تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب التاسع والعشرون باب التّمييز
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب التاسع والعشرون باب التّمييز

[تعريفه]

قال ابن مالك: (وهو ما فيه معنى «من» الجنسيّة من نكرة منصوبة فضلة غير تابع) 1. قال ناظر الجيش: المقصود بالحدّ المذكور: يطلق عليه التمييز والتبيين والتفسير والمميز والمبين والمفسّر، والتمييز أغلب ألقابه، وهو في الأصل مصدر ميّز الشيء إذا فصله وأفرده من غيره، والثلاثي منه (ماز) يقال: «مز ذا من ذا» أي: افصله، ومنه قوله تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ 2 فقوله: ما فيه معنى (من) يشمل التمييز نحو: «امتلأ الإناء ماء، وله رطل زيتا» وثاني منصوبي (استغفر) كـ (ذنبا) من قول الشاعر: 1895 - أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل 3 والمنصوب على التشبيه بالمفعول به في نحو: «هو حسن وجهه».
والنكرة المضاف إليها في نحو: «رطل زيت» واسم (لا) المحمولة على (إنّ) نحو: «لا خير من زيد فيها» وتابع العدد إذا كان من جنس المعدود نحو: «قبضت عشرة دراهم» ونحو: أَسْباطاً من قوله تعالى: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً 4 وصفة اسم (لا) المنصوبة به نحو: «لا رجل ظريفا».
فأخرج ثاني منصوبي (أستغفر) بقوله: الجنسية، والمنصوب على التشبيه بالمفعول به في المثال المتقدم بقوله: نكرة.
والنكرة المضاف إليها المفيدة للتمييز -

الحديث: 1895 - الجزء: 5 - الصفحة: 2353

................................  بقوله: منصوبة، واسم (لا) بقوله: فضلة، وتابع العدد المذكور وصفة اسم (لا) المنصوبة بقوله: غير تابع.
قال المصنف 5: واحترز بـ: ما فيه معنى (من) من الحال، فإنها تشارك التمييز فيما سوى ذلك من القيود.
ولا يخفى ما في هذا الحدّ من القلق، وإنّ قوله: احترز بـ: ما فيه معنى (من) من الحال لا يحتاج إليه، مع أنّ الجنس لا يؤتى به للاحتراز، لكنّ المصنف لا يعتبر ذلك، وكأنّه لمّا لم يتعين عنده المذكور أولا للجنسية؛ جاز أن يحترز به [3/ 88] كما يحترز بالفصول، ولكن ترك هذا أولى.
وقد ناقشه الشيخ في قوله: ما فيه معنى (من) قال: إنّ التمييز المنقول ليس فيه معناها.
وفي قوله: غير تابع قال: لا يحتاج إليه؛ لأنّ التابع لا يلزم نصبه، إنّما هو بحسب المتبوع.
قال: وكذا صفة اسم (لا) لا يحترز منها؛ لأنها يجوز رفعها بخلاف التمييز فإنه ملتزم فيه النصب، وأيضا ليس في الصفة المذكورة معنى (من) فلم يدخل أولا ليحترز عنه ثانيا.
انتهى 6. أما قوله: إنّ التمييز المنقول ليس فيه معنى (من) - فظاهر، إلّا أن يدّعي المصنف التعميم ويقول: لا يلزم من عدم جواز ظهور (من) معه فيما ذكرتم ألّا يفسّر بها المعنى، فكم من مقدّر معنى وظهوره ممتنع.
وأمّا قوله: إنه لا يحتاج لقوله: غير تابع؛ لأنّ التابع لا يلزم نصبه - فالمصنف إنّما احترز به على تقدير تبعيته للأول ما دام منصوبا.
وأمّا قوله: إنّ صفة اسم (لا) يجوز رفعها، فنقول: ما احترز عنها إلا ما دامت منصوبة.
وأمّا قوله: إنّ صفة اسم (لا) ليس فيها معنى (من) فصحيح.
والأقرب في حدّ التمييز ما ذكره ابن الحاجب وهو: ما يرفع الإبهام المستقر عن ذات مذكورة -

الجزء: 5 - الصفحة: 2354

................................  أو مقدّرة 7. فقوله: «يرفع الإبهام» يشمل التمييز وغيره كالحال.
وقوله: «عن ذات» يخرج غير التمييز.
وقوله: «المستقر» يخرج به نحو: (مبصرة) من قولك: «عين مبصرة»؛ لأنّه يرفع الإبهام عن ذات وليس بتمييز؛ لأنّ الإبهام فيها غير مستقر، بخلاف نحو: (عشرين) فإنّه موضوع لذات مبهمة في أصل الوضع، و (عين) وضع دالّا على كلّ واحد من مدلولاته، وإنما عرض الإبهام فيه من جهة تعدد الوضع.
وقوله: «مذكورة أو مقدّرة» تقسيم للتمييز، فإنّه يكون عن ذات ذكرت كـ «عشرين درهما» ويكون عن ذات مقدّرة كـ «حسن زيد أبا»؛ لأنّ (حسن) مسند في اللفظ إلى (زيد) وهو في المعنى مسند لمقدّر متعلق بـ (زيد)، وذلك المقدّر مبهم لاحتمال متعلقاته كلها، فإذا قلت: (أبا) فقد رفعت الإبهام عن الذات المقدّرة، كما رفعت الإبهام في «عشرين درهما» عن الذات المذكورة ومميز الذات المذكورة هو مميز المفرد، ومميز الذات المقدّرة هو مميّز الجملة 8. وحقيقة الذات المقدّرة أنّها النسبة الحاصلة بين منتسبين فكلما ميّز نسبة أطلق عليه مميّز جملة، وما لم يميز نسبة فهو مميز مفرد، ويعبّر النحويون عن القسم الأول - أعني مميز الجملة - بأنه المنتصب عن تمام الكلام، وعن القسم الثاني بأنه المنتصب عن تمام الاسم.
واعلم أن التمييز مناسب للحال من وجوه ومفارق لها من وجوه: أمّا المناسبة: فكونهما نكرتين، ويأتيان بعد تمام الكلام، ويبيّن بهما، فالتمييز يبيّن به الذوات، والحال يبين بها الهيئات.
وأمّا المفارقة: فمن جهة أنّ الحال بابها الاشتقاق، والتمييز بابه الجمود.
والحال يحسن معها تقدير (في)، والتمييز يحسن معه تقدير (من).
والحال ليس في تقديمها على العامل المتصرف خلاف بين البصريين، وفي التمييز خلاف.
والحال تكون منتقلة في أحد أقسامها، والتمييز لا يكون منتقلا.
والحال تقع جملة، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2355

[قسما التمييز: ما يميز مفردا وما يميز جملة]

قال ابن مالك: (ويميز إمّا جملة - وستبيّن - وإمّا مفردا عددا أو مفهم مقدار أو مثليّة، أو غيريّة، أو تعجّب بالنصّ على جنس المراد بعد تمام بإضافة أو تنوين، أو نون تثنية أو جمع أو شبهه) 9.

  • والتمييز ليس كذلك 10. قال ناظر الجيش: قد تقرر أنّ التمييز قسمان: قسم يميّز المفرد، وقدّم المصنف ذكره، وقسم يميّز الجملة، وقد أخّر المصنف الكلام عليه.
    وعند صاحب الكتاب 11 أنّ مميز الجملة ما ذكر بعد جملة فعلية مبهمة النسبة، نحو: «طاب زيد نفسا» وفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً 12. ومميز المفرد ما عدا ذلك، ولهذا عدّ من مميز المفرد نحو: «هو طيب نفسا، ومنشرح صدرا» كما سيأتي بعد عند ذكر العامل في التمييز، وما ذكره غير ظاهر فإنّ المبهم في هذين المثالين إنّما هو النّسبة، وكلّما ميّز نسبة فهو من قبيل مميّز الجملة لا المفرد، وليس من شرط النسبة وجود جملة، بل وجود المنتسبين، كان بينهما إسناد جملي أو لم يكن.
    وقد حقّق ابن الحاجب ذلك فقال: الذات المقدّرة إنّما تكون باعتبار النسب، وذلك في الجمل كـ «حسن زيد أبا» وما يضاهيها من الصفة المنسوبة لمعمولها نحو: «زيد حسن أبا» والمضاف بالنسبة إلى المضاف إليه نحو: «يعجبني حسن زيد أبا»؛ لأنها جميعها قصد فيها إلى نسبة الحكم إلى متعلق بالمذكور، وهو مبهم فكان ما ذكره تمييزا له.
    انتهى 13. وإذا كان المميز في «طاب زيد نفسا» وفي «هو طيب نفسا» واحدا، وهو النسبة فكيف نخصّ مميز الأول باسم مميز الجملة دون مميز الثاني، وكأنّ المصنف لاحظ صورة الجملة فقط دون التفات إلى المعنى، وهو غير واضح؛ لأنّ التمييز إنما -

الجزء: 5 - الصفحة: 2356

................................  انقسم إلى القسمين المذكورين باعتبار ما ميّزه، لا باعتبار ما يذكر معه من جملة أو غيره.
وقسّم المصنف المفرد إلى عدد وإلى ما أفهم مقدارا، أو مثليّة أو غيريّة، أو تعجّبا: فالعدد نحو: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً 14، وأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً 15. والذي يفهم المقدار يتناول الكيل والوزن والمساحة، نحو: «إردبّ قمحا، ورطل زيتا، وقدر راحة سحابا» وإنّما أفرد المصنف العدد بالذكر ولم يدخله تحت مفهم المقدار، وإن كان مقدارا من جهة أنه ليس له آلة يعرف بها 16 كالمكيال للمكيل، والميزان للموزون، والذراع للممسوح، على أنّ بعضهم أدرجه في المقادير ولم [3/ 89] يلتفت إلى هذا، وكذا فعل ابن الضائع 17. ومفهم المثليّة نحو قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «دعوا لي أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» 18، ومنه قول الشاعر: 1896 - فإن خفت يوما أن يلجّ بك الهوى... فإنّ الهوى يكفيكه مثله صبرا 19 وقول العرب: «لنا أمثالها إبلا».
ومفهم الغيريّة نحو قولهم: «لنا غيرها شاء».
ومفهم التعجب نحو: «ويحه رجلا، وحسبك به فارسا، ولله درّه إنسانا 20، -

الحديث: 1896 - الجزء: 5 - الصفحة: 2357

................................  و: 1897 -...... أبرحت جارا 21 و: 1898 -... يا جارتا ما أنت جاره 22 واعلم أنّ مميز المفرد أكثره فيما كان مقدارا وإن جاء في غيره فلشبهه به ومناسبته إيّاه، وذلك قليل، ومنه الأمثلة السابقة المتقدمة.
قال الشيخ: مذهب الفارسي أنّ (مثلا) ليس من المقادير 23. وعلى هذا أتى به المصنف فعطفه على المقدار.
وجعله سيبويه من المقادير 24، ووجهه أنّ مثل الشيء يساويه ويقادره في الشيء الذي أشبهه فيه 25. وقال ابن الضائع: «لي مثله رجلا» شبيه بالمقادير؛ لأنّه لمّا حذف موصوف «مثله» وانبهم أشبه المقدار، وقد جعله سيبويه - لشبهه بالمقادير - منها 26. وقال الشيخ أيضا: إنّ سيبويه جعل «ويحه رجلا، وحسبك به فارسا، ولله درّه إنسانا» شبيهة بالمقادير.
انتهى 27. -

الحديث: 1897 - الجزء: 5 - الصفحة: 2358

................................  ولا يريد سيبويه أنّها شبيهة بالمقادير في المقدارية؛ لأنّ هذا لا يصحّ وإنّما أراد أنّ في نحو: «حسبك به فارسا» احتمالات مبهمة والتمييز أزالها كما أزال الإبهام عن المقدار، وكذا إذا قيل: «لله درّه فارسا»؛ لأنّه يتعجب منه في صور شتّى، فلا يعلم أيّها هو، فـ (فارسا) بيّن أنّ التعجب وقع من فروسيته 28. ولم يجعل ابن الحاجب التمييز في نحو: «لله درّه فارسا، وحسبك به شجاعا» مميز مفرد، قال: لأنّ المعنى فيه: لله درّ فروسيّته، فهو مثل: «يعجبني حسن زيد أبا» والمعنى: حسن أبوّته، وإذا كان المعنى كذلك فهو من باب تمييز الجمل؛ لأنه من باب تمييز النسبة الإضافية، وكذا المعنى في «حسبك به ناصرا»: حسبك بنصرته 29. وفي كلام ابن الدّهان ما يعضد هذا، فإنّه قال - بعد أن نفى أن يكون هذا من التمييز المنقول، ومن الذي انتصب عن تمام الاسم في المقادير -: والذي عندي في هذا أنّ التقدير: لله درّ شجاعته زيد، ثم نقل «زيد» فجعل مضافا إليه «در» فخرجت «الشجاعة» تمييزا، وقام «الشجاع» مقامها توسعا. قال: وكذلك: 1899 - يا جارتا ما أنت جاره 30 في أحد قولي الفارسي 31، تقديره: ما جوارك، أقام الكاف مقام الجوار، فقال: ما أنت، فخرج الجوار منصوبا على التمييز، وجعل موضعه (جارة) كما تقدّم. وإن جعل (ما) نافية، وجعل (جارة) خبر (أنت) استراح، أي: ما أنت جارة، بل أكثر من ذلك. انتهى كلام ابن الدهان، ولا يبعد المعنى على ما قرره. ومعنى «أبرحت جارا» بيّن أن الإعجاب من جهة الجوار، فعلى هذا التمييز للنسبة، وكلام المصنف إنما هو في تمييز المفرد، فلا ينبغي التمثيل به في هذا الفصل. قال الشيخ: «أبرحت جارا» من قول الشاعر: 1900 - فأبرحت ربّا وأبرحت جارا

الحديث: 1899 - الجزء: 5 - الصفحة: 2359

................................  أنشده سيبويه، وقال الأعلم: هو عجز بيت، وأوله: 1901 - تقول ابنتي حين جدّ الرّحي... لـ أبرحت ربّا وأبرحت جارا 32 قال: وذهب الأعلم إلى أنه مما انتصب عن تمام الكلام، وأنه منقول من فاعل، وتقديره: أبرح ربّك وأبرح جارك، فأسند الفعل إلى غيرهما، ثم نصبهما تفسيرا.
وذهب ابن خروف إلى أنّه مما انتصب عن تمام الاسم، وعلى هذا أنشده سيبويه، وجاء به على أن الربّ هو التاء في أبرحت وهو خطاب الشاعر لممدوحه، ويقوي ذلك إنشاده إياه: (فأبرحت) بالفاء، ولا يصح إيصاله بصدر البيت على أن يكون معمولا للقول، فلا يكون عجزا لذلك الصدر.
انتهى 33. وعلى ما ذهب إليه ابن خروف من أنّه تمييز منتصب عن تمام الاسم يحسن تمثيل المصنف به ومجيئه بذلك على أنه من قبيل مميز المفرد، لكن الظاهر خلاف ذلك، وتفسيرهم إياه بأن معناه: أعجبت جارا وأنّ الإعجاب من جهة الجوار يدلّ على أنّ التمييز فيه مميز جملة، لا مميز مفرد، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن يمثل به المصنف؛ لأنّه بصدد ذكر مميز المفرد، وهذا مميز جملة.
والباء من قوله 34: بالنصّ على جنس المراد تتعلق بـ: يميّز.
قال الشيخ: وينبغي أنّ النكرة إذا لم يكن فيها بيان ألّا تقع تمييزا.
وقد اختلفوا من ذلك في مسائل: منها: (ما) في باب (نعم) أجاز الفارسيّ أن تكون تامة بمعنى «شيء» وتنتصب تمييزا 35، وتبعه الزمخشري 36، ومنع ذلك غيره 37. -

الحديث: 1901 - الجزء: 5 - الصفحة: 2360

................................  ومنها: (مثل) أجاز سيبويه التمييز بها، فتقول: «لي عشرون مثله» 38 وحكى «لي ملء الدار أمثالك» 39 ومنع ذلك الكوفيون 40. ومنها: (غير) أجاز يونس التمييز بها، فتقول: «لي عشرون غيرك» 41 ومنع ذلك الفراء 42. قال 43: وهو أحرى أن يمنعه الكوفيون، وقد تلقى سيبويه هذا عن يونس بالقبول، فينبغي أن ينسب إليه جوازه.
ومنها: «أيّما رجل» أجاز التمييز بها الجمهور، ومنع ذلك الخليل وسيبويه 44. وتمام المميز بإضافة نحو: «لله درّه إنسانا»، ومِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً 45، وأَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً 46، ومنه «زيد أشجع الناس رجلا».
وتمامه بتنوين نحو: «رطل زيتا، ومدّ برّا».
[3/ 90] وقد يكون التنوين مقدرا كما يأتي تمثيله.
وتمامه بنون تثنية نحو: «لي منوان سمنا» وتمامه بنون جمع نحو: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا 47. وجرى المصنف في تمثيله بهذه الآية الكريمة، وبنحو: مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وما يورده من المضاف في قسم مميز المفرد على ما تقدّم تقريره عنه في ذلك، وقد علمت مما تقدّم أنّ هذا قسم مميز الجملة، لأنه ميّز نسبة.
وتمامه بنون شبه الجمع نحو: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً 48. قال المصنف: وفهم من سكوتي عن نون شبه المثنى أنّ التمييز لا يقع بعده، ويعني بذلك «اثنين واثنتين» 49.

الجزء: 5 - الصفحة: 2361

[أحكام تمييز المفرد]

قال ابن مالك: (وينصبه مميّزه لشبهه بالفعل أو شبهه، ويجرّه بالإضافة إن حذف ما به التّمام، ولا يحذف إلّا أن يكون تنوينا ظاهرا في غير «ممتليء ماء» ونحوه، أو مقدّرا في غير «ملآن ماء» و «أحد عشر درهما» و «أنا أكثر مالا» ونحوهنّ، أو يكون نون تثنية، أو جمع تصحيح، أو مضافا إليه صالحا لقيام التّمييز مقامه في غير «ممتلئين أو ممتلئين غضبا») 50. قال ناظر الجيش: قد تقدّم أنّ هذا الفصل معقود لتمييز المفرد فالأحكام التي يذكرها راجعة إليه، لا إلى مميز الجملة، فنبّه الآن على أنّ ناصب التمييز ما ميّزه، ومثال ما ينصبه لشبهه بالفعل: «هو مسرور قلبا، ومنشرح صدرا، وطيّب نفسا باشتعال رأسه شيبا، وسرعان ذا إهالة» 51. وأما ما ينصبه مميزه لشبهه شبه الفعل فمميز العدد، ومبهم المقدار، وكذا مميّز مفهم المثليّة والغيريّة والتعجب، وقد تقدمت أمثلة ذلك فلا حاجة إلى إعادتها.
واستثنى المصنف من الأمثلة المتقدمة «أبرحت جارا» 52. قال الشيخ: لأنّ (جارا) منصوب بالفعل، لا بشبه الفعل، ولا بشبه شبه الفعل، ولهذا استثناه مما قبله.
انتهى 53. ولا ينتظم تمثيل المصنف به أولا مع استثنائه عند ذكر العامل ثانيا، واعتذار الشيخ عنه بأنّه إنما استثناه لكون الفعل عاملا لا شبهه، ولا شبه شبهه؛ لأنّ (جارا) إمّا مميز جملة، أو مميز مفرد، إن كان الأول صحّ أن يقال: العامل فيه الفعل لكن ليس لذكره مع الأمثلة المتقدّمة وجه، فإنّ المميز فيها مميّز مفرد، وإن كان الثاني صحّ أن يمثل به لكن لا وجه لاستثنائه، ولا لقول الشيخ العامل فيه الفعل، وقد تقدّم ذكر الخلاف في المثال المذكور، وأنّ الظاهر فيه أنه من قبيل مميز الجملة لا المفرد.
وقد مثّل المصنف للعامل في التمييز لشبهه بالفعل بنحو: «هو مسرور قلبا، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2362

................................  ومنشرح صدرا 54... إلى آخره، والمميز نسبة الكلام في هذا الفصل إنّما هو تمييز لمفرد، والمصنف في هذا جار على اصطلاحه الذي تقدّم ذكره عنه، وهو فيه مخالف لاصطلاح النحاة.
وقد يقال: إن المصنف يرى أنّ مميز النسبة قسمان، فالنسبة التي تتضمنها جملة يسمّى مميّزها مميّز جملة، والنسبة التي لا تتضمنها جملة يسمّى مميزها مميز مفرد.
والجواب: أنّ في كلام المصنف ما يدفع أنه يرى هذا، وذلك أنه حصر مميز المفرد في العدد وفي ما أفهم مقدارا أو مثليّة أو غيريّة أو تعجبا، وليس التمييز في نحو: «هو مسرور قلبا» مميّز شيء منها، فيلزم المصنف القول بأنه مميز جملة لذلك.
ثم إنّ قوله: وينصبه مميّزه لشبهه بالفعل وتمثيله بنحو: «هو مسرور قلبا...» إلى آخره فيه إشكال 55، وتدافع ظاهر، فإنه قد تقرر أنّ العامل في التمييز إذا كان عن مفرد نفس ذلك المفرد المميز، ولا شبهة في أنّ المميز في نحو: «هو مسرور قلبا» هو النسبة، فينبغي أن تكون هي العاملة، وقد قال: إنّ العامل هو (مسرور) ونحوه من الصفات لشبهها بالفعل، فيقتضي أن يكون المميز في الأمثلة التي ذكرها الصفات المذكورة لقوله: وينصبه مميّزه لشبهه بالفعل ولا قائل بذلك.
وإذا تقرر هذا علم أنّه لم يتحقق في تمييز المفرد التمثيل بما يكون العامل فيه شبه الفعل، وأمّا التمثيل لشبه شبه الفعل فصحيح، لكن الذي يقتضيه كلام المصنف أنّ أسماء الأعداد والمقادير وما ذكر معها عملت في التمييز لشبهها باسم الفاعل.
وقال الشيخ 56: عملت هذه الأسماء - يعني «عشرين، وقفيزا، ورطلا، وذراعا» - وإن كانت جوامد؛ لأن عملها على طريق التشبيه.
واختلف البصريون في الذي شبهت به: فقيل: شبهت باسم الفاعل لطلبها اسما بعدها، كما أنّ اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال كذلك وقيل: لشبهها بـ (أفعل -

الجزء: 5 - الصفحة: 2363

................................  من) في طلبها اسما بعدها على طريق التبيين ملتزما فيه التنكير كذلك، فالفعل هو الأصل؛ لأنه يعمل معتمدا وغير معتمد، واسم الفاعل لا يعمل إلا معتمدا ويعمل في السببي والأجنبي، والصفة المشبهة تعمل في المعرفة والنكرة ولا تعمل إلّا في السببي، و (أفعل من) لا تعمل إلّا في النكرة، لكنها تتحمل الضمير، فكل واحد من هذه أضعف من الذي قبله من الجهات التي ذكرناها، فشبه هذه الأسماء بـ (أفعل من) أقوى من شبهها باسم الفاعل.
انتهى 57. وفهم من هذا: أنّ النصب في التمييز يكون في خامس رتبة من منصوب الفعل؛ لأنّ النصب بعدها مشبه بنصب (أفعل من) و (أفعل منه) مشبّه بالصفة المشبهة، وهي مشبهة باسم الفاعل وهو مشبه بالفعل.
وعلى ما أشعر به كلام المصنف [3/ 91] يكون التمييز في ثالث رتبة من منصوب الفعل.
وقد قيل: إن العامل في التمييز هو التنوين والنون والإضافة.
وتحقيق ذلك أنّ الاسم عامل بتمامه بأحد الثلاثة، لا أنّها هي العاملة.
وقيل: العامل الظرف أو شبه الظرف المذكور مع الاسم المميز نحو: «لي عشرون جملا» 58. وهو منقوص بما إذا جيء بالعدد ونحوه وليس مذكورا معه ظرف أو شبهه.
وقوله: ويجرّه بالاضافة إن حذف ما به التّمام إشارة إلى أنّه قد يحذف من الاسم المميّز ما حصل به تمامه فيجر التمييز بالإضافة ولما تقدّم أنّ ما به التمام قد يكون إضافة، وقد يكون تنوينا ظاهرا أو مقدرا، وقد يكون نون تثنية أو نون جمع أو نون شبه الجمع، وكان بعضه يجوز حذفه، وبعضه يمتنع حذفه شرع الآن في بيان ذلك، وقد ذكر ما يجوز حذفه واستثنى منه صورا، وعلم بسكوته عن غيره أنه يمتنع حذفه وليعلم أنّ شرط جواز الإضافة المذكورة ألّا يكون الاسم الذي يقصد إضافته مقدر الإضافة إلى غير التمييز فلهذا استثنى المصنف مادة الامتلاء من كل صورة ذكر فيها جواز الحذف، كما يأتي بيانه.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2364

................................  فما يجوز حذفه التنوين الظاهر: كقولك في «رطل زيتا، وذراع ثوبا»: «رطل زيت، وذراع ثوب» ولا يحذف من نحو: «البيت ممتلئ برّا»؛ لأنّ تقديره: البيت ممتلئ الأقطار برّا، فامتنع مع تقدير الإضافة ما كان يمتنع مع التصريح بها، وكذلك يجوز حذف التنوين المقدّر أيضا نحو أن يقال في «هند شنباء أنيابا»: «هند شنباء أنياب» 59 وفي «زيد أشعث رأسا»: «زيد أشعث رأس» واستثنى المصنف من ذلك ثلاثة أشياء: ملآن ماء، وأحد عشر درهما، وأكثر مالا، ونحوهن.
أمّا «ملآن ماء» فلما علمت، وأمّا «أحد عشر درهما» فلامتناع إضافة العدد المركب؛ لقيام ثاني المركبين مقام التنوين، وأمّا «أكثر مالا» فلامتناع الإضافة في مثله، وهو أفعل التفضيل المميّز لسببي وعلامة السببي صلاحيته للفاعلية بعد تصيير (أفعل) فعلا، كما تقول في «زيد أكثر مالا»: كثر ماله، ولهذا إذا لم يصلح لذلك تتعين الإضافة كقولك: «زيد أكرم رجل» 60. ومما يجوز حذفه نون التثنية: كقولك في منوان سمنا، وذراعان ثوبا: «منوا سمن، وذراعا ثوب».
ويستثنى من ذلك نحو: «ممتلئين غضبا» لما تقدّم.
وكذا نون جمع التصحيح: نحو: «هم حسنو وجوه» وقد علمت أنّ هذا من قبيل مميز الجملة، فلا وجه لذكره هنا، ولكن المصنف مشى على ما قرّره أوّلا 61، واستثنى من نون الجمع نحو: «ممتلئين غضبا» لما تقدّم أيضا.
وعلى الذي علم من اصطلاح النحاة في تمييز الجملة وتمييز المفرد لا وجه لاستثناء «ممتلئ ماء، وممتلئين غضبا»؛ لأنّ المميز المذكور بعدهما من قبيل مميز الجملة، وكذا لا وجه لاستثناء «ملآن ماء، وأنا أكثر مالا» من الذي تنوينه مقدر، لأنّ المميز بعدها من قبيل مميز الجملة أيضا، وهذا الفصل معقود لمميز المفرد خاصة، وكذا لا وجه لتمثيله للتنوين المقدّر بنحو «هند شنباء أنيابا»؛ لأن التمييز فيه لنسبة، فهو من قبيل مميز الجملة أيضا، وأمّا استثناء (ممتلئين) فلا وجه له أيضا، ولا لذكر ما استثنى منه هنا 62. وعلم من سكوته عن نون شبه الجمع: أن لا يجوز حذفها، وإضافة ما تمّ بها إلى -

الجزء: 5 - الصفحة: 2365

................................  التمييز، فلا يقال: «عشر ودرهم» بل: «عشرون درهما» وحكى الكسائي أنّ من العرب من يقول: «عشر ودرهم» 63. ومما يجوز حذفه مما حصل به التمام المضاف إليه الصالح لقيام التمييز مقامه: كقولك في «زيد أشجع الناس رجلا»: «زيد أشجع رجل» فاحترز بالصالح لقيام التمييز مقامه من مضاف إليه لا يصلح لذلك، نحو: «لله درّه فارسا، ويا ويحه رجلا» فلا يجوز: «لله درّ فارس»، ولا «يا ويح رجل».
ويمكن أنه احترز بذلك أيضا من نحو: «زيد أكثر الناس مالا» فإنه لا يجوز فيه الحذف وإقامة التمييز مقام المحذوف، بل إن حذفت المضاف إليه بقي ما بعده تمييزا بحاله، وهذا الذي يظهر من شرح المصنف لكلام نفسه كما يأتي.
وإدراج مثل «زيد أشجع الناس رجلا، وأكثر مالا» في فصل مميّز المفرد على 64 قاعدته في ذلك، وإنّما هو من قبيل مميّز الجملة؛ لأنه ميّز نسبة، وشرح المصنف لهذا الموضع لا يطابق عبارته في المتن ظاهرا، فإنّه قال: إن كان أفعل مضافا إلى جمع بعده تمييز لا يمتنع جعله مكان (أفعل) جاز بقاؤهما على ما كان عليه، وجاز حذف الجمع، والإضافة إلى ما كان تمييزا كقولك: زيد أشجع الناس رجلا، وأشجع رجل».
انتهى 65. واحترز بقوله: لا يمتنع جعله مكان (أفعل) من مثل: «زيد أكثر الناس مالا» واقتضت عبارته في الشرح أن المعتبر هو إقامة التمييز مقام أفعل، وهو المضاف لا إقامته مقام المضاف إليه، وهو ما بعد (أفعل) وعبارة المتن تقتضي عكس ذلك فإنّ قوله: أو مضافا إليه معطوف على قوله: تنوينا فكأنه قال: لا يحذف ما به التمام إلا أن يكون مضافا إليه، ثم قال: صالحا لقيام التمييز مقامه فالضمير إنما يدل على المضاف إليه لا على المضاف؛ لأنّه لم يتقدم له ذكر، والاعتباران صحيحان، لكن المذكور في الشرح أنه جعل صحة الإضافة إلى التمييز موقوفة على جواز وقوع [3/ 92] التمييز موقع (أفعل)، وأما الذي يقتضيه كلامه في المتن فهو وقوف صحة الإضافة على جواز وقوع التمييز موقع المضاف إليه فرجع إلى وقوف صحة الإضافة على نفسها، وهو دور.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2366

[الأوجه الجائزة في تمييز المفرد من إضافة وغيرها]

قال ابن مالك: (وتجب إضافة مفهم المقدار إن كان في الثّاني معنى اللّام، وكذا إضافة بعض لم تغيّر تسميته بالتّبعيض، فإن تغيّرت به رجّحت الإضافة والجرّ على التّنوين والنّصب وكون المنصوب حينئذ تمييزا أولى من كونه حالا وفاقا لأبي العباس).
وقد نسب الشيخ المصنف في هذه المسألة إلى سوء الفهم والتخليط الفاحش، قال: لأنّك إذا قلت: «زيد أشجع رجل» فليس (رجل) معناه في هذا التركيب هو الذي كان في «زيد أشجع الناس رجلا» فحذفت (الناس) وأضفت (أشجع) إلى تمييزه، بل لم يكن هذا تمييزا البتّة، وإنما هو اسم مفرد قام مقام الجمع، واكتفى به عن الجمع، والمعنى: زيد أشجع الرجال، فليس التمييز لـ (أشجع) ألا ترى أنّه يجوز أن يأتي بالتمييز بعده، فتقول: «زيد أشجع رجل قلبا، وأحسن رجل وجها».
ولا يكون لأشجع ولا لأحسن تمييزان.
انتهى 66. ولقائل أن يقول: لا ينافي كلام المصنف ما ذكره الشيخ؛ لأنّه يمكن أن يفهم من «زيد أشجع رجل» معنيان: أحدهما: ما أشار إليه الشيخ، وهو أن يكون المراد أنه أشجع الرجال، فأقمنا المفرد مقام الجمع، وليس هنا تمييز، ويجوز أن يأتي بتمييز بعده.
والثاني: ما أشار إليه المصنف، وهو أنّ الأصل: زيد أشجع الناس رجلا، فحذفنا، وأقمنا التمييز مقام المحذوف، وليس لنا أن نأتي بتمييز آخر، وهذان اعتباران صحيحان.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان: الأولى: أنّ الدّالّ على مقدار قد لا يراد به المقدار، بل نفس الدلالة التي يقع بها التقدير، فحينئذ يجب إضافته إلى ما بعده، ولا يجوز النصب لعدم إرادة التمييز نحو: «عندي منوا سمن، وقفيز برّ، وذراع ثوب» يريد الرّطلين اللّذين يوزن بهما -

الجزء: 5 - الصفحة: 2367

................................  السّمن، والمكيال الذي يكال به البرّ، والآلة التي يذرع بها الثّوب، وهذا معنى قول المصنف: إن كان في الثّاني معنى اللّام؛ لأنّ المراد: منوان للسمن، وقفيز للبرّ، ولو أريد بالأول المقدار لكان في الثاني معنى (من) لكونه تمييزا، وجاز فيه النصب والجر كما تقدّم.
قال المصنف: مثال مفهم المقدار الواجب الإضافة لكون معنى اللام فيما بعده «لي ظرف عسل، وكيس دراهم» تريد: ظرفا يصلح للعسل، وكيسا يصلح للدراهم، فالإضافة لهذا النوع متعينة، فلو أردت أنّ عسلا يملأ ظرفا، ودراهم تملأ كيسا جاز أن تضيف وتجرّ، وأن تنون وتنصب.
انتهى 67. وليس الظرف والكيس مفهمي مقدار لكنهما في حكم ما أفهم، فالتمثيل فيما تقدّم أصرح.
واعلم أنّه إذا أريد بالآلة المقدار جاز في المقدّر المذكور بعدها أربعة أوجه 68: أحدها: النصب على التمييز؛ لأنّ الأصل في «عندي رطل زيتا»: عندي مقدار رطل زيتا، وكذلك «قفيز برّا، وذراع ثوبا» وإضافة مقدار إلى التمييز غير ممكنة لحجز المضاف بينهما ثم بعد تقرّر النّصب - كما ذكر - حذفوا المضاف الذي هو (مقدار) وأقاموا ما كان مضافا إليه مقامه فأعربوه بإعرابه وبقي النصب في التمييز على ما كان عليه.
الوجه الثاني: الإضافة على معنى (من)؛ لأنه بعض ما أضيف إليه، وذلك أنّ الرطل والقفيز والذراع إنّما يراد بها المقدار المحذوف وليس لها في اللفظ ما يمنعها من الإضافة ويحجزها عنها.
وهذان الوجهان قد تقدّم التّنبيه عليهما.
الوجه الثالث: جعل ما بعد المقادير صفة لها فتعرب بإعرابها وهو قول سيبويه، وضعفه 69، تقول: «لي منوان سمن، وقفيز برّ» وسبب ضعفه أنّ الجامد لا يوصف به إلّا بعد تكلف تضمينه معنى المشتق وهو قليل، وجوّز ابن السراج أن يكون الإتباع في مثل ذلك على البدلية 70. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2368

................................  الوجه الرابع: نصبه على الحال، ويكون أيضا قد ضمّن في هذا الوجه معنى المشتق، كما كان في الصفة، وحسّن وقوع الحال بعد النكرة كونه غير وصف في الأصل نحو: «مررت بماء قعدة رجل».
قال الشيخ - بعد ذكر هذه الأوجه -: واعلم أنّ انتصاب الاسم في الأعداد والمقادير إنما يكون إذا تعذّرت الإضافة، فإن لم يتعذّر لم يجز النصب؛ لأنّ النصب في هذا الباب ضعيف لكونه في خامس رتبة من الفعل - كما تقدّم - تقول: «ثلاثة أثواب، ومائة ثوب، وألف درهم» فلا يجوز التنوين والنصب إلا في اضطرار الشعر، وإنّما نصبوا في «عشرين، وأحد عشر» وبابهما؛ لأنّ الأصل: من الرجال، واختصروا بحذف (من) و (أل) واجتزائهم بالمفرد المراد به الجنس عن الجمع ولم يجيزوا «عشرو رجل» ولا «أحد عشر رجل»؛ لأن الإضافة على معنى (من) ولو صرح بـ (من) عاودت الأصل وهو الجمع بـ (ال)، فكما امتنع دخول (من) على المفرد امتنعت الإضافة إليه؛ لأنّه مفرد، وجاز النصب في «رطل سمنا» باعتبار أنّ الأصل: مقدار رطل سمنا، كما تقدّم 71. المسألة الثانية: أنّه إذا كان معنا اسمان والأول منهما بعض من الثاني ومبيّن به، فلا يخلو إمّا أن يستبدل الأول باسمه الذي كان له غيره، أو لا، إن لم يستبدل وجبت إضافته إلى الثاني نحو: «عندي جوز قطن، وحبّ رمّان، وغصن ريحان، وتمر نخلة، وسعف مقل» وإن استبدل اسما جاز في الثاني الجر بالإضافة، والنصب على التمييز أو الحال - كما سيأتي - نحو: «جبّة خزّ، وخاتم فضة، وسوار ذهب» فإنّ أسماءها حادثة بعض التبعيض [3/ 93] والعمل الذي هيّأها بالهيئات اللائقة بها، وأشار المصنف إلى القسم الأول بقوله: وكذا إضافة بعض لم تتغير تسميته بالتبعيض أي: بسبب التبعيض، ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله: فإن تغيرت به رجحت الإضافة... إلى آخره أي: فإن تغيرت تسمية ذلك البعض بسبب التبعيض جاز الوجهان: الجر والنصب، والإضافة أرجح لكونه بعضا.
قال المصنف: والنصب على التمييز أو على الحال، والثاني هو ظاهر قول سيبويه 72، وقد تقدّم في باب -

الجزء: 5 - الصفحة: 2369

................................  الحال بيان شبهة سيبويه في جعله حالا، والأول قول أبي العباس 73 وهو أولى؛ لأنّه لا يحوج إلى تأويل، مع أنّ فيه ما في المجمع على كونه تمييزا، بخلاف الحكم بالحالية فإنه يحوج إلى تأويل بمشتق مع الاستغناء عن ذلك، ويحوج إلى كثرة تنكير صاحب الحال، وكثرة وقوع الحال غير منتقلة، وكل ذلك على خلاف الأصل فاجتنابه أولى 74. ثم قال: فلو كان ما قبل (خزّ وفضّة) وشبههما معرفة رجحت الحالية، وقد تقدّم ذلك في باب الحال.
انتهى 75. والذي تقدّم له في باب الحال أنّه إذا كان ما قبل معرفة لم يكن ذلك الاسم المنصوب إلّا حالا نحو: «هذا خاتمك حديدا، وهذه جبّتك خزّا» والظاهر أنّ ما 76 ذكره هنا أقرب؛ إذ لا وجه لامتناع التمييز بعد المعرفة.
ونقل الشيخ عن بعضهم تفصيلا فيما تقدّم فقال: إذا قلت: «عندي جبّة خزّ» فإمّا أن تريد مقدار جبّة، أو الجبّة نفسها التي نسجت من الخزّ، فإن أردت الأول كان بمنزلة «رطل سمنا» فيجوز فيه أربعة الأوجه المتقدمة، وهي الجر بالإضافة، والنصب على التمييز، أو الحال أو التبعية على الوصف، وإن أردت الثاني فالجر بالإضافة، ولا يجوز النصب على التمييز بل إن جاء منصوبا فعلى الحال، وذلك لما تقدّم من أنه لا يجوز النصب على التمييز في هذا الباب إلّا إذا تعذّر الخفض، وهاهنا لا يتعذر لعدم تقدير إضافة مقدار إلى جبّة، ولهذا حمل سيبويه انتصاب (خزّ) في قول العرب: «عندي جبّة خزّا» على الحال، لا على التمييز للعلة التي ذكرناها وهو إذ ذاك مضمّن معنى المشتق والعامل فيه ما في (عندي) من معنى الفعل 77. ثم قال الشيخ: ويجري إذ ذاك «جبّة خزّ» وبابه مجرى «رطل زيت» في التقسيم إن أريد بها الآلة فالجرّ بالإضافة، أو المقادير فالوجوه الأربعة.
قال: وهذا مخالف لما قرره المصنف 78.

الجزء: 5 - الصفحة: 2370

[حكم آخر لتمييز المفرد]

قال ابن مالك: (ويجوز إظهار «من» مع ما ذكر في هذا الفصل إن لم يميّز عددا ولم يكن فاعل المعنى) 79. قال ناظر الجيش: المذكور في هذا الفصل هو المميّز المفرد، وذكر أنّه يجوز إظهار (من) معه في جميع الصّور المتقدّمة إلّا 80 صورتين، فيقال: «لي ملء الكيس من ذهب، وإردبّ من قمح، وجمام المكوك من دقيق، وأمثالها من إبل، وغيرها من شاء، وويحه من رجل، ولله درّه من فارس، وحسبك به من رجل، وأبرحت من جار، وما أنت من فارس».
والصورتان المستثنيان: هما مميّز العدد، والمميز الذي هو فاعل في المعنى، فالأول نحو: «أحد عشر دينارا، وعشرون درهما وشبههما، والثاني مثّله المصنف على قاعدته في مميز المفرد بقوله: «زيد أكثر مالا، وطيّب نفسا، بتفجّر أرضه عيونا» 81. وقد علمت ما فيه.
قال الشيخ: وفي كلام المصنف مناقشتان: إحداهما: أنّ قوله: فاعل المعنى ليس بجيّد؛ لأنّ من أمثلته أفعل التفضيل و (مالا) في «أكثر مالا» ليس فاعلا معنى؛ إذ لا يقدّر بـ «كثر ماله»؛ لأنّ (كثر) تدلّ على مطلق الكثرة، و (أكثر) يدل على الأكثرية، ولم تبن العرب فعلا يدل على هذا المعنى فليس لنا فعل [مضمن معنى أفعل التفضيل، فلا يصحّ أن يقال: إنّه فاعل في المعنى؛ إذ لا فعل] 82 له، ولذلك ذهب بعض النحويين [إلى] 83 أنّ هذا التمييز غير منقول لا من فاعل ولا مفعول، وسيأتي.
المناقشة الثانية: أنّ من مثل المصنف في شرح «هو مسرور قلبا» 84 و (قلبا) ليس فاعلا فعلى ظاهر كلامه يجوز دخول (من) عليه ولا يجوز ذلك، و (قلبا) هو مفعول لما لم يسمّ فاعله.
انتهى 85. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2371

................................  والجواب عن المناقشة الأولى: أنّه لا يلزم من قولنا: «فاعل معنى» صحة وجود فعل مسند إلى ذلك الاسم على أنّه فاعل، ومراد المصنف بذلك أنّ المعنى المنطوي عليه الكلام قائم بذلك الاسم، ولا شكّ أنّ الأكثرية في «زيد أكثر مالا» قائمة بالمال، وإن كانت مسندة إلى ضمير زيد، ومعنى الكلام: مال زيد أكثر من مال غيره، فالمال فاعل معنى بهذا الاعتبار، وإنما امتنع وجود فعل بهذا المعنى لعدم دلالته على المشاركة والزيادة، وأما صيغة «أفعل» فلها دلالة على ذلك، وإسنادها إلى شيء يحقق فاعليته.
وأما المناقشة الثانية: فيمكن أن يقال في الجواب عنها: إنّ (قلبا) من «مسرور قلبا» وإن كان في الأصل مفعولا لما لم يسمّ فاعله فحكمه حكم الفاعل في ذلك لقيامه مقامه، فيمتنع فيه ما امتنع في الفاعل، وقد علم مما تقدّم أنّ مميز المفرد على ما يراه المصنف منه ما ينصب، ويجرّ بالإضافة ويجرّ بـ (من) وذلك مميّز الكيل والوزن والمساحة، ومنه ما ينصب ويجرّ بـ (من) ولا يجرّ بالإضافة وهو الواقع بعد مفهم المثليّة والغيريّة ومفهم التعجب في مثل «لله درّه فارسا» ومنه ما ينصب ويجرّ بالإضافة ولا يجرّ بـ (من) نحو: «زيد أشجع الناس رجلا» ومنه ما ينصب فقط وهو مميّز العدد الذي هو فاعل معنى.
قال الشيخ: واختلف النحويون في (من) التي تظهر مع التمييز المذكور فقيل: إنّها للتبعيض، ولهذا لم تدخل على التمييز [3/ 94] المنقول؛ لأنّه ليس أعمّ من المبهم الذي أتي به لتفسيره فليس (نفسا) أعمّ من المبهم الذي انطوى عليه «طاب زيد».
وقال الأستاذ أبو علي 86: ويمكن أن تكون زائدة عند سيبويه؛ لأنه جعل (من) في قوله: «ويحه من رجل» مؤكدة لمعنى التبعيض، وشبّهها في ذلك بقولهم: «ما جاء من أحد» 87 إلّا أنّ المشهور أنها لا تزاد في الواجب، وحكم ابن عصفور 88 بعدم زيادتها، وجعلها مؤكدة لمعنى التبعيض 89.

الجزء: 5 - الصفحة: 2372

[تمييز الجملة وأحكامه]

قال ابن مالك: (فصل: مميّز الجملة منصوب منها بفعل يقدّر غالبا إسناده إليه مضافا إلى الأوّل فإن صحّ الإخبار به عن الأوّل فهو له أو لملابسه المقدّر، وإن دلّ الثّاني على هيئة وعني به الأوّل جاز كونه حالا، والأجود استعمال «من» معه عند قصد التّمييز) 90. قال ناظر الجيش: قال المصنف: المراد بمميّز الجملة ما ذكر بعد جملة فعلية مبهمة النّسبة نحو: «طبت نفسا، واشتعل رأسي شيبا»، وفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً 91، و «امتلأ الكوز ماء، وكفى الشيب ناهيا» وإنما أطلق مميّز الجملة على هذا النوع خصوصا مع أنّ كل تمييز فضلة عن جملة؛ لأنّ لكلّ واحد من جزئي الجملة في هذا النوع قسطا من الإبهام يرتفع بالتمييز بخلاف غيره، فإن الإبهام في أحد جزئي جملته، فأطلق على مميزه مميّز مفرد، وعلى مميز هذا النوع مميّز جملة 92. انتهى.
وقد تقدّم الكلام معه في ذلك، وأنّ المراد بمميّز الجملة ما ميّز نسبة مبهمة وأنه ليس من شرط النسبة وجود جملة، بل وجود المنتسبين، كان بينهما إسناد جملي أو لم يكن، ولا وجه لتخصيص المصنف ذلك بما ذكر بعد جملة فعلية، وتعليله ذلك بأنّ لكل واحد من جزئي الجملة في هذا النوع قسطا من الإبهام غير ظاهر؛ إذ المبهم في مثل: «طاب زيد نفسا» إنما هو النسبة، ولا إبهام في واحد من جزئيها إلّا أن يقول المصنف: لما كان الإبهام في النسبة وهي تستلزم ذكر الجزءين صحّ نسبة الإبهام إليهما بواسطة أنهما مستلزما النسبة المبهمة، وفيه بعد.
وقال الشيخ: هذا الذي شرطه المصنف في مميز الجملة لم يشترطه النحاة بل ذلك عندهم يكون بعد جملة فعلية، أو جملة اسمية، أو اسم وفعل، مثل «زيد طيّب نفسا، وأكثر مالا، وسرعان ذا إهالة» فهذا من قبيل ما انتصب عن الجملة، وهو الذي يعبرون عنه بأنّه انتصب عن تمام الكلام، وقد جعل المصنف ذلك من قبيل مميز المفرد، ولا نعلم له سلفا في هذا الاصطلاح.
انتهى 93. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2373

................................  ولا يظهر أن التمييز في مثل: «زيد طيب نفسا» بعد جملة اسمية؛ لأنّ جزئي النسبة المميزة إنّما هما (طيب) والضمير المرتفع به وليس بجملة، وكذا «زيد أكثر مالا» وكأنّ الشيخ نظر إلى مجموع «زيد طيّب نفسا» وهو غير واضح، وأمّا «سرعان ذا إهالة» فالتمييز فيه بعد جملة اسمية، وإذا كان كذلك فلا يتجه أن يجعل قسيما للجملة الاسمية، كما ذكره.
ولمّا كان مميز الجملة عند المصنف هو المذكور بعد جملة فعلية أشار إلى أنّ العامل فيه هو الفعل بقوله: منصوب منها أي: من الجملة بفعل وأمّا على الذي يقرر في المميز المذكور فقد يكون العامل الفعل، وما حمل عليه كالمصدر والوصف واسم الفعل، وهذا مذهب سيبويه 94 والمازني 95 والمبرد 96 والزجاج 97 والفارسي 98. وقال ابن عصفور: ذهب المحققون إلى أن العامل فيه الجملة التي انتصب عن تمامها، لا الفعل ولا الاسم الجاري مجراه واختاره ابن عصفور، واستدلّ على ذلك بقوله: «داري خلف دارك فرسخا» فهو منتصب عن تمام الكلام، وليس ثمّ فعل ولا ما يشبهه، وليس من قبيل المنتصب عن تمام الاسم؛ لأنّ الدار ليست الفرسخ، وكذلك الخلف؛ إذ الخلف ليس له مقدار يحصره، والفرسخ معلوم المقدار واستدلّ أيضا بأنه قد يكون في الكلام فعل، ولا يكون طالبا للتمييز نحو: «امتلأ الإناء ماء» 99. ونازعه الشيخ في الدليلين؛ أما الأول: فيدّعي فيه أنّ التمييز منتصب عن تمام الاسم؛ لأنّ الخلف مبهم المسافة، وقوله: إن الخلف ليس بالفرسخ، أما من حيث المدلول والقطع عن هذا التركيب فصحيح.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2374

................................  وأما في هذا التركيب فليس بصحيح، بل مسافة خلف دارك هي الفرسخ.
وأما الثاني: فقال: لا أسلم أنّ (امتلأ) لا يطلب (ماء) بل هو طالب له من حيث إنّ المطاوع دالّ على العامل وهو طالب له من حيث المعنى، وإن لم يصح إسناده إليه.
انتهى 100. وأشار المصنف بقوله: يقدّر غالبا إسناده إليه... إلى آخره - إلى أنّ الأكثر أن يصلح مميّز الجملة لإسناد الفعل إليه مضافا إلى المجعول فاعلا كقولك: «طابت نفسي، واشتعل شيب رأسي»، ومنه: وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً 101. لأنّ الأصل: وسع علمه كل شيء، ومن هذا النوع قول الشاعر: 1902 - تلفّتّ نحو الحيّ حتّى وجدتني... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا 102 وهذا هو التمييز المحوّل، وهو الذي تعنيه النحاة بقولهم: مميّز الجملة يكون منقولا من فاعل.
واحترز المصنف بقوله: غالبا إلى أنّ مميز الجملة قد ينسلب عنه هذا الوصف الذي ذكره، وذلك بألّا يصح إسناد الفعل إليه، وإذا لم يصح إسناد الفعل إليه فقد يصح وقوعه عليه مضافا إلى المجعول مفعولا كقوله تعالى: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ [3/ 95] عُيُوناً 103. قال المصنف: فإن أصله - على الأصح -: وفجرنا عيون الأرض.
وقد لا يصح وقوع الفعل عليه كما لم يصح إسناده إليه، نحو: «امتلأ الكوز ماء»، ونحو قوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 104. فأفاد كلام المصنف أنّ مميّز الجملة على ثلاثة أقسام، منه ما هو منقول من الفاعل وهو الغالب، ومنه ما هو منقول من المفعول، ومنه ما ليس بمنقول من أحدهما، لا بمعنى أنه منقول من شيء آخر غيرهما؛ بل بمعنى أنه لا يصح فيه أن يكون منقولا.
فأمّا كون التمييز منقولا من الفاعل فمجمع عليه، وأمّا كونه منقولا من المفعول -

الحديث: 1902 - الجزء: 5 - الصفحة: 2375

................................  فعليه أكثر المتأخرين، وقد أنكر ذلك الآمدي، وقال: لم يذكره النحويون، وأوّل كلام الجزولي على أن يكون مراده أنّه منقول من المفعول الذي لم يسمّ فاعله، نحو «ضرب زيد ظهرا وبطنا، وفجّرت الأرض عيونا» 105 ووافق هذا رأي الشلوبين، فإنه لم ينصب (عيونا) على التمييز، بل جعل نصبها على الحال، قال: وهي حال مقدّرة 106، ونازعه ابن الضائع في كونها مقدّرة، وقال: إنّ التفجير، وكونها عيونا - مثلا - زمان ليس أحدهما قبل الآخر، ولكن (عيونا) ليس بمشتق فيحتاج إلى تأويله بما هو مشتق 107. وجعل ابن أبي الربيع (عيونا) بدلا من (الأرض)، أي: عيونها، وحذف الضمير، وجوّز أن يكون نصبها على إسقاط حرف الجرّ أيضا، والأصل: وفجرنا الأرض بعيون 108. ولا يخفى ما في تخريجي الشلوبين وابن أبي الربيع من التكلف الذي لا داعي إليه، والقول بأنّه تمييز منقول من المفعول أسهل من ذلك مع أنّه لا محذور فيه ولا مانع يمنع منه.
وأمّا نحو: «امتلأ الكوز ماء» ومثله «تفقأ زيد شحما» فليس ثمّ خلاف في أنّ المنصوب فيه تمييز؛ لأنّ العرب ألزمت فيه التنكير والتأخير، وقد عرفت أنّ التمييز فيه لا يصلح أن يكون منقولا من فاعل ولا مفعول، فيكون التمييز في مثله مشبّها بالمنقول في أنّه وقع بعد كلام مبهم النسبة فأزال إبهامها، على أنّ منهم 109 من جعل التمييز في ذلك من قسم المنقول أيضا وذلك بأن جعله فاعلا لفعل يطاوعه (امتلأ) وهو (ملأ) ولفعل يطاوعه (تفقّأ) وهو غير ظاهر، فإنّ المراد من قول النحاة: تمييز محول من الفاعل؛ أنّه يصح تقدير كونه فاعلا للفعل الذي نصبه تمييزا، و «امتلأ الكوز ماء» ليس كذلك، وأيضا فإنّه لا بدّ مع تقديره فاعلا أن يقدّر مضافا إلى الاسم الذي يصير فاعلا آخر الأمر، وأنت لو قلت: «ملأ ماء الكوز» لم يكن صحيحا.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2376

................................  والظاهر أن التمييز في نحو: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 110 من التمييز المشبّه بالمنقول؛ إذ لا يتصور فيه النقل، والذي يدل على أنّ المنصوب في هذا المذهب مميّز جواز دخول (من) عليه.
وقد جعله بعضهم من المنتصب عن تمام الاسم، كالمنتصب في «لله درّه شجاعا، وحسبك به فارسا، وويحه رجلا» يعني أنّ هذه الكلمات مشبّهة بالمقادير، فانتصب التمييز بعدها كما ينتصب بعد المقادير 111، وقد تقدّم لنا البحث في نحو: «لله درّه فارسا» وتقدير ابن الحاجب فيه أنه من مميز الجملة، وتقدّم بحث ابن الدّهان في ذلك أيضا، ولا يخفى أنّ الحكم بأنّ التمييز في نحو: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً شبيه بتمييز الأعداد والمقادير، بعيد جدّا فلا ينبغي التعويل عليه.
واعلم أنّ في تقسيم التمييز المنتصب عن تمام الكلام طريقة أخرى، وهو أنه ثلاثة أقسام: منقول، ومشبه بالمنقول، وما ليس بمنقول ولا مشبّه به.
فالمنقول: إمّا من فاعل، أو من مفعول، أو من مبتدأ، نحو: «طاب زيد نفسا»، وفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً 112، و «زيد أحسن وجها منك» فإنّ أصله: وجه زيد أحسن من وجهك، وإذا اختصرت قلت: منقول من مضاف، فإنه يشمل الثلاثة؛ إذ الأصل في المثالين الأولين أيضا: طابت نفس زيد، وفجرنا عيون الأرض.
والمشبّه بالمنقول: نحو: «امتلأ الإناء ماء» وقد عرفت وجه كونه مشبّها.
والذي ليس بمنقول ولا مشبّه به: نحو: «حبّذا رجلا زيد» وأدرج ابن الضائع «حبّذا رجلا» في المشبّه بالمنقول 113 وهو الأقرب فعلى هذا لا تكون الأقسام ثلاثة، بل إنّما يكون معنا قسمان لا غير.
وقد أدرجوا في المشبّه بالمنقول نحو: «نعم رجلا زيد» وكون التمييز في «نعم رجلا زيد» منتصبا عن تمام الكلام نظر.
والظاهر أنه لم يميّز نسبة، إنّما ميز الضمير المبهم المرفوع بـ «نعم» فهو على هذا مميز مفرد، فيكون منتصبا عن تمام الاسم، ويعضد هذا الذي ذكرته قول ابن الضائع: والظاهر من كلام سيبويه أنّ التمييز في «نعم رجلا» ونحوه أشبه بالمقادير.
وقول ابن عصفور أنّه أشبه بالمنقول ليس كذلك، بل هو كـ «ويحه رجلا» -

الجزء: 5 - الصفحة: 2377

................................  وبابه، ومنه أيضا: «ربّه رجلا» فهذا كله نمط واحد.
انتهى 114. وليس المراد بأنّ «نعم رجلا» أشبه بالمقادير أنه شبهها في المقدارية؛ لأنّ ذلك باطل قطعا، وإنّما المراد أنه بيّن المراد من لفظ الضمير كما بين «درهما» «عشرين» مثلا وقد تقدّم في الفصل الأول عند الكلام على «ويحه رجلا، وحسبك به فارسا» ما يشبه هذا.
ثم نبّه المصنف بقوله: فإن صحّ الإخبار به عن الأوّل فهو له أو لملابسه المقدّر على أنّه إذا قيل: «كرم زيد أبا» مثلا، كان فيه احتمالان: الأول: أن يكون المراد: كرم زيد نفسه أبا، أي: ما أكرمه من أب.
الثاني: أن يكون المراد: كرم أبو زيد أبا، أي: ما أكرم أباه من أب، فالتمييز في الاحتمال المتقدّم للأول - أي: هما في الحقيقة شيء واحد - وهو في الاحتمال المتأخر لملابس الأول [3/ 96] أي المضاف إليه تقديرا، وليس تقدير الإضافة شرطا، وإنّما ذكرته تقريبا.
هذا كلام المصنف 115، ومفهومه أنه إن لم يصح الإخبار به عن الأول لا يكون فيه هذان الاحتمالان، بل احتمال واحد.
لكن كلام المصنف وإن أفهم نفي الاحتمالين، لا يفهم تعيين أحدهما، والمتعين هو أن يكون للمتعلق خاصة، وذلك نحو: «حسن زيد علما» وليس في كلام المصنف ما يشعر بذلك، وكأنه إنما استغنى عن ذكره؛ لأنّه قد علم من قوله: إنّ مميز الجملة يقدر مضافا إلى الاسم الأول - أنّ التمييز يجب أن يكون مباينا للاسم الذي أسند الفعل إليه آخرا؛ لأنه لو لم يباينه لكان بمعناه، فلا يصح حينئذ تقدير إضافته إليه، فكان الأصل في مميز الجملة أن يكون غير الأول، وذلك الغير هو المتعلق فكان المذكور تمييزا للمتعلق، أي: لمتعلق الاسم الأول لا له، فإذا اتّفق أنّ في بعض الصور صورة يمكن أن يصدق التمييز فيها على الاسم المذكور قبله ساغ لك مع الوجه الأول وهو جعل التمييز للمتعلق أن يجعله لذلك الاسم نفسه.
وقد تلخص لنا مما تقدّم: أنّ مميز الجملة - أعني مميز النسبة - إن كان صالحا؛ -

الجزء: 5 - الصفحة: 2378

................................  لأن يجعل خبرا لما نسب إليه الحكم صحّ أن يجعل له، وصحّ أن يجعل لمتعلق له نحو: «حسن زيد أبا» فإنّ (أبا) صالح لأن يكون خبرا عن زيد فجاز أن يراد به نفس زيد، فيكون الممدوح بحسن الأبوّة زيدا باعتبار أبوّته لغيره، وجاز أن يراد أبو زيد فتكون الأبوّة الممدوحة هي المتعلقة بزيد.
وإن كان الاسم غير صالح لما ذكر لم يكن إلّا للمتعلق خاصة، وذلك نحو: «حسن زيد دارا».
وقد يتوجه ها هنا سؤال: وهو أن يقال: قد تقرر أنّ مميز الجملة يقدّر في الأصل مضافا إلى الاسم الذي قبله، فإذا قلت: «كرم زيد أبا» وكان المراد نفسه، أي: أنّه هو الأب، فما وجه صحة الإضافة فيه؟ والذي يظهر في الجواب: أن تمنع هذه الدعوى من أصلها، فيقال: لا نسلم أنّ مميز الجملة على الإطلاق يقدّر مضافا إلى الاسم الأول، وإنما يلزم ذلك في المميز المنقول، وأما غير المنقول فليس فيه التقدير المذكور، ومن ثمّ يعلم أنّ مميّز الجملة ليس محصورا في المنقول، بل الأكثر فيه كونه منقولا، وقد يكون غير منقول كما تقدّم، ومما يوضح ذلك أنّ الأب في قولنا: «كرم زيد أبا» إذا كان هو زيدا جاز دخول (من) عليه، فيقال: «كرم زيد من أب» بخلاف إذا كان المراد بالتمييز المذكور أبا زيد، فإنه لا يجوز دخولها عليه؛ لأنّه منقول، والمنقول لا يجوز ذلك فيه.
وقد أشار المصنف إلى جواز دخول (من) على مثل هذا التمييز في المسألة التي ذكرها متفرعة عمّا تقدّم، وذلك قوله: وإن دلّ التّالي على هيئة وعني به الأوّل جاز كونه حالا والأجود استعمال «من» معه عند قصد التّمييز والمراد بهذا الكلام أنك إذا قلت: «كرم زيد ضيفا» وقصدت أنّ زيدا ضيف كريم، جاز لك أن تجعل (ضيفا) حالا لدلالته على هيئة، وجاز أن تجعله تمييزا لصلاحيته لأن يقرن بـ (من) وأنّ الأجود عند قصد التمييز، أن يجاء بـ (من) رفعا لتوهم الحالية.
وإن لم يعن به الأول بل أريد كرم ضيف زيد، لم يجز نصبه على الحال، بل يتعين كونه تمييزا، ولا يجوز دخول (من) عليه؛ لأنه فاعل في الأصل.

الجزء: 5 - الصفحة: 2379

[أحكام أخرى لتمييز الجملة]

قال ابن مالك: (ولمميّز الجملة من مطابقة ما قبله إن اتحدا معنى ما له خبرا وكذا إن لم يتّحدا ولم يلزم إفراد المميّز؛ لإفراد معناه أو كونه مصدرا لم يقصد اختلاف أنواعه.
وإفراد المباين بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى) 116. قال ناظر الجيش: اعلم أن مميّز الجملة تجب فيه المطابقة للاسم الذي قبله في إفراد وتثنية وجمع سواء أكان المميّز في المعنى له أم لمتعلقه، فيقال: «كرم زيد رجلا، والزيدان رجلين، والزيدون رجالا» وكذا يقال: «حسن زيد وجها، والزيدان وجهين، والزيدون وجوها» فيطابق في الحالين ما قبله، كما يطابقه لو كان خبرا عنه.
فأمّا قوله تعالى: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً 117 ففيه توجيهان: أحدهما: أن الرفيق والخليط والصديق والعدو يستغني بمفردها عن جمعها كثيرا في الإخبار وغيره.
قال المصنف: ويزيده هنا حسنا أنه تمييز، والتمييز قد اطرد في كثير منه الاستغناء بالمفرد عن الجمع، نحو: «عشرون رجلا».
التوجيه الثاني: أنّ الأصل: وحسن رفيق أولئك [رفيقا] 118، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وجاء التمييز على وفق المحذوف 119. ثم إنه يستثنى من التمييز إذا كان للمتعلق صورتان لا يطابق فيهما المميز ما قبله في تثنية ولا جمع، بل يلزم إفراده مع تثنية ما قبله أو جمعه، كما يلزم ذلك إذا كان ما قبله مفردا، وقد أشار المصنف إلى وجوب المطابقة في القسمين بقوله: ولمميّز الجملة من مطابقة ما قبله إن اتّحدا معنى ماله خبرا، وكذا إن لم يتّحدا، وأراد باتحادهما معنى: أن يكون المميّز في المعنى لذلك الاسم، وبعدم اتحاده: أن يكون لمتعلقه، كما بيّنّا.
ثم أشار إلى الصورتين اللّتين يلزم فيهما عدم المطابقة بقوله: ولم يلزم إفراد المميّز لإفراد معناه، أو كونه مصدرا، ومثال ما يلزم فيه الإفراد لإفراد معناه قولك في أبناء رجل واحد: «طاب بنو فلان أصلا، وكرموا أبا»، ومثال ما يلزم فيه الإفراد لكونه مصدرا لم يقصد اختلاف أنواعه: «زكا الأزكياء سعيا، وجاد الأتقياء وعيا».
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2380

................................  وأفهم التقييد بقوله: لم يقصد [3/ 97] اختلاف أنواعه أنه إذا قصد اختلاف أنواع المصدر لاختلاف محالّه لا يلزم في المصدر حينئذ الإفراد، بل يجوز فيه المطابقة، كقولك: «تخالف الناس أغراضا، وتفاوتوا أذهانا» ومنه قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا 120؛ لأنّ أعمالهم مختلفة المحالّ.
ثم نبّه المصنف بقوله: وإفراد المباين بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى على أنّ المميز الذي لم يتحد بالأول معنى قد يكون بعد جمع فيختار إفراده إذا لم يوقع في محذور كقوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً 121، قال: فالإفراد في هذا النوع أولى من الجمع؛ لأنّه أخف، والجمعية مفهومة مما قبل، فأشبه مميّز (عشرين) وأخواته 122. انتهى.
وكذا لو قلت: «الزيدون قرّوا عينا» كان الإفراد أولى، ولا شك أنّ الجميع لا يكونون ذوي نفس واحدة، ولا ذوي عين واحدة، ويفهم من قول المصنف أنّ الإفراد في ذلك أولى: أنّ الجمع غير ممتنع فيجوز أن يقال: «طاب الزيدون أنفسا، وقرّوا أعينا».
ثم قال المصنف: فإن أوقع الإفراد في محذور لزمت المطابقة، كقولك: «كرم الزيدون أبا» أي: ما أكرمهم من آباء، فلا بدّ من كون مميز هذا النوع جمعا؛ لأنّه لو أفرد لفهم أنّ المراد كون أبيهم واحدا موصوفا بالكرم، وفي الجمع أيضا احتمال أن يكون المراد: كرم أبا الزيدين، ولكنه مغتفر؛ لأن اعتقاده لا يمنع من ثبوت المعنى الآخر 123. قال الشيخ: وقد يلزم الجمع أيضا بعد المفرد في المباين إذا كان معنى الجمع يفوت بقيام المفرد مقامه، نحو قولك: «نظف زيد ثيابا»؛ لأنك لو قلت: (ثوبا) توهّم أنّ له ثوبا واحدا نظيفا.
انتهى 124. وها هنا بحثان: الأول: أن تمثيل المصنف لما يجب فيه المطابقة بنحو: «كرم الزيدون آباء» غير ظاهر؛ لأنّ كلامه الآن إنما هو في المميّز المباين وليس (آباء) بمباين للزيدين؛ لأنّ المراد -

الجزء: 5 - الصفحة: 2381

................................  بالمباين ما لا يصدق على الاسم الذي قبله، ولا شك في صدق (آباء) على الزيدين، فلا يكون مباينا فكان الواجب التمثيل بما فيه مباينة، نحو: «حسن الزيدون دورا» إذا كان لكل منهم دار، فلا يجوز الإفراد هنا لئلّا يتوهم أن للجميع دارا واحدة، أو الاقتصار على قوله: وإفراد المميز بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى دون تقييد بالمباين ليشمل المتحد والمباين، وحينئذ يتمشى التمثيل بنحو: «كرم الزيدون آباء».
فإن أجيب عن ذلك بأن المراد بالمباين: ألا يكون التمييز لذلك الاسم الذي قبله بل لمتعلقه سواء صدق المميز عليه نحو: «كرم زيد أبا» إذا كان الممدوح هو أبو زيد، أم لم يصدق نحو: «حسن زيد علما» كان هذا الجواب مدفوعا بأمرين: أحدهما: أن المصنف لما مثّل للمسألة بنحو: «كرم الزيدون آباء» إنّما فسّره بما أكرمهم من آباء، فبيّن أنّ المراد بآباء نفس الزيدين، ولم يجعل المراد بهم متعلق الزيدين، وهو آباؤهم.
الثاني: أنه قال في أول الفصل: فإن صحّ الإخبار به عن الأوّل فهو له أو لملابسه فجوّز في ما يصح الإخبار به عما قبله أن يكون لملابسه - يعني لمتعلقه - ولا شك أن ما صح الإخبار به عن شيء لا يكون مباينا لذلك الشيء، فلزم من هذا ألّا يكون مراده بالمباين ما كان لمتعلق الاسم، بل ما لا يصدق على ذلك الاسم، وإذا كان كذلك تبيّن أن التمثيل لما يجب فيه المطابقة من المباين بـ «كرم الزيدون آباء» ليس بجيّد، ثم تفسير المصنف لذلك بأنّ المراد: ما أكرمهم من آباء، غير واضح، ولو قلنا: إنّ المراد بالمباين هنا هو أن يكون التمييز لمتعلق الاسم لا له؛ لأنّه قد جعل التمييز للاسم الأول حيث جعل الزيدين هم الآباء، وكان الواجب أن يجعله لمتعلقه، فيقال: المراد: ما أكرم آباؤهم، وما برحت أستشكل هذا الموضع من كلام المصنف.
البحث الثاني: قال الشيخ: قول المصنف: إن لم يوقع في محذور شرط في كون المباين أولى من المطابقة في الجمع، ومفهوم الشرط: أنه إذا أوقع في محذور لزمت المطابقة.
انتهى.
والأمر في لزوم المطابقة حينئذ كما قال، وقد تقدّم لك من كلام المصنف في شرحه التصريح بذلك، ولكن الذي ألزم به المصنف غير لازم؛ لأنه قد ذكر قبل أنّ -

الجزء: 5 - الصفحة: 2382

................................  مطابقة مميّز الجملة لما قبله واجبة سواء اتّحد المميز وهو أم لم يتحد، إلّا ما استثناه من ذلك، فأثبت وجوب المطابقة بالمنطوق، ثم لما كان غير المطابقة جائزا في بعض الصور التي شملها الإطلاق الأول وكان مع جوازه أولى من المطابقة وجب أن يحمل قوله: أولى على أنّ المراد به أنّه جائز جوازا أولى؛ لأن عدم المطابقة لم يكن جائزا، فيقال: أنه في هذه الصورة التي ذكرها أولى، بل كان ممتنعا بما دلّ عليه كلامه المتقدّم، وإذا كان ممتنعا فلا بدّ من التنبيه على جوازه، ولذا اتفق مع جوازه أنّه أولى من الوجه الآخر الجائز، وهو المطابقة، فقصد المصنف بقوله: أولى إفادة جواز عدم المطابقة في مثل هذه الصورة مع التنبيه على الأولوية، وإذا تقرر هذا، كان قوله: إن لم يوقع في محذور شرطا للجواز، لا للأولوية، وإذا كان كذلك كان مفهومه أنه إذا أوقع في محذور انتفى الجواز، أي: جواز عدم المطابقة، وإذا انتفى ذلك لزمت المطابقة.
واعلم أنّ الشيخ أبا عمرو بن الحاجب - رحمه الله تعالى - ذكر مسائل مطابقة التمييز وعدم مطابقته بطريق أخصر من الطريق التي ذكرها المصنف، ثم إنه لم يقتصر على [3/ 98] ذكر مميز الجملة، بل تعرّض لذكر مميز المفرد أيضا، فقال: تمييز النسبة إما أن يكون اسم جنس أو غيره، فإن كان غيره طابق ما قصد به، وإن كان اسم جنس كان مفردا إلّا أن يقصد الأنواع.
مثال الأول: «حسن زيد أبا» إذا قصدت إلى أبوّته لابنه، أو أبوّة أبيه خاصة له، فإن قصدت أبوّة قلت: «حسن زيد آباء» وكذلك إذا قلت: «حسن الزيدان» وقصدت إلى مدحهما بأبوتهما لغيرهما، قلت: «حسن الزيدان أبوين» وإن قصدت إلى مدح أبوّة أبيهما لهما، قلت: «حسن الزيدان أبا» وكذلك: «حسن زيد دارا واحدة، ودارين، ودورا» إذا قصدت اثنين أو جماعة.
ومثال الثاني: «طاب زيد ماء، وعسلا، وتمرا» فهذا يجب إفراده إذا قصد إلى الحقيقة؛ لأنه لا يستقيم تثنية ولا جمع فيه، فإن قصدت إلى الأنواع كان الأمر فيه كما تقدّم من جواز التثنية والجمع.
وأما تمييز المفرد فلا يخلو إما أن يكون جنسا أو غيره، إن كان جنسا أفرد إلّا أن يقصد الأنواع فيثني ويجمع، وإن كان غيره جمع لا غير.
تقول في الأول: «عندي راقود خلّا، ورطل زيتا» فإن قصدت الأنواع قلت: «خلّين، وزيتين، وزيوتا».
وتقول في الثاني: -

الجزء: 5 - الصفحة: 2383

[تعريف تمييز الجملة، وتقدير تنكيره، أو تأويل ناصبه]

قال ابن مالك: (ويعرض لمميّز الجملة تعريفه لفظا فيقدّر تنكيره، أو يؤوّل ناصبه بمتعدّ بنفسه أو بحرف جرّ محذوف أو ينصب على التّشبيه بالمفعول به، لا على التّمييز محكوما بتعريفه خلافا للكوفيّين).  «عندي قنطار أثوابا أو خواتم» أو ما أشبهه فيما ليس بجنس، فلا بدّ من جمعه، وسببه أنّ اسم الجنس لما كان دالّا على الحقيقة أغنى عن التثنية والجمع، وهذا لما كان مفردا لا دلالة له على الجنس، واختص بالدلالة على المفرد عدل عن لفظ إفراده إلى ما هو أدلّ منه على الجنس، فقيل: قنطار خواتم، وقنطار أثوابا. قال ناظر الجيش: قال المصنف 125: قد يرد مميز الجملة مقرونا بالألف واللام فيحكم بزيادتهما وبقاء التنكير كقول الشاعر: 1903 - رأيتك لمّا أن عرفت وجوهنا... صددت وطبت النّفس يا قيس عن عمرو 126 أراد: وطبت نفسا، ومثله قول الشاعر: 1904 - علام ملئت الرّعب والحرب لم تقد... لظاها ولم تستعمل البيض والسّمر 127 أراد: ملئت رعبا، فزاد الألف واللام، كما زيدتا في رواية البغداديين أنّ من العرب من يقول: «قبضت الأحد عشر درهما» ومن يقول: «قبضت الأحد العشر الدرهم» وكما زيدتا مع المضاف فيما أنشد أبو علي من قول الشاعر: 1905 - تولي الضّجيع إذا تنبّه موهنا... كالأقحوان من الرّشاش المستقي 128

الحديث: 1903 - الجزء: 5 - الصفحة: 2384

................................  أراد: من رشاش المستقي.
وقد يرد مميز الجملة مضافا إلى معرفة: كقول العرب: «غبن فلان رأيه، ووجع بطنه، وألم رأسه» وفيه توجيهات 129: أحدها: أن تجعل الإضافة منويّة الانفصال ويحكم بتنكير المضاف، كما فعل في قولهم: «كم ناقة وفصيلها لك؟، وقدر كم ناقة وفصيلا لها؟» وكما فعل سيبويه في قولهم: كل شاة وسخلتها بدرهم، فقال: وإنما يريد: كل شاة وسخلة لها بدرهم 130. وحكي عن بعضهم: «هذه ناقة وفصيلها راتعان» على تقدير هذه ناقة وفصيل لها راتعان.
ثم قال: والوجه: كل شاة وسخلتها بدرهم، وهذه ناقة وفصيلها راتعين؛ لأنّ هذا أكثر في كلامهم، وهو القياس، والوجه الآخر قاله بعض العرب.
التوجيه الثاني: أن ينصب (رأيه) وما كان مثله مفعولا به بالفعل الذي قبله مضمّنا معنى فعل متعدّ، كأنه قيل: سوّأ رأيه - أي: جعله سيئا - وشكا بطنه ورأسه، وبهذا الاعتبار قال بعضهم في سَفِهَ نَفْسَهُ 131: إنّ معناه: أهلك نفسه.
وقال المبرد: معناه: ضيّع نفسه 132. وقال الزمخشري: معناه: امتهن نفسه 133 وجعله نظير قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الكبر أن يسفه الحق» 134. وقال صاحب العجائب - - الديوان (ص 256) طبعة الهيئة العامة للكتاب.
اللغة: الضجيع: الزوج.
الموهن: الوقت المتأخر من الليل.
وشاهده: زيادة أل في المضاف كما ذكره الشارح.
والبيت في: شرح التسهيل (2/ 386) والعيني (4/ 40) والديوان (ص 256).

الجزء: 5 - الصفحة: 2385

................................  والغرائب 135: مَنْ سَفِهَ في موضع نصب بالاستثناء من فاعل يَرْغَبُ ونَفْسَهُ توكيد للمستثنى، كما يقال: «ما قام أحد إلا زيدا نفسه».
التوجيه الثالث: أن ينصب (رأيه) وما كان مثله بإسقاط حرف الجرّ، كأنه قيل: «غبن في رأيه، ووجع في بطنه، وألم في رأسه»، ثم أسقط حرف الجر، وتعدّى الفعل فنصب.
التوجيه الرابع: أن ينصب (رأيه) وما كان مثله على التشبيه بالمفعول به، ويحمل الفعل اللازم على الفعل المتعدي، كما حملت الصفة اللازمة على الصفة المتعدية، فقالوا: «غبن رأيه، والرأي، ووجع بطنه، والبطن» كما قالوا: «هو حسن وجهه والوجه» ومن ذلك قراءة بعضهم: فإنه آثم قلبه 136 ومنه قول الشاعر: 1906 - وما قومي بثعلبة بن سعد... ولا بفزارة الشّعر الرّقابا 137 إلّا أن النصب على التشبيه بالمفعول به نادر في الأفعال مطرد في الصفات.
وإنما كان الأمر كذلك لوجهين: أحدهما: أنّ الصفة اللازمة تساوي الصفة المتعدية في عمل الجر بالإضافة بعد رفعهما ضميرا، والجرّ أخو النصب وشريكه في الفضلية، فجاز أن يساويها في استبدال النصب بالجر، والفعل بخلاف ذلك.
الثاني: أن المنصوب [3/ 99] على التشبيه بالمفعول به لو حكم باطراده في الفعل اللازم، كما حكم باطراده في الصفة اللازمة لم يتميز لازم الأفعال من متعديها، بل -

الحديث: 1906 - الجزء: 5 - الصفحة: 2386

................................  كان اللازم يظنّ متعدّيا، ولا يعرض مثل ذلك إذا كان النصب على التشبيه بالمفعول به مقصور الاطراد على الصفات، شاذ في الأفعال، فإنّ في ذلك إشعارا بيّنا بالفرق بين المتعدي واللازم ومما شذّ وروده في الفعل ما في الحديث من قول راويه: «إن امرأة كانت تهراق الدماء» 138 أراد: تهراق دماؤها، فأسند الفعل إلى ضمير المرأة مبالغة، ثم نصب الدماء على التشبيه بالمفعول به، أو على التمييز وإلغاء الألف واللام.
ويجوز أن يكون أراد: تهريق الدماء، ثم فتح الراء، وقلب الياء ألفا، لا لأنّه فعل لما لم يسم فاعله، بل على لغة طيئ، كما قال شاعرهم: 1907 - نستوقد النّبل بالحضيض ونص... طاد نفوسا بنت على الكرم 139 وكما قال الآخر: 1908 - أفي كلّ عام مأتم تبعثونه... على محمر ثوّبتموه وما رضا 140 أراد في الأول: بنيت، وفي الثاني: رضي.
إلّا أنّ المشهور في لغة طيئ أن يفعل هذا بلام الفعل، لا بعينه، وحرف العلة في (تهراق) عين، فمعاملته معاملة اللام على خلاف المعهود.
ومن المنصوب بفعل على التشبيه بمفعول به قوله تعالى: -

الحديث: 1907 - الجزء: 5 - الصفحة: 2387

................................  وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها 141 ويحتمل أن يكون تمييزا على تقدير الانفصال والتنكير، ويحتمل أن يكون منصوبا على إسقاط حرف الجر، ويحتمل أن يكون الأصل: بطرت مدة معيشتها، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب على الظرفية، نحو: وَإِدْبارَ النُّجُومِ 142. انتهى كلام المصنف 143، وقد ناقشه الشيخ في أمور 144: أحدها: أنّ تخصيصه عروض التعريف بمميّز الجملة لا فائدة له؛ إذ الخلاف واقع في مميز المفرد ومميز الجملة، والسماع ورد بهما. والجواب: أنّ المصنف يمنع ورود ذلك في مميز المفرد، ولهذا حكم بزيادة اللام في «الأحد عشر الدرهم» كما تقدّم. على أنّ المصنف أراد أنّ المميّز يعرض له التعريفان معا، أعني تعريف الأداة وتعريف الإضافة، وكلاهما عرض لمميّز الجملة، وأما مميز المفرد فلم يرد معرفة بالإضافة، وإنّما ورد فيه اللام، ومع ذلك فقد حكم المصنف بأنها زائدة، لا معرّفة. الأمر الثاني: أنّه قال 145: لا يتخرج «غبن زيد رأيه، ووجع بطنه» على أنّها إضافة يراد بها الانفصال كان هذا ضميرا يعود على معرفة، وليس موضع انفصال بالإضافة 146، فهي إضافة محضة قال: ولا يسوغ قياسا على «كم ناقة وفصيلها لك؟» ولا [على] 147 «كل شاة وسخلتها [بدرهم] (8)، وهذه ناقة وفصيلها راتعان»؛ لأنّ الضمير في هذه عائدة على نكرة، فيمكن أن يلحظ فيه التنكير بالنسبة إلى ما عاد عليه من النكرة، وإن كان الأكثر أن يلحظ فيه التعريف، ألا ترى إلى جعل سيبويه [قول الشاعر] 148: 1909 - أظبي كان أمّك أم حمارا 149

الحديث: 1909 - الجزء: 5 - الصفحة: 2388

................................  من قبيل ما أخبر فيه عن النكرة بالمعرفة: والجواب: أنّ المقتضي بجعل الإضافة الانفصال، والحكم بتنكير المضاف في نحو: «كم ناقة وفصيلها...» هو المقتضي لذلك أيضا في نحو: «غبن زيد رأيه» ولا نظر إلى كون المضاف إليه ضمير معرفة أو ضمير نكرة، على أنّ الملحوظ في ضمير النكرة إنما هو التعريف وإنما حكم سيبويه بتنكيره في: 1910 - أظبي كان أمّك أم حمار من أجل أنّ ضمير النكرة يعامل عندهم في باب الإخبار معاملة النكرة 150. الأمر الثالث: أنّه قال 151: تخريج المصنف قراءة من قرأ فإنه آثم قلبه على أنه منصوب على التشبيه بالمفعول به غير متعين؛ لأنّه يجوز أن يكون (قلبه) منصوبا على البدل من اسم (إنّ) أي: فإنّ قلبه آثم.
قلت: وفيما ذكره الشيخ نظر؛ لأنّ البدل هو المعتمد عليه في الإخبار لا المبدل منه، وإذا كان كذلك وجب أن يكون (آثم) خبرا عن (قلبه) ومتى كان خبرا عن (قلبه) امتنع تقديمه عليه؛ لأنّ التقدير يصير: فإنّ قلبه آثم، وتقديم خبر (إنّ) على اسمها غير جائز إلا فيما استثني.
الأمر الرابع: أنه قال في تخريج المصنف: «تهراق الدماء» على أنّ أصله: تهريق الدماء: أنّ ذلك في غاية البعد؛ لأنّ ذلك إنما تفعله طيئ بالياء المتحركة لفظا بالفتح، ويكون لام الكلمة وهذا ليس كذلك 152. قلت: أمّا كون الياء تكون لام الكلمة فقد قاله المصنف، وذكر أنّ العين عوملت معاملة اللام، وأنه خلاف المعهود، ولا شك أنّ الياء متى كانت عينا في فعل وجب كونها ساكنة، فلازم كونها عينا سكونها، وإذا كان كذلك اندفع أن يقال: إنما يكون ذلك في الياء المتحركة لفظا بالفتح.
- والشاهد فيه: مجيء اسم كان نكرة والخبر معرفة ضرورة.
والشاهد في الكتاب: (1/ 48)، والمقتضب (4/ 94)، وابن يعيش (7/ 95)، ومغني اللبيب (1/ 829)، والخزانة (7/ 192).

الحديث: 1910 - الجزء: 5 - الصفحة: 2389

[أحكام تقديم التمييز على عامله]

قال ابن مالك: (ولا يمنع تقديم المميّز على عامله إن كان فعلا متصرفا وفاقا للكسائي والمازنيّ والمبرّد، ويمتنع إن لم يكنه بإجماع، وقد يستباح في الضّرورة). قال ناظر الجيش: قد علم أنّ المميز نوعان: منتصب عن تمام الاسم، ومنتصب عن تمام الكلام، أما المنتصب عن تمام الاسم فلا يجوز تقديمه على العامل فيه، وأمّا المنتصب عن تمام الكلام فمنه ما هو منقول، ومنه ما هو غير منقول، أما عن غير المنقول فلا يجوز تقديمه على العامل فيه أيضا نحو: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 153 و «ما أحسن زيدا رجلا». وأما المنقول فإن كان [3/ 100] العامل فيه فعلا لا يتصرف امتنع التقديم عليه أيضا نحو: «ما أحسن زيدا عقلا» وبيان كونه منقولا أنّ أصله: حسن زيد عقلا، أي: حسن عقل زيد، وهذا بخلاف «ما أحسن زيدا رجلا» حيث قيل: لا نقل فيه، وامتناع التقديم في هذه الصور الثلاث مجمع عليه. وإن كان العامل في المنقول فعلا متصرفا نحو: «طاب زيد نفسا» فقد قيل: بامتناع التقديم عليه أيضا، وهو مذهب سيبويه ومن وافقه 154، وعلى هذا يصح إطلاق امتناع تقديم التمييز على عامله كائنا ما كان، فلا يجوز تقديم المميز على عامله في صورة أصلا. وذهب الكسائي والمازني والمبرد إلى جواز التقديم على العامل إذا كان فعلا متصرفا 155. قال المصنف 156: أجمع النحويون على منع تقديم التمييز على عامله إذا لم يكن فعلا متصرفا، فإن كان إياه نحو: «طاب زيد نفسا» ففيه خلاف، والمنع مذهب سيبويه، والجواز مذهب الكسائي والمازني والمبرد، وبقولهم أقول قياسا على سائر الفضلات المنصوبة بفعل متصرف، ولصحة ورود ذلك في الكلام الفصيح بالنقل الصحيح، كقول بعض الطائيين: 1911 - إذا المرء عينا قرّ بالأهل مثريا... ولم يعن بالإحسان كان مذمّما 157

الحديث: 1911 - الجزء: 5 - الصفحة: 2390

................................  وكقول ربيعة بن مقروم الضبي 158: 1912 - وواردة كأنّها عصب القطا... تثير عجاجا بالسّنابك أصهبا رددت بمثل السّيد نهد مقلّص... كميش إذا عطفاه ماء تحلّبا 159 وكقول الآخر: 1913 - أتهجر ليلى بالفراق حبيبها... وما كان نفسا بالفراق تطيب 160 وكقول الآخر: 1914 - ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا... وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا 161 ومثله: 1915 - ولست إذا ذرعا أضيق بضارع... ولا يائس عند التعسّر من يسر 162

    • فلا بد أن يكون كريما معهم.
      وشاهده: قوله: «إذا المرء عينا قر»؛ حيث تقدم التمييز هنا على عامله وأصله: قر عينا ورد ذلك بأن «المرء» فاعل بفعل محذوف وأصله إذا قر المرء عينا قر ولكن ابن مالك تابعا ابن جني أجاز وقوع الاسم بعد إذا وعليه بقي الشاهد.
      والبيت في التذييل والتكميل (4/ 125) وحاشية الصبان (2/ 202).

الحديث: 1912 - الجزء: 5 - الصفحة: 2391

................................  ومثله: 1916 - أنفسا تطيب بنيل المنى... وداعي المنون ينادي جهارا 163 وانتصر لسيبويه بأنّ فاعل هذا النوع فاعل في الأصل، وقد أوهن بجعله كبعض الفضلات، فلو قدّم لازداد إلى وهنه وهنا، فمنع ذلك؛ لأنه إجحاف.
قلت: وهذا الاحتجاج مردود بوجوه: أحدها: أنه دفع روايات برأي لا دليل عليه، فلا يلتفت إليه.
الثاني: أن جعل التمييز كبعض الفضلات محصل لضرب من المبالغة ففيه تقوية لا توهين، فإذا حكم بعد ذلك بجواز التقديم ازدادت التقوية وتأكدت المبالغة، فاندفع الإشكال.
الثالث: أنّ أصالة فاعلية التمييز المذكور كأصالة فاعلية الحال في نحو: «جاء راكبا رجل» فإن أصله: جاء راكب، على الاستغناء بالصفة، «وجاء رجل راكب» على عدم الاستغناء بها، والصفة والموصوف شيء واحد في المعنى، فقدّم (راكب) ونصب بمقتضى الحالية، ولم يمنع ذلك تقديمه على (جاء) مع أنّه مزال عن إعرابه الأصلي، وعن صلاحيته للاستغناء به عن الموصوف، كما تنوسي الأصل في الحال، كذلك تنوسي في التمييز.
الرابع: أنه لو صحّ اعتبار الأصالة في عمدة جعلت فضلة لصحّ اعتبارها في فضلة جعلت عمدة، فكأنه يجوز للنائب عن الفاعل من التقديم على رافعه ما كان يجوز له قبل النيابة، والأمر بخلاف ذلك؛ لأنّ حكم النائب فيه حكم المنوب عنه، ولا يعتبر حاله التي انتقل عنها، فكذلك لا تعتبر الحال التي انتقل عنها التمييز المذكور.
- - اللغة: الضارع: الذليل.
اليائس: من ضاق بالناس والحياة.
والمعنى: أنه لا يكون ذليلا أبدا ولا يائسا من الفرج.
وشاهده: كالذي قبله من تقدم التمييز على عامله في قوله: إذا ذرعا أضيق، وقيل: ذرعا معمول لعامل محذوف داخلة إذا عليه فسره المذكور.
والبيت في ابن الناظم (ص 139)، والعيني (3/ 233)، وشرح الكافية الشافية (2/ 777).

الحديث: 1916 - الجزء: 5 - الصفحة: 2392

................................  الخامس: أنّ منع تقديم التمييز المذكور عند من منعه مرتب على كونه فاعلا في الأصل، وذلك إنّما هو في بعض الصور، وفي غيرها هو بخلاف ذلك، نحو: «امتلأ الكوز ماء» وفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً 164 وفي هذا دلالة على ضعف علة المنع لقصورها عن عموم جميع الصور.
السادس: أن اعتبار أصالة الفاعلية في منع التقديم على العامل متروك في نحو: «أعطيت زيدا درهما» فإنّ (زيدا) في الأصل فاعل، وبعد جعله مفعولا لم يعتبر ما كان له من منع التقديم، بل أجيز فيه ما يجوز في ما لا فاعلية له في الأصل فكذا ينبغي أن يفعل بالتمييز المذكور.
فثبت بما بينته أن تقديم التمييز على عامله إذا كان فعلا متصرفا جائز وإن كان سيبويه لم يجزه.
وحكى ابن كيسان أنّ الكسائي أجاز «نفسه طاب زيد» وأنّ الفراء منع ذلك 165. فإن كان عامل التمييز غير فعل، أو فعلا غير متصرف لم يجز التقديم بإجماع، فإن استجيز في ضرورة عدّ نادرا كقول الراجز: 1917 - ونارنا لم ير نارا مثلها... قد علمت ذاك معدّ كلّها 166 أراد: لم ير مثلها نارا، فنصب نارا بعد «مثل» بمثل، كما نصبوا «زبدا» في قولهم: «على التمرة مثلها زبدا» ثم قدّم «نارا» على «مثل» مع كونه عاملا لا يتصرف، ولولا الضرورة لم يستبح.
انتهى كلام المصنف 167. وقد تقدم في أول الفصل عن ابن عصفور: أن مذهب المحققين أنّ العامل في [3/ 101] المميز الذي ينتصب عن تمام الكلام هو الجملة التي انتصب عن تمامها، وأنّه مختاره، وتقدّم ذكر استدلاله ومنازعة الشيخ له في الدليل الذي أورده، وعلى -

الحديث: 1917 - الجزء: 5 - الصفحة: 2393

................................  هذا بنى ابن عصفور منع تقديم المميز على الجملة. وأما المصنف: فالعامل عنده في المميز المذكور إنّما هو الفعل، وإنما لم يعد من العوامل ما حمل على الفعل في العمل من مصدر أو صفة أو اسم فعل؛ لأنّ مميز الجملة عنده منحصر في ما كان بعد جملة فعلية كما علمت، وقد تبيّن أنّ الأمر بخلاف ذلك، وأنّ المصدر والوصف واسم الفعل كالفعل في العمل في التمييز، وإذا كان كذلك وكان العامل في التمييز وصفا مشاركا للفعل المتصرف في الاشتقاق من المصدر، فالذي يجيز التقديم على العامل إذا كان فعلا متصرفا يلزمه أن يجيز التقديم على الوصف، وذلك نحو: «زيد نفسا طيّب، وعمرو غضبا ممتلئ». نعم إذا كان الوصف أفعل التفضيل لا يجوز التقديم عليه، فلا يقال: «زيد وجها أحسن منك»؛ لأنّ أفعل التفضيل ليس كامل الشبه بالفعل المتصرف فانحطت رتبته عن اسم الفاعل، وأمّا المنصوب في نحو: «زيد حسن وجها» فينبغي أن يقال فيه: إن كان نصب «وجها» على التشبيه بالمفعول به امتنع تقديمه على العامل؛ لأنّ معمول الصفة المشبهة لا يتقدّم عليها، وإن كان نصبه على التمييز جاز تقديمه عليه، لأنّه مميز نسبة والصفة العاملة فيه متصرفة، وليست مشبهة الآن فلا يمتنع التقديم عليها، وعبارة المصنف تقتضي منع التقديم على الوصف مطلقا لقوله: ويمتنع إن لم يكنه بإجماع يعني إن لم يكن العامل فعلا متصرفا. ثم اعلم أنّ في عبارة المصنف حيث قال: ولا يمتنع تقديم التّمييز على عامله إشعارا بأنّ الخلاف في جواز التقديم إنما هو حيث يتقدم على العامل، فعلى هذا إذا توسط بين العامل والمعمول ينبغي ألّا يجيء هذا الخلاف نحو: «طاب نفسا زيد، وكرم أصلا عمرو، وحسن وجها عمر». قال الشيخ 168: ولا نعلم خلافا في جواز ذلك، قال زفر بن الحارث 169: 1918 - فلو نبش المقابر عن عمير... فيخبر عن بلاء أبي هذيل نطاعن عنهم الأقران حتّى... جرى منهم دما مرج الكحيل 170

الحديث: 1918 - الجزء: 5 - الصفحة: 2394

................................  وقال ابن الضائع: تقول: «تفقّأ شحما زيد، وحسن وجها عبد الله» وهو متفق عليه.
وكذا يكون ما حكى المصنف، أعني أنه إذا توسط التمييز بينه وبين معموله كان جائزا بلا خلاف، نحو: «أطيّب نفسا زيد، وما حسن وجها عمرو» 171. وإذ قد عرف هذا فاعلم أنّ الشيخ وافق المصنف في اختيار جواز تقديم المميز على عامله المنصرف، فقال: وهو الصحيح لكثرة ما ورد من الشواهد على ذلك، وقياسا على سائر الفضلات.
قال: وسيبويه لم ينقل المنع عن العرب، إنّما ذلك من رأيه، ولو اطلع على ما قالته العرب لاتبعه، لكنه لم يطلع، وقد جاء منه جملة تبنى القواعد الكلية على مثلها، والحقّ أحقّ أن يتبع.
ثم إنه ناقش المصنف في أمور 172: أحدها: أنّ كلامه يقتضي جواز تقديم التمييز على عامله مطلقا إذا كان الفعل متصرفا، وليس كذلك؛ لأنّ التمييز غير المنقول لا يجوز تقديمه على العامل بإجماع، وإن كان فعلا متصرفا، نحو: «كفى بزيد ناصرا» والمصنف قد عدّه في مميّز الجملة.
ثانيها: ما ذكره عن ابن كيسان أنه حكى عن الكسائي إجازة «نفسه طاب زيد» وكونه جعل هذا النقل دليلا على إجازة تقديم التمييز على عامله، فقال: ليس مذهب الكسائي في «طاب زيد نفسه ووجع زيد بطنه، وألم بكر ظهره» أنه تمييز، بل مذهبه في ذلك أنه مشبه بالمفعول به، ولذلك خالفه الفراء في ذلك، فالفراء يعتقد أنه تمييز، ولذا منع من تقديمه على الفعل، والكسائي أجازه لاعتقاده أنه مشبّه بالمفعول، وحكى عن العرب: «من المسفوه رأيه، ومن الموجوع بطنه، وخذه - - ولما أن نعى الناعي عميرا... حسبت سماءهم دهيت بليل والمعنى: يقول الشاعر إنه لو بعث عمير بن الحباب وسئل عن بطولتي لأخبر بذلك حيث قتلته شر قتلة.
وشاهده: توسط التمييز بين عامله الفعل ومميزه وهو جائز.
والشاهد في المقرب (1/ 165)، والتذييل والتكميل (1/ 112).

الجزء: 5 - الصفحة: 2395

................................  مطيوبة به نفس.
قال: وقد بيّنّا وهم المصنف على الكسائي في أنه يجيز بناء الفعل الذي لم يسم فاعله للتمييز في باب النائب عن الفاعل في قوله: ولا مميّز خلافا للكسائي.
قال: ووافق البصريون الكسائي في جواز التقديم في «رأسه وجع زيد، ورأيه سفه عمرو» وذلك لاعتقادهم أنه غير تمييز.
ثالثها: في قوله: إن أصالة فاعلية التمييز كأصالة فاعلية الحال؛ فقال: لا أعلم أحدا ذهب إلى أنّ الحال أصلها أن تكون فاعلة ولا أنها منقولة من الفاعل غير هذا الرجل.
والجواب عن هذه المناقشة: أنّ المصنف لم يدّع أنّ الحال أصلها أن تكون فاعلة على الإطلاق، بل في نحو: «جاء راكبا رجل» وقد قرر المصنف فاعليته بالطريق التي ذكرها، وهي لطيفة.
رابعها: في قوله: إن اعتبار أصالة الفاعلية في منع التقديم على العامل متروك في نحو: «أعطيت زيدا درهما»... إلى آخره، فقال: ليس فاعلية (زيد) في «أعطيت زيدا درهما» لـ (أعطيت) إنّما كانت لـ (عطا، يعطو) بمعنى: تناول، وفاعلية (نفس) في «طاب زيد نفسا» كانت لـ (طاب نفسه) وفرق بين ما يصحّ إسناده إلى الفعل من غير تغيير للفعل، وبين ما لا يصح إسناده إليه، وحاصله أنّ فاعلية (زيد) في «أعطيت زيدا» قد أميتت، وجيء بصيغة لا تقبل الفاعلية التي كانت، وأما فاعلية التمييز فإنّ الفعل يقبلها، فلا يشبه «طاب زيد نفسا» [3/ 102] «أعطيت زيدا درهما».
خامسها: في قوله: ويمنع إن لم يكنه بإجماع وفي قوله في الشرح: أجمع النحويون على منع تقديم المميّز على عامله إذا لم يكن فعلا متصرفا.
فقال: في بعض صور التمييز عن تمام الاسم خلاف بين النحويين وذلك إذا انتصب التمييز بعد اسم شبّه به الأول، نحو: «زيد القمر حسنا، وثوبك السّلق خضرة» فيجوز عند الفراء «زيد حسنا القمر، وثوبك خضرة السّلق» وذلك على أن يكون (زيد)، و (ثوبك) هما المبتدآن، و (القمر) و (السّلق) هما الخبران، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2396

................................  فإن عكست لم يجز التقديم؛ لأنّ صلة الاسم لا تتقدم عليه، والخبر مبني على التصرف، فلو قلت: «مررت بعبد الله القمر حسنا» لم يجز تقديم (حسنا) على (القمر)؛ لأن (القمر) ليس بخبر، قال: فهذا نوع من التمييز المنتصب عن تمام الاسم ووقع فيه الخلاف؛ إذ العامل فيه هو القمر والسّلق لقيامهما قيام (مثل) المحذوفة التي ينتصب عنها التمييز في قولنا: «زيد مثل زهير شعرا» وقد ارتكب مذهب الفراء في هذه المسألة الخالديان 173 في أبيات يمدحان بها سيف الدولة 174 وكان قد أهدى إليهما هدية فيها وصيف ووصيفة، فقال: 1919 - رشأ أتانا وهو حسنا يوسف... وغزالة هي بهجة بلقيس 175 ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأن المصنف يرى أن (شعرا) في نحو: «زيد زهير شعرا» منصوب على الحال، لا على التمييز وقد تقدم ذلك في باب الحال، لكن النصب على التمييز أظهر.
واعلم أنهم قد أخرجوا هذا البيت أعني قوله: 1920 - ونارنا لم ير نارا مثلها عن أن يكون ضرورة، بأن جعلوا (لم ير) فيه علمية، و (مثلها) المفعول الأول، و (نارا) المفعول الثاني، أي: لم يعلم مثلها نارا، وقد توهم ابن عصفور وابن الضائع أنّ هذا من توسط التمييز بين الفاعل العامل فيه ومعموله، نحو: طاب نفسا زيد» وليس الأمر كما توهماه؛ لأن التمييز المذكور ليس منتصبا عن تمام الكلام، إنما هو منتصب عن تمام الاسم بالإضافة والمميّز هو (مثل) نفسه وليس نسبة مجهولة تحتاج -

الحديث: 1919 - الجزء: 5 - الصفحة: 2397

................................  إلى تمييز وقد ختم الشيخ الباب بمسألة وهي أنّ التمييز يجوز حذفه إذا قصد إبقاء الإبهام، أو كان في الكلام ما يدل عليه ويجوز أن يبدل كقوله تعالى: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ 176، واثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً 177. [قيل: ويكون في المعطوف عليه نحو: «ثلاثة وعشرون درهما» ونحوه، الأصل: ثلاثة دراهم، لكنهم تركوه تشبيها بخمسة عشر، لدلالة ما بعده عليه.
ولا يجوز حذف المميّز؛ لأنه يزيل دلالة الإبهام، إلّا أن يوضع غيره موضعه، كقولهم: «ما رأيت كاليوم رجلا» وقد يحذف من غير بدل كقولهم: «تالله] رجلا» أي: تالله ما رأيت كاليوم رجلا.

الجزء: 5 - الصفحة: 2398

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل