الباب السابع والعشرون باب المستثنى
[قال ناظر الجيش]: قيل: إنما عدل المصنف عن الاستثناء وإن وافق تبويب الأكثرين 1 لأنه أجراه على ما قبله من: باب المفعول معه، فكما بوّب لما بعد (واو مع) بالمفعول معه كذلك بوّب لما بعد (إلا) وما أشبهها بالمستثنى 2. وأقول: إنّما قال: باب المستثنى؛ لأنه يسرد تراجم الأبواب على ترتيب واحد ليكفي الإشارة إليه، في الفصل الذي قبل باب المبتدأ، حيث قال: والنصب للفضلة، وهي (المفعول المطلق) أو كذا، إلى أن قال: أو مستثنى فلا تناسب ترجمة الباب بالاستثناء؛ لأنه لم يتضمنه التقسيم المتقدم المتضمن لترتيب أبواب الكتاب، وكذلك قال - في المرفوعات - باب المبتدأ ولم يقل: باب الابتداء.
الجزء: 5 - الصفحة: 2107
[تعريف المستثنى]
قال ابن مالك: (وهو المخرج تحقيقا، أو تقديرا من مذكور أو متروك بـ «إلّا» أو ما بمعناها بشرط الفائدة).
قال ناظر الجيش: المخرج جنس يتناول المستثنى، وغيره كالمخرج ببقية المخصصات 3 وقوله: «بـ (إلّا) وما بمعناها» يفصل المستثنى عن غيره، والأدوات التي بمعنى (إلّا) يأتي ذكرها في الباب إن شاء الله تعالى.
ولمّا كان الاستثناء ينقسم إلى نوعين: متّصل: وهو ما لو لم يستثن لدخل، ومنقطع: وهو ما لو لم يستثن لم يدخل، أتي بقوله: تحقيقا أو تقديرا، ليشمل الحدّ النوعين، فالمتصل: هو المخرج بـ (إلّا) تحقيقا نحو: قام القوم إلّا زيدا، أي أنّ اللفظ يشمله فإخراجه بالأداة محقّق.
والمنقطع: هو المخرج بـ (إلّا) تقديرا، نحو: جاء القوم إلّا حمارا، أي أنّ اللفظ الأول غير صادق عليه، لكن يقدّر دخوله فيما بعد الأداة، على الوجه الآتي بيانه 4 وقدّر إخراجه من الأول، من حيث قدّر دخوله، ثم إنّ المخرج منه قد يكون مذكورا في المتّصل والمنقطع، كالمثالين المتقدّمين 5، وهو الاستثناء التامّ وقد يكون غير مذكور، نحو: ما قام إلّا زيد، وهو الاستثناء غير التّام وسمّي المفرغ، أي أنّ العامل فرّغ فيه لما بعد (إلّا).
وإلى ذلك الإشارة بقوله: من مذكور أو متروك؛ فتقضي عبارته انقسام المخرج من المذكور والمتروك إلى التحقيق والتقدير المشار إليهما، أما المخرج تحقيقا، أو تقديرا من مذكور فواضح 6 وكذلك المخرج تحقيقا من متروك، وأما -
الجزء: 5 - الصفحة: 2108
................................
المخرج تقديرا من متروك فلا يتضح؛ لأنّ المراد بالمخرج من متروك المفرّغ كما تقدّم، وهو من قبيل المتصل،
والمراد بالمخرج تقديرا المنقطع، فلا يجتمعان 7، وأشار بقوله:
بشرط الفائدة؛ إلى أنّه لا يستثنى نكرة من نكرة 8، ولا معرفة من نكرة 9. ولا نكرة من معرفة 10، ما لم تتحصّل الفائدة 11، فإن حصلت، وذلك بأن تكون النكرة - مخرجة أو مخرجا منها - مختصة، جاز.
ويتعلق بهذا الموضوع كلام ينتظم في مباحث:
الأوّل:
قال المصنف 12: الباء من قولي: بـ (إلّا) متعلقة بالمخرج واحترز بذلك من (إلّا) بمعنى (غير) كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 13 والتي بمعنى - - المخرج تقديرا، من مذكور: قوله تعالى ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: 157]، فإن الظن - وإن لم يدخل في العلم تحقيقا - فهو في تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر يذكره في كثير من المواضع فهو حين استثنى مخرج ما قبله تقديرا.
وينظر أيضا: الهمع (2/ 223) فقول المصنف: «تحقيقا، أو تقديرا» إشارة إلى قسمي المتصل، والمنقطع، وقوله: «من مذكور أو متروك» إشارة إلى قسمي التام والمفرغ.
الجزء: 5 - الصفحة: 2109
................................
الواو كقوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ 14 أي: ولا الذين ظلموا 15.
قال الأخفش: والتي بمعنى (إن لم) كقوله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ 16. والزائدة كالأولى من اللتين في قول الشاعر - أنشده ابن جنّي في المحتسب 17.
1675 - أرى الدّهر إلّا منجنونا بأهله...... 18
أي: أراه منجنونا بأهله، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم.
ثم قال ابن جني: وعليه تأولوا أيضا قول ذي الرّمة: - - في هذا الموضوع بمنزلة سوى، كأنك قلت: لو كان فيهما آلهة سوى (أو غير) الله لفسد أهلهما يعني: أهل السماء والأرض، وشرح التصريح (1/ 349)، وينظر معاني القرآن للأخفش (1/ 115) تحقيق د/ فائز فارس، طبعة الكويت حيث قال: «فقوله تعالى: إِلَّا اللَّهُ صفة، ولولا ذلك لانتصب».
الحديث: 1675 - الجزء: 5 - الصفحة: 2110
................................
1676 - حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة...... 19
أي: ما تنفكّ مناخة، و (إلّا) زائدة، كلّ هذا قول ابن جنّي فـ (إلا) - في هذه المواضع - غير مخرجة شيئا.
انتهى.
وهذا الاحتراز الذي أشار إليه مستغنى عنه؛ إذ لا إخراج في شيء من ذلك، إلا في التي بمعنى (غير) وقد قال - في شرح الكافية -: ولا حاجة للاحتراز من (إلّا) التي أصلها (إن لا) 20، كقوله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ 21 ولا من التي بمعنى (غير) كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 22؛ لأن السابق إلى ذهن السامع - على ذكر (إلّا) - معنى الاستثناء، فأغنى ذلك عن الاحتراز، ولا سيّما، وقد تقدّم ذكر (تخرج).
قال الشّيخ: أما احترازه من (إلا) بمعنى (غير) فكان ينبغي أن يقيّد (غير) بالصّفة؛ لأنّ (غير) يكون استثناء ويكون صفة 23. وأمّا قوله: والّتي بمعنى الواو فلا تكون (إلّا) كذلك في مذهب المحققين 24، والذي [3/ 27] استدلّ به مؤول بالاستثناء المنقطع.
وأما قوله: والتي بمعنى (إن لم) فليست توجد (إلا) البسيطة التركيب بمعنى (إن لم)، بحال، والتي في الآية الكريمة إِلَّا تَفْعَلُوهُ هي (إن الشرطية)، و (لا النافية) 25، ولم يتركّبا، بل كلّ منهما باق على موضوعه، وأما -
الحديث: 1676 - الجزء: 5 - الصفحة: 2111
................................
قوله: والزائدة، وإنشاده ما أنشد فليست فيما ذكره زائدة، بل هي في (أرى الدهر) موجبة لنفي سابق، أي: والله لا أرى من الدهر إلا كذا وأمّا:
1677 - حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة
ففيه تأويلات، ذكرت في باب (كان) 26 انتهى.
وفي هذه المناقشات نظر:
1 - أما قوله: كان ينبغي أن تقيّد (غير) بالصّفة؛ فلا يحتاج إلى هذا التقييد فإن الأصل في غير (الصفة) 27 أن تكون صفة والاستشهاد بها إنّما هو بالحمل على (إلّا) فإذا قيل: هذه الكلمة بمعنى (غير) فإنما يحمل على أنها تفيد معناها باعتبار موضوعها الأصلي ولا يحمل على غيره إلا بقرينة وكيف يحمل (غير) - في كلامه - على معنى (إلّا) وهو قد قال: احترز بذلك من (إلّا) بمعنى (غير)، فلو حمل (غير) على معنى (إلا) لصار كلامه: احترز بذلك بـ (إلّا) من (إلّا) وهذا لا يقال 28.
2 - وأما قوله: (إلّا) لا تكون بمعنى الواو، في مذهب المحققين فالمصنف ما ادعى ذلك، وغايته إنّه احترز منها على تقدير صحّة مذهب الأخفش 29.
3 - وأما قوله: إن (إلّا) - البسيطة التركيب - لم توجد بمعنى (إن لم) بحال فصحيح.
وأما كون التي في الآية 30 هي (إن) الشرطية و (لا) النافية، فقد صرّح المصنف بذلك، في شرح الكافية كما تقدّم نقله عنه والظّاهر أنّ الموجود في نسخ شرح التسهيل - من قوله: والتي بمعنى (إن لم) - غلط من النسّاخ؛ لأنّ المصنف -
الحديث: 1677 - الجزء: 5 - الصفحة: 2112
................................ لا يخفى عليه مثل هذا، مع أنه قد ثبت عنه في شرح الكافية ما ناقضه 31 وإذا كان الكلامان لرجل واحد، وأحدهما صحيح، والآخر لا يستقيم؛ رجع غير المستقيم إلى ما كان مستقيما، فإن قيل: وعلى تقدير الرجوع إلى قوله - في شرح الكافية -: لا حاجة إلى الاحتراز؛ لأنّ أداة الاستثناء بسيطة، وهذه مركبة؛ قيل: إنما احترز للمشابهة اللفظية إذ اللفظ بهما واحد 32. وأما قوله - فيما أنشده شاهدا على الزيادة -: إنه مولّد 33 فالمصنف إنما ذكر أنه احترز من ذلك على مذهب من يراه - إن ثبت - وقد ذكر في تأويل: 1678 - ما تنفك إلّا مناخة أربعة أقوال؛ أحدها: القول بالزيادة، فدلّ ذلك على أنه لا يرى زيادتها، إنّما نقله نقلا 34. المبحث الثاني: قال الشيخ: بدأ المصنف بـ (إلّا)؛ لأنّها أمّ الباب، لكثرة تصرّفها، إذ يستعمل ما قبلها تامّا 35، وغير تامّ 36 ولا يستعمل غيرها إلا حيث يكون تامّا 37، إلا (غيرا) فإنّها تستعمل استعمال (إلّا) إلا أنّ الغالب عليها الوصفية بخلاف (إلّا) فإنّ الغالب عليها الاستثناء وتستعمل (إلّا) بين الصّفة والموصوف، وبين الحال وصاحبها وتقع بعدها، كلّما صحّ أن تكون صفة كالجمل الاسمية والفعلية؛ لذا قال سيبويه: فحرف الاستثناء (إلّا) يعني أنه حرفه الموضوع له، الأصليّ فيه 38. -
الحديث: 1678 - الجزء: 5 - الصفحة: 2113
................................
المبحث الثالث:
قال الشيخ: قدّم المصنف ذكر نوعي الاستثناء - المتّصل والمنفصل - وذكر أن الإخراج يكون بـ (إلا)، وما بمعناها ولا يستوي في الأدوات التي بمعنى (إلا) الاستثناءان، فإنّ الأفعال لا يستثنى بها المنفصل، كـ (خلا) وأختيها 39، فكان ينبغي أن يبين ذلك، إذ ظاهر كلامه التسوية 40 انتهى.
وليس هذا موضع تبيين ما يختصّ بالمتصل، وبالمنقطع من الأدوات حتّى ينبغي له ذلك، وليس أيضا في كلامه ما يقتضي عموم إدخال كلّ الأدوات في الاستثناءين، فيلزم من كلامه التسوية المشار إليها.
المبحث الرابع:
اختلف النحاة، في أنّ المستثنى - في الاستثناء المتصل - يخرج من ماذا؟ فذهب الكسائيّ إلى أنه يخرج من المستثنى منه، أي: المحكوم عليه فقط 41؛ فـ (زيد) من نحو: جاء القوم إلّا زيدا، مسكوت عنه بالنسبة إلى المجيء وعدمه، إن لم يحكم عليه بشيء، غير أنه أخرج من القوم المحكوم عليهم بالحكم المتقدم واستدلّ الكسائيّ بقوله تعالى: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى 42 وأجيب عن ذلك بأنّه جاء تأكيدا 43 فقيل: إنّ المعاني المستفادة من الحروف لا تؤكد، فلا يقال: ما قام زيد نفيا، فيؤكد معنى (ما)؛ لأنّ الحرف وضع للاختصار، والتأكيد مبني على الإطالة، فلا يجمع بينهما، والجواب الحقّ أنّ أَبى أفاد معنى زائدا، وهو أنّ معنى السجود والمفهوم من الاستثناء ناشئ عن الإباء، لا عن غيره 44 وكذا قوله -
الجزء: 5 - الصفحة: 2114
................................
تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ 45؛ لأنّ نفي الكون يقتضي نفي الأهلية فهو أبلغ في نفي السجود المستفاد من الاستثناء لو سكت عليه.
وقد أبطل مذهب الكسائيّ بالاستثناء المنقطع، فإنّ المخرج فيه من الحكم، لا من الاسم 46، وإذا ثبت ذلك في المنقطع ثبت في المتّصل؛ لأنّ معنى (إلّا) الاستثناء في الحالين، وبقولنا: لا إله إلّا الله، إذ لو كان ما بعد (إلّا) مسكوتا عنه لم يكن في اللّفظ إثبات للمقصود.
قال الشيخ: والذي يقطع ببطلان مذهبه أنّه لا يوجد في كلامهم: قام القوم إلّا زيدا، فإنّه قام 47. انتهى.
وفي كون هذا قاطعا بالبطلان نظر؛ لأنّ مراد الكسائيّ أنّا لم نحكم عليه بالقيام لأنه أخرج بالاستثناء، فالحكم مسند إلى القوم الذين ليس فيهم زيد، ومع أنّا لم نحكم عليه بالقيام لم نحكم عليه بعدمه، بل هو مسكوت عنه فالاستثناء عنده لم يفد إلّا عدم قصده بالحكم، كأنه يقول: ليس مقصودا بالحكم ولا يلزم تلبّسه، ومقتضى كلام الشّيخ أنّه مقصود بالحكم فأخرجه من القوم المحكوم عليهم بالقيام، ثم حكمت عليه بذلك، ويقال: حيث كان مقصودا بالحكم [3/ 28] لا يصحّ إخراجه بالاستثناء، وإذا لم يصح إخراجه بطل تصور قولنا: قام القوم إلا زيدا فإنّه قام 48. وذهب الفراء إلى أنّ المستثنى يخرج من الحكم لا من الاسم 49 بدليل المنقطع كما تقدّم في الرد على الكسائي وأجيب بأنه داخل مع المحكوم عليه تقديرا، فهو مخرج منه أيضا كما تقدم أول الباب ولم ينصر الكسائيّ أن يجيب عنه بهذا الجواب أيضا وذهب سيبويه والجمهور إلى أنّ الإخراج من كليهما، أي: من الاسم -
الجزء: 5 - الصفحة: 2115
................................
الحكم؛ فالمستثنّى مخرج من المستثنى منه وحكمه من حكمه 50.
المبحث الخامس:
أورد الشّيخ على المصنّف أنّ الظاهر من قوله: وهو المخرج من مذكور أو متروك إنّ المستثنى يخرج من الاسم، كما هو رأي الكسائيّ 51.
والجواب: أنّ مراد المصنّف أنّه مخرج من الاسم المحكوم عليه بما تقدم، فيلزم أن يكون مخرجا من الاسم والحكم، لأنه إخراج من اسم مقيد بحكم، وما كان يظهر اختباره لمذهب الكسائيّ، إلّا لو قال: وهو المخرج من كذا، دون الحكم والمحكوم به عليه، وكما نقل عن الكسائيّ أنّه قال: يخرج من الاسم، دون الحكم، أما حيث أطلق الإخراج من الاسم فلا يؤخذ إلّا مع قيده.
المبحث السّادس:
قال ابن الحاجب: الاستثناء مشكل التعقّل؛ لأنك إذا قلت: جاء القوم إلا زيدا.
لم يخل إمّا أن يكون (زيد) داخلا في القوم أو لا، (فإن كان) غير داخل لم يستقم؛ لأنّ إجماع أهل العربيّة - في الاستثناء المتصل - أنه إخراج ما بعد (إلّا) ممّا قبلها، وإجماعهم مقطوع به، في تفاصيل العربية 52.
وقال القاضي 53: لا إخراج، وقول القائل: (عشرة إلا ثلاثة) موضوع بإزاء -
الجزء: 5 - الصفحة: 2116
................................
سبعة، وقد تبين بطلانه يعني في كتب الأصول حيث نقلوا ذلك عنه وإن كان داخلا كان الإخراج ثابتا، وهو مشكل، فإنه إذا قيل: جاء القوم، وزيد منهم، فقد وجب نسبة المجيء إليه كأنّه منهم، فإذا خرج بعد ذلك فقد نفي عنه المجيء، فيصير مثبتا، منفيّا، في حال واحدة، وهو تناقض، ولهذه الشبهة فسّر القاضي إلى مذهبه المذكور 54، والصواب الذي يجمع رفع الإشكالين أن نقول: لا نحكم بالنسب إلّا بعد كمال ذكر المفردات، في كلام المتكلم، فإذا قال المتكلم قام القوم إلا زيدا فهم القيام أولا بمفرده، وفهم القوم بمفردهم، وأنّ فيهم زيدا، وفهم إخراج (زيد) منهم، بقوله: إلّا زيدا، ثّم حكم بنسبة القيام إلى هذا المفرد الذي أخرج منه (زيد) فحصل الجمع بين المسالك المقطوع بها على وجه مستقيم وهو أنّ الإخراج حاصل بالنسبة إلى المفردات وفيه توفية بإجماع النحويّين وأنّك ما نسبت إلا بعد أن أخرجت، فلا مناقضة حينئذ.
انتهى كلامه.
وهو تقدير حسن لكن يلزم منه أنّ المستثنى يخرج من الاسم دون الحكم.
وقد تقدم أنّه مخرج منهما على مذهب سيبويه فلا يتجه ما قال ابن الحاجب لذلك.
قال الشيخ: قول المصنّف: وهو المخرج، وقول النّحاة: الاستثناء إخراج كذا - ليس بجيّد أصلا، ولا يجوز، فإنّ المستثنى ما دخل قطّ تحت الاسم الأول، ولا تحت حكمه، فيوصف بالإخراج، إذ لو دخل ما صحّ إخراجه البتّة، وإصلاح ذلك أن يقال: المستثنى هو المنسوب إليه بعد الأداة مخالفة المنسوب إليه قبلها 55، وقوله: إنّ المستثنى ما دخل تحت الاسم الأول، غير جيد إذ لو لم يكن داخلا لم يكن لذكره فائدة، والذي ينبغي أن يقال: إنّه داخل في الأول، بالنسبة إلى اللفظ دالّ عليه، وعلى غيره وضعا، لا بالنسبة إلى قصد المتكلّم.
المبحث السّابع:
قد تقدّم أنّ المصنف إنما احتاج - بعد قوله: وهو المخرج تحقيقا - إلى قوله: أو تقديرا -
الجزء: 5 - الصفحة: 2117
................................
ليشمل الحدّ المنقطع أيضا، ووجه إخراجه تقديرا أنّه لمّا لم يتناوله لفظ المستثنى منه - كما في المتّصل - قدّر دخوله فيه، ليصدق عليه لفظ المخرج وعلى هذا فلفظ «المخرج» صادق على المنقطع كصدقه على المتّصل لكنّ المتّصل يخرج تحقيقا، لتحقّق دخوله في المستّثنى منه والمنقطع يخرج تقديرا لأنه لم يتحقق دخوله في المستثنى منه، بل هو مقدّر الدخول، كما تقدم.
والمشهور من كلام النّحاة أنّ المنقطع ليس يخرج من شيء، ولهذا قال ابن الحاجب: إنّ حد الاستثناء مشكل؛ لأنّ الاستثناء يجمع المتّصل والمنقطع، ولا يميز المتصل إلّا بالإخراج، ولا إخراج في المنقطع، وكلّ أمرين نصل أحدهما مفقود في الآخر يستحيل جمعهما في حدّ واحد، فالأولى أن يحدّ كلّ منهما على حدته، المتصل على حدته، والمنقطع على حدته 56. انتهى.
فإن عنى هؤلاء أنّ الإخراج من اللفظ لم يكن فيه مخالفة للمصنف، وإن عنوا أن لا إخراج أصلا، لا لفظا ولا تقديرا وضحت المخالفة، نعم، قد ذكر النحاة أن المنقطع ينقسم إلى قسمين: قسم يتصوّر فيه الاتصال بوجه ما من المجاز، وقسم لا يتصور فيه ذلك، كما يأتي تقريره في المبحث التاسع، فيمكن الرّجوع بقول المصنّف: إن المنقطع يخرج أيضا إلى ما ذكروه، لكنّ المصنّف جعل كل منقطع مخرجا تقديرا، وهم إنما صوّروا الاتّصال مجازا في أحد القسمين، واستأنس المصنف لما قرّره بقول ابن السّرّاج:
إذا كان الاستثناء منقطعا فلا بد أن يكون الكلام الذي قبل (إلا) قد دلّ على ما يستثنى، فتأمل هذا فإنه يدقّ، فمن ذلك قوله جلّ وعلا: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 57 فالعاصم الفاعل، ومَنْ رَحِمَ قد دلّ على العصمة والنجاة، فالتقدير - والله أعلم -: لكن من رحم يعصم أو معصوم 58.
وعلى هذا التقدير قال المصنّف: لو قلت: صهلت الخيل إلّا البعير، ورغت الإبل إلّا الفرس؛ لم يجز، لأنّ المستثنى منه لا يتناوله بوجه من الوجوه، فلا يصحّ استعماله لعدم الفائدة 59. -
الجزء: 5 - الصفحة: 2118
................................
وأقول: ليس في كلام ابن السّرّاج، ولا فيما أشار [3/ 29] إليه المصنّف من امتناع: (صهلت الخيل إلا البعير) ما يقتضي تقدير دخول المستثنى المنقطع في المستثنى منه، غاية ما يلزم أن يكون للّفظ الأول دلالة عليه، أو إشعار به، وقد قال هو في شرح الكافية: المراد بذلك ما هو من مألوفات المذكور، كالمتاع وآثار المكان ممّا يستحضر بذكر ما قبل أداة الاستثناء فلذلك يحسن استثناء الحمار، ونحوه ممّا يألفه الناس، ولا يحسن استثناء الذئب ونحوه مما لا يألفه الناس ويحسن استثناء الظّن بعد ذكر العلم، ولا يحسن استثناء الأكل، ونحوه 60.
المبحث الثّامن:
ذكر المصنف - على مقتضى تقريره في المنقطع - صورا؛ منها: تقدير دخول الثّاني في الأول، كقوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ 61، فالظنّ مستحضر بذكر العلم لقيامه مقامه في كثير من المواضع 62.
ومنها: الفائق ما قبله مع اتحاد الجنس نحو: له عليّ ألف إلا ألفين، ووجهه أنّ المقرّ إذا اقتصر على مقدار بمنزلة المنكر غيره فكأنّه قال: له عليّ ألف، لا غير، إلّا ألفين، فهما مخرجان تقديرا، ذكر ذلك الفراء 63.
وأقول: هذا الكلام - من الفرّاء - إنّما أتى به على قاعدته، في المستثنى الفائق للمستثنى منه، وستأتي.
ومنها: قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ 64؛ لأن العباد المضافين هم المخلصون 65 فلم يكن الغاوون فيهم، فالتقدير - والله أعلم -: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا غيرهم إلّا من اتبعك، وقد يجعل -
الجزء: 5 - الصفحة: 2119
................................
متصلا، على أن يراد بالعباد: المخلصون وغيرهم 66، والانقطاع مذهب ابن خروف والاتّصال مذهب الزّمخشريّ 67.
ومنها قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 68. على إرادة:
لا من يعصم من أمر الله إلّا من رحمه الله، وهو أصحّ الوجوه والتقدير: لا عاصم اليوم من أمر الله لأحد، أو تقول: العاصم يستدعي معصوما فكان بمنزلة المذكور، كأنّه قيل: لا معصوم عاصم من أمر الله إلّا من رحمه الله، وفي هذه الآية الكريمة أربعة أوجه:
وجهان على الاتصال؛ أي: لا عاصم إلا الراحم، ولا معصوم إلّا المرحوم.
ووجهان على الانفصال؛ أي: لا عاصم إلا المرحوم، ولا معصوم إلا الرّاحم.
ومنها: المستثنى السابق زمانه زمان المستثنى منه كقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ 69 فـ ما قَدْ سَلَفَ وإن لم يكن داخلا في المنهيّ عن نكاحه فمن الجائز أن تكون المؤاخذة به باقية، فبين بالاستثناء عدم بقائها فكأنه قيل: الناكح ما نكح أبوه مؤاخذ بفعله إلا ما قد سلف.
ومنها: قولهم: لأفعلنّ كذا وكذا إلا حل ذلك أن أفعل كذا وكذا.
مثّل به سيبويه ثمّ قال: فإنّ (أفعل كذا وكذا) بمنزلة فعل كذا وكذا 70، وهو مبني على (حل) و (حل) مبتدأ كأنه قال: ولكن حلّ ذلك أن أفعل كذا وكذا.
قال السّيرافي: (إلا) بمعنى (لكن)؛ لأنّ ما بعدها مخالف لما قبلها وذلك أنّ قوله: (لأفعلنّ كذا وكذا) عقد بين عقده على نفسه وحلّه إبطاله، ونقضه كأنّه قال: عليّ فعل كذا مقصودا لكن إبطال هذا العقد فعل كذا 71.
قال المصنّف: وتقدير الإخراج في هذا أن يجعل قوله: (لأفعلنّ كذا) بمنزلة: لا -
الجزء: 5 - الصفحة: 2120
................................
أرى لهذا العقد مبطلا إلا فعل كذا فهذا استثناء منقطع بجملة.
وجعل ابن خروف من هذا القبيل 72 قوله تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ 73 على أن يكون مَنْ 74 مبتدأ، و (يعذبه الله) خبرا وجعل الفراء من هذا قراءة بعض السّلف 75: فشربوا منه إلا قليل منهم 76. على تقدير: إلّا قليل منهم لم يشربوا 77.
وقال المصنّف 78: ومن هذا النوع 79 قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما للشيطان من سلاح أبلغ في الصّالحين من النّساء إلا المزوّجون أولئك المطهّرون المبرؤون من الخنا» 80.
ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن كثير وأبي عمرو: إلا امرأتك إنه مصيبها مآ أصابهم 81 فهي مبتدأ وما بعدها الخبر.
وبهذا التوجيه يكون الاستثناء في النّصب والرفع من: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ 82 وهو أولى من أن يستثنى المنصوب من (أهلك) والمرفوع من (أحد.)
ومنها: (إن لفلان مالا إلا أنه شقيّ) و (ما زاد إلا ما نقص) و (ما نفع إلا ما ضرّ) و (لا تكوننّ من فلان في شيء، إلا سلاما بسلام) وهي من أمثلة سيبويه 83 ومن أمثلة غيره: جاء الصالحون إلا الطالحين، وجاء زيد إلا عمرا، وما في الأرض أخبث منه إلا أباه، فالمستثنى في هذه الأمثلة مخرج تقديرا فكأنك قلت: عدم -
الجزء: 5 - الصفحة: 2121
................................
البؤس، ثم استثنيت من البؤس كونه شيئا وما عرض له عارض، ثم استثنيت من العارض النقض، وما أفاد شيئا إلا ضرّا ولا تعامله بشيء إلّا مشاركة، وكأن السامع توهّم مجيء غير الصالحين فأزلت توهّمه بالاستثناء وكأنك عرفت علم السّامع، بمرافقة زيد لعمرو وقدّرت أنّه توهّم أنّك اقتصرت على زيد، اتكالا على علم السّامع بمرافقتهما، فأزلت توهّمه بالاستثناء 84 وكأنك قلت: ما يليق خبثه بأحد إلا أباه.
ثم قال المصنف: وسبيلك هذا السّبيل، فيما يرد من أمثال هذا البحث 85.
المبحث التاسع:
قسّم النحاة الاستثناء المنقطع قسمين: قسم يتصوّر فيه الاتصال على جهة المجاز وقسم لا يتصوّر فيه الاتصال بحال، وبنوا عليهما اللّغة الحجازية واللّغة التّميميّة 86.
كما سيأتي في موضعه، فمثال ما لا يتصوّر فيه الاتصال بحال قوله تعالى: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى 87 فـ ابْتِغاءَ وَجْهِ ليس من جنس جزاء النّعمة، وجعلوا منه قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 88 قالوا: فالمرحوم ليس من جنس العاصم وكذا قوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ 89 ومثال ما يتصوّر فيه الاتصال على جهة المجاز: ما في الدّار أحد إلا حمارا، قالوا: ووجه المجاز في ذلك أحد أمرين: إما أن يقام الثاني مقام الأول لكون المحلّ للأوّل فلمّا وجد فيه [3/ 30] الثاني، جعل كأنّه الأول لحلوله محلّه فيجعل الحمار كأنّه (أحد)، لقيامه مقام الأحد، وذلك أنّ الدار إنّما يتخذها من يعقل من الآدميّين، فلما لم يوجد فيها إلا ما لا يعقل عومل معاملته، لقيامه مقامه، وأما أن يكون أطلق الأول على مسماه، وعلى ما يلابس مسماه، فكأنّه قال: ما في الدّار أحد، ولا ما لابسه، فأراد بالأحد الأحد، وما يلابسه، -
الجزء: 5 - الصفحة: 2122
[الاستثناء المتصل والمنقطع]
قال ابن مالك: (فإن كان بعض المستثنى منه حقيقة فمتصل، وإلّا فمنقطع، مقدر الوقوع بعد «لكن» عند البصريين، وبعد «سوى» عند الكوفيّين).
فيكون من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورا له أو كان منه بسبب.
المبحث العاشر:
قد علم شمول الحدّ للمستثنى المفرّغ له العامل وإن كان ليس في الكلام لفظ مفرغ منه لكنّه مفرغ من العموم المفهوم من معنى الكلام المتقدم؛ لأنّ معنى: ما قام إلّا زيد: ما قام أحد إلا زيد، ولهذا ذكر النحاة أنّ تسمية هذا استثناء إنما هو بالنظر إلى المعنى، لا إلى اللفظ.
قال ناظر الجيش: لمّا أفهم قوله في الحدّ: تحقيقا أو تقديرا أنّ المستثنى نوعان 90؛ أراد أن يبين حقيقة كلّ منهما، فقال 91: إن كان المستثنى بعض ما استثني منه حقيقة فهو متصل، نحو: قام الرجال إلّا زيدا، وإن لم يكن كذلك فهو منقطع، ومنفصل، وقيد البعض تحقيقه احترازا من المنقطع المستعمل، قال: فإنه لا يكون إلا مما يستحضر بوجه ما، عند ذكر المستثنى منه، وذكر ما نسب إليه، نحو: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ 92 ولأنّ ذكر العباد 93 يذكّر بالإله الحقّ فبهذا الاعتبار 94 لا يكون المستثنى غير بعض؛ إلّا لأنّ المستثنى منه لا يتناوله وضعا 95، فإن تناوله بغير ذلك فله حظّ من البعضية مجازا، ولذلك قيل له: مستثنى، فإن لم يتناوله بوجه من الوجوه لم يصح استعماله، لعدم الفائدة، ثم مثل لذلك بما تقدّم، من: (صهلت الخيل إلّا البعير)، قال: فلو قلت: صوتت الخيل إلا البعير لجاز؛ -
الجزء: 5 - الصفحة: 2123
................................
لأن التصويت يستحضر بذكره الخيل، وغيرها من المصوّتات، فكان لذلك بمنزلة الداخل فيما قبله.
وهذا الكلام من المصنّف موافق لكلامه في الحدّ، ولما تقدم تقديره عنه في المبحث السابع من المباحث السابقة، وقد علم ما فيه، وإنّما عدل المصنّف عن لفظ الجنسيّة إلى لفظ البعضية 96؛ لأنّ المستثنى قد يكون بعض ما هو من جنسه، هو منقطع، غير متصل، كقولك: قال بنوك، إلا ابن زيد.
قال الشيخ: وهذا الذي ذكره المصنف من أنّه إذا لم يكن 97 بعض المستثنى منه حقيقة - هو المنقطع - هو مذهب الأستاذ أبي علي 98 ورده بعض أصحابنا بقوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى 99، فالموتة الأولى هي بعض الموت، والاستثناء مع ذلك منقطع 100. انتهى.
وفي هذا الرد نظر أمّا أولا: فلأنا لا نسلّم أنّ الموتة الأولى هي بعض الموت المنفيّ؛ لأن المنفي هو الموت في الجنة، والموتة الأولى ليست بعضه قطعا 101.
ثم قال الشيخ: والصحيح أن يقال: الاستثناء المنقطع هو ألّا يكون المستثنى بعض المستثنى منه، أو يكون بعضه إلا أنّ معنى العامل غير متوجّه عليه 102. انتهى.
ثم إنّ (إلّا) - فيه - تقدر عند الكوفيين بـ (سوى)، وعند البصريين بـ (لكن) كما أشار إليه 103، وهل تقديرهما عندهم بـ (لكن) تقدير معنى، أو على أنّ -
الجزء: 5 - الصفحة: 2124
[إعراب المستثنى بـ «إلّا»، وبيان العامل فيه]
قال ابن مالك: (وله بعد «إلّا» من الإعراب، إن ترك المستثنى، وفرّغ العامل له، ما له مع عدمها، ولا يفعل ذلك دون نهي، أو نفي صريح، أو مؤول).
(إلّا) قامت مقامها لفظا، اضطرب في ذلك كلام النحاة.
فقال أبو بكر المالقيّ: المعروف بالخفاف 104 - عند كلامه على الاستثناء المنقطع - قد تقدم أنّ الاستثناء إخراج بعض من كلّ، فكان ينبغي ألّا يجوز هذا، لأنّ الثاني بعض الأول، ولكّنّ العرب حملت - في هذا الباب - (إلّا) على (لكن) لاشتراكهما، في أصل وضعهما، في أنّ ما بعد كلّ واحدة مغاير لما قبلها، ولا يشترط في (لكن) أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، فإذا قلت: ما في الدار أحد إلا حمارا، فالمعنى: لكنّ حمارا فيها، ونقل الشيخ عن أبي الحسن بن الضائع كلاما قريبا من هذا الكلام (2)، وزاد ابن الضّائع بأن قال: إنّهم لمّا أوقعوا بعدها هذا اللفظ المفرد - كما تقع بعدها وهي استثناء - سمّوها استثناء، وإنما هي بالحقيقة استدراك، وعلى هذا هل خير أم لا، وهل يلفظ به، أو لا؟ خلاف، وسيأتي.
والمشهود إطلاق الاستثناء عليها في المنقطع، كما هي في المتّصل؛ لأنها من تمام الكلام الأول ظاهرا، وإنما تقدّر بـ (لكن) من حيث المعنى 105.
قال ناظر الجيش: قد علمت أنّ الاستثناء متصل، ومنقطع، وأن المتصل تامّ، وغير تام، وقد بدأ بذكر غير التام، وهو المفرغ 106 بقوله: وله أي: وللمستثنى، وأشار بذلك إلى أن المستثنى بـ (إلا) يقام في اللفظ مقام المستثنى منه، إذا لم يذكره 107، -
الجزء: 5 - الصفحة: 2125
................................
ويفرّغ العامل، لما بعد (إلا) نحو: ما جاءني إلا زيد 108، وما لاقيت إلا عمرا، وما مررت إلا بعمرو، فيعرب ما بعد (إلا) بما كان يعرب به دونها؛ لأنه صار خلفا عن المستثنى منه حين ترك، وفرغ عامله لما بعد (إلا).
وإنما شرط تفريغ العامل للمستثنى - مع ترك المستثنى منه - احترازا من أن يترك، ولا يحصل تفريغ، نحو: ما قام إلا زيدا إلا عمرا، وما قام زيد إلا عمرا [3/ 31] فإنّ الأصل في المثال الثاني: ما قام زيد، ولا غيره، وعمرا، مستثنى منصوب من غيره المحذوف.
وأمّا المثال الأول فقال المصنف: أصله ما قام أحد إلا زيدا إلا عمرا، فإن أراد أنّ (أحد) فاعل، و (إلّا زيد) بدل منه؛ فغير واضح 109، وإن أراد أنّ (قام) وإن فرّغ (زيد)، لكنّه لم يفرّغ لـ (عمرو)، فواضح 110، ويصدق حينئذ على المثال المذكور أنّ المستثنى منه ترك فيه ولم يفرغ العامل بالنسبة إلى (عمرو).
وقوله: ولا يفعل ذلك دون نهي... إلى آخره؛ إشارة إلى أنّه لا يترك المستثنى منه، ويفرّغ عامله لما بعد (إلا) دون وجود نهي صريح، أو مؤول 111، فمثال النّهي الصريح قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ 112، ومثال النفي الصّريح قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ 113، وأراد المصنف بالنّهي المؤوّل -
الجزء: 5 - الصفحة: 2126
................................
الشرط الذي فيه معنى النهي كقوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ 114، وأراد بالنّفي المؤوّل الاستفهام الذي فيه معنى النّفي، كقوله تعالى: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ 115.
قال المصنف 116: ومنه - أي من النفي المؤوّل زيد غير آكل إلا الخبر، وقوله تعالى: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ 117؛ لأن يَأْبَى بمعنى لا يريد، ومنه - أيضا - قوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ 118؛ لأنّ المراد بالكبير هنا الصعوبة، فكأنه قيل: لا يسهل إلّا على الخاشعين.
والحاصل: أنّ المستثنى منه لا يحذف مع إيجاب محضن؛ لأنّه يلزم منه الكذب، ألا ترى أنّ حقيقة قولك: نظرت إلا عمرا: عم نظري الناس إلا عمرا، وذلك غير جائز، بخلاف: لم أر إلّا زيدا، فلو كان في الإيجاب معنى النّفي عومل معاملته، نحو: عدمت إلا زيدا، وصمت إلا يوم الجمعة، فإنّ المعنى لم أجد، ولم أفطر.
ويتعلق بما تقدم أبحاث:
الأول:
يرجح الشيخ 119 قول المصنف - في الألفية -:
وإن يفرّغ سابق إلا لما...... بعد...
على قوله - هنا -: وفرّغ العامل له.
قال: لأنّ المفرغ قد يكون غير عامل، نحو: -
الجزء: 5 - الصفحة: 2127
................................
ما في الدار إلا عمرو، فـ (في الدّار) هو المفرغ، والعامل في (عمرو) الابتداء.
الثاني:
قد علم - ممّا تقدم - أنه إذا لم يذكر المستثنى منه فقد يفرّغ العامل فيكون الحكم كما تقدم، وقد لا يفرغ، فينصب ما بعد (إلّا) على الاستثناء، لكنّه يتعين القول بالتفريغ إذا أدّى عدم القول به إلى حذف ما لا يجوز حذفه، ولا يتعين في غير ذلك، بل يجوز، فعلى هذا ما قبل (إلّا) إمّا أن يقتضي مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا، فإن اقتضى منصوبا، أو مجرورا جاز التفريغ، نحو: ما ضربت إلا زيدا، وما مررت إلّا بعمرو، وجاز أن يكون المفعول محذوفا؛ لأنه فضلة، فينصب ما بعد (إلّا) على الاستثناء من المحذوف، نحو: ما ضربت إلّا زيدا، وما مررت إلا عمرا، أي: ما ضربت أحدا، وما مررت بأحد 120، ومنه قول الشاعر:
1679 - نجا سالم، والنفس منه بشدقه... ولم ينج إلّا جفن سيف ومئزرا 121
أي: لم ينج شيء، وإن اقتضى مرفوعا، وكان غير فاعل، جاز التفريغ، والنصب على الاستثناء، نحو قول الشاعر:
1680 - هل هو إلّا الذئب لاقى الذّيبا 122
روي بالوجهين، فالرفع على التفريغ، والنصب على تقدير: هل هو شيء إلا الذيب، هذا مثال حذف مرفوع هو خبر، ومثال حذف مبتدأ قول الشاعر: -
الحديث: 1679 - الجزء: 5 - الصفحة: 2128
................................
1681 - يطالبني عمرو ثمانين ناقة... وما لي يا عفراء إلّا ثمانيا 123
وإن قدّرت (ما) استفهامية، فلا حذف 124، وإن كان المرفوع المقتضي فاعلا وجب التفريغ، ولم يجز نصب ما بعد (إلّا) على الاستثناء، نحو: ما قام إلّا زيد 125؛ لأنّ الفاعل لا يحذف، ولمّا كان الكسائي يجوّز حذفه أجاز هذا النّصب على الاستثناء والرفع على البدل، وقد يقوي مذهب الكسائي قولهم 126: ما قام إلّا هند، بحذف التاء من الفعل، إلّا أن يعلل أنّه في معنى كلام لا يلحق التاء فعله، وهو: ما قام أحد إلّا هند، وليس بالقويّ.
الثالث:
التفريغ يأتي في جميع المعمولات، من فاعل، ومفعول، ومجرور، وظرف، وصفة، وحال، ولم يستثنوا إلّا المصدر المؤكد 127؛ إذ لا فائدة فيه؛ لأنّه بمنزلة تكرار العامل، فلا يجوز: ما قمت إلّا قياما، لأن يصير المعنى: ما قمت إلّا قمت، وأمّا قوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا 129 فمؤوّل، ومن التفريغ باعتبار الصفات قولهم: ما جاءني أحد إلّا قائم، وإلا أبوه قائم، إذا جعلت الوصف جملة، ومنه:
وما مررت بأحد، إلّا زيد خير منه، يعني أنّ (زيدا) خير من جميع من مررت به.
الرابع:
أورد الشيخ على قول المصنّف أنّ الإيجاب إذا كان فيه معنى النفي عومل -128
الحديث: 1681 - الجزء: 5 - الصفحة: 2129
[حذف عامل المتروك]
وقال ابن مالك: (وقد يحذف - على رأي - عامل المتروك).
معاملته، نحو: عدمت إلّا زيدا، وصمت إلّا يوم الجمعة، إنّ هذا الّذي ذكره سائغ تقديره في كلّ موجب؛ إذ ما من فعل موجب إلّا ويمكن نفي نقيضه فيقدّر: قائم إلّا زيد بـ: لم يفعله - أي القيام - إلّا زيد.
130 انتهى.
والجواب: أنّ الّذي أشار إليه المصنف كلّ فعل إذا فسّر مدلوله كان نفيا، فإنّ مدلول (عدمت): لم أجد، ومدلول (صمت): لم أفطر، وأما المثال الذي مثّل به الشيخ فلا يصحّ كونه من هذ القبيل؛ لأنّ مدلول (قام) أمر ثابت، وأما نفي القعود فمن لازمه وإذا كان كذلك يلزم من صحة: عدمت إلّا زيد: قام إلّا زيد 131.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 132: أشرت بذلك إلى قول الشاعر:
1682 - تنوط التميم وتأبى الغبو... ق من سنة النّوم إلّا نهارا 133
يصف امرأة بالنّعيم، وكثرة الرّاحة، فهي تأبى أن تغتبق، أي: تغتذي بالعشيّ، لئلّا يعوقها عن الاضطجاع للرّاحة، ثمّ قال: إلّا نهارا، يريد: لا تغتذي الدهر إلّا نهارا، هذا معنى قول الفارسي، وأولى من هذا التقدير أن يكون أراد: تأبى الغبوق والصبوح إلّا نهارا، فحذف المعطوف، وأبقى المعطوف عليه وهو كثير 134.
الحديث: 1682 - الجزء: 5 - الصفحة: 2130
[الاستثناء التام وأحكامه]
قال ابن مالك: (وإن لم يترك المستثنى منه فللمستثنى بـ «إلّا» النصب مطلقا بها لا بما قبلها، معدّى بها، ولا به مستقلّا، ولا بـ «أستثني» [3/ 32] مضمرا، ولا بـ «أن» مقدرة بعدها، ولا بـ «إن» مخففة، مركبة، منها ومن «لا» و «إلا» خلافا لزاعمي ذلك، ووفاقا لسيبويه، والمبرّد والجرجانيّ).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على الاستثناء المفرغ، شرع في الاستثناء التامّ، وهو أن يكون المستثنى منه مذكورا، وحكم المستثنى فيه النصب، سواء كان الاستثناء متصلا 135 أم منقطعا 136، بعد كلام موجب، أو منفيّ، قدّم المستثنى على المستثنى منه، أو أخّر، ولهذا قال: مطلقا، وإن شارك النصب على الاستثناء غيره، في بعض الصّور بشروط، كما سيأتي، وقيّد الاستثناء بـ (إلا)، كما قيّد في المفرغ؛ لأن الكلام - في هذا الفصل - إنما هو فيه، وقال المصنف: نبهت بقولي: مطلقا على أن المستثنى بـ (إلّا) إذا ذكر المستثنى منه ينصب في الموجب وغيره، لكن في الموجب لا يشارك النّصب، وفي غير الموجب يشاركه البدل راجحا ومرجوحا 137.
قال الشّيخ: قوله: في الموجب لا يشارك النصب - ليس بصحيح؛ لأنّه يشاركه النعت على ما تبين، وقد ذكر هو ذلك 138.
والجواب: أنّ كلام المصنف إنّما هو في ذكر المخرج، لتقدّم ذكره، وعود الضمير عليه في قوله: وله بعد (إلا) من الإعراب إن ترك إلخ، وإن لم يترك المستثنى منه فهو قسيم لقوله: ترك، وكلاهما داخل تحت قوله: المخرج، ومعنى الاستثناء والبدل بالنسبة إلى الإخراج واحد، أما النعت فلا إخراج فيه؛ بل هو من باب آخر، وحكمه في المعنى مغاير للمقصود هنا، فكيف يصحّ قول الشيخ: لأنه يشاركه النعت؟ ثم إنّ المصنف ذكر الخلاف في الناصب للمستثنى بـ (إلا) واختار مذهبا، -
الجزء: 5 - الصفحة: 2131
................................
وطول في الاستدلال على مختاره، واستنباطه من كلام سيبويه، فيشار إلى ذلك على سبيل الاختصار؛ لأن الخطب فيه يسير، والأمر سهل.
والمذاهب التي ذكرها المصنف في العامل ستة:
أحدها: أنّ العامل (إلّا) نفسها، وهو مختاره 139، ونسبه إلى سيبويه 140، والمبرد 141، والجرجانيّ 142.
الثاني: أنّ العامل ما قبل (إلّا) معدّى بها، ونسبه إلى السيرافي 143.
الثالث: أنّ العامل ما قبل (إلّا) على سبيل الاستقلال، ونسبه إلى ابن خروف 144.
الرابع: أن العامل (أستثني) مضمرا بعد (إلّا)، نسبه إلى الزّجاج 145.
الخامس: أنّ العامل (أنّ) مقدرة، ونسبه إلى الكسائيّ 146.
السادس: أنّ العامل (أن) المخففة، و (لا) فـ (إلّا) مركبة منهما، ونسبه -
الجزء: 5 - الصفحة: 2132
................................
إلى الفرّاء 147.
قال غير المصنف: فإن نصبت ما بعدها غلبت حكم (أنّ) والحرف محذوف، وإن رفعت غلبت حكم (لا) فعطفت.
وقد ردّ السادس 148: بأنّ فيه إدغاما لتركيب، ولا دليل عليه، وأنّه لو صحّ التركيب لم يصحّ العمل الّذي كان قبله؛ لأنّ المعنى قد تغيّر معه، وكلّ مركب تغير معه المعنى يتغير معه الحكم، كما في (إذ ما) و (حسبما) وبأنّه غير مستقيم لفظا ومعنى، أمّا اللفظ فلأنّك لو لفظت به لم يستقم، وأمّا المعنى فعلى خلاف ذلك 149.
وقد ردّ الخامس 150: بأنّ (أن) لا تضمر، وبأنّه كان يجب النصب أبدا 151، وبأنّه دعوى لا يقوم عليها دليل، وبأنه يلزم أن يكون لها عامل يعمل فيها؛ لأنّها مع ما تعمل فيه في تأويل المصدر، فيجعل العامل فيها عاملا فيما قدّرت من أجله، ويستغنى عنها.
وردّ الرابع 152: بأنّ فيه مخالفة النظائر؛ إذ يجمع بين فعل وحرف يدلّ على معناه، لا بإظهار، ولا بإضمار، ولمنافاة قصدهم بوضع الحرف وهو الاختصار 153. -
الجزء: 5 - الصفحة: 2133
................................ وردّ الثالث 154: بأن «إلّا» لها اقتضاء في المستثنى؛ لأنها لو حذفت لم يكن لذكره معنى، فلو لم تكن عاملة، ولا موصلة عمل ما قبلها إليه - أي: المستثنى - مع اقتضائها إياه لزم عدم النظير 155، والذي دعا ابن خروف إلى هذا الرأي انتصاب (غير) على الحال 156، وفيه معنى الاستثناء، كما أنّ (ما عدا) و (ما خلا) مصدران 157 بمعنى الحال 158، وفيهما معنى الاستثناء. اه. وسيأتي الكلام في نصب (غير) وفي مواضع (ما خلا) ونحوه 159. وأما المذهب الأول: وهو الذي ذكره المصنف - فقد طوّل فيه، استنباطا واستدلالا والذي ذكره يحتمل التأويل والرد، ولا فائدة في التطويل، وكون «إلّا» هي العاملة فقط مذهب مرجوح 160، ونحن نتحاكم إلى المصنف، بما قرره في باب المفعول معه، من أنّه لو كانت الواو هي الناصبة لوجب اتصال الضمير إذا وقع مفعولا معه، ومن الضرورات قول الشاعر: 1683 - فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة... تكون وإيّاها بها مثلا بعدي 161
الحديث: 1683 - الجزء: 5 - الصفحة: 2134
................................
على أنّ المصنف قد اعتذر عن انفصال الضمير بعد (إلّا) بما ليس بالقوي 162، وقد ذكروا - في هذا المذهب - أنّه ليس لنا حرف ينصب فقط، وإنّ الحرف العامل في الاسم حقّه أن يعمل ما اختصّ الاسم به وهو الجرّ 163.
وأمّا المذهب الثاني: وهو أنّ العامل ما قبل (إلّا) بواسطة (إلّا) فهو أقوى المذاهب المذكورة، وأرجحها 164 وهو رأي الجمهور (4)، وعزاه جماعة إلى سيبويه 165، ونظّروه بالمفعول معه، فإنّ العامل فيه ما قبل الواو، وبواسطتها، وهو الصحيح 166، وقد ردّه المصنّف بصحة تكرير الاستثناء، نحو: قبضت عشرة إلّا أربعة إلّا درهما إلّا ربعا، إذ لا فعل في المثال المذكور - إلّا (قبضت)، فإذا جعل معدّى بـ (إلّا) لزم تعديته إلى الأربعة بمعنى الحطّ، وإلى الدّرهم بمعنى الجبر، وإلى الرّبع بمعنى الحطّ، وذلك حكم بما لا نظير له، فإنّه استعمال فعل واحد، معدّى بحرف واحد، على معنيين متضادين».
اه 167.
والجواب: أنّ (إلّا) - في هذا الكلام - ليست بمعنى الحطّ فقط؛ وإنما جاء إدخال الدرهم في الحكم، من جهة أنه مستثنى [3/ 33] من منفيّ فهو مثبت، فـ (إلّا) حطته من الأربعة الخارجة، فلزم دخوله في الحكم لذلك 168، ومما ردّ به المصنف هذا المذهب قولنا: قاموا إلا زيدا إلّا عمرا، فإنّ الثاني موافق للأول، في المعنى، فإن جعلا منصوبين بالفعل، معدّى إليهما بـ (إلّا) لزم من ذلك عدم النظير؛ إذ ليس في الكلام فعل معدّى بحرف واحد، إلى شيئين، دون عطف، فوجب اجتنابه».
اه 169. - - ديوان الهذليين (1/ 159)، وشرح التصريح (1/ 105)، وفي ديوان أبي ذؤيب (ص 33).
والشاهد فيه: اتصال الضمير - إياها - شذوذا، بواو المعية، والأصل ألا يتصل الضمير بها؛ لأنها ليست الناصبة بنفسها.
الجزء: 5 - الصفحة: 2135
[حكم المستثنى المتصل في الكلام التام المنفي]
قال ابن مالك: (فإن كان المستثنى بـ «إلّا» متصلا، مؤخّرا عن المستثنى منه المشتمل عليه نهي أو معناه، أو نفي، صريح أو مؤول، غير مردود به كلام، تضمّن الاستثناء اختير فيه - متراخيا - النصب، و - غير متراخ - الإتباع إبدالا عند البصريين، وعطفا عند الكوفيين).
ويمكن الجواب عنه بأن يقال: لا تسلم أنّ مدلول (إلّا) الثانية، في هذا التركيب مدلول (إلّا) الأولى، فيلزم ما قاله، ولو كان مدلولها كالأولى وجب العطف، ونحن نعقل الفرق بين قولنا: قاموا إلّا زيدا إلّا عمرا، وقولنا: قاموا إلّا زيدا، وإلّا عمرا؛ لأن (إلّا) - مع العطف - أخرجت زيدا وعمرا من القوم، فمدلول الأولى والثانية واحد 170، ولذا احتيج إلى العطف، وأمّا مع عدم العطف فليس مدلولها واحد؛ لأنّ الثانية أخرجت عمرا من قوم ليس زيد منهم، ولا يلزم ما ذكره المصنف، وليعلم أنّ صاحب الكتاب وغيره ذكروا الخلاف في المسألة، ولم يفرقوا بين المتّصل 171، وقال ابن الحاجب - بعد ذكر الخلاف وتقريره: وإنّما هذا في الاستثناء المتّصل، فامّا المنقطع فالعامل فيه نفس (إلّا)؛ لأنّها تعمل عمل (لكن) ولها خبّر مقدّر على حسب المعنى 172، ومنهم من يقول: إنّه يظهر 173 ومنهم من يجعله إذا كلاما مستأنفا.
اه.
وقد تقدّم أنّ تقدير (إلّا) بـ (لكن) في المنقطع، هل هو تفسير معنى، أو على أنّ (إلّا) قامت مقامها لفظا، والأوّل 174 أظهر؛ فعلى هذا لا فرق بين المتّصل والمنقطع، بالنسبة إلى ما يدعى كونه عاملا، وقد صرّح سيبويه بذلك.
قال ناظر الجيش: تقدّم أنّ المستثنى بـ (إلّا)، إذا ذكر المستثنى منه ينصب مطلقا، وأنّه قد يشارك النصب في بعض الصّور، والغرض الآن تبيّن مواضع -
الجزء: 5 - الصفحة: 2136
................................
المشاركة، فإن تعينت علم أنّ النصب متعين لما سواها، وبدأ المصنف بذكر المتصل؛ لأنّ البدل فيه راجح، بشروط، وأخّر الكلام على المنقطع؛ لأنّ النصب فيه راجح، أو واجب.
واشترط في جواز البدل مع الاتصال ثلاثة شروط: تأخير المستثنى عن المستثنى منه، وأن يشتمل على المستثنى منه نفي أو نهي، وأن يكون الكلام داخلا عليه النفي غير مردود به كلام تضمن الاستثناء.
أمّا الشرط الأول فواضح، وحكم المستثنى إذا قدّم النصب، وله حكم آخر، يأتي الكلام عليه.
وأما الشرط الثاني فاحترز به من الموجب، نحو: اذهبوا إلّا زيدا، وسيظفرون إلّا عمرا، والموجب من الكلام في الاستثناء ما كان الكلام بعد (إلّا) مثبتا فيه، فيدخل الأمر، والتخصيص، وإن كانا - في الجواب بالفاء، والنيابة عن الشرط - غير واجبين، ويدخل الشّرط أيضا، وقد ذكر مثال الخبر والأمر، وأما التخصيص فكقولك: لولا خاصمت القوم إلّا زيدا، ومثال الشّرط: إن قام القوم إلّا زيدا، ومثال النهي: لا يقم أحد إلّا زيد، وأمّا معنى النّهي فكقول عائشة - رضي الله تعالى عنها -: «نهى عن قتل جنان البيوت إلا الأبتر وذو الطفيتين» 175 التقدير:
لا تقتل جنان البيوت إلّا الأبتر، وذو الطفيتين 176.
ومثال النفي الصّريح: ما قام أحد إلا زيد، ومثال المؤول قوله تعالى:
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ 177، وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا -
الجزء: 5 - الصفحة: 2137
................................
الضَّالُّونَ 178. فإن (من) استفهام في اللفظ ونفي في المعنى، والبدل من الضمير في (يغفر) ومن الضمير في (يقنط) وأكثر ما يكون معنى النّفي في الاستفهام إذا كان بـ (هل) أو (من) وقد يكون في الاستفهام بـ (أيّ) ولذلك عطف بعدها بـ (إلّا) في قول الشّاعر:
1684 - فاذهب فأيّ فتى في النّاس أحرزه... عن حتفه ظلم «دعج» ولا جبل 179
ومن النّفي المؤوّل: قلّ رجل يقول ذلك إلّا زيد وكذا: أقل رجل يقول - إذا قصد بهما النفي - 180.
قال الشيخ: وارتفاع (زيد) على أنّه بدل من الضمير المستكن في المثالين؛ لأنّ المعنى: ما يقول ذلك إلا زيد، ولا يجوز أن يكون المستكن بدلا من (رجل) في (قلّ رجل)؛ لأن (قلّ) لا تعمل إلّا في النكرة ولا تعمل إلا في منفيّ، ولا من (أقلّ) في (أقل رجل)؛ لأن (أقلّ رجل) لا يمكن تعريفه 181 كقولك: إلا زيد، وإن أريد بـ: (قلّ رجل) أو (أقلّ رجل) التعليل، لا النّفي المحض، فمذهب ابن خروف أنه لا يجوز في (إلا زيد) النصب للإيجاب 182. وأجاز السيرافي البدل؛ لأنه نفي للتكثير، فالمعنى: ما يقول ذلك كثيرا إلا زيد 183. اه.
ولا يعد فيما أجازه السيرافي، ومن النفي المؤول قراءة بعض السلف 184 فشربوا -
الحديث: 1684 - الجزء: 5 - الصفحة: 2138
................................ منه إلا قليل منهم 185 لأنّ قبله فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي (2)؛ فلذلك صار فَشَرِبُوا مِنْهُ بمعنى: لم يتركوه [3/ 34] فلم يكونوا منه 186 ومنه أيضا ما أنشده الأخفش: 1685 - لدم ضائع تغيّب عنه... أقربوه إلا الصبا والجنوب 187 وكذلك قول الآخر: 1686 - وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر، إلّا النؤي والوتد 188 لأنّ (تغيّب) بمعنى: لم يحضر، (وتغير) بمعنى: لم يبق على حاله 189. ونقل الشيخ في إعراب: قليل منهم أن يكون مبتدأ، والخبر محذوفا وهو رأي الفراء 190 وأن يكون إلا قليل صفة للضّمير في: شربوا 191 على رأي من يجوّزه 192، وهو ابن عصفور، وأن يكون إلا قليل بدلا من الضمير، -
الحديث: 1685 - الجزء: 5 - الصفحة: 2139
................................
فتكون (إلّا) محكوما لها بحكم (غير) ثم قال: وما ساغ من التأويل في الآية الكريمة 193 ساغ في التبيين.
اه.
194.
قال المصنف 195: وقلت: المشتمل عليه ولم أقل: الكائن معه أو نحو ذلك؛ تنبيها على أنّ النهي والنفي قد يوجد ولا يكون له حكم لكونه منقوصا نحو:
لا تأكلوا إلّا اللحم إلا زيدا، وما شرب أحد إلا الماء إلا عمرا، فإن هذا، وأمثاله بمنزلة ما لا نهي فيه ولا نفي إذ المراد: أكلوا اللحم إلا زيدا، وشربوا الماء إلا عمرا.
انتهى.
ولو قلت: ما شارب أحد إلا الماء إلا زيد رفعت، إما على الخبريّة عن (شارب) وإما على الابتدائيّة وهو أولى.
قال ابن عمرون 196: فإن لم تجعل للمبتدأ خبرا، كما في: أقائم الزيدان ما أرى لمنع نصب (زيد) وجها.
انتهى 197.
والظاهر أنّ نصبه متعين ثم قال المصنف - بعد تمثيله بما تقدم -: ومنه:
ما مررت بأحد إلا قائما إلّا أخاك، ذكره الفارسيّ في التذكرة 198، وقال: لا يجوز كون (قائم) صفة لـ (أحد) لأنّ (إلّا) لا تعترض بين الصفة والموصوف، ولا كونه حالا من التاء؛ لأنه يصير المعنى: مررت قائما بأحد، وهو لا يجوز، فكذا ما في معناه، وإذا بطل هذا ثبت أنّ (قائما) حال من (أحد) منصوب؛ لأنّه بعد إيجاب.
ونقل الشيخ عن ابن هشام 199 تمهيد هذه القاعدة وتقريرها بالأمثلة واستطرد إلى أن قال: تقول: ما أتاني بنو محمد، إلّا بنو جعفر، إلا خالدا، فنفيت عن بني محمد الإتيان سوى بني جعفر، وأوجبته لبني جعفر ثم أخرجت (خالدا) وهو منهم - مما أدخلتهم فيه من الإتيان فلم يكن فيه إلّا النصب، لا غير، وعكس هذه - - صفة للضمير».
اه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2140
................................
المسألة: أتاني بنو محمد إلا بنو جعفر إلا خالد، برفعه حملا على المعنى؛ لأنك لما استثنيت من إيجاب نصبت، كما قدمنا، فـ «بنو جعفر» قد تغيب عنهم الإتيان وكأنك قلت: ما أتاني (بنو جعفر) ثم استثنيت منهم خالدا فأدخلته فيما نفيته فصار موجبا له بعد نفي 200. انتهى.
وفي المثالين اللذين ذكرهما ابن هشام 201 نظر؛ فإنّ الظاهر فيهما الانقطاع وكلاهما إنما هو في المتصل إلا (أن) 202 يريد الاتصال بتأويل.
وأما الشرط الثالث: وهو أن يكون غير مردود به كلام تضمن الاستثناء فاحترز به عن رد قول القائل: قاموا إلا زيدا، وأنت تعلم أنّ الأمر بخلاف ذلك، فتدخل النفي وتأتي بالكلام، مثل ما نطق به المردود عليه، فتنصب (زيدا) ولا ترفعه؛ لأنك لم تقصد معنى: ما قام إلا زيد، وكذا إذا قال: لي عندك مائة إلا درهمين، وأردت جحد ما ادعاه، فإنك تقول: ما لك عندي مائة إلا درهمين، كأنّك قلت: ما لك عندي الذي ادّعيته، ولو رفعت الدرهمين كنت مقرّا بهما، جاحدا لثمانية وتسعين؛ لأنّ المستثنى المبدل ممّا قبله في حكم الاستقلال فكأنّك قلت - إذا رفعت -: مالك عندي إلا درهمان 203، وهذه الثلاثة شروط جواز البدل.
وبقي لرجحان النصب على الاستثناء شرط رابع: وهو ألا يتراخى، أي: يتباعد ذكر المستثنى، عن ذكر المستثنى منه نحو الأمثلة المتقدمة فإن حصل التراخي كان النصب على الاستثناء راجحا، والبدل مرجوحا وذلك نحو قولك: ما ثبت أحد في الحرب ثباتا نفع الناس إلا زيدا، ولا تنزل على أحد من تميم إن وافيتهم إلا قيسا 204؛ لأنّه إنّما رجح الإتباع في غير الإيجاب على النّصب؛ لأنّ معناه ومعنى النّصب واحد، وفي الإتباع تشاكل اللفظين، وهو مطلوب وللقرب تأثير في طلب المشاكلة، فلما تباعدا تباعدا بينا رجح النصب، لضعف الداعية، والأصل في هذا -
الجزء: 5 - الصفحة: 2141
................................
قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها» فقال له العباس رضي الله عنه: «إلا الإذخر؟» فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إلّا الإذخر» 205. وقد يكون من هذا: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفيّه من أهل الدّنيا، ثم احتسبه إلا الجنّة» 206 وعللّ قوم هذا النوع بعروض الاستثناء، قال ابن السّراج: فإن لم تقدّر البدل، وجعلت قولك: (ما قام أحد) كلاما، لا تنوي فيه الإبدال من (أحد) ثم استثنيت؛ نصبت، فقلت: ما قام أحد، إلا زيدا 207.
قال المصنف - بعد ذلك -: فعلى هذا يكون للزوم النصب - بعد النفي سببان، التراخي، وعروض الاستثناء 208. ومراده بلزوم النّصب لزوم اختيار النّصب؛ لأن النصب غير لازم وقوله: إبدالا عند البصريين، وعطفا عند الكوفيين إشارة إلى الخلاف في المستثنى، إذا جعل تابعا لما قبله، فمذهب البصريين أنه بدل، وقد نصّ عليه سيبويه 209، وعليه إشكالان:
أحدهما: أنّه بدل بعض وليس معه - في نحو: ما قام أحد إلا زيد - ضمير يعود على المبدل منه.
والثّاني: ما بينهما من التخالف فإنّ المبدل موجب، والمبدل منه منفيّ.
وأجابوا عن الأول بأن (إلّا) وما بعدها من تمام الكلام الأول، و (إلّا) قريبة مفهمة أنّ الثّاني قد كان يتناوله [3/ 35] الأول، فمعلوم أنّه بعض الأول، فلا يحتاج فيه إلى رابط بخلاف: قبضت المال بعضه.
وأما الإشكال الثاني فأجاب السيرافي عنه بأن قال: هو بدل منه في عمل العامل فيه وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البدلية؛ لأن مذهب البدل فيه أن يجعل الأول كأنّه لم يذكر، والثاني في موضعه، وقد يخالف الصفة والموصوف نفيا وإثباتا، نحو: مررت برجل لا كريم -
الجزء: 5 - الصفحة: 2142
................................
ولا لبيب 210. وقال غيره - ممّن تعرض لشرح كتاب سيبويه -: إنّما يشترط في البدل أن يحلّ محلّ الأول، في العامل خاصة، وأما أن يكون على معناه فلا وقال ابن الضائع 211: لو قيل: إنّ البدل في الاستثناء قسم على حدته، ليس من تلك الأبدال، التي بينت في غير الاستثناء؛ لكان وجها وهو الحقّ، وقال - في موضع آخر -: اعلم أنّ البدل في الاستثناء إنما المراعى فيه وقوعه مكان المبدل منه فإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فـ (إلّا زيد) هو البدل وهو الذي يقع موقع (أحد)، فليس (زيد) وحده بدلا من (أحد) و (إلا زيد) هو الذي نفيت عنه القيام، فـ (إلا زيد) بيان لل (أحد) الذي عنيت.
ثم قال - بعد ذلك - «فهذا البدل - في الاستثناء - أشبه ببدل الشيء من الشيء من بدل البعض من الكل.
اه.
ومذهب الكوفيين أنه معطوف وجعلوا «إلا» من حروف العطف في هذا الباب خاصّة، والحامل لهم على ذلك وجود المخالفة المذكورة قال: فعليه كيف يكون بدلا وهو موجب ومتبوعه منفيّ؟ والعطف توجد فيه المخالفة في المعنى كالمعطوف بـ (بل) و (لكن) فلذا قالوا به.
قال الشيخ: وما ذهبوا إليه ممكن خال من التكلف، وقد ردّ القول بالعطف بأنّه:
لو كانت (إلّا) عاطفة لم تباشر العامل في نحو: ما قام إلا زيد، وحروف العطف لا تلي العوامل، ذكر ذلك الشيخ وفيه نظر؛ لأنّ لهم أن يقولوا: إنّ (إلّا) التي باشرت العامل، ليست هي العاطفة.
وقال المصنف - بعد نقل جواب السيرافي على التخالف 212: ويقوّى العطف أن يقول: تخالف الصفة والموصوف كلا تخالف؛ لأنّ نفي الكرم واللّبابة إثبات لضدّهما وليس كذلك تخالف المستثنى والمستثنى منه، فإن جعل «زيد» بدلا من (أحد) إذا قيل: ما فيها أحد إلا زيد يلزم منه عدم النظير؛ إذ لا بدل في غير محلّ -
الجزء: 5 - الصفحة: 2143
[مسألتان في الاستثناء التام]
قال ابن مالك: (ولا يشترط في جواز نصبه تعريف المستثنى منه، خلافا للفرّاء، ولا في جواز الإبدال عدم الصلاحية للإيجاب خلافا لبعض القدماء).
النزاع إلّا وتعلق العامل به مساو لتعلقه بالمبدل منه، والأمر في (زيد) و (أحد) بخلاف ذلك، فيضعف كونه بدلا؛ إذ ليس في الأبدال ما يشبهه، وإن جعل معطوفا لم يلزم من ذلك مخالفة المعطوفات، بل يكون نظير المعطوف بـ (لا) و (بل) و (لكن) فكان جعله معطوفا أولى من جعله بدلا.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان:
الأولى: أنّ الفراء اشترط في جواز النّصب والإتباع تعريف المستثنى منه بخلاف قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ 213 فإنّ الاستثناء فيه من نكرة فيلزم فيه - على مذهب الفراء - الإتباع 214. قال المصنف 215: ولا حجة له؛ لأنّ النصب هو الأصل، والإتباع داخل عليه، وقد رجح عليه بطلب المشاكلة، فلو جعل بعد ترجيحه عليه مانعا منه لكان ذلك إجحافا بالأصل، فضعف هذا الاعتبار قول الفرّاء.
قوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ 216 في قراءة النصب، على أن يجعل مستثنى من (أحد) لا من الأهل، تتفق القراءتان في الاستثناء من شيء واحد، ولأنّه قد قيل: إنه قد أخرجها معهم، وقد روى سيبويه عن يونس وعيسى، أنّ بعض العرب، الموثوق بعربيّتهم يقول: ما مررت بأحد إلا زيدا، وما أتاني أحد إلا زيدا، بالنصب بعد النكرة، وهذا ينقض دعوى الفراء 217.
الثانية: أنّ بعض القدماء، ممن لم يسمّه سيبويه منع الإتباع في كلّ منفيّ، جاز -
الجزء: 5 - الصفحة: 2144
[حكم تقدم المستثنى على صفة المستثنى منه]
قال ابن مالك: (وإتباع المتوسّط بين المستثنى منه وصفته أولى من النّصب، خلافا للمازني في العكس).
في لفظ الإيجاب ولم يجوّز فيه إلا النصب على الاستثناء 218.
نحو: ما أتاني القوم إلا أباك بخلاف: ما جاء أحد إلا زيد؛ لأن الإيجاب لا يصلح فيه، وردّ ذلك سيبويه 219. قال المصنف 220: وهو بالردّ حقيق، لمخالفته السماع والقياس، فمن السّماع الدالّ على البدل قوله تعالى: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ 221 وفَعَلُوهُ يقع في الإيجاب، وأما القياس فإنّه يقتضي جواز البدل أيضا؛ وذلك أنّ المسوّغ للبدل - فيما أجمع على جواز البدل فيه - الصلاحية لحذف المستثنى منه، وإقامة المستثنى مقامه، وذلك موجود - في: «ما أتاني أحد إلّا أبوك» فوجب تساويهما في الحكم بجواز البدل كما تساويا في تضمّن المسوّغ.
قال ناظر الجيش: إذا توسط المستثنى، بين المستثنى منه وصفته نحو: ما فيها أحد إلّا زيد خير من عمرو، وما مررت بأحد إلا عمرو خير من زيد؛ فالإتباع عند سيبويه 222 والمبرد 223 أولى من النصب، ومذهب المازنيّ عكس ذلك: وهو أنّ النصب على الاستثناء أولى من الإتباع، ولهذا قال المصنف: خلافا للمازنيّ في العكس 224 والصحيح [3/ 36] ما ذهب إليه سيبويه؛ لأنّ الصفة فضلة، فلا اعتداد -
الجزء: 5 - الصفحة: 2145
................................
بالمقدّم عليها، ولأن المستثنى في نحو: ما جاء أحد إلا زيدا، إنما رجح إتباعه على نصبه، ولأنّه إذا أتبع شاكل ما
قبله لفظا، فإذا أتبع وبعده صفة متبعة شاكل ما قبله، وما بعده، فكان إتباعه متوسطا أولى من إتباعه غير متوسّط، ووجه ترجيح الإتباع أن الوصف فضلة، فلا اعتداد بالتقدم عليها.
قال المبرد: وكان المازنيّ يختار النصب ويقول: إذا أبدلته من شيء فقد طرحته من لفظي وإن كان في المعنى موجودا فكيف أنعت ما قد سقط 225.
قال المبرد: والقياس عندي قول سيبويه؛ لأنّ الكلام إنّما يراد معناه، والمعنى الصحيح أن البدل والمبدل منه موجودان معا لم يوضعا على أن يسقط أحدهما إلّا في بدل الغلط، فإنّ المبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام 226.
وقد رجح اختيار المازنيّ بأمرين:
أحدهما: أن البدل على نية تكرار العامل، فإذا أبدلت كنت قد فصلت بين الصفة والموصوف بجملة، وإمّا الفصل الثاني بالاستثناء، فيسهله كونه مفردا معمولا لما تقدّم 227.
الثاني: أنه إذا اجتمعت صفة وبدل قدمت الصفة عليه، والذي يظهر أنّ حكم البدل في باب الاستثناء - ليس جاريا على أحكام البدل في غيره، وتسميته بدلا إنّما هو باعتبار عمل العامل فيه وصحة حلوله محلّ المبدل منه، وبهذا يندفع ما أورده من الإشكالات، ومن أمثلة هذه المسألة: من لي إلّا زيد صديقا، مثّل بها سيبويه 228، فـ (من) مبتدأ و (لي) خبره، وفيه ضمير مرفوع ومنه استثني، و (صديقا) حال منه، والحال صفة في المعنى، فقد تقدّم المستثنى على الصّفة، وتعرض المصنف له في الشرح.
- تكون الصفة مقدمة على البدل.
اه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2146
[مسائل لا يجوز فيها الإتباع على اللفظ]
قال ابن مالك: (ولا يتبع المجرور بـ «من» والباء الزائدتين، ولا اسم «لا» الجنسيّة إلّا باعتبار المحلّ) 229.
- قال ناظر الجيش: كلامه واضح، ومثال الأول: 230 ما فيهما من أحد إلا زيد.
ومثال الثاني: 231 ليس زيد بشيء، إلا شيئا لا يعبأ به.
ومثال الثّالث 232: لا إله إلّا الله، رفعت البدل من (أحد) لأنه في موضع رفع بالابتداء ولم تحمله على اللفظ فتجرّه؛ لأنه معرفة موجبة و (من) الزائدة لا تجر إلّا منكرا غير موجب.
وخلاف الكوفيين والأخفش في ذلك معروف 233، وتقرير المصنف إنما هو على مذهب سيبويه وجمهور البصريين، ونصب أيضا المبدل من (شيء)؛ لأنّه في موضع نصب بـ (ليس) ولم يحمله على اللفظ فيجره؛ لأنّه خبر موجب ولا عمل للباء (الزائدة) 234 في خبر موجب 235، ورفعت البدل من اسم (لا)؛ لأنّه في موضع رفع بالابتداء، ولم تحمله على اللفظ فتنصبه؛ لأنّه معرفة موجب، وكذا لو كان ما بعد (إلّا) نكرة نحو: لا رجل في الدار إلّا رجل من بني تميم؛ لأنّ (لا) لا تعمل إلّا في منكّر منفي ومن الإتباع على محله المجرور بالباء قول الشاعر - أنشده سيبويه -: 1687 - يا ابني لبينى لستما بيد... إلّا يدا ليست لها عضد 236 ونقل الشيخ عن الشلوبين قال: إن قلت: كيف يكون (عبد الله) في قولك: -
الحديث: 1687 - الجزء: 5 - الصفحة: 2147
[إتباع المستثنى المنقطع عند بني تميم]
قال ابن مالك: (وأجاز بنو تميم إتباع 237 المنقطع المتأخر إن صحّ إغناؤه عن المستثنى منه وليس من تغليب العاقل على غيره فيختصّ 238 بأحد وشبهه خلافا للمازنيّ) 239.
- لا أحد فيها إلّا عبد الله بدلا من (أحد) وأنت لا يمكنك أن تحلّه محلّه؟ فالجواب:
أنّ هذا إنما هو على توهّم: ما فيها من أحد إلّا عبد الله فالمعنى واحد وهذا يمكن فيه الإحلال وتقديره: ما فيها إلّا عبد الله 240، ثمّ قال 241: قال ابن عصفور: وهذا الإشكال الذي ذكره لا يتقرر في المسألة وإذا لم يتقرر ولم يحتج إلى الانفصال عنه من جهة أنّه لا يلزم أن يحلّ إلّا عبد الله محل (أحد) الواقع بعد (إلّا)؛ لأنّ البدل إنّما يلزم أن يكون على نيّة تكرار العامل، وقد حصل ذلك في هذه المسألة وأمثالها ألا ترى أنّ (عبد الله) بدل من موضع لا أحد، فيلزم أن يكون العامل فيه الابتداء، كما أنّ العامل في موضع (لا أحد) الابتداء ولا شكّ أنك إذا أبدلته منه كان مبتدأ في التقدير وخبره محذوف، وكذلك حرف النّفي لدلالة ما قبله عليه والتقدير: لا أحد فيها، لا فيها إلّا عبد الله ثمّ حذف ذا واختصر 242، والّذي ذكره ابن عصفور غير ظاهر؛ لأنّه لو كان الأمر كما زعم لصحّ البدل مع الإيجاب في نحو: قام القوم إلّا زيدا، لصحة تقدير العامل، وهم قد منعوه، معللين ذلك بعدم صحّة حلول الثاني محلّ الأول، فدل ذلكّ على أنّه مشترط، وأمّا قوله 243: إن البدل المذكور مبتدأ، وخبره محذوف، وكذلك حرف النّفي لدلالة ما قبله عليه فبعيد جدّا، وما قرره أبو علي الشلوبين فظاهر، لا غبار عليه.
قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام على المتّصل بالنسبة إلى الإتباع شرع في المنقطع بالنسبة إليه أيضا واستغنى عن إعادة ذكر بعض الشروط ليكون الكلام الّذي -
الجزء: 5 - الصفحة: 2148
................................ هو فيه ليس موجبا ونحوه ممّا تقدم وأمّا المتأخّر فذكره هنا وفهم من قوله: وأجاز بنو تميم أنّ الحجازيين يوجبون نصبه وشرط الإتباع عند التميميين أن يستقيم حذف المستثنى منه ويستغنى عنه بالمستثنى وإليه الإشارة بقوله: إن صحّ إغناؤه عن المستثنى منه فلو لم يصح الإغناء وافق التميميون الحجازيين 244، وقد تقدّم في المبحث التاسع من المباحث السابقة أنّ المنقطع قسمان: قسم يتصور فيه الاتصال على جهة المجاز، وقسم لا يتصور فيه الاتصال على حال [3/ 37]. وأنّ اللغة الحجازية والتميمية بنيت على القسمين، وتقدّم تقدير جهة المجاز في ذلك فقول المصنف: إن صحّ إغناؤه... إلخ، هو عبارة عن القسم الّذي ذكروا أنّه يتصور فيه الاتصال لأنّ مراد المصنّف أن يصحّ معه تفريغ ما قبل (إلّا) لما بعدها، فإن صحّ جاءت 245 اللغة التميمية وإلّا فلا، ومتى تصوّر التفريغ عاد الاستثناء متصلا لما تقدّم أنّ التفريغ من قبيل المتّصل وإنما عدل المصنّف إلى هذه العبارة دون تلك؛ لأنّه لم يقرر في المنقطع ما قرره غيره من انقسامه إلى قسمين، وقد تقدّم التنبيه عليه، وتقدمت الإشارة أيضا في المبحث الثامن إلى عدة أمثلة من الاستثناء المنقطع إلّا أنّه لم يفصل فيها بين ما يصحّ إغناء المستثنى عن المستثنى منه، وما لا يصحّ، والغرض الآن التمييز بينهما. فمن أمثلة الأول، وهو ما يجوّز التميميون فيه الإتباع كما هو في المتصل لوجود الشرط: ما فيها أحد إلا حمار، ومنها قول الشاعر: 1688 - وبلدة ليس بها أنيس... إلّا اليعافير وإلّا العيس 246
الحديث: 1688 - الجزء: 5 - الصفحة: 2149
................................ وقول الآخر: 1689 - وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن... لنا خاطب إلّا السّنان وعامله 247 قال المصنّف 248: ويلحق بهذا إتباع أحد المتباينين الآخر نحو: ما أتاني زيد إلّا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلّا إخوانه، وهما من أمثلة سيبويه والأصل: ما أتاني أحد إلّا عمرو، وما أعانه أحد إلّا إخوانه، فجعل مكان (أحد) بعض مدلوله وهو (زيد) و (إخوانكم)، ولو لم يذكر لدخلا فيمن نفى عنه الإتيان والإعانة، لكن ذكرا توكيدا لقسطهما من النّفي، ودفعا لتوهّم المخاطب لو لم يعترض له هذا الذي أكّد به واستشهد سيبويه بقول الشاعر: 1690 - والحرب لا يبقى لجا... حمها التّخيّل والمراح إلّا الفتى الصبّار في الن... نجدات والفرس الوقاح 249 ويقول الآخر: 1691 - عشية لا تغني الرماح مكانها... ولا النّبل إلّا المشرفيّ المصمّم 250
-
- الشاهد فيه: رفع (اليعافير، والعيس) على أنهما بدلان من قوله: (أنيس) مع أنهما ليسا من جنس الأنيس أي الذي يؤنس، ويرى سيبويه أن هذا من الاستثناء المتصل على التوسع في المستثنى منه أو في المستثنى.
الحديث: 1689 - الجزء: 5 - الصفحة: 2150
................................ وجعل المصنف من ذلك قوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ 251 حتّى قال: إنّهم يقرؤون ذلك بالرّفع، إلّا من لقّن النّصب، وابن عصفور جعل هذه الآية من القسم الّذي لا يتصوّر فيه الاتصال 252، ومقتضى كلام المصنّف عكس ذلك 253. وأما أمثلة القسم الثّاني، وهو الّذي لا يصحّ فيه إغناء المستثنى عن المستثنى منه فمنها قولهم: ما زاد إلّا ما نقص وما نفع إلّا ما ضرّ، ففي (زاد)، (ونفع) ضميران فاعلان والمعنى: لكنّه نقص، ولكنّه ضرّ، وما مصدرية، وتقديره: إلّا النقص وإلّا الضّرّ. وزعم السيرافي أنّ المصدر المقدّر مبتدأ محذوف الخبر، كأن قال: ما زاد النّهر لكن النقصان أمره، وما نفع زيد لكنّ الضرّ شأنه. وأقول: هذا منه إن لم يكن قصد به تفسير المعنى، كان على رأي من جعل إلّا في المنقطع قامت مقام لكن لفظا، وينصب ما بعدها بها نفسها، وقدّر لها خبرا محذوفا، وقد تقدّم الكلام عليه وجعل الشّلوبين (ما زاد إلّا ما نقص) من قبيل المتّصل، وقال: المصدر هنا مفعول به حقيقة والعامل فيه (زاد) وتقديره: ما زاد شيئا إلّا النقصان، ثمّ حذف شيئا وفرّغ زاد لما بعد (إلّا)، وردّ بأنّ النقصان لا نسبة بينه وبين الزّيادة، وكذلك لا نسبة بين الضّرّ والنّفع وفيه نظر، ومنها أيضا قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 254. قال المصنّف 255: مَنْ رَحِمَ لا يجوز فيه الإتباع؛ لأنّ الاستغناء به عمّا قبله ممتنع إلّا بتكلّف، وأقول: هذا الذي قرّره على أحد الأوجه المتقدمة وهو: لا عاصم إلّا المرحوم ومنها قول الشاعر: 1692 - ألا لا مجير اليوم ممّا قضت به... صوارمنا إلّا امرأ [دان] مذعنا 256
الحديث: 1692 - الجزء: 5 - الصفحة: 2151
................................
قال المصنّف 257: وزعم الزمخشريّ أنّ قوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ 258 استثناء منقطع جاء على لغة تميم؛ لأنّ الله تعالى وإن صحّ الإخبار عنه بأنّه في السّموات والأرض فإنما ذلك على سبيل المجاز؛ لأنّه مقدّس عن الكون في مكان، بخلاف غيره، فإنّ الإخبار عنه بأنّه في السّماء أو في الأرض ليس مجازا، وإنمّا هو حقيقة ولا يصحّ حمل اللّفظ في حال واحد على الحقيقة والمجاز 259.
قال المصنف 260: والصحيح عندي أنّ الاستثناء في الآية متّصل و (فى) متعلقة بغير (استقرّ) من الأفعال المنسوبة حقيقة إلى الله تعالى وإلى المخلوقين (ذكر) ويذكره فكأنّه قيل: لا يعلم من يذكر في السموات والأرض الغيب إلّا الله، ويجوز تعليق (فى) بـ (استقرّ) مسند إلى مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والأصل: لا يعلم من استقرّ ذكره في السموات والأرض الغيب إلّا الله، ثمّ حذف الفعل والمضاف واستتر المضمر لكونه مرفوعا، هذا على تسليم امتناع إرادة الحقيقة والمجاز في حالة واحدة، وليس عندي ممتنعا لقولهم: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ 261 وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الأيدي ثلاث: يد الله ويد المعطي ويد السائل».
انتهى.
وجعله (فى) متعلّقة بغير (استقرّ) أو بـ (استقرّ) مسند إلى مضاف، إلى ضمير (من) فيه نظر لا يخفى وقد فهم من قول المصنّف: وبنو تميم لا يوجبون الإتباع 262، قال الشيخ: «بل الأفصح عندهم النّصب، وأمّا البدل فهو ضعيف وعلّل ضعفه بأنّه لا يتصوّر إلّا على تأويل 263 وجعل قول المصنّف: «إنّ بني تميم يقرؤون ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [3/ 38] بالرفع إلّا من لقّن النصب مخالفا لما حكي، قلت: قد تقدّم من كلام المصنّف أنّ النصب في المنقطع
إمّا - - (من رحم) بمعنى المرحوم، والعاصم على ظاهره فإن كان (عاصم) بمعنى ذا عصمة أي على إرادة النسب أو يكون (من رحم) بمعنى الراحم فيصير متصلا، وعلى هذا التوجيه يكون (من رحم) في موضع رفع بالبدل من (عاصم) والتقدير: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم إلا الراحم وهو الله».
اه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2152
................................
راجح، أو واجب ورجحانه إنّما هو في لغة التميميين؛ لأنّ الحجازيين هم الذين يوجبون النّصب 264، فعلم من هذا أنّ النّصب هو الأرجح عندهم، والبدل مرجوح.
وزعم المازنيّ: أنّ إتباع المنقطع من تغليب ما يعقل على ما لا يعقل.
قال ابن خروف: وهو فاسد؛ لأنّه لا يتوهّم ذلك [محصورا] في لفظ واحد والّذي يبدل منه في هذا الباب - وليس لفظ (أحد) - أكثر من أن يحصى 265.
قال ابن عصفور: وزعم المازنيّ أنّ وجه البدل - أي: في المنقطع - أن يكون أطلق (الأحد) على (الأحد) وغيره؛ لأنّه لما يعقل فلمّا اجتمع مع ما لا يعقل، أطلق عليهما تغليبا 266 وعلى ذلك يحمل قوله:
1693 - ليس بها أنيس... إلّا اليعافير... 267.
لأن الأنيس لمن يعقل، ثمّ غلّبه وذلك فاسد؛ لأنّه لا يطرد في المنقطع ولا يسوغ له ذلك، في مثل قول الشاعر:
1694 - ليس بيني وبين قيس عتاب... غير طعن الكلى وضرب الرقاب 268
لأنّ (عتاب) لا يقع على من يعقل حتّى يقال فيه بالتغليب، وقد أبدلت (غير) المضافة إلى الطّعن والضّرب من
(عتاب)، والطعن والضّرب ليسا من العتاب.
قال الشيخ: والحكم المذكور للمستثنى المنقطع على اللّغتين ثابت إن كان الاستثناء بلفظ (إلّا) أو (غير)، وإن كان الاستثناء بأداة غير لفظ (غير، إلّا) كان حكم المستثنى حكمه إذا كان الاستثناء متّصلا 269، ومن الاستثناء المنقطع بأداة غير (إلّا وغير) قول الشاعر: -
الحديث: 1693 - الجزء: 5 - الصفحة: 2153
[جواز الإتباع على الاسم الظاهر أو ضميره]
قال ابن مالك: (وإن عاد ضمير قبل المستثنى بـ «إلّا» الصالح للإتباع على المستثنى منه العامل فيه ابتداء، أو أحد نواسخه أتبع الضمير جوازا، وصاحبه اختيارا، وفي حكمهما المضاف إليه في نحو: ما جاء أخو أحد إلّا زيد).
1695 - لم ألف بالدّار ذا نطق سوى طلل... قد كاد يعفو وما بالعهد من قدم 270
وعلى هذا القول: ما بالدّار أحد ليس حمارا، أو لا يكون حمارا، أو عدا حمارا، أو عدا حمار، وكذا باقي الأدوات، وهذا الّذي أشار إليه الشيخ، يؤخذ من كلام المصنّف في الكتاب فإنّه قد نصّ على حكم المستثنى بغير (إلّا وغير) من الأدوات، وأنّه إمّا مجرور أو منصوب، وأمّا (إلّا) فهي المقصودة بالكلام عليها من أول الباب إلى هنا، وأمّا كون حكم (غير) في المنقطع (إلّا) فقد ذكر المصنف في الفصل الأخير أنّ (غيرا) مستثنى بها، فتجرّ المستثنى، وتكون هي معربة بما له بعد (إلّا) فعمّ الحكم بذلك في المنقطع وغير المنقطع، ولهذا لمّا ذكر حكم الإتباع قال: فإن كان المستثنى بـ (إلّا) متّصلا... إلى آخره، ولم يذكر (غير) مع أنّ الحكم فيهما واحد اعتمادا على ما ذكره في فصل (غير) كما نبّه عليه.
واعلم أنّه تقدّم من كلام الشيخ - في اعتراضه على المصنّف - أنّ الأفعال لا يستثنى بها المنفصل 271؛ كـ (خلا)
وأختيها، وهاهنا قد مثّل بالأفعال في المنقطع، فينبغي أن يتأمل ما أورده.
قال ناظر الجيش: اعلم أنّ كلّ مسألة تقدّم فيها على المستثنى اسمان أحدهما ظاهر معمول للابتداء 272 أو لأحد نواسخه 273 والآخر مضمر واقع في خبر ذلك -
الحديث: 1695 - الجزء: 5 - الصفحة: 2154
................................
الظاهر أو في صفته، وهو عائد عليه، يجوز للمتكلم أن يبدل ذلك المستثنى من أيّهما شاء، وذلك نحو: ما أحد يقول ذلك إلّا زيد، وما حسبت أحدا يفعل ذلك إلّا زيد، وما كان أحد يجترئ عليك إلّا زيد، فلك أن تجعله تابعا في تلك الأمثلة، لما عاد إليه المضمر من المبتدأ، أو المفعول الأول لـ (حسبت)، فيكون إعرابه على حسب إعراب متبوعه 274، ولك أن تجعله تابعا للمضمر العائد من خبر المبتدأ، أو المفعول الثاني أو خبر (كان) 275؛ لأنّ العامل في الضمير خبر ما دخل النّفي عليه، وإذا دخل نفي على ذي خبر فالخبر هو المنفيّ، فهذه أمثلة الضمير واقعا في الخبر.
وأمّا أمثلته واقعا في الصّفة نحو: ما فيهم أحد اتّخذت عنده يدا إلّا زيدا، فيجوز في زيد الرّفع إتباعا للمبتدأ، والخفض إتباعا للضّمير الواقع في صفته؛ لأنّ المعنى ما اتخذت عند أحد يدا إلّا زيد، وكذا ما ظننت فيهم أحدا يقول ذلك إلّا زيدا، وما كان فيهم أحد يفعل ذلك إلّا زيد، وإتباع الظاهر المخبر عنه أو الموصوف في الصّور المذكورة أولى من إتباع المضمر؛ لأنّ المسوّغ للإتباع هو النّفي، وهو أقرب إلى الظاهر منه إلى المضمر 276. قال سيبويه - بعد أن مثّل بقوله: ما علمت أحدا يقول ذلك إلّا زيدا -: وإنّما اختير النصب هنا؛ لأنّهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه وأن لا يكون إلّا من منفيّ، والمبدل منه منصوب منفيّ، ومضمره مرفوع فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا منه؛ لأنّه هو المنفيّ، وهذا وصف أو خبر، وقد تكلّموا بالآخر؛ لأنّ معناه النّفي، إذا كان وضعا لمنفي، كما قالوا: عرفت زيدا أبو من هو، كما ذكرت لك؛ لأنّ معناه معنى المستفهم منه.
انتهى 277.
فلو كان الضمير العائد في غير خبره، وغير صفة مخبرا عنه، امتنع إتباعه ولزم إتباع الظّاهر كقولك: ما شكر رجل أكرمته إلّا زيد، وما مررت بأحد أعرفه إلّا -
الجزء: 5 - الصفحة: 2155
................................
عمرو؛ لأنّ المعنى: ما شكر ممّن أكرمته إلّا زيد، وما مررت ممّن أعرفهم إلّا بعمرو، فلا أثر للنفي في (أكرمت) ولا في (أعرف) بل هما مثبتان، فلذلك امتنع إتباع معمولهما وقد عرف هذا من اشتراط المصنّف في العائد عليه الضمير أن يكون معمولا للابتداء، ولأحد نواسخه.
قال سيبويه: وتقول: ما ضربت أحدا يقول [3/ 39] ذلك إلّا زيدا، لا يكون في ذلك إلّا النّصب؛ وذلك لأنّك أردت في هذا الموضع أن تخبر بوقوع فعلك ولم ترد أن تخبر أنّه ليس يقول ذلك إلّا زيد، ولكنّك أخبرت أنّك ضربت ممّن يقول ذلك زيدا.
انتهى 278.
وهذا الحكم المذكور من جواز إتباع الظّاهر والمضمر ليس خاصّا بالمتّصل بل هو جار في المنقطع أيضا وهو غنيّ عن الأمثلة 279، وعلى الانقطاع جاء قول الشاعر إلّا أنّه أتبع الضمير - أنشده المصنّف وهو من إنشادات سيبويه أيضا -:
1696 - في ليلة لا ترى بها أحدا... يحكي علينا إلّا كواكبها 280
فـ (كواكبها) بدل من فاعل (يحكي)، (ترى) بمعنى: تعلم فـ (يحكي) وقعت مفعولا ثانيا لها، ومعنى (يحكي علينا): يخبر عنّا، وقبله:
1697 - ما أحسن الجيد من مليكه وال... لبّات إذ زانها ترائبها 281
يا ليتني ليلة إذ هجع النّاس... ونام الكلاب صاحبها
وإنما قيّد المصنّف المستثنى بـ (إلّا) ليخرج ما سوى (إلّا) و (غير) من بقيّة الأدوات، كما تقرّر أنّ ما سواهما ينصب المستثنى أو يجرّه، ثمّ خصّ (إلّا) بالذّكر، وأمّا (غير) فيأتي في كلامه أنّ لها حكم ما بعد إلّا من الإعراب، كما تقدّم، وعلى هذا تقول: ما أظنّ أحدا يفعل ذلك غير زيد، نصبا ورفعا.
قال -
الحديث: 1696 - الجزء: 5 - الصفحة: 2156
[مجيء المستثنى متبوعا، والمستثنى منه تابعا]
قال ابن مالك: (وقد يجعل المستثنى متبوعا، والمستثنى منه تابعا).
الشّيخ: واحترز المصنّف بقوله: قبل المستثنى من أن يكون الضمير العائد بعده فإنّه لا يتصوّر فيه ذلك نحو: ما أحد إلّا زيدا يقول ذلك، فهذا لا يكون فيه إلّا النّصب على الاستثناء، ولا يجوز أن يكون مبدلا من الضّمير في (يقول).
اه 282.
وقيّد المصنّف المستثنى بصلاحيته للإتباع تنبيها منه على أنّه لا بدّ أن يتقدّمه نفي أو ما يجري مجراه ليوجد شرط الإتباع فيصحّ، وإنما احتاج إلى هذا القيد؛ لأنّ عبارته ليس فيها إشعار باشتراط ما ذكره ولا بدّ منه، فاكتفى عن ذلك بوصفه المستثنى بالصّلاحية للإتباع؛ لأنّه يعلم منه اشتراط ألّا يكون الكلام موجبا، إذ لو كان موجبا لم يصلح المستثنى للإتباع لما قد عرفته 283.
وقد ذكر الشيخ أنّ المصنّف احترز بذلك من أن يكون المستثنى منقطعا لا يمكن توجيه العامل عليه 284، وتكلّف في تمثيله 285، وجعل اشتراط النّفي وما جرى مجراه مستفادا من قوله: أتبع أو نحو ذلك، وفيه بعد، وما تقدّم أسهل منه وأقرب وقوله: وفي حكمهما المضاف والمضاف إليه أي في حكم الظّاهر والمضمر المتقدّم ذكرهما
المضاف والمضاف إليه في المثال المذكور فلك أن تقول: ما جاء أخو أحد إلّا زيد بالرّفع مبدلا من المضاف، والخفض مبدلا من المضاف إليه كما قلت: ما فيهم أحد اتّخذت عنده يدا إلا زيد، وإلّا زيد 286 ويحتاج توجيه جواز الخفض في الإضافة إلى فضل تأمّل 287.
قال ناظر الجيش: قد علم ممّا تقدّم أنّ حكم المستثنى إذا قدّم النّصب، فأشار هنا إلى أنّه قد يقدّم في غير الإيجاب فلا ينصب، وإنما يتوافق مع ما بعده في الإعراب.
وقد أشار إلى ذلك سيبويه قال: حدّثنا يونس أنّ بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ما لي إلّا أبوك أحد؛ فيجعلون (أحد) بدلا، كما قالوا: ما مررت -
الجزء: 5 - الصفحة: 2157
................................
بمثله أحد، فجعلوه 288 بدلا.
اه.
وأنشد المصنف على ذلك قول حسّان رضي الله عنه:
1698 - لأنّهم يرجون منه شفاعة... إذا لم يكن إلّا النّبيّون شافع 289
قال: وأنشد الفرّاء 290:
1699 - مقزّع أطلس الأطمار ليس له... إلّا الضّراء، وإلّا صيدها نشب 291
وأنشد الكوفيّون:
1700 - رأت إخوتي بعد الولاء تتابعوا... فلم يبق إلّا واحد منهم شفر 292
ولابن عصفور في هذه المسألة خبط؛ فتارة أجازها، وتارة جعل ذلك ضرورة وتارة جعله مذهب الكوفيين 293. ونقل الشيخ أيضا عن بعض النّحاة أنّ مذهب البصريّين في المستثنى إذا قدّم على المستثنى منه النصب خاصة 294، وجعلها الشيخ -
الحديث: 1698 - الجزء: 5 - الصفحة: 2158
................................
مسألة خلاف، وطوّل الكلام فيها، وكلّ هذا مضادّ منه؛ لكلام سيبويه، ولما نقله عن العرب الموثوق بهم.
وعلّل ابن عصفور المنع فقال: يجوز الرفع على الفاعلية وجعل (أحد) بدلا منه، يعني في: ما قام إلّا زيد أحد، قال: لأنّ (أحد) أعمّ من (إلّا زيد) والأعمّ لا يبدل من الأخصّ، وقال في موضع آخر: وقد يجوز ذلك على وضع العامّ موضع الخاصّ، فيكون من بدل الشيء من الشيء، إلّا أنّه لا يجوز ذلك إلا في ضرورة، مثل:
1701 -... فلم يبق إلا واحد منهم شفر 295
ونقل الشيخ عن ابن الضائع كلاما قاله رادّا على ابن عصفور مضمونه أنّ جعل (أحد) و (شفر) - في قولك: ما لي
إلّا أبوك أحد، ولم يبق إلّا واحد منهم شفر - بدلا، خطأ؛ لأنّه يلزم منه أن يكون (أحد) و (شفر) مستعملين في الواجب وهو لا يجوز، قال: والوجه أن يقال: إنّه بدل من الاسم مع (إلّا) مجموعين فقدّر العامل: لم يبق شفر 296. اه.
وهذا منزع نزع إليه ابن الضائع 297، فالمحكوم عليه البدلية في الاستثناء وقد تقدّم عنه في مثل: ما قام أحد إلّا زيد، أنّ البدل من (أحد) هو مجموع (إلّا زيد) 298 لا (زيد) وحده، فكذا قال في عكسه وهو: «فلم يبق إلّا واحد منهم (شفر) إنّ (شفر) بدل من (إلّا واحد) لا من (واحد) وحده، وإنمّا ادّعى ذلك هنا أيضا، لئلا يلزم منه استعمال (شفر) في الواجب، ويمكن أن يقال: إنّ تسميته (شفر) بدلا في مثل: «فلم يبق إلّا واحد منهم شفر» إنّما هو باعتبار الأمر اللفظيّ من غير التفات [3/ 40] إلى معناه، ويدلّ على ذلك أنّك إذا قلت: لم يبق منهم شفر إلّا واحد؛ كان (شفر) هو المستثنى منه، وإذا قلت: فلم يبق إلّا واحد منهم شفر؛ كان بمعنى الأوّل إلّا أنّ اللفظ لا يمكن حمله على ذلك؛ إذ لا يتأخّر المبدل منه ويقدّم البدل فادّعى أنّ المؤخّر بدل من المقدّم، وإن كان المعنى على العكس مراعاة للقاعدة في مثله، وإذا كان تسميته بدلا إنما هو باعتبار اللفظ خاصة؛ يلزم ما قاله ابن عصفور من أنّه: كيف تصحّ البدلية في مثل: ما قام إلّا زيد أحد، و (أحد) أعمّ من الأول؟! ولا يحتاج أيضا إلى تأويل ابن الضائع 299.
الحديث: 1701 - الجزء: 5 - الصفحة: 2159
[تقديم المستثنى]
قال ابن مالك: (ولا يقدّم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه، والمنسوب إليه معا؛ بل على أحدهما، وما شذّ من ذلك فلا يقاس عليه خلافا للكسائيّ).
قال ناظر الجيش: المستثنى جار من المستثنى منه مجرى الصفة المختصّة، من الموصوف بها ومجرى المعطوف بـ (لا) من المعطوف عليه، فكما لا تتقدّمان على متبوعهما، كذا ينبغي أن لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه، لكن تقدّم الصفة والمعطوف غير ممكن من جهة أنّ التابع لا يتقدم على المتبوع، بخلاف المستثنى، فلهذا إذا
تقدّم أول الكلام ما يشعر بالمستثنى منه ما هو مسند إليه أو واقع عليه جاز تقدمه، نحو: قام إلّا زيدا القوم، وضربت إلّا زيدا القوم، قاله المصنف، فلو لم يتقدم ما يشعر بالمستثنى منه من مسند أو واقع لم يجز التقديم، وإليه الإشارة بقوله:
ولا يتقدم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه والمنسوب إليه معا، بل على أحدهما؛ فعلم بذلك أنّه لا يجوز: إلّا زيدا قام القوم، وإلّا زيدا ضربت القوم 300. وإنما قال:
والمنسوب إليه؛ ليشمل المسند والواقع، وممّا مثّل به المصنف في الجائز التقديم:
القوم إلّا زيدا ذاهبون، وأدرجه في التّمثيل مع: (ما قام إلّا زيدا القوم) ولا ينتظم لي تمثيله بـ: القوم إلّا زيدا ذاهبون، مع قوله في المتن: إنّه لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه، والمنسوب إليه معا؛ لأنه قدّم عليهما في المثال المذكور، فإنّ المستثنى منه الضمير، وذاهب مسند إليه إلّا أن يقول: قد تقدم ما يشعر بالمستثنى منه وهو القوم؛ لإشعاره بالضّمير من حيث إنّ مدلولهما واحد، وإذا جاز التقديم في مثل:
قام إلّا زيدا القوم لتقدّم (قام) المشعر بالمسند إليه من حيث هو مسند، جاز: القوم إلّا زيدا ذاهبون، من طريق أولى، لكن ينكر عليه كونه قيّد المشعر المتقدم بكونه مسندا إلى المستثنى منه أو واقعا عليه، ولو أطلق فقال: إذا تقدم ما يشعر به كان المثال المذكور مندرجا تحت الإطلاق.
ونحن نتذكر أحوال التقديم لننبّه على محلّ الوفاق ومحلّ الخلاف منها، فنقول: -
الجزء: 5 - الصفحة: 2160
................................
المستثنى إمّا أن يتقدم أول الكلام أو يقدّم على المستثنى منه دون المنسوب إليه مع توسطه بين جزئي كلام، أو يقدّم على المستثنى منه، أو يقدّم على المنسوب دون المستثنى منه، أمّا تقديمه أول الكلام فلم يجزه أحد إلّا الكسائي 301.
قال الشيخ: والزجاج - أيضا - 302 واستدلّ لهما بقول الشاعر:
1702 - خلا الله لا أرجو سواك وإنّما... أعدّ عيالي شعبة من عيالكا 303
وبقول الآخر - وهو استثناء منقطع -:
1703 - وبلدة ليس بها طوريّ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ 304
ففي تقديم (خلا) إشعار بتقديم (إلّا) لأنّها الأصل ولا يقع الفرع في موضع لا يقع فيه الأصل، فعلى هذا جوّز الكسائيّ 305 إلّا زيدا قام القوم؛ قياسا، وحكم الجمهور على ما استدل به بالشذوذ، وعن ذلك احترز المصنف بقوله: دون شذوذ.
ووجه الشذوذ بأن قال: قد يكون المستثنى منه جائز التقديم، فيقدر وقوعه مقدما ويقدم لذلك المستثنى عليه وعلى ما عمل فيه، وأنشد البيتين المتقدّمين، ثمّ قال قدّر أنّه قال: سواك خلا الله إلّا أرجو، وأنّه قال: ولا بها إنس خلا الجنّ، فاستجاز مع المقدّر ما استجاز مع المحقّق.
وأمّا تقديمه على المستثنى منه وما نسب إليه وهو متوسّط الكلام ففيه ثلاثة مذاهب، -
الحديث: 1702 - الجزء: 5 - الصفحة: 2161
................................ يفرق في الثّالث بين أن يكون العامل متصرفا، فيجوز نحو: القوم إلّا زيد جاؤوا، أو غير متصرف فلا يجوز، نحو: القوم إلا زيدا في الدّار، وهو مذهب الأخفش 306. قال الشيخ: ولم يسمع التقديم إلّا مع العامل المتصرف فينبغي الاقتصار عليه 307. ومن شواهد التقديم قول ذي الرّمة: 1704 - معرّسا في بياض الصّبح وقعته... وسائر الشّيء إلّا ذاك منجذب 308 فاستثنى من الضّمير المستتر في (منجذب) و (منجذب) العامل فيه، وقول لبيد: 1705 - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل 309 فـ (ما خلا الله) استثناء من الضمير المستتر في (باطل) و (باطل) مسند إليه، عامل فيه 310. وأنشد المصنف قول ابن أبي الصّلت 311: 1706 - كلّ دين يوم القيامة عند اللّ... هـ إلا دين الحنيفة بور 312 وقول الآخر: 1707 - تعلم بأنّ الوفد إلّا عويمرا... هم الكاذبون المخلفو كلّ موعد 313
الحديث: 1704 - الجزء: 5 - الصفحة: 2162
................................
وقد علمت أنّ عبارة المصنّف - في المتن - تقتضي امتناع التقديم وأنّ تمثيله بنحو:
القوم إلّا زيدا ذاهبون؛ تقتضي جوازه، وأمّا تقديمه على المستثنى منه نحو: قام إلّا زيدا القوم، فنقل الشيخ أنّه لا خلاف في جوازه ومن ذلك ما أنشده سيبويه:
1708 - النّاس ألب علينا فيك ليس لنا... إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر 314
وأنشد الزّجّاجي 315:
1709 - وما لي إلّا آل أحمد شيعة... وما لي إلّا مشعب الحقّ مشعب 316
وجعل المصنف التقديم في نحو: قام إلّا زيدا القوم، أقوى منه في نحو [3/ 41]: ضربت إلّا زيدا القوم، قال: لأنّ طلب الفعل لما هو فضلة ليس كطلبه لما هو عمدة، وتقدم ما يطلب المستثنى منه وهو عمدة، بمنزلة تقدمه نفسه، وليس كذلك تقدم ما يطلب المستثنى منه، وهو فضلة، ونظير ما أنشده سيبويه من تقديم المستثنى على المستثنى منه ما نقله المصنّف عن الأخفش من قوله: هاهنا إلّا زيدا قومك، وأين إلّا زيدا قومك، وكيف إلّا زيدا قومك؟.
وأمّا تقديمه على المنسوب إلى المستثنى منه فقط، نحو: القوم إلّا زيدا ضربت، فيظهر أنه في الجواز كالقسم الّذي قبله بل أولى، وكأنّه لوضوحه لم يتعرّض المصنف لتمثيله ولنختم الكلام على هذا الفصل بمسألتين تتعلقان بالاستثناء المقدم من جهة العطف:
إحداهما: ما نبّه عليه سيبويه، وهي: ما لي إلّا زيدا صديق وعمرا.
وعمرو، وما لي إلّا إيّاك صديق وزيدا، وزيد.
قال سيبويه: فأمّا النصب فعلى الكلام الأول -
الحديث: 1708 - الجزء: 5 - الصفحة: 2163
[استثناء شيئين بأداة واحدة]
قال ابن مالك: (فصل؛ لا يستثنى بأداة واحدة - دون عطف - شيئان، وموهم ذلك بدل ومعمول عامل مضمر، لا بدلان؛ خلافا لقوم).
وأما الرفع فكأنّه قال: وأبوك لي، يعني أنّه مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف لتقدم ما يدلّ عليه، كأنّه قال: وعمرو لي صديق أيضا، وهو نظير: إنّ زيدا قائم وعمرو 317. وهذا تخريج الخليل، وخرّجه غيره على غير ذلك، وقد نبّه عليه ابن عصفور فقال: فإن عطفت على المستثنى المقدم فإنّه يفارق العطف على المستثنى المؤخر في أنّه يجوز في العطف النصب على اللّفظ والرفع على المعنى فنقول: ما قام إلّا زيدا أحد وعمرا؛ على لفظ (زيدا)، وعمرو على ما كان يجوز في (زيد) لو تأخّر فكأنّك قلت: ما قام أحد إلّا زيد وعمرو، ثمّ قال: وهذا الوجه ضعيف جدّا.
المسألة الثانية: قال الشيخ: إذا عطفت على المستثنى المقدم المنصوب اسما؛ نصبت نحو: قام إلّا زيدا وعمرا القوم، ولا يجوز غير النّصب، فإن أخرت المعطوف بعد المستثنى منه فالاختيار النصب، نحو: قام إلّا زيد القوم وعمرا، ويجوز أن يرفع حملا على المعنى؛ لأنّ (قام إلّا زيدا القوم) في معنى: لم يقم زيد من القوم، فكما يجوز: لم يقم زيد من القوم وعمرو؛ كذلك جاز: قام إلّا زيدا القوم وعمرو 318. اه.
وإذا جاز الحمل على المعنى في هذه المسألة فجواز الحمل عليه في المسألة الّتي قبلها أولى.
قال ناظر الجيش: أي: لا يقال: قام القوم إلّا زيدا عمرا، بل إنّما يقال: قام القوم إلّا زيدا وعمرا؛ بالعطف، أو إلا زيدا إلّا عمرا، بحسب ما نريد من المعنى، على ما يأتي في الفصل بعده، وكذا إذا استثنيت بعد الأفعال المتعدّية إلى مفعولين، نحو: أعطيت، لا تقول: أعطيت الناس المال، إلّا عمرا الدنانير، أشار إلى منع ذلك ابن السّراج 319 قال: لأنّ حرف الاستثناء إنما يستثنى به واحد فتقول: أعطيت الناس دراهم إلّا عمرا، ثمّ قال: فإن قلت: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا -
الجزء: 5 - الصفحة: 2164
................................
دانقا 320، وأردت الاستثناء؛ لم يجز، فإن أردت البدل جاز، وأبدلت (عمرا) من (أحد) و (دانقا) من (دراهم) كأنّك قلت: ما أعطيت إلّا عمرا دانقا.
قال المصنف: حاصل كلامه - يعني ابن السراج - جواز أن يقال: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا دانقا، على أن يكون الاسمان اللّذان بعد (إلّا) بدلين، لا منصوبين على الاستثناء.
وفي هذا ضعف بيّن؛ لأنّ البدل في الاستثناء لا بدّ من اقترانه بـ (إلّا) فكان ذلك أشبه شيء بالمعطوف بحرف، فكما لا يقع بعد حرف معطوفان، كذلك لا يقع بعد حرف الاستثناء بدلان، فإن ورد ما يوهم ذلك قدّر ناصب للثاني 321 كما يقدّر خافض للثاني في نحو:
1710 - أكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد بالليل نارا 322
وفي منع المصنف ما أجازه ابن السراج من جعل الاسمين بعد (إلّا) في المثال المتقدم بدلين - نظر؛ فإنّ غاية مستنده في المنع أنّه شبهه بالمعطوف بحرف، كما تقدّم، وعلى تقدير تسليم هذا الشبه لا خلاف في صحة عطف اثنين بحرف واحد، بعد (أعطيت) وشبهه، مما يقتضي معمولين نحو: ما أعطيت أحدا درهما عمرا دانقا؛ لأنه يصحّ عطف معمولين على معمولين لعامل واحد، وإذا جاز العطف جاز البدل؛ لأنّه أسند منع البدل إلى عدم صحة العطف وقد تبيّن جوازه، والعطف الممتنع الّذي أشار إليه المصنف إنّما هو عطف معمولين على معمولي عاملين، كما -
الحديث: 1710 - الجزء: 5 - الصفحة: 2165
[استثناء النصف، وما هو أكثر]
قال ابن مالك: (ولا يمتنع استثناء النصف خلافا لبعض البصريين، ولا استثناء الأكثر وفاقا للكوفيين).
تبيّن ذلك من تمثيله بقول الشاعر:
1711 - أكلّ امرئ تحسبين امرأ................
البيت وليس هذا ممّا تقدّم في شيء، والّذي يظهر أنّ تعدّد البدل، وعدم تعدده إنّما هو بحسب ما يقتضيه العامل قبل (إلّا)، فإن اقتضى معمولا واحدا لم يجز أن يقع بعد (إلّا) بغير عطف إلّا بدل واحد، نحو: ما ضربت أحدا إلّا زيدا، وإن اقتضى معمولين جاز أن يقع البدلان منهما بعد (إلّا) كما تقدّم من قولهم: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا دانقا، ولا يحتاج إلى تقدير عامل للثاني، نعم إذا جاء مثل:
ما ضربت أحدا إلّا زيدا عمرا، تعيّن نصب الثاني بـ (ضرب) مقدرة، لعدم اقتضاء (ضربت) معمولين، وينبغي أن يكون من صور المسألة المتقدمة: ما ضرب أحدا إلّا عمرو خالدا، فيجعل (عمرو) بدلا من الفاعل، و (خالدا) بدلا من المفعول، وكذا ما أخذ أحد شيئا إلّا عمرو درهما، ونسبها الشيخ 323 إلى الفارسي، فـ (عمرو) بدل من الفاعل، و (درهم) بدل من المفعول، والمصنف يجعل الثاني معمولا لعامل مضمر كما تقدّم، وأمّا منع الاستثناء في مثل: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا دانقا [3/ 42] ففي النّفس منه شيء.
قال ناظر الجيش: اختلف النحاة في المخرج بالاستثناء: هل يكون أكثر من الباقي أو مساويا له بعد اتفاقهم على جواز أن يكون أقل من الباقي، وعلى منع كونه زائدا على المستثنى عن الباقي، وعلى منع كونه زائدا على المستثنى منه، أو مستغرقا له.
قال المصنف: اشترط بعض البصريين نقصان المخرج بالاستثناء عن الباقي 324 واشترط أكثرهم عدم الزيادة على الباقي، فلا يجوز على القولين عندي عشرة إلا ستة، ولا على الأول: عندي عشرة إلا خمسة، وهو على القول الثاني جائز، وكلاهما -
الحديث: 1711 - الجزء: 5 - الصفحة: 2166
................................
جائز عند الكوفيين 325 وهو الصحيح، وممن وافقهم ابن خروف 326. واستدلّ المصنف على استثناء الأكثر بقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ 327 قال: لأنّ من سفه نفسه أكثر ممن لم يسفه نفسه، فإنّ
المراد ب مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ المخالفون لملة إبراهيم، وهم أكثر من الذين تبعوها لأنّ القوم (الخاسرين) 328 هم غير المؤمنين، لقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا 329. واستدلّ ابن خروف بقوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ 330 قال: «فالقليل هو المستثنى وليس معلوم القدر، فأبدل منه النصف على جهة البيان لمقدار القليل، والضمير عائد إلى الليل، والمعنى: قم نصف الليل، والضمير في «منه) عائد إلى النصف وكذا الضمير في عليه فالتقدير: قم نصف الليل أو أقلّ منه أو أكثر منه، قال: فخرج من هذا أن المستثنى النصف، أو أقلّ منه أو أكثر، ولا محيص عنه.
انتهى.
وإدخال ابن خروف أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ في حيّز الاستثناء، وقوله: فخرج من هذا أنّ المستثنى أقلّ من النّصف أو أكثر، غير ظاهر؛ إذ ليس قوله تعالى: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ 331 من الاستثناء في شيء، وأمّا استدلاله على صحة استثناء النّصف بقوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ 332 فظاهر في المراد، وكذا ما تقدّم من أدلّة المصنف على صحّة استثناء الأكثر وقد أوّل المخالفون ذلك، أمّا: مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ 333 فجعلوه منقطعا، إذ ليس الكلام فيه 334. -
الجزء: 5 - الصفحة: 2167
................................
وأمّا فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ 335. فقال الشيخ: هذا مفرّغ ولم يذكر المستثنى منه، ولو صرّح به قدّر عامّا، أي: فلا يأمن مكر الله أحد.
وهذا الذي ذكره الشيخ لا يدفع استدلال المصنف فإنه لا بدّ من تقدير الإخراج وإن كان مفرّعا، والمخرج الْخاسِرُونَ وهم غير المؤمنين بالدليل الّذي ذكره.
أمّا قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا 336 نِصْفَهُ (2)؛ فالنّاس فيه أقوال:
أحدها: ما تقدّم عن ابن خروف وهو أنّ نِصْفَهُ بدل من قَلِيلًا وهو بدل شيء من شيء 337. الثاني: أنّه بدل منه كالأول، إلّا أنّه بدل بعض من كل، والضمير للقليل.
قال ابن عصفور: وجاز إن كان القليل مبهما؛ لأنّ القليل قد يعيّن بالعادة والفرق، أي ما يسمّى قليلا في العادة 338. الثالث: أنّه بدل من اللّيل بدل إضراب، قاله ابن الضائع 339. الرابع: أنّه مفعول بفعل يدل عليه المتقدّم، أي قم نصفه، إن شئت فليس النصف مستثنى، قاله الأبذي 340. الخامس: نقله الشيخ عن بعضهم، أنّه بدل بعض من كلّ قال: فيكون قد أمر بقيام نصف الليل، وقد عورض القول الأوّل بأنه يلزم منه إطلاق القليل على النّصف، ومثله يتوقف على نقل أهل اللّغة.
قال ابن عصفور: ويدلّ على بطلان أن يكون القليل هو النصف أنّ النّصف ليس بقليل، فمن قام نصف الليل لا يقال فيه: قام الليل إلّا قليلا 341.
وأمّا القول الثاني: فقد ردّه ابن الضّائع على ابن عصفور بأنّه أراد بتعيين القليل بالعادة أنّ العادة عينت شخصه، حتّى صار يقع على ثلث الليل مثلا فهو باطل، بل كلّ ما دون النصف قليل، فيقع على الثلث والربع والسدس إلى غير ذلك، وإن أراد خلاف ذلك، بل ما يقع عليه القليل، فلا فائدة كبيان بإبدال النّصف منه؛ لأنّ نصف الليل قليل أيضا 342. -
الجزء: 5 - الصفحة: 2168
[ما هو أولى بالاستثناء]
قال ابن مالك: (والسّابق بالاستثناء أولى من المتأخّر عند توسّط المستثنى، وإن تأخّر عنهما فالثّاني أولى مطلقا، وإن تقدّم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعا لفظا أو معنى وإن يكنه فهو أولى مطلقا إن لم يمنع مانع).
وأمّا القول الخامس: فقد ردّ بأنّه يؤدّي إلى أن يكون النصف الباقي بعد القليل من الليل وذلك مبهم وأمّا قول ابن الضّائع - وهو القول الثالث - فقريب منه قول الأبّذي: أنّه مفعول بفعل مضمر وإنّ التقدير قم نصفه، لسلامته من المعارضات الواردة على بقية الأقوال المذكورة، وهو يوافق قول ابن الضائع من حيث المعنى 343.
قال الشيخ: وما قاله - يعني الأبّذي - فيه نظر، وذلك أنّه قد أمره أولا بقيام الليل إلّا قليلا، فيكون أمرا بقيام أكثر الليل، وتقدير قم نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه، يقتضي أن يكون أمرا بقيام نصف الليل أو أقلّ منه، أو أزيد وهو مخالف للأمر الأول، فيلزم أن يكون ناسخا له، وليس كذلك؛ لأنّه متّصل به، وشرط النّاسخ أن يكون الخطاب الثّاني مرتخيا عن الأوّل، كما ثبت في أصول الفقه.
اه 344.
وما اعترض به على الأبذي غير ظاهر، قال الشيخ: إنّما يحكم به بعد تحقيق حكم الأول وثبوته، ولم يتحقّق الوجوب في قُمِ اللَّيْلَ؛ لمجيء نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ بعد ذلك، وهو قرينة صارفة الأمر الأول عن الوجوب، ويصير مقتضى الآية الكريمة على تقدير الأبّذي، إيجاب قيام الليل مع التّخيّر بين أربعة أشياء، قيام الليل إلّا القليل منه، والمراد أكثره، وقيام نصف الليل [3/ 43] وقيام النصف مع نقصان قليل منه، وقيام النصف مع زيادة قليل عليه 345.
قال ناظر الجيش: إذا ذكر المستثنى مع شيئين يمكن استثناؤه من كل منهما فقد يمتنع استثناؤه منهما معا وقد لا يمتنع.
أمّا القسم الأول: فأشار إليه بقوله: والسّابق أولى إن لم يمنع مانع.
وحاصله: -
الجزء: 5 - الصفحة: 2169
................................
أنّ المستثنى له أن يتوسط بينهما أو يتأخّر عنهما، أو يتقدّم عليهما، فإن توسّط فالاستثناء من السّابق أولى؛ لأنّ تأخّر المستثنى عن المستثنى منه هو الأصل، فلا يعدل عنه إلّا بدليل، فمن ذلك قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا 346 فالقليل مستثنى من الليل لا من النصف لما ذكرته 347، وإن تأخّر جعل الاستثناء من الأخير مطلقا أي فاعلا كان أو مفعولا مراعاة للقرب، نحو: غلب مائتي كافر مائة مؤمن إلّا اثنين، وغلب مائة مؤمن مائتي كافر إلّا اثنين 348. وإليه الإشارة بقوله: وإن تأخّر عنهما فالثّاني أولى مطلقا، وإن تقدّم ولم يكن أحدهما مرفوعا ولا في معنى مرفوع، فالاستثناء من الأوّل أولى؛ لأنّه أقرب، وذلك نحو: استبدلت إلا زيدا من أصحابنا بأصحابكم 349، فإن كان أحدهما مرفوعا فالاستثناء منه أولى وإن تأخّر، نحو: ضرب إلّا زيدا أصحابنا أصحابكم 350.
وكذا إن كان أحدهما مرفوعا في المعنى دون اللفظ نحو: ملكت إلا الأصاغر عبيدنا أبناءنا 351، وإلى هذا الإشارة بقوله: وإن تقدم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعا لفظا أو معنى وإن يكنه فهو أولى مطلقا.
ونبه بقوله: إن لم يمنع مانع على أنه قد يكون الأمر بخلاف ما قرره لمعارض وذلك نحو: طلق نساءهم الزيدون إلا الحبيبات، وأصبى الزيدين نساؤهم إلا ذوي النهى، ونحو: ضرب إلا هندا بنونا بناتنا، فترك القرينة اللفظية في هذه الأمثلة ونحوها لمنع المعنى من الحمل عليها 352.
الجزء: 5 - الصفحة: 2170
[تعدد المستثنى منه]
قال ابن مالك: (وإذا أمكن أن يشترك في حكم الاستثناء مع ما يليه غيره لم يقتصر عليه إن كان العامل واحدا وكذا إن كان غير واحد والمعمول واحد في المعنى).
قال ناظر الجيش: هذا إشارة إلى القسم الثاني: وهو الذي لا يمتنع فيه الاستثناء من شيئين معا، فـ (ما) في قوله: مع ما يليه بمعنى: الذي، والضمير المنصوب في يليه عائد عليها وكذا الضمير في (غيره) وفي (عليه)، وفاعل (يليه) عائد على الاستثناء، والتقدير: وإذا أمكن أن يشترك في حكم الاستثناء مع الذي يليه الاستثناء غير الذي وليه الاستثناء لم يقتصر عليه، بل يشاركه ما قبله.
وهذه العبارة تشمل ما يكون المذكور فيه مع المستثنى شيئين أو أكثر، ثم إنه إذا أمكن الاشتراك فقد لا يمنع من الحمل عليه مانع وقد يمنع منه مانع، وقد تعرّض المصنف لتمثيل القسمين فقال 353:
إذا ذكر شيئان أو أكثر والعامل واحد، فالاستثناء معلق بالجميع إن لم يمنع مانع نحو: اهجر بني فلان وبني فلان إلا من صلح، فـ (من صلح) مستثنى من الجميع؛ إذ لا موجب للاختصاص فلو ثبت موجب عمل بمقتضاه نحو: لا نحدث النساء ولا الرجال إلا زيدا، وقد تضمنت الأمرين آية المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ...
إلى: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ 354 فاشتملت على ما فيه مانع وهو وَما أُهِلَّ وما قبله، وعلى ما لا مانع فيه وهو ما بين (به) و (إلا) فـ ما ذَكَّيْتُمْ مستثنى من الخمسة إذا كانت تذكيته سبب موته.
انتهى كلامه فيما العامل فيه واحد.
قال الشيخ - بعد نقل كلام المصنف هذا -: وينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا كرر العامل لمجرد التوكيد نحو: اهجر بني فلان وبني فلان إلا من كان صالحا.
انتهى 355.
ثمّ قال المصنف - مشيرا إلى صحة الصورة الّتي يتعدّد العامل فيها -: ويتعلّق الاستثناء أيضا بالجميع إن كان قبله جملتان أو أكثر، والعامل غير واحد، والمعمول واحد في المعنى نحو قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ... 356 إلى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا 357. -
الجزء: 5 - الصفحة: 2171
................................
قال المصنف: واتفق العلماء على تعليق الشّرط بالجميع في نحو: لا تصحب زيدا ولا تزره، ولا تكلّمه إن ظلمني، واختلف في الاستثناء في نحو: لا تصحبه ولا تزره ولا تكلمه إلّا تائبا من الظّلم؛ فذهب مالك والشافعيّ إلى تساوي الاستثناء والشرط في التعليق بالجميع 358، وهو الصحيح؛ للإجماع على سدّ كلّ منهما مسدّ الآخر في نحو: اقتل الكافر إن لم يسلم، واقتله إلّا أن يسلم 359. انتهى كلامه.
وهذه المسألة - أعني التي يتعدّد فيها الاستثناء حملا - قد تكلّم عليها في أصول الفقه، وانتهت الأقوال إلى ستة؛ منها: القولان المشهوران: أحدهما: رجوع الاستثناء إلى الجميع، وهو رأي الشافعي.
والثاني: رجوعه إلى الجملة الأخيرة وهو رأي أبي حنيفة، وقيّد الأصوليّون الجمل بكونها معطوفة بالواو، ولم يتعرّض المصنف له وقيّد المصنف المعمول بكونه واحدا في المعنى، ولم يجعل أصحاب الأصول ذلك قيدا إلّا رأي منسوب لأبي الحسين في تفصيل نقلوه عنه في المسألة المذكورة وقد فرّق الأصوليون بين الاستثناء والشرط، بأنّ الشرط مقدّر التقديم، وإذا قدّر تقديمه انسحب حكمه على المذكور بعد، بخلاف الاستثناء، فلا يلزم عوده إلى جميع ما تقدّم، ونقل الشيخ عن المهاباذيّ 360، أنّه قال في شرح اللمع له:
إذا استثني من جمل مختلفة لم يكن المستثنى إلّا من الجملة التي تليه، نحو قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ 361 إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (4) فالّذين تابوا مستثنى من الفاسقين، لا غير.
وحمله على أنّه مستثنى من جميع الكلام خطأ ظاهر؛ لأنّه لا يجوز أن يكون معمولا لعاملين [3/ 44] مختلفين، ويستحيل ذلك، ولأنّك لو حملته على أنّه مستثنى من جميع ما قبله لصار تقدير الكلام: فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا 362. - - وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، فَاجْلِدُوهُمْ، وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً، وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
الجزء: 5 - الصفحة: 2172
[حكم تكرار «إلّا» للتوكيد]
قال ابن مالك: (فصل: تكرّر «إلّا» بعد المستثنى بها، توكيدا، فيبدل ما يليها ممّا يليه إن كان مغنيا عنه وإلّا عطف بالواو).
قال الشيخ: وإنّما أجاز المصنف أن يعود إلى الجميع لأنّ العامل عنده 363 إنّما هو (إلّا)، لا الأفعال السابقة المسلطة على المستثنى منهم 364. اه.
قال ناظر الجيش: يؤتى بـ (إلّا) بعد المستثنى بها لتوكيد (إلّا) الّتي قبلها، ولغير توكيد، بل لقصد الاستثناء، كما قصد بما قبلها، أمّا التي لغير توكيد فسيأتي الكلام عليها، وأما الّتي للتّوكيد فالمذكور بعدها إمّا أن يكون هو الأوّل في المعنى - أعني المذكور بعد «إلّا» الأولى - أو غيره إن كان هو الأول كان بدلا منه ولا احتياج إلى العطف بل لا يجوز، وذلك كقولك: ما مررت إلّا بأخيك إلّا زيد، تريد: ما مررت إلّا بأخيك زيد، فأكّدت (إلّا) الأولى بالثّانية، داخلة بين البدل والمبدل منه، ومثله أيضا: قام القوم إلّا زيدا إلّا أخاك، إن كان (زيد) هو الأخ.
ومنه قول الشاعر 365:
1712 - ما لك من شيخك إلّا عمله... إلّا رسيمه وإلّا رمله 366
لأنّ الرسيم والرمل ضربان من العدو، وكلاهما بدل من (عمله)، وهذا القسم الذي الثّاني فيه هو الأول، عبّر عنه المصنف بقوله: إن كان مغنيا عنه أي: إن كان ما يلي (إلّا) الثانية مغنيا عمّا يلي (إلّا) الأولى، وهو لا يغني عنه إلّا إن كان بمعناه، فلو قيل في الأمثلة المتقدّمة: ما مررت إلّا بزيد، وقام القوم إلّا أخاك، وما لك من شيخك إلّا رسيمه، وإلّا رمله؛ صحّ 367. قال المصنّف 368: وقد يكون مثل: إلّا رسيمه وإلّا رمله قول الفرزدق: -
الحديث: 1712 - الجزء: 5 - الصفحة: 2173
................................
1713 - ما بالمدينة دار غير واحدة... دار الخليفة إلّا دار مروانا 369
فظاهر كلامه أنّ (غير واحدة) استثناء وإنّ (دار مروان) بدل منه و (إلّا) تأكيد لـ (غير) الواقعة استثناء فهو من باب التّأكيد بالمرادف، وقد عدّوه من أقسام التأكيد اللّفظي، كقولهم: أنت بالخير حقيق، مقتضى هذا التقدير أنّ الدار الواحدة هي دار مروان، فكأنّه قال: ما بالمدينة دار إلّا دار مروان، لما تقدّم أنّ من شرط الحكم بالبدلية صحّة الاستغناء بالثّاني عن الأوّل، وكان الأصل ما بالمدينة دار إلّا واحدة إلّا دار مروان.
وفي قول المصنّف: وقد يكون مثل (إلّا رسيمه وإلّا رمله) قول الفرزدق، كذا وإنشاده البيت المذكور إشعار بأنّ البيت يحتمل وجها آخر وبأنّه قيل في غير ذلك، وقد قال سيبويه بعد إنشاده لحارثة بن بدر 370:
1714 - يا كعب صبرا على ما كان من حدث... يا كعب لم يبق منا غير أجلاد
إلّا بقيّة أنفاس نحشرجها... كراحل رائح أو باكر غاد 371
وحكم على (غير) في البيت الأوّل بأنّها بمنزلة (مثل) كأنّه قال: لم يبق منّا مثل أجساد إلّا بقية أنفاس، وعلى ذلك أنشد بعض النّاس هذا البيت رفعا للفرزدق:
ما بالمدينة دار...
البيت
ثمّ قال: جعلوا (غير) صفة بمنزلة (مثل) 372 فأشار سيبويه إلى أنّ غير واحدة ليست -
الحديث: 1713 - الجزء: 5 - الصفحة: 2174
................................ استثناء على هذا الإنشاد وهو الوجه الّذي قلنا: إنّ في عبارة المصنّف إشعارا باحتماله. وقال سيبويه - بعد ذلك -: ومن جعلها بمنزلة الاستثناء - يعني (غير) - لم يكن له بدّ من أن ينصب أحدهما 373 كأن يقول: لا يجوز رفعهما جميعا، على أنّ كلّا منهما بدل من المستثنى منه؛ لأنّه لا يبدل إلّا واحد كما يأتي تقريره، وإنما إذا أبدلت واحدا نصبت الآخر، والّذي قاله حقّ؛ لأنّه قصد أنّ «إلّا دار مروان» مقصود - في الأصل - بها معنى الاستثناء، كما يقصد بغير، وليس مقصودا بها التوكيد كما في مثل: ما مررت إلّا بأخيك إلّا زيد، وإنّما قلنا: إنّ مراده ذلك؛ لأن البيت المذكور أتى به في القسم الذي لم يقصد بـ (إلّا) الثانية فيه توكيد، بل قصد فيه الاستثناء، وإذا تقرّر هذا فلا منافاة بين قول المصنّف، وقد يكون مثل «إلا رسيمه وإلّا رمله» وقول الفرزدق: 1715 - ما بالمدينة دار... البيت وبين قول سيبويه: ومن جعلها بمنزلة الاستثناء لم يكن له بدّ من أن ينصب أحدهما 374؛ لأنّ المصنف وإن جعل غير واحدة استثناء لم يجعل (إلّا) في «إلا دار مروان» استثناء بل توكيدا لـ (غير) باعتبار تأولها بـ (إلّا) كما تقدّم، وما بعدها بدل من المستثنى لا من المستثنى منه 375، وأمّا سيبويه فلم يجعل (إلّا) في «إلا دار مروان» تأكيدا، بل أخذها على معنى الاستثناء وحيث أبدل إنما يبدل من المستثنى منه كما تقدّم. وهذان اعتباران صحيحان، وإن كان المذكور بعد (إلّا) التي للتوكيد غير الأول في المعنى كان معطوفا نحو: ما قام إلّا زيد وإلّا عمرو، وقام القوم إلّا زيدا وإلّا جعفرا، وإليه الإشارة بقوله: وإلّا عطف بالواو أي: وإلّا يكن الثّاني مغنيا عن الأول يعطف عليه، وتقييد العطف بالواو هنا يشعر بأنّ غيره لا يجوز والظاهر أنّه كذلك، وإن قيل بجواز وقوع غيرها من الحروف العاطفة ففيه نظر، وأنشد المصنف شاهدا على التكرار مع العطف 376: 1716 - وما الدّهر إلّا ليلة ونهارها... وإلّا طلوع الشمس ثمّ غيارها 377
الحديث: 1715 - الجزء: 5 - الصفحة: 2175
................................
وجعل الشيخ من هذا الضرب (وإلّا رمله) من البيت المتقدم قال: لأنّ قوله (وإلّا رمله) لا يغني عن قوله: (عمله)؛ لأنّ هذا من البدل [3/ 45] التّفصيليّ الّذي يجب في ثانيه الواو 378، نحو قوله:
1717 - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت 379
وهو بدل شيء من شيء إلا أنّه فصل، وأشار سيبويه إلى أنّه يجوز ترك العطف في مثل هذا، وإن كان الثّاني غير الأوّل، قال - بعد أن مثّل بـ (ما أتاني إلّا زيدا إلّا أبو عبد الله) -: على أنّ أبا عبد الله هو زيد، وقد يكون غير زيد على الغلط والنّسيان، كما يجوز أن يقول: رأيت زيدا عمرا؛ لأنّه إنّما أراد عمرا فنسي فتدارك 380. انتهى كلام سيبويه.
وهذا التأويل الّذي يذكره رجعت المسألة إلى القسم الأول وهو ما كان الثاني فيه هو الأول لكنّه على جهة الغلط، وإلى هذا الذي أشار إليه سيبويه جنح ابن عصفور في قول الشاعر:
1718 - أمّا قريش فلن تلقاهم أبدا... إلّا وهم خير من يحفى وينتعل
إلّا وهم جبل الله الذي قصرت... عنه الجبال فما ساواهم جبل 381
فجعل (إلّا) الثانية مع الجملة التي بعدها بدلا من (إلّا) الأولى، والجملة الّتي دخلت عليها وإن لم يتّحد معنى الجملتين على جهة الإضراب كأنه أضرب عن الأولى -
الحديث: 1717 - الجزء: 5 - الصفحة: 2176
[حكم تكرار «إلّا» لغير التوكيد ولا يمكن الاستثناء]
قال ابن مالك: (وإن كرّرت لغير توكيد، ولم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض شغل العامل ببعضها إن كان مفرّغا، ونصب ما سواه وإن لم يكن مفرّغا، فلجميعها النّصب إن تقدمت، وإن تأخّرت فلأحدهما ما له مفردا، وللبواقي النصب وحكمها في المعنى حكم المستثنى الأول).
إضراب انتقال لا إضراب إبطال.
قال الشيخ: ولا يتعين هنا الإضراب، بل يجوز أن يكون إبدالا صحيحا لا على جهة الغلط ولا على جهة الإضراب؛ لأنّ الوصف الثّاني هو الأول في المعنى؛ لأنّه أراد بذكر الوصف شرفهم على الناس 382. انتهى.
والذي قاله ظاهر ويصير المعنى به أبلغ، ثم ليعلم أنّ في عبارة المصنف في قوله:
تكرر (إلّا) بعد المستثنى بها توكيدا فيبدل ما يليها ممّا يليه إن كان مغنيا عنه وإلّا عطف بالواو - نظرا لأنّ ظاهرها أنّ الإبدال والعطف رتّبا على دخول (إلّا)، وليس كذلك بل الإبدال والعطف متصوّران أولا، ولمّا قصد التوكيد أتى بـ (إلّا) قبل البدل وقبل المعطوف، ولو قال: تكرّر (إلّا) مع البدل والمعطوف كان أوضح وأبين، وقد فهم من تقرير أنّ البدل والعطف متصوّران قبل دخول (إلّا)، أنّ دخولها جائز لا واجب فيجوز: ما مررت إلّا بأخيك زيد، وما قام إلّا زيد وعمرو، وهو الأصل، وفي قول المصنّف: تكرّر (إلّا) توكيدا إشعار أيضا بأنّها لا تتحتّم لأنّ التوكيد غير لازم.
قال ناظر الجيش: لمّا ذكر (إلّا) المأتي بها بعد المستثنى بها توكيدا شرع في ذكر (إلّا) المأتي بها لا لتوكيد؛ بل لقصد الاستثناء كما قصد بالأولى، وهذه - أعني المأتيّ بها مقصودا بها استثناء - إمّا أن يكون المستثنى بها بعضا لما قبلها وسيأتي، وإمّا أن يكون مباينا، وإليه الإشارة بقوله: ولم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض
وحينئذ إمّا أن يكون العامل المتقدّم مفرعا أو مشغولا وبتقدير كونه مشغولا إمّا أن يتأخّر المستثنى منه أو يتقدم، وبتقدير تقدّمه وتأخير المستثنيات عنه إمّا أن يكون موجبا أو غير موجب، فهذه أقسام أربعة: -
الجزء: 5 - الصفحة: 2177
................................
الأول: أن يكون العامل مفرغا فينشغل بأحد المستثنيين، أو المستثنيات وينصب ما سواه 383، نحو: ما قام إلّا زيد إلّا عمرا إلّا خالدا، وإليه الإشارة بقوله: شغل العامل ببعضها إن كان مفرغا ونصب ما سواه، وأفاد قوله: شغل ببعضها أنّه لا يتعين أحدهما لذلك، بل يجوز أن ينشغل العامل بالأول كما تقدّم، وبالآخر وبالمتوسّط، ونبّه المصنف - في الشّرح - على أنّ الأقرب أولى بذلك من غير الأقرب 384، وظاهر كلام سيبويه التسوية بين الأقرب وغيره؛ لأنّه قال - بعد أن مثّل بـ: (ما أتاني إلّا زيد إلّا عمرا) -: وإن شئت قلت: ما أتاني إلّا زيدا إلّا عمرو فأنت في ذا بالخيار 385.
وقد يفيد كلام سيبويه أولوية الأقرب من حيث إنه بدأ به في التمثيل.
وجوّز الشيخ في هذا القسم العطف بالواو داخلة على (إلّا) نحو: ما جاءني إلّا زيد وإلّا عمرو، ثمّ قال: ويجوز العطف بغير (إلّا) فتقول: ما جاءني إلّا زيد وعمرو 386، وفيما جوّزوه من دخول الواو على (إلا) نظر، فإن (إلّا) الثانية إذا كانت مقصودا بها الاستثناء لا يتّجه دخول العاطف عليها، وأيضا فإنّ: (ما جاءني إلّا زيد إلّا عمرا) العطف فيه ممتنع (4)، فكذلك ما هو بمعناه وكأنّه اشتبه عليه الأمر فظنّ أنّ (إلّا) التي يقصد بها الاستثناء كـ (إلّا) المأتيّ بها للتوكيد، وليس كذلك، فإنّ العطف مع المؤكدة هو الأصل كما تقدّم 387، و (إلّا) أتي بها للتّوكيد ولهذا يجوز سقوطها.
وأمّا (إلّا) المقصود بها الاستثناء فليس العطف بها مقصودا أصلا، ولو قصد لم يفرّق بينها وبين المؤكّدة، ويبطل التقسيم المذكور في الفصل، وأيضا فمعنى (إلّا) مقصود إذا كانت للاستثناء، وليس لها معنى مقصودا مع العطف له إلّا التوكيد، وقد تقدّم عند الكلام على عامل الاستثناء الفرق بين:
قام القوم إلّا زيدا إلّا عمرا، وقام القوم إلّا زيدا وإلّا عمرا، فأغنى عن الإعادة.
وأمّا تجويز الشيخ أيضا العطف بغير (إلّا) في: ما جاءني إلا زيد وعمرو، فهذا إبطال الصورة المسألة كليّة، وكيف يجوز ترك (إلّا) والمقصود بها الاستثناء، وإلى ما له -
الجزء: 5 - الصفحة: 2178
................................
على ذلك الاشتباه بالتوكيد كما تقدّم 388
القسم الثاني: [3/ 46] أن يكون العامل مشغولا بالمستثنى منه وهو متأخّر عن المستثنيات فيستحقّ النّصب، نحو: ما قام إلّا زيدا إلّا عمرا إلّا خالدا أحد، وإليه الإشارة بقوله: إن لم يكن مفرغا فلجميعها النصب إن تقدمت.
وأنشد سيبويه قول الكميت:
1719 - فما لي إلّا الله لا ربّ غيره... وما لي إلّا الله غيرك ناصر 389
قال سيبويه: و (غيرك) بمنزلة (إلّا زيدا) 390.
القسم الثالث: أن يتقدّم المستثنى منه على المستثنيات مع كون العامل مشغولا، والكلام موجب، وحكمها النّصب كالقسم الّذي قبله نحو: جاء القوم إلّا زيدا إلّا عمرا إلّا خالدا، والفرق بين هذا وما تقدّم من: قام القوم إلّا زيدا وإلّا عمرا - أنّنا فيهما أخرجنا زيدا وعمرا من القوم معا ولم يقصد بـ (إلّا) الثانية استثناء، بل هي للتوكيد كما تقدّم وأمّا في هذا المثال فإنّنا أخرجنا عمرا من قوم ليس زيد منهم، ثمّ خالدا من قوم ليس منهم زيد ولا عمرو.
والقسم الرابع: أن يكون الثالث إلّا أنّ الكلام غير موجب، نحو: ما أتاني أحد إلّا زيد إلّا عمرا وإلّا بكرا، فلواحد منها النصب على الاستثناء والإتباع، وللبواقي النصب 391، وقد علم حكم القسمين المذكورين من قوله: «وإن تأخّرت فلأحدهما ما له مفردا، وللبواقي النصب، ومع تقرير ما تقدّم لا يخفى الحكم إذا تقدّم بعض المستثنيات على المستثنى منه وتأخّر البعض، وأشار المصنف بقوله: وحكمها في المعنى -
الحديث: 1719 - الجزء: 5 - الصفحة: 2179
[تكرار «إلّا» مع إمكان الاستثناء]
قال ابن مالك: (وإن أمكن استثناء بعضها من بعض استثني كلّ من مثلوّه، وجعل كلّ وتر خارجا، وكل شفع داخلا، وما اجتمع فهو الحاصل، وكذا الحكم في نحو: له عشرة إلّا ثلاثة إلّا أربعة خلافا لمن يخرج الأول والثاني، وإن قدّر المستثنى الأول صفة لم يعتدّ به وجعل الثاني أولا) 392.
- حكم المستثنى الأول إلى أنّ ما بعد (إلّا)، وليس من هذا النوع مساو له في الدخول إن كان الاستثناء من غير موجب، وفي الخروج إن كان من موجب.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على المباين ما قبله في الاستثناء المتكرر شرع في ذكر المستثنيات التي كل منها بعض ممّا قبله نحو: له عشرة إلا أربعة إلّا ثلاثة إلّا اثنين، وأشار المصنف إلى أنّ الحكم في ذلك استثناء كلّ من متلوه، أي من الّذي قبله، فالأربعة مستثناة من العشرة والثلاثة مستثناة من الأربعة، والاثنان مستثنيان من الثلاثة، وذكر الشيخ أنّ في المسألة أربعة مذاهب 393: أحدها: ما ذكره المصنف، قال: وهو مذهب أهل البصرة والكسائي 394. والثاني: أنّ المستثنيات كلّها راجعة إلى الاسم المستثنى منه، فعلى هذا تخرج الأربعة والثلاثة والاثنان في المثال المذكور من العشرة، قال: وإلى هذا ذهب أبو يوسف القاضي 395. الثالث: أنّ الاستثناء الباقي منقطع فإذا قال: له عشرة إلّا ثلاثة إلا اثنين لزمه تسعة كما يلزمه على المذهب الأول، لكنّ التخريج مختلف؛ لأنّه في المذهب الأول أخرجت الثلاثة من العشرة، ثمّ أخرج من الثلاثة اثنان، وأما على المذهب الثاني فإنّه أخرج الثلاثة من العشرة فبقي سبعة، وجعل الاثنين منقطعا كأنّه قال: سوى الاثنين اللذين له فإنّهما عندي، قال: وهو مذهب الفراء 396. ولا أدري ما يقول الفرّاء إذا -
الجزء: 5 - الصفحة: 2180
................................
زادت المستثنيات على اثنين وثلاثة كالمثال المتقدم أوّلا 397.
المذهب الرابع: جواز الأمرين المذكورين في المذهب الأوّل والثاني دون تحتم أحدهما والأظهر من هذه المذاهب أولها ولم يذكر المصنف غيره، ثمّ الطريق في.
معرفة قدر المخرج وقدر ما بقي بعد الإخراج أن يخرج الأول والثالث وما أشبهها في الوترية.
ويدخل الثاني والرابع وما أشبهها في الشفعية، فمجموع الأوتار مخرج، ومجموع الأشفاع داخل، فالمخرج في المثال المتقدم الأربعة؛ لأنّها أول المستثنيات فهي وتر، فصار الباقي ستة، والداخل الثلاثة؛ لأنّها ثاني المستثنيات فهي شفع، فصارت الستة تسعة والمخرج أيضا اثنان؛ لأنها ثالثة المستثنيات فهي وتر، فصار الباقي سبعة ومثّل المصنف بقوله: عندي مائة إلّا خمسين إلّا عشرين إلّا خمسة، قال: فالباقي بعد الاستثناء في المثال المذكور بالعمل المذكور خمسة وستون (2) لأنّا أخرجنا من المائة خمسين لوتريتها، وأدخلنا عشرين لشفعيتها فصار الباقي سبعين، ثم أخرجنا العشرة لوتريتها فصار الباقي ستين، ثم أدخلنا الخمسة لشفعيتها فصار الباقي خمسة وستين ثم قال: وما زاد من المستثنيات عومل بهذه المعاملة 398 وإلى هذا أشار بقوله: وجعل كلّ وتر خارجا وكلّ شفع داخلا، وما اجتمع فهو الحاصل.
ومن أمثلة هذه المسألة: له عشرة إلا تسعة إلا ثمانية وهكذا على الترتيب إلى: إلّا واحدا والباقي في هذه الصورة بعد المخرج خمسة، بالطريق الّتي تقدمت، وبطريقة أخرى أسهل من الأولى، وهي أن تضم الأشفاع إلى المستثنى منه، وتحفظ جملة ذلك ثمّ تضم الأوتار، حافظا جملتها ثمّ تسقط مجموع الأوتار من المحفوظ فهو الحاصل، فتضم في هذا المثال إلى العشرة ثمانية، وستة، وأربعة، واثنين، فتصير الجملة ثلاثين، وتضم الأوتار وهي التسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد، فتصير الجملة خمسة وعشرين تسقطها من الجملة الأولى يبقى بعد ذلك خمسة، وهو المطلوب على مقتضى الطريقة الأولى، قال الشيخ - بعد أن مثّل بهذا المثال -: وهذا يخرج - - والارتشاف (623)، وحاشية الصبان (2/ 153)، ومبسوط الأحكام للتبريزي (3/ 932).
الجزء: 5 - الصفحة: 2181
................................
على جواز الأكثر وأمّا من لم يجزه ففي ذلك وجهان: أحدهما: بطلان الاستثناء جميعه؛ لأنّ الأول بطل كونه أكثر، فبطل ما تفرع عليه، والثاني: أنه يبطل الأكثر إلى أن يصل إلى النصف فيصح، ثم يجرى الحكم المذكور في الباقي، نظير ما تقدم قال: ويخرج أيضا على مذهب من أجاز الاستثناء من العدد وفيه مذاهب، كما تقدّم 399. انتهى.
وكان قدّم في شرحه الكلام على هذه المسألة حيث تكلّم على شرح الحد الّذي ذكره المصنف للمستثنى وفي ذلك ثلاثة مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقا، قال: وهو اختيار ابن الضائع 400. وثانيها: المنع مطلقا وهو اختيار ابن عصفور 401. وثالثها: التفصيل بين أن يكون المستثنى عقدا فلا يجوز نحو: له عندي مائة (إلّا عشرة) أو غير عقد فيجوز نحو: له عندي عشرة إلّا اثنين.
ويرد المذهب المذكور قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً 402؛ فإنّ المستثنى فيه عقد وتمسك بهذه الآية الكريمة من أجاز الاستثناء من العدد مطلقا وهو متمسّك قوي، وقال ابن عصفور - محتجّا على عدم الجواز على الإطلاق -:
إنّما العدد نصوص.
فلا يجوز أن ترد إلّا على ما وضعت، فكما لا يجوز أن يخرج عن النّص في غير الاستثناء، فكذلك في الاستثناء، قال: إلّا إن كان اسم العدد قد أخرج عن النصيّة، إلى أن صار ممّا يكثر به ولا يراد به ظاهره، فيصير إذ ذاك ظاهرا في العدد فيجوز أن يستثنى منه؛ لأنّه صار كسائر الظواهر التي يستثنى منها، وقال: وعليه قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً إذ لو لم يستثن -
الجزء: 5 - الصفحة: 2182
................................
لجاز أن يراد بألف سنة الزمن الطويل لأنّ الألف والمائة والسبعين مما يستعمل للتكثير 403.
وقال ابن الضائع 404 - ردّا على ابن عصفور في قوله: أسماء العدد نصوص -: نعم ما لم تقترن بها قرينة تزيل نصّيتها، وقد سلم ذلك في الأعداد التي يراد بها التّكثير، قال:
ثمّ الآية دليل عليه، فإن لم يرد بها التكثير، فقد أوقع الألف على ما دونه، فإن قال:
لمّا كان العدد الكثير قد صار غير نصّ، لكونه يستعمل ولا يراد به تحقيق العدد قلت:
ما من عدد إلّا ويتصوّر فيه التّكثير، بالنّظر إلى ما دونه مثل أن يقول القائل: قد رأيتك عشر مرّات، قاصدا بذلك التكثير، قال: ثمّ النحويون يجمعون على جواز: عندي عشرة إلّا واحدا إلّا ثلاثة، وإنمّا اختلفوا في المقرّ به فزعم الأكثرون أنّه إقرار بستّة، وزعم آخرون أنه باثني عشرة.
انتهى ردّ ابن الضّائع على ابن عصفور.
وقد ردّ الشّيخ 405 كلام ابن الضائع هذا، وقوّى اختيار ابن عصفور من جهة الدّليل، وقال: لا يكاد يوجد استثناء من عدد في شيء من كلام العرب إلّا في الآية الكريمة 406 لمّا كانت الألف ممّا يكثر به وأشار المصنف بقوله: وكذا الحكم في نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلّا أربعة، إلى ما نقله عن السيرافي من قوله: فإن كان بعض المستثنيات أكثر من الّذي قبله، نحو: له عشرة إلّا ثلاثة إلّا أربعة، فالسيرافي يستثني الثلاثة ويزيد على السبعة الباقية: إلّا أربعة، فيكون المقرّ به أحد عشرة، وغير الفرّاء يستثنى من العشرة إلّا أربعة بعد استثناء الثلاثة فيكون المقر به ثلاثة 407.
قال المصنف - بعد نقل هذا الكلام -: وقول الفراء عندي هو الصحيح فإنّه جاز على القاعدة السابقة أعني: جعل الاستثناء الأول إخراجا والثاني إدخالا 408. انتهى.
وما اختاره غير ظاهر فإنّه قرّر أنّ من شرط إخراج الأوّل وإدخال الثّاني صحّة استثناء كلّ من الذي قبله، والشرط المذكور مفقود ههنا فتعيّن إخراج الثّلاثة والأربعة من العشرة كما تعيّن إخراج زيد وعمرو من القوم، في
قولنا: قام القوم إلّا -
الجزء: 5 - الصفحة: 2183
................................
زيدا إلا عمرا.
قال الشيخ - في مسألة العدد -: فـ إخراج كليهما من الأوّل مذهب أكثر النحويّين 409. انتهى.
ثمّ إنّ الفرّاء ليس مستنده في إدخال الأربعة في المثال المتقدم ما ذكره المصنّف، من أنّ القاعدة جعل الاستثناء الأول إخراجا، والثّاني إدخالا، بل مستنده أنّ الأربعة استثناء منقطع، كأنّه قال: عندي عشرة إلّا ثلاثة سوى الأربعة التي له عندي، كما تقدّم أنّ مذهبه حمل الاستثناء الثّاني على الانقطاع في مثل: له عشرة إلّا ثلاثة إلّا اثنين وإذا كان يحمل الاثنين على الانقطاع مع إمكان استثنائه ممّا قبله، فحمله (إلّا أربعة) بعد (إلّا ثلاثة) عليه أولى لعدم إمكان استثنائه ممّا قبله، ويمكن في مثل: عندي عشرة إلّا ثلاثة إلّأ أربعة 410 قول ثالث، غير القولين المتقدمين، وهو أن يحكم ببطلان الاستثناء الثاني وهو الأربعة؛ لأنّ القاعدة - كما ذكر المصنف - استثناء كلّ ممّا قبله والاستثناء الزائد على المستثنى منه والمستغرق له باطل فيكون المقرّ به على هذا سبعة، وقال المصنف - بعد الكلام على مسألة الفراء -: وهذا - يعني القول بإخراج الأوّل والثاني معا من الأوّل - إنّما يكون إذا لم يكن المستثنى الثّاني بعض المستثنى الأول - كما في مسألة العدد، فأمّا إن كان بعضه نحو: قام القوم إلّا إخوتك إلّا زيدا، وزيد بعض الإخوة فأخرجه من الإخوة، فيلزم أن يكون قام، ولا يجوز أن يكون مستثنى مع الإخوة؛ لأنّ الإخوة تشمله، فلم يحتج لتخصيصه.
انتهى.
قال المصنف [3/ 48] ونبهت بقولي: وإن قدّر المستثنى الأول صفة لم يعتدّ به، وجعل الثاني أولا على أنّ المتكلم بذلك المثال - يعني المثال المتقدم في كلامه وهو:
عندي مائة إلّا خمسون إلّا عشرين إلا عشرة إلّا خمسة - يجعل (إلّا) الأولى وما وليها مقصودا بها الوصف لا
الاستثناء، كما في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 411. فعلى هذا التقدير يكون (إلّا) الأولى وما بعدها في حكم المسكوت عنه، ويكون المستثنى الأوّل (عشرين) فكأنّه قال: عندي مائة إلّا -
الجزء: 5 - الصفحة: 2184
[«إلا» الموصوف بها]
قال ابن مالك: (فصل: تؤول «إلّا» بـ «غير» فيوصف بها، وبتاليها جمع، أو شبهه، منكر، أو معرّف بأداة جنسية، ولا تكون كذلك دون متبوع، ولا حيث لا يصلح الاستثناء).
عشرين إلّا عشرة إلّا خمسة، فالعشرين خارجة من المائة فتصير ثمانين، والعشرة داخلة فتصير تسعين، والخمسة خارجة فالباقي إذا خمسة وثمانون 412. انتهى.
وعلى هذا قال ابن السّرّاج: إذا قلت: عندي مائة إلّا اثنين كان الإقرار بثمانية وتسعين، وإذا قلت: إلّا درهمان، فجعلت (إلّا) وما بعدها صفة كان الإقرار بمائة؛ لأنّ المعنى: مائة غير درهمين، وهذا واضح، وعلى هذا ترفع الخمسين في المثال المتقدّم عند قصد الصّفة، فتقول: عندي مائة إلّا خمسون إلّا عشرين إلى آخره.
ولم يحتج المصنف إلى التنبيه عليه لوضوحه وكأنّه قال: وإن قدّر المستثنى الأوّل صفة جرت عليه أحكام الصّفة، وتوهم الشيخ أنّ المثال أن: له عندي مائة إلّا عشرين إلا عشرة، إلّا خمسة، فيكون (إلّا عشرين) صفة على زعمه، ثمّ ردّ على المصنف قوله: فالعشرون خارجة من المائة وقال: قوله: إنها خارجة... إلى آخره - ليس بصحيح؛ لأنّ (العشرين) صفة فليست مخرجة من المائة 413، وغاب عنه أنّ المصنف قصد المثال الّذي تقدّم أولا، وهو مائة إلّا خمسين، إلّا عشرين.
وقد قال المصنّف: على أنّ المتكلم بذلك المثال، فأشار إليه فمراده بالمستثنى الأول الّذي تقدّره صفة (إلّا خمسين)، والخمسون غير مخرجة، ولهذا قال: ويكون المستثنى الأول (عشرين)، ثمّ أوضح ذلك بقوله: فكأنّه قال: عندي مائة إلّا عشرين إلّا كذا؛ فبيّن أنّ الخمسين في حكم المسكوت عنه، إذا جعلته صفة، وهذا
(الكلام) 414 واضح سديد.
قال ناظر الجيش: الأصل في (غير) الوصفية، والأصل في (إلّا) الاستثناء 415، -
الجزء: 5 - الصفحة: 2185
................................
ويجوز حمل كلّ واحدة منهما على الأخرى، فيما هي أصل فيه، وسبب الحمل أنّ ما بعد كلّ منهما مغاير لما قبلها، إلّا أنّ وقوع (غير) موقع (إلّا) كثير، ووقوع (إلّا) موقع (غير) قليل، وسببه أنّ (غير) اسم، وتصرّفهم في الأسماء أكثر من تصرفهم في الحروف، على أنّ الوصف لا يكون بـ (إلّا) وحدها، بل بـ (إلّا) وما بعدها.
ولهذا قال المصنف: تؤوّل (إلّا) بـ (غير) فيوصف بها وبتاليها، وقد أشار سيبويه لذلك فقال: هذا باب ما يكون فيه (إلّا) وما بعدها وصفا 416، فجعل المجموع هو الوصف، وهو الحقّ.
قال المصنف: ولأصالة (غير) في الوصفية جاز أن يوصف بها جمع، وشبه جمع، وما ليس جمعا، ولا شبه جمع كقولك: جاء رجال غير زيد، وقول الشاعر:
1720 - فكفى بنا فضلا على من غيرنا... حبّ النّبيّ محمّد إيّانا 417
ورجل غيرك أحبّ إليّ.
ولأصالتها «أيضا» 418 في الوصفية جاز أن يحذف الموصوف بها، ولا يوصف بها إلّا جمع، أو شبه جمع، ولا يجوز حذف الموصوف بها وإقامتها مقامه، وقيّد الجمع بكونه منكرا، أو معرفا بأداة جنسية، فمثال الجمع المنكّر: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 419 فـ إِلَّا اللَّهُ صفة لـ آلِهَةٌ 420، ومثال الجمع المعرّف بالأداة الجنسية قول الشاعر: -
الحديث: 1720 - الجزء: 5 - الصفحة: 2186
................................
1721 - أنيخت فألقت بلدة بعد بلدة... قليل بها الأصوات إلّا بغامها 421
أي: الأصوات غير بغامها، وقول الآخر 422:
1722 - ويوم الحول إذ حشرت معدّ... وكان الناس إلا نحن دينا 423
أي: وكان النّاس المغايرون لنا دينا، ومثال شبه الجمع قول الشّاعر: أنشده سيبويه:
1723 - لو كان غيري سليمى الدهر غيره... وقع الحوادث إلّا الصّارم الذّكر 424
قال سيبويه: كأنّه قال: لو كان غيري غير الصارم الذكر لغيره، وقع الحوادث، إذا جعلت «غير» الآخرة صفة للأولى، فالمعنى أنّه أراد أن يخبر أنّ الصّارم الذكر لا يغيره شيء 425. انتهى، ويمكن أن يكون من أمثلة شبه الجمع: ما أتاني أحد إلّا زيد، قال سيبويه - بعد أن مثّل به -: فأنت بالخيار، وإن سميت جعلت (إلّا زيد) بدلا، وإن شئت جعلته صفة.
انتهى.
وقوله: جعلت (إلّا زيد) بدلا - فيه تجوّز، فإنّ البدل إنّما هو (زيد) وحده، لا (إلّا زيد) ومستغنى عنه لوضوحه، ولم يمثل المصنف لشبه الجمع معرفا بالأداة، -
الحديث: 1721 - الجزء: 5 - الصفحة: 2187
................................
وإن انطوى كلامه في المتن عليه - ويظهر أن قوله: «منكّر»، أو معرّف بأداة جنسية، تقسيم للجمع، لا لشبه الجمع، ولمّا مثّل بما تقدّم من قول الشّاعر:
1724 - لو كان غيري...
قال: ومن وقوعها صفة لشبه الجمع المنكّر معنى، الشبيه بالمعرفة لفظا قول الشّاعر:...
وأنشد البيت المذكور، فأمّا كون إِلَّا في الآية الكريمة صفة آلِهَةٌ فهو رأي الأكثرين، وهو قول سيبويه 426، والأخفش 427.
قال المصنف 428: ومعنى الصفة - في هذا الباب - التّوكيد لا التّخصيص، فلا فرق بين ثبوتها، وسقوطها، ولذلك إذا قال المقرّ: له عندي عشرة إلّا درهم، حكم عليه بعشرة كاملة، ولا يجوز جعل ما بعد (إلّا) في الآية الكريمة بدلا [3/ 49] ممّا قبلها؛ لأنّ شرط البدل في الاستثناء صحة الاستغناء به عن الأول، وذلك ممتنع بعد (لو) كما يمتنع بعد (أن)؛ لأنهما حرفا شرط، والكلام معهما موجب؛ ولذا قال سيبويه: لو قلت: لو كان معنا إلّا زيد لهلكنا، لكنت قد أجلت 429، أي: أتيت بممنوع، فصحّ.
يقول سيبويه 430: إنّ (لولا) تفرّغ العامل الّذي بعدها لما بعد (إلّا) كما فرّغ بعد النّفي، وإذا لم يصحّ التفريغ امتنع البدل، لما تقدّم.
قال المصنف 431: وكلام المبرد في المقتضب مثل كلام سيبويه وكلام الأخفش أعني أنّ التفريغ والبدل بعد (لو) غير جائز، وذكر ابن السرّاج عن المبرد أنّه قال:
لو كان معنا إلّا زيد أجود كلام، وأحسنه 432 فيجوز التفريغ، ومقتضاه جواز البدل، وتجويز الأمرين منقول عنه،
ومستند القائل بجواز البدلية، أمّا المبرّد، أو غيره أنّ ما يدلّ عليه (لو) من الامتناع شبيه بالنّفي، ومعنى: لَوْ كانَ فِيهِما -
الحديث: 1724 - الجزء: 5 - الصفحة: 2188
................................
آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ 433: ما فيهما آلهة إلّا الله، فما كان معناه معنى النّفي جرى في البدل مجراه، وقد ردّ القول بالبدلية بأوجه:
أحدها: أنّه لو كانت (لو) بذلك مستحقة لتفريغ ما يليها من العوامل، لكانت مستحقة بغير ذلك، ممّا يختصّ بحروف النّفي، كزيادة (من) في معمول ما يليها، وإعماله في (أحد)، و (غريب)، ونحوهما، وكنصب جواب مقرون بالفاء.
الثاني: أنّه لا يجري النّفي المعنوي مجرى النفي اللفظيّ، ألا ترى أنّك تقول:
أتى القوم إلّا زيدا، بالنصب، ليس إلّا، ولو كان النفي المعنوي كاللفظيّ لجاز: أتى القوم إلّا زيد، وكان المختار، وههنا أولى؛ لأنّ النفي محقّق، غير مقدّر فيه إثبات، وفي (لو) يقدّر فيما بعدها الإثبات، وإنّما قدّر فيه النّفي لمّا كان الإثبات تقديرا.
الثالث: أنّه لو كان على البدل لكان معناه معنى الاستثناء، ولو كان معناه معنى الاستثناء لجاز: «إلّا الله» بالنصب، ولا يستقيم المعنى؛ لأنّ الاستثناء إذا سكت عنه دخل ما بعده فيما قبله، ألا ترى أنّك لا تقول: جاءني رجال إلّا زيد، فكذلك لا يستقيم: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ، وقد نصّوا على أنّه لا يكون المخرج منه في الاستثناء إلّا مختصّا، وممّا يدل أيضا على أنّه ليس بمعنى الاستثناء أنّه لو كان النصب على الاستثناء، لكان المعنى - إذ ذاك - لو كان فيهما آلهة، ولم يكن الله في تلك الآلهة لفسدتا، وهو غير مستقيم؛ لأنّه يلزم عنه لو كان فيهما آلهة فيها الله لم تفسدا،
وذلك باطل.
قال السيرافي - شارحا لقول سيبويه -: لكنت قد أحلت لأنّه يصير المعنى:
لو كان معنا إلّا زيد لهلكنا؛ لأنّ البدل بعد إلّا في الاستثناء موجب، قال: وكذا لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، ولو كان على البدل لكان التقدير: لو كان فيهما الله لفسدتا، وهذا فاسد 434. انتهى، وفيه نظر وممّا وقعت فيه (إلّا) مع ما بعدها وصفا بيت ذي الرّمة المتقدّم، وهو من إنشادات سيبويه 435. قال سيبويه كأنّه -
الجزء: 5 - الصفحة: 2189
................................
قال: قليل بها الأصوات، غير بغامها، إذا كانت غير استثناء، قال سيبويه: ومثل ذلك قول الله عز وجل: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ 436، يعني في وقوع (غير) صفة لما فيه ألف ولام، فإن رفع كان صفة لـ (القعدون) وإن جرّ كان صفة لـ (المؤمنين.)
قال المصنف 437: ولا يصحّ جعل (غير) في الآية الكريمة بدلا؛ لأنّه لا يستغنى به عمّا قبله، ومن وصف ذي الألف واللام أيضا بـ (غير) قول لبيد:
1725 - وإذا أقرضت قرضا فأجزه... إنّما يجزي الفتى غير الجمل 438
قال السيرافي: وأمّا قول الشّاعر:
1726 - قليل بها الأصوات إلّا بغامها 439
ففيه وجهان: أحدهما: ما قاله سيبويه، ومقتضاه، أنّه أثبت بها أصواتا قليلة، وجعل: (إلّا بغامها) نعتا للأصوات.
والوجه الثاني: يكون (قليل) بمعنى النّفي، كأنّه قال: ما بها أصوات إلّا -
الحديث: 1725 - الجزء: 5 - الصفحة: 2190
................................
بغامها، وهو استثناء، وبدل صحيح، كما يقول: أقل رجل يقول ذلك إلّا زيد 440.
ورّدّ الشّلوبين البدل ههنا، وقال: لا يتصوّر؛ لأنّه يؤول إلى التّفريغ، وهو فاسد.
ألا ترى أنّه لم يرد أن يقول: ما بها إلّا بغامها، وكيف يقول ذلك وبها القليل، والراحلة، ورحلها، وغير ذلك، وإنّما أراد ما بها صوت مغاير لبغامها، و (قليل بها الأصوات) في معنى النّفي 441.
قال المصنف: عند نهاية الكلام على الشروط المعتبرة في الوصف بـ (إلّا) والحاصل أنّ (إلّا) لا يوصف بها مفرد محض، ولا يجوز: جاء الرجال إلّا زيد، على أن يكون (الرجال) معهودين؛ لأنّ معرفتهم حينئذ محضة، فلو قصد الجنس لم يمتنع وصفهم بـ (إلّا)، كما لا يمتنع وصفهم بـ (غير) 442، كقوله تعالى:
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ 443. انتهى، وبقي عليه أن يذكر مثالا ثالثا، لا يصح فيه الاستثناء، كما ذكر مثال المفرد المحض، والمعرّف تعريفا محضا، إلّا أنّه يكون استغنى عن ذلك بالتمثيل بـ: (قام رجل إلّا زيد)؛ لأنّه لا يصلح للاستثناء منه، لكونه مفردا، وقد تضمن كلام المصنف في الشرح 444 اشتراط أمور في وقوع (إلّا) مع ما بعدها وصفا:
الأمر الأول: أن يكون الموصوف بها جمعا، أو شبه جمع، كما تقدّم تمثيله، ووافق في ذلك ابن السراج، فإنّه قال: لا تكون (إلّا) وصفا، إلّا بعد جماعة أو واحد في معنى الجماعة 445، ولا يظهر من كلام سيبويه اشتراط ذلك، فإنّه مثّل المسألة بقوله: لو كان معنا رجل إلّا زيد لغلبنا 446، فجعل (إلّا زيد) وصفا لـ (رجل)، مع أنّه ليس جمعا، ولا شبه
جمع؛ إذ لا عموم له، ولا يمتنع من جهة الدليل وقوع (إلّا) وصفا للمفرد المحض؛ لأنّه إذا ثبت حمل (إلّا) على (غير) في الوصف بها، لم يكن لغير المفرد خصوصة بذلك [3/ 50] على المفرد، ووقوعها صفة له لا يدفع أصالة (غير) في الوصفية، فإنّ الأصالة قد تتميز بغير ذلك، كما سيأتي.
-
الجزء: 5 - الصفحة: 2191
................................
الأمر الثاني: أن يكون الجمع المذكور منكّرا، أو معرّفا بأداة جنسيّة، ونقل المصنف عن المبرد أنّه قال: لا يوصف بـ (إلّا) إلّا ما يوصف بـ (مثل) و (غير) وذلك النكرة والمعرفة التي بالألف واللام على غير نحو: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وقد أمرّ بالرجل غيرك، فيكرمني 447. ونقل الشيخ عن الأخفش قريبا من هذا 448، وللنحويين في ذلك اضطراب: فمنهم من قال: لا يوصف بـ «إلّا» وما بعدها، إلّا النكرة خاصة (3)، ومنهم من زاد المعرّف بالأداة الجنسية، كما هو رأي المصنف 449، ومنهم من فصّل فقال: إن كان ما بعد (إلّا) معرفة، جرت على النكرة وعلى المعرفة، وإن كان ما بعدها نكرة، جرت على النكرة، لا المعرفة، ومنهم من أطلق القول في ذلك، فأجاز أن يقع صفة للنكرة والمعرفة، ولم يقيدها بالأداة الجنسية، وهو ظاهر من قول سيبويه، حتّى أنّهم أجازوا أن يقع صفة للضمير أيضا، وأنشد عليه قول الشاعر:
1727 - وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلّا النؤي والوتد 450
فـ (إلّا النّؤي، والوتد) صفة للضمير المستكنّ في (تغيّر)، ومنهم من ادّعى أنّها عطف بيان في هذا البيت؛ لأنّه قد تقرّر أنّ الضّمائر لا تنعت، وقد تقدّم الكلام على هذا البيت، وأنّه من قبيل المفرغ، بتأويل (تغيّر) بـ (لم يبق على حاله) فعلى هذا لا يتعين الوصف بـ (إلّا) فيه.
الأمر الثالث: أن يكون الموصوف بـ (إلّا) مذكورا، غير محذوف، وهذا بخلاف الموصوف بـ (غير) وقد تقدّم أنّ
(غير) لأصالتها اختصت بذلك دون (إلّا)، وبهذا الأمر تتحقق أصالة (غير) في الوصفية، وفرعية (إلّا)، وهو كاف في ذلك، فلا يضرّ جريان (إلّا) مجرى (غير) في كلّ حالاتها، حتّى وصف المفرد بها أيضا، كما تقدّم التنبيه عليه، وهذا الشرط - أعني كون الموصوف بـ (إلّا) مذكورا غير محذوف - لم يخالف فيه أحد، وقال سيبويه: ولا يجوز أن -
الحديث: 1727 - الجزء: 5 - الصفحة: 2192
................................
تقول: ما أتاني إلّا زيد، وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة (مثل)، وإنّما يجوز ذلك صفة، ونظير ذلك من كلام العرب (أجمعون) لا تجري في الكلام إلا على اسم، ولا يعمل فيه رافع، ولا ناصب، ولا جارّ 451. اه، وكأنّه يعني بقوله: إنمّا يجوز ذلك صفة - أنّها تكون تابعة لمذكور، فإنّه إذا حذف موصوفها صارت بمنزلة (مثل) فجرت مجرى الأسماء، فكأنه قال: لا تجري مجرى الأسماء، إنما تكون صفة ولا يتحقق كونها صفة، إلّا مع ذكر موصوفها.
الأمر الرابع: أن تكون (إلّا) المذكورة، واقعة حيث يصلح الاستثناء، ونصّ على اشتراط ذلك المبرّد 452، والأخفش 453، وعليه الأكثرون 454، حتى قال الشيخ: هذا كالمجمع عليه من النحويين، وعلى ذلك يجوز: عندي درهم إلّا دانق، لجواز: إلّا دانقا، ويمتنع: عندي درهم إلّا جيد، لعدم جواز: إلا جيدا، هكذا مثّلوه، وفي تجويز عندي درهم إلا دانق - على رأي المصنف - نظر؛ لأنّه قد تقدّم عنه أنّ الموصوف بـ (إلّا) لا يكون إلّا جمعا، أو شبه جمع، ولا شك أنّ (درهما) ليس كذلك، وقد يقال: إنّ قولنا: إلّا دانقا 455 يفيد إرادة الجمعيّة بـ «درهم» المذكور، فهو وإن كان مفردا لكونه واحدا لدرهم جمع، لدلالته على دوانق متعددة، على أنّني لم أقف على هذا المثال، في شرح المصنّف، ثمّ الظاهر من كلام سيبويه أنّ الّذي ذكروه، غير لازم، وذلك أنّه مثّل المسألة بقوله: لو كان معنا رجل إلّا زيد لغلبنا، ولا يصلح في هذا المثال الاستثناء أصلا، وقد تقدّم أيضا أنّ قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 456 لا يتصوّر فيه الاستثناء، لفساد المعنى به، فقد وقعت إِلَّا وصفا، في الآية الكريمة، وفي مثال سيبويه 457، والاستثناء غير صالح فيهما، وقد رام -
الجزء: 5 - الصفحة: 2193
................................
بعضهم تقدير هذا الشّرط، والتزامه في الآية الكريمة 458، والمثال المذكور، على الانقطاع، وقال: إنّما قصد النحاة صحّة الاستثناء مطلقا، متّصلا كان، أو منقطعا، والانقطاع متصوّر هنا، والتقدير: لو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسدتا، لكن فيهما الله، وهو واحد، فلم تفسدا، وكذا المثال الّذي ذكره سيبويه؛ التقدير: لو كان معنا رجل لغلبنا، لكن معنا زيد، فلا نغلب، وفيما ذكره هذا القائل بعد، وأيضا فإنّه يؤدّي إلى أنّه لا فائدة في اشتراط صحّة الاستثناء، إذا جاء من موضع تقع فيه (إلّا) صفة إلّا، ويمكن صحة المنقطع فيه، واشترط المبرد أمرا خامسا - لم يتضمّنه كلام المصنف - وهو أن تكون (إلّا) الموصوف بها، واقعة موقعا يصلح فيه البدل 459، ويعني به أن يكون الكلام الّذي قبلها غير موجب، والصحيح أنّ ذلك لا يشترط؛ لأنّه قد جاء الوصف بـ (إلّا) حيث لا يجوز البدل، كقوله:
1728 - وكلّ أخ مفارقة أخوه... لعمر أبيك إلّا الفرقدان 460
وقد ظهر من المباحث المتقدمة أنّ أكثر الأمور المشترطة في وقوع «إلّا» وصفا غير لازمة، ولم يتحقق منها سوى شرط واحد، وهو أن يكون الموصوف بها مذكورا، وما نصّ سيبويه إلّا عليه، ولم يتعرض إلا إليه، بل أمثلته الّتي مثّل بها تدفع غير ذلك، كاشتراط الجمعية، أو شبهها وعدم التعرف، وكاشتراط الصلاحية للاستغناء، ولا ينبغي العدول عمّا قاله سيبويه؛ إذ لم ينهض على مخالفته دليل.
ونقل الشيخ عن صاحب البسيط - وهو رجل يقال له: ابن العلج 461، ورأيت -
الحديث: 1728 - الجزء: 5 - الصفحة: 2194
................................
الشيخ يعظّمه، ويقبل كلامه، ويستكثر نقله - أنّه قال: جمهور النحويين على جواز كون (غير) تجري على المعرفة، فكذلك [3/ 51] (إلّا) 462، و (هذا) - من: هذا الرجل - يدلّ على أنّ الجمهور لا يشترطون التنكير، ونقل عنه أيضا أنّه قال: والظاهر أنّها تقع بمعنى (إلّا) فيما تقع فيه (غير)، إلّا في الموضع الذي لا يتقدّمها موصوف، سواء كان في النّفي، أم في الإثبات، وكان - يعني الموصوف بها، مجموعا أو مفردا، أو منكرا، أو معرّفا (2)، وهذا النّقل صريح، في عدم اشتراط شيء من ذلك.
قال صاحب البسيط (3) أيضا: ولمّا كانت (غير) من أخوات (مثل) و (شبه) وكان يصحّ فيها قصد التعريف، صحّ جريها على المعرفة والنّكرة، فكذلك (إلّا) بمعناها، تجري على النكرة، وعلى المعرفة 463. انتهى.
وكما جاز أن تكون (إلّا) مع ما بعدها، وصفا لما قبلها، (غير) أجاز بعضهم أن تكون بدلا ممّا قبلها، كما يجوز في (غير) أن تكون بدلا، وممّن أجاز ذلك صاحب البسيط المتقدم الذكر، قالوا: ويشعر به كلام ابن الضّائع، أيضا قال في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 464 لا يصحّ المعنى عندي إلّا على أن تكون (إلّا) في معنى (غير) التي يراد بها البدل، أي: لو كان فيهما آلهة، عوض واحد، أي بدل الواحد الّذي هو الله لفسدتا.
قلت: وليس في كلام ابن الضّائع إشعار بالبدليّة؛ لأنه إنّما قال: (إلّا) في معنى (غير) التي يراد بها البدل، وقد بيّن هو مراد نفسه بقوله: أي لو كان فيهما آلهة عوض واحد، أي بدل الواحد، الذي هو الله تعالى، يعني أنّ المراد بـ (غير) التي وقعت (إلّا) موقعها، في الآية الشريفة، ما يراد بقوله: بدل، وعوض، لا الوصف الحقيقي، وهذا الّذي قاله يظهر أنّه الحقّ، والله تعالى أعلم بمراده.
- - وصنف بها كتابا سماه: البسيط في النحو، وهو كتاب كبير يقع في عشرة مجلدات.
ينظر النحاة لابن شهيد الأسدي (1/ 159)، مخطوط بدار الكتب المصرية، والبحر المحيط (8/ 47)، والتذييل والتكميل لأبي حيان (6/ 236) رسالة، وينظر: طبقات الأشباه والنظائر للسيوطي (2/ 166)، ومبسوط الأحكام للتبريزي (2/ 417).
الجزء: 5 - الصفحة: 2195
[إيلاء «إلا» نعت ما قبلها]
قال ابن مالك: (ولا يليها نعت ما قبلها، وما أوهم ذلك فحال، أو صفة بدل محذوف، خلافا لبعضهم ويليها في النّفي فعل مضارع بلا شرط، وماض مسبوق بفعل، أو مقرون بـ (قد)، ومعنى «أنشدك إلّا فعلت» أي:
ما أسألك إلّا فعلك).
وجوّز ابن السيّد 465 أيضا أن تقع (إلّا) حالا، كما تقع (غير) حالا، وقال:
إنّها تكون صفة للنكرة، وتتقدّم، وتنصب على الحال 466، وأجاز في قول الشاعر:
1729 - وما لي إلّا الله غيرك ناصر 467
أربعة أوجه: أن يكونا معا حالين من (ناصر) واستثناءين مقدّمين، أو أحدهما استثناء، والآخر حال، ودعوي البدلية - كما يقول صاحب البسيط، ومن وافقه في ذلك - فيه نظر، وأما دعوى الحالية فبعيد جدّا، ونقل الشيخ عن بعضهم أنّ أكثر النّحاة ينكرونه 468.
قال ناظر الجيش: شرع في ذكر أحكام تتعلق بـ (إلّا) الّتي هي أداة استثناء، فأشار بقوله: ولا يليها نعت ما قبلها إلى قول الأخفش - في كتاب المسائل له -:
لا يفصل بين الموصوف والصفة بـ (إلّا) قال: ونحو: ما جاءني رجل إلّا راكب، يقدّر: ما جاءني رجل إلّا رجل راكب، فـ (راكب) صفة لـ (رجل) المحذوف، و (رجل) بدل من الأول، قال الأخفش: وفيه قبح لجعلك الصفة كالاسم» 469 وقد تقدّم أيضا، عن أبي عليّ أنّه قال في: ما مررت بأحد إلّا قائما إلّا أخاك: إنّ (قائما) لا يجوز كونه صفة لـ (أحد)؛ لأنّ (إلّا) لا تعترض بين الصّفة والموصوف، فهذا تصريح من أبي الحسن، وأبي علي بأنّ (إلّا) لا تفصل بين صفة -
الحديث: 1729 - الجزء: 5 - الصفحة: 2196
................................
وموصوف.
قال المصنّف: وما ذهبا إليه هو الصّحيح؛ لأنّ الموصوف والصفة كشيء واحد، وسيأتي أنّهما كشيء واحد، لا يختلفان بنفي الحكم عن أحدهما وإثباته للآخر كالمتوسط بينهما (إلّا)، ولأنّ الصفة توضح موصوفها، كما توضح الصلة الموصول، وكما يوضح المضاف إليه المضاف، فكما لا تقع (إلّا) بين الموصول، والصّلة ولا بين المضاف والمضاف إليه، كذا لا تقع بين الموصوف والصفة، ولأنّ (إلّا) وما بعدها في حكم جملة مستأنفة، والصفة لا تستأنف، ولا تكون في حكم مستأنف 470. وإذا تقرّر أنّ (إلّا) لا تعترض بين الموصوف والصفة وجب تأويل ما أوهم ذلك؛ فيجعل ما بعد (إلّا) في مثل: ما جاءني رجل إلّا راكب، صفة لموصوف محذوف، بدل من الاسم الذي قبل (إلّا) والتقدير: إلّا رجل راكب، كما تقدّم، وفي مثل: ما جاءني أحد إلّا زيد خير منه تجعل الكلمة التي بعد (إلّا) حالا من الاسم الذي قبلها، وإليهما أشار بقوله: وما أوهم ذلك فحال، أو صفة بدل محذوف، وأشار المصنف أيضا بقوله: خلافا لبعضهم إلى أنّ الزمخشري جعل ما بعد (إلّا) في مثل: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه، جملة ابتدائية، واقعة صفة لـ (أحد)، وقد قلت: إنّ المصنف منع ذلك؛ لأنّ (إلّا) لا تعترض بين الصفة والموصوف، للعلّة التي تقدمت على الخلاف لذلك، وما منعه المصنف فيه نظر، فإنّه قد تقدّم عنه الكلام على الاستثناء المفرغ أنّ التفريغ يكون باعتبار الصفات، كما يكون باعتبار غيرها، وإنّ من ذلك: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه، وكذا:
ما جاءني من أحد إلّا قائم؛ لأنّ الوصف يكون مفردا، ويكون جملة، وحكمها في الصّحّة واحد، وإذا قصد التفريغ باعتبار الوصف تعيّن دخول (إلّا)؛ لأنّ المعنى المقصود بالتفريغ - وهو قصر الموصوف على الصّفة في مثل: ما جاءني رجل إلّا راكب - يفوت لو لم يأت بها، وقد أوضح هذا المعنى سيبويه حيث قال في قولك: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه: كأنك قلت: مررت بقوم زيد خير منهم، إلّا أنك أدخلت (إلّا) لتجعل (زيدا) خيرا من جميع من مررت به، ولو قلت: مررت بناس زيد خير منهم، لجاز أن يكون قد مرّ بناس آخرين هم خير من زيد، فإنّما قال: ما مررت
بأحد إلّا زيد خير منه، ليخبر أنّه لم يمرّ بأحد يفضل -
الجزء: 5 - الصفحة: 2197
................................
زيدا 471. انتهى كلام سيبويه.
والظاهر منه أنّ الجملة الواقعة بعد (إلّا) في قولك:
ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه، صفة لـ «أحد»، وأنّ «إلّا» دخلت بين الموصوف والصفة، لتقيد المعنى الذي أشار إليه، فهي ملغاة لفظا، معتبرة معنى، وإذا [3/ 52] تقرّر هذا بعد المنع الذي أشار إليه المصنف إلّا أن يمنع التفريغ باعتبار الصفات، ولما منع المصنف كون الجملة المشار إليها وصفا، جعلها حالية كما تقدّم، وجعلها حالا لا يمتنع، ويكون ما قبل (إلّا) مفرغا لما بعدها، باعتبار الأحوال، نحو: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ 472، وقد تقدّم.
وطرد الزمخشريّ الحكم المتقدم، فجعل: وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ 473 - من قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ 474 جملة واقعة صفة لـ قَرْيَةٍ وسطت الواو بينهما لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال - في الحال -: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني زيد وعليه ثوب 475، وردّ ذلك المصنف بأوجه خمسة 476:
منها: أنّه قاس في ذلك الصفة على الحال، وبين الصفة والحال فروق كثيرة، كجواز تقدّمها على صاحبها، وجواز تخالفها بالإعراب، وجواز تخالفها بالتعريف، والتنكير، وجواز إغناء الواو عن الضّمير في الجملة الحالية، وامتناع ذلك في الواقعة نعتا، فكما بينت المخالفة بينهما في هذه الأشياء سبب المخالفة في الاقتران بالواو، جاز في الحاليّة وامتنع في الواقعة نعتا.
ومنها: أنّ مذهبه - في هذه المسألة - مذهب لا يعرف لبصري ولا لكوفي.
ومنها: أنّه تعلل بما لا يناسب؛ وذلك أنّ الواو تدلّ على الجمع بين ما قبلها، وما بعدها، وذلك مستلزم لتغايرهما، وهو ضدّ لما يراد من التّوكيد.
ومن الأحكام المتعلقة بـ (إلّا) وقوع الفعل بعدها: فاعلم أنّ (إلّا) إنّما هي - أبدا - للاستثناء لفظا أو معنى، ولما كان الذي يتصوّر استثناؤه إنّما هو الاسم، -
الجزء: 5 - الصفحة: 2198
................................
لم تدخل (إلّا) عليه، أو على الجملة الاسمية؛ لأنّ (إلّا) إذا دخلت عليها في اللفظ مباشرة للاسم، فأشبه دخولها على الجملة الاسمية دخولها على الاسم المسبوق بفعل، أو على ما يشبه الاسم وهو المضارع، أو الماضي المقرون بـ (قد) وشرطوا في مباشرتها الفعل وجود نفي قبلها، فقول المصنف: ويليها في النّفي مضارع بلا شرط إشارة إلى أنّه لا يشترط في وقوع الفعل المضارع بعد (إلّا) تقدم فعل، بلا وجود نفي كاف، فعلا كان ما ولي النّفي أو اسما، نحو: ما كان زيد إلّا يضرب، وما زيد إلا يسير، وقوله:
وماض مسبوق بفعل، أو مقرون بـ (قد) إشارة إلى أنّه يشترط في وقوع الفعل الماضي بعدها - مع وجود النّفي - تقدم فعل، نحو: قوله تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ 477 واقتران الماضي بـ (قد) كقول الشاعر:
1730 - ما المجد إلّا قد تبيّن أنّه... بندى وحلم لا يزال مؤثّلا 478
فإن لم يسبق الماضي فعل، ولم يقترن بـ (قد) لم يجز وقوع الماضي بعد (إلّا)، فيمتنع: ما زيد إلّا قام.
قال المصنف 479: وإنّما أغنى اقتران الماضي بـ (قد) عن تقدّم فعل، إلّا أنّ اقترانه بها يقرّبه من الحال، فيكون بذلك شبيها بالمضارع وإنما كان المضارع مستغنيا عن شرط في وقوعه بعد (إلّا) لشبهه بالاسم، والاسم بـ (إلّا) أولى؛ لأنّ المستثنى لا يكون إلّا اسما، أو مؤولا، وإنّما ساغ لتقديم الفعل وقوع الماضي بعد (إلّا)؛ لأنّ تقدّم الفعل مقرونا بالنفي يجعل الكلام بمعنى: كلّما كان كذا وكذا كان كذا وكذا، فكان فيه فعلان كما كان مع (كلّما) 480، وقوله: ومعنى: أنشدك إلّا فعلت كذا، كأنّه جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: قد وقع الفعل بعد (إلّا) ولم يوجد النّفي قبلها، وقد شرطوه فقال: هو مؤول بالنّفي، فصورته موجب، -
الحديث: 1730 - الجزء: 5 - الصفحة: 2199
[عمل ما قبل «إلا» فيما بعدها وعكسه]
قال ابن مالك: (ولا يعمل ما بعد «إلّا» فيما قبلها مطلقا، ولا ما قبلها فيما بعدها إلّا أن يكون مستثنى، أو مستثنى منه، أو تابعا له، وما ظنّ من غير الثلاثة معمولا لما قبلها قدّر له عامل خلافا للكسائي في منصوب ومخفوض، وله ولابن الأنباري في مرفوع).
والمعنى بخلاف ذلك، و (فعلت) الواقع بعد (إلّا) مؤول أيضا بالمصدر، والتقدير - كما بيّنه المصنف -: ما أسألك إلّا فعلك، قال بعضهم: وجاز ذلك هنا؛ لأنّ باب القسم قد اتّسع فيه لكثرته في الكلام، فجاز فيه ما لا يجوز في غيره 481.
قال ناظر الجيش: الاستثناء في حكم جملة مستأنفة؛ لأنّك إذا قلت: جاء القوم إلّا زيدا، فكأنّك قلت: جاء القوم ما منهم زيد، فمقتضى هذا ألّا يعمل ما بعد (إلّا) فيما قبلها، ولا ما قبلها فيما بعدها 482 على الإطلاق، فاستمرّ على ما اقتضته هذه المناسبة من منع إعمال ما بعدها فيما قبلها نحو: ما زيد إلّا أنا ضارب، فلا يجوز إعمال (ضارب) في (زيد) لذلك؛ بل رفع (زيد) بالابتداء 483، ويقدّر العائد على المبتدأ من (ضارب) محذوفا، وكذلك استمرّ على ما اقتضته المناسبة، من منع إعمال ما قبلها فيما بعدها، إلّا فيما لا مندوحة عنه، من إعمال ما قبلها في مستثنى فرّغ له العامل، نحو: ما قام إلّا زيد، أو مستثنى منه، نحو: ما -
الجزء: 5 - الصفحة: 2200
................................ قام إلّا زيدا أحد، أو تابع للمستثنى منه، نحو: ما مررت بأحد إلّا زيدا خير من عمرو، ولم تجز الزيادة على هذه الثلاثة لئلّا تكثر مخالفة الأصل، ويترك مقتضى الدليل، دون ضرورة؛ فلا يقال: ما ضرب إلّا زيد عمرا، ولا: ما ضرب إلّا زيدا عمرو، ولا: [ما] مرّ إلا زيد بعمرو، بل الواجب أن نؤخر المقرون بـ (إلّا) باستمرار على مقتضى الدليل المذكور، فإن ورد ما يخالف ذلك قدّر له عامل بعد «إلّا» 484 كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ 485، أي: أرسلناهم بالبينات، وهذا مثال تأخّر المجرور، ومثال تأخّر المنصوب قول الشاعر: 1731 - ما كفّ إلّا ماجد ضير بائس... أمانيه منه أتيحت بلا منّ 486 أي: إلّا ماجد كفّ ضير بائس 487، ومثال تأخّر المرفوع قول الشاعر: 1732 - تزوّدت من ليلى بتكليم ساعة... فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها 488 ومثله قول الآخر [3/ 53]: 1733 - وهل ينبت الخطيّ إلّا وشيجه... وتغرس إلّا في منابتها النّخل 489
الحديث: 1731 - الجزء: 5 - الصفحة: 2201
................................
ومثله - أيضا - ما أنشده سيبويه من قول الآخر:
1734 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... ولا ناعبا إلّا ببين غرابها 490
وأجاز الكسائي الأوجه الثلاثة على تعليق المعمولات، وما قبل (إلّا) واوفقه الأخفش، في الظرف، والجارّ والمجرور، والحال، نحو: ما جلس إلّا زيد عندك، وما أوى إلا عمرو إليك، وما جاء إلّا محمّد محللة له الغنائم، ووافقه ابن الأنباري 491، في المرفوع خاصة، وفرق بينه وبين غيره بأن قال: الدليل يقتضي ألّا يتأخر مرفوع، ولا غيره؛ لأنّ مسائل الاستثناء المفرغ فيها العامل لما بعد (إلّا) جديرة بأن تختم بالمستثنى، فإن كان الواقع بعده مرفوعا نوي تقديمه، واتصاله برافعه؛ لأنه كجزء منه، وتأخيره لفظا لا يمنع أن ينوى تقديمه؛ لأنّه الأصل، ويلزم من ذلك تقدير المستثنى مختوما به، وإن كان الواقع بعد المستثنى غير مرفوع لم يجز أن ينوى تقديمه؛ لأنه متأخر بالأصالة وقد وقع في موضعه، فيلزم من تجويزه منع كون المستثنى المفرغ له العامل غير مختوم به لفظا ولا تقديرا.
انتهى كلام ابن الأنباري 492.
وقد تقدّم القول في هذه المسألة في باب النائب عن الفاعل 493. - والمعنى: أن القناة لا تنبت إلا لقناة، ولا يغرس النخل إلا بحيث ينبت، فكذلك الكرام، لا يولدون إلا في موضع كريم.
والشاهد: في قوله: «النخل»؛ حيث إنه نائب فاعل، لفعل قبل (إلا) على مذهب الكسائي، وابن الأنباري والجمهور يرفعه بعامل محذوف، أما الفاعل في الشطر الأول «وشيجه» فإن العامل قد فرغ له.
والبيت في ديوان زهير بن أبي سلمى (ص 63)، العيني (2/ 482)، التصريح (1/ 282).
الحديث: 1734 - الجزء: 5 - الصفحة: 2202
[أحكام الاستثناء بـ «حاشا»، و «عدا»، و «خلا»]
قال ابن مالك: (فصل: يستثنى بـ «حاشا» و «خلا» و «عدا» فيجررن المستثنى أحرفا، وتنصبنه أفعالا، ويتعيّن الثاني لـ «خلا» و «عدا» بعد «ما» عند غير الجرمي، والتزم سيبويه فعلية «عدا» وحرفيّة «حاشا» وإن وليها مجرور باللّام لم تتعيّن فعليتها، خلافا للمبرّد، بل اسميتها، لجواز تنوينها، وكثر فيها «حاش»، وقلّ «حشا، وحاش»، وربما قيل: ما حاشا، وليس «أحاشي» مضارع «حاشا» المستثنى بها، خلافا للمبرّد، والنصب في: «ما النساء وذكرهنّ» بـ «عدا» مضمرة، خلافا لمن أوّل «ما» بـ «إلّا»).
قال ناظر الجيش: من أدوات الاستثناء (حاشا)، و (خلا)، و (عدا) والمستثنى بهنّ منصوب، أو مجرور، فإن كان مجرورا فهنّ أحرف جرّ، وإن كان منصوبا فهنّ أفعال، مستحقة منع التصرف، لوقوعها موقع الحرف، وتأديتها معناه، فاستدلّ بالعمل على حرفيتها أو فعليتها؛ لأنّ الجرّ من عمل الحروف، والنصب من عمل الأفعال.
قال الشيخ: ولو زعم زاعم أنّها حال كون ما بعدها مجرورا، أسماء مستثنى بها، كـ (غير) و (سوى) وأنّها حال كون ما بعدها منصوبا أحرف، محمولة على (إلّا) لتوافقها مع (إلّا) في المعنى لم يكن ذلك ببعيد 494. انتهى.
وفيما أشار إليه نظر: فإنّها لو كانت حال الجرّ بها اسما لجاز تفريغ العامل لها، كما يفرغ لـ (غير) وهو لا يفرغ، ولو كانت حال النصب بها أحرفا كـ (إلّا) لجاز أيضا تفريغ العامل لما بعدها، كما يفرّغ لما بعد (إلّا) وهو لا يجوز، ولكانت نون الوقاية معها غير لازمة، إذا اتصلت ياء المتكلّم بها، وهي لازمة إذا امتنعت اسميتها حال الجرّ، والفعلية منفية؛ لأنّ الفعل لا يجرّ - تعينت الحرفية، وإذا امتنعت الحرفية حال النصب والاسمية منتفية؛ لأنّ ما بعدها معمول
لها، وليست من قبيل الأسماء العاملة، ولاتصال نون الوقاية، وهي لا تتصل بالأسماء - تعيّنت الفعلية.
-
الجزء: 5 - الصفحة: 2203
................................
وقد التزم سيبويه فعليّة (عدا) وحرفية (حاش) وأمّا (خلا) فغلب فعليتها على حرفيتها، قال: وما جاء من الأفعال فيه معنى (إلّا) فـ (ليس) و (لا يكون) و (عدا) و (خلا) وما فيه ذلك المعنى من حروف الإضافة، وليس باسم كـ (حاش) و (خلا) في بعض اللغات 495 هذا نصّه، وقال - في آخر أبواب الاستثناء -: وبعض العرب يقول: ما أتاني القوم خلا عبد الله، فجعل (خلا) بمنزلة (حاش) 496. انتهى.
قال المصنف 497: وكون (حاشا) حرفا جارّا هو المشهور ولذلك لم يتعرض سيبويه لفعليتها، أو النصب بها، إلّا أنّ ذلك ثابت بالنّقل الصحيح، عمّن يوثق بعربيته، فمن ذلك قول بعضهم: «اللهمّ اغفر لي ولمن يسمع، حاشا الشيطان، وأبا الإصبع» 498 رواه أبو عمرو الشيباني 499 وغيره.
وأنشد ابن خروف - في شرح الكتاب - قول الشاعر:
1735 - حاشا قريشا، فإنّ الله فضّلهم... على البريّة بالإسلام والدّين 500
وقال الفرّاء: إذا استثنيت بـ (ما عدا) و (ما خلا) ضمير المتكلم قلت:
ما عداني وما خلاني، ومن نصب بـ (حاش) قال: حاشاني ومن خفض قال: -
الحديث: 1735 - الجزء: 5 - الصفحة: 2204
................................
حاشاي 501، هذا نصّه.
وتعصّب بعض المتأخرين، مانعا فعلية (حاشا) لقول بعض العرب: (حاشاي) وأنشد:
1736 - في فتية جعلوا الصّليب إلههم... حاشاي إنّي مسلم معذور 502
وأجاب المصنف بأنّ ذلك ورد على استعمالها حرفا؛ لأنّه أكثر من استعمالها فعلا، ولو أنّ من قال: حاش الشيطان دعته حاجة إلى استثنائه نفسه، قاصدا للنصب لقال: حاشاني، كما يقال: عساني 503، وقال بعض المتعصبين 504 - أيضا -:
لو كانت (حاش) فعلا لجاز أن يوصل بها (ما) كما 505 وصلت بـ (عدا) و (خلا) وما ذكره غير لازم، فإنّ من أفعال هذا الباب (ليس) و (لا يكون) ولم توصل (ما) بهما، وأيضا فالدليل يقتضي ألّا توصل (ما) وغيرها، من الحروف الموصلة بالأفعال، إلّا بفعل له مصدر مستعمل، حتى يقدّر الحرف وصلته واقعين موقع ذلك المصدر، ومعلوم أنّ أفعال هذا الباب ليس لها مصادر مستعملة فإذا وصل بها حرف مصدري فهو على خلاف الأصل، فلا يبالى بانفراده بذلك فيقال: لم لم يوافقه غيره، فإنّ موافقته تكثير للشذوذ ومخالفته استمرار على مقتضى الدليل، ومن ورود الجرّ بـ (حاش) - وإن كان هو المجمع عليه - قول الشاعر [3/ 54]: -
الحديث: 1736 - الجزء: 5 - الصفحة: 2205
................................ 1737 - حاشا أبي ثوبان إنّ أبا... ثوبان ليس ببكمة فدم عمرو بن عبد الله إنّ به... ضنّا عن الملحاة والشّتم 506 وقبلها قوله: 1738 - وبنو رواحة ينظرون إذا... نظر النّديّ بآنف خشم 507 قال المصنف: وروي: «أبا ثوبان» بالنصب 508. ومن شواهد الجرّ بـ (عدا) قول الشاعر: 1739 - تركنا في الحضيض بنات عوج... عواكف قد خضعن إلى النّسور أبحنا حيّهم قتلا وأسرا... عدا الشمطاء والطّفل الصّغير 509 ومن شواهد الجرّ بـ (خلا) قول الشاعر: 1740 - خلا الله لا أرجو سواك إنمّا... أعدّ عيالي شعبة من عيالكا 510
الحديث: 1737 - الجزء: 5 - الصفحة: 2206
................................ قال المصنف: رواه من يوثق بروايته: «خلا الله» بالجرّ 511، ومن النّصب بـ (عدا) وإن كان المشهور - قول الشاعر: 1741 - يا من دحا الأرض ومن طحاها... أنزل بهم صاعقة أراها تحرّق الأحشاء من لظاها... عدا سليمى، وعدا أباها 512 ومن النّصب بـ (خلا) قول الآخر: 1742 - وبلدة ليس بها طوريّ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ 513 واتفق الجمهور على وجوب النّصب بـ (عدا) و (خلا)، مصحوبين بـ (ما) كقوله: 1743 - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل 514. وقول الآخر: 1744 - تملّ الّندامى ما عداني فإنّني... بكلّ الذي يهوى نديمي مولع 515 وسبب ذلك أنّ (ما) مصدرية، ولا يليها حرف جرّ، وإنمّا توصل بجملة فعلية، أو اسمية قليلا، وأجاز الجرمي جرّ ما بعدهما حينئذ - ورواه عن العرب 516، والوجه فيه أن تجعل (ما) زائدة، و (عدا، وخلا) حرفي جرّ، وفيه شذوذ؛ لأنّ -
الحديث: 1741 - الجزء: 5 - الصفحة: 2207
................................
(ما) إذا زيدت مع حرف الجرّ لا تتقدم عليه، بل تتأخر عنه، نحو: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ 517 وعَمَّا قَلِيلٍ 518 وحيث نصب الاسم بعد (عدا) و (خلا) موصولين بـ (ما) أو غير موصولين بـ (ما) نصبه الأفعال، على أنه مفعول به وسيأتي الكلام على فاعل الأفعال المشار إليها وعلى محلّها أيضا، واعلم أنه تجرد (حاشا) عن معنى الاستثناء، وتستعمل مقصودا بها تنزيه الاسم المذكور بعدها عن السوء، فيقال: - حينئذ - حاش زيد، وحاشا لزيد؛ منونة، وغير منونة، وقد يبتدئون بتنزيه اسم الله تعالى، على جهة التعجّب، كما في قوله تعالى: قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ 519، وإذا قصد بها هذا المعنى خرجت عن أن تكون حرفا؛ لأنّ الحرف لا يضاف، ولا ينوّن ولا يباشر حرفا مثله، وهل هي اسم أم فعل؟ في ذلك خلاف.
قال المصنف 520: وإذا ولي حاشا مجرور باللّام فارقت الحرفية بلا خلاف؛ إذ لا يدخل حرف جرّ على حرف جرّ، وإذا لم تكن حرفا فهي إمّا فعل، وإمّا اسم، فمذهب المبرّد أنّها - حينئذ - فعل 521، والصّحيح أنها اسم، منتصب انتصاب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بالفعل، فمن قال: حاشَ لِلَّهِ بالإضافة - وهي قراءة ابن مسعود 522 - فهي مثل: سبحان الله، ومعاذ الله 523، ومن قال: (حاشا لله)، بالتنوين - وهي قراءة أبي السّمّاك 524 - فهو مثل: رعيا لزيد، وأما القراءة -
الجزء: 5 - الصفحة: 2208
................................
المشهورة وهي: حاشَ لِلَّهِ - بغير تنوين - فالوجه فيها أن يكون (حاشا) مبنيّا، لشبهه بـ (حاشا) التي هي حرف، فإنّه شبيه بها لفظا، ومعنى، فجرى مجراه، في البناء 525 كما جرى في (عن) من:
1745 -... من عن يميني تارة وأمامي 526
مجرى (عن) في نحو: رويت عن زيد.
انتهى.
وقد أفهمت عبارة المصنّف - في المتن 527 أنّ المبرد دائما يدّعي الفعلية فيها إذا وليها المجرور باللّام، وهو الظاهر فإنه حال إضافتها - لا يمكن أن يكون فعلا، وكذا إذا نونت وإن وليها المجرور المذكور، وحينئذ تبعد دعوى المبرد؛ لأنّ معناها - مضافة وغير مضافة، منونة - وغير منونة واحد، وهو التّنزيه، كما تقدّم، فكيف يدّعي الفعليّة في بعض الصور، دون بعض مع إمكان غيرها؟ فالظاهر اتفاقهم، وإن وليها اللام، كما قال المصنف، وفي (حاشا) لغات أربع:
إحداها: إثبات الألف الأولى والأخيرة.
الثانية: إثبات الأولى، وحذف الأخيرة.
الثالثة: عكسها.
الرابعة: حذف الألف الأخيرة، مع سكون آخرها 528.
وقال الشيخ - ما معناه -: إنّ هذه اللغات في (حاشا) التي تستعمل للتنزيه، والمرادة من الصور، ظاهر عبارة المصنّف أنّ اللغات المذكورة في المستثنى بها أيضا، -
الحديث: 1745 - الجزء: 5 - الصفحة: 2209
................................ وقد نقل غير المصنف أنّ (حشى) جاءت للاستثناء حاش 529، وأنشد عليه: 1746 - حشى رهط النّبيّ فإن منهم... بحورا لا تكدّرها الدّلاء 530 وأشار المصنف بقوله: وربّما قيل: (ما حاشا) إلى ما روي من قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أسامة أحبّ الناس إليّ ما حاشا فاطمة» 531 وأنشد الشيخ على ذلك 532: 1747 - رأيت الناس ما حاشا قريشا... فإنّا نحن أفضلهم فعالا 533 وأشار المصنّف أيضا بقوله: وليس (أحاشي) مضارع (حاشا) المستثنى بها إلى أنّ المبرد استدلّ على فعلية (حاشا) 534 التي هي أداة الاستثناء بقول النابغة: 1748 - ولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه... وما أحاش من الأقوام من أحد 535 قال المصنف: وهذا منه غلط؛ لأنّ (حاشا) إذا كانت فعلا، وقصد بها الاستثناء، فهي واقعة موقع (إلّا) ومؤدية معناها، فلا تتصرف، كما لا تتصرف -
الحديث: 1746 - الجزء: 5 - الصفحة: 2210
................................ (عدا) و (خلا) و (ليس) و (لا يكون) بل هي أحقّ بمنع الصّرف؛ لأنّ فيها مع مساواتها (إلّا) - وقع شبيهها بـ (حاش) الحرفية لفظا ومعنى، وأمّا (أحاشي) فمضارع (حاشيت) بمعنى استثنيت، وهو فعل متصرف مشتقّ من لفظ (حاش) المستثنى بها، كما اشتقّ (سوفت) من لفظ (سوف) و (لوليت) من لفظ (لولا) و (أنّهت) من لفظ (إنّها) وأمثال ذلك كثيرة 536. وأشار أيضا بقوله: والنصب في: ما النّساء إلى ما روي من كلام العرب: «كلّ شيء مهمه ما النساء وذكرهنّ» 537، ومعناه: كلّ شيء يستر، ما عدا النساء وذكرهنّ، فحذفوا (عدا) وأبقوا عملها 538. قال المصنف: وزعم بعض الناس أنّ (ما) - هنا - بمعنى (إلا)، وليس بشيء 539 قال الشيخ: لأنّ (ما) لم يثبت لها قطّ معنى (إلّا) في لسان العرب بخلاف كونها مصدريّة 540، قال: وإنّما أضمر [3/ 55] (عدا) لأنّها متفق على فعليتها، بخلاف (خلا) و (حاشا) فكانت أولى، ونقل عن السهيليّ أنّ (ما) في هذا المثال المذكور بمعنى (ليس) أي: ليس النساء وذكرهنّ 541. قال الشيخ: فهذا مذهب ثالث؛ لأنّها عنده نافية، ليست مصدريّة، ولا بمعنى (إلا) 542.
الجزء: 5 - الصفحة: 2211
[أحكام الاستثناء بـ «ليس» و «لا يكون»]
قال ابن مالك: (ويستثنى بـ «ليس» و «لا يكون» فينصبان المستثنى خبرا، واسمهما بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه، لازم الحذف، وكذا فاعل الأفعال الثلاثة وقد يوصف - على رأي - المستثنى منه، منكّرا، أو مصحوبا بـ «أل» الجنسيّة بـ «ليس» و «لا يكون» فيلحقها ما يلحق الأفعال الموصوف بها من ضمير وعلامة).
قال ناظر الجيش: اعلم أنّ من أدوات الاستثناء (ليس) و (لا يكون) وهما الرافعان الاسم الناصبان الخبر ولهذا يجب نصب ما استثنى بهما؛ لأنه الخبر، ولوقوعهما موقع (إلّا) لزم عدم الإتيان باسمهما لفظا؛ لئلّا تفصلهما من
المستثنى فيجهل قصد الاستثناء وجعله المصنف ظاهرا محذوفا لازم الحذف، وإليه الإشارة بقوله: واسمهما بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف 543. فتقدير: قام القوم ليس زيدا، ولا يكون زيدا: ليس بعضهم زيدا، ولا يكون بعضهم زيدا، والأصل: قام القوم إلا زيدا، فلما وقعت (ليس) و (لا يكون) موقع (إلّا) ولأجل أنّ اسمهما البعض المذكور لم يختلف اللفظ بهما فيقال: جاءني القوم لا يكون زيدا وليس عمرا، ومررت بالنساء لا يكون فلانة وليس فلانة 544، وكذا لو كان المستثنى بها مثنى أو مجموعا نحو: جاء الناس ليس الزيدين، أو لا يكون الزيدين، وليس العمرين، أو لا يكون العمرين، والجمهور على أنّ اسمهما ضمير مستكنّ فيهما، عائد على البعض المفهوم من معنى الكلام المتقدّم وإن لم يذكر فالتقدير: ليس هو زيدا، أو لا يكون هو زيدا؛ لأنه إذا أخبر عن معهودين وزيد من جملتهم، فقيل: أتى القوم، حصل في نفس المخاطب أنّ بعض الآتين زيد، فعاد الضّمير على ذلك البعض المفهوم ولهذا أيضا لم يختلف لفظ: (ليس) و (لا يكون) لاختلاف (المستثنى) بهما، كالأمثلة المتقدمة؛ لأنّ الضمير مفرد، مذكر لعوده على (بعض) الذي هو كذلك - أي: مفرد مذكر - وإنّما قدّر مضمرا، ولم يجعل مظهرا كما قال المصنف، وإن كان المعنى في التقديرين -
الجزء: 5 - الصفحة: 2212
................................
واحدا، لما يلزم من حذف اسم (ليس) و (لا يكون) وقد نصّوا على أنّ الاسم في باب كان وأخواتها لا يحذف، لشبهه بالفاعل فإذا قدّر مضمرا أمن من ذلك، ولا شك في وضوح هذا القول ورجحانه على دعوى المصنف، على أنّ في عبارة سيبويه إشعارا برأي المصنف، ولعلّها هي الموقعة له في ذلك فإنّه قال - بعد أن ترجم باب (لا يكون) و (ليس) وما أشبههما -: فإذا جاءتا وفيهما معنى الاستثناء (فإنّ فيهما إضمارا وعلى هذا وقع فيهما معنى الاستثناء) 545 فقوله: فإنّ فيهما إضمارا يفهم بأنّ الاسم مضمر فيهما، ثم قال - بعد أن مثل بنحو: أتاني القوم ليس زيدا - كأنّه - حين قال: أتوني - صار المخاطب عنده قد وقع في خلده أنّ بعض الآتين زيد، حتّى كأنّه قال: بعضهم زيد، فكأنه قال: ليس بعضهم زيدا، وترك إظهار (بعض) استغناء، كما ترك الإظهار في (لات حين) (2) فقوله:
فكأنّه قال: ليس بعضهم زيدا، يشعر بأنّ الاسم مظهر غير مضمر، إلّا أن يقال:
إنمّا أراد بذلك تفسير المعنى، لا التقدير الصناعيّ ولكن يبعد هذا القول قوله - بعد ذلك - كما ترك الإظهار في (لات حين) 546 شبه 547 ترك الإظهار في ليس وأخواتها، بترك الإظهار في: (ولات حين)، ولا يدّعي أحد أن اسم
(لات) مضمر، بل محذوف، ثم قال: قول سيبويه - أولا - فإنّ فيهما إضمارا محمول على أنه أراد بالإضمار التقدير لا أنّ الاسم، غير مظهر.
وقد شنّع الشيخ على المصنف في قوله: واسمهما بعض لازم الحذف فقال: هذا الذي قاله لم يذهب إليه أحد من النحويّين، بل اتفق الكوفيون والبصريّون على أنه مضمر فيهما، ليس ظاهرا محذوفا، قال البصريون: هو عائد على البعض المفهوم من الكلام السابق وقال الكوفيون: هو عائد على الفعل المفهوم من الكلام الأول فتقدير: (قام القوم ليس زيدا): ليس فعلهم فعل زيد، فحذف المضاف إلى (زيد) وأقيم (زيد) مقامه، وردّ هذا المذهب بأنّ فيه دعوى مضاف محذوف لم يلفظ به قطّ 548، وبأنك تقول: قام القوم إخوتك ليس زيدا، وليس فيه فعل يقدر الضمير -
الجزء: 5 - الصفحة: 2213
................................
عائدا عليه 549. اه.
وقد علمت ما في عبارة سيبويه 550 من الاحتمال على أنّ الشيخ - بعد تشنيعه - نقل عن صاحب البسيط أنه قال: يقول المصنف في هذه المسألة، ونقل عنه استدلالا على ذلك وتقوية له 551. وقد يمنع المصنف عدم جواز حذف الاسم في باب (كان) ويدّعي جواز الحذف لدليل، كما كان يجوز فيه وهو مبتدأ، قبل دخول (كان) عليه، ولا يلزم من تشبيهه بالفاعل في بعض الأحوال أن يشبهه في كلّ ما له ومن شواهد الاستثناء بـ (ليس) قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يطبع المؤمن على كلّ خلق ليس الخيانة والكذب» 552 أي: إلّا الخيانة والكذب 553.
وأما فاعل (عدا) و (خلا) و (حاشا) ففيه أقوال:
أحدها: أنه كفاعل (6) (ليس) و (لا يكون) وإليه أشار بقوله: وكذا فاعل الأفعال الثلاثة فقدّر «قام القوم عدا زيدا»: عدا بعضهم زيدا، أو عدا هو أي بعضهم زيدا، على ما عرفت من التقديرين المتقدمين إلا أنّ مدلول البعض المقدّر فاعلا لهذه الأفعال غير مدلول البعض المقدر اسما، لـ (ليس) و (لا يكون)؛ لأنّ البعض المقدر اسما لهما هو نفس [3/ 56] المستثنى؛ لأنه مخبر عنه به، والمبتدأ والخبر متّحدان 554، وأما البعض المقدر فاعلا لـ (عدا) 555 وأختيها
فمدلوله ما بقي -
الجزء: 5 - الصفحة: 2214
................................
من المستثنى منه بعد إخراج المستثنى، ويرجّح دعوى كون فاعل هذه الأفعال ضميرا لبعض، على دعوى كونه ظاهرا محذوفا؛ لأنّ فاعليته متحققة والفاعل لا يحذف.
القول الثّاني: أنّ الفاعل ضمير، كما هو في أحد التقديرين في القول الأوّل، إلّا أنّه لا يعود على البعض وإنّما يعود على (من) المفهوم من معنى الكلام المتقدّم، فتقدير «قام القوم عدا زيدا»: عدا هو زيدا، أي: عدا من قام زيدا وهو رأي المبرّد 556.
القول الثالث: للمصنّف: (الذي) 557 ذكره في الشرح أنّ الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه، فتقدير: قاموا عدا زيدا، جاوز قيامهم زيدا، ولم يقدره المصنف ضمير المصدر، بل جعل فاعل المصدر الظاهر محذوفا على طريقته التي عرفتها.
قال المصنف: وتقدير: عدا قيامهم زيدا أجود من تقدير: عدا بعضهم زيدا؛ لأنّه لا يستقيم إلّا أن يراد بالبعض ما سوى زيد، وهذا - وإن صحّ إطلاق البعض على الكلّ إلّا واحدا، لا يحسن، لقلته في الاستعمال 558. انتهى.
وللعلّة التي أشار إليها المصنف جنح المبرد إلى القول الذي تقدم نقله عنه.
قال الشيخ: وهذا الذي ذهب إليه - يعني المصنف - لا يطرأ له، فإنّ من صور الاستثناء ألّا يتقدم فعل، ولا ما يجري مجرى الفعل، نحو: القوم إخوتك عدا زيدا، والقوم قرشيّون، ما خلا زيدا، وهنا لا يمكن أن تقدر: جاوز فعلهم زيدا؛ لأنّه لم ينسب إليهم فعل 559. اه.
وفيه نظر، ونقل الشيخ أنّ الفراء ذهب إلى أنّ (حاشا) فعل ولا فاعل له 560، ثم قال الشيخ: ويمكن القول في (عدا) و (خلا) كذلك.
وأنّ النصب بعدهما إنّما هو بالحمل على (إلّا) والتزم فيه النصب 561؛ لأنّه لم يتمحص للحرفية، والفروع يقتصر فيها على بعض الأحكام ولا ينكر أن يعرى الفعل من الفاعل إلّا إذا استعمل استعمال الحروف كما أنّ (قلّما) لما استعملت للنفي - - المباني للمالقي (ص 366).
الجزء: 5 - الصفحة: 2215
................................
المحض استغنت عن فاعل، فتقول: قلّما يقوم زيد، أي: ما يقوم زيد، وكذلك يقدّر: قاموا عدا زيدا، قاموا إلا زيدا، فيجرى (عدا) مجرى (إلّا) 562. اه.
وبقي الكلام على مواضع هذه الكلمات من الإعراب:
فاعلم أنّ (عدا وخلا، وحاشا) إذا كنّ أحرف جرّ: كانت متعلقة بما قبلها وهي والمجرور بها في موضع نصب، وأما المذكورات إذا كنّ أفعالا غير موصول شيء منها بـ (ما، وليس، ولا يكون) فيجوّز السيرافي فيه وجهين: أحدهما: أن يكون لها موضع من الإعراب، ويكون في موضع نصب على الحال، وكأنك قلت: قام القوم خالين زيدا وعادين زيدا وحاشين زيدا، أي مجاوزا هو أي بعضهم زيدا 563، قال بعضهم: ويستثنى هذا من القاعدة المقررة، وهي أنّ الجملة الحالية إذا صدّرت بفعل ماض غير ما استثنوه لا بدّ معها من (قد) ظاهرة أو مقدّرة.
الوجه الثاني:
أن لا موضع لها من الإعراب، وإن كانت جملة فمفتقرة من جهة المعنى إلى الكلام الذي قبلها، من حيث كان معناها كمعنى (إلّا) ونظيره مذ يومان، من قولك: ما رأيته مذ يومان فإنّها جملة ابتدائية، لا موضع لها من الإعراب وهي مفتقرة إلى ما قبلها 564 واختار ابن عصفور هذا الوجه، قال: لأنّك إذا جعلتها حالا احتاجت إلى رابط يربطها بذي الحال، ولا رابط؛ لأنّ الضمير في (عدا) و (خلا) و (حاشا) ليس عائدا على المستثنى منه، وإنما هو عائد على البعض المفهوم وهو مضاف إلى القوم ولا يقال: إذا كان البعض مضافا إلى القوم فقد حصل الربط، لأنه كالمصرّح به لأنّ هذا رابط بالمعنى والربط بالمعنى لا ينقاس، ألا ترى قصوره على السماع في نحو مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، ومنعوه في: مررت برجل قائمين، لا قاعد أبواه، على إعمال (قاعد) في الأبوين لأنّ الربط بالمعنى إنما سمع في الصفة الثانية لا في الصفة الأولى فلم يتجاوزوا به موضع السّماع 565. اه.
وأما إذا كانت (عدا) و (خلا) موصولتين بـ (ما): -
الجزء: 5 - الصفحة: 2216
................................
فموضع (ما) والفعل نصب، واختلفوا في محلّ انتصابه: فزعم السيرافي أنّه بتأويل مصدر منصوب وأنّه لا خلاف في ذلك بين البصريّين والكوفيّين ثم اختار السيرافي أنّه مصدر موضع موضع الحال، وفيه معنى الاستثناء، قال: وجاز وقوع (ما) المصدريّة مع صلتها موضع الحال، إجراء لها مجرى المصدر الذي هي في تقديره كما وصف بها في قولك: مررت برجل ما شئت من رجل؛ إجراء لها مجرى المصدر الموصوف به في نحو: مررت برجل عدل.
قال المصنف: ولا يمنع من ذلك كونه معرفة فإنّ وقوع المعرفة حالا لتأولها بالنكرة سائغ شائع.
وزعم ابن خروف والشلوبين أنّ انتصاب المصدر المذكور على الاستثناء 566، قال المصنف:
وهو غلط منهما؛ لأن المنصوب على معنى لا يقوم ذلك المعنى بغيره ومعنى الاستثناء قائم بما بعد (ما) وصلتها لا بـ (ما) فلا يصحّ القول بأنّهما منصوبان على الاستثناء؛ لأنهما مستثنى بهما لا مستثنيان.
وزعم ابن الضائع - ونقله الشيخ عن صاحب البسيط أيضا - أنّ انتصاب المصدر المذكور على الظرف ودخله معنى الاستثناء، فيقدّر (قام القوم ما عدا زيدا) بـ: (قام القوم وقت مجاوزتهم زيدا)، قال: (وما) المصدرية كثيرا ما تكون ظرفا ولم يثبت فيها
النصب على الحال 567.
وجعل ذلك صاحب البسيط نظير: (أتاني مقدم الحاجّ، وخفوق النّجم) 568.
وأشار المصنّف بقوله: وقد يوصف - على رأي - المستثنى منه... إلخ إلى أنّ (ليس) و (لا يكون) قد يوصف بهما ما قبلهما، كما يوصف بسائر الأفعال فعلى هذا يتعين كون [3/ 57] الموصوف بهما نكرة؛ لأنّ الجملة صفة للمعرفة ولمّا كان المعرف بالأداة الجنسية - عند المصنف - يجري مجرى النكرة أدرجه معها في الحكم المذكور، ويتعين أيضا لحاقها ما يلحق الأفعال الموصوف بها، من ضمير مطابق للموصوف؛ في إفراد، وتثنية، وجمع، ومن علامة تأنيث إن كان الموصوف مؤنثا نحو: أتاني رجل لا يكون زيدا، أو ليس زيدا، أو أتتني امرأة لا تكون فلانة 569 -
الجزء: 5 - الصفحة: 2217
................................
أو ليست فلانة، ومثال المعرف بالأداة الجنسيّة قولك: أتاني القوم ليسوا إخوتك، مثل به المصنف، وقال: من أمثلة أبي العبّاس 570 وعبارة المصنف في هذا قريبة من عبارة سيبويه، فإنه - بعد أن ذكر أنّ (ليس) و (لا يكون) يجيئان، وفيهما معنى الاستثناء - قال: وقد يكونان صفة وهو قول الخليل 571 فأتى بـ (قد) المشعرة بالتقليل، كما فعل المصنّف وكأنّه أراد بقوله: على رأي: ما أراد سيبويه بقوله: وهو قول الخليل.
وقد صرّح ابن عصفور بذلك في المقرّب فقال: ومن العرب من يجعل الضمير الذي فيهما - يعني في (ليس) و (لا يكون) - على حسب الاسم المتقدّم فيقال: ورجلان لا يكونان زيدا أو ليسا زيدا، ورجال لا يكونون زيدا، وليسوا زيدا، فتكون الجملة - على هذه اللغة - صفة للاسم المتقدّم 572، ومراد المصنّف بقوله: وقد يوصف على رأي المستثنى منه الذي كان يكون مستثنى منه، لو لم يوصف؛ لأنه - حال كونه موصوفا بهما - ليس مستثنى منه وليس مراده أنّ (ليس) و (لا يكون) لا يجريان وصفا على ما قبلهما إلّا إذا كان صالحا لأن يكون مستثنى منه، بل أعمّ من ذلك على أنّه لو قال:
وقد يوصف بـ (ليس) و (لا يكون) ما قبلهما، كان أولى.
وقال الشيخ - وهو قول النّحويين -: إنّ (ليس) و (لا يكون) قد يوصف بهما، إنما يعنون أنهما يكونان وصفين، في
المكان الذي يكونان فيه صالحين للاستثناء.
اه 573. وفيما ذكر نظر؛ لأنّ الوصف بهما كالوصف بسائر الأفعال وليس الوصف بـ (ليس) و (لا يكون) فرعا على الوصف بغيرهما حتّى يشترط فيهما ذلك، وهذا الشرط لم يثبت في الوصف بـ (إلا) مع أنها فرع على الوصف بـ (غير) فكيف يلتزم في الوصف بالجملة الفعلية 574. قال الشيخ: ونصّ الأبذي على أنه إذا كان ما قبلهما معرفة كانا في موضع نصب على الحال نحو: جاء القوم ليسوا إخوتك وجاءتني النساء، ليست الهندات 575. اه.
وهو واضح، فإنّ الجملة - - ليس بصحيح فيما ادعاه؛ لأن قوله: امرأة في سياق الإثبات فيصح أن يكون مستثنى منها، ألا تراه قال: ما أتتني امرأة لا تكون فلانة وما أتتني امرأة ليست فلانة.
اه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2218
................................
بعد المعرفة لا يصحّ كونها نعتا، فتعين الحالية ونصّ سيبويه على أنّ (عدا) و (خلا) لا يكونان صفة 576 ولم يعلل ذلك.
وذكر سيبويه أيضا في باب (ليس) و (لا يكون) - وهو آخر أبواب الاستثناء في الكتاب - مسألة: وهي أتوني إلّا أن يكون زيد.
قال سيبويه - بعد أن مثل بذلك -:
فالرفع جيّد بالغ وهو كثير في كلام العرب؛ لأنّ (يكون) صلة لـ (أن) وليس فيها معنى الاستثناء و (أن يكون) في موضع اسم مستثنى، كأنّك قلت 577: لا يأتونك إلّا أن يأتيك زيد، والدليل على أنّ (يكون) ليس فيها - هنا - معنى الاستثناء أنّ (ليس) و (عدا) و (خلا) لا تقعن هنا ومثل الرفع قول الله عز وجل: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ 578 وبعضهم ينصب على وجه النصب في (لا يكون) والرفع أكثر هنا 579. انتهى كلام سيبويه.
أما الآية الكريمة فقد قرئت برفع (تجرة) ونصبها، أمّا الرفع فعلى أنّ (تكون) تامة، وأمّا النصب فعلى أنّها الناقصة والتقدير: إلّا أن تكون التجارة تجارة.
وقد فهم من كلام سيبويه أنّ قراءة الرفع أرجح، وإنّما رجح الرفع لعدم الإضمار معه وكأنّ
مراد سيبويه - في قوله: وبعضهم ينصب على وجه - النصب في (لا يكون) أن النصب إنما يكون على الخبرية 580 والاسم مضمر في (تكون) في (إلّا أن تكون) هي أداة استثناء كما أنّ (لا يكون) أداة استثناء؛ إذ لا يتأتى ذلك فيها وقيل: مراد سيبويه أنّ الضمير الذي في (يكون) يلزم إفراده وتذكيره، كما أنّه كذلك في (لا يكون) المستثنى بها، وهذا لا يمكن حمل الآية الكريمة عليه؛ لأنّ (تكون) فيها مؤنثة إلّا أن يقال: إنّ قول سيبويه:
وبعضهم ينصب... إلخ لا يعود إلى الآية الكريمة إنما يعود إلى المثال الذي مثل به أولا وهو قوله: «أتوني إلا أن يكون زيد»، وفيه نظر 581.
الجزء: 5 - الصفحة: 2219
[أحكام الاستثناء بـ «غير» وبيد»]
قال ابن مالك: (فصل: يستثنى بـ «غير» فتجرّ المستثنى معربة بما له بعد «إلّا» ولا يجوز فتحها مطلقا لتضمّن معنى «إلّا» خلافا للفراء، بل قد تفتح في الرفع والجرّ، لإضافتها إلى مبنيّ، واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها وب «إلا» جائز، ويساويها في الاستثناء المنقطع «بيد» مضافا إلى «أنّ» وصلتها).
قال ناظر الجيش: الاستثناء بـ (غير) حمل على (إلّا) والوصف بها هو الأصل، والاستثناء بـ (إلّا) هو الأصل والوصف بها وبما بعدها حمل على (غير) وقد تقدم ذلك، ولذلك لا يحكم على (غير) بأنها يستثنى بها حتّى تكون في موضعها صالحة لـ (إلّا)، فتقدّر (إلّا) في موقعها، وينظر ما يستحقه الواقع بعدها من نصب لازم أو نصب مرجح عليه الإتباع أو نصب مرجح على الإتباع أو تأثر بعامل مفرغ فيعطاه (غير) ويجرّ هو على مقتضى الإضافة فتقول: جاؤوني غير زيد، بنصب لازم، وما جاءني أحد غير زيد بنصب مرجح عليه الإتباع، وما لزيد علم غير ظن،
بنصب مرجح على الإتباع، لرجح اللغة الحجازية على التميمية في ذلك وما جاء في غير زيد 582 بإيجاب التأثر لتفرغ العامل فتفعل بـ (غير) ما كنت تفعل بالواقع بعد (إلّا) وإذا انتصب (غير) 583 في الاستثناء غير المفرغ ففي انتصابه خلاف، فرأي المصنف - ونسبه إلى الفارسيّ -: أنّها منصوبة على الحال 584، وفيها معنى الاستثناء كما تقدم، في (ما عدا) و (ما خلا) ورأي أكثر المتأخرين أنّ انتصابها كانتصاب الاسم الواقع بعد (إلا) فهي منصوبة على الاستثناء 585 وقد تقدم ما يضعف ذلك وهو أنّ المنصوب [3/ 58] على معنى لا يقوم ذلك المعنى بغيره، ومعنى الاستثناء قائم بما بعد (غير) لا بـ (غير) ولا يصحّ القول بأنها منصوبة على الاستثناء؛ لأنها مستثنى بها، لا مستثناة، وذهب السيرافي وابن الباذش إلى أنها -
الجزء: 5 - الصفحة: 2220
................................
منصوبة بالفعل السابق، وهي عند ابن الباذش مشبهة بالظرف المبهم، فكما يصل الفعل إليه بنفسه فكذلك يصل إلى غيره بنفسه 586. قال ابن عصفور - بعد نقله ذلك عنهما -: وهذا خطأ؛ لأنها قد تنصب (غير) ولم يتقدمها فعل ولا ما يشبهه نحو:
القوم إخوتك غير زيد 587 وأجاز الفراء بناء «غير» على الفتح عند تفريغ العامل سواء كان المضاف إليه معربا أم مبنيّا فيقال - على رأيه -: ما جاء غير زيد وما جاء غيرك 588، ولم يذكر - في الاحتجاج لذلك - من كلام العرب (غير) مضاف إلى مبني.
قال المصنف: وكان حامله على العموم جعل سبب البناء تضمّن معنى (إلّا) وذلك عارض فلا يجعل وحده سببا بل إذا... أضيفت (غير) إلى مبنىّ جاز بناؤها، صلح موضعها لـ (إلّا) أو لم يصلح 589 فمثال الأول:
1749 - لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت... حمامة في غصون ذات أو قال 590
ومثال الثّاني قول الآخر:
1750 - لذ بقيس حين ينأى غيره... تلقه بحرا مفيضا خيره 591
وأشار المصنّف بقوله: واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها جائز إلى قول سيبويه - في الباب الذي ترجمته: هذا باب ما أجري على موضع (غير) لا على ما بعد (غير) -: زعم الخليل ويونس أنّه يجوز: ما أتاني غير زيد وعمرو، والوجه -
الحديث: 1749 - الجزء: 5 - الصفحة: 2221
................................
الجر؛ وذلك أنّ (غير زيد) في موضع (إلّا زيد) وفي معناه، فحمل على الموضع كما قال:
1751 -... فلسنا بالجبال ولا الحديدا 592
فلمّا كان في موضع (إلّا زيد) ومعناه كمعناه حملوه على الموضع؛ والدليل على ذلك أنك إذا قلت: (غير زيد) كأنك قلت: (إلا زيد) ألا ترى أنك تقول:
ما أتاني غير زيد وإلا عمرو، ولا يقبح الكلام كأنك قلت: ما أتاني إلا زيد وإلا عمرو 593. انتهى.
قال المصنف - بعد نقل كلام سيبويه هذا -: قلت: إذا قيل: ما أتاني غير زيد وعمرو، بالرفع فلا يخلو؛ إمّا أن يحكم لـ (غير) - هنا - بحكم (إلّا)، أو لا، فإن لم يحكم لها بحكم (إلّا) فسد المعنى المراد وذلك أنّ المراد إدخال زيد وعمرو
في الإتيان وإن قال: ما أتاني غير هذين فإن لم يجعل (غير) بمنزلة (إلا) ورفع (عمرو) كان المعنى إخراجه من الإتيان وكأنه قيل: ما أتاني غير زيد، وما أتاني عمرو والمراد خلاف ذلك، فلزم أنه لا يصحّ المعنى حتى ينزل (غير) منزلة (إلا) ويعرب «عمرو» بإعراب ما بعد (إلا) أو بإعراب ما بعد (غير) لا بإعرابها نفسه.
594 قال الشيخ: وظاهر كلام سيبويه أنه عطف على الموضع؛ لأنّ (غير) دخيلة في الاستثناء فالمستثنى بعدها أصله أن يكون معمولا لما قبل (إلّا) فالمجوز -
الحديث: 1751 - الجزء: 5 - الصفحة: 2222
................................
موجود وهو طالب الرفع والنّصب وإن كان ما بعد (غير) مجرورا 595. انتهى.
أمّا قوله: إنّ ظاهر كلام سيبويه أنّه عطف على الموضع فصحيح، وأما قوله:
«والمجوز موجود وهو طالب الرفع والنصب فلا يتمّ إلّا على القول بأنّ العامل في المستثنى تمام الجملة، وأمّا على القول بأنّ العامل ما قبل (إلّا) بتقوية (إلّا) فلا يتمّ.
وزعم الشلوبين أنّ العطف هنا على التوهّم لا على المرجّح، وحمل عليه كلام سيبويه، وهو بعيد، لتنظيره، المسألة بقوله:
1752 - فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وكأن الشلوبين لمّا لم يجد مجوّزا ادّعى التوهّم 596 وظهر من المصنف أنّ الحكم المذكور مقصور على المعطوف دون غيره من التوابع كما يشعر به تمثيل سيبويه 597، ولا يعدّ في إجراء بقية التوابع مجراه، لعدم الفرق، وعبارة ابن عصفور - في المقرب 598 - تشعر بذلك فإنّه قال - بعد ذكر (غير): إلّا أنك إذا اتبعت الاسم الواقع بعد
(غير) كان لك في التابع وجهان الخفض، وأن يكون على حسب إعراب (غير).
وأنشد قول الشاعر - إلا أنه شاهد على العطف -:
1753 - لم يبق غير طريد غير منفلت... وموثق في حبال القدّ مسلوب 599
فإنّه روي بخفض «موثق» ورفعه.
وقال ابن عصفور: ولا يجوز لك في إتباع الاسم الواقع بعد (إلّا) غير الحمل على اللفظ خاصّة 600، يعني أنّه لا يجوز فيه الحمل على تقدير وجود (غير) كما كان ذلك في عكسه وعللوا ذلك بأنّ الاسم الواقع بعد (إلّا) لا موضع له يخالف لفظه، بل لفظه، وموضعه واحد بخلاف الواقع بعد -
الحديث: 1752 - الجزء: 5 - الصفحة: 2223
................................
(غير) وذلك لأصالة (إلّا) وفرعية (غير).
قال الشيخ: وقد ذهب بعض النحويّين - ومنهم ابن خروف - إلى إجازة ذلك وحمل عليه قول الشاعر:
1754 - وما هاج هذا الشّوق إلّا حمامة... تغنّت على خضراء سمر قيودها 601
وروي برفع (سمر) على لفظ (حمامة) وبجرّه على تقدير غير حمامة سمر قيودها، ومع منع ذلك أوّل الجر على أنّه خفض على الجوار، أو على أنّ (سمرا) نعت لـ (خضراء) ويكون المراد بالقيود: عروق الشّجر 602.
قال الشيخ أيضا: في الاستدلال بـ (سمر قيودها) بالجرّ دليل على إجراء النعت مجرى العطف يعني في الحمل على المعنى بعد (غير) وبعد (إلّا) إن قيد به، وذكر الشيخ أنّ (غيرا) إذا كانت استثناء ففي العطف بعدها بـ (إلّا) خلاف ذهب جماعة منهم الأخفش وابن السّراج 603 والزجاج، وأبو عليّ، إلى جواز ذلك إمّا على تقدير زيادة (لا) وإمّا على الحمل على المعنى؛ لأن الاستثناء في معنى النّفي 604. وذهب الفراء وثعلب إلى أنّ ذلك غير جائز، كما أنه لا
يجوز بعد (إلّا) فلا تقول: جاءني القوم غير زيد ولا عمرو، كما لا تقول: جاءني القوم إلا زيد وإلا عمرا 605.
قال الشيخ: وأجاز النحويون: عندي غير زيد ولا عبد الله ولم يجيزوا: عندي سوى عبد الله ولا زيد، وأجاز بعضهم: أنت زيدا غير ضارب، ولم يجوّزوا: أنت زيدا مثل ضارب، لجعلهم (غيرا) بمنزلة (إلّا).
انتهى 606.
ومثال مساواة [3/ 59] (بيد) لـ (غير) في الاستثناء المنقطع قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: -
الحديث: 1754 - الجزء: 5 - الصفحة: 2224
[أحكام الاستثناء بـ «سوى»]
قال ابن مالك: (ويساويها مطلقا «سوى» وينفرد بلزوم الإضافة لفظا، وبوقوعه صلة، دون شيء قبله، والأصحّ عدم ظرفيته، ولزومه النصب، وقد تضمّ سينه وقد تفتح فيمدّ). «أنا أفصح من نطق بالضّاد، بيد أنّي من قريش، واسترضعت في بني سعد» 607. ونقل الشيخ عن بعضهم أنّها بمعنى (على) وأنه حمل الحديث المذكور على ذلك 608. قال ناظر الجيش: يعني بقوله: مطلقا أن (سوى) تساوي (غير) في الاستثناء المتصل، نحو: قاموا سوى زيد، قال الشاعر: 1755 - كلّ سعي سوى الذي يورث الفو... ز فعقباه حسرة وخسار 609 وفي الاستثناء المنقطع نحو قول الآخر: 1756 - لم ألف في الدّار ذا نطق سوى طلل...... البيت 610 وفي الوصف بها كقول الشاعر: 1757 - أصابهم بلاء كان فيهم... سوى ما قد أصاب بني النّضير 611
الحديث: 1755 - الجزء: 5 - الصفحة: 2225
................................ وفي قبول تأثير العوامل المفرغة رافعة، وناصبة، وخافضة 612، وستأتي أمثلة ذلك. وانفردت (سوى) عن (غير) بأمرين: أحدهما: ملازمة الإضافة لفظا، بخلاف (غير)، فإنها قد تنفكّ عنها في اللفظ، وإن كانت مضافة معنى. الثّاني: وقوعها صلة للموصول، دون أن يتقدمها شيء، فيقال: مررت بالذي سواك، فصيحا؛ بخلاف (غير) فلا يجوز: جاء الذي غيرك، في الفصيح. قال الشيخ: إلا عند الكوفيين، وقال الشيخ: ولا يعترض على القول بلزومها الإضافة بقوله تعالى: مَكاناً سُوىً 613 فيقال: قد انفكت عن الإضافة؛ لأنّ (سوى) - في الآية الكريمة - بمعنى (مستو)، وهي مغايرة لمعنى (سوى) المستثنى بها، وإنمّا اللفظ مشترك. اه 614. وتضمّن قول المصنّف: والأصحّ عدم ظرفيته ولزومه النصب نفي أمرين. أحدهما: نفي لزومه النّصب على الظرفيّة. الثّاني: نفي استعماله ظرفا البتّة، وإنمّا ذكرهما معا؛ لأنه يلزم من نفي النصب على الظرفية نفي لزوم كونه ظرفا، لجواز أن يكون ظرفا متصرفا، ولا يخفى أنه لو قال: والأصحّ عدم لزومه النصب وظرفيته، كان أولى، أما كونه لازم النّصب على الظّرفية فهو مذهب سيبويه، وأكثر النحويّين. قال سيبويه - في باب ما يحتمل الشعر - وجعلوا ما لا يجري في الكلام إلّا ظرفا، بمنزلة غيره من الأسماء 615 وذلك قول المرّار العجلي: 1758 - ولا ينطق الفحشاء من كان منهم... إذا جلسوا منّا ولا من سوائنا 616
الحديث: 1758 - الجزء: 5 - الصفحة: 2226
................................
ثم قال: فعلوا ذلك؛ لأنّ معنى (سوى) معنى (غير) 617. اه.
قال المصنف: قد صرّح سيبويه بأنّ معنى (سوى) معنى (غير) وذلك يستلزم انتفاء الظرفيّة، كما هي منتفية عن (غير) 618. اه، وفي استلزام كلام سيبويه ما قاله نظر، فإنّه لا يلزم من كون معنى (سوى) معنى (غير) في الاستثناء، أن يكون معناها كمعنى (غير) مطلقا، ثم قال المصنف: الظرف في العرف ما ضمّن معنى (في) من أسماء الزمان، والمكان، و (سوى) ليس كذلك ولا يصحّ كونه ظرفا، ولو سلّم كونه ظرفا لم نسلّم لزوم الظرفيّة، لكثرة الشواهد الدّالة على خلاف ذلك، نثرا ونظما 619. اه.
وقال - في شرح الكافية -: (سوى) اسم يستثنى به، ويجر ما يستثنى به، لإضافته إليه، ويعرب هو تقديرا، بما يعرب به (غير) لفظا، خلافا لأكثر البصريّين في ادعاء لزومها النصب على الظرفية، وعدم التّصرّف 620.
وإنمّا اخترت خلاف ما ذهبوا إليه لأمرين:
أحدهما: إجماع أهل اللّغة على أنّ معنى قول القائل: (قاموا سواك) و (قاموا غيرك) واحد، وأنه لا أحد منهم يقول: أنّ (سوى) عبارة عن مكان وزمان، وما لا يدلّ عليهما فبمعزل عن الظرفية.
الثاني: أنّ من حكم بظرفيتها حكم بلزوم ذلك، وأنها لا تنصرف، والواقع في كلام العرب نثرا ونظما خلاف ذلك، فإنّها قد أضيف إليها، وابتدئ بها، وعمل فيها نواسخ الابتداء، وغيرها من العوامل اللفظية، فمن ذلك قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«سألت ربّي ألّا يسلّط على أمّتي عدوّا من سوى أنفسهم» 621، وقوله - عليه الصلاة والسّلام -: «ما أنتم فيمن سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثّور - - معنى البيت: لا ينطق الفحشاء من كان من المجتمعين من قومنا، ولا من قوم غيرنا.
والشاهد: في جرّ (سواء) بحرف جرّ وجعله سيبويه من ضرورة شعرية.
ينظر: الكتاب (1/ 31، 407، 408)، والمقتضب (4/ 350)، والإنصاف (ص 167)، والعيني (3/ 126)، والأشموني (2/ 158).
الجزء: 5 - الصفحة: 2227
................................ الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض» 622. ومن ذلك قول الشاعر: 1759 - وكلّ من ظن أنّ الموت مخطئه... معلّل بسواء الحقّ مكذوب 623 ومن الإسناد إليها مرفوعة بالابتداء قول الشاعر: 1760 - وإذا تباع كريمة أو تشترى... فسواك بائعها، وأنت المشتري 624 وقال آخر - في رفعها بـ «ليس» -: 1761 - أترك ليلى ليس بيني وبينها... سوى ليلة إنّي إذا لصبور 625 وقال آخر - في وقوعها فاعلة، وهو بيت الحماسة -: 1762 - ولم يبق سوى العدوا... ن دنّاهم كما دانوا 626 وأنشد المصنف غير ذلك في شرح هذا الكتاب، وكثّر، ثمّ قال: فإن تعلق في -
الحديث: 1759 - الجزء: 5 - الصفحة: 2228
................................ ادّعاء الظرفية بقول العرب: رأيت الذي سواك، فوصلوا الموصول بـ (سواك) وحده، كما وصلوه بـ (عندك) ونحوه من الظروف، فالجواب أن يقال: لا يلزم من معاملته معاملة الظرف كونه ظرفا، فإنّ حرف الجر يعامل معاملة الظّرف، ولم يكن بذلك ظرفا، فإن ضمّن ظرفا فجائز، فإن أطلق على (سوى) ظرف، إطلاقا مجازيا لم يمتنع، وإنمّا يمتنع تسميته ظرفا بقصد الحقيقة» 627، ثم قال: «فإن قيل: فلم استجيز الوصل بـ (سوى) ولم يستجز بغيره، وهما بمعنى واحد؟ فعن ذلك جوابان: أحدهما: أنّ هذا من النوادر، كنصب (غدوة) بعد (لدن) وكإضافة (ذي) إلى (تسلم) (2) في قولهم: اذهب بذي تسلم 628. [3/ 60] والثّاني: أنّ (سوى) لازمة الإضافة لفظا ومعنى، فشبّه بـ (عند) و (لدى) في ذلك، مع كثرة الاستعمال، فعومل في الوصل به معاملتهما، ولم تعامل (غير) هذه المعاملة؛ لأنّها قد تنفكّ عن الإضافة لفظا 629، ثم قال: فإن قيل: فما موضع (سوى) من الإعراب، بعد الموصول؟ قلت: يحتمل أن يكون موضعه رفعا على أنّه خبر لمبتدأ مضمر، ويحتمل أن يكون موضعه نصبا، على أنّه حال، وقبله (ثبت) مضمرا، كما أضمر قبل (أن) في قولهم: لا أفعل ذلك ما إن حراء مكانه، ويقوّي هذا الوجه قول من قال: «رأيت الذي سواك» بالنّصب على أنّه يجوز أن يكون (سواك) خبر مبتدأ مضمر، وبني لإبهامه، وإضافته إلى مبنيّ، كما فعل ذلك بـ (غير) في قوله: -
الجزء: 5 - الصفحة: 2229
................................ 1763 - لذ بقيس حين ينأى غيره 630 وقد تقدّم إنشاده. انتهى. وأمّا كونه ظرفا غير لازم النّصب، أي ظرفا متصرّفا، فقد قال الشيخ: هذا الذي ذهب إليه المصنف من أنّ الأصحّ عدم ظرفية (سوى) لا يعلم له سلف في ذلك إلّا الزّجاجيّ 631، فإنّ ابن الضّائع نقل عنه أنها اسم غير ظرف، قال: بل المنقول أنّ (سوى) ظرف، وإنمّا الخلاف فيه، أهو متصرف، أو غير متصرّف؟ فمذهب سيبويه والفراء والأكثرين أنّه لازم الظرفيّة 632، ومذهب الرمانيّ، والعكبريّ أنّه ظرف متمكن، أي يستعمل ظرفا كثيرا، وغير ظرف قليلا 633. انتهى نقل الشيخ، وقد تقدم من كلام المصنّف ما يناقض ذلك، فإنّه قال: من حكم بظرفيتها حكم بلزوم ذلك وأنّها لا تتصرف، وكذا يقتضي كلام غيره 634. وقال ابن الحاجب - في شرح المفصّل -: للنّاس في (سوى) مذهبان: أحدهما: أنه بمعنى (غير) فيعرب كـ (غير)، ومذهب سيبويه أنّها منتصبة على الظرف أبدا ولا يستعمل غير ظرف 635. اه. وظهر منه موافقة قول المصنّف، وقد قرّر ابن الحاجب كلام سيبويه مستدلّا به، بأن قال: الدليل على ذلك أنّ (سوى) لم تجئ منصوبة إلا ما شذّ من قولهم: 1764 -... وما قصدت من أهلها لسوائكا 636
الحديث: 1763 - الجزء: 5 - الصفحة: 2230
................................
وإذا لم تستعمل إلّا منصوبة فهو المراد من كونها غير متصرّفة، و (سوى) مثلها، ولا قائل بالفرق، ثمّ قال: وبيان الظرفية فيها هو: أنّ العرب تجري الظّروف المعنويّة المقدّرة، مجرى الظّروف الحقيقيّة، فيقولون: فلان مكان فلان ولا يعنون إلّا منزلة في الذّهن مقدرة، فنصبوه نصب الظّروف الحقيقية، فكذلك إذا قالوا: مررت برجل سواك، وسوائك، إنّما يعنون مكانك، وعوضا منك، من حيث المعنى، فانتصب ذلك الانتصاب، ثمّ ذكر مستند المخالف فقال: وأما حجّة من قال: إنها بمعنى (غير)، يعتورها الإعراب على اختلاف وجوهه فالنقل والمعنى، أما المعنى
فقولهم: مررت برجل سواك، كقولهم: مررت برجل غيرك، وأما النقل فقول الشاعر:
1765 - ولم يبق سوى العدوا... ن دنّاهم كما دانوا 637
وبقولك: ما ضربت سواك، وما جاءني سواك، والجواب ما ذكرناه، من أنّ (سوى) لم يستعمل إلّا منصوبا، ومجيئه غير منصوب شاذّ، ولا قائل بالفرق بينه وبين (سوى)، وأما ما ذكروه من المعنى فمردود؛ لأنه يؤدي إلى رفع (سوى) ولم يستعمل فردّه إلى الظرف أولى، ليوافق كلام العرب، وإن كان مخالفا للظاهر، وأما في البيت، وغيره من الكلام، فهو صفة لموصوف محذوف، وذلك المحذوف هو الّذي دخل عليه العامل 638.
انتهى كلام ابن الحاجب، وقد وضح تجاوب الطرفين في هذه المسألة.
والّذي يقتضيه الإنصاف: الحكم بظرفيته، لصحّة وقوعه وحده صلة، في قولهم: جاءني الذي سواك، وما ذكره المصنّف، من أنّه يقدر له مبتدأ محذوف، أو غيره خلاف الأصل، وعدم الحكم بلزوم الظرفيّة، لما تقدّم من الشواهد الدّالة - - ويروى: «عن جو اليمامة»، و «عن جلّ اليمامة» وتجانف أصله: تتجانف، ومعناه: تنحرف.
ومعنى البيت: أنه لم يقصد سواه من أهل اليمامة.
والشاهد: في قوله: «لسوائكا»؛ حيث جرّت «سوى» باللام، وخرجه سيبويه على أنه ضرورة شعرية.
ينظر: ديوان الأعشى (ص 589)، والكتاب (1/ 32، 408)، والمقتضب (4/ 349)، والإنصاف (ص 167)، وشرح المفصل (2/ 44، 84)، والهمع (1/ 202)، والدرر (1/ 161).
الحديث: 1765 - الجزء: 5 - الصفحة: 2231
[حذف ما بعد «إلّا» و «غير»]
قال ابن مالك: (وقد يقال: ليس إلّا، وليس غير، وغير، إذا فهم المعنى وقد ينوّن، وقد يقال: ليس غيره وغيره، ولم يكن غيره وغيره 639، وفاقا للأخفش) 640.
- على استعماله غير ظرف، وما ذكروه من جعل (سوى) فيما ورد صفة لمحذوف خلاف الأصل، مع أنه لا يصلح تقديره في جميع ما ورد، وقال الشيخ - بعد نقل كلام المصنّف، وإيراد الشواهد على مختاره -: وقد ذهب مذهبا قلّ
أن يتبع عليه؛ لأنّ مستقرئ اللغة وعلم النحو، لا يكاد أحد منهم يذهب إلى مقالته، وهي عندهم منصوبة على الظرف، ولا حجة فيما كثر من الشواهد كلّها؛ لأنّها جاءت في الشعر، وهو محلّ ضرورة 641. اه.
ونبّه المصنف أنّ سين (سوى) قد تضمّ مقصورة، وقد تفتح ممدودة، وذكر ابن الخبّاز - في شرحه لألفية ابن معط - لغة رابعة، وهي المدّ، مع كسر السين 642، ومعناه في الاستثناء واحد، والخلاف في الممدودة كالخلاف في المقصورة.
قال الشيخ عن بعضهم ما معناه: أنّ (سوى) - في غير الاستثناء - إمّا بمعنى: مستو كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ 643، أو بمعنى: وسط كقوله تعالى: فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ 644، أو بمعنى حذاء كقولهم: زيد سواء عمرو أي حذاء عمرو 645. قال ناظر الجيش: قال المصنف: قد يكتفي بـ (إلّا) وب (غير) عن المستثنى، إذا عرف المعنى، ولم يستعمل العرب ذلك بعد غير (ليس)، فيقال: قبضت عشرة -
الجزء: 5 - الصفحة: 2232
................................
ليس إلّا وليس غيره وغير، التقدير: ليس المقبوض إلا ذاك، وليس المقبوض غير ذلك وليس غير ذلك مقبوضا، واختلف في (غير) - مضمومة - هل هي معربة أو مبنية: فذهب الأخفش إلى أنّها معربة، كما أنّها معربة إذا كانت مفتوحة، فجعلها معربة في الحالين، ويرى أنّ التنوين نزع للإضافة 646، ولأنّ المضاف إليه ثابت في التقدير فإن رفعت (غير) كان اسم (ليس) والخبر محذوف، والتقدير كما تقدّم، وإن نصبته كان الخبر والاسم
محذوف 647، وقد [3/ 61] تقدّم تمثيله.
وذكر الأخفش أنّ بعض العرب ينوّن (غيرا) لأنّه في اللفظ غير مضاف (3)، قال السيرافيّ: وينبغي أن يكون تنوينه على وجهي الرفع والنصب 648، وذهب المبرّد وأكثر المتأخّرين إلى أنها مبنيّة، وحركتها حركة بناء، لشبهها بـ (قبل) و (بعد) في الإبهام، والقطع عن الإضافة ونية المضاف إليه، قال الشيخ - بناء على هذا المذهب -: وتكون مبنية سواء كانت اسم (ليس) أو خبرها وهو واضح.
قال المصنف: تنوين (غير) يدلّ على أنه معرب؛ لأنّ تنوينه إما للصرف أو التعويض من المضاف إليه، وأيّا ما كان يلزم كون ما هو فيه معربا؛ لأنّ تنوين الصّرف لا يلحق مبنيّا، وتنوين العوض يوجب للمنوّن ما له مع المضاف إليه من بناء وإعراب؛ لأنّه قائم مقامه، ولذلك حكم ببناء (إذ)، وإعراب (كلّ، وبعض) 649. انتهى.
وممّا يقوى به القول بأنّها معربة؛ الحكم بإعرابها حال كونها مفتوحة، فإذا قيل بإعراب المضمومة تعادل الوجهان، بخلاف ما لو قيل ببنائها، قال الشيخ: وليس قولهم: جاءني زيد ليس إلا، أو ليس غير - استثناء من الأول؛ لأنّه يكون تبعيضا لما ليس متبعضا ولأنّ ما بعد (ليس) هو الأول، كيف كان 650. انتهى.
وكان قد تقدم من تمثيله: جاءني زيد ليس إلّا، وليس غيره وقال: التقدير ليس الجائي إلا هو، وليس الجائي غيره، وكلام الشيخ هذا ظاهر، ولا منافاة بينه وبين قول المصنّف: قد -
الجزء: 5 - الصفحة: 2233
[حكم الاسم المذكور بعد «لا سيما» - اللغات فيها]
قال ابن مالك: (والمذكور بعد «لا سيّما» منبّه على أولويته بالحكم، لا مستثنّى فإن جرّ فبالإضافة و «ما» زائدة، وإن رفع فخبر مبتدأ محذوف، و «ما» بمعنى «الّذي» وقد توصل بظرف أو جملة فعليّة، وقد يقال:
«لا سيّما» بالتخفيف، و «لا سواء ما»).
يكتفى بـ (إلّا) وب (غير) عن المستثنى 651؛ لأنّ مراد المصنف المستثنى بـ (إلّا) وب (غير) الواقعتين بعد (ليس) وهو المقدر بعد (إلّا) والمضاف إليه (غير) ولا شكّ أنهما مستثنيان؛ ولهذا قال سيبويه: هذا باب يحذف المستثنى فيه استحقاقا (2). ثمّ مثّل بـ (ليس إلّا) و (ليس غير) وقال: كأنّه قال: ليس إلا ذاك، وليس غير ذاك، ولكنّهم حذفوا ذلك تخفيفا، واكتفاء بعلم المخاطب ما يعني 652. انتهى.
وأجاز الأخفش أن يقال: ليس غيره وغيره، يعني أنه يجوز إضافة (غير) وترفع على أنّها الاسم، والخبر محذوف، وتنصب على العكس.
قال الشيخ: والأجود التصريح مع (غير) بالمضاف إليه، فقولك: قبضت عشرة ليس غيرها، وغيرها، أجود من: ليس غير، أو غير 653. انتهى.
وأجاز الأخفش أيضا أن يقال: في موضع (ليس غيره) - لم يكن غيره.
وغيره قال المصنف: وما له على ذلك دليل غير القياس 654، قال السيرافيّ - في الحذف الذي استعملوه بعد (إلّا) و (غير): إنما يستعمل إذا كانت (إلّا) و (غير) بعد (ليس) ولو كان مكان (ليس) غيرها من ألفاظ الحمد لم يجز الحذف، وعلّلوا ذلك بأنّ الأصل أن لا يجوز حذف الاسم في باب (كان) ولا حذف الخبر، فلا يتجاوز بذلك مورد السّماع.
قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام على أدوات الاستثناء 655 وهي: إلّا، وحاشا، وخلا، وعدا، وليس، ولا يكون، وغير، وسوى - بلغاتها - وبيد - على خلاف -
الجزء: 5 - الصفحة: 2234
................................
فيها تقدّم ذكره - أراد أن ينبّه على وهم من ادّعى أنّ من جملة الأدوات (لا سيّما)، قال المصنف 656: قد جعلها بعضهم من أدوات الاستثناء 657، وذلك عندي غير صحيح؛ لأنّ أصل أدواته هي (إلّا) فما وقع موقعه 658 وأغنى 659 عنه فهو من أدواته، وما لم يكن كذلك فليس منها، ومعلوم أنّ (إلّا) تقع موقع الأدوات التي تقدّم ذكرها فوجب إدخالها 660 مع (إلّا) في الباب، و (لا سيما) بخلاف ذلك.
فلا يعدّ من أدواته، بل هو مضادّ لها، فإنّ الذي يلي (لا سيّما) داخل فيما دخل فيه ما قبله، ومشهود له بأنّه أحقّ بذلك من غيره، وهذا المعنى مفهوم بالبديهة من قول امرئ
القيس:
1766 - ألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل 661
فلا تردّد في أنّ مراده دخول «يوم دارة جلجل» فيما دخلت فيه الأيّام الأخر من الصلاح وأنّ له مزية، وهذا ضد المستفاد بـ (إلّا) فلا سبيل إلى إلحاق (لا سيّما) بأدوات الاستثناء 662. -
الحديث: 1766 - الجزء: 5 - الصفحة: 2235
................................
قال الشيخ: وعدّها من الأدوات الكوفيون وجماعة من البصريين كالزجاج وأبي علي.
انتهى 663.
وقد ذكر ابن عصفور وجه الاعتذار عن ذلك، فقال: إذا قلت: «قام القوم لا سيّما زيد» فقد خالفهم (زيد) في أنه أولى
بالقيام منهم، فهو مخالفهم في الحكم الذي ثبت لهم بطريق الأولوية.
انتهى 664 وضعفه غير خفي 665.
قال الشيخ: ودخول الواو عليها منعها من أن تكون من أدوات الاستثناء.
انتهى 666.
ثم اعلم أنّ (لا) من (لا سيّما) هي العاملة عمل (إنّ) و (سيّ) اسمها، وهو نكرة وإن أضيف إلى معرفة؛ لأنه كـ (مثل) حكما لتوافقهما معنى 667.
قال سيبويه: وسألت الخليل عن قول العرب: «ولا سيّما زيد» فزعم أنّه مثل قولك: «ولا مثل زيد» و (ما) لغو 668. انتهى.
وجوّز النحويون في الاسم الواقع بعد (لا سيما) الجرّ والرفع، وجوّزوا النصب أيضا إذا كان الاسم المذكور نكرة، وقد روي بيت امرئ القيس المتقدم بالأوجه الثلاثة 669.
أمّا الجرّ في مثل (لا سيما) فعلى جعل (ما) زائدة، وإضافة (سيّ) إلى ما بعدها، وكأنّه قيل: «لا مثل زيد» وقد تقدّم قول الخليل: و (ما) لغو، أي:
زائدة، وخبر (لا) محذوف لفهم المعنى.
ويجوز حذف (ما) فتقول: «ولا سيّ زيد».
قال الشيخ: ونصّ عليه سيبويه 670. -
الجزء: 5 - الصفحة: 2236
................................
ونقل عن أبي علي 671 أنّه قال: إنّ (لا) ليست عاملة في (سيّ) وإنّما (سيّ) منصوب على الحال من الجملة السابقة، ولم تتكرر (لا) وإن كان قياسها التكرار، قال: فكأنك قلت: قام القوم غير مماثلين زيدا في القيام؛ ثم قال الشيخ:
وما ذهب إليه فاسد، لجواز دخول الواو على (لا) وهو لا يجوز مع الحال، لا تقول: «جاء زيد ولا ضاحكا» 672.
قال 673: وبعضهم زعم أنّ (لا) في (لا سيّما) زائدة، وهو غريب.
وأما الرفع فعلى جعل (ما) بمعنى الذي، وهي مخفوضة بإضافة (سيّ) إليها، والاسم الواقع بعد (لا سيما)، خبر مبتدأ محذوف، والمبتدأ وخبره صلة، قاله سيبويه عن الخليل، وقال: و (لا سيّما زيد) كقولهم: (دع ما زيد).
انتهى 674 والتقدير:
دع الذي هو زيد، كما تقدّر (لا سيّما زيد) لا مثل الذي هو زيد.
وذكر الناس 675 أنّ وجه الرفع فيه ضعف من جهتين:
إحداهما: حذف صدر الصلة من غير طول وليس الموصول (أيّا)، والتزام حذفه دائما فلم ينطق به.
والثانية: إطلاق (ما) على آحاد من يعقل، والمشهور أنّ ذلك لا يجوز.
وخبر (لا) محذوف، كما تقدّم في وجه الجرّ ونقل الشيخ عن الأخفش أنه جعل (ما) بمعنى الذي - كما تقدم - إلا أنه لم يجعل «سيّا» مضافا إليها، بل جعلها 676 في موضع رفع على أنها خبر (لا)... قال: فكأنه قال: لا مثل -
الجزء: 5 - الصفحة: 2237
................................
الشخص الذي هو زيد... ثم قال الشيخ: وهذا فاسد؛ لأنّ فيه عمل (لا) في خبرها وهو معرفة و (لا) لا تعمل في المعارف 677... ثم قال: وأجاز ابن خروف أن تكون (ما) نكرة موصوفة، وما بعدها من محذوف ومذكور صفة لها، كما قدرته صلة.
انتهى 678.
وفيما أجازه ابن خروف مخلص من ارتفاع (ما) على العامل، وإلزام حذف صدر الصلة وإن لم تطل.
وأما النصب إذا كان الاسم نكرة فعلى التمييز.
وفي إعراب (ما) وجهان:
أحدهما: أنها في موضع جرّ بالإضافة، وهي نكرة تامة، أي: ولا مثل شيء، ثم ميّز بالنكرة.
قال الشيخ: وهذا الإعراب الذي تلقفناه من أفواه الشيوخ 679 يعني أنّ (ما) نكرة تامة.
[3/ 58] الوجه الثاني - وأشار إليه المصنف -: أنّها كافة 680، لا موضع لها من الإعراب، وهي عوض من المضاف إليه، وانتصب ما بعدها على التمييز، كما كان ينتصب بعد المضاف إليه، كقولك: «لي مثله يوما» وكقولهم: «على التمرة مثلها زبدا».
قال المصنف: أشار إلى هذا الوجه الفارسي 681، واستحسنه الشلوبين 682 - - خبر (لا).
ينظر: التذييل (3/ 675)، والارتشاف (2/ 328).
الجزء: 5 - الصفحة: 2238
................................
ولا بأس في كل ما وقع بعد (لا سيما) من صالح للتمييز.
انتهى 683.
ولا يخفى أرجحية الوجه الثاني على الأول.
وقد ضعف الوجه الأول من جهة أنّ (مثل) تضاف إلى معرفة ليتخصص، نحو: «لي مثله رجلا» فلا ينبغي إضافتها إلى نكرة 684 إلّا أن يقال: لمّا ميّزت حصل التخصص كما لو أضيفت إلى معرفة.
وأما بيت امرئ القيس المتقدم فتخرّج رواياته الثلاث على ما تقدم من التقرير، والرفع فيه قويّ أيضا؛ لأنّ (ما) لم يقع فيه على العاقل، ولم تقصر
الصلة بل طالت بذكر (دارة جلجل).
وجوّز المصنف في رواية النصب: نصب (يوما) على الظرف 685 وجعله صلة لـ (ما)... قال: (وبدارة جلجل) صفة لـ (يوما) أو متعلق به لما فيه من معنى الاستقرار 686.
وجوّز أيضا جعل (بدارة جلجل) صلة (ما) ونصب (يوما) به لما فيه من معنى الاستقرار.
قال: فإنّ (ما) المذكورة قد توصل بظرف كقولك «يعجبني الاعتكاف لا سيّما عند الكعبة، والتهجد ولا سيّما إذا قرب من الصبح 687». ومنه قول الشاعر: - - الإضافة في قولهم: «على التمرة مثلها زبدا» من جهة منعها الإضافة إلى ما بعدها.
اه.
وواضح من كلامه أنّه لم يستحسن الوجه، إنما استحسن التوجيه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2239
................................
1767 - يسرّ الكريم الحمد لا سيّما لدى... شهادة من في خيره يتقلّب 688
وإلى هذه الأمثلة إشارة بقوله: وقد توصل بظرف.
وأمّا الوصل بجملة فعلية فكقولك: «يعجبني كلامك لا سيّما تعظ به».
ومنه قول الآخر:
1768 - فق النّاس في الخير لا سيّما... ينيلك من ذي الجلال الرضا 689
وأنشد المصنف شاهدا على مخفف (لا سيما) قول الشاعر:
1769 - فـ بالعقود وبالأيمان لا سيّما... عقد وفاء به من أعظم القرب 690
ولم ينشد شاهدا على (لا سواء ما).
قال الشيخ: والمحذوف من (لا سيما) المخفّف اللام، ويجوز أن يكون العين، وهي من باب (طويت) 691.
قال: وإطلاق المصنف يدلّ على أنّ الرفع والجرّ جائزان بعد (لا سواء ما) كما جاز بعد (لا سيّما) 692.
قال: وحكى ابن الأعربي أن العرب تقول: (لا مثلما) بمعنى (لا سيّما) -
الحديث: 1767 - الجزء: 5 - الصفحة: 2240
................................
وأنّهما بمعنى واحد... قال: ونص على أن ما بعد (لا مثلما) يرفع ويجرّ كما بعد (لا سيّما) 693.
قال: وقال الهنائي 694: لا ترما، ولا سيما، ولا مثلما بمعنى واحد.
قال: وذكر ابن الأعرابي (ولو تر ما) بمعنى (لا سيّما) 695 إلّا أنّه قال:
لا يكون فيها إلّا الرفع - يعني في الاسم الذي بعدها - لأنّ (تر) فعل فلا يمكن زيادة (ما) بعدها وجرّ ما يلي (ما) بالإضافة؛ لأنّ الفعل لا يضاف، فـ (ما) موصولة بمعنى «الذي» وهي مفعولة بـ (تر)، و (زيد) خبر مبتدأ محذوف.
ثم (تر) إن كان قبلها (لا) احتملت وجهين:
أحدهما: الجزم بـ (لا) على أنّها الناهية، والتقدير: لا تر أيّها المخاطب الذي هو زيد، فإذا قيل: «قام القوم لا تر ما زيد» كان المعنى: لا تبصر الشخص الذي هو زيد، فإنه في القيام أولى به منهم.
الثاني: أن تكون غير مجزومة على أنّ (لا) نافية، وحذفت ألف (تر) شذوذا كما حذفوا في (لا أدر) و (لا أبال) وهما منفيان.
وإن كان قبل (تر) (لو) فحذف الألف للشذوذ أيضا، كما ذكر في (لا) النافية، وجواب (لو) محذوف، والتقدير: لو تبصر الذي هو زيد لرأيته أولى منهم بالقيام، ونظيره قولهم: «لقد جاد الناس ولو رأيت زيدا» أي: لرأيت الجود العظيم 696.
وقال الشيخ أيضا: ومن أحكام (لا سيّما) أنه قد يجيء بعدها الجملة الشرطية نحو قولك: «السؤال يشفي من الجهل لا سيما إن سألت خبيرا» وأنشد على ذلك -
الجزء: 5 - الصفحة: 2241
................................
بيتا 697، ويحتاج إلى تخريج مثل هذا على وجه يتمشى على التقديرات المتقدمة.
ثم قال: ومن أحكامها أنّه لا يجيء بعدها الجملة بالواو نحو ما يوجد في كلام أكثر المصنفين من قولهم: «لا سيما والأمر كذلك» أو «لا سيّما والحالة هذه» وكذا لا يجوز حذف (لا) من (لا سيما) وقد أولع بذلك كثير من المصنفين 698.
الجزء: 5 - الصفحة: 2242