الباب السابع باب المضمر
[تعريف الضمير]
قال ابن مالك: (وهو الموضوع لتعيين مسمّاه مشعرا بتكلّمه أو خطابه أو غيبته).
قال ناظر الجيش: لما ذكر المعارف مجملة شرع في إيرادها مفصلة.
وإنما أخر المنادى والمضاف فذكرهما في أثناء الكتاب؛ لأن الأول منصوب، والثاني يجر ما بعده؛ فناسب ألا يذكرا إلا بعد الدخول في أبواب المعربات وذكر المرفوعات والمنصوبات.
وبدأ المصنف بالمضمر؛ لأنه الأعرف 1.
والوضع قد تقدم تفسيره 2. وأما التعيين فقد قال المصنف المراد به: «جعل المفهوم معاينا أو في حكم المعاين» قال: فذكره مخرج للنكرات، وذكر الوضع مخرج للمنادى والمضاف وذي الأداة، وذكر الإشعار بالتكلم أو الخطاب أو الغيبة - مخرج للعلم واسم الإشارة والموصول؛ لأن كل واحد منها (لا يختص بواحدة من الأحوال
الثلاث؛ بل هو صالح لكل واحدة منها) 3 على سبيل البدل؛ بخلاف المضمرات فإن المشعر منها بإحدى الأحوال الثلاث لا يصح لغيرها، هذا كلام المصنف.
وفيه بحثان:
الأول:
كونه ذكر الوضع مخرجا للمنادى وما ذكر معه، ليس لأن الثلاثة غير موضوعة كما فهمه الشيخ 4؛ بل المراد به أنه لم يكن المقصود بوضعها تعيين مسماها إنما -
الجزء: 1 - الصفحة: 447
................................
المقصود شيء آخر.
وتعيينها المسمى إنما حصل بطريق التبع.
فالمقصود بالنداء: طلب إقبال المنادى، ويلزم من قصده بالطلب التعيين [1/ 133].
والمقصود بالإضافة: إفادة الملك أو الاختصاص؛ ويلزم منها إذا كانت إلى معرفة - التعيين.
والمقصود بالأداة: الإحالة على شيء للمخاطب به شعور إما خارجي أو ذهني، فينجر التعيين بوساطة ذلك الشيء المشعور به.
الثاني:
ما شرح به المصنف كلامه يقتضي أن يكون التعيين جنسا، والوضع فصلا؛ وقد اعتمد هذا وهو جعل المذكور في مرتبة الجنس فصلا، وما يليه جنسا في بعض الحدود المذكورة في هذا الكتاب 5. ولا يضره ذلك؛ إذ ليس فيه غير تقديم فصل في الذكر على الجنس؛ ولو جعل المصنف الوضع جنسا والتعيين فصلا لاستقام، وذلك بأن قوله: الموضوع: يشمل النكرة والمعرفة؛ وقوله: لتعيين مسماه يخرج النكرة والمعارف الثلاثة التي هي المنادى والمضاف وذو الأداة.
أما النكرة فلأنها موضوعة دون تعيين.
وأما الثلاثة فإنها وإن عينت لم توضع لتعيين، أي ليس القصد من وضعها التعيين بل أمر آخر كما تقدم 6. بخلاف بقية المعارف؛ فإنها وضعت لتعيين المسمى.
وأما جعله التعيين مخرجا مع جعله إياه جنسا، فمن حيث صلاحيته لأن يكون فصلا ساغ فيه ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 448
[مواضع استتار الضمير وجوبا]
قال ابن مالك: (فمنه واجب الخفاء وهو المرفوع بالمضارع ذي الهمزة أو النّون، وبفعل أمر المخاطب، ومضارعه، واسم فعل الأمر مطلقا).
قال ناظر الجيش: اعلم أن المضمر إما مستكن وإما بارز، والبارز قسمان:
متصل ومنفصل، والمستكن قسمان: واجب الاستكنان وجائزه.
وبدأ المصنف بالكلام على المستكن، وبدأ منه بما يجب استكنانه؛ فكأنه قال من المضمر مستكن؛ بدليل قوله بعد: ومنه بارز؛ ثم قال: فمنه، أي فمن المستكن واجب الخفاء؛ والمراد بالواجب الخفاء: ما لا يزال مستكنّا ولا يغني عنه ظاهر ولا مضمر بارز.
وذكر أن الخفاء واجب في مواضع خمسة 7 وهي:
المضارع ذو الهمزة والنّون كأفعل ونفعل، وفعل أمر المخاطب كافعل.
وأراد بالمخاطب المفرد المذكر؛ فاستغنى عن التقييد باللفظ؛ فلو كان فعل الأمر لمؤنث أو مثنى أو جمع، برز الضمير كافعلي وافعلا وافعلوا.
ومضارع المخاطب 8 والمراد المفرد المذكر أيضا كتفعل واسم فعل الأمر كنزال.
قال المصنف: «فكلّ واحد من هذه الأمثلة الخمسة رافع اسم استغنى بمعناه عن لفظه؛ فإن قصد توكيده جيء بالبارز المطابق له، وهو أنا بعد أفعل، ونحن بعد نفعل، وأنت بعد افعل وتفعل ونزال يا زيد» انتهى 9.
فعلى هذا أنت في قوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ 10 توكيد؛ ولو كان فاعلا لما قيل في خطاب الاثنين والجمع اسكنا أنتما واسكنوا أنتم؛ بل كان يقال اسكن أنتما واسكن أنتم.
وذكر مطلقا بعد اسم الفعل تنبيها على أنه يستوي فيه خطاب الواحد المذكر -
الجزء: 1 - الصفحة: 449
................................
والمؤنث ومثناهما ومجموعهما.
ولم يذكر (مطلقا) مع فعل أمر المخاطب ومضارعه؛ تنبيها على أن وجوب خفاء مرفوعهما مخصوص بالإفراد والتذكير [1/ 134].
واستدرك الشيخ على المصنف قسما سادسا يجب فيه خفاء الضمير، وهو اسم الفعل المضارع للمتكلّم نحو أوّه بمعنى أتوجع وأفّ بمعنى أتضجر ونحوهما 11.
والحق أن اسم الفعل مستغنى عن ذكره؛ لأن حكمه في وجوب الاستتار وعدمه حكم الفعل الذي هو بمعناه، فكان ذكر الفعل كافيا.
وإنما خص المصنف اسم فعل الأمر بالذكر لمخالفته حكم فعله؛ وذلك أن فعله إنما يجب استتار مرفوعه إذا كان مسندا لمفرد مذكر.
واسم الفعل إذا كان بمعنى الأمر يجب استتار مرفوعه مطلقا كائنا من كان، كما تقدم 12.
وإذا ذكر اسم فعل الأمر لموجب لا يلزمه ذكر اسم فعل غيره، ولو لم يذكر اسم الفعل أصلا لاستغني عنه؛ لأن حكم اسم كل فعل حكم فعله؛ ولا يضر كون الضمير مع فعل الأمر إذا كان لغير مفرد (مذكر) 13 يبرز بخلاف اسم الفعل؛ لأنه قد علم أن الأسماء لا يبرز معها ضمير رفع؛ فلا حاجة إلى التعرض إليه بالذكر.
وقد استدرك غير الشيخ أيضا المصدر الآتي بدلا من فعل الأمر؛ فإنه يجب معه استتار الضمير 14.
والجواب: أن حكمه في وجوب الاستتار حكم الفعل الذي هو بدل عنه؛ فلذا لم يذكره 15.
الجزء: 1 - الصفحة: 450
[مواضع استتار الضمير جوازا]
قال ابن مالك: (ومنه جائز الخفاء، وهو المرفوع بفعل الغائب والغائبة أو معناه من اسم فعل وصفة وظرف وشبهه).
قال ناظر الجيش: أي ومن المستكن.
والجائز الخفاء: هو الذي يخلفه ظاهر أو مضمر بارز، كقولك: زيد حسن؛ ففي حسن ضمير منوي مرفوع به، ليس خفاؤه واجبا بل جائزا؛ لأنه قد يخلفه ظاهر نحو: زيد حسن وجهه، ومضمر بارز نحو: زيد ما حسن إلا هو.
وكذا حكمه مع فعل الغائبة نحو: هند حسنت وحسنت صورتها، وما حسن إلا هي.
وأطلق المصنف فعل الغائب والغائبة، فدخل فيه الماضي والمضارع.
وبقيد الإفراد 16 خرج ضده وهو التثنية والجمع.
ومثال المرفوع باسم الفعل المشار إليه: هند هيهات؛ فهيهات رافع ضميرا عائدا على هند، وليس خفاؤه واجبا وإن كان لا يثنى ولا يجمع؛ لكنه قد يخلفه ظاهر نحو: هند هيهات دارها.
وعدم تمثيل المصنف مع اسم الفعل المضمر البارز، يدل على أنه لا يرفعه.
قال الشيخ: «ولا يرفع اسم الفعل الضّمير البارز؛ فلا يقال هند ما هيهات إلّا هي؛ لأنّه لم يتّسع في اسم الفعل، فينفى كما ينفى الفعل» 17.
ومثال المرفوع بصفة وظرف وشبهه: زيد حسن وعمر عندك أو في الدار؛ فحسن وعندك وفي الدار قد ارتفع بكل منهما ضمير مستكن جائز الخفاء؛ لأنه قد يخلفه ظاهر وضمير بارز نحو: زيد حسن وجهه، أو ما حسن إلا
هو، وعمرو عندك مقامه، أو ما عندك إلا هو، وبشر في الدار شخصه، أو ما فيها إلا هو [1/ 135]. -
الجزء: 1 - الصفحة: 451
[الحديث عن الضمير المتصل المرفوع]
قال ابن مالك: (ومنه بارز متّصل: وهو إن عني به المعنيّ بنفعل «نا» في الإعراب كلّه، وإن رفع بفعل ماض فتاء تضمّ للمتكلّم، وتفتح للمخاطب، وتكسر للمخاطبة، وتوصل مضمومة بميم وألف للمخاطبين والمخاطبتين، وبميم مضمومة ممدودة للمخاطبين، وبنون مشدّدة للمخاطبات.
وتسكين ميم الجمع إن لم يلها ضمير متّصل أعرف، وإن وليها لم يجز التّسكين؛ خلافا ليونس).
(وإن رفع بفعل غيره فهو نون مفتوحة للمخاطبات، أو الغائبات، وألف التّثنية في غير المتكلّم، وواو للمخاطبين أو الغائبين، وياء للمخاطبة، وللغائب مطلقا مع الماضي ما له مع المضارع، وربما استغني معه بالضّمّة عن الواو، وليس الأربع علامات، والفاعل مستكنّ خلافا للمازنيّ فيهنّ، وللأخفش في الياء).
وقد عرفت مما ذكر أن جملة الضمائر المستكنة خمسة، وهي: المدلول عليها بأنا، ونحن، وأنت، وهو، وهي، وكلها في موضع رفع؛ إذ الضمير المستكن لا يكون غير مرفوع.
وأما المدلول عليها بأنت وأنتما وأنتم وأنتن، وهما وهم وهن - ففروع عن الخمسة المذكورة.
وقد يجعل كلمة هي من الفروع أيضا؛ فتكون الأصول على هذا أربعة لا غير.
قال ناظر الجيش: الضمير في قوله: ومنه - راجع إلى المضمر، أي: ومن المضمر بارز، والبارز قسيم المستكن، وقال المصنف هنا: البارز ضد المستكن.
فدل ذكره المستكن على أن مراده ما تقدمت الإشارة إليه، وهو تقسيم المضمر أولا إلى مستكن وبارز، ثم تقسيم المستكن إلى واجب الخفاء وجائزه.
وقد علمت أن البارز متصل ومنفصل.
فالمتصل: ما لا يقع أولا، ولا يستغني عن مباشرة العامل لفظا وخطّا.
والمنفصل: بخلافه.
وسيأتي الكلام عليه في فصل مفرد.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 452
................................
ثم المتصل على أربعة أقسام: إما مرفوع الموضع، وإما منصوبه، وإما مجروره، وإما صالح للثلاثة.
أما الصالح لها فكلمة نا خاصة؛ وهي المستعملة إما للمتكلم المعظم نفسه، أو المبين بكونه مشاركا بواحد أو أكثر، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله:
وهو إن عني به المعنيّ بنفعل نا في الإعراب كلّه؛ لأنه قد تقدم التنبيه على أن نون نفعل تدل على المتكلم معظما أو مشاركا.
ثم هذا المضمر أعني نا، لا يرفع إلا بالفعل الماضي خاصة، وينصب بالأفعال الثلاثة وبما يعمل عملها من الأسماء والحروف، ويجر بالإضافة وبالحرف.
وأما المنصوب الموضع والمجروره فيأتي الكلام فيه في هذا الفصل.
وأما المرفوع الموضع فاعلم أن أصوله خمسة، وهي: تاء ونون مفتوحة وألف وواو وياء؛ وبضم كلمة نا المرفوعة إليها تصير ستة.
ثم هذه الخمسة منها ما يسند إليه الماضي خاصة، ومنها ما يسند إليه المضارع والأمر، ومنها ما يسند إليه الثلاثة.
فالأول: التّاء: ويشترك فيها المتكلم والمخاطب؛ فضمها دليل [1/ 136] على المتكلم، وفتحها دليل على المخاطب، وكسرها دليل على المخاطبة، وضمها متلوة بـ «ما» دليل على المخاطبين والمخاطبتين، وضمها متلوة بميم مضمومة ممدودة دليل على المخاطبين، وضمها متلوة بنون مشددة دليل على المخاطبات.
وإلى هذا الإشارة بقوله: وإن رفع بفعل ماض فتاء إلى قوله: وبنون مشدّدة للمخاطبات.
والثاني: الياء: وهي للمؤنثة المخاطبة خاصة نحو تفعلين وافعلي، وإلى هذا الإشارة بقوله: وياء للمخاطبة.
والثالث: النون والألف والواو: لكنها مع المضارع والأمر للخطاب أو للغيبة، نحو: تفعلن وافعلن، وهن يفعلن وتفعلان وافعلا ويفعلان ويفعلون وتفعلون وافعلوا ويفعلون؛ وإلى هذا الإشارة بقوله:
وإن رفع بفعل غيره فهو نون إلى والغائبتين أي: وإذا رفع الضمير البارز -
الجزء: 1 - الصفحة: 453
................................
المتصل بفعل غير الماضي فهو كذا إلى آخره.
وإنما عدل مع ذكر الألف إلى قوله: لتثنية غير المتكلم للاختصار؛ فهو أولى من قوله: للمخاطبين والمخاطبتين والغائبين والغائبتين.
ولما لم يكن للغائبة في الياء نصيب اقتصر على قوله: وياء للمخاطبة، وأما مع الماضي فللغيبة فقط كفعلن وفعلا وفعلوا.
وإلى ذلك الإشارة بقوله:
وللغائب مطلقا مع الماضي ما له مع المضارع.
ولا أعرف ماذا أراد بمطلقا لكنه قال في الشرح 18:
«وتسند الماضي في الغيبة إلى ما تسند إليه المضارع فتقول: زيد فعل، وهند فعلت، والزيدان فعلا، والهندان فعلتا، والزيدون فعلوا، والهندات فعلن» ثم قال:
وإلى هذا أشرت بقولي: وللغائب مطلقا مع الماضي ما له مع المضارع، وهو كلام صحيح، غير أن إدخال زيد فعل وهند فعلت هنا ليس بجيد؛ لأن الكلام الآن إنما هو في الضمير البارز لا في المستكن.
على أن الحكم في الضمير المفرد الغائب أو غائبة بالنسبة إلى ما يسند إليه من ماض أو مضارع، قد عرف مما تقدم عند ذكر جائز الخفاء.
وقد عرف مما تقدم: أن أصول المضمر البارز المتصل المرفوع ستة ألفاظ، وتقدم أن أصول المستكن أربعة إذا لم يجعل كلمة هي أصلا بل فرعا لهو، فيكون مجموع أصول المضمر المرفوع من مستكن وبارز متصل عشرة ألفاظ 19.
ثم قد بقي الكلام على ثلاثة مواضع من كلام المصنف في المتن: -
الجزء: 1 - الصفحة: 454
................................
- الأول: ما أشار إليه: وتسكين ميم الجمع إلى آخره.
وحاصله: أن ميم الجمع المتصلة بتاء الضمير لها ثلاثة استعمالات:
التسكين، وضمها باختلاس، وضمها بإشباع، لكن الإسكان أعرف من قسيميه، والإشباع أقيس وهو الأصل 20، واستعماله أقل من السكون وأكثر من [1/ 137] الاختلاس ولقلة الاختلاس لم يتعرض إليه في المتن.
هذا إذا لم يل الميم ضمير منصوب متصل، فإن وليها الضمير المذكور لزم الإشباع، كقوله تعالى: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ 21، وأجاز يونس التسكين نحو: رأيتمه 22.
قال المصنف: «ولا أعلم له في ذلك سماعا إلا ما روى ابن الأثير 23 في غريب الحديث 24 من قول عثمان رضي الله عنه: «أراهمني الباطل شيطانا» وقياسه 25: أراهموني ولو جاء هكذا كان أيضا شاذّا مثل الإسكان من وجه آخر:
وهو أنه إذا تعدى الفعل إلى مفعولين وكانا ضميرين، فإن ضمير المتكلم يقدم على ضمير المخاطب وعلى ضمير الغائب، وضمير المخاطب يقدم على ضمير الغائب؛ فكان القياس أن يقال أرانيهم الباطل شيطانا» انتهى.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 455
................................
وناقش الشيخ المصنف في أمرين:
أحدهما: كون قصر الخلاف على يونس؛ لأن الكسائي والفراء يجيزان 26 وقد قرئ: أنلزمكمها 27 بإسكان الميم، قال: وكلام سيبويه يدلّ على أنّه مسموع؛ فإنّه قال 28: وزعم يونس أنّك تقول أعطيتكمه كما تقول في المظهر، والأوّل أكثر وأعرف.
يعني بالأول ما قدمه من قوله: أعطيتكموه.
الثاني: قوله: فكان القياس أن يقال: أرانيهم الباطل شيطانا.
قال الشيخ 29: «هذا لا يصح؛ فإن معناه عكس ما أراد عثمان رضي الله عنه؛ لأنه كان يكون هو الذي رآهم شيطانا؛ والمعنى أنهم هم رأوه شيطانا.
فالقياس أن يقال في معنى ما أراد عثمان رضي الله عنه: أراهم إيّاي الباطل شيطانا.
إذ هم الرّاءون قبل همزة التعدية [لا هو] 30 انتهى.
- الموضع الثاني 31: قوله: «وربّما استغني معه بالضّمّة عن الواو».
والإشارة بذلك إلى أنه قد يقال في نحو فعلوا فعل فالضمير في معه عائد على الماضي.
وأنشد المصنف على ذلك: 183 - يا ربّ ذي لقح ببابك فاحش... هلع إذا ما النّاس جاع وأجدبوا 32
الحديث: 183 - الجزء: 1 - الصفحة: 456
................................
قال: وأنشد السيرافي 33:
184 - لو أنّ قومي حين أدعوهم حمل... على الجبال الصّمّ لانهدّ الجبل 34
أراد حملوا فحذف الواو اكتفاء بالضمة ثم وقف فسكن 35.
قال الشيخ 36: «ويجوز أن يكون أخبر عن القوم إخبار المفرد؛ لكونه اسم جمع؛ فراعى اللفظ فيه كما يقال: الرّهط صنع والركب سافر؛ فراعى الشّاعر المعنى في أدعوهم وراعى اللفظ في حمل».
وأنشد غير المصنف: -
الحديث: 184 - الجزء: 1 - الصفحة: 457
................................ 185 - فلو أنّ الأطبّا كان حولي... وكان مع الأطبّاء الأساة 37 قال المصنف: وربما فعل مثل هذا مع فعل الأمر، كقول الشاعر: 186 - إنّ ابن الأحوّص معروف فبلّغه... في ساعديه إذا رام العلا قصر 38
- الموضع الثالث: قوله: وليس الأربع علامات... إلخ.
اعلم أن المازني 39 زعم أن النون والألف والواو والياء المشار إليها حروف تدل على أحوال الفاعل كالتاء من فعلت.
والفاعل مستكن كاستكنانه في زيد فعل وهند فعلت.
قال المصنف: «وما زعمه المازني غير صحيح، وإنما هي أسماء أسند الفعل إليها دلّت على مسمياتها كدلالة نا من فعلنا، والتاء من فعلت 40؛ لأن المراد مفهوم بها -
الحديث: 185 - الجزء: 1 - الصفحة: 458
................................
والأصل عدم الزيادة؛ لأنها لو كانت حروفا [1/ 138] تدلّ على أحوال الفاعل المستكنّ كالتاء من هي فعلت لجاز حذفها في نحو: الزيدان قاما والزيدون قاموا، كما جاز حذف التاء في نحو:
187 - [فإمّا تريني ولي لمّة]... فإنّ الحوادث أودى بها 41
وقول الآخر:
188 - [فلا مزنه ودقت ودقها]... ولا أرض أبقل إبقالها 42
بل كانت الألف وأخواتها أحق بجواز الحذف؛ لأن معناه أظهر من معنى التأنيث؛ وذلك أن علامة التأنيث اللاحقة الأسماء لا يوثق بدلالتها على التأنيث؛ إذ قد تلحق المذكرات كثيرا كراوية وعلّامة وهمزة ولمزة؛ فدعت الحاجة إلى التاء التي تلحق الفعل، وليس الأمر كذلك في علامتي التثنية والجمع؛ إذ لا يمكن أن يعتقد فيما اتصلتا به خلوّه من مدلولهما فذكر الفعل على أثر واحدة منهما مغن عن علامة تلحق الفعل، ولما لم يستغنوا بما يلحق الاسم عما يلحق الفعل - علم أن لهم داعيا إلى التزامه غير كونه حرفا، وليس ذلك إلا كونه اسما مسندا إليه الفعل، ولذلك لم يجز حذفه بوجه؛ إذ لو حذف لكان الفعل حديثا من غير محدث عنه وذلك محال.
انتهى.
وقد ضعف مذهب المازني بشيء آخر: وهو أنه لو كانت هذه علامات للزم أن -
الحديث: 187 - الجزء: 1 - الصفحة: 459
[حكم الفعل الماضي المسند إلى الضمائر]
قال ابن مالك: (ويسكّن آخر المسند إلى التّاء والنّون و «نا»، ويحذف ما قبله من معتلّ، وتنقل حركته إلى فاء الماضي الثّلاثيّ، وإن كانت فتحة أبدلت بمجانسة المحذوف ونقلت؛ وربّما نقل دون إسناد إلى أحد الثّلاثة في زال وكاد أختي كان وعسى، وحركة ما قبل الواو والياء مجانسة، فإن ماثلها أو كان ألفا حذف وولي ما قبله بحاله، وإن كان الضّمير واوا والآخر ياء أو بالعكس، حذف الآخر وجعلت الحركة المجانسة على ما قبله).
يكون نون الإناث ساكنة، ولا يسكن آخر الفعل لها كما كانت تاء التأنيث؛ فتسكين آخر الفعل لها وتحريكها يدل على اسميتها؛ إذ لا يكون ذلك إلا لما ينزل منزلة الجزء من الفعل، فكما أن التاء في ضربت اسم بلا خلاف كذلك النون في فعلن ويفعلن.
قال المصنف: «وروي عن الأخفش 43: أن ياء المخاطبة حرف تدل على تأنيث الفعل، والفاعل مستكن كما هو مستكن في نحو: هند فعلت، وهذا القول مردود أيضا بما ردّ به قول المازني، وبشيء آخر وهو أن الأخفش جعل ياء افعلي كتاء فعلت، فيقال له: لو كانت الياء كالتاء لساوتها في الاجتماع مع ألف الاثنين.
فكان يقال افعليا كما يقال: فعلتا؛ لكنهم امتنعوا من ذلك، فعلم أن مانعهم كون ذلك مستلزما اجتماع مرفوعين بفعل واحد وذلك لا يجوز» 44.
قال ناظر الجيش: لما انتهى الكلام على الضمائر البارزة المتصلة المرفوعة، قصد أن يبين ما يطرأ على الفعل المسند إليها حال الإسناد من تسكين آخر وحذف ما قبله أو حذف الآخر نفسه إذا كانا معتلين وتغيير حركة فاء
[1/ 139]. -
الجزء: 1 - الصفحة: 460
................................
أما التسكين فأشار إليه بقوله: ويسكّن وقد تقدم أن المسند إلى نا والتاء لا يكون إلا ماضيا، وأن المسند إلى النون يكون ماضيا ومضارعا وأمرا، وشمل كلام المصنف الجميع.
وإنما قال: آخر المسند، ولم يقل لام المسند؛ لأن المسكن كما يكون لاما كضربت قد يكون حرفا زائدا كسلقيت 45.
قال المصنف 46: «واختلف في سبب هذا السكون، فقال أكثرهم: سببه اجتناب توالي 47 أربع حركات في شيئين هما كشيء واحد؛ لأن الفاعل كجزء من الفعل، وهذا السبب إنما هو في الماضي ثم حمل المضارع عليه.
وأما الأمر فاستصحب له ما كان يستحقه من سكون صحيح الآخر كان كاذهبن أو معتله كاخشين.
وهذا التعليل ضعيف من وجهين:
أحدهما: أن التسكين عام والعلة قاصرة عن أكثر الأفعال؛ لأن توالي الحركات إنما يوجد في الصحيح من فعل وفعل وفعل وانفعل وافتعل لا في غيرهما.
ومعلوم أن غيرها أكثر؛ ومراعاة الأكثر أولى من مراعاة الأقل 48.
والثاني: أن توالي أربع حركات ليس مهملا في كلامهم؛ بل هو مستحب بالنسبة إلى بعض الأبنية، بدليل قولهم: علبط وأصله علابط وعرتن وأصله عرنتن، وجندل وأصله جنادل عند البصريين وجنديل عند الكوفيين 49.
وعلى كل تقدير فقد حذفوا مادة منه ومن علابط، ونونا من عرنتن، مع اقتضاء ذلك إلى أربع حركات متوالية؛ فلو كان تواليها منفورا عنه طبعا ومقصود الإهمال وضعا، لم يتعرضوا إليه دون ضرورة في الأمثلة المذكورة
وأشباهها، ولسدوا باب التأنيث بالتاء في نحو بركة، ومعدة، ولبؤة - فإنه موقع في توالي أربع -
الجزء: 1 - الصفحة: 461
................................
حركات في كلمة واحدة، لا سيما في كلمة تلازمها التاء كملازمتها هذه الثلاثة 50.
ومن العجب اعتذارهم عن تاء التأنيث بأنها في تقدير الانفصال، وأنها بمنزلة كلمة ثانية مع أنها جزء كلمة مفردة لا يستغنى بها فيحسن السكوت عليها.
ولا يستغنى عنها فيقوم غيرها مقامها، بخلاف تاء فعلت؛ فإنها جزء كلام تام، وهي قابلة للاستغناء عنها بغيرها نحو: فعل زيد، وما فعل إلا أنا؛ فظهر بهذا ضعف القول بأن سبب سكون لام فعلت خوف توالي أربع حركات.
وإنما سببه تمييز الفاعل من المفعول في نحو: أكرمنا وأكرمنا 51 ثم سلك بالمتصل بالتاء والنون هذا السبيل لمساواتهما لنا في الرفع والاتصال وعدم الاعتلال» انتهى 52.
وأما حذف ما قبل الآخر إذا كان معتلّا فأشار إليه بقوله: ويحذف ما قبله من معتلّ؛ والمراد أنه إن كان ما قبل المسكن للسبب المذكور حرف علة ساكنا حذف لالتقاء الساكنين ثلاثيّا كان الفعل أو غير ثلاثي، ماضيا كان أو غير ماض 53. لكن يختص ماضي الثلاثي بأمر آخر غير الحذف المذكور، وهو تغيير حركة فائه.
وتفصيل القول [1/ 140] في ذلك: أن حركة العين منه إما مخالفة لحركة الفاء أو موافقة؛ إن كانت مخالفة لم يفعل أكثر من أن تنقل إلى الفاء بعد إذهاب حركتها ثم يحذف الحرف الذي نقلت حركته وهو العين للعلة المتقدمة.
وذلك نحو: خفت وهبت أصلهما: خوف وهيب بكسر العين؛ لأن مضارعهما يخاف ويهاب، هذا مثال مخالفة حركة العين لحركة الفاء بكسر.
وأما مخالفتها بضم فمثله المصنف بقوله: جدت جعل أصله جود.
ولا يظهر لي -
الجزء: 1 - الصفحة: 462
................................ ذلك؛ إذ يحتمل أن يكون أصله جود، فيكون من باب ما وافقت حركة العين فيه حركة الفاء؛ وإنما ضم للعلة التي ضم لها نحو قلت كما سيأتي 54. وإن كانت الحركة موافقة أبدلت بحركة من جنس العين، فتبدل كسرة إن كانت العين ياء، وضمة إن كانت العين واوا، ثم يفعل من النقل إلى الفاء والحذف ما تقدم في المخالف، وذلك نحو: بعت وقلت أصلهما قبل الإسناد: بيع وقول بفتح العين فحولا إلى بيع وقول 55 بكسر العين ثم نقل الحركة إلى الفاء، فقيل: بعت وبعنا وبعن بالكسر، وقلت وقلنا وقلن بالضم؛ هذا قول أكثر النحويين، وإليه جنح المصنف 56. وذهب بعض النحاة إلى خلافه؛ وهو ألا نقل ولا تحويل؛ وإنما غيرت حركة الفاء ابتداء لبيان ما أذكره، وهو إما بيان بنية الكلمة إن خالفت حركة العين حركة الفاء؛ فإنه إذا حصلت المخالفة راعوا بيان البنية ولم يراعوا المادة؛ فيقولون خفت بكسر الفاء، وإن كانت عين الكلمة المحذوفة واوا؛ ليبين أنه على فعل بالكسر. وإما بيان مادتها فإنه إذا حصلت الموافقة راعوا بيان المادة، فيكسرون فيما عينه ياء، ويضمون فيما عينه واو، كبعت وقلت، وهذا أقل عملا من الأول. وأما المضارع والأمر فيقتصر فيهما على الحذف، نحو خفن ولا يخفن، وصمن ولا يصمن، وقلن ولا يقلن. والنقل في هذه المضارعات ليس هو النقل الذي في ماضيها؛ ولهذا ينقل فيها دون إسناد إلى النون نحو يخاف ويصيح ويقول. وأما النقل في الماضي فموجبه الإسناد إلى أحد الثلاثة: أعني التاء ونا والنون. وأشار بقوله: وربّما نقل دون إسناد إلى أحد الثّلاثة يعني التاء والنون ونا - إلى قول بعض العرب: ما زيل زيد فاضلا وكيد زيد يفعل، قال أبو خراش الهذلي: 189 - وكيدت ضباع القفّ يأكلن جثّتي... وكيد خراش يوم ذلك ييتم 57
الحديث: 189 - الجزء: 1 - الصفحة: 463
................................
قال سيبويه 58: «وحدّثنا أبو الخطاب أنّ ناسا من العرب يقولون: كيد زيد يفعل» كذا قال الأستاذ أبو علي؛ جسرهم على ذلك أنهم أمنوا اللبس؛ حيث كان هذا الفعل لا مفعول له، وهو مع هذا شاذ 59.
واحترز بقوله: أختي كاد وعسى من زال [1/ 141] بمعنى ماز، وبمعنى ذهب أو تحول؛ ومن كاد بمعنى احتال، وبمعنى أراد، وبمعنى مكر؛ ويجمعها أن يقال:
التي مضارعها يكيد؛ فإن مضارع تلك يكاد.
وأما حذف الآخر نفسه فأشار إليه بقوله: وحركة ما قبل الياء والواو مجانسة إلى آخره؛ ومراده بالمجانسة أن تكون الحركة قبل الواو ضمة، وقبل الياء كسرة نحو: يفعلون وتفعلين؛ فإن ماثلها أي فإن ماثل الآخر الواو أو الياء بأن كان آخر المسند إلى الواو واوا، وآخر المسند إلى الياء ياء، أو كان ألفا مطلقا - حذفت الواو والياء والألف، واتصل بالمسند إليه واوا كان أو ياء ما كان متصلا بالمحذوف دون تبديل حركته، نحو: أنتم تدعون، وأنت ترمين، وأنتم تخشون وأنت تخشين، وإن لم يماثل الآخر الواو والياء بأن كان المسند إليه واو الضمير، وآخر الفعل المسند ياء؛ أو كان المسند إليه ياء الضمير، وآخر الفعل المسند واوا - حذف آخر الفعل وضم ما قبل المحذوف إن كان المسند إليه واوا، نحو: أنتم ترمون، وكسر ما قبله إن كان المسند إليه ياء، نحو أنت تعفين.
- - اللغة: كيد: بمعنى كاد، وهو موضع الشاهد.
ضباع: جمع ضبع.
القفّ: ما ارتفع من الأرض.
خراش: ابن الشاعر.
ييتم: أي يصير بلا أب.
والبيت في معجم الشواهد (ص 339)، وشرح التسهيل (1/ 126) والتذييل والتكميل (1/ 146). ترجمة الشاعر: هو أبو خراش الهذلي، خويلد بن مرة، يمتد نسبه حتى يصل إلى تميم بن سعد بن هذيل.
كان له أخوان واحد يدعى عروة والآخر يدعى أبا جندب؛ أما الأول فقد مات ورثاه أبو خراش، والثاني هو أحد شعراء هذيل المعدودين، مات أبو خراش في زمن عمر بن الخطاب؛ وقيل في سبب موته: إن حية نهشته فمات (ترجمته في الشعر والشعراء: 1/ 667).
الجزء: 1 - الصفحة: 464
[نيابة بعض الضمائر عن بعض]
قال ابن مالك: (ويأتي ضمير الغائبين كضمير الغائبة كثيرا، لتأوّلهم بجماعة، وكضمير الغائب قليلا؛ لتأوّلهم بواحد يفهم الجمع أو لسدّ واحد مسدّهم.
ويعامل بذلك ضمير الاثنين وضمير الإناث بعد أفعل التّفضيل كثيرا ودونه قليلا).
والأصل: ترميون وتعفوين فاستثقلوا ضم الياء المكسور ما قبلها وكسر الواو المضموم ما قبلها، فخففتا بالتسكين، وخيف انقلابهما فحرك ما قبلهما بما يجانسهما 60.
قال ناظر الجيش: إتيان ضمير الغائبين كضمير الغائبة، كقوله تعالى: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ 61. ومنه قول الراجز:
190 - قد علمت والدتي ما ضمّت... إذا الكماة بالكماة التفّت 62
قال المصنف: «فهذا كثير بخلاف إتيانه كضمير الغائب؛ فإنه قليل، ومنه قول -
الحديث: 190 - الجزء: 1 - الصفحة: 465
................................
الشاعر:
191 - فإنّي رأيت الصّامرين متاعهم... يموت ويفنى فارضخي من وعائيا 63
أراد: يموتون، فأفرد كأنه قال يموت من ثم أو من ذكرت.
وعلى ذلك يحمل قول الآخر:
192 - تعفّق بالأرطى لها وأرادها... رجال فبذّت نبلهم وكليب 64
أي: تعفق بالأرطى رجال، وأرادها جمعهم.
فبهذا التوجيه يضعف الانتصار للكسائي بهذا البيت في حذف الفاعل، وللفراء في نسبة العمل إلى العاملين 65.
وقد أجاز سيبويه أن يقال: ضربت وضربني قومك؛ أراد: وضربوني، فأفرد -
الحديث: 191 - الجزء: 1 - الصفحة: 466
................................
على تقدير: وضربني من ثم 66.
وأنشد أبو الحسن:
193 - وبالبدو منّا أسرة يحفظوننا... سراع إلى الدّاعي عظام كراكره 67
فأفرد ضمير الأسرة؛ لأنه نسب إليهم الحفظ، فصح تأويلهم بحصن أو ملجأ؛ فجاء بالضمير على وفق ذلك؛ فكأنه قال: أسرة هم بحفظهم إيانا ملجأ عظيم كراكره.
ومن كلام العرب: هو أحسن الفتيان وأجمله؛ لأنه بمعنى أحسن فتى، فأفرد الضمير حملا على المعنى، وإلى نحو هذا أشرت بقولي: أو لسدّ واحد مسدّهم.
ومثل هذا قوله تعالى [1/ 142]: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ 68.
وقال الراجز:
194 - [بال سهيل في الفصيح ففسد]... وطاب ألبان اللّقاح وبرد 69
لأن النعم واللبن يسدان مسد الأنعام والألبان» انتهى 70.
وناقش الشيخ المصنف في أمور: -
الحديث: 193 - الجزء: 1 - الصفحة: 467
................................
منها: «أن ضمير الغائبين إنما يأتي كضمير الغائبة إذا كان الضمير عائدا على جمع تكسير كما مثّله؛ أما إذا عاد على جمع سلامة نحو الزيدين، فلا يجوز أن يكون إلا بالواو، ولا يقال الزيدون خرجت، وظاهر كلام المصنف يدل على عموم الحكم في الجمعين» 71.
قال: «وإذا عاد الضمير على اسم جمع، جاز فيه الجمع والإفراد، نحو:
الرهط خرجوا والرهط خرج» 72.
ومنها: «أنه نفى الحجة من البيت الذي أنشده شاهدا على أن ضمير الغائبين يأتي كضمير الغائب وهو: فإني رأيت الصّامرين... البيت».
قال: «لأنه يحتمل أن يكون متاعهم بدلا من الصامرين، والخبر يموت، كما تقول: إن الزيدين برهم واسع.
وكنى عن نفاد متاعهم بالموت على سبيل المجاز، والتقدير: فإنّي رأيت متاع الصّامرين يبيد ويفنى» انتهى 73.
ولا يخفى ضعف هذا التخريج الذي خرجه الشيخ 74.
ومنها: قوله - وقد أجاز سيبويه أن يقال: «ضربت وضربني قومك» - قال:
«لم يجز سيبويه ذلك على الإطلاق، ولا هذا الذي ذكره مقال سيبويه، بل قال سيبويه 75: وإن قال ضربني وضربت قومك فجائز، وهو قبيح أن يجعل اللفظ كالواحد، كما تقول: هو أجمل الفتيان وأحسنه وأكرم بنيه وأنبله؛ ولا بدّ من هذا، لأنّه لا يخلو الفعل من مضمر أو مظهر مرفوع من الأسماء، كأنّك قلت ضربني من ثمّ، وضربت قومك، وترك ذلك أجود وأحسن».
قال الشيخ: «فحكم سيبويه بقبحه؛ وإنّما أجاز سيبويه ذلك على قبحه -
الجزء: 1 - الصفحة: 468
................................
في مكان خاصّ وهو باب الإعمال، ولا يلزم من إجازته ذلك في هذا الباب أن يجيزه في غيره.
قال: وظاهر كلام المصنف يقتضي إجازته على قلّة» 76.
والمصنف إنما ذكر أن ذلك قد ورد أنه قليل؛ فليس في كلامه منافاة لكلام سيبويه ولا مخالفة.
ومنها: كونه قال: «أو لسدّ واحد مسدّهم وحمل على ذلك قول العرب: هو أحسن الفتيان وأجمله».
قال الشيخ: «هذا هو مذهب الفارسيّ، قال: إنما أفرد الضّمير؛ لأنهم تارة يقولون: هو أحسن فتى؛ فيفردون، وتارة يقولون: هو أحسن الفتيان فيجمعون فتوهّموا ذلك في حالة الجمع فأفردوه».
قال الشيخ 77: «والّذي يدل عليه كلام سيبويه أنه إنّما أفرد كما أفرد في:
ضربني وضربت قومك، وهو على معنى: من ثمّ فإنه قال: هو أحسن الفتيان، وأجمل من ذكر».
قال أصحابنا: «وهذا هو الصحيح ويدلّ على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «خير النّساء صوالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» 78 فلو كان على ما يقوله الفارسيّ لقال أحناها؛ لأن المفرد الذي يقع هنا إنما كان يكون [1/ 143] امرأة؛ فدلّ على أنّ المراد: أحنى من ذكر».
ومنها: قوله: ومثل هذا قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً 79... إلخ كلامه.
قال الشيخ: «وليس مثله؛ لأنّ كلامه إنّما هو في جمع التكسير للعاقل، وهذا جمع تكسير لغير عاقل وفرق بينهما» انتهى 80.
وما ذكره الشيخ من الفرق واضح، وإنما أراد المصنف أن يبين أنه قد اتفق الجمعان في أن عاد الضمير على كل منهما باعتبار الإفراد.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 469
................................
ثم أشار المصنف بقوله: ويعامل بذلك ضمير الاثنين... إلى آخره - إلى أن الضمير قد يعود على الاثنين، وعلى الإناث بلفظ الإفراد؛ لكنه جعله قسمين:
كثيرا وقليلا 81:
أما الكثير: فإذا وقع الاثنان أو الإناث بعد أفعل التفضيل:
فمثال ذلك في ضمير الاثنين قول الشاعر:
195 - وميّة أحسن الثقلين جيدا... وسالفة وأحسنه قذالا 82
ومنه قول الآخر:
196 - شرّ يوميها وأغواه لها... ركبت عنز بحدج جملا 83
ومثال ذلك في ضمير الإناث: «خير النّساء صوالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده» كأنه قال: أحنى هذا الصنف، أو أحنى من ذكرت.
-
الحديث: 195 - الجزء: 1 - الصفحة: 470
................................
وأما القليل: فأن يكون ذلك دون أفعل التفضيل؛ لكن المصنف إنما مثل للضمير العائد على اثنين؛ أما العائد على الإناث فلم يمثل له وكأنه لم يرد؛ والذي أنشده المصنف شاهدا قول الشاعر:
197 - أخو الذّئب يعوي والغراب ومن يكن... شريكيه تطمع نفسه كلّ مطمع 84
أي ومن يكن الذئب والغراب شريكيه؛ فأفرد الضمير موؤلا كأنه قال:
ومن يكن هذا النوع، أو ومن يكن من ذكرته.
قال الشيخ: ليس معنى المثنى الذي في البيت الأول على التثنية، وكذا الذي في البيت الثاني؛ بل هو من المثنى الذي يراد به الجمع، فمعنى أحسن الثقلين أحسن الخلائق؛ ومعنى شرّ يوميها شرّ أيامها؛ وإذا كان كذلك فلا يجوز: هو أحسن ولديك وأنبله.
إذ قد منع سيبويه 85 القياس على قولهم: هو أحسن الفتيان وأجمله؛ فالقياس على ما ورد من ذلك مثنى ويراد به الجمع - أولى بالمنع؛ فكيف يقول المصنف: إن ذلك كثير؟ 86.
وأما البيت الثالث فذكر فيه تخريجا بعيدا، فقال: يحتمل أن يكون الضمير في يكن مفردا عائدا على من، ويكون شريكيه من المقلوب، والتقدير: ومن يكن شريكهما فلا يكون ذلك فيه دليل على دعوى المصنف 87.
الحديث: 197 - الجزء: 1 - الصفحة: 471
[بقية الحديث عن نيابة بعض الضمائر عن بعض]
قال ابن مالك: (ولجمع الغائب غير العاقل ما للغائبة أو الغائبات وفعلت ونحوه أولى من فعلن ونحوه بأكثر جمعه وأقلّه والعاقلات مطلقا بالعكس، وقد يوقع فعلن موقع فعلوا؛ طلبا للتّشاكل كما قد يسوّغ لكلمات أخر غير ما لها من حكم ووزن).
قال ناظر الجيش: إعطاء [1/ 144] جمع الغائب غير العاقل ما للغائبة، كقوله تعالى: وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ 88.
وإعطاؤه ما للغائبات كقوله تعالى: فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها 89؛ وقد يعطى ما للمذكر الغائب 90 كقوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ 91 وتقدم ذلك في كلام المصنف 92، فاستغنى عن إعادته؛ لكن ذكره هنا أولى.
وأشار بقوله: وفعلت ونحوه إلى آخره، إلى أن الأكثر في الاستعمال أن يعطى الكثرة ما للغائبة والقلة ما للغائبات، كقولهم: الجذوع انكسرت والأجذاع انكسرن، وكذا في الضمير غير المرفوع، وإياه عنى بقوله: ونحوه أي وفعلت أولى من فعلن في المرفوع، ونحو فعلت أولى من نحو فعلن في غير المرفوع.
نحو:
الجذوع كسرتها والأجذاع كسرتهن 93، قال الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ 94.
فمنها عائد على اثنا عشر، وفيهن على أربعة أشهر؛ هذا في غير العاقلات.
وأما -
الجزء: 1 - الصفحة: 472
................................
العاقلات ففعلن وشبهه أولى من فعلت وشبهه.
قال الله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ 95، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«استوصوا بالنّساء خيرا فإنّهنّ عوان بينكم» 96.
قال المصنف 97: «ولو قيل في الكلام موضع فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ فعلت في أنفسها؛ وموضع فإنهن عوان: فإنّها عوان، لجاز كقوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ 98 فهذا جاء على طهّرت، ولو جاء على طهّرن لقيل مطهّرات.
ومن استعمال فعلت في ضمير العاقلات قول الشاعر:
198 - وإذا العذارى بالدّخان تلفّعت... واستعجلت نصب القدور فملّت
درّت بأرزاق العفاة مغالق... بيديّ من قمع العشار الجلّة 99
وإنما قال: والعاقلات مطلقا ليشمل ما كان للكثرة والقلة فلا فرق بينهما، بخلاف ما إذا كان الجمع بغير العاقل.
وإلى حكم غير العاقل في القلة، وحكم العاقلات لكثرة كانت أو قلة - الإشارة بقوله: وأقلّه والعاقلات مطلقا بالعكس.
-
الحديث: 198 - الجزء: 1 - الصفحة: 473
................................
قال الشيخ: «قول المصنّف مطلقا أي كان جمعا صحيحا أو مكسّرا».
فمثال فعلن في الصحيح: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ 100، وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ 101، ومثال فعلت قولك: الهندات خرجت، وقول الشاعر:
199 - ولست بسائل جارات بيتي... أغيّاب رجالك أم شهود 102
قال: رجالك ولم يقل رجالكن» انتهى 103.
وأشار المصنف بقوله: وقد يوقع فعلن موقع فعلوا إلى آخره، إلى ما ورد في بعض الأدعية المأثورة: «اللهمّ ربّ السّموات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشياطين وما أضللن».
أراد [1/ 145] ومن أضلوا، لكن إرادة التشاكل حملت على إيقاع النون موقع الواو، وحملت على الخروج من حكم التصحيح إلى حكم الإعلال في قوله عليه الصلاة والسّلام: «لا دريت ولا تليت» 104. وإنما حقه تلوت، ومن حكم الإدغام إلى حكم الفك في قوله: -
الحديث: 199 - الجزء: 1 - الصفحة: 474
[الحديث عن الضمير المتصل المنصوب والمجرور]
قال ابن مالك: (ومن البارز المتّصل في الجرّ والنّصب ياء للمتكلّم، وكاف مفتوحة للمخاطب، ومكسورة للمخاطبة، وها للغائبة، وهاء مضمومة للغائب؛ وإن وليت ياء ساكنة أو كسرة كسرها غير الحجازيّين، وتشبع حركتها بعد متحرّك، ويختار الاختلاس بعد ساكن مطلقا وفاقا لأبي العبّاس، وقد تسكّن أو تختلس الحركة بعد متحرّك عند بني عقيل وبني كلاب اختيارا وعند غيرهم اضطرارا.
وإن فصل المتحرّك في الأصل ساكن حذف جزما أو وقفا جازت الأوجه الثّلاثة).
أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبب ينبحها كلاب الحوأب 105 وإنما حقه الأدبّ، وكما حمل على الخروج من وزن الكلمة إلى غيره، كقول العرب: أخذه ما قدم 106 وما حدث وهنأه ومرأه، وفعلته على ما يسوءك وينوءك.
ولا يقولون في الإفراد إلا حدث وأمرأه، وأناءه ينيئه، وهذا هو المراد بقوله: وقد يسوغ لكلمات غير ما لها من حكم ووزن.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على البارز المتصل المرفوع، شرع في المتصل البارز المنصوب الموضع
والمجروره.
وقد تقدم أن غير المرفوع لا يكون مستكنّا إنما يكون بارزا 107.
ولم يخص الضمائر بلفظ، بل لفظها لفظ المنصوب المتصل؛ لأنه لما كان سبب وضع الضمائر طلب الاختصار، ناسب ذلك أن يشرك بينهما؛ فكل ما هو للمنصوب هو للمجرور، وإنما يميز بينهما العوامل.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 475
................................
وأصول المنصوب أعني البارز المتصل خمسة ألفاظ 108:
وهي الياء، ونا، والكاف، والهاء، وها.
وما عدا ذلك فهو متفرع عليه.
أما الياء: فللمتكلم وحده، ومثاله: رَبِّي أَكْرَمَنِ 109:
وأما نا: فقد تقدم أنها للمتكلم المعظم نفسه أو المشارك، نحو: رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ 110.
وأما الكاف: فللخطاب؛ فإن فتحت كانت للمخاطب نحو: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى 111 وإن كسرت كانت للمخاطبة 112.
وأما الهاء: فللغائب نحو: فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ 113.
وأمّا ها: فللغائبة نحو:... وَتَقْواها (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها 114.
ولغة الحجازيين 115 في هاء الغائب الضم مطلقا، وهو الأصل؛ فيقولون: ضربته ومررت به ونظرت إليه 116 ولغة غيرهم الكسر بعد الكسرة.
أو الياء الساكنة إتباعا وبلغة غيرهم قرأ القراء إلا حفصا 117:... -
الجزء: 1 - الصفحة: 476
................................
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ 118، وبِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ 119، وحمزة في لِأَهْلِهِ امْكُثُوا في الموضعين 120، فإنهما قرآ بالضم على لغة الحجازيين.
ومن العرب من يكسرها بعد كسرة مفصولة بساكن ومنه: أَرْجِهْ وَأَخاهُ 121.
في قراءة ابن ذكوان 122 وإشباع حركة هذه الهاء هو الأصل والتزم ذلك بعد متحرك في غير الضرورة 123، إلا عند بني عقيل وبني كلاب كما سيأتي [1/ 146].
أما إذا كان ما قبل الهاء ساكنا فإن الاختلاس يختار على الإشباع.
قال المصنف: «لأن اللافظ بالإشباع بعد ساكن كالجامع بين ساكنين، فلذلك كثر اختلاس الضّمة والكسرة في نحو منه ويأتيه ويرجوه».
- - ولد سنة (90 هـ) وتوفي سنة (180 هـ). انظر ترجمته في معجم الأدباء (1/ 215)، والأعلام (2/ 291)، غاية النهاية (1/ 254).
الجزء: 1 - الصفحة: 477
................................
ورجح سيبويه الإشباع إذا لم يكن الساكن حرف لين 124.
قال المصنف: «وردّ ذلك أبو العبّاس ويعضّده السّماع الشّائع» 125.
قال الشيخ: «والّذي يدلّ عليه السّماع الشّائع هو ما ذكره سيبويه وذهب إليه» 126، ولم يستشهد الشيخ بشيء غير أنه إنما اعتمد في ذلك كلام سيبويه وهو قوله:
«وقد يحذف بعض العرب الحرف الّذي بعد الهاء إذا كان ما قبل الهاء ساكنا لأنّهم كرهوا حرفين ساكنين بينهما حرف خفيّ نحو الألف، فكما كرهوا التقاء السّاكنين في آمين ونحوها كرهوا ألّا يكون بينهما حرف قويّ، وذلك
قول بعضهم منه يا فتى، والإتمام أجود لأن هذا السّاكن ليس بحرف لين والهاء حرف متحرّك» انتهى 127.
وروى الكسائي عن بني عقيل وبني كلاب الإسكان واختلاس الضمة والكسرة في الهاء بعد متحرك.
قال الكسائي 128: «سمعت أعراب عقيل وكلاب يقولون: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ 129 بالجزم ولِرَبِّهِ لَكَنُودٌ بغير تمام.
وبهذه اللّغة قرأ -
الجزء: 1 - الصفحة: 478
................................
أبو جعفر 130 له وبه وما أشبههما».
وغير بني عقيل وبني كلاب لا يوجد في كلامهم اختلاس ولا سكون في «له» وشبهه، إلا في ضرورة كقول الشاعر وهو الشماخ 131:
200 - له زجل كأنّه صوت حاد... إذا طلب الوثيقة أو زمير 132
وقال آخر:
201 - وأشرب الماء ما بي نحوه عطش... إلّا لأنّ عيونه سيل واديها 133
فإن فصل المتحرك في الأصل ساكن حذف جزما أو وقفا، جاز في الهاء التحريك مع الإشباع، والتحريك مع الاختلاس والتسكين نحو قوله تعالى: -
الحديث: 200 - الجزء: 1 - الصفحة: 479
................................
وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ 134، ونحو يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ 135، أصلهما يرضاه ويؤديه، هذا مثال ما حذف جزما.
ومثال ما حذف وقفا قوله تعالى فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ 136. أصله ألقيه؛ فمن أشبع نظر إلى اللفظ وأن الهاء متصلة بحركة، ومن اختلس استصحب ما كان للهاء قبل أن تحذف الألف 137؛ لأن حذفها عارض والعارض لا يعتد به غالبا.
ومن سكن نظر إلى أن الهاء قد وقعت موقع المحذوف الذي كان حقه لو لم يكن حرف علة أن يسكن؛ فأعطيت الهاء ما
يستحقه المحل من السكون؛ وهذه هي الأوجه الثلاثة التي أشار إليها في المتن.
قال الشيخ:
«وثبت في بعض النّسخ بعد قوله: جازت الأوجه الثّلاثة ما نصّه: وإشباع كسرة التّأنيث في نحو ضربته وأعطيتكه لغة ربيعة» انتهى 138.
أما ضربته فقال سيبويه 139:
«وحدّثني الخليل أنّ ناسا يقولون: ضربتيه فيلحقون الياء وهذه قليلة».
وأما أعطيتكه فقال سيبويه 140:
«واعلم أنّ ناسا من العرب يلحقون الكاف الّتي هي علامة الإضمار إذا وقعت بعدها هاء الإضمار ألفا في التّذكير وياء في التّأنيث».
ثم قال: «وذلك قولك أعطيتكيه وأعطيتكيها [1/ 147] للمؤنّث ويقولون في التّذكير: أعطيتكاه وأعطيتكاها».
الجزء: 1 - الصفحة: 480
[أحكام ضمائر التثنية والجمع]
قال ابن مالك: (ويلي الكاف والهاء في التّثنية والجمع ما ولي التّاء، وربّما كسرت الكاف فيهما بعد ياء ساكنة أو كسرة، وكسر ميم الجمع بعد الهاء المكسورة باختلاس قبل ساكن وبإشباع دونه أقيس، وضمّها قبل ساكن وإسكانها قبل متحرّك أشهر. وربّما كسرت قبل ساكن مطلقا). قال ناظر الجيش: قال المصنف 141: «قد تقدم أن تاء الضمير توصل مضمومة بميم وألف للمخاطبين والمخاطبتين، وبميم مضممومة ممدودة للمخاطبين، وبنون مشددة للمخاطبات، وإن تسكين ميم الجمع إن لم يلها ضمير متصل أعرف، وإن وليها لم يجز التسكين خلافا ليونس. فإلى جميع ذلك أشرت بقولي: ويلي الكاف والهاء في التّثنية والجمع ما ولي التّاء. فكما قيل فعلتما وفعلتم وفعلتن، يقال لكما معهما وإنكم معهم وإنكن معهن. ومن كسر هاء المفرد إتباعا للكسرة والياء الساكنة كسر هاء التثنية والجمع، ومن لم يكسر لم يكسر. وبعض العرب يكسر كاف التثنية والجمع بعد كسرة أو ياء ساكنة؛ إلحاقا بالهاء نحو: مررت بكما وبكم وبكن، ورغبت فيكما وفيكم وفيكن. قال الشاعر: 202 - وإن قال مولاهم على كلّ حادث... من الدّهر ردّوا بعض أحلامكم ردّوا 142
الحديث: 202 - الجزء: 1 - الصفحة: 481
................................
روي بكسر الكاف من أحلامكم» انتهى.
ثم إذا كسرت الهاء فلميم الجمع بعدها حالتان:
إحداهما: أن يكون بعدها ساكن، فيجوز في الميم وجهان: الكسر وهو أقيس؛ لأن الخروج من الكسر إلى الضم ثقيل، ولأنهم قصدوا الإتباع.
والضم وهو أشهر، ولذا قرأ به أكثر القراء ومثال ذلك: بِهِمُ الْأَسْبابُ 143، يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ 144.
ولا يخفى أن حركة الميم قبل الساكن مختلسة؛ لأن الإسكان لا يجوز لملاقاة ساكن بعدها، والإشباع يؤدي إلى حذف الحرف لالتقاء الساكنين.
الثانية: أن يكون بعدها متحرك.
فحقها الإشباع 145 وهو أقيس، والإسكان وهو أشهر نحو: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ 146، تُشَاقُّونَ فِيهِمْ 147.
وإنما كان الإشباع أقيس لأن الضمير لما استعمل للمثنى؛ زيد على اللفظ الذي للمفرد حرفان، وهما الميم والألف، ولما استعمل للجمع المؤنث زيد عليه نون مشددة، ولا شك أنهما حرفان، فوجب أن يزاد عليه حرفان.
وإذا كان للجمع المذكر وهما الواو والميم: فمن أثبتها فعلى الأصل، ومن قصد التخفيف حذف الواو وسكن الميم.
- - أهل النّظر مردود».
وبيت الشاهد في معجم الشواهد (ص 100)، وشرح التسهيل: (1/ 134)، والتذييل والتكميل: (2/ 172). ترجمة الشاعر: هو جرول بن أوس، ولقب بالحطيئة لقصره، كان من بني عبس ولكنه كان ينتسب إلى قبائل مختلفة أثناء تجواله.
مدح الأشراف وأخذ عطاياهم.
ومن بخل عليه هجاه.
واشتهر بالهجاء لأنه هجا كل الناس حتى أباه وأمه ونفسه.
مات سنة (30 هـ)، فهو جاهلى إسلامي أسلم بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
حبسه عمر بن الخطاب لهجائه الناس ثم أخرجه من الحبس عند ما أرسل إليه (من البسيط): ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة... فاغفر عليك سلام الله يا عمر انظر ترجمته في الشعر والشعراء (1/ 328). بروكلمان (1/ 168).
الجزء: 1 - الصفحة: 482
................................ وعلم من قول المصنف: وكسر ميم الجمع بعد الهاء المكسورة: أن الميم بعد الهاء المضمومة لا تكسر بل تضم. أما كون الميم توصل بواو بعد الهاء المضمومة، أو لا توصل فتختلس الحركة أو تسكن، فقد عرف مما تقدم. وأشار المصنف بقوله: وربّما كسرت قبل ساكن مطلقا إلى أنه قد تكسر الميم قبل ساكن 148 وإن لم يكن قبلها كسرة ولا ياء ساكنة كقول القائل: 203 - فهم بطانتهم وهم وزراؤهم... وهم القضاة ومنهم الحكّام 149 وقول الآخر [1/ 148]: 204 - ألا إنّ أصحاب الكنيف وجدتهم... هم النّاس لمّا أخصبوا وتموّلوا 150
الحديث: 203 - الجزء: 1 - الصفحة: 483
[نون الوقاية وأحكامها وماذا تلحق]
قال ابن مالك: (فصل 151: تلحق قبل ياء المتكلّم إن نصب بغير صفة، أو جرّ بمن أو عن أو قد أو قط أو بجل أو لدن نون مكسورة للوقاية، وحذفها مع لدن وأخوات ليت جائز، وهو مع بجل ولعلّ أعرف من الثّبوت، ومع ليس وليت ومن وعن وقد وقط بالعكس، وقد تلحق مع اسم الفاعل وأفعل التّفضيل، وهي الباقية في فليني لا الأولى وفاقا لسيبويه).
- قال المصنف: «كذا أنشدهما ابن جنّي في المحتسب بكسر ميم هم القضاة وهم النّاس» 152.
قال ناظر الجيش: إيراد هذا الفصل في هذا الباب ظاهر؛ لأن النون المذكورة إنما تلحق قبل ياء المتكلم، فالكلام فيها متعلق بباب المضمر.
واعلم أن الياء إذا كانت منصوبة 153 لحقت النون قبلها كائنا العامل فيها ما كان؛ ولا يستثنى من العوامل إلا ما كان صفة، فإنه لا يجوز معه لحاق النون ولا تلحق قبل الياء المجرورة إلا إذا كان الجر بأحد كلم ست وهي «من، وعن، وقد، وقط، وبجل، ولدن»، فعلى هذا لحاق هذه النون على ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، وممتنع.
والجائز على ثلاثة أقسام: قسم يرجح فيه اللحوق، وقسم عكسه، وقسم يستوي فيه الأمران.
وتفصيل القول في ذلك: أن الناصب للياء إما فعل، وإما اسم فعل، وإما اسم هو صفة.
وإما حرف وهو إن وأخواتها.
فإن كان الناصب صفة امتنعت النون نحو أنت المكرمي 154. -
الجزء: 1 - الصفحة: 484
................................
وإن كان فعلا وجبت، ماضيا كان الفعل أو مضارعا أو أمرا، متصرفا كان أو غير متصرف، وكذا إن كان الناصب اسم فعل، فالنون واجبة أيضا نحو رويدني وعليكني.
وإن كان الناصب أحد الأحرف المتقدمة الذكر 155 جاز الأمران لكن الأكثر في ليت اللحوق والترك نادر.
والأكثر في لعل تركها واللحوق نادر.
وأما أخواتهما الباقية فيستوي فيها الأمران.
وأما الياء المجرورة 156 فإن جرت بشيء غير الكلم الست المتقدمة الذكر 157 امتنع لحوق النون.
وإن جرّت بشيء مما تقدم؛ فقد جعل المصنف النون معه على ثلاثة أقسام كما كانت مع الأحرف الناصبة.
فثبوتها مع من وعن وقد وقط أكثر من الحذف، والحذف مع بجل أكثر من الثبوت، والأمران مستويان مع لدن.
فتلخص: أن النون تمتنع مع الناصب إذا كان صفة، ومع الجار إذا كان غير الكلمات الستة، وأنها تجب مع الناصب إذا كان غير صفة وغير حرف، وأنها راجحة الثبوت على الحذف إذا نصبت بليت، أو جرت بمن أو عن أو قد أو قط، وأنها راجحة الحذف على الثبوت إذا نصبت بلعل أو جرت ببجل، وأنها مستو فيها الأمران إذا نصبت بأخوات ليت ولعل أو جرت بلدن، ولا يخفى تطبيق كلام المصنف على ما قلناه.
وإنما كسرت النون المذكورة لأجل [1/ 149] الياء.
وإنما سميت نون الوقاية لأنها وقت الفعل من الكسر.
هذا هو المشهور ولم يرضه المصنف.
- - موضع خفض بالإضافة.
(حاشية الصبان: 2/ 246).
الجزء: 1 - الصفحة: 485
................................
قال: «لأن الكسر يلحق الفعل مع ياء المخاطبة لحاقا هو أثبت من لحاق الكسر لأجل ياء المتكلم؛ لأن ياء المتكلم فضلة فهي في تقدير الانفصال بخلاف ياء المخاطبة فإنها عمدة، ولأن ياء المتكلم قد يغني عنها الكسرة التي قبلها
ثم يوقف على المكسورة بالسكون نحو: فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ 158 وياء المخاطبة لا يعرض لها ذلك» 159.
قال: «وإنما سميت نون وقاية لأنها وقت محذورين في فعل الأمر لو اتصل بالياء دونها: أحدهما: «التباس ياء المتكلم بياء المخاطبة».
والثاني: «التباس أمر المذكر بأمر المؤنثة» 160. فلما صحبت النون الياء مع فعل الأمر صحبتها مع أخويه ومع اسم الفاعل وجوبا؛ ليدل لحاقها على نصب الياء، ولحقت إن وأخواتها جوازا لشبهها بالأفعال» 161.
قال: «وقد يقال: إن لحاقها المضارع أصل، وذلك أنها صانته عن خفاء الإعراب وتوهم صيرورته مبنيّا 162، فاحترز بالنون من ذلك كما احترز منه حين اتصل بالمضارع ألف الضمير وواوه وياؤه.
فجيء بالنون بعدهن نائبة عن الضمة، ولم يحتج إلى ذلك في نحو غلامي، بل اكتفي بتقدير الإعراب لأصالته فيه، فلا يذهب الوهم إلى زواله دون سبب جلي» 163.
ثم قال: «وقد يؤيد اعتبار وقاية الفعل من الكسر بأن الكسر الذي وقيه الفعل إنما -
الجزء: 1 - الصفحة: 486
................................
هو كسر يلحق الاسم مثله، وهو كسر ما قبل ياء المتكلم لا كسر ما قبل ياء المخاطبة؛ فإنه خاص بالفعل فلا حاجة إلى صون الفعل منه.
وهذا فرق حسن لكنه مرتب على ما لا أثر له في المعنى؛ بخلاف الذي اعتبرته فإنه مرتب على صون من خلل ولبس فكان أولى» 164 انتهى.
ثم ها هنا تنبيهات:
الأول: أن النون قد لا يقصد بها الوقاية من الكسر؛ بل المحافظة على بقاء سكون آخر تلك الكلمة التي تتصل النون بها، كما في من وأخواتها.
الثاني: قد تقدم أن النون كما تلحق الفعل المتصرف تلحق غير المتصرف، فتلحق هب أخت ظن، وعسى، وليس، وفعل التعجب؛ إلا أن ليس لشبه لفظها بلفظ ليت جاز خلوها منها، كما يخلو ليت أيضا؛ ولهذا سوى المصنف في متن الكتاب بينها وبين ليت في قلة الحذف معها 165.
قال المصنف 166: ولم يرد ليسي إلا في نظم كقول الراجز:
205 - عددت قومي كعديد الطّيس... إذ ذهب القوم الكرام ليسي 167
وأما فعل التعجب فنقل الشيخ أن مذهب الكوفيين فيه لحاق النون جوازا لا لزوما.
قال: «واختاره بعض أصحابنا فيقول: ما أجملني وما أجملي وما أظرفني وما أظرفي».
قال الشيخ: «وما أجازه الكوفيّون هو سماع عن العرب.
وقد استعمله بعض مشايخنا النّحاة الأدباء في شعره [1/ 150] فقال: -
الحديث: 205 - الجزء: 1 - الصفحة: 487
................................ 206 - يا حسنا ما لك لم تحسن... إلى نفوس في الهوى متعبة طرّزت بالورد وبالسّوسن... صفحة خدّ بالسّنا مذهبة يا حسنه إذ قال ما أحسني... ويا لذاك اللّفظ ما أعذبه قلت له كلّك عندي سنا... وكلّ ألفاظك مستعذبة 168 في أبيات ذكرها 169. الثالث: قال المصنف: «حكى سيبويه: «عليكني وعليك بي» 170 وسمع الفراء بعض بني سليم يقول: «مكانك» يريد انتظرني في مكانك. وإذا أعملت رويد في الياء، قلت: رويدني أي أمهلني، وكذلك يفعل بكل متعد من أسماء الأفعال». الرابع: قال المصنف: كان مقتضى الدليل استواء ليت وأخواتها في لحاق النون لشبهها بالأفعال المتعدية، لكن استثقل لحاقها بأواخر غير ليت لأجل التضعيف، فحسن حذفها تخفيفا وثبوتها للشبه المذكور، ولم يكن في ليت معارض للشبه فلزمها ثبوتها في غير ندور 171، ولم يرد الحذف إلا في نظم كقول زيد الخيل 172: 207 - كمنية جابر إذ قال ليتي... أصادفه وأفقد بعض مالي 173
الحديث: 206 - الجزء: 1 - الصفحة: 488
................................
ولما نقص شبه لعل بالفعل من أجل أنها تعلق في الغالب ما قبلها بما بعدها 174، ومن أجل أنها تجر على لغة ضعف موجب لحاق النون المذكورة لها، فكثر «لعلّي» كقوله تعالى حكاية: لَعَلِّي أَبْلُغُ 175، ولَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ 176.
وقلّ «لعلني» ومنه قول الشاعر:
208 - فقلت أعيراني القدوم لعلّني... أخطّ بها قبرا لأبيض ماجد 177
قال الشيخ: «ما ذهب إليه المصنف من حذف نون الوقاية من إنّ وأنّ وكأنّ ولكنّ هو مذهب الأكثرين.
وذهب بعضهم إلى أنّ الساقط هو النون الثانية، والأولى مدغمة في نون الوقاية» 178.
الخامس: قال المصنف 179: «لحاق النون مع لدن أكثر من عدم لحاقها، وزعم سيبويه أن عدم لحاقها من الضرورات وليس هو كذلك بل هو جائز في الكلام الفصيح، ومن ذلك قراءة نافع 180:... - - في الألفية: وليتني فشا وليتي ندرا... إلخ، وفرق بين الندور والضرورة.
والبيت في معجم الشواهد (ص 315)، وفي شرح التسهيل (1/ 136)، وفي التذييل والتكميل (2/ 186).
الحديث: 208 - الجزء: 1 - الصفحة: 489
................................ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً 181 بتخفيف النون وضم الدال. ولا يجوز أن يكون نون لدني نون الوقاية ويكون الاسم لد؛ لأن لد متحرك الآخر، والنون في لدن وأخواته إنما جيء بها لصون أواخرها من زوال السكون، فلا حظ فيها لما آخره متحرك، وإنما يقال في لد مضافا إلى الياء لدي. نص على ذلك سيبويه 182. وقرأ أبو بكر 183 مثل نافع إلا أنه أشم الدال ضمّا، وقرأ الباقون بضم الدال وتشديد النون مدغمين نون لدن في نون الوقاية. السادس: قال المصنف: معنى بجل: حسب، وكذلك معنى قد وقط، ومن قال: بجلي وقدي وقطي بلا نون، فلشبهها بحسب، إلا أن بجل أشبه لأنه ثلاثيّ مثله، ولمساواته له في اشتقاق فعل منه؛ إذ قيل أبجله وأحسبه بمعنى كفاه، فلذلك فاق عدم النون مع بجل ثبوتها بخلاف قد وقط. وفي الحديث: «قط قط بعزّتك وكرمك» 184 يروى بسكون الطاء وبكسرها مع ياء ودون ياء، ويروى قطني قطني بنون الوقاية وقط التنوين وبالنون أشهر [1/ 151]. قال الراجز: 209 - امتلأ الحوض وقال قطني... مهلا رويدا قد ملأت بطني 185
الحديث: 209 - الجزء: 1 - الصفحة: 490
................................
وقال آخر في قدني:
210 - قدني من نصر الخبيبين قدي... ليس الإمام بالشّحيح الملحد 186
قال الشيخ 187: ما ذكره المصنف من أن الياء مجرورة بالإضافة إليها مع قد؛ هو مذهب سيبويه والخليل 188، ونقل الكوفيون في قد وقط وجهين عن العرب:
أحدهما: أنهما اسما فعل وهما مبنيان على السكون، وينصبون بهما فيقولون:
قط زيدا درهم، وإذا اتصل بهما ضمير المتكلم لحقتهما نون الوقاية.
والثاني: أن من العرب من يقول: قد عبد الله درهم، وقط عبد الله درهم؛ فيرفعهما ويجر ما بعدهما بإضافتهما إليه، ويكونان بمعنى حسب، وإذا أضاف إلى نفسه لا تلحق نون الوقاية كما لا تلحق حسب، وقد ذكر المصنف في باب أسماء الأفعال: أنهما يكونان اسمي فعل في أحد الوجهين 189، وذكر في باب تتميم الكلام: أنّ قد تكون اسما لكفى 190.
قال 191: والذي أختاره أن من قال من العرب قدني وقطني فإنهما عنده اسم فعل والياء في موضع نصب، ومن قال قدي وقطي فهما بمعنى حسب والياء في موضع جر، كما فعل الكوفيون.
انتهى.
ومثال الحذف مع من وعن قول الشاعر: -
الحديث: 210 - الجزء: 1 - الصفحة: 491
................................ 211 - أيّها السّائل عنهم وعني... لست من قيس ولا قيس مني 192 قال الشيخ: «ظاهر كلام المصنّف أنّ حذف النّون من: من وعن وقد وقط؛ جائز في الكلام، ونصّ أصحابنا على أنّ الحذف لا يكون إلّا في الضرورة» انتهى 193. وبقي الكلام من الفصل على مسألتين: الأولى: أن نون الوقاية قد تلحق مع اسم الفاعل وأفعل التفضيل، وهذا كالاستثناء من الأصل المتقدم؛ وهو أن نون الوقاية لا تلحق مع الصفة ناصبة كانت أو جارة. فمثال اسم الفاعل ما أنشده الفراء 194 من قول الشاعر: 212 - وما أدري وظنّي كلّ ظنّ... أمسلمني إلى قوم شراحي 195
الحديث: 211 - الجزء: 1 - الصفحة: 492
................................
وأنشد ابن طاهر 196 في تعليقه على كتاب سيبويه:
213 - وليس بمعييني وفي النّاس ممتع... صديق إذا أعيا عليّ صديق 197
قال: وأنشد غيرهما:
214 - وليس الموافيني ليرفد خائبا... فإنّ له أضعاف ما كان آملا 198
قال المصنف 199: «ومعييني والموافيني يرفعان توهم كون نون مسلمني تنوينا؛ لأن ياء المنقوص المنون لا ترد عند تحريك التنوين لملاقاة ساكن نحو: أغاد ابنك أم رائح؟ وياء معييني الثانية ثابتة في: وليس بمعييني، فعلم أن النون الذي وليه ليس تنوينا وإنما هو نون الوقاية؛ ولذلك ثبت مع الألف واللام في الموافيني.
وأيضا فإن التنوين إذا اتصل بما هو معه كشيء واحد، حذف تنوينه نحو: وابن - - ثم أنشد البيت المذكور ومعه بيت آخر وقال: «لم يقل أمسلمي وهو وجه الكلام».
(معاني القرآن: 2/ 386). وانظر البيت في معجم الشواهد (ص 89)، وفي شرح التسهيل (1/ 138)، وفي التذييل والتكميل (1/ 187).
الحديث: 213 - الجزء: 1 - الصفحة: 493
................................
زيداه ولا [1/ 152] يقال: وابن زيدناه فتحرك التنوين؛ بل تحذف لأن زيادة الندبة والمندوب كشيء واحد، وكذا ياء المتكلم مع متلوها كشيء واحد؛ ولذا كسر ما قبلها كما كسر ما قبل ياء النسب.
وأيضا فمقتضى الدليل مصاحبة النون الياء مع الأسماء المعربة لتقيها خفاء الإعراب؛ فلما منعوها ذلك كان
كأصل متروك فنبهوا عليه في بعض أسماء الفاعلين، ومن ذلك قراءة بعض القراء: (هل أنتم مطلعون) بتخفيف الطاء وكسر النون 200.
وفي البخاري 201 أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لليهود:
«هل أنتم صادقوني؟» 202 كذا في ثلاثة مواضع في أكثر النسخ المعتمد عليها» انتهى.
وإنما احتاج المصنف إلى إقامة الدليل على ما ذكر؛ لأن غيره يدعي أن النون في أمسلمني نون التنوين لا نون الوقاية.
قال ابن عصفور في المقرب 203: -
الجزء: 1 - الصفحة: 494
................................ وإذا كان معمول اسم الفاعل ضميرا متصلا لم يثبت فيه نون ولا تنوين، وقد يثبتان في الضرورة نحو قوله: «وما أدري وظنّي» البيت المتقدم الإنشاد، ونحو قول الآخر: 215 - ولم يرتفق والنّاس محتضرونه... جميعا وأيدي المعتفين رواهقه 204 ومثال أفعل التفضيل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «غير الدّجّال أخوفني عليكم» 205. قال المصنف 206: «لما كان لأفعل التفضيل شبه بالفعل معنى ووزنا، وخصوصا بفعل التعجب - اتصلت به النون المذكورة، قال: والأصل في الحديث: أخوف مخوّفاتي عليكم؛ فحذف المضاف إلى الياء وأقيمت هي مقامه، فاتصل أخوف بالياء معمودة بالنون، كمل فعل بأسماء الفاعلين المذكورين، وأفعل على هذا الوجه مصوغة من فعل المفعول كقولهم: «أشغل من ذات النّحيين» 207، و «أزهى من ديك»، وقوله عليه الصلاة والسّلام: «أخوف ما أخاف على أمّتي الأئمّة المضلّون» 208. ويجوز أن يكون من أخاف؛ لأن صوغ أفعل التفضيل من فعل على أفعل مطرد عند سيبويه، فيكون المعنى على هذا: غير الدّجّال أشدّ إخافة عليكم من الدّجّال، -
الحديث: 215 - الجزء: 1 - الصفحة: 495
................................
ويجوز أن يكون من باب وصف المعاني على سبيل المبالغة بما يوصف به الأعيان، كما يقال: شعر شاعر، وخوف خائف، وموت مائت، وعجب عاجب، ثم يصاغ أفعال باعتبار ذلك المعنى، فيقال: شعرك أشعر من شعره، وخوفي أخوف من خوفك ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم 209: «أشعر كلمة تكلّمت بها العرب كلمة لبيد:
216 - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل»... [وكلّ نعيم لا محالة زائل] 210
ومنه أيضا قول الشاعر:
217 - يداك يد خيرها يرتجى... وأخرى لأعدائها غائظه
فأمّا الّتي يرتجى خيرها... فأجود جودا من اللّافظه
وأمّا التي يتّقى شرّها... فنفس العدوّ بها فائظه 211
وتقدير الحديث مسلوكا به هذا السبيل.
خوف غير الدّجّال أخوف خوفي عليكم؛ فحذف المضاف إلى غير، وأقيم غير مقامه، وحذف المضاف إلى الياء، وأقيمت الياء مقامه، فاتصل أخوف بالياء -
الحديث: 216 - الجزء: 1 - الصفحة: 496
................................
معمودة بالنون على ما تقرر 212.
المسألة الثانية 213 [1/ 153]:
بقاء نون الوقاية أو حذفها إذا لقيت مثلها ودعت الحاجة إلى حذف أحدهما:
قال المصنف: «لما كان للفعل بهذه النون صون ووقاية مما ذكر، حوفظ على بقائها فيه مطلقا، أي إذا لقيها مثلها ودعت الحاجة إلى حذف فهي الباقية عند سيبويه 214 في قول الشاعر:
218 - تراه كالثّغام يعلّ مسكا... يسوء الفاليات إذا فليني 215
أراد فلينني فحذفت الأولى وبقيت الثانية.
-
الحديث: 218 - الجزء: 1 - الصفحة: 497