تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك

قال ابن مالك: (يستفهم بـ «كيف» عن الحال قبل ما يستغنى به، وعن الخبر قبل ما لا يستغنى به، ومعناها: على أيّ حال فلذا تسمّى ظرفا، وربّما صحبتها «على»، ولجوابها والبدل منها النّصب في الأوّل، والرّفع في الثّاني إن عدمت نواسخ الابتداء، وإلّا فالنّصب، ولا يجازى بها قياسا خلافا للكوفيّين).
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 1: «من الأسماء المبنية: كيف، ويدل على اسميتها أمور كثيرة: أحدها: انتفاء أن تكون حرفا للاكتفاء بها مع الاسم المنفرد نحو: كيف أنت؟ وانتفاء أن تكون فعلا لدخولها على الأفعال واتصالها بها نحو: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ 2 والفعل لا يدخل على الفعل إلا مفصولا عنه في النية بضمير الفاعل المستكن كما في قولهم: إن تقم أقم، فلما انتفى أن تكون حرفا وأن تكون فعلا تعيّن أن تكون اسما.
الثاني: جواز إبدال الاسم منها كما في قولك: كيف زيد أفارغ أم مشغول؟ وكيف سرت أراكبا أم ماشيا؟ فلولا أن «كيف» اسم لما أبدل منها الاسم.
الثالث: دخول حرف الجر عليها في قول بعضهم: على كيف تبيع الأحمرين 3؟ وهي اسم مبني لشبهها بالحرف في المعنى لتضمنها معنى همزة الاستفهام بدليل وجوب اقتران الهمزة بالبدل منها نحو: كيف زيد صحيح أم سقيم؟، وبنيت على حركة فرارا من التقاء الساكنين، وكانت الحركة فتحة؛ لأنها أخف والنطق بها بعد «الياء» الساكنة أسهل.
ومعنى «كيف» الاستفهام عن وصف منكور لموصوف بعده مذكور، ولذلك -

الجزء: 9 - الصفحة: 4461

................................  لا يدل منها، ولا يجاب إلا بصفة نكرة، فيجب أن تكون عامة لجميع أحوال الموصوف حتى يصح أن يجاب ببعضها، ولذلك تسمى: اسم استفهام عن الحال، وقيل: معناها: على أيّ حال؟ فتسمى ظرفا لأنها في تأويل جار ومجرور، كما أن الظرف في تأويل جار ومجرور، ولا شك في صحة تقدير: على أيّ حال؟ مكان «كيف».
وأن قولك: كيف زيد؟ في معنى: على أيّ حال زيد؟ ولكن ليس ذلك لأن «كيف» موضوعة لذلك المعنى، بل لأن معناها راجع إليه بنوع من اللزوم، ويدل على ذلك أمران: أحدهما: أنه كما يصح تقدير: على أي حال؟ مكان «كيف» كذلك يصح تقدير وصف مجرد من حرف جر مكانها، فيجوز أن تأتي بدل «كيف» من نحو: كيف أنت؟ بـ «أقائم» وشبهه، فتقول: أقائم أنت أم غير قائم؟ فيفيد بذلك ما يفيده: كيف أنت؟ فيجب أن تكون حقيقة في الاستفهام عن الحال، لأن كونها ظرفا يستلزم لكثرة التضمين ولتقدير الاستقرار، وكلاهما على خلاف الأصل.
الثاني: أن البدل من «كيف» إما منصوب نحو: كيف سرت أراكبا أم ماشيا؟ وإما مرفوع نحو: كيف زيد أصحيح أم سقيم؟ ولو كانت ظرفا لما كان البدل [5/ 187] منها إلا مجرورا بمثل ما تضمنته، فكان يجب أن يقال: كيف سرت أعلى ركوب أم على مشي؟ وكيف زيد أعلى صحة أم على سقم؟ كما يجب أن يقال: أين كنت أفي الدار أم في المسجد؟ فلما لم يجب أن يقال ذلك بل أبدلوا منها بدون حرف جر علم أنها ليست ظرفا.
ول «كيف» صدر الكلام كغيرها من أدوات الاستفهام، ولا تخرج في الاستعمال عن أن تكون في موضع نصب على الحال، أو خبر مبتدأ في الحال أو الأصل إلا ما شذ من نحو جرها بـ «على» في قول بعضهم: على كيف تبيع الأحمرين؟ فإذا وقعت «كيف» قبل كلام تام مستغن عنها كانت في موضع نصب على الحال؛ لأنها في تأويل صفة نكرة متقدمة على موصوفها، والصفة المتقدمة على الموصوف لا يجوز أن تكون نعتا له؛ لأن النعت تابع فلا يتقدم على المتبوع، بل يجب فيها أحد أمرين: إما أن تجعل حالا من الموصوف، وإنما أن تقام مقامه ويجعل هو بدلا منها، فلم يجز في «كيف» أن تقام مقام الموصوف؛ لأنها في تأويل صفة نكرة، -

الجزء: 9 - الصفحة: 4462

................................  والصفة النكرة يقبح فيها ذلك، فوجب أن تكون حالا، ولذلك يبدل منها ويجاب بالنصب تقول: كيف سار زيد أراكبا أم ماشيا؟ ويقال: كيف جئت؟ فتقول: مسرعا بالنصب لا غير، لأن البدل من الحال حال، والحال لا تكون إلا منصوبة.
وإذا وقعت «كيف» قبل ما لم يتم كلاما كانت خبرا مقدما وما بعدها مخبر عنه، لأنه لا يجوز أن تكون ملغاة؛ لأنه قد حصلت بها الفائدة وتم بها الكلام، ولا يجوز أن تكون هي المخبر عنه وما بعدها الخبر؛ لأنها في تأويل صفة نكرة فيقبح جعلها اسما مخبرا عنه بما بعده، فوجب أن تكون خبرا مقدما في موضع رفع إن عدمت نواسخ الابتداء، ولذلك يبدل منها ويجاب بالرفع نحو: كيف زيد أفارغ أم مشغول؟ وإن وجدت نواسخ الابتداء فهي في موضع نصب خبرا قبل «كان» أو إحدى أخواتها، ومفعولا ثانيا قبل «ظن» أو إحدى أخواتها، ولذلك يبدل منها ويجاب بالنصب نحو: كيف كان زيد أصحيحا أم سقيما؟ وكيف رأيت عمرا أشاعرا أم فقيها؟ وقد تقدم الكلام على المجازاة بها؛ فلا حاجة إلى إعادته» انتهى كلامه 4 رحمه الله تعالى، وهو من حر الكلام وخالصه ومستغنى به عن غيره.
ووقع لابن عصفور 5 في «كيف» خبط، وقد أورد الشيخ في شرحه 6 عن المغاربة كابن عصفور وابن هشام 7 وابن الضائع وغيرهم مما لا يتحصل منه طائل، فأضربت عن إيراده، إذ فيما ذكره المصنف وابنه مقنع، في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل.
وإذا علم أن دخول حرف الجر على «كيف» شاذّ نادر 8 وجب أن لا تكون «كيف» من قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ 9 بدلا من «الإبل» وإن كانت «إلى» قد دخلت عليها في قولهم: انظر إلى كيف تصنع؟ لأن ذلك إن ثبت عن عربي فهو في غاية الندور غير معتد به، ولأن «إلى» متعلقة بكلمة «ينظرون» والعامل في البدل هو العامل في المبدل منه، فيلزم كون العامل في الاستفهام متقدما عليه، بل «كيف» منصوبة على الحال والعامل «خلقت» وقد -

الجزء: 9 - الصفحة: 4463

الجزء: 9 - الصفحة: 4464

................................  4112 - فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا 11 و «قد» تضاف إلى «الياء» مجردة ومع «نون» الوقاية كما سبق الاستشهاد عليه في باب المضمر نحو قول الشاعر: 4113 - إذا قال قدني قال بالله حلفة........ 12 وقول الآخر: 4114 - قدني من نصر الخبيبين قدي 13 وإذا كانت حرفا فهي على ثلاثة أضرب: أحدهما: أن تكون حرف تقريب فتدخل على فعل ماض متصرف متوقّع، أي: منتظر لتقريبه من الحال.
والثاني: أن تكون حرف تقليل فتدخل على المضارع المجرد من جازم وناصب -

الحديث: 4112 - الجزء: 9 - الصفحة: 4465

................................  وحرف تنفيس لتقليل وقوعه كقولك: البخيل قد يعطي، والجواد قد يمنع.
الثالث: أن تكون حرف تحقيق فتدخل على كل من الماضي والمضارع لتقرير معناه ونفي الشك عنه، فدخولها على الماضي كثير كقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها 14 وقوله تعالى [5/ 188]: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ 15، وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ 16، ومن دخولها على المضارع قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ 17، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ 18 ومنه قول الشاعر: 4115 - قد أترك القرن مصفرّا أنامله... كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد 19 وهو في علم البيان من التقليل على طريق التهكم.
ولا يفصل بين «قد» والفعل إلا بالقسم كقول الشاعر: 4116 - أخالد قد والله أوطئت عشوة... وما العاشق المظلوم فينا بسارق أقرّ بما يأته المرء إنّه... رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق 20 وقول الآخر: 4117 - لقد أرسلوني في الكواعب راغبا... فقد وأبي راعي الكواكب أفرس 21 أراد: فقد أفرس راعي الكواكب وحقّ أبي، ويجوز أن يكون أضاف الأب إلى «راعي» وهو يعني نفسه وقد يغني عن الفعل بعدها دليل فيحذف كما يحذف بعد «لمّا» ويوقف عليها كقولك: أزف الشّخوص 22 وكأن قد، قال النابغة: -

الحديث: 4115 - الجزء: 9 - الصفحة: 4466

................................  4118 - أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا... لم تزل برحالنا وكأن قد 23 أي: وكأن قد زالت.
و «هل» حرف استفهام، وتجيء مع الماضي بمعنى قد كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ 24 [قال المفسرون 25: المعنى: قد أتى على الإنسان أي: ألم يأت على الإنسان حين من الدهر] انتهى كلامه - رحمه الله تعالى - وعلم أن «قد» تكون اسما وتكون حرفا، وأنها في الاسمية إما اسم فعل وإما بمعنى «حسب»، فإن كانت اسم فعل فما بعدها منصوب بها، حتى إذا قلت: قدك درهم كانت «الكاف» في محل نصب فإذا اتصلت بها «ياء» المتكلم وجبت «نون» الوقاية كما في سائر أسماء الأفعال، وإن كانت بمعنى «حسب» استعملت استعمالها فيقال: قد زيد درهم [كما يقال: حسب زيد درهم].
وقد عرفت قول بدر الدين: إنها مبنية على السكون لوضعها على حرفين وشبهها بـ «قد» الحرفية، وأنها إذا اتصلت بها «الياء» - أعني [ياء] المتكلم - جاز أن يأتي بـ «نون» الوقاية وأن لا يأتي بها، لكن بناؤها هو الأكثر وهو مذهب البصريين 26، ومذهب الكوفيين فيها أنها معربة 27 فيقولون: قد زيد درهم بالرفع كما يقال: حسب زيد درهم، ولحاق «نون» الوقاية وعدم لحاقها مرتب على البناء والإعراب، فمن بني ألحق «النون» محافطة على بقاء سكون «الدال» لأنها مبنية على السكون ومن أعرب لا يلحقها بل يقول: قدى درهم كما تقول: حسبي درهم 28، وأما في الحرفية فقد ذكر المصنف أنها تكون للتقريب أو للتقليل أو للتحقيق.
وبعد فلا بد من الإشارة إلى أمور: منها: أن الشيخ قال 29 «في كلام ابن المصنف تعقّب من وجهين: -

الحديث: 4118 - الجزء: 9 - الصفحة: 4467

................................  أحدهما: قوله: فتوافقها - يعنى قد - حسبا في الإضافة إلى المفعول، قال: وكلاهما - أعني حسبا وقد مرادفها - ليسا مضافين إلى مفعول لأنهما ليسا من الأسماء العاملة النصب في مفعول فيكونا قد أضيفا إلى المفعول.
والوجه الثاني: قوله: إنها حال موافقتها لحسب مبنية على السكون، قال 30: ولا يتم ذلك إلا [على] قول البصريين لأن الكوفيين يرون أنها معربة.
ولقائل أن يجيب عن الأول بأن «حسب» بمعنى: كاف وما بعد «كاف» يجوز نصبه على المفعولية، وإذا جر بالإضافة كان المجرور مفعولا في المعنى، ولا شك أن «حسبا» بمعناها لكنها إنما استعملت مضافة وهي بمعنى «كاف» فالمجرور بها مفعول في المعنى لأنه هو الذي يجوز نصبه بعد «كاف» على المفعولية، وإذا كان كذلك صحّ قول بدر الدين: إن قد توافق حسبا في الإضافة إلى المفعول، أو يقول: بأن «قد» و «حسب» اختها يوافقان «قد» التي هي اسم فعل في المعنى الواقع بعد اسم الفعل هو الواقع بعدهما.
وأن يجيب عن الثاني بأن بدر الدين اقتصر على ذكر مذهب البصريين ولا شك أنها في مذهبهم مبنية، وإذا كان في مسألة مذهب آخر أو قول آخر ولم يذكره صاحب التصنيف لا يكون في ذلك تعقّب عليه كيف وذلك القول الذي لم يذكره معمول به عند الجمهور من أهل تلك الصناعة؟ ومنها: أنك عرفت من كلام بدر الدين أن «قد» بمعنى «حسب» إذا أضيفت إلى «الياء» جاز لك فيها الوجهان - أعني أن تأتي بـ «نون» الوقاية وأن لا تأتي بها - وهذا هو الذي يقتضيه كلام والده في باب «المضمر»، لكن قد تقدم للشيخ في باب «المضمر» أنه إذا قيل: قدني بالنون تعيّن أن تكون اسم فعل، وقد أعاد ذلك هنا وقال 31: فأما قول الشاعر: 4119 - قدني من نصر الخبيبين قدي 32 فالأول اسم فعل والثاني وهو قوله: قدي يحتمل ثلاثة أوجه: -

الحديث: 4119 - الجزء: 9 - الصفحة: 4468

................................  أنه اسم فعل ولكن الياء ضمير المتكلم وحذفت نون الوقاية ضرورة كما حذفت في: 4120 - إذ ذهب القوم الكرام ليس 33 وأنه اسم فعل ولكن الياء ليست ضميرا، إنما لحقت لإطلاق القافية.
وأن قد اسم مرادف لحسب وأضيف إلى الياء - وهي ياء المتكلم - كما تضاف حسب، قال 34: وكان ذلك على جهة التوكيد لـ «قدني» الأول لأنهما يؤولان من حيث المعنى إلى معنى واحد.
ومنها: أن قول المصنف في «قد» الحرفية: إنها تدخل على فعل ماض متوقع، وشرح ولده لـ «متوقع» بـ «منتظر» لم أتحققه، فإن الماضي قد مضى، والتوقع والانتطار إنما يكونان لما لم يقع، ثم لم ينتظم لي قوله «على فعل ماض متوقّع» مع قوله «لتقريبه من الحال»، وقد استنكر الشيخ أيضا ذلك وقال 35: «والذي تلقيناه من أفواه الشيوخ بالأندلس أنها حرف تحقيق إذا دخلت على الماضي، وحرف توقع إذا دخلت على المستقبل، قال 36: إلا إن عني بالتوقع: أنه كان يتوقع ثم صار ماضيا كقولهم: قد قامت الصّلاة.
فإنه قيل: إنها دخلت على الفعل لقوم ينتظرون الصلاة.
انتهى.
وقيل: إن المراد بذلك أن «قد» تدل على أن الفعل الماضي قبل الإخبار متوقعا لا أنه الآن متوقع والذي يظهر [5/ 189] أن التوقع إنما يكون بالنسبة إلى الفعل المستقبل، ولو قال المصنف: لتقريبه من الحال، ولم يقل: متوقع لكان له وجه وهو أن المغاربة ذكروا 37: أن المقسم عليه إذا كان فعلا ماضيا مثبتا قريبا من زمن الحال دخلت عليه «قد» نحو: والله لقد قام زيد، وإن كان بعيدا لم تدخل نحو: والله -

الحديث: 4120 - الجزء: 9 - الصفحة: 4469

................................  لقام زيد، وعليه: 4121 - حلفت لها بالله حلفة فاجر... لناموا.... البيت 38 وقد ذكر ذلك في باب «القسم».
ومنها: أن المصنف احترز بقوله «لا يشبه الحرف» من الأفعال الماضية التي لا تتصرف نحو: ليس، ونعم، وبئس، وعسى، وحبذا، وأفعل في التعجب، فإن «قد» لا تباشر شيئا من ذلك.
ومنها: أن الشيخ قال 39: «ظاهر كلام المصنف أن تقليل معنى الفعل دلّ عليه «قد» وليس كذلك بل «قد» يدل على توقع الفعل ممن أسند إليه، وتقليل المعنى لم يستفد من «قد» بل لو قيل: البخيل يجود والكذوب [يصدق] فهم منه التقليل».
وأقول: ما ذكره الشيخ ممنوع، لأن قولنا: البخيل يجود والكذوب يصدق كذب، وقولنا: البخيل قد يجود والكذوب قد يصدق صدق، وإنما كان الأمر كذلك لأن التركيب الذي ليس فيه «قد» لم يفهم منه تقليل، والتركيب الذي فيه «قد» فهم منه التقليل فكيف يقال: إن التقليل يستفاد مع عدم «قد»؟ ومنها: أن قوله ولا يفصل بين أحدهما أراد به لا يفصل بين أحدهما وبين ما دخل عليه كأنه يعني أنه لا يفصل بين «قد» التي للتحقيق والتي لغير التحقيق وبين ما باشرتاه بغير قسم، فلا يجوز: قد زيدا ضربت، ولا: قد زيدا أضرب، لأن الحرف المختص بما دخل عليه إذا لم يكن عاملا فإنه يتنزل مما دخل عليه منزلة الجزء منه ولذلك جعل سيبويه 40: قد زيدا رأيت من المستقيم القبيح أي: من -

الحديث: 4121 - الجزء: 9 - الصفحة: 4470

[حديث عن هل والهمزة الاستفهاميتين]

قال ابن مالك: (وتساوي همزة الاستفهام فيما لم يصحب نافيا، ولم يطلب به تعيين ويكثر قيام «من» مقرونة بالواو مقام النّافي، فيجاء غالبا بـ «إلّا» قصدا للإيجاب، وقد يقصد بـ «أيّ» نفي فيعطف على ما في حيّزها بـ «ولا» ولأصالة الهمزة استأثرت بتمام التّصدير فدخلت على «الواو» و «الفاء» و «ثمّ» ولم يدخلن عليها، ولم تعد بعد «أم» بخلاف «هل» وسائر أخواتها، ويجوز أن لا تعاد «هل» لشبهها بالهمزة في الحرفيّة، وأن تعاد لشبهها بأخواتها [الاسميّة] في عدم الأصالة، وقد تدخل عليها الهمزة فتتعيّن مرادفة «قد» وربّما أبدلت «هاؤها» همزة) 41.

  • المستقيم في المعنى القبيح في التركيب، لأنك وضعت اللفظ في غير موضعه، قالوا: وإنما جاز الفصل بالقسم لأن «قد» قد تفرد من الفعل إذا حذف ويوقف عليها في فصيح الكلام بخلاف «أل» مثلا، ولأن «أل» أقوى تعلقا بما دخلت عليه لأنها نقلته من الشياع إلى التخصيص و «قد» ليست كذلك.
    ومنها: أن قول المصنف «ويسوّغ [اقترانها] بالمضارع تأوّله بالماضي كثيرا» أراد به قول الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ 42، قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ 43، (قد يعلم ما أنتم عليه) ولا شك أن المضي من هذه الآيات الشريفة معلوم، ولم يتعرض بدر الدين إلى ذكر هذه المسألة، وقد قال الشيخ 44: «إن في نسخة ضرب المصنف على قوله: (ويسوّغ) إلى قوله: (كثيرا).
    وأقول: إنه يستغنى عن ذكر ذلك هنا بقوله في أول الكتاب مشيرا إلى المضارع: «وينصرف إلى المضيّ بكذا وكذا إلى أن قال: وبإذ وربّما وقد في بعض المواضع».
    قال ناظر الجيش: أي: وتساوى «هل» همزة الاستفهام، ولما ذكر أن «هل» ترادف «قد» ومن المعلوم أنها حرف استفهام، وكانت الهمزة حرف استفهام -

الجزء: 9 - الصفحة: 4471

................................  أيضا، وبين الحرفين المذكورين اشتراك في شيء وافتراق في شيء أردف ذلك بذكر «الهمزة» مشيرا إلى ما بينهما من الاتفاق والاختلاف، قال الإمام بدر الدين 45: «للاستفهام حرفان: الهمزة وهل، فالهمزة يستفهم بها عن التصديق كقولك: أزيد قائم؟ وأقام عمرو؟ وعن التصور لطلب التعيين كقولك: أزيد قام؟ وأعمرا كلمت؟ وتدخل على النفي لتقرير أو توبيخ أو تمنّ أو نحو ذلك كما سبق التنبيه عليه في باب «لا لنفي الجنس».
وأما هل فيستفهم بها من التصديق الموجب لا غير، ولذلك قبح: هل زيد قام؟ وهل عمرا ضربت؟ وامتنع هل زيد قائم أم عمرو؟ وإلى كون هل للاستفهام عن التصديق الموجب الإشارة بقوله: وتساوي همزة الاستفهام في ما لم يصحب نافيا ولم يطلب به تعيين، وكثيرا ما يعدّى الاستفهام عن أصله فيؤتى به في مقام الإنكار والجحد فيجري مجرى النفي، ومما جاء من ذلك بالهمزة قوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ 46 وبهل قوله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ 47 وبمتى كقولهم في مقام الجحد: متى قلت هذا؟ وبأين نحو ما حكى الكسائي 48: أين كنت لتنجو منّي؟ أي: ما كنت لتنجو مني أي: ما كنت لتنجو مني، وبكيف كقراءة عبد الله 49: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله 50، وقد جاء ذلك بمن مقرونة بالواو، وبعدها «إلا» في الغالب لقصد الإيجاب كقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ 51 المعنى: وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ومثله قوله تعالى: قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ 52 وقد يجيء بأيّ فيعطف على ما في حيزها بـ «ولا» كقول الشاعر: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4472

................................  4122 - فاذهب فأيّ فتى في النّاس أحرزه... عن حتفه ظلم دعج ولا جبل 53 واعلم أن أصل أدوات الاستفهام الهمزة لأنها تأتي في الإيجاب والنفي، ويستفهم بهم عن التصور وعن التصديق [وغيرها يستفهم به إما عن التصور وإما عن التصديق] ولكونها أصل أدوات الاستفهام، والاستفهام له صدر الكلام استأثرت على أخواتها بتمام التصدير فدخلت على العواطف من «الواو» و «الفاء» و «ثم» [5/ 190] ولم يدخلن عليها، فلا يقال: قد قام زيد فأقام أخوه؟ كما يقال: فهل قام أخوه؟ وإنما يقال: قد قام زيد أفقام أخوه؟ كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ 54، أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ 55، أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا 56، أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ 57 وهو عند سيبويه 58 على التقديم والتأخير إيثارا لهمزة الاستفهام بتمام التصدير، وفي امتناع دخول العواطف عليها مع مساواتها «هل» في عطف ما هي فيه على ما قبله شاهد صدق على قول سيبويه، وقد حمل الزمخشريّ بعض ما جاء من ذلك في القرآن العزيز على إضمار المعطوف عليه فقال 59 في قوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً 60 وقوله تعالى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ 61: «تقديره: أكفروا وكلما عاهدوا، وأكفرتم فكلما جاءكم رسول» وهو إضمار لا دليل عليه ولا يفتقر تصحيح الكلام إليه.
ولاستئثار الهمزة بتمام التصدير لم تعد بعد «أم» المتصلة ولا المنقطعة تقول: -

الحديث: 4122 - الجزء: 9 - الصفحة: 4473

................................  أدنس في الآثام أم عسل؟ وأزيد خارج أم عمرو مقيم؟ وليس لك أن تعيد الهمزة بعد «أم» كما تعيد الجارّ في التوكيد في نحو: أبزيد مررت أم بعمرو؟ لأنها [لما] لم تقع للتأسيس بعد العاطف كانت عن وقوعها للتوكيد بعده أبعد.
وأما [هل] فيجوز فيها مع «أم» المنقطعة أن لا تعاد استغناء بدلالة العاطف على التشريك نحو: هل قام زيد أم خرج عمرو؟ ويجوز أن تعاد توكيدا لأنه لا يمتنع دخول العاطف عليها نحو: هل قام زيد أم هل خرج عمرو؟ وقال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ 62 فجمع بين الاستعمالين.
فإن قلت: كيف يصح الجمع بين «هل» و «أم» المنقطعة والنحويون يقولون: إنها تفيد الاستفهام والإضراب معا؟ قلت: يتجه ذلك على أن تكون «أم» دالة على الإضراب بالوضع وعلى الاستفهام إذا لم يذكر بعدها بالالتزام العرفي، فإنها لا تدخل إلا على جملة استفهامية فصار لفظها مشعرا بالاستفهام فيجوز إظهاره بعدها على الأصل، ويجوز إضماره استغناء بدلالة «أم».
فأما قوله: ويجوز في «هل» أن لا تعاد لشبهها بالهمزة في الحرفيّة وأن تعاد لشبهها بأخواتها في عدم الأصالة، فكلام غير محقق فإن عدم إعادة «هل» بعد «أم» مثل عدم إعادة الهمزة في كونه على وفق الدليل فلا فائدة في قياس جواز أحدهما على جواز الآخر، وإعادة «هل» بعد «أم» ليست مثل إعادة أخواتها من أسماء الاستفهام، فإن «هل» تعاد توكيدا كما سبق، وغيرها يعاد تأسيسا إذا قصد معناه وإذا لم يقصد معناه لم يذكر تقول: متى قام زيد أم متى خرج عمرو؟ إذا أضربت عن الاستفهام عن وقت قيام زيد إلى الاستفهام عن وقت خروج عمرو، وإن أضربت عن ذلك إلى الاستفهام عن نفس الخروج أو عن أمر آخر متعلق به قلت: متى قام زيد أم متى خرج عمرو؟ ومتى قام زيد أم أين خرج عمرو؟ أو نحو ذلك.
وقد تدخل الهمزة على «هل» فتتعين أن تكون المرادفة لـ «قد» كقول الشاعر: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4474

................................  4123 - سائل فوارس يربوع بشدّتنا... أهل رأونا بقلع القفّ ذي الأكم 63 وقد تبدل «هاؤها» همزة فيقال: أل قام زيد؟ يعني: هل قام زيد؟ انتهى 64 كلام الامام بدر الدين رحمه الله تعالى.
ومما يستدل به على إعادة «هل» بعد «أم» وعدم إعادتها قول علقمة 65: 4124 - هل ما علمت وما استودعت مكتوم... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم أم هل كبير بكى لم يقض عبرته... إثر الأحبّة يوم البين مشكوم 66 فلم يعد «هل» بعد «أم» الأولى وأعادها بعد «أم» الثانية، وهو عكس ما في الآية الشريفة 67. وبعد فأنا أورد الآن الكلام على أدوات الاستفهام من رأس ذاكرا ما يميز بعضها عن بعض، وربما ينطوي ذلك على إيضاح بعض ما ذكره بدر الدين فأقول: الكلمات الموضوعة للاستفهام اثنتا عشرة كلمة، منها ما هو حرف وهو ثلاثة: الهمزة وهل وأم، ومنها ما هو اسم وهو تسعة: من وما وأيّ وكم وكيف وأين وأنّى ومتى وأيّان، ثم هذه الأدوات أعني الاثنتي عشرة على ثلاثة أنواع: الأول: لطلب -

الحديث: 4123 - الجزء: 9 - الصفحة: 4475

................................  التصديق أو التصور.
والثاني: لطلب التصديق وحده.
والثالث: لطلب التصور وحده، والنحاة يعبرون عن طلب التصور بالسؤال عن التعيين، وعن طلب التصديق بالسؤال عن الوقوع فينبغي الاقتداء بهم في ذلك، فجميع أدوات الاستفهام ما عدا «هل» و «الهمزة» و «أم» المنقطعة لا تكون إلا للسؤال عن التعيين ولا يكون ذلك إلا مع العلم بالوقوع، ويختلف السؤال بحسب الأداة، فـ «من» عن تعيين من يعقل، و «ما» عن تعيين ما لا يعقل، و «أيّ» عن تعيين أحد الشيئين أو الأشياء مما أضيف إليه «أيّ»، و «كم» عن تعيين العدد، و «كيف» عن تعيين الصفة أي: الحال لأنها وصف في المعنى، و «أين» عن تعيين المكان، و «متى» عن تعيين الزمان، و «أيّان» مثلها لكنها تختص بالمستقبل، و «أنّى» عن تعيين المكان وعن تعيين الحال، و «أم» المتصلة حكمها حكم «الهمزة» التي تتقدمها.
وأما «الهمزة» فتكون سؤالا عن التعيين، وتكون سؤالا عن الوقوع، وأما «هل» فلا تكون سؤالا إلا عن الوقوع فلا تستعمل حيث يقطع بوجود الفعل، وأما «أم» المنقطعة فحكمها حكم «هل»، ولما كانت «هل» للسؤال عن الوقوع امتنع هذان التركيبان الأول: هل زيد قائم أم عمرو؟ لأن «أم» المتصلة هنا إنما هي للسؤال عن التعيين، والسؤال عن التعيين إنما يكون مع العلم بالوقوع، ومع العلم بالوقوع يمتنع السؤال بـ «هل»، نعم لو كانت «أم» منقطعة صحّ وذلك نحو أن يقال: هل عندك عمرو أم عندك بشر؟ لأن المتكلم سأل عن الوقوع ثم أعرض عن ذلك السؤال لقصد سؤال آخر.
والثاني: هل زيدا ضربت؟ لأن التقديم يستدعي حصول العلم [5/ 191] بوقوع الفعل، لأن التقديم يفيد التخصيص، وإذا أفاد التخصيص وجب أن يكون العلم بنفس الفعل الذي هو «الضرب» حاصلا، وأن يكون الاستفهام لطلب تعيين المضروب، فيلزم أن تكون «هل» مستعملا لطلب التعيين وهو باطل، ثم إن «هل» مع موافقتها «الهمزة» في الاستفهام تفارقها بحسب الاستعمال في أمور: منها: ما تقدمت الإشارة اليه وهو أن «هل» للسؤال عن الوقوع خاصة، و «الهمزة» يجوز فيها أن تكون للسؤال عن الوقوع وللسؤال عن التعيين.
ومنها: أن «هل» لا يجوز في المستفهم عنه بها أن يصحب نافيا، فلا يقال في -

الجزء: 9 - الصفحة: 4476

................................  هل قام زيد: هل لم يقم زيد؟ وحاصله أن «هل» لا يستفهم بها عن النفي ويعبر عن ذلك بأنها إنها تستعمل في التصديق الموجب، وأما «الهمزة» فيجوز في المستفهم عنه بها أن يصحبه النافي وحينئذ قد يكون الاستفهام عن النفي 68 كقول الشاعر: 4125 - ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد 69 وقد لا يراد الاستفهام بل معنى من المعاني المتولدة من الاستفهام كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ 70 أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ 71 وهذان الأمران هما اللذان أشار إليهما المصنف بقوله: «وتساوي همزة الاستفهام في ما لم يصحب نافيا ولم يطلب به تعيين».
ومنها: أنه إذا عطف كلاما يتضمن استفهاما بالهمزة وكان العطف بأحد الأحرف الثلاثة: الواو والفاء وثم وجب تقديم الهمزة على العاطف المذكور وإلى ذلك أشار ذلك المصنف بقوله «ولأصالة الهمزة استأثرت بتمام التّصدير فدخلت على الواو والفاء وثمّ».
ومنها: أن الهمزة لا تعاد بعد «أم» متصلة كانت أم منقطعة فلا يقال: أزيد قام أم عمرو؟ ولا: ألك عين تبصر بها أم ألك رجل تمشي بها؟ بخلاف «هل» فإنها يجوز فيها أن تعاد وأن لا تعاد وإلى ذلك أشار المصنف بقوله «ولم تعد بعد أم بخلاف هل وسائر أخواتها».
ولا شك أن «أم» التي يعاد بعدها «هل» وبقية أدوات الاستفهام هي المنقطعة، لكن ذكر الأدوات غير «هل» إذا قصد معناها واجب لأن لها معاني زائدة على -

الحديث: 4125 - الجزء: 9 - الصفحة: 4477

................................  الاستفهام فوجب ذكرها عند قصد تلك المعاني الزائدة، وقد أشار بدر الدين إلى ذلك بقوله «إن هل تعاد توكيدا وأن غيرها يعاد تأسيسا إذا قصد معناه وإذا لم يقصد معناه لم يذكر».
وأما جواز الأمرين في «هل» فقد علل 72 ترك ذكرها بشبهها للهمزة في الحرفية، وعلل ذكرها بشبهها بأخواتها الاسمية في عدم الأصالة، وقد عرفت طعن بدر الدين في هذا التعليل وأنه علل ذلك بأن قال: «وأما هل فيجوز فيها مع أم المنقطعة أن لا تعاد استغناء بدلالة العاطف على التشريك، ويجوز أن تعاد توكيدا لأنه لا يمتنع دخول العاطف عليها».
ومنها: أن «هل» لا تباشر أدوات الشرط والهمزة تباشرها كقوله تعالى: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ 73 وكذا لا تباشر «هل» «إنّ» بخلاف الهمزة قال الله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ 74، والظاهر أن العلة في ذلك إنما هو أصالة الهمزة في الاستفهام، وانضم إلى ذلك كونها على حرف واحد، فكان [في] النطق بها سهولة إذا انضمت إلى غيرها.
ومنها: أنه إذا اجتمع في الجملة الواقعة بعدها اسم وفعل وجب أن يليها الفعل ولا يليها الاسم إذ ذاك إلا في الشعر، وقد تقدم التنبيه على العلة الموجبة لذلك 75. وإذ [قد] تقرر هذا فلنذكر أمورا: ومنها: أن الشيخ قال 76: «مفهوم كلام المصنف يدل على أن الكلام إذا صحب نافيا انفردت به الهمزة، وقد وجدنا ما يصحب نافيا ولا تدخل عليه «هل» ولا «الهمزة» وذلك «إن» النافية لا يحفظ من لسان العرب: أإن زيد تاجر؟ ولا: إن زيد قائم؟ قال 77: وكذلك وجدنا ما صدق عليه أنه صحب نافيا ويدخل عليه الهمزة وهل وذلك نحو: زيد غير قائم فهذا قد صحب نافيا ويجوز -

الجزء: 9 - الصفحة: 4478

................................  دخولها عليه فتقول: أزيد غير قائم؟ وهل زيد غير قائم؟» انتهى.
وهو كلام عجيب فإن الذي ذكره شيء غير الذي ذكره المصنف، لأن الذي أعطاه كلامه أن همزة الاستفهام يصحبها النافي ولا يصحب «هل» ولم يقل إن الهمزة يصحبها كلّ ناف، ولا إن ما صحب نافيا لا يدخل عليه الهمزة ولا هل، ولا يقتضي ذلك كلامه أيضا، وإذا كان كذلك فكيف يورد عليه ما لا قاله ولا اقتضاه كلامه.
ومنها: أن الشيخ أيضا قال: 78 «وكان ينبغي للمصنف أن يذكر أيضا مما لا تساوي هل الهمزة فيه أن يتضمن الاستفهام التوبيخ والإنكار والتعجب، قال: وتنفرد «هل» بأن يراد بالاستفهام بها الجحد؛ قال الله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ 79 ولا يكون ذلك في الهمزة، لا يجوز: «أزيد إلا قائم» انتهى.
وأقول: أما الجواب عن الأول فهو أن المعاني التي أشار إليها كالتوبيخ والإنكار والتعجب وغيرها إنما هي متولدة عن الاستفهام، فليست دلالة الهمزة عليها بالوضع، والمصنف إنما يتوجه كلامه إلى الكلمة باعتبار ما وضعت له، أما باعتبار ما يعرض في الاستعمال فلا.
وأما الجواب عن الثاني فهو أن «هل» إذا أريد بها الجحد خرجت عن أن تكون استفهاما إلى معنى آخر، والكلام الآن إنما هو في كلمتين معناهما واحد واختصت إحداهما باستعمال دون الأخرى، فلما ذكرتا باعتبار ما اشتركا فيه ذكر ما ينفرد به أحد اللفظين عن الآخر، على أن «الهمزة» قد استعملت للجحد كـ «هل» وتقدم التنبيه على ذلك في كلام بدر الدين والاستشهاد له بقوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ 80 وقد كان يجب على الشيخ على ما قاله هنا أن يقول: إن المنصف كان يتعين [عليه] لما ذكر «إن» التي هي أداة شرط أن يميز بينها وبين «إن» التي هي حرف نفي مثلا.
ومنها: أن الشيخ أيضا [5/ 192] قال 81 في قول المصنف «ويكثر قيام من مقرونة بالواو مقام النّافي» «ظاهر قوله: مقرونة بالواو أنه شرط في المسألة ولا أرى -

الجزء: 9 - الصفحة: 4479

................................  ذلك لأن الواو لا تأثير لها في إرادة هذا المعنى» انتهى. والذي قاله الشيخ حقّ ويدل على ذلك قول الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ 82. ثم قال 83: «وظاهر قول المصنف الاختصاص بها، وليس عندي كذلك، بل لو أتيت بـ «غير» مكان «إلا» صح نحو: ومن يضرب زيدا غير عمرو، وأيّ ما يضرب زيدا غير عمرو؟ وارتفاع «غير» على البدل من الضمير المستكن في الفعل العائد على «من» وهو أصح من النصب على الاستثناء والرفع على الصفة» انتهى. ولم يكن المصنف محتاجا إلى أن ينبه على مثل هذا لأن من المعلوم أن «غيرا» تقوم مقام «إلا» وأن لها من الإعراب ما للاسم الواقع بعد «إلا» فلو ذكرها لكان عيّا. ومنها: أن المصنف قال في «هل»: «وتدخل عليها الهمزة فتتعين مرادفة قد» وتقدم الاستشهاد على ذلك بقول الشاعر: 4126 - سائل فوارس يربوع....... البيت فقال الشيخ 84: «ليس الأمر كما قال لأن ذلك لم يكثر كثرة توجب القياس، إنما جاء منه هذا البيت أو بيت آخر إن كان جاء، وإذا كان الأمر كذلك احتمل أن يكون مما دخل فيه أداة استفهام على مثلها على سبيل التوكيد، وإذا كان ذلك يوجد في المتحد اللفظ العامل كقوله: 4127 - ولا للما بهم أبدا دواء 85 وفي المختلف اللفظ العامل كقوله: 4128 - فأصبحن لا يسألنه عن بما به 86

الحديث: 4126 - الجزء: 9 - الصفحة: 4480

................................  فلأن يوجد في المختلف اللفظ غير العامل أحرى وأولى، وإذا احتمل ما ذكرناه من التوكيد لم تتعين مرادفة «قد»، قال 87: وما ذكر هذا المصنف وغيره من أن «هل» ترادف «قد» لم يقم على ذلك دليل واضح إنما هو شيء قاله المفسرون في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ إن معناه: قد أتى 88، وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، ولا يرجع إليهم في مثل هذا، إنما يرجع في ذلك إلى أئمة النحو واللغة لا إلى المفسرين، قال 89: وثبت في نسخة عليها خط المصنف، فتترجح بدل قوله: فتتعين، وكأن المصنف أحسّ بهذا التأويل الذي ذكرناه فأتى بقوله فتترجح بدل قوله: فتتعين، وليس ذلك بمترجح أيضا لأن الرجحان إنما يكون إذا كان ثمّ دليل واضح يدل على أن هل ترادف قد.
انتهى.
ثم نقل عن صاحب الإفصاح 90 أنه قال: «قد ذكر جماعة من النحويين وأهل اللغة أن هل تكون بمعنى قد مجردة من الاستفهام وبها فسروا قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ 91 وأرى هذا القول مأخوذا من قول سيبويه 92: وتقول أم هل فإنما هي بمنزلة قد، فقيل: أراد أنها بمنزلة قد في الأصل، فإن كان قد [أخذ] من تأويل كلام سيبويه فيها هنا فلا حجة له إذ قد يرد أنها بمنزلة قد بعد أم، أو يريد في الأصل دون أن تستعمل ولا يصح ذلك التأويل، وإن كان قد سمع فحجة قوية لسيبويه، وبمعنى قد قال الكسائي والفراء 93 في الآية الشريفة وأبو العباس 94 والزجاج إلا أنه قال: المعنى ألم يأت» هذا كلام صاحب «الإفصاح» والعجب من الشيخ هو الناقل لهذا عن الرجل الكبير - أعني صاحب الإفصاح - وهو قبل ذلك - - سائل فوارس يربوع بشدتنا... أهل.... البيت إنما هو للتأكيد كدخول حرف الجر على مثله يعني في قوله «عن بما به» مع اختلاف لفظ العامل، والبيت في معاني الفراء (3/ 321) وشرح الكافية للرضي (2/ 328) والخزانة (4/ 162).

الجزء: 9 - الصفحة: 4481

................................  قد نفاه عن النحويين حيث قال: «إنما هو شيء قاله المفسرون، وإنه إنما يرجع في ذلك إلى أئمة النحو واللغة».
والحقّ أن كون «هل» ترد بمعنى «قد» قول جماعة من رؤوس النحاة كالكسائي والفراء 95 والمبرد 96، وأغرب الزمخشري 97 حيث زعم أن «هل» تكون أبدا بمعنى «قد» وأن الاستفهام إنما هو مستفاد من همزة مقدّرة معها، ثم إنه نسب القول بذلك إلى سيبويه، ولكن يبطل قول الزمخشري أنها لو كانت بمعنى «قد» لامتنع فيها أن تباشر الجمل الاسمية كما أن «قد» كذلك، ولما نقل عن ابن عباس 98 رضي الله [تعالى] عنهما وهو إمام المفسرين أن «هل» في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ 99 بمعنى «قد» قال بعض العلماء: إن الاستفهام في الآية الشريفة للتقرير وليس باستفهام حقيقي، فلما كانت للتقرير فسّرت بـ «قد» لأنها للتحقيق فهي تلاقيها في المعنى، لكن قال الشيخ في شرحه 100: «والهمزة أقوى في جميع التصرفات ولذلك استعملت في التقرير دون هل على ما ذكر سيبويه 101، وتنقل النفي إلى الإثبات [مع] ثلاث أدوات وهي: لم وما وليس، وتفيد ما تفيد من المعاني كالإنكار والتعجب والتوبيخ وغيرها».

الجزء: 9 - الصفحة: 4482

[حروف التحضيض وأحكامها وما تختص به]

قال ابن مالك: (فصل؛ حروف التّحضيض: هلّا وألا ولولا، ولو ما، ولا يليهنّ غالبا إلّا فعل ظاهر، أو معمول فعل مضمر مدلول عليه. وقلّ ما يخلو مصحوبها من توبيخ، وإذا خلا منه فقد يغني عنهن «لو» و «ألا» وتدلّ أيضا: لولا ولو ما على امتناع لوجوب فيختصّان بالأسماء، ويقتضيان جوابا كجواب «لو» وقد يلي الفعل لولا غير مفهمة تحضيضا فتؤوّل بـ «لو لم» وتجعل المختصّة بالأسماء والفعل صلة لـ «أن» مقدّرة). قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 102: «التحضيض مبالغة في الحضّ على الشيء وهو طلبه والحثّ على فعله، وحروفه: هلّا وألا ولولا، ولو ما، فيدخلن على الفعل للتوبيخ في ضمن التقديم إن كان ماضيا، وفي ضمن التقاضي إن كان مستقبلا، وكأنهن مأخوذات من «هل» المنقولة إلى التمني في نحو قوله عز وجل: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ 103 مبدلة هاؤها همزة على لغة، ومن «لو» المنقولة إلى التمني أيضا في نحو: لو تأتيني فتحدثني - بالنصب - لما فيها من تقدير غير الواقع واقعا، ثم ركبت مع «ما» و «لا» المزيدتين، تنبيها على نقلها إلى التحضيض، فإذا قلت: هلّا فعلت فكأنك قلت: ليتك فعلت، متولدا منه معنى التنديم، أو قلت: هلّا تفعل فكأنك قلت: ليتك تفعل، متولدا [5/ 193] منه معنى التقاضي والحث. ولحروف التحضيض صدر الكلام، وهي مختصة بالأفعال فيليها في الغالب فعل ظاهر متصل، نحو: هلّا تضرب زيدا، أو منفصل بمعموله نحو: هلّا زيدا ضربت، وإما معمول فعل مضمر على شريطة التفسير كقولك: هلّا زيدا ضربته، أو مدلول عليه بمذكور قبل، كقول الشاعر: 4129 - تعدّون عقر النيب أفضل مجدكم... بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا 104

الحديث: 4129 - الجزء: 9 - الصفحة: 4483

................................  المعنى: لولا تعدون عقر الكمي، فحذف الفعل والمضاف وأقام المضاف إليه مقامه، اعتمادا على دلالة أول الكلام.
وقد يلي حروف التحضيض جملة اسمية، كقول الشاعر: 4130 - ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة... إليّ فهلّا نفس ليلى شفيعها 105 وهو شاذ نادر، ويمكن تخريجه على إضمار «كان» الشأنية وجعل الجملة المذكورة خبرها، والتقدير: فهلّا كان الأمر أو الشأن نفس ليلى شفيعها.
وتخلو الحروف المذكورة عن التوبيخ، فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض، كما في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ 106 وقوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ 107 ويجوز أن تغني عنهن حينئذ «لو» المنقولة إلى التمني كما تقدم، في نحو: لو تأتيني فتحدثني، و «ألا» المخففة كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا.
وتدلّ أيضا «لولا» و «لو ما» على امتناع الشيء لوجود غيره فيختصان بالأسماء ويقتضيان جوابا كجواب «لو» فيكون فعلا مجزوما بلم أو ماضيا منفيّا بما، أو مثبتا مقرونا في الغالب بلام مفتوحة.
وقد يلي الفعل «لولا» غير مفهمة تحضيضا، كقوله: 4131 - لا درّ درّك إنّي قد رميتهم... لولا حددت ولا عذرى لمحدود 108 والوجه الثاني فيه: أن تكون «لو» هي التي تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره - - الكمي، فحذف الفعل والمضاف وأقام المضاف إليه مقامه لدلالة أول الكلام عليه.
والبيت في الكامل (1/ 163) والخصائص (2/ 45) وأمالي الشجري (1/ 279)، وابن يعيش (2/ 38)، (8/ 144).

الحديث: 4130 - الجزء: 9 - الصفحة: 4484

................................  و «لا» بعدها حرف نفي مع الماضي بمعنى: لم يفعل، كقول الراجز: 4132 - وأيّ شيء سيّئ لا فعله 109 أي: لم يفعله، والتقدير: لو لم أحدّ لرميت، ويجوز أن تكون هي التي لامتناع الشيء لوجود غيره، وقد وليها الفعل على أنه صلة لـ «أن» مضمرة والمعنى: لولا أن حددت لرميت 110 انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال والده في شرح الكافية 111: للولا ولو ما استعمالان: أحدهما: يدلان فيه على امتناع شيء لثبوت غيره، ويقتضيان حينئذ مبتدأ ملتزما حذف خبره، وجوابا مصدرا بفعل ماض لفظا ومعنى، أو بمضارع مجزوم بلم، ويقترن الأول إن كان مثبتا بلام مفتوحة، كقوله تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ 112 وإن كان منفيّا لم يقترن باللام، كقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ 113 ومنه قول الأنصاري رضي الله تعالى عنه: 4133 - والله لولا الله ما اهتدينا... ولا تصدّقنا ولا صلّينا 114 وقد يقترن بها المنفي بـ «ما»، كقول الشاعر: 4134 - لولا رجاء لقاء الظّاعنين لما... أبقت نواهم لنا روحا ولا جسدا 115 وقد يخلو منها المثبت، كقول الآخر: -

الحديث: 4132 - الجزء: 9 - الصفحة: 4485

................................  4135 - وكم موطن لولاي طحت كما هوى... بأجرامه من قنّة النّيق منهوي 116 وإذا دل دليل على جواب لولا ولو ما حذف كما فعل بجواب «إن» فمن ذلك قول الله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ 117. ويدلان على التحضيض فيختصان بالأفعال، كقوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ 118 ولَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ 119 ويشاركهما في التحضيض: هلّا وألا، وقد يلي حرف التحضيض اسم معمل فيه فعل متأخر أو محذوف لدليل، كقول الشاعر: 4136 - ألان بعد لجاجتي تلحونني... هلّا التّقدّم والقلوب صحاح 120 وكقول الآخر: 4137 - أتيت بعبد الله في القدّ موثقا... فهلّا سعيدا ذا الخيانة والغدر 121 وكقول الآخر: -

الحديث: 4135 - الجزء: 9 - الصفحة: 4486

................................  4138 - تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم... بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا 122 وربما ولي حرف التحضيض مبتدأ وخبر كقوله: 4139 - ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة... إليّ فهلّا نفس ليلى شفيعها (2) والأجود أن ينوي بعد «هلا» كان الشأنية ويجعل «نفس ليلى شفيعها» خبرا.
وألحق بحروف التحضيض في الاختصاص بالفعل «ألا» المقصود بها العرض نحو: ألا تزورنا، وهي مركبة من «لا» و «الهمزة»، وأما «ألا» المستفتح بها فغير مركبة ولا مختصة، بل جائز أن يرد بعدها جملة اسمية نحو: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ 123 وجملة فعلية نحو: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً 124 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 125. وإنما أوردته لما فيه من الزيادة التي لم يتضمنها كلام ولده، وليعلم أن قول بدر الدين: «فيدخلن على الفعل للتوبيخ» إلى قوله: «ومن لو المنقولة إلى التمني أيضا» هو شيء قد اتبع فيه طريقة أصحاب «علم المعاني» وأنا أذكر ما قالوه تفصيلا؛ لينكشف معنى ما ذكره إجمالا، فأقول: ذكروا أنه قد يستعمل للتمني ما هو موضوع لغيره مجازا، وذكروا لذلك أداتين وهما: «هل» و «لو» وقرروا ذلك بما أذكره؛ فقالوا في «هل»: إنها حرف موضوع للاستفهام، والاستفهام لطلب حصول في الذهن، فإذا قال القائل: هل لي من شفيع؟ في مقام يقطع فيه بعدم الشفيع، تعذّر الحمل على حقيقة الاستفهام؛ لأن حقيقته تقتضي الجهل بالمستفهم عنه؛ لأن الطلب يقتضي أن لا يكون المطلوب حاصلا وقت الطلب، والعلم هنا بأن الشفيع ليس بموجود حاصل، وإذا تعذّر الحمل على حقيقة الاستفهام، حمل على ما يناسب المقام.
والذي يناسب المقام هو التمني.
قالوا: والموجب للعدول عن صيغة التمني إلى صيغة الاستفهام في هذا المقام هو إبراز المتمنّى لكمال العناية به في صورة الممكن، وعليه قوله تعالى حكاية عن الكفار فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا 126. -

الحديث: 4138 - الجزء: 9 - الصفحة: 4487

................................  وقالوا في «لو» ما ذكره النحاة: وهو أنها تكون للتمني بدليل نصب الفعل [5/ 194] الواقع جوابا لها نحو: لو تأتيني فتحدثني، والفعل إنما ينصب في الجواب إذا كان جوابا لأحد الأمور الثمانية.
والمعنى الذي يناسب «لو» من الثمانية هو التمني؛ لأنه كما يفرض بـ «لو» ما يستحيل وقوعه وهو كون ما لم يقع في الزمن الماضي واقعا في الزمان الماضي، كذلك قد يفرض بصيغة التمني ما يستحيل وقوعه نحو: ليت الشباب يعود، فضمنت «لو» بسبب هذه المناسبة القريبة معنى التمني.
ثم لما قرروا ذلك في «هل» و «لو» قالوا: وكأن الحروف المسماة بحروف التحضيض وهي: هلّا وألا ولولا ولوما مأخوذة منهما، مركبة مع «لا» و «ما» المزيدتين مطلوبا بالتزام التركيب التنبيه على إلزام «هل» و «لو» معنى التمني، فإذا قيل: هلّا أكرمت زيدا وألا - بقلب الهاء همزة - أو لولا أو لوما، كان المعنى: ليتك أكرمت زيدا، فيتولد منه معنى التنديم، وإذا قيل: هلّا تكرم زيدا، أو ألا كان المعنى: ليتك تكرمه، فيتولد منه معنى التحضيض.
وإذ قد تقرر هذا فلنذكر أمورا: منها: أن المصنف قد قال: ولا يليهنّ غالبا إلّا فعل ظاهر أو معمول فعل مضمر.
وقد عرفت من كلام ولده أن معمول الفعل الظاهر يليها أيضا نحو: هلّا زيدا ضربت، لكن قد يقال: يمكن أن يستفاد هذا من كلام المصنف؛ لأنه إذا قال: إن معمول الفعل المضمر يليها ولم يقيد ذلك الفعل بكونه يضمر قبل المعمول أو بعده، علم منه جواز ولائه معمول الفعل الظاهر لها.
ومنها: أن قول المصنف وإذا خلا منه فقد يغني عنهنّ لو وألا - قد شرحه ولده بقوله: «وتخلو الحروف المذكورة عن التوبيخ فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض، كما في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ 127 وقوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ 128 ويجوز أن يغني عنهن حينئذ لو المنقولة إلى التمني كما في: لو تأتيني فتحدثني، وألا المخففة كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا».
ولم أتحقق أولا قوله: «فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض» لأن العرض غير -

الجزء: 9 - الصفحة: 4488

................................  التحضيض، والكلام إنما هو في أدوات التحضيض، ولا شك أن التحضيض فيه طلب وحث، وأما العرض فلا طلب فيه، ولا يلزم من كون الأداة واحدة الاتفاق في المعنى، ولذا لم أتحقق ثانيا قوله: «ويجوز أن يغني عنهن حينئذ لو المنقولة إلى التمني، كما في: لو تأتيني فتحدثني وألا المخففة كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا»، ولا قول والده: فقد يغني عنهنّ لو وألا لأن معنى قوله: «وإذا خلا منه»: أن مصحوب أدوات التحضيض إذا خلا من توبيخ أنّ «لو» و «ألا» قد يغنيان عنه حينئذ، ولا شك أنه إذا لم يكن توبيخ، تعيّن أن يكون ما بعد الأداة مطلوبا، فيلزم أن يكون الكلام فيه دلالة على الطلب، و «لو» التي يستفاد منها التمني، كقولك: لو تأتيني فتحدثني لا تقتضي طلبا من المخاطب، ولم أفهم كون: ألا تنزل فتصيب خيرا، يفهم منه التحضيض، لأن التحضيض فيه طلب، والعرض لا طلب فيه، هذا هو الذي أفهمه، وقد قيل: إن بينهما فرقا وهو أن التحضيض طلب بحثّ وإزعاج، والعرض طلب بلين وتأدّب، وللمنازعة في ذلك مجال، وقد يعرض الإنسان أمرا على آخر مجاملة وتوددا في الظاهر وهو في نفس الأمر غير مجلب له، وليس بين الطلب والعرض ملازمة في الذهن ولا في الخارج.
وأقول: إن كلام المصنف في هذا الموضع غير ناصع من جهتين: إحداهما: قوله: وقلّ ما يخلو مصحوبها من توبيخ؛ لأن هذا يعطي أن الحكم المذكور لها على الإطلاق وليس كذلك؛ لأن مصحوبها يكون ماضيا، ويكون مضارعا، ولا شك أن التوبيخ إنما يتصور إذا كان الفعل ماضيا، أما إذا كان الفعل مضارعا فلا، والحق أنها إذا صحبت الماضي كانت للتوبيخ، وإذا صحبت المضارع كانت للتحضيض، وكلام بدر الدين مصرح بذلك فإنه قال: «فإذا قلت: هلّا فعلت، فكأنك قلت: ليتك فعلت، متولدا منه معنى التنديم، أو قلت: هلّا تفعل، فكأنك قلت: ليتك تفعل متولدا منه معنى التقاضي والحثّ» نعم، قد يقصد المتكلم بالأداة إذا وليها الفعل الماضي - التحضيض دون توبيخ، فلو قال المصنف: وقل ما يخلو مصحوبها من توبيخ إذا وليها الماضي، لكان الواجب.
الجهة الثانية: قوله: وإذا خلا منه فقد يغني عنهنّ لو وألا.
وقد تقدم الكلام على ذلك بما فيه غنية.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4489

................................  ومنها: أن الشيخ قال 129: «إن قول المصنف في لولا ولوما الامتناعيتين: فيختصان بالأسماء، إنه ليس جيدا، لأن ذلك يوهم أنهما كالحروف المختصة بالأسماء نحو حروف الجر، وليس كذلك، إنما يدخلان على الجمل، لكن تلك الجمل تكون اسمية» انتهى.
والجواب 130: أن هذا الوهم يدفعه قوله: ويقتضيان جوابا كجواب لو، لأن الجواب لا يكون عن مفرد إنما يكون عن كلام، فلزم من هذا أن الذي يلي هذين الحرفين يتعيّن فيه أن يكون جملة وهذا أمر ظاهر.
ثم شرع الشيخ في ذكر المذاهب في الاسم المرفوع بعد «لولا» وذكر أنها ثلاثة 131:

  • مذهب سيبويه والبصريين أنه مبتدأ 132.
  • ومذهب الفراء أنه مرفوع بـ «لولا» نفسها 133.
  • ومذهب الكسائي أنه مرفوع بفعل محذوف 134. وأطال الكلام في ذلك.
    ولا يخفى أن مثل هذا لا ينبغي تسويد الأوراق به، وتضييع الزمان، مع أن ذكر هذه المذاهب ربما تقدّم في باب «المبتدأ» 135. والحق الإضراب عن ذكر المذاهب الضعيفة والأقوال السخيفة، والاشتغال بما هو أهم من ذلك.
    ومنها: أنه قال 136: «ليس عندي ما يختلف [5/ 195] فيه جواب لو وجواب لولا ولوما، إلا أن جواب لولا وجدناه في لسان العرب قد يقرن بـ «قد» نحو قول الشاعر: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4490

[حديث عن ها ويا وألا وأما]

قال ابن مالك: (فصل؛ «ها» و «يا» حرفا تنبيه، وأكثر استعمال لـ «ها» مع ضمير رفع منفصل أو اسم إشارة، وأكثر ما يلي يا نداء أو أمر أو تمنّ أو تقليل، وقد يعزى التّنبيه إلى «ألا» و «أما» وهما للاستفتاح مطلقا، وكثر «ألا» قبل النداء، و «أما» قبل القسم، وتبدل همزتها هاء أو عينا، وقد تحذف ألفها في الأحوال الثّلاث).
4140 - لولا الأمير ولولا حقّ طاعته... لقد شربت دما أحلى من العسل 137 ولا أحفظ في لو، ذلك، وليس ببعيد أن يسمع ذلك فيها».
قال ناظر الجيش: أما كون «ها» للتنبيه فمعلوم، وقد ذكر أنها تستعمل مع ضمير رفع منفصل أو مع اسم إشارة، أما ضمير الرفع فشرطه أن يكون مخبرا عنه باسم إشارة، كقوله تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ 138، لا يقال: إنها هي الداخلة على اسم الإشارة ولكنها قدمت لأن قوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ 139 يدفع ذلك ودخولها على ضمير مخبر عنه بغير اسم الإشارة، وقد ورد ولكن عدّوه شاذّا، أنشد أحمد بن يحيى 140 وذكر أن الفراء أنشده 141: 4141 - أبا حكم ها أنت عمّ مجالد... وسيّد هذا الأبطح المتناحر 142 قال الشيخ 143: «ومن شروط دخولها على المضمر أن يكون مبتدأ، فلو كان غير مبتدأ لكونه فاعلا أو مفعولا لم يسمّ فاعله لم يجز أن تدخل عليه نحو: ما قام إلا أنا، وما ضرب إلا أنا».
انتهى.
-

الحديث: 4140 - الجزء: 9 - الصفحة: 4491

................................  ولك أن تقول: استغنى المصنف عن ذكر هذا الشرط بذكر التنبيه، فإن التنبيه إنما يؤتى به أول الكلام ولا يؤتى به عجزه.
وأما استعمالها مع اسم الإشارة فظاهر.
ولا يحتاج اسم الإشارة إلى التقييد بأن لا يكون بعيدا كما ادّعى الشيخ؛ لأن عدم مباشرتها للبعيد قد علم من باب «اسم الإشارة».
قال الشيخ 144 مستدركا على المصنف: «ولنا صورة يجب فيها ذكر «ها» للتنبيه مع اسم الإشارة.
وذلك إذا كان اسم الإشارة صفة لـ «أيّ» في النداء نحو: يا أيّهذا الرجل» انتهى.
واقتصار الشيخ على ما ذكره ليس بجيد، فإنه كما وجب دخولها في: يا أيّهذا الرجل يجب دخولها في: يا أيّها الرجل، وحاصل الأمر: أنه يجب دخولها بين «أيّ» ونعتها كائنا ما كان إذا كانت «أيّ» مناداة.
وأقول: إن المصنف لا استدراك عليه في هذه المسألة؛ لأنه قد ذكر ذلك في أبواب «النداء» فاستغنى بما ذكره ثمّ عن ذكره هنا.
وقد دلّ قول المصنف: وأكثر استعمالها مع كذا أو كذا - على أنه نقل استعمالها مع غير ما ذكر.
ومن ذلك قول زهير: 4142 - تعلّمن ها لعمر الله ذا قسما... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك 145 هكذا أنشد الشيخ 146 هذا البيت شاهدا على دخولها على غير ضمير واسم إشارة، ولقائل أن يقول: إنها داخلة على اسم الإشارة، وفصل بينها وبينه بالقسم الذي هو «لعمر الله» 147. وأما قول المصنف: وأكثر ما يلي يا نداء أو أمر أو تمنّ أو تقليل - فمثال النداء: يا زيد، ومثال الأمر قوله تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ 148 ومنه قول الشاعر: -

الحديث: 4142 - الجزء: 9 - الصفحة: 4492

................................  4143 - ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال 149 وقول الآخر: 4144 - ألا يا اسقياني قبل ضلّ أبي بكر... لعلّ منايانا أتين ولا ندري 150 وقول الآخر: 4145 - ألا يا اسلمي ذات الدّماليج والعقد... وذات اللّثات الحمّ والفاحم الجعد 151 وقول الآخر: 4146 - ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر 152 وقول الآخر: 4147 - ألا يا اسلمي ثمّ اسلمي ثمّت اسلمي... ثلاث تحيّات وإن لم تكلّم 153 ومثال التمني قوله تعالى: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ 154 ومنه قول القائل: 4148 - يا ليت زوجك قد غدا... متقلّدا سيفا ورمحا 155

الحديث: 4143 - الجزء: 9 - الصفحة: 4493

................................  قال الشيخ 156: «وينبغي أن يقيد ذلك بلفظ ليت وإلا فـ «لو» تستعمل للتمني، وكذا «ألا»، و «ودّ» ولا يجوز في شيء من هذا إدخال يا عليها» انتهى.
ولك أن تقول: إذا أطلق التمني أو غيره، فإنما يتوجه إلى الأداة التي هي لذلك المعنى بالوضع، ولا شك أن الدال على التمني من الحروف بالوضع إنما هو «ليت»، فلا يكون لغيرها مدخل معها.
ومثال التقليل قول امرئ القيس: 4149 - ويا ربّ يوم قد لهوت وليلة... بآنسة كأنّها خطّ تمثال 157 وقوله أيضا: 4150 - فإن أمس مكروبا فيا ربّ بهمة... كشفت إذا ما اسودّ وجه الجبان 158 ولم يتضح لي قول المصنف: وأكثر ما يلي يا نداء؛ لأن المراد بالنداء: المنادى، وإذا كان الذي ولي «يا» منادى، كانت حرف نداء لا حرف تنبيه.
وقال الشيخ (4): «ويعني في اللفظ وإلا ففي التقدير الذي ولي يا إنما هو فعل النداء» هكذا قال، ولم يظهر لي هذا الذي قاله، فإن «يا» في قولنا: يا زيد تتعين أن تكون للنداء ولا يجوز كونها للتنبيه، وإذا كانت للنداء فإنما يليها المنادى وهي قائمة مقام الفعل العامل فيه، فكيف يكون الذي ولي «يا» إنما هو فعل النداء؟ وأما قول المصنف وقد يعزى التّنبيه إلى ألا وأما إلى آخره، فقال الشيخ 159: «في قوله: وقد يعزى، إشعار بالقلة» يعني أن الأكثر أن يكونا للاستفتاح مطلقا سواء أقصد مع ذلك تنبيه أم لم يقصد.
- - والبيت في معاني الفراء (3/ 123، 208) والكامل (1/ 196، 403) والمقتضب (2/ 50) والخصائص (2/ 431) وأمالي الشجري (2/ 321).

الحديث: 4149 - الجزء: 9 - الصفحة: 4494

................................  ومثال مجيء «ألا» قبل النداء قول الشاعر: 4151 - ألا يا قيس والضّحّاك سيرا... فقد جاوزتما خمر الطّريق 160 وقول الآخر: 4152 - ألا يا عباد الله قلبي متيّم... بأحسن من صلّى وأقبحهم فعلا يدبّ على أحشائها كلّ ليلة... دبيب القرنبى بات يعلو ندى سهلا 161 ويجوز إبدال همزة «ألا» هاء فتقول: هلا وقد قرأ بعضهم 162 ألا يسجدوا لله 163 ذكره الزمخشري 164. ومثال مجيء «أما» قبل القسم قول الشاعر: 4153 - أما ودماء لا تزال مراقة... على قنّة العزّى وبالنّسر عند ما 165 ومثال إبدال [5/ 196] همزتها هاء أو عينا: هما والله لقد كان كذا، وعما والله لقد كان كذا ومراده بالأحوال الثلاث في قوله: وقد تحذف ألفها: حال إقرار الهمزة، وحال إبدالها هاء، وحال إبدالها عينا، فيقال: أم وهم وعم.

الحديث: 4151 - الجزء: 9 - الصفحة: 4495

[حروف الجواب: سردها وأحكامها]

قال ابن مالك: (فصل؛ من حروف الجواب نعم، وكسر عينها لغة كنانيّة، وقد تبدل حاء، وحاء حتّى عينا، وهي لتصديق مخبر، أو إعلام مستخبر، أو وعد طالب وإي بمعناها مختصّة بالقسم، وإن وليها «الله» حذفت ياؤها، أو فتحت، أو سكّنت، وأجل لتصديق الخبر، وبلى لإثبات نفي مجرّد أو مقرون باستفهام، وقد توافقها نعم بعد المقرون).
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الفصل على ذكر كلمات أربع، وهي كلها من حروف الجواب.
الأول: نعم - بفتح العين - وكسرها لغة وبها قرأ الكسائي 166، وقد ذكر المصنف أن الكسر لغة كنانية، وذكر عن الكسائي أنه قال: إن أشياخ قريش أيضا يتكلمون بها مكسورة، وأما إبدال عينها «حاء» فلطلب الخفة؛ لأن الحاء أخف لقربها إلى حروف الفم، وأما إبدال «حاء» حتّى عينا فقد تقدم ذكره في باب «حروف الجر»، وأنها لغة هذيلية.
ثم إن «نعم» كما قال المصنف، إما لتصديق مخبر، أو إعلام مستخبر، أو وعد لطالب.
فمثال الأول: أن يقال: جاء زيد أو ما جاء زيد، فيقال: نعم.
ومثال الثاني: أن يقال: هل جاء زيد؟ فيقال: نعم.
ومثال الثالث: أن يقال: اضرب زيدا أو لا تضرب زيدا، فيقال: نعم.
ولم يذكر سيبويه الإعلام، وإنما قال 167: «أما نعم فعدة وتصديق، وأما بلى فيوجب بها بعد النفي»، وفسّر كلامه بأنها عدة في المستقبل، نحو: أتفعل؟ وتصديق في الماضي سواء أكانت بعد موجب، نحو: قد قام زيد، أو سؤال عنه نحو: أكان كذا؟ أو نفي نحو: ما قام زيد، أو سؤال عنه نحو: أما قام زيد؟ فتصديق هذا كله بـ «نعم»، ففي الموجب والسؤال عنه تصديق للثبوت، وفي -

الجزء: 9 - الصفحة: 4496

................................  النفي والسؤال عنه تصديق للنفي، هكذا ذكروا، ولم أتحقق أنها تكون بعد السؤال للتصديق؛ لأن الذي يقبل التصديق إنما هو الخبر لا الإنشاء، وقد قيل 168: إن سيبويه كأنه رأى أنه إذا قيل: هل قام زيد؟ فقيل: نعم، فهو لتصديق ما بعد الاستفهام، ولم أتحقق هذا القول، ولا شك أنها في مثل ذلك للإعلام، فالحق ما ذكره المصنف أنها: إما لتصديق مخبر أو إعلام مستخبر أو وعد طالب.
وأما «بلى» فقد قال المصنف: إنها لإثبات نفي مجرد أو مقرون باستفهام، فإذا قال القائل: ما قام زيد وأردت تصديقه قلت: نعم، أو أردت تكذيبه قلت: بلى، وكذلك أيضا تثبت النفي المقرون بأداة الاستفهام فإذا قال القائل: أليس زيد بعالم؟ وأردت تصديقه، قلت: نعم؛ أو أردت تكذيبه، قلت: بلى، ولو قال المصنف «وبلى لإثبات منفي» كان أولى من قوله: لإثبات نفي؛ لأنه قد يفهم منه أن المراد: إثبات النفي نفسه وليس كذلك.
ثم إنهم قالوا: وسواء أردت الاستفهام عن حقيقة النفي، أو أردت التقرير وإن كان معناه الإيجاب، قالوا: لأن العرب تجريه في باب الجواب مجرى النفي المحض.
والدليل على ذلك قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى 169 ومن ثمّ قال ابن عباس رضي الله عنهما ولو قالوا: نعم في الجواب كفروا 170. ملخص ما ذكروه 171: أنه إذا قيل: قام زيد، فتصديقه: نعم، وتكذيبه: «لا»، ويمتنع دخول «بلى» لأنها إنما يجاب بها بعد النفي، وإذا قيل: ما قام زيد، فتصديقه: نعم، وتكذيبه: بلى، قال الله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى 172 ويمتنع دخول «لا» لأنها لنفي الإثبات لا لنفي النفي، وإذا قيل: أقام زيد؟ فهو مثل: قام زيد، فتقول: نعم، إن أثبتّ القيام، وتقول: لا، إن نفيته، ويمتنع دخول «بلى» لما عرفت، وإذا قيل: ألم يقم زيد؟ فهو مثل: لم يقم زيد، فتقول: بلى إن أثبت القيام، ويمتنع دخول «لا»، وتقول: نعم إن نفيته.
فالحاصل: أن «بلى» لا تأتي إلا بعد نفي، وأن «لا» لا تأتي إلا بعد إيجاب، -

الجزء: 9 - الصفحة: 4497

................................  وأن «نعم» تأتي بعدهما، واعلم أن ابن عصفور قد أجاز وقوع «نعم» في جواب النفي المصاحب لأداة الاستفهام المراد به إيجاب النفي معللا ذلك بأن: التقرير إيجاب في المعنى، وأنا أورد كلامه في ذلك بجملته، قال في المقرب 173: فنعم تكون عدة في جواب الاستفهام والأمر، وتكون تصديقا للخبر نحو قولك لمن قال: قام زيد، وما قام زيد: نعم، تصدقه في إثبات القيام لزيد أو نفيه عنه، وبلى تكون جوابا للنفي خاصة إلا أن معناها أبدا إيجاب المنفي مقرونا كان النفي بأداة الاستفهام أو غير مقرون بها، نحو قولك في جواب من قال: ما قام زيد، وألم يقم عمرو؟: بلى قد قام، ولو قلت: نعم، كنت محققا للنفي كأنك قلت: نعم لم يقم، وقد تقع نعم في جواب النفي المصاحب لأداة الاستفهام والمراد به إيجاب المنفي إذا أمن اللبس، وذلك بالنظر إلى المعنى؛ لأن التقرير في المعنى إيجاب، ألا ترى أنك إذا قلت: ألم يقم زيد؟ فإنما تريد أن تثبت للمخاطب قيام زيد، ومن ذلك قوله: 4154 - أليس اللّيل يجمع أمّ عمرو... وإيّانا فذاك بنا تداني نعم وترى الهلال كما أراه... ويعلوها النّهار كما علاني 174 انتهى.
والذي ذكره من أن التقرير في المعنى إيجاب فيجوز أن يجاب الكلام الذي يتضمنه بكلمة «بلى» هو الظاهر، ومما يدل على ذلك أيضا قول [5/ 197] الأنصار للنبي صلّى الله عليه وسلّم وقد قال لهم: «ألستم ترون لهم ذلك؟» نعم 175، غير أن قوله: إن نعم تكون عدة في جواب الاستفهام، غير ظاهر.
وقد تكلم الشيخ بهاء الدين بن النحاس - رحمه الله تعالى - على هذا الموضع، فقال 176: -

الحديث: 4154 - الجزء: 9 - الصفحة: 4498

................................  «إن نعم في جواب الطلب عدة، كقولك: نعم لمن قال: أعط زيدا درهما، قال: وأما في الاستفهام ففي قول المصنف 177: إنها عدة، نظر، فإنها في الاستفهام قد تكون عدة، وقد تكون تصديقا، فمثال كونها عدة قولك: نعم، في جواب من قال: هل تعطيني درهما؟ فها هنا في عدة، وأما إذا قال: هل قام زيد، وألم يقم زيد؟ لا بمعنى التقرير فقلت في جوابه: نعم، فهي هنا لتصديق ما قبلها من إيجاب أو نفي كحاله إذا لم تصحب الاستفهام» انتهى.
وما قاله ابن عصفور من أن نعم تكون عدة في جواب الاستفهام، غير ظاهر، وكذا تفصيل الشيخ بهاء الدين وجعله إياها عدة في جواب: هل تعطيني؟ وتصديقا في جواب: هل قام زيد؟ غير ظاهر أيضا، والذي يظهر أنها للإعلام في المثالين المذكورين.
والحاصل: أن الواقعة في جواب الاستفهام مطلقا تكون للإعلام، هذا هو الظاهر.
ثم قال الشيخ بهاء الدين: «والفرق بينها وبين بلى ما ذكره المصنف - يعني ابن عصفور - من أن نعم تصديق للخبر إيجابا كان أو نفيا، وبلى توجب النفي نحو قولك لمن قال: لم يقم زيد أو ألم يقم زيد؟ ولم ترد به التقرير إذا أردت أن القيام قد حصل».
انتهى 178، وقد أفهم كلامه أن بلى لا تكون جوابا لقولنا: ألم يقم زيد؟ إلا إذا لم يرد التقرير، لكنه أردف كلامه المتقدم بأن قال: «ولذلك أجابوا قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى 179، قال العلماء: لو قالوا عوض بلى: نعم كفروا من حيث كانوا مصدقين النفي».
انتهى.
فلم يتطابق لي كلامه ثانيا مع كلامه أولا؛ لأن التقرير مراد في الآية الشريفة قطعا، وهو قد شرط أن «بلى» إنما تكون جوابا للنفي إذا لم ترد به التقرير، لكنه قال 180 بعد ذلك شارحا لقول ابن عصفور: «وقد تقع نعم في جواب النفي» إلى آخره: «حرف الاستفهام إذا دخل على النفي يدخل بأحد معنيين: إما أن يكون الاستفهام عن النفي هل وجد أو لا؟ فيبقى النفي على ما كان عليه، أو للتقرير -

الجزء: 9 - الصفحة: 4499

................................  كقولك: ألم أحسن إليك؟ وكقوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى 181 فإن كان بالمعنى الأول لم يجز دخول نعم في جوابه إذا أردت إيجابه، بل تدخل حينئذ بلى، وإن كان بالمعنى الثاني وهو التقرير، فللكلام حينئذ لفظ ومعنى، فلفظه نفي دخل عليه الاستفهام ومعناه الإثبات، فبالنظر إلى لفظه يجيبه ببلى وبالنظر إلى معناه وهو كونه إثباتا يجيبه بنعم، قال 182: وهذا مراد ابن عصفور بقوله: وذلك بالنظر إلى المعنى إذا أمن اللبس، أي: إذا علم أن المراد بالكلام التقرير لا الاستفهام عن النفي، قال: والذي يقرر عندك أن معنى التقرير الإثبات، قول ابن السراج 183: فإذا أدخلت على ليس ألف الاستفهام كانت تقريرا ودخلها معنى الإيجاب فلم يجئ معها أحد، لأن أحدا إنما يجيء مع حقيقة النفي، لا تقول: أليس أحد في الدار؟ لأن المعنى يؤول إلى قولك: أحد في الدار، وأحد لا تستعمل في الواجب، وكذلك لا يجوز أن تجيء إلا مع التقرير، لا تقول: أليس زيد إلا فيها؟ لأن المعنى يؤول إلى قولك: زيد إلا فيها وذا لا يكون كلاما».
انتهى 184. وهو كلام حسن وقد خلا الإشكال، وحقق قوله أولا: وبلى يوجب النفي نحو قولك لمن قال: لم يقم زيد أو ألم يقم زيد؟ ولم ترد به التقرير إذا أردت أن القيام قد حصل.
ولكن قد قال ابن عصفور في غير المقرّب» 185: «أجرت العرب التقرير في الجواب مجرى النفي المحض وإن كان إيجابا في المعنى، فإذا قيل: ألم أعطك درهما؟ قيل في تصديقه: نعم، وفي تكذيبه: بلى، وذلك لأن المقرر قد يوافقك فيما تدعيه وقد يخالفك، فإذا قال: نعم، لم يعلم هل أراد: نعم لم يعطني على اللفظ، أو نعم أعطيتني على المعنى.
فلذلك أجابوا لى اللف ولم يلتفتوا إلى المعنى» انتهى.
لا يخفى ضعف هذا التعليل الذي ذكه، وقد خالف كلمه هنا كلامه في «المقرّب» ولذي في «المقرب» هو الذي يقتضيه النظر، وقد تقدمت الإشارة إلى أنه هو الظاهر.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4500

................................  وقول المصنف: وقد توافقها نعم بعد المقرون - أي: وقد توافق بلى نعم، أي: يؤتى بـ «نعم» في جواب النفي المقرون باستفهام - يعد ما ذكرته، والقائلون بوجوب الإتيان بكلمة «بلى» في جواب النفي المقرون بالاستفهام، يجيبون عن بيت جحدر 186، فيقولون 187: إن نعم فيه جواب لغير مذكور وهو ما قدره في اعتقاده من أن الليل يجمعه وأم عمرو، قالوا 188: وجاز ذلك لأمن اللبس؛ لأن كل أحد يعلم أن الليل يجمعه وأم عمرو، قالوا 189: أو يكون جوابا لقوله: وترى الهلال... البيت، وقدمه عليه.
قال الشيخ (5): «والأولى عندي أن يكون جوابا لقوله: فذاك بنا تدان».
قالوا 190: وأما قول الأنصار: نعم فإنما جاز ذلك لزوال اللبس، لأنه قد علم أنهم يريدون: نعم نعرف لهم ذلك.
ولا يخفى على صاحب النظر أن ما أجابوا به ليس بذاك، والحق أن «نعم» قد تقع جوابا للنفى المقرون باستفهام إذا كان المراد من الكلام التقرير؛ لأنه إيجاب في المعنى، وعلى ذلك يحمل قول المصنف: وقد توافقها نعم بعد المقرون.
ويدل [5/ 198] على ما قلته قول سيبويه 191 في باب «النعت» في مناظرة جرت بينه وبين بعض النحويين: «فيقال له: ألست تقول كذا؛ فإنه لا يجد بدّا من أن يقول: نعم، فيقال له: أفلست تجعل كذا؟ فإنه قائل: «نعم» فأتى بـ «نعم» في جواب: ألست، لما كان المراد به التقرير».
وقد لحن ابن الطراوة 192 سيبويه في إتيانه بكلمة «نعم» في موضع يستحق أن يؤتى فيه بكلمة «بلى».
ولقد كان يقبح بابن الطراوة أن يقع في حق من شيّد الله قدره، وأعلى محله، وجعله إمام الأئمة في هذا العلم، وينسب اللحن إلى كلامه، لا جرم أن الله تعالى قد صرف الناس عن قبول أقواله، وجعل كلامه مرفوضا -

الجزء: 9 - الصفحة: 4501

................................  مدحوضا لا يلتفت إليه، ولا يعوّل عليه، وقد حقق لنا سيبويه - رحمه الله تعالى - بما قاله أن كلمة «نعم» يجاب بها النفي المقرون بالاستفهام إذا كان المراد به التقرير.
ولكن قد يشكل على ما قررناه قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو قالوا نعم كفروا، إن صح هذا النقل عنه رضي الله تعالى عنه، والظاهر أن الذي قاله أنهم لو قالوا: نعم لم يكن كافيا في الإقرار بالربوبية، لأن مراعاة اللفظ في مقام الاحتمال أولى من مراعاة المعنى، كيف والمقام يقتضي الإتيان بحقيقة الاعتراف بالربوبية وإخلاص العبودية؟ وإذا كان كذلك، وجب أن يعدل عن اللفظ المحتمل لغير المقصود ويؤتى باللفظ القاطع الذي لا يكون فيه احتمال.
ثم إن الشيخ ذكر هنا مسألة وهي 193: أن سيبويه قال 194: وأما ألا فتنبيه، تقول: ألا إنه ذاهب ألا بلى.
قال ابن خروف: ليس بجواب لما قبله.
قال الشيخ 195: يعني أن ما قبله من قوله: ألا إنه ذاهب، جملة مثبتة فجوابها لا يكون بـ «بلى» قال 196: وقال أبو عمرو بن تقي: إنما هو تأكيد له، أي: تقول: ألا إنه ذاهب أو ألا بلى فتجمعهما تأكيدا لأنهما سواء، قال 197: وقال بعض أصحابنا: هذا موضع مشكل وتفسيره: إذا أردت أن تقول في جواب من قال: ليس زيد بذاهب: ألا إنه ذاهب، قلت: عوض هذا: ألا بلى أي: ألا بلى هو ذاهب.
ثم ذكر 198 مسألة أخرى وهي: أن النهي يجري مجرى النفي في الجواب ببلى، فإذا قال القائل: لا تضرب زيدا قلت: بلى، أي: اضربه، قال: وإنما كان ذلك لأن النهي فيه معنى النفي والترك.
انتهى.
وأما قول المصنف: وإي بمعناها، إلى آخره - فأراد به أن «إي» بمعنى: نعم من كونها لتصديق مخبر أو إعلام مستخبر أو وعد طالب، لكنها مختصة بالقسم بخلاف «نعم» فإنها تكون مع قسم وغير قسم، قال الله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ -

الجزء: 9 - الصفحة: 4502

[كلّا وحديث عنها]

قال ابن مالك: (فصل، كلّا حرف ردع وزجر، وقد تؤوّل بـ «حقّا»، وتساوي «إي» معنى واستعمالا، ولا تكون لمجرّد الاستفتاح؛ خلافا لبعضهم).
قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ 199، وإذا وليها حرف القسم فـ «الياء» ثابتة قطعا، وإذا وليها الاسم المعظم جاز حذف «الياء»؛ لالتقائها ساكنة مع لام «الله» فتقول: إالله، وجاز فتحها كما فتحت نون «من» مع «لام» التعريف، فتقول: إي الله وجاز إسكانها فتقول: إي الله لأنه يجوز الجمع بين الساكنين إذا كانا على شرطهما وهو أن يكون الأول حرف علة والثاني مشددا، هكذا ذكروا 200 ولكن الشرط أن يكون حرف العلة والساكن المدغم في كلمة، وها هنا الساكن المدغم من كلمة أخرى غير الكلمة المتضمنة الساكن الأول.
وأما قوله: وأجل لتصديق الخبر فظاهر، ومثاله: أن يقول القائل: قام زيد أو ما قام زيد أو يقوم زيد أو ما يقوم زيد، فتقول: أجل، فهي لتصديق الخبر سواء أكان ماضيا أم غير ماض وسواء أكان موجبا أم غير موجب، كالأمثلة المذكورة.
قال الشيخ 201: «ولا تجيء بعد الاستفهام، وحكي عن الأخفش 202 أنها تكون فيهما إلا أنها في الخبر أحسن من نعم، ونعم في الاستفهام أحسن منها» انتهى.
ومن حروف الجواب أيضا: «جير» و «إنّ» بمعنى نعم، وقد ذكرهما المصنف.
أما «جير» ففي باب «القسم»، وأما «إنّ» ففي باب «الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر».
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 203: «كلّا حرف بسيط، ودعوى ثعلب 204 أنها مركبة من «كاف التشبيه» و «لا» التي للرد شددت «اللام» - لا دليل له عليها.
وهي حرف ردع وزجر عند الخليل وسيبويه 205 والأخفش والمبرد وابن قتيبة وعامة -

الجزء: 9 - الصفحة: 4503

................................  البصريين 206، وبمعنى «حقّا» عند الكسائي وابن الأنباري وجماعة (2). وتساوي «إي» معنى واستعمالا يعني أنها تكون حرف تصديق، وأنها تستعمل مع القسم فتقول: كلا والله، في معنى: إي والله، وكونها بمعنى «نعم» هو مذهب النضر بن شميل 207، وقال عبد الله بن محمد الباهلي: كلّا على وجهين: أحدهما: أن تكون ردّا لكلام قبلها، فيجوز الوقف عليها، وما بعدها استئناف.
والآخر: أن تكون صلة للكلام فتكون بمنزلة «إي».
وقال محمد بن واصل 208: كلا بمعنى القسم في بعض المواضع، قال الله تعالى: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ 209، وزعم أبو حاتم 210 أن «كلا» تكون ردّا للكلام الأول وتكون بمعنى «ألا» الاستفتاحية.
و «كلا» لها معنى كثير في باب الاتعاظ.
وذهب الفراء 211 إلى أن «كلا» بمنزلة «سوف» وهو غريب.
وذهب صاحب كتاب «الترشيد» 212 أن كلا تكون بمنزلة «لا» ردّا لما قبلها، ويبتدأ بما بعدها، ويوقف عليها، قال الله تعالى: أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78) كَلَّا 213، قال: «وعدتها أربعة عشر موضعا في القرآن العزيز - أي التي تكون -

الجزء: 9 - الصفحة: 4504

[أمّا وحديث عنها]

قال ابن مالك: (وأمّا حرف تفصيل مؤوّل بـ «مهما يكن من شيء» فلذا تلزم الفاء بعد ما يليها، ولا يليها فعل بل معموله، أو معمول ما أشبهه، أو خبر، أو مخبر عنه، أو أداة شرط يغني عن جوابها جواب أمّا، ولا تفصل الفاء بجملة [5/ 199] تامّة، ولا تحذف في السّعة إلّا مع قول يغني عنه محكيّه؛ ولا يمتنع أن يلي «أمّا» معمول خبر «إنّ» خلافا للمازنيّ).
ردّا ويوقف عليها - قال: وهذا قول الأكثر من أهل الأداء والعربية وأهل المعاني والتفسير».
قال ناظر الجيش: يؤخذ من كلام المصنف أن «أمّا» حرف شرط كما أنها حرف تفصيل لقوله: مؤوّل بمهما يكن من شيء وقد صرح في شرح الكافية بأنها للأمرين، وذكر الزمخشري 214 لها معنى آخر وهو التوكيد، وأنا أورد كلام المصنف في شرح الكافية ثم أردفه بكلام غيره.
قال رحمه الله تعالى 215: «أمّا فيها معنى الشرط والتفصيل، وتقدر بـ «مهما يكن من شيء» ولا يليها فعل لأنها قائمة مقام حرف شرط وفعل شرط، فلو وليها فعل لتوهم أنه فعل الشرط ولم يعلم بقيامها مقامه، فإذا وليها اسم بعده «الفاء» كان في ذلك تنبيه على ما قصد من كون ما وليها مع ما بعده جوابا، والمقرون بـ «الفاء» بعد ما يليها إما مبتدأ نحو: أما قائم فزيد، وإما خبر نحو: أما زيد فقائم، وإما عامل فيما وليها أو مفسر عامل فيه نحو: أما زيدا فأكرم وأما عمرا فأعرض عنه، وقد تليها «إن» فيغني جواب «أما» عن جوابها، كقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ 216 وقد تقدم 217 أن الجواب لأول الشرطين المتواليين، فإذا كان أول الشرطين «أما» كانت أحق بذلك من وجهين: أحدهما: أن جوابها إذا انفردت لا يحذف أصلا، وجواب غيرها إذا انفرد -

الجزء: 9 - الصفحة: 4505

................................  يحذف كثيرا لدليل، وحذف ما عهد حذفه أولى من حذف ما لم يعهد حذفه.
والثاني: أن أما قد التزم معها حذف فعل الشرط وقامت هي مقامه، فلو حذف جوابها لكان ذلك إجحافا، و «إن» ليست كذلك.
ويجوز حذف الفاء بعدها إذا كان المقرون بها قولا باقيا ما هو محكي به، كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ 218 الأصل: فيقال لهم: أكفرتم 219 ولا تحذف غالبا دون مقارنة قول إلا في ضرورة كقول الشاعر: 4155 - فأمّا القتال لا قتال لديكم... ولكنّ سيرا في عراض المواكب 220 انتهى.
وقد تضمن شرح غالب الفصل المذكور.
وقال الزمخشري 221: «فائدة «أما» في الكلام أن تعطيه فضل توكيد، تقول: زيد ذاهب فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب، وأنه عزيمة، قلت: أما زيد فذاهب، ولذلك قال سيبويه 222 في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، وهذا التفسير مدل بفائدتين: بيان كونه توكيدا، وأنه في معنى الشرط» انتهى، ولنرجع إلى ألفاظ الكتاب وشرح ما لم يذكره في شرح الكافية، فنقول: أما قوله وأمّا حرف تفصيل مؤوّل بمهما يكن من شيء - فقد ناقشه الشيخ فيه، قال 223: لا ينبغي أن ينسب إلى ذلك؛ لأن معنى التفصيل ليس بلازم لها، بل قد يجيء حيث لا يفصل تقول: أما زيد فمنطلق، قال: وأما التأويل بـ «مهما» فمن -

الحديث: 4155 - الجزء: 9 - الصفحة: 4506

................................  حيث صلاحية التقدير، لأن «أما» حرف فكيف يكون معناه معنى اسم شرط وفعل شرط؟ ولأن في «يكن» ضميرا يعود على «مهما» لأنها اسم شرط، ولأن جملة الجواب إذا وقعت جوابا لفعل الشرط الكائن أداته اسما وجب أن يكون في جملة الجواب ضمير يعود على اسم الشرط وذلك منتف كلّه في أما» انتهى. وأقول: أما قوله: «لا ينبغي أن ينسب إلى التفصيل، لأنها قد تكون لغير تفصيل»، فيقال فيه: لا شك أن التفصيل هو الغالب والأكثر في استعمالها، ولعلها إنما جاءت في الكتاب العزيز للتفصيل، وكونها في بعض الاستعمالات قد لا تكون للتفصيل لا ينفي عنها ذلك، على أن لقائل أن يقول: لا يبعد أنها في مثل: أما زيد فمنطلق للتفصيل أيضا، وذلك كأن قائل هذا الكلام يأتي به ردّا على من يقول: زيد منطلق، وعمرو منطلق؛ فإذا قال: أما زيد فمنطلق، فالتقدير: أما عمرو فغير منطلق، وهكذا يفهم من قولنا: أما زيد فعالم، أن هذا القول كأنه ردّ على من ادّعى أن زيدا عالم وأن غيره عالم أيضا فيقول الرادّ: أما زيد فعالم فكأنه قال: وأما غير زيد فليس بعالم، فلم تستعمل «أما» لغير تفصيل على هذا. وأما قوله: «إن أما حرف فكيف يكون معناه معنى اسم شرط وفعل شرط؟» فيقال فيه: متى ادّعى المصنف ذلك حتى يناقش فيه؟ وإنما المراد أن الذي يفهم من قولنا: مهما يكن من شيء، يفهم من «أما». ومن ثمّ قالوا: إنها قائمة مقام حرف شرط وفعل شرط، واعلم أن بعض المغاربة يقول: لو كانت «أما» شرطا لكان ما بعدها متوقفا عليها، وأنت تقول: أما عالما فعالم، فهو عالم ذكرته أنت أو لم تذكره؛ بخلاف إن قام زيد قام عمرو، فقيام «عمرو» متوقف على قيام «زيد». وأجيب عن ذلك بأنه قد يجيء الشرط على ما ظاهره عدم التوقف عليه، كما قال: 4156 - من يك ذا بتّ فهذا بتّي 224

الحديث: 4156 - الجزء: 9 - الصفحة: 4507

................................  وكقول الآخر: 4157 - فمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإني وقيّار بها لغريب 225 وقول الآخر: 4158 - فإن يك حقّا ما أتاني فإنّهم... كرام إذا ما النّائبات يترّب 226 فـ «بتّه» موجود كان لغيره بتّ أو لم يكن، وهو و «قيار» غريبان كان بالمدينة من أمسى رحله أو لم يكن بها، وكذلك هم كرام كان ما أتاه حقّا أو لم يكن، لكن يخرّج ذلك على إقامة السبب مقام المسبب؛ لأن المعنى: من يك ذا بت فأنا لا أحسده، وسبب ذلك أن لي بتّا، وكذا إن يكن أحد من أهل المدينة فإني لا أغبطه لأني غريب، وكذلك فإن يك حقّا ما أتاني فإنهم صبر لأنهم كرام، وقولهم: أما عالما فعالم، فالمعنى: مهما تذكره عالما فذكرك حق لأنه عالم.
ثم إن المصنف رتّب على كون «أما» مؤولة بأداة الشرط لزوم الإتيان بـ «فاء» بعدها بقوله فلذا تلزم الفاء.
لكن لا بد أن يفصل بين «أما» و «الفاء» بجزء؛ ومن ثمّ قال: بعد ما يليها.
[5/ 200] ولا شك أنهم لما أنابوا «أما» مناب أداة الشرط، وفعله، وليت «الفاء» الواقعة في الجواب «أما» وأداة الجزاء لا تلي أداة الشرط، فلزم أن يولوا «أما» شيئا من أجزاء الكلام الواقع جزاء ليكون بين أداة الشرط وما صدر به الجزاء فاصل يحصل به إصلاح اللغة.
قال الشيخ 227: «وهذه الفاء جاءت في اللفظ خارجة عن قيامها، لأنها لم تجئ رابطة بين جملتين ولا عاطفة مفردا على مثله» انتهى.
والحق أن «الفاء» رابطة بين جملتين وهي جملة الشرط التي قامت «أما» مقامها، والجملة الواقعة جزاء، وإنما قدّم على «الفاء» جزء منها؛ كي يزول القبح اللفظي لو لم يقدم شيء، وهو أن يلي الجزاء أداة الشرط.
- - (ص 725) وابن يعيش (1/ 199).

الحديث: 4157 - الجزء: 9 - الصفحة: 4508

................................  ثم قال الشيخ 228: «وتعليل المصنف للزوم الفاء بتأويلها بـ «مهما يكن» ليس بجيد، لأن جواب «مهما يكن» لا يلزم الفاء إذا كان صالحا لأداة الشرط، والفاء لازمة بعد «أما» كان ما دخلت عليه صالحا لأداة الشرط أو لم يكن، ألا ترى أنه يجوز أن يقول: مهما يكن من شيء لم أبال به ويمتنع ذلك في «أما»؛ بل يجب ذكر «الفاء» فتقول: أما كذا فلم أبال به، فدلّ ذلك على أن دخول الفاء ووجوبها ليس بداخل إن أوّلت بمهما يكن» انتهى.
ولك أن تقول: الفاء هي التي دلت على أن «أما» مؤولة بـ «مهما يكن» إذ لولا هي لم يعلم أن «أما» أريد بها ما يراد بـ «مهما يكن»؛ لأن النحاة إنما دلّهم على أنها شرط لزوم «الفاء» بعدها، وإذا كذلك كان ذكرها لازما، فقول المصنف: فلذا تلزم الفاء - تعليل لكونها حرفا مؤولا بـ «مهما يكن» لا تعليل لكونها بمعنى «مهما يكن» فيلزمه ما ذكره الشيخ.
وأما قول المصنف: ولا يليها فعل - فقد تقدم قوله في شرح الكافية: «ولا يليها فعل لأنها قائمة مقام حرف شرط وفعل شرط، فلو وليها فعل لتوهم أنه فعل شرط» إلى آخر ما ذكره.
وأما قوله: بل معموله أو معمول ما أشبهه أو خبر أو مخبر عنه أو أداة شرط - فإشارة إلى الجزء الذي يجب الفصل به بين «أما» وجوابها، وقد ذكر خمسة أشياء، وهي بالحقيقة أربعة، فإن معمول ما أشبه الفعل لا فرق بينه وبين معمول الفعل إذ المعمول يشملهما، فمثال معمول الفعل قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ 229 إلى آخر الآيات الشريفة 230، ومثال معمول ما أشبهه قول العرب: أما العسل فأنا شرّاب 231، ومثال الخبر: أما في الدار فزيد، ومثال المخبر عنه: أما زيد فمنطلق، ومثال أداة الشرط قوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ 232 إلى آخر الآيات الشريفة 233. -

الجزء: 9 - الصفحة: 4509

................................  وليعلم أن قول المصنف: بل معموله - أراد به نحو: أما زيدا فاضرب، كما تقدم 234، ويدخل تحت عبارته أمران آخران وهما: نحو: أما زيدا فاضربه، وهو ما إذا كان الفاصل معمولا لفعل يفسره الفعل المذكور بعد الفاء، ونحو: أما اليوم فزيد ذاهب وأما في الدار فزيد جالس، وهو ما إذا كان المعمول ظرفا أو شبهه، وإذا كان هذان الأمران تشملهما عبارته، فلا حاجة إلى أن يفردا بالذكر، وتجعل أقسام الفاصل الذي يجب الفصل به بين «أما» وجوابها ستة، لكن العامل الذي في نحو: أما زيدا فاضربه، أن ما يقدر بعد «الفاء» قبل الذي هي داخلة عليه ولا يقدر قبلها؛ لأن «أما» نائبة عن الفعل، فكان الفعل مذكورا، وفعل لا يلي فعلا.
ثم ليعلم أن العامل في الظرف وشبهه في نحو: أما اليوم فزيد ذاهب وأما في الدار فزيد جالس، يجوز أن يكون «أما» نفسها لما فيها من معنى الفعل الذي هي نائبة عنه؛ لأن الظروف تعمل فيها روائح الأفعال، ويجوز أن يكون العامل الفعل المحذوف الذي نابت «أما» عنه.
قال الشيخ 235: «وفي قول المصنف: إنها لا يليها إلا معمول فعل أو معمول ما أشبهه أو خبر أو مخبر عنه أو شرط، دليل على أنه لا يليها غير ما ذكر، وليس الأمر كذلك بل يليها الجار والمجرور والظرف والمفعول والحال، وتكون هذه الأشياء معمولة لها بما تضمنته من فعل الشرط ويتعلق المجرور بها، هذا مذهب سيبويه 236 والمازني 237 والزجاج وابن السراج والجماعة، قال: وفي بعض شروح «الكتاب» أن ابن خروف أجاز أن يلي «أما» المفعول له وتكون عاملة فيه، وذلك لا يجوز، وما سوى الظرف والمجرور والحال لا تعمل فيه «أما» بما فيها من معنى الفعل لأن الأسماء الصريحة لا تعمل فيها المعاني، وأجاز ذلك الكوفيون 238، والصحيح عدم الجواز» انتهى.
وليس في كلام المصنف ما يدفع أن «أما» لا يليها الجار والمجرور والظرف والمفعول له والحال؛ بل كلامه يتضمن أن كل ذلك يليها لأنها كلها داخلة تحت -

الجزء: 9 - الصفحة: 4510

................................  قوله: «معمول فعل»؛ لأنه أطلق المعمول ولم يقيده بالصراحة، فشملت عبارته المعمولات كلها صريحة كانت أو غير صريحة، ولكنه لم يذكر أن العامل فيها يجوز أن يكون «أما» لما فيها من معنى الفعل، واقتصر على ذكر أن العامل هو الفعل الذي بعد «الفاء» أو شبهه، والشيخ أفاد كلامه أن «أما» يجوز أن تكون هي العاملة في المذكورات أيضا، وربما يستفاد ذلك من كلام المصنف أيضا حيث ذكر مسألة «أمّا علما فعالم» في باب «الحال».
وأما قوله - أعني المصنف - يغني عن جوابها جواب أمّا - فمراده بذلك: أن جواب «أمّا» أغنى عن جواب أداة الشرط، وقد تقدم إيراد كلامه في شرح الكافية على المسألة المذكورة.
قال الشيخ 239: «هذه المسألة فيها خلاف، والصحيح أن أداة الشرط جوابها محذوف لدلالة جواب أمّا عليه، ولذلك لزم أن يكون فعل الشرط بعد «إن» ماضيا ولا يلزم مضيّه إلا عند حذف الجواب، قال: كأنه قيل: مهما يكن من شيء فروح وريحان إن [5/ 201] كان من المقربين، فالفاء جواب الشرط الذي تقدم وجواب «إن» محذوف.
وهذا مذهب سيبويه 240، وزعم الأخفش 241 أن الجواب المذكور لأمّا والشرط معا، فالأصل عنده: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح، ثم أنيبت «أما» مناب «مهما» والفعل الذي بعدها فصار: أما فإن كان من المقربين فروح، ثم قدمت «إن» والفعل الذي بعدها، فصار: أما إن كان من المقربين ففروح، فالتقت الفاءان، فأنيبت إحداهما عن الأخرى فصار: فروح، قال (4): وهذه كلها تقادير عجيبة ومع ذلك هي باطلة، وقد أبطل أبو علي ظاهر كلام الأخفش بأن «أما» بعد الفاء تكون جوابا لشيئين، وتأوّل كلامه على أنها لما كانت جوابا لأحدهما وأنيبت عن الثاني صارت كأنها جوابا لهما، قال 242: واضطرب فيها قول أبي علي 243، فمرة قال: لا يفصل في أمّا إلا بمفرد، فالفاء جواب إن وجواب أمّا -

الجزء: 9 - الصفحة: 4511

................................  محذوف، وهذا لا يصح؛ لأنه متى اجتمع طالبا جواب كان الجواب للأول منهما، ومرة قال بقول سيبويه، وقال: الجملة إذا لم تستقل صارت بمنزلة مفرد.
قال الشيخ (1): وهذا هو الصحيح، فإذن في المسألة ثلاثة مذاهب: مذهب سيبويه، ومذهب الأخفش ومذهب أبي علي في أحد قوليه» انتهى.
وأقول: إن الكلام قد تقدم على هذه المسألة عند الكلام على اجتماع الشرطين، وتقدم ذكر أن من الناس من أخرج المسألة من هذا الباب - أعني اجتماع الشرطين - وذلك أن التقدير: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح، فتكون الجملة الشرطية وجوابها جواب «أما».
وتقدم أيضا هناك بحث، وهو أن «أما» إذا قرن بها أداة شرط فتجرد هي عن معنى الشرط وتتمحض لأن تكون للتفصيل لا غير، وحاصل الأمر: أن ما تقدم فيه غنية فلا حاجة إلى التطويل بإعادته.
وأما قوله: ولا تفصل الفاء بجملة تامّة، فقال الشيخ 244: «كان ينبغي أن يقيد هذا بأن لا تكون الجملة دعاء، فإن كانت دعاء جاز ذلك بشرط أن يفصل بين «أما» وجملة الدعاء بمعمول «أما» نحو: أما اليوم رحمك الله فلأصنعن كذا، أو بمعمول جوابها نحو: أما زيدا رحمك الله فاضرب، فلو فصلت بجملة الدعاء بينها وبين فصلها اللازم، نحو: أما رحمك الله زيدا فاضرب، لم يجز».
انتهى.
ولا يخفى أن جملة الدعاء من الجمل التي يعترض بها، والفصل بجملة الاعتراض سائغ حتى بين الموصول وصلته التي هي من تمامه، فكيف لا يجوز في غير ذلك؟ وأما قوله: ولا تحذف في السّعة إلّا مع قول يغني عنه محكيّه - فقد تقدم الكلام فيه، وهذه المسألة قد سبق ذكرها في آخر باب «المبتدأ» لما ذكر دخول «الفاء» على الخبر.
وأما قوله: ولا يمتنع أن يلي أمّا معمول خبر إنّ؛ خلافا للمازني - فأشار به إلى - أن نحو قولك: أما زيدا فإني ضارب - جائز.
(1)،

الجزء: 9 - الصفحة: 4512

................................  قال الشيخ 245: «وهذه المسألة فيها خلاف كما ذكر، فمذهب سيبويه وأبي عثمان 246 أنك تعتبر ما يجوز من ذلك وما يمتنع بأن تسقط أما والفاء، فحيث جاز تقديم المعمول قدمته، وحيث امتنع ذلك منعته، وهذه المسألة: لو طرحت أما والفاء، فقلت: زيدا إني ضارب، لم يجز، فكذلك إذا ذكرتهما، ولو قلت: أما زيدا فضربت، وطرحت أما والفاء فقلت: زيدا ضربت لجاز ذلك، فكذلك إذا أدخلتهما.
فبهذا يعتبر سيبويه والمازني مسائل أما.
ولذلك احتج سيبويه 247 على تقديم معمول فعّال بقولهم: أما العسل فأنا شرّاب، ورد على الخليل أن «لن» أصلها: لا أن، بقولهم: أما زيدا فلن أضرب 248. وقال سيبويه 249: وسألته عن قولهم: أما حقّا فإنك ذاهب، فقال: هذا جيد، وهذا الموضع من مواضع إنّ، ألا ترى أنك تقول: أما يوم الجمعة فإنك ذاهب، وأما فيها فإنّك قائم، ثم قال 250: وإنما جاز هذا في أما لأن فيها معنى مهما يكن من شيء يوم الجمعة فإنك ذاهب، فهذا تفسير أنّ أمّا تعمل لما فيها من معنى الفعل، ومعاني الأفعال تعمل في الظروف والحال والمفعول له، كما قدمنا» انتهى.
وليعلم أن «حقّا» منصوب على الظرف 251 - أعني ظرف الزمان - والتقدير: أما في حق فإنك ذاهب، ولهذا قبح أن تعمل فيه «أما» لما فيها من معنى الفعل، ويدلك على أنه ظرف تسوية الخليل 252 بينها وبين: أما يوم الجمعة فإنك ذاهب وأما فيها فإنّك قائم.
ثم قال الشيخ 253: «وتخصيص المصنف منع: أما زيدا فإني ضارب بالمازني.
وقد سبق إلى ذلك سيبويه إما جهل منه أن سيبويه منع ذلك، وإما استحياء أن يخالف سيبويه، قال 254: وقد جهل كثيرا من مذاهبه، ورد عليه مواضع على زعمه، فهلا استحيا منه!! -

الجزء: 9 - الصفحة: 4513

[أحكام أخرى لأما]

قال ابن مالك: (وقد تبدل ميمها الأولى ياء، وقد يليها مصدر متلوّ بما اشتمل على مثله أو مشتقّ منه، فينصبه الحجازيّون مطلقا ويرفعه التّميميّون معرفة وينصبونه نكرة، وقد يرفعونه، والنّصب على تقدير: إذ ذكرت، والرّفع على تقدير: إذ ذكر، واستعمال العلم بالوجهين موضع هذا المصدر جائز على رأي).
وذهب المبرد وابن درستويه 255 إلى أن ما بعد «إنّ» يعمل فيما قبلها مع «أمّا» خاصّة وهو الذي اختاره المصنف، واحتجّا بأنه لما لزم الفصل بين «أمّا» و «الفاء» أوقعوا الفصول بينهما ما لا يتقدم في غير هذا الموضع لضرورة الفصل، كما أعملوا ما بعد الفاء فيما قبلها معها دون غيرها، نحو: أما زيدا فضربت، ولا يقولون: إن أقم زيدا فاضرب، فكذلك يجوز: أما زيدا فإني ضارب؟ وذهب الفراء إلى إجازة ما أجازه المبرد وابن درستويه مع «إنّ» وزاد أن أجاز ذلك في: ليت ولعلّ، وكل ما يدخل على المبتدأ نحو: أما زيدا فليتني ضارب، وأما عمرا فلعلي ضارب، واحتجّ على ذلك بأن باب الفاء للاستئناف، فهي سوّغت الابتداء وهذه إنما دخلت على الابتداء فلم يعتدّ بها، ولذلك أجاز الفراء النصب في نحو: أما زيدا فلأضربنّه 256. قال 257: والرفع في هذا كله الوجه والقياس، وما ذهب إليه المبرد وابن درستويه والفراء غير صحيح، ولم يرد به سماع ولا يقتضيه قياس صحيح، بل القياس مذهب سيبويه [5/ 202] وقد رجع إليه المبرد فيما حكى، قال: وقال الزجاج 258: رجوعه مكتوب عندي بخطه، فصار المنع إجماعا من البصريين».
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 259: «ثبت هذا الكلام بجملته في نسخة الشيخ بهاء الدين الرقي المقروءة على المصنف والتي عليها خطه، وسقط من بعض النسخ، ووجه سقوطه أنه قد ذكر أكثرها في باب «الحال» وشرح ذلك هناك شرحا شافيا، -

الجزء: 9 - الصفحة: 4514

................................  قال 260: ونحن نشرح ما يجب هنا شرحا لطيفا، فقوله: وقد تبدل ميمها الأولى ياء، أي: يقال: أيما زيد فمنطلق وقال الشاعر: 4159 - رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت... فيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر 261 وأنشد الفراء: 4160 - أيما وشاحها فيجزى وأي... ما العجز منّها فلا يجزى 262 وقوله: بما اشتمل عليه، مثاله: أما علما فذو علم، وقوله: أو مشتق منه، مثاله: أما علما فعالم، وقوله: فينصبه الحجازيون مطلقا، مخالف لما ذكره في باب «الحال»، فإنه ذكر عن الحجازيين في المعرف نحو رفع ونصب، وذكر في الشرح عنهم أنهم يلتزمون نصب المنكر، وقوله: ويرفعه التميميون معرفة وينصبونه نكرة، وقد يرفعونه أي: النكرة، وهذا موافق لما في باب «الحال» فإنه قال فيه 263: وترفع تميم المصدر التّالي أمّا في التّنكير جوازا مرجوحا وفي التّعريف وجوبا.
وقوله: والنصب على تقدير: إذ ذكرت، والرفع على تقدير: إذ ذكر، قد ذكر هو في باب «الحال» أن النصب عند سيبويه هو على أنه مفعول له، وأنه مفعول مطلق عند الأخفش 264، وذكر في الشرح هذين المذهبين، وذكر هذا المذهب الثالث عن بعض النحويين ولم يسمه واختاره ورجّحه بما يوقف عليه من كلامه في الشرح، وهذا الرأي هو رأي الكوفيين نقله عنهم ابن هشام الخضراوي، يحملون الباب كله على تقدير فعل لا يظهر مع أما كما لا يظهر الفعل في قول العرب: أما -

الحديث: 4159 - الجزء: 9 - الصفحة: 4515

................................  أنت منطلقا انطلقت معك، يقولون في قول العرب: أما علما فعالم وأما سمنا فسمين، كأنه قال: مهما تذكر علما أو سمنا» انتهى.
وقال بعض العلماء 265: «وقد سمع: أما العبيد فذو عبيد بالنصب، وأما قريشا فأنا أفضلها، قال: وذلك يدل على أنه لا يلزم أن يقدر: مهما يكن من شيء بل يجوز أن يقدر غيره مما يليق بالمحل، إذ التقدير هنا: مهما ذكرت، وعلى ذلك يخرّج قولهم: أما العلم فعالم وأما علما فعالم، قال: وهو أحسن مما قيل: إنه مفعول مطلق لما بعد الفاء 266 أو مفعول لأجله إن كان معرفا 267، أو حال إن كان منكرا 268، وعلى أن «أما» ليست العاملة؛ إذ لا يعمل الحرف في المفعول به، وعلى أنه يجوز: أما زيدا فإني أكرم، على تقدير العمل للمحذوف» انتهى.
وهذا الذي ذكره فيه جنوح إلى مذهب الكوفيين في مثل هذا التركيب.
وأما قول المصنف: واستعمال العلم بالوجهين موضع هذا المصدر جائز على رأي، فقال الشيخ 269: «هذا رأي الكوفيين أجازوا أن يأتي بعد «أما» العلم وغيره من المعارف، وحكوا من كلام العرب: أمّا البصرة فلا بصرة لك، وأمّا أباك فلا أب لك، ويجيزون: أما العبيد فلا عبيد لك يريد عبيدا بأعيانهم، ولا يجوز النصب في شيء من هذا عند سيبويه 270، فإن صح ما حكوا فالقول قولهم إن النصب بإضمار فعل ولم يسمعه سيبويه».
انتهى.
وهذا الذي قاله الشيخ من أنه إن صحّ ما حكوا فالقول قولهم إن النصب بإضمار فعل ولم يسمعه سيبويه، إنصاف وحقّ.
ثم إن الشيخ ذكر 271 بعد ذلك عن صاحب «البسيط» كلاما في «أمّا» وأطال فيه، فأضربت عن ذكره لأن الذي تقدّم فيه غنية.

الجزء: 9 - الصفحة: 4516

[أقل رجل يقول ذلك وأحكام هذه الجملة]

قال ابن مالك: (فصل؛ قد يقوم مقام ما يفعل «أقلّ» ملازما للابتداء والإضافة إلى نكرة موصوفة بصفة مغنية عن الخبر لازم كونها فعلا أو ظرفا، وقد تجعل خبرا، ولا بدّ من مطابقة فاعلها للنّكرة المضاف إليها). قال ناظر الجيش: قال الشيخ 272: «أجرت العرب «أقلّ» مجرى «قلّ رجل» فلذلك لا تدخل عليه العوامل، ووضعته العرب في أحد محمليه موضع النفي، لأن القليل أقرب شيء إلى النفي كما أن الكثير أبعد شيء منه، ولزمت الابتداء فوقعت صدرا إذ جعلت نائبة عن النفي، والنفي له صدر الكلام، ولو قلت: كان أقل رجل يقول ذلك لم يجز إلا على إضمار الشأن في «كان» ولإجرائها مجرى النفي قالوا: أقلّ رجل يقول ذلك إلا زيد. قال سيبويه 273: لأنه صار في معنى: ما أحد فيها إلا زيد. وإنما لزم إضافته إلى نكرة لأنه في سياق النفي يعمّ، والمعنى على النفي؛ فإذا قلت: أقلّ رجل يقول ذلك فمعناه: ما أحد يقول ذلك. وقوله نكرة أعم من أن يكون مما يجوز أن تدخل عليه «أل» نحو: رجل، أو لا تدخل عليه نحو: أقل من يقول ذلك. قال سيبويه 274: حدثنا بذلك يونس عن العرب يجعلونه نكرة كما قال: 4161 - ربّما تكره النّفوس من الأم... ر له فرجة كحلّ العقال 275

الحديث: 4161 - الجزء: 9 - الصفحة: 4517

................................  يريد: أن «ربّ» دخلت على «ما» وهي لا تدخل إلا على نكرة، فتنكيرها كتنكير «من» وقد دخلت «ربّ» أيضا على «من»، قال: 4162 - ربّ من أنضجت غيظا صدره 276 وقوله: موصوفة بصفة مغنية عن الخبر: إذا قلت: أقلّ رجل يقول ذلك فـ «أقل» مبتدأ كما تقدم، واختلف في الجملة الواقعة بعده: هل هي في موضع الخبر أو في موضع صفة تغني عن الخبر [5/ 203] ويكون الخبر محذوفا؟ فمنهم من قال: هي في موضع الخبر؛ لأن المبتدأ لا بد له من خبر وليس هنا شيء يصلح للخبر غير هذه الجملة، وكأنه قال: ما رجل يفعل ذلك، وأنت لو قلت: ما رجل يفعل ذلك، لكان «يفعل ذلك» في موضع الخبر، فكذلك هذا.
فموضعه على هذا رفع على أصل وضع الكلام؛ إذ المبتدأ لا بد له من خبر وإلى هذا ذهب الأخفش.
وقال بعضهم: الجملة صفة وهي في موضع جر، والدليل على ذلك جريان هذا الفعل مطابقا للمجرور، فتقول: أقل امرأة تقول ذلك، وأقل امرأتين تقولان ذلك، أقل نساء يقلن ذلك، وأقل رجل يقول ذلك، وأقل رجلين يقولان ذلك، وأقل رجال يقولون ذلك، فتطابق الجملة المجرور، ولو كانت خبرا لطابقت المبتدأ الذي هو «أقل» فكنت تقول: أقل رجال يقول ذلك، وعزي هذا المذهب إلى الأخفش أيضا.
فإن قلت: قد زعمت أن «أقل» يجب أن يكون مبتدأ ولا تدخل عليه -

الحديث: 4162 - الجزء: 9 - الصفحة: 4518

................................  النواسخ فكيف أورده سيبويه في باب «الاشتغال» في قوله 277: «هذا باب ما يجري مما يكون ظرفا هذا المجرى وذلك: يوم الجمعة ألقاك فيه، وأقلّ يوم لا أصوم فيه، وخطيئة يوم لا أصيبه، ومكانكم قمت فيه، فصارت هذه الأحرف ترتفع بالابتداء كارتفاع عبد الله وصار ما بعدها مبنيّا عليها كبناء الفعل على الاسم الأول».
ثم قال بعد ذلك 278: «ويدخل النصب كما دخل في الاسم، ويجوز في ذلك: يوم الجمعة ألقاك فيه وأصوم فيه كما جاز في قولك: عبد الله مررت به».
فدل كلام سيبويه هذا على أمرين: أحدهما: أنه لا يلتزم فيه الابتداء.
والثاني: أن الجملة في موضع الخبر لا في موضع الصفة، لأن الصفة لا تفسر عاملا!! فالجواب: أن الذي يتكلم فيه غير الذي ذهب إليه سيبويه، لأن الذي ذكره سيبويه لم يرد به النفي المحض إنما أريد به الأقل المقابل للأكثر فعرض الإلباس والإشكال من حيث الاشتراك.
ألا ترى أن القائل: أقلّ يوم لا أصوم فيه لا يمكن حمله على النفي المحض؛ لأنه إذ ذاك يصير المعنى: ما يوم من الأيام ينتفي عنه فيه الصوم، وقد علم ضرورة أنه لا يصوم أيام الأعياد، وإنما مراد المتكلم أنه قليل من الأيام ينتفي عنه فيها الصوم، يريد أنه يكثر الصوم ولا يعني أنه يديمه سرمدا من غير تخلل إفطار.
انتهى.
وقد عرف من قول المصنف: قد يقوم مقام ما يفعل أقلّ، أن «أقل» قد لا يراد به النفي وإنما يراد به الأقلية المقابلة للأكثرية، وإتيان المصنف بكلمة «قد» يدل على أن إرادة النفي به أقل من أن يراد به غير ذلك.
وحاصل الأمر: أن «أقل» لها محملان: أحدهما: أن تكون «أفعل» تفضيل فلا نفي، ثانيهما: أن يراد به النفي المحض.

الجزء: 9 - الصفحة: 4519

[قلّما وقليل وحديث عنهما]

قال ابن مالك: (ويساوي «أقلّ» المذكور «قلّ» رافعا مثل المجرور، ويتّصل بـ «قلّ» ما كافّة عن طلب فاعل فيلزم في غير ضرورة مباشرتها الأفعال، وقد يراد بها حينئذ التّقليل حقيقة، وقد يدلّ على النّفي بـ «قليل» و «قليلة»).
قال ناظر الجيش: يريد أن الفاعل الذي تسند «قلّ» إليه يكون مثل المجرور أي الذي جرّ بـ «أقل» فـ «اللام» في «المجرور» للعهد، وإذا كان مثله فيتعين أن يكون نكرة موصوفة بصفة لازم كونها فعلا أو ظرفا يراد به في أحد محمليه نفي العموم، وذلك نحو: قلّ رجل يقول ذلك، وقلّ رجل في الدّار، وقلّ رجل عندك، المعنى: ما رجل يقول ذلك، وما رجل في الدار، وما رجل عندك.
ونبه بقوله: ويتّصل بقلّ ما كافة عن طلب فاعل - على أن «قل» حينئذ تجري مجرى حرف النفي، فلا يكون لها فاعل، ولما أجريت مجرى النفي وليها الأفعال في الكلام الفصيح، فيقال: قلّما يقوم زيد في معنى: ما يقوم زيد، ولا يليها الاسم إلا في الضرورة، كقول الشاعر: 4163 - صددت فأطولت الصّدود وقلّما... وصال على طول الصّدود يدوم 279 ويفهم من قول المصنف: إنّ ما كافّة لقلّ عن طلب فاعل - أن الاسم الذي وليها في هذا البيت لا يكون فاعلا، ولم يعلم من كلامه ما هو الرافع لذلك الاسم الواقع بعدها؟ وللنحاة فيه تخريجان 280: أحدهما: أنه مرفوع بـ «يدوم» فالنية به التأخير ولكن قدّم ضرورة.
ثانيهما: أنه فاعل بفعل مضمر يفسره ما بعده، التقدير: وقلما يدوم وصال على طول الصدود يدوم.
-

الحديث: 4163 - الجزء: 9 - الصفحة: 4520

................................  وهذا التخريج أولى بل هو المتعين، لأن الفاعل لا يتقدم على عامله لا في ضرورة ولا غيرها عند البصريين 281، وحكم الشيخ 282 بأن التخريج الأول هو الذي يطابق كلام المصنف لقوله: فيلزم في غير ضرورة مباشرتها الأفعال - فتكون في الضرورة لا تباشر الأفعال، وإذا قدرت فعلا رافعا لـ «وصال» تكون «قلما» قد باشرت الفعل.
وأقول: يمكن أن المصنف يريد أنها تباشر الأفعال لفظا لا تقديرا، وإذا كان «وصال» في البيت مرفوعا بفعل مقدر، انتفت المباشرة اللفظية فعدّ لذلك من الضرورات.
وقول المصنف: وقد يراد بها حينئذ التّقليل حقيقة - يعني حين مساواتها لـ «أقل» لأن «أقل» لها محملان كما تقدم، أحدهما: أن تكون أفعل تفضيل فلا تدل على النفي، والثاني: أن يراد بها النفي المحض، و «قل» لها محملان أيضا فكما كانت للنفي تكون للتقليل، فلما ذكر أنها تساوي «أقل» المراد به النفي ذكر أنها قد يراد بها التقليل.
هذا ما يتضمنه كلام الشيخ في شرح هذا الموضع 283. وربما يقال: إن مراد المصنف بقوله: حينئذ حين يتصل بها «ما» أي أن «قلّما» قد يراد بها النفي وقد يراد بها التقليل.
وأما قوله: حقيقة - ففسره الشيخ 284 بأنه يعني بذلك أن أصل «قل» أن لا تكون للنفي بل تدل على نزارة الشيء وقلّته [5/ 204] دون نفيه.
وقال الشيخ 285 في قول المصنف: ويتصل بقلّ ما كافة: «إنما قال: كافة احترازا من اتصال «ما» المصدرية بها، فإنها تتصل بها وينسبك منها مع الفعل الذي بعدها مصدر هو فاعل «قل»، فتقول: قلما أضرب زيدا في معنى: قلّ ضربي زيدا» انتهى.
ولم أتحقق ما قاله؛ فإن «قلما» التي يتكلم المصنف عليها إنما هي الكلمة التي يراد بها النفي؛ فـ «ما» المتصلة بها كافّة قطعا، والتي ذكرها الشيخ إنما هي الكلمة -

الجزء: 9 - الصفحة: 4521

[سرد لبعض الأفعال الجامدة]

قال ابن مالك: (فصل؛ منعت التّصرف أفعال منها المثبتة في نواسخ الابتداء، وباب «الاستثناء» و «التّعجّب» وما يليه، ومنها «قلّ» النّافية، و «تبارك» و «سقط في يده» و «هدّك من رجل» و «عمّرتك الله» و «كذب» في الإغراء، و «ينبغي» و «يهيط» و «أهلمّ» و «أهاء وأهاء» بمعنى آخذ، وأعطي، و «هلمّ» التّميميّة، و «هأ» و «هاء» بمعنى خذ، و «عم صباحا» و «تعلّم» بمعنى اعلم).
التي يراد بها التقليل، ولهذا جاز أن تكون «ما» المتصلة بها مصدريّة.
وأما قول المصنف: وقد يدل على النّفي بقليل وقليلة - فمثال ذلك: قليل من الرجال يقول ذلك، وقليلة من النساء تقول ذلك، فهذا قد يراد به النفي أي: ما يقول ذلك رجل، وما تقول ذلك امرأة.
قال ناظر الجيش: المراد بعدم تصرف الفعل: لزومه صيغة واحدة، وذلك بأن لا تختلف أبنيته لاختلاف الزمان.
وأشار إلى أن من الأفعال العادمة التصرف ما تقدم له ذكره في أربعة الأبواب، أما ما بيّن في نواسخ الابتداء فهو المذكور في باب «كان» وهو: ليس ودام، وفي باب «أفعال المقاربة» وفي باب «الأفعال الناصبة المبتدأ والخبر مفعولين» وهو: تعلّم وهب، وأما المبين في باب الاستثناء فهو: عدا وخلا وحاشى ولا يكون، وأما المبين في باب «التعجب» فهو: الصيغ التي هي مستعملة في التعجب، وأما المبين في الباب الذي يليه وهو باب «أفعال المدح والذم» فهو: نعم وبئس وحبذا وما ذكر معها.
ثم أشار إلى بقية الأفعال غير المتصرفة التي لا تختص بباب من الأبواب وجملتها: خمسة عشر فعلا: الأول منها: «قلّ»: وقد تقدم ذكرها، وتقييدها بالنافية احتراز من الدالة على القلة المقابلة للكثرة فإنها تتصرف، يقال: قلّ ودّ فلان وقلّ ماله ويقلّ ودّه ويقلّ ماله.
والثاني: «تبارك» قال الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ 286 وقال الله -

الجزء: 9 - الصفحة: 4522

................................  تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ 287 قيل: وهو مشتق من البركة، وهو غير متعدّ، وأما «بارك» فقد عدي بـ «في» نحو: بارك الله فيك، وب «على» نحو: وبارك على محمد، وبنفسه، قال الله تعالى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها 288 وهو متصرف، يقال: تبارك الله فيك.
والثالث: سقط في يده: وهي كلمة تقال في معنى الندم والتّخلي عما كان يتعلق به، وأصل «سقط» بمعنى وقع: التّصرّف وعدم التّعدّي، ثم إنه لما خرج عن أصل وضعه واستعمل مجازا في المعنى الذي ذكر، أشبه الحرف فمنع التصرف، وبني لما لم يسم فاعله، وأقيم الجار والمجرور مقام الفاعل.
والرابع: هدّك من رجل: ذكر الشيخ في شرحه 289 «أن العرب تارة تجعل هذا اسما وتصف به وتتبعه ما قبله في الإعراب نحو: مررت برجل هدّك من رجل، ومعناه معنى: حسبك من رجل، أي: بحسبك من رجل، تقول العرب: أحسبني أي: كفاني، ولا يثنى ولا يجمع تثنية الموصوف ولا جمعه، بل تقول: مررت برجلين هدّك من رجلين، لأن الأصل فيه المصدر، قال 290: وزعم بعض أصحابنا أن العرب لم تستعمل منه فعلا، وليس بصحيح، بدليل نقل سيبويه 291 وغيره أن العرب تجعله فعلا فتقول: مررت برجل هدّك من رجل، فإن قلت: فلعل هذا اسم وهو منصوب على الحال من النكرة!! فالجواب أن العرب قالت: مررت بامرأة هدتك من امرأة فألحقت «تاء» التأنيث اللاحقة للأفعال، فدل على أنه فعل وهو مع ذلك لا يتصرف.
قال سيبويه 292: وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: مررت برجل هدّك من رجل، ومررت بامرأة هدّتك من امرأة فجعله فعلا بمنزلة: كفاك وكفتك».
والخامس: «عمّرتك الله» 293: ومعناه: أسالك بالله، وهو فعل مأخوذ من قولهم: عمّرك الله، قال الشاعر: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4523

................................  4164 - عمّرتك الله إلّا ما ذكرت لنا... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم؟ 294 وحقيقة الكلام في: عمرتك الله، أن يكون أراد: تعميره أو طلب، إذ ليس له أن يعمره حقيقة.
والسادس: «كذب» في الإغراء: ذكر الشيخ في شرحه 295 «أن الكذب في لسان العرب يطلق ويراد به تغيير الحاكي ما سمع وقوله ما لا يعلم، ويطلق ويراد به أن يقول القائل قولا يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق، ويطلق ويراد به الخطأ كأن تقول: أقدر أن فلانا في منزله الساعة، فيقال له: صدقت أي: أصبت، وكذبت أي: أخطأت، ويطلق ويراد به البطول، يقال: كذب الرجل أي بطل عليه أمله وما رجا وقدره، ويطلق ويراد به الإغراء ومطالبة المخاطب بلزوم الشيء المذكور، كقول العرب 296: كذب عليك العسل؛ يريدون: كل العسل»، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه 297: «كذب عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد؛ ثلاثة أسفار كذبن عليكم» معناه: الزموا الحج والعمرة والجهاد.
قال الشيخ 298: واختلف في المغرى به، فذهب بعضهم إلى أنه مرفوع بـ «كذب» ولا يجوز نصبه، قال: لأن «كذب» فعل لا بد له من فاعل، وخبر لا يخلو من محدث عنه، فالفعل والفاعل كلاهما [5/ 205] تأويلهما الأمر والإغراء، كما أن قولهم: حسبك خبر، يعنى به الأمر، وذهب بعض النحويين إلى جواز النصب فيه ويستدل له بما روى أبو عبيد 299 عن أبي عبيدة عن أعرابي أنه نظر إلى ناقة نضو 300 -

الحديث: 4164 - الجزء: 9 - الصفحة: 4524

................................  لرجل، فقال له: كذب عليك البزر والنّوى أي: الزمهما بنصب البزر والنوى، وقال يونس: مرّ أعرابي برجل يعلف شاة، فقال: كذب عليك البزر والنّوى فأتى به منصوبا، وقال أبو عبيد 301: ولم يسمع النصب مع كذب في الإغراء إلا في هذا الحرف، قال ابن الأنباري: وهذا شاذ من القول لا يعوّل عليه.
وأنشد أحمد بن يحيى 302 عن ابن الأعرابي لمعقّر بن حمار البارقيّ: 4165 - وذبيانيّة وصّت بنيها... بأن كذب القراطف والقروف تجهّزهم بما اسطاعت وفالت... بنيّ فكلّكم بطل مسيف 303 أراد: عليكم القراطف والقروف فخذوها، والقراطف: القطف 304، والقروف: الأدم 305 والمسيف: الذي وقع في ماله السّواف وهو داء 306، فأهلكه، وقال عنترة: 4166 - كذب العتيق وماء شنّ بارد... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي 307 العتيق في هذا البيت: التمر 308، والذي يدل على رفع الأسماء بعد «كذب» أنه يتصل بها الضمير كما جاء في كلام عمر رضي الله عنه: «ثلاثة أسفار كذبن عليكم» 309 -

الحديث: 4165 - الجزء: 9 - الصفحة: 4525

................................  وقال الشاعر: 4167 - كذبت عليك لا تزال تقوفني... كما قاف آثار الوسيقة قائف 310 معناه: عليكي 311 فرفع التاء وهي مغرى بها واتصلت بالفعل؛ لأنه لو تأخر الفاعل لكان منفصلا، وليس هذا من مواضع انفصال الضمير.
وقال عبد الدائم بن مرزوق القيرواني 312 - في كتاب «حلى الحلى» في الأدب من تصنيفه في قول عنترة: 4168 - كذب العتيق وماء شنّ بارد إنه يروى: العتيق بالرفع والنصب ومعناه: عليك العتيق وماء شن، وأصله: كذب ذاك عليك العتيق، ثم حذف «عليك» وناب «كذب» منابه فصارت العرب تغري به.
وقال الأعلم 313 في بيت عنترة: قوله «كذب العتيق» أي عليك بالتمر و «العتيق» التمر البالي، والعرب تقول: كذبك التمر واللبن أي عليك بهما، وبعض العرب ينصب وهم مضر والرفع لليمن، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: كذبكم الحجّ والقرآن 314، أي عليكم بهما وأصل الكذب: الإمكان.
وقول الرجل للرجل: كذبت، أي: أمكنت من نفسك وضعفت، فلهذا اتسع فيه فأغري به؛ لأنه متى أغري بشيء فقد جعل المغرى به ممكنا مستطاعا إن راقه المغري.
انتهى.
قال الشيخ 315: وإذا نصبنا بقي «كذب» بلا فاعل على ظاهر اللفظ، والذي -

الحديث: 4167 - الجزء: 9 - الصفحة: 4526

................................  تقتضيه القواعد أن هذا يكون من باب «الإعمال» 316 فـ «كذب» يطلب الاسم على أنه فاعل و «عليك» يطلبه على أنه مفعول، فإذا رفعنا الاسم بـ «كذب» كان مفعول «عليك» محذوفا لفهم المعنى، التقدير: كذب عليكه الحج، وإنما التزم حذف المفعول؛ لأنه مكان اختصار ويحرف عن أصل وضعه، فجرى لذلك مجرى الأمثال في كونها يلتزم فيها حالة واحدة لا يتصرف فيها، وإذا نصبنا الاسم كان الفاعل مضمرا في «كذب» يفسره ما بعده على رأي سيبويه، ومحذوفا على رأي الكسائي.
قال: وقال ابن طريف 317 في «الأفعال»: وكذب عليك كذا أي: عليك به، معناه: الإغراء، إلا أن الشيء الذي بعد «عليك» يأتي مرفوعا، وشكا عمرو بن معديكرب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - المعص، فقال: كذب عليك العسل 318، والمعص: أن تشتكي العصب من كثرة المشي 319، والعسل أن يمشي مشيا سريعا 320. انتهى.
وشكا رجل النّقرس إلى عمر - رضي الله تعالى عنه -، فقال: «كذبتك الطهارة» 321 أي عليك بالمشي فيها، ومنه الحديث «فمن احتجم يوم الخميس ويوم الأحد كذباك» 322 أي عليك بهما، وفي حديث علي - رضي الله تعالى عنه -: «كذبتك الحارقة» 323 قال أبو الهيثم 324: تقول: عليك بمثلها، وقال الفراء: معنى -

الجزء: 9 - الصفحة: 4527

................................  كذب عليك وجب عليك، وهو الكذب في الأصل؛ فمعنى قوله: كذب عليكم الحج أي: إن قيل لكم: لا حج، فهو كذب.
وقال أبو سعيد 325: معناه: الحضّ، يقول: إن الحج ظن بكم حرصا عليه ورغبة فيه، فكذب ظنه.
و «كذب» في جميع إطلاقاتها متصرفة إلا إذا استعملت في الإغراء؛ فإنها لا تتصرف، لا يقال: يكذب عليك البزر والنوى، ولا: يكذب عليكم الحج والجهاد، ولا: كاذب عليكم الحج.
والسابع: «ينبغي»: قال الشيخ 326: «ذكر المصنف ينبغي في ما لا يتصرف من الأفعال، وقد نقل أنه يقال: انبغى، ذكر ذلك ابن فارس 327 في «المجمل»، وقال: هو من الأفعال المطاوعة، تقول: بغيته فانبغى، كما تقول: كسرته فانكسر» انتهى 328. ولا شك أن «انبغى» إن ثبت سماعه 329 فهو في غاية الندور، فلهذا لم يعتد به المصنف.
والثامن: «يهيط»: ذكر الشيخ 330 عن أبي الحسن بن سيده أنه قال: ما زال منذ اليوم يهيط هيطا، وما زال في هيط وميط وهياط ومياط، أي: في ضجاج وشرّ وجلبة، وقيل: في هياط ومياط أي: في دنوّ وتباعد، يقال: تهايط القوم: اجتمعوا، وتمايطوا: تباعدوا وفسد ما بينهم 331. وقال ابن طريف: يقال: ما زال يهيط مرّة ويميط أخرى، ولا ماضي ليهيط، -

الجزء: 9 - الصفحة: 4528

................................  والهياط: الصّياح، والمياط: الدفاع.
والتاسع: «أهلمّ»: وهي كلمة يقولها من خوطب بقولك: هلمّ، قالوا: فدخول همزة المتكلم دليل الفعلية.
ولم تستعمل العرب من هذه المادة فعلا ماضيا، ولا أكثر العرب فعل أمر، فلذلك حكم عليها بعدم التصرف.
والعاشر والحادي عشر: «أهاء وأهاء» بمعنى: آخذ وأعطي: قال الشيخ 332: «قد تقدم الكلام في أسماء الأفعال على «ها» ونبهنا على أنها تكون في بعض اللغات فعلا وأن تصريفها قد يكون تصريف «خف» 333 فتقول: هأ، هائي، هاءا هاءوا، هأن، قال: فعلى هذا يكون: أهاء التي ذكرها المصنف هنا مضارعا بمعنى: آخذ، وجعله إياها فعلا لا يتصرف يريد به أنها [5/ 206] لا تتصرف التّصرّف التام من استعمال ماض له وأمر ومضارع، فيكون نظير «ذر» و «دع» و «يذر» و «يدع» في كونهما لا يستعمل منهما ماض ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول.
فكذلك: أهاء لم يستعمل له إلا فعل أمر على تلك اللغة التي أشرنا إليها، قال: فأما «أهاء» بمعنى أعطي ففعل لا يتصرف إذ لم يستعمل منه ماض ولا أمر ولا مضارع مبني للفاعل.
والثاني عشر: «هلمّ» التميمية: وقد ذكرت في باب «أسماء الأفعال».
ولم يستعمل بنو تميم منها ماضيا ولا مضارعا غير ما نبه عليه قبل، وهي عند غير بني تميم اسم فعل.
والثالث عشر: «هأ وهاء» بمعنى: خذ: قال الشيخ (3): لم يذكر المصنف في باب: أسماء الأفعال، أن هأ قد تكون فعلا، وقد ذكرنا لها ثلاثة تصاريف، وفي لحاق الضمير لها تكون هنا فعلا.
والرابع عشر: «عم صباحا»: قال الشيخ 334: «زعم المصنف أن «عم» في قول العرب: عم صباحا، فعل لا يتصرف، وأنه لم يستعمل إلا فعل أمر، وليس ذلك بصحيح، قال -

الجزء: 9 - الصفحة: 4529

................................  يونس 335: وعمت الدّار أعم أي: قلت لها: انعمي، فهذا متعدّ، وقال الشاعر: 4169 - عما طللي جمل على النّأي واسلما 336 وقال الأصمعي: عم في كلام العرب أكثر من: انعم، وقال الأعلم 337: يقال: وعم يعم في معنى: نعم ينعم، فهذا لازم، قال 338: ووهم بعض الناس 339 في قول عنترة: 4170 - وعمي صباحا دار عبلة واسلمي 340 فزعم أنه أمر من: يعمي المطر، ويعمي البحر بزبده، فأراد: كثرة الدّعاء لها وكثرة السّقيا، يقال: عمى المطر يعمى عميّا، قال (7): وهذا ذهول عن علم التصريف إذ لو كان أمرا من: عمى، لقال: اعم كما تقول من رمى: ارم، وإنما هو مما حذفت فاؤه في المضارع، فانحذفت في الأمر نحو: يعد وعد، قال 341: فثبت بما قلناه أن قول المصنف: إن «عم» من الأفعال التي لا تتصرف، ليس بصحيح - بنقل يونس والأعلم وعم يعم متعديا ولازما -» انتهى.
والذي يظهر أن مراد المصنف أن الذي لا يتصرف هو «عم» من قولنا: عم صباحا، فمتى كان مقرونا بقولنا: صباحا لا يتغير عن هذه الصيغة أعني صيغة -

الحديث: 4169 - الجزء: 9 - الصفحة: 4530

[حديث عن بقية الأفعال الجامدة]

قال ابن مالك: (وفي زجر الخيل «أقدم» و «اقدم» [وهب] و «أرحب» و «هجد» وليست أصواتا ولا أسماء أفعال لرفعها الضّمائر البارزة، واستغني غالبا بـ «ترك» عن «وذر» و «ودع» وب «التّرك» عن الوذر والودع).
الأمر.
فلا يقال: وعم صباحا ولا: يعم صباحا.
والخامس عشر: «تعلّم» بمعنى اعلم، وقد كان المصنف مستغنيا عن إفراد هذه الكلمة بالذكر؛ لأنها ذكرت في باب «ظن وأخواتها» فهي داخلة تحت قوله هنا: منها المثبتة في نواسخ الابتداء.
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 342: «قال ابن دريد 343: أقدم كلمة زجر للفرس معلومة في كلامهم، وضبطها بقطع الألف وكسر الدال من الإقدام، والإقدام: التقدم في الحرب، والإقدام: الشجاعة ومنه: المقدام، وفي الحديث: «أقدم حيزوم» 344، وضبط هذا الحرف عن أبي بحر سفيان بن القاضي الأسدي 345 بضم «الدال» كأنه من التقدّم، قال الله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ 346، وقد تكسر الهمزة من: أقدم» انتهى.
وعلى هذا تكون «أقدم» الأولى في كلام المصنف بقطع الهمزة وكسر «الدال» و «اقدم» الثانية بوصل الهمزة مضمومة وضم «الدال» كالتي وردت في الحديث الشريف.
وأما «هب» فتكون زجرا للخيل أيضا وقد ذكر في «نواسخ الابتداء» أنها -

الجزء: 9 - الصفحة: 4531

................................  تكون بمعنى: ظن 347، فاللفظ مشترك، وقد عرف أن الناسخة لا تتصرف وكذلك التي للزجر لا تتصرف.
وأما «أرحب» فقال الجوهري 348: «أرحبت الشّيء أوسعته، ويقال: أرحب بمعنى أوسع، ويقال أيضا في زجر الفرس: أرحب وأرحبي أي توسعي وتباعدي»، قال الشاعر: 4171 - نعلّمها: هبي وهلا وأرحب 349 وأما «هجد» فقال الشيخ 350: «قد ضبط هذا الحرف بهاء وجيم مكسورتين ودال ساكنة مهملة، قال محمد بن المستنير 351 في كتاب «الفرق» له في باب «الزجر»: يقال في زجر الفرس: إجد إجد وهجد هجد، وإجدم، تزاد فيه الميم، يقال: قد أجدمت الفرس إجداما إذا قلت لها ذلك، قال الشيخ 352: والذي يظهر أن الهاء بدل من الهمزة، وهذه الصيغة ليست على أوزان الأفعال، والذي يتخيل فيه ويتحيل لتخريجه أن الأصل فيه: إجدم بالميم؛ لأنهم قد قالوه، وهذا فعل بدليل لحاق الضمير له في قولهم: إجدمي، والميم من نفس الكلمة وهي لام الفعل ثم حذفوا الميم شذوذا، فصار: إجد ثم نقلوا حركة الدال إلى الجيم الساكنة، فصار: اجد.
ولم يعتدوا بكسر الجيم؛ لأنه عارض؛ فأقروا همزة الوصل كعروض حركة الجيم، كما قالوا: اسل في: اسأل».
وأما قوله: وليست أصواتا ولا أسماء أفعال لرفعها الضّمائر البارزة - فظاهر، وكذا قوله: واستغني غالبا بترك - إلى آخره، وفهم من قوله: غالبا - أنه قد -

الحديث: 4171 - الجزء: 9 - الصفحة: 4532

................................  يقال 353: وذر وودع وقد قرئ شاذّا 354: (ما ودعك ربّك وما قلى)، وفي الحديث: «ذروا الحبشة ما وذرتكم».
وجاء في الحديث الشريف: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعة» 355.

الجزء: 9 - الصفحة: 4533

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل