تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب الثلاثون باب العدد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[حكم تمييز الأعداد من واحد إلى مائة]

قال ابن مالك: (مفسّر ما بين عشرة ومائة واحد منصوب على التمييز، ويضاف غيره إلى مفسّره مجموعا مع ما بين اثنين وأحد عشر، ما لم يكن مائة فيفرد غالبا، ومفردا مع مائة فصاعدا، وقد يجمع معها وقد يفرد تمييزا، وربّما قيل: عشرو درهم، وأربعو ثوبه، وخمسة أثوابا، ونحو ذلك، ولا يفسّر واحد واثنان، و «ثنتا حنظل» ضرورة) 1. قال ناظر الجيش: [3/ 103] لما كان العدد مفتقرا إلى التمييز وصل بابه ببابه 2، وقدّم فيه الكلام على العدد المميز بمنصوب ولا بدّ في الترجمة من مضاف محذوف والتقدير: باب اسم العدد، واسم العدد ما وضع لكميّة آحاد الأشياء، وأصوله اثنتا عشرة كلمة: واحد إلى عشرة، ومائة وألف، وأما ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين إلى تسعين ففروع لاشتراكها مع الآحاد في اللفظ، ولأنها تكرير للعشرة في المعنى.
ثم العدد بالنسبة للاستعمال أربعة أنواع: مفرد ومضاف ومركب ومعطوف 3. فالمفرد: واحد واثنان للمذكر، وواحدة واثنتان للمؤنث، والعقود الثمانية، وهي: عشرون وتسعون وما بينهما، ويستعمل للمذكر والمؤنث بلفظ واحد.
والمضاف: ثلاثة وعشرة وما بينهما في التذكير، وثلاث وعشر وما بينهما في التأنيث، ومائة وتثنيتها، وألف وتثنيته وجمعه، واستعمال هذه بلفظ واحد في التذكير والتأنيث.
والمركب: أحد عشر واثنا عشر وثلاثة عشر إلى تسعة عشر في التذكير، وإحدى -

الجزء: 5 - الصفحة: 2399

................................  عشرة واثنتا عشرة وثلاث عشرة إلى تسع عشرة في التأنيث.
والمعطوف: العقود المعطوفة على النيّف: أحد وعشرون واثنان وعشرون وثلاثة وعشرون وهكذا إلى تسعة وتسعين في التذكير، وإحدى وعشرون واثنتان وعشرون وثلاث وعشرون وهكذا إلى تسع وتسعين في التأنيث.
ثم من هذه الأنواع ما لا يذكر معه تمييز وهو المفرد الذي هو واحد واثنان تذكيرا وتأنيثا؛ وذلك لأنّ المعدود إذا اقتصر على واحده ومثناه عرف جنسه ومقداره نحو: رجل ورجلان ودرهم ودرهمان.
وهذا بخلاف الجمع فإنه إذا اقتصر معه على الاسم كرجال مثلا جهل مقداره 4. والحاصل: أنّ لفظ المفرد ولفظ المثنى يدلان على جنس المعدود وكميته فاستغني فيهما عن اسم العدد بخلاف لفظ الجمع فإنه وإن دلّ على الجنس لا يفيد الدلالة على الكمية.
وأما المفرد الذي هو عشرون وثلاثون وأخواتهما، والأنواع الثلاثة الأخر فلا بدّ لها من تمييز؛ لأنّ اسم العدد إنما يفيد الكميّة فقط فيحتاج إلى ذكر ما يفيد الجنسية، فمن ثم كان ذكر التمييز لازما، ثم مميز المفرد الذي هو ألفاظ العقود ومميز المركب ومميز المعطوف واحد منصوب فهو تمييز اصطلاحي، كما أنه تمييز لغوي، ومميز المضاف مجرور فهو تمييز لغوي لا اصطلاحي 5، لكنه مع الثلاثة فما فوقها إلى العشرة مجموع، ومع المائة فما فوقها مفرد، هذا هو أصل الباب، وقد يقع الاستعمال بخلافه فيعدّ ذلك قليلا أو ضرورة كما ستقف عليه.
إذا عرف هذا فلنرجع إلى الشرح معتمدين كلام المصنف أولا فنقول: قد تناول قوله: مفسّر ما بين عشرة ومائة واحد منصوب على التمييز: أحد عشر 6 وإحدى -

الجزء: 5 - الصفحة: 2400

................................  عشرة وتسعة وتسعين وتسعا وتسعين وما بينهما كقوله تعالى حكاية: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً 7 وكقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن لله تسعة وتسعين اسما» 8. ودلّ قوله: واحد على أن جمعه وهو تمييز لا يجوز مطلقا.
وزعم الزمخشري في الكشاف 9 أنّ أَسْباطاً من قوله تعالى: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً 10 تمييز، ثم قال: فإن قلت: مميز ماعدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعا؟ وأجاب: بأن المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة وأنّ كل قبيلة أسباط لا سبط، فأوقع أَسْباطاً موقع قبيلة، كما قال: 1921 - بين رماحي مالك ونهشل 11 انتهى 12. قال المصنف: فمقتضى ما ذهب إليه أن يقال: «رأيت إحدى عشرة أنعاما» إذا أريد: إحدى عشرة جماعة، كل واحدة منها أنعام، ولا بأس برأيه في هذا لو ساعده استعمال، لكن قوله: كل قبيلة أسباط لا سبط - مخالف لما يقوله أهل اللغة: إنّ السبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، فعلى هذا معنى وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ -

الحديث: 1921 - الجزء: 5 - الصفحة: 2401

................................  عَشْرَةَ أَسْباطاً [3/ 104]: قطعناهم اثنتى عشرة قبائل، فأسباط واقع موقع قبائل، لا موقع قبيلة، فلا يصح كونه تمييزا، وإنما هو بدل، والتمييز محذوف 13. وأجاز بعض العلماء أن يقول القائل: «عندي عشرون دراهم لعشرين رجلا».
قاصدا أنّ لكل منهم عشرين درهما.
قال المصنف 14: وهذا إذا دعت الحاجة إليه فاستعماله حسن وإن لم تستعمله العرب؛ لأنه استعمال لا يفهم معناه بغيره ولا يجمع مميز عشرين وبابه في غير هذا النوع فإن وقع موقع تمييز شيء منها جمع فهو حال أو تابع، كبني مخاض في قول ابن مسعود 15: «قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض وعشرين بني مخاض وعشرين ابنة لبون وعشرين حقّة وعشرين جذعة» 16 فـ (بني مخاض) نعت أو حال.
انتهى.
والتمييز الذي ادّعى المصنف حذفه في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً هو (فرقة) ثم إنّ المصنف لم يبيّن المبدل منه ما هو، لكن بينه الشيخ فقال 17: هو بدل من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ التقدير: وقطعناهم أسباطا، أي: قبائل، ولا يجوز أن يكون بدلا من المحذوف يعني التمييز الذي هو (فرقة)؛ لأنّ العامل إذ ذاك يكون هو العامل في المبدل منه، أو يقدّر له عامل مثله، فيلزم حينئذ ما فررنا منه 18، وكذا يقال في -

الجزء: 5 - الصفحة: 2402

................................  قوله: فـ (بني مخاض) نعت أو حال: إنه نعت لـ (عشرين) أو حال منها، والتمييز محذوف، التقدير: وعشرين جملا بني مخاض 19. وقال أيضا 20: الجمهور لا يجيزون الجمع في التمييز المنصوب بعد العدد، وذهب الفراء إلى أنّ ذلك جائز، فتقول: «عندي أحد عشر رجالا، وقام ثلاثون رجالا».
قال: ويمكن الاستدلال له بقوله تعالى: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً 21. انتهى.
وأقول: إنني لم أتحقق ما قاله المصنف في «عندي عشرون دراهم لعشرين رجلا» وهو أنه يفهم منه أنّ لكلّ رجل عشرين درهما.
وقد نازع الشيخ في ذلك، قال 22: لأنّ المفرد في عشرين درهما واقع موقع الجمع، فكما أنّ هذا المفرد لا يدل على ذلك المعنى فكذلك هذا الجمع لا يفيده، بل لو صرح فيه بالتركيب العربي الذي لا خلاف في جوازه، وهو أن يقال: «عندي دراهم عشرون، أو عندي عشرون من الدراهم لعشرين رجلا» لم يفد ذلك أنّ عنده لكل رجل عشرين درهما.
ثم إنّ المصنف أشار بقوله: ويضاف غيره إلى مفسّره إلى المميز المجرور وهو مميز المضاف؛ لأن الضمير في (غيره) و (مفسّره) عائد على ما بين عشرة ومائة، فعلم منه تساوي المائة فما فوقها، والعشرة فما دونها في الإضافة إلى المفسّر 23. ثم ذكر أنّ المفسّر جمع أو مفرد مشيرا إلى ذلك بقوله: مجموعا مع ما بين اثنين وأحد عشر ومفردا مع مائة فصاعدا فيقال: ثلاثة أيام، وثلاث ليال، وعشرة أشهر، وعشر سنين، ومائة دينار، وألف درهم، وكذا يقال في ما أشبه ما ذكرنا.
نعم إن كان مفسر الثلاثة إلى التسعة مائة أفرد، فيقال: ثلاثمائة إلى تسعمائة بالإفراد، قال المصنف 24: والقياس يقتضي أن يقال: ثلاث مئات أو مئين، كما يقال: ثلاثة -

الجزء: 5 - الصفحة: 2403

................................  آلاف، إلّا أنّ العرب لا تجمع المائة إذا أضيف إليها عدد إلّا قليلا، كقول الشاعر: 1922 - ثلاث مئين للملوك وفى بها... ردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم 25 ومن أجل هذا الوارد بجمع قيّد إفراد (المائة) بقوله: غالبا، ثمّ أشار 26 إلى أنّ المفسّر قد يجمع مع (المائة) وقد يفرد تمييزا، أي منصوبا، منبّها بذكر (قد) مع الفعلين، على أنّ ذلك قليل، فأما الجمع فكقراءة حمزة والكسائيّ: ثلث مائة سنين 27 بإضافة (مائة) وأما الإفراد والنصب فنحو قول الربيع بن ضبع الفزاريّ 28: 1923 - إذا عاش الفتى مائتين عاما... فقد ذهب المسرّة والفتاء 29

الحديث: 1922 - الجزء: 5 - الصفحة: 2404

................................  ومثله - في رواية من نصب (مائة) - قول حذيفة 30 رضي الله تعالى عنه: «فقلنا: يا رسول الله أتخاف علينا، ونحن ما بين السّتّ مائة، والسبع مائة» 31 فأجرى الألف واللّام - في تصحيح نصب المميز - مجرى النّون، من «مائتين عاما»، لاستوائهما في المنع من الإضافة، قال المصنف: وهذا يقوّي ما ذهب إليه ابن كيسان، من جواز: الألف درهما، والمائة دينارا 32، قال: ويروى «ما بين الستّ مائة، إلى السبع مائة؟» بجرّ (مائة) وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون أراد (مئات) على 33 أنه بدل، ثمّ استعمل المفرد مكان الجمع، على فهم المعنى، كما قيل في قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ 34. والثّاني: أن يجعل الألف واللام زائدين، فلم يمنعا من الإضافة، كما لم يمنعا في قول الشاعر: 1924 - تولي الضّجيع إذا تنبّه موهنا... كالأقحوان من الرشاش المستقي 35 الثالث: أن يكون أراد ما بين الستّ ستمائة، ثم حذف المضاف، وأبقى عمله، -

الحديث: 1924 - الجزء: 5 - الصفحة: 2405

................................  كقراءة بعض القراء: والله يريد الآخرة، 36، أي: عرض الآخرة، فحذف المضاف، وأبقى عمله وحكى الكسائيّ أن من العرب من يضيف العشرين وأخواته إلى المفسّر منكرا أو معرّفا، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: وربّما قيل: عشرو درهم، وأربعو ثوبه 37 ومنهم [3/ 63] من ينصب مفسّر الثلاثة وأخواتها على التمييز، فيقول: لي خمسة أثوابا 38، وهو نظير قول الربيع: 1925 - إذا عاش الفتى مائتين عاما ونظيره: «ونحن ما بين الستّ مائة» بالنصب.
هذا ما ذكره المصنف 39. ثم إنّنا نشير إلى أمور.
منها: أن تسأل عن الموجب لإفراد المائة المفسرة للعدد، من ثلاثة إلى تسعة ما هو؟ فأما بعضهم فإنه علّل ذلك بأنّ المائة جمع في المعنى، ولا يخفى أنّ هذا التعليل غير متّجه، لانتقاضه بالألف، فإنّه جمع في المعنى ومع هذا لا يفسّر به إلا وهو جمع، وقد ذكر الفارسيّ كلاما حسنا فقال: «والأصل فيما يبين العدد الإفراد؛ لأنّ المعدود قد علم قدره، وإنّما يحتاج إلى بيان جنسه، والواحد كاف في ذلك، ولفظه أخفّ من لفظ الجمع» 40. -

الحديث: 1925 - الجزء: 5 - الصفحة: 2406

................................  وعلى ذلك جاء الاستعمال في ضروب العدد، إلا ما كان من الثلاثة إلى العشرة، فإنه يبين بجموع القلة؛ لأنّها تشبه الآحاد، من جهة تكسيرها تكسير الآحاد، وتحقيرها على لفظها، كما تحقّر الآحاد ومن جهة أنّها توصف بها الآحاد، نحو: برمة أعشار، وثوب أخلاق 41، ومن جهة عود الضمير المفرد المذكّر عليها، نحو قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ 42، ومما حسن تبيينها بها مناسبتها لها في القلة، ومما يبيّن لك أنّ الأصل في مفسّر الثلاثة إلى العشرة، التعيين بالمفرد أنّهم قد بيّنوا ضربا منها به، وذلك قولهم: ثلاثمائة، وأربعمائة، إلى الألف 43، وقولهم: ثلاث مئين وثلاث مئات شاذّ في القياس، وإنّما يجيء في الشعر، وأما إضافة الثلاثة، وأخواتها إلى جمع الكثرة فقليل، وغيره مقيس.
اه 44. ولكن قد تقدّم قول المصنف: والقياس يقتضي أن يقال: ثلاث مئات، أو مئين.
وقال سيبويه - رحمه الله تعالى -: وأما تسعمائة، وثلاثمائة فكان ينبغي أن يكون في القياس مئين، أو مئات، ولكنّهم شبهوه بعشرين، وأحد عشر، حين جعلوا ما يبين العدد واحدا؛ لأنه اسم لعدد، وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا، والمعنى جمع 45. انتهى، وهو خلاف ما قاله الفارسيّ، وقد جمع النحاة بين القولين بأن قالوا: لنا قياسان 46: أحدهما: أصل، وهو أنّ أصل تمييز العدد أن يكون واحدا.
- - وذلك أنّ المعدود قد علم قدره بذلك العدد، وإنّما يحتاج إلى ما يبين جنسه، والواحد يكفي في ذلك ولفظه أخف من لفظ الجمع، فكان التبيين به أولى...». ينظر: التذييل والتكميل (4/ 150) تحقيق د/ الشربيني أبو طالب.

الجزء: 5 - الصفحة: 2407

................................  والثاني: أنهم حينما خالفوا هذا الأصل، فأضافوا (ثلاثة وتسعة)، وما بينهما إلى جمع صار هذا أصلا ثانيا، فلما أضافوا إلى المائة كان القياس فيها أن تجمع، فترك هذا القياس، وأضيفت إلى لفظ مائة مفردة.
وقد ذكر عن الفراء - في إفراد المائة، بعد اسم العدد من الثلاثة إلى التسعة - تعليل غير ذلك 47، ولكنّي تركت ذكره خوف الإطالة.
ومنها: أنّه قد تقدمت الإشارة إلى أنّ مميز المائة قد يجمع، وعليه قراءة من قرأ: ثلث مائة سنين 48 وأما من قرأ بالتنوين 49 فيكون إعراب سنين عطف بيان، أو بدلا 50. وقيل: ولا يجوز كونه تفسيرا؛ لأنّه يلزم منه أن يكون أقلّ ما لبثوا تسعمائة سنة، سوى التسع 51، وكأنّ مستند هذا القائل أنّ (سنين) جمع، وهو مفسر لـ ثَلاثَ مِائَةٍ، فكأنّه يقول: كلّ مائة سنة هي جمع، وأقلّ الجمع ثلاثة، فتعين أن يكون ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ تسعمائة سنة، ولا يخفى ضعف هذا التقدير.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2408

................................  ومنها: أنّ تمييز الثلاثة إلى العشرة لا يلزم ذكره مضافا إليه، بل قد يذكر بعد اسم العدد، مجرورا بـ (من) نحو: ثلاثة من الرجال، وقد يذكر تابعا لاسم العدد، نحو: ثلاثة قرشيّون، وقد نصّوا على أنّ الإتباع في نحو: ثلاثة قرشيّون - يعنون في الصّفة - أحسن من الإضافة.
وقد ذكر ابن عصفور تقسيما، فقال: المعدود إمّا صفة أو جامد، فإن كان جامدا فالأحسن فيه الإضافة، نحو: «ثلاثة رجال»، ثم الفصل بـ (من) نحو: «ثلاثة من الرّجال»، ثم النصب على التمييز، نحو: «ثلاثة رجالا»، وإن كان صفة فالأحسن فيه الإتباع، نحو: «ثلاثة قرشيّون»، ثم يليه النصب على الحال من (ثلاثة) نحو: «ثلاثة قرشيّين»، ثمّ الإضافة، نحو: «ثلاثة قرشيين»، وهذا أضعفها، وسبب ضعفه استعمال الصفة استعمال الأسماء، يعني أن العامل أولها، ولا تستعمل الصفة استعمال الأسماء بقياس 52. انتهى.
وهو كلام مقبول، غير قوله: إنّ المعدود ينصب تمييزا نحو: «ثلاثة رجالا»؛ فإنّ ذلك لا يجوز عند البصريّين، وذكر الشيخ أنّ الفراء يجيزه قياسا 53. وقد ذكر سيبويه أنّ نحو: «ثلاثة أثواب»، قد تنوّن في الشّعر وينصب ما بعده 54 ولم يجزه في الكلام 55. وأقول: إذا ورد نحو: «ثلاثة أثوابا» في الشّعر، أمكن أن يجعل (أثوابا) حالا -

الجزء: 5 - الصفحة: 2409

[أحكام خاصة بالتمييز «المفسّر»]

قال ابن مالك: (ولا يجمع المفسّر جمع تصحيح، ولا بمثال كثرة، من غير باب مفاعل إن كثر استعمال غيرهما، إلّا قليلا، ولا يسوّغ: ثلاثة كلاب ونحوه، تأوّله بثلاث من كذا، خلافا للمبرّد، وإن كان المفسّر اسم جنس، أو جمع فصل بـ «من» وإن ندر مضافا إليه لم يقس عليه، ويغني عن تمييز العدد إضافته إلى غيره).
من (ثلاثة) على حدّ قولهم: «عليه مائة بيضا» 56 وعلى هذا لا يتجه قول ابن عصفور: ثم النصب على التمييز، نحو: ثلاثة رجالا؛ لأنّ في هذا خرم القاعدة المستقرة، من أنّ مميز الثلاثة إلى العشرة لا ينصب 57. قال ناظر الجيش: قال المصنف: لا تضاف الثلاثة وأخواتها إلى جمع تصحيح إلّا إن أهمل غيره، أو جاور [3/ 64] ما أهمل غيره فالأول نحو: سَبْعَ سَماواتٍ 58، وتِسْعِ آياتٍ 59 وخمس صلوات، والثاني نحو: وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ 60 فإنّه حقيق بأن يجيء على مثال (مفاعل)؛ لأنّه أولى مما واحده صالح له من جمع التّصحيح، كقوله تعالى: أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ 61، وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ 62، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ 63، فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ 64. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2410

................................  وقد يؤثر ما لا يماثل (مفاعل) من أمثلة الكثرة على جمع التصحيح، دون مجاور تقصد مشاكلته، نحو: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ 65. وقد يؤثر مثال كثرة، على مثال قلة، لخروجه عن القياس، أو لقلّة استعماله، فالأول نحو: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 66، والثاني نحو: «ثلاثة شسوع».
فأوثر قُرُوءٍ على (أقراء)؛ لأنّ واحده (قرء) كـ: (فلس)، وجمع مثله على (أفعال) شاذّ 67، وأوثر (شسوع) على (أشساع) لقلّة استعماله، وإن لم يكن شاذّا؛ لأنّ واحده (شسع) وجمع مثله على (أفعال) مطرد، لكنّ أكثر العرب يستغنون في جمع (شسع) بـ (فعول) عن غيره 68، ومثل إيثار قُرُوءٍ على (أقراء)، لخروجه عن القياس، إيثار (شهداء) على (أشهاد) في قوله تعالى: لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ 69؛ لأنّ واحد شُهَداءَ إمّا (شهيد) وإمّا (شاهد) ولكلّ واحد منهما نصيب في (أفعال) كـ (شريف) و (أشراف) و (صاحب) و (أصحاب)، وكلاهما شاذّ، فعدل إلى (فعلاء) لما عدل من (أقراء) إلى قُرُوءٍ 70. قال المبرد - في المقتضب -: فإن قلت: ثلاث حمير، وخمس كلاب جاز، على أنك تريد: ثلاثة من الحمير، وخمسة من الكلاب، وجعل من ذلك ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 71. ولو جاز هذا لم يكن معنى في الحجر بجمع القلّة؛ لأنّ كلّ جمع كثرة صالح لأن يراد به مثل هذا، فكان يقال: ثلاثة فلوس، وثلاث دور، على تقدير: ثلاثة من الفلوس، وثلاث من الدّور، وإلى هذا أشرت بقولي: ولا يسوغ ثلاثة كلاب ونحوه، تأوّله بثلاثة من كذا، خلافا للمبرّد 72. وإن فسّر عدد باسم جنس، أو باسم جمع، لم يضف إليه إلّا بسماع، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2411

................................  كقوله تعالى: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ 73 وكقوله - عليه الصلاة والسّلام -: «ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة» 74 وكقول العرب: «خمسة رجلة» والأصل أن يجاء بمفسّر هذا النوع مقرونا بـ (من) نحو: ثلاثة من القوم، وأربعة من الحيّ، وخمسة من الركب، وعشرة من البطّ، قال الله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ 75. ويستغني العدد عن مفسّر بإضافته إلى غيره، كقولك: اقبض عشرتك، وعشري زيد؛ لأنك لم تضفه إلّا وهو عند السامع معلوم الجنس، فاستغنى عن مفسّر والله تعالى أعلم 76. انتهى كلام المصنف.
وفي فهم المراد من قوله: ولا يجمع المفسّر إلى قوله: إلّا قليلا، قلق، وإن كان في شرحه له بعض إيضاح.
والذي تلخص لي منه 77 ومن كلام الشّيخ ما أذكره: وهو إمّا أن يوجد للمعدود جمع تصحيح فقط، فيتعيّن، نحو: سَبْعَ سَماواتٍ 78 وسَبْعَ بَقَراتٍ 79 أو يوجد معه جمع تكسير وهو من باب (مفاعل) فيؤثر جمع التكسير المذكور عليه حينئذ، كـ: سَبْعَ سَنابِلَ 80 و «ثلاث أحامد»، و «ثلاث زيانب»، والتصحيح قليل، بأن يقال: سبع سنبلات، وثلاث أحمدين، وثلاث زينبات، إلّا إن حصلت مجاورته لما أهمل فيه غير جمع التصحيح، فيؤثر - إذ ذاك - جمع -

الجزء: 5 - الصفحة: 2412

................................  التصحيح على جمع التكسير، كـ: سَبْعَ سُنْبُلاتٍ 81 بعد سَبْعَ بَقَراتٍ (2). وإن كان جمع التكسير من غير باب (مفاعل) أوثر على جمع التّصحيح، والتصحيح قليل، كقوله تعالى: ثَمانِيَ حِجَجٍ 82 وإن لم يوجد جمع تصحيح تعيّن التكسير.
ثم إن وجد أحد الجمعين من قلة، أو كثرة تعيّن، كـ: ثلاثة رجال وثلاث أرجل، وإن وجدا معا فجمع القلة يتعين في الأكثر، وقد يوقع موقعه جمع الكثرة، وفي الأكثر لا يعدل عن جمع القلّة إلى جمع الكثرة، إلا لخروج جمع (القلّة) عن القياس، أو لقلة الاستعمال، الأول: كـ قُرُوءٍ 83، والثاني: كـ «شسوع».
ويظهر لي أنّ قول المصنف - في الشرح -: «لا تضاف الثلاثة وأخواتها إلى جمع التصحيح إلا إن أهمل غيره، أو جاور ما أهمل غيره» لا يطابق قوله - في المتن -: ولا يجمع المفسّر جمع تصحيح، ولا بمثال كثرة، من غير باب (مفاعل) إن كثر استعمال غيره، إلا قليلا؛ لأنّ هذا يفهم منه أنّ المفسر لهذه الكلمات قد يكون جمع تصحيح، مع وجود غيره، ولكنّه قليل، والظاهر أن الأمر على ما قاله في الشرح.
ثم إنّ كلام المصنف يعطي ظاهره أنّ الجمع من باب (مفاعل) تقدّم على غيره، وإن وجد غيره، مع أنّه جمع كثرة، وقد عرف أنّ جمع القلة إذا وجد كان هو المؤثر على جمع الكثرة، ومثل لذلك بـ: سنابل، وطرائق، وليال، ومساكن، فإن كانت مفردات هذه الكلمات الأربع جمعت جمع تكسير على غير هذه الصيغة - أعني (مفاعل) - تم كلام المصنف، لكن يحتاج إلى بيان الأمر المسوّغ لذلك.
وإن كانت لم تجمع بهذه الصيغة، فلا وجه لاستثناء باب (مفاعل) وتخصيصه بالذّكر؛ لأنّ الكلمة إذا لم يكن لها إلّا جمع واحد، جمع كثرة كان، أو جمع قلّة، تعيّن.
وكلام الشيخ يقتضي أنّ الجمع بصيغة (مفاعل) يؤثر على جمع التصحيح فيقال: ثلاثة أحامد، وثلاث زيانب، ويجوز التصحيح على قلّة فيقال: ثلاثة أحمدين، وثلاث زينبات 84 وهو عجب، فإنّه قال - قبل ذلك بأسطر -: إن -

الجزء: 5 - الصفحة: 2413

................................  جمع التصحيح لا يضاف إليه، إلا إذا لم يكن لذلك المفرد جمع غير هذا الجمع 85، فتبين مناقضة كلامه الثاني لكلامه الأول.
وبعد: فهذا الموضع لم يتحصل لي من كلام هذين الرجلين ضبطه على وجه منظوم، على أنّ ما ذكرته فيه للناظر الحاذق كفاية، ولا شكّ أنّ الأمر في ذلك قريب، وقد عرف من قول المصنّف: وإن كان المفسر اسم جنس أو جمع أنّ المراد بقوله: مجموعا مع ما بين اثنين، وأحد عشر الجمع اللّغويّ، لا الجمع الاصطلاحيّ.
ويفهم من كلامه أنّ إضافة اسم العدد، إلى اسم الجنس، واسم الجمع لا تنقاس [3/ 65] وإنّما ذلك موقوف على السماع.
قال الشيخ: وهذا اتّبع فيه الأخفش 86، ثمّ ذكر أنّ في ذلك مذهبين آخرين: أحدهما: أنه ينقاس.
والثّاني: التفصيل، بين ما يستعمل من اسم الجنس للقلة، فيجوز: ثلاثة نفر، وثلاث ذود، وتسع رهط، أو يستعمل للكثير، أو للقليل والكثير، فلا يجوز.
فلا يقال: ثلاثة بشر؛ لأنّ (بشر) تكون للكثير، ولا: ثلاثة قوم؛ لأنّ (قوم) تكون للقليل والكثير، وليس كذلك: رهط، وذود، ونفر؛ لأنّها لا تكون إلّا للقليل.
انتهى.
ويبعد أن يقوم دليل على ذلك.
والذي ذكره المصنف هو المشهور المعروف، ولا ينبغي العدول عنه.
وقد قال ابن هشام 87: ولا يجوز: خمسة قوم، وثلاثة إبل، وكذلك في الأجناس، وهي أسماء مفردة، وتكسّر كما تكسّر أسماء الجموع، فقد قالوا: ذود وأذواد 88، ورطب وأرطاب، وعنب وأعناب، وطلح وطلاح 89، فصارت -

الجزء: 5 - الصفحة: 2414

[حذف تاء الثلاثة وأخواتها]

قال ابن مالك: (فصل: تحذف تاء الثّلاثة وأخواتها إن كان واحد المعدود مؤنّث المعنى حقيقة أو مجازا، أو كان المعدود اسم جنس أو جمع مؤنثا، غير نائب عن جمع مذكّر، ولا مسبوق بوصف يدلّ على التّذكير، وربّما أوّل مذكّر بمؤنّث، ومؤنّث بمذكر، فجيء بالعدد على حسب التأويل، وإن كان في المذكور لغتان، فالحذف والإثبات سيّان، وإن كان المذكور صفة نابت عن الموصوف اعتبر غالبا حاله لا حالها).
كالمفرد، فكما لا يضاف إلى المفرد، لا ينبغي أن يضاف إلى هذه» 90. قال ناظر الجيش: قال المصنف 91: الثلاثة وأخواتها أسماء جماعات، كـ: زمرة 92، وأمّة، وعصبة، وفرقة، وسربة 93، وفتية، وعشيرة، وقبيلة، وفصيلة، فالأصل أن تكون بالتاء، لتوافق الأسماء التي هي بمنزلتها.
فاستصحب الأصل مع المعدود المذكّر، لتقدّم رتبته، وحذفت التاء مع المعدود المؤنّث، لتأخّر رتبته 94، فقيل: ثلاثة أعبد، وثلاث جوار، والمعتبر من التأنيث -

الجزء: 5 - الصفحة: 2415

................................  تأنيث المفرد 95، لا تأنيث الجمع، سواء كان كل واحد منهما حقيقة أم مجازا، فلذلك يقال: ثلاثة سجلات، وعشرة دنينيرات، بثبوت التاء؛ لأنّ مفرديهما مذكّران 96. ولا يعتبر تأنيث المفرد إذا كان علما لمذكّر، نحو: طلحة، وسلمة؛ لأنّه تأنيث لا تعلق له بالمعنى لا حقيقة ولا مجازا؛ ولذلك لا يؤنث ضميره ولا ما يشار به إليه، فيقال: ثلاثة الطلحات لقيتهم، وثلاث المسلمات لقيتهن فتثبت التاء؛ لأنّ تأنيثه لمجرد اللّفظ، ومن أجل ذلك لا يؤنّث ضميره، ولا ما يشار به إليه، كقولك: الطلحات ذهبوا، والمسلمات أتوا، ويقال في الثاني - وهو الذي يتعلق تأنيثه بالمعنى حقيقة أو مجازا -: ثلاثة الفتيات رقين عشر الدرجات 97. وإن كان مفسّر الثلاثة وأخواتها اسم جنس، أو جمع مؤنث، جيء بالمفسر مقرونا بـ (من)، وحذفت التاء من اسم العدد، إن وليه المفسر موصوفا، نحو: لي ثلاث من البط ذكور، أو غير موصوف، كـ: عندي خمس من النخل 98 فإن توسط دليل تذكير لزم إثبات التاء، نحو: لي ثلاثة ذكور من البط، وأربعة فحول من الإبل، وإلى نحو هذا أشرت بقولي: ولا مسبوق بوصف يدل على التذكير 99. والحاصل: أنّ تاء الثلاثة وأخواتها تسقط لتأنيث واحد مفسرها، لا لتأنيثه نفسه، إن كان جمعا، ولتأنيثه نفسه دون تعرّض لواحد، إن كان اسم جنس، أو جمع.
وأما قولهم: ثلاثة أشياء وثلاثة رجلة 100، ففيهما شذوذان: -

الجزء: 5 - الصفحة: 2416

................................  أحدهما: الإضافة إلى المفسّر، وحقّه أن ينفصل مقرونا بـ (من) كسائر أسماء الأجناس. الثاني: ثبوت التّاء في عددهما، والقياس الحذف؛ لأنّ اسم الجنس، أو الجمع لا يعتبر في التأنيث والتذكير حال واحده، وإنّما يعتبر فيها حاله، ولذلك يقال: ثلاث من البطّ ذكور، وواحده بطّة ذكر، ومع ذلك لم يقل: ثلاثة بل قيل: ثلاث، وقد وجّه ثبوت التاء، في عدد أشياء، ورجلة، بأنهما نائبان عن جمع مفرديهما على (أفعال)، فإنّ واحد (أشياء) شيء كـ (فيء) فقياسه أن يساويه في جمعه، وواحد (رجلة) راجل، فكان له نصيب من الجمع على (أفعال)، كما قيل: صاحب، وأصحاب، فعدل في جمع (شيء) من (أفعال) إلى (فعلاء)، ثم قدّمت لامه على فائه، فصار في الوزن (لفعاء) 101 استصحب منع صرفه لتأنيثه، ولزم التأنيث، وثبتت التاء في عدده، كما كانت تثبت مع المنوب عنه) وهو (أفعال)، وعدل في جمع (راجل) من (أفعال) إلى (فعلة) وتثبت تاء عدده أيضا، كما كانت تثبت مع المنوب عنه، وقد يؤوّل مذكر بمؤنث، فتسقط التاء، ومؤنث بمذكّر، فتثبت التاء 102، فالأول 103 كقول الشاعر: 1926 - وإنّ كلابا هذه عشر أبطن... وأنت بريء من قبائلها العشر 104

الحديث: 1926 - الجزء: 5 - الصفحة: 2417

................................  ومثله قول الآخر: 1927 - فكان مجنّي دون من كنت أتّقي... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر 105 ومثال الثّاني 106 قول الشاعر: 1928 - ثلاثة أنفس وثلاث ذود... لقد جار الزّمان على عيالي 107 ومثله 108 قول الآخر: 1929 - وقائع في مضر تسعة... وفي وائل كانت العاشرة 109 أوّل (الأبطن) بـ (القبائل)، و (الشّخوص) بـ (الجواري)، فأسقط تاءي (عشرة)، و (ثلاثة)، وأول (الأنفس) بـ (أشخاص)، والوقائع بـ (مشاهد) فأثبت التاء، وقد يكون في المذكور لغتان، فيجوز في عدده وجهان كـ (حال) -

الحديث: 1927 - الجزء: 5 - الصفحة: 2418

................................  و (عضد)، و (لسان)، فإنّها تذكّر وتؤنث، فيقال - على لغة من ذكّر -: ثلاثة أحوال، وثلاثة أعضاد، وثلاثة ألسنة 110. ويكثر الوجهان في أسماء الأجناس المميز واحدها بالتاء، كبقر، ونخل، وسحاب، فيقال - على لغة من ذكّر -: لزيد ثلاثة من البقر، وثلاثة من النخل، وسقيت أرضا بثلاثة من السحاب، ويقال - على لغة من أنّث -: ثلاث، وإن كان المذكور صفة قامت مقام موصوفها اعتبر في الغالب حال موصوفها، لا حالها 111 فنقول: ثلاثة ربعات - بإثبات التاء - إذا أردت رجالا، وثلاث ربعات - بإسقاطها - إذا أردت نساء، ومن اعتبار حال الموصوف قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها 112 فلولا قصد [3/ 66] الحسنات لقيل: عشرة أمثالها؛ لأنّ واحد الأمثال مذكر.
ومن العرب من يسقط تاء العدد المضاف إلى (دوابّ) لتأنيث لفظها، مع قصد تذكير الموصوف؛ لأنّ الدابة جرت مجرى الأسماء الجامدة، فاعتبر في العدد لفظها، ومنها احترزت بقولي: اعتبر غالبا حاله، لا حالها 113. انتهى كلام المصنّف.
ولا بدّ من الإشارة إلى أمور: منها: أنّ العلة التي أشار إليها المصنف أنّها موجبة لإثبات تاء الثلاثة وأخواتها، إذا كان المعدود بها مذكرا، وحذفها إذا كان مؤنثا هي العلة المعروفة، وهي أن أسماء العدد مصحوبة بالتاء وضعا، قبل أن يذكر معها معدود بدليل أنّك تقول: ستّة ضعف ثلاثة، وأربعة نصف ثمانية فكأنّ ذكرها مصحوبة بالتاء هو الأصل، ولا شكّ أنّ المذكر هو الأصل بالنسبة إلى المؤنث، فناسب أن يكون الأصل للأصل، والفرع للفرع 114، ومن ثمّ لم يحتج المصنف إلى أن يذكر إثبات التاء في هذه الكلمات مع -

الجزء: 5 - الصفحة: 2419

................................  المذكّر، بل قال: تحذف تاء الثلاثة وأخواتها، إن كان واحد المعدود مؤنث المعنى فأفاد ذلك أنّ ثبوت التاء في هذه الكلمات هو الأصل، وإنّما تحذف لموجب، فوجب لذلك الاقتصار على ذكره.
وقد ذكر ابن عصفور عللا أخرى؛ منها ما هو مقبول، ومنها ما هو غير مقبول 115، واختار هو علة منها، والذي اختاره يرجع - إذا حقّق الأمر فيه - إلى الذي ذكره المصنّف.
ومنها: أنّ التاء قد تحذف من هذه الكلمات، ومع كون المعدود مذكّرا، لكن إنّما يكون ذلك عند عدم ذكر المعدود معها، نبّه على ذلك ابن عصفور، وغيره، قال: حكى الكسائيّ: صمنا من شهر كذا خمسا، ولا شكّ أنّ هذا حقّ، لقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من صام رمضان، وأتبعه بستّ من شوال، فكأنما صام الدّهر» 116. ومنها: أنّ أهل بغداد لا يعتبرون واحد المعدود المضاف إليه اسم العدد، بل المعتبر عندهم لفظ ما أضيف إليه العدد، بالنسبة إلى التذكير، والتأنيث، فتقول: ثلاث حمامات، اعتبارا بلفظ الجمع، ذكر ابن عصفور ذلك عنهم 117، ولا معوّل على هذا المذهب 118. ومنها: أنّ المصنف لم يذكر ما يدل على تأنيث اسم الجمع، لتحذف التاء من اسم عدده، وكأنه وكل الأمر في ذلك إلى الأخذ عن أهل اللغة، لكنّ ابن عصفور - في المقرّب - قال: إن كان اسم الجمع لمن يعقل فحكمه حكم المذكر، وإن كان لما - - أصل العدد قبل تعليقه على معدوده أن يكون مؤنثا بالتاء نحو: ثلاثة وأربعة، ونحوهما من أسماء العدد، فإذا أردت تعليقه على معدود هو أصل وفرع، جعل الأصل للأصل فأثبتت العلامة، والفرع للفرع فأسقطت العلامة، فمن أجل هذا قلت: ثلاثة رجال، وأربع نسوة.

الجزء: 5 - الصفحة: 2420

................................  لا يعقل فحكمه حكم المؤنث 119، وينتقض ما قاله 120 بقوله تعالى: قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ 121، فالطير لا يعقل وقد عومل معاملة المذكّر في إثبات التاء في اسم عدده 122، ثمّ قد جاء التأنيث في (قوم)، قال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ 123، مع أنّه مختصّ بالعقلاء من الرّجال، وأما اسم الجنس فمعلوم أنّ التأنيث فيه لغة الحجازيّين 124، والتذكير لغة التميميّين 125. قال ابن عصفور - في المقرب -: إلّا ألفاظا، فإنّها استعملت مذكّرة وهي: عنب، وموز، وسدر 126، وفي شرح الشّيخ: وقمح أيضا 127. ويعطي كلام المصنّف أنّ البطّ التزم تأنيثه، مع أنّ الشيخ صرّح بتأنيثه وتأنيث النخل أيضا وعلى هذا فالواجب أن يقال: اسم الجنس فيه لغتان التذكير والتأنيث، إلا ألفاظا استعملت مذكرة، وألفاظا استعملت مؤنثة 128، ولا يقتصر على استثناء المذكّر، كما فعل ابن عصفور 129. ثم الظاهر أنّ الحجازيين يستعملون (عنبا)، وما ذكر معه مذكّرات، وإن كان من لغتهم تأنيث اسم الجنس، وإلّا فلا فائدة في الاستثناء؛ وكذلك ينبغي أنّ التميميّين يستعملون البطّ والنخل مؤنثين، ولو كان لغتهم التذكير، ويبقى مدرك -

الجزء: 5 - الصفحة: 2421

................................  ذلك السّماع 130، وإن كان الأمر كذلك فالذي اعتمده المصنف هو المعتبر، وهو أنّه قال: إن كان المعدود اسم جنس، أو مقتصرا على ذلك؛ لأنّ الأمر بالتذكير والتأنيث راجع إلى استعمال موقوف على السّماع، فوكل هو الأمر إلى ما يثبت من استعمال الكلمة بالتذكير والتأنيث في اللغة، وكأنّ الذي ذكره ابن عصفور هو الغالب، أما أنّه توقّف عنده ويلتزم فلا.
ومنها: أنّ القياس والأكثر في الاستعمال، أنّ مفسر العدد من الثلاثة إلى العشرة - إذا كان اسم جنس، أو اسم جمع - أن يجرّ بعد اسم العدد بـ (من)؛ قال الله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ 131 وتجوز الإضافة أيضا 132، قال تعالى: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ 133 وهذا الأمر يستفاد من قول المصنف - في ثلاثة أشياء، وثلاثة رجلة - كان حقّه أن يفصل مقرونا بـ (من) كسائر أسماء الأجناس 134. ومنها: أنّ المصنف ربما توجه مناقشته في (شيء) وهو أنّه احترز بـ: غالبا من قوله: وإن كان المذكور صفة نابت عن الموصوف اعتبر غالبا حاله لا حالها من قول بعض العرب: ثلاث دوابّ - بإسقاط التاء - يعني: مرادا بالدواب الذكور.
ثم قال: لأنّ الدوابّ جرت مجرى الأسماء الجامدة فاعتبر في العدد لفظها.
فيقال له: هذا التعليل يخرج الدابة عن أن تكون صفة هنا، وإذا خرجت عن أن تكون صفة فلا يقال: إنّ حال الصفة اعتبر دون الموصوف؛ لأننا ما اعتبرنا حال الصّفة أصلا؛ لأنّ ذلك الاعتبار إنما يكون مع بقائها على الوصفية، والغرض أنّها تجري مجرى الأسماء الجامدة.
وقد قال ابن عصفور: وأما قولهم: ثلاث دوابّ ذكور، فعلى جعل الدّابة اسما 135، وهو كلام حسن.

الجزء: 5 - الصفحة: 2422

[عطف العشرين وأخواته على النيف]

قال ابن مالك: (فصل: يعطف العشرون وأخواته على النّيّف، وهو إن قصد التعيين واحد، أو أحد، واثنان، وثلاثة، وواحدة، أو إحدى، واثنتان، وثلاث، إلى تسعة في التذكير، وتسع في التأنيث، وإن لم يقصد التّعيين فيهما فبضعة وبضع، ويستعملان أيضا دون تنييف، وتجعل العشرة مع النيّف اسما واحدا مبنيّا على الفتح، ما لم يظهر العاطف.
ولتاء الثلاثة والتّسعة، وما بينهما عند عطف عشرين وأخواتها ما لها قبل النّيّف، ولتاء العشرة في التركيب عكس ما لها قبله، ويسكّن شينها في التأنيث الحجازيّون، ويكسرها التميميّون [3/ 67] وقد تفتح، وربّما سكّن عين عشر).
قال ناظر الجيش: قال المصنف: النيّف 136 عند قصد التعيين: تسعة فما دونها، وعند عدم قصده: بضعة في التذكير، وبضع في التأنيث، ولا يقال للشّيء منها: نيّف، إلّا وبعده عشرة، أو عشرون، فيقال في تعيين المعطوف عليه: ثلاثة وعشرون رجلا، وثلاث وعشرون امرأة.
ويقال في الإبهام: بضعة وعشرون، وبضع 137 وعشرون، وبضعة عشر، وبضع عشرة، إلى: وبضعة وتسعين، وبضع وتسعين، وقد يستعمل (بضعة) و (بضع) دون تنييف 138 كقوله تعالى: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ 139. وقد تناول قولي: وتجعل العشرة مع النيف اسما واحدا: أحد عشر، وتسعة عشر، وما بينهما، ونبهت بقولي: ما لم يظهر العاطف على أنّ ظهور العاطف مانع من البناء والتركيب ومنه قول الشّاعر: -

الجزء: 5 - الصفحة: 2423

................................  1930 - كأنّ بها البدر ابن عشر وأربع... إذا هبوات الصّيف عنه تجلّت 140 وللنّيف المعطوف عليه عشرون وأخواته من ثبوت التاء وسقوطها ما له لو استعمل دون عطف، فيقال في الذكور: ثلاثة وعشرون، وفي الإناث ثلاث وعشرون، كما يقال عند عدم العطف: ثلاثة، وثلاث، ثم قلت: ولتاء العشرة في التركيب عكس ما لها قبله.
ثم أشرت إلى شين عشرة في التركيب، ساكنة عند الحجازيين، ومكسورة عند بني تميم 141 وعلى لغتهم قراءة بعض القراء 142: (فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) 143 وقرأ الأعمش 144: (اثنتا عشرة) بالفتح 145، وهي أشهر من قراءة من قرأ بالكسر.
وقرأ يزيد بن القعقاع 146: أحد عشر 147 بسكون العين 148، وقرأ -

الحديث: 1930 - الجزء: 5 - الصفحة: 2424

................................  هبيرة 149، صاحب حفص 150، بسكون عين اثنا عشر شهرا 151 وهي أشذّ 152 من قراءة يزيد، وكلّ هذه الوجوه مشار إليها في متن الكتاب.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى، ويتعين التعرض لذكر أمور: منها: أنّ الشيخ قال: ظاهر كلام المصنف أنّ استعمال بضعة، وبضع، يكون مع المعطوف فقط، وليس كذلك 153. وهذا عجب من الشيخ، فإنّ المصنف قد قال: «وتجعل العشرة مع النّيّف اسما واحدا» وقد عرفت أنّ النيف يشمل ما قصد به التعيين، وما قصد به الإبهام، فكيف يكون ظاهر كلامه ما ذكر؟!.
ومنها: أن كلامه يقتضي أنّ البضع يطلق على ما دون الثلاثة، إنّما هو للثلاثة، إلى التسعة، قالوا: إنه اسم جمع كالنفر، وهو من البضع، الذي هو القطع، فهو بفتح الباء مصدر، وبكسرها اسم، وأما النّيّف فهو من: أناف على الشيء، إذا زاد عليه، ويطلق على الواحد، إلى التسع 154، ولا يستعمل مفردا، فلا يقال: عندي نيف، بل يقال: عندي عشرة، أو عشر، ونيّف، معينا كان أو مبهما، فيجعلان اسما واحدا مبنيّا على الفتح، كما أشار إلى ذلك المصنف، في متن الكتاب إلا إن ظهر العطف فيتعين الإعراب لانتفاء التركيب وقد أنشد المصنف: 1931 - كأنّ بها البدر... البيت مستشهدا به على مراده، فقال الشيخ: هذا التركيب الذي في الشعر مخالف لتركيب أربع عشر، بتقديم النّيف على عشر، فلا يصحّ الاستدلال به على هذا التركيب 155. -

الحديث: 1931 - الجزء: 5 - الصفحة: 2425

[مذكر ما دون ثلاثة عشر ومؤنثه]

قال ابن مالك: (ويقال في مذكّر ما دون ثلاثة عشر: أحد عشر، واثنا عشر، وفي مؤنّثه: إحدى عشرة، واثنتا عشرة، وربّما قيل: وحد عشر، وواحد عشر، وواحدة عشرة.
وإعراب «اثنا»، و «اثنتا» باق لوقوع ما بعدهما موقع النّون، ولذلك لا يضافان، بخلاف أخواتهما، وقد يجرى ما أضيف منهما مجرى «بعلبك» أو «ابن عرس»، ولا يقاس على الأول خلافا للأخفش، ولا على الثاني خلافا للفراء، ولا يجوز بإجماع ثماني عشرة إلا في الشعر).
والجواب: أنّ مراد المصنف أنه إذا لم يحصل تركيب امتنع البناء، سواء كان النيف مقدما أو مؤخرا، والحقّ أنّه لا حاجة إلى قول المصنف: ما لم يظهر العاطف؛ لأنّ الإعراب في هاتين الكلمتين هو الأصل، ولا تبنيان إلا إذا جعلتا اسما واحدا، وذلك لا يتصور فيهما إلا مع التركيب، وحرف العطف لا تركيب معه، فإذا فقد التركيب امتنع البناء، لزوال موجبه؛ وعادت الكلمتان إلى أصلهما من الإعراب.
ومنها: أنّ التميميين يكسرون شين العشرة في التأنيث حال تركيبها مع النيف كما تقدّم 156. فقال الشيخ: وكان القياس في لغتهم أن لا تكسر، وأنّ لغتهم أن يقولوا في (كبد): (كبد)، وفي (علم): علم، فإذا كانوا قد سكّنوا ما الكسر فيه أصل الوضع، فكان ينبغي أن لا يكسروا ما أصل الوضع فيه الفتح.
ثم قال: لكنه لما غير الحجازيّون شينها في التركيب، من الفتح إلى السكون، غيرت ذلك تميم إلى الكسر.
انتهى.
وفي هذا التعليل نظر، وكيف جعل ما ينطق به العربيّ بلغته التي جبل عليها إنّما قصد به مخالفة لغة قوم آخرين؟!.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 157: أصل أحد عشر، وإحدى عشرة: -

الجزء: 5 - الصفحة: 2426

................................  وحد عشر، ووحدى عشرة، فأبدلت واوهما همزة على غير قياس، ومن العرب من يقول: وحدة عشر، وواحد عشر، وواحدة عشرة 158 وبني عجز هذا المركب لتضمّنه معنى الواو، وبني صدره؛ لوقوع العجز منه موقع النّون، ولوقوع العجز منهما موقع النّون لم يضافا، كما لا يضاف ما فيه النون بخلاف أخواتها 159، فيقال: أحد عشرك، ولا يقال: اثنا عشرك، واستثقل اجتماع علامتي تأنيث في ثلاثة عشر، ونحوه؛ لأنهما بلفظ واحد، ولمعنى واحد فإنّ مدلول تاء (ثلاثة) و (عشرة)، تذكير المعدود فاتّحدا لفظا ومعنى، فكره اجتماعهما في شيئين كشيء واحد بخلاف إحدى عشرة، فإنّ علامتيه مختلفتا اللفظ والمعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأنّ الألف في (إحدى) دالة على التأنيث، وتاء (عشرة) دالة على التذكير، وكذا (واحدة) و (عشرة)، فإن علامتيه وإن اتحدتا لفظا فقد اختلفتا معنى؛ لأنّ مدلول تاء (واحدة) تأنيث، ومدلول تاء (عشرة) تذكير [3/ 68] فلم يكن اجتماعهما كاجتماع تاءي (ثلاثة عشرة) والأجود فيما أضيف من هذا التركيب أن يبقى مبنيّا، كما بقي مع دخول الألف واللام عليه، لاستواء الإضافة، والألف واللّام، في الاختصاص بالأسماء، فيقال: أحد عشرك مع أحد عشر زيد، بالبناء، كما يقال: الأحد عشر مع الأحد عشر؛ لأنّ العرب يجمعون على بقاء البناء مع الألف واللّام.
وحكى سيبويه عن بعض العرب إعراب المضاف، مع بقاء التركيب، كقولك: أحد عشرك مع أحد عشر زيد، وهي لغة ضعيفة عند سيبويه 160، فيبقى الصدر -

الجزء: 5 - الصفحة: 2427

................................  مفتوحا، ويعرب آخر العجز، كما تفعل بـ (بعلبك) إذا دعت الحاجة إلى إضافته، والقياس على هذا الوجه جائز عند الأخفش 161 واستحسنه، ولا وجه لهذا الاستحسان، فإن المبنيّ قد يضاف، نحو: كم رجل عندك، ومِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 162 ورأيت أيهم في الدار، ولا تخرجه الإضافة إلى الإعراب.
وأجاز الفراء إذا دعت حاجة إلى إضافة العدد المركّب إضافة صدره إلى عجزه، مزيلا بناءهما، وحكى أنّه سمع عن أبي فقعس الأسدي 163 وأبي الهيثم العقيليّ: ما فعلت خمسة عشرك، وإلى هذين الوجهين أشرت بقولي: وقد يجرى ما أضيف منها مجرى (بعلبك) أو (ابن عرس) 164. وقد يضاف - في الشّعر - الصدر إلى العجز، دون إضافة 165 كقول القائل: 1932 - كلّف من عنائه وشقوته... بنت ثماني عشرة من حجّته 166

    • فلا تغير، ومن العرب من يقول: «خمسة عشرك» وهي لغة رديئة».
      اه.
      واعترض المراديّ على ذلك حيث قال - في توضيح المقاصد والمسالك (4/ 316) -: «قال بعضهم: وهي لغة ضعيفة عند سيبويه، وإذا ثبت كونها لغة لم يمتنع القياس عليها وإن كانت ضعيفة».

الحديث: 1932 - الجزء: 5 - الصفحة: 2428

................................  وهذا مخصوص بالشّعر بلا خلاف.
انتهى كلام المصنّف رحمه الله تعالى، ونتبعه بذكر أمور: منها: أنّ ابن عصفور - لما ذكر العدد المركب - قال: والنيّف مبنيّ مع العقد لتضمّنه معنى الحرف، فإذا قلت: خمسة عشر، فكأنك قلت: خمسة وعشرة، فلمّا تضمّنت معنى الحرف بنيت، إلا اثني عشر، فإنّه معرب.
وإنّما أعرب؛ لأنه اسم مبنيّ، والأسماء المبنية لم توجد مبنية بعد العوامل في موضع أصلا، وإنّما بني (عشر)؛ لأنّه وقع موقع النّون 167، وظاهر كلامه أنّ العلة في بناء الصدر والعجز واحدة، وهي تضمن معنى الحرف.
انتهى 168. ومن ثمّ قال الشيخ - لما ذكر كلام المصنّف 169 -: وهذا مخالف لكلام أصحابنا، فإنهم يقولون: بني الاثنان لتضمنهما معنى حرف العطف.
قال: والعطف هو نسبة بين المعطوف عليه والمعطوف، فلا يمكن أن يوجد العطف إلا بوجودهما.
انتهى 170، وفي ذلك نظر فإنّ الحرف إنما يضمّن معناه من الأسماء ما هو محتاج إليه، ولا شكّ أنّ الصدر ليس به احتياج إلى أن يعطف عليه غيره، وإنّما الذي يحتاج إلى العطف العقد، وذلك أنّ المتكلّم بنحو: - - والشاهد في: «ثماني عشرة» حيث أضاف صدره إلى عجزه، فهو شاهد على تجويز الكوفيين إضافة النيف إلى العشرة، وأجيب بأنه ضرورة.
والبيت من شواهد العيني، قال: الاستشهاد فيه في قوله: ثماني عشرة، حيث أضاف صدره إلى عجزه، بدون إضافة (عشرة) إلى شيء آخر، وهذا لا يجوز بالإجماع إلا في ضرورة الشعر، وادّعى ابن مالك الإجماع فيه، وهذه الدعوى ليست بصحيحة، وأنّ غيره حكى عن الكوفيّين أنهم أجازوا ذلك، مطلقا في الشّعر وغيره.
وينظر الشاهد أيضا في: الإنصاف (1/ 194)، والهمع (2/ 149)، والأشموني (4/ 72)، والدرر (2/ 240)، وشرح المرادي على الألفية (4 / 317).

الجزء: 5 - الصفحة: 2429

................................  خمسة عشر، أراد بعد قوله: (خمسة) أن يذكر (عشر) منضمة إليها، ليفيد مقصوده، وكان سبيله أن يعطف (عشر) فلما عدل عن العطف، وركّب العقد مع النيّف، وكأنّ العقد هو الذي تضمن معنى الحرف كما قال المصنف.
ثم مقتضى ما ذكره ابن عصفور، ورضيه الشيخ أن لا يبنى العقد من اثني عشر، لأن إعراب أحد الجزءين يقتضي انتفاء علة البناء، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم المعلول بها، وقول ابن عصفور: وإنّه إنما يبنى، لوقوعه موقع النّون، من اثنين غير ظاهر؛ لأنّ مقتضى ذلك أن يبنى (زيد) من قولنا: غلاما زيد، لوقوعه موقع النّون.
وبعد، فالحقّ ما قاله المصنف، من أنّ عجز المركب يبنى لتضمّنه معنى الواو، وأنّ الصدر يبنى لوقوع العجز منه موقع تاء التأنيث، في (ثلاث عشرة) وأخواته، ولشبهه بما هو كذلك في البواقي.
وكذلك ما قال أيضا، من أنّ صدر (اثني عشر) و (اثنتي عشرة) أعربا لوقوع العجز منهما موقع النّون، وما قبل النّون محلّ إعراب، لا بناء.
واعلم أنّ الشيخ نقل أنّ ابن درستويه، وابن كيسان ذهبا إلى أنّ الصدر، من (اثني عشر) و (اثنتي عشرة) كصدر أخواتهما من المركّب، ولا يخفى أنّ هذا شيء لا يعول عليه والواجب ألا يسطر مثل ذلك في الكتب، ولكنّ الشيخ - رحمه الله تعالى - مولع بذكر الخلاف، سواء كان قول المخالف مقبولا، أم غير مقبول، ولا ينبغي شغل الأذهان بمثل هذه الأقوال الواهية المناقضة للقواعد 171. ومنها: أنّه قد استفيد من كلام المصنّف، حيث قال: «إنّ ألف إحدى دلت على التأنيث، وتاء (عشرة) دالة على التذكير 172، إذا قلنا (إحدى عشرة) فلم يمنع اجتماعهما أنّ هذا بعينه يقال في (اثنتي عشرة) وهو التاء في النيّف، لتأنيث المعدود، وفي (عشرة) هي تاء تذكير، ونحا ابن عصفور في هذه المسألة إلى -

الجزء: 5 - الصفحة: 2430

................................  جواب آخر، وهو أنّ التاء في (اثنتا) للإلحاق، وليست للتأنيث 173، قال: والدليل على ذلك أنّ علامة التأنيث، لا يكون قبلها إلا متحرك، وهذه قبلها ساكن (2). ومنها: أنّ المصنف قال: إنّ الأجود فيما أضيف من المركّب أن يبقى مبنيّا 174. وذكر أنّ سيبويه حكى عن بعض العرب إعراب المضاف، مع بقاء التركيب يعني إعراب المركّب الذي قد أضيف إلى صاحبه، لا المركب دون إضافة، ففهم منه أنّ الإعراب ضعيف، وأما ابن عصفور؛ فإنّ كلامه في المقرّب وشرح الجمل يفهم منه التسوية بين الإعراب والبناء 175. لكن نقل الشيخ عنه أنّه اختار الوجه الذي ذكره سيبويه، وحكى عن العرب، الإعراب، وقال: إنّه بدأ به، ورجّحه، فقال: الأفصح أن يعرب الاسم الثّاني، ويبقى على بنائه، ثمّ ذكر الوجه الآخر، وهو بقاؤهما على البناء.
قال: وهو ضعيف.
انتهى 176. وأما الوجه الذي جنح إليه الفراء - وهو إضافة النيّف، إلى العقد، والعقد إلى الاسم - فقال ابن عصفور: وهذا باطل؛ لأنّه لم يسمع من كلامهم 177. وقد تقدم قول المصنف [3/ 69] أنّ الفراء سمع من ابن أبي فقعس، وأبي الهيثم: «ما فعلت خمسة عشرك؟».
ومنها: أنّ الشيخ ردّ على المصنّف دعوى الإجماع على منع إضافة الصدر إلى -

الجزء: 5 - الصفحة: 2431

[ياء الثماني في التركيب والإفراد]

قال ابن مالك: (وياء الثّماني في التّركيب مفتوحة أو ساكنة، أو محذوفة، بعد كسرة أو فتحة، وقد تحذف في الإفراد، ويجعل الإعراب في متلوّها، وقد يفعل ذلك برباع، وشناح، وجوار وشبهها).  العجز، دون إضافة العدد إلى شيء، إلا في الشّعر، فقال: «المنقول عن الكوفيّين أنهم يجيزون ذلك مطلقا يعني وجدت الإضافة، أو لم توجد». انتهى. والنقول لا تدفع، ولكن ما أعلم أي معنى يستفاد من قول القائل: هذه خمسة عشر، فإنّ المحكوم عليه إنّما هو المضاف دون المضاف إليه، وكذلك المحكوم به؛ وليس مراد القائل بقوله: (هذه خمسة عشر) إلا الحكم على الاسم المشار به، بأنه خمسة وعشرة، لا خمسة من عشرة، ولا خمسة العشرة، وإذا كان كذلك فكيف يقبل قول من أجاز ذلك، ويردّ به على من خالفه، بل الواجب ألّا يقبل ذلك القول أصلا، وإذا لم يكن مقبولا لم يكن مبطلا للإجماع 178. قال ناظر الجيش: قال المصنف: يقال في تركيب ثمانية وعشرة: ثمانية عشر، في التذكير، وثماني عشرة في التأنيث، بفتح الياء 179، وثماني عشرة، بسكونها، وثمان عشرة، بحذفها، وبقاء الكسرة دالة عليها، وثمان عشرة، بحذفها لفظا، ونية، ومن العرب من يفعل ذلك في الإفراد، ويحرّك النّون بحركات الإعراب 180، ومن ذلك قول 181 الراجز: 1933 - لها ثنايا أربع حسان... وأربع فثغرها ثمان 182

الحديث: 1933 - الجزء: 5 - الصفحة: 2432

................................  ومثل قوله - في ثماني -: ثمان قول بعض العرب: رباع، في الرباعي، من الحيوان، وهو ما فوق الثني، ومثله: شناح، في الشّناحي، وهو الطويل، ومثله قراءة بعض السّلف: ومن فوقهم غواش 183 بضم الشين، وروي أنّ عبد الله بن مسعود 184 رضي الله تعالى عنه قرأ: وله الجوار المنشئآت 185، بضم الراء.
وكل هذا أشار إليه في متن الكتاب.
انتهى.
قال الشيخ: الياء في (ثماني) زائدة، وهو اسم جرى في الإعراب مجرى المنقوص، تقول: جاءني ثمان، ورأيت ثمانيا، ومررت بثمان 186. قال: كذلك الياء في (رباعي) و (شناحي) 187 زائدة أيضا، وكونها زائدة هو المسوّغ لحذفها، وأما الياء في (جوار) فأصلية، ثم قال: وفتح الياء في (ثماني عشرة) هو الوجه؛ لأنه لما ركّب الاثنان فتحا، والياء قابلة للفتحة إعرابا، فكذلك تقبلها بناء، - - والشاهد فيه: قوله: «ثمان»؛ حيث إنه قد حذفت الياء من (ثماني) في الإفراد، وجعل الإعراب على النون، وأنكر الحريري في درة الغواص (ص 164) حذف هذه الياء، وينظر هذا الشاهد في التذييل والتكميل (4/ 239)، وشرح التسهيل لابن مالك (2/ 403) والأشموني (4/ 72).

الجزء: 5 - الصفحة: 2433

[استعمال «أحد» استعمال «واحد»]

قال ابن مالك: (وقد يستعمل «أحد» استعمال «واحد» في غير تنييف، وقد يغني بعد نفي أو استفهام عن قوم، أو نسوة، وتعريفه - حينئذ - نادر، ولا تستعمل «إحدى» في تنييف وغيره دون إضافة؛ وقد يقال لما يستعظم مما لا نظير له: هو أحد الأحدين وإحدى الإحد).
وسكونها كسكونها في (معديكرب) حالة البناء.
وسكونها في (معديكرب) لشبهها بياء (دردبيس) 188؛ إذ (معديكرب) جعل اسما لواحد، كما أنّ (دردبيس) كذلك.
وأما حذفها فلأنّها زائدة وأبقيت الكسرة قبلها للدّلالة على المحذوف.
وأما فتحها فيظهر أنّ ذلك على لغة من حذف الياء في الإفراد، قبل أن تركّب في العدد، فلما ركبت بنيت على الفتحة، كما أنّها في الإفراد - في هذه اللغة - تعرب حالة النصب بالفتحة.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 189: قد يستعمل (أحد) استعمال (واحد) في غير تنييف، من ذلك قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ 190، ومنه قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 191، ومنه قول الشاعر: 1934 - وقد ظهرت، فما تخفى على أحد... إلّا على أحد لا يعرف القمرا 192 أراد: إلّا على واحد لا يعرف القمر، ومثله قول الآخر: -

الحديث: 1934 - الجزء: 5 - الصفحة: 2434

................................  1935 - إذا ناقة شدّت برحل ونمرق... إلى أحد بعدي فضلّ ضلالها 193 وقد يغني (أحد) - بعد نفي أو استفهام - عن قوم، ونسوة فإغناؤه - بعد نفي - عن قوم، قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 194، وإغناؤه - بعد استفهام - عن قوم ما جاء في الحديث، من قول أبي عبيدة 195 رضي الله عنه: «يا رسول الله: أحد خير منّا؟» أصله: أأحد خير منّا؟ 196 فحذف همزة الاستفهام، وأوقع (أحد) موقع (قوم). وإغناؤه عن نسوة كقوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ 197. وحقّه - إذا أغنى عن قوم أو نسوة - أن يكون نكرة، وشذّ تعريفه في قول الشاعر: 1936 - وليس يظلمني في أمر غانية... إلّا كعمرو، وما عمرو من الأحد 198

الحديث: 1935 - الجزء: 5 - الصفحة: 2435

................................  قال اللّحيانيّ 199: قالوا ما أنت من الأحد: أي من الناس 200 وأنشد هذا البيت.
ويقال للموصوف بعدم النظير: هو أحد الأحد، وإحدى الإحد، أي: الدّواهي المقول لكلّ واحدة منها: لا نظير لها.
قال الراجز: 1937 - حتّى استثاروا بي إحدى الإحد... ليثا هزبرا ذا سلاح معتد 201 انتهى ما ذكره المصنّف.
فأمّا قوله: إنّ (أحدا) قد يستعمل استعمال (واحد) في غير تنييف؛ فحق وأمّا قوله: إنّه يغني - بعد نفي أو استفهام - عن قوم ونسوة؛ فيحتاج إلى تحقيق ذاك، فيما استشهد به على هذه الدّعوى، فتقول: أمّا (أحد) في قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 202 فالظاهر، بل المتعين أنّه ليس هذا، بل الذي يختصّ في استعماله بالنّفي، مقصودا به عموم النفي 203، كقوله تعالى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً 204، فالمعنى المستفاد من قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 205 نظير المعنى المستفاد من قولك: ما رأيت منكم أحدا.
-

الحديث: 1937 - الجزء: 5 - الصفحة: 2436

................................  لا يقال: الذي يدلّ على أنّ (أحد) في هذه الآية الشريفة بمعنى (قوم) مجيء المخبر عنه جمعا؛ لأنّا نقول: لمّا كان (أحد) دالّا على العموم كان جمعا في المعنى، فجاز مجيء خبره جمعا، بهذا الاعتبار، ويؤيد ذلك قوله تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ 206؛ لأنّ (بين) لا تضاف إلّا إلى متعدّد، فلولا ملاحظة تعدّده معنى لم يجز إضافة (بين) إليه.
وكذلك تقول في الآية الشريفة التي هي: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ 207 [3/ 70] إنّ (أحدا) - فيها - المراد به العموم، لوقوعه في سياق النّفي، والمعنى: ليست واحدة منكنّ كأحد من النساء، وليس المعنى لستنّ كنسوة، إذ لا فائدة في الإخبار بذلك، والمراد إنما هو تفضيل نساء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم - لشرفهنّ - على كلّ من النساء، وغيرهنّ.
وأمّا قول أبي عبيدة: «أحد خير؟» فإمّا أن يكون المراد بهذا الاستفهام النفي، وهو الظاهر، فأحد للعموم، كما هي في الآيتين الشريفتين المذكورتين 208. وإما أن يكون الاستفهام هو المراد، فلا يكون (أحد) للعموم، ويتعين أن يكون (أحد) هو المستعمل في العدد، وحينئذ يتعين أن يكون المراد: هل قوم من الأقوام خير منّا؟ لأنّ القطع حاصل بأنّه لا يجوز أن يكون التقدير: هل واحد من الناس خير منّا؟ إذ ذلك غير مراد جزما.
وقد نازع الشيخ المصنّف فيما ادّعاه، وقال: إنّ الذي ادّعاه ليس بصحيح 209 وأجاب عما استشهد به بما توقّف عليه من كلامه.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2437

................................  وأمّا قوله: وتعريفه - حينئذ - نادر أي حين يغني عن قوم، أو نسوة، واستشهاده بقول الشاعر: 1938 - وليس يظلمني في أمر غانية... إلّا كعمرو وما عمرو من الأحد 210 فغير ظاهر، فإنّ (أحد) المعرّف في البيت هو (أحد) المختصّ بالنّفي، الدالّ على العموم، وليس بمعنى (قوم) ولا (نسوة) ولا شكّ أنّ (أحدا) المختصّ بالنفي لازم التنكير، ليفيد العموم، فكان الواجب أن يؤخّر قوله: وتعريفه نادر إلى أن يذكر (أحدا) ذاك، أعني الدالّ على العموم، مع النّفي. وأمّا قوله: ولا تستعمل إحدى في تنييف وغيره دون إضافة فإنّ المصنف لم يتعرض إلى شرحه، قال الشيخ: «وبعضه وهم؛ لأنّ (إحدى) تستعمل في تنييف دون إضافة، فإنك تقول: إحدى وعشرون امرأة، وإحدى عشرة جارية، قال: وإصلاح ذلك أن تقول: ولا تستعمل (إحدى) في غير تنييف، دون إضافة، فإنه حكم صحيح، قال الله تعالى: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ 211، أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى 212، قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ 213، قال: «ولها شرط في الإضافة، وهو: أنّها لا تضاف إلى العلم 214. وأمّا قول النّابغة 215: 1939 - إحدى بليّ وما هام الفؤاد بها... إلا السّفاه، وإلا ذكرة حلما 216

الحديث: 1938 - الجزء: 5 - الصفحة: 2438

[اختصاص «أحد» بعموم من يعقل]

قال ابن مالك: (ويختصّ «أحد» بعد نفي محض أو نهي أو شبههما بعموم من يعقل، لازم الإفراد والتّذكير، ولا يقع بعد إيجاب يراد به العموم، خلافا للمبرد، ومثله: عريب، وديّار، وشفر، وكتيع، وكرّاب، ودعويّ، ونميّ، وداريّ، ودوريّ، وطوريّ وطوئيّ، وطؤويّ وطأويّ، ودّبيّ، ودبّيج، ودبّيج، وأريم، وأرم، ووابر، ووابن، وتأمور، وتؤمور، وقد يغني عن نفي ما قبل «أحد» نفي ما بعده، إن تضمّن ضميره، أو ما يقوم مقامه، وقد لا يصحب «شفر» نفيا، وقد تضمّ شينه).
و (بليّ) حي من قضاعة، علم، فقد يؤوّل على حذف مضاف، تقديره: إحدى نساء بليّ.
ومن إضافتها إلى غير العلم قوله تعالى: إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ 217 وكذا: إِحْدَى ابْنَتَيَّ 218، وأمّا قوله: وقد يقال فيما يستعظم... إلى آخره فقد شرحه، وحقيقة المراد بذلك أنّه لا مثيل له، ويقال أيضا: هو واحد الآحاد، وقالوا - أيضا -: الأحد، كما قالوا: الكبر 219. قال ناظر الجيش: قال المصنف 220: لا يراد بـ (أحد) في نحو: ما فيها أحد إلا من يعقل، على سبيل الشمول والإحاطة، ولذلك لا يثنّى ولا يجمع، ولا يؤنث، ولا يعرف؛ لأنّه قصد به حالة واحدة، فاستغني عن علامة تدلّ على غيرها.
ولا يكون إلا بعد نفي، نحو قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ 221 أو نهي، نحو: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ 222 أو ما يشبه النّفي المحض، نحو: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ 223، ونحو: قلما يقول ذلك أحد إلا زيد، وليتني -

الجزء: 5 - الصفحة: 2439

................................  أسمع أحدا يتكلم؛ لأنّ المعنى لا أسمع أحدا يتكلم، ذكره الفراء في كتاب الحدّ 224، وقيّدت النفي بالمحض احترازا من (أليس) و (ما زال) ونحوهما، وأشرت بشبه النهي إلى قول الفراء في كتاب الحدّ: لأضربنّ أحدا يقول ذلك، وساقه مساقا يشعر بشهرته، والمعنى فيه: لا يقل أحد ذلك، وأجاز المبرد إيقاعه في الإيجاب المراد به العموم، نحو: جاء كلّ واحد، ومنع ذلك غيره، ذكر ذلك السيرافي في باب (كان)، من شرح الكتاب، ويساوي (أحدا) في جميع ما نسب إليه (عريب) وما ذكره بعده، ومن شواهده قول الشاعر: 1940 - ليت هذا اللّيل شهر... لا نرى فيه عريبا ليس إياي وإيّا... كـ ولا نخشى رقيبا 225 وقول العجّاج: 1941 - وبلدة ليس بها طوريّ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ 226 ويروى: طوئيّ. ومن شواهد (أرم) قول الشاعر: 1942 - تلك القرون ورثنا الأرض بعدهم... فما يحسّ عليها منهم أرم 227

الحديث: 1940 - الجزء: 5 - الصفحة: 2440

................................  وأنشد ابن الأعرابيّ: 1943 - يمينا أرى من آل شيبان وابرا... فيفلت منّي دون منقطع الحبل 228 وأنشد غيره: 1944 - أجدّ الحيّ فاحتملوا سراعا... فما بالدّار بعدهم كتيع 229 ومثال ما أغنى فيه نفي ما بعد (واحد) عن نفي ما قبله - لتضمّن ضمير (أحد) - قول الشاعر: 1945 - إذا أحد لم يعنه شأن طارق... لعدم فإنّا مؤثرون على الأهل 230 ومثال ما أغنى فيه نفي ما بعد (أحد) القائم مقام ضميره قول الشّاعر: 1946 - ولو سئلت عنّي نوار وأهلها... إذن أحد لم تنطق الشّفتان 231

    • وقال القالي في أماليه (1/ 250): «وأنشدنا أبو بكر بن الأنباري: تلك القرون... البيت والشاهد: قوله: «فما يحس عليها منهم أرم»؛ حيث استعملت أرم، كأحد الملازمة للنفي.
      ينظر الشاهد في: شرح المصنف (2/ 406)، اللسان مادة «أرم»، والتذييل والتكميل (4/ 252).

الحديث: 1943 - الجزء: 5 - الصفحة: 2441

................................  أراد: لم تنطق شفتاه، فأقام الألف واللّام مقام الضّمير.
ومثال استعمال (شفر) في جملة خالية من نفي قول الشاعر: 1947 - فو الله لا تنفكّ منّا عداوة... ولا منهم ما دام من نسلنا شفر 232 انتهى كلامه.
وظاهره يعطي أنّ (أحدا) هذه - أعني التي تستعمل بعد النفي لإرادة العموم - هي (أحد) التي تقدّم ذكرها - أعني المستعملة في العدد - والمشهور المعروف أنّهما غيران، فالهمزة أصلية في هذه، وبدل من الواو في تلك، والأولى دالة على الانفراد، وهذه دالة على العموم، وهذه يشترط في استعمالها أن يتقدمها نفي، أو شبهه، والأولى بخلاف ذلك، والظّاهر أنّ الحقّ أنّهما غيران 233 [3/ 71] وأما استدلال المبرّد على أنّ (أحدا) هذه تستعمل في الإيجاب بأن تقول: جاء كل أحد، فلا يخفى أنّ (أحدا) - في هذا المثال - المراد بها (واحد) والعموم إنّما استفيد من (كلّ) كما يستفاد منها في مثل: كلّ إنسان حيوان.
- المهلب، وفي الليل أدرك ذئب ركابه، وكانت له معه قصة.
والبيت في ديوانه (2/ 330) ط. صادر بيروت ورواية الديوان: ولو سئلت عني النوار وقومها... إذن لم توار الناجذ الشفتان وعلى رواية الديوان هذه لا شاهد فيه؛ لأن موطن الشاهد: «إذن أحد لم تنطق الشفتان»، واستشهد به على إيقاع (أحد) في الإيجاب المؤول بالنفي، فأوقع (أحدا) قبل النفي؛ لأنه بعده بالتأويل، كأنه قال: إذن لم ينطق منهم أحد، أو ذلك على أنه أراد: لم تنطق شفتاه، فحذف الضمير - الهاء - وأقام الألف واللام مكانها، وفي التذييل والتكميل (4/ 252): «وهو منزع كوفي، وأما تخريجه على مذهب البصريين فتقول: حذف الضمير منه، وتقديره: لم تنطق الشفتان منه».
اه.
وينظر الشاهد أيضا في: شرح المصنف (2/ 407)، وشواهد التوضيح والتصحيح لابن مالك (ص 216)، والتذييل والتكميل (4/ 253).

الحديث: 1947 - الجزء: 5 - الصفحة: 2442

[حكم تثنية وجمع أسماء العدد]

قال ابن مالك: (فصل: لا يثنّى ولا يجمع من أسماء العدد المفتقرة إلى تمييز إلّا مائة وألف، واختصّ الألف بالتّمييز به مطلقا، ولم يميّز بالمائة إلا ثلاث وإحدى عشرة وأخواتهما).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 234: انفرد الألف من بين أسماء العدد المفتقرة إلى التمييز فإنّه لم يوضع لشيء من مجموعاته لفظ يغني عن جمعه، فجرى على قياس الأسماء في الجمعيّة، مفسّرا كان؛ نحو: ثلاثة آلاف، أو غير مفسر؛ نحو: وَهُمْ أُلُوفٌ 235 وشاركته المائة في عدم وضع ما يغني عن التثنية إن قصدت، وعن الجمع إن قصد، كالعشرة، والعشرين، فإنهما أغنيا عن تثنية عشرة، وجمعها، وللمائة شبه بالثلاثة وأخواتها، في أنّ لها لفظا يغني عن جمعها، إن كانت المائة عشر مئات، وذلك اللفظ هو الألف 236 ولها شبه بالألف في إهمال ما يغني عن جمعها، إن لم يكن عشرة، فإن كان عشرة فله ألف، فألف من مائة، كمائة من عشرة، فلمّا لم تكن المائة والألف في عموم إهمال ما يغني عن الجمع، ولا كعشرة، في عموم وضع في الأصل غيره ذلك وسط أمرها، فأفردت كخمسمائة، وجمعت كثلاث مئين واختصّ الألف بأن يميز به الثلاثة وأخواتها، كثلاثة آلاف، وأحد عشر وعشرون، وأخواتها، كـ: أحد عشر ألفا، وعشرين ألفا، ومائة وألف، وما تفرع عنها، كـ: مائة ألف ومائتي ألف، وألف ألف.
وإلى هذا وأمثاله أشرت بقولي: واختصّ الألف بالتمييز به مطلقا 237. ثم قلت: «ولم يميّز بالمائة إلا ثلاث، وإحدى عشرة، وأخواتهما.
فنبهت بذلك على أنه يقال: ثلاثمائة، وأربعمائة، إلى: تسعمائة، وعلى أنّه يقال: إحدى عشرة مائة، واثنتا عشرة مائة إلى: تسع عشرة مائة، ولا يقال: عشر مائة، ولا: عشرون مائة، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2443

................................  استغناء بألف، وألفين، ومن تمييز المركّب بمائة 238 قول جابر 239 رضي الله تعالى عنه: «كنّا خمس عشرة مائة» 240 يعني أهل الحديبية، وفي حديث البراء 241 رضي الله تعالى عنه: «كنّا يوم الحديبية أربع عشرة مائة» 242 هذا آخر كلام المصنف 243 وقد عرفت أن الذي لا يميز من أسماء العدد إنما هو واحد، اثنان.
واعلم أنّ النحاة لما ذكروا -

الجزء: 5 - الصفحة: 2444

................................  الأسماء التي لا تثنّى ولا تجمع ذكروا أسماء العدد، واستثنوا المائة، والألف، ولم يقيدوا اسم العدد بكونه مفتقرا إلى تمييز، أو غير مفتقر، ومن ثمّ قال الشيخ: لا حاجة به - يعني المصنّف - إلى تقييد أسماء العدد بقوله: والمفتقر إلى تمييز؛ لأن أسماء العدد ما افتقر منها إلى تمييز، وما لم يفتقر لا يثنى ولا يجمع ما عدا مائة وألفا 244. انتهى.
ولا شكّ أنّ (واحدا) يكون صفة، قال الله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ 245 وإذا كان صفة فإنّه يجمع على وحدان، كقول القائل: 1948 -... طاروا إليه زرافات ووحدانا 246 وقد يجمع جمع سلامة كقوله: 1949 -... وقد رجعوا لحيّ واحدينا 247 وقد يثنّى كقوله: -

الحديث: 1948 - الجزء: 5 - الصفحة: 2445

................................  1950 -... فلمّا التقينا واحدين علوته 248 ثم إنّ الشيخ أنكر على المصنف استدلاله بالحديث، وقال: إنّ علماء العربية الذين أثبتوا قوانينها، وقواعدها لم يبنوا الأحكام على ما ورد في الحديث 249 قال: وجاء الرجل متأخرا، في أواخر قرن سبعمائة، فزعم أنّه يستدرك على المتقدمين ما أغفلوه، وينبه الناس على ما أهملوه ولله درّ القائل: لن يأتي آخر هذه الأمة بأفضل ممّا أتى به أولها 250. انتهى.
والمصنف لم يدّع الاستدراك على من تقدم لأنّه لم يقل: أغفل المتقدمون كذا وقد ذكرته، غايته أنّه ذكر حكما مستدلّا عليه بدليل فإن ثبت الدليل ثبت الحكم، وإن لم يثبت انتفى، ثمّ إنّ الله تعالى لم يحصر العلم في شخص، بل بثّه في الخلق أجمعين؛ لينال كلّ من الناس نصيبه من ذلك، فالمتقدم له فضل السبق والاختراع، والتدوين، وللمتأخر فضل التنقيح والتهذيب، وتقييد ما أطلق، وتفصيل ما أجمل واستدراك ما لعلّه فات الأول، وقد يدرك المتأخر ما لم يدركه المتقدم، كما أنّ المتقدم أدرك ما لم يدركه المتأخر.
وأما قول القائل: لن يأتي آخر هذه الأمّة بما أتى به أولها، فليس مرادا؛ ولكنّ المراد بذلك الأعمال الصالحة لا المسائل العلميّة والموجب للشّيخ أن يتكلم في حقّ المصنف بنحو هذا الكلام أنّه كان يرى تفضيل الجماعة كابن عصفور، وابن الضائع، وأندادهما من طلبة الشلوبين، على هذا الرجل، ولا شكّ أنّ هؤلاء أئمة وسادة، وقد وفّر الله تعالى نصيبهم في هذا الفنّ ولكنّ المصنف أيضا قد آتاه الله -

الحديث: 1950 - الجزء: 5 - الصفحة: 2446

[إدخال حرف التعريف على العدد]

قال ابن مالك: (وإذا قصد تعريف العدد أدخل حرفه عليه، إن كان مفردا غير مفسّر، أو مفسّرا بتمييز وعلى الآخر إن كان مضافا، أو علما، شذوذا لا قياسا، خلافا للكوفيّين وتدخل على الأول، والثّاني، إن كان معطوفا، ومعطوفا عليه، وعلى الأول إن كان مركّبا، وقد يدخل على جزءيه بضعف، وعليهما وعلى التّمييز بقبح).
علما ونظرا واجتهادا؛ فهو ينبّه على ما لم ينبّهوا عليه، كما أنّهم هم أيضا يذكرون ما لا يذكره، ويشيرون إلى ما لا يشير إليه، ولا شكّ أنّ فضل ابن مالك لا يجهل ولكن: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه... فالقوم أعداء له وخصوم 251 وهبني قلت: هذا الصّبح ليل أيعمى العالمون عن الضّياء 252 قال ناظر الجيش: [3/ 72] قد تقدّم أنّ العدد أربعة أنواع، وهي التي تضمنها كلام المصنف هنا، حيث أشار إلى حكم اللام أعني لام التعريف، ولا شك أنّ تعريف المفرد بإدخال الألف واللام واضح؛ لأنك تقول: الواحد، الاثنان، الثلاثة، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2447

................................  العشرون، الثلاثون، المائة والألف، وهذا مراد المصنف بقوله: إن كان مفردا غير مفسّر، وأما قوله: أو مفسّرا بتمييز فمثاله: العشرون درهما، والثلاثون دينارا، وكذا بقية ألفاظ العقود؛ لأنها من قسم المفرد ولم يمثل المصنف لذلك. وإنّما مثّل به بأن قال: خذ المائة دينارا، ودع الألف درهما 253 قال: وهذا على لغة من لا يضيف، عومل فيها ذو الألف واللّام معاملة المنوّن، ذكر ذلك ابن كيسان 254 وعليه ورد قول حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: «يا رسول الله أتخاف علينا ونحن بين الستّ مائة، إلى السبع مائة؟!». وقد تقدّم أنّ مفسّر المائة فما فوقها قد يجمع، وقد يفرد تمييزا ولا شكّ أنه قد ثبت عن العرب ذلك، أما كونه لغة، أو ضرورة فذاك شيء آخر، لا تعلق له بقول المصنّف: إنّك تدخل اللام عليه إذا قصدت تعريفه، وحينئذ لا تتوجه مؤاخذة الشيخ له أنّ ذلك ضرورة، وأنّ كلامه يعطي أنّه لغة 255. وأما المضاف فتعريفه بإدخال اللّام على الآخر منه، كقول ذي الرمة: 1951 - وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى... ثلاث الأثافي والدّيار البلاقع 256

الحديث: 1951 - الجزء: 5 - الصفحة: 2448

................................  وعدول المصنف عن التعبير بالثّاني، إلى التعبير بالآخر، لتناول العبارة إضافة واحدة، أو ما تضمن إضافتين أو أكثر نحو: قبضت خمسمائة ألف دينار؛ وروى الكوفيون إدخال حرف التعريف على العدد المضاف إلى ما فيه الألف واللام كقولك: قبضت العشرة الدنانير، واشتريت الخمسة الأثواب، وهو شاذّ، يحفظ ولا يقاس عليه 257، وأمّا العدد المشتمل على العطف فتعريفه بإدخال الحرف على أول الجزءين منه 258. قال: وروى بعضهم أيضا دخوله عليهما، وعلى التمييز وهو أبعد من الذي قبله 259 ويوجه أيضا بزيادة حرف التعريف مرتين ولا يستعمل منه إلا ما سمع 260 فيجاء به منبها على ضعفه وقبحه، ويسوغ الفراء القياس على ذلك 261. انتهى.
- - «أو يكشف العنا» وفي التذييل والتكميل (4/ 261): «والرسوم البلاقع».
والمعنى: هل يرد التحية، أو يزيل الجهد والتعب مواضع طبخ الأحباب، وديارهم الخالية؟ والشاهد: في قوله: «ثلاث الأثافي»؛ حيث عرف العدد المجرد من الألف واللام بإضافته للمعرفة، فحصلت معرفته بالإضافة.
ينظر الشاهد في المراجع السابقة، وفي جمل الزجاجي (ص 141)، والأغاني (5/ 37)، وشرح السيرافي (2/ 890)، والأشموني (1/ 187)، والدرر (1/ 185).

الجزء: 5 - الصفحة: 2449

................................  وذكر ابن عصفور أنّ بعض النحويين يجيز إدخال حرف التعريف، على المعطوف والمعطوف عليه 262 كقول الشاعر: 1952 - إذا الخمس والخمسين جاوزت فارتقب... قدوما على الأموات غير بعيد 263 وأما العدد فتعريفه بإدخال التّعريف على النّيّف، دون العقد إذا كان ثمّ عطف، فتقول: عندي الأحد وعشرون 264، قال: هو فاسد؛ لأنه لا يتعرف الثاني بإدخال حرف التعريف على الأول؛ لأنه ليس معه كالشيء الواحد، وذكر أيضا أنّ الكوفيّين إنما أجازوا: الثلاثة الرّجال، قياسا على: الحسن الوجه قال: وهو خطأ؛ لأنّه إنّما جاز الجمع بين الألف واللام والإضافة في باب (الحسن الوجه)؛ لأنّ الإضافة فيه غير محضة، والإضافة هنا محضة 265، قال: وأما إدخال حرف التعريف على الأول دون الثاني، يعني في العدد المضاف، فيقال: الثلاثة رجال.
فلا يجوز بإجماع؛ لأنّه على غير طريق الإضافة، وهو إضافة المعرفة إلى النكرة، وباب الإضافة على خلاف ذلك 266. -

الحديث: 1952 - الجزء: 5 - الصفحة: 2450

[حكم العدد المميز بشيئين في التركيب]

قال ابن مالك: (فصل: حكم العدد المميّز بشيئين في التّركيب لمذكرهما مطلقا إن وجد العقل، وإلّا فلسابقهما بشرط الاتصال، ولمؤنثهما إن فصلا بـ «بين» وعدم العقل ولسابقهما في الإضافة مطلقا، والمراد بـ: كتب لعشر بين يوم وليلة: عشر ليال، وعشرة أيام، وب: اشتريت عشرة بين عبد وأمة: خمسة أعبد وخمس آم).
وقال - مقوّيا لمذهب البصريين 267؛ وهو أنّ حرف التعريف إنّما يدخل على أوّل جزءي العدد المركب خاصّة -: إن المركّب مبنيّ فصار كالاسم الواحد، فلا يعرف إلا بمثل ما يعرف به الاسم الواحد.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 268: تقول: عندي خمسة عشر عبدا وجارية، وخمسة عشر جارية وعبدا؛ تجعل الحكم للمذكر، قدمته أو أخرته، وكذا تفعل أبدا بكلّ مركب من عدد من يعقل، إذا ميز بمذكّر ومؤنّث متصلا كان المميز كما في المثال المذكور أو منفصلا بـ (بين) كقولك: عندي خمسة عشر بين رجل وامرأة، وخمسة عشر بين امرأة ورجل، وتقول: نحرت خمسة عشر جملا وناقة، في خمسة عشر يوما وليلة 269، وركبت خمس عشرة ناقة وجملا، في خمس عشرة ليلة ويوما؛ فيجعل الحكم لسابقهما، مذكرا كان أو مؤنثا، وكذا تفعل أيضا بكلّ مركب من عدد ما لا يعقل، إذا اتصل بمميزه، والمميز مذكر ومؤنث 270 - - المضاف إليه أما العكس فلا، قال ابن عصفور: وبعض الكتاب يجيزون ذلك وهو قليل جدّا ويقولون عندي الخمسة أثواب».
اه.

الجزء: 5 - الصفحة: 2451

................................  وتقول: عندي ستّ عشرة بين ناقة وجمل، واشتريت ستّ عشرة بين كبش ونعجة، فيجعل الحكم لمؤنثهما قدمته أو أخرته إذا انفصل المميز وكان ممّا لا يعقل 271. والمراد في الحالين أنّ نصف العدد المذكور ذكور، ونصفه إناث، وهكذا أبدا في غير الليالي والأيام، وأما فيهنّ فالعدد المذكور لليالي والأيام مثله، فإذا قلت: كتب لعشرين يوم وليلة، فالمراد: عشر ليال وعشرة أيام.
هذا ظاهر معنى كلام سيبويه 272. وتقول: عندي عشرة أعبد وجوار، وعشر جوار وأعبد، فيجعل الحكم عند الإضافة للسابق من المميزين، مذكرا كان أو مؤنثا عاقلا أو غير عاقل ولا يكون مميز هذا النوع أقلّ من ستة؛ لأنهما إذا كانا [3/ 73] أقلّ من ستة كان أحدهما أقلّ من ثلاثة والخمسة وأخواتها لا تضاف إلى أقلّ من ثلاثة ولا فرق في ذلك بين أن يتّصل المضاف إليه بالمضاف أو ينفصل منه بعطف.
انتهى 273. وتلخص مما ذكره: أنّ العدد المركّب بالنسبة إلى اعتبار التذكير والتأنيث ثلاثة أقسام: قسم يتعين فيه جعل الحكم للسابق، وذلك إذا فقد العقل، واتصل المميز باسم العدد.
وأنّ العدد المضاف يتعين فيه جعل الحكم للسابق مطلقا، أي سواء وجد العقل أم لا، وسواء وصل المميز باسم العدد، أم فصل بـ (بين).
وقد سكت المصنف عن حكم العدد المعطوف، ومقتضى كلام ابن عصفور - في المقرّب - أنّ حكمه حكم المركّب، لكنّه لم يصرح به، وذلك أنّه قال: وإن نصبت المعدود المختلط بعد العدد فإنّك في العاقل تبني العدد على المذكر، تقدّم أو تأخر، وفي غير العاقل تبني على المتقدّم، وإن أثبته بالمعدود بعد (بين) غلبت في العاقل المذكر، تقدّم أو تأخر، وفي غيره المؤنث، تقدّم أو تأخر.
انتهى 274. فقوله: وإن نصبت المعدود؛ يشمل ما نصب بعد المركّب، وما نصب بعد المعطوف لكنّه -

الجزء: 5 - الصفحة: 2452

................................  لم يمثّل في الكتاب إلّا بالمركب.
وبعد؛ فإنّي لم أفهم - لما ذكره النحاة في هذه المسألة - علّة مقتضية لهذه الاختصاصات، والظاهر أنّ أحكامها توقيفية.
والله سبحانه أعلم.
ومما ينبّه عليه: أنّ المصنف قد وقع في كلامه لمّا مثّل لهذه المسائل؛ إذ قال: والمراد في الحالين أن نصف العدد المذكور ذكور، ونصفه إناث، وهكذا أبدا في غير الليالي والأيّام 275. والظاهر أنّه أراد بالنّصف البعض، ولم يرد النصف حقيقة، ويدلّ على ذلك أنّه مثّل بقوله: «عندي خمسة عشر عبدا وجارية»، وبقوله: «نحرت خمسة عشر جملا وناقة» وهذا لا يتصور فيه التنصيف الحقيقيّ.
وقد قال الشيخ - عند تمثيله بـ: اشتريت ستة عشر بين عبد وأمة -: ولا يشترط تنصيف العدد بينهما ولا كثرة المذكّرين لو كان عشر نساء، ورجل واحد، لقلت: أحد عشر، وغلّبت المذكّر.
لكنّه قال - بعد سطور -: التمييز المختلط، المنصوب أو المجرور يبين فيما ذكرناه، إن كان العدد يقبل التنصيف كان التمييز منصفا، بين المذكر والمؤنّث، وإن كان لا يقبل التنصيف فيكون التمييز مجملا، نحو: اشتريت أحد عشر عبدا وأمة وبين عبد وأمة.
ثم إنّ الشيخ ذكر مسألة، وهي: لو كان أحد المميزين بين عبد وأمة من مذكر ومؤنث عاقلا والآخر غير عاقل فالذي يقتضيه القياس تغليب المذكّر العاقل؛ لأنّه إذا كان يغلّب مع المؤنّث العاقل فلأن يغلب مع المؤنث غير العاقل أولى، مثاله: اشتريت أربعة عشر عبدا وناقة، واشتريت أربعة عشر ناقة وعبدا، فإن كان العاقل مؤنثا والذي لا يعقل مذكرا، فالذي يقتضيه القياس أنّ تغليب المؤنث الذي لا يعقل أولى، مثاله: اشتريت أربع عشرة بين أمة وجمل، أو بين جمل وأمة، فإن اتصل المميز فالظاهر أنّه يعتبر العاقل المذكر، تقدم أو تأخر؛ لأنّه إذا كان يغلب المذكر العاقل المؤنث العاقل، فلأن يغلب المؤنث الذي لا يعقل أولى، مثاله: اشتريت أربعة عشر ناقة وعبدا، أو عبدا وناقة 276. انتهى.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2453

[التأريخ بالليالي لسبقها]

قال ابن مالك: (فصل: يؤرخ باللّيالي لسبقها، فيقال أوّل الشّهر: كتب لأوّل ليلة منه، أو لغرّته أو مهلّه، أو مستهلّه، ثم لليلة خلت.
ثم خلتا ثم خلون، إلى العشر، ثم خلت إلى النصف من كذا، وهو أجود من: لخمس عشرة خلت أو بقيت، ثم لأربع عشرة بقيت إلى عشر بقين، إلى ليلة بقيت، ثم لآخر ليلة منه أو سلخه أو انسلاخه، ثم لآخر يوم منه أو سلخه أو انسلاخه، وقد تخلف التّاء النّون، وبالعكس).
واعلم أنّ الليالي تستتبع الأيّام، والأيام تستتبع الليالي، والدليل على ذلك قوله تعالى: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً 277، وقال تعالى: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا 278، والقصة واحدة، فلذلك إذا قيل: كتب ذلك لعشرين يوم وليلة كان المراد عشر ليال، وعشرة أيّام.
قال ناظر الجيش: قال المصنّف 279: لا ريب في أنّ أوّل الشهر ليلة، وآخره يوم، وقد علم أنّ لكلّ ليلة يوما يتلوها، فلذلك استغني في التأريخ 280 بالليالي عن الأيام، فلذا قيل: كتب لخمس خلون، فقصدت الليالي، وسكتّ عن الأيام، لعدم الحاجة إلى ذكرها.
وقد توهم قوم أنّ هذا الكلام قد غلّب فيه المذكر على المؤنّث وليس ما توهموه بصحيح؛ لأنّ التغليب إنّما هو في لفظ يعمّ القبيلين ويجري عليهما معا حكم أحدهما 281 كقوله تعالى: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ -

الجزء: 5 - الصفحة: 2454

................................  الْبَيْتِ 282 وكقوله تعالى - بعد خطاب نساء النبيّ -: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً 283 وكقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي... 284. فأعاد ضمير الذكور العقلاء على كلّ دابة، على سبيل التغليب 285. وقالوا فيما فوق العشر: خلت، بقيت؛ لأنّ مميزه ليلة مقدرة، ولو ذكرت لكان الفعل بعدها هكذا، فجيء به مع تقديرها، على ما كان ينبغي له مع ذكرها 286 وقالوا - في العشر وأخواتها -: خلون، وبقين؛ لأنّ مميزها - في التقدير - جمع مؤنّث، ولو ظهر لكان: خلون، وبقين، أولى من: خلت، وبقيت؛ لأنّ النّون نصّ في الجمعية والتأنيث، والتاء ليست كذلك 287، ولما استمرّ هذا الاستعمال في التأريخ حمل غيره عليه، فقيل - في الكثرة -: الجذوع انكسرت؛ حملا على: لإحدى عشرة خلت، وقيل - في القلّة -: الأجذاع انكسرت؛ حملا على: لعشر خلون، وهذا إنّما هو على مراعاة الأحسن، ولو عكس في التأريخ وغيره لجاز.

الجزء: 5 - الصفحة: 2455

[صياغة وحكم اسم الفاعل المشتق من العدد]

قال ابن مالك: (فصل: [3/ 74] يصاغ موازن «فاعل» من اثنين إلى عشرة، بمعنى بعض أصله، فيفرد، أو يضاف إلى أصله، وينصبه إن كان اثنين، لا مطلقا خلافا للأخفش، ويضاف المصوغ من تسعة فما دونها إلى المركّب المصدّر بأصله، أو يعطف عليه العشرون وأخواته، أو تركّب معه العشرة، تركبها مع النّيّف مقتصرا عليه، أو مضافا إلى المركّب المطابق له، وقد يعرب الأوّل مضافا إلى الثّاني مبنيّا، عند الاقتصار على ثالث عشر ونحوه، ويستعمل الاستعمال المذكور في الزائد على عشرة الواحد مجعولا حاديا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 288: موازن (فاعل) من ثلاثة إلى عشرة بمعنيين: أحدهما: أن يكون بمعنى أصله، أي بمعنى بعض ما صيغ منه، ويستعمل هذا مفردا، كـ: (ثالث) إلى عاشر، ومضافا إلى أصله، كـ: ثالث ثلاثة، وعاشر عشرة 289، وأجاز الأخفش تنوينه، والنصب فيه، وما ذهب إليه غير مرضيّ 290؛ لأنّ موازن (فاعل) المشار إليه إذا أريد به معنى بعض لا فعل له، إلا أن يكون ثانيا، فإن العرب تقول: ثنيت الرجلين، إذا كنت الثاني منهما فمن قال: ثان اثنين بهذا المعنى عذر؛ لأنّ له فعلا، ومن قال: ثالث ثلاثة لم يعذر؛ لأنّه لا فعل له 291. -

الجزء: 5 - الصفحة: 2456

................................  والمعنى الثّاني: أن يكون موازن (فاعل) المصوغ من ثلاثة إلى عشرة، بمعنى: جاعل ما تحت أصله معدودا به، نحو: هذا ثالث اثنين، بمعنى: جاعل اثنين بنفسه ثلاثة، فلك في هذا أن تضيفه، وأن تنوّنه، وتنصب به؛ لأنه اسم فاعل فعل مستعمل، فإنّه يقال: ثلاث اثنين إلى عشرة التسعة 292. ومضارع (ربع، وسبع، وتسع) مفتوح العين، ومضارع البواقي مكسورها 293، ولم يستعمل بهذا المعنى (ثان) فيقال: هذا ثان واحدا، بمعنى: جاعل واحدا بنفسه اثنين، بل استعمل (ثان) بمعنى: بعض اثنين 294، ويقال: تاسع تسعة عشر، وتاسعة تسع عشرة، إلى: حادي أحد عشر، وحادية إحدى عشرة، وإلى هذا أشرت بقولي: ويضاف المصوغ من تسعة فما دونها، إلى المركب المصدّر بأصله؛ أي يضاف (تاسع) إلى المركّب المصدّر بـ (تسعة) و (حاد) إلى المركّب المصدّر بـ (أحد) وكذلك ما بينهما 295، ثم قلت: أو يعطف عليه العشرون وأخواته، فأشرت إلى أنّه يقال: التاسع والعشرون، والحادي والعشرون، والتاسع والتسعون، والحادي والتسعون.
وكذا ما بين التاسع والحادي، فيما بين التسعين والعشرين.
ثمّ قلت: أو يركب معه العشرة، تركيبها مع النّيّف، مقتصرا عليه، فأشرت إلى أنّه يقال: التاسع عشر، والحادي عشر 296، فيبنى الصدر والعجز، كما يبنى الصدر والعجز من (تسعة عشر)، ويجعل عجز هذا المركّب في التذكير - - الثالث: التفصيل بين أن يكون ثانيا فيجوز، وغيره فيمتنع، وهو اختيار المصنف».
اه.
وينظر: شرح الكافية (2/ 1684) تحقيق د/ عبد المنعم هريدي، وشرح فصول ابن معط (2/ 527).

الجزء: 5 - الصفحة: 2457

................................  والتأنيث، كما كان مع أحد وإحدى، وأخواتهما، ويعطى صدره ما لاسم الفاعل، من لحاق التاء في التأنيث، وسقوطها في التذكير، فنجد أنّ هذا التركيب يقتصر عليه غالبا، إن كان (ثالثا) ونحوه.
وقد يضاف هذا المركب إلى المركّب المصدّر بأصل ما صدّر به المضاف، فيقال: هذا حادي عشر أحد عشر، وثاني عشر اثني عشر إلى تاسع عشر تسعة عشر 297، وإلى هذا أشرت بقولي: أو مضافا إلى المركب المطابق له، فأول هذين المركبين مضاف إلى ثانيهما، وكلاهما مبنيّ 298، وقد يقتصر على صيغة (فاعل) وتاليه، مضافا ومضافا إليه؛ مع إعراب الأول وبناء الثاني على تقدير تركيبه، مع ما صيغ منه (فاعل) فيقال: هذا ثالث عشر، ورأيت ثالث عشر، ومررت بثالث عشر، برفع (ثالث) ونصبه، وجرّه 299، وبناء (عشر) 300 على تقدير: ثالث ثلاثة عشر، فحذف الصدر، ونوي بقاؤه، فاستصحب بناء العجز.
وهذا شبيه بقول من قال: لا حول لا قوّة إلا بالله، على تقدير: لا قوة، بالتركيب والبناء، ثمّ حذفت (لا) ونوي بقاؤها، فاستصحب البناء، ويستعمل استعمال (فاعل) المصوغ من (اثنين) وأخواته (أحد) مجعولا حاديا، و (واحدة) مجعولة حادية، فيقال في التركيب: حادي عشر، وحادية عشرة، ومع عطف (عشرين) وأخواته: الحادي والعشرون، والحادية والعشرون 301، وهذا زيادة بيان لما تقدّم من ذكر ذلك 302. انتهى كلام المصنّف.
ويتعلق به ذكر أمور: الأول: الإشارة إلى تلخيص المسائل المذكورة في هذا الفصل، فنقول: إنّ اسم -

الجزء: 5 - الصفحة: 2458

................................  الفاعل المصوغ من اسم العدد؛ إما أن يستعمل دون تركيب وعطف، أو مع تركيب، أو مع عطف والذي دون تركيب وعطف إمّا أن يستعمل مفردا أي وحده، دون شيء معه، وإما غير مفرد، وغير المفرد إما أن يذكر مع ما هو أصله، وإمّا أن يذكر مع ما هو تحت أصله.
فالمفرد: كقولك: الثاني، والثالث، والرابع، والثانية، والثالثة، والرابعة إلى العاشر والعاشرة، والمراد بكلّ منها: الدلالة على أنّ المذكور هو في هذه الرتبة من العدد 303، كما يفهم من قولنا: الحديث الثالث، الحديث الخامس، الحديث العاشر، وقولنا: المسألة الثالثة، المسألة الخامسة، المسألة العاشرة.
وإنّما قال المصنف: يصاغ موازن (فاعل) من اثنين إلى عشرة؛ لأنّ ما دون اثنين وضع من أوّل أمره على (فاعل)، كـ واحد، وواحدة، فلم يكن هذا الصوغ له متجددا.
وغير المفرد الذي يذكر مع ما هو أصله: كقولك: هذا ثاني اثنين، وزيد ثالث ثلاثة، وعمرو رابع أربعة، وهذه ثانية اثنين، وثالثة ثلاث، ورابعة أربع إلى آخرها، والمراد به بعض أصله؛ لأن معنى رابع أربعة: بعض جماعة عدتهم الأربعة، وهذا القسم يتعين جرّ ما بعده، بإضافته إليه عند الجمهور.
وفيه مذهبان آخران: أحدهما: جواز النّصب مطلقا، وذلك إذا وجد الشرط المصحح لعمل اسم الفاعل؛ لأنّ حكمه حكمه، وقد أشار المصنف إلى هذا المذهب، ونسبه إلى الأخفش، والمغاربة ينسبونه [3/ 75] إلى ثعلب، ونسبه قوم إلى الكسائيّ، وقوم إلى قطرب، ويجوز أنّ كلّا من الجماعة المذكورين قال به، فتوافقت أقوالهم، وهذا هو الظاهر؛ إذ النقول لا تدفع.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2459

................................  ثانيهما: التفصيل، فإن كان اسم الفاعل ثانيا جاز النصب بشرطه، وإن كان غيره وجبت إضافته إلى ما يليه، وهذا المذهب هو اختيار المصنّف، كما عرفت، وسيأتي الكلام معه فيما استدلّ به على مختاره.
وغير المفرد الذي يذكر مع ما هو تحت أصله: كقولك: ثالث اثنين، ورابع ثلاثة، وثالثة اثنين، ورابعة ثلاث، إلى آخرها، والمراد به أنه جاعل ما دونه من اسم العدد المذكور في رتبته، أي صيّر الاثنين به ثلاثة، وصيّر الثلاثة أربعة، كأنّها صارت به كذلك، فهو الجاعل لها في هذه الرتبة، وهذا القسم يجوز فيه الأمران باتفاق، أعني الإضافة، والنصب بشرطه 304، وسيذكره المصنف، في بقية الفصل.
وأما المستعمل في التركيب: فإمّا مع ما هو أصله، وإمّا مع ما هو تحت أصله.
أما المستعمل مع ما هو أصله: ففي كيفية استعماله أوجه: الأول: أن يأتي باسم الفاعل خاصة، ويضيفه إلى المركب برمّته، فيقال: حادي أحد عشر، وحادية إحدى عشرة، إلى تاسع تسعة عشر، وتاسعة تسع عشرة، ولا شكّ في إعراب اسم الفاعل حينئذ؛ لانتفاء التركيب الموجب للبناء، والأصل فيه: تاسع عشر تسعة عشر، وتاسعة عشرة تسع عشرة، ثم حذف العجز، واقتصر على الصّدر، وليس في عبارة المصنّف إشعار بأنّ الأصل كذلك، ثم حصل حذف الثاني، والاقتصار على الأول، وسيذكر هذا الوجه بعد.
الوجه الثاني: أن يأتي باسم الفاعل، ويركّب معه العشرة تركّبها مع النيّف، ويقتصر على ذلك، ويبنى الجزءان - أعني النّيّف مع العقد - وذلك نحو أن يقال: ثالث عشر، وثالثة عشرة، إلى آخرها 305. والذي فهمته من كلام المصنف أنّ هذا -

الجزء: 5 - الصفحة: 2460

................................  تركيب مستقلّ بنفسه، وهو أنّا ركّبنا لفظ (عشرة) مع اسم الفاعل، مقتصرين على ذلك، تاركين التركيب الثاني برمّته، لم تذكره، ولا تقدره أيضا، لكنّ المغاربة يذكرون أنّ أصل هذا التركيب: ثالث عشر ثلاثة عشر، فحذف العقد من الأول، والنيّف من الثاني.
الوجه الثالث: أن يأتي بنحو هذا التركيب، الذي هو الوجه الثّاني، لكن يعرب الجزء الأول، ويستمرّ الجزء الثاني على البناء، وهذا الوجه هو الذي أشار إليه المصنّف، بقوله: وقد يعرب الأول مضافا إلى الثّاني مبنيّا.
وقد قال المصنف: إنّ التقدير فيه: ثالث ثلاثة عشر، فحذف الصدر، ونوي بقاؤه، واستصحب بناء العجز لذلك 306. الوجه الرابع: أن يأتي باسم الفاعل، مركّبا معه العشرة، ويأتي بعده بالمركب المصدّر بأصل ما صدّر به الأول، كقولك: حادي عشر أحد عشر، إلى: تاسع عشر تسعة عشر، وحادية عشرة إحدى عشرة، إلى تاسعة عشرة تسع عشرة 307، وهذه الأوجه الأربعة هي التي تضمنها كلام المصنف.
وذكر الشيخ أن الأوجه المتفق عليها، والمختلف فيها في المسألة خمسة: الأول: حادي عشر أحد عشر، فتبنيهما، وتضيف التركيب الأول إلى الثاني، وهذا هو الأصل، وهو أقلّها.
الثاني: حادي أحد عشر، بحذف (عشر) من الأول، وإعراب ما بقي منه، وهو أكثر استعمالا من الأول.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2461

................................  الثالث: حذف العقد والنيف - يعني العقد من الأول، والنّيّف من الثاني - وبناء ما بقي مرادا ما حذف منهما.
الرابع: حذفهما، وإعراب ما بقي.
الخامس: إعراب اسم الفاعل، مع حذف عقده، وبناء (عشر) مع حذف نيفه.
انتهى 308. وأقول: أما الوجه الأول من هذه الخمسة فقد أشار إليه المصنف، بقوله: أو مضافا إلى المركب المطابق له بعد قوله: أو تركب معه العشرة، تركبها مع النيف مقتصرا عليه؛ فإنّ مراده أن تأتي بالتركيب الأول، مقتصرا عليه، وتضيفه إلى المركّب المطابق له.
وأما الوجه الثّاني: فأشار إليه بقوله أولا: ويضاف المصوغ من تسعة فما دونها إلى المركب المصدّر بأصله، وإنّما بدأ به المصنف، لأنه أكثر استعمالا من الذي ذكرناه الآن قبله، كما عرفت، ولكن ليس في كلام المصنف إشعار بأن الأصل: تاسع عشر تسعة عشر فحذف العقد من الأول، غير أن النظر يقتضي أن الأصل هو ذلك، ومن ثم لما ذكر الشيخ هذا الوجه شارحا له قال: ولا يشعر كلام المصنف، لا في نصّه، ولا في شرحه، أنّ أصله التركيب، قال: ونصّ أصحابنا عليه 309. وأما الوجه الثالث: وهو حذف العقد من الأول، والنيف من الثّاني، وبناء ما بقي - أعني بناء الجزءين الباقيين من المركبين، كقولك: حادي عشر، وتاسع عشر، فلا شكّ أنّ المصنّف قد أشار إلى هذا التركيب بقوله: أو تركب معه العشرة تركّبها مع النيف، وتقدّم لنا أنّ الجزءين مبنيان، ولكن قد ذكرت هناك أنّ الذي فهمته من كلام المصنّف أنّ هذا تركيب مستقلّ بنفسه، وأنّا لا نقدّر أنّ أصله تاسع عشر تسعة عشر، وأن الجماعة يرون أنّ أصله تركيبان حذف عجز الأول، وصدر الثّاني، وضمّ صدر الأول، إلى عجز الثّاني، واستمرّ كلّ منهما على بنائه، فإن كان المصنف قصد ما ذكرته، فيكون هذا التركيب - أعني الذي لا حذف فيه - تركيبا مستقلّا بنفسه، أتي به ابتداء، وهو أنّنا ركّبنا لفظ العشرة مع اسم الفاعل، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2462

................................  ولم ننظر إلى التركيب الآخر، أعني الثّاني، رأسا.
وإنّما قلت: إن قوة كلام المصنف يفهم منها ذلك، لقوله: مقتصرا عليه، فلو كان الأمر كما قال غيره لكان يقول: مقتصرا على نيّف الأول وعقد الثاني، ويدلّ على ذلك أيضا قوله: أو تركّب معه العشرة تركيبها مع النيّف يعني أنّ العشرة كما ركّبت مع النيف في (تسعة عشر) تركب مع اسم الفاعل في (تاسع عشر) فلو كانت [3/ 73] هذه العشرة التي مع اسم الفاعل هي التي كانت مع نيف المركّب الثاني لما احتاج إلى أن يتعرض لذكر علة بنائها، وعلى هذا يكون هذا الوجه زائدا على الأوجه الخمسة، التي ذكرها الشيخ، فتصير الأوجه في المسألة ستة، فإن قيل: قول المصنف: وقد يعرب الأول مضافا إلى الثاني مبنيّا يشعر بأنّ الأصل في نحو: «ثالث عشر» إذا أعربنا الأول تركيبان، فلما حذف العقد من الأول أعرب النّيف؛ لزوال المقتضي للبناء، أجبت بأنّ المصنف قد ذكر أنّ الأصل في: «ثالث عشر»: ثالث ثلاثة عشر، فأعرب الأول؛ لأنّه لم يركب مع شيء، وبني الثاني؛ لأنّ الأصل: ثالث ثلاثة عشر، فحذف الصدر، ونوي بقاؤه، فاستصحب لذلك بناء العجز.
وأما الوجه الرابع: وهو حذف العقد من الأول، والنيف من الثاني، وإعراب ما بقي، فلم يذكره المصنف، وتوجيهه ظاهر، فإنّ مقتضى البناء قد زال من كلّ منهما 310، والظاهر أنه أقوى من الوجه الذي يعرب فيه الأول، ويبقى الثاني على بنائه 311، وقد ذكره المصنف، فكان الوجه الذي يعرب فيه الجزءان أولى بالذكر منه.
وأما الوجه الخامس: وهو إعراب الأوّل مع حذف عقده، وبناء (عشر) مع حذف نيفه - فقد أشار إليه المصنف بقوله: وقد يعرب الأول مضافا إلى الثاني مبنيّا، عند الاقتصار على ثالث عشر ونحوه 312. وأما المستعمل في التركيب مع ما هو تحت أصله فسيذكره المصنف عند ذكره غير المركّب الذي يذكر مع ما هو تحت أصله أيضا، وأما اسم الفاعل المستعمل مع العطف، فكقولك: الحادي والعشرون، والحادية والعشرون، إلى التاسع والتسعين، والتاسعة والتسعين، وأمره واضح ولا يحتاج إلى بيان.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2463

................................  الأمر الثاني: المراد من قولنا: حادي عشر، وتاسع عشر، المذكور في الرتبة 313، فالحادي عشر، والحادية عشرة، إلى التاسع عشر، والتاسعة عشرة، فائدة كلّ منهما فائدة المفرد، الذي هو الثاني، والثالث، والرابع، والمراد من «ثالث عشر ثلاثة عشر» أن المعبّر عنه باسم الفاعل بعض هذا العدد الخاصّ؛ أي المنحصر في هذه الجملة، فيستفاد منه ما استفيد من «ثاني اثنين» و «رابع أربعة» فمعنى «ثالث عشر ثلاثة عشر»: واحد من ثلاثة عشر، إلّا أنك - مع لفظ الواحد - لا تعلم هل هو الذي انتهى به العدد أو لا؟ بخلاف «ثالث عشر ثلاثة عشر» فإنّه يفهم منه أنه الذي انتهى إليه العدد 314. وكذلك الأمر في: «ثالث ثلاثة عشر» و «ثالث عشر» سواء أعربت الجزءين أم بنيتهما، أم أعربت الأول، وبنيت الثاني.
قلت: وكون المراد من نحو: «ثالث عشر» المذكور في هذه الرتبة ما قلناه من أنّه تركيب مستقلّ بنفسه، ولا ينظر معه إلى التركيب الذي هو أصله 315. الأمر الثالث: لم يتجه لي استدلال المصنّف ما ذهب إليه، من أنّ (ثانيا) إذا ذكر مع ما هو أصله، كـ (ثاني) جاز أن تنصبه؛ لقول العرب: ثنيت الرجلين إذا كنت الثاني منهما؛ لأنه كيف يتصور أن يثني الاثنين، واستشكلت هذا حتّى رأيت الشيخ قال: إن صحّ عن العرب ما نقله المصنف من: (ثنيت الرجلين) وجب تأويله، على حذف مضاف، تقديره: ثنيت أحد الرجلين (4). فحقق ذلك عندي ما استشكلته.
ثمّ قال الشيخ: وقولهم: «ثنيت الرجلين» ليس نصّا في: «ثنيت الاثنين»، حتى بني عليه: «هذا ثاني اثنين» بالإعمال 316. الأمر الرابع: في شرح الشيخ: إنّما لم يقل العرب: ثلثت الثلاثة؛ لأنّه لو قيل ذلك لكان القائل قد ثلّث نفسه؛ لأنّه أحد الثلاثة، وهو لا يجوز؛ لأنّه يؤدّي إلى تعدية فعل المضمر إلى ظاهره، مثل: «زيد ضرب»، إذا أردت أنّه -

الجزء: 5 - الصفحة: 2464

[استعمال «فاعل» المصوغ من العدد]

قال ابن مالك: (وإن قصد بـ «فاعل» المصوغ من ثلاثة إلى عشرة جعل الذي تحت أصله معدودا به استعمل مع المجعول استعمال «جاعل»؛ لأن له فعلا، وقد يجاوز به العشرة، فيقال: رابع ثلاثة عشر، أو رابع عشر ثلاثة عشر، ونحو ذلك؛ وفاقا لسيبويه، بشرط الإضافة وحكم «فاعل» المذكور في الأحوال كلّها بالنسبة إلى التذكير والتأنيث حكم اسم الفاعل).
ضرب نفسه 317، وأنّ حجة من أجاز النصب أنّ المعنى في: «ثالث ثلاثة، ورابع أربعة»: متمم ثلاثة، ومتمم أربعة، قال: وليس بجيّد؛ لأنّه يلزم منه أن يتمم نفسه، فيلزم تعدّي فعل المضمر إلى ظاهره؛ لأنه أحد الثلاثة 318. انتهى.
وفي تحقّق هذه العلّة نظر.
الأمر الخامس: يجوز في الياء من (حادي عشر) الفتح، والسكون، وكذا في الياء من (ثاني عشر) 319 ولا يخفى أنّ ما عداهما من النيف المركب مع العقد ليس فيه إلا البناء على الفتح، وأنّ البناء؛ لأجل التركيب، وأما بناء العقد فقد قالوا: إنه لتضمّن معنى حرف العطف، ولو قيل: إنّ بناءهما معا للتركيب لكان أقرب.
قال ناظر الجيش: تقدّم لنا القول بأنّ المصنف سيذكر اسم الفاعل المستعمل مع ما هو تحت أصله، دون تركيب، كـ: ثالث اثنين، ورابع ثلاثة، وفي تركيب أيضا، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2465

................................  كـ: رابع عشر ثلاثة عشر، وها هو قد ذكرهما الآن.
قال رحمه الله تعالى 320: قد تقدم في شرح أول شطري هذا الفصل أنّ موازن (فاعل) يصاغ من: ثلاثة إلى عشرة، بمعنى: جاعل 321؛ لأنّ المصوغ بهذا المعنى اسم فاعل فعل مستعمل، وفي ذلك الكلام غنى عن إعادة معناه هنا، وقولي: المصوغ من ثلاثة 322 تقريب على المتعلّم، والحقيقة أن يقال: المصوغ من الثلث، والربع، إلى: التسع، والعشر، والمراد بالثلث، وما عطف عليه، مصادر ثلثت الاثنين، وربعت الثلاثة، إلى عشرت التسعة 323، وإنّما كانت الحقيقة هذه؛ لأنّ (فاعلا) المشار إليه اسم فاعل، واسم الفاعل مشتقّ من المصدر، إلا أنّ في هذا غموضا، وفي الأول وضوح وسهولة فكان التعبير به أولى، والهاء من قولي: تحت أصله - عائدة إلى فاعل المصوغ 324، والمراد أنك إذا قلت: هذا ثالث اثنين فمعناه: جاعل اثنين ثلاثة بانضمامه إليها فأصله ثلاثة؛ لأنه مصوغ من لفظها، والذي تحت الثلاثة الاثنان، فالقائل: هذا ثالث اثنين قاصد جعل اثنين معدودا [3/ 77] بثلاثة، وفي استعمل من قولي: استعمل مع المجعول - ضمير يعود على فاعل المصوغ، والمراد بالمجعول: العدد الذي تحت المصوغ منه فاعل كالاثنين بالنسبة إلى ثالث وكالثلاثة بالنسبة إلى رابع 325 وأشرت بـ: استعمال جاعل - إلى أنه إن كان بمعنى المضيّ وجبت إضافته، وإن كان بمعنى الحال أو الاستقبال جازت إضافته وإعماله على نحو -

الجزء: 5 - الصفحة: 2466

................................  ما يفعل بـ (جاعل) وغيره من أسماء الفاعلين، وكان ذكر جاعل أولى؛ لأنه موافق (فاعل) المذكور وزنا ومعنى 326. ونبهت على سبب إعماله بقولي: لأنّ له فعلا 327 يفهم من هذا أنّ ما لا فعل له لا ينصب تاليه كـ (ثالث ثلاثة) 328 وأنّ ما له فعل ينصبه كـ (ثالث اثنين) و (رابع ثلاثة) وينبغي أن ينبّه هذا إلى جواز قول القائل: هذا ثالث تسعة وعشرين؛ لأنّه يقال: كانوا تسعة وعشرين، فثلثتهم؛ أي صيرتهم ثلاثين 329. وأجاز سيبويه 330 أن يقال: رابع ثلاثة عشر، ورابع عشر ثلاثة عشر، إلى تاسع ثمانية عشر، وتاسع عشر ثمانية عشر، بإضافة (فاعل) مفردا، أو مركبا، إلى المركب الذي يليه 331. انتهى كلام المصنف.
وقد عرفت أنه لما ذكر في الكلام على أول الفصل أنّ اسم الفاعل بمعنى (جاعل) لك أن تضيفه وأن تنوّنه، وتنصب به، قال: ولم يستعمل بهذا المعنى (ثان) فيقال: هذا ثان واحدا، بمعنى جاعل واحدا بنفسه اثنين فمن ثمّ لمّا ذكر اسم الفاعل هنا قيّده بقوله: المصوغ من ثلاثة ليفهم من ذلك أنّه لا يصاغ من اثنين بهذا المعنى، وكذا يقال: ثاني واحد بالإضافة، نصّ على ذلك سيبويه 332. وعبارة المصنّف تشمل القسمين: أعني الإضافة، والنصب؛ لأنّه بعد أن ذكر أنّه يضاف، وأنّه ينون، وينصب به قال: ولم يستعمل بهذا المعنى (ثان) لكنّه قد مثل بالمنون خاصة.
وفي شرح الشيخ أنّ بعضهم أجاز صوغه بهذا المعنى قياسا 333. والحقّ أن لا تعويل على ذلك.
-

الجزء: 5 - الصفحة: 2467

................................  ثمّ قول المصنّف: وأشرت باستعمال (جاعل) إلى أنّه إذا كان بمعنى المضيّ وجبت إضافته 334 إلى آخره فيه دفع لما توهمه الشيخ من قوله أولا: وينصبه إن كان اثنين، حتّى احتاج إلى أن قال: ينبغي للمصنف التقدير فيما ذكره، بأن يقول: إن كان في (ثان) الألف واللام فإن عرّي عنها وكان بمعنى الحال أو الاستقبال نصب أصله على سبيل الجواز؛ لأنّه اسم فاعل فحكمه حكمه 335. قال: ويفهم من كلام المصنّف أنّه إذا كان اسم الفاعل ثانيا فإنّه ينصب اثنين.
قال: وليس بحتم 336. انتهى.
وهو توهم عجيب، وقد عرفت ما يدفعه، على أن هذا - لو لم يكن في كلام المصنف ما يدل على دفعه لكان مرفوعا رأسا، لما هو المعروف المقرر من شروط عمل اسم الفاعل، ومن أنّ عمله جائز لا واجب، وكما ذكر الشيخ قول المصنف: إنّه يقال: كانوا تسعة وعشرين فثلثتهم، أي صيّرتهم ثلاثين 337 - قال: وقال أبو عبيد 338: كانوا تسعة وعشرين فثلثتهم؛ أي صيّرتهم تمام الثلاثين، وكانوا تسعة وثلاثين فربعتهم مثل: لفظ الثلاثة والأربعة، وكذلك جميع العقود، إلى المائة.
فإذا بلغت المائة قلت: كانوا تسعة وتسعين فأمأيتهم، مثل: أفعلتهم، وكانوا تسعمائة وتسعة وتسعين فآلفتهم، وتقول: كانوا ثلاثة فأربعوا؛ أي: صاروا أربعة 339 إلى العشرة، ثم إنّ الشيخ لما ذكر (ثالث اثنين) و (ثالثة اثنتين) إلى (عاشر تسعة) و (عاشرة تسع) - قال: والمحفوظ عن العرب في هذا النوع الإضافة بمعنى الماضي 340. قال: ولم يذكر سيبويه فيه إلا معنى المضيّ، ولم يذكر فيه إلا الإضافة وقال: - -

الجزء: 5 - الصفحة: 2468

................................  إنه قليل في كلام العرب 341. ثم قال: وتقول: هذا الخامس أربعة، وذلك أنّك تريد: هذا الذي خمّس الأربعة، كما تقول: خمستهم وربعتهم (2). قال: وإنما يريد: هذا الذي صيّر أربعة خمسة، وقلما يريد العرب هذا، وهو قياس ألا ترى أنك لا تسمع أحدا يقول: ثنيت الواحد، ولا ثاني واحد (3). قال - في آخر الباب -: وتقول: هذا خامس أربع، إذا أردت أنّه صيّر أربع نسوة خمسة، ولا تكاد العرب تتكلم به، كما ذكرت لك، وعلى هذا تقول: رابع ثلاثة عشر، كما قلت: خامس أربعة 342. قال الشيخ: فهذا جملة ما تكلّم عليه سيبويه في المختلف اللفظ، فلم يذكر فيه التنوين والنصب، ولا معنى الحال والاستقبال، ولم يذكر فيه إلا معنى المضيّ، وذكر أنه لمّا تكلم به العرب وجعله قياسا فيما سمع من الماضي، وقاس عليه: رابع ثلاثة عشر 343. ثمّ قال: وذهب أكثر النحويين والأخفش والمبرّد وغيرهما، إلى خلاف ما ذهب إليه سيبويه، فجعلوا له حكم اسم الفاعل، في إجازة الوجهين أعني الإضافة والنصب، ومال - في البسيط - كثيرا إلى نحو: خامس أربعة: «وقلّله سيبويه في كلام العرب، وذكر أنّه قياس» 344 ولم يذكر سيبويه النصب، وتأوله على الماضي لأنه قال: هذا الذي خمس الأربعة، فلم يجره مجرى اسم الفاعل مطلقا، فإضافته على هذا تكون محضة 345، وذكر النحويّون النصب به كالمبرّد وغيره.
وذلك - والله أعلم - قياس؛ لأنّهم لم يسمعوه، فتكون إضافته على هذا - إن قصد العمل، بمعنى الحال، أو الاستقبال - غير محضة 346. ونقل الشيخ كلام الخفاف -

الجزء: 5 - الصفحة: 2469

................................  في المسألة أيضا 347 وهو نظير كلام صاحب البسيط في حكاية مذهب سيبويه.
وزاد بأن قال: ذكر غير سيبويه النصب والتنوين، ولم يستشهدوا على النّصب بكلمة واحدة، فدلّ ذلك على أنه منهم قياس، وأكثر كلام الشيخ من نقل الأئمة، في هذه المسألة، وكلّهم متطابقون على أنّ سيبويه لا يجيز النصب، ولا شك أنّ كلام سيبويه يقتضي ذلك، وأمّا قول المصنف: وقد يجاوز به العشرة فالضمير في (به) يعود إلى (فاعل)، الذي قصد به جعل الذي تحت أصله معدودا به، يريد بذلك أنّه يستعمل مع المركب، كما استعمل مع غير المركّب 348، وأنه كما سبق في التركيب، وأريد به بعض العدد الموافق له في الاشتقاق كذا يستعمل فيه أيضا، ويراد به أنّه جاعل العدد المخالف له في الاشتقاق في رتبته، فيقال: رابع ثلاثة، ورابع عشر ثلاثة عشر في التركيب الثاني هو الأصل، وأما الأول فقالوا: إن العقد حذف منه، واقتصر فيه على النيف، الذي هو اسم الفاعل، فقيل: رابع ثلاثة عشر، والأصل: رابع عشر ثلاثة عشر والذي قالوه هو الظاهر 349. وفهم من قوله: وفاقا لسيبويه أنّ في المسألة خلافا وأنّ المجيز لها سيبويه ومن وافقه، وغيرهم لا يجيزها، وأن سيبويه أجاز صوغ اسم الفاعل مع المركّب 350 على الوجهين اللذين ذكرا 351 [3/ 78] ولكنّ سيبويه - مع إجازته لذلك - يوجب إضافة الأول إلى الثّاني، فلا يجيز أن ينصب ما بعده، سواء حذف منه العقد أو لم يحذف فلا يقال: رابع ثلاثة عشر، بتنوين (رابع) واعتقاد أنّ (ثلاثة عشر) في موضع نصب، ولا: رابع عشر ثلاثة عشر، فيعمله وهو مبنيّ، ويعتقد نصب ما بعده؛ لأنّ مثل هذا لم يسمع منه فعل، لا تقول: كانوا ثلاثة عشر فربعتهم؛ أي: صاروا بك أربعة - - هذا رابع ثلاثة ورابع ثلاثة لأن معناه أنه ربعهم وثلثهم وعلى هذا قوله عز وجل: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ومثله قوله عز وجل: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ.

الجزء: 5 - الصفحة: 2470

................................  عشر 352. وهذه المسألة التي أجازها سيبويه خالفه فيها الجمهور والأخفش والمازنيّ والمبرّد والفارسيّ 353 قالوا: والعرب لم تتكلم بذلك، وإنّما أجازه سيبويه قياسا 354. ومستند المانعين: أنه إنّما جاز ذلك في الإفراد على معنى العمل؛ لأنّهم اشتقّوا منه فعلا فقالوا: خمستهم، وثلثتهم، بمعنى صيّرتهم ولم يشتقّوا من (خمسة عشر) فعلا بهذا المعنى، فلم يجز 355. ومن ثمّ قال أبو عليّ: ومن قال: خامس أربعة، لم يقل: رابع ثلاثة عشر، ولا: رابع عشر ثلاثة عشر؛ لأنّ اسم الفاعل الجاري على الفعل لا يكون هكذا 356 يعني أنه لا يبنى من شيئين 357 ومستند المجيز: أنّهم يقولون: إنّما جاز ذلك اتكالا على المعنى ولا يلتفت إلى (خمستهم)، ونحوه؛ لأنّ المجيز لذلك لا يعمله، وإنّما يوجب إضافته 358. وقد عرفت أنّ سيبويه أجاز ذلك 359 -

الجزء: 5 - الصفحة: 2471

................................  وتلقاه المصنف منه بالقبول، ولم يتوقف فيه، ولم يخدشه، وكفى بذلك دليلا على الصّحة.
واعلم أنّ كلام سيبويه يعطي أنّ ثمّ وجها ثالثا، غير الوجهين المتقدمي الذكر، وذلك أنّه قال: «هذا المختلف مثل الموافق» 360 فكما جاز في «حادي عشر أحد عشر» وأخواته حذف العقد من الأول، وإضافته إلى الموافق، وإثباته والإضافة إلى الموافق وحذف العقد من الأول، وحذف نيّف الثّاني، كذلك جاز هنا.
ومن ثمّ قال الشيخ - عند ذكر الوجهين اللذين ذكرهما المصنف -: وترك المصنف وجها ثالثا في هذه المسألة على مذهب سيبويه، وهو: هذا الخامس عشر؛ إما ببنائهما، أو إعرابهما على الخلاف الذي مرّ في الموافق 361. انتهى.
والذي يظهر أنّ إجازة هذا الوجه يجب أن تكون موقوفة على شيء، وهو أن يكون المخاطب به تحقق ما أراده المتكلم، إما بقرينة مقالية تقدّمت هذا الكلام، وإما بقرينة حاليّة، ولعلّ هذا مراد سيبويه، وإلّا فكيف يعلم من قول القائل: الخامس عشر أنّه أراد: خامس عشر أربعة عشر، أو خامس أربعة عشر، هذا لا يعلم، وإذا لم يعلم فما وجه صحته؟.
وقد نقل الشيخ عن بعضهم أنّه قال: وفي هذا الوجه إلباس بالمتفق اللفظ فلا يجوز 362. انتهى.
وهذا هو الحقّ، وكلام سيبويه محمول على ما قلته، وأما قول المصنّف: وحكم (فاعل) المذكور في الأحوال كلّها بالنسبة إلى التذكير والتأنيث حكم اسم الفاعل 363 فواضح غنيّ عن الشرح، خاتما للكلام على مسائل الفصل.
وبقي الكلام في المعقود فنقول: أما عشرون، وسائر العقود إلى تسعين والمائة والألف، فلم يسمع من العرب بناء اسم الفاعل منها، لم يقولوا: عاشر عشرين، -

الجزء: 5 - الصفحة: 2472

................................  ولا ثالث ثلاثين، ولا: رابع أربعين 364. والقياس يقتضي أن لا يقال ذلك؛ لأنّ الاشتقاق من الأسماء الجامدة لا ينقاس 365 لقلته.
انتهى.
وأعطى هذا الكلام منه أنّ المانع من ذلك إنّما هو عدم الاشتقاق من الأسماء الجامدة، ومقتضاه أن الاشتقاق لو جاز لجاز أن يقال: ثالث ثلاثين، ورابع أربعين وهذا لا يتحقّق وذلك أنّ مدلول ثالث هو العدد الزائد على اثنين بواحد، وكذا مدلول رابع: وهو العدد الزائد على الثلاثة بواحد 366. ولا شكّ أنّ مدلول الثلاثة، ومدلول الأربعة كذلك، فمن هذه الجهة صحت إضافة ثالث إلى ثلاثة، ورابع إلى أربعة، وكذا إلى عاشر عشرة، وأمّا نحو: ثالث ثلاثين، فلا يصحّ لاختلاف المدلول، وإن حصل اشتراك الكلمتين في اللفظ، وذلك أنّ مدلول ثالث قد عرفته، ومدلول ثلاثين إنما هو العدد الزائد على تسعة وعشرين بواحد، فأين أحدهما من الآخر؟ ثمّ لا يقول أحد: إن المراد بثالث الثلاثين واحد الثّلاثين، كما قلنا: إنّ المراد بثالث الثلاثة واحد الثلاثة؛ لأنّ (ثالثا) ليس بواحد من الثلاثين، وكذا (رابع) ليس بواحد من الأربعين، وإذا كان كذلك فكيف يتصور صحّة قولنا: ثالث الثلاثين، ورابع أربعين؟ ثم ذكر الشيخ عن سيبويه (4) والفراء 367، وعن غيرهما من النّحاة أنّهم قالوا: إنا إذا قلنا: هذا الجزء العشرون، فالمعنى تمام العشرين، أو كمال العشرين، فحذف المضاف أو الموفي كذا، والموفية كذا 368 وقال بعضهم: هذا متمم عشرين، أو مكمّل عشرين.
قال: وليس بشيء؛ لأنه يلزم منه أن يتمم نفسه، أو يكمّل نفسه 369.

الجزء: 5 - الصفحة: 2473

[ما يستعمل استعمال خمسة عشر من الظروف والأحوال]

قال ابن مالك: (فصل: استعمل كخمسة عشر ظروف، كيوم يوم، وصباح مساء، وبين بين، وأحوال أصلها العطف كـ: تفرقوا شغر بغر وشذر مذر 370، وجذع مذع 371، وأخول أخول، وتركت البلاد حيث بيث 372، وهو جاري بيت بيت، ولقيته كفة كفة، وأخبرته صحرة بحرة، وأحوال أصلها الإضافة كـ: بادي بدا، أو بادي بدي، وأيدي سبا، وأيادي سبا، وقد يجرّ بالإضافة الثاني من مركّب الظروف، ومن «بيت» وتالييه ويتعيّن ذلك للخلوّ من الظرفية، وقد يقال: بادئ بدء، وبادي بداء وبديء، أو بدء، وبدء ذي بدء، أو ذي بدأة أو ذي بداءة، وقد يقال: سبا بالتنوين، وحاث باث وحوثا بوثا، وكفّة عن كفّة، وألحق بهذا: وقعوا في حيص بيص، وحيص بيص والخاز باز). قال ناظر الجيش: قال المصنف 373: قد تقدّم في باب الظروف 374 أنّ من الظروف التي لا تتصرّف ما ركّب تركيب خمسة عشر كقولك: فلان يتعهّدنا يوم يوم، وصباح مساء؛ أي كلّ يوم؛ وكلّ صباح ومساء، واستشهدت على ذلك بقول الشاعر: 1953 - ومن لا يصرف الواشين عنه... صباح مساء يضنوه خبالا 375

الحديث: 1953 - الجزء: 5 - الصفحة: 2474

................................  ويقول الآخر: [3/ 79]. 1954 - آت الرّزق يوم يوم فأجمل... طلبا وابغ للقيامة زادا 376 إلّا أنّه ذكر هناك لكونه من الظّروف التي لا تتصرف، وذكر هنا لكونه من المركّب الجاري مجرى (خمسة عشر) ولا يستعمل منه إلا ما سمع 377. فمن المسموع حديث قتادة الأسدي رضي الله تعالى عنه: «اللهمّ اجعل قوت فلان يوم يوم» 378. ومنه قول الشاعر: 1955 - إذ نحن في غمرة الدّنيا وبهجتها... والدّار جامعة أزمان أزمانا 379 ومن المسموع (في المكان) 380 (بين بين) 381 كقول الشّاعر: 1956 - نحمي حقيقتنا وبع... ض القوم يسقط بين بينا 382

الحديث: 1954 - الجزء: 5 - الصفحة: 2475

................................  ولا يقاس على شيء منه، فلا يقاس على (خمسة عشر) وأخواته غيرها من الأعداد، ولو جاز القياس على ما سمع لقيل: فلان يأتينا وقت وقت، ونهار ليل، وعام عام، قياسا على يأتينا يوم يوم، وصباح مساء، وإذا لم يقس على أسماء الزمان مع أنّ فيها كثرة ما، فأن لا يقاس على اسم المكان الذي هو متعين أحقّ وأولى 383، فإنّ الظروف المكانيّة أقلّ من الظروف الزمانية، وإنّما هي تبع لها في هذا الاستعمال، كما أنّها تبع لها في الإضافة إلى الجمل، ولذلك لم يضف من أسماء المكان إلى الجمل إلّا (حيث) وأضيف إليها من أسماء الزمان إذ، وإذا، وما أشبهها في المعنى 384. والحاصل: أنّه لو ساغ أن يقاس على (يوم يوم) لم يسغ أن يقاس على (بين بين) وأما ما جاء في حديث حذيفة 385 رضي الله تعالى عنه، ومن قول إبراهيم - عليه الصلاة والسّلام -: «إنما كنت خليلا من وراء وراء» 386 فقد روي بالضمّ - - والشاهد فيه: قوله: «بين بين»؛ حيث هو من ظروف المكان، وقد استعمل استعمال (خمسة عشر).
ينظر البيت في: ديوان عبيد بن الأبرص (ص 141) ومعاني القرآن للفراء (1/ 177) وشرح ابن يعيش (4/ 117) وما لا ينصرف للزجاج (ص 106)، وشذور الذهب (ص 106)، والهمع (2/ 229) والدرر (2/ 240).

الجزء: 5 - الصفحة: 2476

................................  على أن يكون مبنيّا لقطعه عن الإضافة، وجعل الثّاني توكيدا للأوّل، والجيّد أن يقال: وراء وراء، بإضافة الأول إلى الثاني، فإنّ هذا حكم ما خرج على الظرفية، ممّا ركّب من الظروف تركيب (خمسة عشر).
وعلى هذا أنشد سيبويه: 1957 - ولولا يوم يوم ما أردنا... جزاءك، والقروض لها جزاء 387 وأنشد أيضا: 1958 - ما بال جهلك بعد الحلم والدّين... وقد علاك مشيب حين لا حين 388 أنشده وقال: إنّما هو حين حين، و (لا) بمنزلة (ما) إذا ألغيت 389. ولشبه الحال بالظروف أشرك بينهما في الجريان مجرى خمسة عشر، في ألفاظ محفوظة إلا أن الغلبة للحال، وكذلك كان منه ما أصله العطف، وما أصله الإضافة وليس في مركب الظروف ما أصله الإضافة 390، وكان الحال جديرا بالغلبة؛ لأنّ -

الحديث: 1957 - الجزء: 5 - الصفحة: 2477

................................  الواقع حالا من هذا النوع قائم مقام مفرد، ومغن عنه، كما أنّ مركب العدد قائم مقام مفرد، ومغن عنه، وذلك أنّ ما دون العشرة إذا زيد عليه واحد استحقّ مفردا يدلّ على الزائد والمزيد عليه، كقولنا - للاثنين مزيدا عليهما واحد -: ثلاثة وهكذا إلى التسعة المزيد عليها واحد، أما العشرة المزيد عليها فترك فيها هذا الأصل، واستغني بالمركّب عنه، ثمّ رجع إليه في تضعيف العشرة، وما فوقه، والأحوال المشار إليها بمنزلة مركب العدد في القيام مقام مفرد؛ لأنّ شغر بغر بمعنى: منتشرين، وشذر مذر بمعنى: متفرقين، وجذع مذع بمعنى: متقطعين وأخول أخول في قوله 391: 1959 - سقاط شرار القين أخول أخولا 392 يعني: متفرقا، وحيث بيث بمعنى: منحوّ به، وبيت بيت بمعنى: مقاربا، وكفة كفة بمعنى: مواجها، وصحرة بحرة، بمعنى: منكسفا، وبادي بدي، بمعنى: مبتد، وسبب بناء ما أصله العطف كسبب بناء العدد المركّب، وهو في مركب الأحوال أوكد؛ لأنّ تركيبه ألزم، وأما ما أصله الإضافة فسبب بنائه شبهه بما أصله العطف في التركيب، من شيئين يؤدّيان معنى واحدا، وفي لزوم معنى (في) وامتناع الألف واللام، والإضافة والتصغير، وبنيا على حركة؛ لأنّ لهما أصلا في التمكّن، وكانت الحركة فتحة؛ لأنّ مع التركيب ثقلا، فكره اجتماع ثقلين لو جيء معه بكسرة أو ضمة.
ومن قال: حاث باث وخاز باز 393، بالكسر دون الفتح، فإنّه فرّ من ستّ فتحات تقديرا؛ لأنّ الألفين بمنزلة فتحتين، وقبلهما فتحتان، فإذا أفتح ثالثاهما اجتمع ستّ -

الحديث: 1959 - الجزء: 5 - الصفحة: 2478

................................  فتحات تقديرا، فأوثر الكسر، تخلصا من توالي الأمثال، ومعنى: «وقعوا في حيص بيص» 394: وقعوا في شدّة ذات تأخر وتقدّم، وهو من: حاص عن الشيء يحيص: إذا تأخّر عنه خوفا منه، وباص يبوص بوصا: إذا تقدّم، فأبدلت واو (بوص) ياء، لتشاكل (حيص) كما فعل بواو (تلوت) حين قيل: «لا دريت ولا تليت» 395. وقد عكس من قال في «حوص بوص» فجاء (بوص) على أصله وأبدل ياء (حيص) واوا وهذا من إتباع الأول الثاني، وهو نظير: «مأزورات غير مأجورات» 396 فإنّه من الوزر فحقّه: موزورات، إلا أنّ واوه جعلت ألفا، ليشاكل ما بعده، و (الخاز باز) عشب وذباب، وصوت الذّباب، ودافئ اللهازم، وبعض أسماء السور، ومن فتح زاييه أجراه مجرى (خمسة عشر) ومن كسرها أجراه مجرى (حاث باث) ومن قال: خاز باز أجراه مجرى بعلبك، ومن قال: خاز باز أضاف صدره إلى عجزه.
وأما: خزباء، وخازباء فمفردان، كـ: قرطاس وقاصعاء.
انتهى كلام المصنّف 397 - رحمه الله تعالى - وهو واف بشرح هذا الفصل.
وقد تكلّم الشيخ في شرحه 398 على بعض كلمات، زيادة على ما ذكره المصنف، وليس في ذلك كبير فائدة، فتركت التعرض إليه خشية الإطالة.

الجزء: 5 - الصفحة: 2479

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل