تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبر

1 [سردها وشروط عملها]

قال ابن مالك: (فبلا شرط: كان وأضحى وأصبح وأمسى وظلّ وبات وصار وليس، وصلة لما الظّرفيّة: دام، ومنفيّة بثابت النّفي مذكور غالبا متّصل لفظا أو تقديرا أو مطلق النّفي: زال ماضي يزال وانفكّ وبرح وفتئ وفتأ وأفتأ وونى ورام مرادفتاها).
قال ناظر الجيش: هذا شروع منه في أبواب نواسخ الابتداء أي نواسخ عمله وهي ثلاثة: باب كان وأخواتها ويتبعه ما جرى مجراها من أفعال المقاربة، وما جرى مجرى ليس وهو ما ولا ولات وإنّ.
وباب إنّ وأخواتها ويتبعه ما جرى مجرى إنّ وهو لا التي لنفي الجنس.
وباب ظننت وأخواتها ويتبعه ما جرى مجراها وهو قال على لغة من ينصب بها الجزأين.
وللأئمة سؤال هاهنا وهو أن يقال: إن شأن العوامل أن تحدث العمل في المفردات السالم أواخرها من الحركات نحو زيد وعمرو وما أشبههما وليس للعوامل تأثير في الجمل فكيف نسخت هذه الأفعال حكم الابتداء أو المبتدأ فأزالت عملهما 2 والجملة ليست محلّا لتأثير العوامل؟ ويجيبون عن ذلك: بأن كان وأخواتها لها شبه بالفعل المتعدي لواحد كضرب ووجه الشبه الذي ذكروه يحتاج إلى تقدير وهو أن الأفعال المذكورة في هذا الباب المقصود من وضعها الدلالة على تلبس الفاعل الذي أسندت هي إليه بصفة وتلك الصفة مقيدة بمعنى الفعل المسند من إثبات أو نفي أو صيرورة أو تقييد بزمان مخصوص ونحو ذلك.
فمعنى قولنا: أمسى زيد مسافرا أن زيدا متلبس بالسفر في وقت المساء ومن ثمّ -

الجزء: 3 - الصفحة: 1067

................................  كان ذكر الخبر لازما؛ لأنه هو المقصود.
ووجب رسم الأفعال المذكورة بالنقص فسميت ناقصة من حيث أنها لم تكتف بمرفوعها إذ ليس المقصود من قولنا كان زيد ذاهبا، وأمسى زيد مسافرا نسبة الفعل إلى الفاعل لا باعتبار شيء آخر كما هو المقصود من الأفعال التامة إذا أسندت إلى فاعليها نحو: ضرب، بل المقصود نسبتها إلى الفاعل باعتبار صفة اتصف بها وثبتت له مقيدة بمعنى ذلك الفعل 3 فبمقتضى هذا التقرير صار كل من هذه الأفعال من حيث إنه يستدعي صفة وصاحبها يشبه الفعل التام المتعدي إلى واحد لاستدعائه شيئين كضرب، والفعل المتعدي إلى واحد يرفع الفاعل وينصب المفعول فكانت هذه الأفعال الناقصة كذلك ترفع المبتدأ تشبيها بالفاعل وتنصب الخبر تشبيها بالمفعول.
وحينئذ يقال: إنما عملت كان وأخواتها في الاسمين بعدها تشبيها بضرب [2/ 3] مثلا، فلذلك أثرت في أجزاء الجملة.
وإذا تقرر هذا في كان وأخواتها فنقول: ستعرف في باب إن وأخواتها أن عملها إنما هو لشبهها بكان فهي إذن محمولة في العمل عليها 4 وستعرف في باب ظن أنها إنما عملت هي وأخواتها لشبهها بالأفعال الطالبة مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر كأعطيت.
فمن ثمّ ساغ تأثير إن وأخواتها وظننت وأخواتها في أجزاء الجملة 5. ثم اعلم أن المصنف أفاد بقوله في ترجمة الباب: بـ (الرّافعة النّاصبة) أن رفع -

الجزء: 3 - الصفحة: 1068

................................  المبتدأ منسوخ بهذه الأفعال وأنها هي الرافعة للاسم كما أنها الناصبة للخبر، وهذا هو المعروف والمشهور وهو الحق.
والمنقول على الكوفيين أنها إنما نصبت الخبر وأن المبتدأ باق على رفعه وليس هذا مما يعول عليه 6 ولا يشتغل به لأن الضمائر تتصل بها والضمير لا يتصل بغير عامل ولأنه لا أثر للعامل المعنوي مع وجود العامل اللفظي.
وقال الفراء: إن الاسم يرتفع لشبهه بالفاعل.
وأما المنصوب فالجمهور على أنه خبر مشبه بالمفعول كما أن المرفوع اسم مشبه بالفاعل وعن الفراء أنه نصب تشبيها بالحال 7. وقال بعض الكوفيين: إن انتصابه على الحال ولا يخفى ضعف هذه الأقوال 8 والاشتغال بها استدلالا وإبطالا فيه إطالة مع قلة الجدوى.
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى افتتح الكلام في هذا الباب بأن قال 9: «شرط الفعل المنسوب إلى هذا الباب أن يدخل على جزأي إسناد مباين ثانيهما للحالية بتمحّض تعريف أو بتحمض جمود أو بعدم الاستغناء عنه دون عارض 10 كقولك صار الذي آمن أخانا بعد أن كان عدونا وكان مالك فضة فصار ذهبا، ففي منصوب كان وصار من مباينة الحال ما ذكرته فمن ألحق بها فعلا لا يساويها في هذا الاعتبار 11 فهو محجوج وسيأتي القول في ذلك مبسوطا إن شاء الله تعالى».
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1069

................................  ولأفعال هذا الباب انقسامات بنسب مختلفة: فأول انقساماتها إلى ما يعمل بلا شرط أي موجب وغير موجب وصلة وغير صلة 12 وهو الثمانية الأول.
وإلى ما يعمل بشرط كونه صلة لما الظرفية أي المصدرية التي يقصد بها وبصلتها التوقيت وهو دام كقولك لا تجامل ما دام الله ملجأك.
قال الله تعالى: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا 13. التقدير مدة دوامي حيّا فلو خلت دام من ما المصدرية لم يكن لها اسم ولا خبر، فلو وقع بعدها مرفوع ومنصوب جعل المرفوع فاعلا والمنصوب حالا نحو دام زيد صحيحا 14 وكذا لو كان معها ما المصدرية ولم تكن في موضع ظرف زمان نحو عجبت مما دام زيد صحيحا فزيد فاعل وصحيحا حال ولهذا لا يجوز تعريفه.
وقد تستعمل دام بعد ما المصدرية النائبة عن ظرف الزمان تامة تشبيها ببقى فلا يكون لها خبر كقوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ 15. وإلى ما يعمل بشرط كونه منفيّا أو منهيّا عنه: وهي أربعة أفعال مشهورة ملحق [2/ 4] بها اثنان، فالأربعة: زال، وانفك، وبرح، وفتئ وقد يقال فقأ وأفقأ.
والملحقات بها: وني ورام التي مضارعها يريم.
ومعنى الستة إذا بقيت داخلة على الجملة الإعلام بلزوم مضمون الجملة في المعنى أو في الاستقبال نحو ما زال العلم حسنا ولن يزال الجهل قبيحا.
وقد تناول قولي: منفيّة 16 المنفي بليس كقول الشاعر: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1070

................................  670 - ليس ينفكّ ذا غنى واعتزاز... كلّ ذي علّة مقلّ قنوع 17 والمنفي بغير كقول الشاعر: 671 - غير منفكّ أسير هوى... كلّ وان ليس يعتبر 18 وكقول الآخر: 672 - إن امرءا غير منفكّ معين حجا... على هوى فاتح للمجد أبوابا 19 والمنفي بقلّ نحو قلما يزال عبد الله يذكرك لأن قلما يزال بمعنى ما يزال. وقال الشاعر: 673 - قلّما يبرح اللّبيب إلى ما... يورث المجد داعيا أو مجيبا 20

الحديث: 670 - الجزء: 3 - الصفحة: 1071

................................  ودخل تحت «منفية» قول العرب: «لا ينشأ أحد ببلد فيزال يذكره» لأن معناه إذا أنشأ أحد ببلد لا يزال يذكره.
ذكر ذلك كله الفراء في كتاب الحدود 21 ومن أمثلته: ما يعترينا أحد فنزال نعينه، وقال: ألا ترى أن المعنى إذا اعترانا أحد لم نزل نعينه.
وقيدت زال بكون مضارعها يزال احترازا من زال بمعنى تحول فمضارعه يزول وهو فعل لازم واحترازا من زال الشيء بمعنى عزله فمضارعه يزيل.
وقيدت وني ورام الملحقين بهن بمرادفتهما لهن احترازا من ونى بمعنى فتر ومن رام بمعنى حاول وبمعنى تحول ومضارعها التي بمعنى حاول يروم ومضارع التي بمعنى تحول يريم وهكذا مضارع المرادفة زال.
وهي ووني بمعنى زال غريبتان ولا يكاد النحويون يعرفونها إلا من عني باستقراء الغريب 22. ومن شواهد استعمالهما قول الشاعر: 674 - لا يني الخبّ شيمة الخبّ ما دا... م فلا تحسبنّه ذا ارعواء 23

    • والبيت في معجم الشواهد (ص 32).

الحديث: 674 - الجزء: 3 - الصفحة: 1072

................................  وقال الآخر في إعمال يريم العمل المشار إليه: 675 - إذا رمت ممن لا يريم متيّما... سلوّا فقد أبعدت في رومك المرمى 24 وأشرت بقولي فيها وفي أخواتها: منفية بثابت النّفي إلى أن نحو: ألست تزال تفعل وألم تزل تفعل لا يجوز إن قصد بالهمزة التقرير لأن التقرير إثبات ويجوز إن أريد مجرد الاستفهام عن النفي.
وأشرت بقولي: مذكور غالبا إلى أن نافيها قد يحذف؛ كقوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ 25 أي لا تفتأ تذكر يوسف.
ومن حذف نافيها قول الشاعر: 676 - تنفكّ تسمع ما حيي... ت بهالك حتّى تكونه 26 أي لا تنفك.
ومنه قول امرأة من العرب: 677 - تزال حبالي مبرمات أعدّها... لها ما مشى يوما على خفّه الجمل 27

    • الشاهد فيه قوله: لا يني الخب شيمة الخب حيث استعمل لا يني استعمال لا يزال في المعنى والعمل.
      والبيت في شرح التسهيل (1/ 334) وهو في التذييل والتكميل (4/ 125). وفي معجم الشواهد (ص 25).

الحديث: 675 - الجزء: 3 - الصفحة: 1073

................................  أي لا تزال.
وأشرت أيضا بقولي: متّصل، إلى أن النافي قد يوجد منفصلا كقول الشاعر: 678 - ما خلتني زلت بعدكم ضمنا... أشكو إليكم حموّة الألم 28 أراد خلتني ما زلت بعدكم.
وخلت هنا بمعنى أيقنت وهو أيضا غريب.
ومن الفصل بين النافي والمنفي في هذا الباب قول الآخر [2/ 5]: 679 - ولا أراها تزال ظالمة... تحدث لي قرحة وتنكؤها 29

    • والبيت ثاني أبيات ثلاثة قالتها عند ما لامت زوجها على كرمه حين قال لها: «عليّ إعطاء الجمال وعليك إعداد الحبال لها» ثمّ ثابت إلى رشدها ووافقته على الكرم إلى أن خلعت خمارها وجعلته حبلا لبعضها وقالت: حلفت يمينا يابن قحفان بالّذي... تكفّل بالأرزاق في السّهل والجبل تزال حبالي مبرمات أعدّها......... إلخ وبعده: فأعط ولا تبخل إذا جاء سائل... فعندي لها عقل وقد زالت العلل وقد روي البيت بتنكير حبالي وجعل مبرمات صفة لها وجملة أعدها هي الخبر وجاءت في المخطوطة بالإضافة إلى ياء المتكلم وعليه فمبرمات هي الخبر وجملة أعدها حال.
      والبيت في شرح التسهيل (1/ 335) وفي التذييل والتكميل (4/ 120) وفي معجم الشواهد (ص 259).

الحديث: 678 - الجزء: 3 - الصفحة: 1074

................................  أراد: وأراها لا تزال.
قال الفراء في كتاب الحدود: يجوز أن يقوّم نفي زال على ظنّ وأخواتها، فيقال: لا أظنك تزال تقول ذلك.
قال: وكذلك ما أظنك تبالي بشدة معناه أظنك ما تبالي.
قلت: فالنفي المفصول بـ «ظنّ» وإحدى أخواتها متصل تقديرا وكذا المفصول بما الفعل ومعمولاه خبر كقولك: ما عبد الله زال محسنا؛ لأن المعنى: عبد الله ما زال محسنا فالنفي متصل بزال تقديرا.
وكذا المنفصل بقسم كقوله: 680 - فلا وأبي دهماء زالت عزيزة... على أهلها ما فتّل الزّند قادح 30

    • وانظرها أيضا أو جزءا كبيرا منها في شرح شواهد المغني للسيوطي (2/ 826). اللغة: القرحة: الجرح وروي مكانها: نكبة.
      تنكؤها: في القاموس (نكأ) نكأ القرحة قشرها قبل أن تبرأ فنديت.
      والمعنى: أن حبيبته المذكورة لا تعطيه ما يريد بل تزيد في هجرانها وتشتد في جفائها وقد تعطي وعدا ولكنها لا تفي به.
      وشاهده: الفصل بين لا النافية وتزال أخت كان في قوله: ولا أراها تزال، وقيل: لا فصل، وإنما هناك لا مقدرة قبل الفعل ولا الأولى زائدة.
      والبيت في شرح التسهيل (1/ 335). وفي التذييل والتكميل (4/ 121) وفي معجم الشواهد (ص 22).

الحديث: 680 - الجزء: 3 - الصفحة: 1075

................................  وأشرت بقولي: أو مطلق النّفي إلى وقوعها مع نهي أو دعاء: فالنهي كقول الشاعر: 681 - صاح شمّر ولا تزل ذاكر المو... ت فنسيانه ضلال مبين 31 والدعاء كقول الآخر: 682 - ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلا... ولا زال منهلّا بجزعائك القطر 32 وأنشد الفراء 33: 683 - لن يزالوا كذالكم ثمّ لا زل... ت لهم خالدا خلود الجبال 34 ... هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى 35. -

الحديث: 681 - الجزء: 3 - الصفحة: 1076

................................  ونحن بعد هذا نشير إلى أمور: الأول 36: ذكر المصنف من الأفعال المنسوبة إلى هذا الباب خمسة عشر فعلا وسيذكر عشرة أفعال أخر معناها معنى صار فيكون المجموع خمسا وعشرين كلمة.
وبقيت أفعال أخر فيها خلاف.
منهم من ألحقها بأفعال هذا الباب ومنهم من لم يلحقها وهو اختيار المصنف وسنذكر ذلك كله بعد إن شاء الله تعالى.
إلا أن وني منهم من لم يجعلها من أفعال الباب.
قال ابن عصفور: «وزاد بعض البغداديين في هذا الباب ما وني لأنّ معناها معنى ما زال وهذا لا يلزم لأنّ الفعل قد يكون بمعنى فعل آخر ولا يكون حكمه كحكمه.
ألا ترى أن ظلّ زيد قائما معناه: أقام زيد قائما النّهار كلّه ولم تجعل العرب لأقام اسما ولا خبرا كما فعلت ذلك في ظلّ ويدل أيضا على أنها ليست من أفعال هذا الباب التزام تنكير الخبر فدلّ على أنه منتصب على الحال» انتهى 37. والبيت الذي أنشده المصنف وهو: 684 - لا يني الخب شيمة الخب... فيه تعريف الخبر لكن الشيخ قال: «الّذي يظهر أن شيمة الخبّ منصوب على إسقاط حرف الجرّ لا على أنّه خبر، التقدير لا يني الخبّ شيمة الخبّ وطبيعته أي لا يفتر عن التّحلّي بها» انتهى 38. فجعلها الشيخ فعلا تامّا ولهذا فسرها بلا يفتر ومعنى البيت ينبو عن تخريج الشيخ فالظاهر ما قاله المصنف 39. -

الحديث: 684 - الجزء: 3 - الصفحة: 1077

................................  ثم إن الشيخ كأنه لا يرى عد رام من أفعال هذا الباب أيضا فإنه قال: وأما ما استدل به يعني المصنف على أن رام ناقصة من قول الشاعر: 685 - إذا رمت ممّن لا يريم متيّما...... البيت فلا حجة فيه لتنكير متيما واحتمال أن يكون حالا 40. [2/ 6] الأمر الثاني: أن الكلمات المذكورة في هذا الباب مما نسب إليه العمل المذكور أفعال بلا خلاف إلا ليس فإن فيها خلافا؛ منهم من قال بحرفيتها مستدلّا على ذلك بأنها لا مصدر لها ولا تتصرف وأنها ليست على وزن الأفعال ولا دليل لهم في ذلك فإن كثيرا من الأفعال لا يتصرف، وقد وجد منها ما لا مصدر له كفعل التعجب.
وأما كونها ليست على وزن الفعل فالجواب عنه أنها مخففة وأن الأصل فعل كصيد وفعل مخفف كما عرفت في موضعه ولكنهم التزموا هذا التخفيف فيها لنقل الكسرة في الياء.
والدليل على فعليتها اتصال ضمائر الرفع البارزة بها واتصال تاء التأنيث أيضا 41. الأمر الثالث: أن أفعال هذا الباب منها ما لازمه النقص وهو قليل.
وأكثرها قد يستعمل تامّا وحينئذ يصير حكمها في العمل حكم ما هي بمعناه.
وسيذكر المصنف معاني كل فعل إذا أريد به التمام 42. أما معانيها حال استعمالها ناقصة: فلم يتعرض إلى ذكره المصنف ولكن النحاة تعرضوا لذلك وها أنا أذكر ما ذكروه لتتبين دلالة كل منها: - - من مرفوع يني، ومن شيمة الخب كلام لا يقال المخادع شيمة المخادع، ولكن المصنف بنى استدلاله على أن الخب الأولى بكسر الخاء والثانية بفتحها فيكون المعنى: لا يزال الخداع والخبث شيمة المخادع فيستقيم استدلاله ولا يتوجه ما قاله الشيخ».

الحديث: 685 - الجزء: 3 - الصفحة: 1078

[المبتدآت والأخبار التي لا تدخل عليها]

قال ابن مالك: (وكلّها تدخل على المبتدأ إن لم يخبر عنه بجملة طلبيّة ولم يلزم التّصدير أو الحذف أو عدم التّصرّف أو الابتدائية لنفسه أو مصحوب لفظيّ أو معنويّ وندر: وكوني بالمكارم ذكّريني).
أما كان: فتغير الدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزمان (الماضي) 43 هذا إن لم تكن بمعنى صار وإن كانت بمعنى صار فتفيد ما تفيده صار وسيأتي 44. وأما أصبح وأمسى وأضحى: فهي للدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزمان الذي يشاركها في الحروف وإن كانت بمعنى صار فمعناها معناها.
وأما ظل: فللدلالة على مصاحبة الصفة للموصوف نهاره كما أن بات لمصاحبته إياه ليله وإن كانت بمعنى صار فمعناهما معناها.
وأما صار: فللدلالة على تحول الموصوف عن صفته التي كان عليها إلى صفة أخرى.
وأما ليس: فلانتفاء الصفة عن الموصوف.
وأما ما دام: فللدلالة على مقارنة الصفة للموصوف في الحال.
وأما ما زال وأخواتها: فللدلالة على ملازمة الصفة للموصوف مذ كان قابلا لها على حسب ما قبله.
وقد قال المصنف: إن معناها الإعلام بلزوم مضمون الجملة في المضي أو في الاستقبال 45. قال ناظر الجيش: قال المصنف 46: «جرت عادة النحويين بإطلاق القول في كون هذه الأفعال تدخل على المبتدأ فلا يبينون امتناع بعض المبتدآت من دخولها عليها وقد تعرض لذلك بعضهم دون حصر وقد بينت ما أغفلوه من ذلك فإن الحاجة داعية إلى معرفته.
فمن ذلك المبتدأ المخبر عنه بجملة طلبية نحو زيد اضربه وعمرو لا تصحبه وبشر -

الجزء: 3 - الصفحة: 1079

................................  هل أتاك لا تدخل عليه هذه الأفعال ولا غيرها من العوامل اللفظية وقول من قال: 686 - وكوني بالمكارم ذكّريني... [ودلّي دلّ ما جدة صناع] 47 نادر لأن الخبر فيه جملة طلبية.
ومن المبتدآت التي لا تدخل عليه هذه الأفعال: كل مبتدأ تضمن معنى الاستفهام أو الشرط فللمستحق لذلك أن يكون مصدرا نحو أي القوم أفضل وأيهم يأتي فله حق وكذا المبتدأ [2/ 7] المضاف إلى ما تضمن ذلك.
ومما يجب تصديره فيمتنع دخول هذه الأفعال عليه: المقرون بلام الابتداء لأن لها صدر الكلام فلا يعمل فيما اقترنت به غير الابتداء.
ومما لا يدخل عليه هذه الأفعال: ما لزم حذفه كالمبتدأ المنوي قبل النعت المقطوع كقولك الحمد لله الحميد بالرفع وقد تقدم الإعلام بما يحذف من المبتدآت على سبيل اللزوم.
ومما لا تدخل عليه هذه الأفعال: ما لا يتصرف نحو: طوبى للمؤمن وسلام عليك وويل للكافر، وما لزم الابتدائية لنفسه نحو: قولك: أن تفعل أقاموه مقام ينبغي لك أن تفعل فلم تدخل الأفعال عليه كما لا تدخل على ما أقيم مقامه وكذا قولهم أقل رجل يقول ذلك إلا زيد أقاموه مقام ما يقول ذلك الرجل إلا زيد فعاملوه معاملته في امتناع دخول الفعل عليه ومجيء إلا بعده.
ومما لزم الابتدائية لمصحوب لفظي المبتدأ الواقع بعد لولا الامتناعية والواقع بعد إذا المفاجأة.
ومما لزم الابتدائية لمصحوب معنوي: ما التعجبية وما بعد لله في التعجب نحو لله درك.
ومن اللازم الابتدائية لمصحوب معنوي: ما جرى مثلا نحو قولهم الكلاب على -

الحديث: 686 - الجزء: 3 - الصفحة: 1080

................................  البقر 48 والعاشية تهيج الآبية 49 والإيناس قبل الإبساس 50 فهذه وأمثالها من المبتدآت التي وردت أمثالا لا تفارقها الابتدائية لأن الأمثال لا تغير» انتهى 51. وقد نوقش 52 في تمثيله بقولهم: نولك أن تفعل لما لزم الابتدائية فقيل إنه لم يلزمها وقد استعمل اسما لكان.
قال النابغة: 687 - فلم يك نولكم أن تشقذوني... ودوني عازب وبلاد حجر 53 وأنشد الزمخشري في كتاب أساس البلاغة 54: 688 - أأن حنّ أجمال وفارق جيرة... عنيت بنا ما كان نولك تفعل 55 يريد أن تفعل فحذف أن وارتفع الفعل.
ونص ابن هشام على جواز دخول كان على نولك، قال: فيقال: ما كان نولك -

الحديث: 687 - الجزء: 3 - الصفحة: 1081

[عملها في الجملة الاسمية]

قال ابن مالك: (فترفعه ويسمّى اسما وفاعلا وتنصب خبره ويسمّى خبرا ومفعولا ويجوز تعدّده خلافا لابن درستويه).
أن تفعل أي ما كان الواجب أن تفعل 56. قال ناظر الجيش: قال المصنف 57: الشائع في عرف النحويين التعبير عن مرفوع هذا الباب ومنصوبه باسم وخبر وعبر سيبويه عنهما باسم الفاعل واسم المفعول فقال قاصدا هذا الباب 58: هذا باب الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول والمفعول فيه لشيء واحد.
وكذا فعل المبرد فإنه ذكر هذه الأفعال في بابها ثم قال 59: وهذه الأفعال صحيحة كضرب ولكننا أفردنا لها بابا إذ كان فاعلها ومفعولها يرجعان إلى معنى واحد 60. فأي التعبيرين استعمل النحوي أصاب لكن الاستعمال الأشهر أولى.
وإذا دخل شيء من هذه الأفعال على خبر متعدد نصب الجميع كما ينصب الخبر الذي لم يتعدد فيقال في هذا حلو [2/ 8] حامض كان هذا حلوا حامضا وذلك أن ارتفاع الخبرين فصاعدا أثبت فعامل كان وأخواتها أقوى منه ولذلك انتسخ عمله بعملها فكما جاز للعامل الأضعف أن يعمل في خبرين فصاعدا كذلك يجوز للعامل - - والبيت في التذييل والتكميل (4/ 128) وليس في معجم الشواهد.

الجزء: 3 - الصفحة: 1082

[ما تختص به دام وأفعال الاستمرار الماضية]

قال ابن مالك: (وتختصّ دام والمنفي بما بعدم الدّخول على ذي خبر مفرد طلبيّ) 61.

  • الأقوى بل هو بذلك أولى 62. وذهب ابن درستويه إلى منع تعدد الخبر في هذا الباب 63 لأنه شبيه بمفعول ما يتعدى إلى مفعول واحد فكما لا يتعدى 64 الفعل المتعدي إلى واحد إلى أكثر من واحد كذلك لا ينصب بأفعال هذه الباب الأخير واحد وهذا منع لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه 65. قال ناظر الجيش: لما أفهم قول المصنف المتقدم: وكلها تدخل على المبتدأ إن لم يخبر عنه بجملة طلبية أنه لا يمتنع دخولها على المبتدأ المخبر عنه بمفرد طلبي نحو أين كان زيد ومتى صار القتال وكيف كان لقاء عمرو، وكان بعض هذه الأفعال لا يجوز فيه ذلك إما لذاته وإما لأجل شيء باشره - أشار بهذا الكلام إلى ما يمتنع فيه ذلك وهو ما دام وما ينفى بما من بقية أفعال الباب، فلا يقال أين ما دام زيد ولا أين ما كان زيد ولا كيف ما أصبح عمرو ولا متى ما صار القتال والعلة في ذلك أن المفرد الطلبي إذا وقع خبرا وجب تقديمه وأنه ممتنع فيما ذكره.
    أما في ما دام فلأن ما في حيز الصلة لا يتقدم على الموصول وأما في ما نفي بما -

الجزء: 3 - الصفحة: 1083

[علة تسميتها أفعالا ناقصة]

قال ابن مالك: (وتسمّى نواقص لعدم اكتفائها بمرفوع لا لأنّها تدلّ على زمن دون حدث فالأصحّ دلالتها عليهما إلّا ليس).
فلأن ما النافية لها الصدر فيتدافع الأمر بينهما وبين المفرد الطلبي.
قال المصنف: «ولا يمتنع دخول غير دام ما لم ينف بما على ذي خبر مفرد طلبي نحو أين كان زيد وأين لم يزل زيد إذا أردت أنه في كل مكان وهذا ينبني على جواز تقديم الخبر.
وأما ما دام فلا يدخل على نحو: أين زيد؛ لأن خبرهما صلة وكذا زال وأخواتها إذا نفيت بما لا إذا نفيت بغيرها لأن ما وحدها لها صدر الكلام» انتهى.
وحاصل الأمر: أن ما دام يمتنع دخولها على ما خبره مفرد طلبي.
وأما غيرها فحكمه حكمها في ذلك إن نفيت بما وإن لم تنف بما بأن كانت غير منفية أو منفية بغير ما من أدوات النفي فلا يمتنع دخولها على المبتدأ الذي خبره كذلك نحو أين كان زيد وأين لم يكن زيد وأين لم يزل عمرو.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 66: «زعم جماعة منهم ابن جني 67 وابن برهان 68 والجرجاني 69 أن كان وأخواتها تدل على زمن وقوع الخبر ولا تدل على -

الجزء: 3 - الصفحة: 1084

................................  حدث ودعواهم باطلة من عشرة أوجه»: أحدها: «أن مدعي ذلك معترف بفعلية هذه العوامل والفعلية تستلزم الدلالة على الحدث والزمان معا إذ الدال على الحدث وحده مصدر والدال على الزمان وحده اسم زمان والعوامل المذكورة ليست مصادر ولا أسماء زمان فبطل كونها دالة على أحد [2/ 9] المعنيين دون الآخر.
الثاني: «أن مدعي ذلك معترف بأن الأصل في كل فعل الدلالة على المعنيين فحكمه على العوامل المذكورة بما زعم إخراج لها عن الأصل فلا يقبل إلا بدليل».
الثالث: «أن العوامل المذكورة لو كانت دلالتها مخصوصة بالزمان لجاز أن تنعقد جملة تامة من بعضها ومن اسم معنى كما تنعقد منه ومن اسم زمان وفي عدم جواز ذلك 70 دليل على بطلان دعواه».
الرابع 71: «أن الأفعال كلها إذا كانت على صيغة مختصة بزمان معين فلا يمتاز بعضها من بعض إلا بالحدث كقولنا: أهان وأكرم فإنهما متساويان بالنسبة إلى الزمان مفترقان بالنسبة إلى الحدث فإذا فرض زوال ما به الافتراق وبقاء ما به التساوي لزم أن لا يكون بين الأفعال المذكورة فرق ما دامت على صيغة واحدة».
«ولو كان الأمر كذلك لزم تناقض قول من قال أصبح زيد ظاعنا وأمسى مقيما لأنه على ذلك التقدير بمنزلة قوله زيد قبل وقتنا ظاعن مقيم وإنما يزول التناقض بمراعاة دلالة الفعلية على الإصباح والإمساء وذلك هو المطلوب».
الخامس: «أن من جملة العوامل المذكورة انفك ولا بد معها من ناف فلو كانت لا تدل على الحدث الذي هو الانفكاك بل على زمن الخبر لزم أن يكون معنى قولنا ما انفك زيد غنيّا ما زيد غنيّا في وقت من الأوقات الماضية وذلك نقيض المراد فوجب بطلان ما أفضى إليه».
السادس 72: «أن من جملة العوامل المذكورة: دام ومن شرط إعمالها عمل - - الدلالة على الحدث عوضت الخبر فلم يسكت على فاعليها لو قلت: كان زيد لم يجز حتّى تأتي بالخبر فتقول منطلقا أو قائما وكذا تقول: يكون زيد منطلقا وسيكون زيد منطلقا لأن كان ويكون يدلّ على الزمان فقط، فلا تحصل الفائدة إلّا بعد الإتيان بالخبر.

الجزء: 3 - الصفحة: 1085

................................  كان كونها صلة لما المصدرية ومن لوازم ذلك صحة تقدير المصدر في موضعها كقولك جد ما دمت واجدا أي جد مدة دوامك واجدا فلو كانت دام مجردة عن الحدث لم يقم مقامها اسم الحدث».
السابع: «أن هذه الأفعال لو لم يكن لها مصادر لم تدخل عليها أن كقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ 73 لأن أن هذه وما وصلت به في تأويل مصدر وقد جاء مصدرها صريحا في قول الشاعر: 689 - ببذل وحلم ساد في قومه الفتى... وكونك إيّاه عليك يسير 74 وقد حكى أبو زيد في كتاب الهمز مصدر فتئ مستعملا 75 وحكى غيره ظللت أفعل كذا ظلولا 76 وجاءوا بمصدر كاد في قولهم: لا أفعل ذلك ولا كيدا أي ولا أكاد كيدا 77 وكاد فعل ناقص من باب كان إلا أنها أضعف من كان إذ لا يستعمل لها اسم فاعل واسم فاعل كان مستعمل ولا يستعمل فيها أمر والأمر من كان مستعمل، وإذا لم يمتنع استعمال مصدر كاد وهي أضعف من كان فأن لا يمتنع استعمال مصدر كان أحق وأولى 78. -

الحديث: 689 - الجزء: 3 - الصفحة: 1086

................................  الثامن: أن هذه الأفعال لو كانت لمجرد الزمان لم يغن عنها اسم الفاعل [2/ 10] كما جاء في الحديث: «إنّ هذا القرآن كائن لكم أجرا وكائن عليكم وزرا» 79. وقال سيبويه 80: قال الخليل: هو كائن أخيك على الاستخفاف والمعنى هو كائن أخاك».
هذا نصّه.
وقال الشاعر: 690 - وما كلّ من يبدي البشاشة كائنا... أخاك إذا لم تلفه لك منجدا 81 لأن اسم الفاعل لا دلالة فيه على الزمان بل هو دال على الحدث وما هو به قائم وما هو عنه صادر 82. ومثل ذلك قول الآخر: 691 - قضى الله يا أسماء أن لست زائلا... أحبّك حتّى يغمض العين مغمض 83

    • (التذييل والتكميل: 4/ 136).

الحديث: 690 - الجزء: 3 - الصفحة: 1087

................................  أراد أن لست أزال أحبك فأعمل اسم الفاعل عمل الفعل.
التاسع 84: «أن دلالة الفعل على الحدث أقوى من دلالته على الزمان لأن دلالته على الحدث لا تتغير بقرائن ودلالته على الزمان تغيير بالقرائن، فدلالته على الحدث أولى بالبقاء من دلالته على الزمان».
العاشر: «أن هذه الأفعال لو كانت مجردة عن الحدث مخلصة للزمان لم يبن لها أمر كقوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ 85 لأن الأمر لا يبني مما لا دلالة فيه على الحدث».
وما ذهبت إليه في هذه المسألة من كون هذه الأفعال دالة على مصادرها هو الظاهر من قول سيبويه 86 والمبرد 87 والسيرافي 88. -899091 - المتكلم والخبر جملة أحبك وهو موضع الشاهد.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 240) وفي التذييل والتكميل (4/ 137) وفي معجم الشواهد (ص 204). ترجمة الشاعر: هو الحسين بن مطير بن مكمل مولى بني أسد من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، فصيح متقدم في الرجز والقصيد يعد من فحول الشعراء مدح معن بن زائدة الشيباني بكثير من مدائحه كما رثاه بعد موته، ومما قاله فيه: فيا قبر معن كيف واريت جوده... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا انظر ترجمته في معجم الأدباء (10/ 167) وأخبارا كثيرة عنه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1088

................................  وأجاز السيرافي الجمع بين كان ومصدرها توكيدا ذكر ذلك في شرح الكتاب 92 وإذ قد ثبت بالدلائل المذكورة أن هذه الأفعال - غير ليس - دالة على الحدث والزمان كغيرها من الأفعال فليعلم أن سبب تسميتها نواقص إنما هو لعدم اكتفائها بمرفوع وإنما لم تكتف بمرفوع لأن حدثها مقصود إسناده إلى النسبة التي بين معموليها فمعنى قولك كان زيد عالما: وجد اتصاف زيد بالعلم والاقتصار على المرفوع غير واف بذلك فلهذا لم يستغن به عن الجزء الثاني وكان الفعل جديرا بأن ينسب إلى النقصان.
وقد أشار إلى هذا المعنى سيبويه بقوله 93: كان عبد الله أخاك فإنّما أردت أن تخبر عن الأخوة.
فبين أن كان مسندة إلى النسبة فمن ثم نشأ عدم الاكتفاء بالمرفوع» انتهى.
انتهى كلام المصنف 94 ولا يخفى وجه حسنه.
لكن قوله في الأفعال المذكورة أن حدثها مقصود إسناده إلى النسبة التي بين معموليها غير ظاهر؛ فإن الإسناد ظاهره إنما هو إلى الاسم الواقع بعدها لكنه إسناد إليه بقيد تلبسه بصفة كما تقدم تقريره ومن ثم كان الإخبار بالصفة هو المقصود.
وقول سيبويه في كان عبد الله أخاك إنما أردت أن تخبر عن الأخوة يحقق ذلك.
ثم اعلم أن من ذهب إلى أن هذه الأفعال سلبت الدلالة على الحدث وتجردت للدلالة على الزمان، قال: إنها لا يتعلق بها حرف جر، ولا عمل لها في ظرف الزمان ولا ظرف المكان، ومن ذهب إلى أنها لم تسلب الدلالة على الحدث أجاز لها العمل في ذلك كله [2/ 11] وهذا هو الصحيح ولذلك علق بعضهم المجرور في قوله تعالى: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً 95 بكان 96 وقد تقدم نقل المصنف عن السيرافي أنه - - (2/ 433): إذا قلت: ما كان أحسن زيدا، فلك في كان وجهان: أن تكون زائدة وتجعل فيها ضمير الكون من معنى كان ولك أن تجعل فيها ضمير ما وهو اسم لكان».

الجزء: 3 - الصفحة: 1089

الجزء: 3 - الصفحة: 1090

................................  نحو كان الله ولا شيء معه. وتارة يعبر عنه بحدث كقول القائل: 692 - إذا كان الشّتاء فأدفئوني... فإنّ الشّيخ يهدمه الشّتاء 100 وتارة يعبر عنه بحضر كقوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ 101 وتارة يعبر عنه بقدر أو وقع نحو: ما شاء الله كان. ولا يخفى لزوم كان في هذه المعاني الثلاثة 102. الثاني: أن يراد بها معنى كفل يقال كنت الصّبيّ أي كفلته ومصدرها كيانة. الثالث: أن يراد بها معنى غزل يقال كنت الصّوف أي غزلته حكى ذلك أبو محمد البطليوسي 103. وتتم توالي كان الثلاث: وهي أضحى وأصبح وأمسى بأن يراد بهن الدخول في الضحى والصباح والمساء كقول الله سبحانه وتعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ 104 ومنه قول الشاعر: 693 - ومن فعلاتي أنّني حسن القرى... إذا اللّيلة الشّهباء أضحى جليدها 105

الحديث: 692 - الجزء: 3 - الصفحة: 1091

................................  وتتم ظل بأن يراد بها معنى دام أو طال وذكر ابن عصفور أنها أيضا بمعنى الإقامة نهارا 106. [2/ 12] وتتم بات بأن يراد بها معنى عرّس، يقال بات بالقوم وبات القوم إذا نزل بهم ليلا.
قال المصنف: «فتستعمل متعدية بنفسها وبالباء».
وتتم صار بأن يراد بها معنى رجع فتتعدى بإلى قال: 694 - فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال 107 ومعنى ضم أو قطع فتتعدى بنفسها إلى مفعول واحد وذكر ابن عصفور أنها تكون بمعنى انتقل 108. وتتم دام بأن يراد بها معنى بقي كقوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ 109 أو معنى سكن، ومنه الحديث: «نهي عن أن يبال في الماء الدّائم» 110 أي الساكن.
وتتم برح بأن يراد بها معنى ذهب أو معنى ظهر وقد فسر قولهم برح الخفاء بالوجهين.
وتتم ونى بأن يراد بها معنى فتر وهو أشهر من استعمالها بمعنى زال الناقصة.
- - للضيف.
الليلة الشّهباء: المجدبة الباردة.
الجليد: ما يسقط من الندى فيجمد.
المعنى: يصف الشاعر نفسه بالكرم وأنه حسن القرى للأضياف في عزة الطعام واشتداد البرد.
والشاهد فيه: استعمال أضحى فعلا تامّا والمراد دخول الجليد وقت الضحى وبقاؤه بلا ذوبان وحينئذ فهي ليست في حاجة إلى خبر.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 342) وفي التذييل والتكميل (4/ 139) ومعجم الشواهد (ص 104).

الحديث: 694 - الجزء: 3 - الصفحة: 1092

................................  وتتم انفك بأن تكون مطاوع فك الخاتم وغيره فصله والأسير خلصه.
وتتم فتأ بأن يراد بها معنى سكن أو أطفأ.
قال الفراء 111: فتأته عن الأمر سكّنته والنّار أطفأتها.
انتهى 112. ولم يذكر المصنف في الشرح دام مع أنه قد ذكرها في الأصل وأنها تكون بمعنى ذهب أو فارق وذكر فتأ في المتن والشرح مع أنه قد استثناها أولا من الذي يستعمل تامّا كما استثنى ليس وزال.
ومن ثم قال الشيخ 113: «وهذا الذي ذكره المصنف من أن فتأ تكون تامة بمعنى سكن أو أطفأ وهم وتصحيف قال: نبه على ذلك الأمير العالم علاء الدين علي ابن الفارسي 114 وكشف مادة فتأ في الصّحاح وغيره فلم يجد أحدا منهم ذكر أن فتأ تكون تامة بمعنى سكن أو أطفأ، وإنما ذكر ذلك في مادة فثأ بالثاء المثلثة.
قال في الصحاح 115: فثأت القدر سكّنت غليانها وفثأت الرّجل فثأ كسرته عنك وسكّنت غضبه» 116. ثم قال: وما سوى ليس ودام من أفعال هذا الباب يتصرف أي يستعمل فيه ماض ومضارع وأمر واسم فاعل ومصدر إلا أن المصدر لا يتأتى صوغه من ملازمات النفي.
ولمضارعها والأمر ما لماضيها وكذلك جميع الأفعال المتصرفة.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1093

[امتناع بعض الأفعال من مجيء الخبر ماضيا]

قال ابن مالك: (ولا تدخل صار وما بعدها على ما خبره فعل ماض وقد تدخل عليه ليس إن كان ضمير الشّأن ويجوز دخول البواقي عليها مطلقا خلافا لمن اشترط في الجواز اقتران الماضي بقد).
واعلم أنهم قالوا: إنما لم تتصرف ما دام لأنها في معنى ما لا يتصرف، وذلك أنك إذا قلت: أفعل هذا ما دام زيد قائما كان في المعنى مثل قولك: أفعل هذا إن دام زيد قائما لأن الفعل المتقدم معلق على وجود الدوام في الموضعين، فلما كانت في معنى شرط قد تقدم ما يدل على جوابه لم تكن إلا بصيغة الماضي لأن الفعل إذا كان كذلك إنما يكون بصيغة الماضي تقول العرب: أنت ظالم إن فعلت ولا تقول: أنت ظالم إن تفعل.
وينسب هذا التعليل للفراء وفيه نظر 117. قال ناظر الجيش: قال المصنف 118: صار وليس ودام وزال وأخواتها [2/ 13] مستوية في عدم الدخول على مبتدأ خبره فعل ماض لأن ذلك مناف لما يراد منها 119 وقد تدخل عليه ليس كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس قد صلّيت معنا» 120. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1094

................................  وحكى سيبويه قول بعض العرب 121: ليس خلق الله أشعر منه، وليس قالها زيد.
والوجه في هذا أن يكون في ليس ضمير الشأن والجملة بعده خبر.
وإلى الحديث الشريف والمثالين أشرت بقولي: وقد تدخل عليه ليس إن كان ضمير الشّأن أي إن كان ما خبره فعل ماض ضمير الشأن فقد تدخل عليه ليس ثم نبهت على أن ما سوى صار وما بعدها يجوز دخوله على ما خبره فعل ماض مطلقا وإن من النحويين من لا يجيز ذلك إلا بشرط اقتران الفعل الماضي بقد 122 والصحيح جواز ذلك مطلقا وقد جاء ذلك في القرآن الكريم وغيره.
فمن الجائي في القرآن الكريم قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا 123، وقوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ 124، وقوله تعالى: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ 125، وقوله تعالى: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ 126، وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي 127. ومن الجائي في الشعر قول الشاعر: 695 - وكان طوى كشحا على مستكنّة... فلا هو أبداها ولم يتجمجم 128

    • رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدّا فأقمه عليّ، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصّلاة فصلّى مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فلما قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم الصّلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدّا فأقم فيّ كتاب الله قال: أليس قد صلّيت معنا، قال: نعم.
      قال: فإنّ الله قد غفر لك ذنبك أو قال: حدّك».

الحديث: 695 - الجزء: 3 - الصفحة: 1095

................................  وقول الآخر: 696 - وكنّا حسبنا كلّ بيضاء شحمة... عشيّة لاقينا جذاما وحميرا 129 وقول الآخر: 697 - أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا... أخنى عليها الّذي أخنى على لبد 130 وما في القرآن الكريم كفاية».
انتهى 131. وقال ابن عصفور 132: اختلف في وقوع الماضي بغير قد موقع أخبار هذه الأفعال إذا كانت ماضية فمنهم من منعه في جميعها إلا في ليس فإن ذلك يجوز فيها باتفاق إجراء لها مجرى ما.
- - وبيت الشاهد والقصيدة في شرح ديوان زهير (ص 22) وفي التذييل والتكميل (4/ 152) ومعجم الشواهد (ص 361).

الحديث: 696 - الجزء: 3 - الصفحة: 1096

................................  حكى سيبويه 133: «ليس خلق الله مثله».
واحتج صاحب هذا المذهب بأن الفعل الذي يقع خبرا إذا كان ماضيا لم يحتج إلى كان وأخواتها لأنها إنما دخلت على الجمل لتدل على الزمان فإذا كان الخبر يعطي الزمان لم يحتج إليها وكان ذكرها فضلة.
ألا ترى أنك إذا قلت: زيد قام كان المفهوم منه ومن كان زيد قام واحدا فإن جاء شيء من ذلك فهو على إضمار قد لأنها تقرب الماضي من الحال فإذا قلت: كان زيد قد قام فكأنك قلت: كان زيد يقوم.
والصحيح 134 عندي أن هذه الأفعال تنقسم ثلاثة أقسام: قسم يجوز ذلك فيه باتفاق وهو ليس.
وقسم يمتنع فيه وهو ما زال وما انفك وما فتئ وما برح وما دام.
وذلك أن هذه الأفعال تعطي الدوام على الفعل، واتصاله بزمن الإخبار، والأفعال الماضية تعاطي الانقطاع فتدافعا 135 وما بقي فيه خلاف.
فمنهم من منع لما ذكرنا ومنهم من أجاز.
وحجة المجيز: أنك إذا قلت: أصبح زيد قام وأمسى زيد خرج؛ أعطى ذلك من المعنى ما لم يعط زيد قام وزيد خرج، ألا ترى أن قام وخرج لا يعطيان أكثر من المعنى وأمسى وأصبح يعطيان المعنى [2/ 14] مع أن ذلك في مساء أو صباح وكذلك سائر أخواتها إلا كان فإنها لا تعطي معنى زائدا أكثر من التأكيد والتأكيد في كلامهم كثير وهو أولى من إضمار حروف المعاني لقلة ذلك في كلامهم» انتهى 136. وقد طابق كلامه كلام المصنف إلا في أمرين: أحدهما: أنه لم يذكر صار مع الأفعال التي ذكرها ولا بد من ذلك كما فعل المصنف.
الآخر: أن 137 المصنف قيد ليس إذا وقع خبرها فعلا ماضيا يكون اسمها ضمير الشأن.
وكلام ابن عصفور مطلق في ذلك 138 والظاهر ما قاله المصنف.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1097

[حكم قول «أين لم يزل زيد» وأشباهه]

قال ابن مالك: (ويجوز في نحو أين زيد توسّط ما نفي بغير ما من زال وأخواتها لا توسيط ليس خلافا للشّلوبين).
وجعل الشلوبين قول سيبويه فيما حكاه من قول العرب ليس خلق الله مثله محتملا لثلاثة أشياء: أحدها: أن تكون 139 ليس يشبهه بما فلا يحتاج إلى اسم وخبر لأن سيبويه قال في باب آخر 140: وقد زعم بعضهم أن ليس كما وذلك قليل لا يكاد يعرف.
قال: ولا ينبغي أن يحمل عليه ما وجدت منه مندوحة.
فلم يبق إلا الوجهان الباقيان 141. قال ناظر الجيش: قال المصنف 142: «نبهت بهذا الكلام على أنه يجوز في نحو أين زيد توسيط ما نفي بغير ما من زال وأخواتها نحو (أين لم يزل زيد) فلو كان النفي بما لم يجز لأن ما لها صدر الكلام فلا يتقدم ما في حيزها عليها.
وقد أجاز أبو علي الشلوبين أن يقال: أين ليس زيد بناء على اعتقاده جواز تقديم خبر ليس وقد قامت الدلائل على أن الصحيح منع تقديم خبرها والحق أحق أن يتبع ولا مبالاة بمن منع» انتهى.
واعلم أن المصنف في استغناء عن ذكر هاتين المسألتين: - - من منعه في جميع هذه الأفعال إلا في ليس فإنه يجوز ذلك فيها باتفاق إجراء لها مجرى ما، حكى سيبويه ليس خلق الله مثله (شرح الجمل: 1/ 364) وقد سبق في التحقيق.

الجزء: 3 - الصفحة: 1098

[ورود بعض هذه الأفعال بمعنى صار]

قال ابن مالك: (وترد الخمسة الأوائل بمعنى صار ويلحق بها ما رادفها من آض وعاد وآل ورجع وحار. واستحال وتحول وارتدّ وندر الإلحاق بصار في ما جاءت حاجتك [2/ 15] وقعدت كأنها حربة. والأصحّ ألّا يلحق بها آل ولا قعد مطلقا وألّا يجعل من هذا الباب غدا وراح ولا أسحر وأفجر وأظهر).  أما الأولى: فلأن هذا الحكم قد عرف من قوله المتقدم 143: ويختصّ دام والمنفي بما بعدم الدخول على ذي خبر مفرد طلبيّ فإنه يفهم منه جواز أين لم يزل زيد كما يفهم منه جواز أين لم يكن زيد. وأما المسألة الثانية: فإنها ستعرف من قوله بعد 144: ولا يتقدّم خبر دام اتّفاقا ولا خبر ليس على الأصحّ. قال ناظر الجيش: قد تقدمت الإشارة إلى أن من أفعال هذا الباب عشرة أفعال معناها معنى صار سيذكرها المصنف: فها هو قد شرع في سردها وقدم على ذكر ذلك شيئا آخر وهو أن من الأفعال التي تقدم ذكرها له ما يسلب الدلالة على معناه الأصلي ويستعمل بمعنى صار وهو الخمسة الأوائل يعني المذكورة أولا وهي كان وأضحى وأصبح وأمسى وظل. وقد عرفت معنى صار ما هو وهو الدلالة على التحول من وصف إلى آخر. وشاهد استعمال كان بمعنى صار: قوله تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً 145. ومنه قول الشاعر: 698 - بتيهاء قفر والمطيّ كأنّها... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها 146

الحديث: 698 - الجزء: 3 - الصفحة: 1099

................................  وشاهد استعمال أضحى بالمعنى المذكور: قول الشاعر: 699 - ثمّ أضحوا كأنّهم ورق جفّ... فألوت بها الصّبا والدّبور 147 وقال الآخر: 700 - أضحى يمزّق أثوابي ويضربني... أبعد ستّين عندي يبتغي الأدبا 148 وشاهد استعمال أصبح: قوله تعالى: فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً 149. - - وصعب من الأرض.
كانت فراخا بيوضها: أي فقس بيضها فراخا.
المعنى: يتمنى الشاعر سرعة وصوله إلى ديار أحبابه ويرغب أن تحمله مطاياه فتسرع في السير كأنها طيور القطا تركت أولادها الصغار باحثة عن رزقها فهي تسرع لتعود إليهم.
وشاهده قوله: «قد كانت فراخا بيوضها»: حيث جاءت كان بمعنى صار وسببه صحة المعنى ولو أبقيت كان على أصل معناها لفسد لاستحالة المعنى المذكور.
والبيت في التذييل والتكميل (2/ 328) وفي معجم الشواهد (ص 204). ترجمة عمرو بن أحمر: هو عمرو بن أحمر بن عامر الباهلي شاعر مخضرم عاش نحو تسعين عاما كان من شعراء الجاهلية وأسلم وغزا مغازي في الروم وأصيبت إحدى عينيه ونزل بالشام مع خيل خالد بن الوليد ثم سكن الجزيرة وأدرك أيام عبد الملك بن مروان وله مدائح في عمر وعثمان وعلي وخالد وهجا يزيد فطلبه يزيد ففر منه.
كان يتقدم شعراء زمانه، وعده ابن سلام في الطبقة الثالثة من الأمويين وكان يكثر من الغريب في شعره.
له مختارات في ديوان الحماسة.
انظر ترجمته في الأعلام (5/ 237)، خزانة الأدب (6/ 257).

الحديث: 699 - الجزء: 3 - الصفحة: 1100

................................  ومنه قول الشاعر: 701 - أصبحت لا أحمل السّلاح ولا... أملك رأس البعير إن نغرا 150 وشاهد استعمال أمسى: قول الشاعر: 702 - أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا... أخنى عليها الّذي أخنى على لبد 151 والشاهد في أمست خلاء لا في أمسى أهلها احتملوا لأن صار لا تدخل على ما خبره فعل ماض فكذا ما هو بمعناها.
وشاهد استعمال ظلّ بالمعنى المذكور: قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 152 وقوله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ 153. وقال المصنف 154: وزعم الزمخشري أن بات قد تستعمل بمعنى صار 155 وليس بصحيح لعدم شاهد على ذلك مع التتبع والاستقراء وحمل بعض المتأخرين على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإنّ أحدكم لا يدري أين باتت يده» 156. ولا حاجة إلى ذلك لإمكان حمل بات على المعنى المجمع عليه وهو الدلالة على -

الحديث: 701 - الجزء: 3 - الصفحة: 1101

................................  ثبوت مضمون الجملة ليلا كما أن ظل غير المرادفة لصار لثبوت مضمون الجملة نهارا كما قال الراجز: 703 - أظلّ أرعى وأبيت أطحن... الموت من بعض الحياة أهون 157 ومن أصلح ما يتمسك به جعل بات بمعنى صار قول الشاعر: 704 - أجدني كلما ذكرت كليب... أبيت كأنّني أطوى بجمر 158 لأن كلما تدل على عموم الأوقات وأبيت إذا كانت على أصلها مختصة بالليل».
انتهى 159. وأما الأفعال الملحقة بصار: فقد عرفت أنها عشرة وهي الثمانية التي أولها آض وآخرها ارتد وجاء وقعد في المثالين اللذين ذكرهما.
فمثال آض: قول الشاعر: 705 - ربّيته حتّى إذا تمعددا... وآض نهدا كالحصان أجردا 160 [2/ 16] ومثال عاد: قول الشاعر: -

الحديث: 703 - الجزء: 3 - الصفحة: 1102

................................  706 - فصار مضلّي من هديت برشده... فلله مغو عاد بالرّشد آمرا 161 ومثال آل: قول الآخر: 707 - وعروب غير فاحشة... ملّكتني ودّها حقبا ثمّ آلت لا تكلّمنا... كلّ حيّ معقب عقبا 162 ومثال رجع: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض» 163. ومنه قول الشاعر: 708 - قد يرجع المرء بعد المقت ذا مقة... بالحلم فادرأ به بغضا ذوي الإحن 164

الحديث: 706 - الجزء: 3 - الصفحة: 1103

................................  ومثال حار: قول الشاعر: 709 - وما المرء إلا كالشّهاب وضوؤه... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع 165 ومثال استحال: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فاستحالت غربا» 166. ومنه قول الشاعر: 710 - إنّ العداوة تستحيل مودّة... بتدارك الهفوات بالحسنات 167 ومثال تحول: قول امرئ القيس: 711 - وبدّلت قرحا داميا بعد صحّة... فيالك من نعمى تحوّلن أبؤسا 168

    • كان وجعل المرء اسمها وذا مقة خبرها.
      والبيت في التذييل والتكميل (2/ 162) وليس في معجم الشواهد.

الحديث: 709 - الجزء: 3 - الصفحة: 1104

................................  ومثله قول الآخر: 712 - لا يوئسنّك سؤل عيق عنك فكم... بؤس تحوّل نعمى أنست النّقما 169 ومثال ارتد: قول الله سبحانه وتعالى: أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً 170. وإنما استحق ارتد أن يكون بمعنى صار لأنه مطاوع رد بمعنى صير كقوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً 171. ومنه قول الشاعر: 713 - فردّ شعورهن السّود بيضا... وردّ وجوههنّ البيض سودا 172 ومثال جاء وقعد: ما أشار إليه بقوله: وندر الإلحاق بصار في: ما جاءت حاجتك وقعدت كأنّها حربة.
أما ما جاءت حاجتك 173 فيروى برفع حاجتك على أن ما خبر جاءت قدم لأنه اسم استفهام والتقدير أية حاجة صارت حاجتك ويروى بالنصب على أن تكون خبر - - والتكميل (4/ 163) وفي معجم الشواهد (ص 195).

الحديث: 712 - الجزء: 3 - الصفحة: 1105

................................  جاءت واسمها مستتر فيها عائد على معنى ما، والتقدير أية حاجة صارت حاجتك وما مبتدأ والجملة بعده خبر 174. وأما قعدت كأنها حربة، فأصل التركيب الوارد من كلام العرب: أرهف شفرته حتّى قعدت كأنها حربة أي حتى صارت، فاسم قعد ضمير الشفرة وخبرها كأنها حربة.
واعلم أن جاء بمعنى صار وقعد أيضا لم يستعملا من هذا الباب إلا في الموضعين المذكورين ومن ثم لم يتصرفا فلا يستعملان إلا بلفظ المضي لا غير لأنهما جريا مجرى المثل والأمثال لا تغير عما وضعت عليه.
وقد نقل الشيخ عن بعضهم: أن جاء تستعمل بمعنى صار في غير المثل المذكور مستدلا بقولهم: جاء البرّ قفيزين وصاعين، ورد ذلك بأن قفيزين وصاعين منصوبان على الحال 175. والفراء يرى أيضا اطراد قعد بمعنى صار 176 كما نبه على الخلاف في ذلك المصنف بقوله: والأصحّ أن لا يلحق بها آل ولا قعد مطلقا.
أما آل فقد عرفت أنه ذكرها في جملة الملحقات بصار [2/ 17] لكنه اختار بعد ذلك أنها لا تعد من هذا الباب فلا تكون ملحقة بصار.
وما استشهد به من أنها من أفعال هذا الباب، وهو قول الشاعر: ثم آلت لا تكلمنا... يمكن الجواب عنه بأن آلت بمعنى حلفت ولا تكلمنا جواب القسم.
وأما قعد فالمنقول عن الفراء أنه يرى استعمال قعد بمعنى صار مطردا وجعل منه -

الجزء: 3 - الصفحة: 1106

................................  قول الراجز: 714 - لا يقنع الجارية الخضاب... ولا الوشاحان ولا الجلباب من دون أن تلتقي الأركاب... ويقعد الأير له لعاب 177 وحكى الكسائي: قعد لا يألو حاجة إلّا قضاها بمعنى صار 178. وجعل الزمخشري من ذلك قوله تعالى: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا 179. ويمكن أن يكون من ذلك قول الشاعر: 715 - ما يقسم الله أقبل غير مبتئس... منه وأقعد كريما ناعم البال 180 ذكر ذلك كله المصنف ثم قال 181: «وألحق قوم منهم الزمخشري وأبو البقاء بأفعال -

الحديث: 714 - الجزء: 3 - الصفحة: 1107

................................  هذا الباب: غدا وراح 182، وقد يستشهد على ذلك بقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «اغد عالما أو متعلّما ولا تكن إمّعة».
ويقول النبي صلّى الله عليه وسلّم «لو توكلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطانا» 183. والصحيح أنهما ليسا من الباب وإنما المنصوب بعدهما حال إذ لا يوجد إلا نكرة 184. وذكر الفراء في كتاب الحدود: أن أسحر وأفجر وأظهر مساوية لأصبح وأمسى وأضحى ولم يذكر على ذلك شاهدا 185. انتهى 186. وقد ألحق الكوفيون بأفعال هذا الباب ثلاثة أشياء: أحدها: مررت: إذا لم يرد به المرور الذي هو انتقال الخطا، بل تكون بمنزلة كان وذلك نحو قولك: مررت بهذا الأمر صحيحا أي كان هذا الأمر صحيحا عندي.
الثاني: الفعل المكرر: في قولك لئن ضربته لتضربنه الكريم ولئن أكرمته لتكرمنه العاقل فجعلوا الكريم والعاقل وأمثالهما منتصبة على أنها أفعال للفعل المكرر.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1108

[أحوال الخبر في جملة هذه الأفعال من التوسط أو التقديم]

قال ابن مالك: (وتوسيط أخبارها كلّها جائز ما لم يمنع مانع أو موجب، وكذا تقديم خبر صار وما قبلها جوازا ومنعا ووجوبا.
وقد يقدّم خبر زال وما بعدها منفية بغير ما، ولا يطلق المنع خلافا للفرّاء، ولا الجواز خلافا لغيره من الكوفيين.
ولا يتقدّم خبر دام اتّفاقا، ولا خبر ليس على الأصحّ).
الثالث: اسم الإشارة: في نحو هذا زيد قائما وجعلوا هذا تقريبا وزيدا اسم التقريب وقائما خبر التقريب واستدلوا على ذلك بأنك تقول هذا زيد قائما لن يقطع بأنه قد علم أن المشار إليه زيد فلو كان هذا مبتدأ وزيد خبره لم يقل ذاك إلا لمن يجهل أن المشار إليه زيد لأن الخبر إنما يكون مجهولا عند المخاطب وحينئذ يكون مفيدا.
ولم يقبل من الكوفيين ما ذكروه.
أما مررت بهذا الأمر صحيحا فالمرور هنا متجوز فيه كأنه قال: مر خاطري بهذا الأمر صحيحا، ويكون انتصاب صحيحا على أنه حال.
وأما لئن أكرمته لتكرمنه الكريم فالاسم المنصوب بدل من منصوب الفعل.
وأما هذا زيد قائما فاستدلالهم به فاسد لأن هذا اسم فلا بد أن يكون له موضع من الإعراب وعلى مذهبهم لا موضع له.
فإن قيل: فكيف جعلتم اسم الإشارة مبتدأ وما بعده خبر وليس الونى على ذلك؟ فالجواب: إن الكلام إذ ذاك محمول على معناه وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائما، فاللفظ على الإخبار على المشار إليه بزيد.
والكلام محمول على [2/ 18] معنى تنبه ورب كلام صورة لفظه على خلاف معناه نحو: غفر الله لزيد وكذلك: اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه اللفظ على الخبر والمعنى في الأول على الدعاء وفي الثاني على الأمر.
وهكذا هذا زيد لفظه لفظ الإخبار عن هذا بزيد ومعناه الأمر بالتنبيه إلى زيد في حال ما ويدل على أن المنصوب حال التزام التنكير.
قال ناظر الجيش: الخبر في هذا الباب إما أن يقدم على الاسم وإما أن يقدم على العامل وقد عبر المصنف عن القسم الأول بالتوسيط وعن القسم الثاني بالتقديم.
فأما توسيطه فينقسم ثلاثة أقسام: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1109

................................  ممتنع، وجائز، وواجب: قال المصنف 187: توسيط الخبر كقوله تعالى: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا 188 والاستشهاد بهذا أولى من الاستشهاد بقوله تعالى: وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ 189 لأن بعض القراء أجاز الوقف على حقّا ناويا في كان ضميرا 190. وأمثلة التوسيط في غير كان من أخواتها سهلة فاستغنى عن ذكرها. والتوسيط أيضا جائز مع ليس ودام وإن كانا لا يتصرفان لأن الأقل محمول على الأكثر. ومثال ذلك مع ليس: قول الشاعر: 716 - سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم... فليس سواء عالم وجهول 191

الحديث: 716 - الجزء: 3 - الصفحة: 1110

................................  ومثال ذلك مع دام: قول الآخر: 717 - لا طيب للعيش ما دامت منغّصة... لذّاته بادّكار الموت والهرم 192 ومثله قول الآخر: 718 - ما دام حافظ سرّي من وثقت به... فهو الّذي لست عنه راغبا أبدا 193 وإنما خصصت ليس ودام بالاستشهاد على توسيط خبريهما لأنهما ضعيفان لعدم تصرفهما في أنفسهما فربما اعتقد عدم تصريفهما في العمل مطلقا.
وقد وقع في ذلك ابن معط 194 رحمه الله تعالى فضمن ألفيته منع توسيط خبر ليس ومادام 195 وليس له في ذلك متبوع بل هو مخالف للمقيس والمسموع.
-

الحديث: 717 - الجزء: 3 - الصفحة: 1111

................................  أما مخالفته للمقيس: فبينة لأن توسيط خبر ليس جائز بإجماع مع أن فيها ما في دام من عدم التصرف وتفوقها ضعفا لأن منع تصرفها لازم ومنع تصرف دام عارض ولأن ليس تشبه ما النافية معنى وتشبه ليت لفظا ولأن وسطها ياء ساكنة سالمة ومثل ذلك مفقود في الأفعال فثبت بهذا زيادة ضعف ليس على ضعف دام وتوسيط خبر ليس لم يمتنع توسيط خبر دام لنقصان ضعفها أحق وأولى» انتهى 196. وقد نسب إلى ابن درستويه منع توسط خبر ليس تشبيها لها بما 197 [2/ 19] ولهذا نوقش المصنف في قوله: إنّ توسيط خبر ليس جائز بإجماع.
ولا شك أن المانع لذلك محجوج بالقراءة الثابتة في السبع ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب 198 بنصب البر.
- - ولا تنفصل عنها ما بخلاف أخواتها».
وفيما ذهب إليه ابن معط من منع توسط خبر مادام يقول محقق كتابه السابق (ص 55): «وهذا الذي ذهب إليه ابن معط قد أثار عليه ثائرة جمهور النحاة فيقول ابن إياز: أما امتناع تقدم خبرها عليها فليس فيه خلاف لأنه قد تقدم القول على أن ما فيه مصدرية ولا يجوز أن يتقدم ما في صلة المصدر عليه وأما تقديم خبرها على اسمها فجائز كقولك: لا أكلمك مادام قائما زيد وما وقفت في تصانيف أهل العربية متقدمهم ومتأخرهم على نص يمنع ذلك.
وقال ابن جمعة الموصلي (توفي سنة 672 هـ) شارح ألفية ابن معط عند شرح هذا البيت: وهذا مما انفرد به المصنف ويبطله: وأحسبها مادام للزّيت عاصر ولأنها فعل كسائر أخواتها ولأنها أولى من ليس بالجواز لكون جمودها عرض بالتركيب.
ولهذا إذا زال التركيب عادت إلى الأصل كقوله: ما خير ودّ لا يدوم (مجزوء الكامل).
وقد اعتذر له بأنها لما لزمت طريقة واحدة وهي الماضي جرت مجرى الأمثال، والأمثال لا تغير ولأن ما معها مصدرية وهي وما في حيزها صلتها وكأنه يريد الترتيب في آخر الصلة، ولأنها لما لم تكن مصدرا صريحا كانت فرعا عليه فلم يتصرف فيها بالتقديم كما تصرف في المصدر.
(شرح ألفية بن معط (2/ 861) تحقيق د/ علي موسى الشوملي (نشر مكتبة الخريجي بالرياض).

الجزء: 3 - الصفحة: 1112

................................  واعلم أن المنقول عن الكوفيين أنهم لا يجيزون كان قائما زيد كما لا يجيزون قائما كان زيد فيمنعمون توسيط الخبر كما يمنعون تقديمه وستذكر هذه المسألة بعد 199. ثم قال المصنف 200: ونبهت بقولي: ما لم يعرض مانع على أن توسيط الخبر قد يمتنع وذلك إما لسبب يقتضي وجوب تقديمه نحوكم كان مالك وأين كنت وإما لسبب يقتضي وجوب تأخيره نحو: كان فتاك مولاك وما كان زيد إلا في الدار 201. ونبهت بقولي: أو موجب على أن توسيط الخبر قد يجيب وذلك إذا كان الاسم مقصود الحصر نحو قوله تعالى: ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا 202 وقد يحمل الموجب على موجب تقديم أو توسيط على سبيل التخيير وذلك إذا اشتمل الاسم على ضمير ما اشتمل عليه الخبر نحو كان شريك هند أخوها ووليها كان أبوها فواجب في هذه المسألة وشبهها تقديم الخبر أو توسيطه وممتنع تأخيره لئلا يتقدم الضمير على مفسر مؤخر رتبة ولفظا، فلو كان في مثل هذه المسألة قبل الفعل ما له صدر الكلام تعين التوسيط نحو هل كان شريك هند أخوها» انتهى 203. وقد اقتصر المصنف على بعض الصور التي يمتنع فيها التوسيط أو يجب اتكالا منه على ما يذكره في باب النائب عن الفاعل من بيان صور تقديم المفعول على الفاعل منعا ووجوبا لأن الاسم والخبر في هذا الباب شبههما بالفاعل والمفعول غير خفي كما عرفت.
ولكن هنا مسألتين لا بد من التعرض إليهما لعدم انطواء الكلام في باب النائب عن الفاعل عليهما: - - ذهب إلى المنع من ذلك ابن درستويه تشبيها لها بما، أراد الحكم عليها بأنها حرف كما لا يجوز توسيط خبرها وهو محجوج بهذه القراءة المتواترة وبورود ذلك في كلام العرب ومنه قول الشاعر (من الطويل).
سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم... فليس سواء عالم وجهول وانظر القراءتين أيضا في كتاب السبعة في القراءت لابن مجاهد (ص 176).

الجزء: 3 - الصفحة: 1113

................................  الأولى: أن الخبر يجب توسيطه إذا كان ظرفا أو مجرورا والاسم نكرة لا مسوغ للإخبار عنها إلا كون الظرف والمجرور متقدمين عليهما نحو كان في الدار رجل.
الثانية: اختلف في الخبر إذا كان فعلا لفاعل مضمر هل يجوز توسيطه نحو: كان يقوم زيد على أن يقوم الخبر 204 منهم من منع ذلك قياسا على المبتدأ والخبر فكما لا يجوز أن يقوم الخبر في نحو زيد يقوم فكذلك هنا لأن أفعال هذا الباب داخلة على المبتدأ والخبر ومنهم من أجازه محتجّا بأن المانع من ذلك في باب المبتدأ والخبر كون الفعل المتقدم عاملا لفظيّا والابتداء عامل معنوي والعامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي ولا شك أن كان وأخواتها من العوامل اللفظية فإذا تقدم الفعل على الاسم من هذه الأفعال لم يكن إعماله إعمالها فيه لأن العرب إذا قدمت عاملين لفظيين قبل المعمول ربما أعملت الأول وربما أعملت الثاني كما سنبين ذلك [2/ 20] في باب الإعمال 205. قال ابن عصفور بعد إيراد هذا الكلام 206: «فالصّحيح إذن جواز تقديم الخبر على الاسم».
واعلم أن في إيجاب المصنف توسيط الخبر في مسألة: (هل كان شريك هند أخوها) نظرا ولم يتوجه لي امتناع التقديم في هذه المسألة.
هذا بالنسبة إلى تقديم مفسر الضمير عليه إلا أن يكون التقديم على نفس كان لشيء آخر وهو أن هل إذا كان بعدها اسم وفعل وجب أن يليها الفعل ويتأخر عنه الاسم فيقال هل عرفت زيدا، ولا يقال هل زيدا عرفت 207. هذا آخر الكلام على توسيط الخبر على الاسم.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1114

................................  وأما تقديمه على العامل نفسه: فاعلم أن الأفعال المذكورة تنقسم بالنسبة إلى ذلك ثلاثة أقسام: قسم يجوز فيه التقديم وقسم يمتنع فيه التقديم دون خلاف فيهما.
وقسم اختلف فيه؛ فمنهم من أجاز التقديم ومنهم من منع.
فالقسم الأول: سبعة أفعال: وهي كان وأضحى وأصبح وأمسى وظل وبات وصار.
والقسم الثاني: دام.
والقسم الثالث: ليس وكذا زال وأخواتها إذا كانت منفية بغير ما، فإن منهم من يمنع التقديم كما أن منهم من أجاز التقديم إذا كانت منفية بما.
ثم إن القسم الأول وهو الذي يجوز فيه التقديم قد يعرض له ما يوجب فيه تقديم الخبر وقد يعرض له ما يوجب فيه تأخيره فيعمل بموجب كل من الأمرين.
وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله: وكذا تقديم خبر صار وما قبلها جوازا ومنعا ووجوبا.
قال رحمه الله تعالى 208: وأشرت بقولي: وكذا تقديم خبر صار وما قبلها جوازا ومنعا ووجوبا إلى أنه يجوز تقديم الأخبار المذكورة إن لم يعرض مانع ولا موجب.
فمن أسباب عروض المانع: خوف اللبس نحو كان فتاك مولاك فمثل هذا لا يتميز فيه الاسم إلا بالتقديم ولا الخبر إلا بالتأخير فالتزم وكان غيره ممنوعا 209 وهكذا نحو: صار عدوي صديقي.
ومن أسباب عروض المانع: حصر الخبر نحو إنما كان زيد في المسجد فتأخير الخبر في مثل هذا ملتزم وغيره ممنوع لأن حصر الخبر مقصود ولا يفهم إلا بالتأخير.
ومن أسباب عروض المانع: اشتمال الخبر على ضمير ما اشتمل عليه الاسم نحو كان بعل هند حبيبها فتأخير الخبر في مثل هذا ملتزم، وغيره ممنوع لأنه لو وسط أو قدم لزم عود الضمير على متأخر لا يتعلق به العامل 210. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1115

................................  وبعض النحويين لا يلتزم تأخير الخبر في مثل هذا لأن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد فلو وسط الخبر فقيل كان حبيبها بعل هند لم يضر لأن الضمير عائد على ما هو كجزء من مرفوع الفعل ومرفوع الفعل مقدر التقديم وما هو كجزئه مقدر التقديم معه إذ لا يتم معناه إلا به.
ويلزم من جواز هذا جواز كان حبيبها الذي خطب هندا؛ لأن ما يتم به المضاف بمنزلة ما يتم به الموصول [2/ 21] وهذا يجوز فكذلك ما أشبهه.
وأما عروض موجب تقديم الخبر: فإذا كان فيه معنى الاستفهام نحو: كم كان مالك، وكيف كان زيد.
ولا حظّ لزال وما بعدها في وجوب تقديم الخبر لأنهن لا يدخلن على مبتدأ مخبر عنه بأداة استفهام ولا مضاف إليها وقد تقدم التنبيه على ذلك 211 انتهى 212. ولا يخفى أن ما فيه معنى الشرط والمضاف إلى ما تضمن معنى المذكور وكم الخبرية حكم ذلك كله حكم ما فيه معنى الاستفهام؛ لأن لهذه المذكورات صدر الكلام.
ثم إن الأفعال السبعة، أعني التي يجوز تقديم أخبارها عليها في الأصل قد يصحبها أدوات لها صدر الكلام فيمتنع تقديم الخبر على تلك الأدوات وهي أدوات الشرط كلها وأدوات الاستفهام كلها وما النافية ولام التوكيد.
نحو: إن كان زيد قائما قام عمرو، وهل كان زيد قائما، وما كان زيد قائما، وليكونن زيد قائما؛ لا يجوز تقديم الخبر في شيء من هذا وكذا إذا كان الفعل صلة لموصول أو صفة لموصوف فإنه لا يتقدم الخبر على الموصول ولا على الموصوف نحو: يعجبني أن يكون زيد قائما، ويعجبني رجل يكون قائما فحكم الموصول والموصوف في عدم التقديم عليهما حكم الأدوات التي ذكرت لأن الصلة والصفة لا يتقدم منهما شيء على الموصول ولا على الموصوف إلا من الذي ذكر ما يجوز فيه الفصل بينه وبين ما باشره من الأفعال المذكورة، فيجوز تقديم الخبر في مثل ذلك على الفعل نفسه دون الذي باشر الفعل.
وذلك ما النافية وأدوات الاستفهام، فيجوز أن يقال في ما كان -

الجزء: 3 - الصفحة: 1116

................................  زيد قائما: ما قائما كان زيد، وفي هل كان زيد قائما: هل قائما كان زيد، ولا فرق في ذلك بين كان وغيرها فيجوز أن يقال ما قائما زال زيد، وبعضهم يمنع ذلك في زال وأخواتها قال: لملازمتها النفي والأصح خلافه.
وبقية ما ذكر لا يجوز فيه الفصل فلا يجوز التقديم وذلك أدوات الشرط ولام التوكيد وكذا إذا كان الموصول حرفا فلا يجوز أن يقال: إن قائما كان زيد قام عمرو ولا لقائما يكونن زيد ولا يعجبني أن قائما يكون زيد لأن هذه الأحرف لا يليها إلا الفعل.
على إن الذي أشير إليه لا يختص بهذا الباب الذي نحن فيه بل هو أمر محكوم به بالنسبة إلى سائر الأفعال.
وأما القسم الثاني: وهو الذي يمتنع فيه تقديم الخبر إجماعا فهو دام كما تقدم وسبب ذلك أن ما موصولة ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول، وهل يتقدم على دام خاصة دون ما؟ أما على رأي المصنف فلا يجوز لأنه لا يجيز الفصل بين الحرف الموصول وصلته مطلقا.
وابن عصفور يجيز الفصل مع الحرف الذي هو غير عامل نحو ما فيجيز أن تقول: عجبت مما زيدا [2/ 22] يضرب عمرو 213، وعلى هذا فهل يجوز ذلك هنا أعني ما دام فيقال: لا أصحبك ما طالعة دامت الشمس؟ فيه نظر.
والظاهر أن ذلك لا يجوز على رأي من يجيز ذلك لعدم تصرف دام 214، وقد ذكر ابن عصفور مع مادام قعد أيضا 215 وهو صحيح غير أن ذكر ذلك غير محتاج إليه لأن قعد إنما استعملت هذا الاستعمال في مكان واحد وهو جار مجرى المثل ولا شك أن الأمثال -

الجزء: 3 - الصفحة: 1117

................................  لا تغير بل تستعمل على حسب ما وردت 216. وقد أشار المصنف إلى هذا القسم بقوله: ولا يتقدّم خبر دام اتّفاقا.
وأما القسم الثالث: فقد عرفت أنه ليس وزال وأخواتها.
أما ما زال فقال المصنف 217: ويشارك زال وأخواتها إذا نفيت بغير ما صار وأخواتها في جواز تقديم الخبر نحو قائما لم يزل زيد وفي التخيير بين تقديمه وتوسيطه عند امتناع تأخيره نحو: في الدار لم يبرح صاحبها ولا ينفك مع هند أخوها 218. فلو كان النفي بما لم يجز لأن ما لها صدر الكلام ولذلك جرت مجرى حرف الاستفهام في تعليق أفعال القلوب.
وقياس إن النافية أن تجري مجراها في غير التعليق كما جرت فيه مجراها 219 كقوله عز وجلّ: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا 220. وأجاز ابن كيسان التقديم مع النفي بما 221 مع أنه موافق للبصريين في أنّ ما لها صدر الكلام لكنه نظر إلى أن ما زال زيد فاضلا بمنزلة كان زيد فاضلا في المعنى فاستويا في جواز تقديم الخبر.
وهذا الذي اعتبره ضعيف لأن عروض تغيير المعنى لا يغير له الحكم ولذلك استصحب الاستفهام في نحو: علمت أزيد قام 222 أم عمرو ما كان له من التزام التصدير مع أن معنى الاستفهام قد تغير.
وأجاز الكوفيون إلا الفراء ما أجازه ابن كيسان لأن ما عندهم ليس لها تصدير -

الجزء: 3 - الصفحة: 1118

................................  مستحق حكى ذلك ابن كيسان 223. ومنع الفراء 224 مطلقا تقديم خبر زال وأخواتها فلا يجيز عالما لم أزل ولا عالما مازلت وكذا لو نفيت بلن أو أن ذكر ذلك في كتاب الحدود 225. ودليله على ذلك ضعيف انتهى.
وثبت أن في جواز تقديم خبر زال وأخواتها ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقا 226، المنع مطلقا 227، التفصيل بين أن يكون النافي ما فيمتنع، أو غيرها من أدوات النفي فيجوز وهو الصحيح 228 وعبارة متن الكتاب معطية ما ذكرناه دون إشكال.
فأما ليس: فقال المصنف 229: اختلف في تقديم خبر ليس عليها فأجازه سيبويه على ما زعم من أخذ بظاهر من قول لا يلزم الأخذ به 230 وممن أخذ به السيرافي 231 والفارسي 232 -

الجزء: 3 - الصفحة: 1119

................................  وابن برهان 233 والزمخشري 234. ومنعه الكوفيون 235 وأبو العباس 236 وابن السراج 237 والجرجاني 238. - - وليس فيما نقلته عن أبي علي صراحة كاملة لرأيه في تقديم خبر ليس عليها، ولكنه صرح بذلك في كتاب الإيضاح يقول: «ويستقيم أن تقدم الخبر على الاسم فتقول: كان منطلقا زيد.
ويجوز أيضا: منطلقا كان زيد وشاخصا صار بكر لأن العامل متصرف وهكذا خبر ليس في قول المتقدمين من البصريين وهو عندي القياس فتقول: منطلقا ليس زيد.
انظر الإيضاح مشروحا للإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه المسمى المقتصد في شرح الإيضاح (1/ 407) تحقيق كاظم بحر المرجان (مجلدان - بغداد).

الجزء: 3 - الصفحة: 1120

................................  وبه أقول.
لأن «ليس» فعل لا يتصرف في نفسه فلا يتصرف في عمله كما وجب لغيره من الأفعال التي لا تتصرف كعسى ونعم وبئس وفعل التعجب مع أن ليس شبيهة في المعنى بحرف لا يشبه الأفعال وهو ما بخلاف عسى لأنها تشبه حرفا يشبه [2/ 23] الأفعال وهو لعل، والوهن الحاصل بشبه حرف لا يشبه الأفعال أشد من الوهن الحاصل بشبه حرف يشبه الأفعال.
وكان مقتضى شبه ليس بما وعسى بلعل امتناع توسيط خبريهما كما امتنع توسيط خبري شبيههما لكن قصد ترجيح ما له فعلية على ما لا فعلية له، والتوسط في ذلك لم يجز فلم تجز الزيادة عليه تجنبا لكثرة مخالفة الأصل.
قال السيرافي: «بين ليس وفعل التعجب ونعم وبئس فرق لأن ليس تدخل على الأسماء كلها مظهرها ومضمرها ومعرفتها ونكرتها ويتقدم خبرها على اسمها ونعم وبئس لا يتصل بهما ضمير المتكلم ولا العلم، وفعل التعجب يلزم طريقة واحدة ولا يكون فاعله إلا ضمير ما فكانت ليس أقوى منها» 239. قلت: فعلية نعم وبئس أظهر من فعلية ليس بثلاثة أوجه 240: أحدها: أن معنى نعم وبئس يستقل باسم واحد لأن معنى نعم الرجل مدح الرجل أو كمل الرجل إلا أن الرجل مبهم والمراد تعيين ممدوح فاحتيج إلى مخصوص بعد الفاعل أو إلى ما يدل عليه قبل نعم.
فالحاصل: أن مطلوب نعم إنما هو الفاعل والمخصوص بالمدح إنما يطلبه الفاعل لأنعم لأنها غير عاملة فيه بإجماع بخلاف الجزء الثاني من مصحوبي ليس فإنه معمول لها فمعنى ليس لا يستقل إلا بجز أين مسند ومسند إليه فكانت أشبه بالحروف وكانت نعم وبئس أشبه بالأفعال.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1121

................................  الثاني: أن نعم وبئس يقوم كل واحد منهما مقام فعل صريح ويقوم الفعل الصريح مقامه، فمن كلام العرب الفصيح علم الرجل فلان بمعنى نعم العالم فلان وليس لا تقوم إلا مقام حرف ولا يقوم مقامها إلا حرف.
الثالث: أن ليس ونعم وبئس مشتركة في مفارقة الأصل لأن أصل كل منها فعل ولكن «ليس» فارقت أصلها فراقا لازما على وجه عدم به النظير في الأفعال وثبت به شبه الحرف ونعم وبئس بخلاف ذلك لأنهما لم يفارقا أصلهما فراقا لازما، بل أصلهما مستعمل فلم يعدم بما فعل بهما النظير في الأفعال ولا ثبت به شبه الحرف لأن الذي فعل بهما من كسر الفاء وسكون العين مطرد في كل فعل على فعل ثانيه حرف حلق وفعلية ما روعي أصله وسلك به سبيله مطردة في الأفعال أقوى من فعلية ما لم يعامل بهذه المعاملة.
وأما تفضيل ليس على نعم وبئس بإعمالها في الظاهر والمضمر والمعرفة والنكرة فشيء ثبت على خلاف الأصل لأن شبهها في اللفظ والمعنى بالحرف أقوى من شبهها بالفعل فأن يسلك بها سبيل الأشبه بها أولى ولكن فعل بها ذلك لم يبق ما يدل على فعليتها فرفعت الضمائر المتصلة لذلك وإذا كان هذا التفضيل محوجا إلى اعتذار فلا يجعل سببا لتفضيل آخر فيستباح من أجله تقديم الخبر لأن ذلك تكبير لمخالفة الأصل ومحوج إلى اعتذار ثان ومع هذا فقد شاركها نعم وبئس في رفع الضمير [2/ 24] مستترا وبارزا فإن الكسائي روى عن (بعض) 241 العرب: الزّيدان نعما رجلين والزّيدون نعموا رجالا 242. وقال الأخفش: ناس من العرب يرفعون النّكرة بنعم مفردة ومضافة 243. وأما فعل التعجب فيفوق ليس بأربعة أوجه 244: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1122

................................  أحدها: تمكنه في الفعلية لفظا ومعنى لأنه على وزن أفعل 245 وهمزته مقدمة كأكرم وغيره من الأفعال المعداة بهمزة وهو مع ذلك متضمن لحروف مصدر ودال على معناه و «ليس» بخلاف ذلك.
الثاني: أن فعل التعجب يلزم نون الوقاية مع ياء المتكلم كما يلزم سائر الأفعال المتعدية و «ليس» بخلاف ذلك.
الثالث: أن لفعل التعجب صيغتين: إحداهما كصيغة الماضي والأخرى كصيغة الأمر وذلك ضرب من التصرف وليس بخلاف ذلك.
الرابع: أن فعل التعجب يعمل في الظرف والحال والتمييز بخلاف ليس فإنها لا تعمل إلا في جزأي الإسناد.
وأما عسى: فتشارك ليس في إعمالها في الأسماء كلها مظهراتها ومضمراتها ومعارفها ونكراتها وتفوقها بأشياء: منها: أن فعليتها مجمع عليها وفعلية ليس مختلف فيها.
الثاني: أن ليس من الأفعال المعتلة العين وعسى من الأفعال المعتلة اللام وهي جارية على ما يجب لنظائرها من الإعلال بالقلب كرمى وليس جارية على خلاف ما يجب لنظائرها من إعلال بالقلب كهاب وسلامه كسلامة صيد البعير 246. الثالث: أن عسى وإن لم تتصرف بأن يجعل لها مضارع وأمر واسم فاعل فقد جعل لها حظ من التصرف بأن أجيز في عينها الفتح والكسر فقيل عسيت وعسيت وبنوا منها فعل التعجب فقالوا ما أعساه بكذا وأعسى به أن يكون وقالوا: هو عسي بكذا أي حقيق به وبالعسي أن تفعل وهو مصدر عسيت 247 وهذا كله موجب للمزية على ليس فلو قدم خبر ليس مع كون هذه الأفعال لا يقدم عليها شيء مما -

الجزء: 3 - الصفحة: 1123

................................  يتعلق بها لكان ذلك مفضلا للأضعف على الأقوى فوجب الاقتصار عليه.
وعضد قوم 248 جواز تقديم خبر ليس ب أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ 249 قالوا: لأن يوم معمول مصروفا ولا يقع المعمول إلا حيث يقع العامل.
ولنا أربعة أجوبة 250: أحدها: أن المعمول قد يقع حيث لا يقع العامل نحو أما زيدا فاضرب وعمرا لا تهن وحقك لن أضيع فكما لم يلزم من تقديم معمول الفعل بعد أما تقديم الفعل ولا من تقديم معمول المجزوم والمنصوب على لا ولن تقديمهما عليهما كذلك لا يلزم من تقديم معمول خبر ليس تقديم الخبر.
الثاني: أن يجعل يوم منصوبا بفعل مضمر لأن قبله ما يَحْبِسُهُ 251 فيوم يأتيهم جواب كأنه قال يعرفون يوم يأتيهم وليس مصروفا جملة حالية مؤكدة أو مستأنفة.
الثالث: أن يكون يوم مبتدأ مبني لإضافته إلى الجملة فذلك شائع مع المضارع كشيوعه مع الماضي.
وللاحتجاج على بناء المضاف إلى المضارع موضع آخر.
الرابع: أن نسلم أن انتصاب يوم بمصروفا لأن الظروف يتوسع فيها بما لا يتوسع في غيرها ولذلك جاز ما غدا زيد ذاهبا ولم يجز ما طعامك زيد آكلا 252. [2/ 25] وجاز: أغدا تقول: زيدا منطلقا، ولم يجز: أنت تقول: زيدا منطلقا.
هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى 253. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1124

................................  وقد استنبطت من كلام سيبويه الجواز وهو أنه أجاز في الاشتغال «أزيدا لست مثله» بنصب زيد بفعل يفسره ليس 254 ولا يفسر في الاشتغال إلا ما يصح له العمل.
ثم ها هنا أمران: الأول 255: قال الشيخ 256: يحتاج جواز تقديم خبر كان إلى صار عليها إلى سماع من العرب ولم نجدهم ذكروا سماعا في ذلك لا يكاد يوجد قائما كان زيد وقد استدل بعضهم على جواز ذلك بقوله عز وجلّ: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ 257 وبقوله تعالى: وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ 258، وبقوله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ 259 لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل.
الثاني: تقدم الوعد بذكر المسألة المنقول عن الكوفيين منعها وهي مسألة: كان قائما زيد وقائما كان زيد.
قال ابن عصفور 260: «أهل الكوفة لا يجيزون كان قائما زيد ولا قائما كان زيد على أن يكون في قائم ضمير يعود على اسم كان المؤخر ويكون قائما خبرا مقدما لأن ضمير الرفع عندهم لا يتقدم على ما يعود عليه أصلا وأهل البصرة يقولون: الضمير مرفوع بما النية به التأخير فيكون الضمير النية به التأخير أيضا كرافعه وإذا كان كذلك لم يمتنع تقديمه ولكن الكوفيين أجازوا تقديم قائم على زيد فيقولون: كان قائما زيد على أن يكون قائما خبر كان وزيد مرفوع به واسم كان ضمير الأمر والشأن ولا يثنى قائم لرفعه الظاهر هذا مذهب الكسائي 261 ومن أخذ بمذهبه وهو -

الجزء: 3 - الصفحة: 1125

................................  باطل عندنا لأن ضمير الأمر والشأن لا يفسر إلا بجملة والاسم الرافع للظاهر هنا ليس بجملة وأجازه الفراء على أن يكون قائم خبر كان وزيد مرفوع بكان وقائم ولا يثنى عنده لرفعه الظاهر مع أنه يتقدر بالفعل.
ألا ترى أنك تقول كان يقوم زيد وكان قام زيد ويكون في معنى قائما زيد، وهذا فاسد لأنه لا يجوز إعمال عاملين في معمول واحد.
وكذلك أجاز الكسائي أن تقول: قائما كان زيد على أن يكون قائم خبرا مقدما قد رفع الظاهر وزيد مرفوع به وفي كان ضمير الأمر والشأن ولا يثنى قائم لرفعه الظاهر كما كان يفعل ذلك مع التوسط.
وأما الفراء فإن حكمه عنده مع التقديم حكمه مع التوسط إلا أنه يثنى قائما ويجمعه لأنه لا يسوغ في محله الفعل فلا يقال قائما كان زيد ولا يقوم كان زيد وهو فاسد لما تقدم؛ فإن جعلت قائما وأشباهه خلفا لموصوف جاز عندهم أن يكون خبرا مقدما ومتوسطا ويكون فيه إذ ذاك ضمير يعود على الموصوف المحذوف وتثنيه إذ ذاك وتجمعه فتقول: قائما [2/ 26] كان زيد وكان قائما زيد والتقدير: رجلا قائما كان زيد وكان رجلا قائما زيد.
وهذا الذي ذهبوا إليه لا يجوز عندنا إلا إذا كانت الصفة خاصة فإن لم تكن خاصة لم يجز إقامتها مقام الموصوف».
انتهى كلام ابن عصفور فيما نقله عن الكوفيين في هذه المسألة 262. - قائم ضمير يعود على اسم كان المؤخر ويكون قائما خبرا مقدما على الاسم لأن ضمير الرفع عندهم لا يتقدم على ما يعود عليه أصلا.
وجاز ذلك عند أهل البصرة لأن الضمير مرفوع بما النية به التأخير والضمير إذا كانت النية به التأخير عن الظاهر جاز تقديمه عليه ثم حكى رأي الكسائي والفراء المذكورين في الشرح.
ثم قال في موضع آخر (4/ 173): وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز قائما كان زيد على أن يكون قائما خبر كان مقدما وزيد اسم كان للعلة التي ذكرت عنهم في منع توسطه ثم حكى رأي الكسائي والفراء كما هنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 1126

حكم الخبر إذا كان جملة في هذا الباب

قال ابن مالك: (ولا يلزم تأخير الخبر إن كان جملة خلافا لقوم).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 263: ذكر ابن السراج أن قوما من النحويين لا يجيزون تقديم الخبر ولا توسيطه إذا كان جملة، قال 264: والقياس جوازه وإن لم يسمع فأجاز أن يقال أبوه قائم كان زيد فهذا مثال التقديم وأجاز أيضا أن يقال كان أبوه قائم زيد.
وما ذهب إليه من الجواز هو الصحيح لأنه وإن لم يسمع من كان فقد سمع مع الابتداء كقول الفرزدق: 719 - إلى ملك ما أمّه من محارب... أبوه ولا كانت كليب تصاهره 265 أراد ما أبوه أمه من محارب فأبوه مبتدأ وأمه مبتدأ ثان ومن محارب خبر وهما خبر المبتدأ الأول فقدم الخبر وهو جملة فلو دخلت كان لساغ التقديم أيضا كقولك ما أمه من محارب كان أبوه 266. -

الحديث: 719 - الجزء: 3 - الصفحة: 1127

معمول الخبر المرفوع أو المنصوب في هذا الباب

قال ابن مالك: (ويمنع تقديم الخبر الجائز التّقدّم تأخّر مرفوعه ويقبّحه تأخّر منصوبه ما لم يكن ظرفا أو شبهه).
والتوسيط أولى بالجواز كقولك ما كان أمه من محارب أبوه.
ومما يدل على جواز تقديم الخبر وهو جملة قوله تعالى: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ 267، وقوله تعالى: وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ 268 فإياكم وأنفسهم منصوبان بيعبدون ويظلمون وقد قدما وتقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل.
انتهى.
وفهم من كلامه وتقريره وتمثيله لهذه المسألة أنه لم يقصد بقوله: وإن كان جملة أن يكون الخبر فعلا مسندا إلى ضمير اسم كان نحو: كان زيد يقوم لأنه لو قصد ذلك لم يجعل الدليل على جواز التقديم مع كان جوازه في الابتداء حيث قال لأنه وإن لم يسمع مع كان فقد سمع مع الابتداء ولا شك أن الخبر إذا كان فعلا مسندا إلى ضمير الاسم السابق لا يقدم في الابتداء فدل هذا على أن مسألة كان زيد يقوم حيث يجوز فيها التقديم على الصحيح كما تقدم 269 فيقال كان يقوم زيد ليست مرادة هنا وهذا ظاهر.
وكان الشيخ جعل كلامه يدخل فيه ذلك وعندي فيه ما ذكرته 270. قال ناظر الجيش: قال المصنف 271: «إذا كان للخبر المقدم معمول مؤخر امتنعت المسألة إن كان مرفوعا مفردا أو مصحوبا بغيره نحو قائما كان زيد أبوه وآكلا كان زيد أبوه طعامك فإن كان المعمول منصوبا لا مرفوع معه جازت المسألة على قبح نحو آكلا كان زيد طعامك، وإن كان المعمول ظرفا أو شبهه حسنت المسألة نحو: مقيما كان زيد عندك، وراغبا كان عمرو فيك، وسبب ذلك أن حق العامل أن لا يفصل [2/ 27] بينه وبين معموله فإن كان مرفوعا كان فصله أصعب لكونه -

الجزء: 3 - الصفحة: 1128

[تعريف الاسم والخبر وجواز تقدم الخبر]

قال ابن مالك: (ولا يمتنع هنا تقديم خبر مشارك في التّعريف وعدمه إن ظهر الإعراب وقد يخبر هنا وفي باب إنّ بمعرفة عن نكرة اختيارا).
كجزء رافعه فلم يجز بوجه وإن كان مفعولا به قبح ولم يمتنع لأنه ليس كجزء ناصبه فإن كان ظرفا أو شبهه حسن فصله لا تساعهم في الظروف وشبهها».
قال ناظر الجيش: قال المصنف 272: «إذا اشترك في هذا الباب الخبر والمخبر عنه في تعريف أو تنكير لم يلزم ما لزم في باب الابتداء من تأخير الخبر إلا إذا لم يظهر الإعراب نحو كان فتاك مولاك ولم يكن فتى أزكى منك فإن ظهر الإعراب جاز التوسيط والتقديم نحو كان أخاك زيد وأخاك كان زيد ولم يكن خيرا منك أحد وخيرا منك لم يكن أحد، ولما كان المرفوع هنا مشبها بالفاعل والمنصوب مشبها بالمفعول جاز أن يغني هنا تعريف المنصوب عن تعريف المرفوع كما جاز ذلك في باب الفاعل لكن بشرط الإفادة وكون النكرة غير صفة محضة فمن ذلك قول حسان رضي الله عنه: 720 - كأنّ سلافة من بيت رأس... يكون مزاجها عسل وماء 273 -274275276

الحديث: 720 - الجزء: 3 - الصفحة: 1129

................................  فجعل مزاجها وهو معرفة خبر كان وعسلا وهو نكرة اسمها وليس القائل مضطرّا لتمكنه من أن يقول تكون مزاجها عسل وماء فيجعل اسم كان ضمير السلافة ومزاجها عسل وماء مبتدأ وخبر في موضع نصب بكان 277 ومثله قول القطامي: 721 - قفي قبل التفرّق يا ضباعا... ولا يك موقف منك الوداعا 278 فأخبر بالمعرفة عن النكرة مختارا لا مضطرّا لتمكنه من أن يقول ولا يك موقفي منك الوداعا أو لا يك منك موقفنا الوداعا 279. والمحسن لهذا مع حصول الفائدة شبه المرفوع بالفاعل والمنصوب بالمفعول.
وقد -

الحديث: 721 - الجزء: 3 - الصفحة: 1130

................................  حمل هذا الشبه في باب إن على أن جعل فيه الاسم نكرة والخبر معرفة كقول الشاعر: 722 - وإنّ حراما أن أسبّ مجاشعا... بآبائي الشّمّ الكرام الخضارم 280 وأجاز سيبويه: إنّ قريبا منك زيد 281. انتهى 282. والمغاربة كابن عصفور وغيره ذكروا هاهنا تقسيما وجعلوا الإخبار بالمعرفة عن النكرة في البابين أعني بابي كان وإنّ من الضرورات فخالفوا المصنف في ذلك والتقسيم الذي ذكروه هو أن قالوا 283: إذا اجتمع في هذا الباب اسمان فإما أن يكونا معرفتين أو نكرتين أو معرفة ونكرة؛ فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكونا معرفتين: وحينئذ إما أن تكون إحداهما قائمة مقام الأخرى أو مشبهة بها، أو هي نفسها: إن كانت قائمة مقامها أو مشبهة بها كان الخبر ما تريد إثباته نحو: كانت عقوبتك عزلتك، وكان زيد زهيرا، فالعزلة ثابتة -

الحديث: 722 - الجزء: 3 - الصفحة: 1131

................................  لا العقوبة والتشبيه بزهير ثابت ولو قلت: عزلتك عقوبتك كان معاقبا لا معزولا ولو قلت: كان زهير زيدا [2/ 28] ثبت التشبيه لزهير بزيد.
وإن كانت المعرفة هي الأخرى نفسها فإما أن يكون المخاطب يعرفهما أو يجهلهما أو يعرف إحداهما ويجهل الأخرى.
وإذا كان يعرفهما فإما أن تكون النسبة بينهما معلومة له أو مجهولة فهذه أربع صور: منها صورتان لا يحتاج إلى الكلام فيهما وهما ما إذا كانا مجهولين عند المخاطب وما إذا كان معلومين وكانت النسبة بينهما معلومة عنده وذلك لأنه لا يجوز فيهما جعل أحد الاسمين مخبرا عنه والآخر مخبرا به؛ إذ لا فائدة في ذلك.
بقي الكلام في صورتين: وهما ما إذا كانا معلومين عند المخاطب وهو يجهل النسبة بينهما وما إذا كان المخاطب يعرف أحدهما ويجهل الآخر.
أما الصورة الأولى وهي ما علم فيها الاسمان وجهلت النسبة فضربان: الضرب الأول: أن يستويا في رتبة التعريف وحينئذ قالوا يجوز أن يجعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر نحو كان زيد أخا عمرو وكان أخو عمرو زيدا إذ قدرت أن المخاطب يعلم زيدا بالسماع وأخا عمرو بالعيان لكنه لا يعلم أن ما علمه بالعيان هو الذي علمه بالسماع فلا فرق أن يجعل أحدهما الاسم والآخر الخبر، لأن المجهول إنما هو النسبة وحظ كل منهما في النسبة واحد.
واستثنوا من ذلك مسألة وهي أن يكون أحد الاسمين أن أو أنّ المصدريتين وما اتصل بهما فقالوا: الاختيار جعل الحرف المصدري وصلته الاسم والآخر الخبر ولذلك قرأ أكثر القراء: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ 284 بنصب جواب مع أنهما -

الجزء: 3 - الصفحة: 1132

................................  متساويا الرتبة في التعريف لأن جواب قومه مضاف إلى مضاف إلى الضمير، وأن قالوا مقدر بمصدر مضاف إلى الضمير ولكن العرب حكمت لهما بحكم المضمر وإنما حكمت لهما بذلك لشبههما به في أنهما لا ينعتان كما أن المضمر كذلك.
الضرب الثاني: ألا يستويا في رتبة التعريف وحينئذ الاختيار جعل الأعرف منهما الاسم والأقل تعريفا الخبر نحو كان زيد صاحب الدار، ويجوز كان صاحب الدار زيدا إلا إذا كان أحد الاسمين اسم إشارة فإنه يجعل الاسم ويجعل غيره الخبر في هذا الباب وغيره فيقال هذا القائم وهذا زيد وهذا أخوك وكان هذا أخاك وموجب ذلك أن العرب اعتنت به لمكان التنبيه الذي فيه الإشارة فقدمته ولا يجوز أن يجعل اسم الإشارة ضميرا إلا مع المضمر فإن الأفصح أن يقدم فنقول: ها أنذا ولا يجوز هذا أنا وهذا أنت.
قال الشيخ 285: «وفي تقرير الإخبار عن الاسم المضمر باسم الإشارة وعكسه إشكال قال: وأي شبه بينهما يجهلها المخاطب حتى يصحّ هذا الإخبار».
وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا كان المخاطب يعلم أحدهما ويجهل الآخر، فإن المعلوم يجعل الاسم والمجهول يجعل الخبر فيقال: كان زيد أخا عمرو إذا قدر أن المخاطب [2/ 29] يعلم زيدا ولا يعلم أنه أخو عمرو، فإن قدرته يعلم أخا عمرو ولا يعلم أن اسمه زيد قلت: كان أخو عمرو زيدا.
وزعم ابن الطراوة 286 أن الذي تريد إثباته تجعله الخبر والذي لا تريد إثباته تجعله الاسم وتعلق بقول عبد الملك بن مروان 287 لخالد: وقد جعلت عقوبتك عزلتك قال - - قال أبو حيان عند تفسير الآية الأولى: (البحر المحيط: 3/ 75) «قرأ الجمهور قولهم بالنصب على أنه خبر كان وأن قالوا في موضع الاسم جعلوا ما كان أعرف الاسم لأن أن وصلتها تتنزل منزلة الضمير وقولهم مضاف للضمير يتنزل منزلة العلم وقرأت طائفة منهم حماد بن سلمة عن ابن كثير وأبو بكر عن عاصم برفع قولهم جعلوه اسم كان والخبر أن قالوا والوجهان فصيحان وإن كان الأول أكثر، وقد قرئ: «ثمّ لم تكن فتنتهم» بالوجهين في السبعة».
وفي (7/ 86) قال: «قرأ الجمهور جواب بالنصب والحسن وابن أبي إسحاق بالرفع».

الجزء: 3 - الصفحة: 1133

................................  فالعزلة هي الحاصلة لا العقوبة.
قال ومن ذلك قول الشاعر: 723 - فكان مضلّي من هديت برشده... فلله مغو عاد بالرشد آمرا 288 أثبت الهداية لنفسه ولو قال كان هادي من أضللت به لكان قد أثبت الإضلال قال: وقد غلط في هذا جلة من الشعراء ومنهم المتنبي فإنه قال: 724 - ثياب كريم ما يصون حسانها... إذا نشرت كان الهبات صوانها 289 قال 290: «فذمّه وهو يرى أنه مدحه ألا ترى أنّه أثبت الصّوان ونفى عنها الهبات كأنه قال كأن الّذي يقوم لها مقام الهبات أن تصان ولو قال: كان الهبات صوانها لكان يهب ولا يصون كأنه قال: كأن الذي يقوم لها مقام الصّوان أن توهب».
قال ابن عصفور 291: «وهذا الذي قاله لا يتصور إلا حيث يكون الخبر غير المبتدأ - - انتقلت الدواوين إلى العربية وضبطت الحروف بالنقط والحركات نقش على خاتمه: «آمنت بالله مخلصا».
(الأعلام: 4/ 312).

الحديث: 723 - الجزء: 3 - الصفحة: 1134

................................  وذلك نحو: كان زيد زهيرا إذا أردت تشبيه زيد بزهير فيما مضى.
فإن أردت عكس هذا قلت: كان زهير زيدا فأما إن كان الثاني هو الأول فإن المعنى على كل حال واحد نحو كان أخو عمرو زيدا.
فأما قوله: فكان مضلي من هديت برشده فإن المعنى واحد جعلت الخبر مضلي أو من هديت.
إذا أردت أن الهداية والإضلال وقعا فيما مضى ألا ترى أنك إذا قلت: كان مضلي فيما مضى من وقعت الهداية منه إليّ، وكان من وقعت الهداية منه إليّ مضلي فيما مضى كان المعنى واحدا وإنما كان يختلف المعنى لو كان زمن الخبر في الحال وزمن المخبر عنه فيما مضى.
ألا ترى أنك إذا قلت كان مضلى فيما مضى من هديت به الآن كان عكس قولك من هديت به فيما مضى الآن.
وأما قوله: كان الهبات صوانها فإنك إذا جعلت الهبات خلاف الصوان بطل المعنى المراد من المدح بجعل الصوان خبرا وإذا جعلت الهبات نفس الصوان كان المعنى واحدا نصبت الصوان وكأنك قلت: كان الهبات صونا لها وكان الصون هبة لها» 292. وقد أنشد ابن الضائع قول ابن الطراوة واعتراضه على المتنبي وإنما تركت إيراده خوف الإطالة 293. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1135

................................  القسم الثاني 294 أن يكون الاسمان نكرتين: وحينئذ إما أن يكون لكل منهما مسوغ للإخبار عنه أو لا فإن كان جعلت أيهما شئت الاسم والآخر الخبر نحو: أكان رجل قائما وأكان قائم رجلا وإن لم يكن المسوغ إلا لأحدهما جعلته المخبر عنه والآخر الخبر نحو كان كل أحد قائما ولا يجوز كان قائم كل أحد.
القسم الثالث: أن يكون أحدهما معرفة والآخر نكرة: وحينئذ يجب جعل [2/ 30] المعرفة الاسم والنكرة الخبر نحو: كان زيد قائما ولا يجوز عكس ذلك إلا في الشعر وحينئذ لا يخلو أن يكون للنكرة مسوغ للإخبار عنها أو لا يكون.
فإن لم يكن لها مسوغ فالمسألة مقلوبة نحو: كان قائم زيدا فزيد وإن كان منصوبا هو المخبر عنه وقائم وإن كان مرفوعا هو الخبر.
وإن كان للنكرة مسوغ للإخبار عنها فإنك إن بنيت الأمر 295 على الإخبار عن المعرفة بالنكرة كان مقلوبا وإن بنيته على الإخبار بالمعرفة عن النكرة كان غير مقلوب وذلك نحو: أكان قائم زيدا إن قدرت أن المعنى أكان زيد قائما كان مقلوبا وإن قدرت أن المعنى أكان قائما من القائمين يسمى زيدا كان غير مقلوب.
والقلب للضرورة جائز باتفاق وإنما الخلاف في جوازه في الكلام ومما جاء من القلب في هذا الباب قوله: 725 - كانت فريضة ما تقول كما... كان الزّناء فريضة الرّجم 296

    • معناه مؤخرا، وكذلك كان زيد أخاك وكان أخوك زيدا لا فرق بينهما.
      انظر ورقة 58، 59 من شرح الصفار لكتاب سيبويه (مخطوط بدار الكتب رقم 900 نحو).

الحديث: 725 - الجزء: 3 - الصفحة: 1136

................................  أي كان الرجم فريضة الزنا.
قال ابن عصفور بعد إيراد الأقسام 297: وينبغي أن تعلم أن ضمير النكرة يعامل في باب الإخبار معاملة النكرة وذلك أن تعريفه إنما هو لفظي ألا ترى أنك إذا قلت: لقيت رجلا فضربته على أنك إنما تعني بالضمير الرجل المتقدم الذكر وأن الملقى هو المضروب وأما أن يعلم من هو في نفسه فلا فلما علم من يعني به كان معرفة من هذا الطريق وأيضا فإنه ينوب مناب تكرار الظاهر.
والظاهر إذا كرر كان بالألف واللام فلما ناب مناب معرفة بالألف واللام كان هو معرفة فإذا ثبت أن تعريفه لفظي والإخبار عن النكرة كما تقدم في باب الابتداء إنما امتنع من طريق معناها لا من طريق لفظها 298 جرى ضمير النكرة مجرى النكرة وإن كان معرفة في اللفظ على ما مر آنفا.
فإن جاء شيء من الإخبار بالمعرفة عن ضمير النكرة فبابه الشعر ومن ذلك قول الشاعر: 726 - أسكران كان ابن المراغة إذ هجا... تميما بجوف الشّام أم متساكر 299 فأخبر بابن المراغة عن ضمير السكران وهو من المقلوب.
ألا ترى أن المعنى على الإخبار عن ابن المراغة بالسكران كأنه قال: أكان ابن -300301302 - وانظر الرواية الثانية وبحثا لطيفا في كتاب الإنصاف (1/ 373). والبيت في التذييل والتكميل (4/ 197) وفي شرح الجمل (1/ 389) وفي معجم الشواهد (ص 372).

الحديث: 726 - الجزء: 3 - الصفحة: 1137

................................  المراغة سكران ولم يرد أن يقول: أكان سكران من السكارى يعرف بابن المراغة.
ومثله قول الآخر: 727 - فإنّك لا تبالي بعد حول... أظبي كان أمّك أم حمار 303 فأخبر عن ضمير الظبي وهو نكرة بأمك وهو معرفة ثم قال 304: «وينبغي أن يعلم أن النكرة المختصة تنزل من النكرة غير المختصة منزلة المعرفة من النكرة فلا يجوز كان رجلا من إخوتك غلام كما لا يجوز كان زيدا غلام وكذلك جعل سيبويه قول الشاعر: 728 - وإنّ شفاء عبرة مهراقة... فهل عند رسم دارس من معوّل 305 ضرورة 306 لأنه أخبر عن شفاء وهو نكرة غير مختصة بعبرة وهي مختصة -

الحديث: 727 - الجزء: 3 - الصفحة: 1138

................................  بالوصف 307. ومن هذا القبيل قول [2/ 31] الآخر: 729 - كأنّ سبيئة من بيت رأس... يكون مزاجها عسل وماء 308 فجعل عسلا وماء اسمين ليكون وهما نكرتان غير مختصتين وجعل مزاجها خبرا وهو مضاف إلى ضمير سبيئة والسبيئة نكرة مختصة وقد تبين أن ضمير النكرة يتنزل منزلة النكرة فمزاجها أخص من عسل وماء وقد جعل خبرا للضرورة».
ثم قال 309: «هذا حكم النكرة مع المعرفة إذا اجتمعا في هذا الباب ما لم يكن للنكرة مسوغ للإخبار عنها وذلك بأن تكون النكرة اسم استفهام فإنه يجوز الإخبار عنها بالمعرفة لأن اسم الاستفهام فيه عموم، ألا ترى أنه يسأل عن الواحد فصاعدا والعموم من مسوغات الإخبار عن النكرة فكذلك الاستفهام ولذلك أجاز سيبويه 310 أن يكون أرضك خبرا لكم من قولهم: كم جريبا أرضك.
ومما جاء من هذا الباب: من كان أخاك وما جاءت حاجتك، حكاهما سيبويه بنصب الأخ والحاجة 311 وهما معرفتان قد أخبر بهما عن ضمير من وما الاستفهاميتين.
واسم الاستفهام نكرة وضمير النكرة كما تقدم في الإخبار بمنزلة النكرة بمنزلة النكرة» انتهى 312 وفي شرح الشيخ بعد أن ذكر البيت المختوم بقوله: 730 -... أظبي كان أمّك أم حمار «وبهذا ونحوه استدلّ سيبويه على جعل الاسم نكرة والخبر معرفة» انتهى 313 وهذا يحقق ما قرره ابن عصفور.
-

الحديث: 729 - الجزء: 3 - الصفحة: 1139

................................  واعلم أنه تعلق بما تقدم بحثان: الأول: قولهم: إن الاسمين إذا كانا معلومين للمخاطب وكان النسبة بينهما معلومة عنده فإنه لا يجوز حينئذ جعل أحد الاسمين مخبرا عنه والآخر مخبرا به إذ لا فائدة في ذلك كما تقدم.
والحاصل: أن الخبر تارة يقصد به إفادة المخاطب الحكم وهو إذا كان يجهل النسبة الواقعة بين المنتسبين وتارة يقصد به إفادة المخاطب أن المخبر عالم بالحكم وهو إذا كان المخاطب عالما بالنسبة ويسمى الأول فائدة الخبر ويسمى الثاني لازم فائدة الخبر.
وإذا كان كذلك فلا يقال إن المخاطب إذا كان عالما بالنسبة الواقعة بين المعلومين فلا فائدة في الإخبار.
إذ قد تبين أن الفائدة حاصلة.
الثاني: قال ابن الضائع 314: «إذا كان الاسمان معرفتين فأنت مخيّر في جعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر.
قال: لأنه إذا كانا معرفتين فالمجهول عن المخاطب أن إحدى المعرفتين مدلولها هو بعينه مدلول الأخرى وهذا المعنى لا يختلف، جعلت زيدا المبتدأ والأخ الخبر أو بالعكس إذا قلت: زيد أخوك وسوّى بين: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ 315 بالنصب وبين قراءة الرفع من حيث المعنى ولم يجعل بينهما فرقا» انتهى.
وكذا يفهم كلام ابن أبي الربيع فإنه قال 316 «لا فرق بين قولك كان زيد هذا وكان هذا زيدا».
قال: «وأما قول العرب: كان زيد صديقي زيدا فاختلف النحويّون فيه فمنهم من قال [2/ 32] المعنى واحد وأجراه مجرى كان زيد هذا وكان هذا زيدا ومنهم -

الجزء: 3 - الصفحة: 1140

................................  من جعل المعنيين مختلفين فقال: كان زيد صديقي يعني أنّ زيدا من الأصدقاء وليس في اللفظ تعرّض لنفي هذه الصفة عن غيره ولا إثباتها.
وإذا قلت: كان صديقي زيدا يعطي أن لا صديق لك إلّا زيد بظاهر الكلام، قال: وهذا عندي هو الأظهر» انتهى.
وما ذكراه غير ظاهر لأنهما لم يفصلا بين أن تستوي المعرفتان في الرتبة أو لا يستويا 317 وقد عرفت حكم ذلك 318. ولا بيّنا ما إذا كان المخاطب يعرف أحدهما ويجهل الآخر، وقد عرفت ما بين ذلك من الفرق 319. والحق في هذه المسألة هو ما تقدم لنا ذكره وهو الذي ذكره أبو الحسن بن عصفور.
وقد ذكر أصحاب علم البيان ما ينافي ما ذكره ابن الضائع وابن أبي الربيع ويوافق ما قرره ابن عصفور، وهو أنهم قالوا: قد يكون للشيء صفتان من صفات التعريف ويكون السامع عالما باتصافه بإحداهما دون الأخرى؛ فإذا أردت أن تخبر بأنه يتصف بالأخرى فتعمد إلى اللفظ الدال على الأولى وتجعله مبتدأ وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية وتجعله خبرا فتفيد السامع ما كان يجهله من انصافه بالثانية كما إذا كان للسامع أخ يسمى زيدا هو يعرفه بعينه واسمه ولكن لا يعرف أنه أخوه وأردت أن تعرفه أنه أخوه فتقول له: زيد أخوك سواء عرف له أخا ولم يعرف أن زيدا -

الجزء: 3 - الصفحة: 1141

[اقتران خبر هذه الأفعال بإلا وأحكام ذلك]

قال ابن مالك: (فصل - يقترن بإلّا الخبر المنفيّ إن قصد إيجابه وكان قابلا ولا يفعل ذلك بخبر برح وأخواتها؛ لأنّ نفيها إيجاب وما ورد منه بإلا مؤوّل).
أخوه، أو لم يعرف أن له أخا أصلا.
وإن عرف أن له أخا في الجملة وأردت أن تعينه عنده قلت: أخوك زيد.
وأما إذا لم تعرف أن له أخا أصلا فلا يقال ذلك لامتناع الحكم بالتعيين على من لم يعرفه المخاطب أصلا فظهر الفرق بين قولنا: زيد أخوك، وقولنا: أخوك زيد 320. قال ناظر الجيش: قال المصنف 321: «يتناول الخبر المنفي خبر ليس وما قبلها من أفعال هذا الباب إذا تلت نفيا، ويتناول أيضا ثاني مفعولي ظن وأخواتها إذا تلت نفيا أيضا فإن قصد إمضاء النفي جيء بالخبر مجردا من إلا نحو: ليس زيد قائما وما كان منطلقا وما علمته عاجزا وإن قصد الإيجاب قرن بإلا 322 نحو: ليس زيد إلا قائما -

الجزء: 3 - الصفحة: 1142

................................  وما كان إلا منطلقا وما علمته إلا عاجزا فإن كان الخبر مما لا يستعمل إلا في نفي لم يقترن بإلا نحو: ما كان مثلك أحد.
وما كنت تعيج أي تنتفع فلو قرنت أحدا أو تعيج بإلا لم يجز لأن إلا تنقض النفي وأحد ويعيج من الكلم التي لا تستعمل إلا في نفي، فإليهما وإلى أمثالهما أشرت بقولي: إن قصد إيجابه وكان قابلا» انتهى 323. ومن ثم امتنع أن يقال: ما كان زيد [2/ 33] إلا زائلا ضاحكا وما أصبح عبد الله إلا منفكّا منطلقا وما أضحى زيد إلا بارحا قائما لأن زائلا ومنفكّا وبارحا لا يستعمل في الإيجاب لأن حكم أسماء الفاعلين حكم الأفعال.
نعم لو قلت ما كان زال زيد زائلا ضاحكا جاز لأن ما إذا دخلت على هذه الأفعال نفت أخبارها فكأنك قلت: ما زال زيد ضاحكا، ولو قلت: ما أضحى زيد رجلا زائلا ضاحكا لم يجز لأن حرف النفي لا ينفي صفة الموصوف إذا دخل عليه ألا ترى أنك لو قلت: ما زيد العاقل قائما لم تكن نافيا للفعل عن زيد، فإذا قلت ما أضحى زيد رجلا زائلا ضاحكا كان معنى زائلا غير منفي وذلك لا يجوز استعماله قاله ابن عصفور 324. وقد نوقش المصنف في دعواه أن يصبح لا يستعمل إلا في النفي.
قال الشيخ 325: «أنشد أبو عليّ القالي في النّوادر 326 قال: أنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: 731 - ولم أر شيئا بعد ليلى ألذّه... ولا مشربا أروى به فأعيج 327 ثم قال المصنف ردف كلامه السابق 328: ثم قلت: «ولا يفعل ذلك بجبر برح وأخواتها أي لا يقترن خبر برح وأخواتها بإلا لأنه موجب وإنما يجاء بإلا لإيجاب ما ليس موجبا فكما لا يقال كان زيد إلا -

الحديث: 731 - الجزء: 3 - الصفحة: 1143

................................  قائما لا يقال: ما زال زيد إلا قائما لأن مقتضى كان وما زال واحد.
وأما قول ذي الرمة 329: 732 - حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا 330 ففيه أربعة أقوال: أحدها 331: أن ينفك فعل تام وهو مطاوع فكه إذا خلصه أو فصله فكأنه قال: ما تتخلص أو ما تنفصل من السير 332 إلا في حال إناختها على الخسف.
الثاني: أن تكون تنفك ناقصة والخبر على الخسف ومناخة حال فكأنه قال: ما تنفك كائنة على الخسف أي الذل والتعب أو مرميّا بها بلدا قفرا إلا في حال إناختها.
الثالث: أن إلا زائدة قاله ابن جني في المحتسب 333 وحمل عليه قراءة ابن مسعود: (وإن كل إلا ليوفينهم ربك أعمالهم) 334.

الحديث: 732 - الجزء: 3 - الصفحة: 1144

................................  الرابع: أن ذا الرمة أخطأ بإيقاع إلا موقعا لا يصلح إيقاعها فيه وهذا أضعف الأقوال 335 ويساوي برح وأخواتها في منع اقتران الخبر بإلا: أليس وأما المقصود بهما التقرير لأن التقرير إثبات محض فإن قصد بالهمزة مجرد الاستفهام عن النفي جاز الاقتران بإلا كما يجوز عند عدم الهمزة» انتهى.
والمنقول عن الأصمعي أنه لا يحتج بذي الرمة فطالما أكل الزيت من حوانيت البقالين يعني أنه كثرت مخالطته الحاضرة ففسد لسانه 336. قال الشيخ: وجمهور أهل العلم على الاحتجاج بكلامه، وأما تخريج ابن جني فضعيف لأن إلا لم تثبت زيادتها في هذا الموضع، وأما قراءة ابن مسعود فتخريجها على أن إن نافية وإلا على بابها وليوفينهم جواب قسم محذوف أي وما كل إلا أقسم ليوفينهم 337. واعلم أن ما امتنع فيه دخول إلا [2/ 34] امتنع فيه دخول الباء فلا يقال ما زال زيد بقائم لأن الباء إنما تدخل تأكيدا للنفي والخبر هنا ثابت وكذا يمتنع أن يكون له - - أما السبعية فقد قرأها حفص وحمزة بتشديد النون من إن وتشديد الميم من لمّا.
وقرأ ابن كثير ونافع بتخفيفهما، وقرأ عاصم بتخفيف إن وتشديد لما، وقرأ الكسائي عكسه (انظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 339). أما الشاذة: فقد قرأ الزهري وسليمان بن أرحم: لما ليوفينهم بتنوين لما وهو مصدر لمّ، أي جمع كقوله تعالى: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا [الفجر: 19] وقرأ ابن مسعود القراءة المذكورة في الشرح وتوجيهها أنّ إن نافية والمعنى ما كل إلا والله ليوفينهم كما يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة وتجعل إلا زائدة وهو الوجه المذكور (المحتسب: 1/ 328).

الجزء: 3 - الصفحة: 1145

اختصاصات ليس وكان في هذا الباب

قال ابن مالك: (وتختصّ ليس بكثرة مجيء اسمها نكرة محضة وبجواز الاقتصار عليه دون قرينة واقتران خبرها بواو إن كان جملة موجبة بإلّا وتشاركها في الأول كان بعد نفي أو شبهه وفي الثّالث بعد نفي وربّما شبّهت الجملة المخبر بها في ذا الباب بالحاليّة فوليت الواو مطلقا).  جواب منصوب كما يكون في: ما كان زيد قائما فيذهب عمرو. قال ناظر الجيش: قال المصنف 338: قد تقدم في باب الابتداء أن من أسباب تجويز كون المبتدأ نكرة وقوعه بعد نفي. واسم ليس لإفادتها النفي كالمبتدأ الواقع بعد نفي فلذلك اختصت ليس بكثرة مجيء اسمها نكرة محضة 339 كقول الشاعر: 733 - كم قد رأيت وليس شيء باقيا... من زائر طيف الهوى ومزور 340 ولإفادتها النفي أيضا اختصت من بين أخواتها بجواز الاقتصار على اسمها دون قرينة زائدة على كون الاسم نكرة عامة؛ لأنه بذلك يشبه اسم لا فيجوز أن يساويه في الاستغناء به عن الخبر كقول الشاعر: 734 - ألا يا ليل ويحك نبّئينا... فأمّا الجود منك فليس جود 341

الحديث: 733 - الجزء: 3 - الصفحة: 1146

................................  أراد فليس منك جود وليس عندك جود. ومثله قول الآخر: 735 - يئستم وخلتم أنّه ليس ناصر... فبوّئتم من نصرنا خير معقل 342 وحكى سيبويه 343: «ليس أحد أي ليس هنا أحد». وقال الفراء 344: يجوز في ليس خاصّة أن تقول: ليس أحد إلّا وهو كذا؛ لأنّ الكلام يتوهّم تمامه بليس ونكرة، ألا ترى أنّك تقول: ليس أحد وما من أحد 345. ومثال اقتران خبرها بواو لكون جملته موجبة بإلا: قول الشاعر: 736 - ليس شيء إلا وفيه إذا ما... قابلته عين البصير اعتبار 346 ومثال ذلك في كان بعد نفي: قول الشاعر أنشده الفراء 347: 737 - إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن... سراج لنا إلّا ووجهك أنور 348

الحديث: 735 - الجزء: 3 - الصفحة: 1147

................................  وكذا قول الآخر: 738 - ما كان من بشر إلّا وميتته... محتومة لكن الآجال تختلف 349 وأما مشاركة كان بعد نفي ليس في مجيء اسمها نكرة محضة: فكثير ومنه قول الشاعر: 739 - إذا لم يكن أحد باقيا... فإنّ التّأسّي دواء الأسى 350 ومثال ذلك بعد شبه النفي: قول الشاعر: 740 - ولو كان حيّ في الحياة مخلّدا... خلدت ولكن ليس حيّ بخالد 351 ومثله قول الآخر: 741 - فإن يك شيء خالدا أو معمّرا... تأمّل تجد من فوقه الله غالبا 352 ومثال تشبيه الجملة الخبرية بالحالية في اقترانها بالواو: قول الشاعر: 742 - فظلّوا ومنهم سابق دمعه له... وآخر يثني دمعة العين بالمهل 353

الحديث: 738 - الجزء: 3 - الصفحة: 1148

................................  ومثله قول الآخر: 743 - وكانوا أناسا ينفحون فأصبحوا... وأكثر ما يعطونك النّظر الشّزر 354 انتهى 355. أما المسألة الأولى: وهي كون اسم ليس قد يكون نكرة محضة فظاهرة وقد عرف المسوغ لذلك.
وأما المسألة الثانية: وهي جواز الاقتصار عليه أي على اسم النكرة فلم يظهر في الشواهد [2/ 35] والأمثلة التي ذكرها أن ليس فيها قرينة كيف، وقد قال في: فليس جود: إن التقدير فليس منك جود، ومنك مذكورة قبل فهي دليل على المحذوف.
وأما: 744 - وخلتم أنه ليس ناصر...... فلا شك أن سياق الكلام وبقية البيت يدلنا على المحذوف والتقدير أنه ليس لكم ناصر.
وأما ما حكاه سيبويه ليس أحد، فلا بد أن هذا الكلام يكون جوابا لقول قائل: هل هنا أحد؟ ولذلك كان التقدير ليس هنا أحد وإذا كان كذلك فلا يحسن قول المصنف: دون قرينة لأن القرينة موجودة.
وناقش الشيخ المصنف في قوله: «لأنّه بذلك يشبه اسم لا فيجوز أن يساويه في الاستغناء به عن الخبر» فقال 356: - - وشاهده: مجيء خبر ظل مقترنا بالواو وهو موجب، وخرج على وجه آخر وهو جعل ظل تامة وأن الجملة المقترنة بعدها بالواو حالية وليست خبرية أو أن الخبر محذوف.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 360)، وهو في التذييل والتكميل (4/ 209) وفي معجم الشواهد (ص 302).

الحديث: 743 - الجزء: 3 - الصفحة: 1149

................................  «هذا ليس بجيد لأنه لم يستغن به عن الخبر بل لا بد من تقدير الخبر ضرورة أن كلّ محكوم عليه لا بدّ من محكوم به». والجواب: أن معنى قول المصنف في الاستغناء به عن الخبر الاستغناء به عن ذكر الخبر لا عن تقديره فإن التقدير لا بد منه كما أن خبر لا الذي نظر به لا بد من تقديره. ثم إن حذف خبر ليس لا شك أنه وارد كما في الأمثلة المتقدمة وقد ذكر غير المصنف ذلك مستشهدا ببعض ما استشهد به هو، غير أنهم نصوا على أن ذلك ضرورة وقليل. والمصنف ليس في كلامه تعرض للكثرة ولا للقلة، غير أنه ربما يعطي جواز ذلك في الكلام والظاهر خلافه. وقد قال ابن عصفور 357: «وإن كلّا من الجزأين في هذا الباب لا يجوز حذفه اختصارا ولا اقتصارا. قال: أما المرفوع: وإن كان مبتدأ في الأصل والمبتدأ قد يجوز حذفه لفهم المعنى لأنه لما ارتفع بالفعل صار يشبه الفاعل والفاعل لا يحذف فكذا ما أشبهه. وأمّا المنصوب: مع أنه إذا نظرت إلى أصله وهو الخبر فحذفه جائز لفهم المعنى وإن نظرت إلى لفظه الآن وهو أنه يشبه المفعول والمفعول يجوز حذفه فيجوز حذف ما أشبهه فلأنه أي المنصوب قد صار عوضا من المصدر ولذلك لا يجوز كان زيد قائما كونا 358 كراهة الجمع بين العوض والمعوض عنه ولولا أنّه عوض لجاز التصريح بالمصدر فلما صار الخبر عوضا من المصدر صار كأنه من كمال الفعل وكأنه جزء من أجزائه فلم يحذف الخبر لذلك، وقد يحذف في الضّرورة نحو قوله: 745 - لهفي عليك للهفة من خائف... يبقى جوارك حين ليس مجير 359

الحديث: 745 - الجزء: 3 - الصفحة: 1150

................................  يريد ليس في الدنيا مجير فحذف لفهم المعنى فأما قوله: 746 - إنّي ضمنت لكلّ شخص ما جنى... فأبى فكان وكنت غير غدور 360 وقوله: 747 - رماني بأمر كنت منه ووالدي... بريئا ومن أجل الطّويّ رماني 361 فإنه يتصور أن يجعل مما حذف فيه الخبر لفهم المعنى ضرورة كأنه قال: فكان غير غدور وكنت غير غدور [2/ 36] وكأن الآخر قال: كنت منه بريئا ووالدي بريئا.
ويحتمل أن يكون مما وضع فيه المفرد موضع الاثنين ضرورة فيكون نحو قوله: 748 - كأنّه وجه تركيّين قد غضبا... [مستهدف لطعان غير تذبيب] 362 ويحتمل أن يكون غدورا وبريئا من الألفاظ الواقعة على المفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد كما قالوا عدو في معنى أعداء.
قال الله تعالى هُمُ الْعَدُوُّ 363 وكما قال تعالى فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ 364 - - غير زمان وخرجوه على أنه فاعل لفعل محذوف أي لات يحصل مجير (حاشية الصبان: 1/ 256) والبيت في شرح الجمل (1/ 411) وفي التذييل والتكميل (4/ 206) وفي معجم الشواهد (ص 169).

الحديث: 746 - الجزء: 3 - الصفحة: 1151

................................  انتهى 365. وأما المسألة الثالثة: وهي اقتران خبر ليس بواو وإن كان جملة موجبة بإلا: فقد قال الشيخ 366: «هذا لا يجوز عندنا لأن أصل هذا أنه خبر للمبتدأ فكما لا يجوز دخول الواو على خبر المبتدأ إذا كان بهذه الصفة كذلك لا يجوز إذا وقع خبرا لليس لئلّا يكون الفرع أكثر تصرفا من الأصل.
وأما ما استشهد به المصنف على ذلك فليس قاطعا لأنه يحتمل أن يكون خبر ليس محذوفا، إما لأن اسمها نكرة كما زعم المصنف جواز ذلك، وإما ضرورة كما يقول أصحابنا والجملة الداخلة عليها الواو جملة حالية» انتهى 367. والذي قال الشيخ ظاهر من حيث الصناعة النحوية وينبغي التعويل عليه لأن فيما قاله المصنف خرقا للقواعد.
وأما المسألة الرابعة: وهي مجيء اسم كان نكرة بعد نفي: فظاهرة، والمسوغ لذلك واضح غير أن الشيخ ناقش المصنف في قوله: وتشاركها في الأول كان لأنه قال: وتختص ليس بكذا.
ومشاركة كان لها فيما ذكره تنفي الاختصاص 368. والجواب عن هذه المناقشة: أن الذي يختص به ليس هو مجموع ثلاثة الأمور التي ذكرها وكان لم تشاركها في الثلاثة وإنما شاركتها في البعض والمشاركة في بعض الأمور لا ينفي الاختصاص بكلها.
وأما المسألة الخامسة: وهي مشاركة كان لليس في اقتران خبرها بواو إن كان جملة موجبة بإلا: فالكلام فيها كما تقدم في ليس 369. وما استدل به محمول على حذف خبر كان ضرورة في البيت الذي أوله: ما كان من بشر وعلى أن لنا خبر في البيت الآخر 370 والجملة حالية في البيتين.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1152

اختصاصات كان في هذا الباب

قال ابن مالك: (وتختصّ كان بمرادفة لم يزل كثيرا وبجواز زيادتها وسطا باتّفاق وآخرا على رأي وربما زيد أصبح وأمسى ومضارع كان، وكان مسندة إلى ضمير ما ذكر أو بين جارّ ومجرور).
وأما المسألة السادسة: وهي أنه ربما شبهت الجملة المخبر بها في ذا الباب إلى آخره 371 في إثباتها خرم للقواعد كما تقدم وقد خرج ما استدل به المصنف على ذلك بأن فظلوا وفأصبحوا تامين قال 372: «ويحتمل أن يكونا ناقصتين وحذف خبرهما ضرورة لفهم المعنى».
قال الشيخ 373: «وما ذكره المصنف هو قول الأخفش 374 شبّه خبر كان الجملة بجملة الحال وحمله على ذلك قولهم: كان ولا مال له كما تقول: جاء ولا ثوب عليه ولا يعرف ذلك البصريّون.
وقال الفارسيّ في قول الشّاعر: 749 - كنّا ولا تعصي الحليلة بعلها... فاليوم تضربه إذا هو قد عصى 375 [2/ 37] أن كان تامة ولا تعصي واو الحال» 376. قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان: الأولى: أن كان تستعمل بمعنى لم يزل وأنها اختصت بذلك من بين أخواتها: قال المصنف 377: «الأصل في كان أن يدل بها على حصول معنى ما دخلت -

الحديث: 749 - الجزء: 3 - الصفحة: 1153

................................  عليه فيما مضى دون تعرض لأولية ولا انقطاع كغيرها من الأفعال الماضية فإن قصد الانقطاع ضمن الكلام ما يدل عليه كقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ 378. ومنه قول الشاعر: 750 - وتركي بلادي والحوادث جمّة... طريدا وقدما كنت غير طريد 379 وقد يقصد بها الدوام كما يقصد بلم يزل كقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً 380. ومنه قول الشاعر: 751 - وكنت امرأ لا أسمع الدّهر سبّة... أسبّ بها إلّا كشفت غطاءها 381 انتهى 382. ولا يعقل كون الفعل الماضي لا يدل على انقطاع فإن وضعه أن يدل على وقوع مدلوله في زمن ماض، ولو لم يدل على الانقطاع لم يتميز الحال عن غيره هذا في غير كان، وأما كان فلا شك أن حكمها حكم الأفعال الماضية لكن استعمالها في موضع يقتضي الدوام والاستمرار أوجب الخلاف فيه بخصوصه.
والصحيح أن حكمها حكم غيرها من الأفعال الماضية.

الحديث: 750 - الجزء: 3 - الصفحة: 1154

................................  قال ابن عصفور 383: اختلف النحويون في كان في مثل قولنا: كان زيد قائما إذا أردت أن تخبر أن قيام زيد كان فيما مضى هل يقتضي الانقطاع أو لا يقتضيه، فأكثرهم على أنها تقتضيه وأنك إذا قلت: كان زيد قائما فإن قيام زيد كان فيما مضى وليس الآن بقائم وهذا هو الصحيح بدليل أن العرب إذا تعجبت من صفة هي موجودة في التعجب منه في الحال قالت: ما أحسن زيدا فإذا قالت: ما كان أحسن زيدا كان التعجب من الحسن فيما مضى وهو الآن ليس كذلك.
وزعم بعضهم أنها لا تعطي الانقطاع واستدل على ذلك بمثل قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً 384 أي كان وهو الآن كذلك وقوله تعالى عز وجلّ: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً 385 أي كان وهو الآن كذلك؟ والجواب: أن ذلك قد يتصور فيه الانقطاع وذلك بأن يكون المراد به الإخبار بأن الله تعالى كان فيما مضى غفورا رحيما كما هو الآن كذلك فيكون المقصود الإخبار بأن هذه الصفة كانت له فيما مضى ولم يتعرض إلى خلاف ذلك.
ويكون معنى قوله تعالى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً أي كان عندكم في الجاهلية فاحشة.
فيكون المراد الإخبار عن الزنا كيف كان عندهم في الجاهلية ولم يتعرض إلى أكثر من ذلك 386. وقال الشيخ 387: والذي تلقيناه من الشيوخ [2/ 38] أن كان تدل على الزمان الماضي المنقطع وكذلك سائر الأفعال الماضية.
ومن يعقل حقيقة المعنى لم يشك في الدلالة على الانقطاع لكن مثل قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وإن دلّ على عدم الانقطاع فإنما علم ذلك من حيث إن هذه الصفة ثابتة في الأزمان كلها بأدلة خارجية لا من حيث وضع اللفظ.
المسألة الثانية: أن كان قد تستعمل في مكان زائدة وكذا أصبح وأمسى ومضارع كان.
أما كان فإنها تزاد بهذا اللفظ أعني بلفظ الماضي ومراد المصنف بقوله: وسطا: أنها تتوسط بين مسند ومسند إليه نحو ما كان أحسن زيدا وكذا لم ير كان -

الجزء: 3 - الصفحة: 1155

................................  مثلهم 388، وكقول أبي أمامة الباهلي 389 رضي الله عنه: لا يا نبيّ الله أو نبيّ كان آدم 390 وحكى سيبويه 391: إنّ من أفضلهم كان زيدا وخرجه المبرد على وجه رده عليه الناس وحكموا بزيادة كان 392. أو بين صفة وموصوف 393 كقول الشاعر: 752 - في غرف الجنّة العليا الّتي وجبت... لهم هناك بسعي كان مشكور 394 وقد زيدت بين المتعاطفين، قال الفرزدق: 753 - في لجّة غمرت أباك بحورها... في الجاهلّية كان والإسلام 395 قال المصنف 396: «وزعم السّيرافي أنّ كان الزّائدة مسندة إلى ضمير مصدر -

الحديث: 752 - الجزء: 3 - الصفحة: 1156

................................  منويّ» 397. قال الشيخ 399: «ووافقه الصّيمريّ 400 وغيره»: قال المصنف: «ولا حاجة إلى ذلك، ولا يبالى بأن يقال خلوها من الإسناد إلى منوي يلزم منه كون الفعل حديثا من غير محدث عنه لأن كان المحكوم بزيادتها تشبه الحرف الزائد فلا يبالي بخلوها من الإسناد كما أن الضمير الواقع فصلا لما قصد به ما يقصد بالحروف من الدلالة على معنى في غيرها استجيز أن لا يكون له موضع من الإعراب، وأيضا فإن كان قد زيدت بين على ومجرورها فإذا نوي معها فاعل لزم الفصل بين الجار والمجرور بجملة ولا نظير لذلك وإذا لم ينو معها ضمير فاعل كان الفصل بكلمة واحدة فلا يمتنع كما لم يمتنع الفصل بما بين من وعن والباء وربما والكاف ومجروراتها» انتهى 403. والذي اختاره المصنف من أن (كان) 404 لا فاعل لها هو مذهب -398401402

الجزء: 3 - الصفحة: 1157

................................  الفارسي 405 نقله عنه ابن عصفور واستدل الفارسي بنحو مما أشار إليه المصنف فإنه قال 406: «إن الفعل إذا استعمل استعمال ما لا يحتاج إلى فاعل استغنى عن الفاعل ويدل على ذلك أن قلما فعل لكن العرب استعملته للنفي، فقالت: قلما يقوم زيد في معنى ما يقوم زيد، فلم يحتج إلى فاعل كما أن ما لا تحتاج إلى فاعل بل صارت قلما بمنزلة الحروف التي تصحب الأفعال فكذلك كان لما زيدت للدلالة على الزمان الماضي صارت بمنزلة أمسى فكما أن أمسى لا يحتاج إلى فاعل كذلك ما استعمل استعماله» 407 [2/ 39]. وأما زيادة كان آخرا: فلم يذكر له شاهد غير أن المصنف قال 408: «وأجاز بعض النّحويين زيادة كان آخرا قياسا على إلغاء ظن آخرا». قال الشيخ: «هو الفرّاء 409 أجاز أن تقول: زيد قائم كان». قال المصنف: والصحيح منع ذلك لعدم استعماله ولأن الزيادة على خلاف الأصل فلا تستباح في غير مواضعها المعتادة. فأما زيادة كان مسندة إلى ضمير ما ذكر: فشاهده البيت المذكور وهو: 754 - فكيف إذا مررت بدار قوم... وجيران لنا كانوا كرام 410

الحديث: 754 - الجزء: 3 - الصفحة: 1158

................................  وأنشد المصنف ذلك شاهدا على زيادة كان بين الصفة والموصوف.
ثم قال: ولا يمنع من زيادتها إسنادها إلى الضّمير كما لا يمنع من إلغاء ظنّ إسنادها في نحو: زيد ظننت قائم.
هذا مذهب سيبويه.
انتهى 411. وهو مذهب الخليل أيضا 412. وذهب أبو العباس وأكثر النحويين إلى أنها ليست زائدة فقالوا: كانوا: كان واسمها ولنا في موضع خبرها والجملة في موضع الصفة لجيران وكرام صفة بعد صفة 413 وذلك نظير قوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ 414 ومنه قول امرئ القيس: 755 - وفرع يغشّي المتن أسود فاحم... أثيث كقنو النّخلة المتعثكل 415

    • أكفكف عبرة العينين منّي... وما بعد المدامع من ملام وبيت القصيد فيها قوله لناقته: إلام تلفّتين وأنت تحتي... وخير النّاس كلّهم أمامي وفي الشاهد كلام كثير انظره في الشرح، والبيت في شرح التسهيل (1/ 361). وفي شرح الجمل (1/ 398)، وفي التذييل والتكميل (4/ 218) وفي معجم الشواهد (ص 370).

الحديث: 755 - الجزء: 3 - الصفحة: 1159

................................  وللفارسي في البيت كلام فيه قلق 416. ولابن عصفور فيه تخريج بعيد وهو أنه قال 417: «يتصور زيادة كان في هذا البيت على أن يكون أصل المسألة وجيران لنا هم كرام على أن يكون لنا في موضع الصفة لجيران وهم فاعل بلنا على حد مررت برجل معه صقر صائدا به غدا لأن سيبويه قد نصّ على أن صقرا مرفوع بمعه 418 لأنه لو قدر المجرور خبرا لصقر لكانت النية به التأخير لأن النية في الخبر أن يكون بعد المبتدأ وإذا كان صفة وصقر مرفوع به كان في موضع لا ينوي به التأخير واللفظ إذا أمكن أن يكون في موضعه لم يجز أن ينوي به الوقوع في غير موضعه ثم زيدت كان بين لنا وهم لأنها تزاد بين العامل والمعمول فصار لنا كان هم ثم اتصل الضمير بكان وإن كانت غير عاملة فيه لأن الضمير قد يتصل بغير عامله في الضّرورة كقول القائل: 756 - وما علينا إذا ما كنت جارتنا... ألّا يجاورنا إلّاك ديّار 419 فالأصل إلا إيّاك ثم وصل الضمير بإلا اضطرارا وإن كانت غير عاملة فيه لأن الاستثناء منتصب من تمام الكلام».
انتهى 420. وقد نحى الشيخ إلى أن كان في البيت ليست زائدة وخرج ذلك على الوجه الذي تقدم ذكره عن أبي العباس وأكثر النحويين 421. والذي يظهر أنه الحق.
لكن سيبويه قد حكم عليها بالزيادة في هذا البيت فيشكل الأمر حينئذ.
وقد اعتذر من إطلاق الخليل وسيبويه عليهما [2/ 40] أنها زائدة بأنهما -

الحديث: 756 - الجزء: 3 - الصفحة: 1160

................................  لا يعنيان بالزيادة ما فهمه النحويون عنهما، إنما أراد بالزيادة أنه لو لم تدخل هذه الجملة بين جيران وكرام لفهم أن هؤلاء القوم كانوا جيرانه فيما مضى وأنه قد فارقهم، فالجيرة كانت في الزمان الماضي فجيء بقوله: كانوا لنا على هذا المعنى فلا يستفاد منها إلا تأكيد ما فهم من المعنى قبل دخولها فأطلق عليها الزيادة بهذا المعنى. ويدل على أنه يصف حالا ماضية قبل هذا البيت: 757 - هل أنتم عائجون بنا لعنّا... نرى العرصات أو أثر الخيام 422 ذكره الشيخ 423 ثم قال: ولا يمتنع أيضا أن يكون قوله: كانوا التامة ويكون على حذف مضاف أي وجدت جيرتهم في الزمان الماضي ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وتكون الجملة صفة ويكون معنى الزيادة على ما قرر بتقدير أنّها النّاقصة» انتهى 424. وأما مضارع كان: فقال المصنف: وشذت زيادة تكون في قول أم عقيل 425 ابن أبي طالب: 758 - أنت تكون ماجد نبيل... إذا تهبّ شمأل بليل 426

الحديث: 757 - الجزء: 3 - الصفحة: 1161

................................  وأجاز الفراء زيادة يكون بين ما وفعل التعجب 427 نحو ما يكون أطول هذا الغلام ويشهد لقوله قول رجل من طيئ: 759 - صدّقت قائل ما يكون أحقّ ذا... طفلا يبذّ ذوي السّيادة يافعا 428 قال الفراء: «وأخوات كان تجري مجراها» 429. قلت: ولا خلاف في زيادة كان بعد ما التعجبية كقول الشاعر: 760 - ما كان أسعد من أجابك آخذا... بهداك مجتنبا هوى وعنادا 430 انتهى 431. وأما زيادة كان بين جار ومجرور: فشاهده قول الشاعر: 761 - سراة بني أبي بكر تسامى... على كان المسوّمة العراب 432

    • في غده.
      اللغة: ماجد نبيل: كريم زكي.
      شمال بليل: ريح من الشمال مبلولة بالماء.
      وشاهده: مجيء كان زائدة بلفظ المضارع وهو شاذ.
      وخرجوه على عدم الزيادة وأن اسمها ضمير المخاطب مستتر والخبر محذوف، والتقدير: أنت ماجد نبيل تكونه (الدرر: 1/ 89). والبيت في شرح التسهيل (1/ 362)، وفي التذييل والتكميل (4/ 217)، وفي معجم الشواهد (ص 521).

الحديث: 759 - الجزء: 3 - الصفحة: 1162

................................  قيل: ولم يحفظ زيادتها بين جار ومجرور إلا في هذا البيت.
وأما أصبح وأمسى: فقال المصنف 433: وشذ أيضا زيادة أصبح وأمسى في قول بعض العرب ما أصبح أبردها وما أمسى أدفأها.
وأجاز أبو علي زيادة أصبح 434 في قول الشاعر: 762 - عدوّ عينيك وشانيهما... أصبح مشغول بمشغول 435 وكذلك أجاز زيادة أمسى في قول الشاعر الآخر: 763 - أعاذل قولي ما هويت فأوّبي... كثيرا أرى أمسى لديك ذنوبي 436 - اللغة: السّراة: بفتح السين جمع سرى وهو الشريف العظيم وبضمها جمع سار كقضاة وقاض وفيه من المعنى السابق أيضا.
تسامى: أصلها تتسامى أي تعلو وترتفع.
المسومة: الخيل المعروفة المعلمة.
العراب: الخيل العربية الأصيلة.
والمعنى: أن سادات بني أبي بكر يركبون الخيول العربية المعلمة بجودتها.
وشاهده: زيادة كان بين الجار والمجرور شذوذا.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 361)، وفي التذييل والتكميل (4/ 222)، وفي معجم الشواهد (ص 98).

الحديث: 762 - الجزء: 3 - الصفحة: 1163

[أحكام خاصة بكان]

قال ابن مالك: (وتختصّ كان أيضا بعد إن أو لو بجواز حذفها مع اسمها إن كان ضمير ما علم من غائب أو حاضر فإن حسن مع المحذوفة بعد إن تقدير فيه أو معه أو نحو ذلك؛ جاز رفع ما وليها وإلّا تعيّن نصبه وربّما جرّ مقرونا بـ «إن لا» أو بـ «إن» وحدها إن عاد اسم كان إلى مجرور بحرف، وجعل ما بعد الفاء الواقعة جواب إن المذكورة خبر مبتدأ أولى من جعله خبر كان مضمرة، أو مفعولا بفعل لائق أو حالا، وإضمار كان النّاقصة قبل الفاء أولى من التامة وربّما أضمرت النّاقصة بعد «لدن» وشبهها والتزم حذفها معوّضا منها ما بعد أن كثيرا وبعد إن قليلا ويجوز حذف لامها السّاكن جزما ولا يمنع ذلك ملاقاة ساكن [2/ 41] وفاقا ليونس).
قال ناظر الجيش: اعلم أن كان تختص دون أخواتها بأمور: وقد تقدم ذكر أمرين منها وهما مرادفة لم يزل وذلك على ما اختاره المصنف 437، وزيادتها بالشرط الذي ذكر 438. وشرع الآن المصنف في ذكر أمر ثالث وهو الحذف، فإنه مما اختصت به كان إذا كان في الكلام دليل على الحذف.
ثم لها في الحذف أحوال أربع: أن تحذف مع اسمها ويبقى الخبر، وأن تحذف مع الخبر ويبقى الاسم، وأن تحذف وحدها ويبقى المعمولان، وأن تحذف مع المعمولين.
وحيث حذفت فالحذف جائز؛ فيجوز الذكر إلا أن يعوض عنها غيرها فلا يجوز الذكر فيكون الحذف حينئذ واجبا كما سترى ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى، ثم إن المصنف ختم الكلام بمسألة وهي جواز حذف لام مضارع كان إذا كان ساكنا للجزم بالشرط الذي سيذكره وهذا مما اختصت به كان أيضا في مضارعها.
وقد أشار المصنف إلى الحالة الأولى: وهي حذفها مع اسمها مع إبقاء الخبر بقوله: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1164

................................  وتختصّ كان أيضا بعد إن ولو بجواز حذفها إلى قوله: أو حاضر. ونظم كلامه أربع صور وهي: أن يكون الحذف بعد إن، واسم كان ضمير غائب، أو حاضر، وبعد لو، واسم كان كذلك أيضا بشرط أن يكون الاسم معلوما. فمثال حذف كان بعد إن مع اسمها وهو ضمير غائب معلوم، قول الشاعر: 764 - انطق بحقّ وإن مستخرجا إحنا... فإنّ ذا الحقّ غلّاب وإن غلبا 439 ومثال الحذف مع كون الاسم ضمير حاضر 440، قول الآخر: 765 - حدبت عليّ بطون ضنّة كلّها... إن ظالما فيهم وإن مظلوما 441

الحديث: 764 - الجزء: 3 - الصفحة: 1165

................................  ومثله قول الآخر: 766 - لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف... إن ظالما أبدا وإن مظلوما 442 ومثال الحذف بعد لو والاسم ضمير غائب، قول الشاعر: 767 - لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل 443 ومثاله والاسم ضمير حاضر، قول الشاعر: 768 - علمتك منّانا فلست بآمل... نداك ولو غرثان ظمآن عاريا 444 قال المصنف: «فالنّصب في مثل هذا متعين لعدم صلاحيّة تقدير ما يجعل خبرا من فيه أو معه أو نحوهما» انتهى 445. قال الشيخ: «ويجري مجرى لو غيرها من الحروف الدالة على الفعل إذا تقدّم ما يدل عليه نحو هلا وألا لكنه ليس بكثير الاستعمال» انتهى 446. - - (ص 337).

الحديث: 766 - الجزء: 3 - الصفحة: 1166

................................  ثم أشار المصنف إلى الحالة الثانية: وهي حذفها مع الخبر مع بقاء الاسم بقوله: فإن حسن مع المحذوفة بعد إن تقدير فيه أو معه إلى آخره.
يعني إذا صلح بعد إن تقدير شيء من ذلك جاز الرفع على أن المذكور اسم كان وذلك المقدر هو الخبر وذلك نحو: «النّاس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ، والمرء مقتول بما قتل به إن سيفا فسيف وإن خنجرا فخنجر» 447. فانتصاب خيرا وشرّا وسيفا وخنجرا على تقدير إن كان العمل خيرا [2/ 42] أو شرّا وإن كان المقتول به سيفا أو خنجرا وارتفاعها على أنها اسم كان أي إن كان في أعمالهم خير أو شرّ وإن كان معه سيف أو خنجر ولا شك أن النصب أولى من الرفع كما سيأتي: وربما يشعر قول المصنف: جاز رفع ما وليها - بأن غير الرفع هو الراجح.
وقوله: وإلّا تعيّن نصبه أي وإلا يحسن تقدير فيه أو معه أو نحو ذلك تعين النصب على أنه خبر كان المحذوفة.
ومثل سيبويه ذلك بقوله 448: مررت برجل إن طويلا وإن قصيرا وامرر بأيّهم أفضل إن زيدا وإن عمرا ومررت برجل قبل إن طويلا وإن قصيرا.
قال سيبويه 449: لا يكون في هذا إلّا النّصب لأنّك لا تستطيع أن تقول إن كان فيه طويل وإن كان فيه زيد.
ومن أمثلة سيبويه 450: مررت برجل (صالح) 451 وإن لا صالحا فطالح، قال: ومن العرب من يقول: إن لا صالحا فطالحا، وقدره سيبويه إن لا يكن صالحا فقد -

الجزء: 3 - الصفحة: 1167

................................  لقيته طالحا على الحال 452. وأما قول المصنف: وربما جرّ مقرونا بإن لا إلى آخره (فإنه يشير) 453 إلى ما حكى يونس في هذا المثال إن لا صالح فطالح 454. قال المصنف: «التقدير إن لا أمر بصالح فقد مررت بطالح قال 455: وأجاز يونس امرر بأيهم أفضل إن زيد وإن عمرو على تقدير إن مررت بزيد وإن مررت بعمرو 456. وجعل سيبويه إضمار الباء بعد إن هذه أسهل من إضمار ربّ بعد الواو».
انتهى.
وكلامه يشعر بأن سيبويه يرتضي ما حكاه يونس وعبارة سيبويه تعطي خلاف هذا فإنه قال 457: وزعم يونس أنّ من العرب من يقول: إلّا صالح فطالح على إن لا أكن مررت بصالح فبطالح وهذا قبيح ضعيف 458 لأنّك تضمر بعد إن لا فعلا آخر غير الذي يضمر بعد إن لا في قولك: إن لا يكن صالحا فطالح، ولا يجوز أن يضمر الجارّ ولذلك لمّا ذكروه في أول كلامهم شبّهوه بغيره من الفعل، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمرت ربّ ونحوها في قولهم: 769 - وبلدة ليس بها أنيس... [إلّا اليعافير وإلّا العيس] 459 ومن ثمّ قال يونس: امرر بأيّهم أفضل إن زيد وإن عمرو يعني إن مررت بزيد -

الحديث: 769 - الجزء: 3 - الصفحة: 1168

................................  أو مررت بعمرو» انتهى 460. فتبين أن سيبويه لا يرى قوة ما حكاه يونس، وإن يونس إنما أجاز امرر بأيهم أفضل إن زيد وإن عمرو بالقياس على ما حكاه ولا يسوغ القياس على ما يحكم بضعفه وقبحه.
قيل ووجه جعل سيبويه إضمار رب أن الباء إنما أضمرت مع فعل ورب حرف خالص لم يضمر معها فعل وإلا فإضمار رب مطرد، وهذا لا يقال منه إلا ما سمع، فكيف يكون هذا أقوى من ذاك.
وقد عرفت أن المصنف جعل التقدير فيما حكاه يونس 461 إن لا أمرّ بصالح وقد مررت بطالح.
وتقدير سيبويه إن لا أكن مررت بصالح فبطالح.
قالوا 462: وتقدير سيبويه هو الصواب لأنه مبني على قوله: مررت برجل إن لا صالح فطالح فهو مبني على ماض فتقديره بإن لا أكن مررت مطابق لما قبله [2/ 43] بخلاف إن لا أمر لأنه مستقبل فلا يناسب تقديره وأيضا فتقدير سيبويه يقتضي بأن المحذوف هو أكن وهي المعهود حذفها بعد إن بخلاف أمر.
ثم إن المصنف لما ذكر أن في الاسم الواقع بعد إن في نحو إن خيرا فخير، وإن سيفا فسيف وجهين: النصب والرفع - ذكر أن في الاسم الواقع بعد الفاء في هذا الكلام وجهين أيضا: الرفع والنصب فذكر أن الرفع أولى وأشار إلى ذلك بقوله: وجعل ما بعد الفاء الواقعة في جواب إن المذكورة إلى قوله: أو حالا.
قال في الشرح 463: «إن الاسم الواقع بعد الفاء في الحديثين المذكورين 464 ونحوهما يرتفع على أنه خبر مبتدأ وينتصب على أنه خبر كان مضمرة أو يجعل مفعولا به أو منصوبا على الحال إلا أن رفعه أجود لأن المحذوف معه شيء واحد ومع النصب شيئان فعل واسم مرفوع به ولأن وقوع الجملة الاسمية بعد الفاء المجاب بها الشرط أكثر من وقوع الجملة الفعلية ويجوز جعل ما بعد الفاء مفعولا به والتقدير إن كان عمله خيرا فيجزى خيرا أو يعطى خيرا ويجوز جعله حالا ويكون التقدير إن كان -

الجزء: 3 - الصفحة: 1169

................................  عمله خيرا فيلقاه خيرا ونحو ذلك، وقد أشار سيبويه إلى ذلك كله» 465. انتهى 466. والتقدير إذا رفع الاسم المذكور فالذي يجزونه خير.
وقد علم بهذا الذي ذكرناه أن في نحو: إن خيرا فخير وإن شرّا فشر أربعة أوجه 467. لكن أحسنها نصب الأول ورفع الثاني وهو الوجه الذي بدأ به سيبويه 468. ثم قال 469: ومن العرب من يقول: إن خيرا فخيرا ثم ذكر أن رفعهما عربيّ حسن 470. وزاد النحويون: إن خير فخيرا برفع الأول ونصب الثاني قالوا: وأحسن الوجوه نصب الأول ورفع الثاني كما تقدم، ثم رفعهما ثم نصبهما ثم رفع الأول ونصب الثاني، وتعليل الأوجه المذكورة ظاهر مما تقدم.
وقد زعم الأستاذ أبو علي 471 أن رفعهما ونصبهما متكافئان لأن ما في نصب الأول من الحسن يقابله قبح رفعه وما في نصب الثاني من القبح حسن رفعه.
ولابن عصفور معه بحث في ذلك لأنه رد عليه قوله في التكافؤ تركته خوف الإطالة 472. وكما أضمرت كان فيما ذكرنا أضمرت في الشرط الصريح المحض تقول: أنا أفعل كذا إن لا معينا فلا مفسدا عليّ إن لا تكن معينا لي فلا تكن مفسدا عليّ، ويجوز الرفع إذا صح المعنى ومنه إن لا حظية فلا أليّة أي إن لا تكن لك في النساء حظية فإني غير ألية أي غير مقصرة في خدمتك 473. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1170

................................  وأما قول صاحب الكتاب 474: «وإضمار كان النّاقصة قبل الفاء أولى من التّامّة» فهو كلام متشبث بما قبله، وذلك أنه يتعلق بقوله: فإن حسن مع المحذوفة بعد إن تقدير فيه أو معه أو نحو ذلك جاز رفع ما وليها، وكلامه إنما هو في كان لناقصة ولا شك [2/ 44] أنه يتعين حينئذ أن يكون ذلك المقدر خبرا وأن يكون المرفوع اسما ثم إنه لا يمتنع أن يكون كان المحذوفة هي التامة ويكون ذلك المرفوع فاعلا بها والمجرور المقدر يتعلق بها فأشار بهذا الكلام الآن إلى أن كون المحذوفة هي الناقصة أولى من كونها التامة.
قال في الشرح 475: «وسبب ذلك أن إضمار الناقصة مع النصب متعين وهو مع المرفوع ممكن فوجب ترجيحه ليجري الاستعمالان على سنن واحد ولا يختلف العامل، ولأن الفعل التام إذا أضمر بعد إن الشرطية لا يستغنى عن مفسر نحو وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ 476 فخولف هذا في كان الناقصة لوقوع ثاني جزأيها موقع المفسر ولأنها توسع فيها بما لا يستعمل في غيرها فمقتضى الدليل ألا تشاركها التامة في الإضمار المشار إليه.
لكن أجيز فيها لشبهها بالناقصة.
فلا يستويان في التقدير» 477. ثم إن كان لما كانت قد تحذف ولو لم تقع بعد إن أو لو أشار المصنف إلى ذلك بقوله: وربما أضمرت النّاقصة بعد لدن وشبهها.
فمثال إضمارها بعد لدن: قول الشاعر: 770 - من لد شولا فإلى إتلائها 478

    • (1/ 260)، لسان العرب (مادة حظا).
      وأصله أن المرأة تصلف عند زوجها فيقال لها: إن أخطأتك الحظوة فلا تألي أن تتوددي إليه، والمثل قالته امرأة لم تقصر في خدمة زوجها ومع ذلك لم تحظ عنده بالحب والتقدير.
      ويضرب المثل في الأمر بمداراة الناس ليدرك الإنسان بعض ما يحتاج إليه منهم، روي بنصبهما على أن أصله: إلا أكن حظيّة فلا أكون ألية.
      وروى برفعهما كما في الشرح.

الحديث: 770 - الجزء: 3 - الصفحة: 1171

................................  يصف إبلا والتقدير من لد أن كانت شولا.
قال المصنف 479: «وكذا يقدّره الجمهور وعندي أن تقدير أن مستغنى عنها كما يستغنى عنها بعد مذ» قال الشيخ 480: «كذا قدره سيبويه 481 وحمل الناس كلامه على أنه تفسير معنى لا تفسير إعراب والمعنى من لد كانت شولا» والشّول: التي ارتفع ألبانها من النوق والمعنى لد كانت شولا إلى لقاحها فإلى إتلائها ولذا أتى بالفاء ليحمل شيئا على شيء ولولا ذلك لم يجز دخول الفاء وإتلاؤها هو أن يتلوها ولدها ويتبعها.
ومثال إضمار كان بعد شبه لدن: قول الشاعر: 771 - أزمان قومي والجماعة كالّذي... لزم الرّحالة أن تميل مميلا 482 أراد: أزمان كان قومي مع الجماعة كالذي لزم الرحالة، كذا قال سيبويه 483 وأما - - اللغة: الشّول جمع شائلة وهي الإبل التي أتى على حملها أو وضعها سبعة أشهر فخف لبنها.
الإتلاء: مصدر أتلت الناقة إذا تبعها ولدها وتلاها.
والمعنى: يذكر الشاعر أنه ربى هذه الناقة من يوم أن حملت حتى وضعت وتبعها ولدها.
الإعراب: من لد: أصله من لدن جار ومجرور متعلق بفعل محذوف في بيت قبله والتقدير: ربيتها من لدن... إلخ.
شولا: خبر لكان المحذوفة مع اسمها والتقدير: من لد أن كانت شولا وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بإضافة لدن إليه، ولا يصح جر شولا بالإضافة لأن لدن تلزم الإضافة إلى زمان كثيرا ومكان قليلا.
والشول ليس منهما فلزم تقدير مصدر والمصادر من الأزمنة، فإلى إتلائها: معطوف على ما قبله.
وشاهده: حذف كان مع اسمها بعد لدن وهو قليل والكثير حذفها مع اسمها بعد إن ولو الشرطيتين.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 365)، وفي التذييل والتكميل (4/ 230)، وفي معجم الشواهد (ص 439).

الحديث: 771 - الجزء: 3 - الصفحة: 1172

................................  قول المصنف: فالتزم حذفها معوّضا منها ما بعد أن كثيرا وبعد إن قليلا فهو إشارة إلى الحالتين الأخريين أعني الثالثة والرابعة وهما أن تحذف كان وحدها ويبقى معمولاها وأن تحذف مع المعمولين ولكن الحذف عوض في الحالتين وكذا كان الحذف فيهما واجبا كما أفهمه قوله: والتزم حذفها إلى آخره أي آخره أي إن كان تحذف وجوبا معوضا منها ما بعد أن المصدرية الناصبة وبعد إن الشرطية.
ولما كانت ما عوضا لم يجز حذفها.
أما الحذف مع بقاء المعمولين 484 وذلك بعد أن المصدرية 485 فنحو قول الشاعر [2/ 45]: 772 - أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر... فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع 486 أراد: لأن كنت فحذفت اللام فبقى أن كنت ثم حذف كان وجاء بالضمير المنفصل خلفا من المتصل وبما قبله عوضا من كان والتزام حذفها لئلا يجمع بين العوض والمعوض عنه.
ومثل أما أنت ذا نفر: أما أنت مرتحلا من قول الشاعر: -

الحديث: 772 - الجزء: 3 - الصفحة: 1173

................................  773 - إمّا أقمت وأما أنت مرتحلا... فالله يكلأ ما تأتي وما تذر 487 وأما الحذف مع حذف المعمولين 488 وذلك بعد إن الشرطية فنحو قول العرب: (افعل ذلك إمّا لا) أي إن كنت لا تفعل غيره 489. ومثله قول الآخر: 774 - أمرعت الأرض لو أنّ مالا... لو أنّ نوقا لك أو جمالا أو ثلّة من غنم إمّا لا 490 أراد: إن كان لا يكون لك غيرها.
وأمثال أما أنت ذا نفر كثير بخلاف إما لا فإن استعماله قليل لأن الحذف فيه أكثر.
هذا كلام المصنف 491. وعلم من قوله: أن قائل أما أنت ذا نفر أراد لأن كنت فحذف اللام.
أن اللام للتعليل وكذا قالوا في أما أنت منطلقا انطلقت معك أن أما أنت مفعول من أجله وهذا واضح، ثم ها هنا أمور: -

الحديث: 773 - الجزء: 3 - الصفحة: 1174

................................  منها: أن من أمثلة سيبويه أما زيد ذاهبا ذهبت معه 492 أي لأن كان زيد ذاهبا ذهبت معه فأتى بالاسم ظاهرا وعلم منه أن مثل هذا التركيب لا يلزم منه أن يكون اسم كان مضمرا.
ومنها: أن بعض النحويين يزعم أن كان في هذا التركيب تامة ويجعل المنصوب فيه حالا ويستدل بلزوم التنكير فيه 493. ومنها: أن أبا علي وابن جني زعما أن ما هي الرافعة الناصبة وأنها نابت مناب كان في العمل 494. ولا شك أن قولهما هذا مخالف لما صرح به سيبويه في المسألة من إضمار كان.
ومنها: أن الفعل الذي هو كان لا يحذف مع إن المكسورة معوضا عنها ما إلا في هذا التركيب خاصة أعني قولهم إما لا.
فلو قلت: إما كنت منطلقا انطلقت معك كانت ما زائدة وليست عوضا ولا يجوز أن تقول إما أنت منطلقا انطلقت معك، ومن ثم قال سيبويه: حذف الفعل لا يجوز هنا يعني مع المكسورة كما لم يجز ثمّ إظهاره يعني مع المفتوحة 495. وقول المصنف: ويجوز حذف لامها السّاكن جزما يشير به إلى أمر اختصت كان به أيضا وهو جواز حذف لام مضارعها إذا كان ساكنا للجزم ويذكر الساكن جزما استغنى عن ذكر المضارع إذ لا يجزم من الأفعال غيره.
قال في الشرح 496 «مما تختص به كان جواز حذف لام مضارعها الساكن جزما كقوله تعالى: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ 497. وكقوله تعالى: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ 498 فإن وليه ساكن امتنع -

الجزء: 3 - الصفحة: 1175

................................  الحذف عند سيبويه 499 ولم يمتنع عند يونس 500. وبقوله أقول [2/ 46] لأن هذه النون إنما حذفت للتخفيف وثقل اللفظ فالحذف حينئذ أولى إلا أن الثبوت دون ساكن ومع ساكن أكثر من الحذف فلذلك جاء القرآن العزيز بالثبوت مع الساكن في قوله تعالى: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ 501 وفي قوله: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا 502. وقد استعملت العرب الحذف قبل الساكن كثيرا ومنه قول الشاعر: 775 - لم يك الحقّ سوى أن هاجه... رسم دار قد تعفّى بالسّرر 503 وقول الآخر: 776 - فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم 504 وقول الآخر: 777 - إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنه عقد التّمائم 505

الحديث: 775 - الجزء: 3 - الصفحة: 1176

................................  ولا ضرورة في هذه الأبيات لإمكان أن يقال في الأول لم يكن حق سوى أن هاجه، وفي الثاني فإن تكن المرآة أخفت وسامة، وفي الثالث إذا لم يكن من همة المرء ما نوى» انتهى 506. قال الشيخ: «ما ذكره المصنف من أنه لا ضرورة في ذلك لإمكان أن يقول الأول كذا والثاني كذا والثالث كذا يقال له في جواب ذلك: ما من ضرورة في شعر العرب إلا ويمكن تبديلها ونظم شيء مكانها وعلى هذا لا يكون في كلام العرب ضرورة» انتهى 507. وما ذكره الشيخ حق لا مدفع له وإذا كان كذلك فالحق أن الحذف قبل الساكن ضرورة كما ذهب إليه سيبويه.
واعلم أن صيغ المضارع الأربعة 508 سواء في الحكم الذي تقدمت الإشارة إليه وورد الجميع في الكتاب العزيز وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا 509، قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ 510، وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ 511 فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ 512. ولا فرق في ذلك أيضا بين الناقصة والتامة لكن الناقصة يكثر فيها ذلك لكثرة تصرفها في الكلام والتامة يقل فيها ذلك كقراءة من قرأ وإن تك حسنة يضعفها 513 برفع التاء ثم حذف النون شاذ في القياس لأنها من نفس الكلمة لكن إنما سوغ الحذف كثرة الاستعمال وشبه النون بحروف العلة فكأنهم جددوا لهم جزما.
وتناسوا الجزم القياسي.
واعلم أن المصنف لما ذكر في باب المفعول المسمى ظرفا أن الظرف أصله أن - - يأتي من تميمة أو غيرها.
وشاهده: كالذي قبله.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 367) وفي التذييل والتكميل (4/ 236) وفي معجم الشواهد (ص 365).

الجزء: 3 - الصفحة: 1177

حكم معمول الخبر في هذا الباب

قال ابن مالك: (ولا يلي عند البصريّين كان وأخواتها غير ظرف وشبهه من معمول خبرها [2/ 47] واغتفر ذلك بعضهم مع اتّصال العامل وما أوهم خلاف ذلك قدّر فيه البصريّون ضمير الشأن).
يكون مقرونا بفي لفظا وأنه استغنى عن لفظها بمعناها مع الظاهر ولزم الرجوع إلى الأصل مع الضمير، قال: «لأنّ الإضمار يردّ الشّيء إلى أصله ولذلك لزم من يقول من لد زيدا أن يقول من لدنه برد النون ولزم من يقول لم يك صديقا أن يقول: أما الصديق فإن لم يكنه فمن يكونه فردّ النّون أيضا».
فكان هذا الكلام منه في باب الظروف تقييدا لما ذكره هنا أعني في باب كان وهو قوله: ويجوز حذف لامها السّاكن، فإنه كلام مطلق ولكن شأن العلماء أرباب المصنفات أنهم إذا أطلقوا القول في مكان وقيدوا في مكان آخر كان الكلام المقيد مقيدا للمطلق.
وإنما قلنا ذلك لأن الشيخ استدرك على المصنف هذه المسألة 514 وقد تبين أنه لا استدراك ويظهر أن الشيخ إنما أخذ ذلك من كلام المصنف 515. قال ناظر الجيش: قال المصنف 516 «لا يجوز عند البصريين أن يفصل بمعمول خبر كان بينها وبين اسمها والخبر متأخر نحو كان طعامك زيد يأكل وكذا لو لم يتأخر الخبر نحو كان طعامك يأكل زيد وهو أيضا غير جائز عند سيبويه 517 كالأول.
ومن الناس من أجاز الآخر دون الأول 518 وكلاهما عند الكوفيين جائز ومن -

الجزء: 3 - الصفحة: 1178

................................  حجّتهم قول الشاعر: 778 - قنافذ هدّاجون حول بيوتهم... بما كان إيّاهم عطيّة عوّدا 519 وقول الآخر: 779 - فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهم... وليس كلّ النّوى تلقي المساكين 520 وهذا وما أشبهه عند البصريين محمول على أن يضمر قبل المنصوب ضمير الشأن اسما فيندفع الإشكال ويجوز جعل كان في البيت الأول زائدة ويجوز جعل ما بمعنى الذي وفي كان ضمير ما وهو اسم كان وعطية مبتدأ خبره عوّدا وهو ذو مفعولين -

الحديث: 778 - الجزء: 3 - الصفحة: 1179

................................  أحدهما إياهم والثاني هاء عائدة على ما فحذفت وهي مقدرة. فلو كان معمول الخبر ظرفا أو جارا ومجرورا جاز بإجماع تقديمه على الاسم متصلا بالخبر نحو كان عندك مقيما زيد ومنفصلا نحو كان عندك زيد مقيما لأن الظرف والجار والمجرور يتوسع فيهما توسعا لا يكون لغيرهما ولذلك فصل بهما بين المضاف والمضاف إليه كقول الشاعر: 780 - كما خطّ الكتاب بكفّ يوما... يهوديّ يقارب أو يزيل 521 وبين الاستفهام والقول الجاري مجرى الظن نحو أغدا تقول زيدا منطلقا ولو قلت أنت تقول لبطل النصب ولزمت الحكاية في اللغة المشهورة 522. وقد أجيز ما غدا زيد ذاهبا بإيلاء الظرف ما وهو معمول خبرها 523 فإجازة ذلك أولى. ووجد في نسخة أخرى من الشرح للمصنف أيضا بعد تضعيف الاحتجاج بالبيت الذي أوله: قنافذ هدّاجون ما نصّه: وإنما يقوى الاحتجاج للكوفيين بقول الشاعر: 781 - لئن كان سلمى الشّيب بالصّدّ مغريا... لقد هوّن السّلوان عنها التّحلّم 524

الحديث: 780 - الجزء: 3 - الصفحة: 1180

................................  أراد لئن كان الشيب مغريا سلمى بالصد فقدم سلمى وهو منصوب بخبر كان على اسمها ولا سبيل إلى ضمير الشأن لظهور النصب في الخبر فسلم الدليل ولم يوجد لمخالفته سبيل.
ويشهد لصحة ما ذهب إليه الكوفيون في هذه المسألة قول الشاعر: 782 - باتت فؤادي ذات الخال سالبة... فالعيش إن حمّ لي عيش من العجب 525 أراد باتت ذات الخال سالبة لفؤادي لكنه جعل سالبة حالا من ذات الخال والعامل فيها باتت قال: فقدم منصوب الحال على مرفوع عاملها وهو شبيه بما منعه البصريون من تقديم منصوب كان على مرفوعها» انتهى 526. والظاهر أن باتت فؤادي من البين لا باتت التي هي أخت كان لجعله سالبة حالا.
وكنت قبل ذلك أظن أن الشعر إنما هو باتت أخت كان وأن سالبة خبرها لكن جعل المصنف سالبة حالا يوجب أن يكون باتت بالنون من البين فليتأمل ذلك.
ثم ها هنا مباحث: الأول: [2/ 48] قول المصنف: من معمول خبرها يشمل كل ما ينتصب بالخبر من مفعول به ومفعول من أجله وحال وغير ذلك كما تعطيه عبارته ولا يستثنى من ذلك إلا الظرف وشبهه كما عرفت.
- - والبيت ينصر به ابن مالك مذهب الكوفيين ويقويه في جواز إيلاء معمول خبر كان لكان حيث إن سلمى مفعول لمغريا الواقع خبرا لكان، والشيب اسمهما ولا يصح هنا أن يقال: إن اسم كان ضمير الشأن وذلك لظهور النصب في الخبر.
وخرج البصريون ذلك على الضرورة.
وخرجه أبو حيان تخريجا ثالثا فقال: إن سلمى ليس معمول الخبر وإنما هو منادى بنداء محذوف، ورده ناظر الجيش انظر ذلك في الصفحات القادمة من التحقيق.
والبيت في التذييل والتكميل (4/ 241) وفي معجم الشواهد (ص 340).

الحديث: 782 - الجزء: 3 - الصفحة: 1181

................................  ثم إن هذا الحكم غير مختص بكان وأخواتها بل كل عامل لا يجوز أن يليه معمول غيره دون معموله، تقول: جاء زيد راكبا فرسا، ولا يجوز أن تقول: جاء فرسا زيد راكبا ولا جاء فرسا راكبا زيد ومن ثم لم يفرق سيبويه في المنع بين كان طعامك زيد آكلا وكان طعامك آكلا زيد 527 وكان مذهبه في ذلك هو الصحيح.
والذي فرق بين المسألتين فأجاز الثانية دون الأولى الفارسي وابن السراج 528 وتبعهما ابن عصفور، قال: «لأنّ المعمول من كمال الخبر وكالجزء منه فأنت إذا إنّما أوليتها الخبر وهو الصّحيح» انتهى 529. ورد هذا القول بأن الذي ادعوه ليس مسموعا فأورد بأن قيل إذا كان السماع لم يرد بالمسألة عينها فقد ورد بمثلها قال الله تعالى: سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ 530 وقال تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً 531 ومنه قول الشاعر: 783 - فدارت رحانا بفرسانهم... فعادوا كأن لم يكونوا رميما 532 فأولى يوم القيامة ما بخلوا به، وأبدا مات، ورميما يكونوا، وليست معمولات لما وليته.
وأجيب عن هذا الإيراد: بأن جميع ذلك ليس بمنزلة كان طعامك آكلا زيد لأنك لم تولها الفعل إنما أوليتها الفاعل وهو الضمير الذي في بخلوا ومات ويكونوا.
-

الحديث: 783 - الجزء: 3 - الصفحة: 1182

................................  قلت: ولو قيل في الجواب أن الممتنع إنما هو بأن يلي العامل معمول غيره دون معموله أما أن يأتي معمول الغير بعد عامل آخر قد ولي ذلك العامل معموله فلا يمتنع لكانت العبارة أخلص 533. المبحث الثاني: ساق المصنف البيت الذي أوله: «فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهم» على أنه دليل الكوفيين، ثم أجاب عنه وعن قول الآخر: «بما كان إياهم عطية عوّدا» بما تقدم 534 ولا يظهر أن للكوفيين دليلا في البيت الأول بل يتحتم أن يكون اسم ليس ضمير الشأن لأن المساكين يتعين أن يكون فاعل يلقي.
ولو لم يكن اسم ليس ضمير الشأن لوجب أن يكون المساكين اسمها ولو كان المساكين اسمها وجب أن يقال يلقون لأنه الخبر حينئذ وإذا كان كذلك فقد سقط استدلال الكوفيين رأسا.
وأما استدلالهم بقول الآخر: «بما كان إيّاهم عطية عوّدا» فمتجه ظاهرا.
وقد عرفت أن البصريين يقدرون فيه وفي أمثاله ضمير الشأن اسما لكان وعلى هذا يسقط الاستدلال.
وقد جعل ابن عصفور ذلك ضرورة وأبى أن يقدر فيه ضمير الشأن اسما.
قال: «لأنّ هذا التّقدير يؤدّي إلى ما لا يجوز وذلك أن خبر المبتدأ لا يتقدمّ معموله على المبتدأ إذا كان فعلا» انتهى 535. وإنما يمنع تقديم معمول الخبر على المبتدأ الكوفيون ومذهب البصريين الجواز وقد تقدمت المسألة في باب المبتدأ 536. وأن البصريين يجيزون التقديم مطلقا وأن الكوفيين يمنعون مطلقا إلا هشاما منهم، وأن الكسائي يوافق البصريين في إجازة التقديم إذا كان الخبر اسم فاعل ويوافق الكوفيين في منع التقديم إذا كان الخبر فعلا.
لكن وقع من كلام الشيخ أنه قال في هذا الباب - أعني باب كان - حين ذكر عن -

الجزء: 3 - الصفحة: 1183

................................  بعض النحاة المنع - أعني منع تقديم معمول الخبر على المبتدأ إذا كان الخبر فعلا -: «وهذه مسألة خلاف 537: المنع مذهب سيبويه والكسائي والإجازة مذهب هشام».
قال: وقد تقدم [2/ 49] الكلام على هذه المسألة في باب المبتدأ.
انتهى 538. فنسب المنع إلى سيبويه، والمعروف خلاف ذلك ونسب المنع إلى الكسائي مطلقا وليس كذلك لأنه يفصل كما عرفت والذي تقدم له في باب المبتدأ موافق لما ذكرته لا لما ذكره فليتأمل كلامه 539. المبحث الثالث: قد عرفت أن المصنف أنشد البيتين المفتتح أولهما بـ: 784 - لئن كان سلمى الشيب بالصد مغريا...... وثانيهما بـ: 785 - باتت فؤادي ذات الخال سالبة...... وذكر أن فيهما احتجاجا للكوفيين على مذهبهم ولا شك أن الاستدلال بهما ظاهر 541. وقد رام الشيخ أن يخرجهما عن ذلك فقال: «يحتمل أن يكون فؤادي ليس معمولا لسالبة ولا سلمى معمولا لقوله مغريا.
بل هما مناديان كأنه قال: مناديا لسلمى: لئن كان يا سلمى الشّيب بالصّدّ مغريا.
وقال مناديا لفؤاده: باتت يا فؤادي ذات الخال سالبة أي سالبة لك قال: ومع الاحتمال يسقط الاستدلال» انتهى 542. ولا يخفى ضعف هذا التخريج المؤدي إلى سماجة الشعر المذكور وركته والشيخ -540

الحديث: 784 - الجزء: 3 - الصفحة: 1184

................................  كان ذائقا فن الأدب فالعجب منه كيف يرتضي أن يقول مثل ذلك.
المبحث الرابع: لم يتكلم المصنف على تقديم معمول أخبار هذه الأفعال على الأفعال نفسها وقال ابن عصفور: «إن قدّمت معمول الخبر قبل هذه الأفعال فلا يخلو أن تقدمه وحده أو مع الخبر فإن قدمته جاز في كل موضع يجوز فيه تقديم الخبر وذلك نحو في الدار قائما كان زيد، فإن قدمته وحده لم يجز ظرفا كان أو مجرورا أو غير ذلك فلا تقول في الدار كان زيد قائما ولا يوم الجمعة كان عمرو منطلقا ولا طعامك كان زيد آكلا لكثرة الفصل بين المعمول الذي هو صلة الخبر 543 والعامل الذي هو الخبر» 544. انتهى.
وفي منعه تقديم معمول خبر هذه الأفعال عليها نظر.
وقد قال ابن السراج: «وأصحابنا يجيزون غلامه كان زيد يضرب فينصبون الغلام بيضرب (ويقدّمونه) لأن كلّ ما جاز أن يتقدّم من الأخبار جاز تقديم معموله» 545. وقال صاحب البسيط 546: «وأما تقديم معمول الخبر على هذه الأفعال الّتي يتقدم خبرها عليها إذا كان غير ظرف نحو زيدا كان عمرو ضاربا وغلامه كان زيد يضرب فقيل لا يجوز لأنه قد حيل بين المعمول وعامله بجملة أجنبية وإن كانت محتاجة إلى خبر لكنها في الصّورة كالفعل والفاعل وفيه نظر.
قال الله تعالى: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ 547، وقال عز وجلّ: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ 548 وقال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ 549 والصحيح عند النحويين جوازه ظرفا كان أو غير ظرف [2/ 50]. ونصّ النّحويون عليه ولا تراعى الصّورة بل يلاحظ المعنى».
انتهى 550. وظهر -

الجزء: 3 - الصفحة: 1185

................................  أن الذي منعه ابن عصفور غير موافق عليه وأن الأدلة من القرآن العزيز ترد قوله.
المبحث الخامس: قد تقدم ذكر مذهب الكوفيين في منعهم تقديم الخبر وتوسيطه إذا كان يتحمل الضمير وتخريج مثل كان قائما زيد، وقائما كان زيد على مذهب الكسائي والفراء 551. بقي ذكر التفريع على مذهبهم في تقديم المعمول على الاسم أو على الفعل قال ابن عصفور واصلا كلامه هذا بالكلام المتعلق بتقديم الخبر 552: «فإن اتصل بالخبر معمول وقدمته على الاسم فإما إن يكون المعمول قبل الخبر أو بعده، فإن كان بعده نحو قائما في الدّار كان زيد وكان قائما في الدار زيد، فإن الأمر فيه عندهم على ما كان عليه لو لم يكن له معمول 553. وإن كان قبله نحو في الدار قائما كان زيد وكان في الدّار قائما زيد فإن الأمر فيه عندهم على ما كان عليه إلا أنه لا يجوز أن يكون خلفا من الموصوف لأن الصفة إذا تقدمها معمولها لم يجز أن تخلف الموصوف عند الكسائي كان المعمول ظرفا أو غير ظرف.
وأما الفراء فيفصل لن كان معمول الخبر ظرفا أو مجرورا أجاز أن يكون الصفة خلفا وإن كان غير ظرف ولا مجرور لم يجز أن يكون خلفا نحو طعامه آكلا كان زيد وكان طعامك آكلا زيد».
قال: «والصحيح عندنا في جميع ذلك أنه خبر مقدم لم يخلف موصوفا يثنّى ويجمع» 554. ولنختم الكلام بمسائل ذكرها ابن عصفور 555: الأولى: إذا قدمت الخبر وأخرت المعمول نحو آكلا كان زيد طعامك فإنه لا يجوز لفصلك بين العامل الذي هو آكل والمعمول الذي هو طعامك بأجنبي يعني بما ليس بمعمول لآكل قال: وهذا الذي فعلوه هو مقتضى مذهب البصريين إلا أن يجعل طعامك مفعولا بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر كأنك قلت بعد قولك: آكلا -

الجزء: 3 - الصفحة: 1186

................................  كان زيد يأكل طعامك فإنه يجوز على كل مذهب 556. الثانية: «إذا قلت: كان كائنا زيد قائما فالكسائي يجعل في كان ضمير الشأن وكائنا خبر كان، وزيد اسم كائن، وقائما خبر كائن.
والفراء يجعل كائنا خبر كان وزيد مرفوع بكان وكائن على أنه اسمها وقائما خبر كائن ويكون حكمه في التقديم والتأخير كحكم ما تقدم إلا أنه لا يجوز عندهما أن تقول: كائنا كان زيد قائما، فتفصل بين كائنا وخبرها وهو قائم بأجنبي ولا يجوز حمله على فعل مضمر يدل عليه كائن كما كان ذلك في آكلا كان زيد طعامك لأن كائنا ناقص لا يتم إلا بخبره وإنما يتصور قطع الاسم عن العامل الأول إذا كان مما يتم دونه».
وهذه ذكرها ابن عصفور أيضا 557. الثالثة: «لا يجوز عند أهل الكوفة كان يقوم زيد على أن يكون يقوم خبرا مقدما لأنه لا يتصور أن يكون خلفا لأن الفصل لا يخلف الموصوف فيلزم إذا جعل خبرا أن يكون فيه ضمير يعود على الاسم والضمير المرفوع لا يتقدم عندهم على ما يعود عليه فلا يجوز عندهم إلا على أن يكون في كان ضمير الشأن [2/ 51] ويقوم في موضع الخبر على مذهب الفراء وزيد مرفوع بيقوم، ولا يجوز عندهم تقديم يقوم على الفعل فتقول: يقوم كان زيد على وجه من الوجوه لأن هذه الأفعال لا يدخل عليها الفعل.
والظرف والمجرور جاريان مجرى الفعل لكونهما لا يخلفان الموصوف وإن كان الخبر اسما لا يتحمل ضميرا جاز تقديمه وتوسيطه عندهم نحو: كان أخاك زيد، وأخاك كان زيد إذا أردت أخوة النسب لا أخوة الصداقة» انتهى 558. وقد لخص الناس من كلام أبي بكر بن شقير 559 في كان واسمها وخبرها ومعموله وما يتصور فيه من التراكيب 560: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1187

................................  كان زيد آكلا طعامك، كان آكلا طعامك زيد.
آكلا طعامك كان زيد 561، كان زيد طعامك آكلا.
طعامك كان زيد آكلا، طعامك كان آكلا زيد.
كان آكلا زيد طعامك، زيد كان آكلا طعامك.
زيد آكلا طعامك كان، آكلا طعامك زيد كان.
زيد كان طعامك آكلا، طعامك زيد كان آكلا.
زيد طعامك كان آكلا 562. قال ابن شقير: كل هذا جائز من كل قول:

  • كان طعامك آكلا زيد، كان طعامك زيد آكلا، جائزتان من قول الكوفيين، وخطأ من قول البصريين 563.
  • آكلا كان زيد طعامك، زيد آكلا كان طعامك، وآكلا زيد كان طعامك، الثلاثة جائزة من قول البصريين وخطأ من قول الكوفيين 564، إلا على كلامين من قول الكسائي.
  • طعامك آكلا كان زيد، زيد طعامك آكلا كان، طعامك آكلا زيد كان 565، هذه الثلاثة جائزة من قول البصريين والكسائي وخطأ من قول الفراء لأنه لا يقدم معمول خبر كان عليه إذا كان خبر كان مقدما من قبل أنه لو أراد رده إلى فعل ويفعل لم يجز عنده، والكسائي يجيز تقديمه كما يجيز تقديم الحال.
  • طعامك زيد آكلا كان، جائزة من قول البصريين وخطأ من قول الكوفيين 566. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1188

[الحروف العاملة عمل ليس: ما الحجازية وشروط عملها]

قال ابن مالك: (فصل: ألحق الحجازيّون بليس ما النّافية بشرط تأخّر الخبر وبقاء نفيه وفقد إن وعدم تقدّم غير ظرف أو شبهه من معمول الخبر.
وإن المشار إليها زائدة كافّة نافية خلافا للكوفيّين، وقد تزاد قبل صلة ما الاسمية والحرفية وبعد ألا الاستفتاحية وقبل مدّة الإنكار.
وليس النّصب بعد ما لسقوط باء الجرّ خلافا للكوفيّين، ولا يغني عن اسمها بدل موجب خلافا للأخفش وقد تعمل متوسّطا خبرها وموجبا بإلّا وفاقا لسيبويه في الأوّل وليونس في الثّاني).
آكلا كان طعامك زيد، خطأ من كل قول 567. قال ناظر الجيش: قد ذكر النحاة ها هنا ما ملخصه: أن أصل العمل للأفعال 568، لأن كل فعل لا بد له من مرفوع إلا ما قام مقام الحرف نحو قلّما 569، أو ما كان زائدا غير كان على القول الأصح 570 أو ما تركب مع غيره على قول [2/ 52] نحو - - معموله عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1189

................................  حبّذا 571، وما عمل من الأسماء إنما يعمل لشبهه بالفعل 572. وأما الحروف فالمستحق منها للعمل ما كان مختصا بشرط ألا يكون كالجزء مما باشره، فما اختص بالأسماء استحق العمل فيها، وما اختص بالأفعال استحق العمل فيها أيضا 573. وخرج بقولهم: ألا يكون كالجزء: اللام وقد والسين وسوف فاللام مختصة بالاسم والثلاث مختصة بالفعل ولا يعمل شيء منها كأنها صارت كالجزء مما باشرته.
وأما ما لا يختص كهل والهمزة فلا عمل له.
قالوا: وما النافية من الحروف التي لا تختص فلا تستحق عملا ولذا أهملها التميميون، وأما الحجازيون فإنما أعملوها لشبهها بليس في إفادة النفي ومباشرة المبتدأ والخبر وتخليص الفعل المحتمل للحال وهو كلام حسن 574 غير أنه لا يفيد في هذا الموضع ما قصدوه وذلك أنا نقول: على تقدير أن تكون ما مختصة بالأسماء إنما تستحق العمل في المفرد كسائر الحروف المختصة بها وما إنما عملت في جزأي الجملة، وقد تقدم لنا في أول الباب المفروغ منه: «أن شأن العوامل أن تحدث العمل في المفردات وأنه ليس - - وقد ذكر هناك أن كان تزاد بلفظ الماضي وسطا بين مسند ومسند إليه وبين الموصوف والصفة وبين الجار والمجرور وبين المتعاطفين ولا خلاف في زيادتها بعد ما التعجبية كما أجاز بعضهم زيادتها آخرا.
وجاء زيادتها بلفظ المضارع شذوذا.
وقوله على الأصح إشارة إلى بعضهم وهو السيرافي أجاز أن تكون كان الزائدة مسندة إلى ضمير مصدر منوي، قال أبو حيان: ووافقه الصيمري وغيره (سبق من التحقيق).

الجزء: 3 - الصفحة: 1190

................................  للعوامل تأثير في الجملة لأنها ليست محلّا لتأثير العوامل فيها» 575. فالحق الذي قرروه غير محتاج إليه في إثبات عمل ما وأن يقال ابتداء: إن ما إنما عملت حملا على ليس للشبه الذي بينهما، وليس إنما عملت لما عملت له كان وأخواتها وقد تقدم ذلك 576. ولا شك أن حمل الشيء على الشيء ليس بواجب فمن ثم لم يحمل بنو تميم فأهملوا وحمل الحجازيون فأعملوا.
قال المصنف 577: «للعرب في ما النافية الداخلة على المبتدأ والخبر مذهبان: أحدهما: مذهب أهل الحجاز وهو إلحاقها في العمل بليس وعلى مذهبهم نزل قوله تعالى: ما هذا بَشَراً 578، وقوله تعالى: ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ 579. والثاني: مذهب غير أهل الحجاز وهو إهمالها، وهو مقتضى القياس لأنها غير مختصة فلا تستحق عملا كما لا تستحقه هل وغيرها من الحروف التي ليست مختصة 580. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1191

................................  وذكر الفراء أن أهل نجد يجرون بعدها الخبر بالباء كثيرا ويدعون الباء فيرفعونه فجعل بعض النحويين هذا مذهبا ثالثا في ما 581. وضعف هذا الرأي بيّن؛ لأن دخول الباء على الخبر بعد ما في لغة بني تميم معروف لكنه أقل منه في لغة أهل نجد فمذهبهما واحد.
ولما كان عمل ما استحسانيّا لا قياسيّا اشترط فيه تأخر الخبر وتأخر معموله وبقاء النفي وخلو ما من مقارنة إن، لأن كل واحد من هذه الأربعة حال أصلي فالبقاء عليها تقوية والتخلي عنها أو عن بعضها توهين».
وأحق الأربعة بلزوم الوهن عند عدمه الخلو من مقارنة إن؛ لأن مقارنة إن لما يزيل شبهها بليس لأن ليس لا يليها إن [2/ 53] فإذا وليت ما تباينا في الاستعمال وبطل الإعمال دون خلاف.
ولا تلزم هذه المباينة بنقض النفي ولا بتوسط الخبر لأن ليس - - قال: وتقول ما زيد إلا منطلق تستوي فيه اللغتان ومثله قوله عز وجلّ: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لم تقو ما حيث نقضت معنى ليس كما لم تقو حين قدمت الخبر».
(الكتاب: 1/ 59). وقال المبرد (المقتضب: 4/ 188) هذا باب ما جرى في بعض اللّغات مجرى الفعل لوقوعه في معناه وهو حرف جاء لمعنى ويجري في غير تلك اللغة مجرى الحروف غير العوامل وهو ما.
وقال: إنها تعمل عمل ليس عند أهل الحجاز لأنها تشبهها في النفي، وأما بنو تميم فيرفعون الاسم والخبر بعدها ويدعونها حرفا بمنزلة إنما إذا قلت إنما زيد منطلق.
ثم ذكر شروط عملها عند أهل الحجاز من وجوب تأخير الخبر لأنها حرف عامل مثل إن فهي ضعيفة «بخلاف ليس، وإن من شروطها أيضا: عدم نقض نفي الخبر في نحو ما زيد إلّا منطلق (المقتضب: 4/ 190).

الجزء: 3 - الصفحة: 1192

................................  قد ينتقض نفيها ويتوسط خبرها ولذلك لم ينعقد الإجماع على إبطال العمل بنقض نفي ما ولا بتوسط الخبر كما سيأتي ذلك مبينا إن شاء الله تعالى. ومثال إبطال العمل لنقض النفي: قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ 582. ومثال إبطاله لتوسط الخبر: قول الشاعر: 786 - وما خذّل قومي فأخضع للعدى... ولكن إذا أدعوهمو فهمو همو 583 ومثال إبطاله لتوسط معمول الخبر: قول الشاعر: 787 - وقالوا تعرّفها المنازل من منى... وما كلّ من وافى منى أنا عارف 584

الحديث: 786 - الجزء: 3 - الصفحة: 1193

................................  على رواية من روى «كل من» بالنصب وأما على رواية الرفع فكل اسم ما وأنا عارف خبرها وكان ينبغي أن يقول: أنا عارفه لكنه حذف الضمير ونواه كما فعل من قال: 788 - [قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا] كلّه لم أصنع 585 فلو كان معمول الخبر ظرفا أو جارّا ومجرورا لم يبطل عمل ما كقولك: ما عندك زيد مقيما. وكقول الشاعر: 789 - بأهبة حرب كن وإن كنت آمنا... فما كلّ حين من توالي مواليا 586 ومثال إبطال العمل لاقتران ما بإن: قول الشاعر: 790 - بني غدانة ما إن أنتمو ذهب... ولا صريف ولكن أنتمو خزف 587

الحديث: 788 - الجزء: 3 - الصفحة: 1194

................................  ومثله قول الآخر: 791 - فما إن طبّنا جبن ولكن... منايانا ودولة آخرينا 588 فإن هذه زائدة كافة لما كما أن ما كافة لإن وأخواتها في نحو: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ 589. وزعم الكوفيون أن إن المقرونة بما هي النافية جيء بها بعدها توكيدا 590. والذي زعموه مردود بوجهين: أحدهما: أنها لو كانت نافية مؤكدة لم تغير العمل كما لا يتغير بتكرير ما إذا قيل: ما ما زيد قائما كما قال الراجز: 792 - لا ينسك الأسى تأسّيا فما... ما من حمام أحد معتصما 591

الحديث: 791 - الجزء: 3 - الصفحة: 1195

................................  فكرر ما النافية توكيدا وأبقى عملها.
الثاني: أن العرب قد استعملت إن زائدة بعد ما التي بمعنى الذي وبعد ما المصدرية التوقيتية لشبههما في اللفظ بما النافية، فلو لم تكن زائدة المقترنة بما النافية لم يكن لزيادتها بعد الموصولتين مسوغ.
ومثال زيادتها بعد الموصولتين قول الشاعر: 793 - يرجّي المرء ما إن لا يراه... وتعرض دون أدناه الخطوب 592 أراد يرجي المرء الذي لا يراه.
ومثله قول الآخر: 794 - ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته... على السّنّ خيرا لا يزال يزيد 593 فما في هذا البيت مصدرية توقيتية، فزادوا إن بعدها لشبهها في اللفظ بما النافية فتعين الحكم بالزيادة على التي بعد النافية».
انتهى كلام المصنف 594. - - والشاهد فيه: تكرير ما النافية ومع ذلك عملت عمل ليس، وهذا يدل على أن التكرير لا يلغي العمل وهو مذهب ابن مالك مستدلا على أن إن إذا جاءت بعد ما ليست نافية وإنما هي زائدة مبطلة لعمل ما ولو كانت نافية لبقي عملها.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 371) وفي التذييل والتكميل (4/ 261) وفي معجم الشواهد (ص 533).

الحديث: 793 - الجزء: 3 - الصفحة: 1196

................................  ومن الوارد على لغة الحجازيين قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 595. قالوا: ولم يحفظ ذلك في كلامهم إلّا في بيت من الشّعر، قال [2/ 54]: 795 - وأنا النّذير بحرّة مسودّة... تصل الجيوش إليكمو أقوادها أبناؤها متكنّفون أباهمو... حنقو الصّدور وما همو أولادها 596 وقد عرفت أن الشروط التي ذكرها المصنف لعمل ما أربعة 597. قال الشيخ 598: «ونقص المصنف من الشّروط شرطين: أحدهما: ألّا تؤكد ما بما فإن أكدت بطل العمل تقول: ما ما زيد ذاهب ولا يجوز ذاهبا على مذهب عامة النحويين.
الثاني: ألا يبدل من الخبر بدل مصحوب بإلا نحو: ما زيد شيء أو بشيء إلّا شيء لا يعبأ به قال: فهنا تستوي اللغتان الحجازية والتميمية ذكر ذلك سيبويه 599. وعلة ذلك: أن البدل موجب بإلا فلا يكون منصوبا فهو إذ ذاك واجب الرفع، وحكم البدل والمبدل منه في الإعراب واحد» انتهى 600. أما عدم تأكيد ما يمثلها: فقد عرفت أن المصنف لا يرى ذلك 601 وأنه أنشد البيت -

الحديث: 795 - الجزء: 3 - الصفحة: 1197

................................  المتقدم المستدل به على أن تكريرها لا يبطل العمل، ولم يتعرض ابن عصفور ولا ابن أبي الربيع لاشتراط ذلك، ولكن الشيخ نقله والنقول لا تدفع.
وأما عدم الإبدال من الخبر على الوجه الذي ذكره: فلم يتجه لي أن يكون ذلك شرطا: لأن البدل المقترن بإلا لا يكون إلا مرفوعا لكونه موجبا والمرفوع إنما يبدل من مرفوع فإبدال اسم مقترن بإلا بعد ما النافية إنما يتصور من اسم مرفوع وعلى هذا فالإبدال المذكور متوقف على رفع ما أبدل منه وهو خير الاسم الواقع بعد ما فمتى لم يكن مرفوعا لا يبدل منه وإذا كان كذلك كان هذا الإبدال أعني المقترن بإلا متوقفا على رفع المبدل منه الذي هو الخبر فإذا رفعنا أبدلنا وإن نصبنا لا يجوز الإبدال المذكور.
والحاصل: أن النصب مع البدل المقترن بإلا لا يجتمعان لكن النصب لم يمتنع لأجل الإبدال بل الإبدال هو الممتنع لأجل النصب إذ لا يبدل مرفوع من منصوب.
وإذا كان كذلك كان شرط هذا الإبدال ألا يكون الاسم المبدل منه منصوبا لأن شرط نصب الخبر ألا يبدل منه البدل الخاص 602. وقد عرفت أيضا من كلام المصنف أن إن إذا وليت ما بطل العمل دون خلاف لكن ذكر الشيخ أن الكوفيين يجيزون النصب.
قال: وروي: 796 - بني غدانة ما إن أنتم ذهبا... ولا صريفا ولكن أنتم خزف 603

    • لا ينسك الأسى تأسّيا فما... ما من حمام أحد معتصما والعجب أن أبا حيان رد على نفسه بنفسه فقد قال في كتابه: «وحكى أبو علي الفارسيّ عن بعض الكوفيين إجازة النصب، وفي الغرة: كفّوا ما بما.
      فقالوا: ما ما زيد قائم وأجاز النصب جماعة من الكوفيين، والبصري يأبى ذلك».

الحديث: 796 - الجزء: 3 - الصفحة: 1198

................................  بنصب ذهب وصريف: قال: «وخرّج هذا على أن إن نافية وأنّها العاملة وأتي بها لتأكيد النّفي بما» انتهى 604. والظاهر أن هذا النقل عن بعض الكوفيين وكأنه قول لا يعتد به فلهذا لم يجعله المصنف خارقا لإجماعهم.
ثم إن المصنف ذكر أربع مسائل 605: الأولى: أنّ إن قد تزاد أيضا في أربعة أماكن: قبل صلة ما الاسمية، وقبل صلة ما الحرفية، وبعد ألا الاستفتاحية، وقبل مدة الإنكار.
أما زيادتها قبل الصلتين المشار إليهما: فقد تقدم الاستشهاد عليه 606. وأما زيادتها بعد ألا الاستفتاحية: فكقول الشاعر: 797 - ألا إن سرى ليلي فبتّ كئيبا... أحاذر أن تنأى النّوى بغضوبا 607 وأما زيادتها قبل مدة الإنكار: فكقول رجل من العرب قيل له: أتخرج إن أخصبت البادية فقال: «أأنا إنيه» منكرا أن يكون رأيه على خلاف ذلك 608 [2/ 55]. -

الحديث: 797 - الجزء: 3 - الصفحة: 1199

................................  الثانية: أن الكوفيين يزعمون أن ما لا عمل لها وأن نصب ما بعدها ينصب لسقوط الباء 609. قال المصنف رحمه الله 610: «وما قالوه لا يصحّ لأن الباء قد تدخل بعد هل وبعد ما المكفوفة بإن وإذا سقطت الباء تعين الرفع بإجماعهم فلو كان سقوط الباء ناصبا لنصب في هذين الموضعين، ومثل تعين الرفع في هذين الموضعين عند سقوط الباء تعينه عند سقوطها في نحو: كفى بزيد رجلا وبحسب عمرو درهم وتعينه عند سقوط من في نحو: ما فيها من أحد.
الثالثة: أجاز الأخفش في نحو: ما أحد قائما إلّا زيد بحذف اسم ما والاستغناء عنه ببدله لموجب بإلا 611. - - (4/ 262). وقال أبو حيان بعد ذكر هذه المواضع: «وذكر زيادة إن في هذه المواضع وليس من مسائل ما النّافية وذلك على عادة المصنف».

الجزء: 3 - الصفحة: 1200

................................  قال المصنف 612: «لو سمع من العرب لكان جديرا بالرد لأن المراد منه مجهول لاحتمال أن يكون أصله ما أحد قائما إلا زيد وأن يكون أصله ما كان قائما إلا زيد وما كان هكذا فالحكم بمنعه أولى من الحكم بجوازه لأن شرط جواز الحذف أن يكون المحذوف متعينا لا محتملا ولذلك لا يجوز لمن قال: 798 - تمرّون الدّيار [ولم تعوجوا... كلامكمو عليّ إذن حرام] 613 أن يقول: رغبت زيدا لأن المراد مجهول لاحتمال أن يكون أراد: رغبت في زيد وأن يكون أراد رغبت عن زيد».
انتهى.
وقد قال بعضهم في نحو: ما قائما إلّا زيد: إن الواقع بعد إلا هو الاسم نفسه وإن الأخفش يجيزها.
وفيه بعد، لأنه يلزم منه توسط الخبر وهو غير جائز، وحمل هذا التركيب على ما ساقه المصنف له أولى بل واجب وقد عرفت ما رده به مع أنه غير مسموع كما أشار إليه المصنف.
الرابعة: أن ما قد تعمل مع توسط الخبر ومع نقض النفي.
أما العمل مع توسط الخبر فقال المصنف: «من العرب من ينصب خبرها متوسطا بينها وبين اسمها، أشار إلى ذلك سيبويه 614، وسوّى بينه وبين قول من قال ملحفة -

الحديث: 798 - الجزء: 3 - الصفحة: 1201

................................  جديدة بالتاء، وبين قول من قال: (ولات حين مناص) 615 بالرفع فإن المشهور ملحفة جديد بلا تاء وَلاتَ حِينَ مَناصٍ «بالنصب».
وأنشد سيبويه مستشهدا على نصب الخبر متوسطا قول الفرزدق: 799 - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 616 واستشهد أبو علي في التذكرة 617 على نصب خبر ما مقدمة على اسمها بقول الشاعر: 800 - أما والله عالم كلّ غيب... وربّ الحجر والبيت العتيق لو انّك يا حسين خلقت حرّا... وما بالحرّ أنت ولا الخليق 618

    • فإذا قلت: ليس زيد إلا ذاهبا أدخلت ما يوجب كما أدخلت ما ينفي فلم تقو ما في باب قلب المعنى كما لم تقو في تقديم الخبر وزعموا أن بعضهم قال وهو الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر وهذا لا يكاد يعرف كما أن لات حين مناص كذلك (بالرفع) ورب شيء هكذا وهو كقول بعضهم: هذه ملحفة جديدة في القلة (الكتاب: 1/ 60) وقد أشار إليه ناظر الجيش وانظر ما يأتي من الشرح.

الحديث: 799 - الجزء: 3 - الصفحة: 1202

................................  بناء على أن الباء لا تدخل على الخبر إلا وهو مستحق للنصب.
وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
ورد على سيبويه الاستدلال لأنه سمع من لغتهم منع نصب الخبر مطلقا ولكنه رفع بشر بالابتداء وحذف الخبر ونصب مثلهم على الحال 619. أو يكون تكلم الفرزدق بهذا معتقدا جوازه عند الحجازيين فلم يصب 620. والجواب عن الأول [2/ 56]: أن الحال فضلة فحق الكلام أن يتم بدونها ومعلوم أن الكلام لا يتم بدون مثلهم فلا يكون حالا وإذا انتفت الحالية تعينت الخبرية.
والجواب عن الثاني: أن الفرزدق كان له أضداد من الحجازيين والتميميين ومن مناهم أن يظفروا منه بذلة يشنعون بها عليه مبادرين إلى تخطئته ولو جرى شيء من ذلك لنقل لتوفر الدواعي على التحدي بمثل ذلك إذا اتفق، ففي عدم نقل ذلك دليل على إجماع أضداده من الحجازيين والتميميين على تصويب قوله، فثبت بهذا صحة استشهاد سيبويه بما أنشده والله أعلم» انتهى كلام المصنف 621. وفي نسبة جواز نصب الخبر مع توسطه بين ما والاسم إلى سيبويه نظر؛ لأن سيبويه قال: «وإذا قلت: ما منطلق عبد الله وما مسيء من أعتب رفعت ولا يجوز أن يكون مقدما مثله مؤخرا كما أنه لا يجوز أن تقول: إنّ أخوك عبد الله على حدّ - - الحرام في مكة.
الخليق: الجدير، وروي في مكانه الطليق.
وجواب لو محذوف والتقدير: لو أنك يا حسين كذا وكذا.
والشاهد فيه قوله: «وما بالحر أنت» حيث يستدل به أبو علي الفارسي على جواز نصب خبر ما إذا كان مقدما ووجه الاستدلال أن الباء لا تزاد على الخبر إلا وهو مستحق للنصب وقد رده ابن مالك.
وسيأتي ذلك بالتفصيل في هذا التحقيق.
والبيتان في شرح التسهيل (1/ 373) وفي التذييل والتكميل (4/ 257، 264) وفي معجم الشواهد (ص 252).

الجزء: 3 - الصفحة: 1203

................................  قولك إنّ عبد الله أخوك لأنها ليست بفعل».
فهذا نص صريح منه على أن النصب لا يكون في الخبر مقدما على الاسم.
وأما: وإذ ما مثلهم بشر فإنّ سيبويه لم يورده مستشهدا به بل قال: «وزعموا أن بعضهم قال وهو الفرزدق: 801 - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 622 وهذا لا يكاد يعرف».
وأما بيت الفرزدق ففيه أقوال للنحاة: ذكر ابن عصفور أنها سبعة 623: قال: «منهم من جعله شاذّا وهو سيبويه» 624. قلت 625: ويعضد كونه شاذّا تسوية سيبويه بينه وبين قول من قال: ملحفة جديدة بالتاء وبين قول من قال: «ولات حين مناص» بالرفع 626. ومنهم من قال 627: البيت للفرزدق فاستعمل لغة غيره فغلط لأنه قاس النصب مع التقديم على النصب مع التأخير وهو باطل لأن العربي إذا جاز له القياس على لغة غيره جاز له القياس في لغته فيؤدي ذلك إلى فساد لغته».

الحديث: 801 - الجزء: 3 - الصفحة: 1204

................................  ومنهم من قال 628: «إنما نصب ضرورة لئلا يختلط المدح بالذم لأنك إذا قلت ما مثلك أحد فنفيت عنه الأحدية احتمل أن يكون مدحا وذمّا، فإذا نصبت مثلك ورفعت أحدا كان الكلام مدحا، فلذلك نصب مثلهم في البيت وهذا باطل لأن ما قبله وما بعده يدل على أنه قصد المدح».
ومنهم من قال 629: «هو منصوب على الحال والخبر محذوف وهو العامل في الحال تقديره وإذ ما مثلهم بشر في الوجود وهو باطل لأن معاني الأفعال لا تعمل مضمرة».
ومنهم من جعله ظرفا بمنزلة بدل 630 وهم أهل الكوفة واستدلوا على صحة مذهبهم بقول المهلب بن أبي صفرة: «ما يسرّني أن يكون لي ألف فارس مثل بيهس» 631. فقالوا: «محال ألا يسره أن يكون له ألف فارس كل واحد منهم مثل بيهس وإنما المعنى أنه لا يسره أن يكون له ألف فارس بدل بيهس لشجاعته وإقدامه على الحروب».
وهذا الذي قالوه لا حجة فيه لأن العرب إذا قالت: مررت برجال مثلك، كان لهم في ذلك وجهان [2/ 57]: أحدهما: أن يكون المعنى مررت برجال كل واحد منهم مثلك.
والآخر: أن يكون المعنى مررت برجال كلهم إذا اجتمعوا مثلك.
فعلى هذا يكون: ما يسرني أن يكون لي ألف فارس مثل بيهس وحده لأن -

الجزء: 3 - الصفحة: 1205

................................  شجاعة ألف فارس إذا كانت مجتمعة في فارس كان أولى من افتراقها في أشخاص كثيرة لأنه متى حضر كان بمنزلة ألف فارس وألف فارس إذا تفرقوا قد يكون ذلك سببا لضعفهم.
ومنهم من قال 632: «مثل منصوب على الظرفية فكأنه في الأصل صفة لظرف تقديره قبل الحذف: وإذ ما مكانا مثل مكانهم بشر ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه فأعربت بإعرابه فصار إذ ما مثل مكانهم بشر في الوجود وهذا باطل لأن الموصوف لا يحذف إلا إذا كانت الصفة خاصة، ومثل ليس من الصفات الخاصة.
وأن يتقدم ما يدل على المحذوف، ولم يتقدم هنا ما يدل على المحذوف» 633. ومنهم من قال 634: «إن ما هنا لم تعمل شيئا ولا شذوذ في البيت وذلك أن مثلا أضيفت إلى مبني (فبنيت على الفتح) 635 فصارت بمنزلة قولك: يومئذ وحينئذ وهو الصحيح».
هذا آخر كلام ابن عصفور 636. وعلم منه أنه لم يوافق المصنف في جواز تقديم خبرها على اسمها لكنه إنما يمنع ذلك حيث يكون الخبر اسما صريحا ويجيز التقديم إذا كان ظرفا أو مجرورا 637. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1206

................................  وقد نقل المصنف عنه هذه المسألة في شرح الكافية 638. وقد ذكر هو 639 أن في التقديم إذا كان الخبر ظرفا أو مجرورا خلافا: قال: «منهم من أجاز، ومنهم من منع، والذين أجازوا هم البصريون قياسا على أن التي يقدم خبرها على اسمها إذا كان ظرفا أو مجرورا.
والذي منع هو أبو الحسن الأخفش ومنع القياس على إنّ لأنها أقوى من ما وذلك لأنها اختصت بما دخلت عليه وما ليست كذلك 640. والصحيح أن ذلك يجوز بدليل قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 641 فحاجزين خبر ما وهو منصوب فثبت أنها حجازية وقد فصل بينهما وبين اسمها بالمجرور الذي هو منكم.
فإذا فصل بين ما واسمها بمجرور ليس في موضع خبرها الذي لا يجوز في إن إلا قليلا كقول الشاعر: 802 - فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها... أخاك مصاب القلب جمّ بلابله 642 فبالأحرى أن يجوز بالمجرور الذي هو في موضع الخبر الجائز في إن في فصيح العرب -

الحديث: 802 - الجزء: 3 - الصفحة: 1207

................................  نحو إن في الدار زيدا» انتهى 643. وأما العمل مع نقض النفي يعني إذا أوجب الخبر بإلا فقال المصنف: «روي عن يونس من غير طريق سيبويه إعمال ما في الخبر الموجب بإلا 644 واستشهد على ذلك بعض النحويين بقول الشاعر: 803 - وما الدّهر إلّا منجنونا بأهله... وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا 645 [2/ 58] وتكلف في توجيه هذا البيت بأن قيل: منجنونا منصوب نصب المصدر الذي يستغنى به الدهر عن الخبر المبتدأ المقصود حصر خبره فكأنه قال: وما الدهر إلا يدور دوران منجنون أي دولاب ثم حذف الفعل على حد حذف تسير إذا قيل: ما أنت إلا سير البريد ثم حذف المصدر وهو دوران وأقيم المضاف إليه مقامه وهو منجنون.
وأما إلا معذبا فمثل إلا تعذيبا مفعل من فعل بمنزلة تفعيل ومنه قوله تعالى: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ 646، وهذا عندي 647 تكلف؛ فالأولى أن تجعل منجنونا -

الحديث: 803 - الجزء: 3 - الصفحة: 1208

................................  ومعذبا خبرين لما منصوبين بها إلحاقا لها بليس في نقض النفي كما ألحقت بها في عدم النقض.
وأقوى من الاستشهاد بهذا البيت الاستشهاد بقول مغلس 648: 804 - وما حقّ الّذي يعثو نهارا... ويسرف ليله إلّا نكالا 649 وما اخترت من حمل منجنونا وإلا نكالا على ظاهرهما من النصب بما هو مذهب الشلوبين 650 ذكر ذلك في تنكيته على المفصل» انتهى 651. وأقول: أما كون مذهب يونس إعمال ما في الخبر الموجب بإلا فمسلم لكن يلزم القائل به إقامة الدليل على مذهبه ولا دليل في هذين البيتين: أما البيت الأول فقد ذكر تخريجه، وأما البيت الثاني فيوجه بما وجه به الأول من أن نكالا منصوب نصب المصدر بفعل مقدر هو الخبر، والتقدير: إلا ينكل نكالا والتوجيه في البيتين توجيه سهل لا تكلف فيه مقبول لجريانه على القواعد، ومع الاحتمال المذكور يسقط الاستدلال.
وأما قول المصنف «إنّ ذلك يكون في ما إلحاقا لها بليس في نقض النّفي كما ألحقت بها في عدم النقض» فليس بمرضي منه لأن ما إنما ألحقت بليس لشبهها بها في إفادة النفي فلم يكن عملها لذاتها بل لحملها على ليس من أجل الشبه المذكور، ولا شك أنه إذا انتقض النفي زال الشبه فيزول ما كان من أجله وهو العمل.
-

الحديث: 804 - الجزء: 3 - الصفحة: 1209

[حكم المعطوف على خبر ما]

قال ابن مالك: (والمعطوف على خبرها ببل ولكن موجب فيتعيّن رفعه).
فإن قيل: كما أن عمل ليس لا يبطل بإيجاب الخبر فينبغي ألا يبطل عمل ما بالإيجاب أيضا حملا لها على ليس.
أجيب بأن عمل ليس لذاتها لكونها فعلا فهي تستحق العمل من أصل الفعلية استمر معنى النفي أو انتقض.
وأما عمل ما فبالحمل على ليس لمشاركتها في إفادة النفي فإذا زال ما به المشاركة زال ما كان من أجلها.
وقد علم من هذا الذي ذكر أولا وآخرا أن ما لم يثبت لها عمل مع توسط الخبر بينها وبين اسمها ولا مع إيجاب الخبر بإلا.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «إذا عطف على خبر ما المنصوب ببل أو لكن لم يجز في المعطوف إلا الرفع كقولك: ما زيد قائما بل قاعد وما خالد مقيما لكن ظاعن، وإنما لم يجز في المعطوف إلا الرفع لأنه بمنزلة الموجب بإلا، وقياس مذهب يونس 652 ألا يمتنع نصب المعطوف ببل ولكن» انتهى 653 [2/ 59]. وستعرف في باب العطف إن شاء الله تعالى: «أن بل إذا تقدّمها نفي أو نهي فهي لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضدّه لما بعدها» 654 وعلى هذا وجب أن يرفع الواقع بعدها في نحو ما زيد قائما بل قاعد لأنه موجب لا منفي لكن المبرد مع اعترافه بذلك أجاز كون بل ناقلة حكم النفي والنهي إلى ما بعدها وتقرير قوله 655: إن بل يكون بعد النفي على حسبها بعد الإيجاب وهي بعد الإيجاب لزوال -

الجزء: 3 - الصفحة: 1210

................................  الغلط والنسيان لأنك إذا قلت قام زيد بن عمرو أي عمرو هو الذي قام.
قالوا: «ويجري هذا مجرى بدل الغلط؛ فلذلك تقول: ما قام زيد بل عمرو كأنك أردت أن تقول: ما قام عمرو فغلطت فعلقت النفي بزيد ثم أضربت فقلت: بل عمرو أي عمرو هو الذي قام».
قالوا: ويجري هذا مجرى قولك: ما قام زيد عمرو.
وعلى هذا يجوز أن يقال: ما زيد قائما بل قاعدا كأنه أراد أن يقول: ما زيد قاعدا، فغلط أو نسي؛ فقال: ما زيد قائما ثم أضرب فقال: بل قاعدا أي ما هو قاعدا فالقعود منفي غير موجب فلا يمتنع نصبه.
لكن أكثر النحاة على خلاف قول المبرد في هذه المسألة 656. واعلم أنهم نصّوا على أن لكن وبل لا يعطف بهما إلا المفردات ولا يعطف بهما الجمل وإذا كان كذلك فالمرفوع الواقع بعدهما في نحو ما زيد قائما بل قاعد أو لكن قاعد لم يعطف على ما قبله لأن ما قبله منصوب فهو حينئذ خبر مبتدأ محذوف التقدير لكن هو قاعد وبل هو قاعد، وإذا كان كذلك فلا عطف والحالة هذه وإنما لكن لمجرد الاستدراك وبل لمجرد الإضراب، ومن ثم ناقش الشيخ المصنف في قوله: «والمعطوف على خبرها، بيل ولكن».
قال 657: «لأنّه لا يسمّى ما بعدهما معطوفا على خبر ما إذ ليسا حينئذ حرفي عطف بل هما حرفا ابتداء لمجيء الجملة بعدهما».

الجزء: 3 - الصفحة: 1211

[بقية الحروف العاملة عمل ليس]

قال ابن مالك: (وتلحق بها «إن» النّافية قليلا و «لا» كثيرا ورفعها معرفة نادر وتكسع بالتاء فتختصّ بالحين أو مرادفه مقتصرا على منصوبها بكثرة وعلى مرفوعها بقلّة وقد يضاف إليها حين لفظا أو تقديرا وربما استغني مع التّقدير عن لا بالتّاء وتهمل لات على الأصحّ إن وليها هنّا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 658: «مقتضي النظر أن يكون إلحاق إن النافية بليس راجحا على إلحاق لا لمشابهتها لها في الدخول على المعرفة وعلى الظرف والجار والمجرور وعلى المخبر عنه بمحصور فيقال إن زيد فيها، وإن زيد إلّا فيها، إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ 659، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ 660، كما يقال بما، ولو استعملت [2/ 60] لا هذا الاستعمال لم يجز ومقتضى الدليل أن يكون إلحاق لات بليس راجحا على إلحاق ما وإن ولا لأن اتصال التاء بها جعلها مختصة بالاسم وشبيهة بليس في اللفظ إذ صارت بها على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن كليس إلا أن الاستعمال اقتضى تقليل الإلحاق في إن وكثرته في لا مجردة وقصره في لات مكسوعة بالتاء على الحين أو مرادفه.
وذكر السيرافي أن المرفوع بعد لات في مذهب الأخفش مرفوع بالابتداء، والمنصوب بعدها منصوب بإضمار فعل 661. وكلام الأخفش في كتابه المترجم بمعاني القرآن موافق لكلام سيبويه في أن لات تعمل عمل ليس على الوجه -

الجزء: 3 - الصفحة: 1212

................................  المذكور 662 وخفي ذلك على السيرافي وأبي علي الشلوبين فإنه ذكر في تنكيته على المفصل مثل ما قال السيرافي 663. وأكثر النحويين يزعمون أن مذهب سيبويه في إن النافية الإهمال 664، وكلامه مشعر بأن مذهبه فيها الإعمال وذلك أنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم 665: «وأمّا إن مع ما في لغة أهل الحجاز فهي بمنزلة ما مع إنّ الثقيلة تجعلها من حروف الابتداء وتمنعها أن تكون من حروف ليس».
فعلم بهذه العبارة أن في الكلام حروفا مناسبة لليس من جملتها ما ولا شيء من الحروف يصلح لمشاركة ما في هذه المناسبة إلا إن ولا فتعين كونهما مقصودين 666. وصرح أبو العباس المبرد بإعمال إن عمل ليس 667 وتابعه أبو علي وأبو الفتح ابن جني 668، ومن شواهد ذلك ما أنشده الكسائي من قول الشاعر: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1213

................................  805 - إن هو مستوليا على أحد... إلّا على أضعف المجانين 669 وقال آخر: 806 - إن المرء ميتا بانقضاء حياته... ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا 670 وذكر ابن جني في المحتسب 671: أنّ سعيد بن جبير رضي الله عنه 672 قرأ: إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم 673 على أنّ إن نافية والذين اسمها وعبادا خبرها وأمثالكم صفته.
وقال: «معناه ما الذين تدعون من دون الله أمثالكم في الإنسانيّة وإنما هم حجارة ونحوها ممن لا حياة لها ولا عقل فضلا لكم بعبادتهم أشدّ من ضلالكم لو عبدتم أمثالكم» 674. -

الحديث: 805 - الجزء: 3 - الصفحة: 1214

................................  ومن عمل لا مجردة من التاء عمل ليس: قول الشاعر: 807 - تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا... ولا وزر ممّا قضى الله واقيا 675 ومثله قول الآخر: 808 - نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل... فبوّئت حصنا بالكماة حصينا 676 ومثله قول الآخر وهو سواد بن قارب رضي الله عنه 677: 809 - وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب 678 ومثله [2/ 61] قول الآخر: - - نصب الخبر لشبهها بها قال: إن هو مستوليا على أحد... إلّا على أضعف المجانين ولا يجوز ذلك في الكلام لأنّها مختصة.

الحديث: 807 - الجزء: 3 - الصفحة: 1215

................................  810 - من صدّ عن نيرانها... فأنا ابن قيس لا براح 679 فحذف الخبر ومثله قول الآخر: 811 - والله لولا أن يحشّ الطّبّخ... بي الجحيم حين لا مستصرخ 680 فهذا وأمثاله مشهور، أعني إعمال لا في نكرة عمل ليس».
انتهى 681. -

الحديث: 810 - الجزء: 3 - الصفحة: 1216

................................  وقد أفهم كلام المصنف الخلاف بين النحاة في إعمال إن عمل ليس وأن الأكثرين يزعمون أن مذهب سيبويه فيها الإهمال وأكثر المغاربة على أن إن لا تعمل 682. قال ابن عصفور: «ويعطيه كلام سيبويه لأنه لم يذكرها في نواسخ الابتداء والخبر». قال الشيخ 683: «والصّحيح الإعمال، والدليل على ذلك القياس والسّماع»: أما القياس: فإنها شاركت ما في النّفي وفي دخولها على المعرفة والنّكرة، وفي نفي الحال. وأما السماع: فقول العرب في نثرها وسعة كلامها: «إن ذلك نافعك ولا ضارّك» «وإن أحد خيرا من أحد إلّا بالعافية» حكى ذلك الكسائي بنصب نافعك وضارك وخيرا 684. ومن كلامهم: إنّ قائما أي إن أنا قائما، فتركت الهمزة وأدغمت النون في النون 685 وأنشد البيتين المتقدمي الذكر 686 وذكر قراءة سعيد بن جبير إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم 687 لكنه قال: لا يتعين تخريجها على أن إن نافية بل يحتمل أن تكون إن هي المخفّفة وتكون قد أعملت ونصب الخبر بها على حد قول من قال: 812 - [إذا اسودّ جنح اللّيل فلتأت ولتكن... خطاك حثاثا] إنّ حرّاسنا أسدا 688

الحديث: 812 - الجزء: 3 - الصفحة: 1217

................................  قال 689: «وهذا التخريج أحسن بل يتعيّن لتوافق القراءتين، وأما تخريج أبي الفتح ففيه تنافي القراءتين ولا يناسب هذا التنافي في القرآن العزيز بل يستحيل ذلك إذ قراءة التشديد تقتضي أن يكونوا عبادا أمثالهم وقراءة التخفيف تقتضي ألّا يكونوا عبادا أمثالهم وهو محال في كلام الله تعالى».
وقد ارتكب الشيخ تعسفا كبيرا في التخريج الذي ذكره لأن إن الثقيلة لم يثبت لها نصب الجزأين فكيف يثبت للمخففة، والحق أن إن في هذه القراءة نافية كما قال ابن جني ولا تنافي بينها وبين القراءة المشهورة، لأن المعنى على قراءة التشديد أنهم عباد أمثالهم في العبودية فكيف يعبد العبد عبدا آخر؟ والمعنى على القراءة الشاذة ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم أي في الإنسانية بل هم عباد دونكم لأنهم حجارة فكيف يعبد الإنسان من هو دونه.
فالمنفي كونهم أمثالهم لا كونهم عبادا لأن نفي المقيد بقيد إنما ينصب النفي فيه على القيد، وهذا أمر ظاهر لا منازعة فيه.
وقرئ هذا الموضع يوما على الشيخ - رحمه الله تعالى - وأنا حاضر فذكرت له هذا الجواب فقبله.
وقال الشيخ في الشرح 690: «وإذا كان ذلك يعني عمل إن عمل ما لغة لبعض العرب فلا يصح قول المصنف: إنّ إن تلحق بما قليلا».
قال: «وقول المصنّف: ولا كثيرا يريد به أنّ عمل إن قليل وعمل لا كثير».
قال 691: والعكس هو الصواب لأن إن قد عملت نثرا ونظما، ولا إعمالها قليل جدّا حتى إن أبا الحسن زعم أنها ترفع ما بعدها بالابتداء ومنع النصب وتبعه أبو العباس فهي عندهما لا تعمل عمل ليس 692 ولا براح [2/ 62] ولا مستصرخ -

الجزء: 3 - الصفحة: 1218

................................  مبتدأ والخبر مضمر ولم يشترطوا تكريرا».
انتهى 693. والحق أن عمل لا عمل ليس ثابت وقد تقدم الاستشهاد عليه 694. وقال سيبويه 695: وإن شئت قلت: لا أحد أفضل منك في قوله من جعلها كليس.
وهذا نصّ صريح منه على الإعمال.
وقال سيبويه أيضا 696: وزعموا أنّ بعضهم قرأ ولات حين مناص 697 - بالرّفع وهي قليلة كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك: 813 - من صدّ عن نيرانها... فأنا ابن قيس لا براح 698 فجعلها بمنزلة ليس» انتهى 699. قال الشيخ 700: «ليس في كتاب سيبويه ما يدلّ على أن إعمال لا عمل ليس مسموع من العرب لا قليلا ولا كثيرا وأما البيت الذي آخره لا براح فظاهر كلام سيبويه أنّ جعلها فيه بمنزلة ليس تأويل من ذلك البعض الذي قال عنه سيبويه: كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك.
قال: ولو كان التأويل لسيبويه لم يكن مثل هذا البيت تبنى عليه قاعدة، ألا ترى أن سيبويه شبّه رفع الحين بعد لات برفع براح بعد لا ولا ترفع لات غير الحين فكذلك لا يرفع لا غير براح» انتهى 701. وحاصل الأمر: أن عمل لا عمل ليس قليل وليس بكثير وأن عمل إن عمل (ما) - - ولا تفصل بينها وبين ما تعمل فيه لأنها تجري رافعة مجراها ناصبة (المقتضب: 4/ 382).

الحديث: 813 - الجزء: 3 - الصفحة: 1219

................................  أكثر من عمل لا عملها كما تقدمت إشارة الشيخ إلى ذلك.
واعلم أن «إن» يبطل عملها بانتقاض النفي بإلا قال تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ 702 ويتوسط الخبر نحو: إن منطلق زيد 703. وإن المنقول عن بني تميم أنهم لا يعملون لا كما لا يعملون ما 704. وأما قول المصنف: ورفعها معرفة نادر فقد استفيد منه أن لا إنما تعمل في النكرات 705. ولا شك أن من أجاز إعمال لا إعمال ليس اشترط تنكير ما عملت فيه، وهذا بخلاف إن فإنها تعمل في المعرفة والنكرة 706. واشترط أيضا ألا يتقدم خبرها على اسمها وألا ينتقض النفي، فلو قلت: لا قائم -

الجزء: 3 - الصفحة: 1220

................................  رجل ولا رجل إلا زيد أفضل منك بطل عملها 707. وكذا لا يجوز الفصل بمعمول الخبر بينها وبين ما عملت فيه 708. وأما عملها في المعرفة فشاذ 709. قال المصنف: «وشذّ [2/ 63] إعمالها في معرفة في قول النّابغة.
814 - بدت فعل ذي ودّ فلمّا تبعتها... تولّت وخلّت حاجتي في فؤاديا وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا... سواها ولا عن حبّها متراخيا 710 وقد حذا المتنبي حذو النابغة فقال 711: -

الحديث: 814 - الجزء: 3 - الصفحة: 1221

................................  815 - إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا 712 والقياس على هذا سائغ عندي، وقد أجاز ابن جنّي إعمال لا في المعرفة وذكر ذلك في كتاب التام 713». انتهى 714. ومثال بيت المتنبي قول الشاعر: 816 - أنكرتها بعد أعوام مضين لها... لا الدّار دارا ولا الجيران جيرانا 715 وقد قال المصنف - في شرح الكافية عند الكلام على لا 716 -: -

الحديث: 815 - الجزء: 3 - الصفحة: 1222

................................  وذكر الشّجري 717 أنّها عملت في معرفة وأنشد بيت النّابغة 718 ثم قال 719: ويمكن عندي أن يجعل أنا مرفوع فعل مضمر ناصب باغيا على الحال تقديره لا أرى باغيا فلما أضمر الفعل برز الضّمير وانفصل.
ويجوز أن يجعل أنا مبتدأ والفعل المقدر بعده خبرا ناصبا باغيا على الحال 720. ويكون هذا من باب الاستغناء بالمعمول عن العامل لدلالته عليه كقولهم 721: حكمك مسمّطا 722 أي حكمك لك مسمّطا أي مثبتا فجعل مسمّطا وهو حال مغنيا عن عامله مع كونه غير فعل فأن يعامل باغيا بذلك وعامله فعل أحقّ وأولى».
انتهى 723. وأما قول المصنف: وتكسع بالتّاء إلى آخره؛ فإنه شروع منه في الكلام على لات والكسع: ضرب الرجل مؤخر الرجل بظهر قدمه، والمراد أن التاء أتى بها في دبر لا.
ويستفاد من هذا: أن لات مركبة من لا والتاء وهو مذهب سيبويه فيها 724، - - ولا أنا باغيا آت عن ثقه... وفيه بحث بارع من حقّقه

الجزء: 3 - الصفحة: 1223

................................  وعلى هذا لو سميت بها حكيت كما لو سميت بإنما. ومذهب الأخفش قيل والجمهور أن لا تركيب وإنما هي لا زيدت عليها التاء كما زيدت على ثم فقيل ثمت 725 فكأن لا لها استعمالان: أحدهما بغير تاء والثاني بالتاء [2/ 64] كثمّ. ولا يخفى بعد هذا القول 726. وذهب ابن أبي الربيع إلى أن الأصل في لات ليس. قال: «فأبدل السّين تاء كما فعل ذلك في ستّ 727 ثم قلبت الياء ألفا لأنه كان الأصل في ليس لاس لأنها فعل إلا أنهم كرهوا أن يقولوا ليت فيصير لفظها لفظ التّمنّي، ولم يفعلوا هذا إلا مع الحين كما أن لدن لم تشبّه نونها بالتّنوين إلّا مع غدوة 728 انتهى 729. ولا يخفى ما فيه من التعسف 730. وأما قول ابن الطراوة: «إنّ التّاء ليست للتّأنيث وإنّما هي زائدة على لفظ الحين بدليل قول القائل: 817 - العاطفون تحين ما من عاطف... [والمسبغون يدا إذا ما أرملوا] 731

الحديث: 817 - الجزء: 3 - الصفحة: 1224

................................  فهو قول لا ينبغي التشاغل به 732. إذا عرفت هذا فاعلم أنهم ذكروا أن في عملها خلافا وأن مذهب الأخفش أنها لا تعمل، وما بعدها إن كان مرفوعا فهو مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف الابتداء وإن كان منصوبا فبفعل مضمر 733. والجمهور على أنها تعمل وهو مذهب سيبويه لكنها إنما تعمل في شيء مخصوص وهو الحين أو ما رادفه.
قال سيبويه - وقد تكلم على عمل لا عمل ليس 734 -: «كما شبّهوا بليس لات في بعض المواضع وذلك مع الحين خاصّة لا تكون لات إلّا مع الحين تضمر فيها مرفوعا وتنصب الحين لأنه مفعول به ولم تتمكّن تمكّنها، ولم تستعمل إلا مضمرا فيها».
انتهى.
وقوله: وتضمر فيها أراد بذلك الحذف لأن الحرف لا يضمر فيه.
وقوله: لأنّه مفعول به أي مشبه بالمفعول به، وظاهر كلامه أن عمل لات مختص بلفظ الحين فلهذا قصره بعضهم عليه وبعضهم عدى العمل إلى ما يرادف الحين من أسماء الزمان ومنهم المصنف كما صرح بذلك في متن الكتاب.
- - تحين: هي حين بمعنى الوقت زيدت التاء في أولها أو هي بقية لات بعد حذف لا منها.
وهو موضع الشاهد.
المسبغون يدا: المنعمون بكثرة على الناس.
والمعنى: مدح بالكرم حين يعز الكريم ويبخل الناس بالعطاء وهو كرم لا نهاية له حيث يكون في الغنى والفقر.
وفي البيت كلام كثير في شاهده، فابن الطراوة يحتجّ به على أنّ (لات حين) أصلها لا النافية والتاء زائدة على لفظ حين الظرفي.
ورأى ابن مالك في البيت رأيا آخر رده عليه أبو حيان سيأتي في هذا التحقيق.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 378)، وفي التذييل والتكميل (4/ 288)، ومعجم الشواهد (ص 354).

الجزء: 3 - الصفحة: 1225

................................  وقال في الشرح 735: ولم يستعمل لات غالبا إلّا في الحين أو مرادفه مقتصرا على الخبر، كقوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ 736. ومنه قول الشاعر: 818 - غافلا تعرض المنيّة للمر... ء فيدعى ولات حين إباء 737 وقال في شرح الكافية 738: «وأما لات فإنهم رفعوا بها الحين اسما ولا يكادون يلفظون به بآخر منصوب خبرا كقوله تعالى: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ 739 أي -

الحديث: 818 - الجزء: 3 - الصفحة: 1226

................................  وليس الحين حين مناص ولا بدّ من تقدير المحذوف معرفة لأن المراد نفي كون الحين الحاضر حينا ينوصون فيها أي يهربون أو يتأخرون.
[2/ 65] وليس المراد نفي جنس حين المناص ولذلك كان رفع الحين الموجود شاذّا لأنّه محوج إلى تكلّف مقدّر يستقيم به المغنى مثل أن يقال: معناه ليس حين مناص موجودا لهم عند تناويهم ونزول ما نزل بهم إذ قد كان لهم قبل ذلك حين مناص فلا يصحّ نفس جنسه مطلقا بل مقيّدا» انتهى 740. وقد نبه على شذوذ رفع الحين بقوله: مقتصرا على منصوبها بكثرة وعلى مرفوعها بقلّة.
وأشار بقوله: أو مرادفه إلى قول رجل من طيئ: 819 - قدم البغاة ولات ساعة مندم... والبغي مرتع مبتغيه وخيم 741 وإلى قول الآخر: 820 - طلبوا صلحنا ولات أوان... فأجبنا أن ليس حين بقاء 742 أي ليس الأوان أوان صلح فحذف المضاف إليه أوان ونوى الثبوت وبني كما -

الحديث: 819 - الجزء: 3 - الصفحة: 1227

................................  فعل بقبل وبعد إلا أن أوانا لشبهه بنزال وزنا بني على الكسر ونوّن اضطرارا. وأما قول المصنف: وقد يضاف إليها حين لفظا أو تقديرا، فأشار به إلى قول الشاعر: 821 - لعلّ حلومكم تأوي إليكم... إذا شمّرت واضّطرمت شذاتي وذلك حين لات أوان حلم... ولكن قبلها اجتنبوا أذاتي 743 فهذا مثال الإضافة إليها لفظا. ومثال الإضافة إليها تقديرا: قول الآخر: 822 - تذكّر حبّ ليلى لات حينا... وأمسى الشّيب قد قطع القرينا 744 أي حب ليلى حين لات حينا. واعلم أن في عبارة المصنف نظرا: فإن حينا لم يضف إلى لات إذ الحروف لا يضاف إليها وإنما أضيفت حين الملفوظ بها والمقدرة إلى الجملة التي باشرتها لات بأسرها ولا ريب في أن أسماء الزمان تضاف إلى الجمل. وأما قوله: وربّما استغني مع التّقدير عن لا بالتاء فأشار به إلى قول الشاعر: 823 - العاطفون تحين ما من عاطف... والمسبغون يدا إذا ما أنعموا 745

الحديث: 821 - الجزء: 3 - الصفحة: 1228

................................  أراد العاطفون حين لات حين ما من عاطف فحذف حين مع لا.
قال المصنف 746: «وهذا أولى من قول من قال: إنه أراد العاطفونه بهاء السكت ثم أثبتها وأبدلها تاء».
قال الشيخ 747: «وتخريج البيت على ما ذكره المصنّف لا يتعقّل لأنه يكون المعنى: هم العاطفون وقت ليس الحين حين ليس ثمّ عاطف».
قال: «وأحسن منه التخريج الثّاني وهو أنّ التّاء هاء السّكت وهو أولى أيضا من زعم من زعم أن التّاء زيدت على حين» انتهى.
ولا يخفى ضعف دعوى الزيادة بالنسبة إلى هذا الحرف في هذا المحل 748. وأما قوله: وتهمل لات على الأصحّ إن وليها هنّا فأشار به إلى قول الشاعر: 824 - حنّت نوار ولات هنّا حنّت... وبدا الّذي كانت نوار أجنّت 749 [2/ 66] قال في شرح الكافية 750: «للنّحويين في لات يعني في هذا البيت مذهبان: أحدهما: أن لات مهملة لا اسم لها ولا خبر وهنا في موضع نصب على الظّرفيّة - - به ابن الطراوة على أن لات أصلها لا فقط والتاء زائدة في لفظ الحين.
وأما ابن مالك فيستشهد به هنا على أنه قد تضاف حين إلى لات وتكون حين مقدرة وتكون لات محذوفا منها لا، وتبقى التاء وحدها ورده أبو حيان واختار رأيا آخر ورد الشارح دعوى زيادة التاء سواء على رأي ابن الطراوة أو ما اختاره أبو حيان وتفصيل الكلام في الشرح.

الحديث: 824 - الجزء: 3 - الصفحة: 1229

................................  لأنه إشارة إلى زمان.
وحفت مع أن مقدرة قبلها في موضع رفع بالابتداء والتقدير حنّت نوار ولات هنالك حنين وهذا توجيه الفارسيّ 751. والوجه الثاني: أن يكون هنا اسم لا وحنت خبرها على حذف مضاف والتقدير: وليس ذلك الوقت وقت حنين.
وهذا الوجه ضعيف لأن فيه إخراج هنّا عن الظّرفيّة وهو من الظّروف التي لا تنصرف، وفيه أيضا إعمال لات في معرفة ظاهرة وإنّما تعمل في نكرة وهو اختيار ابن عصفور» 752. انتهى 753. وقد اعترف الشيخ بأن الذي رد به المصنف على ابن عصفور رد صحيح وقال: «وقد جاءت لات غير مضاف إليها حين ولا مذكور بعدها حين ولا ما رادفه في قول الأفوه الأودي: 825 - ترك النّاس لنا أكتافهم... وتولّوا لات لم يغن الفرار 754 وهذا يدلّ على أن لات لا تعمل وإنّما هي في هذا البيت حرف نفي مؤكّد بحرف النّفي الذي هو لم ولو كانت عاملة لم يجز حذف الجزأين بعدها كما لا يحذفان بعد ما ولا العاملتين عمل ليس» 755.

الحديث: 825 - الجزء: 3 - الصفحة: 1230

[إهمال ليس في لغة تميم]

قال ابن مالك: (ورفع ما بعد إلّا في نحو: «ليس الطّيب إلّا المسك» لغة تميم ولا ضمير في ليس خلافا لأبي عليّ).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 756: «روى أبو عمرو بن العلاء في نحو «ليس الطّيب إلّا المسك» «وليس البرّ إلّا العمل الصّالح» النصب عن الحجازيين والرفع عن بني تميم.
وأما النصب فعلى ما تستحقه ليس من رفع الاسم ونصب الخبر.
وأما الرفع فعلى إهمال ليس وجعلها حرفا، وقد أشار سيبويه إلى جواز ذلك 757 وأجاز في قول من قال: «ليس خلق الله أشعر منه» كون ليس فعلا متحملا ضمير الشأن اسما وكونها حرفا مهملا 758. واضطرب قول أبي عليّ في ليس فرجح في بعض تصانيفه حرفيتها مع ظهور عملها والتزم في موضع آخر فعليتها وإلغاء عملها في نحو: ليس الطيب إلّا المسك وذهب إلى أنها متحملة ضمير الشأن اسما وما بعد ذلك خبرها 759. وما ذهب إليه غير صحيح؛ لأن الجملة المخبر بها عن ضمير الشأن في حكم المفرد هو المخبر عنه في المعنى ولذلك استغنى عن عود ضمير منها إلى صاحب الخبر فإذا قصد إيجابها بإلا لزم تقدمها على جزئيها وامتنع توسطها كما يمتنع توسطها من جزئي خبر مفرد قصد إيجابه فلو كان اسم ليس في «ليس الطّيب إلا المسك» ضمير الشأن؛ لزم أن يقال ليس إلا الطيب المسك، كما يلزم أن يقال في كلامي -

الجزء: 3 - الصفحة: 1231

................................  زيد قائم عند قصد حصر الخبر ليس كلامي إلا زيد قائم ولو وسطت إلا، فقيل: «ليس كلامي زيد إلا قائم» لم يجز فكذا لا يجوز ليس الطيب إلا المسك على تقدير ليس الشأن الطيب إلا المسك بل الواجب إذا قصد الحصر في خبر ضمير الشأن أن يجاء بإلا مقدمة على جزئي [2/ 67] الجملة كما قال الشاعر: 826 - ألا ليس إلّا ما قضى الله كائن... وما يستطيع المرء نفعا ولا ضرّا 760 ويمكن في ليس الطيب إلا المسك إبقاء العمل على وجه لا محذور فيه وهو أن يجعل الطيب اسم ليس والمسك بدل منه، والخبر محذوف، والتقدير: «ليس الطيب في الوجود إلا المسك».
ويكون الاستغناء هنا بالبدل عن الخبر كالاستغناء به في نحو: 827 - لا سيف إلّا ذو الفقا... ر ولا فتى إلّا علي 761 انتهى 762. «وذكر ابن السيد أن هذه المسألة جرت بين أبي عمر عيسى بن عمر الثقفي وأبي عمرو بن العلاء وكان عيسى ينكر الرفع، وأبو عمرو يجيزه، فاجتمعا فقال له عيسى في ذلك، فقال له أبو عمرو: نمت يا أبا عمرو وأدلج الناس.
ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب ولا تميمي إلا وهو يرفع، ثم وجه أبو عمرو خلف الأحمر وأبا محمد اليزيدي إلى بعض الحجازيين وجهدا أن يلقناه الرفع فلم يفعل وإلى بعض -

الحديث: 826 - الجزء: 3 - الصفحة: 1232

................................  التميميين وجهدا أن يلقناه النصب فلم يفعل ثم رجعا وأخبرا بذلك عيسى وأبا عمرو، فأخرج عيسى خاتمه من إصبعه ورمى به إلى أبي عمرو وقال هو لك، بهذا فقت الناس».
انتهى 763. وكما أن الحجازيين أعملوا ما إعمال ليس إذا لم ينتقض النفي؛ كذلك التميميون أهملوا ليس إذا انتقض النفي حملا على ما.
وإذا ثبت أن هذا لغة لقوم وهم ينو تميم لم يتجه تأويل أبي علي 764. وقد اعتذر عنه بأنه لم يبلغه - والله أعلم - نقل أبي عمرو أن ذلك لغة تميم.
وقد استشعر أبو علي هذا الإيراد الذي أورد عليه وأنه لو كان في ليس ضمير الشأن لكان يقال: ليس إلّا الطيب المسك فقال: إن إلا دخلت في غير موضعها ونظير ذلك قوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا 765 وقال الشاعر: 828 - أحلّ به الشّيب أثقاله... وما اغترّه الشّيب إلّا اغترارا 766 إذ من المعلوم أنه لا يظن غير الظن ولا يغتر الشيب إلا اغترارا وإذا كان كذلك فالمعنى: إن نحن إلا نظن ظنّا وما اغتره إلا الشيب اغترارا.
-

الحديث: 828 - الجزء: 3 - الصفحة: 1233

................................  واعلم أن هذا الاستثناء مفرغ وهم قد نصوا على أن التاريخ يصح بالنسبة إلى جميع المعمولات، إلا المصدر المؤكد فإنه لا يجوز التفريغ بالنسبة إليه إذ لا فائدة في ذلك.
وأجيب عن ذلك: بأننا نجعل المصدر في الآية الشريفة والبيت مبينا وذلك بأن نقدر صفة محذوفة لفهم المعنى، والتقدير: إن نظنّ إلّا ظنّا ضعيفا وإلّا اغترارا بيّنا.
فبهذا الجواب الذي أجيب به هنا يجاب به عن قول أبي علي: إنّ إلّا وقعت في غير موقعها.
قالوا: وهذا أولى لأنه قد ثبت حذف الصفة لفهم المعنى ولم يثبت وضع إلا في غير موضعها.
والوجه الآخر الذي ذكره المصنف 767 قد ذكره ابن عصفور عن أبي علي أيضا 768. وذكر عنه وجها ثالثا وهو: أن يكون إلا المسك نعتا للطيب والخبر محذوف كأنه قال: ليس الطيب الذي هو غير المسك طيبا في الوجود حقيقة.
قالوا: وحذف خبر ليس لفهم المعنى قد يجيء قليلا نحو قوله: 829 - لهفي عليك للهفة من خائف... يبغي جوارك حين ليس مجير 769 [2/ 68] يريد ليس في الدنيا مجير 770. ولا شك أن كون ذلك لغة التميمين يبطل هذه التأويلات.

الحديث: 829 - الجزء: 3 - الصفحة: 1234

[حكم النفي بليس وما]

قال ابن مالك: (ولا تلزم حاليّة المنفي بليس و «ما» على الأصحّ).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 771: زعم قوم من النحويين أن ليس وما مخصوصان بنفي ما في الحال والصحيح أنهما ينفيان ما في الحال وما في المضي وما في الاستقبال وقد تنبه أبو موسى الجزولي إلى ذلك، فقال في كتابه المسمى بالقانون 772: «وليس لانتفاء الصّفة عن الموصوف مطلقا».
قال أبو علي الشلوبين: «قال أبو موسى ذلك، وإن كان الأشهر عند النّحويين أن ليس إنّما هي لانقضاء الصّفة عن الموصوف في الحال لأن سيبويه حكى: ليس خلق الله مثله وأجاز 773 ما زيد ضربته على أن تكون ما حجازيّة».
ثم بين الشلوبين أن مراد القائلين إن ليس لانتفاء الصفة في الحال إذا لم يكن مخصوصا بزمان دون زمان ونفي بليس فإنه يحمل نفيها على الحال كما يحمل الإيجاب عليه أيضا، فإن اقترن الخبر بالزمان أو ما يدل عليه فهو بحسب المقترن به موجودا كان أو منفيّا بليس 774. ثم قال المصنف: «وقد ورد استقبال المنفي بليس في القرآن العزيز وأشعار العرب كثيرا وكذا ورد استقبال المنفي بما.
فمن استقبال المنفي بليس: قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ 775. وقوله تعالى: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ 776 وقوله تعالى: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ 777 ومنه قول حسان: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1235

................................  830 - وما مثله فيهم ولا كان قبله... وليس يكون الدّهر مادام يذبل 778 وقول زهير: 831 - بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى... ولا سابقا شيئا إذا كان جائيا 779 وقول الآخر: 832 - إنّي على العهد لست أنقضه... ما اخضرّ في رأس نخلة سعف 780 ومثله: 833 - ولست بمستبق أخا لا تلمّه... على شعث أيّ الرّجال المهذّب 781

الحديث: 830 - الجزء: 3 - الصفحة: 1236

................................  ومثله أيضا: 834 - هوّن عليك فإن الأمور... بكفّ الإله مقاديرها فليس يآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها 782 [2/ 69] ومثله قول الآخر: 835 - ولست لما لم يقضه الله واجدا... ولا واجدا ما الله حمّ وقدّرا 783 ومن استقبال المنفي بما: قول الله تعالى: وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ 784. وقوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ 785. وقوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها 786. وقوله تعالى: لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ 787، وقوله: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (15) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ 788. ومن ورود ذلك في غير القرآن العزيز قول الشّاعر: 836 - وما الدّنيا بباقية لحيّ... ولا أحد على الدّنيا بباق 789

الحديث: 834 - الجزء: 3 - الصفحة: 1237

[زيادة الباء في الخبر المنفي]

قال ابن مالك: (وتزاد الباء كثيرا في الخبر المنفي بليس وما أختها، وقد تزاد بعد نفي فعل ناسخ للابتداء، وبعد «أو لم يروا أنّ» وشبهه وبعد لا التّبرئة وهل وما المكفوفة بإن والتّميمية خلافا لأبي علي والزّمخشري، وربّما زيدت في الحال المنفية وخبر إنّ ولكنّ).
وقول امرئ القيس: 837 - وما المرء ما دامت حشاشة نفسه... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل 790 وشواهد ذلك شائعة ذائعة».
انتهى 791. وقد تقدم ما نقله عن الشلوبين من أن مراد القائلين: «أنّ ليس لانتفاء الصّفة في الحال» إذا لم تكن مخصوصة بزمان دون زمان ونفي بليس فإنه يحمل نفيها على الحال وإذا كان كذلك فلا مخالفة بين المصنف وغيره من النحويين القائلين بذلك لأنهم يجيبون عما استدل به المصنف بأن القرائن صرفت ليس وما عن أن يراد بنفيهما الحال وهم إنما يريدون الحالية إذا لم تكن قرينة تصرف إلى غير الحال.
قال ناظر الجيش: ذكر أن الباء تزاد في الأخبار المنفية لفظا أو معنى في مواضع وفي الحال المنفية: فأما زيادتها في الأخبار المنفية: فقد يكون كثيرا وقد يكون قليلا وقد يكون نادرا، -

الحديث: 837 - الجزء: 3 - الصفحة: 1238

................................  وأما زيادتها في الحال المنفية فنادر. فأما الكثير من الأخبار: فخبر ليس وما فمثال ذلك في ليس قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ 792. ومثاله في قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 793. قال المصنف: «وقلت في الخبر المنفي ولم أقل في خبر ليس ليعلم أن الخبر [2/ 70] الموجب بعد ليس وغيرها لا تدخله الباء». انتهى 794. وأما القليل ففي مواضع، منها: خبر فعل ناسخ منفي، كقول الشاعر: 838 - وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل 795 ومثله قول الآخر: 839 - دعاني أخي والخيل بيني وبينه... فلمّا دعاني لم يجدني بقعدد 796

الحديث: 838 - الجزء: 3 - الصفحة: 1239

................................  ومنها: خبر إن المسبوقة بأو لم يروا: كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ 797. وهذا من إجراء الشيء في معناه لأن معنى: أو لم يروا الله أو ليس الله. ومنها: خبر لا التبرئة، ومنه قول العرب: لا خير بخير بعده النّار، إذا لم تجعل الباء بمعنى في. ومنها: خبر المبتدأ الواقع بعد هل، كقول الشاعر: 840 - يقول إذا اقللول عليها وأقردت... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم 798 والخبر هنا معنى لا لفظا. ومنها: خبر المبتدأ الواقع بعد ما المكفوفة بإن، كقول الشاعر: 841 - لعمرك ما إن أبو مالك... بواه ولا بضعيف قواه 799 ومنها خبر المبتدأ الواقع بعد ما التميمية: كقول الفرزدق: 842 - لعمرك ما معن بتارك حقّه... ولا منسئ معن ولا متيسّر 800

الحديث: 840 - الجزء: 3 - الصفحة: 1240

................................  وزعم أبو علي أن دخول الباء على الخبر بعدها مخصوص بلغة أهل الحجاز 801. وتبعه في ذلك الزمخشري 802، قال المصنف: «والأمر بخلاف ما زعماه لوجوه 803. أحدها: أن أشعار بني تميم تتضمن الباء كثيرا بعد ما كقول الفرزدق المتقدم.
الثاني: أن الباء إنما دخلت على الخبر بعد ما لكونه منفيّا لا لكونه خبرا منصوبا، ولذلك دخلت على خبر لم أكن، وامتنع دخولها على خبر كنت وإذا ثبت كون المسوغ لدخولها النفي فلا فرق بين منفي منصوب المحل ومنفي مرفوع المحل.
الثالث: أن الباء المذكورة قد ثبت دخولها بعد بطلان العمل بإن وبعد هل كقوله: بواه ولا بضعيف قواه وقوله: «ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم».
وإنما دخلت على الخبر بعد هل لشبه هل بحرف نفي فلأن تدخل بعد ما التميمية أحق وأولى لأن شبه ما بها 804 أكمل من شبه هل بما.
[2/ 71] وقد حكى الفراء 805 أن أهل نجد كثيرا ما يجرون الخبر بعد ما بالباء فإذا أسقطوا الباء رفعوا، فهذا دليل واضح على أن وجود الباء جارة للخبر بعد ما لا يلزم - - المعنى: يهجو الشاعر معنا بأنه رجل شديد لا يترك حقه ولا يتساهل مع الذين يتعاملون معه ولا يمهل صاحب الدين وقتا في سداد دينه حتى يتيسر.
الشاهد فيه: زيادة الباء في خبر ما التميمية، وإنما كانت ما تميمية هنا لأن الشعر للفرزدق وهو تميمي، وفي البيت شاهد آخر سيأتي.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 383)، وفي التذييل والتكميل (4/ 322)، وفي معجم الشواهد (ص 153).

الجزء: 3 - الصفحة: 1241

................................  منه كون الخبر منصوب المحل بل جائز أن يقال هو منصوب المحل وأن يقال هو مرفوع المحل وإن كان المتكلم حجازيّا فإن الحجازي قد يتكلم بلغة غيره وغيره قد يتكلم بلغته إلا أن الظاهر أن محل المجرور نصب إن كان المتكلم حجازيّا ورفع إن كان المتكلم تميميّا أو نجديّا.
فمن دخول اللغة الحجازية في التميمية كسر هاء الغائب بعد كسره أو ياء ساكنة وإدغام نحو: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ 806 ورفع الله من قوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ 807 لأن اللغة الحجازية: به وفيه بالضم 808 ولا يضار بالفلك وإلا الله بالنصب لأن الاستثناء منقطع، وإذا جاز للحجازي أن يتكلم باللغة التميمية جاز للتميمي أن يتكلم باللغة الحجازية بل التميمي أولى بذلك لوجهين 809: أحدهما: أن الحجازية أفصح وانقياد غير الأفصح 810 لموافقة الأفصح أكثر وقوعا من العكس.
الثاني: أن معظم القرآن العزيز حجازي والتميمون متعبدون بتلاوته كما أنزل ولذلك لا يقرأ منهم: ما هذا بشر 811 بالرفع إلا من جهل كونه منزلا بالنصب.
وأما النادر ففي مكانين: خبر إن، كقول امرئ القيس: 843 - فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها... فإنّك ممّا أحدثت بالمجرّب 812 وخبر لكن كقول الشاعر: -

الحديث: 843 - الجزء: 3 - الصفحة: 1242

................................  844 - ولكنّ أجرا لو فعلت بهيّن... وهل ينكر المعروف في النّاس والأجر 813 وأما زيادتها في الحال المنفية: فكقول الشاعر: 845 - فما رجعت بخائبة ركاب... حكيم بن المسيّب منتهاها 814 وكقول الآخر: 846 - كائن دعيت إلى بأساء داهمة... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل 815 انتهى.
وأما قول المصنف: وشبهه، فمراده به شبه أو لم يروا، ولم يمثل له المصنف - - والبيت في شرح التسهيل (1/ 385)، وفي التذييل والتكميل (3/ 178)، (4/ 314) وقد استشهد به أبو حيان أولا على تقدم معمول صلة الموصول بالألف واللام وليس الموصول مجرورا بفي ومن هنا وجب تقدير متعلق محذوف أي فإنك مجرب مما أحدثت بالمجرب.
والبيت في معجم الشواهد (ص 53).

الحديث: 844 - الجزء: 3 - الصفحة: 1243

[العطف على توهم زيادة الباء]

قال ابن مالك: (وقد يجرّ المعطوف على الخبر الصّالح للباء مع سقوطها ويندر ذلك بعد غير ليس وما، وقد يفعل ذلك في العطف على منصوب اسم الفاعل المتّصل).
بشيء ولا الشيخ أيضا وكأنه لم يحقق له مثالا.
وللكوفيين تفصيل في الخبر المنفي من كونه ظرفا أو مجرورا أو غيرهما بالنسبة إلى دخول الباء وعدم دخولها لا يجدي طائلا فتركت ذكره خوف الإطالة 816 [2/ 72]. وقال الشيخ: «أطلق المصنّف في خبر ليس وكان ينبغي أن يقيّد فيقول: إلّا الواقع في الاستثناء نحو قام القوم ليس زيدا فلا يجوز ليس بزيد».
انتهى 817. والحق أن ليس في الاستثناء قائمة مقام إلا فالمخرج بعدها كالمخرج بعد إلا والمخرج بعد إلا لا يقال فيه منفي بالاصطلاح النحوي، بل هو مخرج مما قبله، فكذلك المخرج بليس، لا يقال إنه منفي اصطلاحا، وإذا لم يكن منفيّا اصطلاحا لا يرد على المصنف لأنه إنما حكم بجواز زيادة الباء في الخبر المنفي بليس، والغرض أن هذا ليس بمنفي كما ذكرنا 818. قال ناظر الجيش: قال المصنف: «لما كثر دخول الباء على خبر ليس وخبر ما جاز للمتكلم أن يجر المعطوف بعدهما على الخبر المنصوب كقول الشاعر: 847 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... وغلا ناعب إلّا ببين غرابها 819

    • والبيت ليس في معجم الشواهد.

الحديث: 847 - الجزء: 3 - الصفحة: 1244

................................  وقال آخر في جر المعطوف على المنصوب بما.
848 - ما الحازم الشّهم مقداما ولا بطل... إن لم يكن للهوى بالفعل غلّابا 820 فكأنه قال: ما الحازم بمقدام ولا بطل.
وقد عومل بهذه المعاملة المعطوف على منصوب كان المنفية كقول الشاعر: 849 - وما كنت ذا نيرب فيهمو... ولا منمش فيهمو منمل 821 وإلى ذلك أشرت بقولي: ويندر ذلك بعد خبر غير ليس وما.
فجر منمشا على منصوب كان المنفية لشبهه بمنصوب ليس في صلاحيته للباء حتى كأنه قيل: وما كنت بذي نيرب ولا منمش.
والنّيرب: النميمة: والمنمش: المفسد ذات البين والمنمل: الكثير النميمة.
ونبّهت بقولي: الصّالح للباء على أن المعطوف على خبر لا يصلح للبناء لا يجوز جره نحو: لست تفعل ولا مقاربا.
وقد يجر المعطوف على منصوب اسم الفاعل كقول امرئ القيس: 850 - فظلّ طهاة اللّحم من بين منضج... صفيف شواء أو قدير معجّل 822

    • بينهما خلافات إلا نعب غراب هذه العشيرة بالفراق والبين.
      والشاهد في قوله: ولا ناعب حيث جاء مجرورا عطفا على مصلحين على توهم زيادة الباء فيه لأنه خبر ليس، وهو تزاد فيه الباء كثيرا كما استشهد به ابن جني في الخصائص (2/ 354) على أن مراجعة الأصل وهو جر خبر ليس أولى وأجدر.
      والبيت في شرح التسهيل (1/ 385)، والتذييل والتكميل (4/ 315)، ومعجم الشواهد (ص 43).

الحديث: 848 - الجزء: 3 - الصفحة: 1245

................................  لأن المنصوب باسم الفاعل يجر كثيرا بإضافته إليه فكأنه إذا انتصب مجرور.
وجواز جر المعطوف على منصوب اسم الفاعل مشروط بالاتصال كاتّصال منضج بالمنصوب؛ فلو كان منفصلا لم يجز الجر نحو: أن يقال من بين منضج بالنار صفيف شواء لأن الانفصال يزيل تصور الإضافة المقتضية للجر، كذلك لا يجوز جر المعطوف مع انفصال اسم الفاعل من معموله.
انتهى.
ثم ها هنا أمور: الأول: قال الشيخ 823: «يظهر من المصنف أن ما ذكره يطرد، وفي ذلك خلاف: ذهب عامة النّحويين إلى أنه لا يجوز ذلك وما ورد منه فهو محمول على التّوهّم، والعطف على التوهم عندهم لا ينقاس.
قال: ووجدت بخط أستاذنا أبي جعفر بن الزبير 824 ما نصه: إذا عطفت على الخبر وكان حرف العطف غير موجب والخبر منصوب نصبت - - (ص 22).
المفردات: الطّهاة: جمع طاه وهو الطباخ.
منضج: اسم فاعل من أنضج اللحم إذا أحكم شيه.
صفيف: الصفيف من اللحم: ما صفّ على الجمر ليشوى.
الشّواء: اللحم المشوي على الجمر.
القدير: ما طبخ من اللحم في القدر.
المعجّل: السريع.
والشاعر يصف مأدبة طعام للحم صيد وأن الطهاة صنفوا اللحم صنفين: مشوي ومطبوخ.
والشاهد فيه قوله: أو قدير حيث عطف بالجر على صفيف والمعطوف عليه وإن كان منصوبا إلا أنه توهم فيه الجر لأنه معمول اسم الفاعل، وذلك المعمول كثيرا ما يضاف إليه العامل.
وسيأتي كلام لأبي حيان في البيت وردّ عليه من الشارح.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 386)، والتذييل والتكميل (4/ 318)، ومعجم الشواهد (ص 305).

الجزء: 3 - الصفحة: 1246

................................  وحكى سيبويه الخفض على التّوهّم وجعله الفرّاء قياسا» انتهى 825. ولا أعلم من أين ظهر للشيخ الاطراد من كلام المصنف بل ظاهر كلام المصنف أنه لا يطرد لأنه أتى فيه بقد المشعر بالتقليل حيث قال [2/ 73]: وقد يجرّ المعطوف. الثاني: لا شك أن جر المعطوف على الخبر المنصوب فيما ذكر من باب العطف على التوهم 826. وجعل الشيخ من العطف على التوهم قول الشاعر: 851 - أجدّك لن ترى بثعيلبات... ولا بيدان ناجية ذمولا ولا متدارك واللّيل طفل... ببعض نواشغ الوادي حمولا 827 وقال الآخر: 852 - تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمة... بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد 828

الحديث: 851 - الجزء: 3 - الصفحة: 1247

................................  قال: توهم أنه قال: مكان لن ترى لست براء ومكان لم يكثّر: ليس بمكثّر 829. وقبل الوقوف على كلام الشيخ كان في ظني أن الذي في هذه الأبيات من العطف على المعنى وأن العطف على المعنى غير العطف على التوهم وذلك أن العطف على التوهم ليس فيه إلا أن يتوهم أن المعطوف عليه على حالة يصح اتصافه بها دون تأويل في الكلام كما ترى في عطف (ولا ناعب) على مصلحين فإنه إنما جر لتوهم أن الشاعر قال: بمصلحين من حيث أن المحل صالح للباء.
وأما العطف على المعنى فلا بد فيه من تأويل الكلام المعطوف على بعضه بكلام آخر يصح معه العطف كما رأيت من تأويل: لم تر بلست براء وتأويل: لم يكثر بليس بمكثر.
هكذا كنت أظن والشيخ قد جعل ما في الأبيات المذكورة من العطف على التوهم ولا يمتنع أن يقال: توهّم قائل لم تر أنّه قال: لست براء وقائل: لم يكثّر أنه قال: ليس بمكثّر 830. لكن قد وقع في عبارات النحويين أن ما وقع في نحو هذه الأبيات عطف على المعنى أي على الكلام لا على لفظه ولم يقولوا في نحو ولا ناعب بعد ليسوا مصلحين أنه عطف على المعنى بل قالوا: عطف على التّوهّم 831، على أنه لا يتحقق فيه أنه عطف على المعنى إنما هو عطف على المعنى إنما هو عطف على اللفظ باعتبار صفة يصح تلبسه بها.
الأمر الثالث: العطف بالجر على منصوب اسم الفاعل المتصل من العطف على التوهم أيضا لا من العطف على المحل لأن هذا المحل بحق الفرعية لا بحق الأصالة - - المعنى: أن هرما رجل عظيم متخلق بالأخلاق الحسنة لم يظلم قريبا ولم يسئ إلى أحد.
والشاهد فيه قوله: ولا بحقلّد: حيث جاء بالجر عطفا على قوله: لم يكثر على توهم أنه قال: ليس بمكثر.
والبيت في التذييل والتكميل (4/ 317) وفي معجم الشواهد (ص 111).

الجزء: 3 - الصفحة: 1248

................................  كما ستعرفه في مكانه إن شاء الله تعالى.
ويدل على أنه على التوهم قول المصنف: لأنّ المنصوب باسم الفاعل يجرّ كثيرا بإضافته إليه فكأنّه إذا انتصب مجرور، وإنما ذكر هذه المسالة في هذا الباب استطرادا لأنه ذكر ما شأنه شأنها.
والمغاربة لا يجيزون العطف بالجر على منصوب اسم الفاعل 832 ولهذا قال 833 الشيخ: «وأصحابنا لا يجيزون: هذا ضارب زيدا وعمرو» ثم قال: «وأما البيت الذي أنشده المصنف فلا شاهد فيه وإذا جعل معطوفا على مراعاة جر صفيف فسد المعنى لأنه يصير التقدير: من بين منضج صفيف أو قدير فكأنه قال: من بين منضج أحد هذين فيكون قد قسم الطهاة وهم الطباخون إلى قسمين: أحدهما منضج صفيف أو قدير والآخر لم يذكره لأن بين تقتضي وقوعها بين شيئين أو أشياء ولا تدخل على شيء واحد.
وإنما تأوله شيوخنا رحمهم الله تعالى [2/ 74] على أن يكون أو قدير معطوفا على قوله منضج لا على محل صفيف ويكون على حذف مضاف وأو بمعنى الواو، والتقدير: من بين منضج صفيف شواء أو طابخ قدير معجل».
انتهى 834. وما ذكره من الفساد على تخريج المصنف غير ظاهر: لأنا نقول: أو قدير معطوف على صفيف عطف توهم والمعنى على التعدد لأن أو بمعنى الواو فليس المعنى ما بين منضج أحد هذين بل المعنى ما بين منضج صفيف وقدير أي منضج قدير، والشيخ قد اعترف بأن أو ها هنا بمعنى الواو فيتم كلام المصنف دون فساد، ولا يحتاج إلى تقدير مضاف وهو طابخ كما قدره الجماعة الذين نقل عنهم الشيخ ذلك 835. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1249

[العطف على خبر ليس الرافع السببي أو الأجنبي]

قال ابن مالك: (وإن ولي العاطف بعد خبر ليس أو ما وصف يتلوه سببيّ: أعطي الوصف ما له مفردا ورفع به السّببيّ أو جعلا مبتدأ وخبرا.
وإن تلاه أجنبيّ عطف بعد ليس على اسمها والوصف على خبرها وإن جرّ بالباء جاز على الأصحّ جرّ الوصف المذكور ويتعيّن رفعه بعد «ما»).
والدليل على أن أو تقع موقع الواو قول الشاعر: 853 - قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم... من بين ملجم مهره أو سافع 836 قال ناظر الجيش: إذا وقع 837 بعد معمولي ليس أو ما عاطف يليه وصف بعده سببي نحو: ليس زيدا قائما ولا ذاهبا أبوه وما عمرو مقيما ولا ظاعنا أخوه، فلك أن تعطي الوصف من النصب والجر ما كنت تعطيه دون مذكوره بعده ويرفع به السببي، ولك أن ترفعهما مبتدأ وخبرا فتقول: ليس زيدا قائما ولا ذاهب أبوه وما عمرو مقيما ولا ظاعن أخوه.
وإن تلا الوصف أجنبي والعامل ليس - جاز رفعه عطفا على الاسم ونصب الوصف عطفا على الخبر وجاز جعلهما مبتدأ وخبرا نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا عمرو، وليس قائما ولا ذاهب عمرو.
- - توهم أن الصفيف مجرور بالإضافة كما قال (من الطويل).
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا

الحديث: 853 - الجزء: 3 - الصفحة: 1250

................................  وإن كان خبر ليس مجرورا بالباء جاز جر الوصف المذكور بباء مقدرة مدلول عليها بالمتقدمة وهو كثير في الكلام ومنه قول الشاعر: 854 - وليس بمدن حتفه ذو تقدّم... لحرب ولا مستنسئ العمر محجم 838 وقال الآخر: 855 - فليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها 839 ومنه قول الآخر: 856 - وليس بمعروف لنا أن نردّها... صحاحا ولا مستنكر أن تعقّرا 840

الحديث: 854 - الجزء: 3 - الصفحة: 1251

................................  وليس هذا من العطف على عاملين بل من حذف عامل لدلالة مثله عليه.
وحذف حرف الجر المعطوف لدلالة مثله عليه كثير ومنه قوله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ... 841 الآية.
فحذفت في الجارة لاختلاف الليل والنهار لدلالة الجارة لخلقكم عليها.
ومثله قول الشاعر: 857 - أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا 842 وإذا استسهل بقاء الجر بمضاف حذف لدلالة مثله عليه كان بقاء الجر بحرف الجر المحذوف لدلالة مثله عليه أحق وأولى لأن حرف الجر في عمل الجر أمكن من الاسم المضاف 843. ومن حذف المضاف وبقاء جر المضاف إليه: قول الشاعر [2/ 75]: 858 - أكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد باللّيل نارا 844

    • والبيت في شرح التسهيل (1/ 387)، وفي التذييل والتكميل (4/ 321)، وفي معجم الشواهد (ص 141).

الحديث: 857 - الجزء: 3 - الصفحة: 1252

................................  ومثله قراءة بعض القراء: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) 845 على تقدير عرض الآخرة.
ويستقصى الكلام على نظائر هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
وليس بعد ما في الوصف التالية أجنبي بعد عاطف إلا الرفع كقولك: «ما زيد قائما ولا ذاهب عمرو» لأن المعطوف عليه مع قربه من العامل لو قدم فيه الخبر لبطل العمل فبطلان بالتقديم في المعطوف لبعده من العامل: أحق وأولى ومثال ذلك قول الشاعر: 859 - لعمرك ما معن بتارك حقّه... ولا منسئ عمرو ولا متيسّر 846 هذا كلام المصنف.
ثم ها هنا أمور ننبه عليها: الأول: أن المصنف أجاز في نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا أبوه الوجهين - - أكل امرئ.
وإذا جاز حذف المضاف (الجار) لدلالة مثله عليه فمن باب أولى يجوز حذف حرف الجر لذلك لأنه أصل في هذا العمل.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 388). وفي معجم الشواهد (ص 147).

الحديث: 859 - الجزء: 3 - الصفحة: 1253

................................  المتقدمي الذكر 847 وهما ظاهران.
قال الشيخ 849: «ويجوز فيه وجه آخر وهو أن تعرب الوصف مبتدأ والسّييّ فاعل به أغنى عن الخبر لأنه قد اعتمد الوصف على حرف النّفي».
وما قاله الشيخ غير ظاهر فإن شرط الفاعل الذي يغني عن الخبر أن يكون مغنيا أي مستقلا بنفسه يحسن السكوت عليه نحو: أقائم الزيدان؟.
وما قائم العمران.
وقد تقدم في باب المبتدأ أن نحو: (أقام أبواه زيد) لا يجوز فيه أن يكون الوصف مبتدأ وأبواه فاعل به سد مسد الخبر للعلة التي ذكرت ولا شك أن (ولا ذاهب أبوه) إذا أعرب ذاهب مبتدأ وأبوه فاعل به سد مسد الخبر نظير (أقائم أبواه زيد) فتكون ممتنعة 851. الأمر الثاني: من قدماء النحويين من لا يجيز النصب في نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا عمرو بعطف عمرو على الاسم وذاهبا على الخبر قال: لان ليس لا تتقدر بعد لا فهو يوجب الرفع في مثل ذلك.
وقد رد سيبويه هذا المذهب بقول العرب: ليس زيد ولا أخواه قاعدين 852. الأمر الثالث: ما ذكره المصنف من تعين الرفع في الوصف التاليه أجنبي بعد العاطف الواقع بعد خبر ما هو مذهب البصريين وهو الذي تقتضيه القواعد 853. -848850

الجزء: 3 - الصفحة: 1254

................................  والمنقول: أن الكسائي والفراء أجازا النصب 854 محتجين بما حكي من قول العرب: ما زيد قائما فمتخلّفا أحد.
أي إذا قام لم يتخلف أحد وكذا أجاز الكوفيون الجر في الوصف المعطوف من نحو: ما زيد بمنطلق ولا خارج عمرو وقد عرفت أن ذلك ممتنع عند البصريين وهو الحق.
الأمر الرابع: ذكر ابن عصفور في باب ما النافية تقسيما بالنسبة إلى كون المعطوف عليه الاسم أو الخبر أو كلاهما وذكر الشيخ أيضا وأدرج ليس مع ما بالنسبة إلى هذا التقسيم واستوفيا الكلام على ذلك 855. وأنت إذا نظرته وتأملت كلام المصنف وجدته قد وفى بالمقصود في البابين وذكر -

الجزء: 3 - الصفحة: 1255

................................  ما يحتاج إليه وترك ما لا يحتاج إليه مما هو بين ظاهر، فرحمه الله تعالى وحشره وإيّاي مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بمنه وكرمه إنه ذو الفضل العميم.
وقد ختم الشيخ الكلام في هذا الفصل بمسائل: منها 856: أن أكثرهم أجاز اليوم ما زيد إياه منطلقا ومنعها بعضهم.
ومنها: أنه يجوز حذف خبر ما المكفوفة بإن داخلا على المبتدأ النكرة من نحو: قول الشاعر: 860 - حلفت لها بالله حلفة فاجر... لناموا فما إن من حديث ولا صال 857 التقدير: فما حديث ولا صال فتنبه.
وهو على حذف مضاف أي فما إن من ذي حديث ولا صال.
ومنها: أنه لا يجوز حذف اسم ما لشبهه بما لا يحذف، وهو اسم ليس فلا يقال: زيد منطلقا أي ما هو منطلقا.
ومنها: ما هو طعامك زيد يأكل هو ضمير الشأن فإن كانت ما حجازية لم تجز هذه المسألة.
وإن كانت تميمية جازت.
ومنها: أنه يجوز دخول همزة الاستفهام على ما الحجازية فتعمل.
تقول: أمّا زيد منطلقا كما تقول: ألست قائما 858.

الحديث: 860 - الجزء: 3 - الصفحة: 1256

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل