الباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حده
[تعريف المثنى وإعرابه]
قال ابن مالك: (التّثنية جعل الاسم القابل دليل اثنين متّفقين في اللّفظ غالبا، وفي المعنى على رأي بزيادة ألف في
آخره رفعا وياء مفتوح ما قبلها جرّا ونصبا تليهما نون مكسورة فتحها لغة، وقد تضمّ وتسقط للإضافة أو للضّرورة، أو لتقصير صلة ولزوم الألف لغة حارثيّة).
قال ناظر الجيش: هذا آخر أبواب الكلام على الإعراب، وأراد بقوله:
والمجموع على حدّه: ما جمع بالواو والنون؛ لأنه كالمثنى في كون دلالته على ما زاد على الواحد بزيادة في الآخر وكون الزيادة حرفين، وكون الحرف الأول منهما يتغير في حالتي النصب والجر.
وقدم المصنف على ذكر إعرابيهما 1 ذكر حدي التثنية والجمع [1/ 80].
وإنما قال: جعل الاسم، ولم يقل جعل الواحد؛ لأن المجعول مثنى يكون واحدا كرجل ورجلين، ويكون جمعا واسم جمع واسم جنس كجمالين وركبين وغنمين.
أما كون تثنية هذه الثلاثة غير مقيس فهو شيء آخر؛ وإنما أراد المصنف أنها تثنى في الجملة.
قال المصنف: «والمراد بالجعل تصرّف النّاطق بالاسم على هذا الوجه المذكور، وليس المراد به وضع الواضع فيدخل في الحدّ نحو زكا من الموضوع لاثنين» 2. وهذا ليس بجيد؛ لأن الإرادات في الحدود مردودة، وأيضا فالمثنى والمجموع من قبيل الكلمات المفردة المعتبر فيها الوضع، فالحق أن لا يراد بالجعل خلاف ما يفهم منه ابتداء وهو الوضع.
ولا يضر دخول نحو زكا في الحد؛ لأنه يخرج بقوله بعد: بزيادة ألف في آخره.
ونبه بقوله: القابل على أن من الأسماء غير قابل للتثنية كالمثنى والمجموع على -
الجزء: 1 - الصفحة: 305
................................
حدّه والمجموع الذي لا نظير له في الآحاد 3. وأسماء العدد غير المائة والألف وليس للتثنية.
على أن من الأسماء ما لا يقبل التثنية فدخل في الحد، فكان الأولى إهمال لفظ القابل.
وقوله: دليل اثنين هو متعلق جعل؛ فهو تبيين لمعنى المثنى.
وجعله الشيخ احترازا عن الجمع المسلم 4، وليس بجيد؛ لأنه لم يتقدم ما يدخل فيه الجمع فيخرجه.
وأشار بقوله: متّفقين في اللفظ إلى أن شرط المثنى أن يكون مفرداه متفقي اللفظ كرجلين.
وأما غالبا فاحترز به
من نحو القمرين في الشمس والقمر.
وليس بجيد؛ فإنه يقتضي إطلاق المثنى على نحو القمرين وهو الذي يقتضيه كلامه في الشرح أيضا؛ لأنه قال 5: «ولما كان من المثنى ما مفرداه متفقا اللفظ وهو المقيس كرجلين وما مفرداه مختلفا اللفظ وهو محفوظ كالقمرين نبهت على ذلك بقولي: غالبا».
والحق أن القمرين ليس بمثنى، وقد قال المصنف بعد أن قيل فيه مثنى في مقتضى اللغة لا الاصطلاح: كما يقال لاسم الجمع جمع.
وأما اتفاق مفردي المثنى في المعنى ففي اشتراطه خلاف:
ذهب الجمهور إلى اشتراطه كما أنه يشترط الاتفاق في اللفظ، وذهب بعضهم إلى عدم اشتراطه فأجاز تثنية المختلفي المعنى، وإليه جنح المصنف 6. ولهذا قال:
وفي المعنى على رأي، فأشعر أن مختاره خلاف ذلك وهو عدم الاشتراط.
قال المصنف: كعين ناظرة وعين نابعة؛ فأكثر المتأخّرين على منع تثنية هذا النّوع وجمعه والأصح الجواز.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 306
................................
وقوله: بزيادة ألف في آخره رفعا وياء مفتوح ما قبلها نصبا وجرّا متعلق بقوله دليل اثنين أي دلالته على الاثنين بزيادة كذا وكذا.
قال المصنف 7: وقيّد بالزّيادة لئلّا يدخل المصدر المجعول للاثنين خبرا أو نعتا نحو: هذان رضا ومررت برجلين رضا.
وهذا ليس بجيد؛ فإن المصدر لم يجعل دليل اثنين حتى يحترز عنه، إنما أطلق على اثنين، ولا يلزم من الإطلاق كونه دالّا عليهما.
وعلى هذا ينبغي أن يكون بزيادة مخرجا لنحو زكا كما تقدم التنبيه عليه.
وقوله: تليهما نون مكسورة أي تلي الألف والياء وسيأتي الكلام على الألف والياء وعلى النون [1/ 81] أيضا.
هذا شرح الحد.
وقد علمت ما فيه وما توجه على كلامه في المتن والشرح من المناقشة.
ثم ها هنا أبحاث:
الأول:
قد علمت أن من الأسماء ما لا يثنى:
وذلك إما لأمر يرجع إلى المعنى: وهو عدم الفائدة لو ثني نحو كلّ وبعض وواحد وعريب 8. وهذا النوع لم يتعرض المصنف إلى النص على عدم تثنيته لوضوح الأمر فيه.
وإما لأمر يرجع إلى اللفظ: وهو إما الاستغناء عن تلك الكلمة بغيرها كأجمع وجمعاء في مذهب البصريين للاستغناء عن تثنيتهما بكلا وكلتا 9، أو بلفظ موضوع للمعنى الذي يقصد الدلالة عليه بالاسم الذي يراد تثنيته: كأسماء العدد؛ فإنه استغني عن تثنية خمسة بعشرة وعن تثنية عشرة بعشرين مثلا.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 307
................................
وإما لمشابهة ما لا يثنى 10 كأفعل من؛ فإنه جار مجرى فعل التعجب.
وإما لكون الكلمة مطلوبة الحكاية كالجمل المسمى بها نحو تأبط شرّا.
وإما للاستثقال كما في المثنى والمجموع على حده؛ لاستلزامه إعرابين في كلمة.
وإما لأنه لا يشبه المفرد كالجمع الذي لا نظير له في الآحاد.
وقد ذكر المصنف كلّا من هؤلاء المسائل في بابه 11، وذكر المثنى والمجموع على حده هنا، والجمع الذي لا نظير له أيضا؛ لأن هذا الباب موضع ذكرها، وضم إليها أسماء العدد؛ ليشعر أن الحكم المذكور ليس مقصورا على المذكورات، وإلا فهذا الباب ليس موضع ذكرها، ولهذا ذكرها في باب العدد.
البحث الثاني:
استدل المصنف على جواز تثنية ما اختلف معناه وجمعه بأن «أصل التثنية والجمع العطف وهو في القبيلين جائز باتفاق والعدول عنه اختصار، وقد أوثر استعماله في أحدهما فليجز في الآخر قياسا» انتهى 12 ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال 13.
ثم قال: «وقال بعضهم: اختصار التثنية كاختصار الخبر فكما جاز: زيد ضارب وعمرو فحذف خبر عمرو اكتفاء بخبر زيد لتوافقهما معنى، كذلك جاز أن يقال:
جاء الضاربان في المتوافقين معنى؛ وكما لم يجز حذف خبر عمرو إذا خالف خبر زيد معنى وإن وافقه لفظا، كذلك لا يجوز أن يقال زيد وعمرو ضاربان مع تخالف المعنى».
قال المصنف: والجواب عن ذلك من وجوه 14: -
الجزء: 1 - الصفحة: 308
................................
أحدها: «أن حذف الخبر المخالف معنى لم يجز؛ لأنه حذف بلا عوض في اللفظ، ولا دليل على معناه وأحد مفردي
المثنى معوض عنه علامة التثنية ومقدور على الدلالة عليه بقرينة».
الثاني: «أن ذكر عمرو في المثال المذكور يوقع في محذورين:
أحدهما: توهم المحذوف مماثلا للمذكور.
والآخر: توهم إلغاء ذكر عمرو والمثنى لا يتوهم فيه إلغاء».
الثالث: «أن التخالف في اللفظ لا بد فيه من تخالف المعنى ولم يمنع من التثنية 15 فأن لا يمنع منها التخالف في المعنى مع عدم التخالف في اللفظ أحقّ وأولى» انتهى.
وفيما ذكره من الأوجه الثلاثة نظر:
أما الوجه الأول وقوله فيه: إن أحد مفردي المثنى [1/ 82] معوض عنه علامة التثنية فغير ظاهر؛ لأن العوضية لا تتحقق؛ إذ الاسم برمته هو الدال على المثنى، ومقتضى كلامه أن لفظ زيد مثلا في نحو الزيدين دال على أحد الاسمين، والعلامة دالة على الاسم الآخر.
وبتقدير تحقق العوضية يجب أن يكون معنى ما هي عوض عنه معنى الاسم المقرون بها وإلا انتفت الدلالة عليه للمخالفة.
وأما الوجه الثاني: فغير مسلم؛ لأنا كما نتوهم أن المحذوف مماثل للمذكور كذلك نتوهم أن المعنيين متفقان فيما ثني، فالمحذور حاصل في التثنية عند المخالفة كما هو حاصل عند حذف الخبر المخالف.
وأما الوجه الثالث فقوله فيه: إن التخالف في اللفظ لا بد معه من تخالف المعنى ولم يمنع من التثنية يقتضي جواز 16 تثنية المختلفي اللفظ، وذلك ممنوع؛ لأنه لا تثنية - - هذان عينان، تقصد الناظرة والنابعة، ومنعه بعضهم وقاسوا ذلك على الخبر؛ فلا يجوز مثلا: زيد ضارب وعمرو أي كذلك على أن الضرب الأول من العقاب والثاني من السفر، وعليه فلا يصح: هذان ضاربان بالمعنيين السابقين، ورد المصنف ذلك ونقض هذه المناظرة بما سيذكره من وجوه.
وقد أبطل ناظر الجيش هذه الوجوه ومنع تثنية المتحدين لفظا المختلفين معنى.
الجزء: 1 - الصفحة: 309
................................ مع التخالف في اللفظ، وقد تقدم أن نحو القمرين ليس بمثنى صناعي؛ فلا يتوجه الاستدلال به على ما قصده. ثم قال المصنف: «وممّن صرّح بجواز ذلك ابن الأنباري رحمه الله 17 واحتجّ بقوله - عليه الصّلاة والسّلام -: «الأيدي ثلاث فيد الله تعالى العليا ويد المعطي ويد السّائل السفلى إلى يوم القيامة» 18. قال: ويؤيّد ذلك قول العرب: «خفّة الظّهر أحد اليسارين والغربة أحد السّبائين واللبن أحد اللّحمين والحمّة أحد الموتين» 19. ويمكن أن يكون من ذلك قول الشّاعر: 88 - يداك كفت إحداهما كلّ يائس... وأخراهما كفّت أذى كلّ معتدي 20
الحديث: 88 - الجزء: 1 - الصفحة: 310
................................
أراد يد النعمة ويد الجارحة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ 21 فإن الواو إما عائدة على المعطوف والمعطوف عليه، أو على المعطوف وحده مستغنى بخبره عن خبر المعطوف عليه؛ فهذا ممتنع؛
لأنّه من باب الاستدلال بالثاني على الأول كقول الشاعر:
89 - نحن بما عندنا وأنت بما... عندك راض والرأي مختلف 22
وهو ضعيف وإنما الجيد الاستدلال بالأول كقوله تعالى: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ 23. وصون القرآن العزيز عن الأوجه الضعيفة واجب.
ولو سلم استعمال هذا الوجه مع ضعفه لمنع من استعماله هنا تخالف 24 المستدلّ به والمستدلّ عليه في المعنى، وذلك لا يجوز بإجماع فتعين عود الواو إلى المعطوف والمعطوف عليه، وكون الصلاة معبرا بها عن حقيقتين مختلفتين وهو المطلوب 25 انتهى.
والحق أن تثنية ما اختلف معناه وجمعه لا يجوزان إلا سماعا؛ بل ينبغي أن - - الجارحة المعروفة؛ وعليه فلا يشترط في التثنية اتحاد المعنى، ويكفي الاتحاد في اللفظ كما في هذا البيت.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 61) وفي التذييل والتكميل (1/ 230).
الحديث: 89 - الجزء: 1 - الصفحة: 311
................................
يحكم على ما ورد من ذلك بأنه تثنية وجمع لغويان لا صناعيان 26، كما حكم على نحو العمرين والأبوين والقمرين مما دل على اثنين، والخبيبين مما دل على جمع بذلك وإن أطلق على الوارد من المختلف المعنى بتثنية أو جمع من حيث الصناعة النحوية فإنما ذلك بطريق المجاز لا الحقيقة.
وأما إثبات مطلوبه بكون الصلاة معبرا بها عن حقيقتين مختلفتين فصحيح، وقد ذكر ابن الحاجب أن الأكثر على أن جمع المختلف المعنى مبني على صحة إطلاق ذلك اللفظ على معانيه المختلفة دفعة؛ ولكن ذلك الإطلاق مجاز لا حقيقة، فليكن ما انبنى عليه مجازا أيضا 27 [1/ 83].
البحث الثالث:
لم يذكر المصنف حد المثنى وكان بالذكر أحق من ذكر حدّ التثنية؛ لأنه هو المقصود بالكلام عليه ولأن ترجمة الباب له.
فالمثنى: هو ما دل على اثنين بزيادة صالحا للتجريد منها وعطف مثله عليه.
وسيأتي الكلام على قيود الحد المذكور عند الكلام على قوله: وما أعرب إعراب المثنّى.
أما الكلام عن الألف والياء فسيأتي عند قوله: وليس الإعراب انقلاب الألف.
وأما النون فيأتي الكلام على كونها عوضا أو غير عوض عند الكلام على أحرف العلة المذكورة.
أما أحكامها اللفظية: فمنها الحركة وقد ذكر أنها مكسورة، وأن فتحها لغة لقوم من العرب، وأنها قد تضم 28. -
الجزء: 1 - الصفحة: 312
................................
أما الكسر: فقد اختلف في علته فقيل: كسرت للفرق بينهما وبين نون الجمع، وقيل: لالتقاء الساكنين، ونسب كلّ منهما إلى سيبويه 29 والقول الثاني أقرب.
وأما الفتح: فاستشهد له بما أنشده الفراء 30 من قول حميد بن ثور 31:
90 - على أحوذيّين استقلّت عشيّة... فما هي إلّا لمحة وتغيب 32
وبقول الآخر:
91 - يا ربّ خال لك من عرينه... حجّ على قليّص جوينه
فسوته لا تنقضي شهرينه
-
- ذلك السيوطي في الهمع فقال: «الشائع في هذه النون الكسر في المثنّى والفتح في الجمع؛ وإنما حرّك لالتقاء السّاكنين وخولف بينهما للفرق، وخص كلّ بما فيه لخفة المثنى وثقل الكسر وثقل الجمع وخفة الفتح فعودل بينهما، وورد العكس وهو فتحها مع المثنى وكسرها مع الجمع، فقيل: هو لغة، وقيل: فتح نون المثنى لغة وكسر نون الجمع ضرورة... وقال ابن جني: ومن العرب من يضم النّون في المثنّى وهو من الشّذوذ بحيث لا يقاس عليه» (الهمع: 1/ 49).
الحديث: 90 - الجزء: 1 - الصفحة: 313
................................
شهر ربيع وجماديينه 33
قال الشيخ 34: «نصّ الكسائي والفرّاء على أنّ فتح النّون لا يجوز مع الألف؛ إنما هو في حالة النّصب والخفض» فجعل ذلك استدراكا على المصنف.
وقد أنشدوا شاهد الفتح مع الألف قول الشاعر:
92 - أعرف منها الأنف والعينانا... ومنخرين أشبها ظبيانا 35
ورد بأنه لا يعرف قائله.
قال ابن عصفور 36: «من العرب من يفتحها مع الألف إلّا أنّ ذلك لم يجئ إلّا في حالة النّصب وكأنّهم أجروا الألف في ذلك مجرى الياء».
وأنشد البيت المتقدم، وقال ابن جني: «فتحها بعضهم في الثلاثة حملا للواحد على الحالتين» 37.
وأما الضم: فقال المصنف 38:
«حكى الشيبانيّ عن العرب: هما خليلان 39، وقال: ضمّ نون التّثنية لغة».
-
الحديث: 92 - الجزء: 1 - الصفحة: 314
................................
قال الشيخ: «ومن ذلك قول فاطمة رضي الله عنها: يا حسنان يا حسينان تريد الحسن والحسين رضي الله عنهما فغلّبت لفظ أحدهما على الآخر».
وقال: «كان ينبغي للمصنف أن يقيد المثنى بكونه بالألف؛ لأن الضمّ مع الياء لا يجوز.
وقال بعضهم: من العرب من يجعل الإعراب في النون إجراء للتّثنية مجرى المفرد وذلك قليل جدّا» انتهى 40.
فعلى هذا لا يكون قولهم هما خليلان من ضم نون التثنية في شيء.
ومن أحكامها أيضا: الحذف وعبر عنه بقوله: وتسقط للإضافة أو للضّرورة أو لتقصير صلة.
أما الإضافة: فكقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ 41.
وأما سقوطها للضرورة: فشاهده قول الشاعر:
93 - هما خطّتا إمّا إسار ومنّة... وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر 42
-
- الياء؛ لأنّها شبّهت بألف عثمان وغضبان، أنشد المطرز في اليواقيت (من الرجز): يا أبتي أرّقني القذّان... فالنّوم لا تألفه العينان والشيباني: هو إسحاق بن مرار الكوفي وكنيته أبو عمرو، سكن بغداد ومات بها؛ وأصله من الموالي إلا أنه جاور بني شيبان وأدب بعض أولادهم فنسب إليهم، وكان الشيباني واسع العلم باللغة والشعر ثقة في الحديث عالما بكلام العرب وأخذ عنه جماعة كبار منهم أحمد بن حنبل.
له مناظرات مع الأصمعي (نزهة الألباء ص 94) تدل على براعته في اللغة.
من مصنفاته: كتاب كبير جمع فيه أشعار القبائل العربية، وله كتاب في غريب الحديث والنوادر والخيل وغير ذلك، عمّر طويلا حيث ولد سنة (94 هـ) ومات سنة (206 هـ). انظر ترجمته في نزهة الألباء (ص 93)، بغية الوعاة (1/ 439). الأعلام (1/ 289).
- الياء؛ لأنّها شبّهت بألف عثمان وغضبان، أنشد المطرز في اليواقيت (من الرجز): يا أبتي أرّقني القذّان... فالنّوم لا تألفه العينان والشيباني: هو إسحاق بن مرار الكوفي وكنيته أبو عمرو، سكن بغداد ومات بها؛ وأصله من الموالي إلا أنه جاور بني شيبان وأدب بعض أولادهم فنسب إليهم، وكان الشيباني واسع العلم باللغة والشعر ثقة في الحديث عالما بكلام العرب وأخذ عنه جماعة كبار منهم أحمد بن حنبل.
الحديث: 93 - الجزء: 1 - الصفحة: 315
................................
وقول الآخر:
94 - لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها... لأولادنا ثنتا وما بيننا عنز 43
ونقل عن الكسائي أنه يجيز حذف هذه النون دون ضرورة، فيجيز: قام الزّيدا بغير نون 44.
وقد جاء في كلام العرب مما عزي إلى الحجلة تخاطب [1/ 84] القطا:
قطا قطا بيضك ثنتا وبيضي مائتا أي ثنتان ومائتان.
أما سقوطها لتقصير الصلة:
فقد تكون في صلة الألف واللام، وقد تكون في صلة ما ثني من الموصول نحو الذي والتي.
فمثال الأول ما أنشده المصنف من قول الشاعر:
95 - خليليّ ما إن أنتما الصّادقا هوى... إذا خفتما فيه عذولا وواشيا 45
-
- (من الرمل): ولقد يغني به جيرانك ال... ممسكو منك بأرباب الوصال وانظر الشاهد في شرح التسهيل (1/ 62) والتذييل والتكميل (1/ 242)، ومعجم الشواهد (ص 952). ترجمة الشاعر: هو ثابت بن جابر بن سفيان أحد لصوص العرب وأحد عدائيها المشهورين، كان يغزو على رجليه وكان إذا جاع نظر إلى الظباء فيقع نظره على أسمنها ثم يجري خلفه فلا يفوته حتى يأخذه.
وفي تلقيبه بهذا اللقب أقوال كثيرة.
انظر ذلك في خزانة الأدب (1/ 66) وانظر أخباره في الشعر والشعراء (1/ 318).
- (من الرمل): ولقد يغني به جيرانك ال... ممسكو منك بأرباب الوصال وانظر الشاهد في شرح التسهيل (1/ 62) والتذييل والتكميل (1/ 242)، ومعجم الشواهد (ص 952). ترجمة الشاعر: هو ثابت بن جابر بن سفيان أحد لصوص العرب وأحد عدائيها المشهورين، كان يغزو على رجليه وكان إذا جاع نظر إلى الظباء فيقع نظره على أسمنها ثم يجري خلفه فلا يفوته حتى يأخذه.
الحديث: 94 - الجزء: 1 - الصفحة: 316
................................
ومثال الثاني قول الشاعر:
96 - أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا 46
وذهب أبو العباس المبرد إلى أنه لا يجوز حذف النون إلا مع موصول غير ألف ولام لطول الاسم 47 قيل: ولم يحفظ حذف النون في صلة الألف واللام في المثنى، إنما سمع في الجمع فقاسوا المثنى عليه.
وقال الشيخ 48: «يجوز في البيت الذي أنشده أن تكون نون الصّادقا حذفت للإضافة وهو مخفوض بإضافة اسم الفاعل إليه؛ لأنه مثنّى فتجوز إضافته إلى ما ليس فيه ألف ولام» انتهى وهو ظاهر.
وقال الشيخ:
«النّون تحذف لشبه الإضافة: وذلك في اثنا عشر واثنتا عشرة وفي لا غلامي لك 49 على رأي المصنف فيه» فنقص المصنف ذلك 50.
والجواب: أنه إذا كان الحذف لشبه الإضافة استغني عن ذكره؛ لأن الإضافة - - والبيت في شرح التسهيل (1/ 62)، والتذييل والتكميل (1/ 243)، ومعجم الشواهد (ص 426).
الحديث: 96 - الجزء: 1 - الصفحة: 317
................................ هي الأصل وما أشبهها حكمه حكمها. وجعل الأعلم مما حذفت فيه النون لشبه الإضافة: لبّيك وسعديك وأخواتهما؛ فالكاف عنده حرف خطاب كما هي في قولهم: أبصرك زيدا 51. وذهب الأخفش وهشام إلى أن النون تحذف لإضافة الضمير في نحو ضارباك؛ لأن هذا الضمير عندهما منصوب المحل، وسيأتي الكلام على الأول في باب الإضافة وعلى الثاني في باب اسم الفاعل إن شاء الله تعالى 52. وأشار المصنف بقوله: ولزوم الألف إلى أن لغة بني الحارث بن كعب إلزام المثنى وما جرى مجراه الألف في كل حال ووافقهم في ذلك بنو الهجيم وبنو العنبر وغيرهم أيضا أجروا المثنى مجرى الاسم المقصور، قال الشاعر: 97 - إنّ أباها وأبا أباها... قد بلغا في المجد غايتاها 53 وقال الآخر: 98 - وأطرق إطراق الشّجاع ولو رأى... مساغا لناباه الشّجاع لصمّما 54
الحديث: 97 - الجزء: 1 - الصفحة: 318
[الملحق بالمثنى وأنواعه]
قال ابن مالك: (وما أعرب إعراب المثنّى مخالفا لمعناه أو غير صالح للتّجريد وعطف مثله عليه فملحق به وكذلك كلا وكلتا مضافين لمضمر ومطلقا على لغة كنانة).
وعلى هذه اللغة قراءة من قرأ: إن هذن لسحرن 55.
وأنكر أبو العباس هذه اللغة وهو محجوج بنقل الثقات أنها لغة لطوائف من العرب 56.
قال ناظر الجيش: من الكلام ما صورته صورة المثنى وليس بمثنى صناعي؛ لكنه محمول في إعرابه على المثنى.
والكلام على هذا الموضع يظهر فائدة قيود حد المثنى - - عيره بأمه مطلعها: يعيّرني أمّي رجال ولن ترى... أخا كرم إلّا بأن يتكرّما وهل لي أمّ غيرها إن تركتها... أبى الله إلّا أن أكون لها ابنما وانظر القصيدة والشاهد في هذه المراجع: الأصمعيات (ص 244)، الشعر والشعراء (1/ 186)، مختارات ابن الشجري (ص 151). اللغة: أطرق: سكت.
الشجاع: ضرب من الحيات عظيم.
مساغا: مدخلا.
صمما: عض.
ومعناه: أنه يسكت سكوت الحية التي إذا رأت مكانا لنابيها قتلت ولدغت.
ويستشهد به في قوله: لناباه حيث ألزم المثنى الألف في حالة الجر.
والبيت في معجم الشواهد (ص 321) وفي شرح التسهيل (1/ 63)، والتذييل والتكميل (1/ 246). ترجمة المتلمس: هو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله ولقب بالمتلمس لبيت قاله فيه هذا اللقب وهو خال طرفة بن العبد، وقصتهما مع عمرو بن هند مشهورة - وملخصها أنهما قد هجياه ثم مدحاه فكتب لهما كتابا إلى عامله بالحيرة ظنّا فيه الخير وكان فيه حتفهما، ففض المتلمس كتابه وفهم ما فيه ثم هرب إلى الشام.
أما طرفة فركب رأسه ومضى إلى عامل الحيرة فقتله وأصبحت صحيفة المتلمس يضرب بها المثل لكل من قرأ صحيفة فيها قتله.
وانظر ترجمة المتلمس في هذه المراجع: وفيات الأعيان (6/ 92)، الشعر والشعراء: (1/ 185)، خزانة الأدب (6/ 345).
الجزء: 1 - الصفحة: 319
................................
المتقدم الذكر 57. فمن المحمول على المثنى: ما قصد به التكثير: وإليه الإشارة بقوله:
مخالفا لمعناه أي لمعنى المثنى لدلالته على أكثر من اثنين وإن صلح للتجريد وعطف مثله عليه وذلك ككرتين من قوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ 58 المعنى كرات لأن بعده: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ 59 [1/ 85] أي مزدجرا وهو كليل ولا يكون ازدجار وكلال بكرتين فحسب بل بكرات.
ولقائل أن يقول: إن كرتين إنما دل على اثنين والكثرة إنما فهمت من السياق.
وفائدة العدول عن لفظ الجمع وهو كرات إلى لفظ التثنية: الدلالة على أن المقصود إتباع كل رجعة من رجع البصر بأخرى؛ فالمراد نظرة تتبعها نظرة، ثم نظرة تتبعها نظرة.
وكذا كل ما ذكر أنه يراد به التكثير يمكن تخريجه على هذا.
وإذا كان كذلك فهو مثنى حقيقة لا محمول عليه.
قال المصنف: «ومنه أي من المثنى الّذي يراد به التكثير: قولهم: سبحان الله وحنانيه وقولهم:
99 - ومهمهين قذفين مرتين... ظهراهما مثل ظهور التّرسين
جبتهما بالسّمت لا بالسّمتين 60
قال الفراء: «أراد ومهمه بعد مهمه» 61. -
الحديث: 99 - الجزء: 1 - الصفحة: 320
................................ وهذا النوع قد يغني عنه التجريد وعطف مثله عليه وهو مع ذلك دال على أكثر من اثنين، كقول جرير: 100 - إنّا أتيناك نرجو منك نافلة... من رمل يبرين إنّ الخير مطلوب تخدي بنا نجب أفنى عرائكها... خمس وخمس وتأويب وتأويب 62 وكقول الأفوه الأودي 63: 101 - إنّ النّجاة إذا ما كنت ذا بصر... من ساحة الغيّ إبعاد فإبعاد 64 وقول الآخر: 102 - لو عدّ قبر وقبر كنت أكرمهم... ميتا وأبعدهم عن منزل الذّام 65
الحديث: 100 - الجزء: 1 - الصفحة: 321
................................
وقد يغني في هذا النوع التكرير عن العطف: ومنه قوله تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا 66 أي دكّا بعد دك وصفّا بعد صف.
ومن المعرب كمثنى وهو في المعنى جمع: قوله تعالى: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ 67 وقوله عليه السّلام: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا» 68.
ومنه قول الشاعر:
103 - تلقى الأوزون في أكناف دارتها... تمشي وبين يديها البرّ منثور 69
أراد بين أيديها.
انتهى كلام المصنف 70.
ويمكن أن يكون بين أخويكم، والبيعان بالخيار مثنيين حقيقة؛ فلا يكونان من - = لو عدّ قبر وقبر.......................... إلخ انظر شعره وأخباره في معجم الشعراء (ص 114) وديوان الحماسة (3/ 1120). وهو في بيت الشاهد يقول: لو عد أصحاب القبور كنت أكرمهم أبا وأشرفهم بيوتا وأبعدهم عن منزل العيب والذم.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 64)، وفي التذييل والتكميل (1/ 250)، وليس في معجم الشواهد.
الحديث: 103 - الجزء: 1 - الصفحة: 322
................................ القبيل الذي ذكره. وأما وبين يديها البر منثور: فاليدان فيه كناية عن الأمام؛ إذ لا أيدي للأوز، فليس ذلك مما ذكره في شيء. ومن المحمول على المثنى أيضا: ما هو غير صالح للتجريد وعطف مثله عليه: نحو الكلبتين لآلة الحداد، ونحو البحرين والدونكين علمين لموضعين؛ فإن هذه الكلمات غير صالحة للتجريد. ونحو القمرين والعمرين والأبوين فإنها وإن صلح كل منها للتجريد لا يصلح لعطف مثله عليه بل لعطف مباينه عليه. قال المصنف 71: «فإن قيل في نحوها مثنّى فبمقتضى اللّغة لا الاصطلاح، كما يقال لاسم الجمع جمع». قال المصنف: «ومن المعرب إعراب المثنى وليس مثنى في الاصطلاح لعدم الصلاحية للتجريد: اثنان واثنتان والمذروان وقول بعض العرب: جنبك الله الأمرّين: أي الفقر والعري، وكفاك شر الأجوفين: أي البطن والفرج، وأذاقك البردين: أي الغنى والعافية» انتهى 72. ودعواه أن المذروين والأمرّين، والأجوفين، والبردين غير صالح للتجريد ممنوعة، ولا يلزم من عدم الاستعمال عدم الصلاحية [1/ 86] والظاهر أن هذه الكلمات مثناة لا محمولة على المثنى. وقال المصنف أيضا: ومن المعرب إعراب المثنى ما يصلح للتجريد ولا يختلف معناه: كحول وحوال. فتجريدهما كقوله تعالى: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ 73 وكقول الراجز: 104 - وأنا أمشي الدّألى حوالكا 74
الحديث: 104 - الجزء: 1 - الصفحة: 323
................................ وتلبسهما بعلم التثنية، كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ حوالينا ولا علينا» 75. وكقول الراجز: 105 - يا إبلي ما ذامه فتأبيه... ماء رواء ونصيّ حوليه 76 قال: وندر هذا الاستعمال في متمحض الإفراد كقول الشاعر: 106 - على جرداء يقطع أبهراها... حزام السّرج في خيل سراع 77 وكقول الآخر: 107 - تربّع وعس الأخرمين وأربلت... له بعد ما ضاقت جواء المكامن 78
الحديث: 105 - الجزء: 1 - الصفحة: 324
................................
والأبهر عرق والأخرم موضع فثنيا مجازا قال: وأنشد ابن سيده 79:
108 - فجعلن مدفع عاقلين أيامنا... وجعلن أمعز رامتين شمالا 80
وقال: أراد عاقلا وهو جبل، انتهى 81.
وملخص ما ذكره المصنف أن المحمول على المثنى في الإعراب بالنسبة إلى المدلول:
ثلاثة أقسام: ما مدلوله واحد وما مدلوله اثنان وما مدلوله أكثر من اثنين.
فما مدلوله واحد: اسم جنس: كالمقصّين والجلمين والكلبتين وهذه لا تجرد، والأبهرين وحواليكا ويجوز تجريدهما دون عطف.
وعلم: وهو قسمان: قسم مسمى بلفظ المثنى كالبحرين.
وقسم عرضت له التثنية لفظا بعد التسمية به مفردا؛ كالأخرمين وعاقلين؛ فالبحران كالمقصين في أنه لا يجرد، والأخرمان وعاقلان كالأبهرين في أنهما يجردان دون عطف لعدم مثل يعطف.
وما مدلوله اثنان: كالقمرين والعمرين ويجردان دون عطف وكاثنين واثنتين ولا يصلحان للتجريد.
وما مدلوله أكثر من اثنين: نحو: كَرَّتَيْنِ 82 وحنانيه وفَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ 83. وهذا القسم صالح للتجريد والعطف.
ومن المحمول على المثنى في الإعراب أيضا: كلا وكلتا:
قال المصنف: «هما مفردا اللفظ مثنيا المعنى واعتبار اللفظ في خبرهما وضميرهما أكثر من اعتبار المعنى قال تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها 84 ولو اعتبر المعنى لقال آتتا، وقد جمع الشاعر الاعتبارين في قوله: -
الحديث: 108 - الجزء: 1 - الصفحة: 325
................................
109 - كلاهما حين جدّ الجري بينهما... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي 85
وكونهما مفردي اللفظ مثنيي المعنى أعربا إعراب المفرد في موضع وإعراب المثنى في موضع إلا أن آخرهما معتل؛ فلم يلق بهما من إعراب المفرد إلا المقدر فجعل ذلك لهما مضافين إلى ظاهر؛ ليتخلص من اجتماع إعرابي تثنية في شيئين 86 كشيء واحد وجعل الآخر لهما مضافين إلى المضمر؛ لأن المحذور 87 إذ ذاك مأمون.
وقد أجرته كنانة مجرى المثنى مع الظاهر أيضا: فيقولون: جاء كلا أخويك، ورأيت كلي أخويك، ومررت بكلي أخويك.
وبهذه اللغة التي رواها الفراء معزوة إلى كنانة 88 يتبين صحة قول من جعل كلا من المعرب [1/ 87] بحرف لا بحركة مقدرة.
فإن القائل: إن كلا معرب بحركة مقدرة يزعم أن انقلاب ألفه ياء مع المضمر هو كانقلاب ألف لدى وإلى وعلى، ولو كان الأمر كما قال لامتنع انقلاب ألفها مع الظاهر في لغة كنانة كما يمتنع عندهم وعند غيرهم انقلاب ألف لدى وإلى وعلى مع الظاهر، على أن مناسبة كلا للمثنى أقوى من مناسبته للدى وعلى وإلى.
ومراعاة أقوى المناسبتين أولى من مراعاة أضعفهما.
وأيضا فإن تغير ألف كلا حادث عن تغير عامل وتغير ألف لدى وإلى -
الحديث: 109 - الجزء: 1 - الصفحة: 326
................................ وعلى حادث بغير تغير عامل فتباينا، وامتنع أن يلحق أحدهما بالآخر» انتهى 89. ونقل الشيخ: أن الفراء زعم أنهما قد يضافان إلى مضمر ويكونان بالألف على كل حال. وأن كلا في قول العرب: كلاهما وتمرا في موضع نصب 90. قال: فعلى هذا يكون في كلا وكلتا ثلاث لغات: إلحاقهما بالمقصور مطلقا، إلحاقهما بالمثنى مطلقا. التفرقة بين أن يضافا إلى ظاهر فيكونان بالألف أو إلى مضمر فتنقلب ألفه ياء في حالتي النصب والخفض. انتهى 91. ثم ما ذكره المصنف من أنهما مفردا اللفظ مثنيا المعنى هو مذهب البصريين. وذهب الكوفيون إلى أنهما مثنيان لفظا كما أنهما مثنيان معنى، واعتذر عن سلامة الألف في: رأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك 92 بأن الكلمة شبهت بالواحد 93. وقال البغداديون: إنّ كلتا قد نطق لها بمفرد 94 وهو قول الشاعر: 110 - في كلت رجليها سلامى واحده... كلتاهما قد قرنت بزائده 95
الحديث: 110 - الجزء: 1 - الصفحة: 327
................................
وردّ بأن هذا من الحذف بالضرورة، كقول الآخر:
111 - درس المنا بمتالع فأبان... [فتقادمت بالحبس فالسّوبان] 96
أراد المنازل.
واعلم أن الأكثرين على أن كلا وكلتا لم يعربا بالحروف أصلا، وأنهما حال إضافتهما إلى المضمر معربان بحركات مقدرة كحالهما إذا أضيفا إلى مظهر، وأن ألفهما إنما انقلبت ياء مع المضمر تشبيها لها بألف لدى وعلى وإلى ولهذا قال سيبويه 97:
«وسألت الخليل عمن قال: رأيت كلا أخويك ومررت بكلا أخويك ثم قال: مررت بكليهما ورأيت كليهما، فقال: جعلوها بمنزلة عليك في الجرّ والنّصب».
ثم اعتذر الخليل عن كونهم لم يقلبوا الألف في الرفع فيقولوا قام كليهما بأن قال:
«إنما تستعمل لدى وعلى مجرورين أو منصوبين يعني تقول: من لديه ومن عليه وقعدت لديه ونزلت عليه ولا تقول يعجبني لديه ولا عليه».
فلم يشبه كلاهما حال الرفع بل أجريت على أصلها من سلامة الألف.
وقد علمت أن المصنف لم يرتض ذلك، وأنه قد رده بما جاءت به لغة كنانة من القلب مع الظاهر، وبما ذكره من
العلة المقتضية لمنع الإلحاق ومن مناسبة كلا وكلتا للمثنى دون لدى وعلى.
وقد نقل الشيخ عن صاحب الإفصاح أنه قال 98: «فأمّا كون كلا يقلب آخره مع الظّاهر 99، فلا أعرف للبصريين اعتذارا عنه».
-
الحديث: 111 - الجزء: 1 - الصفحة: 328
................................
ثم إن الشيخ جعل اختيار المصنف غير مذهب البصريين وغير مذهب الكوفيين؛ لأنه وإن وافق البصريين في كونهما مفردي اللفظ مثنيي المعنى، فقد خالفهم في جعلهما معربين بالحروف حال الإضافة إلى المضمر.
وإن وافق الكوفيين في كونهما معربين بالحروف فقد خالفهم في الحكم عليهما بالإفراد لفظا 100 [1/ 88].
واعلم أن لام كلا واو قلبت تاء في كلتا عند سيبويه، فألفها عنده للتأنيث، والتاء بدل من لام الكلمة، والأصل كلوى 101. وعللوا إبدالها تاء بأن في التاء علم التأنيث، والألف في كلتا قد تصير ياء مع المضمر، فتخرج من علم التأنيث فصار في إبدال الواو تاء تأكيد للتأنيث.
وقال الجرمي: «التّاء ملحقة والألف لام الكلمة ووزنها عنده فعتل» 102.
وردّ قوله بأنهم يقولون في النسبة إليه: كلوي فيسقطون التاء فدل ذلك على أنها كتاء أخت حيث قالوا فيها: أخوي.
ولو كان الأمر كما قال الجرمي لقالوا فيها كلتوي.
قال الشيخ: «الذي يقطع ببطلان مذهب المصنف في دعواه أن كلا وكلتا معربان بالحروف مع أنهما مفردان في
اللفظ، أنه كان يلزم على قوله قلب ألفهما -
الجزء: 1 - الصفحة: 329
[حكم العطف دون التثنية]
قال ابن مالك: (ولا يغني العطف عن التّثنية دون شذوذ أو اضطرار إلّا مع قصد التّكثير أو فصل ظاهر أو مقدّر). حالة التثنية فتنقلب ألف كلا إلى الواو كما تنقلب ألف عصا، وتنقلب ألف كلتا إلى الياء 103 كما تنقلب ألف ذكرى فكنت تقول: قام الزيدان كلواهما ورأيتهما كلويهما ومررت بهما كلويهما، وقامت الهندان كلتياهما ورأيت الهندين كلتييهما ومررت بهما كلتييهما» انتهى 104. والجواب: أنه إنما كان يلزم ذلك أن لو ادعى أن كلا وكلتا قد ثنيا؛ وهو لا يدعي ذلك، وإنما حكم عليهما بأنهما مثنيان معنى مع أنهما مفردان لفظا. ثم إن المصنف قد قام عنده الدليل بلغة كنانة وبغيرها أن الأعراب بالحروف؛ فوجب له القول به؛ وهذا الإلزام المذكور إن تم إنما كان يلزم العرب لا المصنف. والعجب أن الشيخ ألزم ذلك في لغة كنانة ولا أدري كيف يلزم أصحاب اللسان. قال ناظر الجيش: استعمال التثنية بدلا من العطف تخفيف يشبه الإعلال الملتزم؛ فكما لا يراجع التصحيح في مثل أعان واستعان إلا في شذوذ واضطرار 105، كذا لا يراجع العطف بعد التثنية إلا في شذوذ واضطرار كقول الراجز: 112 - كأنّ بين فكّها والفكّ... فأرة مسك ذبحت في سكّ 106
الحديث: 112 - الجزء: 1 - الصفحة: 330
................................
أراد بين فكيها، فجاء بالأصل المتروك إما شذوذا بحيث لو كان في غير شعر لم يمتنع، وإما لضرورة إقامة الوزن.
ومثله قول الآخر:
113 - كأنّ بين خلفها والخلف... كشّة أفعى في يبيس قفّ 107
وقول الآخر:
114 - ليث وليث في محلّ ضنك... [كلاهما ذو أنف ومحك] 108
وقول الآخر:
115 - [بين ابن مروان قريع الإنس... وبنت عباس قريع عبس]
أنجب عرس ولدا وعرس 109
-
- اللغة: فأرة المسك: رائحته أو وعاؤه.
ذبحت: شقت: السّك: بالضم نوع من الطيب.
واستشهد به على أن أصل المثنى العطف بالواو ولذلك يرجع إليه للضرورة والأصل: بين فكيها.
وانظر الشاهد في شرح التسهيل (1/ 68) والتذييل والتكميل (1/ 261) ومعجم الشواهد (ص 511).
- اللغة: فأرة المسك: رائحته أو وعاؤه.
الحديث: 113 - الجزء: 1 - الصفحة: 331
................................
ولا يستعمل العطف في موضع الجمع؛ لأنه أشق من استعماله في التثنية ولأن الجمع ليس محدودا فتذكر آحاده معطوفا بعضها على بعض كما فعل بالمثنى [1/ 89] فلو كان الجمع مدلولا عليه ببعض ألفاظ العدد جاز استعمال العطف في موضعه.
كقول الشاعر:
116 - ولقد شربت ثمانيا وثمانيا... وثمان عشرة واثنتين وأربعا 110
وكقول الآخر:
117 - وردن اثنتين واثنتين وأربعا... يبادرن تغليسا ثمال المداهن 111
ومثال قصد التكثير ما تقدم من قول الشاعر: لو عدّ قبر وقبر... البيت، وما ذكر معه من الأبيات.
- - وليست في ديوانه.
وهي في المديح ومعناها: إن هذا الخليفة أبوه عبد الملك بن مروان، وأمه ولادة ابنة عباس العبسية.
وعرس الرجل امرأته وهو أيضا عرسها لأنهما اشتركا في الاسم لمواصلة كل واحد منهما صاحبه وإلفه إياه.
ومعنى أنجب عرس وعرس أي أنجب رجل وامرأة حيث ولدا هذا الرجل الممدوح.
وبيت الشاهد رواه صاحب اللسان (مادة عرس) وذكر أن تثنية الفعل تدل على أن ما عطف بالواو بمنزلة ما جاء في لفظ واحد؛ لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف.
وضبط بعضهم: ولدا بالتنوين (التذييل والتكميل: 1/ 262) وهو خطأ لأن الكلمة فعل مسند إلى ألف الاثنين.
وبيت الشاهد في التذييل والتكميل: (1/ 262)، وفي معجم الشواهد (ص 487).
الحديث: 116 - الجزء: 1 - الصفحة: 332
[تعريف جمع المذكر السالم]
قال ابن مالك: (والجمع جعل الاسم القابل دليل ما فوق اثنين كما سبق بتغيير ظاهر أو مقدّر وهو التّكسير أو بزيادة في الآخر مقدّر انفصالها لغير تعويض وهو التّصحيح).
ومثال الفصل الظاهر: قولك: مررت بزيد الكريم وزيد البخيل ولو ثنيت وأخرت الصفتين مفترقتين لجاز.
ومثال الفصل المقدر قول الحجاج 112 وقد نعي له في يوم واحد محمد أخوه ومحمد ولده: سبحان الله محمّد ومحمّد في يوم 113 وإياهما قصد الفرزدق بقوله:
118 - إن الرّزيّة لا رزيّة مثلها... فقدان مثل محمّد ومحمّد 114
قال ناظر الجيش: قد تقدم بيان مراد المصنف بالجعل وأن المعني به: «تجديد -
الحديث: 118 - الجزء: 1 - الصفحة: 333
................................
الناطق حالة للاسم لم يوضع عليها ابتداء».
قال: «وبهذا تخرج أسماء الجموع ونحوها» وقد تقدم أن ذلك ليس بجيد، فالأولى أن يراد بالجعل ما تقدم 115.
وأما أسماء الجموع فتخرج بقوله بعد: بتغيير وبزيادة.
ونبه بالقابل على أن من الأسماء ما لا يجمع كما أن منها ما لا يثنى.
ولا شك أن ما لا يقبل التثنية لا يقبل الجمع وقد تقدم ذكره 116.
نعم أجمع وجمعاء يجمعان، وإن كانا على مذهب البصريين لا يثنيان.
وقوله: دليل ما فوق اثنين تحرز من التثنية وفي ذلك إشارة إلى أن أقل الجمع ثلاثة.
فإن استعمل لفظ الجمع في أقل منها فليس جمعا بل هو مثنى أو مفرد استعير له لفظ الجمع نحو: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما 117، وَنَحْنُ الْوارِثُونَ 118.
وقوله: كما سبق إشارة إلى أن حكم اتفاق الأسماء الدالة على ما فوق اثنين في اللفظ والمعنى على نحو ما ذكر في التثنية، وقد تقدم في ذلك بما فيه غنية 119.
ونظير قولهم القمران في التثنية 120: الخبيبون في خبيب وأصحابه وخبيب لقب -
الجزء: 1 - الصفحة: 334
................................
عبد الله بن الزبير 121 رضي الله عنهما.
قال الراجز:
119 - قدني من نصر الخبيبين قدي... [ليس الإمام بالشّحيح الملحد] 122
يروى بكسر الباء على ما ذكر وبفتحها على أن المراد خبيب وأخوه مصعب رحمهما الله تعالى 123. -
الحديث: 119 - الجزء: 1 - الصفحة: 335
................................
وكذا قولهم: الأشاعثة في الأشعث وقومه 124، والمهالبة في المهلّب وبنيه 125.
والباء في قوله: بتغيير متعلقة بدليل ما فوق اثنين ليفيد الكلام أن الدلالة المذكورة إذا كان الجمع مكسرا إنما يكون بالتغيير بخلاف ما إذا كان الجمع مصححا؛ فإن الدال على جمعيته إنما هي الزيادة التي في آخره كما سنذكره.
فعلى هذا لا يدخل نحو مصطفين ومصطفيات في حد المكسر وإن حصل فيهما تغيير وهو الحذف والقلب 126؛ لأن تغيرهما ليس هو المشعر بالجمعية بل المشعر بها الزيادة اللاحقة؛ إذ لو قدر انفرادها ولا حذف ولا قلب لم
تجهل الجمعية.
ولو قدر العكس لجهلت الجمعية؛ بخلاف تغيير رجل حين قيل فيه رجال؛ فإن الجمعية لا تدرك إلا به وهذا هو التغيير الظاهر.
والتغيير المقدر كفلك فإنه يقع على الواحد والجمع؛ فإذا كان واحدا فهو كقفل وإذا كان جمعا فهو كبدن [1/ 90] فيقدر زوال الضمة الكائنة في الواحد وتبدلها -
الجزء: 1 - الصفحة: 336
................................
بضمة مشعرة بالجمع هذا هو مذهب سيبويه 127.
ومثل فلك دلاص وهجان؛ فإن كلّا منهما واحد وجمع فالتغيير فيهما حال الجمعية مقدر.
وقوله: أو بزيادة معطوف على بتغيير فهو متعلق بدليل ما فوق اثنين.
وقيد الزيادة في جمعي التصحيح بقيدين:
أحدهما: أن تكون مقدرة الانفصال واحترز بذلك من زيادة نحو صنوان 128 فإنها كزيادة زيدين في زيادة النظم
معها إلا أن زيادة زيدين مقدر انفصالها لوجهين:
أحدهما: أن نونه تسقط للإضافة.
والثاني: أنه لو سمي به ونسب إليه لحذفت المدة والنون؛ وزيادة صنوان ونحوه بخلاف ذلك القيد.
الثاني 129: أن تكون لغير تعويض واحترز بذلك من سنين ونحوه.
قال المصنف: فإنه جمع تكسير جرى في الإعراب مجرى الصحيح، ومعنى التعويض فيه أنّ واحده منقوص يستحق أن يجبر بتكسير كما جبر يد ودم حين قيل فيهما: أيد ودماء، فزيدت آخره زيادتا جمع التصحيح عوضا من الجبر الفائت بعدم التكسير؛ لأنهما يجعلانه شبيها بفعول لو كسرا عليه.
ولكون هذا النوع تكسيرا في -
الجزء: 1 - الصفحة: 337
................................
الحكم غير فاؤه غالبا فقيل في سنة سنون بكسر السين وقد روي ضمها.
انتهى 130.
وقد عرف أن جمع التكسير هو جعل الاسم القابل 131 دليل ما فوق اثنين بتغيير ظاهر أو مقدر.
وأن جمع التصحيح هو جعل الاسم القابل دليل ما فوق اثنين بزيادة في آخره مقدرة الانفصال لغير تعويض.
ثم جعل التصحيح نوعين لمذكر ولمؤنث كما سيذكره.
وهاهنا أبحاث:
الأول:
أورد الشيخ على قول المصنف: جعل الاسم... الجمع الذي لم ينطق له بواحد كعباديد 132، قال: لأنه ليس فيه جعل؛ إذ الجعل يستدعي وجود المجعول.
وجوابه: أنه لا يلزم من عدم التلفظ بشيء عدم تقديره؛ فالاسم الذي هذا جمعه مقدر وكم من مقدر في أبواب النحو يحكم له بحكم الملفوظ.
الثاني:
قال المصنف: التغيير الظاهر إما بزيادة كصنو وصنوان 133 أو بحذف كتخمة وتخم أو بتبدل شكل كأسد وأسد؛ أو بزيادة وتبدل شكل كرجل ورجال أو بنقص وتبدل شكل كقضيب وقضب؛ أو بزيادة ونقص وتبدل شكل كغلام وغلمان 134.
ونقل الشيخ أن أصل هذا التقسيم للجرمي فإنه قال 135:
«التغيير ثلاثة أقسام: قسم فيه زيادة كعبد وعباد، وقسم فيه نقص كرغيف -
الجزء: 1 - الصفحة: 338
................................
ورغف، وقسم لا زيادة فيه ولا نقص بل تغير حركات كأسد وأسد».
واعترض ذلك الأستاذ أبو علي بأنه يقتضي أن تغيير الحركات ليس في الأولين وليس كذلك؛ لأن الحركات التي في الجمع غير الحركات التي في المفرد ففي التقسيم تداخل.
قال أبو علي: «وإصلاحه أن يقول في الثالث: وقسم لا زيادة فيه ولا نقص»، ثم يقول: وجميع هذه الأقسام لا بدّ فيه من تغيير الحركات 136.
الثالث:
قال المصنف: «الذي دعا سيبويه إلى القول بجمعية نحو فلك [1/ 91] وأنه مغير تقديرا، أنهم قالوا في تثنيته فلكان فعلم أنهم لم يقصدوا به ما قصدوا بجنب ونحوه مما أشرك فيه بين الواحد وغيره حين قالوا: هذا جنب وهذان جنب؛ وهؤلاء جنب؛ فالفارق عنده بين ما يقدر تغييره وبين ما لا يقدر تغييره مما لفظه في الإفراد والجمع واحد: التثنية وعدمها» 137.
الرابع:
قال الشيخ: «لا يحتاج المصنف إلى الاحتراز بقوله: مقدّر انفصالها عن زيادة صنوان؛ لأن الحركات التي في جمع التكسير غير الحركات التي في المفرد فليس صنوان أصله صنو زيد عليه ألف ونون» انتهى 138. -
الجزء: 1 - الصفحة: 339
................................
يعني أن دلالة صنوان على الجمعية ليست بالزيادة فقط حتى يحترز منها؛ إنما هي بالزيادة وبتغيير الحركات.
وهذا صحيح إلا أن الدال على الجمعية في الصورة إنما هو الزيادة؛ فلذلك احترز عنها.
وقد يمنع المصنف أن الحركات في جمع التكسير غير الحركات في الواحد، ولا يلزمه نحو فلك لأنه يقول: إنما قدر تغيير الحركات فيه لضرورة تميز الجمع عن الواحد.
الخامس:
ناقش الشيخ المصنف في الكلام على سنين في شيئين:
أحدهما: قوله: إنه جمع تكسير جرى في الإعراب مجرى التصحيح، قال:
«لأنه من حيث هو جمع تكسير ينبغي أن يكون معربا بالحركات» 139.
الثاني: أن في كلامه تناقضا وذلك أنه بعد أن جعله جمع تكسير نفى ذلك عنه بقوله:
بعد أن فعل به ذلك 140 عوضا من الجبر الفائت بعدم التكسير.
انتهى 141.
أما المناقشة الأولى فغير لازمة؛ إذ لا منافاة بين كونه جمع تكسير وكونه حمل في الإعراب على جمع التصحيح.
وأما الثانية فظاهرة إلا أن يقال إنما أراد بنفي التكسير عنه نفي مجيئه على الصيغ المعروفة للتكسير لا نفي كونه مكسرا في نفسه.
فحاصله: أنه مكسر لكنه لم يجئ على صيغة من صيغ التكسير المخصوصة ويدل على أن مراده هذا قوله 142: ولكون هذا النوع مكسرا في الحكم غير فاؤه...
ولا شك أن كلام المصنف هنا غير ناصع.
وذكر ابن الباذش 143 أن مذهب سيبويه في سنين أنّه جمع سلامة بالواو والنّون -
الجزء: 1 - الصفحة: 340
[إعراب جمع المذكر السالم]
قال ابن مالك: (وإن كان لمذكّر فالمزيد في الرّفع واو بعد ضمّة وفي الجرّ والنّصب ياء بعد كسرة تليهما نون مفتوحة تكسر للضّرورة، وتسقط للإضافة أو للضّرورة أو لتقصير صلة؛ وربّما سقطت اختيارا قبل لام ساكنة غالبا).
قال: وهذا شيء قد كثر في الأسماء المحذوفة اللام المؤنثة بالهاء؛ لأن هذا الجمع له مزية وبابه ما يعقل فجعل في هذا الباب عوضا من اللام المحذوفة 144.
وأما ابن عصفور فعنده أن سنين ونحوه اسم جمع قال 145: وليس بجمع سلامة لتغير لفظ سنة ولا جمع تكسير لكونه غير مطرد في نظائره نحو هنة وشفة.
فالمذاهب إذا في نحو سنين ثلاثة 146. والظاهر منها ما ذكره ابن الباذش؛ فهو جمع سلامة لما لم يستوف الشروط جمع على غير قياس، وأما التغيير الذي حصل له فمثله محتمل في جمع السلامة بدليل تغيير جفنات وسدرات ونحوهما.
قال ناظر الجيش: تقدم أن جمع التصحيح نوعان، [1/ 92] فها هو يذكر زيادة كل نوع ما هي: - - والإعراب إمام نحو متقدم أخذ عن أبيه وأكثر الرواية عنه، وشاركه في كثير من شيوخه.
قال السيوطي: ألف الإقناع في القراءات لم يؤلف مثاله.
لم يتجاوز الخمسين عاما حيث ولد سنة (491) ومات سنة (540 هـ). انظر: ترجمته في بغية الوعاة (1/ 338)، الأعلام (1/ 167).
الجزء: 1 - الصفحة: 341
................................
أما كون الزيادة في جمع المذكر واوا بعد ضمة حال الرفع وياء بعد كسرة حال الجر والنصب فواضح.
ولا يخرج عن ذلك جمع المقصور نحو: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ 147، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ 148؛ لأن قبل الواو
والياء ضمة وكسرة مقدرتين في الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين كتقدير الضمة والكسرة الإعرابيتين في نحو: أسنى الحلى العلم.
وأما حركة النون بالفتح فقال المصنف: «كان السكون أحق بها لأنها بمنزلة التنوين في كونها مسبوقة بالإعراب فحركت لالتقاء السّاكنين، وكان الفتح أولى لأنه أخفّ من الضمّ والكسر، ولأن توالي الأمثال للكسر بعد الياء وللضم بعد الواو لازم، وأمن ذلك في الفتح فتعيّن» انتهى 149.
ولو قيل: إنما حركت بالفتح للفرق بينها وبين نون التثنية لكان أولى.
ومثال كسرها للضرورة قول الشاعر:
120 - عرين من عرينة ليس منّا... برئت إلى عرينة من عرين
عرفنا جعفرا وبني عبيد... وأنكرنا زعانف آخرين 150
وسقوطها إما للإضافة وهو كثير؛ ومنه قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ 151. -
الحديث: 120 - الجزء: 1 - الصفحة: 342
................................ وإما للضرورة كقول الشاعر: 121 - لو كنتمو منجدي حين استعنتكمو... لم تعدموا ساعدا منّي ولا عضدا 152 وقول الآخر: 122 - ولسنا إذا تأتون سلما بمذعني... لكم غير أنّا إن نسالم نسالم 153 وإما لتقصير الصلة كقراءة من قرأ: (والمقيمي الصّلاة) 154 بالنصب. وقال الشاعر: 123 - الحافظو عورة العشيرة لا... يأتيهم من ورائهم وكف 155 وقال الآخر: 124 - قتلنا ناجيا بقتيل عمرو... وخير الطّالبي التّرة الغشوم 156
الحديث: 121 - الجزء: 1 - الصفحة: 343
................................
أنشده ابن جني بنصب الترة 157.
وأما سقوطها في الاختيار قبل لام ساكنة فكرواية أبي زيد: (واعلموا أنّكم غير معجزي الله) 158 بنصب الجلالة المعظمة، وما حكاه ابن جني من قراءة من قرأ:
(إنّكم لذائقوا العذاب الأليم) 159 بالنصب.
وأنشد ابن جني 160:
125 - ومساميح بما ضنّ به... حابسو الأنفس عن سوء الطّمع 161
-
- خمسة لصدر آخر في الأمالي لأبي علي: (1/ 316) ثم نسبت الأبيات كلها لعبد الرحمن بن زيد، وقد أوردها أبو علي في معرض حديثه عن الأخذ بالثأر.
وهي أبيات جاهلية تدعو إلى الجرأة والشر وطلب الثأر، والترة في البيت معناها الثأر.
ويستشهد به على ما في الأبيات قبله من حذف النون دون إضافة ثم نصب الترة على المفعولية.
انظر مراجع البيت في معجم الشواهد (ص 352) وهو أيضا في شرح التسهيل (1/ 72)، والتذييل والتكميل (1/ 283).
- خمسة لصدر آخر في الأمالي لأبي علي: (1/ 316) ثم نسبت الأبيات كلها لعبد الرحمن بن زيد، وقد أوردها أبو علي في معرض حديثه عن الأخذ بالثأر.
الحديث: 125 - الجزء: 1 - الصفحة: 344
................................
بفتح سين الأنفس.
واحترز بقوله: غالبا من سقوطها في الاختيار دون لام ساكنة، كقراءة الأعمش 162:
(وما هم بضارّي به من أحد) 163، قال المصنف: وهذا في غاية من الشذوذ بخلاف الذي قبله فلا يليق بالاختيار وإنما يليق بالاضطرار نحو: بمذعني لكم.
انتهى 164.
وزعم الزمخشري 165: أنّ حذف النون في قراءة الأعمش للإضافة وأنّ (بضارّي) مضاف إلى قوله: (من أحد) بجعل من جزءا من أحد ثم فصل بين المتضايفين بقوله: (به).
كما قال الشاعر:
126 - هما أخوا في الحرب من لا أخا له... [إذا خاف يوما نبوة فدعاهما] 166
-
- وانظر ترجمته وأخباره في الشعر والشعراء (1/ 428)، الخزانة (6/ 125). المفضليات (2/ 732).
الحديث: 126 - الجزء: 1 - الصفحة: 345
[الآراء في إعراب المثنى وجمع المذكر والأسماء الستة]
قال ابن مالك: (وليس الإعراب انقلاب الألف والواو ياء ولا مقدّرا في الثّلاثة ولا مدلولا بها عليه، ومقدّرا في متلوّها ولا النّون عوض من حركة الواحد ولا من تنوينه ولا منهما ولا من تنوينين فصاعدا خلافا لزاعمي ذلك، بل الأحرف الثّلاثة إعراب والنّون لرفع توهّم الإضافة أو الإفراد).
[1/ 93] وقد رد الشيخ ذلك بما يوقف عليه في كلامه 167.
قال ناظر الجيش: ذكر المصنف في إعراب المثنى والمجموع أربعة مذاهب، أبطل ثلاثة منها واختار الرابع، وذكر في النون أربعة مذاهب لكنه أبطلها واختار أمرا خامسا، فقال 168: زعم قوم أن رفع المثنى والمجموع على حده
بلا علامة وأن ترك العلامة له علامة؛ فإذا حدث عامل جر أو نصب أوجب الانقلاب ياء كان إعرابا لحدوثه عن عامل، وهذا ظاهر قول الجرمي واختيار ابن عصفور 169 وهو مردود بوجوه:
أحدها: أن ترك العلامة لو صح جعله علامة الإعراب لكان النصب به أولى؛ لأن الجر له الياء وهي به لائقة لمجانسة الكسرة، والرفع له الواو وهي به لائقة لمجانسة الضمة وهي أصل ألف المثنى فأبدلت ألفا كما قيل في يوجل ياجل وفي يوتعد ياتعد فلم يبق للنصب إلا مشاركة الجر أو الرفع 170. -
الجزء: 1 - الصفحة: 346
................................
الثاني من وجوه الرد: أن ذلك يستلزم مخالفة النظائر؛ إذ ليس في المعربات غير المثنى والمجموع على حده ما ترك العلامة له علامة وما أفضى إلى مخالفة النظائر دون ضرورة فمتروك 171.
الثالث: أن الرفع أقوى وجوه الإعراب؛ فالاعتناء به أولى وتخصيصه بجعل علامته عدمية مناف لذلك فوجب اطّراحه 172.
الرابع: أن تقدير الإعراب إذا أمكن راجح على عدمه بإجماع، وقد أمكن فيما نحن بسبيله فلا عدول عنه، وذلك أننا نقدر مغايرة الألف والواو في نحو: عندي اثنان وعشرون للألف والواو فيهما قبل التركيب، كما نقدر مغايرة الألف والواو والياء في نحو: نعم الزيدان أنتما يا زيدان ونعم الزّيدون أنتم يا زيدون، ومررت برجلين لا رجلين
مثلهما.
وكما نقدر ضمة حيث مرفوعا بعد تسمية امرأة به غير ضمته قبل التسمية به، وضمة يضربون غير ضمة يضرب.
وفتحة يا هندبنة عاصم غير فتحة ناد هندبنة عاصم وكسرة قمت أمس غير كسرة قمت بالأمس، وكما نقدر ضمة فلك في الجمع غير ضمته في الإفراد وياء بخاتي مسمى به غير يائه منسوبا إليه ولذلك صرف في النسب وأمثال ذلك كثيرة 173.
أما كون الإعراب مقدرا في الثلاثة 174 فمردود أيضا؛ إذ لازمه ظهور الفتحة في نحو: رأيت بنيك لأن ياءه كياء جواريك مع ما في جواريك من زيادة الثقل 175، -
الجزء: 1 - الصفحة: 347
................................
ولما انتفى اللازم وهو ظهور الفتحة علم انتفاء الملزوم وهو تقدير الضمة والكسرة.
وأما القول الثالث وهو أن الإعراب مقدر في الحرف الذي كان حرف الإعراب قبل طروء التثنية والجمع وأن حروف اللين المتجددة دلائل عليه، فهو قول الأخفش والمبرد 176 وهو مردود أيضا من ثلاثة أوجه [1/ 94]:
أحدها: أن الحروف المتجددة مكملة للاسم؛ إذ هي مزيدة في آخره لمعنى لا يفهم بدونها كألف التأنيث وتائه وياء النسب.
فكما لم يكن ما قبل هذه محلّا للإعراب كذلك لا يكون ما قبل الأحرف الثلاثة محلّا له إذا الإعراب لا يكون إلا آخرا.
الثاني: أن الإعراب لو كان مقدرا فيما قبلها لم تحتج إلى تغييرها كما لم تحتج إلى تغيير بعد الإعراب المقدر قبل ياء المتكلم وفي ألف المقصور.
الثالث: أن الإعراب إنما جيء به للدلالة على ما يحدث بالعامل والحروف المذكورة محصلة لذلك فلا عدول عنها.
وإذا بطلت الثلاثة تعين الحكم بصحة الرابع: وهو أن الأحرف الثلاثة هي الإعراب، انتهى كلام المصنف 177.
واعلم أن هذا المذهب الذي اختاره هو مذهب الكوفيين وقطرب.
وقد رد المذهب المذكور بأن الإعراب زائد على الكلمة ولو قدر إسقاطه لم يخل بمعناها، ولو -
الجزء: 1 - الصفحة: 348
................................
قدر زوال هذه الأحرف لاختل معنى التثنية والجمع؛ لأن هذه الأحرف دالة عليهما كما لو قدر زوال تاء التأنيث وألفه وياء النسب لاختل معنى الكلمة الذي هو المقصود بدلالة هذه الأحرف عليه.
ومذهب سيبويه والخليل رحمهما الله تعالى: أنّ الإعراب مقدّر في الأحرف الثّلاثة 178.
وهو القياس ولا يرد عليه سوى ما تقدم من لزوم ظهور الفتحة في نحو: رأيت بنيك.
وقد أجيب عنه بأنهم لما حملوا حالة النصب على حالة الجر في التثنية والجمع في الياء جعلوا الحكم في الياء حكما
واحدا.
فلما قدروا الكسرة في الياء حالة الجر كذلك قدروا الفتحة حالة النصب.
وأما ما ألزمه ابن عصفور من أنه يجب أن تكون تثنية المنصوب والمخفوض بالألف لتحرك الياء فيهما وانفتاح ما قبلها 179 - فليس بشيء لأن الحركة هنا عارضة والمعتبر في مثل هذا أصالة الحركة؛ ولهذا لم تنقلب في نحو جيل مخفف جيأل.
وأما النون فقال المصنف: ليست عوضا من حركة الواحد؛ لأن الأحرف الثلاثة -
الجزء: 1 - الصفحة: 349
................................
نائبة عن الحركات وقائمة مقامها في بيان مقتضى العامل؛ فلا حاجة إلى التعويض.
وليست عوضا من تنوينه لثبوتها فيما لا تنوين في واحده نحو: يا زيدان ولا رجلين فيها 180.
وإذا لم تكن عوضا من أحدهما 181 فأن لا تكون عوضا منهما معا أو من تنوينين فصاعدا أحق وأولى.
وأشير بالتعويض من تنوينين فصاعدا إلى ما رآه ثعلب 182 من أن نون التثنية عوض من تنوينين، ونون الجمع عوض من تنوينات على حسب الآحاد.
وضعف هذا القول غير خاف، عفا الله عن قائله وعنا.
وإذا بطلت الأوجه المتقدمة ثبت صحة ما قلناه: وهو كون النون رافعة لتوهم إضافة أو إفراد.
فرفع توهم الإضافة بيّن، وذلك أنه لو لم يكن بعد الأحرف المذكورة نون لم يعلم إضافة من عدمها في نحو: رأيت بني كرماء وعجبت من ناصري باغين 183.
ورفع توهم الإفراد أيضا بيّن في مواضع:
منها: تثنية اسم الإشارة وبعض المقصورات نحو: هذان والخوزلان في تثنية الخوزلى 184.
ومنها: جمع المنقوص [1/ 95] في حال الجر نحو: مررت بالمهتدين وانتسبت إلى أبين كرام، فلولا النون في هذه وما أشبهها لكان لفظ الواحد كلفظ الجمع.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 350
[تعريف جمع المؤنث السالم]
قال ابن مالك: (وإن كان التّصحيح لمؤنّث أو محمول عليه فالمزيد ألف وتاء).
انتهى كلام المصنف 185.
وقال ابن عصفور 186:
«إن مذهب سيبويه أن النون زيدت في الأحرف ليظهر فيها حكم الحركة والتنوين اللذين كانا في المفرد وليست بعوض قال: وهو الصحيح، فأثبتت مع الألف واللام كالحركة ولم تحذف؛ لبعدها عن موجب الحذف وهو الألف واللام؛ وحذفت مع الإضافة كالتنوين لمجاورتها لموجب الحذف وهو الاسم المضاف إليه لحلوله محلّ التنوين».
قال ناظر الجيش: هذا الكلام قسيم لقوله: وإن كان لمذكّر 187.
وقد تقدم أن الجمع نوعان؛ فلما ذكر الزيادة الدالة على الجمع في النوع الأول ذكر الدالة عليه في النوع الثاني.
وإنما قال: أو محمول عليه ليدخل في ذلك ما جمع بألف وتاء وآحاده مذكرة؛ وسيأتي ذلك مفردا في فصل في آخر: باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيح إن شاء الله تعالى 188.
الجزء: 1 - الصفحة: 351
[شروط جمع المذكر السالم]
قال ابن مالك: (وتصحيح المذكّر مشروط بالخلوّ من تاء التّأنيث المغايرة لما في نحو عدة وثبة علمين، ومن إعراب بحرفين، ومن تركيب إسناد أو مزج، وبكونه لمن يعقل أو مشبّه به علما أو مصغّرا أو صفة تقبل تاء التّأنيث إن قصد معناه خلافا للكوفيين في الأول والآخر).
قال ناظر الجيش: لا يجمع الاسم بالواو والنون إلا بشروط.
واشتمل كلامه على أنها في الاسم غير الصفة ستة:
وهي تذكير المسمى، والخلو من تاء التأنيث، ومن إعراب بحرفين، ومن تركيب إسناد أو مزج، وكونه لعاقل، ثم السادس أحد أمور ثلاثة: إما كونه علما أو مصغرا أو صفة.
وإذا كان صفة اشترط سابع:
وهو أن تقبل الصفة تاء التأنيث.
واعلم أن المصنف اقتصر هنا على ذكر شروط ما يجمع جمع التصحيح بالواو والنون، وبعض ما ذكره مشروط فيما جمع غير هذا الجمع أيضا.
ومفهوم كلامه: اختصاص الأمور المذكورة بالجمع المذكور، وليس ذلك إلا أن يقال مجموعها هو المختص لا كل منها.
ونحن نذكر الشروط مستوفاة بالنسبة إلى ما يثنى وما يجمع مطلقا، ثم نذكر ما يختص به المصحح بالواو والنون من زيادة الشروط، ثم نرجع إلى شرح لفظ الكتاب فنقول: الاسم لا يثنى ولا يجمع إلا بشروط ستة:
الأول: أن يكون الاسم مفردا أي غير مركب ولا مشبه بالمركب؛ فلا يثنى نحو: تأبط شرّا لتركيب الإسناد، ولا نحو سيبويه ومعدي كرب لتركيب المزج، ولا نحو بزيد ولعمرو، ولا نحو: وعمرو، ولا نحو إنما، ولا كأنما إذا سميت
بشيء منها لشبهه بالمركب.
الثاني: أن يكون معربا وأما اللذان وذان فإنهما جاءا على طريقة التثنية وليسا بمثنيين.
الثالث: ألا يكون معربا بحرفين نحو: زيدين وزيدين واثنين وعشرين إذا سميت بها.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 352
................................
الرابع: أن يكون منكرا فلا تثنى المعرفة ولا تجمع.
وقد تقدم الجواب عن ذين واللذين.
الخامس: اتفاق الاسمين أو الأسماء [1/ 96] في اللفظ.
السادس: الاتفاق في المعنى.
فهذه الأمور لا بد منها في التثنية وكذا في الجمع مكسرا كان أو مصححا.
ثم المصحح إن كان بالألف والتاء فسيأتي الكلام على ما يطرد منه وما لا يطرد عند ذكر شروطه في الفصل الذي تقدمت الإشارة إليه إلى أنه سيذكر 189.
وإن كان بالواو والنون فيشترط في مفرده أمور زائدة على ذلك، وهي أربعة في الاسم غير الصفة وخمس في الصفة:
الأول: أن يكون مسماه مذكرا فلا يجمع نحو زينب وهند لامرأتين.
الثاني: أن يكون خاليا من تاء التأنيث فلا يجمع نحو طلحة وحمزة.
الثالث: أن يكون لعاقل فلا يجمع نحو لاحق اسم لفرس، ولا نحو سابق صفة له.
الرابع: أحد أمور ثلاثة: إما كونه علما كزيد أو مصغرا كرجيل أو صفة كمسلم؛ فلا يجمع نحو رجل لعروه عن العلمية والتصغير والوصف.
لكنه إذا كان صفة اشترط أمر خامس: وهو: ألا يمتنع جمع مؤنثه بالألف والتاء، فلا يجمع بالواو والنون نحو أحمر وصبور وسكران، بخلاف نحو الأفضل فإنه يقال فيه الأفضلون.
وذكر ابن الضائع: أن نحو أحمر وصبور وسكران إذا صغّر يجوز جمعه بالواو والنّون قياسا فيقال: رجال أحيمرون وصبيّرون وسكيرانون، وإن كانت هذه الأسماء لا يجوز جمعها مكبّرة.
وذكر أن مؤنثاتها تجمع بالألف والتّاء قياسا أيضا إذا كانت مصغّرة.
فيقال:
نساء صبيّرات وإن لم يجز صبورات وسكيرات وإن لم يجز سكرات وحميراوات وإن لم يجز حمراوات 190. -
الجزء: 1 - الصفحة: 353
................................
وإذا كان المؤنث يجمع بالألف والتاء فنحو أحيمر وصبير داخل في الضابط الذي ذكروه.
أما ألفاظ الكتاب:
فقوله: وتصحيح المذكّر أفاد أن الكلام فيه لا في المؤنث فاستغنى عن إيراد التذكير شرطا.
والمراد بالمذكر هنا المسمى لا اللفظ؛ لأن تذكير اللفظ ليس شرطا في صحة هذا الجمع، ولهذا لو سمي رجل بزينب أو سعدى أو أسماء لجاز بإجماع أن يقال فيه:
زينبون وسعدون وأسماوون.
ولو سميت امرأة بزيد مثلا امتنع فيه الجمع لتأنيث مسماه، وإن كان لفظه مذكرا.
وقوله: بالخلو من تاء التّأنيث إشارة إلى أحد الشروط فما فيه التاء لا يجمع هذا الجمع علما كان كطلحة أو غير علم كهمزة.
قال المصنف: «ولأجل الحاجة في النّوعين إلى الخلوّ من التّاء قدّم على سائر الشّروط» 191.
وعبر بتاء التأنيث دون هائه ليدخل في ذلك نحو أخت ومسلمات 192 علمي رجلين؛ فإنه لا يجمع هذا الجمع كما لا يجمع نحو طلحة وهمزة.
ونبه بقوله: المغايرة لما في نحو عدة وثبة علمين على أن ما صار علما من الثلاثي المعوض من لامه أو فائه هاء التأنيث فإنه يجمع بالواو والنون، وإن كان يجمع بالألف والتاء ما لم يكسر قبل العلمية كشفة فيلزم تكسيره بعد التسمية أو يعتل ثانيه - - التثنية والجمع (جـ 1 ورقة 147 أ): «لا يجوز جمع صبور من قولهم رجل صبور بالواو والنّون، فلا يقال: رجال صبورون؛ لأنّ صبورا لا يجمع بالألف والتّاء فلا يقال نساء صبورات».
ثم قال في باب التصغير من الشرح المذكور: (جـ 2 ورقة 98 أ): «إن كان الواحد يجوز أن يجمع جمع سلامة من غير تصغير لم يلزم تصغيره... وإن كان لا يجوز جمعه جمع السّلامة لزم تصغيره؛ لأنّ كلّ اسم مصغّر فإنّه يجوز جمعه جمع السّلامة».
الجزء: 1 - الصفحة: 354
................................
كشية [1/ 97] فيلزم جمعه بالألف والتاء أيضا 193 فيقال فيمن اسمه عدة وثبة:
جاء عدون وثبون ورأيت عدين وثبين، ذكر ذلك ابن السراج في الأصول 194.
قال المصنف: «وهو مأخوذ من كلام سيبويه رحمه الله تعالى» 195.
وأجاز سيبويه - رحمه الله تعالى - في ربت مسمى به رجل مخففة أن يقال فيها: ربون وربات 196. وقد استشكل ذلك من حيث أن التاء ليست عوضا من فاء ولا لام.
وأما قوله: ومن إعراب بحرفين ومن تركيب إسناد أو مزج فقد علم أن ذلك شرط التثنية والجمع مطلقا لا بقيد كونه بالواو والنون وقد قال المصنف هنا بعد تمثيله بزيدين وزيدين واثنين وعشرين وبتأبّط شرّا وسيبويه: «إنّ هذه الأنواع لا تثنّى ولا تجمع، فإن احتيج إلى تثنية شيء منها أضيف إليه ذو.
وإن احتيج إلى جمعه أضيف إليه ذوو».
وبعض النحويين يعامل الممزوج في التثنية والجمع على حدها معاملته في النسب، فيحذف العجز ويولي آخر الصدر العلامة فيقول:
جاء السّيبان والسّيبون، ومررت بالسّيبين والسّيبين ومنهم من ألحق العلامة الاسم بكماله فيقول: سيبويهان وسيبويهون 197. -
الجزء: 1 - الصفحة: 355
................................
وأما قوله: وبكونه لمن يعقل فقد قال المصنف 198: «لا حاجة إلى تنكّب التعبير بمن يعقل واستبداله بمن يعلم كما نص قوم، لأن باعثهم على ذلك قصد دخول أسماء الله تعالى فيما يجمع هذا الجمع، والعلم مما يخبر به عن الله
تعالى دون العقل.
وباعثهم على ذلك غير مأخوذ به إلا فيما سمع نحو: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ 199؛ فليس لغير الله تعالى أن يجمع اسما من أسمائه.
فقادرون ونحوه من المعبر به عن الله تعالى مقصور على السماع، فإذا لم يدع داع إلى تنكب لفظ العقل فذكره أولى من لفظ العلم 200 لأنه أدلّ على المقصود».
وأما قوله: أو مشبّه به فأشار بذلك إلى نحو: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ 201؛ لأن المراد به ما لا يعقل إلا أنه بنسبة السجود إليه أشبه ما يعقل فعومل معاملته في الجمع والإضمار.
وهذا مطرد فيما جرى هذا المجرى مما لا يعقل 202.
ومنه قول الشاعر يصف قوسا ونبلا:
127 - فحالفني دون الأخلّاء نبعة... ترنّ إذا ما حرّكت وتزمجر
لها فتية ماضون حيث رمت بهم... شرابهمو قان من الدّم أحمر 203
-
- وقال السيوطي في الهمع (1/ 42): «جوّز الكوفيون تثنية نحو بعلبكّ وجمعه واختاره ابن هشام الخضراوي وأبو الحسن بن الربيع وبعضهم بتثنية ما ختم بويه وجمعه وهو اختياري.
وذهب بعضهم إلى أنه يحذف عجزه فيقال: سيبان وسيبون».
- وقال السيوطي في الهمع (1/ 42): «جوّز الكوفيون تثنية نحو بعلبكّ وجمعه واختاره ابن هشام الخضراوي وأبو الحسن بن الربيع وبعضهم بتثنية ما ختم بويه وجمعه وهو اختياري.
الحديث: 127 - الجزء: 1 - الصفحة: 356
................................
ومن المشبه بما يعقل: الدواهي والعجائب والأشياء المستعظمة نحو: أصابهم الأمرّون والفتكرون والبرحون 204، وعمل بهم العملّين أي الأعمال العجيبة التي كأنها تعلم غاية ما أريد منها، وقالوا للمطر الذي يعظم شأنه ويعم نفعه: وابلون.
وقوله: علما واضح فنحو رجل وفتى لا يجمع بالواو والنون وإن اجتمعت الشروط لخلوه من العلمية.
ونقل الشيخ على المازني: «أنّه يمنع جمع العلم المعدول كعمر وتثنيته، فلا يجمع جمع سلامة ولا جمع تكسير وإنه إذا قصد الجمع أو التثنية يقال:
جاءني رجلان كلاهما عمر ورجال كلهم عمر» 205.
وأما قولهم في الحكاية: أيّون.
وإنه ليس بعلم فقيل: إنه من باب حرّون فجمع بالواو والنون عوضا عن [1/ 98] النقص المتوهم بالإدغام 206.
قال الشيخ أيضا 207: «أما لو صغّر نحو غلام وفتى لقيل غليّمون وفتيّون وكذا سكران وأحمر إذا صغّرا قيل فيهما: سكيرانون وأحيمرون».
- - وهو يصف تفرق الإخوان عنه وبقاء سيفه الماضي معه وسهمه الباتر.
ويستشهد بهما على وصف ما لا يعقل بوصف العاقل في قوله: لها فتية ماضون.
الجزء: 1 - الصفحة: 357
................................
أما في الأسماء فلأن التصغير وصف في المعنى، وأما في الأوصاف التي كان يمتنع جمع مكبرها فلتعذر تكسيرها؛ لأن التكسير يؤدي إلى حذف ياء التصغير فيذهب المعنى الذي جيء بها لأجله.
وقد يجعل هذا علة لنحو رجل أيضا فتكون العلة في الأسماء والصفات واحدة.
ونبه الشيخ على أن الكلمة إذا كانت مبنية على التصغير جاز تكسيرها، نحو كميت وكعيت فيقال: كمت وكعتان، لأن المعنى الذي أوجب التصغير ملازم لهما بخلاف نحو رجيل وأحيمر؛ فإنك إذا قلت فيهما رجال وحمر، لم يدر هل هما جمع المكبر أو المصغر 208.
وأما قوله: أو صفة تقبل تاء التّأنيث فنبه به على أن الصفة إذا لم تقبل التاء لم يلحق بها هذا الجمع كأحمر وسكران في لغة غير بني أسد 209، وكصبور وقتيل؛ ويرد على هذه العبارة أفعل التفضيل؛ فإنه لا يقبل تاء التأنيث ويجوز جمعه كالأفضلين.
والعبارة الجيدة ما قاله الجزولي 210: «وهو ألا يمتنع جمع مؤنّث ذلك الاسم بالألف والتّاء» فلا يرد أفعل التفضيل، وتشمل هذه العبارة الأقسام كلها.
وأما قوله: إن قصد معناه فلا أدري مما احترز به، إلا أن الشيخ أورد على المصنف نحو خصيّ وهو ما كان من الأوصاف مختص المعنى بالمذكر؛ فإنه يجمع هذا -
الجزء: 1 - الصفحة: 358
................................
الجمع وهو لا يقبل التاء 211. فيمكن الجواب عن هذا الإيراد بأن يقال: خصيّ يقبل تاء التأنيث عند قصد معنى التأنيب فلو قصد لقبل.
فاللفظ صالح للقبول عند الإرادة؛ لكن لا يراد ذلك لانتفاء المقتضي لإرادته في المؤنث.
وقوله: خلافا للكوفيين في الأوّل والآخر أي في الشرط الأول وهو الخلو من تاء التأنيث وفي الشرط الآخر وهو قبول تاء التأنيث.
فأجازوا أن يقال في هبيرة:
الهبيرون، وفي أحمر أحمرون.
والبصريون لا يجيزون ذلك 212 فإن سمع منه شيء عدوه نادرا كقول العرب: علانون في جمع علانية وهو الرجل المشهور.
وقولهم: رجال ربعون في جمع ربعة وهو المعتدل القامة.
وكذا قول الشاعر:
128 - منّا الّذي هو ما إن طرّ شاربه... والعانسون ومنّا المرد والشّيب 213
فجمع عانسا وهو لا يقبل التاء.
-
الحديث: 128 - الجزء: 1 - الصفحة: 359
................................
وقول الآخر:
129 - فما وجدت نساء بني نزار... حلائل أسودين وأحمرينا 214
وأسود وأحمر لا يقبلان التاء أيضا.
قيل: وإنما لم يجمع ما فيه التاء بالواو والنون لما يؤدي إليه الحال: أما من أثبت التاء فيلزم الجمع بين علامتين متضادتين وهما التاء الدالة على التأنيث والواو الدالة على التذكير؛ وأما من حذفها فيلزم حصول الإخلال من جهة أنها حرف معنى وقد صارت بالعلمية لازمة للكلمة.
فأما ورقاوون فالواو فيه ليست بعلامة تأنيث؛ إنما هي بدل من الهمزة المبدلة من ألف التأنيث.
وإنما اشترط قبول التاء في جمع الصفة لأنهم قالوا: إنما جمعت الصفة بشروطها المذكورة دون الاسم [1/ 99] الجامد لشبه الصفة بالفعل من جهة أن الصفة فيها معنى الفعل؛ وإذا كانت للمذكر لم تلحقها التاء، وإذا كانت للمؤنث لحقتها كما أن الفعل كذلك.
فلما كانت الصفة التي للمذكر والمؤنث بغير تاء لا تشبه الفعل لم تجمع إذا كانت لمذكر بالواو والنون.
فأما جمعهم أفعل التفضيل مع أنه لا يشبه الفعل فيما ذكر فعللوه بأن هذه الصفة لا يجوز تنكيرها إلا في ضرورة، فلما لزمت التعريف وهو فرع أشبهت لذلك -
الحديث: 129 - الجزء: 1 - الصفحة: 360
قال ابن مالك: (وكون العقل لبعض مثنّى أو مجموع كاف، وكذا التّذكير مع اتّحاد المادّة؛ وشذّ ضبعان في ضبع وضبعان).
الفعل؛ لأن الفعل فرع على الاسم فلما أشبهته في الفرعية جمعت بالواو والنون.
قالوا: ولهذه العلة نفسها جمع الاسم الجامد إذا كان علما دون النكرة لأن التعريف فرع والتنكير أصل.
ولا يخفى ضعف ما ذكروه من العلل.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «إذا قصدت تثنية أو جمعا فيما لم يعمّه العقل غلب ذو العقل وجعل ثبوته له مغنيا عن ثبوته لما زاد عليه فتقول في رجل سابق وفرسين سابقين: سابقون، وكذا يفعل في تثنية أو جمع فيما لم يعمه التذكير مع اتحاد المادة فيقال في امرئ وامرأة: امرآن، وفي مسلم ومسلمة وأحمر وحمراء وسكران وسكرى وابن وابنة وأخ وأخت، وفتى وفتاة: مسلمان وأحمران وسكرانان وابنان وأخوان وفتيان.
ولا يقال في رجل وامرأة رجلان، ولا في ثور وبقرة ثوران، ولا في غلام وجارية غلامان.
إلا في لغة من قال: رجلة وثورة وغلامة 215 - لأن المادة واحدة.
وأما من لم يقل إلا: رجل وامرأة وثور وبقرة وغلام وجارية فلا يقول رجلان ولا ثوران ولا غلامان إلا في: رجل ورجل وثور وثور وغلام وغلام ويفهم الكلام على الجمع من الكلام على التثنية».
انتهى 216.
وفي كلامه مناقشتان: إحداهما قوله: وكون العقل لبعض مثنّى كاف.
ولا شك أن العقل ليس شرطا في التثنية فلا حاجة إلى ذكره بالنسبة إلى المثنى 217.
الثانية: قوله: وكذا التّذكير مع اتحاد المادة؛ إذ لا حاجة إلى التقييد باتحاد -
الجزء: 1 - الصفحة: 361
[الملحق بجمع المذكر السالم]
قال ابن مالك: (وما أعرب مثل هذا الجمع غير مستوف للشّروط فمسموع كنحن الوارثون، وأولي وعلّيّين وعالمين وأهلين وأرضين وعشرين إلى التّسعين).
المادة؛ لأن من شرط التثنية والجمع الاتفاق في اللفظ.
وتصحيح الكلام أن يقال:
وكون التّذكير لبعض مثنّى أو مجموع كاف وكذا العقل في الجمع 218.
وقد شذوا في كلمة فغلبوا فيها المؤنث على المذكر فقالوا ضبعان في ضبع للمؤنث وضبعان للمذكر.
وعلل ذلك بما يعرض من الثقل لو قالوا: ضبعانان؛ على أنه قد قيل: ضبعانان، بتغليب المذكر على الأصل.
قال الشيخ: «وكذلك غلّبوا في الجمع، فقالوا: ضباع ولم يقولوا ضباعين» 219.
قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على شروط الجمع المصحح بالواو والنون، شرع في ذكر ما أعرب [1/ 100] إعراب الجمع المذكور ولم يستوف الشروط المذكورة؛ لكنه حمل على الجمع في إعرابه، ولذا كان موقوفا على السماع.
فمن ذلك الوارد بصورة الجمع من أسماء الله تعالى: مثل: وَنَحْنُ الْوارِثُونَ 220، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ 221، فَنِعْمَ الْماهِدُونَ 222؛ لأن معنى الجمعية فيها ممتنع.
وما ورد منها بلفظ الجمع فتعظيم مقتصر فيه على السماع.
ومنه: أولو: وهو اسم جمع ومعناه ذوو كما تقدم.
ومنه: عليّون: وهو اسم مفرد وكأنه لما أخذ الغاية في الارتفاع.
قال المصنف 223: هو اسم لأعلى الجنة جعلنا الله من أهله بمنه وكرمه - كأنه في الأصل فعيل من العلو فجمع جمع ما يعقل وسمي به، وله نظائر من أسماء الأمكنة: -
الجزء: 1 - الصفحة: 362
................................
منها: صرّيفون وصفّون ونصّيبون وقنّسرون وفلسطون ويبرون ودارون؛ فهذه كلها أسماء لأشياء مفردة ولا واحد لها من لفظها 224.
ومنه: عالمون؛ وجعله المصنف اسم جمع مخصوصا بمن يعقل، قال: وليس جمع عالم لأن العالم عام والعالمين خاص، وليس ذلك شأن الجموع.
وكذلك أبى سيبويه أن يجعل الأعراب جمع عرب؛ لأن العرب يعم الحاضرين والبادين والأعراب خاص بالبادين 225.
وجعله بعضهم جمع عالم مرادا به من يعقل؛ وفعل به ذلك ليقوم جمعه مقام ذكره موصوفا بما يدل على عقله.
ورد ذلك المصنف بأنه لو جاز في عالم هذا الذي زعم، لجاز في غيره من أسماء الأجناس الواقعة على ما يعقل وعلى ما لا يعقل، فكنا نقول في جمع شيء إذا أريد به من يعقل: شيئون وفي امتناع ذلك دليل على فساد ما أدى إليه 226.
ومنه أهلون: وهو جمع أهل وأهل ليس بعلم ولا صفة؛ لكنه استعمل استعمال مستحق في قولهم: هو أهل كذا وأهل له فأجري مجراه في الجمع.
قال الله تعالى:
شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا 227، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ لله أهلين من النّاس» 228. -
الجزء: 1 - الصفحة: 363
................................
ومنه قول الشاعر:
130 - وما المال والأهلون إلّا ودائع... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع 229
قال المصنف: «ومثل أهلين في مخالفة القياس جمع مرء على مرئين في قول الحسن البصري رضي الله عنه: أحسنوا أملاءكم أيّها المرءون» 230.
ومنه أرضون 231: جمع أرض وهي اسم جنس جامد مؤنث دال على ما لا يعقل.
قال المصنف: «هذا النوع من الجمع قد صار عندهم دليلا على ما يستعظم ويتعجّب منه؛ لأن أعجب الأشياء ذو العقل فألحق به في هذا الجمع الأشياء العجيبة في نفع أو ضر تنبيها على استعظامها وبذا علل الفراء عليين» 232.
وقيل: إنما قالوا أرضون في أرض على سبيل التعويض كما فعل ذلك بسنة ونحوها؛ لأن الأرض مثلها في التأنيث المجازي وعدة الأصول ونقص ما حقه ألا ينقص؛ لأن الأرض اسم ثلاثي مؤنث فحقه أن يكون بتاء تأنيث؛ فلما خلا منها -
الحديث: 130 - الجزء: 1 - الصفحة: 364
حكم سنين وبابه
قال ابن مالك: (وشاع هذا الاستعمال فيما لم يكسّر من المعوّض من لامه هاء التّأنيث بسلامة فاء المكسورها وبكسر المفتوحها وبالوجهين في المضمومها، وربّما نال هذا الاستعمال ما كسّر ونحو رقة وحرّة وأضاة وإوزّة).
نزل نقصها منزلة نقص لام سنة فاستويا في جمع التعويض 233.
ومنه عشرون وأخواته إلى تسعين: وشذوذها بيّن لأنها ليست بجموع [1/ 101] ولانتفاء شروط الجمعية منها.
وقال بعضهم:
ثلاثون وأخواتها جموع على سبيل التعويض كما ذكر في أرض؛ لأن تاء التأنيث من مفرداتها سقطت حين عد بها المؤنث وكان من حقها ألا تسقط؛ فجمعت هذا الجمع تعويضا وعوملت العشرة بذلك وإن لم يكن في عشرين معنى الجمعية؛ لأن المثنى قد يعرب إعراب هذا الجمع.
وغيرت عينها كما غيرت سين سنة وراء أرض.
قال المصنف: وهذا قول ضعيف لأن ذلك لو كان مقصودا لم يكن واحد من هذه الأسماء مخصوصا بمقدار؛ إذ لم يعهد ذلك في شيء من الجموع قياسية كانت أو شاذة 234.
قال ناظر الجيش: هذا الاستعمال إشارة إلى الرفع بالواو والنصب والجر بالياء وزيادة النون بعدهما.
ومراده: أن
الاستعمال المذكور شاع أي كثر فيما حذفت لامه وعوض عنها هاء التأنيث؛ لكن شرطه: ألا يكون كسر فنحو شفة وشاة لم يستعملا كذلك لأنهما قد كسرا على شفاه وشياه؛ فلأجل تكسيرهما لم يجمعا جمع سلامة لا بالألف والتاء ولا بالواو والنون.
أما ما لم يكسر نحو سنة وثبة فجعل لهما ولأمثالهما هذا الاستعمال عوضا فيقال: سنون وثبون وسيأتي أنهما يجمعان بالألف والتاء أيضا 235.
وخرج بذكر الهاء: بنت وأخت لأنهما وإن كانت اللام منهما محذوفة معوضا عنها فلا يجمعان هذا الجمع.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 365
................................ وأشار بكسر الفاء وفتحها وضمها إلى ما حكى ابن كيسان عن الكسائي: إن المعوّض من لامه هاء التأنيث إن كان مضموم الأول كقلة وثبة جاز في جمعه الضمّ والكسر وإن كان مفتوح الأول أو مكسورها كسنة ومائة لم يجز في جمعه إلا الكسر 236. ثم أشار المصنف إلى أن هذا الاستعمال قد يجيء فيما كسر لكنه قليل، وذلك نحو برة فإنه يقال: برى وبرات وبرون 237، وكذلك ظبة فإنه قيل في جمعها ظبى وظبات وظبون. وذكر أنه يقال في نحو رقة، وأراد بذلك ما حذفت فاؤه وعوض عنها: رقون. قال المصنف: «وهو قليل، والمحفوظ منه رقة ورقون ولدة ولدون وحشة وحشون. والرقة: الفضة، واللدة: القرب، والحشة: الأرض الموحشة» 238. ومن الوارد على هذا الاستعمال على قلة: أضاة وإضون، وإوزة وإوزون، والأضاة: الغدير ويجمع على إضين بكسر الهمزة وحذف الألف: قال الشاعر: 131 - خلت إلّا أياصرا أو نؤيّا... محافرها كأسرية الإضين 239
الحديث: 131 - الجزء: 1 - الصفحة: 366
................................
وقد كسرت أضاة على آضاء.
وأما إوزون فقد تقدم قول الشاعر:
132 - تلقى الإوزّون في أكناف دارتها.........
البيت 240 وقد جمعوا إحرة فقالوا: إحرّون وحرّون 241 [1/ 102].
قال الشيخ 242: «وقد طول النحاة في تعليل ما جمع هذا الجمع مما لم يستوف الشروط» وملخص ما حوموا عليه: أن العرب لم يجمعوا هذا الجمع إلا عوضا من شيء نقص حقيقة كالذي حذف لامه أو فاؤه أو ما كان يجب له من كونه مؤنثا بالتاء أو نقص توهما كإوزة وإحرة فكأنهما نقصا بالإدغام 243. - صغير يشد به أسفل الخباء كالإصار (القاموس أصر) نؤي: بضم أوله وكسر ثانيه جمع نؤي بنون مضمومة وهمزة ساكنة بعدها وأصل الجمع على وزن فعول عمل فيه ما يعمل في عسى ونحوه.
محافرها: جمع محفر وهو الحفرة.
أسرية: جمع سري كغني وهو نهر صغير يجري إلى النخل.
الإضين: جمع أضاة وهو الغدير.
وشاهده واضح من الشرح.
ونون الإضين إن كسرت فالإعراب عليها وإن فتحت فالإعراب بالياء.
الحديث: 132 - الجزء: 1 - الصفحة: 367
[إعراب المعتل اللام من جمع المذكر وجمع المؤنث]
قال ابن مالك: (وقد يجعل إعراب المعتلّ اللّام في النّون منوّنة غالبا، ولا تسقطها الإضافة وتلزمه الياء وينصب كائنا بالألف والتاء بالفتحة على لغة ما لم يردّ إليه المحذوف، وليس الوارد من ذلك واحدا مردود اللّام؛ خلافا لأبي عليّ).
قال ناظر الجيش: من العرب من يشبه سنين ونحوه من المعتل اللام المعوض عنها هاء التأنيث، بغسلين فتلزمه الياء وتعربه بالحركات منونا فتقول:
إن سنينا يطاع فيها الله لسنين من خير السنين، وسنينك أكثر من سنيني.
وبعض هؤلاء لا ينون فتقول: مرت عليه سنين فيترك التنوين؛ لأن وجوده مع هذه النون كوجود تنوينين في حرف واحد 244.
وإنما اختص هذا النوع بهذه المعاملة لأنه أعرب إعراب جمع التصحيح، وكان الأحق به إعراب جمع التكسير لخلو واحده من شروط جمع التصحيح، ولعدم سلامة نظمه؛ فكان جديرا بأن يجري مجرى صنوان وقنوان 245، فلما كان ذلك مستحقّا ولم يأخذه، نبه عليه بهذه المعاملة، وكان بها مختصّا.
وقد فعل ذلك ببنين كقول الشاعر:
133 - وكان لنا أبو حسن عليّ... أبا برّا ونحن له بنين 246
-
- فغظناهم حتى أتى الغيظ منهم... قلوبا وأكبادا لهم ورئينا وجمع ثدي على ثدين وهو غريب لعدم الحذف منه في قوله (من الوافر): فأصبحت النّساء مثلّبات... لها الويلات يمددن الثّدينا
الحديث: 133 - الجزء: 1 - الصفحة: 368
................................
لأنه أشبه سنين في حذف لامه وتغير نظم واحده.
ولتغير نظم واحده قيل فيه:
فعلت البنون 247 ولا يقال فعلت المسلمون؛ ولو عومل بهذه المعاملة عشرون وأخواته لكان حسنا؛ لأنها ليست جموعا فكان لها حق في ذا الإعراب بالحركات كسنين.
ويمكن أن يكون هذا معتبرا في الأربعين من قول جرير:
134 - وماذا تدّري الشّعراء منّي... وقد جاوزت حدّ الأربعين 248
-
- ويستشهد به على إعراب بنين بالحركات على النون، وهو خبر مرفوع بالضمة الظاهرة، والبيت في شرح التسهيل لابن مالك (1/ 85)، وللمرادي (1/ 75)، ولأبي حيان (1/ 333) وهو في معجم الشواهد (ص 393).
الحديث: 134 - الجزء: 1 - الصفحة: 369
................................ فيكون الكسر كسر إعراب لا ضرورة 249. وإذا جاز لهم الانقياد 250 إلى الشبه اللفظي في الخروج من فرع إلى أصل، فالانقياد إليه من أصل إلى فرع أحق بالجواز، وذلك أنهم قالوا في ياسمين وسرجين وشياطين: ياسمون وسرجون وشياطون، وأعربوها إعراب جمع التصحيح تشبيها للآخر بالآخر، وإن كان نون بعضها أصليّا مع أن هذا الأعراب فرع. والإعراب بالحركات أصل؛ فأن يشبه باب سنين وظبين بباب قرين ومبين 251 أقرب وأنسب. وإنما ألزموه إذ أعربوه بالحركات الياء دون الواو؛ لأنها أخف ولأن باب غسلين أوسع مجالا من باب عربون، ولأن الواو كانت إعرابا صريحا؛ إذ لم يشترك فيها شيآن؛ فلو لزمت عند الإعراب بالحركات لكان الرفع بالضمة معها كرفعين، وليست الياء كذلك؛ إذ لم ينفرد بها شيء واحد. والضمير من قوله: وينصب كائنا بالألف والتّاء عائد إلى المعتل اللام [1/ 103] المعوض منها تاء التأنيث. فإذا جمع هذا النوع بالألف والتاء جاز عند بعض العرب نصبه بالفتحة، كقول بعضهم: سمعت لغاتهم بفتح التاء. قال الشاعر: 135 - فلمّا جلاها بالأيام تحيّزت... ثباتا عليها ذلّها واكتئابها 252
الحديث: 135 - الجزء: 1 - الصفحة: 370
................................
رواه الفراء هكذا بفتح التاء 253.
ولا يعامل هذه المعاملة إلا إذا لم يرد إليه المحذوف؛ فإن رد كسنوات وعضوات رجع إلى ما هو به أولى وهو النصب بالكسرة؛ لأن نصبه بالفتحة قبل الرد كان لشيئين:
أحدهما: الشبه بباب قضاة في أنه جمع آخره تاء مزيدة بعد ألف في موضع لام معتلة.
والثاني: أن ثبات بإزاء ثبين وكسرته بإزاء يائه؛ فكما جاز على لغة أن يراجع الأصل بثبين تشبيها بمبين، جازت مراجعته بثبات تشبيها بنبات.
وكل واحد من السببين منتف مع رد المحذوف فبقي على الإعراب الذي هو به أولى.
ولا يعامل عدات من المعتل الفاء 254 معاملة ثبات لانتفاء السببين المذكورين.
وزعم أبو علي 255 أن قول من قال: سمعت لغاتهم بالفتح لا يحمل إلا على أنه مفرد ردت لامه وقلبت ألفا.
وهذا الذي ذهب إليه مردود من أوجه:
أحدها: أن جمعية لغات في غير: سمعت لغاتهم، ثابتة والأصل عدم الاشتراك لا سيما بين أفراد وجمع.
الثاني: أن التاء في هذا الجمع 256 عوض من اللام المحذوفة؛ فلو ردت لكان - - جمع أيضا منصوب بالفتحة، كما جاء ذلك عن العرب مطلقا، أو لأنه محذوف اللام التي لم ترد إليه في الجمع كما حكى الكسائي: سمعت لغاتهم بفتح التاء.
وكما يحكي ابن سيده: رأيت بناتك بفتحها أيضا.
وانظر البيت في: شرح التسهيل (1/ 87)، والتذييل والتكميل (1/ 151 - 335). واستشهد به ابن جني على أن تحيزت وزنه تفيعلت من حاز يحوز (المحتسب: 1/ 118).
الجزء: 1 - الصفحة: 371
................................
جمعا بين العوض والمعوض عنه وذلك ممنوع.
والثالث: أن بعض العرب قال: رأيت بناتك بفتح التاء، حكاه ابن سيده 257، وهذا نص في الجمعية التي لا يمكن فيها ادعاء الإفراد 258 فبطل قول أبي علي بطلانا جليّا غير خفي.
هذا كله كلام المصنف نقلته بنصه 259.
الجزء: 1 - الصفحة: 372