك: (وأبدلت الهاء وقفا من ألف: أنا، وما، وهنا، وحيهلا، وفي ياء هذي وهنيّة وعوّضت هي والسّين من سلامة العين في أهراق وأسطاع).
وقد قال المصنف لما ذكر حروف الإبدال: يجمع حروف البدل الشائع في غير إدغام كذا وكذا، فأخرج الإبدال الذي لأجل الإدغام من هذا الباب.
الأمر الثالث: إبدال الشين من الجيم، ومثال ذلك قولهم: مدمش في: مدمج 1532.
قال الشيخ: وأهمل المصنف إبدال الشين من الكاف للمؤنث، ومن السين، أما الأول: فنحو: أكرمتش، أي: أكرمتك [6/ 213] وأنشدوا هذا البيت:
4369 - فعيناش عيناها وجيدش جيدها... ولكنّ عظم السّاق منشي رقيق 1533
وأما الثاني فهو قولهم: جعشوش في: جعسوس، وهي القميء الذليل ويجمع بالسين فيقال: هم من جعاسيس الناس، ولا يقال في الجمع بالشين 1534.
الأمر الرابع: أن الجيم إذا سكنت قبل دال جاز جعلها كسين.
مثال ذلك: زيد أجدر بهذا الأمر؛ فيجوز أن تشاب الجيم بالسين، فلا تكون جيما محضة، ولا سينا محضة.
قال ناظر الجيش: اشتمل كلامه هذا على مسألتين:
الأولى:
أن الهاء تبدل من الألف ومن الياء.
أما إبدالها من الألف: ففي أربع كلمات إذا وقف عليها، وهي: أنا، وما، وهنا، وحيهلا.
ومثال أنا قول حاتم الطائي 1535: -
الحديث: 4369 - الجزء: 10 - الصفحة: 5252
................................
هذا فصدي أنه.
ومثال ما وهنا قول الشاعر:
4370 - قد وردت من أمكنه... من ها هنا ومن هنه
إن لم أروّها فمه 1536
أي: فما أصنع، وقالوا في حيهلا: حيهله، وقد جوزوا أن تكون الهاء في إنه وحيهله هاء السكت، وأما إبدالها من الياء ففي كلمتين: إحداهما: هذي، قالوا: هذه، والياء هي الأصل، بدليل تحقيرهم ذا: ذيّا، وذي تأنيث ذا، فكما لم توجد الهاء في المذكر تكون في المؤنث أصلا، والكلمة الثانية: هنيّة وهي تصغير هنة.
وأصله: هنيوة بدليل: هنوان 1537، فاللام التي حذفت وهي واو ردت في التصغير، وانقلبت من أجل ياء التصغير ياء فقالوا: هنيّة، ثم إنهم أبدلوا من الياء المنقلبة هاء فقالوا: هنيهة.
قال الشيخ: وقد تقدم في استنواء أن سيبويه أجاز أن تكون الياء بدلا من الواو ومن الياء، قال: فيمكن ذلك في هنيهة.
المسألة الثانية:
أن الهاء يؤتى بها عوضا عن عين الكلمة التي أتي بها فيها، نحو: أهراق، وأن السين يؤتى بها عوضا عن سلامة عين الكلمة التي أتي بها فيها أيضا نحو: اسطاع، فإنها والسين قد اشتركا في هذا الحكم وكذا قرب بينهما في الذكر.
قال الشيخ: لما كانت عين أراق وأطاع إذا أسند الفعل إلى ما سكن له آخره انحذفت ولا يثبت؟
فيقال: أرقت وأطعت، وحين يسند لما لا يسكن آخر الفعل له يعتل بنقل حركتها إلى الساكن قبلها وانقلابها ألفا، نحو: أراق وأطاع؛ عوضوا عن أرق بدلا من سلامة العين الهاء، وفي أطاع السين، وهذا التعويض شذوذ لا يطرد في شيء من -
الحديث: 4370 - الجزء: 10 - الصفحة: 5253
................................
نظائرها.
قال: وقد سبق الكلام على هذه الهاء، وعلى هذه السين مشبعا في باب حروف الزيادة.
واعلم أن الشيخ لما انتهى به الكلام على هذا الموضع قال: وقد انقضى الكلام على حروف البدل على ما رتبه المصنف ونحن نتكلم على كل حرف من حروف البدل التي ذكرها في أول فصول البدل؛ فنذكر الحرف، ومم أبدل مختصرا؛ ليكون ذلك محيطا بجميع أحكام البدل، وناظما لها في عقد الاختصار، فنقول: نظم المصنف حروف البدل في قوله: لجدّ صرف شكس آمن طيّ ثوب عزّته، فهذه اثنان وعشرون حرفا ثم ذكر في آخر فصول البدل: القاف، والحاء، والغين، والخاء، والضاد، والدال، فتحصل من هذا أن جميع حروف المعجم جميع حروف البدل؛ ولذلك قال ابن الضائع: قلما تجد فيه حرفا إلا قد جاء فيه البدل، ولو نادرا ونحن نسرد الكلام فيها على ما رتبه المصنف 1538. انتهى.
والشيخ تبع في ذلك - أعني في الكلام على حرف، ومم أبدل - أبا الحسن ابن عصفور، واقتدى به في معظم ما أورده، وأنا أورد كلامه - أعني كلام الشيخ - مراعيا كلام ابن عصفور - رحمهما الله تعالى - فأقول: اللام أبدلت من حرفين وهما النون والضاد.
قالوا: أصيلال في: أصيلان، والطجع في: اضطجع، الجيم أبدلت من الياء لا غير مخففة ومشددة نسب وغيره.
والدال أبدلت من التاء والذال.
فأما من التاء فباطراد إن كانت الفاء زايا: كازدان وازدلف وازدجر وذلك في الافتعال وما تصرف منه، وبغير اطراد مع الجيم الساكنة قبلها، كاجدمعوا واجدرّ في: اجتمعوا واجترر، ولا يقاس على ذلك، ومع الدال في غير إدغام كاددكر، فأما ادّكر واذّكر فإبدال إدغام وليس الكلام فيه كما عرفت.
وفي: فرد وجلد كما ذكر المصنف في تولج قالوا: دولج، فأبدلوا الدال من التاء المبدلة من الواو؛ لأن الأصل وولج؛ لأنه من الولوج، ولا تجعل الواو بدلا من الواو كما تقدم.
وأما من الذال ففي: ذكر لا غير جمع ذكرة قالوا: دكر.
قال ابن عصفور:
وكأن الذي سهّل ذلك قلبهم لها في: ادّكر، ومدّكر فألف فيها القلب فقلبت دالا، وكان موجب القلب قد زال وهو
الإدغام 1539. الضاد أبدلت من السين بالشرط الذي ذكره المصنف كما عرفت، الراء أبدلت من اللام خاصة، قالوا في -
الجزء: 10 - الصفحة: 5254
................................
لعل: رعلّ و: رجل وجر وأوجر في وجل وأوجل كما تقدم.
الفاء أبدلت من التاء خاصة.
قالوا: في ثم: فم 1540، وفي حدث: حدف، وفي ثوم: فوم كما تقدم.
الشين أبدلت من الجيم كما ذكر المصنف، قالوا في مدمج: مدمش، وكذا من كاف المؤنث نحو: أكرمتش، ومن السين في جعسوس كما ذكر الشيخ، وقد تقدم.
الكاف أبدلت من القاف كما ذكر المصنف.
قالوا: عربي كح قح وقد تقدم، ومن الياء نحو قول القائل:
4371 - يا ابن الزّبير طالما عصيكا 1541
أي: عصيت السين أبدلت من السين ومن الياء.
أما السين فنحو قولهم في الشّده ومشدوه السّده ومسدوه، ذكره ابن عصفور في الممتع 1542. وأما التاء فنحو:
استخذ، زعم سيبويه أنهم كرهوا تضعيف التاء؛ فأبدلوا من الأولى سينا مكانها؛ كما أبدلوا من السين تاء في ست 1543، وزعم بعضهم أنها ليست ببدل، بل أصله:
استنجد على وزن: استفعل من نجد، وأجاز سيبويه هذا الوجه.
الهمزة أبدلت من خمسة أحرف وهي: الألف، والياء، والواو، والهاء، والعين.
فأما إبدالها من الألف، والواو، والياء فمطرد وغير مطرد، والمطرد منه ما هو واجب نحو: رسائل، وعجائز، وصحائف، وبائع، وقائم وما شاكل ذلك كله مما تقدم ذكره في فصول الإبدال نحو: أقتت في وقتت، وأجوه في وجوه ونحو: إشاح في وشاح عند من يرى أنه مطرد، وقد تقدم الكلام على هذا القسم أعني المطرد بجملته، والكلام -
الحديث: 4371 - الجزء: 10 - الصفحة: 5255
................................ الآن في غير المطرد. وفي إبدالها من العين، والهاء فنقول: أبدلت من الألف على غير قياس إذا كان بعدها ساكن فرارا من اجتماع الساكنين نحو: شأبة ودأبة وقرئ: (ولا الضآلين). وكذا قرئ: (فيومئذ لّا يسئل عن ذنبه إنس ولا جأن). وقد أبدلت من الألف أيضا إن لم يكن بعدها ساكن نحو: عألم، وخأتم، ولكن ذلك قليل جدّا، حتى يقال: إنه لا يقاس عليه في الضرورة، بخلاف: دأبه؛ فإنّه [6/ 214] يقاس عليه فيها خاصة، وأبدلت على غير قياس أيضا من الواو المفتوحة نحو: أجم في: وجم، و: امرأة أناة، وأصله: وناة من: الونى 1544، وهو الفتور، و: أحد في وحد، و: اسما في: وسما، وأبدلت من الهاء في: ماء، أصله: موه بدليل: أمواه، وقد قالوا: أمواء، فأبدلوا الهمزة من الهاء في آل. أصله: أهل، ثم أأل، ثم آل، هذا القول المختار فيه 1545، ويدل قولهم في التصغير: أهيل. وقالوا في هل فعلت؟ أل فعلت؟ فأبدلوا الهمزة من الهاء وحكي في هذا: آذا، وأبدلت من العين في كلمة واحدة وهي: أباب بخر، الأصل: عباب بخر 1546؛ لأنه أكثر استعمالا من أباب بخر. قال الشيخ: ومن غريب ما حكي إبدالها من الخاء ومن العين، قالوا في صرخ: صرأ، رواه الأخفش عن الخليل. و: رأته بمعنى: رعته. رواه النضر بن شميل عن الخليل. الألف أبدلت من أربعة أحرف وهي: الهمزة، والياء، والواو، والنون الخفيفة. أما إبدالها المطرد من الهمزة والياء فقد تقدم؛ وكذا إبدالها من نون المنصوب. وأما إبدالها غير المطرد: فأبدلت من الهمزة المتحركة المفتوح ما قبلها نحو قوله: 4372 - إذا ملا بطنه ألبانها حلبا... باتت تغنيه وضرى ذات أجراس 1547 ومن أبيات الكتاب: 4373 - راحت بمسلمة البغال عشيّة... فارعي فزارة لا هناك المرتع 1548
الحديث: 4372 - الجزء: 10 - الصفحة: 5256
................................
يريد: لا هنأك، ومن أبيات الكتاب أيضا:
4374 - سالت هذيل رسول الله فاحشة... ضلّت هذيل بما قالت ولم تصب 1549
يريد: سألت، وأما قولهم: المراة والكماة، في المرأة والكمأة، فإنه من باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، ثم بعد النقل لم يحذفوا الهمزة بل بقيت ساكنة بعد فتحة فحذفت الفاء، وهو شذوذ أيضا.
الميم أبدلت من أربعة أحرف وهي:
الباء، والنون، والواو، واللام، وقد تقدم الكلام على ذلك؛ المطرد منه وغير المطرد، اللازم والجائز.
النون تقدم الكلام على إبدالها من اللام، وأنهم يقولون:
لعنّ في لعل.
وأبدلت من الهمزة أيضا في النسب إلى صنعاء وبهراء.
قالوا:
صنعاني وبهراني، الطاء إنما أبدلت من التاء لا غير؛ فأما الإبدال المطرد اللازم فقد ذكر في فصول الإبدال، وهو إبدالها من تاء الافتعال.
وأما الإبدال غير المطرد:
وهو إبدالها من تاء الضمير، وهو في حبط وفحصط 1550، فقد تقدم الكلام عليه في الفصل الذي فرغ منه الآن.
الياء قد تقدم أن الذي تبدل منه الياء خمسة عشر حرفا وهي: النون، والميم، والهاء، والعين، والياء، والسين، والتاء، والراء، واللام، والصاد، والضاد، والدال، والكاف، والجيم، والثاء، وقد تقدم الكلام عليها حرفا حرفا، وذلك في الإبدال غير المطرد.
وتبدل من الهمزة، والواو، والألف إبدالا مطردا كما عرفت في فصول الإبدال.
فيكون مجموع ما تثبت منه الياء ثمانية عشر حرفا.
الثاء أبدلت من الفاء، قالوا: معثور في معفور، وقد تقدم.
وقد عرفت أن التكافؤ
في الإبدال وقع بين الدال، والثاء؛ فتكون الثاء تبدل من الذال أيضا كقولهم: جذوة جثوة.
فعلى هذا الثاء تبدل من الفاء والذال.
الواو أبدلت من ثلاثة أحرف وهي: الهمزة والألف والباء وقد تقدم ذلك.
الهاء أبدلت من الميم؛ كما أبدلت الميم منها نحو: با اسمك؟ أصله: ما اسمك؟ وقد تقدم.
العين - - شواهد الكتاب (2/ 170)، والمقتضب (1/ 163)، والخصائص (3/ 152)، والمحتسب (2/ 173)، وابن يعيش (4/ 122، 9/ 111، 113)، وديوانه (ص 508).
الحديث: 4374 - الجزء: 10 - الصفحة: 5257
................................
أبدلت من الحاء كما أبدلت الحاء منها، وقد تقدم.
الزاي أبدلت من حرفين:
السين والصاد كما تقدم.
التاء أبدلت من سبعة أحرف وهي: الواو، والياء، والسين، والصاد، والطاء، والذال، والهاء، ومنه ما هو لازم مطرد، ومنه ما هو غير مطرد وغير لازم، وقد تقدم الكلام في ذلك بما فيه غنية.
الهاء أبدلت من خمسة أحرف وهي: الألف، والهمزة، والياء، والواو، والتاء؛ فأما إبدالها من الهمزة فنحو قولهم: هياك في: إياك، وطيئ يقولون في إن فعلت فعلت: هن فعلت فعلت، وقالوا: لهنك على اللزوم لما باشرت اللام أن، وقالوا: هما والله، يريدون: أما والله، وأبدلت من الهمزة أيضا من أثرت التراب، وأرحت الماشية، وأرقت الماء، وأردت الشيء، وفي ما تصرف منها.
قالوا: هثرت، وهرحت، وهردت 1551 وفعلوا ذلك في المضارع، واسم الفاعل من الكلمات المذكورة.
وقالوا:
هزيد منطلق؟ يريدون: أزيد منطلق؟ 1552، وأنشد الفراء:
4375 - وأتى صواحبها، فقلن هذا الّذي... منح المودّة غيرنا وجفانا 1553
أي: أذا الذي، وأما إبدالها من الياء فنحو: هذه في: هذي، والدليل على أن الياء هي الأصل قولهم في تصغير ذا: ذيّا، وذي إنما هو تأنيث ذا، فكما لا تجد الهاء في المذكر أصلا، لا يكون في المؤنث أصلا، وكذا أبدلت من الياء في: هنيهة، الأصل هنيوة؛ لقولهم في الجمع: هنوات، ثم: هنية، لأجل الإدغام، ثم أبدلوا من الياء الثانية هاء فقالوا: هنيهة.
وأما
إبدالها من الواو فنحو قولهم: هناه، والأصل:
هناو، فأبدلت الواو هاء وهو من لفظ هن، ولا تجعل الهاء بعد الألف أصلا؛ لأنه لا يحفظ تركيب (هـ ن هـ). وقال أبو زيد: إن الهاء لحقت في الوقف لخفاء الألف كما لحقت في الندبة.
قال ابن عصفور: والوجه عندي أنها زائدة للوقف 1554، وأما إبدالها من التاء فنحو قولهم في: طلحة وفاطمة إذا وقفوا عليها: طلحه -
الحديث: 4375 - الجزء: 10 - الصفحة: 5258
................................
وفاطمه 1555، القاف أبدلت من الكاف؛ كما أبدلت الكاف منها.
وقد تقدم ذكر ذلك.
الحاء أبدلت من العين كما أبدلت العين منها، وقد تقدم ذكر ذلك.
الغين أبدلت من العين مثال قولهم: لغل في لعل.
ومن الخاء في نحو: غطر يغطر في:
خطر يخطر.
الضاد أبدلت من اللام.
قالوا: رجل جضد أي: جلد.
كما أبدلوا اللام في الطجع.
الدال أبدلت من الذال في قراءة من قرأ: (فشرّز) بالمعجمة، كما أبدلوا من الذال الدال في: دكر في معنى: ذكر جمع ذكرة، فهذه ثمانية وعشرون حرفا ولم يبق من الحروف غير الظاء؛ فإنها لم يذكر إبدالها حرف، وقد أفهم كلام الشيخ الذي ذكرناه عنه أولا أن الإبدال وقع في جميع الحروف وليس كذلك؛ لأن الظاء لم يتفق لها ذلك.
ثم إننا الآن نشير إلى أمرين:
الأول: أن سيبويه - رحمه الله تعالى - لم يذكر في حروف البدل شيئا من هذه السبعة وهي: السين، والصاد، والزاي، والعين، والكاف، والفاء، والشين.
قال ابن عصفور - رحمه الله تعالى -: والسبب في أن سيبويه لم يذكر هذه السبعة في حروف البدل أنها تنقسم قسمين: قسم الإبدال فيه مراد به تقريب الحرف من غيره؛ فبابه أن يذكر في البدل الذي يكون بسبب [6/ 215] الإدغام؛ لأنه يشبهه، وهو إبدال الصاد من السين إذا كان بعدها طاء أو خاء أو غين أو قاف.
وقسم الإبدال فيه قليل جدّا، أو في لغة بعض العرب فلم يعتبره، وهو ما بقي من سبعة الأحرف، فأما الكاف والسين والشين فإبدالها قليل جدّا، وأما العين فإبدالها من الهمزة قليل، ولا يفعل ذلك إلا بنو تميم، وكذلك إبدال الزاي من الصاد إنما تفعله كلب 1556.
الثاني 1557: ذكروا أن البدل يعرف - أي: يستدل عليه - بأمور خمسة وهي:
الاشتقاق، وقلّة الاستعمال، وكونه فرعا والحرف زائد، أو كونه فرعا والحرف أصل، ولزوم بناء مجهول.
فالأول نحو: تراث وأجوه، والثاني: كالثعالي، والثالث: كضويرب، والرابع: كمويه تصغير ماء، والخامس: كهراق واصطبر وادّارك 1558. ذكر ذلك أبو عمرو ابن الحاجب في تصريفه، وفي بعضه نظر.
وأمر -
الجزء: 10 - الصفحة: 5259
................................ البدل لا يكاد يخفى على من له النظر إلا في الكلمات القليلة الاستعمال؛ فإن الأمر فيها يحتاج إلى نقل اللغة الأصلية في تلك الكلمة وهذا إنما يحتاج إليه أيضا في البدل الذي تكافأ فيه حرفان في البدل ولم يعلم الاشتقاق، أما ما لم يحصل فيه التكافؤ فغير محتاج إلى ذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 5260